الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

عبداللطيف السعدون

  *كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا،

 شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي"

 وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"

يكتب مقالا اسبوعيا في (العربي الجديد) لندن

عن "لعبة الكلمات المتقاطعة"

في العراق

عبد اللطيف السعدون

 

ثمّة ما هو جديد في "لعبة الكلمات المتقاطعة" التي يجرى تداولها بين رجال السياسة وزعماء المليشيات في العراق منذ ما يقرب من عقدين، وجديدها هذه المرّة دخول القضاة عنصرا فاعلا في إدارتها والتدخل في مسارها، إذ أفتت المحكمة الاتحادية بوجوب حل البرلمان، لأنه لم يقم بواجباته الدستورية، وتجاوز عن المدد التي حدّدها الدستور في مسألة تشكيل الحكومة، (لماذا لم تتصدّ المحكمة إياها لهذا التجاوز في حينه؟). وأضافت المحكمة أن أعضاء البرلمان لم يراعوا مصلحة الشعب، وكانوا السبب في تعطيل مصالح البلاد وفي تهديد سلامتها!.

هكذا برّرت المحكمة "الخائفة والمستسلمة"، بتعبير مقتدى الصدر، وجوب الحل، لكنها عادت لتقرّر أن الحل يجب أن تكون له مبرّراته، وكأنها تريد أن تقول إن ما طرحته ليس كافيا ولا يرقى إلى تبرير الحل. وفي التفاتة ثالثة، رأت أنه لا يحق لها دستوريا اتخاذ قرار الحل، وإنما هناك "جهة مختصة" لها سلطة اتخاذ قرار كهذا "إن توفرت المبرّرات!". وبذلك نزعت المحكمة عن نفسها مسؤولية اتخاذ القرار المطلوب، لتعيد بذلك المسألة إلى نقطة الصفر، وتضع الكرة بين أقدام رجال السياسة وزعماء المليشيات يتقاذفونها حيث يشاؤون.

يزيد من قوة موقف المالكي أن طروحاته تحظى بمباركة طهران، وإن كانت تزعم أنها تقف على مسافة واحدة من طرفي الخصومة

في هذه المرّة، بدت المحكمة مروّجة مطلب أحد طرفي الخصومة، وهو "الإطار التنسيقي"، أو قل متواطئة معه، لأجل تمرير "صفقة" سياسية، يستطيع من خلالها نوري المالكي أن يعود "رجلا أول" في المشهد السياسي، بعد أن فقد كثيرا من عناصر قوته إثر "التسريبات" الأخيرة لأحاديثه. وهدف المالكي إعادة إنتاج "العملية السياسية" الماثلة، بعد أن أوشكت على السقوط، عبر عقد جلسة للبرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم تشكيل حكومة خاضعة لـ"الإطار"، تأخذ على عاتقها إجراء انتخابات برلمانية مبكّرة. هذا على خلاف مطلب خصمه اللدود مقتدى الصدر، الذي يريد حل البرلمان فورا بقرارٍ من رئيسي الجمهورية والحكومة، وتمديد عمر حكومة مصطفى الكاظمي من أجل أن تشرف على الانتخابات المبكّرة. وبالتالي، استثمار الشعبية التي حصل عليها عند نزول أنصاره إلى الشارع، لكن تراجع حلفائه، الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة السنّي، عن دعمه وتبنّيهم موقف المالكي، وجّها له ضربة قاصمة، ووضعاه من جديد في الزاوية الحرجة.

يزيد من قوة موقف المالكي أن طروحاته تحظى بمباركة طهران، وإن كانت تزعم أنها تقف على مسافة واحدة من طرفي الخصومة. أما واشنطن، وهي الداعمة الأخرى للعملية السياسية، فإنها تسعى إلى دفع العراق إلى موقعٍ أقل انحيازا لإيران، وتراهن على "تغيير" محدود يسمح بنقلة نوعية في إدارة السلطة في بغداد، من دون خسائر كبيرة لنفوذها. وهذا، في رأيها، يمكن لحكومة من الصدريين و"التشرينيين" والعناصر المستقلة أن تنهض به، لكن فرصة تحقيق هذا السيناريو تظلّ ضئيلة. وأيضا، العودة إلى الشارع غير ممكنة في الوقت الحاضر، لأسباب كثيرة.

وعلى أية حال، يسجل على المحكمة الاتحادية أنها، كما فعلت في مرّة سابقة عندما اتخذت قرارا منحازا بخصوص "الكتلة الأكبر"، فإنها، في هذه المرّة أيضا، تكون قد غادرت موقعها القانوني، وأخذت "تشتغل" سياسةً لمصلحة أطرافٍ معينة، متخلية عن صفة "الاستقلالية" التي ينبغي أن تتصف بها كي تقيم العدل، وتحكُم وفق ما يقرّره الدستور.

تكبر "لعبة الكلمات المتقاطعة"، وتزداد عقدة الاستعصاء، ويبتعد الحل، ويستمرّ تعطيل مصالح الناس

وهكذا يصبح رجال القضاء كمن يرون ضوءا في آخر النفق، ثم يسارعون إلى بناء نفق أطول، وتكبر "لعبة الكلمات المتقاطعة"، وتزداد عقدة الاستعصاء، ويبتعد الحل، ويستمرّ تعطيل مصالح الناس التي تزعم المحكمة حرصها عليها، كما يصبح التهديد بسلامة البلد الذي وضعته المحكمة على كفّ عفريت أمرا مقدّرا ولا مفر منه.

ما العمل إذن؟ مع تعدّد "السيناريوهات" المحتملة، واختلاط بعضها ببعضها الآخر، يصبح من الصعب القول إن العراق مقبلٌ على مرحلة استقرار وهدوء، بل قد يستمرّ الصدام بين القوى الفاعلة اليوم في المشهد السياسي، وقد يتطوّر الصدام إلى ما هو أعنف وأكثر حدّة، إلى درجة أن يغري ذلك قوى خارجية بالتدخل لحماية مصالحها. وثمّة تقارير تؤكد أن إيران جاهزة للتدخل في حالة حدوث فراغ في السلطة، وأنها، كما تقول تلك التقارير، أدخلت إلى العراق في الآونة الأخيرة، لهذه المهمة، فرقة خاصة من الحرس الثوري، تحت ستار تأمين حماية زوار أربعينية الحسين.

هذا يعني أن لعبة الكلمات المتقاطعة لن تمرّ بسهولة، والرابح هو الذي سوف يرفع يده في النهاية، أما الخاسر الأكبر في كل الأحوال فهو العراق.

 

 

هل وصل

العراق إلى كرة النار؟

عبد اللطيف السعدون

 

رجعتُ الى السياسي العراقي العتيق، أسأله: كيف يرى الحال اليوم في بلاده... أجابني: "لم يعد العراق اليوم مركز الكون الذي تحدّثت عنه الأساطير، فقد هشّمته السياسات الهوجاء والأقدار القاسية على مدى عقود، حتى كادت أن تودي بكيانه الموحّد، وتجعله هشيما تذروه الرياح، وهو في هذه الأيام يوشك أن يصل إلى كرة النار. لا أحد يعرف كيف ستؤول الأمور، لا نعرف كيف ستسير الأمور بعد ذلك، نحن الذين اختبرنا السياسة واختبرتنا السياسة لم يعد سهلاً علينا أن نقول كلمتنا، فالأحداث اليومية في حالة سيولة، وتكاد تنعدم الرؤية في ملاحقة ما يجري".
واستطرد: "العراق الذي نعرف لم يعد مكاناً آمناً صالحاً للعيش، بعدما استوطنته المليشيات، واصطبغ كلّ ما فيه بلون الدم، ولم تعد بغداد بيئةً قابلة للتسويات أو للحلول الوسط، فقد انقطعت الخيوط بين كلّ الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي، كما لم يعد هناك رابطٌ بين ما يفكّر فيه السياسيون وبين ما يريده المواطنون الذين انصرفوا عن تأمل الواقع الماثل، وبعضهم أدمن اليأس، ولم يجد ضالّته إلّا في ارتياد مواكب اللطم والعزاء وزيارة القطّارات التي قيل إنّ أولياء الله مرّوا بها، والأماكن التي كانت مربط خيلهم، عساها تمنحهم البركة وتمدّهم بالعزم على مقارعة هموم الحياة، حتى ظهور المهدي الذي يجيء ولا يجيء!".

الأميركيون غير غافلين عمّا يجري هنا، فهذه الفوضى الخلاقة هم من صنعوها لنا

تابع: "العراق الذي نعرف لم يعد كما كان، فقد تحوّل إلى بلد مستباح يغشاه تدهور مريع، لا برلمان، لا حكومة، لا قضاء، لا صحافة حرّة، لا إعلام مستقلاً، لا كهرباء، لا ماء، لا خدمات، لا صناعات، لا زرع ولا ضرع، وكلّ من فيه حكّام فاسدون، ومليشيات سوداء، وأمن مفقود، وسلاح منفلت، ومليارات الدولارات تُنهب في وضح النهار، وجوعى يموتون على الأرصفة، وأجساد تتهاوى في القاع بفعل وحشي من فاعل معلوم. الأميركيون غير غافلين عمّا يجري هنا، فهذه الفوضى الخلاقة هم من صنعوها لنا، وهم من كتبوا دستورها، وهم من جمع الأفاقين واللصوص من أزقة العالم كي يحكمونا. أما الايرانيون فقد خطفوا بلدنا، وكل همّهم أن يجعلوا منه "ضيعةً" تابعة لهم تشكّل ممرّاً استراتيجياً نحو البحر، حيث سورية ولبنان وما وراءهما، وبما يوطّد مشروعهم التاريخي الذي يعملون عليه، وهم ينتظرون ساعة توقيع صفقة الاتفاق النووي مع الأميركيين، كي تشرع الأبواب أمامهم للتغلغل أكثر فأكثر في ديارنا، وللتحكّم في مآلات شعوبنا". أردف: "أما أصدقاؤنا فقد أشاحوا بوجوههم عنا، ولم يعودوا في وارد الاهتمام بنا، ولم تعد تصل إلينا منهم سوى رسائل رثاء وتعاطف كاذب، وسوى صدقات متواضعة، لا تكاد تصل إلى أفواه الفقراء، وصداقات تأخذ منا أكثر مما تعطينا".

أقدار العراق أصبحت مفتوحة على كلّ الاحتمالات

وقال: "إنّنا نعيش أزمات حقيقية، ما إن نسعى إلى حلها حتى تلد أخرى، والمفاتيح القديمة لم تعد تصلح لفكّ مغاليقها أو التعامل معها، والذين يراهنون على حلول قاصرة، وإصلاحات مؤقتة من قبيل إجراء انتخابات جديدة أو تغيير القضاة أو تعديل الدستور يكونون كمن يريد معالجة مريض السرطان بالحبوب المخدّرة التي تأخذه إلى الموت البطيء، وهذا ما نخشاه على بلدنا!"
سألته: ما الحلّ إذاً؟ أطلق زفرة طويلة قبل أن يجيب: "لا حلّ في الأفق، لا ضوء في آخر النفق، ربما نحتاج زمناً أطول كي نتحسّس جراحنا، ونتلمّس ملامح مشروعٍ ما، يمكّننا من استعادة بلدنا من أيدي خاطفيه والمهيمنين عليه. إننا اليوم نعيش ما يشبه تلك اللحظة التي شخّصها المفكر الإيطالي، أنطونيو غرامشي... القديم ينهار وهو في طريقه إلى الموت، لكن الجديد لن يولد بسهولة... والطريق بين نقطتي الموت والولادة لا يسير وفق خط مستقيم كما في علم الرياضيات، بل يبدو متعرّجاً متدحرجا على نحو حرج، وقد تواجه السائر عليه عقبات وعراقيل قد لا تخطُر على بال. إنّنا نوشك أن نصل إلى كرة النار، وكي لا نحترق نحتاج إلى فعل بمستوى الأخطار التي تحيق بنا، فعل من "قماشة" مختلفة، تعيد لنا هيبتنا، وللدولة سيادتها، ولمواطننا حريته، وكرامته، وحقوقه. وإلى أن يحين زمان هذا الفعل، وإلى أن يظهر رجاله، علينا أن نشد على جروحنا، وأن نكظم غيظنا، وحسبنا الله". 
توقف السياسي العتيق عن الكلام، لكنّه لم يغلق الهاتف، ربما أراد أن يُشعرني بأنّ أقدار العراق أصبحت مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

 

 

في العراق أزمات تأبى أن تنفرج

عبد اللطيف السعدون

 

نذكر للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ قوله "الأوضاع يجب أن تصبح أسوأ كي تصير أفضل"، وفي مأثوراتنا الشعبية "اشتدّي أزمة تنفرجي"... في العراق، يحدث العكس، تشتدّ الأزمات، وتكبر المشكلات، لكن دائرة الحل تضيق فلا الأشياء تصير أفضل، ولا الأزمة تنفرج، ويظل مطلوباً من العراقيين أن يواجهوا قدرهم وحدهم في غياب رجال "قمم" يمكنهم أن يصنعوا لبلدهم تاريخاً جديداً بعدما أفرغته زمرة اللصوص وقطّاع الطرق والطارئين على السياسة من كل ما يؤهله لإعادة بناء دولته.

برزت في الأسبوع الأخير وقائع وتداعيات استقطبت اهتمام المعنيين في صيف العراق اللاهب، من بينها أحاديث رئيس حزب الدعوة، نوري المالكي، المسرّبة التي شكلت نقطة تحول في المشهد السياسي الماثل، ودفعت لاعبين عديدين إلى التموضع الحذر، خصوصاً بعدما أظهر زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، موقفاً أكثر تصلّباً من ذي قبل، فيما يخص علاقته مع خصمه اللدود الذي نعته بأوصاف جارحة ومهينة، واتهمه بتبنّي "مشروع بريطاني يعيد العراق إلى سيطرة السنة"، ووضعت الطرفين على شفا خصومةٍ قد لا تنتهي قبل أن ينهي أحدهما الآخر سياسياً، ويقذف به خارج اللعبة.

لن ننسى أن المالكي سعى إلى درء الشر عنه بإنكاره ما تحدّث به، وتشبثه بأية صيغةٍ تمكّنه من ترميم ما انكسر، إلا أن الصدر ظل مصرّاً على موقفه، ورافضاً أي مسعى للوساطة أو للتوصل إلى تسوية، فهذه هي فرصته لتصدّر المشهد، وقيادة "العملية السياسية"، يتناغم مع هذا كله طموحه ليكون "حسن نصر الله العراق" في المرحلة التالية، وهو ما أشار إليه صراحة المالكي في أحاديثه المسرّبة، خصوصاً أن الدوائر الفاعلة في إيران جاهزة لدعم مثل هذا التوجّه، بعدما أدركت أن ورقة المالكي قد احترقت، وأن الصدر يمكنه كسب معظم أبناء الطائفة الشيعية إلى جانبه، كما أن الشعارات التي يطلقها تياره تتماهى مع ما تريده شرائح واسعة داخل المجتمع العراقي.

الدوائر الفاعلة في إيران جاهزة لدعم مقتدى الصدر، بعدما أدركت أن ورقة المالكي قد احترقت

يظل هناك من يرى أنه رغم التعقيدات الماثلة للعيان في هذا المشهد تظلّ هناك خيوط ربما تدفع إلى طي هذه الصفحة واستعادة صيغة "التخادم المتبادل" بين التيار الصدري وبعض حلفاء المالكي المنضوين حالياً في "الإطار التنسيقي"، بشكل أو بآخر، ويبدو هذا ممكناً ما دام الأمر يتم من دون المالكي الذي دخل مع الصدر في معركة "كسر عظم".

لم تتوقف تداعيات "الأحاديث المسرّبة"، بل ازدادت حدّة في الوقت نفسه الذي شبّت فيه تداعيات أخرى، ولكن من نوع مختلف، على خلفية استقالة وزير المال، علي علاوي، التي عدّها بعضهم استقالة "تاريخية"، لأنها كشفت ما يجري من عمليات نهب ولصوصية وفساد كلفت العراق أكثر من تريليوني دولار، ووضعته في قمة الدول الفاسدة، بحسب مؤشّر الشفافية العالمية.

ومع أن الوزير المستقيل أشغل أكثر من وزارة في أكثر من حكومة من الحكومات التي نصبها الأميركيون بعد الاحتلال، ولم يكن أداؤه في الوزارات التي أشغلها أفضل من أقرانه، كما لم تكن تلك الوزارات في منأى عن فضائح فساد وتجاوزات وقصور، لكنه، ربما في صحوة ضمير، وفي محاولة للقفز من السفينة التي توشك أن تغرق أقدم على تقديم استقالته، وشرع يحزم حقائبه للعودة الى بلده الثاني، مكتفياً من الغنيمة بما حمل.

تركيبة الحكم لم تتغيّر، وأخطبوط الفساد والإفساد باقٍ ويتمدّد

مع ذلك، ما يُحسب له اعترافه باستيلاء الأحزاب السياسية النافذة وجماعات المصالح الخاصة على مفاصل واسعة من الدولة، وسيطرتها على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وسحبها مليارات الدولارات من الحزينة العامة، وهذه الشبكات محميةٌ من الأحزاب السياسية الكبرى والحصانة البرلمانية وتسليح القانون وحتى القوى الأجنبية. ويخلص الوزير المستقيل إلى لفت الانتباه إلى صعوبة مواجهة كل هذه المخاطر من دون إجراء تغييرات دستورية أو حتى تشريع دستور جديد.

على وقع هذه الاستقالة، تدحرجت كرة الفضائح أكثر، إذ نشرت مواقع التواصل "فيديو" لوزير سابق يقسم بالمصحف الشريف، متعهداً برهن وزارته لصالح شخصية سياسية، وأن يلتزم بأوامرها طوال وجوده في المنصب. كما طلب أحد المحافظين، في تغريدة له، ما سماها "حماية دولية" مقابل تعهده بكشف ما يعرفه عن شبكات فساد بالأسماء الصريحة والأرقام، كل هذا والقضاء صامت، وكأن الأمر لا يعنيه.

بالمختصر المفيد، تُشعرنا هذه الوقائع أن الأعوام العشرين السالفة لم تمُت بعد، وأن تركيبة الحكم لم تتغيّر، وأخطبوط الفساد والإفساد باقٍ ويتمدّد، ولسوف تشتدّ الأزمات، وتكثر المشكلات، ومعها سوف تضيق دائرة الحل، فلا الأشياء تصير أفضل، ولا الأزمة تنفرج!

 

 

محنة المبدع في خريف عمره

 

عبد اللطيف السعدون

 

لا شيء أكثر قسوةً على المبدع، شاعراً كان أو روائياً، مفكّراً أو فناناً، من أن يُمتحن في صحته، في أمنه، في حريته، وفي شروط إنسانيته، الأكثر قسوة وإيلاماً أن يتعرّض لامتحان كهذا، وهو في خريف عمره، وبعد أن يكون قد أعطى الكثير مما يُحسب له في ميزان حسناته.
واحدة من الخطايا التي ترتكبها الأنظمة الجائرة خطيئتها في محاربة الإبداع والمبدعين بكلّ ألوانهم وأصنافهم، أو على الأقل في تجاهلهم وإنكار حقوقهم، أقلها الحقوق الإنسانية التي أعطتها الطبيعة لهم، وهي في مسلكها هذا تعبّر عن خشيتها منهم، لأنهم يفضحون سوءاتها، ويسعون إلى تغيير العالم المحيط بهم، ويطمحون لتوفير الشروط الإنسانية لمجتمعاتهم عبر القصيدة والرواية واللوحة الفنية والموسيقى. ولذلك، يصبح همّ تلك الأنظمة هو إما العمل على إغرائهم، وبالتالي إلحاقهم بعربة السلطة أو ممارسة الضغوط عليهم بهذه الطريقة أو تلك، وصولاً إلى إقصائهم عن المشهد العام وإجبارهم على العزلة والوحدة، أو دفعهم إلى الهجرة إلى المنافي.
وفي الوجه الآخر للعملة، تسبغ تلك الأنظمة رعايتها على الأميين ودعاة التجهيل والخرافة، وتمنحهم الحظوة والحماية، وتروّج ما يزعمونها من أساطير، وما يبثّونه من أوهام وخرافات يختلقونها أو يعيدون إنتاجها وتسويقها لإدامة ما يرونه ضامنا لحياتهم وللنظام الاجتماعي الشرير الذي لا يحميهم فقط، إنما يكافئهم مالاً، وموقعاً، وجوائز، وشهادات.

تكاد تقبض على أرواح مبدعي العراق ثلة من الطارئين على السياسة والحكم "رجال جوف مملوءة رؤوسهم بالقشّ"

ليس ثمة مثال في عالمنا العربي على ما نقوله أكثر وضوحاً من حال العراق، حيث تكاد تقبض على أرواح مبدعيه ثلة من الطارئين على السياسة والحكم "رجال جوف مملوءة رؤوسهم بالقشّ" كلّ همّهم الحفاظ على ما غنموه، وفي ظلهم يختبر المبدع حياته، حتى لو كانت على حد الموت، والشواهد كثيرة، وأمامنا "عيّنات" تفضح هذا التردّي الفاجع في حال الثقافة في بلد له ستة آلاف سنة في البناء الاجتماعي والإسهامات الحضارية والإبداع في شتى مجالات الفنون والعلوم والآداب.
أمامنا الشاعر العراقي، سامي مهدي، صاحب "رماد الفجيعة" و"أسفار الملك العاشق" و"الأسئلة" و"الزوال" و"مراثي الألف السابع" و"لا قمر بعد هذا المساء" وعشرين مجموعة شعرية أخرى، منها قصائد مترجمة لجاك بريفير وهنري ميشو، وخمسة عشر كتاباً في النقد والأدب ومسائل الثقافة، والذي أنفق ستين عاماً من عمره في خدمة الدولة، آخرها عمله رئيساً لتحرير أكثر من مجلة ثقافية وصحيفة، ومديراً للإذاعة والتلفزيون ومديراً للشؤون الثقافية. وتراه قعيد بيته منذ عشرين عاماً متقاعداً بلا راتب، بعدما أوقف المعنيون صرف راتبه الذي يستحقه قانوناً بعد تلك الخدمة الطويلة، بدعوى أنّه من أنصار العهد السابق. وفي آخر أخباره رقوده على سرير المرض، وحاجته إلى الرعاية الطبية بما يدعم حياته في خريف عمره.
وأمامنا عبد الرحمن مجيد الربيعي الذي قدّم لنا "السيف والسفينة" و"وجوه من رحلة التعب" و"الأنهار" و"القمر والأسوار" وعشرين رواية ومجموعة قصصية أخرى، ومجموعات شعرية ونثرية ودراسات نقدية، زاول التدريس والعمل الصحافي وعمل مديراً للمركز الثقافي العراقي في كلّ من بيروت وتونس، وخرج من رحلته الوظيفية تلك براتب تقاعدي ضئيل لا يكاد يسد احتياجاته الشخصية، بضع مئات من الدولارات. وقد أخذته منا، هو الآخر، غائلة المرض، ليعيش معتزلاً في منزله بمدينته الأولى، الناصرية، من دون أن يلتفت إليه أحد.

السلاح المليشياوي الشرّير المنتشر في كلّ البلاد قادر على النّيل من المنخرطين في دروب الإبداع وإسكات أصواتهم

وأمامنا أيضاً عشرات، إن لم نقل مئات من المنخرطين في دروب الإبداع يتعرّضون اليوم للمحنة نفسها في ظل النظام (الديمقراطي!) الذي أقامه الأميركيون، وهيمن عليه الإيرانيون، وهم قعيدو بيوتهم لا يبارحونها، تلاحقهم الكوابيس والمخاوف، وآخرون اختاروا المنافي بعدما شعروا بأنّهم باتوا غير آمنين في بلدهم، وأنّ السلاح المليشياوي الشرّير المنتشر في كلّ البلاد قادر على النّيل منهم وإسكات أصواتهم إن تجرّأوا وفتحوا أفواههم بكلمة نقد لهذا الزعيم المليشياوي أو ذاك، أو قدّموا عملاً يحاكم الواقع الفاسد ويبشّر بتغييره، وقد رحل بعضهم وسط مكابدتهم في منافيهم من دون أن يتسنّى لهم أن يلقوا النظرة الأخيرة على بلادهم، ورقدوا في مقابر الغرباء من دون أن ترتفع أصوات الأجهزة المعنية بالثقافة، ولا حتى المنظمات التي تزعم رعايتها الإبداع وحمايتها المبدعين بالدعوة إلى إنصافهم ورفع الحيف عنهم.
هكذا، في العراق تدور في العمق الحرب على الإبداع والمبدعين، يرافقها سعي القوى المسيطرة جاهدة إلى تكريس الجهل والخرافة، وقد لا تبدو هذه الحرب الشيطانية مرئيةً في عيون بعض "المثقفين!" الذين باعوا أقلامهم، وركعوا على ركبهم يغنّون لجلاديهم "الدنيا ربيع والجو بديع" وكفى الله المؤمنين القتال.

 

 

في إشكاليات

شخصية مقتدى الصدر

 

عبد اللطيف السعدون

 

كومة إشكاليات تستدعي النظر في شخصية زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، بعضها مكشوف ومعلن، مذ دخل الميدان السياسي بعد الغزو الأميركي للبلاد، وبعضها الآخر كان مضمرا ومستترا إلى ما قبل "صولته" التي أطلقها أخيرا في مواجهة خصمه اللدود زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي وانسحاب نوابه من البرلمان، ثم جاءت أحاديث المالكي المسرّبة التي هاجمه فيها، ووجّه له جملة انتقادات طاولت شخصيّته ومسيرته السياسية، ولم تخلُ حتى من التهديد بتصفيته، حيث وجد الصدر عبرها الفرصة لإطلاق سلسلة مواقف تخطّت المالكي شخصا لتتجه إلى الشأن العام، وتتبلور في سلسلة خطوات مثيرة، ليس أقلها دخول أنصاره المنطقة الخضراء واقتحام البرلمان، وتمرّده على العملية السياسية الطائفية التي كان أحد أقطابها الرئيسيين إلى أشهر قليلة، وشروعه في عملية سياسية "إصلاحية"، على حد وصفه. وفي كل هذه التداعيات التي لا تزال في حالة سيولة لافتة، برز الصدر "زعيما" إشكاليا يشار إليه بالبنان إلى درجة أن خيّل لبعضهم أنه أضحى يدير اللعبة وحده من دون منافس، ومن دون اعتبار للخصوم ولا حتى للأصدقاء والمساندين، وتركّزت عيون الجميع على "تويتر" ترصد تغريداته، فيما هو ينام ملء جفونه عن شواردها، ويسهر القوم جرّاها ويختصمون!

يبلغ تضخّم الأنا عند مقتدى الصدر مداه، عندما يصنّف نفسه "حفيد الحسين" وسليل عائلة الصدر التي لها قدسية خاصة ومكانة متميزة

الملاحظ أن الصدر يقدّم نفسه زعيما "وطنيا"، لأن "الوطن أغلى من كل شيء، وهو في القلب وفي الضمير"، وهو "عراق الآباء والأجداد"، ويشرع في الفترة الأخيرة بمخاطبة الشعب "بكل طوائفه وأعراقه وأقلياته وانتماءاته وأديانه وعقائده وأفكاره وتوجّهاته مهما كانت". ويتهم خصومه بخيانة الوطن والتبعية لقوى أجنبية، لكنه يعود، في أكثر من خطاب وتغريدة، لاستدعاء "المذهب" وإعطائه مكانة متفرّدة متقدّمة على الوطن بمراحل، وبطريقةٍ تستشف منها نوعا من المغالاة والمبالغة.

يحاول أيضا تكريس نفسه زعيما "شعبويا" داعية إلى الإصلاح، ومناضلا من أجل الشعب وممثلا له ومعبرا عن تطلعاته، وهو القادر وحده على تحقيق أهدافه، لكنه أيضا منفصلٌ عنه لكونه يقف منفردا متفرّدا، "إن كنتم تريدون الإصلاح والتغيير فإنني بانتظاركم، وإن رضيتم بواقعكم مهما كانت صفاته ومساوئه فهذا أمرٌ راجع إليكم". وتحمل هذه العبارة نبرة تهديد بأنه قد "يزعل" عليهم، وقد يعتزل الناس مقيما في "الحنانة" بالنجف أو "مهاجرا" إلى إيران أو لبنان كما فعل مرّات، وعندها ربما يذهبون إلى مصير مجهول ما دام هو غير راض عنهم. يعود، في موضع آخر، طالبا رضاهم، "استغلوا وجودي لإنهاء الفساد .. لست طالبا لسلطة، ولا عندي مغنم شخصي .. ولكنني أطلب الإصلاح.. والثورة بدأت صدرية، وما الصدريون إلا جزء من الشعب والوطن".

يبلغ تضخّم الأنا عند مقتدى الصدر مداه، عندما يصنّف نفسه "حفيد الحسين" وسليل عائلة الصدر التي لها قدسية خاصة ومكانة متميزة، وهذه الميزة الاستثنائية تفرض على جمهوره واجب طاعته والالتزام بوصاياه من دون نقاش، إذ هو لا ينطق عن الهوى، ولا هدف له سوى خدمتهم وإصلاح أحوالهم.

لا يعد الصدر بزعامةٍ حقيقيةٍ يمكنها أن تقود البلاد، وتتحمّل عبء إحداث تغيير جذري في نظامها السياسي وآلياته

يبدو الصدر أيضا، وفي أكثر من موضع، نرجسيا حد النخاع، متعاليا على أنصاره، مراقبا لهم ومتابعا ما يفعلونه، وهو يستطيع، كما قال، بقصقوصة صغيرة، أن يحاسبهم إذا ما أخطأوا، ويطردهم من تياره إذا لم يعتذروا ويطلبوا العفو، بتغريدة واحدة يمكنه أن ينقلب على حاله ليتخذ موقفا مستجدّا من قضيةٍ سبق أن أعطى فيها رأيا مختلفا، وهو بذلك لا يعتبر نفسه متناقضا مع نفسه، لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وحده يعرف كيف يدير اللعبة.

ومع أن "التيار الصدري" ليس حزبا سياسيا له آلياته ونظامه وعلاقاته الداخلية بين قيادته والمنخرطين فيه، إلا أن الصدر يحرص دائما على وضع القواعد التي تحكُم تلك العلاقات، كأن يعين "وزيرا" له ينطق باسمه، ويشكّل مكاتب ولجانا لمهامّ معينة، ويقرّر العقوبات التي يفرضها على من يخرج على وصاياه، وهو، في كل هذه الإجراءات، لا يستشير أحدا من المقرّبين منه، وإنما يدعهم يُفاجأون بأوامره، كما يُفاجأ من هم خارج التيار. وفي تحالفه "سائرون" الذي شكله في الانتخابات السابقة مع الشيوعيين وأحزاب أخرى، كان يعطي لنفسه الحق في الإعلان عن مواقف معينة ومن دون استشارتهم، وهذا ما فعله أيضا مع شركائه في "تحالف إنقاذ وطن" في انتخابات أكتوبر الماضي، وجديد ذلك خطوة إلزام نوابه بالاستقالة من البرلمان من دون أن يتشاور معهم.

بالمختصر المفيد، كل هذه الإشكاليات لا تعدنا بزعامةٍ حقيقيةٍ يمكنها أن تقود البلاد، وتتحمّل عبء إحداث تغيير جذري في نظامها السياسي وآلياته، وتلك هي حكاية أخرى.

 

 

أبعد من قذائف دهوك..

عبد اللطيف السعدون

 

اللعبة الماثلة أمامنا في العراق متعدّدة الوجوه، مختلفة النيات، وقد تكون أيضاً متناقضة المسارات، لكنّها اللعبة المفروضة التي لا قبل للعراقيين بمواجهتها، واللاعبون مختلفون، دوليون وإقليميون، وعراقيون أيضا، وكل منهم يغنّي على ليلاه، وليلى العراقية مريضةٌ ولا أحد منهم يعنيه مرضها.

كان الأسبوع الماضي مليئاً بالمشاهد الصادمة، وغارقاً في سيناريوهاتٍ مخضّبة بالدم والدموع، كما هي العادة منذ عشرين عاماً، ومنذ أتاح الغزو الأميركي البلاد الفرصة أمام القوى الإقليمية لتبسط هيمنتها وتفرض نفوذها، وحتى أن تبعث جيوشها وتقيم قواعدها العسكرية، وتحوّل العراق الى موطن لصراعاتها وخلافاتها، وتسعى كل واحدةٍ منها إلى مدّ خرائطها الاستراتيجية بأمل أن تقضم هذا الجزء أو ذاك، عندما يحين وقت القسمة، وذلك كله في غياب دولة عراقية ذات سيادة تفرض هيبتها، وتمنع التدخل في شؤونها.

أكبر الرابحين في هذه اللعبة المعقدة إيران التي تعدّ العراق امتداداً ديمغرافياً لها، ورأس الحربة في مشروعها الإمبراطوري الذي تستهدف من خلاله المنطقة كلها. ولذلك هي غير مستعدّة للتخلي عن مطامعها في هذا البلد، وتعمل ما استطاعت لإبقاء القرار بيدها، وقد مدّت خرائطها الاستراتيجية عبر العراق إلى ما هو أبعد، إلى سورية ولبنان وإلى اليمن أيضاً، بل اعتبرت بغداد، في أكثر من مرة، واحدة من عواصم إمبراطوريتها، ولذلك هي حاضرة لأن توظف أي حدثٍ عراقيٍّ أو إقليمي لخدمة أغراضها، ولا تسمح بأية محاولةٍ لإفلات العراق من قبضة يدها!

وقائع الأسبوع الماضي تكرّس هذه الرؤية، إذ ما إن تناقلت النشرات العاجلة خبر سقوط قذائف على منتجع برخ السياحي في دهوك بشمال العراق، والتي تسببت في إزهاق أرواح بريئة، تردّد اتهام تركيا بتدبير الهجوم. وقبل أن يتأكد ذلك الاتهام، سارعت القوى السياسية الموالية لإيران إلى تحميل تركيا المسؤولية عن العدوان، والمطالبة باتخاذ إجراءات عقابية ضدّها من قبيل قطع العلاقات الدبلوماسية، ووقف التعامل التجاري معها، واشتغلت الماكينة الإعلامية للمليشيات الولائية لتطلب الاقتصاص من تركيا، وتحرّض على اقتحام مكاتب دبلوماسية تابعة لها في مدن عراقية، واستهدفت مليشيا مرتبطة بالحرس الثوري قواعد عسكرية تركية في محافظة نينوى بصواريخ من طائرات مسيّرة لتزيد الموقف تعقيداً، فيما سعت أنقرة إلى النأي بنفسها عن الواقعة، وألقت بها على حزب العمال الكردستاني المعادي لها، والذي يتخذ من مناطق الشمال العراقي مقرّاً له، ولقياداته التي يقال إنّ حكومة بغداد، ومن ورائها إيران، توفر الغطاء لها، وفي الوقت نفسه، دعت أنقرة إلى تحقيق دولي فني، يحدّد الجهة الفاعلة، لكنّ بغداد التي اعتادت الصمت عن أكثر من عدوان سابق من هذه الجهة أو تلك، وجدت في إحالة الأمر إلى مجلس الأمن ما يحفظ ماء وجهها، ويعفيها من مسؤولية التوجّه إلى حلّ المشكلات المزمنة في علاقتها مع أنقرة، وفي مقدمتها مشكلة المياه، ومشكلة وجود منظمة "إرهابية" على أراضيها تناصب تركيا العداء، وكذا الوجود العسكري التركي على أرضٍ عراقية. وهكذا لم تستغل بغداد الفرصة لفتح حوار موضوعي مع جارتها الشمالية لإرساء علاقات متكافئة بينهما.

توصلنا كل هذه التداعيات إلى جملة من الحقائق التي يعمد كثيرون إلى تجاهلها، أولاها أنّ العراق، ومنذ الغزو، عانى ويعاني من غياب دولةٍ ذات سيادة، ومن ضعف الحكومة وعجزها عن صد التدخلات التي تحصل من دول، أو حتى من منظومات ومليشيات تابعة لهذه الدولة أو تلك.

الثانية أنّ الطبقة السياسية الحاكمة التي نصّبها الاحتلال الأميركي، وكرّست بقاءها الهيمنة الإيرانية، ليست لها الخبرة أو الدراية في إدارة شؤون البلاد، وهي أيضا ليست في وارد التخلي عن مواقعها التي استأثرت بها بدعم أجنبي.

وثالث هذه الحقائق وأكثرها خطورةً اختطاف قرار السلم والحرب من مليشيات مرتبطة بجهات خارجية، وهو القرار الذي يفترض أن يكون بيد سلطات الدولة الوطنية حصرا، وما رأيناه في الرد المسلح من مليشيا معروفة على هجوم دهوك، وإعلان أكثر من زعيم مليشياوي أنّهم سيردّون بالسلاح على كلّ عدوان على العراق، وأنّهم غير معنيين بما تقرّره الحكومة، ما يعني أنّنا أمام ظاهرة توغل المليشيات وتغولها إلى درجة أنّها تطرح نفسها بديلاً عن الدولة.

يبقى السؤال الأخير الذي قد يظل من دون إجابة: من له القدرة على أن يعلّق الجرس في مواجهة هذه اللعبة الشريرة التي هيمنت على العراق عشرين عاماً، ومن سيكفّ أيدي اللاعبين المنغمسة بدماء العراقيين؟

 

 

عندما يقع

السياسي في شرّ أعماله

عبد اللطيف السعدون

 

لسان نوري المالكي السليط الذي ظهر في تسجيلاتٍ مسرّبة عكس رؤيته الطائفية القاصرة إلى مجمل الأوضاع في العراق، وكشف ضحالة تفكيره وسعيه لإثارة الفتنة عبر توجيه الاتهامات يميناً وشمالاً، والزعم أن خصومه الصدريين وحزب مسعود بارزاني وقيادات سُنية يسعون لتنفيذ "مشروع بريطاني يضع الحكم في أيدي السُّنة"، وتحذير مريديه من أن المرحلة المقبلة مرحلة قتال، "وسوف أهجم على النجف في حال هجم (علينا) مقتدى الصدر، ولدي مجاميع مستعدّة، وأنا لا أثق لا بالجيش ولا بالشرط... وقد أردت جعل الحشد الشعبي مشابهاً للحرس الثوري الإيراني"، وزاد باتهام خصومه باستباحة الدماء وسرقة أموال الدولة... إلخ.

ليس مطلوباً من المالكي الذي أوقعه لسانه في شرّ أعماله أن ينفي أو حتى أن يعتذر، فمجمل مسيرته منذ "امتهن" السياسة يشبه مسلسلاً درامياً مطوّلاً يحوي مطبّات عديدة، واختراقات عديدة، وكذا سقطاتٍ عديدة بإمكان السياسي الذكي أن يتجنّبها كي لا يقع في شرّ أعماله. وإذا كان ميكيافيلي قد وصف رجل السياسة بأنه يعمل على تحويل العقبة التي تواجهه إلى فرصة للتراجع والاعتبار، فإن المالكي كان دائماً يحوّل الفرص التي تسنح أمامه إلى عقبات ومآزق له ولمريديه، وحتى لخصومه، وهذا ما فعله من خلال أحاديثه المسرّبة.

وقد تفيدنا مراجعة سريعة لسجله في إعطاء صورة أكثر قتامةً لممارساته المريضة التي هي أكثر من كافية لأن تضعه في قفص الاتهام أمام حاكم عدل.

لم يكن جواد المالكي، وهذا هو الاسم الذي اصطنعه لنفسه إبّان العهد السابق، معروفاً في بداية نشاطه ضمن تنظيمات حزب الدعوة، باستثناء ما يعرفه القريبون منه أنه مكلف جمع التبرّعات من زوار مرقد السيدة زينب في دمشق وتحويلها إلى حزبه، متّخذاً من "دكان" صغير قرب المرقد يبيع فيه "السبح" مكاناً لترويج أفكاره الطائفية بين الشيعة العراقيين المقيمين في سورية، وقد بدأ موقعه داخل الحزب يكبر من خلال مساهمته في تنفيذ عمليات إرهابية ضد مؤسسات وشخصيات عراقية موالية للنظام السابق، ولكنه عندما عاد إلى العراق بعد الغزو لم يجد له مكاناً بين رجال الصف الأول الذين رشّحتهم أميركا لحكم العراق، وعُيّن موظفاً ثانوياً في "لجنة اجتثاث البعث"، لكن قدرته على التسلق وانتهاز الفرص أعانته على الاقتراب من إبراهيم الجعفري، الذي أصبح رئيساً لأول وزارة عراقية بعد الاحتلال، والذي رشّحه لخلافته إثر تنحّيه نتيجة عدم توافق القوى السياسية على بقائه في منصبه.

هنا يبدأ الفصل المثير في حياة المالكي الذي بدأ يتعامل باسمه الحقيقي، نوري كامل المالكي، ويضع خطواته بحذر على أرضية "العملية السياسية" التي هندسها الأميركيون. يقول سفير الولايات المتحدة الأسبق في العراق، زلماي خليل زاد، إن المالكي قدّم له ورقة مكتوبة من ثلاث عشرة نقطة، عرض فيها خدماته، مرشَّحاً لرئاسة الحكومة، ومعبّراً عن استعداده لتطبيق السياسات التي تخدم مصالح الولايات المتحدة. ووجد خليل زاد في المالكي الرجل الذي يمكن أن يحقق الاستقرار، كما قال، واتخذ قراره بالمراهنة عليه ووافق على ترشيحه. وسنعرف بعد سنوات أربع أن المالكي ينفض يده من واشنطن، ويقفز إلى طهران، ليحصل على الولاية الثانية، واعداً بتحقيق كل ما تريده إيران، ومنذ ذلك الوقت، سيصبح رجل إيران في العراق بلا منازع.

في الولاية الثانية، كشف المالكي كل أوراقه، ولم يتردّد في تأكيد ولائه المطلق لإيران، ضمن لها تمدّداً ديموغرافياً داخل بلاده، منح أكثر من نصف مليون إيراني الجنسية العراقية، خلافاً للقانون، أنشأ "مجاميع" مسلّحة تطوّرت لتشكّل النواة الأولى لمليشيات أرادها نسخةً من تجربة الحرس الثوري الإيراني، أنقذ إيران من كارثةٍ كادت تودي باقتصادها، وهي في ظل العقوبات، إذ أغدق عليها مليارات الدولارات من الخزينة العراقية، بطرقٍ أكثرها غير مشروع.

يسجّل عليه تجاهله مخطط إدخال "داعش" إلى الموصل، أو قل تماهيه مع المخطط الشرير وتسببه، وهو صاحب الحل والعقد آنذاك، بأكبر كارثة واجهها العراقيون بعد الاحتلال. وأيضا تسبّبه بمجزرة سبايكر التي أودت بحياة مئات الشباب، وكذلك استغلاله موقعه الرسمي في تبديد مليارات الدولارات، أو قل في سرقتها، وتحويلها إلى خارج البلاد بأسماء مقرّبين منه. وفي عهده وضعت منظمة الشفافية العالمية العراق على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً.

وبعد كل هذه "الموبقات"، جاءت أحاديثه المسرّبة لتؤكّد ما هو مؤكّد، وتجهض آخر أمل له في أن يعود رئيساً للحكومة، وهو بذلك يكون قد وقع في شرّ أعماله.

 

 

السودان في

انتظار نهاية اللعبة

عبد اللطيف السعدون

 

ذكّرتنا "خريطة الطريق" التي رسمها رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، في خطابه أخيراً، والتي تضمنت انسحاب العسكر من حوار الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وهيئة التنمية الحكومية)، وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة يكون مسؤولا عن الأمن والدفاع وما يتعلق بهما من شؤون، وطلبه من القوى المدنية تشكيل حكومة انتقالية من بين أطرافها تعمل على إجراء انتخابات، ذكّرتنا بواقعة طريفة قيل إنها حدثت في بغداد إبّان عرس "الجبهة الوطنية" التي جمعت بين البعثيين والشيوعيين منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما فتح الحزب الشيوعي مقرّاً له في شارع مهم في العاصمة العراقية، ورفعت على بوابة المقرّ لوحة كبيرة تحمل اسم "الحزب الشيوعي العراقي". ويزعم مروّجو الواقعة أنّ أحد الخبثاء تسلل في عتمة الليل التالي قاصداً المقرّ، وعند وصوله، تسلق سلّماً كان قد حمله أصدقاؤه معه، وأضاف إلى اللوحة عبارة "لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي" وانسلّ هارباً قبل أن يلتفت إليه الحراس. واعتبرت هذه الواقعة الطريفة، والتي لا نعلم مبلغ صدقيتها، بمثابة سخريةٍ لاذعةٍ من طبيعة التحالف بين الحزبين اللدودين، والذي لم يقدّر له أن يعمر طويلاً، إذ انفصمت عراه بعد فترة قصيرة، وجّه بعدها البعثيون ضربات قاسية للتنظيمات الشيوعية، ذهب ضحيتها مئاتٌ من أعضاء الحزب وأنصاره.

الرابط بين هذه الواقعة و"خريطة الطريق" التي رسمها البرهان أنّه يريد، كما هو واضح، إقامة حكومة مدنية ترأسها شخصية مدنية من المعارضة، على أن تكون تابعة له، باعتباره رئيس المجلس العسكري الأعلى المقترح. وبعبارة أخرى، تشكيل حكومة مدنية يكون صاحبها، أو مالكها الحقيقي، البرهان نفسه، وعلى النحو الذي قصدته الواقعة العراقية المزعومة.

السودان مقبلٌ على مرحلة قد تكون الأخطر في مسار العمل السياسي منذ انقلاب أكتوبر 2021

وفي أيّ حال، لم تنطلِ على القوى المدنية السودانية المعارضة لسلطة العسكر هذه الحيلة المكشوفة، اذ اعتبرتها بمثابة "شرعنة" لصيغة الوضع الماثل الذي صنعه البرهان نفسه، أو هي "انقلابٌ داخل الانقلاب" لن يغيّر شيئاً في واقع الحال، بحسب وصف "قوى الحرية والتغيير". ولا بد من الاعتراف بوجود خلافات داخل القوى والفعاليات المدنية نفسها، وهذا ما أتاح للبرهان التطلّع غير المشروع للقبض تماما على كل السلطات، وقد أشار إلى هذا ضمنا، في إعلانه الذي حدّد مهمات "المجلس الأعلى" المقترح بشؤون الأمن والدفاع، مضيفا الى ذلك عبارة "حمّالة أوجه" تقرّر أن صلاحيات المجلس تمتد لتشمل "الشؤون الوثيقة بالنشاط العسكري"، وهذا يعني أن للمجلس صلاحية التدخل في كل الشؤون العامة، بدعوى أنّها ترتبط بأمن البلد والدفاع عنه.

ربما ركب الوهم البرهان، وهو يرى أمامه تجربة صنوِه عبد الفتاح السيسي في مصر الذي انقضّ على الحكومة التي كانت قائمة، ونفّذ "خريطة طريق" ضمنت له الاستحواذ على السلطة. وقد يكون أيضا قد دفعه هذا الوهم لأن يفكر في اقتفاء خطوات رئيس تونس، قيس سعيّد، الذي لم يعد أمامه سوى خطوة واحدة يتنفّس بعدها الصعداء رئيسا مدى الحياة. لكن، لن يمر طويل وقت حتى يكتشف حاكم السودان أن حسابات الحقل لا تطابق حسابات البيدر، وأن السودانيين، على الرغم من خضوعهم لحكم العساكر فترات متفاوتة دامت أكثر من خمسة عقود، عانوا فيها الأمرّين، فإنّ المزاج العام للغالبية قد تغيّر، ولم يعودوا في وارد السماح باستمرار الحكم العسكري، وتجاهل مطالبهم في إرساء نظام ديمقراطي، يضمن لهم الحياة الحرّة الكريمة، خصوصا وأن مشكلات محلية وإقليمية تتطلب وجود حكومة قوية، ممثلة لشرائح الشعب الأساسية، وقادرة على التصرّف بوعي وتفهم كامل لتلك المشكلات ونتائجها المحتملة.

لا يبدو واضحاً مشهد المستقبل السوداني في ظلّ الصراع القائم بين العسكر والقوى المدنية

توحي كلّ هذه التداعيات أن السودان مقبلٌ على مرحلة قد تكون الأخطر في مسار العمل السياسي منذ انقلاب أكتوبر 2021، خصوصا بعد توقف حوار "الآلية الثلاثية" التي تشكّلت للبحث في مخرج من الأزمة. وقد تترك هذه "الآلية" الميدان نهائياً بعد خطوة البرهان أخيرا، وتراجع الاهتمام الدولي بالسودان، وتوقّع تصعيد جديد في فعاليات القوى المعارضة بإعلانها الإضراب العام والعصيان المدني حتى انتزاع الحكم من العسكر.

وهكذا، تتعرّض الخريطة الجيوسياسية للسودان لمزيدٍ من التخبّط والعبث، ولا يبدو واضحاً مشهد المستقبل في ظلّ الصراع القائم بين العسكر والقوى المدنية، وإصرار العسكر على الحصول على "الرغيف" كاملاً، حتى لو أدّى ذلك الى التفريط بمصالح البلد العليا. وفي أيّ حال، ثمة وقت أمامنا كي نعرف كيف ستنتهي اللعبة.

 

 

عندما يُناكف

السياسيون بعضهم بعضاً

عبد اللطيف السعدون

عادة ما يحظى التلاسن بين السياسيين الذي قد يصل إلى حدّ المناكفة، وحتى التنمّر، باهتمام الناس، وتحفل وسائل الإعلام ومواقع التواصل في أيامنا هذه بعيّنات من تلك الوقائع التي قد يكون القصد منها السخرية والاستهزاء، خصوصاً إذا ما جرت بين سياسيين بينهم خصومة صريحة أو مستترة. ويجد الهواة من المتابعين الفرصة لفبركة ملاسنات أو مناكفات على ألسنة سياسيين، بهدف النَّيْل منهم، أو حتى لمجرّد النكتة، كما قد يجهد بعض رسامي الكاريكاتير أنفسهم في اختلاق مناكفات بين سياسيين، وعرضها في رسوم تثير السخرية والضحك.

ومن بين مناكفات اليوم، ما جرى في قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مدريد، أخيراً، حين كان رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، منهمكاً بتدوين ملاحظاته على ورقة أمامه، وفاجأه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن ربّت كتفه، ولم يرُق ذلك جونسون الذي انتفض واقفاً، وحاول تنحية ذراع الرئيس التركي عنه. ولتخفيف حدّة الموقف، ألقى بالتحية على أردوغان باللغة التركية، إلّا أنّه أخطأ اللفظ، ما دفع أردوغان إلى تصحيح اللفظ، قائلاً: "إنّه يخذلنا" في غمزةٍ تشير إلى أصول جونسون التركية. عند ذاك، تغيرت ملامح جونسون، وبدا عليه الغضب، وهو يرفع إصبعه نحو أردوغان، وكادت الواقعة أن تربك أعمال القمة لولا تدخل الرئيس الأميركي، جو بايدن، الذي سارع لاحتواء الموقف، ممسكاً بذراع جونسون قائلاً: "هذه مزحة... هذه مزحة، يا بوريس".

وفي مأدبة العشاء التي أعقبت اجتماع قادة مجموعة الدول الصناعية السبع في بافاريا بألمانيا، تساءل أحدهم عمّا إذا كان عليهم خلع ستراتهم، أجابه جونسون الذي "عادة ما يطلق نكاتاً فظّة ووقحة" بوصف أحد قراء صحيفة الديلي ميل، قائلاً: "علينا أن نظهر عضلات صدورنا لنكون أكثر برودة من بوتين". وعندما وصل خبر الواقعة إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عقّب: "لم أفهم ما يقصدونه من خلع ملابسهم، هل يقصدون فوق الخصر أم تحت الخصر، وفي كلا الحالين، سيكون المشهد مقزّزاً".

ومرة أخرى مع مناكفات جونسون وبوتين، حين صرّح الأول للصحافيين بأنّه لو كانت امرأة هي التي تحكم روسيا لما فكّرت بشنّ حرب على أوكرانيا، ووصف حرب بوتين بأنّها "تعبير عن فحولة سامّة" وردّ بوتين مذكراً إياه بأنّ مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، هي التي شنّت حرباً على الأرجنتين من أجل جزر فوكلاند. ولم ينتهِ رد الفعل عند هذا الحد، إذ يبدو أنّه استفزّ أيضاً وزيرة الخارجية البريطانية، ليز تراس، التي أعربت عن اعتقادها أنّ لدى المرأة قدرة الرجل نفسها على صنع الشرّ.

في العراق أيضاً، وصلت التلاسنات والمناكفات بين أطراف "العملية السياسية" إلى حدّ جعلها تخرج عن المألوف، وتضمّن بعضها شتائم مفضوحة واتهامات بالكذب والفساد، لكنّ الملاحظ أنّ كثيراً ما كان المتناكفون يعودون إلى سابق علاقتهم من ودّ وقبول أحدهم بالآخر، بل والتحالف معه، ويعزو بعض الخبثاء سلوكاً كهذا إلى أنّه "من موجبات التفاهم على الصفقات والعقود التي تدرّ الربح على الجميع، خصوصاً بعد زيادة وارادات النفط أكثر من 11 مليار دولار شهرياً".

ومن المناكفات التي شاهدها العراقيون، دخول زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى اجتماع ضمّ أطراف "العملية السياسية"، وكان خصمه اللدود زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، قد سبقه في الحضور، ولم يسلّم الصدر على المالكي الذي نهض للترحيب به في ما يبدو، الأمر الذي أثار المالكي، ودفعه انفضاض الاجتماع إلى القول إنّه "لا يفقه في السياسة ولا في الدستور"، وردّ الصدر في تغريدة له بأنّ خصومه "وحوش كاسرة"، وقال عن المالكي، من دون أن يسميه: "كلامه منقوص، وعليه تدارك ما ضاع وأضاع، نصيحة مني قربة إلى الله تعالى".

وفي عهد الملوك، كثيراً ما كانت تجري بين السياسيين حالات تلاسُن ومناكفة، لكنها لم تتعدّ قواعد الاحترام والتعامل النظيف. ولا تزال بعض وقائع تلك المناكفات تتردّد كلما ذكرت مآثر رجال النخبة السياسية الذين حكموا العراق آنذاك، ومن بين ما يُروى أنّ نوري السعيد الذي ترأس رئاسة الوزراء 14 مرة فوجئ، في جلسة لمجلس الأعيان، بعضو المجلس الشيخ محمد رضا الشبيبي، وهو يصرخ بوجهه: "أنت ديكتاتور" ولم يغضب السعيد، بل ردّ عليه: "إذا أنا رحلت، وجاء من بعدي آخرون لحكم البلاد سوف تعرف من هو الديكتاتور". وأردف: "اسمع، يا شيخ، لا تتصوّر أنّني جالس على كرسي رئاسة الوزراء، إنّما أنا جالس على غطاء بالوعة كبيرة، إذا ما ذهبتُ وجاء غيري، فسترى كيف تطفح هذه البالوعة بالمياه الآسنة وتغمركم".

 

 

الشيوعيون العراقيون ولعنة بريمر

عبد اللطيف السعدون

 

بإمكان الشيوعيين العراقيين أن يجدوا ما يكفي لتبرير التحاقهم بركب التيار الصدري في "تحالف سائرون" الميت تاريخيا، رغم أن عديدين منهم يعترفون بأن حزبهم أصبح في ظل تلك الخطوة ذيلا للتيار الذي دأب زعيمه، مقتدى الصدر، على اتخاذ قراراتٍ مفاجئة في مسائل مهمة وأساسية، من دون استشارة أحد من حلفائه، أخيرها خطوته الدراماتيكية بخروجه من البرلمان التي يؤكد شيوعي عتيق أنه ورفاقه فوجئوا بها، كما فوجئ غيرهم. وكان الشيوعيون برّروا تحالفهم في حينه بأنه "كسر للطائفية السياسية (..)، وتحالف بين أناسٍ لم تكن لديهم، في بادئ الأمر، أي أيديولوجية مشتركة"، وهذا أمرٌ قد يفهمه بعض العراقيين في إطار النظر إلى مرحلة صعبة، لها خصوصيتها واشتراطاتها المعلومة، لكن الواضح أن هذا "التحالف" شكّل خطأ استراتيجيا، كان الجدير بالحزب تجنّبه. ومع ذلك، يظل هذا الخطأ صغيرا إذا ما قيس بالخطيئة الكبرى التي ارتكبها الحزب في الأيام الأولى للاحتلال الأميركي، عندما قبل سكرتيره العام، حميد مجيد موسى، الدخول في مجلس الحكم الذي أنشأه بول بريمر، واعتبر ممثلا عن طائفته، ووصفه بريمر آنذاك بأنه "شيعيٌّ محبوب، وله تأثير وشعبية"، وعُرف لاحقا أن ضم الحزب الشيوعي إلى المجلس جاء بنصيحةٍ بريطانية، بحسب ما أورده بريمر في كتابه "عامي في العراق". وقد دافع قادة الحزب أكثر من مرّة عن خطيئتهم تلك، ووصفوا مجلس الحكم بأنه "وحده القادر على كسب ثقة العراقيين وإشاعة الأمل في نفوسهم"، إلى آخر "المعزوفة" التي لم تثر سخرية الوطنيين العراقيين بمختلف توجهاتهم فحسب، بل أجّجت غضبهم ونقمتهم.

لم يكن معظم أفراد القاعدة الشعبية للحزب راضين عن تلك الخطوة التي رفضتها أيضا جماعاتٌ يساريةٌ عديدة، وقد التصقت تلك "الخطيئة" التي أطلق عليها بعضهم "لعنة بول بريمر" بالحزب، وأفقدته الكثير من هيبته، ومن مكانته التي عرف بها في السابق.

مناسبة التذكير بكل هذه الوقائع البيان الذي أصدره الحزب في ختام اجتماع المكتب السياسي أخيرا، والذي طرح فيه ما أسماها "رؤية ومشروعاً"، محاولاً من خلال ذلك إسدال الستار على حقبة السنوات العشرين الماضية التي تركت بصماتٍ سوداء في تاريخه الطويل، وهو لا يملك حجّة مقنعة في الدفاع عنها أو تبريرها.

ومن مكر التاريخ أن يقرّ الحزب في مشروعه بأن هناك "أزمة بنيوية في صلب نظام المحاصصة الطائفية الإثنية". وبالطبع، هذا النظام هو نفسُه الذي باركه الحزب سابقا، وعجز عن تشخيصه، بل واعتبره "مؤهلا لاستقطاب أوسع الجماهير وتحشيد إسنادهم له". وبديلا لما حصل، ولما هو ماثل، يدعو الحزب إلى "مشروع تغيير شامل يمثل الخلاص لأبناء الشعب من نظام المحاصصة"، وإلى "دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على العدالة الاجتماعية"، يقودها "تحالف سياسي قائم على أسس وطنية غير طائفية أو إثنية، مستند إلى برنامج سياسي وتنموي متكامل (..) ومشاركة شعبية في مشروع التغيير".

مبادرة الحزب بالقطع مع المرحلة السابقة تظلّ قاصرةً، ما لم يتبعها تقديم اعتذار عن "الخطيئة" الكبرى التي ارتكبها

تُرى .. هل تمثل هذه "الرؤية" أولى الخطوات نحو رجوع الشيوعيين العراقيين إلى صباهم، بعدما فقدوا البوصلة أمدا طويلا، وبعدما فشلوا في أن يقدّموا لجمهورهم، الذي كان يوما ما فاعلا ومتفاعلا، بعض ما يجعله يعيد ثقته بهم، وفي الذاكرة تلك الفترة الذهبية في تاريخ الحزب التي أعقبت ثورة 14 تموز (1958)، والتي استطاع فيها الحزب أن تكون له قاعدة جماهيرية واسعة، شكلت ضغطا على الزعيم عبد الكريم قاسم، عندما طالبته في تظاهرة مليونية بإشراك الحزب في الحكم، وكان أن استجاب قاسم، وعيّن محسوبين على الحزب في مناصب وزارية، لكنه عاد بعد حين، ونأى بنفسه عنهم، وتلك قصةٌ أخرى.

وعلى أية حال، فإن مبادرة الحزب بالقطع مع تلك المرحلة تظلّ قاصرةً، ما لم يتبعها تقديم اعتذار عن "الخطيئة" الكبرى التي ارتكبها، وما لم يُجرِ مراجعة نقدية صارمة لمواقفه وسياساته في المراحل السابقة، وما لم يتخلّ بعض من بقايا الحرس القديم عن فرض سطوته على التنظيم. عند ذاك، يمكن للحزب أن يعيد بناء نفسه، وأن يستعيد مكانته، وأن يضع مشروعه للتغيير على السكّة.

 

 

ما الذي ينتظر العراق؟

عبد اللطيف السعدون

 

على مواقع التواصل، وعلى ألسنة سياسيين ومحللين، "مزاعم" متداولة عن قرار دولي قد اتُّخذ بإسقاط "العملية السياسية" الطائفية القائمة في العراق، وإنتاج عملية سياسية وطنية تضمن حالة أمن واستقرار، وتوفر الخدمات العامة، وتقضي على آفة الفساد، وتحترم الحريات الأساسية للمواطنين.

ثمّة من يذهب إلى أكثر من ذلك، ليؤكد أن من عُدَّ مسؤولاً عن خطايا السنوات العشرين المنصرمة وجرائمها، سيُحال على القضاء العادل، كي ينال جزاءه عمّا اقترفته يداه. وبينهم من يضيف: "ستُنصب للقتلة واللصوص أعواد المشانق"! ويجزم آخرون بأن إدارة الأزمة العراقية ستوكل إلى الإنكليز، باعتبارهم أصحاب تجربة عريضة في شؤون العراق ومعرفة بخباياه وأسراره استمرّت منذ الحرب العالمية الأولى وحتى العهد الجمهوري، وكانت لهم علاقات واسعة بفئات مختلفة من العراقيين، سياسيين وعسكريين ورؤساء عشائر وأكاديميين ورجال دين، وبعض أبناء هؤلاء وأحفادهم ما زالوا يحنّون للأيام السالفة، فيما يبدو الأميركيون قليلي خبرة في الشؤون العراقية، وقد كشفوا عن نقص خبرتهم وضحالة تفكيرهم في إقدامهم على غزو العراق بمبرّرات كاذبة، وكذلك في ما فعلوه فيه على مدى الأعوام الماضية، وقد حقّقوا ما يريدونه من احتلالهم له، إذ جعلوا منه كياناً هجيناً قاصراً عن أداء أي دور، ولم تعد له أية فاعلية، وقد لا يمكنه الوقوف على أقدامه مجدّداً إلا بعد حفنة سنين، وأضافوا أن ما يدفع الأميركيين إلى ذلك أيضاً انشغالهم بقضايا عالمية أخطر وأهمّ، حرب أوكرانيا والعلاقات مع روسيا، والتحدّي الصيني ومسألة تايوان.

وتستند معظم هذه التوقّعات إلى أخبار وتقارير مفبركة، تجتهد في إنشائها جيوش إلكترونية مموّلة، تتبع هذا الطرف أو ذاك، ولها غاياتها المعروفة. ومعلوم أن مثل تلك الأخبار والتقارير التي لا تحتمل قدراً من الصدقية تنتقل في الفضاء الإلكتروني ثماني مرّات أكثر مما تتنقل فيه الأخبار والتقارير الصحيحة، فضلاً عن أن متابعين يجدون فيها ما يحوّل أمانيهم إلى حقائق، ويبنون عليها قناعاتهم ويروّجون نشرها. لكن القراءة الذكية لما يحيط بنا تجعلنا نميل إلى تقرير ما نراه واقعاً ماثلاً أمام العين أن الولايات المتحدة التي كلفتها الحرب ما يقرب من تريليونين ونصف تريليون دولار، لن تترك العراق، لأنها وجدت فيه منجماً من ذهب، يعيد إليها بعض خسائرها، فضلاً عن قناعتها بأن موقعه الاستراتيجي يضمن لمظلّتها على منابع النفط القوة والمنعة، ثم إن العراق، في حساب الطموحات الصهيونية التي ترعاها واشنطن، يشكل "عقدة" خطيرة أمامها إذا ما استعاد دوره. وهذا يكفي لبقاء أميركا ساكنةً فيه مهيمنة على قراره إلى أمد قد يطول. وهذا لا يمنع دولاً أوروبية، مثل بريطانيا التي لديها تاريخ طويل مع العراقيين، من أن تعمل على مدّ نفوذها إليهم، أو حتى أن تتدخل في شؤونهم، خصوصاً أنّ العراق أصبح مفتوح الأبواب والشبابيك أمام الجميع، ومن شاء أن يدخل أو يتدخّل فليفعل، من دون أن يخشى رادعاً!

وفي بعض ما رصدناه من بعض تقارير مفبركة، اعتمادها على إشارة للثعلب الاستراتيجي العجوز، هنري كيسنجر، لم يقل فيها أكثر من أن "تغييرات مهمّة محتملة في منطقة الشرق الأوسط"، ولم يفصح عن تفاصيل، فيما أوّل البعض قصده بأنه يقصد تغيير الحكم في العراق، ومنهم من استخدم إحاطة ممثلة الأمم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، أمام مجلس الأمن، للتدليل على صحة تحليله، وكانت قد أنذرت الطبقة السياسية "المنشغلة بمعارك السلطة" من أن العراقيين لن ينتظروا طويلاً، ودعتها إلى أن تشمّر عن ساعدَيها لمعالجة الأولويات، خصوصاً في صراع السيطرة على الموارد ولعبة السلطة، ولوّحت لها باحتمال قيام مبادرة دولية ذات زمن محدود لمعالجة الوضع.

ومع ما يجري ويدور، تظلّ هناك "لكن" كبيرة، تطل بعنقها أمامنا، إذ إن ذلك كله لا يعني أن العراقيين مقبلون على مرحلة "سمن وعسل"، وأن استعادة العراق مكانته ودوره في العالم والمنطقة أصبحت في متناول اليد. بالعكس، كل تغيير، إن كان ثمّة تغيير في الأفق، لن يتعدّى الخطوط الحمر المرسومة للعراق من القوى الدولية والإقليمية الفاعلة. ولذلك، تبدو كل التنظيرات والتحليلات الوردية والمتفائلة غير واردة، بل قد يزداد العراق انقساماً وتفكّكاً، وعندها نخشى أن تصدق نبوءة شاعرنا الراحل، سعدي يوسف، الصادمة:

"سوف يذهب هذا العراق إلى آخر المقبرة/ سوف يدفن أبناءه جيلاً فجيلا/ ويمنح جلاده المغفرة/ لن يعود العراق المسمّى/ ولن تصدح القبّرة"!

 

 

لم تنته اللعبة في العراق بعد

 

عبد اللطيف السعدون

 

قمّة الاستعصاء السياسي في العراق هي الدوران حول المشكلة، والعجز عن القبض عليها. عشرون عاما، والعراق غارقٌ في مشكلاته، وكل مشكلة تلد أخرى، والذين يتصوّرون أن الحل كامن في قدرة هذا الطرف المحلي أو ذاك واهمون، لأن ثمة قوى دولية وإقليمية، بعضها يعمل في السر وبعضها في العلن، وكلها ليست لها مصلحة قائمة في إيجاد الحلول التي تلبي طموحات العراقيين وتطلعاتهم، بل لو توفرت هذه الحلول بقدرة قادر سوف تُجهز عليها هذه القوى وتفشلها، لأن مصلحتها هي في بقاء الوضع على حاله، وبما يتوافق مع أهدافها الاستراتيجية في المنطقة. أما الصراعات والخلافات بين الأطراف المحلية فليست سوى مناورات بائسة، وأحيانا شرسة، ويظل موضوعها "الكعكة" وكيفية اقتسامها.

هذا ما بدا جليا بعد الانتخابات البرلمانية التي توهم بعضهم أنها ستوفر لهم ما حلموا به، عندما أعطوا أصواتهم لهذا الطرف أو ذاك، وكانوا يمنّون أنفسهم أن الحال سوف يتغيّر، ومرّت ثمانية شهور، وهم يتطلعون لمن ينقذهم من ويلات العيش في ظل نظامٍ لا يوفر لهم أبسط متطلبات الحياة، الأمن والأمان، والصحة، وضمان العمل، والتعليم، وهامشا ولو صغيرا من الحرية والديمقراطية التي زعم الأميركيون أنهم جاءوا إلى العراق من أجل توفيرها لهم!

وقياسا على ما حدث في الشهور الثمانية الأخيرة، ليست صورة المستقبل، كما تبدو في عيون العراقيين اليوم، وردية، خصوصا بعد انكفاء انتفاضة تشرين وعدم قدرتها على التحوّل إلى ثورة ناجزة، تطيح كل أفراد المنظومة الحاكمة، وتؤسّس لمشروع وطني خالص، والأسباب معروفة: عدم تحديد أهدافها بوضوح، وتركيزها على مطالب خدمية محضة، وافتقارها إلى قيادة فاعلة ومتفاعلة، وضعف التنسيق بين مواقع حركتها، وطرحها أحيانا شعارات بعضها غير مدروس، ما سهّل انقضاض الخصوم عليها عبر اختراقها في حالاتٍ كثيرة، وتلك حقيقةٌ لا يمكن القفز عليها، وقد استغلت المنظومة الحاكمة هذا كله من أجل لخبطة الأمور وإشاعة الفوضى، والسعي إلى إعادة إنتاج "العملية السياسية" الماثلة، ومحاولة إلباسها ثوبا جديدا يخفي عيوبها ونقائصها، ويداري عجزها عن الفعل.

وهذا ما يريده طرفا المعادلة، إذ يصر "الإطار التنسيقي" الذي يتزعمه نوري المالكي، ويضم حزب الدعوة والمليشيات الولائية، على المطالبة بحكومة "توافقية" تجمع كل الأطراف، على أن تحفظ لمكوّن معين حقه في الاستئثار بالموقع التنفيذي الأول في الدولة، وهذا يعني العودة إلى نقطة الصفر، والحفاظ على السمة الطائفية للعملية السياسية، وهي السمة التي سبّبت للبلاد كل هذا الدمار والخراب، فيما يدعم "تحالف إنقاذ وطن" دعوة مقتدى الصدر إلى حكومة "أغلبية وطنية"، طارحا اسم أحد أفراد عائلة جدّه الصدر الأول لإشغال الموقع التنفيذي الأول في الدولة، كون العائلة، بحساب الصدر، هي القادرة على حفظ الدين والمذهب، وهو زعمٌ لا يتفق مع فكرة "الأغلبية" في المفهوم الديمقراطي، بل ويناقضها.

أخيرا، قذف الصدر حجرا كبيرا في المياه الهائجة، إذ أمر نوابه بالاستقالة من البرلمان، ملقيا بمسؤولية الانسداد السياسي على خصومه، كما أوعز بإغلاق معظم المؤسّسات التابعة لتياره، ودعا إلى تقليم أظافر "الحشد الشعبي"، وهي خطوةٌ تنذر بتداعياتٍ كثيرة قد تفضي إلى الإقدام على حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة قد لا تكون نتائجها أفضل من الانتخابات الأخيرة، أو ربما ينتقل الصراع إلى الشارع، وهو ما توقعه خصمه نوري المالكي نفسه، ما يعني المزيد من إراقة الدم، خصوصا أن ردود الأفعال لدى المواطنين العاديين في سيولةٍ لا تعرف التوقف.

على الوتيرة نفسها، ينقسم الأكراد بين فريق يدعم الإطار التنسيقي يقوده حزب الاتحاد الوطني الذي تهيمن عليه عائلة طالباني، فيما يدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيمه مسعود البارزاني التيار الصدري، إلا أن خطوة الصدر أخيرا فاجأت حلفاءه الأكراد وأربكت حساباتهم، كما فاجأت وأربكت حسابات قادة المكون السني الذين عصفت بينهم الخلافات من قبل، وأحدثت بين بعضهم بعضا ما صنع الحداد.

هذا كله لا يصنع صورة لمستقبل وردي، إنما يزيد المشهد الماثل عتمة وسوادا، لكنه، في الوقت نفسه، يكشف لمن ما يزال يُحسن الظن أن اللعبة لم تنته بعد، وأن الحال لن يكون أفضل ربما حتى لسنين مقبلة، وقد يجرّ إلى وضع العراق على شفا التفكيك الذي بانت ملامحه في الأفق، خصوصا أن أطرافا محلية باتت مقتنعة بأن الأوفق لبلدٍ مثل العراق أن يقسّم، وأن يأخذ كل طرفٍ حصته. تغذّي هذه القناعة جهاتٌ دوليةٌ وإقليميةٌ لا تريد لهذا البلد أن يعود إلى موقعه المؤثر والفاعل على صعيد المنطقة والعالم.

 

 

لسطين.. تاريخ ما أهمله التاريخ

عبد اللطيف السعدون

 

ثمّة مقولة للفيلسوف اليوناني، هيراقليطس، مفادها بأنك لو قبضت على وقائع معينة، ووقفت ناظرا إليها مشدوها بها، فعليك أن تسارع إلى اقتناصها قبل أن تتسرّب من بين يديك، وهذا ما فعلته، وأنا أقلب في كتابٍ عتيق، توشك صفحاته أن تنفرط، كنت حصلتُ عليه من مكتبةٍ تتعامل بالكتب القديمة في أثناء زيارة لي إلى لندن قبل خمسين عاما. كان الكتاب بلا غلاف، وقد تهرّأت أطرافه، لكنني كنت فرحا بحصولي عليه، إذ ضم مذكّرات شخصية بريطانية، كان لها دورها في إدارة الشؤون العامة في فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وللأسف، لم تكن في استطاعتي معرفة اسم تلك الشخصية للوهلة الأولى، لفقدان غلاف الكتاب وبعض صفحاته، ولكنني توصلت، في ضوء مراجعتي كتباً ووثائق عديدة معنية بتاريخ فلسطين في تلك الفترة، إلى أنّ كاتب المذكرات هو الجنرال لويس بولز الحاكم العسكري لفلسطين، قبل أن تتحوّل إلى إدارة مدنية في عشرينيات القرن الماضي. وعلى أية حال، وجدتُ في الكتاب مادّة دسمة عن أوضاع فلسطين في تلك المرحلة، والأدوار التي لعبتها الحركة الصهيونية والقوى الدولية النافذة آنذاك في التأثير على سير الأحداث، وفي توجيه مسارها في غياب دور فاعل للمنظمات العربية، الفلسطينية على وجه الخصوص، وقياداتها التي بدت كأنها تقف في الظل، وليس لها فعل في إدارة الأحداث، أو على الأقل في عدم قدرتها على استثمار حركة الاحتجاجات التي كان يقوم بها العرب آنذاك في مواجهة السلطة البريطانية المتواطئة مع الحركة الصهيونية، في أكثر من منعطف.

وبحسب كاتب المذكّرات، كانت الحركة الصهيونية في تلك المرحلة تعمل في عدة اتجاهاتٍ تتكامل في ما بينها، أولها تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، و"توطين اليهود تمهيدا لإعطائهم الاستقلال.. وإذا ما قاوم أحد العاملين في إدارة الانتداب هذا التوجّه عدّ معاديا للسامية، أو على الأقل خصما للحركة الصهيونية"، وقد لعب الاتحاد العام للعمال اليهود (الهستدروت) دورا نشيطا في تشجيع هجرة اليهود من أقطار أوروبا إلى فلسطين، ومارس شتى الضغوط على المؤسسات والشركات العاملة لاستخدام عمال يهود من القادمين إلى البلد. وثانيها "السعي إلى جعل اللغة العبرية اللغة الرسمية في فلسطين". وفي خطوة بهذا الاتجاه، استقدمت المنظمة الصهيونية، ورئيسها حاييم وايزمان، من أوروبا علماء وأكاديميين يهوداً معروفين بتخصّصهم في اللغة والدراسات العبرية والعلوم والثقافة اليهودية. وثالثها تأسيس "الجامعة العبرية"، وإقامة مركز للأبحاث العلمية. وبالفعل، وُضع الحجر الأساس في حينه، واعتبر وايزمان ذلك "بداية لعودة اليهود إلى أرضهم بعد عهود طويلة من الشتات". ورابعها النفاذ إلى البيئة الاجتماعية الفلسطينية واستقطاب السكان اليهود وزجّهم في مشاريع زراعية ونشاطات اجتماعية، وإبرازهم عنصرا سكانيا فاعلا ومتفاعلا.

والاتجاه الخامس طرح فكرة تأمين مصالح بريطانيا وأمنها في مناطق نفوذها عبر تشكيل قوة عسكرية من متطوعين يهود، على أن تكون فلسطين من هذه المناطق، وقد حصلت موافقة بريطانيا على ذلك، وتأسّست كتيبة فلسطين التي أراد الصهاينة منها أن تكون نواةً لجيش الدولة المنتظرة، وحرصت الحركة الصهيونية على أن لا يكون اسم الكتيبة معبّرا عن هويتها الحقيقية، إنما أعطيت اسم "كتيبة حاملي الغدارات الملكية"، لكنها عرفت لدى السكان باسم "الفيلق اليهودي" الذي ضم بين أفراده مشاهير وأعلاما في تاريخ الحركة الصهيونية، مثل ديفيد بن غوريون (لاحقا أول رئيس وزراء لإسرائيل)، وإسحاق بن تسفي (لاحقا ثاني رئيس للدولة)، وكذلك زئيف جابوتنسكي (زعيم الحركة التصحيحية الصهيونية فيما بعد، وصاحب نظرية "الجدار الحديدي" في العلاقات مع الفلسطينيين والعرب)، والذي عكف على وضع خطة "كومنويلث يهودي" ودستور لفترة انتقالية يضمن تغييرا ديموغرافيا يصبح اليهود في ظله الأكثرية السكانية، ويمكنهم آنذاك إعلان الدولة.

هكذا جنّدت الحركة الصهيونية كل إمكانياتها من أجل قيام الدولة الموعودة، وحصلت على الدعم البريطاني المباشر لكن كاتب المذكرات رأى أن "سياسة بريطانيا في دعم فكرة تأسيس وطن قومي لليهود في بلد تسعة أعشار سكانه عرب تبدو سياسة غير حكيمة، وسيكون من الطبيعي بالنسبة للعرب أن يكافحوا ضد سياسة تنكر عليهم حق تقرير المصير، ولن يتوقع أحد أن يساندوا إقامة وطن لليهود على هذه البقعة التي هي بالنسبة إليهم جزء مكمل لجزيرة العرب. وقد انتبه إلى هذه الحقيقة مارك سايكس (الدبلوماسي البريطاني الذي اقترن اسمه باتفاقية سايكس بيكو)، ودعا الصهاينة إلى أن ينظروا من خلال المنظار العربي، وحذّرهم من "الركون إلى الأوهام".

 

 

عندما تصبح

"الثقافة" هي الضحية

 

عبد اللطيف السعدون

 

غالبا ما يحدُث في أزمنة الحروب أن تصبح "الثقافة" هي الضحية، وأن يسعى المحاربون إلى استخدام المثقفين والأدباء والفنانين للتبشير بأهداف الحرب، وتمجيد من سقطوا وهم يرفعون راياتها، وإسباغ صفة "البطولة" عليهم، وكذا تحويل هزائم الميدان إلى انتصارات، وتوظيف كل الأشكال الفنية لترويج شعارات الحرب ومقولات قادتها، وإرغامهم على الصمت عما تقترفه الآلة العسكرية من فظائع، وما يرتكبه الجنود من أخطاء وخطايا، كما يطلب منهم طمس انتصارات الطرف الخصم والتقليل من أهميتها، والنظر إلى الأديب أو الفنان الذي يرفض منطق الحرب على أنه "خائن وطنه وخارج عن إجماع الأمة". ولذلك يعمد مثقفون عديدون معارضون فكرة الحرب إلى الهرب أو الانزواء والتخفي، كي لا ينالهم عقاب السلطة الحاكمة.

ليست حرب أوكرانيا استثناء، وقد دخلت شهرها الرابع، والأهداف التي سعى إليها الروس لم تتحقق، بل تواصلت الحرب أكثر مما قدّر لها، وهذا ما جعل العالم أكثر قلقا، خصوصا وأن مشاهد الحرب على الأرض، كما تنقلها الشاشات، توحي أن الأيام المقبلة سوف تكون حافلةً بما هو أكثر هولا، وسيجد المثقفون والأدباء الذين حاولوا تبريرها، وهم كثر، سيجدون أنفسهم أمام تصاعد وحشية الآلة العسكرية ودخول أسلحة جديدة إلى الميدان، والتهديد باستخدام السلاح النووي، واتساع نطاق العمليات العسكرية الى بلدانٍ أخرى، وما تثيره كل تلك التداعيات من مشكلات، مشكلة اللاجئين الذين تزداد أعدادهم يوميا، مشكلة العجز عن تأمين سلاسل الغذاء في العالم، مشكلة تدهور الاقتصاد في أكثر من قارّة واتساع دائرة الفقر وعدم توفر ضروريات الحياة. والمشكلة الأكثر استعصاء هي كيفية الوصول إلى نهاية قريبة للحرب، أو على الأقل تحقق إمكانية لهدنة مؤقتة في المدى القصير أو المتوسط.

في هذا العرض لا نبالغ، ولا نريد أن نتكهن، ونأمل أن يسود التعقل والحس السليم، حتى داخل الدوائر المجنونة بالحرب، سواء لدى هذا الطرف أو ذاك.

ولا تكمن حكايات الضرر الذي يحيق بالثقافة والمثقفين، وبالأدباء والفنانين في أزمنة الحروب في هذه الجوانب فحسب، إنما في جوانب أخرى أيضا، منها أن الحرب تنشئ، عند أحد طرفيها، رهابا من ثقافة الطرف الآخر. وفي حرب أوكرانيا الماثلة تظهر شواهد عديدة من رهاب ضد الثقافة الروسية من مجموعات في بلاد الغرب، وفي أماكن أخرى من العالم، وهي آخذة في الانتشار، كما يبدو، مع استمرار الحرب واتساع دائرتها، وهذا ما عانت منه آثار الروائي الروسي، فيودور دوستويفسكي، صاحب "الجريمة والعقاب"، الذي لم يشفع له أنه عاش في حقبة سابقة، وكان معارضا حكام بلاده، وحكم عليه بالإعدام في حينه ثم نفي إلى معسكرات العمل الشاق في سيبيريا. ومع ذلك، رُفع اسمه من المناهج الدراسية في جامعات عديدة في الغرب، آخرها في إيطاليا، حيث ظهرت مطالبات من أكاديميين بحذف آثاره من مناهج الدراسة.

وظهر هذا الرهاب أيضا في استعداء اتحاد كتاب دول البلطيق للكتاب الروس ودعوته الناشرين ومعارض الكتب إلى مقاطعة كتبهم وعدم ترويجها، وأيضا في إعلان الأكاديمية الأوروبية للسينما شطب الأفلام الروسية المرشّحة لجائزة السينما الأوروبية لهذا العام، وكذلك في مقاطعة مركز الأوبرا في ولاية بافاريا الألمانية مغنية الأوبرا الروسية آنا نيتريبكو، رغم دعوتها إلى وقف الحرب في أوكرانيا، ورفضها فكرة إجبار الفنانين على تبني وجهة نظر سياسية معينة.

وفي مهرجان ربيع ولاية كولورادو الأميركية، حُذف اسم يوري غاغارين الروسي، أول رائد فضاء، وذلك من البرنامج المتعلق بالفضاء، كما حدث الشيء نفسه في دوقية لوكسمبورغ، إذ أزيل تمثال نصفي له، مع أنه متوفى منذ خمسين عاما، ويعدّ من بين أعظم شخصيات التاريخ الإنساني في العصر الحديث.

المفارقة اللافتة هنا أنه حتى الجنسية يمكن أن تنحّى جانبا، إذا كان الأمر مقصودا من الناحية السياسية، وهذا ما حدث مع الفيلسوف الألماني الذي عاش ومات في إنكلترا، ولم تكن له أية علاقة بروسيا، كارل ماركس شريك فريدريك أنجلز في كتابة "البيان الشيوعي" الذي حذفت مؤلفاته إثر حرب أوكرانيا من الصفوف الدراسية في جامعة فلوريدا بالولايات المتحدة، واعتبر مفكّرا غير مرغوب فيه. حدث هذا مع أن روسيا لم تعد تعتنق الفكر الشيوعي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وإن كانت لا تزال لديها بعض تقاليد الماضي الأحمر وأعرافه، والآن تسعى إلى توسيع دائرة نفوذها وأخْذ موقع لها في إدارة شؤون العالم ومقدّراته.

هكذا تتحوّل "الثقافة" في ظل الحروب إلى ضحية، وتصبح كلمات المفكرين والأدباء والفنانين خارجة عن السياق العام للأحداث.

 

 

مظفر النواب .. ما له وما عليه

 

عبد اللطيف السعدون

 

لم يترك لنا معارف (وأصدقاء) مظفر النواب، الشاعر والمناضل الملاحق معظم سنوات عمره، ما نقوله عنه، نحن الذين لم يقدّر لنا أن نقترب منه أو نلتقيه إلا لماماً، أو عبر وسائط الميديا، وقد شاهدناه من خلالها وسمعناه، وقرأنا له، وتملّكنا تجاهه مزيجٌ من مشاعر الإعجاب، والانبهار، واستفزّنا في أشعاره، ما جعل اسمه ينطبع في وجداننا منذ قرأنا أولى قصائده "للريل وحمد" قبل ستين عاماً.

جاءته الشهرة منقادة لم يسعَ إليها كما لم يفكر فيها، وتلقف الناس أشعاره في كتبٍ طبعت مرّات، منها طبعات مزورة ومستنسخة، لم يعرف ناشريها، لكنه لم يسعَ للتحري عنهم ومقاضاتهم، ولم يصل إليه منها دينار واحد.

رفض أن يكون مرتبطاً بسلطة، كما رفض أن يُحسب على سلطة، حتى في فترات اقتراب رفاقه الشيوعيين من الحكم، ورفض عروضاً عدة ليكون "مسؤولاً رسمياً". عرض عليه صدّام حسين عندما استقبله إبّان "عرس" الجبهة الوطنية موقعاً متقدماً في وزارة الثقافة، لكنه اعتذر، وطلب أن يُسمح له بالسفر إلى بيروت لطبع مجموعة شعرية له. وفي تلك المقابلة، أهداه صدّام "مسدساً"، وعندما عاد إلى بغداد بعد الاحتلال، بدعوة من الرئيس الراحل، جلال طالباني، عرض عليه الأخير منصب "مستشار في رئاسة الجمهورية"، واعتذر عن عدم قبول المنصب، مكتفياً بجواز سفر دبلوماسي، يعينه على التنقل بين العواصم من دون منغّصات.

قرأ أشعاره عراقيون من مختلف الطبقات، وأعجبوا بها كما نحن، وهو أكثر الشعراء العرب ممن كانت أشعارهم يجري تداولها سرّاً، وحتى الحكام الذين نال منهم في قصائد له، وشتمهم على نحو مقذع، كانوا يستمعون اليها بإعجاب. يُقال إن صدّام حسين كان يغالب دموعه كلما سمع شريط فيديو له، مع أنه خاصم البعثيين وتعرّض للاعتقال إبّان حكمهم، لكنه استطاع الهرب إلى إيران، بنية الوصول عبرها إلى الاتحاد السوفييتي، وألقى الإيرانيون القبض عليه، وسلموه لسلطة بغداد التي حكمت عليه بالسجن المؤبد، وطلبت منه أن يتبرّأ من حزبه، وسجّل موقفه بالرفض في قصيدةٍ على لسان أمه: "يا ابني/ لا تثلم شرفنا/ يا وليدي/ البراءة تظل مدى الأيام عفنة/ قطرة قطرة/ وبنظر عيني العميته، كلي (قل لي) ما أهدم حزب بيدي بنيته". وفي "عرس" الجبهة الوطنية، أطلق سراحه وسمح له بالسفر، ومن بيروت إلى دمشق، حيث طاب له المقام فيها بعد أن استضافته الدولة في منزلٍ خاص به، ثم ما لبث أن ترك دمشق إلى طرابلس، مستضافاً هذه المرّة عند معمّر القذافي، وتنقل بين ظفار وإريتريا والخرطوم، وأوروبا أيضاً. وبعد احتلال العراق، استجاب لدعوة صديقه جلال طالباني، للعودة إلى وطنه، لكنه لم يمكث سوى فترة قصيرة، رجع بعدها إلى بيروت وقد نال منه المرض، وانكفأ على نفسه، فلم يكتب بيتاً شعرياً واحداً ضد الاحتلال، ولم يعلن بصوته الذي كان يوماً المعبّر عن جرح وطنه الذي كان قد وصفه من قبل بأنه "جرح كبير، ما لمته ديرة ناس، ولا نامت عليه الكاع". كذلك لم ترد منه كلمةٌ واحدةٌ في رفض حكم المحاصصة الطائفية الذي شرعنته الولايات المتحدة. أكثر من ذلك، لم يتردّد في اعتبار مقاومة المحتلين "ضرباً من الخيال". ولم يقف ساخطاً أمام مشاهد وحشية المحتلين، ولم يعط من وقته ليتأمل في المرارات التي يعيشها مواطنوه، متجاهلاً ما يحدث أمام عينيه.

ومن مكر التاريخ أن يقرّر مظفّر، في أواخر أيام حياته، الالتجاء إلى الإمارات طلباً للعلاج، ولم تخيّب الإمارات ظنه، إذ استقبلته بحفاوة، ووفرت له متطلبات علاجه، حتى قدّر له أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على أرضها، وهو القائل: "أصافح الليل مصلوباً على أمل/ أن لا أموت غريباً ميتة الشبح". ومن مكر التاريخ أيضاً أن يصل جثمانه إلى عاصمة بلده على ظهر طائرة "رئاسية" خاصة، وهو الذي كان قد جنّد نفسه في شبابه حرباً على كل الرئاسات والسلطات وممارساتها وطقوسها. والمفارقة اللافتة أن تعزي الولايات المتحدة العراقيين بوفاة النواب، وأن تصدر سفارتها في بغداد بياناً تصفه فيه بـ"المعبّر عن أصوات العراقيين وتطلعاتهم"!

وقد نال شاعرنا من المجد كما نال من السخط الكثير. وعلى أية حال، فقد غاب عنا في يوم بغدادي أغبر "مثل ما تنقطع تحت المطر شدة ياسمين"، ورحل عنا بكل ما له وبكل ما عليه.

 

عن ليل العراقيين الطويل

عبد اللطيف السعدون

 

لا يزال ليل العراق طويلا كما رآه المتنبي، وفيه "تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم"، لكأنما كتب على العراقيين أن تفرّقهم أسئلة السياسة كما فرّقتهم في أكثر من زمان. وإذا كانت في زمان المتنبي دولة ورجال، ففي زماننا لم تعد في العراق ثمّة دولة واقفة على رجليها، ولم يعد عندنا أحد من صنف "الرجال القمم" الذين تحتفي بهم الدول، والذين وصفهم المفكر الفرنسي، أندريه مالرو، بأنهم من تشرئبّ إليهم الأعناق إذا ما أحدقت المحن بالناس، واستعصت عليهم الحلول، ولم يبق أمام العراقيين اليوم سوى ممارسة الحلم، والهروب من الحاضر إلى "نوستالجيا" الزمن الجميل الذي رحل كما رحل أهله.
ولأن الأمر كذلك، أصبحت أسئلة السياسة تدور داخل حلقة ضيقة ومفرغة يتبادل أهلها المنافع والامتيازات، ويطلقون الوعود الكاذبة، ويتقاسمون الحصص في "الكعكة" الكبيرة، كما اعترفت مرّة أمام الملأ برلمانية معروفة لكن القضاء المستقل (!!) لم يستطع أن يقول لها ولا لأندادها: "على عينك حاجب"!
وهكذا ليست هناك قضية في كل "المبادرات" التي يطرحها السياسيون، والمناورات التي يتخفون وراءها أكبر من قضية "الكعكة" التي يختلفون عليها تارة، ويتفقون تارة أخرى، وهدف الجميع إطالة عمر "العملية السياسية" الطائفية التي دخلت "صالة الإنعاش"، والسعي إلى إحيائها من جديد كي تتواصل دورة الاستحواذ والنهب واللصوصية.

تجري هذه اللعبة أمام عيون العراقيين بعد انقضاء سبعة أشهر على انتخابات برلمانية قيل إنها ستمهد الطريق لتغيير في السلطة والسلطان، لكنها لم تحقق ما كان مأمولا، وإن اعتبرها بعضهم خطوة على طريق التغيير، لكن هذه الخطوة انكفأت بفعل بقاء "الحيتان" الكبار أنفسهم ماسكين بأطراف اللعبة يشدّون حبالها ساعة، ويرخونها أخرى، ووراءهم قوى خارجية هيمنت على البلد واستأثرت بقراره.
وقد يجد القارئ في التذكير بما يضيق به المشهد السياسي من "مبادرات" و"مبادرات مضادّة" فرصة تسليةٍ تنسيه هموم الحياة وتصاريف الزمان، أولى هذه المبادرات أطلقها زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وأعطى فيها الإطار التنسيقي الذي يرأسه خصمه اللدود، نوري المالكي، مهلة أربعين يوما كي يشكّل حكومته "التوافقية"، لكن الإطار رد بمبادرةٍ على شاكلتها داعيا إلى الحوار من أجل "الحفاظ على العملية الديمقراطية"، وعاد الصدر ليتوجه إلى "النواب المستقلين" مقرّرا منحهم "جائزة مغرية"، 12 وزارة إذا ما شكّلوا تكتلا وانضموا إلى مشروعه في حكومة "أغلبية وطنية". والتفت المالكي هو الآخر إليهم معلنا عرضه المنافس، عدة وزارات، وترشيح من يرونه من "الشيعة!" لرئاسة الحكومة، وفكّر "المستقلون" أن يتكتّلوا ليمثلوا دور "بيضة القبّان" في اللعبة القائمة، لكنهم فوجئوا، كما فوجئ غيرهم، باعتراف الصدر بفشله في تحقيق ما أراده، داعيا كل الكتل، وبضمنها من تحالف معهم، إلى تشكيل الحكومة على أن يتحوّل هو إلى "معارضة وطنية"!

وهكذا لم تفضِ لعبة المدد والجوائز المغرية إلى حل، إنما وصلت إلى طريق مسدود وسط توقع بعضهم أن تتكفل قوى خارجية بتقديم "مبادرة الساعة الأخيرة" التي يمكنها رأب الصدع والتوافق على حكومة أمر واقع، كما حدث في أكثر من مرّة، إلا أن الظاهر أن القوى الخارجية المقصودة ليست في وارد التدخل المباشر اليوم، فواشنطن خفّفت من اهتمامها بقضايا العراق في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي نشأت بعد نشوب حرب أوكرانيا، ولم تعد مسألة تشكيل حكومة جديدة في بغداد من أولوياتها، بل قد تكون تلك القضايا عبئا عليها، وهذا ما لمحت إليه السفيرة الأميركية الجديدة في بغداد، اينا رومانوسكي، في إشارتها إلى أنها ستتعامل مع الحكومة الجديدة في إطار "تعزيز استقلال العراق وحقوق المواطن"، وإن نسبت مواقع تواصل إلكترونية إليها وضعها خطة عمل لأزمة الانسداد السياسي في العراق، تعتمد إعادة كتابة الدستور وفترة انتقالية وانتخابات جديدة، وحصر السلاح بيد الدولة.. إلى آخر "المعزوفة" التي أوردها "جنود" إلكترونيون فزعوا بآمالهم إلى الكذب.
وحتى إيران التي تعتبر قضية العراق من أولى أولوياتها، فقد اكتفت بما مارسته من ضغوط على أطراف "العملية السياسية"، بعد أن اطمأنت إلى أن "وكلاءها" ورجال مليشياتها ضامنون لها هيمنتها من خلال "الدولة العميقة" التي أنشأتها ورعتها عشرين عاما، وهم جاهزون لإجراء اللازم عند ظهور ما يشكّل خطرا عليها وعلى مصالحها.
وفي ظل استمرار هذا الليل العراقي الطويل، ليس ثمّة ما يحيي الأمل لدى الحالمين بالتغيير، والذين ربما سيترتب عليهم أن يواصلوا الحلم أربع سنين أخرى، وحتى تحدُث معجزة ما!

 

 

متى تبدأ

الحرب العالمية الثالثة؟

عبد اللطيف السعدون

 

لم يكن هذا السؤال مطروحا قبل نشوب الحرب في أوكرانيا، وكان يبدو مجرّد نبوءةٍ متشائمةٍ يتداولها كتّابٌ ومحللون ينظرون إلى العالم من وراء نظّارات سوداء، كما لم يكن في أخيلة كثيرين من صنّاع السياسة أن يتطوّر أي من النزاعات الماثلة في العالم إلى حربٍ كونيةٍ قد تقضي على البشر والحجر معا. وعندما روّج الباحث الاستراتيجي الأميركي ورئيس مؤسسة ستراتفور المعروفة في عالم الاستخبارات، جورج فريدمان، في كتبه ما أسماه "سيناريو الحرب العالمية الثالثة" التي حدّد لبدئها الساعة الخامسة مساء الرابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2050، رفض باحثون آخرون هذه الفكرة من الأساس، معتقدين أن العالم استطاع أن يتجاوز احتمال حصول حدثٍ مهول كهذا، بعدما تحقق نوع من السلام الكوني الشامل، وبعدما استطاع أقطاب السياسة الكبار كبح جماح الحروب الصغيرة الناشبة في هذه البقعة أو تلك من أن تتجاوز الحدود المرسومة لها، حتى لو استغرقت مدى زمنيا طويلا.

بنى فريدمان نظريته تلك متوقعا حدوث حرب عالمية على الفعل الذي تُحدثه العوامل الجيوسياسية في البيئة العالمية، وتأثير ذلك على العلاقات الدولية في هذا القرن الذي بلغت فيه التكنولوجيا العسكرية المعقدة شأوا خطيرا، ومفرداتها التي سوف تكون جاهزةً للاستخدام في أية حرب مقبلة.

ويقوم "السيناريو" المثير الذي نشره في حينه على افتراض أن اليابانيين والأتراك، وبفعل العامل الجيوسياسي، سيشعرون بأنهم مهدّدون بالآثار المرعبة التي يمكن أن تُحدثها التكنولوجيا المعقدة التي أصبح الأميركيون يمتلكونها، بخاصة في مجال المركبات الفضائية الحربية، وقد اقتنعوا بأن الخروج من هذه الدائرة هو في شنّ حربٍ استباقية تطاول التفوّق الأميركي قبل أن يبلغ مدىً أكبر. وتستهدف الضربة الأولى المركبات الفضائية الأميركية، وعندها سيتحالف الأميركيون والبولنديون (في أوروبا) لمواجهة اليابانيين والأتراك في البحر والجو، وسوف تستدرج الحرب أطرافا أخرى حتى يصعب الوصول إلى نهايةٍ لها. هنا يكتشف العالم أن انتصار من ينتصر سوف لن يكون حاسما، وهزيمة من يهزم لن تكون تامة، وتدفع هذه الرؤية لدى صناع القرار في الدول المتناحرة إلى عقد مؤتمر يؤسّس لمرحلة سلام جديدة تنتج نوعا من التوازن، تكون لأميركا فيه حقوق حصرية في عسكرة الفضاء، تحافظ من خلاله على تفوّقها وسيطرتها على العالم.

قد لا يتوافق هذا "السيناريو" مع ما دار في رأس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وهو يطلق شرارة حربه في أوكرانيا التي ربما أوحى بها له الأميركيون على نحوٍ أو آخر، وقد يكون ابتعاد واشنطن عن القارّة الأوروبية في عهد الرئيس دونالد ترامب، ثم وصول "الديمقراطيين" إلى السلطة، شكل عامل إغراء لدى بوتين للتقدّم نحو تحقيق هدفه في كسب اعتراف الغرب والعالم بروسيا قوة لها هيبتها وهيمنتها، كما كانت عليه زمن الاتحاد السوفييتي الميت تاريخيا، ودفعه ليشرع في "عملية عسكرية خاصة" قدّر أنها لن تدوم أكثر من بضعة أيام، تكون فيها قواته قد اجتاحت أوكرانيا، وضمّتها إلى روسيا كما فعل من قبل في جزيرة القرم، لكن حسابات الحقل يبدو أنها لم تتطابق مع حسابات البيدر. وقد جرت الأمور على غير النحو الذي أراده، فقد امتدّت الحرب أياما وأسابيع، حتى تجاوزت شهرها الثالث بفعل المقاومة الأوكرانية وإمدادات السلاح الغربي المتسارعة والدعم الأميركي اللامحدود، وهذا ما جعل المخاوف تساور بعض المحللين جرّاء احتمال تطوّر الحرب وانزلاقها إلى حرب عالمية قد يستخدم فيها السلاح النووي، ولم يتورّع بعضهم عن تحديد تاريخ معين لها، وبينهم محللون روس كانوا عند إطلاق "العملية العسكرية الخاصة" يرسمون لها مسارا قصيرا ينتهي باستسلام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعودة أوكرانيا إلى أحضان روسيا لكنهم اليوم يرسمون "سيناريو" مختلفا.

يتنبأ ألكسندر نازاروف (محلل استراتيجي روسي) بأن تصعيدا خطيرا سوف يشنّه الغرب على روسيا على وقع جملة عوامل، منها وصول الاقتصاد الأميركي إلى مرحلة الانهيار، وسيصبح دخول أوروبا طرفا في معمعة الحرب أمرا لا مفرّ منه، وسوف يقترن هذا التطوّر باتساع نطاق العمليات العسكرية. وقد حدّد نازاروف تاريخ منتصف شهر مايو/ أيار الحالي موعدا لما توقعه من أحداث تزعزع استقرار العالم بأسره وأمنه. وقال محللون آخرون إن أياما قليلة قد لا تتجاوز الأسبوعين تفصلنا عن قيام حرب شاملة، فيما دقّ جرس الإنذار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي قال إن "خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة جدّي وحقيقي".

هكذا إذن ليس أمامنا سوى أن نحبس أنفاسنا وننتظر.

 

عندما يخضع القضاء

العراقي لسلطان السياسة

 

عبد اللطيف السعدون

 

ليس لك، وأنت تتابع ما يجري في العراق في هذه الأيام، سوى أن تضحك أو تبكي، والأمر سيّان، ما دام القضاء هناك يخضع لسلطان السياسة، وما دام القانون غائباً عن كل صعيد، وما دام رجال القضاء قد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدواتٍ في أيدي "الحيتان" والأفّاقين ورجال المليشيات، وليس أكثر إيلاماً من أن يسقط هذا المرفق المهم تحت أقدام السياسيين، وفي سبيل تحقيق مآربهم الخاصة.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلا بد من أن نذكر هنا بالخير رئيس وزراء بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل، الذي أصبحت مقولته مثلاً، وهو يتأمل الدمار الذي حل ببلاده: "لا تقلقوا على بريطانيا ما دام القضاء بخير"، وأيضاً الجنرال شارل ديغول الذي سأل عن حال القضاء ساعة دخوله باريس بعد تحريرها من الاحتلال النازي، وعندما قيل له إن القضاء الفرنسي لم يفقد نزاهته بعد، التفت إلى وزيره الروائي والمفكر أندريه مالرو، ليقول له "نستطيع إذن أن نبدأ الآن معركة بناء فرنسا من جديد".

ارتضى رجال القضاء لأنفسهم أن يكونوا أدواتٍ في أيدي "الحيتان" والأفّاقين ورجال المليشيات

ونستذكر تاريخ "بلاد النهرين" منذ العهد السومري، ونقرأ أن رجاله ابتكروا القوانين التي تقيم العدل وتحقق المساواة ابتداء من إصلاحات أوركاجينا وقوانين نمرود ثم قانون أشنونا الذي يعد أقدم الشرائع في تاريخ البشر، وصولاً إلى قوانين حمورابي التي شكلت البداية نحو توجّه دول العالم لإرساء نظام قانوني عادل وقضاء مستقل.

ونسترجع أيضاً عهد الملوك الذين حكموا العراق منذ عشرينيات القرن المنصرم، حيث نلمس اهتمام النخبة السياسية آنذاك بالقضاء والسعي إلى إشاعة مبدأ استقلاليته عن أية مؤثرات، وعدم التدخل في أحكامه. وفي حينه، أرسي تقليد مهم، عندما وضعت لوحة خلف مقعد القاضي، كتبت عليها الحكمة التي قال بها ابن خلدون "العدل أساس الملك"، للدلالة على أن بناء المجتمعات والدول يبدأ من القضاء الذي يقيم العدل، ويحقّ الحق، ويقتصّ من المجرمين، وإذا كانت الجمهوريات التي خلفت عهد الملوك قد شهدت، على نحو أو آخر، انتهاكات فظة في ميدان القضاء في أكثر من قضية ومحاكمة، فإن احترام القانون والسعي إلى التوعية على دوره في نهضة الشعوب وتقدّمها، كان السمة الغالبة على مؤسسة القضاء ولدى القضاة أنفسهم، لكن الطامة الكبرى التي نزلت بالعراق وأهله في السنوات العشرين التي أعقبت الغزو الأميركي، واستحواذ "وكلاء" إيران على السلطة والقرار، كانت في جنوح المحاكم العراقية نحو إصدار أحكام لا تخالف القوانين والأعراف فحسب، إنما تؤسّس للفوضى، وتعيق نهوض البلد وتطوّره جرّاء خضوع الجسد القضائي لمشيئة السياسيين ورغباتهم. ولا أدلّ على ذلك من أحكامٍ صدرت بحق عدد من كبار لصوص المال العام، ومنهم وزراء ونواب وأصحاب درجات خاصة، تفاخروا علناً أمام كاميرات التلفزيون بأنهم ارتشوا واستغلوا مواقعهم وتقاسموا "الكعكة" مع نظرائهم، (هل كانوا يستخفون بمواطنيهم الذين لا يملكون شروى نقير ويسخرون منهم؟)، لكن القضاء في النهاية غفر لهم ذنوبهم، وأسقط عنهم تبعة خطاياهم، وأوجد المبرّرات غير المعقولة للعفو عنهم، وعادوا أبرياء كما ولدتهم أمهاتهم!

أسقطت المحكمة تهماً موجهة إلى سياسيين هاربين على خلفية ما قيل في حينه عن ضلوعهم بالإرهاب، واستغلال بعضهم المال العام

وفي جديد قرارات القضاء التي ما زال العراقيون يتندّرون بها الحكم على وزير سابق مع ثلاثة من معاونيه بالسجن عاماً مع وقف التنفيذ، وغرامة مقدارها سبعمائة دولار فقط على خلفية واقعة فساد وسرقة للمال العام، بلغ الهدر فيها ثمانمائة مليون دولار، وبرّرت المحكمة قرارها بأن المدانين "لم يسبق أن حكم عليهم بجريمة من قبل"، ولقناعتها (لا أحد يعرف كيف تولدت هذه القناعة) بأنهم "لن يعودوا إلى ارتكاب جريمة مماثلة"، جرى هذا في أعقاب قرار لمحكمة أخرى بالحكم على طفل جائع لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره اتّهم بسرقة علبة مناديل ورقية بالسجن، مثله مثل سميه جان فالجان بطل رواية فيكتور هوغو "البؤساء"، والذي حكم عليه بالسجن إثر سرقته رغيفاً من الخبز.

وفي جديد "مسلسل" القضاء العراقي المستقل (!!) أن محكمة النزاهة أسقطت تهماً موجهة إلى سياسيين هاربين على خلفية ما قيل في حينه عن ضلوعهم بالإرهاب، واستغلال بعضهم المال العام من دون أن تقدّم المحكمة تبريراً لقرارها، ويقال إن ذلك جرى بوساطة سياسيين معلومين، وضمن موجبات الصراع القائم بين أطراف "العملية السياسية" التي توشك على الموت.

هكذا في العراق، إذا سرق الوزير تركوه وأفرجوا عنه، فيما إذا سرق طفل جائع علبة مناديل ورقية كي يقايضها برغيف خبز أقاموا عليه الحد.

 

 

هذه الحملة ضد

"الصرخيين" في العراق

عبد اللطيف السعدون

لم تكن حملة أجهزة الأمن العراقية ضد جماعة المرجع الشيعي، محمود الحسني الصرخي، مفاجأة لأحد، كما لم تكن الواقعة التي استندت إليها الحملة خارج المألوف، لكنّ المعروف أنّ حالة الانسداد الصعب التي تعيشها "العملية السياسية" التي هندسها الأميركيون بعد الاحتلال تفرض عند مريديها البحث عن مخارج تعينهم على تصريف ما يحيق بها، وأيضاً لإشغال الناس في ما ينسيهم همومهم الكبرى. وقد وجد هؤلاء في واقعة دعوة أحد أتباع الصرخي إلى ترك "بناء القبور وتشييد المراقد وتخصيص طقوس ومراسم خاصة بها" باعتبارها تخالف تعاليم الإسلام ضالّتهم في تحقيق ما يبتغونه من أهداف، وفي التدليل للآخرين على أنّ هناك تيارات جانحة تُضمر الإضرار بالمذهب الشيعي والإساءة إلى أتباعه، ما يفرض ضرورة قيام توافق سياسي لحماية المذهب والدفاع عنه. وإذا ما تذكّرنا أنّ قادة المليشيات وزعماء "الإطار التنسيقي" هم أول من زعم أنّ هناك محاولات تجرى لإضعاف المكون الشيعي، وسلب حقه في السلطة والقرار، وأول من اخترع حكاية "الإضرار بالمذهب" التي ألقوها في وجوه الصدريين الذين يدعون إلى حكومة "أغلبية وطنية" ندرك أنّ ما يحدُث قد لا يخرج عن كونه "مناكفة سياسية"، القصد منها دفع الصدريين إلى التوافق مع زعماء "الإطار التنسيقي"، وتشكيل حكومة تضم الجميع تحت شعار "وحدة المكوّن الشيعي في مواجهة أعدائه". لكن، يبدو أن زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، اكتشف اللعبة قبل اكتمال وقائعها، فبادر إلى الإعلان عن شجبه واقعة الدعوة إلى هدم القبور، ومطالبته الصرخي بالتبرؤ من بطل الواقعة، وإلّا سيكون مضطرّاً لفرض العقاب المناسب عليه وعلى أتباعه، كما قال. وبهذا قطع حبل الوصل بين "الواقعة" المذكورة وما يجري في الميدان السياسي من مفارقات ومناكفات، مصرّاً على تمسّكه بحكومة "الأغلبية الوطنية" وتاركاً لخصومه الصيد في المياه العكرة!

هل يعني ذلك أنّ هناك من صنع واقعة الدعوة إلى هدم المراقد على نحو أو آخر، ثم رفع صوته بالصراخ؟ هنا يمكن أن يكون الجواب نعم، خصوصاً أنّ الموضوع الذي أثارته الواقعة يعكس خلافاً فقهياً عمره أكثر من ألف عام، إذ هناك بين الفقهاء من يرى رأي بطل الواقعة المحسوب على "الصرخيين" ويرى آخرون خلاف ذلك. وكان من الممكن أن تمرّ الواقعة بهدوء، ومن دون أن تنتج هذا الضجيج العالي الذي وصل إلى مديات حادّة، باعتقال عشرات من أتباع الصرخي وحرق مساجد يصلي فيها أتباعه وتدميرها. ومثل كرة الثلج، تدحرجت الواقعة لتلد سؤالاً آخر: هل يجوز شرعاً حرق مساجد ودور عبادة يذكر فيها اسم الله وتدميرها؟

أشار عارفون بأسرار ما وراء الأكمة إلى أصابع إيرانية في هذه القضية، وقرنوا ذلك بالتهديد المبطّن الذي أبلغ عبر قنوات متعدّدة، آخرها ما قاله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في زيارة الوزير أخيراً إلى طهران من أنّ بلاده لن تسمح بنشاطات معادية لها في العراق، وإنّ واجب العراق أن يقمعها. ويضيف هؤلاء العارفون أنّ طهران أرادت الثأر من الصرخيين، على خلفية اقتحامهم القنصلية الإيرانية في كربلاء وحرق العلم الإيراني في أثناء موجة الاحتجاجات التي عمّت العراق قبل عامين، وتنديدهم بالتدخلات الإيرانية. وللصرخي مواقفه المعروفة ضد إيران، ونظرته إلى "الحشد الشعبي" وكذلك المليشيات على أنّها امتداد لنظام طهران، وانتقاداته مرجعية علي السيستاني التي يتهمها بالتبعية، وهو معروفٌ كذلك بتأكيده عروبة العراق ومناهضته الغزو الأميركي للبلاد.

وعلى ذمة المثل الإنكليزي أنّ السياسة يمكنها أكل كلّ شيء، فإنّ السياسة في العراق أكلت من كلّ هذه التداعيات، إذ تصاعدت أصوات مطالبة باجتثاث التيار الصرخي وتجريم أتباعه، فيما ندّد آخرون بالحملة المناهضة له، واعتبروها حالة قمع للرأي الآخر الذي لم يخرُج عن حدود القانون. وقد فضلت "الرئاسات الثلاث" النأي بالنفس عن هذه السجالات، وصمتت صمت القبور، ولم تتحرّك باتجاه وأد الفتنة التي كادت تشكل فصلاً جديداً في الخلافات الطائفية التي أنهكت البلاد طوال الأعوام العشرين السالفة، على أنّ بعض عقلاء القوم اختاروا الموقف الحسن، إذ دعوا إلى وقف الضجيج المتعلق بالواقعة التي أثارته، وطي صفحتها، والاحتكام إلى القضاء إذا كان هناك ما يتطلب ذلك، وإطلاق سراح الأبرياء، والكفّ عن كلّ ما يثير الفتنة ويؤجّج الخلاف.

وهكذا يتنقل الساسة العراقيون بين سيناريو وآخر بغرض شراء الوقت، من أجل إعادة إنتاج "العملية السياسية" الطائفية على نحوٍ يكفل لهم مواجهة المد الشعبي المتصاعد الذي يرفض تدخلات طهران وهيمنتها على القرار العراقي.

 

 

"المتلازمة العراقية"

حكومات ولا حكومة

عبد اللطيف السعدون

 

في العراق أكثر من حكومة، ولكلّ واحدة سياساتها وبرامج عملها وميزانياتها واستقلاليتها، وكل منها تسلك الطريق الذي تريده. هذا ليس مزحة ماكرة، إنه واقع ماثل أمام عيون من يتابعون أوضاع العراق وما يجري فيه. وبحساب هذا الواقع، من الطبيعي أن نرى مفارقات ومتناقضات كثيرة، وكذلك الأعراض والعلامات المرضية التي يصحّ أن يُطلق عليها صفة "المتلازمة العراقية" التي عرفناها في العقدين الماضيين، وهي تستدعي إمعان النظر والتأمل في ما آل إليه الحال بعد الاحتلال الأميركي للبلاد الذي أوجد وضعا هجينا، من الصعب مقاربته في مقالة عابرة قد يفوتها الكثير.

أولى هذه الحكومات هي حكومة "تصريف الأعمال" التي يرأسها مصطفى الكاظمي التي جاءت نتيجة توافق أطراف "العملية السياسية" على قيامها، كي تتولى مهمة إجراء انتخابات نيابية مبكّرة استجابة، كما قيل، لمطلب رفعه ثوار تشرين. وإذ أنهت حكومة الكاظمي مهمتها على النحو الذي انتهت إليه، فقد أصبح دستورياً تخليها عن السلطة لصالح حكومة جديدة تنبثق عن الانتخابات، إلّا أنّ التجاذبات السياسية والانقسامات داخل الطبقة الحاكمة فرضت بقاءها إلى حين.

عمّرت حكومة الكاظمي سنتين، وربما تعمّر أكثر، إلّا أنّها لم تقدّم منجزاً واحداً يُحسب لها، باستثناء الانتخابات البرلمانية التي قاطعتها شرائح واسعة من العراقيين، وتعرّضت للنقد على نحو واسع، بسبب مما شابها من قصور. كما أنّ جرد أفعال الحكومة على أكثر من صعيد في السنتين الماضيتين يوحي أنها فشلت في أداء المهمات التي تصوّر بعض حِسني الظن أنها يمكن أن تقوم بها، ولكن العكس هو ما حصل، فقد تحدّث رئيسها أكثر من مرة عن مشروعه لإعادة هيبة الدولة، ووضع السلاح في يدها، ولكن ذلك بقي مجرّد فكرة على الورق، فما زالت المليشيات المسلحة تطوف البلاد شرقا وغربا. كما تحدّث عن إجراءاتٍ لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ولكن ذلك كان أشبه بهواء في شبك، فما زال الفساد ضاربا أطنابه في كل مرافق الدولة والمجتمع، وما زال الحيتان الكبار يصولون ويجولون وينهبون. وتحدّث رئيس الحكومة أيضاً عن نيته محاسبة قتلة أكثر من سبعمائة من ثوار تشرين، لكن هذه النية لم تُترجم إلى فعل، وظل القضاء عاجزاً عن مقاضاة أحد منهم. وفي مجال الاقتصاد، أصدرت الحكومة ما سمتها "الورقة البيضاء" لمعالجة السياسات الخاطئة وسوء الإدارة وغياب التخطيط، لكنّ هذه "الورقة" تآكلت بمرور الزمن، ولم يبق لها أثر يذكر.

ودعك من غياب الأمن، وتفاقم الجريمة المنظّمة، وانتشار تجارة المخدّرات على نطاق واسع، وظواهر أخرى تؤكّد الفشل في إدارة شؤون البلاد، وعدم القدرة حتى على تخفيف معاناة الناس اليومية وخفض جرعة الإحباط لديهم.

ثانية هذه الحكومات تستحقّ تسمية "حكومة الأمر الواقع"، بحكم سيطرتها الميدانية على مؤسسات الدولة ومرافق المجتمع، مستمدّة قوتها من ارتباطاتها الخارجية، ومن امتلاكها السلاح بمختلف أنواعه، حتى الثقيل منه، وتضم مليشيات ومافيات وأحزابا وشخصيات نافذة تتبادل الامتيازات والمنافع على نحوٍ يجعل منها "قوة قاهرة"، لا ينجو من سطوتها أحد، وهي التي زرعت الفوضى والخراب والفساد في كلّ أرجاء الوطن من دون أن يستطيع أحدٌ كفّ يدها أو التخفيف من شرورها وجرائمها، وسلطاتها مستمدّة من حكومة "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" التي تحدّد مسارها وتعدّها من منظومات أمنها القومي!

و"ثالثة الأثافي" حكومة إقليم كردستان التي أعطتها التشريعات النافذة موقعاً دستورياً وحقوقياً، إلّا أنّها تخطت ما هو مرسوم لها، لتتحوّل إلى "دولة مستقلة" تستحوذ على 17% من الميزانية العامة، وتطالب دوماً بأكثر من ذلك وتحصل عليه. وتمتلك جيشاً خاصاً (البيشمركة) له قيادته الخاصة، ولا يخضع للقائد العام للقوات المسلحة، وتتعامل في علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دول العالم باستقلالية كاملة عن المركز، وحتى من دون إطار قانوني، وتصدّر النفط المستخرج من آبار الشمال، بموجب اتفاقات غير شفافة وتستحوذ على عائداته.

وثمّة حكومات أخرى في هذه المحافظة أو تلك، تمارس سلطاتٍ موزّعة بين عشائر ومليشيات ومافيات وعصابات جريمة منظمة. .. وفي ظلّ هذا كله، تحولت دولة العراق إلى غابة تضم من المفارقات والتناقضات الكثير، وقد لا يمكنها أن تتجاوز واقعها الماثل، قبل أن تتخلّص تماما من هذه "المتلازمة" المرضية المستوطنة وشرورها.

 

 

هل كان ممكناً

تفادي غزو العراق؟

عبداللطيف السعدون

 

ليس ثمّة وجع في إبريل/ نيسان أكثر من تذكّر واقعة سقوط بغداد بيد الأميركيين قبل 19 سنة. في حينها، كانت بغداد تنوء تحت وقع الضربات الأميركية كل ساعات الليل والنهار، ولم يكن مشهد الجنود الأميركيين وهم يمشون في شوارعها وأزقتها بعد أيام من وصولهم إلى ساحة الفردوس، وسط بغداد، مثيرا للغرابة فحسب، إنما كان مشهدا مستفزّا وصادما في آن، فما لم يتوقعه المواطن العادي المغلوب على أمره الذي أرهقته شعارات المواجهة حتى النصر، أصبح ماثلا أمامه على نحوٍ لا يقبل النفي.

في تلك الساعات المغرقة في العتمة، الموغلة في الكآبة، كنت أحاور كادرا بعثيا متقدّما جاءني ببيان باسم "حزب العودة"، يدعو الناس إلى المقاومة لنشره في الصحيفة الدولية التي كنت أراسلها من بغداد، وقد صارحته برأيي في أن دلالة اختيار مفردة "العودة" واضحة، وأن رفع شعار "العودة إلى السلطة" في هذا الوقت بالذات ليس أمرا موفقا، وأن ما يجري أمام عيوننا ينبغي أن يدفع إلى تأمل الحال، للخروج برؤية نقدية صارمة توفر متطلبات الحد الأدنى للمواجهة، وابتكار سبل وصيغ غير مألوفة تعتمد على تجميع كل الوطنيين لمقاومة المحتلّين الذين لن يتركوا الغنيمة بسهولة. وأدركت، وإنْ لم يُفصح لي صراحة، أنه يشاطرني رأيي، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا، ولا حتى أن يقول شيئا. وفي تلك الأيام الحرجة، بدا الإعلان عن "حزب العودة" مجرّد فكرة مهووسة لكادر بعثي اعتاد أن يرى الواقع الماثل أمامه من وراء نظّارات ملوّنة. وعلى أية حال، طويت صفحة "حزب العودة" بعد شهور قليلة، بعدما أصبحت العودة إلى السلطة أمرا دونه خرط القتاد.

تكررت "نيسانات" الوجع سنة بعد سنة، حتى تحوّل نيسان الذي عرفناه في فتوتنا وشبابنا الشهر الذي يزدهر فيه الحب، وتتفتح الأزهار، ويبدأ به الربيع، إلى غول أسود يُطبق علينا كلما فتحنا عيوننا على وهج الشمس الذي بات يصل إلينا من عوالم بعيدة. لكن مرور السنين جعلنا نستردّ بعضا من قدرتنا على المراجعة والتأمل، والتفكير في ما يمكن أن يدفعنا إلى التقدّم خطوة قد نتراجع بعدها خطوتين لأسباب ضاغطة، أو قناعات مستجدّة، أو لأن اليأس قد يدركنا ليضعنا في غير الموضع الذي نريده لأنفسنا.

وبعد كل هذه الحفنة من السنين، نقف اليوم على عتبة العقد الثالث بعد الغزو، ولا يزال ثمّة سؤال يتردّد في أذهاننا: أما كان بالإمكان تفادي الغزو وإبعاد شبح الخراب عن العراق وعن العالم العربي كله؟. الإجابة: نعم، وإن كانت هذه الإجابة قد تثير عديدين ممن يبرّرون وقوع الغزو والاحتلال وتداعياتهما على العراق والأمة بأنه كان مخطّطا له منذ عقود. ولم يكن ثمّة سبيل لتفاديه، وبتعبير مسؤول في النظام السابق، "جاء نتيجة مؤامرة كونية وراءها قوى كبرى لا تتكافأ إمكاناتنا مع إمكاناتها بغرض إسقاط نظامنا وتدمير بلدنا، وكنا ندرك أننا إذا ما نشب النزال سوف نُهزم". وبالطبع، يعبّر هذا المنطق عن عجز، ويعكس رؤية قاصرة للواقع، تتيح لصاحبها شعورا بالرضا عن النفس فحسب.

صحيحٌ أن "المؤامرة" على العراق ذات خلفية تاريخية قديمة، لكن المعروف أيضا أن دائرة الفعل ضده من القوى المعادية اتسعت بعد قرار تأميم النفط في منتصف سبعينيات القرن الذي وجه ضربة كبيرة إلى الغرب. ومنذ ذلك الوقت، كان على العراق أن يقرأ ما يدور من حوله بعناية، وأن يبتكر الحلول والمعالجات الكفيلة بصدّ الأزمات ومواجهة التحدّيات على نحوٍ يحفظ للبلاد سيادتها وسلامتها، ويرسّخ موقعها دولة إقليمية فاعلة، خصوصا وأنه يمتلك إمكانات وثروات هائلة ومئات الآلاف من البشر المؤهلين، إلا أن الانقلاب السياسي الذي قاده صدّام حسين ضد حزبه في نهاية عقد السبعينيات اتجه بالبلاد إلى نظام شمولي أفقد العراقيين فرصا كانت سانحة أمامهم لإنجاز تحوّلات تعينهم على الثبات والتقدّم، ومهّد لتكريس دور الحاكم الفرد، وجرّ إلى سلسلة من المغامرات العسكرية والتجاذبات السياسية التي أوجدت بيئةً إقليمية محتقنة وقلقة، وفسحت المجال أمام القوى المعادية لتنفيذ مخطّطها الشرير في الغزو والاحتلال تحت كومةٍ من الذرائع الكاذبة.

وهكذا، فإن عدم القدرة على إدارة الأزمة منذ البداية، وفقدان البوصلة التي تعين على ذلك، أودى بالبلاد إلى الهاوية التي نحن فيها اليوم: دولة بلا سيادة، وحكومة فاسدة، وثروة منهوبة، ومجتمع منقسم مشوّه.

وبعد.. هل كان ممكنا تفادي الغزو؟ الجواب: نعم.

 

 

أسبوع البحث عن

"رئيس" في العراق

عبداللطيف السعدون

 

توحي الرسائل المتبادلة بين شخصيات رواية "كرسي الرئاسة"، للمكسيكي كارلوس فوينتس، (ترجمها إلى العربية خالد الجبيلي)، أن ثمة مشاهد ووقائع منظور إليها من قبل. وفي العراق ما يشبهها، كما لو أن فوينتس عاش بيننا في العشرين سنة الأخيرة، واختبر الحياة السياسية كما اختبرناها نحن، وأيضا كما لو أن الطبقة السياسية التي تؤرّخ لها الرواية هي نفسها الطبقة التي تحكم العراق اليوم. وليس ثمّة غرابة، فالسياسيون الفاسدون في كل بلاد الله يتشابهون في ما بينهم، ويتعاطف بعضُهم مع بعضهم الآخر، في وقتٍ يدبر بعضُهم لبعض المؤامرات والمكائد، و"يلدغ أحدهم الآخر مثل العقرب". وعندما يجلسون على كراسي الحكم، يعِدون مواطنيهم المغلوبين على أمرهم بالديمقراطية وحكم القانون وفصل السلطات، لكن مكمن الخطر هنا أن المواطنين يصدّقون تلك الوعود، ويذهبون إلى صناديق الانتخاب المضلّلة واجتماعات الأحزاب، وحتى إلى الإضرابات والاحتجاجات، أملا في أن يحدث التغيير الذي يريدونه، والوصفة التي تقدّمها الرواية للداخلين إلى حلبة الحكم في دول أميركا اللاتينية هي نفسها الوصفة التي يعمل لها "سياسيو المصادفة" في العراق الذين جمعتهم أميركا من الأزقة الخلفية لدول الغرب والجوار، إذ "عليهم أن لا يكونوا منافقين ومخادعين فحسب، إنما عليهم أن يكونوا ماكرين أيضا". وأن يكون لديهم نوع من الحرص على أن يأخذ كلٌّ حصّته من الغنيمة، من دون أن يسبب أذى لصاحبه، وتظل عيونهم جميعا شاخصةً نحو موقع "الرئيس" المتقدّم الذي يحمل من الجاذبية والإغراء الشيء الكثير، وتكتمل نصيحة فوينتس للسياسي الذي يفوز بالكرسي أن يضمن منذ اليوم الأول أنه لن يكون هناك ثمّة صوت آخر سوى صوته!

سيناريوهات مثيرة كهذه ظهرت في العراق مع الغزو الأميركي للبلاد، واستوطنت على نحو مكشوف، واشتدّ أوارها مع كل أزمةٍ واجهتها "العملية السياسية" المشرعنة، وجديد ذلك ما استجدّ في الأسبوع الأخير الذي سبق يوم انعقاد جلسة البرلمان المخصّصة لانتخاب رئيس للبلاد، والذي عكس رهان كثيرين ممن سعوا إلى إحداث اختراقٍ في "العملية السياسية" التي عمّرت أكثر مما توقع مريدوها (بفتح الميم أو بضمّها). لكن إمكان حدوث اختراق كهذا لم يكن سهلا، كما لم يكن في طوع أيدي من أراده، ولذلك ستكون هناك جلسة أخرى للبرلمان اليوم (الأربعاء) للبحث عن "رئيس" من بين المرشّحين الـ 33، وهو عدد لم يشهد المكسيك ولا أي بلد آخر مثيلا له، وربما يمكن للعراق بسببه أن يدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية. وما هو مثير حقا أن يكون بين كل هؤلاء المرشّحين من لا يؤمن بعراق موحّد، وصوّت في "استفتاء كردستان" الميت تاريخيا لصالح الانفصال عن العراق، وإعلان دولة كردية مستقلة!

وربما يتساءل قارئ: ما الذي دفع بكل هؤلاء إلى الطمع في المنصب المذكور، مع أن الدستور العراقي أعطى رئيس الجمهورية مهماتٍ لا تتعدى الطابع البروتوكولي الاحتفالي، إذ اعتبره "رمزا لوحدة الوطن وممثلا لسيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال البلد وسيادته ووحدة وسلامة أراضيه"، من دون أن يكرّس ذلك بصلاحياتٍ واضحةٍ ومحدّدة، لكن الظاهر أن "كرسي الرئاسة" في الحالة العراقية الماثلة هو مطمح كثيرين، لأنه كما وصفته تغريدة ساخرة على موقع تواصل: "الكرسي الذي يضمن لشاغله العيش عاطلا ومن دون عمل لكن مسموح له أن ينفق من المال العام ما شاء لنفسه ولأهله وأقاربه وأصدقائه". وعلى أية حال، يظلّ هذا الكرسي في العراق، وعلى الرغم من السحر الذي يغلفه، أقرب ما يكون إلى "كعب أخيل" الذي يمثل واحدةً من نقاط ضعف "العملية السياسية" التي هي اليوم موضع خلاف واختلاف بين من يريد إعادة إنتاجها ومن يريد إنهاءها لصالح عملية سياسية يزعم أنها سوف تكون "وطنية" قد تمثل، إن صحّت النيات، خطوةً نحو المراجعة والتغيير المنشود. وهذا ما يخشاه كثيرون من رجال الطبقة السياسية الذين اعتاشوا عليها عشرين عاما، من دون أن يخطر ببال أحد منهم أن يعتزل أو يتقاعد أو ينصرف إلى ممارسة هواياته.

بقي أن يقال إن تجربة الحكم في المكسيك التي عرضها لنا كارلوس فوينتس تظل أكثر نقاءً، وحتى أقل فسادا من قرينتها في العراق، وإن أفراد الطبقة السياسية هناك يعملون على تقديم بعض ما يريده مواطنوهم لضمان كسب أصواتهم. أما عندنا فلا يأبه السياسيون لمواطنيهم، ولا يكترثون لمطالبهم.

 

 

إيران.. التمسكن ثم التمكّن

واللعب على المكشوف!

عبداللطيف السعدون

 

التمسكن ثم التمكّن، وصولاَ إلى اللعب على المكشوف، هذا هو جوهر "اللحظة" الإيرانية في أحدث تجلياتها، وقد حملتها تحولاتٌ إقليمية ودولية غير محسوبة، وأرست دعائمها سياسةٌ إيرانيةٌ حكيمة وصبورة. علينا الاعتراف بذلك، وقد شكّل وصول الديمقراطيين إلى مركز القرار في أميركا على أنقاض سياسات دونالد ترامب الشعبوية المعادية لإيران، واهتمام الرئيس جو بايدن بمسألة العودة إلى "الاتفاق النووي" الدعامة الأولى لهذه اللحظة التاريخية، تبعتها خطوات تخفيف الضغوط الدولية على طهران، والإفراج عن ملايين الدولارات من الأموال الإيرانية المجمّدة من دول أوروبا، وصولاً إلى تطبيع العلاقات والعودة إلى الاتفاق النووي الذي أصبح جاهزاً للتوقيع في صيغته النهائية، والذي ستجد فيه إيران ما يتيح لها إطلاق يدها في التعامل مع محيطها الإقليمي على النحو الذي رسمته استراتيجيتها الهادفة إلى تحقيق مشروعها "الثوري" في المنطقة.

وكانت تمكّنت، في الفترة السابقة، من أن تؤسّس أرضية ذات فعل للوصول إلى "اللحظة" التي تنشدُها، وسط ضباب الحصار والعقوبات، وتعاملت مع ما يدور من حولها بمزيجٍ من الدبلوماسية والقوة الخشنة معاً. واستطاعت إنجاز خطواتٍ عريضة، حقّقت من خلالها أهدافاً أساسية مرتبطة باستراتيجيتها التي لا تتورّع عن إعلانها: تقوية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتطويرها بما يضيف إلى قدرتها على الردع سلاحاً فعالاً، وزيادة إمكاناتها على تخصيب اليورانيوم إلى ما يقرب من 60% من الكتلة اللازمة لإنتاج سلاح نووي، مع تعهدها بالعودة إلى مستوى الـ20% إذا ما تم التوقيع على الاتفاق، وزيادة وتيرة إنتاج النفط والغاز وتصديرهما، رغم العقوبات والاستعداد لما بعد الاتفاق، وإنشاء "جيوش" قادرة على الدفاع عن مصالح "الجمهورية الإسلامية" في عواصم عربية، وتأهيل هذه "الجيوش" سياسياً وعقائدياً، والعمل على إدخالها في العملية السياسية في أماكن وجودها أذرعاً نافذة تسعى إلى بلورة أنظمة حاكمة، على غرار نظام قم، وربط هذا المنهج بالعقيدة المذهبية، وتحويل السفارات والهيئات الدبلوماسية الإيرانية القائمة في العواصم العربية إلى أدوات للتدخل في مؤسسات البلد المقيمة فيه على نحو أو آخر، والعمل على إحداث تغييراتٍ ديموغرافيةٍ وسكانيةٍ في المدن العربية عبر مليشياتها ووكلائها النافذين فيها، وبما يخدم مشروعها العرقي الطائفي المعلوم، وما يعنيه ذلك أيضاً من استهدافٍ للمشروع العربي الذي لا يزال يمتلك بعض الحياة.

تكتسب "اللحظة" الإيرانية مزيداً من الراهنية، وتشكّل اعترافاً باعتبار إي

 

 

أوكرانيا .. لزوم ما لا يلزم

عبداللطيف السعدون

 

"تبدأ الحرب في مكان ما، هنا أو هناك، غير أنها تمتد تماما مثل بقعة زيت على بساط من قماش الكتّان، وتتقدّم، تتقدّم أكثر حتى تقترب من مدينتك، من الحي الذي تقيم فيه، إلى أن تصل إلى باب منزلك، حينها سوف تصدّق أنها الحرب"، يمكن أن يكون رئيس أوكرانيا، فولوديمير زيلينسكي، قد تذكّر هذه "الثيمة" التي أطلقها الأرجنتيني سيرجيو هارتمان على لسان بطل قصته اللافتة "يوم من ضمن أيام أخرى"، بعدما كان تجاهل دقات الطبول زمناً إلى أن حطّت الحرب عند باب منزله في "يوم أسود"، بوصف المستشار الألماني أولاف شولتز. عندها أدرك أن القيصر قد فعلها، ولذا قرّر أن يقاتل، ارتدى بزّة استعراضية لم يلبس مثلها سوى في السينما يوم كان ممثلا كوميدياً، جرّب أن يستنجد بحلفائه السبعة والعشرين زعيماً أوروبياً "من مستعدٌّ للقتال معنا؟"، لكنّ أيّاً منهم لم يردّ سوى بعبارات تعاطف ومواساة، والبيت الأبيض نفسه أكّد أن "بلادنا لن تدخل في حربٍ مع روسيا، ولن تذهب قواتنا لمواجهة عسكرية في أوكرانيا"، أسقط في يد زيلينسكي: "تركونا وحدنا ليشاهدوا الحرب على الشاشة". في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، اكتشف أنّ "البيت الأبيض" لن ينفع في اليوم الأسود، وألغى متابعة تغريدات الرؤساء على "تويتر" احتجاجاً!

صحيحٌ أنّ زيلينسكي كان يخاف روسيا، ولا يثق بها، ويدرك أنّها قادمة يوماً ما لابتلاع بلاده، لكنّه لم يكن ليتصوّر أنّ خطوتها هذه سوف تتم بهذه السرعة. وكان وضع في حسابه الانضمام، عاجلاً أو آجلاً، لحلف الناتو الذي سيتكفّل بحمايته، لكنّه يشعر اليوم بالخذلان، ويريد إعادة النظر في حساباته، لكنّ وقائع الأيام الأخيرة تعلمه أنّ الوقت قد فات.

اكتشف الرئيس الأوكراني أنّ "البيت الأبيض" لن ينفع في اليوم الأسود، وألغى متابعة تغريدات الرؤساء على "تويتر" احتجاجاً!

في موسكو، على الجانب الآخر، كان القيصر يعرف جيداً أسرار اللعبة التي تمتلك جاذبيتها عليه، له خبرته العريضة فيها ابتداءً من المخابرات إلى السياسة إلى الرئاسة، عرف القانون والاقتصاد، وعرف أكثر لعبة الحرب. اختبرها في الشيشان وجورجيا، وبرع فيها عندما ضمّ شبه جزيرة القرم، وانطلق يؤسّس عملياً رهانه الاستراتيجي على إحياء دور روسيا في قيادة العالم، كما كان الاتحاد السوفييتي السابق. وقد رسم مساراً يتيح له تحقيق هدفه في الحصول على مدى جيوسياسي أوسع في أوروبا والعالم، ونجح في وضع أقدامه في "المياه الدافئة"، عبر تموضعه في سورية، ثم أمسك باللعبة في يده، طارحاً على الغرب شروطَه في طلب ضماناتٍ بمنع امتداد حلف الناتو شرقا، وعدم انضمام أوكرانيا، أو أيٍّ من الجمهوريات السابقة إلى الحلف، ومتوجّها، هذه المرّة، نحو كييف عاصمة أوكرانيا، منظّرا لما أسماها "تاريخية أوكرانيا الروسية"، ناظرا إليها أنها "دولة مصطنعة"، وأنّ ضرورات الأمن القومي لبلاده تفرض إلحاقها بروسيا أو على الأقل تنصيب حكومة موالية له فيها، وهو، في خطوته الماثلة، أعدّ كلّ الاشتراطات التي تخدمه، خصوصاً أنّ إمكانات أوكرانيا العسكرية لا يمكن أن تضاهي مثيلتها الروسية، وقد لا تصل إلى ثلث إمكاناتها، بعدما تخلت طواعيةً عن قدراتها النووية التي ربما شكلت، لو كانت باقية، عامل لجم لروسيا أو لغيرها، فضلاً عن قناعته المستجدّة بأنّ الغرب، وأميركا بالذات، لن يغامر في الدخول في مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرة. ولعلّ هذه المعطيات تبلورت في ذهنه، حتى دفعته إلى الانخراط في مغامرته بدقة وتصميم، مظهراً عزمه على المضي بها إلى نهاية الشوط، ومتمثلاً مقولة الفيلسوف البريطاني، برتراند رسل: "إنّ أيّة حرب لا تحدّد من هو صاحب الحق فيها، لكنّها تحدّد الطرف الذي يبقى إلى النهاية"، وهو اليوم يرفع صوته عالياً إلى درجة تلويحه بتفعيل أسلحة الردع النووي ضد خصومه، فيما يبدو غريمه الرئيس الأوكراني مرتبكاً وغير قادر على تحديد أولوياته، خصوصاً بعدما صدمه الأميركيون والأوروبيون في عدم دخولهم الحرب، والاكتفاء بمدّه بحزمة مساعدات عسكرية، إلى جانب معاقبة روسيا اقتصادياً ومالياً، وقد قبل أن ينزل إلى حلبة التفاوض بأمل أن يجنب شعبه المزيد من إراقة الدم.

بقي أن نعرف أنّ كلّ هذه التداعيات تعكس في طياتها واحدةً من معضلات النظام الدولي الماثل الذي تبقى فيه القوة المعيار الأساس في حلّ المشكلات. وفي ظل هذا المعيار غير العادل، لا تملك الدول الصغيرة سوى خيار الإذعان لما يقرّره الأقوياء لها، مع التسليم باحتمال ظهور معطياتٍ غير محسوبة، قد ترغم المشاركين في اللعبة على لزوم ما لا يلزمهم.

 

 

في العراق .. سقوط

شعار "إيران أولاً"

 

عبداللطيف السعدون

 

أبرز ما يلفت نظر المرء، حين يستقرئ الأوضاع السياسية في العراق بعد الغزو الأميركي للبلاد والتوغل الإيراني فيها، بالأخص في السنوات العشر الأخيرة، تماهي رجال الطبقة الحاكمة المطلق مع نظام "ولاية الفقيه" في إيران، والتسابق بينهم على خدمته. ولا يحتاج المرء لجهد كثير كي يكتشف أنّ شعارهم العملي المضمر هو "إيران أولاً" لكنّهم يمارسون "التقية" في إخفائه لغايات معروفة، إذ يزعمون حرصهم على العراق ودفاعهم عنه، وليس في هذه اللفتة الصادمة ضربٌ من التوهم أو المغالاة، فكلّ شيء في بلاد الرافدين يوحي بأنّ بغداد تُحكم من طهران، فقد كانت لرجل إيران القوي الذي اغتاله الأميركيون، قاسم سليماني، سلطة الأمر والنهي في الشؤون العراقية، بتفويض من المرشد الأعلى علي خامنئي. وكان في زياراته المتعاقبة إلى بغداد واجتماعاته بالمسؤولين العراقيين يستفسر ويوجّه، ويأمر أيضاً، واعتاد زعماء الأحزاب الشيعية القيام بزياراتٍ، بعضها معلوم وبعضها الآخر مستتر، إلى طهران أو إلى قم، يسمعون ما يُملى عليهم مقابل إطلاق أياديهم في التحكّم بأبناء بلدهم واستباحة المال العام ونهبه، وحتى زعماء من السنة كانوا يذهبون إلى هناك طلباً للدعم، فلا تبخل عليهم طهران بشيء، ما داموا يمحضونها الولاء وهم صاغرون!

في ظلّ تلك الأوضاع الشاذّة، أصبح العراق، بمدنه ومياهه وثرواته، ونستطيع أن نقول بناسه أيضاً، في قبضة إيران، وفي خدمة مخططاتها ومشاريعها في المنطقة والعالم. ولم يكن المسؤولون الإيرانيون ينفون هذا الواقع، بل كانوا يفاخرون به، وقد تبجّحوا مرّاتٍ أنّ بغداد أصبحت إحدى عواصم إمبراطوريتهم، إذ أنشأوا فيها وفي المدن الأخرى مليشيات، وأقاموا مؤسسات ترتبط مباشرة بهم، وعملوا على إجراء تغييرات ديموغرافية واجتماعية، وشرعنوا "دولة عميقة" تحقّق لهم ما يريدونه، وتحوّل العراق، جرّاء ذلك، إلى ما يشبه ولاية إيرانية منها إلى دولةٍ تمتلك قراراً مستقلاً وسيادة نافذة، لكنّ الطبقة الحاكمة بدت متجاهلةً ما يحدث، وفي أكثر الحالات راضية ومتواطئة.

يرى بعضهم أن مقتدى الصدر نفسه، قد لا يمكنه التخلّص من القبضة الإيرانية لأكثر من سبب

وبمرور الزمن، شعر العراقيون أنّ بلدهم قد اغتُصب، وأن لا بد من وقفة جريئة يستعيدون من خلالها وطنهم. وهكذا بدأت الانتفاضة المطلبية وحركة الاحتجاجات التي انتقلت من مدينة إلى أخرى، وتحولت إلى ثورة عارمة تريد استعادة الوطن من غاصبيه، وتصاعدت أصوات الثوار أن "إيران برّه برّه". عندها أدركت طهران أنّها أصبحت في قلب العاصفة، وأنّ مشروعها الطائفي العرقي قد يتعرّض لشرخ كبير، إذا ما فلت العراق من قبضة يدها، وشرعت تستنفر مليشياتها ووكلاءها، وتسعى لأن تجعل منهم مركز قوة وتأثير عبر استخدام سلاح التهديد والتغييب والاغتيال من جهة، والاندساس داخل تجمّعات الشباب الناشطين، لحرف حراكهم والسعي إلى خطفه من أيديهم.

لكنّ جديد هذه الأيام ينبئنا بأنّ حصيلة الانتخابات البرلمانية لم تكن كما أرادها المعسكر الإيراني، إذ إنّها أعطت الأرجحية للتيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر الذي حاول أن ينأى بنفسه عن التركيبة الحاكمة، وأن يلتقط الخيط بذكاءٍ يُحسب له، ليدعو إلى "حكومة أغلبية وطنية، لا شرقية ولا غربية". ولاقى هذا الشعار الذي يعني السعي إلى الإفلات من قبضة إيران هوى حتى لدى الذين كانوا، إلى حد قريب، يخاصمون "التيار الصدري"، مع أنهم ما زالوا يجدون في تقلبات الصدر وتراجعاته في السابق ما يجدّد مخاوفهم من أن الصدر نفسه قد لا يمكنه التخلّص من القبضة الإيرانية لأكثر من سبب.

فشل خليفة قاسم سليماني في العراق، قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، في تحقيق اختراق في علاقة الصدر بزعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، التي يشوبها التوتر

وجديد هذه الأيام ينبئنا أيضاً بأنّ خليفة سليماني في العراق، قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، فشل في تحقيق اختراق في علاقة الصدر بزعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، التي يشوبها التوتر منذ قاد الأخير، في ولايته الأولى لرئاسته الحكومة، "صولته" الجهادية ضد أتباع الصدر بهدف اقصائهم عن الساحة السياسية وتفرّده بالدعم الإيراني له ولحزبه. كما لم تنفع وساطة قاآني في توحيد "البيت الشيعي" الذي يتنازعه في الخلفية انقسامٌ بين التيار الولائي والتيار المساند لمرجعية علي السيستاني، وبلوغ هذا الانقسام حدّه، في ضوء ما تردّد عن مرض السيستاني، وتقدّمه في السن (92 عاماً)، وسعي قم إلى تنصيب شخصية ولائية خلفاً له، الأمر الذي لا يحظى بمباركة مراجع الشيعة العرب.

وفي خضم كلّ هذه المقاربات والمفارقات، يبدو شعار "إيران أولاً" المضمر في نفوس حكام بغداد قد فقد سحره، وقد لا يمرّ زمن طويل قبل أن يسقط ويتلاشى غير مأسوف عليه!

 

 

شيء من مكر التاريخ وعبثه

 

عبداللطيف السعدون

 

لعلّ من مكر التاريخ وعبثه أن يستعيد البعثيون والشيوعيون في العراق ذكريات الصراع الدموي الذي عاشوه في أعقاب ثورة 14 تموز (يوليو 1958) التي قضت على النظام الملكي، وأن يحمّل كلّ طرف الطرف الآخر مسؤولية إطلاق عمليات تبادل الدم بالدم بينهما. ومناسبة استعادة تلك التداعيات السوداء مرور 59 عاماً على حدث الثامن من فبراير/ شباط عام 1963 الذي يسميه البعثيون "عروس الثورات" فيما يعتبره الشيوعيون انقلاباً عسكرياً أعاد العراق إلى الوراء.

ليست هذه نقطة الخلاف الوحيدة التي ظهرت في سجالات هذا العام على مواقع التواصل، إنّما تناسلت الأسئلة من قماشة: من بدأ مسيرة الدم؟ من زرع بذرة الخلاف والاختلاف بين الحزبين، وقد كانا قد ائتلفا في "جبهة وطنية" إلى جانب أحزابٍ أخرى، قبل أن يشتركا معاً في أول حكومة "جمهورية" دبّ الخلاف بين أعضائها قبل أن يجفّ الحبر الذي كتبت به مراسيم تشكيلها، ومن ثم أيضاً ما الذي جعل "الرفاق" يتنازعون أمرهم بينهم، وسرعان ما تفرّقوا أيدي سبأ، ولم يجدوا ما يحتكمون إليه سوى الدم؟

تحوّل الخصم في الرأي والفكرة إلى عدو يجب القضاء عليه

إنّه "مكر التاريخ" الذي قال هيغل إنّه يظهر عندما تكون حصيلة عمل امرئ ما غير ما فكّر فيه وسعى إلى تحقيقه، وهو ضربٌ من العبثية قد يتجسّد على وطأة مسيل الدم، وانهيار القيم، وخراب البلاد، وهذا ما شهده العراقيون منذ "سقطت المدينة" بعد "14 تموز"، وبدأت قيم التحضر والمدنية بالانحسار شيئاً فشيئاً، وتراجع دور الطبقة المتوسطة في كلّ مرافق المجتمع ومؤسساته، وأيضاً داخل الأحزاب والحركات السياسية، وترافقت مع هذا التحوّل موجة "شعبوية" حفزت كلّاً من الحزبين، الشيوعي والبعث، على الزعم إنّه مفوض، دون غيره من الأحزاب، للتعبير عن روح الشعب وحركته الصاعدة. وبهذا المنطق، كان الحزب يغادر الحوار، ويتنكّر للرأي الآخر، ويحتكر لنفسه ما يراه حقيقةً قد لا يقرّ بها الخصم، ويتطلع إلى السيطرة على الفضاء السياسي وحده، هنا تطوّرت الحكاية، تحوّل الخصم في الرأي والفكرة إلى عدو يجب القضاء عليه، ودخلت نظريات "المؤامرة" و"العمالة للأجنبي" و"التجسّس" إلى آخر "المونولوغ" لتضفي على البلاد مناخاً من التعصّب والثأر ومبادلة الدم بالدم!

وقد انزلق المثقفون والأدباء والشعراء نحو هذا المنحى، وتحوّل بعضهم إلى كتّاب "لافتات" تمجّد العنف، وتدعو إلى قتل الآخر المخالف أو المختلف. في حينها توعد الشاعر عبد الوهاب البياتي الخصوم بأن "يجعل من جماجمهم منافض للسجاير"، وكتب الشاعر الجواهري قصيدة خاطب بها حاكم العراق آنذاك، الزعيم عبد الكريم قاسم: "فضيّقِ الحبلَ واشددْ في خناقهمو/ فربما كان في إرخائه ضررُ/ تصوّرِ الأمر معكوساً وخذْ مثلاً/ في ما يجرونه لو أنّهم قدروا". وردّ البعثيون على خصومهم منذرين ومفاخرين بأنّ "وطناً تشيّده الجماجم والدمُ/ تتهدّم الدنيا ولا يتهدّمُ"!

في كلّ مرّة يتبادل فيها الجلادون والضحايا أدوارهم، يخسر العراق مئاتٍ ممن لا يمكن الشك في وطنيتهم وإخلاصهم لبلدهم

في ظلّ هذا المناخ "المبرمج" الذي ساد العراق آنذاك تفجرت مجازر الدم، بدايتها كانت في الموصل، إذ أقدم الشيوعيون، في أعقاب فشل تمرّد عسكري قاده أحد الضباط القوميين، في مارس/ آذار من عام 1959، على تشكيل "محاكم شعبية" قضت بقتل عديد من شخصيات المدينة، بدعوى تعاطفهم مع حركة التمرّد، وجرى تعليق (وسحل) جثث من وصفتهم صحيفة الحزب بأنّهم "مجرمون قتلة"، واعتبرت ذلك "درساً قاسياً للمتآمرين وضربةً في وجه دعاة القومية". وتكرر الأمر في كركوك، بعد شهور من واقعة الموصل، حيث تم قتل عشرات من أبناء المدينة التركمان وسحلهم بأيدي مناهضين لهم من الشيوعيين والأكراد. في حينها تساءل عبد الكريم قاسم: "هل فعل جنكيز خان أو هولاكو مثل فعلتهم؟".

لكنّ الأقدار لا تسير على نحو مستقيم إلى آخر الشوط، وهذا ما حدث عندما قدّر للبعثيين أن يصلوا إلى السلطة، وحانت فرصة الانتقام من خصومهم على نحو ممنهج، إذ جرت محاكمات صورية لعشرات من القادة الشيوعيين وأنصارهم، وتعرّض العديد منهم للقتل والإبادة.

وهكذا، في كلّ مرّة يتبادل فيها الجلادون والضحايا أدوارهم، يخسر العراق مئاتٍ ممن لا يمكن الشك في وطنيتهم وإخلاصهم لبلدهم. ويبقى في النهاية سؤالٌ أكبر من كلّ الأسئلة التي طرحتها سجالات مواقع التواصل: أما آن الأوان للحزبين اللذين ما زالا في الساحة، على الرغم من الضربات التي أثخنت جسديهما أن يبادرا للاعتذار بعضهما من بعض، وقبل ذلك الاعتذار من شعبهما عما ارتكباه من أخطاء وخطايا؟

 

 

العراق .. عندما

يختصم الإخوة الأعداء

 

عبداللطيف السعدون

 

العراقيون المعروفون بقدرتهم على الصبر والاحتمال بدأوا يفقدون هذه الطاقة في مواجهة أوضاع صعبة، لا قبل لهم بها، مقترنة بسيناريوهات مأساوية تطبّق عليهم على مدار الساعة، فتفقدهم احتمالهم، وتسلبهم قدرتهم على الصبر، وجديد ما يواجهونه اليوم خيبة أملهم في الانتخابات البرلمانية التي أرادوها "مبكّرة"، كي ترسم لهم طريقا آخر، على الرغم من أن النسبة العالية منهم حسمت أمرها منذ البداية، وقرّرت مقاطعة العملية الانتخابية لقناعتها أن لا شيء جديدا يمكن أن يحدُث في ظل القوانين والإجراءات الحالية التي تحكُم هذه العملية. ولا أحد من داخل "البيوت" السياسية الحاكمة يمكن أن يفكّر في قلب الطاولة على رؤوس القابضين على السلطة، ما دامت قسمة المناصب والمواقع والأموال المنهوبة تتم حسب الرؤوس. ولا أحد من خارجها يمكنه أن يعلّق الجرس في الحال الحاضر، ما دامت هناك قوى إقليمية ودولية وحدها تحدّد الرؤية وتملك القرار، وما دامت الظروف لم تنضج بعد لتشكيل قوةٍ شعبيةٍ فاعلةٍ تستطيع تحريك المسار، وليس ثمّة مشروع وطني ماثل يمكن أن يوحد ويؤثر ويغيّر. وقد انكفأت "ثورة تشرين"، وانقسم "الثوار" حول أولوياتهم، وحتى الأحزاب "الثورية" التي سادت في الماضي فقد بادت بفعل شيخوختها وعجزها عن إدراك الحال.

وإذا كان العراقيون يبحثون عن الخلاص، ولو بقشّة، فقد تنادى كثيرون منهم إلى الإمساك بالقشّة التي لوح بها لهم زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي حصل على 75 مقعدا في البرلمان الجديد، طارحا فكرة تشكيل "حكومة أغلبية وطنية لا شرقية ولا غربية"، قال إنها سوف تلتزم بالإصلاح السياسي ومحاربة الفساد وحل المليشيات، وتضع السلاح بيد الدولة، وتتصدّى للتدخلات الخارجية، وتتناغم هذه "الشعارات" الوردية مع ما يطمح إليه العراقيون، وما يسعون إلى تحقيقه، لكن الشكوك تراودهم في حقيقة هذا "الانقلاب" الجديد للصدر، وقد اختبروا، أكثر من عقد، تقلباته الزئبقية، وجمعه بين مواقف بعينها وأضدادها.

لم تنضج الظروف بعد لتشكيل قوةٍ شعبيةٍ فاعلةٍ تستطيع تحريك المسار، وليس ثمّة مشروع وطني ماثل يمكن أن يوحد ويؤثر ويغيّر

وكيفما كان، أشعرت طروحات الصدر رجال "المعسكر" الإيراني الذي يسمّي نفسه "الإطار التنسيقي"، والذي يضم حزب الدعوة و"المليشيات" المرتبطة بالحرس الثوري، بخروجه عن طاعتهم، وإنه يبيت استهدافهم، كما شعرت حاضنتهم الرئيسية إيران بأن تحكّم الصدر بالقرار السياسي سوف يضعف نفوذها في العراق، وما قد يتبعه من خسارة "استراتيجية" لمشروعها في المنطقة، وهو أمرٌ تعتبر دونه "خرط القتاد". ولذلك سارعت إلى التدخل لفك الاشتباك بين "الإخوة الأعداء"، وبذل قائد فيلق القدس والمسؤول عن الملف العراقي في القيادة الإيرانية، إسماعيل قاآني، جهدا حثيثا في ذلك، لكنه عاد بخفي حنيْن. هنا رسم المرشد الإيراني، خامنئي، مسار الخطوة التالية التي أبلغت لقادة الإطار التنسيقي: "النزول إلى الشوارع، وليكن ما يكون!". وكان أن حصلت عمليات اغتيال وخطف وتفجير وتهديد من المليشيات، بغرض إرباك السلم الأهلي وإجبار الطرف الآخر على القبول بتسوية.

أدرك الصدر، عندئذ، أن خصومه سيلقون بكل ما في جعبتهم من أسلحةٍ لإفشال مشروعه الإصلاحي، أو على الأقل مطالبته بإعطاء ضماناتٍ بعدم حل المليشيات، وعدم محاسبة زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، عن مسؤوليته في تسليم الموصل إلى "داعش"، وهدر مئات المليارات من الدولارات في أثناء وجوده على رأس السلطة، ولم يكن أمام الصدر سوى خيار واحد، هو قلب الطاولة على الخصوم، عبر مقاطعة جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ووقف التفاوض معهم.

في هذا المنعطف، يكون الصدر قد ضيّق الخناق على مناوئيه، وفتح الباب أمام مختلف السيناريوهات، ومن بينها ذهاب البلاد إلى فراغ دستوري قد يطول. وإذا كان السياسيون قد اختصموا في ما بينهم، وأوقفوا عجلة مؤسسات الدولة عن الدوران، فما الذي يستطيع المواطنون المغلوبون على أمرهم أن يفعلوه؟

المنطق هو الذي ينبغي أن يسود، وهو ما افتقدته "ثورة تشرين" التي اضطرّت إلى الانكفاء

هنا نستعير سؤال الزعيم والمنظر السوفييتي، فلاديمير لينين، ما العمل؟ وفي الذهن إشاراته اللماحة إلى أن السياسة ليست في فهم الصراع داخل منظومة معينة فقط، إنما هي في فهم الصراعات داخل المجتمع كله، وتجذير الوعي على درء المظالم التي تحيق بالناس، وهذا لن يتحقق اعتباطا، إنما عبر تنظيم فاعل، ومن خلال نظريةٍ تواكب تطور الحياة.

ومع اختلاف الوقائع والتفاصيل، فإن هذا المنطق هو الذي ينبغي أن يسود، وهو ما افتقدته "ثورة تشرين" التي اضطرّت إلى الانكفاء، وهو أيضا ما يكمن وراء فقدان طاقة العراقيين على الصبر والاحتمال، وحتى في تراجع بعضهم عن النضال من أجل حقوقهم بوصفهم بشرا، والرضا بما تمنحه لهم السلطة من فتات.

 

 

عندما تتحوّل

أوكرانيا إلى "كلمة سر"

عبداللطيف السعدون

 

يقول الروائي الأميركي، وليام فوكنر، إنّ "الماضي لا يموت لأنّه ليس ماضياً". ولسوء حظ أوكرانيا، ينطبق هذا القول عليها أكثر من غيرها من دول القارة الأوروبية، إذ ما زالت مشكلات الماضي تلاحقها منذ كانت واحدة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وحتى وهي في سعيها بعد إلى بناء دولتها ومؤسساتها الدستورية. وهذا ما جعلها محط أنظار الغرب والشرق على السواء، وحلقة من حلقات المواجهة المباشرة بين أميركا وروسيا، إذ تنظر إليها الأخيرة على أنّها امتداد لأمنها القومي، بحكم موقعها الاستراتيجي في شرق أوروبا ووسطها، وإطلالتها على السواحل الشمالية للبحر الأسود وبحر آزوف. وتحاول جاهدة ضمّها إلى حظيرتها كما فعلت مع شبه جزيرة القرم من قبل. ومع أنّ أوكرانيا ثاني أكبر بلد في أوروبا لناحية المساحة، فإنّ دورها في التأثير على سياسات القارّة يظل نهبا لمشيئة الأطراف الدولية التي يرى كل طرفٍ فيها ضرورةً لمصالحه وأمنه، ويعمل على دعم قوى وحركات سياسية فيها، بهدف الاستحواذ على قرارها، بينما يطمح معظم الأوكرانيين، وإن تعددت مناشئهم العرقية في أن يكونوا "بيضة القبان" في صراعات أوروبا بين الغرب والشرق، وهو الهدف الذي لم يتمكّنوا من تحقيقه بسبب تعقيدات أوضاعهم والانقسامات القائمة في صفوف اللاعبين السياسيين عندهم، إذ فشلت "ثورتان" قاموا بهما في العقد الأخير في منع التدخلات الخارجية في بلدهم.

ويلعب الجيوبوليتيك دوره في أوكرانيا، فبينما يسيطر الانفصاليون الموالون لروسيا على نقاط ومفاصل استراتيجية في الشرق، ويسعون إلى الحصول على حكم ذاتي تتيحه لهم اتفاقية مينسك التي عقدتها أوكرانيا وروسيا ومنظمة التعاون الأوروبي، نجد تأثير الطامحين إلى التحالف مع أوروبا حاضراً في غرب البلاد، وهم يعتبرون الاتفاقية بمثابة "مسمار جحا" الروسي، وقد تستغله في أي وقت.

أخيرا، تحولت أوكرانيا الى "كلمة سر" في ظل احتدام المواجهات بين موسكو وواشنطن في أكثر من مكان، وقيام روسيا بتحرّكات عسكرية على الحدود الشرقية، رأى فيها الغرب ما يُنذر باحتمال ابتلاع أوكرانيا، وهذا الأمر غير مسموح به أميركياً ولا أوروبياً. ولذلك تصاعدت حدّة التهديدات والتهديدات المضادة بين مختلف الأطراف. وظهر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لاعباً رئيسياً يمسك بكلّ خيوط اللعبة، وهو القائل: "ليست مهمة السياسي صبّ العسل في الأكواب، بل وإعطاء الدواء المرّ في بعض الأحيان" وهو في أزمة أوكرانيا اليوم يعكف على التعامل مع سيناريوهات بعضها يحوي "دواء مرّاً" قد يسبّب مضاعفات خطيرة على صعيد أمن أوروبا والعالم.

من بين هذه السيناريوهات ما كشفته وزارة الخارجية البريطانية عن اتصالاتٍ روسية بسياسيين أوكرانيين موالين لها لتنصيب أحدهم، قد يكون النائب السابق، يفغيني موراييف، حاكماً في كييف، ومن ثم طلبه من موسكو التدخل عسكرياً لحماية بلاده في مواجهة احتمال تدخل أميركي أو أوروبي، وهذا السيناريو يشبه ما رسمه صدّام حسين في ذهنه، عندما فكّر في غزو الكويت، إذ أقدم على تنصيب ضابط كويتي على صلة بالمخابرات العراقية حاكماً على الكويت، وطلب هذا الحاكم مساعدة الجيش العراقي لحماية "ثورة" مزعومة تسعى إلى ضم الكويت إلى العراق، ومعروف طبعاً ما حدث بعد ذلك، وما جرّه هذا السيناريو الأحمق على العراق والمنطقة.

ثمّة سيناريو آخر يعدّ الأقرب الى تفكير بوتين، مستمد من نظرية "مصيدة ثيوسيديدس" التي تقوم على افتراض نشوب حرب نتيجة تنمّر قوة صاعدة بوجه قوة عظمى مهيمنة دولياً. وهنا يمكن لبوتين، وهو ما يعمل عليه، أن يضع الحرب خياراً محتملاً من باب التهديد فقط، ما يدفع الطرف الخصم إلى تلبية بعض مطالبه، وهو يدرك أنّ الرئيس الأميركي جو بايدن وحلفاءه الغربيين لا يميلون إلى خيار الحرب، لأنّه يغرق كلّ الأطراف في تداعياتٍ غير محسوبة، ومطالب بوتين معروفة: "لن نقبل بأن يصل حلف الناتو إلى عتبة بيتنا" في ردٍّ على تلويح الأميركيين بنشر صواريخهم في أوكرانيا واحتمال انضمامها إلى الحلف، فيما يريد الأميركيون إعطاء الحلف جرعة حياة جديدة عبر أوكرانيا، بعد اصابته بـ"موت دماغي" بوصف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وهم يرفضون أيّ توغل روسي، ويعتبرونه "سابقة لم تحصل منذ الحرب العالمية الثانية" واللعبة الآن في أوج تصاعدها، ومن يضحك أخيراً قد لا يضحك كثيراً إذا ما سنحت الفرصة لخصمه لتغيير قواعد اللعبة!

 

 

حاشية في مناكفة فارغاس يوسّا

عبداللطيف السعدون

 

لهذه المقالة مناسبتها في احتجاج مجموعة من المثقفين والأكاديميين على تبوؤ الروائي البيروني، ماريو فارغاس يوسّا، الحائز على جائزة نوبل للآداب (2010)، أحد المقاعد الستة الشاغرة في "الأكاديمية الفرنسية" المعنية بحماية الآداب واللغة والثقافة الفرنسية، على خلفية مواقفه "المتطرّفة" و"المعادية للشيوعية"، وعلى دعمه زعماء اليمين في أميركا اللاتينية. ولم ينس المحتجون الإشارة الى "المشكلات الأخلاقية الخطيرة" ليوسا، وارتكابه واقعة "تهرّب ضريبي" فضحتها "أوراق باندورا". ورأوا أن دخول يوسّا إلى حرم الأكاديمية "يضفي الشرعية على مواقفه التي تضرب عرض الحائط بقيم الديمقراطية الفرنسية، ولا سيما الحق في الدفاع عن القضايا العادلة".

ومع أن دخول يوسّا إلى الأكاديمية الفرنسية ليس مكسباً شخصياً له، بقدر ما هو مكسب للأكاديمية نفسها ولفرنسا، فإن ما قاله المحتجّون عنه ليس جديداً، إذ كان بدأ حياته يسارياً وصديقاً للثورة الكوبية، إلا أنه سرعان ما انقلب على ذلك، وتحوّل إلى اليمين المتطرّف، مؤيداً السياسات الأميركية المعادية للشعوب. ومن مواقفه المعلومة تبريره غزو العراق على أساس "أن الدكتاتوريات من المستحيل أن تتغير بفعل الداخل"، لكنه قبل ذلك كان من المعارضين لفكرة الحرب. وقد زار العراق بعد الغزو بشهور، وفي "يومياته" كتب "إن الحرب الأميركية خلفت أنقاضاً وحريةً لكنها الحرية البربرية التي أدّت إلى نهب كل شيء"، و"أن خراباً ضرب بغداد جعلها مدينة شديدة القبح بعدما كانت من أجمل المدن العربية". وقريب من هذا الموقف ما كتبه بخصوص القضية الفلسطينية، واعتداده بكونه "صديقاً لإسرائيل"، لكنه دان سياساتها العنصرية ضد الفلسطينيين وممارستها القتل الانتقائي والتعذيب والسجن ومصادرة الممتلكات وهدم المنازل. ولاحقاً في زيارة له إلى الأردن طوّر موقفه: "الحل في دولتين، إسرائيل ودولة للفلسطينيين".

يعترف يوسّا بأن الخطأ الفادح الذي ارتكبه في حياته أنه أصبح شيوعياً، ولذلك تخلى عن عضويته في الحزب الشيوعي بعد عام فقط، "كنت أفكر أن الماركسية هي المخرج للبشرية من الظلم، لكنني اكتشفت في النهاية أنها أيديولوجيا مغلقة وطائفية ومتعصّبة وتقود إلى الخراب".

وفي أميركا اللاتينية، وجدت أحزاب اليمين في طروحات يوسّا نوعاً من التناغم مع رؤيتها إلى أفكار اليسار وتنظيراته. وبالطبع، كان هذا هو الدافع لأن تنظم المعارضة الفنزويلية، زمن الزعيم اليساري هوغو شافيز، ندوة يتحدّث فيها يوسّا عن "التحدّيات التي تواجه أميركا اللاتينية" كنت أحد شهودها. وفي حينها أثارت مشاركته في الندوة ضجيجاً كثيراً، خصوصاً بعد أن أطلق هجومه على التجربة الفنزويلية قبل أن يصل إلى كاراكاس، إذ وصفها بأنها "تيار شعبوي خطر يهدّد الديمقراطية في أميركا اللاتينية ويعيق تطوّرها"، ولم يستجب شافيز لطلب أنصاره منع يوسّا من دخول البلاد، لقناعته أن ذلك قد يفسّر بالعداء للديمقراطية ولمبدأ حرية التعبير، لكن يوسّا، المعروف بغرابة أطواره وعشقه المناكفات وتعمّده إثارة الضجيج في كل مكان يحلّ فيه، وهو ما أكّده لي صحافي فنزويلي صديق له، واصل إطلاق تصريحاته المعادية، حتى وهو داخل قاعة الندوة، في مناكفة منه لدفع حكومة شافيز إلى طرده من البلاد، واستثمار خطوةٍ كهذه لصالحه، لكن الرئيس الفنزويلي رد بمناكفةٍ أشدّ، عندما فاجأ يوسّا بدعوته إلى جلسة حوار في القصر الرئاسي، يحضرها مفكرون يساريون، إلا أنه اشترط أن يجرى الحوار بينه وبين الرئيس فقط من دون مشاركة آخرين، وردّ شافيز بالقول إنه رجل عسكري، وإن الحوار يمكن أن ينتظم على مستوى رجال الفكر، مشترطاً على يوسّا أن يعود الى بلاده (البيرو)، ويحصل على الرئاسة عن طريق الانتخاب أولاً، في إشارة ساخرة إلى خسارة يوسّا في الانتخابات الرئاسية التي كانت قد جرت في بلاده.

ومع كل ما قيل ويقال، يمكن الإشارة إلى أن يوسّا كان في ارتكاباته المتأرجحة يعكس فكره النقدي، بعدما أدرك أن "الماركسية" تحمل "دوغمائيتها" معها، وسوف يكتشف دعاتها، في مرحلة ما، أنها مليئة بالثقوب، وهذا ما وصل إليه لاحقاً.

وعلى أية حال، فإن يوسّا، وإن ظلّ يغترف من السياسة ويكتب فيها، إلا أنه، بوصفه روائياً كبيراً، وقد عدّ واحداً من قلة في هذا المضمار، فإن ثمّة مسافة بينه وبين النشاط السياسي المباشر تظل قائمة، وهو حتى في سعيه إلى الرئاسة في بلده لم يحاول أن يتخطّى تلك المسافة، وهو القائل "السياسة مملكة الكذب"، و"السياسي قد يضطر للسير بين الجثث"، وهو لم يكن يريد ذلك لنفسه!

 

 

 

هل يفلت العراق من قبضة إيران؟

 

عبداللطيف السعدون

 

كتب يسأل: "ثمّة تداعيات حاضرة على الساحتين، الدولية والإقليمية، ستكون لها مردوداتها اللاحقة على العراق وإيران. هل ترى في هذه التداعيات ما يخدم سعي العراق إلى الإفلات من قبضة إيران، وإلى أي مدى يمكن تحقيق نوع من "الاستقلالية" في القرار العراقي، خصوصاً أنّ الأميركيين لا يبدو أنّهم راحلون فعلاً، وأنّهم باقون هنا إن بهذه الصيغة أو بتلك؟".

يقول الفرنسي بول فاليري إنّ السياسة هي منع الناس من الاهتمام بما يخصّهم، وإجبارهم على تقرير ما يجهلون... ربما ينطبق علينا هذا القول أكثر من غيرنا، حيث اعتاد ساستنا أن يقرّروا نيابة عنا، ويعملوا على ترويضنا على القبول بما يقرّرونه، وهذا ما يحدث معنا اليوم. وبغضّ النظر عما يطلقونه من شعاراتٍ لا شيء يوحي بأنّ أحداً من ساستنا يفكّر، حتى مع نفسه، بالخلاص من قبضة إيران في المدى المنظور، بل ربما يعتبر بقاء هذه القبضة ضرورياً لبقاء سلطته وبناء مجده الشخصي، كما ليس ثمّة مؤشّرات عملية على أنّ حكومة بغداد القادمة، أغلبية أو توافقية، ستنهض بمهمة إنهاء أو على الأقل، تقليص سلطة الدولة العميقة التي صنعتها إيران في العراق، والتي أحد وجوهها تغوّل المليشيات في شتى ميادين الحياة العراقية، سواء منها تلك "المليشيات" التي يطلق عليها صفة "الولائية" التي ترتبط بالحرس الثوري الإيراني، وتتلقى السلاح منه وتتدرّب في معسكراته، لكنها تموّل من المال العراقي، أو التي تتخفّى تحت ستار "الحشد الشعبي"، وتزعم دفاعها عن الوطن قبل المذهب، وهي تسلك بذلك حالة ازدواجية تتيحها لها عقيدة "التقية" التي تدين بها.

اعتاد ساستنا أن يقرّروا نيابة عنا، ويعملوا على ترويضنا على القبول بما يقرّرونه

إذاً، ليس ثمّة جديد في الأفق، وهذا ما تريده طهران ووكلاؤها وتابعوها المحليون، وحتى في التداعيات الماثلة التي أفرزتها نتائج الانتخابات أخيرا، والتي قد يرى فيها بعضهم حالة انقسام في معسكر "الوكلاء"، فإنها لا تعكس تطوّرا حقيقيا في المواقف والسلوكيات باتجاه التغيير المنشود، فالكل متفقون على أن بقاء الهيمنة الإيرانية على العراق يسميها بعضهم "احتلالا"، هو الضامن الأكبر لبقاء "العملية السياسية" الحالية، ولسيطرة النفر الذي اعتمدته واشنطن، ومن بعدها طهران، لتحقيق استراتيجيات خاصة بهما، وحماية مصالحهما في المنطقة، ويجد الوكلاء والتابعون في هذا "التوافق" الشرّير طوق النجاة الدائم لهم.

وفي المقابل، ليس الأميركيون الذين كانوا المؤسّس الرئيس لهذا الوضع الهجين الذي أفرزته "العملية السياسية" الطائفية الماثلة في وارد الانسحاب الكامل من العراق، وكل ما فعلوه ويفعلونه يدخل في باب إعادة "ترتيب الأولويات"، بما تفرضه المتغيرات المتفجرة التي تسود العالم في القرن الجديد، حيث ينتقل الشغل الأساسي للماكينة الأميركية الى الصين التي شرعت تقتحم العالم اقتصاديا وسياسيا على نحوٍ غير مسبوق، وتخترق ساحات النفوذ الأميركي في أكثر من مكان، وكذلك كوريا الشمالية التي تعتبر من الدول التسع الأولى في العالم التي تمتلك قدراتٍ نوويةً فائقة، وتشكّل تهديدا لواشنطن ولحلفائها في المنطقة، ثم هناك طموح روسيا لاستعادة دورها في المشاركة في قيادة العالم، وتداعيات تحرّكاتها أخيرا تجاه أوكرانيا.

الكل متفقون على أن بقاء الهيمنة الإيرانية على العراق، هو الضامن الأكبر لبقاء "العملية السياسية" الحالية

في ضوء ذلك، ثمّة قراءة جديدة ينبغي أن يعتمدها العراقيون الذين يريدون استعادة الوطن، ومنهم فريق يمنّي نفسه بأنّ الأميركيين سيفعلونها في آخر المطاف، وسيقذفون وكلاء إيران خارج الحلبة السياسية، لتعود الأمور الى أبناء البلاد، وما يصفع هذه "الأمنية" ويردّها أنّ أميركا غزت العراق، ليس لبناء الديمقراطية فيه، كما تزعم، ولا لسواد عيوننا، وإنّما كان دفاعاً عن "إسرائيل" التي ظلّ العراق منذ استقلاله الأول عصياً عليها، كما أنّها أرادت السيطرة على بحيرات النفط وخزين المعادن الذي تتميز به بلادنا، وقد كلفتها الحرب أكثر من تريليونين من الدولارات، وخسرت فيها خمسة آلاف جندي إلى جانب جرح أكثر من اثنين وثلاثين ألفاً. وهي، من قبل ومن بعد، ليست جمعية خيرية تتصدّق على من أخنى عليهم الدهر. إنّها دولة كبرى لها مصالحها والتزاماتها ودورها في صنع العالم، والأجدى لنا، إذاً، أن نقرأ ما يدور من حولنا بعناية، وإلّا فسنبقى نراوح في مكاننا إلى ما شاء الله!

وبالمختصر المفيد، لم يجد السؤال المطروح إجابته العملية بعد، وعندي أنّ إفلات العراق من قبضة إيران كما هو إفلاته من قبضة أميركا، كلا الاحتمالين غير واردين، وواضح أنّ الظروف، وكذا المعطيات، غير جاهزةٍ لتحقيق أيّ منهما، وهو أمر مرّ ويستدعي الأسى، لكن "ظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبر"!

 

عن "سردية"

 الفساد في العراق

عبداللطيف السعدون

 

لافتٌ حقاً أن يتصدّى ثلاثة شبان عراقيين لركوب المركب الصعب، في محاولتهم الرائدة لفضح منظومة الفساد في بلادهم، تلك المنظومة التي اكتسبت شرعيتها المنتحلة زورا بموجب قوانين وتشريعات وأحكام صمّمت لكي تكون "حمّالة أوجه"، توافق عليها حرّاس "العملية السياسية" التي اخترعها الأميركيون لحكم العراق، وخلف أبواب تلك المنظومة المغلقة التي لا تزال عامرة بأهلها كومة أسرار وخفايا يكاد المواطن العادي يعجز عن رصدها ومتابعتها، فكيف باستقصاء مجرياتها وفك خيوطها على النحو الذي فعله العراقيون الثلاثة في "سرديةٍ" مثيرةٍ فتحت عيون كثيرين من مواطنيهم على ما يدور من حولهم، وكله حصيلة الحقبة السوداء التي استغرقتهم منذ الغزو الأميركي لبلادهم.

"المتطوعون" الثلاثة الذين تجرّأوا على كسر الأبواب وتفكيك الأسرار: محسن أحمد علي وعبد الرحمن المشهداني (أكاديميان) وعمر الجفال (باحث)، وقد نشروا بحثهم الاستقصائي، وفي خلاصته أنّ التأسيس لمنظومة الفساد بدأ في السنوات الأولى التي أعقبت الغزو الأميركي، وأنّ هذه المنظومة أرست آليات مكّنت الطبقة الحاكمة من تناقل الفساد وتحويله إلى طريقة حكم مشروعة سياسياً وقانونياً واجتماعياً. وأدّى تنامي الظاهرة إلى تعزيز قبضة الأحزاب والكيانات المشاركة في السلطة على مفاصل الدولة المختلفة، وباتت ثروات البلاد نهبا لذوي النفوذ والسيطرة، حيث بلغت قيمة الهدر المالي وحده أزيد من مائة وخمسين ملياراً من الدولارات.

في البحث حكايات تثير الشجن على ما آل إليه الوضع في العراق، تم تدمير القطاع العام بطريقة ممنهجة، جعلت الوظائف مضمونة الدخل، محتكرة لدى رجال السلطة النافذين وأحزابها التي تستخدم ورقة التوظيف في دوائر الدولة لكسب شريحةٍ واسعة من السكان إلى جانبها، واحد من كلّ خمسة عراقيين يعتمد في معيشته على الحكومة، وآلاف الموظفين "الفضائيين" يحسب لكلّ واحدٍ منهم أكثر من راتب لكنّهم، في حقيقة الأمر، وهميون لا وجود لهم. وبالطبع، تؤول رواتبهم التي تقدّر بأكثر من مائة مليار دينار شهرياً لجهات وشخصيات تابعة لمن بيده الأمر.

"المكاتب الاقتصادية" للأحزاب بدعة ابتكرتها عقول دهاقنة السلطة للسيطرة على ثروات البلاد، تسهم هذه المكاتب في إحدى أكبر عمليات غسيل الأموال في العالم. يعترف وزير سابق بأنّ هذه المكاتب تتقاضى نسبة معينة من كلّ مقاولة أو عقد. أدّت هذه العمليات إلى تضخّم الثروات الشخصية لزعماء الأحزاب وقادة المليشيات. وقد كان بعض هؤلاء، إلى ما قبل بضع سنوات، لا يملك شروى نقير، ونائب في البرلمان يقرّ بأنّ الوزارات تحوّلت إلى "دكاكين"، وأنّ مديري مكاتب الوزراء هم الذين يديرون عملياً وزاراتهم، ومحافظ يروي أنّ مدير مكتب أحد الوزراء طلب منه مبلغاً مالياً مقابل المصادقة على صرف تخصيصات مالية لمشاريع خدمية في محافظته.

الإعلام هو الآخر دخل إلى منظومة الفساد هذه، ثمّة أكثر من ثلاثمئة صحيفة ومجلة ونحو 55 قناة تلفزيونية وعشرات مواقع التواصل والجيوش الإلكترونية تابعة للأحزاب ومموّلة منها، وتعتاش على الابتزاز وإدارة الحروب بين الأحزاب والقوى السياسية نفسها.

نفهم من "سردية" الفساد العراقية أيضا أن للقيادات الدينية التي تعشّش تحت عمائمها عقارب الخداع والغش، حصتها هي أيضا في هذه اللعبة الشيطانية، وسلاحها "الفتاوى" المصنوعة على مقاسات من يحتاج لها، وواحدة من تلك "الفتاوى" تعتبر المال العام ملكاً مشاعاً للجميع.

كلّ شيء في العراق هو ضرب من ضروب الفساد التي يبدو بعضها مبتكراً، وقد لا تعرفه دول أخرى، ومن نماذج ذلك: تهريب النفط، تهريب الأموال، بيع المناصب، الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، مزاد العملة، تجارة المخدرات، تجارة الآثار، المشاريع والعقود الوهمية، عقود النفط، عقود التسليح، أموال إعادة الإعمار .. إلخ. ولكي يتم إحكام تلك المنظومة الشريرة، تتداعى وقائع وقصص غريبة عن اغتيالات موظفين وإبعادهم وحبسهم، لأنهم فقط تحدّثوا عن ملفات فساد، أو رفضوا تمرير عقود مشبوهة.

هكذا أصبح الفساد في العراق قاعدة ثابتة في العمل الميداني الاقتصادي والاجتماعي، وليس استثناءً كما كان يحدث من قبل، ووضع ذلك العراق في أسفل قوائم الشفافية والنزاهة التي عادة ما تصدرها جهات دولية وإقليمية معتبرة.

وبعد، تحلّى الشبان العراقيون الثلاثة الذين كشفوا سوءات سلطات بلادهم بالجرأة التي أهلتهم للتفكير بصوت عال من دون خوف... هل سمعتم ببلد مثل هذا من قبل؟ يبدو أنّ هذا هو السؤال الذي أراد الباحثون الثلاثة إيصاله إلى الناس، والذي يحمل إجابته معه: ليس ثمّة بلد كهذا!

 

 

عن طائر شؤم

يأبى مغادرة العراق

 

عبداللطيف السعدون

 

يدرك العراقيون أنّ دخولهم إلى العام الجديد لا يعني خروجهم من جروح العام السابق والأعوام السابقة التي ما تزال طرية وصعبة على النسيان. وحتى جروح التاريخ المعتقة لم تبرأ بعد، وقد نُكئت وأعيد نبشها كي يتفرّق القوم أيدي سبأ يتنابزون بالألقاب، وتسيل دماؤهم أكثر فلا يجدون وسيطا يفرض حكمته، أو ناصحاً يخفّف من غلوائهم، أو حتى بطلاً مستبدّاً يقيم دولته على مبدأ "العدل أساس الملك".

ولا يملكون، وهم في مواجهة ذلك كله إلّا أن يرجعوا إلى تاريخهم يقلّبون صفحاته، يقرأونها بشغفٍ ويتسلون بها بحب، وتتملّكهم "نوستالجيا" تعينهم على استجماع قواهم، عل ذلك يفيدهم في تحمل فصول التراجيديا المديدة التي استغرقتهم عقدين، ولم تترُك لهم أملاً في خلاصٍ قريب، وقد يُمارس بعضٌ منا جلد الذات، محمّلاً نفسه نصيباً من تلك المعاناة التي طالت، فيما يلوذ آخرون بالعودة إلى الأساطير والحكايات، باحثين فيها عما يمنحهم قدراً من الأمان والحلم وراحة البال، والقناعة بأنّ شيئاً لا بد أن يحدث يوماً ما.

وإذ شئنا أن نفلسف حالنا بعيداً عن العقل، تذكّرنا أسطورة شعبية عن طائرٍ يتشاءم منه العراقيون هو طائر الطوطي (يسمّيه العراقيون الططوة)، الذي كلما مرّ في سماء قراهم، وهو يصرخ، يصيبهم الذعر والقلق، ويتوقعون كارثةً تحيق بهم. وتقول الأسطورة إنّ أصله امرأة شريرة مسخها الخالق على شكل طائرٍ ينشر الشر والخراب أينما حلّ، ويدفع أجدادنا هذا الشر بجمع الأطفال في باحة القرية، والطلب منهم ترديد عبارة "سكين وملح .. سكين وملح" كي يفر الطائر ويرحل.

ربما تتجسّد هذه الأسطورة في التراجيديا العراقية المديدة التي حملتها غزوة الأميركيين لنا قبل عقدين، الغزوة التي مكّنت عصابة من اللصوص وقطّاع الطرق وعملاء الأجنبي من الهيمنة على السلطة والمال والقرار، ونتج عنها هذا "الرصيد" الأسود الذي سجل في حساب العراقيين: أكثر من مليون مواطن بين قتيل ومعوّق، ملايين المشرّدين والنازحين واللاجئين في أصقاع الأرض، خسارة تريليون دولار بسبب عمليات الفساد وتريليون آخر بين نهب وسرقة وتبديد، سيادة السلاح المنفلت وتصاعد وتيرة الاغتيالات والخطف والاعتقال غير القانوني، توغل المليشيات في مؤسّسات الدولة ومرافقها وتغوّلها داخل المجتمع، وزيادة حالات انتهاك حقوق الإنسان العراقي وحرياته.

التراجيديا هذه لم تتم فصولاً، وطائر "الطوطي" يأبى أن يرحل، وآخر الفصول حدث في آخر العام في مدينة جبلة البابلية الوادعة، الغافية على شط الحلّة منذ أربعة آلاف عام، والموطن الأول لإبراهيم الخليل، وهذا كله لم يشفع لها في توقي شر المليشيات وأذى رجال السلطة أكثر من مرّة، لكنّها في هذه المرّة تلقت ضربة قاصمة، طاولت أسرة فقيرة تتعيّش على الزراعة، إذ أقدمت مجموعة من ضباط "المهمات الخاصة" على مداهمة المنزل البسيط الذي تقيم فيه الأسرة بدعوى وجود تاجر مخدّراتٍ يأوي إرهابيين اثنين، ونتج عن ذلك مقتل عشرين بشرياً بريئاً من بينهم رضيع في عمر أسبوعين وآخر بعمر سبعة أشهر، و18 من نساء ورجال بأعمار مختلفة.

ولم تستحِ الحكومة من أن تلفّق رواية بائسة عن هذه "الصولة الجهادية" التي استخدم فيها "أبطال المهمات الخاصة" القوة العشوائية والمفرطة، من دون مراعاة ضمانات الحماية التي يكفلها القانون، وأن تزعم أنّ ربّ الأسرة رفض تسليم نفسه، وحمل السلاح بوجه القوة المداهمة، ما دفعها إلى اقتحام المنزل، وكان أن فوجئت بجثث القتلى العشرين الذين قتلهم ثم انتحر، ولحقت بهذه الرواية رواياتٌ أخرى من هذا المسؤول أو ذاك، سعت إلى اعتبار الواقعة "حادثة فردية" داعية إلى التعقل والتهدئة. وأراد بعضها التغطية على المجرمين الحقيقيين من ضباط الدولة الذين نفذوا المجزرة بدم بارد، لصالح أحدهم الذي يرتبط بالمتهم بصلة قرابة، وقد أقدم على فعلته الإجرامية إثر خلاف عائلي، كما ظهر أنّ رجل الأسرة موضع الاتهام لم يكن تاجر مخدّرات، ولا صلة له بأيّ نشاط إرهابي.

وعرف الناس أنّ هذه الواقعة السوداء ليست سوى عينة صغيرة من ممارسات رجال المليشيات الذين تسيّدوا الأجهزة الأمنية الرسمية، وأمعنوا في الأرض فساداً مستخدمين العجلات الحكومية وأسلحة الدولة، وتحت ظلّ الحماية التي توفرها لهم مواقعهم الوظيفية.

بقي أن يعرف القارئ أنّ أحداً من المسؤولين الكبار، وزير الداخلية مثلاً، لم يتقدّم باستقالته أو يحمّل نفسه المسؤولية، ولو حدثت هذه الواقعة في أيٍّ من بلاد الله لاستقالت الحكومة كلها، وجرت إحالة بعض مسؤوليها إلى القضاء، ولكن!

 

الأميرة مريم ..

شخصية العام في العراق

 

عبداللطيف السعدون

 

في سيناريو تراجيدي مفعم بالمرارة بامتياز، يتسلّل خلسةً شاب أهوج إلى منزل الفتاة البغدادية مريم (16 عاما)، ويقتحم غرفة نومها، تصحو وهي في لحظة رعب لم تعش مثلها من قبل، تصرُخ في مواجهة القادم الشرّير الذي يحدّق في وجهها بلؤم، ثم سرعان ما يقذفها بمادة "الأسيد" الحارقة، ويخرج غير مبالٍ بما فعله. تنهض مريم، تحتضن مرآتها لتكتشف أن وجهها وقد تمزّق وتشوّه، وأنها فقدت ما كانت تحلم به أية فتاةٍ في سنها، جمال الخلقة المدهش الذي أكسبها صفة "الأميرة" لدى قريناتها والمعجبين بها.

لا يعكس هذا السيناريو الواقعي الذي شهدته بغداد فعلا إجراميا فحسب. إنه أكثر من ذلك، يعرض صورة مأساوية عن الواقع الذي تعيشه نساء العراق في ظل حكم الأحزاب "الإسلاموية" الذي فرضته هيمنة إيران على المشهد السياسي العراقي، واقترانه بممارساتٍ منافيةٍ لأخلاقيات الدين ولحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ليس أقلها العنف الموجّه إلى النساء، والذي غالبا ما يأخذ أفعالا لا يكفي تصدّي القوى المدنية لفضحها، وإنما المطلوب إيجاد التشريعات القانونية التي تمنع حصولها وتجرّم مرتكبيها وتعاقبهم. وتشريعات كهذه لا تنال اهتمام القوى المتسيّدة، بل إنها ترفضها بشدة، وتقاوم إقرارها بضراوة. وهذا ما فعلته في غير مناسبة وحالة، فعلى مدار أكثر من عقد، وهذه القوى تسعى إلى تمرير تعديلاتٍ على قانون الأحوال الشخصية الذي شرّعته حكومة ثورة الرابع عشر من تموز قبل ستة عقود، والذي عزّز مكانة المرأة ودورها في بناء الأسرة وتربية الأطفال، إذ حاولت فرض شروط قاسية على الأم في حالة حضانتها أطفالها، ومنعها من الزواج طوال فترة حضانتها (سبع سنوات)، وهو أمرٌ لا تقرّه لا الشرائع ولا القوانين الإنسانية، كما سعت إلى شرعنة زواج الصغيرات والزواج المؤقت، والزواج القسري، وترويج العمل على إفلات المجرمين من العقاب في ما تسميها "جرائم الشرف" التي سجّلت ارتفاعا غير مسبوق. وكذا في اتساع نطاق حالات العنف الأسري، إذ رصد تقرير لإحدى منظمات المجتمع المدني تعرّض النساء للحرق والضرب المبرح من رجال أسرهن. وثمّة أيضا حالات اتجار بالنساء والأطفال على نحو لم يعرفه المجتمع العراقي من قبل. لا شيء رادع، آخر ما وصل إلى الكاتب، وهو بصدد كتابة هذه المقالة، خبر واقعة اغتصاب جديدة ضحيتها فتاة اسمُها حوراء (سبع سنوات)، بطلها منتسبٌ لجهة أمنية، وقد جرى تهريبه كي يفلت من العقاب!

ولكي لا نغرق في التفاصيل، نذكر أن واقعة "التنمّر" التي اقترفها الشاب الأهوج الذي رفضت الأميرة الجميلة، الصغيرة عمرا، الزواج منه، لأنها تريد إكمال دراستها، جاءت عن عمدٍ وسبق إصرار، ولم تكن استثناءً من ظاهرة استخدام العنف ضد النساء، وسلبهن أبسط حقوقهن على نحوٍ يرضي توجّهات القوى المسيطرة ورغباتها. اللافت هنا صمت نساء البرلمان المنحلّ، وكذا الفائزات في الانتخابات أخيرا، اللواتي يزعمن دفاعهن عن المرأة عن إدانة ما يحيق ببنات جلدتهن من ظلم ومهانة. ومضحكٌ حقا أن تسخر إحدى النائبات (يمكن استخدام كلمة نوائب هنا بمعنى مصائب)، في معرض إجابتها عن سبب تجاهلها ما تعرّضت له مريم، بأن البرلمان ليس في حالة انعقاد بعد!

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فلا بد من رفع القبعات للذين وقفوا مع مريم وساندوها، من منظمات مجتمع مدني وناشطين سياسيين وإعلاميين وروّاد مواقع تواصل. وتُذكر بالخير قناة الشرقية التي تبنّت علاج الأميرة الصغيرة خارج البلاد. كما نسجّل بالتقدير كل مشاعر الحب التي غمرت جماهير واسعة في العراق والعالم تجاه الأميرة الصغيرة، هذه الوقفات المؤثرة تجعل نساءنا يتطلعن إلى غد أفضل وأجمل ليس لهن فحسب، إنما لنساء العالم كله.

هذا يدفعنا، وبكل حماس، إلى أن نرشّح الأميرة الجميلة إلى أن تتوج شخصية العام في العراق، كي تكون رمزا شاهدا على ما تتعرّض له المرأة العراقية من ظلم ومهانة، في ظل رجال الأحزاب الحاكمة الذين يرون في المرأة "مخلوقا" للمُتعة فحسب، لكنهم يحلّلون لأنفسهم نهب المال العام وسرقته، ويعتبرونه حقا خالصا لهم، ويحرّمون الغناء والموسيقى لأن "ثقافتنا إسلامية"، على حد تعبير أحدهم. وبعبارة عريضة، إنهم يمارسون شتى "الموبقات" من دون أن يرفّ لهم جفن.

صفقوا لمريم، إذن، اغمروها بالحب والحنان، وانتظروا عودتها من رحلة العلاج أجمل وأحلى مما كانت، انثروا الورد من أجلها وغنوا وارقصوا معها .. فهي أميرتكم الجميلة التي تستحقّ كل الحب وكل الاحتفاء، وكل الذكر الطيب.

 

 

 

العراق .. دعونا نتشبّث بالأمل

 

عبداللطيف السعدون

 

في جديد أخبار بغداد ثمّة جرعةٌ من أمل، قد تعيد إلينا الثقة في قدرة العراقيين على التغيير، بعد أن تجرّعوا كؤوس المرّ زمنا مديدا، اقترب من عقدين، عانوا خلاله من مشكلاتٍ وأزماتٍ لا أول لها ولا آخر، ولم تتح لهم فرصة تلمس الحلول، إذ لم تكن أمامهم سوى خيارات ضيقة ومحدودة لم تفضٍ إلى حل، ولم تضعهم على طريق التعافي، وكادت أن تُفقدهم ثقتهم بأنفسهم، في حين بات العراق "طويل الليل" كما وصفه المتنبي قبل أكثر من ألف عام، وجعلهم طول الليل هذا يفزعون بآمالهم الى الكذب، إذ يتعلقون بمشاريع إصلاح وتغيير وهمية، يطلقها لصوص وأفّاقون وحواة، يتنازعون أمرهم بينهم اقتساما للغنيمة، ثم لا يلبثون أن يتلبّسوا لباس التقوى والفضيلة عند صياح الديك.

جرعة الأمل هذه حملها لنا ثوار تشرين (أكتوبر 2019) إذ شرعوا في وضع أقدامهم على طريق استعادة الوطن، غير هيّابين من عظم المهمة التي أوكلوا أنفسهم لأدائها، ولا فزعين من تنمّر رجال "العملية السياسية" الذين التقطهم الأميركيون من الأزقة الخلفية لدول الغرب والجوار، وأوكلوهم حكم العراق. وإذا كان للثوار أكثر من موقف ووجهة نظر في التعاطي مع المتغيرات السياسية اليومية، فإن حصيلة كل تلك المواقف ووجهات النظر كانت تصبّ دائماً في مصلحة الوطن وفي خدمة أبنائه. وقد قاطع بعضُهم الانتخابات البرلمانية أخيراً على خلفية عدم توفر الاشتراطات اللازمة لجعلها عملية حرّة ونزيهة وشفافة، في حين رأى آخرون المشاركة فيها تحدّياً لطبقة الحكام الذين استأثروا بالسلطة على وفق هوى واشنطن وطهران، وبدا كما لو أنّ أحد الموقفين يكتمل مع الآخر.

الذين فازوا في الانتخابات من شباب ثورة تشرين، أو من المحسوبين عليها، شرعوا في اتخاذ خطواتٍ عمليةٍ لتكريس وجودهم في البرلمان المقبل معارضة فاعلة ونشطة

وفي جديد أخبار بغداد أنّ الذين فازوا في الانتخابات من شباب ثورة تشرين، أو من المحسوبين عليها، أو من معارضي العملية السياسية الطائفية الماثلة، شرعوا في اتخاذ خطواتٍ عمليةٍ لتكريس وجودهم في البرلمان المقبل معارضة فاعلة ونشطة، وقد أعلنوا عن تأسيس تحالف برلماني يحمل اسم "من أجل الشعب"، يضم 18 نائباً يمثلون حركة "امتداد" التشرينية و"حراك الجيل الجديد" الكردية المعارضة، كما توافقوا على إرساء مفهوم المواطنة الحقيقية، وألّا يقتربوا من كراسي السلطة، ولا يشاركوا في "اقتسام الكعكة"، وتلك أمورٌ تحسب لهم، وتضعهم في خانة العاملين على استعادة الوطن.

في جديد أخبار بغداد أيضاً ظهور حركات شبابية سياسية تجنّد نفسها لإحداث التغيير المطلوب، مثل "حركة اليسار الديمقراطي العراقي" و"المنظمة العربية للعمل من أجل الإنسان" اللتين اتحدتا، أخيراً، تحت اسم "اتحاد الطلائع اليسارية"، بهدف "بناء عراق حر ديمقراطي موحد"، ورأت هذه المنظمات في التحالف البرلماني "من أجل الشعب" خطوةً متقدّمةً على طريق تحجيم الأحزاب الفاسدة، ومحاسبتها على ما اقترفته بحق الشعب والوطن.

فشلت "الأحزاب الثورية" التي عرفها العراق في النصف الثاني من القرن الراحل، في السعي الى التغيير

قد يكون هذا "التململ الإيجابي" غير فاعلٍ بالقدر الذي يمكنه من إحداث التغيير المرجو، كما يرى بعضهم. لكن أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام، وقد يمكنه أن يشكل خطوةً أو خطواتٍ نحو نهوض عراقي طال انتظاره. وإلى ذلك، فهو يعكس فشل "الأحزاب الثورية" التي عرفها العراق في النصف الثاني من القرن الراحل، في السعي الى التغيير. راهن الشيوعيون على إقامة نظام ديمقراطي تحت الراية الأميركية، دخلوا "مجلس الحكم" الذي أقامه حاكم بغداد بول بريمر، والتحقوا في ما بعد بركب "التيار الصدري"، ولم يحصلوا على ما أرادوه، ثم قاطعوا الانتخابات البرلمانية، وفي مؤتمرهم أخيراً أعادوا قراءة "مزاميرهم" العتيقة عن "الوطن الحر" الذي لم يعد حراً و"الشعب السعيد" الذي أصبح شقياً بامتياز، وتفرّق البعثيون شيعاً وأحزاباً، وتبادلوا الاتهامات والشتائم التي وصلت إلى حد تخوين بعضهم بعضهم الآخر، وتخاصموا في ما بينهم على من له حقّ الظهور قائد ضرورة، وبقوا متمسّكين بطروحاتهم التي أدمنوها، وكأنّ الدنيا لم تتغير من حولهم. أما الباقون من قوى وشخصيات حملت يوماً راية التغيير فقد انكفأت هي الأخرى وتراجعت، ولم تعد تحمل سوى ذكرياتٍ عن زمن جميلٍ مر بسرعة البرق.

ألا يحق لنا بعد هذا أن نضع ثقتنا في شباب تشرين الذين شرعوا يضعون خطواتهم على طريق النهوض من دون منّة، ومن غير خوف، ألا يحق لنا أن نبارك خطواتهم، ونحن نشعر بالأمل في أن يحققوا لنا التغيير الذي نريده، وأن نستعيد من خلالهم وطننا الذي اغتصب؟

دعونا نتشبث بالأمل، إذاً!

 

 

 

حاشية في لقاء "الإخوة الأعداء"

عبد اللطيف السعدون

 

أما وقد جمع الله الشتيتين، مقتدى الصدر ونوري المالكي، بعدما ظنّا، كلّ الظن، أن لا تلاقيا، فماذا بعد هذا اللقاء الذي أرادته إيران، كي تداري عبره بعض ما لحق بوكلائها العراقيين من خسائر أفرزتها انتخابات تشرين، ولكي تمهّد الطريق لإعادة إنتاج "العملية السياسية" الطائفية التي ضمنت لها السطوة على القرار العراقي على امتداد عقدين، وهي العملية التي تعرّضت للإنهاك الشديد والعطب، ولم يبقَ سوى تشييعها إلى نهايتها محفوفة باللعنات؟

لم يفرز لقاء "الإخوة الأعداء" هذا شيئاً ذا قيمة حقيقية يمكن البناء عليه لاحقاً، إذ خرج الطرفان، التيار الصدري والإطار التنسيقي، وكلٌّ يغنّي على ليلاه، وعرف في الأوساط السياسية أنّ اللقاء كان جافاً، ولا يحمل ملامح اتفاق، ولا حتى تقارباً في النقاط الأساسية. ولذلك، لم تزد البيانات والتصريحات التي صدرت عن شخصياتٍ محسوبةٍ على هذا الطرف أو ذاك عن أن تطرح ما تريده وتتمنّاه، وليس ما حصل اتفاقاً عليه. وبدا أنّ الصدر، وقد كان صريحاً في الإعلان بعد اللقاء مباشرة عن عدم التراجع عن موقفه، في "حكومة أغلبية وطنية، لا شرقية ولا غربية"، سعى إلى أن يُحدِث كوّةً في الجدار الصلد الذي صنعته أطراف الإطار التنسيقي، وأن "يبرئ ذمته" أمام جماهيره مما قد يُشاع عن إحداثه شرخاً داخل البيت الشيعي. وأيضاً استجابة لرغبة إيران في عقد اللقاء، وهو الذي يطمع ألّا تصل العلاقة بينه وبين طهران إلى ما صنع الحدّاد. وخوفاً من يدها الطولى التي قد تستهدفه، فيما كانت أطراف الإطار التنسيقي، ومن ضمنها المليشيات الولائية، تنطلق من "فائض ضعف" وليس من "فائض قوة" وقد أرادت، من خلال فائض الضعف هذا، تخفيف خسائرها وتزييد مكاسبها بالقدر الذي تستطيعه، خصوصاً بعد تراجعها عن التهديد باستخدام أساليب أخرى، غير الاحتجاجات السلمية. قد يكون من بين ما فكّرت فيه، في البداية، اللجوء الى حرب شوارع، ردّاً على "الغبن" الذي تزعم أنّه لحق بها جرّاء حالات تزوير حصلت في الانتخابات.

وقد فضحت صور اللقاء المنشورة على مواقع التواصل كيف ظهرت علناً الخصومة المطبوعة بالجفاء والتجاهل بين الصدر والمالكي. وعلى أية حال، لم يحقق اللقاء ما أرادته طهران التي سوف تفكّر مرة أخرى في الدخول على الخط لإصلاح ذات البين بين الأطراف المختلفة، لأنّها لا تستطيع التفريط بالمكاسب الضخمة التي حققتها في العراق على امتداد 18 عاماً، والتي قد تتأثر سلبياً إذا ما قدّر للتيار الصدري أن ينجح في تشكيل "حكومة أغلبية وطنية". وقد يأخذ هذا السيناريو من جرف "العملية السياسية الطائفية" الماثلة، وربما يطيحها على نحو كامل في المستقبل، والسيناريو الآخر الذي تبدو حظوظُه مساويةً لحظوظ السيناريو السابق، وربما أكثر، هو سيناريو "خلطة العطار" بتعبير الصدر، وهو المجيء بحكومةٍ توافقيةٍ على النحو الذي يدعو إليه الإطار التنسيقي، وتدعمه واشنطن وطهران، ولكلّ منهما حساباتها الخاصة، وثمّة سيناريوهات أخرى، محتملة الظهور في أية لحظةٍ ضمن لعبة "شدّ الحبال" بين التيار والإطار. ويتوقف اختيار أحدها على قدرة اللاعبين وإمكاناتهم ونفوذهم، وكذلك على حصيلة مباحثات الملف النووي بين الإيرانيين والأميركيين، إلى جانب عوامل إقليمية ودولية أخرى، ذات تأثير وفاعلية.

يبقى موقف الأطراف السنّية والكردية التي يمكنها أن تكون "بيضة القبّان" إذا ما تحالفت مع أيّ من الطرفين الشيعيين، لكنّها قرّرت، وبضغوط إيران أيضاً، عدم التحالف مع طرفٍ شيعيّ ضد طرفٍ شيعيٍّ آخر، وقالت إنّها تقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع إلى حين تسجيل الكتلة الأكبر في البرلمان، إذ يمكنها آنذاك التباحث معها بشأن تشكيل الحكومة ومناقشة خططها. هذا يعني أنّنا سننتظر وقتاً طويلاً، قبل أن يرسو "مزاد" بيع الوزارات والمناصب العليا في الدولة على نقطة عبور، كما يعني أنّ هذه "الفوضى" التي يتّسم بها المشهد العراقي سوف تزيد من حدّة المأزق الذي يعيشه العراقيون اليوم، إذ تبقى الحلول معلقةً على ما يمكن أن يفرزه الواقع من متغيرات في الأيام والأسابيع المقبلة، وقد لا تأتي الحلول حين يحتاجها المرء، وإنما قد تتحوّل إلى مجرد أمل يظهر ويختفي. ولذلك يحدث، في أحيان كثيرة، بحسب الروائي البرتغالي الحائز على نوبل، خوزيه ساراماغو، أن يكون الانتظار هو الحلّ الوحيد الممكن.

على العراقيين، إذاً، أن يتعلّموا الانتظار والصبر!

 

 

 

 

 

عزيز علي .. لم يرضخ للحكام ورفض الغناء لهم

 

عن المونولوجست

 الذي خاصم الحاكم

عبداللطيف السعدون

 

 

وسط احتدام المشهد السياسي في العراق، وتصاعد حمّى الخوف لدى الجميع مما هو قادم، تجد مجموعة من المثقفين والفنانين الفرصة سانحة لإنصاف فنان متفرّد وإعادة الاعتبار له بعد عقود من الاضطهاد والإهمال والتجاهل. ومن يكون هذا الفنان غير المونولوجست عزيز علي الذي قارع حكام بلاده على امتداد حياته، لا فرق عنده بين حاكم وآخر، سخر منهم وشتمهم، وقال فيهم ما لم يقله مالك في الخمرة. ورفض أن يقول فيهم مديحا أو إطراءً، على الرغم من أن بعضهم اقترح عليه أن يفعل ذلك فرفض، لأنه، كما قال، لا يمكن أن يكون بوقا لحاكم. وحين كان العراق في عهد الملوك يشهد هامشاً ديمقراطياً افتقدناه في عهود الجمهوريات، بدا الميدان فسيحاً أمامه، لينشط في فضح فساد الحكومات المتعاقبة، وفي الدعوة إلى الثورة على الحكام الذين اتهمهم بالعمالة للمستعمر، وذلك في مونولوجاته الشعبية الناقدة التي كان يقدّمها عبر راديو بغداد (الحكومي) في سنوات الخمسينات، والتي استقطبت جمهورا عريضا، إلى درجة أن أفراد العائلة كانوا يتحلقون حول الراديو مساء كل أربعاء لسماعه، والتعاطف مع ما يطرحه. وكان جزاؤه السجن مرات، وبتهم متناقضة لم يتوفر عليها دليل، ففي مطلع الأربعينيات، وجهت إليه تهمة اعتناق الأفكار النازية، إثر مجاهرته بمساندة حركة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز، وقد سجن إثرها سنتين. وعندما أعيدت له حريته غنّى "اسكت لا تحجي (لا تتكلم) تبتلي". عندها، وفيما كان يؤدّي نوبته الأسبوعية في استديو الإذاعة، فوجئ بحضور رئيس الوزراء آنذاك السياسي المخضرم، نوري السعيد، الذي هاله أن يهاجم عزيز السلطة في مونولوجاته. وظن أنّه "شيوعي" لكنّه حين عرف أنّه ليس كذلك اكتفى بتقريعه، وحثّه على استغلال موهبته في توعية المواطن، والتركيز على الجوانب الإيجابية وحركة الإصلاح في البلاد، وسمح له بمواصلة تقديم أغنياته.

طالما دعا عزيز علي إلى الثورة على الحكام الذين اتهمهم بالعمالة للمستعمر

لم يتراجع عزيز ولم يهادن، غنّى مونولوجات عديدة ناقدة، ومحفزة على التغيير في ظل الهامش الديمقراطي المتاح آنذاك، من ذلك مونولوج "كل حال يزول" الذي اعتبر نبوءةً بتغيير الحال. وفي اليوم الأول لقيام الجمهورية، أنشد قصيدة اشتهرت في حينه "نو.. نو.. لهنانة وبس (إلى هنا .. ويكفي)". اعتكف بعدها متمسّكاً بشعاره في ألّا يتحوّل إلى بوق للحاكم. لكن مشكلة الحاكم أنّه لا يقبل من الشاعر أو الفنان بأقل من قصيدة مديح أو نشيد في الإشادة به. ولهذا، اعتقل مرة أخرى، قرّر بعدها أن يعتزل الغناء، معلناً قراره هذا في مونولوج "ألعن أبو الفن لابو أبو الفن".

اعتقل عزيز من جديد في منتصف السبعينيات، على خلفية ما قيل عن العثور على اسمه ضمن مجموعة أسماء لشخصيات سياسية واجتماعية كانوا على صلةٍ بمحفل ماسوني قبل ربع قرن. وحكم عليه بالسجن سبع سنوات، بعد محاكمة استمرت خمس دقائق فقط، شمله عفوٌ عام بعد سنتين ليعود حرّاً.

عرضوا عليه تدبير هروبه إلى إيران، وطلبه اللجوء تحت ستار تعرّضه للاضطهاد والقمع في بلاده، والتجسّس هناك لصالح المخابرات العراقية، لكنّه رفض العرض بشدّة

لم يفارقه سوء الحظ إطلاقًا، على الرغم من اعتزاله، إذ حدث عندما نشبت الحرب بين العراق وإيران أن شرعت إذاعة الأهواز العربية في إذاعة مونولوجاته الانتقادية القديمة، وهو ما دفع سلطة بغداد آنذاك إلى التحقيق معه، لمعرفة ما إذا كانت له يد في إيصال تلك التسجيلات إلى إيران. ولمّا اكتشفوا أن لا صلة له بذلك، عرضوا عليه تدبير هروبه إلى إيران، وطلبه اللجوء تحت ستار تعرّضه للاضطهاد والقمع في بلاده، والتجسّس هناك لصالح المخابرات العراقية، لكنّه رفض العرض بشدّة. وبعدما يئسوا من استدراجه أطلقوا سراحه، ودفعه ذلك إلى حالة من اليأس، انزوى بعدها في منزله، حتى رحيله في أكتوبر/تشرين الأول 1998.

شكّل عزيز علي في مسيرته الفنية منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ظاهرة نادرة، ففي وقت ظهر عشرات المغنين والمنشدين الذين وضعوا أنفسهم تحت وصا ية الحاكم يغنون له ويغدقون عليه المديح، كان وحده النقيض لذلك، فقد رفض أن يكون بوقاً، على الرغم من كلّ ما تعرّض له من اضطهاد وإهمال وتجاهل.

وفي مواجهة ذلك، كانت مبادرة مجموعة الفنانين والمثقفين لإعادة الاعتبار له وتذكير الناس بما قدّمه من فن هادف، وباعتباره أحد رجالات العراق المبدعين، وتم تكريمه في الأسبوع الماضي بإزاحة الستار عن تمثال نصفي له من صنع الفنان موفق مكّي في مدخل مبنى مدرسة الموسيقى والباليه التي أشرف الراحل على تأسيسها في ستينيات القرن الماضي، بالتعاون مع خبراء وفنانين روس، ساهمت في صقل مواهب أطفال كثيرين، واصلوا مهاراتهم الموسيقية في ما بعد وأبدعوا فيها.

 

 

لمن الغلبة .. للصدر أم للمليشيات؟

عبداللطيف السعدون

 

من مؤسّس أول مليشيا طائفية في العراق بعد الاحتلال، فتكت بآلافٍ من أبناء الطائفة الأخرى، وبمئات الأكاديميين والمهنيين والعسكريين، إلى صاحب مشروع وطني مناهض للطائفية، وداع إلى حل المليشيات وتسليم سلاحها إلى الدولة، وتصفية "الحشد الشعبي" من العناصر غير المنضبطة، ومن متوافق مع طروحات "دولة الولي الفقيه"، وساع إلى ترويج العلاقة الحميمية معها، إلى ناء بنفسه عن طروحاتها، ورافض تدخلاتها في الشؤون الداخلية للعراق، ومن مشاركٍ في السلطة عبر ممثليه، وبينهم من هو متهم بممارسات فساد، إلى مناشدٍ للكيانات السياسية بعدم التستر على الفاسدين، وإحالتهم إلى القضاء للاقتصاص منهم مهما كانت مواقعهم أو ارتباطاتهم، ومن مترفّع عن طلب الولاية لنفسه إلى ساعٍ للحصول عليها بأي ثمن.

ذلك هو زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، رجل التقلبات والمتناقضات والألقاب العديدة التي يسبغها على نفسه، ومالئ الدنيا وشاغل الناس كلما عنّ له ذلك، والذي يبدو أن 18 عاما كانت كافيةً لتنقله من موقع المتمسك بالعملية السياسية الطائفية المدافع عنها إلى اللاعب المتمرّد عليها وعلى قواعدها، وقد أسعفته شعبويته بين فقراء الشيعة الذين يعتقدون فيه حاملا راية الطريق نحو دولة المهدي في إطلاق مبادرته أخيرا لتغيير المشهد السياسي بأكمله، مستمدّا حركته اللافتة هذه من "فائض قوة" جناه عبر الانتخابات النيابية أخيرا التي ضمنت له 73 مقعدا، بما يمثل ضعف المقاعد التي أحرزها خصمه اللدود زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، وأهلته لموقع اللاعب الأول في "العملية السياسية"، ومكّنته من تغيير "قواعد الاشتباك" وقيادة "انقلاب" سياسي، إذا ما قدّر له أن ينجح في إرساء دعائمه، فسوف يكون قد حقق إنجازا وطنيا يُحسب له، وإن كانت ثمة دلائل تفيد بأنه قد لا يكون قادرا على التقدّم بمشروعه "الوطني" الذي روّجه، وقد يتراجع عن وعوده كما فعل أكثر من مرّة. وبحسب ماكيافيلي، لا يحتاج السياسي أسبابا مشروعة ليحنث بوعده، خصوصا بعد أن أدرك خصومه من زعماء المليشيات والكيانات الخاسرة أنهم أصبحوا في دائرة الاستهداف، وأن الخطر يحيق بهم. ولذلك جمعوا أنفسهم في ما سمّوه "الإطار التنسيقي"، واستلوا سيوفهم، وهدّدوا بالإجهاز عليه وعلى مشروعه، إن لم ينصع لدعوتهم له، وينضوي معهم. وهم في ذلك يحاولون أن يداروا خسارتهم الفاضحة في الانتخابات، وتخلّي كثيرين عنهم بمزيد من الإنكار والعنجهية والاستقواء بالسلاح، وصولا إلى إخضاع خصومهم.

السؤال المطروح على أكثر من طاولة: أيهما يمكنه جرّ الحبل إلى ناحيته، مقتدى الصدر أم المليشيات، وأيهما سوف تكون له الغلبة، وقد أوشكت اللحمة بينهما أن تنفصم، بعد فشل جهود البحث عن تسويةٍ قامت بها طهران. وكان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، قد أخذ دور "فاعل الخير"، وحاول لملمة الأمور، والدفع باتجاه إعادة إنتاج "العملية السياسية" القائمة، لكنه فشل في ذلك، ورجع إلى طهران ترافقه الخيبة. وهذا ما دفع الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، إلى الاتصال شخصيا برئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، والطلب منه "الوصول إلى حل قانوني وشفاف"، في عقدة نتائج الانتخابات التي ما تزال موضع خلاف.

ثمّة جزء آخر من المشهد، تتنازعه قوتان، الولايات المتحدة وإيران، يزيد الأمر تعقيدا وتأزما، حيث أعلن الأميركيون أن أكثر من ألفي جندي سوف يظلون في العراق في دور استشارة وتمكين ومساعدة، وسيقومون أيضا بأية مهمات أخرى، إذا ما طلب العراقيون منهم ذلك. وردّت المليشيات بالتهديد بأنها ستطلق عملياتها ضد الأميركيين مع نهاية العام، وهو الموعد المحدّد للانسحاب الأميركي، وزادت بدعوتها العراقيين إلى التطوع في صفوفها، استعدادا لما أسمتها "المواجهة الحاسمة" مع الأميركيين. وهذا العرض للقوة تقف وراءه إيران التي تهيمن على فصائل المليشيات، حتى تلك التي ترفع راية "الحشد الشعبي"، ما يتيح لها تحريكها في الوقت الذي تشاء، وضد أي طرفٍ خصمٍ لها.

هذا يعني أن العراق لن يتمتع بحال هدوء واستقرار لزمن أطول مما يتراءى لنا. وفي كل الأحوال، يظل المشهد محكوما بحالة سيولة متأرجحة بين دولٍ وقوى وأطرافٍ ليس بينها من يحرص على الدفاع عن العراق وحماية العراقيين، وهذه هي العقدة التي لم تجد من يحلّها بعد.

 

 

سياسيو العراق

عندما يلعبون "الشوملي"

عبداللطيف السعدون

 

ذكّرتني التوترات الناشبة بين أطراف "العملية السياسية" في العراق بحكاية شعبية عن خصام بين اثنين من الرعاة على ملكية عصا تستخدم في رعي البقر، يطلق عليها اسم "الشومة". وكلّ منهما يزعم أنّها ملكه، ويكرر صيحة "الشومة لي" وقد اندمجت الكلمتان بفعل تقادم الزمن لتصبحا كلمة واحدة. ومن هنا جاءت تسمية مدينة الشوملي في محافظة بابل التي يقال إنها شهدت الواقعة أيام زمان. وتضيف الحكاية أنّ كلّاً من الطرفين جمع أنصاره، وشرع يقدّم أدلته على ملكيته، حتى ضاق متابعو الخلاف ذرعاً بما يحدث أمامهم، وطلبوا من شيخ العشيرة التدخل لإيجاد حل، وعندما عجز نصح أتباعه أن يدعوا الطرفين يتخاصمان، وألّا يزجّوا أنفسهم في المشكلة، لأن النتيجة بالنسبة لهم واحدة، ربح هذا الطرف أم ذاك.

ومشكلة العراقيين مع ساستهم من زعماء المليشيات وقادة الكيانات السياسية هي مشكلة أبناء العشيرة مع طرفي الخصام في الحكاية الشعبية، إذ إنّ كلّاً من هؤلاء السياسيين يسعى إلى مواصلة الاستحواذ على السلطة والمال والقرار، فيما يتفرّج مواطنوهم على اللعبة الماثلة أمامهم، والتي ستكون نتيجتها واحدة، انتصر هذا الطرف أو ذاك، وسوف يظل العراقيون يبحثون عن شربة ماء وحبة دواء وفسحة أمن وأمان، حتى يقضي الله أمراً.

وإذ احتكم أولئك الزعماء والقادة إلى "صناديق الاقتراع" وفق ما تقتضيه اللعبة الديمقراطية التي يزعمون إيمانهم بها، فإنهم عندما شعروا، عند ظهور النتائج، أنّ حسابات الحقل لا تطابق حسابات البيدر، وأنّ الأمر قد يجرّ إلى خسارة سلطتهم، ومحاسبتهم عما جنته أيديهم عقدين، تنكّروا لما وعدوا به واستلوا سيوفهم وراحوا يضربون يميناً وشمالاً، ويتبادلون الاتهامات والتهديدات بالقتل والتصفية بعضهم لبعضهم الآخر. وفي هذا السياق، لم يتورّعوا عن تدبير محاولة لاغتيال رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، لينفضح هذا النمط من السياسيين الذين ساقتهم الولايات المتحدة من الأزقة الخلفية لدول الغرب والجوار، حيث كانوا "يجاهدون" لتقذف بهم في عاصمة الرشيد، كي يحكموا بلداً عمر حضارته أكثر من ستة آلاف سنة، وقد فقدوا الآن أعصابهم لمجرّد خسارتهم بعض المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي أرادوا منها أن تعيد إنتاج سلطتهم على نحوٍ يرضي أحلامهم، وكشفوا عن إيمانهم المزعوم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وحتى عن عدم احترامهم للدستور الذي فصله على مقاسهم الأميركي نوح فيلدمان.

لحقت بكل هذه التداعيات، وكمحصلة طبيعية لها، حالة استعصاء قد تقود إلى العجز عن إنضاج عملية تشكيل حكومة فاعلة في وقت قصير، علق عليها ابعضهم ممن يُحسنون الظن بالأيام آمالهم الموؤودة.

ويدور الصراع الآن بين ما يسمّونه "الاطار التنسيقي"، وهذا يضم زعماء المليشيات والمصطفّين معهم الذي يسعون إلى إعادة انتاج "العملية السياسية" التي حكموا البلاد من خلالها طيلة السنين الماضية وقيام "حكومة توافقية" تعتمد المحاصصة الطائفية وتحافظ على امتيازاتهم وأرباحهم، و"التيار الصدري" الذي يدعو إلى تشكيل "حكومة أغلبية"، باعتباره الطرف الذي أحرز النسبة الأعلى من المقاعد في الانتخابات. ويعِد مقتدى الصدر زعيم التيار المساندين له بأنها ستكون "حكومة وطنية" لا تعتمد المحاصصة، وبأن يكون لها برنامج إصلاحي يركّز على محاربة الفساد، وتوفير الخدمات العامة، ورفض التدخلات الخارجية، ووضع السلاح بيد الدولة. ويبدو أن التوفيق بين الرؤيتين أصبح غير ممكن، في الحال الحاضر على الأقل. يُضاف إلى ذلك أن إيران، الراعية للأحزاب الشيعية، ليست في وضع يسمح لها بالانحياز المعلن لمعسكر المليشيات لأسباب عديدة، كما أنها لا تريد أن تنفض يدها من "التيار الصدري"، على الرغم من طروحاته التي لا ترتاح لها، ولأنّ قراءتها له توحي بأنّه أخذ يحتل حيزاً أكبر في الفضاء السياسي، إذ عرض التوافق مع ممثلي السنة، كما استقطب عدداً من الفائزين في الانتخابات من المستقلين، وحتى ممن يقدّمون أنفسهم من ثوار تشرين (أكتوبر 2019)، الذين لا يجدون ضيراً من التحالف مع الصدريين، على قاعدة أن "ليس بالإمكان أفضل مما كان".

ومهما يكن، سوف تكون الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت التي قد تعيد الوضع إلى المربع الأول، وقد تتصاعد التوترات والصراعات، لتأخذ طابعاً أكثر حدّة، ربما يفضي إلى استخدام السلاح، خصوصاً أنّ فصائل المليشيات ومعظم الكيانات السياسية تضع في أيديها مختلف أنواع السلاح، ومن ضمنه السلاح الثقيل، إلى درجة أنّ لدى بعضها طائرات مسيرة وصواريخ زودتها بها إيران، لاستخدامها عند الضرورة، وهذا ما يخشاه كثيرون.

 

 

حاشية في تداعيات

"الفرصة الأخيرة" للعراق

عبداللطيف السعدون

 

عندما يبارك الإيرانيون الانتخابات البرلمانية العراقية، ويعتبرونها "استمرارا للمسيرة الديمقراطية في العراق"، ويصفون ما أثير بعدها من جدل ومماحكات بين الكتل والأحزاب المشاركة فيها بأنه "شأن داخلي يخص شعب وأحزاب هذا البلد"، فهذا يعني أن العراقيين سيواجهون عواصف سياسية هوجاء، قد لا ينجو من مقاديرها أحد، وأن الإيرانيين لا يريدون أن يكونوا في الواجهة، ما دامت عقدة "الملف النووي" لم تحسم بعد. ولذلك تراهم يمارسون في طرح مواقفهم مما يجري لعبة "التقية"، تاركين لوكلائهم المحليين فعل المقتضى، بعكس ما كانوا يعلنونه في فترة سابقة، عندما كان رجلهم القوي، قاسم سليماني، يتحكّم في الملف العراقي، وفي حينها لم يتورّع عن التبجح بأنه وراء إنشاء "الحشد الشعبي" للدفاع عن بلاده. وواضح أنهم، في ظل الظروف المعقدة التي تحيط بهم، ليسوا على عجلة من الوصول الى هدفهم الأخير في إحكام هيمنتهم على العراق، وربما إعلانه ولايةً من ولايات "الولي الفقيه" كما يحلم بعضهم، إنما "رويدا رويدا وتتحوّل خيوط الصوف إلى سجادة" بحسب المثل الفارسي.

وقد رأينا مقدّمات تلك العواصف في تظاهرات "الفرصة الأخيرة" التي طوّقت "المنطقة الخضراء"، والتي نظمتها المليشيات "الولائية"، وأرادت منها إشعال النار في نتائج الانتخابات، وإسقاط حكومة مصطفى الكاظمي التي اتهمتها بتزوير نتائج الانتخابات، وسرقة أصوات الآلاف من الناخبين لصالح خصومها، وصولا إلى محاولة اغتيال الكاظمي، بعد ساعات من تهديد زعماء المليشيات علنا بتصفيته، ما يؤكّد النية السوداء لإدامة حالة عدم الاستقرار في العراق، بما يخدم توجّهات إيران في الإقليم، ويضمن لها بقاءها قوة مهيمنة على العراق، وساعية إلى توسيع هذه الهيمنة، كي تشمل دولا أخرى في محيطه.

ليس الإيرانيون على عجلة من الوصول الى هدفهم الأخير في إحكام هيمنتهم على العراق، وربما إعلانه ولايةً من ولايات "الولي الفقيه" كما يحلم بعضهم

وعبرت تظاهرات "الفرصة الأخيرة" في وجهها الآخر عن حالة إحباط ونكوص، عانى منها معسكر المليشيات، إثر خسارته المدوية في الانتخابات، وبعد أن انعقد ما يقترب أن يكون إجماعا عاما لدى العراقيين على رفض الهيمنة الإيرانية، والنظر الى "المليشيات" طابورا خامسا يخدم المشروع العرقي الفارسي، المتخفّي وراء الشعارات المذهبية. وزاد من حقدها ارتفاع صيحات ثوار تشرين أن "إيران برّه.. برّه"، ودفعها إلى الولوغ بدماء الثوار، والسعي إلى إسكات أصواتهم على النحو الذي عرفه العراقيون في العامين الماضيين.

وثمّة مفارقة برزت في هذه التظاهرات تدعم ما طرحه في السابق معنيون بالوضع العراقي، وهي اصطفاف "الحشد الشعبي" الذي يفترض أن يكون جزءا من القوات المسلحة العراقية إلى جانب "المليشيات الولائية"، ومشاركته بتظاهرات "الفرصة الأخيرة"، وتنديده بالقائد العام للقوات المسلحة، والتوعد بتصفيته، ما يشكّل خرقا للقوانين العسكرية يستوجب العقوبة، ويعزّز الانطباع القائل إن "الحشد" الذي أخذ أكبر من حجمه ليس سوى أداة في خدمة مخطّطات معادية للهوية العراقية وللأهداف الوطنية. ومفارقة ثانية، تبنّي مسؤولين في الحكومة، وفي كتل وأحزاب قائمة، تلك التظاهرات التي خرجت عن الإجماع الوطني بشعاراتها الطائفية، وبترويجها لغة العنف غير المبرّر.

وفي التداعيات أيضا محاولة بعض قيادات الجماعة السياسية الحاكمة النأي بأنفسهم عن محاولة الاغتيال، وقد كانوا إلى حد آخر ساعة يهدّدون بتصفية الكاظمي واثنين من مساعديه، لكنهم ما لبثوا أن استداروا مئة وثمانين درجة بعد فشل المحاولة، داعين إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى الفتنة.

ثمّة صراعات بدأت تظهر إلى العلن بين الأطراف المختلفة في العراق، ربما تجعل الوضع العام قلقا ومفتوحا على كل الاحتمالات

وهكذا فشل "سيناريو" الإقصاء والتصفية الذي أرادته المليشيات للكاظمي، وأدّى إلى عكس ما أرادوه، فقد سجل الكاظمي نقطة لصالحه، قد تخدمه في سعيه إلى تأمين حصوله على ولاية ثانية، وإن كان زعماء المليشيات سيعملون جهدهم للوقوف بوجهه. وبقدر ما انعكس فشل "السيناريو" الماثل على حظوظ المليشيات في استئثارها بموقع القوة والنفوذ الذي اعتادت التعامل من خلاله مع الآخرين، فإنه سوف ينعكس أيضا داخل "العملية السياسية" الماثلة نفسها التي تريد الجماعة الحاكمة إعادة إنتاجها. وثمّة صراعات بدأت تظهر إلى العلن بين الأطراف المختلفة، ربما تجعل الوضع العام قلقا ومفتوحا على كل الاحتمالات، وقد يدفع قوى إقليمية ودولية إلى التدخل لتأمين موطئ قدم لها في بلدٍ يحوي من عوامل الجذب الكثير.

يبقى السؤال الذي ننتظر الإجابة العملية عنه: كيف سيتصرّف الكاظمي تجاه المليشيات هذه المرّة، وهل سيكون حازما في اتخاذ ما ينبغي بعد أن وضح الدور الشرير الذي لعبته في محاولتها إغراق العراق بالدم، وبعد أن حصل على هذا الدعم الدولي الواسع الذي لم يسبق لحكومة سابقة عليه أن تناله؟

 

 

 

حاشية في انقلاب السودان

عبداللطيف السعدون

 

حكى الحاكم العسكري للسودان، عبد الفتاح البرهان، في مقابلة له على التلفزيون ذات مرة، أن أمه كانت قد قرأت له حظه وبشّرته بأنه سيصبح يوما رئيسا للبلاد. وقد دفعته، على ما يبدو، هذه "البشرى" إلى استعجال وصوله إلى سدّة الرئاسة، منقضّاً على رفاقه في السلطة الذين جاءت بهم قوى إعلان الحرية والتغيير، وملغيا المؤسسات التي أقرّها "الإعلان الدستوري" ومتعهدا لمواطنيه بإكمال "التحوّل الديمقراطي" خلال سنتين، يعرف المجرّبون أنها ستطول إلى ما شاء الله. بذلك يكون قد جمع السلطة من أطرافها ووضعها بين يديه، بعدما استنسخ تجربة سميه رئيس مصر، عبد الفتاح السيسي، وبعدها تجربة رئيس تونس، قيس سعيّد، و"مفيش حد أحسن من حد"!

وقد يكون البرهان، وهو في غمرة استعجاله، نسي أن لبلاده خبرة في الانقلابات العسكرية، إذ شهدت، منذ الاستقلال وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، كومة من الانقلابات، بعضها نجح وبعضها فشل، وتكاد كلها تحمل "الروزنامة" نفسها التي جاء بها البرهان. وعلى الرغم من هذه الخبرة العريضة، فإن أحدا من "العساكر" الكبار الذين خطّطوا لتلك الانقلابات أو وقفوا وراءها لم يتورّع عن التنكّر لوعوده والتنمّر على من جاء به إلى السلطة، وبقيت السودان في ظلهم تعاني من مشكلاتها المزمنة، الفقر والجوع والمرض، ولم يوفّق السودانيون في نيل حقوقهم في الحرية والديمقراطية والحكم العادل. ولذلك لم تتحقق عندهم القناعة بحكم العساكر عندهم، وهذا ما دفعهم إلى رفض انقلاب البرهان منذ يومه الأول، ونزلوا إلى الشوارع، معلنين العصيان المدني حتى رحيل الانقلابيين ووضع السلطة بيد قوى الائتلاف المدني.

رفض السودانيون انقلاب البرهان منذ يومه الأول، ونزلوا إلى الشوارع، معلنين العصيان المدني حتى رحيل الانقلابيين

الاستثناء الوحيد على تجربة "العساكر" السودانيين هي الفترة التي قضاها المشير عبد الرحمن سوار الذهب على رأس السلطة بعد "انتفاضة إبريل" منتصف الثمانينيات، ودامت سنة وافق على أن يمدّدها عشرين يوماً فقط بطلب من القادة السياسيين والنقابيين إلى حين إعلان نتائج الانتخابات وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، وكان أصلا قد تردّد، في البداية، في قبول ترؤس السلطة، إلا أن الضغط الشعبي دفعه للاستجابة، ولم يشأ أن يتشبّث بالكرسي و"يبرمج" طريق البقاء رئيساً أبدياً، كما فعل آخرون في غير عاصمة عربية، ممن لم يكتفوا بما فعلوه، إنما ظلت عيونهم على أبنائهم كي يورّثوهم السلطة!

وفي ضوء هذه المعطيات، يستقرئ المرء بحذر ما يمكن أن يدور اليوم في ذهن عبد الفتاح البرهان الذي لا تخطر في باله فكرة الاقتداء بتجربة سوار الذهب، لسبب بسيط، افتقاره حنكة الرجل وحكمته، كما قد لا يفكّر في التراجع عما فعله، بعدما أوقع نفسه في مأزق، الخروج منه صعب والبقاء فيه أكثر صعوبة. لكنه في الحالين سوف يكتشف، ولو بعد حين، أنه يشبه من يضرب حائطاً صخرياً على أمل تحويله إلى باب، إذ إنّ الباب الوحيد الممكن فتحه بأمان هو في إعادة الحياة إلى التشكيلة الدستورية التي أجهز عليها، وتسليم السلطة لقوى الائتلاف، واعتزال "السياسة" التي لن تورّثه، لو أصرّ على خوض غمارها، إلّا الندم!

يدرك البرهان أنه يسير على أرضٍ رمليةٍ تهب عليها الرياح من جهاتها الأربع

وفي أيّ حال، وقع البرهان في وهمٍ ظن أنه سوف يعينه في التقدّم نحو ما يأمله، ويتوافق في هذا مع مساعده محمد حميدتي، قائد مليشيا الجنجويد التي أصبحت تعرف باسم "قوات الدعم السريع" الموازية للجيش النظامي، والذي يحظى بدعم أطراف خليجية لم تشأ أن ترمي بثقلها وراء الانقلاب في الظرف الحاضر على الأقل.

وقد يكون البرهان فكّر في أن بصمات أصابعه على اتفاق التطبيع مع إسرائيل التي ما تزال طرّية ستوفر له إمكانية البقاء في القمة. وربما فكّر أيضا أن الأميركيين سرعان ما سيعيدون النظر في موقفهم الرافض للانقلاب، عندما يطمئنون إلى استقرار سلطته وثباتها، خصوصا أن عوامل جيوبوليتيكية يتمتع بها السودان قد تخفّف من غلوائهم، وتدفعهم إلى الاقتراب من حكومة الخرطوم، وهذا ما فعلوه مع حكومة السيسي في مصر، إلى جانب استعداد البرهان لتلميع صورة انقلابه، والسعي إلى استقطاب عناصر مدنية تعينه على ذلك، وهذا ما نلاحظه في التلويح بإمكانية إعادة رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، إلى منصبه، وكذلك الوعد بإعلان تشكيلة وزارية قريباً

يبقى أن يدرك البرهان أنه يسير على أرضٍ رمليةٍ تهبّ عليها الرياح من جهاتها الأربع، وهذا ما يجعل كلّ الاحتمالات واردةً وفي أيّ وقت.

 

اللعبة في العراق لم تنتهِ بعد

عبداللطيف السعدون

 

يقود أي حدثٍ يتعلق بالانتخابات العراقية، حتى لو كان عابرا أو صغيرا، إلى العودة الى جذور اللعبة التي بدأت مع الغزو الأميركي للبلاد وامتدّت. وليس ثمّة أي مؤشّر على أنها سوف تنتهي في القريب، وكل الطروحات المتفائلة التي جاء بها ناشطون سياسيون أو محللون لا تعدو أن تكون مجرّد شطحات خائبة. وتكمن جذور اللعبة هذه في عاصمتين بينهما ما صنع الحدّاد، واشنطن وطهران. وبالطبع، تريدان إبقاء العراق عالقا على امتداد الطريق بينهما، ولكلّ منهما رؤيتها ومصالحها ومطامعها، كما لكل منهما طابورها الخامس الذي يعينها ويمحضها الولاء، ويسعى إلى أن يحقّق لها ما تبغيه.
وإذا كانت "السياسة" مثل رغيف خبزٍ مغموسٍ باللعنة، كما وصفها أحد المفكرين، فان المواطن العراقي مضطر لازدراده ولو ببطء. هكذا هو واقع الحال، وقد وضح أن الذين أعطوا أصواتهم في الانتخابات أخيرا، والذين شاءوا مقاطعتها على حد سواء، تلقوا الجواب: "تريد أرنبا خذ أرنبا، تريد غزالا خذ أرنبا". أكّدت ذلك ثيمة الاجتماعات واللقاءات التي انعقدت بحضور قادة "العملية السياسية"، بمن فيهم "المخلصون الكذبة" الذين ظهروا والبراءة المصطنعة في عيونهم، لكنهم كانوا في قرارة سرّهم يعضّون على النواجذ، كي يبقى الحال على ما هو عليه، وربما يصبح أكثر سوءا. ووضح أيضا أن "المرجعية الشيعية" التي وجّهت بعدم انتخاب من خضع للتجربة تراجعت، وهذا ما ظهر في تسلّق "مجرَّبين" عديدين إلى مقاعد البرلمان المقبل، وعلى حدّ ما نقله عارفون بما وراء الأكمة، فإن أسماء "مجرّبة" طُرحت، ليكون واحدٌ منها رئيسا للحكومة المقبلة، وهذا يعني أن لا جديد تحت الشمس في الزمن الحاضر على الأقل، والوقائع تفضح النوايا.

اتهم "وكلاء إيران" "مفوّضية الانتخابات" بتزويرها، بالتنسيق مع قوى خارجية، ونظّموا حركة احتجاجاتٍ وعصيانٍ

وكما توافقت واشنطن وطهران على دعم "العملية السياسية" وإسنادها طيلة السنوات الماضية، وكلٌّ له حساباته، فقد توافقتا أيضا على مباركة الانتخابات الأخيرة، والتهنئة بهذا "المنجز الديمقراطي". وذكّر الأميركيون أصدقاءهم العراقيين بالشراكة الاستراتيجية التي جمعت بينهم، والتي قنّنتها "اتفاقية الإطار الاستراتيجي"، فيما أكّد الإيرانيون أن العلاقة مع جيرانهم العراقيين "قلّ نظيرها في العالم"، كما حصلت "العملية السياسية" على جرعة دعمٍ جديدةٍ من مجلس الأمن.
وعلى النقيض مما أعطته هذه البيانات، بدا للجميع أن "وكلاء" إيران من قادة المليشيات ذهبوا صوب توجّه معاكس، عندما اتهموا "مفوّضية الانتخابات" بتزويرها، بالتنسيق مع قوى خارجية، ونظّموا حركة احتجاجاتٍ وعصيانٍ في بغداد ومحافظات أخرى، معبّرين بذلك عن نزقٍ سياسيٍّ يكمن وراءه شعور بالخطر، والخوف من فقدان سلطتهم، سرعان ما تُرجم في جملة مطالب مرتبكة ومحدودة الأفق، تراوحت بين تنحّي مصطفي الكاظمي عن رئاسة الحكومة ومحاكمته، (وإحلال فائق زيدان رئيس الجهاز القضائي محله، على أن يجري انتخابات خلال ستة أشهر، بأمل إيصال أكبر عدد من مرشّحي المليشيات الى البرلمان) والاكتفاء بمحاكمة أعضاء مفوضية الانتخابات، المتهمين بالتزوير وإعادة الأصوات "المحجوبة" الداعمة لبعضهم. وأصاب الخبل بعضهم حد التهديد بقصف دولة الامارات بالصواريخ، لتدخلها في الانتخابات (!)، وقد وقفوا على أبواب "المنطقة الخضراء" لفرض تنفيذ "السيناريو" الذي رسموه، والذي هناك من اعتبره بدايةً لإسقاط الدولة، ووضع القرار السياسي بيد المليشيات، وهذا ما تعوّل عليه طهران كثيرا، على الرغم من موقفها المعلن في بيان التهنئة والتبريك الذي انكشف كونه نوعا من ممارسة "التقية" والتظاهر بعكس ما تريده. وعلى أية حال، فقد قوبلت تلك الطروحات من المواطنين العاديين بنوع من الإهمال والتجاهل، وربما التنديد أيضا، وهذا ما عكسه موقف زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي وصفها بأنها "تجرّ البلاد إلى الفوضى وتهدّد السلم الأهلي"!

زعمت قيادة هيئة الحشد الشعبي أنه لا يتدخل في الأمور السياسية، ومهمته "حماية النظام الديمقراطي" فقط

وفي خضم موجة ردود الأفعال المتشنّجة، بدت قيادة "الحشد الشعبي" على شيء من المكر عندما تنصلت من "السيناريوهات" المطروحة، إذ زعمت، بلسان رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، أن الحشد لا يتدخل في الأمور السياسية، ومهمته "حماية النظام الديمقراطي" فقط!
وهكذا تستمر اللعبة صعودا وهبوطا، ويستمرّ اللاعبون في إدارتها، وقد اكتسبوا الخبرة في تطويع من لم يطوّع بعد، ومن ورائهم قوى خارجية تهدف إلى حماية مصالحها، عن طريق إعادة إنتاج "العملية السياسية" الماثلة، والعمل على تدوير الزوايا بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر، مع تجنّب خوض الصراعات بطريقة المواجهة المباشرة، وإن كان ما ينتج سيكلف العراق والعراقيين خسائر أكبر وأكثر حدّة، ويمدّ في عمر التجربة الهجينة القائمة أربع سنوات أخرى، وربما أكثر.

 

عندما يصبح

الصدر "صانع ملوك"

عبداللطيف السعدون

 

يريد زعيم تياره في العراق، مقتدى الصدر، أن يقنعنا بأن مهمة حكومته "الأبوية"، كما أسماها، هي تنفيذ البنود التي أطلقها في "خطاب النصر" عشية ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية، ومعنى ذلك، لو صحّ، أنه سيشعل شمعةً في آخر النفق الطويل الذي عشنا في ظله عشرين عاماً. ولو فعل هذا حقاً يكون قد انتزع نفسه من غطاء إيران، ونأى بها عن "المليشيات" والأحزاب التي تدين بالولاء لولاية الفقيه، وتلتزم توجيهات طهران. لكن هل يفعلها الصدر، وهو "المجرَّب" مرّات، والمعروف بكثرة تناقضاته وسرعة تقلباته الزئبقية، والمشهور بإعلاناته الإصلاحية "الوطنية" التي يتحدّث عنها في الليل، ويتنصّل منها في النهار؟

ثم، هل يستطيع أن يطوي شعاره عن "تقوية الدين والمذهب"، وهو الشعار "الملغوم" الذي سعى إلى تكريسه عملياً منذ صنع، غداة الغزو الأميركي للبلاد، مليشيا "جيش المهدي" الطائفية التي ولغت بدماء مئاتٍ من علماء وأكاديميين ومهنيين وضباط الجيش السابق؟ ألا يحيلنا هذا الشعار إلى رؤية دينية - مذهبية ضيقة، تُنكر الآخر وتكفّره وترفض حقه في الاختيار. و"الآخر" في العراق متنوّع بحكم طبيعة البلاد التاريخية والجغرافية، وقد جمع الهويات الثانوية المختلفة وطن واحد وهوية موحِّدة (بكسر الحاء)، واختزال هذا التنوع التاريخي في دين أو مذهب يعني "اختزال" الوطن وتقسيمه وتشظيته وإلغاء المواطنة الحرّة المتساوية، ويضع في خانة الخصوم المفترضين كل من يعتقد بدين أو مذهب آخر غير ما يعتقد به الصدر؟

يعد الصدر بتصدّي حكومته للفساد وللفاسدين، وتأكيده على "أننا سنزيح الفساد بدمائنا"، ولكن ماذا عن فساد وزراء التيار الصدري؟

ولكي نوصل الصدر إلى باب الدار، كما كان يقول أجدادنا، دعونا نقرأ بعض ما ورد في "خطاب النصر"... يبلغنا الصدر أنّ أحد أهداف حكومته القادمة حل المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، وهو أول من حاول أن يشرعن سلطة المليشيات بدايات الغزو الأميركي، إذ أنشأ "جيش المهدي" ثم "لواء اليوم الموعود" وبعدهما "سرايا السلام"، وصولاً إلى "القبّعات الزرق" التي فتكت بثوار تشرين، وقتلت وأصابت العشرات منهم، وفي كل مرّة، يظهر الصدر لينكر ما فعلته تلك المليشيات بالناس، ويلقي المسؤولية على بعضٍ من مقرّبيه ويبعدهم عن حظيرته، لكنه سرعان ما يعفو عنهم بعد حين، ويعيدهم إليها، كيف يمكننا أن نصدّق، إذاً، وعده لنا، وفي ذاكرتنا تلك المشاهد السوداء المخضّبة بالدم، أما كان بإمكانه أولاً أن يبرهن على ذلك عملياً، فيُقدم على حل مليشياته، ويضع أسلحته بيد الدولة؟

أيضاً، يذكّرنا الصدر بحكاية "هيبة الدولة"، معبّراً عن حرصه على إعادتها، وهو واحد ممن سقطت "هيبة الدولة" على أيديهم، وباتت في خبر كان، والشواهد أكثر من أن تُحصى.

وبعد هذا يعدنا بتصدّي حكومته للفساد وللفاسدين، وتأكيده على "أننا سنزيح الفساد بدمائنا"، وماذا عن فساد وزراء التيار الصدري، الصحّة والكهرباء على وجه الخصوص، وقد انتشرت رائحة الفساد في الوزارتين، ولدى هيئة النزاهة بخصوصهما عشرات الملفّات "النائمة" التي لا يمكن لأحدٍ إيقاظها سواه، وقد دعاه مرّة برلمانيون لأن يتحمّل مسؤوليته، فيحاسب وزراءه الذين تورّطوا في عقودٍ أضرّت بمواطنيه، كعقود الكهرباء والأدوية وسواها، لكنه فضّل عدم الرد، وهو يعرف أن "الهيئة الاقتصادية" التابعة لتياره هي التي تتعاقد وتساوم وتشتري وتبيع. وبالطبع، لتياره حصة الأسد، وللآخرين حصصهم بالضرورة!

يسعى مقتدى الصدر عبر "فائض القوة" إلى فرض هيمنته على الفضاء السياسي

هذا كله غيضٌ من فيض، ولا يستطيع مقتدى الصدر أن يُنكره أو يتجاهله، لكنه يغضّ الطرف عنه، منطلقاً من "فائض القوة" الذي كسبه نتيجة اختلال موازين القوى وبروز معادلاتٍ زائفةٍ فرضتها "العملية السياسية" التي اخترعها الأميركيون بعد الغزو واستثمرها الإيرانيون، وساهمت أيضاً في ذلك "شعبويّته" المصطنعة في أوساط فقراء الشيعة الذين ما زالوا بعد عشرين عاماً على ولادة "العراق الجديد" يبحثون عن مقوّمات عيشٍ كريمٍ يليق بالبشر في بلدٍ لا يوفّر لهم سوى مواكب اللطم، والوعد بظهور المهدي الذي يجيء ولا يجيء!

عبر "فائض القوة" هذا، يسعى الصدر إلى فرض هيمنته على الفضاء السياسي، جاعلاً من حميه الصدر الأول (محمد باقر) مرجعاً مقدّساً ليس لأسرة الصدر نفسها فحسب، ولا لفريقٍ من أبناء المذهب الشيعي، لكن للناس كلهم من آمن ومن لم يؤمن، ويتوكأ الصدر على تاريخ أسرته كي يكتسب القداسة التي يريدها ممتدّة له، والتي لا تسمح بخروج أحدٍ على طاعته، كما تكرّس الإيمان به زعيماً دينياً، وأيضاً زعيماً لحركة سياسية وصانعاً للملوك، والمهمة الأخيرة هي التي جنّد نفسه لها اليوم، فهل ينجح في أدائها أم يجد لنفسه مخرجاً في خطابٍ جديدٍ ينسف ما قبله؟

 

انتخابات العراق ..

إيران الرابح الأكبر

عبداللطيف السعدون

لم يقف العراق، منذ الغزو الأميركي، بعيدا عن جارته اللدود إيران، بل كان، على الدوام، متماهيا مع سياساتها، مذعنا لتوجيهاتها (اقرأ: أوامرها). وكانت من جانبها تطمع بأكثر من ذلك، وتسعى إلى أن يكون العراق تابعا لها، ولم تتردّد في إعلان رغبتها هذه، بل لم تكن تُنكر خططها الشرّيرة تلك، وقد اعتبرت بغداد إحدى عواصمهان كما كشفت متبجّحة أن "الحشد الشعبي" أحد الجيوش التي أنشأتها خارج حدودها الدولية، بهدف حمايتها والدفاع عن مشروعها الامبراطوري. وقد عملت بدأبٍ على استمالة كل رجال الطبقة الحاكمة، ووضعتهم في إمرتها، بمن فيهم من حاول أن ينأى عنها، لكنها استطاعت أن توقعه بشباكها إنْ بالترغيب أو بالترهيب، كما استخدمت الورقة الطائفية، كي تخدع الآلاف من البسطاء والسذّج من العراقيين، وتلحقهم بركابها.

واليوم وقد انقضى ما يقرب من عقدين على الغزو الأميركي للبلاد الذي ترافق مع الهيمنة الإيرانية المباشرة، وإذ يجرّ الأميركيون خيولهم لينسحبوا من أرض العراق، فإن الإيرانيين ينظرون إلى هذه الخطوة أنها نقطة تسجّل لصالحهم، في وقتٍ تشهد فيه انتفاضة/ ثورة تشرين حالة انكفاءٍ، على خلفية عدم تمكّنها من الحفاظ على زخمها الأول، على الرغم من أنها أعطت مئات الضحايا من شهداء وجرحى ومعوقين، وأن هدفها في "استعادة الوطن" استقطب فئاتٍ عريضةً من مواطنيها الذين اكتشفوا فيها ما يعبّد الطريق نحو الخلاص من الاحتلال والهيمنة.

تبلغنا الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الحالي أن ليس في الإمكان التقدّم خطوة واحدة على طريق التغيير الشامل الذي أراده الثوار

وإنه لأمرٌ لافتٌ أن تبلغنا الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الحالي أن ليس في الإمكان التقدّم خطوة واحدة على طريق التغيير الشامل الذي أراده الثوار، وقد آن الأوان للذين راهنوا على قدرتهم على الفعل، وشاركوا في لعبة "صناديق الاقتراع"، أن يدركوا أن "وكلاء" إيران ركبوا الموجة، وحوّلوا مطلب "الانتخابات المبكّرة" الشعبي إلى خطة عمل لإعادة إنتاج "العملية السياسية" التي جاء بها الأميركيون، مع بعض التشذيب الذي تتطلبه المرحلة، وكان أن هندسوا وخطّطوا وتابعوا وأشرفوا على "الطبخة الانتخابية"، كي يضمنوا بقاء سيطرتهم على مواقع السلطة والمال والقرار أربع سنوات أخرى، وقد جنّدوا أتباعهم ومريديهم كي يحكموا الطوق. وهكذا استطاعوا، وفي غياب مشروع وطني فاعل، أن يوصلوا إلى قبة البرلمان الوجوه الكالحة نفسها التي سامت مواطنيهم سوء العذاب، وحرمتهم من أبسط مقوّمات الحياة الكريمة، وباعت سيادة البلاد لقوى خارجية، على حساب استقلال البلاد وحرية أبنائها، وحقّقت "الصناديق" لإيران ما كانت تحلم به، وقد أصبحت "الرابح الأكبر" على حساب العراق والعراقيين.

وهكذا ضاقت النازلة واستحكمت حلقاتها، ولم يأتها الفرج، لا من هذا الطرف ولا من ذاك، ولم تعد لعبة "صناديق الاقتراع" ذات جدوى لحل أزمة النظام، ولتفكيك "العملية السياسية" التي استقوت بحكم الهيمنة الإيرانية على مؤسسات الدولة ومقادير الناس، وتأكّد نفاذ بصيرة "المقاطعين" الذين رأوا أن من المحال حدوث تغييرٍ في ظل المعادلات التي فرضها نظام الاحتلال والهيمنة.

التغيير المطلوب لن يأتي من تلقاء نفسه، وحتى أشكال التغيير التقليدية التي بشّرت بها "الأيديولوجيات"، فإنها لم تعد قابلةً للرهان

هنا يتكرّر طرح السؤال التاريخي البسيط: ما العمل اذن، وهل هناك ما يوحي بأن ضوءا، ولو خافتا، سوف ينبثق في آخر النفق، بما يمكن أن يشيع الأمل بأن التغيير قادم حتما، وإن طال انتظاره؟ ثمّة حقيقة لا تقبل النقاش، أن التغيير المطلوب لن يأتي من تلقاء نفسه، وحتى أشكال التغيير التقليدية التي بشّرت بها "الأيديولوجيات"، فإنها لم تعد قابلةً للرهان، والعمل المسلّح في بلد مثل العراق، وفي ظل أوضاع دائمة السيولة على المستويين، الإقليمي والدولي، لا يمكن أن يكون خيارا عمليا بعدما اختلط بمفهوم "الإرهاب"، وتوغلت امتداداته في حروب الطوائف. ولكن لنا أن نتعلّم من المفكر الباراغواني، إدوارد غاليانو، أن الأرض واعدةٌ دائما بأشكال وصيغ جديدة للتغيير لم نألفها من قبل، ولم تعرفها مخيلتنا قط، حيث "التاريخ يتقدّم مع خطو أقدامنا، لكنه يمشي أحيانا ببطء، وقد لا يأتي التغيير من أعلى، إنما قد يأتي من الأسفل، وسوف يجد طريقه عاجلا أو آجلا، وبالسرعة التي يرتئيها. إنه يولد على خطوات أقدامنا".

هكذا، إذن، يمكن أن يتغيّر العراق بشرط أن نضع خطواتنا بثباتٍ على الأرض، فالسماء لا تمنح بركاتها جزافا، والنازلة التي حلّت بنا واستحكمت حلقاتها، ولم يأتها الفرج، لا تزول بدعائنا فقط، إنما بعملنا أيضا، ولا يساعد الله الذين لا يساعدون أنفسهم.

 

 

عن "زوبعةٍ" لم تهدأ بعد

عبداللطيف السعدون

سبع مقاربات لافتة فرضت نفسها على خلفية مؤتمر أربيل الداعي إلى التطبيع مع إسرائيل تستدعي إمعان النظر. أولاها أن اثنين راودتهما فكرة هذا المؤتمر ووضعا خطّته، حيمي بيريس، ابن الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريس، وهو يدير "مركز بيريس للسلام والابتكار" الذي أسسه والده بغرض "ضمان قيادة إسرائيل كقوة تكنولوجية ذات قيم (...) وبناء جسور السلام" وجوزيف برود، يهودي من أصل عراقي، يدير "مركز اتصالات السلام" ومقرّه نيويورك. طبخا فكرة المؤتمر، في ما يبدو، على نار هادئة، لم يصل دخانها سوى إلى من شارك فيه، و"أعلن بكل قوة وضمير أنه راغب في الدخول في إطار السلام الإبراهيمي، بما فيه السلام الشامل مع إسرائيل"، والتعبير لبرود نفسه. ومنطقيا، لم يعمل الرجلان وحدهما في التحضير لهذا المؤتمر، إذ من الطبيعي أن يكون هناك طرفٌ أو أطرافٌ عراقية فاعلة قد شاركت، لكنها فضّلت أن تبقى في الظل، في الوقت الحاضر على الأقل.

ومقاربة أخرى، أن المؤتمر رفع شعار "السلام والاسترداد"، وإذا كانت مقولة "السلام" معروفة المعنى والهدف، فان كلمة "الاسترداد" تشي بغموض مقصود لتغطية الدعوة الى التطبيع.

رفع المؤتمر شعار "السلام والاسترداد"، وإذا كانت مقولة "السلام" معروفة المعنى والهدف، فان كلمة "الاسترداد" تشي بغموض مقصود لتغطية الدعوة الى التطبيع

ومقاربة ثالثة، إعلان الناطقة باسم المؤتمر، سحر الطائي (باحثة في وزارة الثقافة)، وعلى نحو صارخ، أنه "لا يحق لأية قوة، سواء كانت محلية أم خارجية أن تمنعنا من إطلاق هذا النداء". والمعنى الذي يحمله هذا الصراخ أن جهة تشكّل مصدر قوة وفعل وحماية تقف وراء كل هؤلاء "المطبّعين"، وأن الأيام المقبلة ستكشف ما هو مستور الآن!

ومقاربة رابعة، ظهور أحد قادة "الصحوات" التي أنشأها الأميركيون في مواجهة المقاومة الشعبية للاحتلال في المؤتمر، وسام الحردان، ودعوته إلى "الانضمام إلى اتفاقات إبراهيم والتطبيع مع إسرائيل" وإعلانه تراجعه، في اليوم التالي، قائلا إن الكلمة التي ألقاها كتبت له، ولم يكن يعرف مضمونها، واصفا التطبيع بأنه "متروك للحكومة" وأنه يدعو فقط إلى إعادة الجنسية لليهود العراقيين التي سحبت منهم في حينه!

ومقاربة خامسة، في ظهور علامات استفهام تخصّ تورّط دولة الإمارات في دعم المؤتمر، ومشاركتها "الناعمة" في التحضير له. وبالطبع، إسرائيل هي الداعم الأكبر، ومعها الولايات المتحدة.

علامات استفهام حول تورّط دولة الإمارات في دعم المؤتمر، ومشاركتها "الناعمة" في التحضير له

والمقاربة الأخيرة التي قد تُجهض أية خطوة لاحقة يحلم بها الداعون إلى التطبيع هي ردود الأفعال على المستوى الشعبي، الرافضة والمستنكرة، والتي امتدت لتشمل مسؤولين حكوميين وسياسيين وقياديين في أحزاب السلطة وشيوخ عشائر، لكن موجة رفض "رجال السلطة" مرّت، في البداية، على استحياء، ثم تصاعدت وتيرتها بفعل الضغط الشعبي، متوعدة، وداعية إلى فرض عقوباتٍ على كل من خطّط أو شارك أو حضر. وعلى هامش موجة التنديد والشجب هذه، تبودلت الاتهامات بين هذا الطرف وذاك، ووصلت إلى حد أن نائبا سابقا فضح ما سماها "وثيقة"، قال إنها طرحت، في مؤتمر لندن السيئ الصيت الذي عقده معارضو صدّام حسين في العام 2002، تعهّد الموقعون عليها بتبنّي فكرة الصلح مع إسرائيل مقابل إقدام الولايات المتحدة على وضعهم على رأس النظام الجديد. وأورد أسماء 87 ناشطا معارضا، قال إنهم وقّعوا على الوثيقة، ومعترفا أنه كان واحدا منهم. ووجّه برلماني آخر اتهاما مباشرا لسياسيين قال إنهم زاروا إسرائيل، وبينهم من تعاقد على مشاريع استثمارية فيها، بحسبه.

وعلى أية حال، لنا أن نسجل "فضيلة" واحدة على الأقل لمؤتمر أربيل، أنه حفّز ناشطين سياسيين ومثقفين للعمل على عقد مؤتمر مضادّ يؤسّس لمنصةٍ تظل في حالة انعقاد دائم لمناهضة التطبيع، وإجهاض كلّ توجّه يهدف إلى الصلح مع العدو، والتضامن مع أبناء فلسطين الذين يناضلون من أجل تحرير أرضهم، كما كان مناسبةً لأن تستعيد الذاكرة ما سطّره العراقيون من صفحاتٍ على امتداد تاريخهم الحديث في دعم قضية فلسطين ومساندة أهلها.

وسواء أراد مرتكبو "زوبعة" التطبيع من العراقيين الحصول على رضا جهاتٍ تضمن لهم الربح "الحرام"، أو كان الهدف مجرّد جسّ نبض من بيده القرار، أو معرفة الشعور العام لدى الناس العاديين، فإنّ الجهات الفاعلة، صاحبة الفكرة والتخطيط، لن تتخلّى عما تريده بسهولة. ومن المتوقع أن تقدم على خطواتٍ أكبر وأكثر، وهذا ما أراد أن يقوله وزير التعاون الإقليمي في حكومة إسرائيل، عيساوي فريج، الذي قال، في تصريح لافت له، إنّ العراق سيكون الدولة التالية التي قد تطبّع علاقاتها مع تل أبيب.

هذا كلّه يستدعي الحذر والترقب.

 

 

عن "نكتة"

استرداد الأموال المنهوبة

عبداللطيف السعدون

ليس ثمّة غرابة في أن يثير "مؤتمر استرداد الأموال المنهوبة" الذي احتضنته بغداد قبل أيام كل هذا الفيض من التعليقات الساخرة، والنكات اللاذعة الطريفة، في مواقع التواصل، وعلى ألسنة العراقيين الذين وجدوا فيه مادة للتندّر وقضاء الوقت، وسط فصل طقس حار طال مكوثه عندهم، كما ليس ثمّة غرابة في أن يتصرّف "حيتان" الفساد الكبار، وكأن الأمر لا يعنيهم، إذ يتسابقون على الترحيب بالمؤتمر، وفي إزجاء طروحات وحلول لما يرونه مناسباً لأحوالهم ولذرّ الرماد في عيون "الحسّاد" الذين يلاحقونهم، ومنهم من حضر بعض جلساته، مصغياً ومتابعاً بحرارة، ومطمئناً لما يمكن أن يسفر عنه، في حين أن "المؤتمر" لم يكن أكثر من "نكتة" موسم طازجة بامتياز، وقد لحق بسلسلة مؤتمرات "علاقات عامة"، ابتكرها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، جديدها "مؤتمر قمة بغداد لدول الجوار" الذي دخل التاريخ الميت، كما مؤتمرات قبله. ولكن فضيلة واحدة تظل لمؤتمر اليوم؛ أنه كشف حجم الأموال المنهوبة من العراق طوال عقدين، والتي قدّرها تقرير رسمي من داخل المؤتمر بثلاثمئة وستين ملياراً من الدولارات، فيما يقول خبراء ماليون معنيون إنها تصل إلى أكثر من تريليون دولار، وهو ما يساوي ميزانيات دول عديدة. ووصفت "تغريدة" ساخرة على موقع "تويتر" المؤتمر بأنه أحد إنجازين مهمين، اقترفهما الكاظمي في الأسبوع الأخير. الثاني اجتماعه المفاجئ مع المطرب حسام الرسام، حيث كلّف الأخير بإنجاز أغنية لدورة كرة القدم الخليجية التي تستضيفها البصرة العام المقبل.

أشكال مبتكرة لنهب المال العام لا يمكن رصدها أو التثبت من مجرياتها، كونها تعتمد على فتاوى "شرعية"

إشارة لافتة برزت في جلسات المؤتمر، وهي الإعلان عن نجاح هيئة النزاهة في استرداد ما يقرب من أربعين مليون دولار من الأموال المنهوبة، أي ما يساوي قطرة صغيرة في بحر هذه الأموال. ما يعني أن ما استردّ هو ما نهبته "حيتان" صغيرة لا حول لها ولا طول، أما "الحيتان" الكبيرة، وهي معروفة ومشخّصة، فقد ظلت خارج المساءلة القانونية، وإذا ما جرى الحال على هذا المنوال، وحتى لو خلصت النيات، فإننا نحتاج عقوداً، ربما قرناً، كي نسترد المال كله، وقد ألقت الحكومة بفشلها في هذا الجانب على "عدم توفر تعاون دولي"، ودعت إلى تكوين "جبهة ضاغطة على المجتمع الدولي" لاسترداد ما نهب.

إشارة لافتة أخرى من "هيئة النزاهة" أنها أصدرت ما يقرب من ثلاثمئة أمر قبض واستقدام بحق وزراء ونواب وذوي درجات وظيفية خاصة، إلا أن هذه الأوامر لم تفعّل بحكم امتلاك بعضهم "الحصانة" التي توفرها لهم مناصبهم، أو لأن بعضهم الآخر يتمتّع بحماية مليشيات أو أحزاب معينة، لا تمكّن حتى رجال القانون من الاقتراب منهم.

تظل طامة كبرى، وهي أن هناك أشكالاً مبتكرة لنهب المال العام لا يمكن رصدها أو التثبت من مجرياتها، كونها تعتمد على فتاوى "شرعية"، تضمن للفاعلين الحرية التامة في وضع اليد عليها والتصرّف بها، لأن "المال العام مجهول المالك وليس له صاحب، وشرعية التصرف به بوضع اليد عليه ودفع الخمس للمرجع". وقد استغل بعض ولاة الأمور تلك "الفتاوى" المزعومة في ترتيب عمليات مشبوهة، لتهريب كميات من النفط إلى خارج البلاد، وبيعها في السوق السوداء، أو الاستحواذ على واردات المنافذ الحدودية، وتردّدت أسماء أحزاب ومليشيات وشخصيات سياسية كونها تقف وراء تلك العمليات.

يمكن استرداد معظم ما نهب من مال، عبر تفعيل قانون الكسب غير المشروع، ورفع الحصانة عن الرؤوس التي تدير عمليات الفساد والإفساد

أما القضاء العراقي فقصته قصص، وليس قصة واحدة، فهو تابع، بحكم الأمر الواقع، لمشيئة السياسيين النافذين، ويعمل وفق مبدأ "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، ألم يأتكم خبر القاضي الذي حكم على الطفل مصطفى وجدان بالسجن لسرقته أربع علب مناديل ورقية، فيما برّأ ساحة "حيتان" كبار سرقوا الملايين؟ أما سمعتم بحيتان آخرين حامت حولهم الشبهات في عقود توريد السلاح، والكهرباء، وجولات التراخيص النفطية هربوا خارج البلاد، وحكم على بعضهم غيابياً، ثم عادوا معزّزين مكرّمين بموجب قرارات عفو، وعفا الله عما سلف؟

هنا تطل الحقيقة برأسها بلا مؤتمر وبلا بطيخ، وبلا تكاذب متبادل بين اللصوص وحُماتهم من أحزاب ومليشيات ومافيات. هنا يمكن أن تدقّ الأجراس، وبخطوات بسيطة سريعة ومعلنة، يمكن استرداد معظم ما نهب من مال، عبر تفعيل قانون الكسب غير المشروع، ورفع الحصانة عن الرؤوس التي تدير عمليات الفساد والإفساد، وتشكيل هيئات قضائية مستقلة، لإنجاز هذه المهام في مدّة محدودة، ووفق ضوابط قانونية تحقق العدل، ولا تظلم أحداً.

ومن دون ذلك، سنظل نسمع جعجعةً ولا نرى طحناً!

 

 

حاشية في

انتخابات برلمان العراق

عبداللطيف السعدون

 

لا يختلف اثنان من العراقيين، إذا استثنينا حفنة رجال الطبقة السياسية الحاكمة ومريديهم، في إدراك أن لا شيء جذريا سوف يتغير بعد العاشر من الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول)، موعد إجراء الانتخابات البرلمانية الموعودة، وأن "غودو" لن يجيء. وسوف يبقى الحال كما الآن، لأن الذين يعيدون إنتاج "العملية السياسية" الماثلة جاثمون على صدورنا على مدار الساعة، مثل حجارةٍ صلبةٍ لا تتعرّض للتفتيت، لمجرّد أننا نضرب عليها برفق. لكن ما دمنا في الأيام القليلة التي تسبق الحدث، فلا بأس من أن نضع أيدينا، مرة أخرى، على الجراح التي أدمت قلوبنا وعقولنا عقدين، وأن نضع بعض الأفكار والملاحظات، ليس أمام من يدرك حقائق المرحلة ويعرف أبعادها، بل أمام الرؤوس التي لا تزال تُحسن الظن بنيات رجال الطبقة الحاكمة. وحسن الظن في هذه الأيام معجزةٌ لا يمكن اجتراحها بسهولة. وقد نصحنا، في سالف الأزمان، الطغرائي صاحب "لامية العجم"، بعدما عاش أياما صعبة مثلنا، نصحنا أن لا نظن خيرا بالأيام، إنما نظن بها شرّا، ونكون منها على وجل!

وإذ تابعنا سجالات ووجهات نظر ظهرت في صحف وفضائيات ومواقع تواصل، ورصدنا ما تفوّه به من يدين بالولاء لهذا الحزب أو تلك المليشيا، أو من هو مرتبط بذاك "الزعيم" أو حتى من "ناشطين" مزعومين أو "محللين" يدارون لقمة عيشهم، لم نلمس ما يشكّل خيط أمل في أن يفكّر أحدٌ من رجال الطبقة الحاكمة أو اللائذين بها من العمل على تغيير الحال الذي يعاني منه مواطنوهم، أو أن يسعى إلى إيقاد شمعةٍ في آخر النفق الطويل، أكثر من ذلك ذكّرنا مسلكهم الشائن هذا بالمقولة السوداء التي أطلقها إبّان ولايته الأولى، نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة، أن "ما ننطيها"، أي أننا غير مستعدّين للتراجع عن مبدأ "القبض على السلطة"، وسنعضّ عليها بالنواجذ. وقد استقرّت تلك المقولة في أذهان كل رجال الطبقة التي حكمت العراق عقدين، بمن فيهم من رفع شعارات "وطنية" أو أقام مؤتمراتٍ "تاريخية"، لتغيير الحال، ثم نراه وضع ذلك كله وراء ظهره، وكشف عن حقيقة أمره عند صياح الديك، باحثا عن بقايا موائد من كان خصما لهم.

أمرٌ محبط أن نرى الازدراء اللامتناهي من رجال الحكم للإرادة الشعبية التي طالبت بالتغيير الجذري والشامل الذي يُنقذ البلاد

وإنه لأمرٌ محبط أن نرى هذا الازدراء اللامتناهي من رجال الحكم للإرادة الشعبية التي طالبت بالتغيير الجذري والشامل الذي يُنقذ البلاد، ويستعيد الوطن الذي اغتصبه الأفّاقون واللصوص وسدنة الأجنبي، وأن يلتفّ هؤلاء حول مطلب "الانتخابات المبكرة"، ليفرغوه من معناه، ويحوّلوه إلى سلاح بأيديهم، مع أنه واحد من حزمة مطالب متكاملة، طرحها الحراك الشعبي الذي دعا إلى حكومةٍ انتقالية، تتولى محاكمة قتلة الثوار، وحصر السلاح بيد الدولة، وحل المليشيات، ومكافحة الفساد، ووقف نهب المال العام، وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين، وتوفير الخدمات العامة، والتحضير لانتخابات مبكّرة، نزيهة وشفافة وحرّة، لكن تلك المطالب انحسرت عن ذاكرة كثيرين. وفي مقابل ذلك، وجدنا إصرارا على ادامة الحال، والسعي إلى إعادة إنتاج "العملية السياسية" الطائفية التي شرعنها الأميركيون، واستثمرها الإيرانيون في فرض هيمنتهم. وسمعنا مزاعم متحدّية أنه إذا كان هناك من يريد إسماع صوته وعرض مطالبه، فعليه أن يشارك، وأن يعطي صوته لمن يشاء، مساهما في إرساء لبنةٍ في ما يسمونه "البناء الديمقراطي" الذي هو غير موجود أصلا. وهذا نموذجٌ لتبريرات واهية، وخدع مضللة، غرضها تكريس الوضع الحالي، وإعادة إنتاجه مع بعض الرتوش والأصباغ التي تضمن إضفاء "صدقيةٍ" كاذبةٍ قد تملأ عيون بعض من يراقب من معنيين إقليميين ودوليين، وحتى من "مواطنين" بسطاء، يقترفون معجزة حسن الظن بأيامهم التي أورثتهم النكد والمرض وسوء الحال. والمثال القريب عن انخداع معنيين "دوليين"، جينين بلاسخارت، ممثلة الأمم المتحدة في العراق التي لعبت دورا "هجينا"، عندما أعطت دعمها العملية الانتخابية، اعتمادا على وعود زائفة لمسؤولين، مع أنها كانت تحدّثت أكثر من مرّة عن اشتراطاتٍ ينبغي أن تتوفر لجعل العملية إياها "نزيهة وشفافة وعادلة"، وهي تعرف، وهذا من واجبها، أن الحد الأدنى من "النزاهة والشفافية والعدالة" لم يتوفر، ولن يتوفّر، ما دام القابضون على السلطة فيهم الخصام، وهم الخصم والحكم.

وهكذا يكتمل بناء "السيناريو" الذي سوف يبقينا في قعر الهاوية سنواتٍ أربعا أخرى، إلا إذا انقلب السحر على الساحر..، من يدري.

 

 

وزير صدّام الذي

سُجن بقرار إيراني

 

عبد اللطيف السعدون

 

وضعت أميركا، عندما قرّرت غزو العراق، لطيف نصيف جاسم، الوزير الأقرب إلى صدّام حسين في التسلسل (18) في قائمة الـ55 المطلوبين لديها، ويمثلون الصف الأول من رجال صدّام، واعتبرت اعتقالهم أولوية قصوى. وأظهرت صورته على ورقة اللعب (10) لتعريف جنودها به، وقد اعتقل بعد شهرين من الغزو. وعندما هيمن الإيرانيون على القرار الأمني في عهد حكومة نوري المالكي الأولى، وكان لقاسم سليماني، المشرف على الملف العراقي في القيادة الإيرانية، الدور الرئيس في التأثير على قرارات المحاكم العراقية، بالأخص التي تتعلق برجال صدّام الذين تنظر إليهم طهران بعداء وحقد، كان نصيب لطيف نصيف جاسم أن يُحكم بالسجن مدى الحياة أمام محكمة خاصة، بتهمة "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية" مع أنه حُكم أولا بالبراءة "لعدم توفر الأدلة". وقد تعرّض لتعذيب شديد ومعاملة قاسية 18 عاما في "سجن الحوت" السيئ الصيت، وسبّب له ذلك جلطات عدة، وكذلك فقدان النطق وعدم القدرة على الحركة، ولم ينل رعاية طبية تذكر سوى في أيامه الأخيرة، إذ استجاب رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لمناشدة أبنائه بضرورة توفير رعاية له، لكنّ القدر شاء أن يرحل لطيف نصيف جاسم إلى جوار ربه، وهو في وضع مأساوي لم يفد معه نُطُس الأطباء.

ويتذكّر بعض معارفه أن أحدهم سأل مسؤولا عراقيا، في جلسة خاصة قبل أكثر من عام، عن إمكانية إطلاق سراحه بعد كل تلك المعاناة، وكان رد المسؤول أنّ "قرار بقاء لطيف نصيف جاسم في السجن ليس قرارنا"، وعُرف عندئذ أنّ القرار إيراني، وأنّ طهران ناقمة عليه، وعلى آخرين مثله من رجال صدّام، ما زالوا في السجون.

حين سأل أحدهم مسؤولا عراقيا عن إمكانية إطلاق سراحه بعد كل هذه السنوات، كان الرد أنّ "قرار بقاء لطيف نصيف جاسم في السجن ليس قرارنا"، وعُرف أنّ القرار إيراني

والسؤال هنا عن "الرمزية" التي امتلكها هذا الوزير، وجعلت الإيرانيين يضمرون له كل هذا الحقد، ولم يطيقوا بقاءه حرّا طليقا، حتى وهو في آخر أيامه، مع أنه لم يرتكب جرما يطاوله القانون، لكن ما هو معروف أن طهران تنظر إليه أنه المسؤول الأول عن قيادة "جيش" من الأدباء والفنانين والمثقفين، زجّهم في حملات إعلامية ساهمت في إشاعة الوعي لدى جماهير واسعة من العراقيين، وتعريفهم بطبيعة الصراع بين إيران والعراق، ورؤية "الثورة الإسلامية" المذهبية المتطرّفة التي ظهر مشروعها العرقي إلى العلن في مرحلة لاحقة. ويسجل هنا نجاح لطيف نصيف جاسم في إرساء منهج للإعلام العراقي في مرحلة صعبة ومعقدة، هي مرحلة الحرب التي دامت أكثر من ثماني سنين، وإنْ شابت ذلك المنهج أخطاء عديدة، وبعضها فادح، ومنها التوكؤ على مروياتٍ تاريخية مريضة، لم تسلم من الشد والجذب.

لطيف نصيف جاسم، وبغض النظر عن اعتراضات بعضهم عليه، وعلى منهجه في إدارة ماكينة الإعلام العراقي في حينه، أو حتى على تمسّكه بطروحات صدّام ودفاعه عنها، لم يكن وزيرا تقليديا بالمفهوم المتعارف عليه، فقد كان شخصية شعبية، وهو القادم من الريف، لكنه استطاع أن يتفاعل مع ما يحيط به من مؤثّرات صقلت شخصيته، وأمدّته بكثير مما يحتاجه، كي يتقدّم في إدارة المؤسسات الإعلامية والثقافية، معتمدا على مجموعة من المثقفين والأدباء الذين عملوا معه طوال سنوات الحرب، وبينهم من لم يكونوا "بعثيين". وكان نتاج تلك المرحلة مزهرا، مهرجانات شعرية، ومؤتمرات أدبية وفكرية، ومعارض فنون، وكتب ومجلات، ومسرحيات وأفلام سينمائية، وغناء وموسيقى، إلى آخر ضروب النشاط الإنساني الذي يؤسّس لمجتمع كان الجميع يحلمون به.

 تنظر طهران إلى لطيف نصيف جاسم أنه المسؤول الأول عن قيادة "جيش" من الأدباء والفنانين والمثقفين، ساهموا في بلورة الوعي بطبيعة "الثورة الإسلامية" المذهبية المتطرّفة

والحديث عن مسيرة الوزير جاسم يجرّنا إلى ثبيت حقيقة أنه ليس سوى واحد من عشرات من مسؤولي نظام صدّام وعسكرييه، كتب عليهم أن يقضوا حياتهم في السجون، ومثلهم آلاف من الناشطين السياسيين المعارضين للهيمنة الإيرانية الذين حُكم عليهم بقراراتٍ جائرة، وآن لهم أن ينالوا حريتهم، وأن يشملهم عفو عام، خصوصا إذا كان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي يريد فعلا أن يؤسّس لوضع جديد، كما وعد أكثر من مرة، وأن يُجري انتخاباتٍ حرّة ونزيهة حقا، ومفتاح أيّ عملية سياسية ديمقراطية هي العفو عن الخصوم السياسيين، ومنحهم حريتهم في العيش في بلدهم بكرامة وأمان، وحتى السماح لهم بممارسة العمل السياسي. نقول هذا ونحن ندرك أن الكاظمي لا يمكنه الخروج على "الإملاءات" الإيرانية التي تفرضها هيمنة إيران الشريرة، وفق مبدأ "الأمر الواقع"، وكصفحة من صفحات مشروعها الطائفي العرقي الإمبراطوري، لكن لا شيء يدوم أبدأ.

 

 

ما قبل مؤتمر بغداد وما بعده

عبد اللطيف السعدون

 

لم يعد سرّا أن فكرة عقد مؤتمر إقليمي في بغداد لم تكن في الأساس مبادرة شخصية من رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، كما قيل في البداية، إنما هي فكرة أميركية، أرادت واشنطن من خلالها تأهيل العراق للعب دور قيادي في المنطقة يخدم مصالحها، ويعمل على تجاوز حالة الاستعصاء في العلاقات بين دول المنطقة. وقد يفضي، في قابل الأيام، وعبر مؤتمرات أخرى، الى إقامة "منظومة" إقليمية، تقف حاجزا في مواجهة مخطّطات التغلغل الإيراني في الإقليم. وحرصت بغداد على عدم الإشارة إلى الدور الأميركي في استيلاد المؤتمر، تجنبا لما قد يثيره الخصوم ضدها، لكن "التلميحات" التي تضمنها بيان البيت الأبيض فضحت، ربما على نحو غير مقصود، أن الأميركيين هم من كانوا وراء فكرة المؤتمر التي جرى بحثها مع الكاظمي في أثناء زيارته واشنطن. ونقل البيان مباركة الرئيس الأميركي جو بايدن المؤتمر، كونه "قمة ناجحة ورائدة". كما أثنى على القيادة "التاريخية " للعراق التي توافقت مع الرؤية الأميركية في اعتماد الدبلوماسية في العلاقات الدولية، وفي تبني الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد.

اعتبر كثيرون هذه الإشارات بمثابة "تزكية" ضمنية لشخصية الكاظمي الذي كان حريصا دوما على تمييز نفسه عن رجال الطبقة السياسية التي حكمت العراق على مدى 18 سنة، وعلى تقديم نفسه داعية إصلاح وتغيير. ونظّم أنصاره والجيوش الإلكترونية الخاضعة له، قبل المؤتمر وبعده، حملة إعلامية واسعة لترويج شخصيته رجل سلام ومصالحة، ولإشاعة قناعة لدى الآخرين في أنه استطاع، وبجهوده وحده، أن يجعل من العراق "دولة ريادية"، بعد أن كانت "دولة تابعة"، وأن يؤهل بغداد لأداء دورها القيادي المطلوب.

تعمل واشنطن من خلال القمة على تأهيل العراق للعب دور قيادي في المنطقة يخدم مصالحها

وتتوكأ مثل هذه التحليلات القاصرة على وجود رغبة أميركية في إعطاء دور أكبر للعراق في المنطقة، بعدما انحسر هذا الدور عشية الاحتلال. وربما لأن واشنطن، وفي ظل سياسة بايدن، سوف تستكمل سحب جنودها من العراق نهاية العام، وهي مطمئنة إلى أنها وجدت "وكيلا" استراتيجيا في بغداد، يشاطرها الرؤية التي تريد. وهذا "السيناريو" في حال صدقيته مشكوكٌ في جدواه وفي قدرته على الصمود، وأمامنا درس أفغانستان.

هل يمكننا القول، إذاً، من دون مواربة، إن "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" حالة أميركية، إذا ما صحّ التعبير، وقد تكمله مؤتمراتٌ لاحقة، الهدف منها جمع الأضداد، وترويض من يظلّ ناشزا عن اتباع ما هو مخطط للمنطقة في قابل الأيام وتطويعه، وإرساء صيغةٍ لإطار أمني إقليمي، يتوافق مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي اشتغل عليه الأميركيون أمدا طويلا. وقد حضر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ومن ورائه أوروبا وحلف الناتو، المؤتمر ليكون "عرّاب" الصفقة الجديدة التي توفر السلام والأمن والرفاهية لشعوب المنطقة (!!). ولم يكن مصادفةً تعهد ماكرون بإبقاء قواته العسكرية في العراق، انسحبت القوات الأميركية أم بقيت. كما لم يكن مصادفةً أيضا أن يشمل برنامج زيارته الكاظمية وأربيل والموصل، وقد اختيرت هذه المدن الثلاث بعناية، لما تمتلكه كل واحدة منهن من رمزية خاصة، في إطار التنوع المذهبي والعرقي في بلاد الرافدين. وتندرج في "السيناريو" نفسه زيارة جوزيف بوريل، مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، التي ستتم خلال أيام، وهي الزيارة التي ينظر إليها كثيرون نوعا من المساندة للدور الذي يسعى العراق إلى الانخراط فيه بدعم غربي.

لا حل للعراق سوى الاعتماد على مشروع وطني يتجاوز "العملية السياسية" القائمة، ويحاسب شخوصها، ويعيد بناء الدولة

وقريبا من مخرجات المؤتمر وبعيدا عنها، بدا العراقيون غير مهتمين وغير عابئين بما زعم عن نجاحه، وهم مثقلون بهمومهم في البحث عن الأمن والأمان، وفي عدم حصولهم على الخدمات الأساسية، وتفشّي الفساد في كل المرافق العامة، وكذلك في سيطرة المليشيات، وعجز الدولة عن حصر السلاح بيدها، وأيضا في انتشار جائحة كورونا وتخبّط الدولة في مواجهتها، وهم لم يلمسوا من حكومة الكاظمي، ولا من الحكومات السابقة التي أنتجتها التوافقات الأميركية - الإيرانية حلولا واقعية، تصب في خانة إنقاذهم مما هم فيه، وقد سمعوا وعودا ومشاريع وخططا كثيرة، ما إن يعلن عنها حتى تحيلهم إلى كوميديا شكسبير المعروفة "أسمع جعجعة ولا أرى طحنا".

والخلاصة التي خرجوا بها من المؤتمر أن ليس ثمة حل لأزماتهم التي استشرت 18 سنة، غير الاعتماد على مشروع وطني يتجاوز "العملية السياسية" القائمة، ويحاسب شخوصها، ويعيد بناء الدولة، ويستعيد الوطن من مغتصبيه والمهيمنين على قراره

 

في تذكّر عراق فيصل الأول

 

عبد اللطيف السعدون

 

قيل إن أحد المقرّبين من مؤسّس العراق، فيصل بن الحسين، اقتُرح عليه أن يبني قصرا يليق به ملكا، أجابه فيصل: "لم أجئ إلى هنا كي أبني قصرا، إنما جئت لكي أبني دولة"... تُستعاد هذه الحكاية، وغيرها من مرويات عن العراق الملكي الذي بناه فيصل بن الحسين في الذكرى المئوية ليوم التتويج، وقد انشغل عراقيون كثيرون بالاحتفاء بهذه الذكرى على مواقع التواصل، وبعضهم غرّد بمناقب عهد الملوك وفضائله، مع أن معظم المحتفين لم يحظ بالعيش في تلك الحقبة من التاريخ بحكم العمر، لكنه يكون قد استوحى مشاهد "الزمن الجميل" مما سمعه أو قرأه. وأيضا لأن الحياة في ظل الجمهوريات لم تُمطر، كما أردنا منها، أمنا وأمانا وحياة رغيدة، حتى جعلتنا نفزع بآمالنا إلى الكذب من هول ما عشناه من أهوال، وما اختبرناه من مصائب وكوارث وحروب، بخاصة في العقدين الأخيرين.

رغم التعقيدات، لم يتراجع عن صناعة الحلول وإيجاد المخرجات الضرورية لتخطي التوترات الداخلية واستيعابها

تؤشّر السيرة المستعادة لفيصل إلى أنه كان يمتلك وعيا حادّا بمشكلات العراق، وبما يحتمل أن ينشأ فيه من صراعاتٍ واختلافات، وكذا بما ينتظر أن تحقّقه الدولة الجديدة، وكان قد اكتسب خبرة ودراية بحكم وجوده في قلب العواصف التي عمّت العالم العربي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ حضر مؤتمر السوريين الأول الذي أجمع على اختياره ملكا لسورية، كما شارك في مؤتمر السلام في باريس، ورشّحه الإنكليز ممثلا للثورة العربية التي تم ترويجها لإطاحة الخلافة العثمانية، وبنى علاقاتٍ وطيدةً مع شخصياتٍ غربيةً نافذةً وناشطين عرب. وأعلن رفضه اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت العالم العربي، وإذ حطّ رحاله في العراق، بدا له أن الأرض العراقية ليست ممهدة على نحوٍ يسهل له فيه من بناء دولة بالشروط التي كانت ماثلةً في ذهنه، حيث واجه جملةً من المصاعب المتجذّرة التي كان عليه تفكيكها. كما وجد تركيبة عراقية ملغمة على وقع عدم توفر "الوحدة الفكرية والملية والدينية" التي تشكّل الأساس لتطور البلد ونمائه، وأدرك أنه يحتاج، في إدارته، إلى سياسيين من نوع خاص "حكماء ومدبرين، وأقوياء مادة ومعنى، وغير مجلوبين لحزازات أو أغراض شخصية أو طائفية أو متطرّفة" كما اكتشف وجود "سواد أعظم جاهل (...) وليس ثمّة شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، ومشبعة بتقاليد وأباطيل دينية". وقد أفضى إلى وزرائه ورجال حكمه بما يجول في خاطره، واقترح عليهم خطوطا عريضة لما يمكن أن يبني دولةً قويةً ومقتدرة "إنشاء جيش قوي، واحترام تقاليد وعادات السكان والنظر إلى الطوائف بمنظار واحد، وتأسيس مجالس في الألوية والبلديات، واستحداث معاهد لتأهيل الموظفين، والعمل على مشاركة كل السكان في شؤون الدولة". وأعطى مثلا للعمل العام: "أريد أن أرى معملا لنسج القطن، بدلا من دار للحكومة، وآخر للزجاج بدلا من قصر ملكي".

كان يحمل مشروع دولةٍ حديثة، دولة مواطنة وقانون، وقد حقّق هو ومن جاء من بعده خطواتٍ جادّة على هذا الطريق

ووسط كل تلك التعقيدات، لم يتراجع عن صناعة الحلول وإيجاد المخرجات الضرورية لتخطي التوترات الداخلية واستيعابها، وهي التي أخذت كثيرا من وقته، حتى امتدت آثارها إلى عهد ابنه غازي الذي تولى العرش من بعده، ومن بين ذلك قضية الموصل، وغارات قبائل نجد على كربلاء، وتمرّد الآشوريين، واضطرابات الأكراد، ونزاعات العشائر. وعلى صعيد علاقات الدولة الخارجية، عمل فيصل على إرساء دعائم سلام وتبادل منافع بين العراق وجيرانه وأصدقائه، وعندما حاولت بريطانيا أن تبقي على ما يحقّق مصالحها، عارضة شكلا جديدا للانتداب، وقف فيصل في وجه تلك المحاولات، حتى استطاع أن يحصل على حقوق بلاده، وأن يحقق إلغاء الانتداب ودخول العراق عصبة الأمم واعتراف العالم بالعراق دولة مستقلة وذات سيادة. وإذا كان قد أبقى على تحالفه مع الإنكليز، فلأنه كان يؤمن أن العراق محاطٌ بالأعداء والخصوم من كل جانب، وحتى من الجيران الذين يُضمرون له الشر، وأن عليه، وهو في مرحلة بناء دولته، أن يحافظ على علاقته مع بريطانيا لدرء تلك المخاطر.

هذه القراءة المستعادة لسيرة فيصل الأول تظهر لنا بجلاء أنه كان يحمل مشروع دولةٍ حديثة، دولة مواطنة وقانون، وقد حقّق هو ومن جاء من بعده خطواتٍ جادّة على هذا الطريق، إلا أن الانتكاسات التي شهدها العراق في عهود الجمهوريات أعادته إلى المربّع الأول. وها نحن بعد مائة عام، نتعثر في خطواتنا، بأمل أن ننجز مشروع الدولة التي أرادها فيصل، وقد نحتاج زمنا أطول للوصول إلى ما نريد.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا