الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

أحمد أبورتيمة كاتب فلسطيني من غزة ينشر في موقع (عربي21)  

 

 مقالات سابقة

العزاء الفلسطيني في حاتم علي

أحمد أبو رتيمة

 

كان لافتاً التفاعل الفلسطيني الكبير مع خبر رحيل المخرج السوري حاتم علي، والذي اشتهر بأعمال درامية عظيمة كان حظ فلسطين منها رائعته الدرامية المتقنة التي لا منافس لها "التغريبة الفلسطينية"..
منذ لحظة انتشار الخبر المفاجئ لرحيل حاتم علي شارك عشرات آلاف الفلسطينيين في تظاهرة الكترونية حاشدة يرثون الفنان الراحل ويدعون له بالرحمة ويعبرون عن الحزن للخسارة التي مثلها رحيله، وقد شارك في نعيه جمهور كبير لا يهتم عادةً بعالم الفن والفنانين، لكنه رأى في حاتم علي مثالاً خاصاً يستحق الرثاء.
ليس عادياً أن تحزن كل هذه الجماهير مع رحيل فنان، وهو تفاعل تميز بحالة إجماع على الثناء عليه والدعاء بالرحمة. حاتم علي لا ينتمي إلى عالم السياسة أو عالم الفكر الذي ينقسم الناس فيه عادةً ويتجادلون، لكنه ينتمي إلى عالم الجمال الذي يلامس وجدان الناس وأشواقهم، وقد نجح في الحفاظ على مكانته ملهماً للقلوب، فلم يتورط في مواقف تشوه جمال الفن ونقاءه ولم يستغل مكانته الفنية في بيع الولاء السياسي.

وجد الفلسطينيون، ومثلهم إخوانهم من الشعوب العربية، في حاتم علي الشيء المفقود الذي ضاع في عصر الدراما الفارغة التي لا تحمل رسالةً وموقفاً مبدئياً جاداً، ولا تخاطب في الجمهور سوى حاجته إلى التسلية والإثارة. لكن مثال حاتم علي لامس في قلوب الناس انتماءهم الجاد إلى قضايا الأمة وهويتها الجامعة، وقد سكب هذه المعاني الجادة في قوالب فنية آسرة تملك على المشاهد لبَّه حتى تدخله إلى عالَم الفنان الخاص، فيتماهى في داخله ويتشكل وعيه ووجدانه. ويرى أحداث المسلسل أكبر من كونها مشاهد تمثيليةً، بل يراها معانٍ متجسدةً ومثلاً حيةً قريبة الإدراك والملامسة.

سيكون علينا أن نبذل جهداً للعثور على أسرة فلسطينية لم تشاهد التغريبة الفلسطينية، ولم تحفر عميقاً في وجدان أفرادها، ولم تلامس أوجاعهم المدفونة فتستثير دموعهم. لقد رأى الفلسطينيون في التغريبة التفاصيل الدقيقة لحكاية الوجع والخذلان. رجعت التغريبة بنا في خط الزمن إلى الفصول الباكرة للمأساة من أيام الانتداب البريطاني، ورافقت العائلة الفلسطينية في الحقل والمدرسة، وفي القرية والمدينة، وسلطت الضوء على دقائق العلاقات الاجتماعية والإقطاع والطبقية، وقرَّبتنا من بدايات خروج الإنسان الفلسطيني من حالة الاستقرار الاجتماعي إلى اضطرار المواجهة السياسية مع تجلي معالم المؤامرة وصولاً إلى ثورة 1936 ضد الاحتلال البريطاني. ثم بلغت الأحداث ذروتها في المحطة الأشد مأساويةً، وهي الهجوم الاستعماري الصهيوني والمجازر واقتلاع الشعب من أرضه، ورحلة الخيمة والضياع ومرارة الانتظار وخيبات الأمل، ثم محطة جديدة لمأساة جديدة عام 1967 جعلت المسافة أبعد عن حلم العودة وكرَّست واقع انتصار إسرائيل وشتات الفلسطينيين.
ولأن "التغريبة الفلسطينية" تعالج قصةً لم يكتب فصلها الأخير بعد اختار الروائي والمخرج النهاية المفتوحة لها، ففي المشهد الأخير من المسلسل يهرع الشاب رشدي الذي يمثل الجيل الفلسطيني الجديد إلى المغارة ويستخرج السلاح المخبوء فيها وقد امتلأ عزماً بالتحدي والمواجهة، لتكون النهاية ميلاد قصة جديدة في رحلة طويلة من المواجهة بين المستعمر المحتل وبين الشعب الذي خسر كل شيء ولم يعد أمامه مفر من المواجهة.
تعد "التغريبة الفلسطينية" ركناً مهماً في نشر الرواية الفلسطينية وتشكيل وعي الأجيال الجديدة وتعريفها بالحقائق؛ صيانةً لهذا الوعي من الضمور والتشوه. وربما هي فريضة وطنية أن تشاهد كل أسرة فلسطينية مع أطفالها مسلسل التغريبة الفلسطينية لما يغرسه من معانٍ في نفوسهم، ويضمن بقاء وعيهم متصلاً مع الجذور.

عالمياً فإن مسلسل التغريبة الفلسطينية هو أبلغ رسول يبين للشعوب أصل المشكلة بلغة سلسة تهوي الأفئدة إليها، بخلاف الأبحاث الأكاديمية التي لا يصبر على قراءتها إلا أولو العزم. وعلينا ألا نفترض أن العالم يعرف قضيتنا لكنه اختار الانحياز إلى الظالم، هذا يصدق في النظام العالمي الرسمي، أما الشعوب فأكثرها مغيبة ولا تعلم شيئاً عن التهجير والنكبة والتطهير العرقي في فلسطين. ومسلسل بالإمكانات الفنية المتوفرة في التغريبة الفلسطينية يمثل مادةً بصريةً غنيةً للجمهور العالمي للتعريف بحقائق القضية، وتشكيل الوعي الصحيح وإبطال أكاذيب الدعاية الصهيونية.

وكم أرجو من الفلسطينيين المقتدرين في الخارج ومؤسساتهم أن يأخذوا هذه الفكرة بقدر كاف من الجدّ، وأن يخصصوا الأموال والجهود لترجمة التغريبة إلى اللغات الحية حول العالم، فمثل هذا المشروع لو تحقق فإنه سيملأ فراغاً كبيراً في تعريف الناس بحقوق الشعب الفلسطيني.
الأحداث والحقائق التي يعرضها مسلسل التغريبة الفلسطينية يمكن الوصول إليها على نحو أدقَّ في بطون الكتب والمراجع والأبحاث العلمية، لكن الإضافة العظيمة التي قدمها الروائي وليد سيف والمخرج حاتم علي هي صياغة هذه الأحداث والحقائق في صور فنية جاذبة ميسّرة الوصول إلى الإنسان العادي، وجعل ما يستدعي بحثاً وتنقيباً لا يفعله إلا الباحثون والدارسون معنىً قريباً من كل إنسان. فبينما تصل الحقائق العلمية إلى عقول الجادين، فإن العمل الفني يتسلل إلى قلب كل إنسان ويختلط بإحساسه ووجدانه، وهذا هو جوهر رسالة الفنان.
تمثلت ميزة المخرج حاتم علي في أنه قدم إلى الجمهور العربي إبداعاته الفنية العظيمة من داخل مدرسة الفن القائمة وبأدواتها، وفي هذا درس لمن يتبنون فكرة "الفن البديل"، إذ إن كلمة البديل إشكالية في ذاتها، ومجرد طرحها يمثل جدار صد ويثير الانقسام ويشعر المؤسسة القائمة بالتهديد، فضلاً عن أنه يحدث تشوهاً وانقساماً في ذائقة الجمهور.

حاتم علي مارس إبداعه وفق شروط المؤسسة الفنية القائمة وبأدواتها، وبالاستعانة بنفس الممثلين والممثلات وذات الشركات الإعلامية التي تنتج أعمال غيره، والفرق بين أعماله وأعمال غيره يُعرف بسمو الرسالة التي يتضمنها.
إن الإضافة التي نحتاجها في الفن لا تشترط هدم المؤسسة القائمة وإنشاء مؤسسة جديدة، بل يمكن أن تتحقق بالدفع باتجاه تقريب الدراما من قضايا الشعوب واهتماماتها وتضمينها قدراً أكبر من المعنى.

الفنان قريب من الناس، وهذا ما يفسر التفاعل الكبير مع وفاة المخرج حاتم علي من الناس، والفنان يحظى بفرصة ليست لغيره إذ إنه يتسلل إلى قلوب الناس وأحاسيسهم ويمكنه تشكيل مشاعرهم واهتماماتهم. المفكر أعمق من الفنان في تحقيق المعاني المجردة لكن دائرة انتشاره محدودة، بينما الفنان قد يمكنه تشكيل وعي جيل كامل لأنه يقدم المعاني في هيئة صور وحكايات، فإذا رزقنا بفنان ينتمي إلى قضايا أمته صادق غير قابل للشراء فقد أحبه الناس وجُعل له القبول في الأرض.
وإن من تمام الحزن أن "حاتم علي" الذي أخرج "التغريبة الفلسطينية" قد أصابته "التغريبة السوريَّة" فمات بعيداً عن وطنه، مختنقاً بالقهر قبل أن تتاح له فرصة أن يحكي للناس تغريبة شعبه..

 

 

فضيلة نقد التاريخ

 

أحمد أبو رتيمة

 

 

يعد المؤرخ "هوارد زن" واحداً من أصدق المؤرخين الأمريكيين وأشدهم انحيازاً للعدل والإنصاف، فيما أعلم، وهو مؤلف كتاب "تاريخ الولايات المتحدة لجيل الشباب" الذي بيع منه أكثر من مليون نسخة.

ميزة هذا الكتاب أنه يتناول تاريخ أمريكا من زاوية الضعفاء المضطهَدين، لا من زاوية الأبطال المنتصرين، كما جرت العادة. فهو يرى الأحداث بعيون السكان الأصليين الذين أبيدوا، والأفارقة الذين استعبدوا، والمكسيكيين الذين سرقت أمريكا أرضهم، والعراقيون الذين دمرت حكومة الولايات المتحدة بلادهم، وفي ذات الوقت يقدم هوارد زن بطلاً تاريخياً في وزن كريستوفر كولومبوس بأنه مجرم وليس فاتح البلاد.
في لقاء تلفزيوني سألت الإعلامية إيمي جودمان المؤرخ هوارد زن سؤالاً يُسأل كثيراً:
"
هل من المناسب لجيل الشباب أن نقلل لهم من رموزنا التاريخيين مثل كريستوفر كولومبوس، وثيودور روزفلت؟
أجاب:
هل يحب علينا إخبار الأطفال بأن كولومبوس الذي أخبرونا أنه بطل عظيم، قام باختطاف وقتل وتشويه الهنود الحمر أثناء سعيه وراء الذهب؟
وهل يجب علينا إخبار الناس بأن روزفلت الذي صوروه رئيساً عظيماً كان متعطشاً للحروب ومهووساً بالبطولات العسكرية، وهنأ أحد الجنرالات على ارتكابه مذبحةً في الفلبين؟
يخلص هوارد زن إلى العظة الأخلاقية:
"
نعم، يجب أن نكون صادقين مع الشباب وألا نخدعهم، وعلينا أن نقدم لهم قائمةً بالأبطال الحقيقيين عوض الأبطال المزيفين". ويقصد بالأبطال الحقيقيين الذين كانت لهم مواقف أخلاقية عوضاً عن الذين امتلكوا السلطة.
إن الخوف من خدش الصورة البطولية الجميلة أمام الأجيال يكون حائلاً بين إخبار الناس بالحقيقة والصدق، وهو ما يحتاجونه فعلاً من أجل الإلهام.
في حزيران/ يونيو 2020 وفي أعقاب مقتل جورج فلويد شهدت أمريكا وأوروبا حوادث تحطيم تماثيل رموز حقبة الاستعباد، فقد أسقط متظاهرون في بريطانيا تمثال إدوارد كولستون، أحد أهم تجار العبيد في القرن السابع عشر، وألقوه في النهر، وفي ذات الوقت أسقط حشد من المحتجين تمثالاً لكريستوفر كولومبوس في ولاية مينيسوتا الأمريكية، كما تعرّض تمثال لملك بلجيكا الأسبق ليوبولد الثاني، قرب العاصمة بروكسل، للتخريب، وهو الملك المتهم بإبادة ملايين الكونغوليين.
هذه الأفعال الرمزية تدل على الشعور بالعار من الحقبة التاريخية التي تاجر فيها الأوروبيون بالبشر واستعبدوهم، وهذه الأصوات التي تعلو في نقد التاريخ، وإن كانت لا تمثل التيار السائد بعد، لكنها تبعث الأمل بإمكانية تصحيح الأمم مساراتها ودخولها في حالة "توبة جماعية" تقود إلى براءة من ممارسات الظلم وعبادة الأصنام.
الأمم الحيّة هي التي تملك الجرأة على نقد تاريخها وتجاوز أخطائه، إذ إن التشبث بإرث الأجيال السابقة والعجز عن تمحيصه يدخل الأمم في حالة صنمية، وهو ما يعني انطفاء الروح وجمود العقل.
في كتاب "العرب من وجهة نظر يابانية" يقول نوبواكي نوتوهارا:
"
كثيرا ما واجهت هذا السؤال في الدول العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟
طرح المسألة بهذه الطريقة لا يؤدي إلى شيء، فعلينا نحن اليابانيين أن نعي أخطاءنا في الحرب العالمية أولاً، ثم نصحح هذا الأخطاء، لأننا استعمرنا شعوباً آسيويةً كثيرةً ثانيا.. المشكلة ليست في أن نكره أمريكا، المشكلة أن نعرف دورنا بصورة صحيحة، ثم نمارس نقدا ذاتيا بلا مجاملة لأنفسنا، بعد ذلك نختار الطريق الذي يصحح الانحراف، ويمنع تكراره في المستقبل".

لم أستمع إلى مزيد من الأصوات اليابانية لفحص إن كان هذا النهج يمثل توجهاً عاماً، إلا أن تجربة اليابان العملية تؤكد فعلاً أنها أمة حية وقادرة على ممارسة نقد ذاتي لتاريخها، فقد تمكنت هذه الأمة سريعاً من الإفاقة من صدمة الضربة النووية وسلكت طريق النهضة الصناعية والاقتصادية، ولا يمكن الفصل بين الثمار الحضارية والبذور الفكرية والنفسية.
في الحالة العربية ينظر عموم الناس بريبة إلى نقد التاريخ، ويحدث خلط بين التاريخ البشري والدين الإلهي، فيظن كثير من الناس أن نقد أشخاص التاريخ وأحداثه استهداف لثوابت الدين، مع أنه لا يوجد أي دليل يعطي عصمةً لتاريخ المسلمين ويمنحهم استثناءً ليس لغيرهم.

من اليسير ملاحظة التوجه العام للقرآن الكريم في التعامل مع التاريخ، فالقرآن يخاطب المؤمنين بأنهم بشر ممن خلق وأن الله لن يحابيهم على غيرهم، بل إنه يظهر احتمال انحراف الأمة في تجربتها التاريخية فيقول: "وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".
وجيل المؤمنين الأوائل الذين هم خير جيل، وقد كان القرآن يتنزل عليهم وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، ومع ذلك خاطبهم القرآن في سورة آل عمران: "منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة". فإذا كان خير جيل بينهم من يريد الدنيا، فهذا يعني أنه لا يوجد ضمانة بالعصمة لخليفة أو فاتح أو عالم بعد ذلك..

صحيح أن تجربتنا التاريخية سلمت من التورط في جرائم من وزن جرائم التاريخ الغربي في الاستعباد والاستعمار، فالتاريخ الغربي مروع في تسببه بمئات ملايين الضحايا، لكن مبدأ النقد الذاتي ينبغي أن يظل حاضراً لأنه هو الذي يضمن التصحيح الدائم والترقي الأخلاقي، ويبقي البشر وتجاربهم التاريخية في حدود بشريتهم ولا يحولهم إلى أصنام تعكف الأجيال اللاحقة عليهم ولا تستطيع الفكاك من سلطتهم؛ فيؤدي ذلك إلى جمود الفكر والعجز عن صناعة الحاضر.
من الملاحظ في تعامل العرب المعاصرين مع تاريخهم أنه تستهويهم مواطن القوة والهيمنة، حتى وإن تضمنت تلك المواطن تناقضاً مع مبادئ القرآن الأخلاقية، ومع ذلك تجذب تلك النماذج كثيراً من الناس ربما أكثر مما تفعل نماذج الرحمة والتسامح:

مثال الحجاج الذي اشتهر بالظلم والبطش، ومع ذلك تجد من المسلمين من يترحم اليوم عليه ويقول إن شعوبنا تحتاج رجلاً مثل الحجاج.
ومثل قصة هارون الرشيد الشهيرة حين كان يخاطب السحابة في السماء: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك. تستهوينا هذه القصة ونكررها فوق المنابر، ونشعر بالنشوة النفسية معها، مع أنها مقولة تدل على الهيمنة والعلو، ورسالة القرآن في جوهرها رسالة هداية وليس هيمنةً وعلواً: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً".
بل يتجاوز الفخر التاريخ الإسلامي إلى الفخر بقيم الجاهلية مثل الثأر والعصبية القبلية، وقصص الزير سالم وقصة السيد الذي يغضب معه مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب، وهناك من ينشد منتشياً قول الشاعر الجاهلي: "أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا.. فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَـا".
قد يجد بعضنا مبرراً لهذا الميل أن الأمم في أحوال ضعفها تبحث عن مواطن القوة والعزة، وبحث الناس عن القوة معتبر، لكن المشكلة تتمثل في القصص التي تبرر العصبية العمياء والعدوان والبغي، وما ينثر اليوم بذوراً في العقول والقلوب هو الذي يشق طريقاً حين تتاح له الوسيلة والفرصة فيصير واقعاً مادياً، لذلك فإن التأكد من صواب البوصلة الأخلاقية ليس عملاً خاصاً بفترات الظهور والغلبة، لأن الضعيف إن لم يمتلك وضوحاً أخلاقياً فإن الفرق بينه وبين القوي الغاشم الظالم يتعلق بالفرصة المتاحة وحسب، وليس فرقاً جوهرياً.
هناك من يجادل بأنه لا ينبغي أن نثير النقاش في تاريخٍ قد انتهى وأمة قد خلت، ويسألون: ما الذي يضمن أن الحجاج لم يظلم في التاريخ؟ وما يدريك ربما كانت قصة هارون والسحابة مختلقةً؟ وربما كانت ظروف السابقين مبررةً لأفعال لا نفهم حكمتها اليوم..
هذا الاعتراض مردود عليه بسهولة، فنحن لا نناقش التاريخ الذي مات، إنما نناقش المفاهيم المعاصرة الحية تجاه ذلك التاريخ.. لا تهمنا الشخصية الحقيقية للحجاج بقدر ما تهمنا الصورة التاريخية التي وصلتنا للحجاج، ولا تهمنا قصة السحابة إن كانت حقيقةً أو مكذوبةً بقدر ما يهمنا رواج هذه القصة اليوم والدلالات النفسية لذلك. فالتاريخ لا يؤثر على الحاضر بحقيقته بل بصورته واعتقاد الناس فيه.
نقد قصص التاريخ وأساطيره الشائعة ليس نبشاً في الماضي، بل هو تحليل للشخصية الثقافية والاجتماعية الحاضرة، فالأمم والأفراد يتشكلون وفق المفاهيم والأفكار والأساطير التي يؤمنون بها.

twitter.com/aburtema

لندن "عربي21"

 

 

برهان الإيمان

ودحض الإلحاد

أحمد ابو رتيمة

 

من الأسئلة التي يثيرها الشباب في عصر الفضاءات المفتوحة، والذي يرون فيه تغولاً للظالمين والمفسدين دون رادع، وإخفاقاً شاملاً في ميادين الحياة، بينما لا يستمعون إلى تفسيرات دينية مقنعة ومتناسقة.. أسئلة تتعلق بأصل الإيمان: هل الله موجود؟ ما الدليل العلمي المقنع على وجوده؟

المؤمن يرى كل ما في هذا الكون هادياً إلى الله تعالى، لكن ذات الآيات التي يطمئن بها قلب المؤمن سيجادل فيها الملحد، ولن يرى فيها ضرورةً منطقيةً تقود إلى إثبات وجود الإله.

إن محاولة حسم قضية الإيمان بذات الطريقة التي تحسم بها مسألة رياضية هي محاولة فاشلة، أي أن علينا ألا نتوقع أن يجتمع علماء العالم يوماً ما ثم يخرجون بتوصية بأنه قد ثبت وجود الله! وفي أي مستوىً علمي سيظل هناك مؤمنون وجاحدون.

الله تعالى ذاته لم يشأ أن تكون قضية الإيمان محسومةً بنفس أدوات علوم الطبيعة، فالقرآن يقول: "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيةً فظلت أعناقهم لها خاضعين"، أي أن الله تعالى قادر أن يعلن عن وجوده في الطبيعة بذات الطريقة التي يرى كل الناس فيها البحر والجبل والشمس فلا يختلفون عليها، إذاً لماذا لم يفعل؟

الإجابة هي الاختيار والاختبار!

 قضية الإيمان هي مقياس دقيق للتفاوت الإنساني، والتفاوت لا يتحقق بالظواهر المادية الملموسة


قضية الإيمان هي مقياس دقيق للتفاوت الإنساني، والتفاوت لا يتحقق بالظواهر المادية الملموسة، فكل الناس يؤمنون بأن هذا جبل وأن هذا الصوت موسيقى، لا فرق في ذلك بين قديس وشرير، أما الإيمان فقد تضمن قدراً من الخفاء ليتفاضل فيه الناس، فيعتمد التصديق أو التكذيب به على الاستعداد الأخلاقي.

يقول القرآن: "إن الله لا يهدي القوم الظالمين"، "والله لا يهدي القوم الكافرين"، "والله لا يهدي القوم الفاسقين"، "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق".

فإذا كان الله لا يهدي الظالم والكافر والفاسق والمفسد والمستكبر، فمن يهدي إذاً؟

هذه الآيات شهادة للدين وليست ضده؛ لأنها تعزز الاختيار الإنساني. فالإيمان لا يهتدي إليه الإنسان دون شروط نفسية مسبقة، وما لم يخلِ الإنسان قلبه من أمراض الظلم والكفر والاستكبار والإفساد فسيظل مشوشاً عن استقبال نفحات الإيمان.

الفرق بين إدراك الظواهر الطبيعية وإدراك الله؛ أن الأولى مسألة ذكاء بينما الثانية مسألة استعداد روحي وأخلاقي.

لا توجد تبعات أخلاقية لاكتشاف الإنسان قانوناً طبيعياً، لكن توجد تبعات أخلاقية لمعرفة أن هناك إلهاً يأمرك بالاستقامة ويقيد هواك ويراقبك ويكتب عليك أعمالك، ويبعثك بعد الموت لمحاسبتك.

لذلك يميل الإنسان الذي يغلّب هواه إلى إنكار أدلة الإيمان، فهو ينطلق من إرادة خفية بالتكذيب والعناد.

وإن كانت كل الأدلة تقود إلى وجود الله عز وجل، إلا أن الإيمان في جوهره ليس عمليةً ذهنيةً مجردةً، بل هي قضية معايشة، والمعايشة مرحلة متقدمة على الإدراك الذهني. العقل يدرك الحقائق من خارجها، لكن الإيمان يمتزج بهذه الحقائق ويخلطها بكينونة صاحبه فلا تحتمل التكذيب. الإدراك أن تعلم أن هناك بستاناً في الحيّ المجاور، لكن المعايشة أن تدخل هذا البستان وتتفيأ ظلاله وتغتسل من ماء جداوله.

هذا هو حال المؤمن والملحد، فالملحد يجادل المؤمن جدالاً نظرياً إن كان الله موجوداً أم لا، لكن المؤمن العارف بالله حقاً الذي تذوّق قربه ومعيّته؛ يسخر في داخله من مجادلة هذا المكذِّب، لأنه عايش حالة الإيمان وتذوقها وأيقن بها، حتى صار مستعداً أن يموت وينفق كل ما يملك في سبيل ذلك.

لماذا نفترض أن موقف المؤمن هو الصحيح وليس موقف الملحد؟

لأن المؤمن العارف بالله قد دخل مستوىً أعلى من مستوى الملحد، إنه يتذوق طمأنينةً ويقيناً لم يذقهما الملحد، ومن ذاق عرف، والذي يعلم هو حجة على من لا يعلم، فمن لم يعرف ولم يتذوق الإيمان لا يحق له أن ينكر على من تذوقه وعرفه.

"من ثمارهم تعرفونهم" إن الملحد تمزقه رياح عاصفة من الريبة والقلق والإنكار والكراهية، بينما المؤمن، وأعني هنا المؤمن العارف المتذوق حقيقة الإيمان وليس المتدين شكلاً، يعيش حالة طمأنينة ورضى عجيبةً، حتى إنك تجد من المؤمنين من يقضي عمره في السجن، أو يفقد كل أحبابه أو أمواله، أو يصاب بمرض مؤلم، ثم يكون بعد ذلك متبسماً راضياً مقبلاً على الحياة بأمل ويقين، ويشع في الناس سكينةً وسلاماً.

أليست المقارنة بين هذين النمطين من الحياة كافية لنقول إن المؤمن قد وجد ما لم يجده الملحد؟

 المؤمن وجد نسقاً يتصالح فيه مع نفسه تصالحاً حقيقياً ومع الحياة والوجود، ويواجه ابتلاءات الحياة بقوة وتفاؤل وقد منحه إيمانه سلاماً وطمأنينةً

ربما يجادل بعض الملحدين بأن الطمأنينة التي يشعر بها المؤمن مبنيّة على الأوهام المنسوجة في عقله، لكن الرد على ذلك هو أن هذا المؤمن وجد نسقاً يتصالح فيه مع نفسه تصالحاً حقيقياً ومع الحياة والوجود، ويواجه ابتلاءات الحياة بقوة وتفاؤل وقد منحه إيمانه سلاماً وطمأنينةً، فما هو الوهم في أن يحقق الإنسان سلامه الداخلي؟

إن الثمرة النهائية للوجود الإنساني هي أن يكون قادراً على التناغم مع الحياة والوجود، ولا قيمة لأن يقضي الإنسان حياته ممزقاً بالشك والريبة والكراهية، فكما أن هناك حقيقةً خارجيةً يبحث عنها الإنسان، فإن هناك حقيقةً داخليةً تتمثل في أن يجد الإنسان نفسه. والمؤمن قد وجد نفسه ومنحها السلام، وبقي على الملحد أن يتخلى عن كبره ويجد هذا السلام.

سأل صحفي ريشتارد دوكينز، أحد أئمة الإلحاد في العالم: ماذا لو اكتشفت بعد الموت أن هناك إلهاً، بماذا ستجيبه؟

قال دوكينز إنه سيجيب الإله: لماذا تجشمت كل هذا العناء لإخفاء نفسك؟

إن دوكينز يريد آية في السماء تظل عنقه لها خاضعةً، يريد أن يرى الله جهرةً كما يرى الجبل والبحر!

الإجابة على سؤاله هو أن خفاء الإله من شدة ظهوره، فآثاره تتخلل كل مسارب الحياة، حتى لا نكاد نتخيل شكل الحياة بدون آثاره.

نحن نعرف الأشياء بأضدادها، كيف نعرف أن هذا اللون أزرق؟ لأنه ليس أخضر ولا أحمر ولا أبيض!

تعالوا بنا نتخيل أنه لا يوجد في الوجود سوى اللون الأزرق بدرجة واحدة؟ كيف سنميزه؟ في تلك الحال لن نعرف أصلاً كلمة "اللون" ولن تكون لها قيمة، لأنه لا يوجد ضد اللون الوحيد الذي يسبغ كل شيء من حولنا، فسيكون مستحيلاً أن نميز ذلك اللون ونعرف حدوده.

ماذا لو كان النهار سرمداً ولا يوجد ليل، وشدة الضوء ثابتة لا تتضاءل، ولا يوجد ظلال ولا غيوم؟! هل كنا سنفهم معنى كلمة "النور" أو نقدر على تخيلها؟ سيكون النور محيطاً بنا من كل جانب لكننا عاجزون عن رؤيته وفهمه، لأننا لم نر ضده، لم نر الظلام أبداً فكيف سنحدد النور ونميزه؟!

لو جاء زائر من خارج الأرض وقال لنا إن هناك نوراً ينتشر في كل مكان، فسيقول أحدنا له: ما هذا النور وأين هو؟ إنني لا أراه! لماذا يتجشم النور هذا العناء لإخفاء نفسه؟

لذلك سمى الله تعالى نفسه "نور السماوات والأرض". إنه يتجلى في كل ذرة وفي كل حركة وسكنة في هذا الوجود.

قيل إن شدة القرب حجاب، والله تعالى يتجلى في كل ظواهر الحياة من حولنا، فلا توجد مناطق خارج ملك الله وآثاره ليميز الناس بين معنى وجود الله ومعنى غيابه، لذلك طال إلف الناس بآيات الله فانطفأ تفاعلهم معها: "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم".

لكن المؤمن في لحظات التجلي الروحي يشعر بقرب الله ويبتسم من شدة ظهوره، وهو ما شعرت به عجوز نيسابور حين رأت تزاحم الناس على الرَّازيّ، فقالتْ: من هذا؟ فقيل لها: هذا الرَّازي الذي يعرفُ ألف دليل على وجود الله فقالتْ: لو لم يكن في قلبه ألفُ شكٍّ ما احتاج إلى ألفِ دليل!

نعم إن هناك حجباً كثيفة تحول بين الناس وبين معرفة الله، لكن هذه الحجب من داخل أنفسهم وليست حجباً في الكون الخارجي: "وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه".

 

المؤمن في لحظات التجلي الروحي يشعر بقرب الله ويبتسم من شدة ظهوره، وهو ما شعرت به عجوز نيسابور حين رأت تزاحم الناس على الرَّازيّ، فقالتْ: من هذا؟ فقيل لها: هذا الرَّازي الذي يعرفُ ألف دليل على وجود الله فقالتْ: لو لم يكن في قلبه ألفُ شكٍّ ما احتاج إلى ألفِ دليل!


إن الظلم والإفساد والاستكبار وجحود النعمة، وأكل أموال الناس بالباطل، واتباع الهوى وإيثار اللذة.. هي حُجُب داخل نفوسنا تشوش استشعار الله الحق: "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق".

المؤمن قادر على استشعار الله بقدر تهيؤه النفسي لذلك، ومثل ذلك كمثل موجات المذياع التي تنتثر في الهواء لكننا لا نستطيع التقاطها إلا بضبط المؤشر، فإذا ضبط الإنسان جهاز استقباله الروحي فإنه يلتقط نفحات الله الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد.

وإن من غنى الله وعزته وكبريائه أنه يحجب نفسه عن الذين تلوثت قلوبهم بالكبر والإفساد، ولو كان الله يتسول إيمان الناس لهداهم إليه، لكنه أغلى الحق وكرّمه فلا يهدي إليه إلا المتقين.. "هدىً للمتقين".

يضرب أستاذ الرياضيات الأمريكي جيفري لانغ، الذي تحول إلى الإسلام بعد تدبر القرآن، مثلاً جميلاً للعلاقة بين الإنسان والخالق، وأن الله لا يتجلى للإنسان إلا بقدر القابلية النفسية.

يقول جيفري لانغ وهو يعظ ابنته: "عندي في البيت سمكة وكلب وابنة".. مهما عطفت على السمكة فإنها لن تلتقط من حبي إلا نزراً يسيراً، لأنها كائن بدائي غير مهيأ لمشاركة مشاعر الإنسان، أما الكلب فهو أكثر رقياً، فسيلتقط من مشاعر حب صاحبه الإنسان قدراً أكبر، أما الحب الذي تلتقطه الابنة من أبيها فهو أكبر كثيراً من حب السمكة والكلب، لأنها كائن إنساني ناضج ومهيأ لاستقبال المشاعر وتمثلها.

إن العلة مع السمكة لم تكن في غياب عطف صاحبها، بل في محدودية إدراكها، وحين توسع إدراك الابنة فإنها صارت قادرةً على استقبال مشاعر الحب العظيمة من أبيها.

هذا هو الحال بين الإنسان وخالقه، ولله المثل الأعلى، فإن الناس عاجزون عن معرفة الله بسبب محدودية إدراكهم، وكلما نمّى الإنسان في نفسه صفات الكرم والإحسان والرحمة والحب؛ كلما التقط مزيداً من نفحات الكرم والإحسان والرحمة والحب الإلهي فشعر بقربه. أما الإنسان قاسي القلب فهو لن يكون قادراً على معرفة الله؛ لأن حالته القلبية تصد نفحات الله "إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ".

يقول القرآن: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"، فحين يكون الإنسان محسناً في حياته فسيلتقط نفحات الإحسان الكونية.

هذا هو الطريق إلى الله.. اقتربْ من العدل ومن الرحمة ومن الإحسان وستقترب من الله، فالله ليس شخصاً كما يصوره المشركون ويريدون رؤية تنزله في الغمام، بل إن الطريق إليه تكون بتمثل صفاته وأخلاقه.

إنك لا تحتاج إلى فلسفات معقدة من أجل الوصول إلى الله، فقط أخلِ قلبك من حظوظ نفسك وتجرد للحق الثقيل، وأسكن العواصف المضطربة المائجة، وعندها سترى هيبة الله وجلاله تحل فيك ونوره يشرق، فيملأ نفسك ويفيض به قلبك، وستعلم أنه أقرب إليك من حبل الوريد، وأن خفاءه لم يكن إلا من شدة سطوع ظهوره.

"وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال"..

twitter.com/aburtema

"عربي21"

 

 

 

نقاش الدين والتاريخ

في ضوء آيا صوفيا

أحمد ابو رتيمة

 

ظهر كثير من الفرح بإعادة تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، و قد كان واضحاً في حالة الجدل الكبير التي تبعت هذا القرار استدعاء التاريخ و المشاعر القومية، حتى إن أحزاباً و شخصيات تركيةً غير متدينة باركت هذه الخطوة، و هو ما يعني أنها قضية قومية أكبر من كونها مسألةً دينيةً.    

لا أرغب في الاستغراق كثيراً في هذه القضية تحديداً، فهي ليست أكثر من مفجر للنقاش، وأود الذهاب إلى إطار أوسع يتجاوز المثال

هل يمكن الفصل بين القومي و التاريخي من جهة و بين الديني و الروحي من جهة أخرى؟  

إن الأمم تستدعي الدين لتستمد منه مباركةً لطموحاتها و أهدافها، فالبشر عامةً، متدينين و ملحدين، يحتاجون إلى المقدس ليحظوا منه بشرعية أفعالهم البشرية، و من لم يرفع شعار الله فلن يعدم أن يرفع شعار العدالة أو الوطن أو الطبقة العاملة.  

فرح أي شعب أو جماعة بتحقيق نصر معنوي أو مادي هو فرح مفهوم في سياق التدافع الإنساني الطبيعي: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"، فالله تعالى قدر في هذه الأرض سنة التدافع بين الأمم، و لم يشأ توحيد إرادتهم: " ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدةً"، و هذا التدافع يلبي حاجةً إنسانيةً إلى الانتماء و يغذي التنافس بين الأمم و يستفز طاقاتهم فينتج عن ذلك إعمار الأرض و نماؤها فلا تفسد.   

يشبه الأمر أن يفرح أحدنا بنجاح قريب له لأنه سيرفع ذكر العائلة، و حين سأل النبي صلى الله عليه و سلم سعد بن عبادة ماذا يجد في صدره حين حزن الأنصار من توزيع النبي الغنائم على الناس واستثنائهم رد سعد رضي الله عنه: "إنما أنا امرؤ من قومي"، والقومية أو الشعب هي العائلة الكبيرة التي يشاركها الفرد وجدانياً في أفراحها و أحزانها.   

لكن البشر كثيراً ما يميلون إلى الطغيان فلا يضعوا التدافع في سياقه الخيِّر بل يطمعون في أن يكون لهم نصيب من الألوهية الخفية في الأرض فيزعمون أن معاركهم القومية هي معارك الله، و أن الله سيكون معهم دائماً و سيكون ضد أعدائهم دائماً.  

الدين لا يحمل تحيزات قوميةً أو مشاريع استعلائيةً في الأرض، فالقرآن يقول بلسان عربي مبين: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً و العاقبة للمتقين". 

لكن هذه الآية لا تطرب أسماع كثير منا، و يطربهم بدلاً منها قول الخليفة هارون الرشيد و هو يخاطب السحابة: أمطري حيث شئت فإن خراجك عائد إلي".  

تطربنا مقولة هارون الرشيد لأنها تستثير فينا نشوة العلو و الهيمنة على شعوب الأرض، بينما جوهر دعوة القرآن هو المساواة الإنسانية و الرحمة للعالمين: "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم"، " ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله"، " و ما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين".  

هناك من يغضبه نقد الشخصيات التاريخية و يظن أن النقد السياسي و الأخلاقي لهارون الرشيد أو محمد الفاتح أو معاوية بن أبي سفيان هو استهداف لبناء الإسلام.  و هل بناء الإسلام من الهشاشة حتى لا يحتمل أي نقاش فكري تاريخي

إنك تشعر أن من المسلمين من يغالون في الدفاع عن تاريخهم و شخصياته و يصبغون عليه قداسة القرآن فلا يفرقون بين مبدأ قرآني منزل من عند الله و بين فعل تاريخي إنساني يحتمل الخطأ و تداخله حسابات السياسة و العصبية و الهوى.  

إذا كان القرآن ينتقد الصحابة الأوائل أنفسهم فيقول لمن شهدوا غزوة أحد: " منكم من يريد الدنيا و منكم من يريد الآخرة " فمن أين جئنا بكل هذا التقديس و التبجيل لكل الأفعال و الحوادث و الأقوال التي سجلها تاريخنا.  

تاريخ المسلمين هو تاريخ أمة من الأمم و لا يوجد أي ضامن قرآني له بالعصمة: " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم"، فمن كان لا بد متحيزاً بقدر إلى تاريخ أمته فله أن يتناول حوادث التاريخ في ضوء سنن الاجتماع و السياسة و التدافع البشري و العوامل الجيو استراتيجية و ليس انطلاقاً من قداسة تلك الحوادث و منحها شرعيةً دينيةً

يحذرنا القرآن من مرض وقع فيه من كان قبلنا من اليهود و النصارى الذين ظنوا أن لهم امتيازات خاصةً عند الله ليست لغيرهم من الأمم: " و قالت اليهود و النصارى نحن أبناء الله و أحباؤه"، فيرد القرآن عليهم و على كل من يتسلل إليه شعور مشابه: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق". 

إن الله تعالى ليس متحيزاً ثقافياً أو طائفياً أو قومياً، فالله رب العالمين، و برهان التعالي الإلهي على تحيزاتنا القومية و الطائفية هو أن كل أمم الأرض تخضع لذات السنن الإلهية دون محاباة، و الله تعالى يعذب اليهود و النصارى و البوذيين و المسلمين بذنوبهم، و لا ينبغي أن يتبادر إلى عقولنا أن المقصود بالعذاب الإلهي في الآية الأخيرة عذاب النار الأبدي يوم القيامة، إنما المقصود به عواقب أفعالنا الخاطئة في الدنيا، فالهزيمة و الفقر و التفكك الاجتماعي و العجز الحضاري و فقدان الأمن المجتمعي هي تجليات للعذاب الدنيوي الذي يصيب الأمم بذنوبها.    

"
قل فلم يعذبكم بذنوبكم" لو كان الله متحيزاً للمسلمين في هذه الدنيا فلماذا لم يكن تاريخهم نصراً و صعوداً و تمكيناً دائماً؟  

يقول المفكر خالص جلبي في كتاب "النقد التاريخي":  

"
في الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني بايزيد خان الأول يتأهب لغزو أوربا بحملة قوامها نصف مليون جندي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هولا، ومن نفس العرق التركي والدين الإسلامي، وبسبب تاريخي تافه، يقودها (تيمور لنك)، ليحطم الطموحات العثمانية الجنينية للسيطرة على أوروبا في معركة أنقرة في 20 يوليو عام 1402م، وليوقف المد الإسلامي، ولينقذ جنين الحضارة الغربية." 

يتساءل خالص جلبي عن هذا الارتطام الأعمى بين قوتين إسلاميتين لتنجو وتولد حضارة غير إسلامية: هل هو مجرد مصادفة عبثية؟  

"
لماذا حال تيمور لنك دون قيام بايزيد بنشر الإسلام في قلب أوربا..؟ والجواب لكي تتابع أوروبا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، حيث كان في نهاية رمقه. إن سيف تيمور لنك هو الذي شق الطريق أمام الحضارة الغربية الوليدة وسط أخطار الغروب التي كانت تخيم على العالم الإسلامي". 

هذا التفسير مريح لأنه يظهر ربوبية الله تعالى للعالمين و ليس للمسلمين وحدهم، و أنه يرعى بذور الخير الكامنة في أي أمة من الأمم حتى يخرجها من الخبء، و يسير التاريخ بتدبير محكم فيعز أمماً و يذل أخرى ليدفع باتجاه نمائه

وفي موطن آخر من الكتاب يورد المفكر جلبي مثال الحصار العثماني لفيينا بربع مليون جندي في عصر السلطان محمد خان الرابع في عام 1683م  لكن ذلك الحصار فشل و نجت فيينا من التوسع العثماني "فقد كانت حملة العثمانيين على فيينا عسكريةً في الوقت الذي كان فيه التفوق الغربي تفوقاً حضارياً، وفي نفس العام الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع (1687م)، كان إسحق نيوتن يكتب كتابه "الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية"، الذي لم يكن سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني".  

إن تمجيد التاريخ في كل محطاته هو مناقض للقرآن، فالقرآن يقول إن ما يصيبنا هو من كسب أيدينا ومن عند أنفسنا "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" وإن الله يعاقب الناس على الظلم و الترف و الإفساد، فإذا كان تاريخ المسلمين صواباً دائماً فكيف سنفسر الهزائم الحضارية المروعة في الأندلس و بغداد و سقوط الخلافة العثمانية؟  

في الوقت الذي لن ننفك فيه عن تحيزاتنا البشرية التي نرضعها مع حليب أمهاتنا من أجواء الثقافة المعبأة، فإن من الضروري تحرير الدين من هذه التحيزات ، كي لا نضيق فسحة الدين فالله لم يشترط على عباده اصطفافاً طائفياً أو ثقافياً كي يدخلوا في دائرة رحمته، و لكن قال لهم آمنوا و اعملوا الصالحات

بوسع المرء أن ينتمي عاطفياً إلى الدوائر التي يجد نفسه فيها بحكم الولادة و النشأة فيفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم و يسعى لرفعتهم و مجدهم، لكن ما لا يسعه في دين الله أن يحيد عن الحق وأن يمارس الظلم و العدوان على الآخرين و أن يؤثر عمى التعصب على نور الحق و العدل

"عربي21" لندن

 

 

جذور العنصرية

في التاريخ الأمريكي (1)

 

أحمد أبو رتيمة *

 

الاحتجاجات واسعة النطاق التي اندلعت في الولايات المتحدة الأمريكية عقب قتل شرطي عنصري الشاب الأمريكي من أصل أفريقي، "جورج فلويد"، خنقاً؛ لم تكن مجرد رد فعل على حادثة واحدة تورط فيها بضعة أفراد من الشرطة، وكان يمكن أن تطوى صفحتها بمحاسبة الفاعلين، بل كانت استدعاءً لتاريخ مرير عميق الجذور بدأ قبل أربعة قرون؛ مع قدوم المستعمرين الأوروبيين إلى القارة المكتشفة حديثاً واستقدام الأفارقة كرهاً لاستعبادهم.

ثمة نوعان من التطرف في التفاعل مع احتجاجات الولايات المتحدة، فأما النوع الأول فهو استغلال هذه الأحداث لإرضاء الشعور عن الذات، وهو النوع الذي يتسم به عادةً الشعور النفسي للضعيف مع كبوة القوي، فيبرر لنفسه ضعفه وعجزه ما دام الأقوياء يخطئون أيضاً! وأما النوع الثاني من التطرف فهو المبالغة في جلد الذات وادعاء أنه لا يحق لنا الحديث عن عنصرية الآخرين لأن عندنا عنصريتنا أيضاً. وهذه النظرة تنطلق من فقدان الثقة بالذات وتغلغل شعور الضعف والهزيمة داخل النفس، بينما النظر إلى تجارب الآخرين بأنها مكتملة أو أقرب إلى المثالية.

يتجاهل التطرف الأول أن الشعب الأمريكي هو من أكثر شعوب العالم فاعليةً، وأن تجربته التاريخية تتضمن أيضاً تراثاً ملهماً من النضال المدني من أجل الحقوق، بينما يقدم التطرف الثاني مقارنات ساذجةً بين العنصرية الأمريكية والعنصرية في بلادنا، وهي مقارنة لا تدل إلا على عدم قراءة التجربة التاريخية الأمريكية ورؤية فرادتها في عشرات ملايين الضحايا الذين بني المجد الأمريكي على أنقاضهم.

بدأ توجه المستعمرين الأوروبيين الأوائل في المستعمرات الأمريكية إلى الاستعباد منذ بداية القرن السابع عشر، إذ نظروا إليه بأنه بديل عن العمالة المدفوعة، بينما كانوا ينظرون إلى السود بأنهم غير متساوين معهم في الإنسانية.

في فيرجينيا تعلم المستوطنون الأوروبيون من السكان الأصليين زراعة التبغ، وفي عام 1617 أرسلوا الحمولة الأولى من التبغ إلى إنجلترا فحقق لهم أرباحاً عاليةً.

عرف المستوطنون الأوائل أن زراعة التبغ وتصديره إلى إنجلترا هو طريق إلى الثراء، لكن ثار سؤال: من سيقوم بهذا العمل الشاق من زراعة التبغ وتحضيره للبيع؟

لم يتمكن المستوطنون من إجبار السكان الأصليين على العمل لديهم، إذ كان السكان الأصليون يفوقونهم عدداً، وبالرغم من أن المستوطنين كانوا قادرين على قتل السكان الأصليين ببنادقهم، إلا أنهم كانوا يعلمون أن بقية السكان الأصليين ربما ينتقمون لذويهم.

كان السكان الأصليون متجذرين في أرضهم وكانوا غير آبهين بالموت، وكانت الغابات الموحشة في نظر المستوطنين الوافدين هي وطنهم المألوف الذي يمكنهم الفرار إليه، لذلك عجز المستوطنون عن استعبادهم.

في عام 1619 أُحضر أول عشرين أفريقي إلى جيمس تاون وبيعوا هناك عبيداً. لم يكن بيع العبيد جديداً، إذ كانت عمليات استجلاب الأفارقة إلى مستعمرات برتغالية وإسبانية شائعةً. وفي ذلك العام كانت سفينة برتغالية تقل 350 أفريقياً، قبل أن تغير على السفينة باخرة بريطانية وتختطف منها عشرين أفريقياً؛ كانوا أوائل الأفارقة الذين بيعوا فيما عرف لاحقاً في الولايات المتحدة الأمريكية.

في آب/ أغسطس 2019، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً للباحثة في تاريخ العبودية ماريا إيليوت والكاتبة ياسمين هاغيز، وذلك بمناسبة مرور 400 عام على إحضار العشرين أفريقي الأوائل إلى أمريكا.

تقول الكاتبتان إنه جرى إخضاع حوالي 12.5 مليون رجل وامرأة وطفل من أصل أفريقي لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وإن الأطفال شكلوا حوالي 26 في المئة من تجارة العبيد.

ويشير مقال نيويورك تايمز إلى أن بيع أجساد الأفارقة ومنتج عملهم أدى إلى ازدهار العالم الأطلسي، بما في ذلك أمريكا الشمالية الاستعمارية.

ويذكر المقال قانون فرجينيا الصادر عام 1662، الذي ينص على أن وضع الطفل يتبع وضع الأم، مما يعني أن النساء من أصل أفريقي المستعبدات أنجبن أجيالا من الأطفال الذين يُنظر إليهم كسلع. ويضيف أنه تم سن قوانين صارمة تحدد الوضع القائم على أساس العرق والطبقة، وأن السود في أمريكا كانوا يتعرضون للاستعباد مدى الحياة.

يقول المؤرخ الأمريكي هوارد زن: إن العبودية كانت معروفةً في أفريقيا، لكن العبودية الأمريكية كانت الشكل الأبشع في التاريخ، وذلك لسببين: أن الاستعباد الأمريكي كان مدفوعاً بسعار الربح غير المحدود، وثانياً أنها كانت مؤسسةً على الكراهية العنصرية، إذ كانوا ينظرون إلى البيض بأنهم السادة وإلى السود بأنهم العبيد وأنهم أقل من الآدميين.

شعر المستوطنون البيض أن الأفارقة خيار مناسب للاستعباد، إذ إنهم بخلاف السكان الأصليين منقطعون عن جذورهم، وهو ما يسهل استعبادهم!

بدأت المعاملة غير الآدمية للأفارقة من لحظة اختطافهم من بلادهم، إذ كانوا يقيدون بالسلاسل معاً ويجبرون على المشي إلى الساحل مسافةً طويلةً تصل أحياناً إلى ألف ميل. وبحسب هوارد زن، فإن اثنين من كل خمسة من الأفارقة ماتوا خلال مسيرة الموت، ومن نجا من الموت خلال المسير كان يوضع على متن السفينة في أقفاص حديدية، ويبقون فيها حتى يتم بيعهم في الجانب الآخر من المحيط.

بدأ الهولنديون بتجارة الأفارقة ثم تبعهم الإنجليز. وفي عام 1637 أبحرت أول سفينة أمريكية لتجارة العبيد، وكانت مقسمةً إلى أقفاص حديدية لحبس المختطفين الأفارقة فيها.

بحلول عام 1800 بلغ عدد الأفارقة الذين جيء بهم إلى القارة الأمريكية أكثر من 12 مليون أفريقي، بينما كان عدد الذين أخرجوا من أفريقيا حوالي خمسين مليون أفريقي، مات أغلبهم من التعب والمرض والتعذيب، وفضل بعضهم إلقاء نفسه في المحيط لوضع حد لآلامه. وقد وصف علماء أفارقة وأمريكيون تجارة الرقيق التي استمرت ثلاثة قرون عبر المحيط الأطلسي بالمحرقة والكارثة الكبرى و"الهولوكوست الأفريقي".

كان استجلاب الأفارقة وبيعهم عبيداً يجري قانونياً في الولايات المتحدة حتى عام 1808. في ذلك العام أصدرت حكومة الولايات المتحدة قانوناً يمنع استيراد رقيق جدد، بينما بقي استعباد الرقيق الموجودين فعلاً وأطفالهم بطريقة قانونية. لكن اقتصاد الولايات المتحدة كان مزدهراً في الزراعة والصناعة بفضل الرقيق، لذلك ظل استيراد الرقيق مستمراً بعد سن القانون بطريقة غير قانونية، واستجلب ربع مليون أفريقي جدد بعد قانون المنع حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1861.

يقول المؤرخ هوارد زن إن المستعمرين الأوروبيين كانوا ينظرون بدونيَّة إلى الثقافة الأفريقية، لكن الحقيقة أن مئة مليون أفريقي كانت لهم حضارتهم، وأنهم بنوا المدن الضخمة، وكانوا ماهرين في الزراعة والخياطة وصناعة الفخار والنحت، وأن الدول الأفريقية كانت مستقرةً ومنظمةً في القرن السادس عشر، بينما كانت الدول الأوروبية تبدأ للتو رحلة التطور.

لم ينظر المستعمرون إلى الأفارقة أبداً بأنهم بشر متساوون معهم، بل نظروا إليهم بأنهم أدوات للخدمة وتحسين الإنتاج، لذلك سعى مالكو المستعبَدين منذ الأيام الأولى إلى تجريدهم من ثقافتهم الأفريقية، وحرموهم من التعليم لأنهم كانوا يخشون أن يلهمهم التعليم الطموحات التحررية أو أن يعيد اتصالهم بانتمائهم الأفريقي.

إن التاريخ مترابط على نحو عجيب، وفي عصرنا الحاضر بعد 400 سنة يجيب الأفارقة الأمريكيون صدى انتزاعهم من جذورهم، فيحرصون على إظهار تميزهم الثقافي في طريقة لباسهم وطريقة تجديل شعورهم وفنونهم التراثية، بل وحتى في طريقة استعمال اللغة الإنجليزية، فيضفون إليها لكنةً تجعلها أكثر غموضاً وتعقيداً من اللغة الإنجليزية الرسمية، في محاولة جماعية لحماية الهوية الثقافية.

يتبع..

(عربي 21) لندن  

 

 

التغريبة الفلسطينية في

 عامها الثالث والسبعين

أحمد أبو رتيمة *

 

قبل أيام قليلة نشرت الشابة الفلسطينية يارا مقطع فيديو قصيرا لجدها الشيخ الكبير خليل إبراهيم "أبو عوني" وهو يستمع إلى مقطع من أغنية "على الله تعود بهجتنا والأفراح تُغمر دارنا"، وقد فاضت عيناه بدموع الحنين إلى قريته برير وتفجرت في عيونه أشواق ممتدة منذ 72 عاما.

بعد يوم واحد من نشر هذا الفيديو توفي الشيخ أبو عوني ورحل إلى الله، ممتلئاً بأنين مكتوم كان يجتمع في صدره عبر السنين ويتعاظم كلما حال الحول، فزاد البعد سنةً ونقص العمر سنةً.

قدَّر الله أن يتسرب نزر يسير من أنينه المكتوم في اليوم الأخير من حياته الطويلة التي بلغت مئة سنة إلا ستة أعوام، بواسطة حفيدته الصغيرة التي تنتمي إلى جيل التكنولوجيا، لعلها رسالة إلى الجيل الجديد ألا ينسى الحلم وأن يقاوم انحسار الذاكرة، وأن يستمد من معاناة الآباء والأجداد العزم بمواصلة الكفاح في سبيل تصويب الاختلال التاريخي الذي قاد إلى تهجير شعب كامل واستمرار معاناته عبر الأجيال، بعد أن جيء بمجموعات من شتات الأرض لتقتلع السكان الأصليين وتحل في بيوتهم وأراضيهم بالإكراه وقوة السلاح.

الحاج خليل هو واحد من حوالي 750 ألف فلسطيني هجروا قسراً من ديارهم عام 1948 تحت إرهاب العصابات الصهيونية، بعد أن دمرت هذه العصابات 531 مدينةً وقريةً فلسطينيةً، ونفذت أكثر من سبعين مذبحةً، وقتلت أكثر من 15 ألف فلسطيني، وهو ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه بالتطهير العرقي، ودلل عليه بوثائق من أرشيف ما سمي بعد ذلك بـ"دولة إسرائيل".

وقد اضطر الفلسطينيون العزّل إلى الفرار من آلة الموت الصهيونية في اتجاهات شتى، نحو قطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، وظنوا في ذلك الحين أن لجوءهم مسألة أيام قليلة أو أسابيع حتى تتمكن الجيوش العربية من هزيمة المعتدين، لكن تلك الجيوش لم تكن في مستوى تحدي اللحظة التاريخية، وأعلنت دولة الاحتلال استقلالها على أنقاض القرى المدمرة والبيوت المهجورة. وطال انتظار اللاجئين عاماً بعد عام وعشرةً بعد أخرى، حتى مات معظم شهود النكبة في ملجئهم الاضطراري، وكل واحد منهم يحبس في قلبه غصته وحكايته الخاصة من الألم والأنين والشوق والأمل.

في لقاء مع صحفي يهودي في مدينة نيويورك، سألني ثلاثة أسئلة: قال إن معظم اللاجئين الفلسطينيين قد ماتوا، ألا يعني هذا أنه يمكن تسوية الصراع في فلسطين؟ وقال إن ملامح الأرض قد تغيرت ولم تعد أملاك اللاجئين قائمةً، فأين سيعود اللاجئون؟ وقال إن إسرائيل هي حقيقة واقعة..

بذات منطق أن موت اللاجئين الفلسطينيين ينهي المشكلة، فإن إسرائيل تدّعي أن لها حقاً في الأرض يعود إلى آلاف السنين، فأي صلة تربط الصهاينة الذين قدموا من شتات الأرض بأفراد عاشوا في أرض فلسطين قبل آلاف السنين! وهل قرابة الصهاينة غير المؤكدة من أولئك اليهود قبل آلاف السنين أولى من قرابة ابن اللاجئ أو حفيده الذي عايشه في نفس البيت والمخيم، وورث عنه مفتاح الدار وطابو الأرض كما ورث عنه معاناة اللجوء وقصص الحنين؟

قضية اللاجئين الفلسطينيين ليست قضية أفراد وحسب، بل هي قضية شعب، والشعوب لا تموت بموت أفرادها، لأن كل جيل يورث الجيل الذي يخلفه ذات الشخصية وذات الرواية وذات الروح، والقول بموت قضية بمجرد موت شهودها الأوائل هو دعوة صريحة لكل دولة قوية لممارسة الظلم والعدوان على الضعفاء في الأرض، إذ يكفي مرور جيل أو جيلين يموت فيهما الشهود الأوائل، ليكتسب العدوان شرعيةً ولتمحى حقوق المظلومين لأنهم ماتوا!

إذاً لماذا لا تزال ألمانيا تدفع تعويضات لدولة الاحتلال على مذابح النازية إلى اليوم مع أن قادة ألمانيا المعاصرين لم يكونوا أحياءً في زمن تلك الفظائع؟ ولماذا تسعى الولايات المتحدة إلى إدانة تركيا بمذابح الأرمن رغم أن من اقترف تلك المذابح قد جرت عليهم سنّة الفناء؟!

والسؤال الثاني يحمل جوهر السؤال الأول، إذ هل طمس ملامح الأرض وإزالة أملاك اللاجئين مبرر كاف لنزع شرعية الحق من صاحبه؟! إن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم معلل بأنهم قد هجروا منها قسراً، وكل تغيير يطرأ في سنوات العدوان فإن المعتدي هو من يتحمل مسؤوليته وليس الضحية.

بل إن هناك بالإضافة إلى مبدئية هذا الحق، إمكانيةً واقعيةً لتنفيذ حق العودة، إذ إن غالبية أراضي اللاجئين داخل فلسطين المحتلة لا تزال حتى اليوم فارغةً أو قليلة الكثافة السكانية، وفق دارسات مستفيضة أجراها المؤرخ الفلسطيني سلمان أبو ستة صاحب كتاب "العودة حق مقدس وقانوني وممكن"، وذلك بسبب تركز السكان الإسرائيليين في أقل من 20 في المئة من المساحة الجغرافية، ولو قرر خمسة ملايين يهودي حول العالم في أي لحظة أن يأتوا إلى المطارات الإسرائيلية ويطلبوا الإقامة فيها، هل ستتذرع حكومة الاحتلال وقتها بأنه لا توجد مساحة كافية لاستيعابهم؟!

إن الأرض تتسع لعودة كل اللاجئين الفلسطينيين، لكن سبب منعهم من العودة عنصري يتمثل في أنهم لم يولدوا لأب وأم يهوديين.

أما عن السؤال الثالث، فإن إسرائيل حقيقة واقعة، هذا حق، لكن وجود سبعة لاجئين فلسطينيين هو حقيقة واقعة أيضاً، وإن معاناة هؤلاء اللاجئين بسبب تهجير دولة الاحتلال لهم حقيقة واقعة، وإن إصرارهم على العودة هو حقيقة واقعة أيضاً، وما دامت هناك انتقائية في رؤية بعض الحقائق والتنكر لحقائق أخرى يدفع الملايين ثمنها دموعاً ودماءً منذ عقود طويلة فلن يكون هناك استقرار حقيقي.

الاستقرار لا يكون إلا بتحقيق العدل، والأمن لن يتحقق إلا برفع الظلم. لقد بنت دولة إسرائيل وجودها ورفاهية مواطنيها اليهود على حساب معاناة ملايين البشر الآخرين، لذلك فإنها لن تنعم بأمن حقيقي. وإن الأمن الذي يقوم على القوة وحدها هو أمن هش يؤجل انفجار المشكلة ولا يعالج جذورها.

لن تسمح دولة الاحتلال بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم إلا إن حدث انقلاب جذري في موازين القوى، لكن من الضروري إعطاء حق العودة مركزية الاهتمام في الكفاح الفلسطيني والرواية الفلسطينية، إذ إن وضوح هذه القضية وبساطتها يمثل إلهاماً وقوة جذب أخلاقي للمؤمنين بالحق والعدل في العالم.

حق العودة ليس قضية اللاجئين وحدهم، بل هي قضية أممية ينخرط فيها كل إنسان حر قرر أن يقف في الجانب الصحيح من التاريخ، وأن ينحاز إلى المستضعفين أصحاب الحق ضد الذين يمارسون الظلم والتهجير والإحلال والتمييز العنصري على الضعفاء في أي مكان.


 

(عربي 21) لندن

 

رحمانية الدين

بعد جائحة كورونا

أحمد أبو رتيمة

 

تجاوزت تداعيات كورونا الآثار الصحية والاقتصادية لتثير نقاشا فكريّا حول منظومة القيم السائدة في العالم، خاصة مع ظهور قصور فادح في قضايا كان بريق العمران وزخرف الحضارة يحثانا على الاعتقاد بأن الإنسانية قد تجاوزتها، لكن اختبار كورونا أثبت أن التطور البشري كان أحادي البعد وليس شاملا.

فالإنسانية تقدمت في تيسير التواصل والاتصال حتى أصبح العالم قرية صغيرة، وتقدمت في الصناعة وتسخير الطبيعة، وتقدمت أحيانا في حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، لكنها في الوقت ذاته لم تتقدم أخلاقيا بما يكفي للقضاء على مشكلات الجوع والمرض والفقر. وكان زمن كورونا فرصة مهمة لإجراء مقارنة بين الإنفاق المهول على الأسلحة وصناعة الحروب، وبين الإنفاق المتواضع على تحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الصحي وتطوير أبحاث الطب والأدوية.

وكان من الطبيعي أن ينخرط كثير من المسلمين في هذا النوع من النقاش، مدفوعين بوعي جماعي بأن دين الإسلام يتضمن رؤية حضارية منافسة، وأن انكشاف سوأة المنظومة القائمة هو فرصة للتعريف بالشكل الجديد الذي يمكن بناؤه.

لكن هذا النقاش غلبت عليه الحماسة العاطفية أكثر من التفكيك العلمي للواقع، فقرأنا كثيرا من الفرح بمظاهر مثل رفع الأذان في بعض العواصم الأوروبية، أو ترويج أخبار لا رصيد لها من الدقة عن موجات اعتناق غير المسلمين للدين الإسلامي!

رفع الأذان في بعض العواصم الأوروبية جاء من داخل إطار شروط الثقافة الغربية، فلا يعد انتصارا للمسلمين لأنه لم يمثل انقلابا في القيم الغربية ولا تخليا عن الهوية الحضارية، بل هو أقرب إلى أن يكون شهادة للغرب بأنه يقدر التعدد الثقافي والتسامح في الأوقات الصعبة.

أما قصة دخول غير المسلمين في دين الإسلام فهي تتضمن تبسيطا مخلا بمسألة جوهرية، إذ ليس من اليسير على الفرد أن ينقلب جذريا عن هويته الدينية والثقافية والاجتماعية، وحين يحدث ذلك فإنه يحدث في ظروف فردية خاصة. وغير المسلمين لا ينظرون إلى الإسلام بذات نظرة المسلمين، إذ لا يعتقدون أن من الضروري عليهم التحول إلى الإسلام حتى لو عرفوا بعض فضائله أو عرفوا بعض مساوئ المنظومة الثقافية التي نشأوا فيها، ومجرد معرفة عابرة للإنسان بأفضلية مذهب أو شخص هو أمر غير كاف لاستفزازه للتفرغ البحثي له. فنحن مثلا نسمع كثيرا عن حكماء الصين مثل كونفوشيوس ولاو تسه، لكن نادرا ما يتطور هذا السماع إلى تولد رغبة في قراءة كتبهم والتفرغ للإحاطة بتعاليمهم!

يشعر كثير من أمم الأرض بتفشي الظلم وضنك الحياة والحاجة إلى ولادة عالم جديد أكثر أخلاقية وإنسانية، لكن هذا لا يقتضي بالضرورة اعتقادها مثلا بأن الإسلام يمتلك الرؤية الإصلاحية المنشودة للعالم.

كذلك فإن فكرة تحول الأمم إلى دين الإسلام بالطريقة المتخيلة التي تسكن قلوب كثير من المسلمين هي فكرة منافية لمعاني القرآن ذاته، إذ إن الله تعالى قدّر بحكمته تعدد الأمم، وهو عن قصد لم يجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَلَ?كِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ?فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ".

يعمل الدين لتحقيق هدف فردي، وهدف آخر أممي، فأما الأول فهو تزكية الفرد وتحريض قلبه على الإيمان والاستقامة، وهذا هو السياق الذي نفهم فيه تحول بعض غير المسلمين إلى الإسلام في المستوى الفردي. أما الهدف الأممي فهو إقامة العدل في الأرض والإصلاح فيها والرحمة للعالمين، وهذا لا يقتضي أن يؤمن كل الأفراد بل يقتضي إقامة منظومة علاقات تحقق العدل والإصلاح والرحمة، وفي ضوء هذه المنظومة يتعاون كل الناس على برامج وصيغ سياسية واجتماعية محددة، كما تعاون النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع قريش في حلف الفضول الذي كان يهدف إلى نصرة المظلوم، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

القرآن هو كتاب مفعم بالرحمة والسلام والطمأنينة، لكن صورته قد تكون مختلفة عند غير المسلمين. وقد لا تمثل هذه الصورة قوة جذب لهم لافتراض أنه يحتوي معنى متميزا يستحق البحث فيه على الأقل، وكثير من الغربيين الذين ينهكهم طغيان المادة ويشعرون بظمأ روحي فإنهم قد يتوجهون إلى البوذية وطقوس اليوغا، ذلك أن الصورة النمطية التي رسخت للبوذية في الوعي الإنساني الغربي مرتبطة بالروحانية والسلام، بينما الصورة العامة للإسلام عند غير المسلمين قد اختلطت بدلالات الصراع وإثارة الخوف من الخطر والصدام الحضاري، وهي صورة مسبقة تشيد جدرانا سميكة في قلوب من يحملها تصده عن السبيل.

في إحدى محاضراته يسهب المعلم الروحاني إيكارت تول في شرح ما أسماه "الوعي المستسلم"، ويقول إن هذه الحالة هي حقيقة كل الأديان، إنه حيز من الحضور الواعي يتجاوز الأفكار، استسلم لأي شكل تتخذه هذه اللحظة لأن الكون بأسره قد جلب لك هذا. هذا هو الاستسلام للرب، سيتوارى بناء الأنا الذي يعيش على المقاومة والرفض، ويكون هناك سلام في داخلك".

لو قرأ إيكارت تول القرآن بعقلية الباحث المتجرد، وليس شرطا بعقلية المسلم، لأمكنه أن يضيف بسهولة إلى كلامه أن أحد أكبر الأديان في العالم وهو الإسلام اشتق اسمه من مزيج "الاستسلام والسلام"، وهو ما يؤكد فكرته حول الوعي المستسلم الذي يجلب السلام إلى داخل الإنسان!

هؤلاء المحاضرون في الإرشاد الروحي أمثال إيكارت تول وواين داير وغيرهم كثيرا ما يستدلون بالمسيح وبوذا، بينما لا يستدلون من القرآن رغم أنه يعبر عن ذات المعاني وربما بطريقة أشد عمقا!

ربما أحد أسباب غياب حضور التأثير الإسلامي في التيار الروحي العالمي خارج دائرة المسلمين هو الانشغال بالأيديولوجية أكثر من الروحانية، والأيديولوجية تنشئ الجدران بين الناس وتغذي مشاعر الاختلاف والعداء، بينما الروحانية تنساب برقة مثل الماء فتروي الظامئين!

ثمة بعض التجارب الروحانية التي تستحق التقدير والتعزيز من داخل الحقل الإسلامي مثل التصوف وجماعة التبليغ، فهي تستلهم المعنى الروحاني في الدين وتعزل نفسها عن مكدرات الصراع والأدلجة فيرى فيها الظامئ واحة ظليلة في الصحراء يؤوي إليها.

أوجز القرآن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كلمة واحدة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". وفي القرآن حضور لجمال الروحانية التي يبشر الدين بها المتعبين من مشقة الحياة، فالدين هو السلام والنور والرحمة والطمأنينة: "ليخرج الناس من الظلمات إلى النور".. "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".. "فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".. "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى".. "فلنحيينه حياة طيبة".

إن ما ينقص البشرية اليوم ليس مزيدا من الرفاه المادي ووفرة الإنتاج، بل إن البشرية في توق إلى الرحمة والعدل والطمأنينة، وهي المعاني التي يتضمنها الدين لو أخلصناه من شوائب الصراع، واستلهمنا روحانيته ورحمانيته.

twitter.com/aburtema

"عربي21"

 

 

رمضان بلا تراويح..

المعنى الروحي

أحمد ابو رتيمة

 

في حادثة لم يعهدها المسلمون أغلقت المساجد وعطلت الجمعة والجماعات بسبب تفشي وباء كورونا حول العالم، ثم جاء رمضان على هذه الحال ليعلَن تعطل جماعة التراويح التي لا تمثل عبادة للمسلمين وحسب، بل تمثل مظهرا اجتماعيا ارتبط بإحياء أجواء رمضان والإحساس الاجتماعي به. وقد ورّثت هذه القرارات حزنا عميقا في نفوس من ألف هذه العادات طول حياته حتى إنها غدت جزءا من كينونة نفسه وشعوره بذاته.
الحزن في هذه اللحظة مسوَّغ، وهو مؤشر خير على تعلق قلوب المؤمنين بالمساجد، والمؤمن الذي يجد حياة روحه بالمسجد مثل السمكة التي تعلقت حياتها بالماء، غير أن السمكة لن تجد أوكسجينها خارج الماء أما المؤمن فسيجد الله في كل مكان.
أما السخط والجدل فهو أمر مختلف عن الحزن الوجداني، وهو يدل على عدم الانتباه إلى المعنى الروحي الذي يبطنه الله لنا في الأحداث.

حين شاع خبر وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ذهل المسلمون وهاجوا وماجوا، وكان أثبتهم في ذلك الموقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين خطب فيهم قائلا: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
الدرس العظيم الذي فقهه أبو بكر في تلك اللحظة العصيبة وبه استحق أن يكون صديقا هو أن الله تعالى لا يريد من المؤمنين أن يعبدوا الصور والمألوفات، حتى لو كان ذلك المألوف هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم ذاته، إنما يريد من المؤمنين أن يتجردوا لعبادته وحده.

الإنسان بطبيعته يجد راحته في المألوف ويخشى من الجديد، لأنه يريد أن يشعر أن هناك أرضا ثابتة يقف عليها وأن امتداده في الزمان غير مهدد. الجديد يقتضي طاقة روحية جديدة لتقبله، بينما يتكفل هوى النفس بإدمان المألوف حتى وإن اقتضى هذا المألوف في بداية عهده مجاهدة للنفس ومخالفة لهواها.
ولأن الله تعالى يعلم هذه الطبيعة للنفس البشرية، فقد اقتضت سنته تنويع الابتلاء كي يظل المؤمن في حالة تجدد روحي طوال حياته. فقد يبتلي الله تعالى المؤمن بالفقر ثم يبدل حاله بعد ذلك فيبتليه بالغنى، وقد يبتليه بالسجن ثم يبدل حاله فيبتليه بالحرية، وقد يبتليه بالمرض ثم يبدل حاله فيبتليه بالعافية، وقد يبتليه بالاستضعاف ثم يبدل حاله فيبتليه بالتمكين.

لو ابتلي إنسان بالسجن طوال حياته، فإنه سيألف السجن بعد بضع سنوات، فلا يبقى السجن مقياسا دقيقا لتجدد حالته الروحية، فقد تقتضي حكمة الله تعالى أن تتبدل حاله ليدخل طورا جديدا من الاختبار.
وهذا ما تضمنته آية القرآن: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة"، وفي آية أخرى: "ثم صرفكم عنهم ليبتليكم"، فكان الابتلاء هنا في توقف القتال وليس في القتال!
حقيقة عبادة الله أن يتجرد المؤمن لله تعالى وحده وأن يتحرر من عبادة أي صورة، حتى لو كانت هذه الصورة هي الشعيرة ذاتها.
يصوم المؤمن تقربا لله، لكن قد يصل به الحال في مرحلة معينة إلى أن يتعود جسمه ونظامه الغذائي على الصوم فتأتيه رخصة معتبرة شرعا من الله بالإفطار فيأبى الإفطار، في هذه اللحظة يصبح صيامه هوى وليس عبادة، لأن عبادة الله تعني أن يدور قلبه مع الله في كل أحواله، ولذلك كانت هناك أحاديث تنهى عن صيام أيام الأعياد والتشريق مثلا، فعبادة الله في تلك الأيام أن يأكل المؤمن ويشرب.
هناك حديث مروي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "‏ما زالت أمتي بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور".

من اليسير فهم أمر الدين بالصوم، لكن كيف نفهم الحث على تعجيل الفطور واعتبار ذلك مؤشرا على خيرية الأمة!

الجواب (والله أعلم) أن التعجيل بالفطور يعني أن الإنسان ملتزم بالدين من طرفيه، فهو عبد لله في كل الأحوال وليس عبدا للعادة، يلتزم بالصوم أولا، لكن هذا الالتزام مقيد بالحد والمدى الذي شرعه الله له. فالصوم ليس غاية تقصد لذاتها ولو كانت مرضاة الله في الأكل آناء الليل وأطراف النهار لما تردد في فعل ذلك، وهذا يعني أنه متحرر من أي هوى ظاهريا أو باطنيا، وأنه لم يعد متبعا لحظوظ نفسه وميولها إلى أي اتجاه كان هذا الميل..
نفهم كيف يكون إفطار رمضان اتباعا للهوى، ولكن كيف يكون إطالة أمد ساعات الصوم وتأخير الإفطار كذلك، مع أن تأخير الإفطار يسبب للإنسان مزيدا من الجوع والعطش؟
إن الإنسان يملك قدرة هائلة على التأقلم والتعويض، فإذا حرم من شيء فإنه مع مرور الوقت يألف هذا الحرمان فيصير مصدر استمتاع وتلذذ له..

يألف بعض الفقراء الفقر حتى يصير جزءا من كينونتهم النفسية، فإذا جاءتهم فرصة للغنى زهدوا بها، وإن سعوا إليها لم يكن سعيهم جادا لأن هناك دافعا عميقا لا شعوريا في داخلهم باللذة والتأقلم مع الفقر. وقد حدثني أحد رؤساء العمل الخيري أن هناك من العائلات من تلقت أموالا ومساعدات تكفي لتغيير أسلوب حياتها، لكن شيئا في داخل نفوسها يشعرها بالرضى في بقاء نمط الفقر والحاجة.
مثال آخر هو القتال الذي تكرهه النفس، إلا أن المقاتل مع طول الإلف تتولد في نفسه شهوة تدفعه إلى مواصلة القتال، وتحيّن فرصه. وهنا تكون مجاهدته لنفسه ليست في أن يقاتل، ولكن في ألا يقاتل حين لا يكون القتال ضروريا لإحقاق الحق والعدل..
التحرر الحقيقي ليس في ترك القتال كلية ولا في اعتماده كلية، بل في تجرد النفس من أي هوى، فإذا اقتضى الأمر قتالا قاتل الإنسان وإذا اقتضى سلما سالم دون أن تستهويه حالة يدمنها.
إذا صدقت نية المؤمن بأنه يصلي الجماعة تقربا إلى الله وليس لأنه تعود على ذلك، فإن مقياس صدق ذلك أن يصلي الجماعة طلبا لروح التقرب إلى الله وليس إلفا لصورتها. فحين تكون الجماعة مستحبة في الوضع الطبيعي يسارع إليها، لكن حين تأتي رخصة معتبرة شرعا بألا يذهب إلى الجماعة، فلو أصر في هذه الحال على الذهاب للجماعة دون اعتبار للضرر أو لنصيحة الأطباء (أهل الذكر) فهو يتبع هوى نفسه الذي ألف الصورة أكثر مما يتبع دين الله..
كل صورة يدمنها الإنسان من دون الله هي مثال للشرك الخفي، والله تعالى يغار على عباده المؤمنين، فإذا علم في نفوسهم تعلقا بصورة من الصور أجرى عليهم سنة الفقد وتبديل الأحوال ليخلِصَهم له وحده لا شريك له.

"عربي21"

 

 

العزلة في زمن كورونا

أحمد أبو رتيمة

 

أجبر تفشي جائحة كورونا مئات الملايين من الناس حول العالم على التزام بيوتهم وعدم مخالطة الأصدقاء والأقارب، بما يمثل انقطاعاً مفاجئاً عن أسلوب الحياة الذي ألفوه منذ نشأتهم. ومن الطبيعي أن هذا الواقع الاضطراري الجديد قد غذى مشاعر الضيق والاكتئاب والفراغ في نفوس كثير من الناس، حتى إن لاعبة تنس روسيةً شهيرةً وزعت رقم هاتفها على الملأ سائلةً متابعيها أن يتواصلوا معها، في محاولة منها لملء أوقات الفراغ.

ينظر أكثر الناس إلى الاعتزال بأنه عقوبة ثقيلة على النفس، لكنها في الحقيقة نعمة عظيمة، بل هي ضرورة وجودية.

في قصة الرهان للأديب الروسي الكبير أنطون تشيخوف في القرن التاسع عشر، والتي ترجمها الفنان ياسر العظمة إلى عمل درامي، فإن مصرفياً يملك ثروةً طائلةً راهن محامياً بأن يدفع له مليوني روبل إذا استطاعَ أن يَعيش مُنعزلاً في حبس انفرادي خمسة عشر عاماً. وقد سجن المُحامي في غُرفة صغيرة وكان يشعر في أيامه الأولى بالوحدة الشديدة والاكتئاب، لكنه مع مرور الوقت بدأ يلج إلى عالم الكتب ويسبح في بحار العلم، فدرس اللغات والأدب والفيزياء، ثم قرأ الإنجيل وتاريخ الدين والفلسفة، وقرأ روايات شكسبير وبايرون .

ولما اقترب موعد انتهاء المدة وشارف المصرفي على خسارة ثروته ذهب إلى غرفة السجن فوجد السجين قد غادر عزلته قبل انتهاء المدة بوقت قصير وترك له رسالة كتب فيها: "حين قبلت الرهان كان هدفي الحصول على المال، لكني قبل انقضاء الوقت بقليل قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة فقيراً.

خلال سجني لم أجد مؤنساً لي إلا الكتاب فأقبلت ألتهم الكتب التهاما وكأنها غذائي وكسائي، حلقت في قراءاتي في غياهب الكون وفي مجاهل الطبيعة، قرأت التاريخ والجغرافيا والفلسفة والطب، تبحرت في التاريخ قديمه وحديثه وعجبت من مصائر الدول، استغرقتني كتب الجغرافيا فإذا بي أطوف حول العالم وأصعد الجبال وأهبط الوديان وأتأمل صنع الله وأنا ساكن في مكاني، تعلمت سبع لغات أجنبية وقرأت بواسطتها كثيراً مما أنتجه العقل والخيال الإنساني، عشت الحياة بكل تفاصيلها ولم أشعر يوماً أني مسجون بل حر طليق أتجول كيف أشاء وأطير في أي سماء، قرأت الأديان وعرفت الإله وتوحدت معه وسبحت بحمده. أنا لم أخسر بل ربحت كنوز المعرفة، وليهنأ كل منا بثروته".

إن أكثر الناس لم يعتادوا العيش في خلوة مع أنفسهم، مع أن الإنسان لن يعرف نفسه إلا إذا تجردت من العوالق الخارجية واعتزلت ضوضاء الحياة وضجيجها، وبذلك فإن أكثر الناس يمرون على هذه الحياة ويغادرونها دون أن يعرفوا أنفسهم: "نسوا الله فأنساهم أنفسهم".

يخشى الإنسان مواجهة نفسه لأنه لا يريد الإنصات إلى النداء الداخلي المنبعث من روحه، ذلك النداء هو القول الثقيل الذي يلح عليه باتباع الحق، وإن الحق يورث الشعور بالغربة لأن أكثر الناس للحق كارهون. العزلة تجلي للإنسان ذاته الحقيقية بينما تطمس الخُلطة هذه الذات، والذات الحقيقية وحدها التي تبقى مع الإنسان لأنها جوهره: "وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً".

يهرب الإنسان من ذاته بالإشغال، فيشغلها بمجالس السمر والرحلات واللهو واللغو، فإذا انفض عنه الأصحاب شغلها بالأفلام والمسلسلات ووسائل التواصل والدردشة، فإن عدم كل ذلك شغلها بالاستماع للأغاني أو النوم والطعام، وهو في كل ذلك يسعى جاهداً للتشويش على صوته الداخلي ويأبى أن يسمعه.

العزلة تهدي الإنسان إلى الحق لأنه يتفكر متجرداً من ضغط الثقافة ويتحرر من الحرص على مهادنة الملأ، لذلك دعا القرآن المكذبين به إلى الانسحاب من ضغط المجموع: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا".

العزلة هي أن ينسحب الإنسان من الأشياء وأن يبقى مع جوهر ذاته، لذلك ليس كل عزلة جسدية هي عزلة روحية، ففي زمن الإنترنت يمكن للمرء أن ينعزل جسداً لكنه لا يغادر ضجيج الحياة ويبقى في لغو الناس ولهوهم، وقد يصمت المرء بلسانه لكن قلبه يموج بالخواطر والصراعات، فهذا لم يبلغ السكون أيضاً، إنما السكون أن يصمت المرء من الخارج وأن تصمت أفكاره في داخل عقله وأن تسبح روحه في الملكوت، وهي درجة ليست يسيرةً على نفوسنا، لكن من ذاق عرف، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

ذاق كثير من المتصوفة والعارفين هذه الحالة بعد مجاهدة أنفسهم بالاعتزال، فعبروا عن حالة الفرح والسلام التي غمرتهم بأنها الجنة ولم يعد يغريهم في الجنة فاكهة ولحم طير مما يشتهون، بل يجذبهم إليها حالة السلام والرضوان وتذوق حضور الله. وقال أحدهم لو علم الملوك السعادة التي في قلوبنا لجالدونا عليها بالسيوف، وهي حالة معايشة لا يبلغها المرء بجدل الأفكار بل بالسياحة في أعماق روحه، وهي حالة عابرة، لها أمثال في كل الأمم والشرائع.

هل فهمنا لماذا اعتكف النبي محمد في غار حراء قبل تنزل الرسالة؟ ولماذا واعد الله موسى أربعين ليلةً؟ ولماذا نظر إبراهيم في ملكوت السماوات والأرض؟ ولماذا جلس بوذا تحت شجرة التين قبل أن ينقدح فيه التنوير؟

في القرآن أيضاً قصة فتية الكهف: "فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً"، لقد عجز الفتية عن إصلاح العالم الخارجي فألهمهم الله أن ينقذوا عالمهم الداخلي: "إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً". في الكهف يمتلئ المؤمن بالنور وتتنزل عليه رحمات الله إذ اعتزل الظلم والطغيان.

في بداية سورة الكهف قصة فتية الكهف المستضعفين المطاردين، وفي نهايتها قصة ذي القرنين الذي مكن له في الأرض حتى بلغ مغرب الشمس ومشرقها، والمعنيان متكاملان، فامتلاء العالم الداخلي في كهف التأمل في زمان الضعف هو الذي يفيض على العالم الخارجي العدل والإصلاح في زمن القوة، وكل امرئ لا بد له من كهف من العزلة الروحية يأوي إليها حيناً من الوقت، مثل الاعتكاف في رمضان وغيره، كي لا يشغله ضجيج الحياة عن نفسه فيكون براقاً من الخارج فارغاً من الداخل.

 

 "عربي21"

 

 

هل فيروس كورونا

 غضب من الله؟ (2)

احمد ابو رتيمة

 

يقول كثير من الناس إنه لا داعي لإقحام الدين في تفسير الظواهر الطبيعية، وإنه يجب فهم هذه الظواهر ضمن القوانين المادية.

أتفق مع جزء من هذا القول وأختلف مع جزء آخر منه.. أتفق مع أننا نحتاج العقل الفاعل الذي يفكك الظواهر الطبيعية ويكتشف قوانينها ويبدع الحلول للمشكلات التي تواجهه في إطار هذه القوانين بعيداً عن الاتكال القدري والكسل المعرفي والعجز العملي، لكني أختلف مع الدعوة إلى تحييد الدين كليةً من فهم ظواهر الحياة، إذ إن هذه الدعوة تتناقض مع طبيعة الدين الذي يقدم رؤيةً شاملةً للحياة. فالقرآن يقدم إطاراً تفسيرياً للظواهر الكونية والمصائب الطبيعية والأحداث التاريخية، والقول إنه يجب عدم إقحام الدين هو تعطيل لفاعلية جزء حيوي من مساحة الدين.

المشكلة ليست في تقديم تفسير ديني للأحداث الطبيعية، فالمؤمن لا ينفصل عن مرجعيته الغيبية في تفاعله مع الحياة وفهم أحداثها، إنما المشكلة في خلق تناقض متوهم بين التفسير الديني والتفسير الطبيعي للأحداث. فالدين يوقظ بصائرنا تجاه البعد الروحي لهذه الحياة، ليس بقصد تعطيل البعد المادي، بل بقصد الإضافة والإثراء له وإعطاء المعنى الأخلاقي الغائي التوحيدي لأحداث الحياة المتفرقة.

بكلمات أخرى: فإن المؤمن لا يسعه إلا أن يؤمن بأن لله تعالى علماً وحكمةً وتدبيراً في كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، لكن فعل الله ليس منفصلاً عن قوانين الطبيعة، لأن الله تعالى لا يكلم البشر كفاحاً، إنما يكلمهم عبر السنن "القوانين" التي أودعها في ثنايا الوجود. فقوانين الطبيعة هي كلمات الله إلى عباده: "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ"، وبهذه المقاربة فإننا نصل ما أمر الله به أن يوصل ونجسر القطيعة بين الدين والعلم.

إن كثيراً من الذين يرفضون تدخل الدين في تفسير ظواهر الطبيعة يلجأون إلى عقلنة الطبيعة لنسبة الأحداث إليها فيقولون مثلاً: "غضب الطبيعة، انتقام الطبيعة، عدالة الطبيعة...". إذاً ما الذي يمنع أن يكون "الله" هو المعادل الموضوعي لكلمة "الطبيعة" مع إضافة معاني الحكمة والعلم والإحاطة والرحمة إليها؟ ما الذي سيبقى حينها من فرق جوهري بين النظرة المادية والنظرة الروحية للحياة؟

في الخامس من آذار/ مارس الجاري، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية واسعة الانتشار مقالاً للصحفي الصيني ووفي يو، بعنوان: "هل فيروس الكورونا هو انتقام البنجول؟".

كتب كاتب المقال أن هناك احتمالاً أن يكون فيروس كورونا الجديد قد انتقل إلى البشر عن طريق حيوان البنجول الذي يعتبر طعاماً شهياً في الصين، وأنه بالرغم من حظر الصين تجارة الحيوانات البرية إلا أن البنجول هو أكثر الثدييات التي يتم الاتجار بها في العالم، وهو ما أغضب الرئيس الصيني في بداية الشهر الحالي ودفعه لتوبيخ كبار المسؤولين، في إشارة منه إلى ضرورة توقف عادات أكل هذا الحيوان حفاظاً على الصحة العامة.

وفق تقرير صادر عن مجموعة مختصة بالدفاع عن الحياة البرية عام 2016، فقد تم صيد أكثر من مليون من البنجول خلال العقد الماضي، وإن هذا الحيوان على وشك الانقراض بسبب الإسراف في اصطياده وأكله ومخالفة القوانين الدولية التي تحظر ذلك.

يستشهد الكاتب الصيني بمقولات من الكتب الصينية القديمة التي حذرت من أكل الحيوانات البرية، مثل البنجول والثعابين والخنزير، ورغم ذلك فإنه منذ الحظر الذي فرضته الحكومة الصينية الشهر الماضي على الحيوانات البرية لا يزال الصينيون يسألون عبر مواقع التواصل الاجتماعي الصينية عن الحيوانات البرية التي يستطيعون أكلها!

يختم الكاتب الصيني مقالته في نيويورك تايمز بطرح سؤال: "هل نقل البنجول فيروس كورونا إلى البشر؟ هل "covid19" هو ثأر البنجول منا بسبب تهديدنا له بالانقراض؟

في ضوء هذه القصة التي يحضرها لنا صحفي صيني من عمق الحدث وتنشرها إحدى أكبر صحف العالم، وهي صحيفة ليست سلفية التوجه قطعاً، نقترب بعقلانية من مفاهيم دينية مثل النهي عن الإسراف: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، ومثل التوازن البيئي والعقوبة الطبيعية لمن يخل بهذا التوازن: "إنا كل شيء خلقناه بقدر"، "ألا تطغوا في الميزان".

الميزان هو النظام المهيمن على أرجاء الوجود، ومن يطغى فيه يلاقي عقوبةً من جنس عمله. هناك من يسمي هذه العقوبة "انتقام الطبيعة"، أما المؤمنون فيرونها تجلياً ليد الله العاملة في الطبيعة.

قبل شهور قليلة اندلعت حرائق هائلة في أستراليا التهمت ملايين الأفدنة وأدت، وفق بعض التقديرات، إلى نفوق أكثر من مليار كائن حي من الحيوانات والطيور والحشرات، وقبل ذلك التهمت الحرائق أجزاءً كبيرةً من غابات الأمازون (رئة العالم) وحوض الكونغو في أفريقيا، ثاني أكبر رئة خضراء في العالم.

وقد فسر خبراء ازدياد هذه الحرائق بالتغير المناخي، حيث أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة التبخر وجفاف التربة والمواد العضوية النباتية التي تصبح وقودا قابلًا للاشتعال. أما التغير المناخي فيرجع سببه إلى السلوك البشري في عصر الصناعة، في المئة والخمسين سنةً الأخيرة، والذي تمثل في الإسراف في استخراج الوقود الأحفوري مما أدى إلى إطلاق غازات تحبس الحرارة. وبالرغم من المخاطر المحدقة بالبيئة والمتمثلة في ازدياد الحرائق والمخاوف من انقراض 20 في المئة من أنواع الحياة البرية مع حلول عام 2050، إلا أن جشع رأس المال لا يزال متفوقاً على المسؤولية الأخلاقية، وهذا ما تجلى بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، إذ تدعو اتفاقية المناخ إلى مزيد من مسؤولية الدول تجاه البيئة، بينما الولايات المتحدة هي أكثر الدول المتسببة في انبعاث غازات الاحتباس الحراري.

هذا الاضطراب في النظام البيئي بسبب أفعال الإنسان هو الفساد في لغة القرآن: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".

هذه الآية تنطوي على ثلاث فوائد، الأولى هي المسؤولية الإنسانية في هذا الكوكب، إذ إن الكوارث البيئية هي النتيجة الطبيعية لإفساد الإنسان وثمة علاقة عضوية بين النتيجة والسبب، والفائدة الثانية هي عموم القانون، فالله تعالى ليس منحازاً قومياً إلى المسلمين أو اليهود أو الهندوس، بل إن هذه القوانين تتناول الناس كافةً ومن يعمل سوءً يجز به، وبذلك لا تصح انتقائية التفسير الديني ليوافق أهواءنا المذهبية والطائفية والقومية، إنما يجب فهمها في سياق إنساني موضوعي. فالإسراف والظلم والإفساد والكسل في العلم يعاقَب صاحبها أياً كانت شريعته: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب". أما الفائدة الثالثة فهي أن المصائب التي تصيب البشر ليست انتقاميةً في اتجاه واحد، بل إن لها غايةً تأديبيةً تتمثل في دفع الناس إلى الرجوع إلى الطريق الصحيح، لذلك لا تعارض بين وقوع المصيبة وبين انكشافها بعد حين، فإنما هي تذكرة ونذر إلهية لقوم يعقلون.

وكما أن للحياة الطبيعية ميزاناً يعاقَب من يخرج عنه، فإن للعلاقات الإنسانية ذات الميزان أيضاً، وفي مثال كورونا يظهر أن بنية الخوف وانعدام الشفافية التي بني عليها النظام السياسي الصيني ساهمت بأثر سلبي في تفشي المرض وفقدان فرصة تطويقه في مهده، وفي هذا المعنى تقول الباحثة إليزابيث إيكونوم:

"
إن الصين فقدت وقتاً ثميناً في معالجة الأزمة بسبب نظامها السياسي وتصميمها على إسكات الأصوات المستقلة"، وإنه "تحت حكم شي جين بينغ، أصبح المسؤولون المحليون أكثر خوفاً من الإقرار بأنّ الأمور لا تسير على ما يرام. وقد أعاق هذا أيضاً الاستجابة الفعالة".

يمكن صياغة معادلة رياضية: التسلط السياسي والتحكم في المعلومات يقود إلى الخوف وإسكات الحقيقة وغياب الشفافية، فتتكاثر المشكلة في الخفاء قبل أن تنفجر في العلن ويكون الوقت قد فات لمحاصرتها.

هذا الذي حدث في الصين يشبه إلى حد كبير ما حدث في إيران التي لم تتعامل أيضاً بشفافية مع انتشار المرض منذ أيامه الأولى، واختلط التسلط بالجهل، وهو ما أدى إلى تحولها إلى واحدة من أكثر بؤر تفشي المرض وتصديره.

حين نقول إن الله يعاقب بالأمراض أو الحرائق أو الحرب والخوف أو الفقر والانهيار الاقتصادي، فإننا نقصد أن نقول إن الله يعاقب على الإفساد والإسراف والظلم والجهل، وهو جوهر ما يقوله الماديون من أن للإفساد والإسراف والظلم والجهل عقوبات طبيعيةً، غير أننا نربح البعد الإيماني وما يضيفه إلى الحياة المادية من طمأنينة وشعور بالمعنى والغاية، ويورثه من مسؤولية أخلاقية ورقابة ذاتية.

هذا لمن فقه الدين ووضع الإيمان في سياقه الصحيح، أما الذين يبنون تدينهم على الأمنيات والظنون والجهل والكسل الفكري فهم حجة على أنفسهم.

"
وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا".

" عربي21"

 

 

هل فيروس

كورونا غضب من الله؟

أحمد أبو رتيمة *

 

ثمة ميل قديم يرجع إلى نشأة الإنسان منذ فجر التاريخ بتفسير الكوارث الطبيعية أنها غضب من الله أو من "الآلهة" حسب زعمهم، وهذا الميل يرجع إلى الحاجة الإنسانية الفطرية إلى الارتباط بقوة وراء الطبيعة تهيمن على مجريات الأحداث وتتجاوز قدرتها القدرات البشرية المحدودة، وتملك ميزاناً أخلاقياً لحساب الناس على أفعالهم. وبدافع هذه الحاجة الفطرية اختلط العلم بالظن والحقيقة بالوهم، فهناك من قاده إيمانه بعالم الغيب إلى التقوى والاستقامة، بينما أكثر الأمم استعملت هذا المعنى بطريقة أهوائية لتنسب لنفسها ميزةً ليست لغيرها من أمم الأرض، فهي تريد للإله أن يتبع هواها: "نحن أبناء الله وأحباؤه". وتنتفخ نفس الإنسان من الغرور حتى يظن أنه محور الكون وأن قوى الطبيعة تتبع هواه من دون الناس، فكل ما أصاب غيره من كوارث فهو تجل للعدالة الإلهية بالانتقام من الكفار والأشرار، فإن أصابته ذات الكوارث نسي ما كان يدعو من قبل وعدها مجرد تقلبات طبيعية لظروف الدهر: "قد مس آباءنا الضراء والسراء".

في رد فعل معاكس لهذا الغلو الديني جاء الغلو المادي الذي أنكر أي بعد غيبي لهذه الحياة، وأعلن موت الإله، وأن كل ما يواجه الإنسان هي ظواهر طبيعية يمكن هزيمتها بالأسباب الطبيعية، وأنه لا قيمة لأي تفسير أخلاقي في تناول ظواهر الطبيعة، وإن هي إلا حياتنا الدنيا.

ثمة جملة من المفاهيم الدينية مثل أن الله هو خالق كل شيء ومدبر كل شيء، وأن ما يصيب الإنسان فهو من كسب يده: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير"، وأن الإيمان والصلاح يقود إلى الخير والبركة في هذه الحياة: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ولكن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ". كما يقص القرآن قصص أقوام كذبوا وظلموا فعاقبهم الله بالطوفان والصيحة والخسف والجراد والقمل.

في قصص الأنبياء كان هناك تدخل إلهي مباشر في الحياة البشرية، وهذا التدخل يتناسب مع ضعف سلطة الإنسان على الطبيعة في تلك الفترات التاريخية، فالإنسان كان يقف حائراً أمام الأعاصير والبراكين والميكروبات لا يستطيع ردها ولا يملك عنها تحويلاً. كانت تلك الكوارث تحصد الملايين أحياناً دون أن يملك الإنسان خياراً سوى التضرع إلى الله وانتظار انفراج هذه الكربة مستسلماً عاجزاً، فكانت طريقة عمل الله تعالى في تلك الأزمنة متناسبةً مع الحالة السائدة، وهذا يظهر في جانبين: جانب المعجزات التي تخرق مألوفات الطبيعة لإقناع الأقوام بصدق رسالات الأنبياء، أيضاً جانب العقوبات التي تنصر الأنبياء في مواجهة تكذيب الأقوام وعنادها بتدخل إلهي مباشر خارق لمألوفات الطبيعة.

لكن هذه المعجزات كانت تتعلق بأدوات التأييد والتعزيز للإيمان ولا تتعلق بجوهر حقيقته، إذ إن برهان الإيمان موضوعي وحقيقته الجوهرية تسري في كل زمان وكل مكان وعلى كل أمة.

في العصر الحديث ازداد الإنسان علماً فتوسعت مساحة المعلوم وضاقت مساحة الأساطير، ووضع الإنسان يده على كثير من أسرار الكون فتحرر من عبودية الجهل والخوف لظواهر الطبيعة، "وظن أهلها أنهم قادرون عليها"، وتمكن من تسخير كثير مما في السموات والأرض له بفضل اكتشاف القوانين. هذا التقدم العلمي أغرى الإنسان بالإعلان أن الحاجة إلى الدين انتهت، وأن هذه الحاجة كانت تنتمي إلى أزمنة تاريخية سابقة، وأن ما لا يجيب عنه العلم اليوم فسيجيب عنه المزيد من العلم غداً.

"
ما لا يجيب عنه العلم سيجيب عنه المزيد من العلم"، هي عبارة صحيحة وخالية من العلة، العلة هي في خلق التعارض بين الدين والعلم، والله تعالى حين يخبرنا في القرآن الكريم عن عمله في تدبير شؤون الخلق، فهو لا يقصر تدخله بطريقة خوارق العادة، بل إن القوانين ذاتها هي تجليات لعمل الله تعالى.

مثلاً، فإن كلمة "آية" تشير أحياناً إلى معجزة مثل تكلم عيسى في المهد أو إغراق فرعون في اليم، لكن كلمة "آية" تشير في مئات المواضع في القرآن الكريم إلى الظواهر الطبيعية التي نراها حولنا كل يوم: "ومن آياته منامكم في الليل والنهار وابتغاؤكم من فضله"، "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً"، "ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات"، "ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته". إن أكثر الأمور إلفاً لنا مثل قانون الطفو والنوم وضياء النهار وهبوب الرياح والتزاوج بين البشر وتعدد اللغات وتكون الجنين، هي آيات يتجلى فيها عمل الله تعالى، فالله لا يتواصل مع عباده بالمعجزات فقط، بل إن التواصل بالمعجزات هو استثناء نادر جداً، إنما يتواصل معهم بواسطة القوانين التي يعيشونها كل يوم حتى يدفع شدة إلف هذه الظواهر وتكرار حدوثها أكثر الناس إلى الغفلة عن المعنى الروحي الذي تتبطنه، لأن شدة القرب حجاب: "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم".

إن القرآن أيضاً حين يتحدث عن العذاب الإلهي في الدنيا فهو لا يقصره على الصورة التاريخية التي تحتل المخيلة التدينية العامة مثل الخسف والصيحة والطوفان، بل إن من تجليات العذاب الإلهي أفعال البشر من حروب واقتتال: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

إن تذييل هذه الآية بلفت النظر إلى تصريف الآيات والدعوة إلى التفقه تأكيد على حضور الفعل الإلهي في الأفعال البشرية المعتادة، فليس ثمة تناقض بين تفسير الظواهر الاجتماعية بأسبابها المادية وبين نسبة ذلك إلى الله كونه خالق هذه القوانين ومدبر كل شيء، وفي ذات المعنى يقول القرآن: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، فالفعل الإلهي باق في كل زمان لكن تجلياته متعددة وإن من تمام تكريم الإنسان أن تزيد سلطته على الطبيعة، فيبادر بذاته بالفعل ويملك القدرة على تغيير التاريخ. لكن هذا لا يعني "موت الإله" وفق النظرة المادية المتطرفة، بل يعني أن الإله يعمل على هذه الأرض من خلال هداية الإنسان الذي نفخ فيه من روحه، إلى سننه.

في سورة محمد إشارة صريحة: "ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض". إن الأمر يشبه أن يدرب الأب طفله على الاعتماد على نفسه، فإذا نضج الولد تركه الأب ليفعل بنفسه ويتحمل نتيجة فعله، ولله المثل الأعلى، لكن هذا المثل لتقريب المعنى، حين كان الإنسان في أزمنة الأنبياء السابقين مقهوراً من قوى الطبيعة كانت هناك حاجة في بعض الأحيان لتدخل إلهي مباشر عن طريق المعجزة، لكن حين نضج الوعي الإنساني أظهر الله آية التدافع بين الأمم ليأخذ الناس زمام صناعة التاريخ بأنفسهم، فيقهر الظالمون بنمو قوىً جديدة من بين المظلومين تأخذ بأسباب القوة والتمكين فتكون قدراً على الظالمين.

في ضوء هذه الرؤية: هل يمكن اعتبار كورونا عقاباً من الله؟

إن كل ما يحدث على هذه الأرض هو لحكمة ظاهرة أو باطنة، ولو قال أحدهم: "إن هذه الفيروسات الهشة تحطم غرور الإنسان وتظهر ضعفه ووهم شعوره بالقوة" فهل نعد هذه المقولة ماديةً أم دينيةً؟

هي مقولة مادية بالنظر إلى التسلسل المنطقي بين أجزائها، وهي في جوهرها مقولة دينية، إذ إن الله لا يتكلم مع البشر جهراً، والسنن الطبيعية هي كلمات الله التي لا تنفد. والمعنى الذي تتضمنه الفيروسات هو أن الإنسان مهما بلغت قوته فإن الضعف يحاصره من بين يديه ومن خلفه، وإذا علم الإنسان ضعفه كان أجدى به أن يخشع ويتواضع ولا يتكبر إلا أن يقسو قلبه فلا ينتفع بالآيات.

إن شرط الانتفاع بالآيات هو الإيمان، ومن لم يؤمن فلن تغني عنه كل الآيات والنذر، وتوصل البشر لمصل مضاد لهذا الفيروس لن يلغي الإشارة الإلهية المتضمنة فيه، وآيات الله لا تنفد، ففي كل يوم وفي كل زاوية من هذا الكون ثمة إشارات ودلالات لقوم يتفكرون.

إن التنبه إلى البعد الروحي في الحوادث يهذب نفس الإنسان ويجعله أكثر إنصاتاً لموازين العدل التي بني عليها هذا الكون، دون أن يعطل ذلك تفاعله الفكري مع الحياة، لكن الخطر يتمثل في استغلال هذه المفاهيم بطريقة انتقائية أهوائية، ولتجنب هذا الاستغلال فإن قيمة الفهم الروحي ليس في كونه مادةً للجدل الفكري أو الشعور بالأفضلية القومية على الأمم الأخرى، بل قيمته هو ما يبنى عليه من تهذيب النفس ورفع مستوى الرقابة الأخلاقية وعدم تكبر الإنسان على الخالق مهما زاد علمه وعظم سلطانه.

·         كاتب فلسطيني - غزة (عربي 21)

 

الفصل الجديد من

التطهير العرقي في فلسطين

احمد ابو رتيمة

 

في مشهد مستفز للكرامة العربية، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقد جعل إلى جواره رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ينظر إليه كالطفل المدلل ويصافحه مرة بعد الأخرى بحميمية؛ ليعلن أنه لا أرض ولا عودة ولا حرية للفلسطينيين، وأن الأرض والسيادة والحدود والقدس لإسرائيل، أما ما يحتاجه الفلسطينيون فهو مجموعة من الوظائف لتحسين حياتهم الاقتصادية.
الأشد استفزازا هو حضور ممثلين عرب هذا الإعلان المشؤوم، وهو ما يعني أن الفلسطينيين سيفتقدون هذه المرة الظهير العربي في رفض الخطة الأمريكية، حتى في مستوى التضامن المعنوي والإدانة اللفظية. أما الدول التي لم تحضر الإعلان فهي غالبا لم تظهر رفضا جازما، وهو ما يعزز المخاوف بأنها شريك في هذه المؤامرة، خاصة في ضوء ذكر ترامب في بيانه أن دولا عربية ستمول الخطة.

الدلالة الكارثية لهذا الموقف العربي هو أن ترامب ليس وحده هو من تبنى المطالب الاسرائيلية بكليتها، دون اعتبار للنضال الفلسطيني التاريخي من أجل الحقوق الوطنية، بل إن دولا عربية وازنة اتخذت كذلك هذا الموقف الخطير وغير المسبوق.

 ترامب ليس وحده هو من تبنى المطالب الاسرائيلية بكليتها، دون اعتبار للنضال الفلسطيني التاريخي من أجل الحقوق الوطنية

مضمون الخطة يؤكد ما كان معروفا من قبل، وهو أن دولة إسرائيل التي قامت منذ يومها الأول على سياسات التهجير والاستيطان والفصل العنصري؛ لا تعترف بأي كينونة فلسطينية، أما السكان الأصليون ممثلين في الشعب الفلسطيني فهم إن لم تستطع إخفاءهم ماديا على خطى ما فعلته حليفتها الاستراتيجية أمريكا مع السكان الأصليين في القارة الأمريكية، فهي تسعى إلى إخفائهم سياسيا عبر التنكر لحقوقهم الوطنية والإنسانية في الأرض والسيادة والمساواة الإنسانية.

الجانب الإيجابي في صفقة ترامب أنها تبدد أي وهم بإمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، وأنها تعلن رسميا موت هذا الخيار الذي لم يكن يحمل عوامل النجاح منذ البداية. صفقة ترامب تشبه هنا دابة الأرض في قصة موت سليمان، إذ إن دابة الأرض لم تقتل سليمان إنما أعلنت موته حين أكلت منسأته فخرّ ساقطا على الأرض ليكتشف من حوله حقيقة موته.

فكرة حل الدولتين بنيت على أساس تصور خاطئ افترض أن إسرائيل مستعدة للتخلي عن طبيعتها الاستيطانية التوسعية العنصرية والقبول بكيان سياسي فلسطيني. وهذا الافتراض عدا عن كونه مجافيا للواقع، فهو أيضا منتقص للحقوق الفلسطينية الأساسية ولمبادئ حقوق الإنسان، وأهمها حق اللاجئين في العودة إلى قراهم وبلداتهم التي هجروا منها عام 1948، والتي هي الآن داخل حدود ما يعرف بإسرائيل.

 


حقيقة الأمر الواقع في فلسطين أنه لا توجد إلا دولة واحدة ذات سيادة وحكم بين البحر والنهر، وهي دولة إسرائيل، وأن رئيس السلطة الفلسطينية ذاته لا يملك التحرك من مدينة فلسطينية إلى أخرى إلا بموافقة إسرائيلية، وأن ملايين الفلسطينيين يعيشون على الأرض في غزة والضفة داخل جيتوهات مغلقة تحت تحكم السلطات الإسرائيلية، وأن إعلان إسرائيل ضم مستوطنات الضفة ووادي الأردن لا يبقي أي متسع للوهم بإمكانية صناعة السلام مع مشروع التوسع والأبارتهايد الإسرائيلي.

في مواجهة هذا التحدي التاريخي الصارخ للوجود الفلسطيني، ثمة العديد من مثبطات العمل الوطني الاستراتيجي تتحمل وزره المكونات السياسية في الشعب الفلسطيني. فواقع الانقسام أضعف الفلسطينيين وشجع إسرائيل على التمادي في التهام الأرض وتكريس مشروعها الاستيطاني العنصري. وقد ساهمت سلسلة من الأخطاء التي ارتكبتها القوى السياسية الفلسطينية في إضعاف أهم ورقة كان يمتلكها الفلسطينيون، وهي ورقة المقاومة الشعبية المستدامة التي ترتبط بغاية الحرية ذاتها دون إفسادها بانتقائية الاستحضار تلبية لحسابات سياسية ضيقة.


إن خطأ أوسلو عام 1993 ثم خطأ دخول حماس السلطة عام 2006؛ قد دفعا إلى تكوين طبقة من القيادات السياسية أقل ثورية وأشد حذرا إزاء الانخراط في مواجهة شاملة مع الاحتلال ترتبط بالأهداف الوطنية الكبرى، وبذلك تحولت مواجهة الاحتلال إلى أداة تحريكية ترتبط بحسابات المصالح وتخشى المغامرة وفقدان الاستقرار؛ أكثر من كونها فعلا استراتيجيا شاملا يخوضه شعب في سبيل نيل الحرية.

هذه الحالة السياسية الفلسطينية الداخلية هي من أعطت مشروع الاحتلال الاسرائيلي ضوءا أخضر للتمادي، بعد أن قدر أن ردود فعل القادة المهيمنين على الساحة الفلسطينية ستكون محسوبة ومكبلة.

هذا الإعلان الترامبي هو الأشد نيلا من حقوق الشعب الفلسطيني خلال تاريخ نضاله الطويل، وهو يضع ظهور الفلسطينيين إلى الحائط أمام خيارات صفرية: إما القبول بالأبارتهايد الإسرائيلي بصورته الفجة إلى آخر مدى، وإما الانخراط في موجة جديدة من النضال الوطني تستهدف إسقاط هذا النظام الإسرائيلي الاحتلالي العنصري وتوسيع المواجهة لتصير أكثر شمولا؛ ينخرط فيها كل الفلسطينيين خاصة في الضفة والـ48 وغزة، وأكثر استراتيجية؛ تتطلع إلى غاية الحرية على غرار تجربة جنوب أفريقيا التي قادت في نهاية المطاف إلى إسقاط نظام الفصل العنصري.

إن إعلان مرحلة جديدة من النضال الحقوقي الفلسطيني الشامل من البحر إلى النهر ونبذ فكرة دولة على حدود 67 وراء ظهورنا، سيمنح الشعب الفلسطيني موقعاً أقوى؛ لأن طبيعة هذا الهدف أنه يحول المعركة لتستهدف أساس المشروع الصهيوني الذي يتمثل في التهجير والإحلال والتمييز، وهو هدف جذاب أخلاقيا وقادر على الوصول إلى ساحات عالمية؛ لأن رفض أنظمة الأبارتهايد والتمييز العنصري هو مما اجتمع الوعي الإنساني في هذا العرض عليه.

ذلك يبدو أجدى من خوض معركة وهمية لنيل دولة منتقصة السيادة لم تقبل بها اسرائيل طوال العقود الخالية، ولن تقبل بها أبدا.

" المصدر : عربي21"

 

 

أوروبا.. فضاء

الحرية وقيود السياسة

أحمد ابو رتيمة

 

أكثر من يشعر بقيمة الحرية هو السجين، وحين يخرج المرء من بين الأسيجة والجدران إلى رحاب أرض الله الواسعة يختلط عليه الشعور بين فرحة الحرية والأسى على حرمان الناس في وطنه من هذا الحق البسيط.

هذا ما حدث معي في مطارات أوروبا وأنا القادم من غزة؛ التي حولتها دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى معسكر احتجاز وحرمت أهلها من حقهم الطبيعي في حرية الحركة.

في مطار برلين أو بروكسل أخرج من باب الطائرة إلى الشارع مباشرة، لا يعترضني ضابط أمن لسؤالي عن جواز سفري، أحدث أصدقائي ساخرا : لا تحتمل نفسي كل هذا القدر من السهولة! أهمّ أن أبحث عن ضابط قريب وأسأله إن كان يريد أن يرى جواز سفري لعله يشعرني بهيبة السفر فيعيد إليّ توازني النفسي!
في الطريق البري من ألمانيا إلى التشيك ثم من التشيك إلى النمسا؛ لا أرى أي حدود أو معالم تعرّفني بأني أنتقل إلى بلد جديد، الوسيلة الوحيدة التي أعرف بها أني دخلت حدود بلد جديد هي رسالة ترحيب تصل عبر بطاقة الهاتف المحمول!

هنا فضاءات متعددة للحرية عدا حرية الحركة. يمكن للمرء أن يعيش حياته وفق اختياره بعيداً عن إكراهات المجتمع وأنماطه الجاهزة، لا تتدخل الدولة في الطريقة التي يختارها الأفراد لحياتهم ما داموا ملتزمين بالقانون وبدفع الضرائب.
قدرة الفرد على أن يعيش الحياة التي يريدها تنتج الإنسان القوي المبدع التلقائي، فهو لا يشعر أنه مراقب من سلطة المجتمع ومهدد بالمحاكمة كل لحظة إن خرج عن المعايير السائدة، فيعبر عن ذاته بقوة وأصالة ولا يجد نفسه مضطرا لانتحال هوية مزيفة.
لكن الحياة الإنسانية لا تكتمل هنا، فالثقافة الرأسمالية نالت من دفء العلاقات الإنسانية، وصراع الناس في سوق العمل حوّلهم إلى ما يشبه آلات الإنتاج، يخرجون باكرا في الظلام ويعودون إلى بيوتهم في الظلام، فلا يجدون وقتا كافيا لمجالسة أطفالهم، وثقافة التعاون بين الجيران والأقارب ليست حاضرة بالدفء الذي نلمسه في بلادنا المشمسة، فلا يعيش الشاب والفتاة مع آبائهم إذا وصلوا إلى عمر القدرة على الاعتماد على النفس، ولا يعيش كبار السن مع أبنائهم في ذات البيت إذا وهن العظم منهم وكانوا في حاجة إلى الرحمة والحنان.. هنا يجب أن يظل الإنسان قويا منتجا طيلة حياته حتى يشعر بقيمة وجوده. ولا ريب أن ثقافتنا الشرقية أشد حنانا ورحمة تجاه الإنسان حين يتوقف عن كونه آلة إنتاج وتبقى فيه إنسانيته المجردة دون إغراء.

اعتماد الناس على أنفسهم في الثقافة الغربية قيمة إيجابية، وضعف روابط الرحمة العائلية قيمة سلبية، والمنهج القويم هو أن ننتفع من القيم الإيجابية عند الآخرين دون أن نغفل عن القيم الإيجابية عندنا.
في السياسة لا تبدو أوروبا متصالحة مع قيمة الحرية التي تعدها عمادا لحضارتها، ليس بوسع المرء أن ينتقد المستعمرة الصهيونية في فلسطين بأريحية، ثمة محاذير كثيرة؛ فتهمة معاداة السامية تمثل قيدا ثقيلا يعوق أي نقاش موضوعي لمسألة فلسطين، وكثير من الأوروبيين يخلطون بين معاداة اليهود وبين رفض المشروع الصهيوني الاستعماري. لا أعلم إن كان هذا الخلط صادرا عن إسقاط الوعي الغربي لتجربته الخاصة مع اليهود على قضية فلسطين.

كثير من الأسئلة التي سمعتها في أوروبا تدلل على غياب أسس الفهم الصحيح لمسألة فلسطين؛ فأكثر من واحد سألني: لماذا لا تصنعون السلام مع إسرائيل؟ سيدة ألمانية كبيرة في السن أوشكت أن تلغي حجز قاعتها التي سألقي فيها محاضرة عن فلسطين، بحجة أنها لا تريد استضافة أشخاص لا يعترفون بحق اليهود في وطنهم، ذات السيدة سألتني لاحقا: لماذا تدعو إلى مقاطعة إسرائيل؟ أليس هذا موقفا عدائيا؟ لماذا لا تتحاورون معهم؟

هذا النوع من الأسئلة يؤشر على غياب في الوعي العام لحقيقة إسرائيل بأنها دولة تقوم على التهجير والاحتلال، وأن الفلسطينيين يناضلون بشكل طبيعي مثلما تفعل كل الشعوب حين تتعرض للتهجير والاحتلال والفصل العنصري. وجدت نفسي مضطرا في كل مرة للتأكيد على أننا لا نحمل موقفا عدائيا من اليهود من حيث كونهم عرقا أو دينا، إنما نحن ضد الاحتلال والتهجير والتمييز.
من أهم الاختبارات الراهنة لقياس مدى تصالح أوروبا مع قيمها المدنية هو التعامل مع حركة المقاطعة الدولية (BDS). فهذه الحركة هي مجموعة من النشطاء الذين يناصرون فلسطين بوسائل سلمية خالصة ويرفعون مطالب تستند إلى حقوق الإنسان.. هذه الحركة لا تدعو إلى تدمير إسرائيل والقضاء على اليهود، إنما تدعو إلى مطالب ثلاثة، هي حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وإنهاء التمييز العنصري الممارس ضد فلسطينيي الداخل؛ الذين يعتبرون وفق القانون الاسرائيلي مواطنين إسرائيليين لكنهم لا يمنحون حقوقا متساوية مثل المواطنين اليهود. والوسيلة المتبعة من حركة المقاطعة هي الدعوة لمقاطعة إسرائيل لإلزامها بتطبيق القانون الدولي.
رغم هذا الوضوح الحقوقي في عمل "BDS"، إلا أنها تتعرض لمضايقات شديدة في الساحة الأوروبية، وتُقدم مسودات في البرلمانات الأوروبية لنزع الشرعية القانونية عن عملها، ولو تم حظر هذه الحركة فسيمثل هذا الحظر ردة فاضحة من أوروبا مع قيم حقوق الإنسان وحرية التعبير التي تستند إليها.
الغياب الواضح للرواية الفلسطينية في المجتمعات الغربية ينبغي أن يستفزنا إلى عمل أكثر جذرية وأشد كثافة؛ يجرد المسألة إلى كونها مسألة نضال شعب من أجل حقه في الحرية والكرامة، وإنهاء مشروع التهجير والاحتلال والتمييز العنصري، وتحقيق المساواة لكل الناس دون تمييز على أساس لون أو عرق أو دين.

 

 

 

المستتر الذي

 أظهره فيسبوك

أحمد ابو رتيمة

 

مثّل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قبل عقد من الزمن أو يزيد؛ تحدياً ثقافياً في المجتمعات العربية. إذ إن ميزة هذا الإعلام أنه منح كل مواطن منبراً مجانياً للحديث والتواصل بأفكاره دون قيود، كما أنه سمح للناس بالاقتراب من خواطر نفوس بعضهم البعض ورصد تقلباتهم المزاجية دون فلترة وتزويق.

هذا الواقع الجديد شكل فرصةً لرصد ظواهر المجتمع على حقيقتها وسهولة التعرف على ثقافة الناس وطرق تفكيرها. وإذا كان كثيرون يميلون إلى وصف هذه المواقع بأنها "عالم افتراضي"، إلا أن هذه التسمية ليست دقيقةً دائماً، وكثيراً ما تكون هذه المواقع أكثر حقيقيةً من عالمنا الحقيقي ذاته، ولا أدل من ذلك من حوار فريق من زملاء العمل مكثوا في مكاتب متجاورة سنوات طويلةً قبل ظهور الإعلام الجديد، ثم حين صار لكل واحد منهم منصة يعبر فيها عن نفسه قالوا لبعضهم لبعض إننا لم نعرف أنفسنا حق المعرفة إلا عبر فيسبوك. فقد يكون فرد بجوارك لا تأبه له ثم إذا قرأت له نفذت إلى أعماق فكره وإحساسه، فذهلت من بحار هائجة وأشواق ثائرة تنطوي عليها نفسه، ولا ينبئ عنها وجهه البسيط.

ما يظهر من الإنسان في الإعلام الجديد هو أفكاره ونظرته للحياة وخبايا مشاعره، وهذه الأشياء هي أكثر جوهريةً من أن يعرف أحدنا عن الآخر أباه وأنسابه وأصهاره وعمله والشارع الذي يسكن فيه.

إن قرب أجهزة التواصل من أيدي الناس وسهولة الوصول والحديث في أي ساعة من ليل أو نهار؛ قد قرب عقولهم وقلوبهم من بعضهم البعض، فانحسرت مساحة الغموض وتوسعت مساحة الانكشاف. فالمرء بطبيعته يميل إلى الإفاضة ويختنق من الكتمان، وهذه الطبيعة قديمة، لكنها لم تكن تجد سبيلاً سوى الحديث مع الوسط الاجتماعي القريب. أما اليوم، فإن خروج خاطرة من سريرة النفس إلى فضاء العالم لا يقتضي أكثر من لحظة صغيرة بجهد يسير: "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ".

كم من خواطر التمعت في عقول أصحابها فجأةً ثم تجسدت خلقاً كبيراً وارتفع ذكرها؟ إذ تحولت إلى مبادرات اجتماعية آمن بها الناس فأخرجوها من ظلمة الاحتجاب إلى نور الظهور والانتشار. وهذا تجل لسنة الله الذي يخرج الخبء من السماوات والأرض.

الإعلام الجديد هو مرآة النفس والمجتمع، فيه ترتخي سلطة المجاملة والتجمل ويشعر الإنسان بحرية أن يقول ما يشعر به، حتى لو كان ذلك باسم مستعار، فإن خلف هذا الاسم المستعار إنسان حقيقي يبوح بما تنطوي عليه نفسه. وحتى لو أوصل الإنسان فكرته بالتلميح بدل التصريح، فإن المقصود بالتلميح هو إنسان حقيقي يريد صاحب الرسالة أن يقول له ما يخجل أن يواجهه به. في النتيجة، فإن محتوى الإعلام الجديد مرآة حقيقية كاشفة لثقافة المجتمع وخبايا الأفراد.

فجَّر الإعلام الجديد الطاقات الإنسانية الكامنة، وأظهر أيضاً أمراض الثقافة المستترة. وكلا الأمرين خير وإن ضاق الناس بالآفات التي يظهرها هذا الفضاء، فإن مواجهة قبح الواقع خير من خداع النفس، والحقيقة المرة خير من الوهم المريح، ومواجهة أمراض الثقافة هي الخطوة الأولى في طريق علاجها.

لقد أظهر الإعلام الجديد اتساع الجدل الذي تنطوي عليه نفس هذا الإنسان ومثالية التطلع إلى اجتماعهم على رأي واحد، حتى في المسائل التي يظنها المؤمن بها بدهيةً. في هذا الفضاء تجد من يبرر أبشع الجرائم الأخلاقية ويناصر أعتى الطغاة، ويثبت على موقفه سنوات طويلةً دون أن تدفعه كل الأحداث والآيات إلى تصحيح موقفه. اختلاف الناس في الرأي لا يجعل الخطأ صواباً ولا يمنح الجريمة شرعيةً، لكن ييأس المرء من إضاعة وقته في انتظار اتفاق الناس حتى على أشد الأمور بداهةً، مثل صيانة كرامة الناس واحترام حقهم في الحياة والتعبير وإدانة قتلهم.

أظهر الإعلام الجديد استعداداً مهولاً في الوسط الثقافي لتصديق الوهم والخرافة بكل أنواعها، الدينية والعلمية والسياسية، وغياب أبسط بدهيات التحقق العلمي. فأي فرد يمكنه أن يؤلف أي خبر أو تصريح ثم ينشره بين الناس فيتداولونه، دون أن يكلف أحدهم نفسه التحقق من ثبوته، بل ويمكن أن يشتمل هذا الخبر أسماء جامعات وشخصيات ومعاهد لا أصل لها في الواقع، فيتحول الناس إلى موطن سخرية للساخرين، وإذا سألتهم عن مصدر ما يقولون؛ نظروا إليك مستنكرين، مع أن أبسط قواعد المنطق هي مطالبة المدعي بالبينة. والعجيب إن طالبت أحدهم بالدليل أن يجادلك بجهل، مع أن المطالبة بالدليل هي شرط سابق لأي حوار محتمل، وكل كلام لم يأت صاحبه بدليل فهو ساقط لا قيمة له.

رواج الخرافة يحدث في أمة يتسابق أبناؤها في ختم القرآن في رمضان دون أن يفقهوا أن القرآن يقول لهم: "ولا تقف ما ليس لك به علم"، ويقول لهم: "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، ويقول لهم: "إن عندكم من علم فتخرجوه لنا"، ويقول لهم: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس". 

استعداد الناس لتصديق أي شيء دون التحقق منه يعني في المحصلة مجتمعاً يرتع في الخرافة والجهل، ولا يحترم العقل والفكر، ويقوده الماكرون في أي وجهة يريدونها على عماية منه وضلال مبين.

هذا الرواج للخرافة والوهم ليس شأن البسطاء وحدهم، بل يتورط فيه من يصفون أنفسهم بأنهم نخبة المجتمع. وكم من فرد يحمل شهادةً عليا أو يحتل موقعاً رفيعاً في الشأن العام يتورط في إعادة نشر هراء وادعاءات؛ لو كلف نفسه ببحث قصير عبر جوجل لاحترم عقله وعقول الناس. وهذه هي إحدى خصائص الإعلام الجديد؛ أنها أسقطت أقنعةً كان يختبئ وراءها من يوصفون بالثقافة والفهم والقيادة، لكنهم حين أعطوا فرصةً مكافئةً مثل الناس افتضحت ضحالة تفكيرهم، فزال العجب من النتيجة التي أوصلت قيادتهم الناس إليها ما دامت هذه هي عقولهم.

في مقابل رواج الخرافة أظهر الإعلام الجديد الكسل المعرفي، فأكثر الناس زاهدون في العلم، ولا يصبرون على إتمام قراءة مقال بحجة الانشغال، بينما يضيعون ساعات من وقتهم في اللغو واللهو، ثم يحاكمون الناس ويوزعون اتهامات الخيانة والكفر والفساد دون فهم. وهناك من يطالبك بإعادة قول ما قلته وتفسير المفسر لأنه ينتظر منك أن تطعمه الإجابة في فمه كما يطعم الوليد التمرة في فمه.

زهد الناس في القراءة ليس مشكلةً ثانويةً بل هو مأساة ثقافية، إذ كيف سيفهم الإنسان الحياة وكيف سيتخذ القرار الصحيح، وكيف سيصدر الحكم العادل على الأشياء ما لم يطلع على تجارب الناس وأفكارهم ويشاركهم ثمار عقولهم؟

أظهر الإعلام الجديد مدى هشاشة التصاق كثيرين بالمبادئ، وأنهم يكيفون المبادئ لتوافق أهواءهم الشخصية والسياسية والطائفية بدل أن يلتزموا في حياتهم بالمبادئ. تراهم ينظرون بمجهر مكبر لعيوب الآخَر السياسي والطائفي والثقافي، بينما يهشون أخطاء أنفسهم كما يهش أحدهم الذبابة عن أنفه، وفي ذلك يصدقون قول القرآن: "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون".

 
حين يحدثك متعصب شيعي عن جرائم السعودية في اليمن ترى عينيه تذرفان من الدمع أسفاً على الإنسانية المعذبة، فإذا سألته عن الإنسانية المعذبة في سوريا قلب لك المسألة وعقدها، والعكس صحيح إلا من رحم الله.

حين يحدثك الفتحاوي عن اعتقال ناشط في غزة تعجب من جمال تنظيره لمبادئ حقوق الإنسان وصيانة حرية التعبير، فإذا سألته عن الاعتقال في الضفة نكس رأسه وانتكست المبادئ التي كان يدعو إليها من قبل، والعكس صحيح إلا من رحم الله.

 
من المؤسف ألا يكون الناس صادقين، وألا يتذكروا المبادئ إلا حين توافي أنانياتهم: "وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين". وما دام أحدنا لا يرى بأساً في انتهاك حق الآخر "ليس علينا في الأميين من سبيل"، فإن الطريق إلى بناء مجتمع إنساني يصون كرامة الإنسان ويحفظ حقوقه لا يزال بعيداً وشاقاً.

لقد أهدى إلينا فيسبوك عيوبنا، والعاقل لا يحطم المرآة إذا أظهرت له ما يكره، بل ينتفع من المرآة في إصلاح نفسه

.

" عربي21" لندن

 

 

دروس تونس الملهمة

أحمد ابو رتيمة

 

كنت في حوار مع صديق قبل أسابيع قليلة حول العمل السياسي؛ إن كان مقتضاه الكذب والتلون والخداع، وكان اعتقاده أن هذه شروط لا فكاك منها ليشق السياسي طريقه. كنت أرد عليه أن بوسع السياسي أن ينجح بصدقه ومبادئه، لكنه كان يجد صعوبةً في تقبل إمكانية الجمع بين الصدق والعمل السياسي!

عقب إعلان فوز قيس سعيد رئيساً لتونس، أرسل إليّ الصديق مذكراً بحوارنا: "رئيس تونس هو أفضل مثال واقعي للمبادئ، لقد شاهدت مناظرته التي مثلت صفعةً لمعتقداتي حول العمل السياسي. إن الطهر والإيمان الصادق يعطي قوةً كبيرةً لصاحبه، أما الرمادية فهي هشة كثيراً".

هذا هو أحد الدروس المهمة في قصة فوز الرئيس التونسي الجديد: الصدق والوضوح والبساطة هي الطريق الأقرب إلى قلوب الناس، والكذب والتلون وإن ظن صاحبه أنه أمارة ذكاء، فهو ينطوي على هشاشة لا يمكن لها أن تقيم بناءً راسخاً في الأرض والزمان.

من أهم الدروس الملهمة في تونس أن الحرية تخرج أعمق وآصل ما في الشعوب، فالشعب التونسي حين تنسم هواء الحرية النقي انحاز إلى أصالته وإلى هويته الوطنية والدينية والقومية بغالبيته الكبيرة، إن الحرية ليست خطراً على المجتمعات بل هي الشرط اللازم لتكوين المجتمع الحقيقي. ثمةً ثقافة موروثة لا تزال تتوجس من الحرية وإن اضطرت أحياناً إلى مسايرة المزاج العام بادعاء احترام الحرية، هذا الموروث مدفوع بالاعتقاد بأن الحرية تفسد الناس، وهو اعتقاد ينطوي على وصاية يجب أن تظل قائمةً على الناس لتراقب طريقة حياتهم، لكن الفساد الذي قد تتيحه مساحة الحرية هو مقتضى الطبيعة البشرية التي ستنتج خياراتها الحقيقية إذا تحررت من الأغلال والإكراهات المجتمعية وسنكون أمام إنسان حقيقي بضعفه وقوته، بزلاته وبسمو روحه، وفي النتيجة النهائية سينتصر السمو الروحي في الشخصية الجماعية، وستُخرج الإنسانية أجمل ما فيها من عدل وإحسان ومكارم أخلاق.

تونس مثال متقدم في الحالة العربية في مساحة الحريات الشخصية المتاحة للفرد، وفي هذه الأجواء من الحرية تجلت الأصالة المستترة في أشخاص لا يحملون سمت التدين الظاهري، مثل المنصف المرزوقي ونائب البرلمان إبراهيم القصاص وأخيراً الرئيس قيس سعيد. وفي المقابل، هناك مثال المجتمعات التي تحكم الوصاية الخارجية وتشدد قيود الإكراهات المجتمعية من أجل الحفاظ على صورة للتدين الشكلي، ثم تختنق فيها الإنسانية وتموت الروح وتصاب بالارتكاس أمام أول امتحان يسير، مثل افتتاح مسرح أو حفل فني، لأنها أقامت علاقتها مع الناس على الإكراه، فيتحين الناس فرصةً للإفلات، وليس على حرية الاختيار التي تشعر المرء بمسؤوليته الذاتية.

من الدروس المهمة للتجربة التونسية الملهمة أنها أخرجت التنافس من ثنائية النظام السياسي القديم والقوى المعارضة التقليدية إلى فضاء أوسع، ومنحت قوى الشعب الحية دورها الطبيعي كونها هي المنبع والمصدر، وهي السلطة التي يجب ألا تعلو عليها سلطة.

إن تجربة الانتخابات التونسية الأخيرة أكدت تراجع النظام القديم، ولكنها أكدت كذلك أن البديل عنه ليس بالضرورة أن تكون المعارضة التقليدية، بل إن الشعب يملك من الحيوية والقدرة على التجدد ما يمكّنه من أن يفجر طاقات جديدةً.

إن قوة الشعوب تتمثل بقدرتها الدائمة على إنتاج الجديد وبتجنب تصنيم الأوضاع القائمة ومنحها صفة الأبدية، وفي الوقت الذي يمثل فيه حرص النظام القديم على المحافظة على مصالحه وكيانه وسلطاته، انتهاكاً لحق الشعب في حكم نفسه ومقدراته، فإن حرص المعارضة التقليدية أيضاً على المحافظة على موقعها ينمي شعوراً في داخلها بأنها هي البديل الأبدي الذي يمثل الشعب ويحتكر إرادته، فينتج هذا الاعتقاد ركوداً وتعطيلاً لسنة التجدد، لكن الحقيقة أن الجديد يتقادم ولا يظل جديداً، وأن من تخبو روحه ويفقد طاقته الدافعة عليه ألا يعطل قانون الحياة ويمنع ولادة روح جديدة. إن من حقه البقاء، لكن عليه أن يجدد نفسه وألا يبقي الناس رهناً لهياكله القديمة.

إن درس فوز قيس سعيد هو أن الشعب أكبر من أجزائه، وأنه لا أحد يملك الحق في ادعاء تمثيل الشعب إلى الأبد، وأن قوى الشعب المتجددة هي منبع النهر الذي لا يتوقف عن التدفق.

من دروس تونس الملهمة مدى هشاشة الحواجز السياسية المصطنعة بين الشعوب العربية، فالفرحة التي صنعتها تونس في عرسها الانتخابي الأخير سرت في الجزائر ومصر وفلسطين والعراق وكل بلاد العرب، والشعب التونسي في ساعة فرحته هتف بحرية فلسطين وعبّر عن شراكته مع الشعوب العربية التواقة إلى الحرية. هذا التفاعل الوجداني بين الشعوب العربية على ابتعاد المسافات بينها يثير الدمع في المقل، فهو يذكر بأن هذه الأمة نسيج واحد في دينها وتاريخها وثقافتها وقضاياها ومصيرها، وأن فكرة "عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى" موغلة في السطحية والإسفاف، فهذه الأمة أمة واحدة وقدرها قدر واحد.

لقد مثلت التجربة التونسية مثالاً ملهماً على نجاعة القوة الناعمة، فثورة تونس منذ بدايتها كانت ثورة الياسمين، وحين عصفت الرياح المضادة للثورات في الوطن العربي انحنت تونس كي تحمي نفسها من الانكسار، وبدا لوهلة أن النظام القديم قد عاد بتولي السبسي للرئاسة، لكن ثمة جنيناً من المكتسبات حافظ عليه الوعي الشعبي التونسي المتقدم، فخسارة جولة لا يضير، والقوة الناعمة تراهن على عامل الزمن والمراكمة الطويلة، وهي تلتف على المعوقات ولا تصطدم بها، وحين تغيرت الظروف المحيطة جاء قيس سعيد.

لم يكتب الفصل الأخير بعد من قصة تونس أو ثورات الربيع العربي، ويظل للحذر مكان، ولا بد من الاستمرار وعدم تسلل وهم الاكتفاء، لكن هذه الدروس المفيدة وغيرها تستحق أن تستلهمها الشعوب العربية وتنتفع بها في طريقها الطويل إلى الخلاص.

" المصدر : عربي21"

 

 

أمريكا بعيون

زائر من غزة (2)

أحمد ابو رتيمة

 

من قال إن الإنسان مشروع فاشل؟ هذه الحياة العامرة هي تجل للقدرة الخلاقة الكامنة في روحه.. حين تراقب مظاهر العمران ودقة النظام من كل جانب تفخر بأنك تنتمي إلى هذا الكائن الذي أسجد الله له الملائكة، هذا النشاط الدائب الذي لا يمل! نظرة من السماء تريك سيل السيارات بلا انقطاع؛ معبراً عن إيقاع حركة الحياة الدائبة، طائرات تهبط وأخرى تقلع في كل دقيقة، هندسة الطرقات والجسور التي تذلل السبل لتواصل الناس، والسفن تمخر عباب المحيط كالأعلام، والبروج الشاهقات التي تناطح السحاب، والزرع الأخضر الذي يمتد على مرمى البصر فيضفي في النفس بهجةً وسروراً.

هذا الإنسان لم تهزمه كل المآسي والأحزان عبر التاريخ، وبعد كل موت تتجدد الحياة في أوصاله، يدهشني التناغم بين أجزاء الحياة، والذي هو أثر من التناغم الذي يضبط الوجود. إن كل فرد في هذا النظام يؤدي دوراً صغيراً، لكنه يتكامل مع الآخرين الذين يؤدون أدواراً صغيرةً بمفردهم، لكن المجموع هو لوحة فنية جميلة تجمع هذه الأجزاء الصغيرة في إيقاع كلي.

يبدو العمران وكأنه ذلل للإنسان كل الصعاب، حتى إنه لا يعد قطع مسافات شاسعةً في ساعة واحدة بالطائرة أمراً داعياً للانبهار، فينشغل في أوقات الانتظار بالمطار وعلى متن الطائرة بجهاز حاسوبه لينجز بحثاً أو عملاً أو ليقرأ كتاباً.

هذا التكيف مع وسائل الراحة مفيد من زاوية دلالته على استيعاب الإنسان للتطور وتوظيفه في اقتصاد جهده ووقته، لكنه قد يحمل ضرر إصابة الإنسان بالبلادة فتنطفئ شاعريته ولا يتذوق جمال الحياة وإبهارها، فيتعاظم فيه الجانب التقني والعملي ويتضاءل الحس الروحي والشاعري.   

الاهتمام بالمعرفة أمر يحسب للإنسان الأمريكي، في كل بيت دخلته لم أر مكتبةً واحدةً بل مكتبات، في كل زاوية من البيت هناك مكتبة. الجامعات بيت دافئ للطلبة؛ تتوفر فيها مقومات الإقامة والراحة، فيتولد في الطالب شغف ذاتي للتعلم واندفاع إلى متعة المعرفة. في كافة أرجاء الجامعة يجلس طلاب وطالبات كل منهم يمسك كتاباً يقرؤه، أو ينجز بحثاً، أو يمارس الرياضة في صالة الألعاب الرياضية، أو يتناول الطعام في المطعم.

للطفل في المجتمع الأمريكي شخصيته الناضجة، يضحك بعفوية ويناقش بعفوية ويلعب بعفوية، هو ليس قلقاً من أن ينهره الكبار أو أن يكبتوا حريته بقيود سلطة العيب والممنوع.. حين يتحدث الطفل يستمع إليه الجميع ويتبادلون معه الرأي بجدية، فينشأ الطفل واثقاً من نفسه، وتلمس راحةً وثقةً في تعبيره عن نفسه.  

الالتزام بالوقت سمة رائعة في الثقافة الأمريكية، الشاشة تقول لك: سيصل القطار بعد ثلاث دقائق.. بعد ثلاث دقائق بالضبط يفتح باب القطار أمامك، يواعدك أحدهم: سأكون عندك الساعة العاشرة والربع صباح غد، لن تكون مضطراً إلى إعادة التأكيد عليه، في العاشرة والربع عليك أن تكون جاهزاً في انتظار دق جرس الباب.

قبل شهر من بدء رحلتي كنت أعلم اليوم والساعة لجدول أنشطتي.. جدولة الأنشطة ليس مذهلاً في جانبه التقني الذي ينظم الحياة ويقتصد التكلفة وحسب، بل في معناه الفلسفي.. أن تكتب على الورق شكل حياتك في الأيام والأسابيع القادمة ثم تكون الحياة كما صغتها على الورق، فهذا تجلية للقدرة الخلاقة في روح الإنسان.

الناس الذين عرفتهم يعنون ما يقولون، لا يوجد إسراف في الكلام دون رصيد.. حين يعرض عليك أحدهم المساعدة فهو يعني أن يساعدك، وحين يختلف معك فهو ليس مضطراً لمجاملتك، وحين يدعوك إلى الطعام فهو ينتظر منك أن تجيبه ببساطة بنعم أو لا؛ إن أخبرته بلا فلن يصر على العرض، لأنه يفترض أنك فعلاً لست بحاجة إلى الطعام، هذه العفوية تجعل علاقاتنا الإنسانية أكثر أريحيةً.

جمال المشهد لا يكتمل.. الحياة الاقتصادية قاسية، فأمريكا هي أقوى دولة في العالم اقتصادياً، لكنها ليست دولة رفاه لكل مواطنيها.

الضرائب باهظة، وأهم ما تفعله الحكومة في علاقتها مع الناس هو جباية الضرائب.. يدفع الناس ضرائب على كل شيء.. ضريبة البيت المملوك قد تصل إلى عشرة آلاف دولار كل سنة مدى الحياة.. لا يوجد تأمين حكومي، بل مستشفيات خاصة.. تكلفة إنجاب طفل في مستشفىً أمريكي قد تصل إلى 12 ألف دولار، بينما في غزة تكلفة الولادة قد لا تتجاوز الثلاثين دولاراً! أما عن تكلفة دراسة الجامعة، فقد حدثتني سيدة أن الرسوم الجامعية لابنتها تصل إلى 50 ألف دولار سنوياً. هذه التكاليف الباهظة ترهن الناس إلى قروض البنوك مدى الحياة.

إذا دخلت متجراً واشتريت بعض البضائع فلا داعي لأن تطلب من العامل كيساً لوضع هذه البضائع؛ لأنك ستدفع ثمن هذا الكيس!

البحث عن موقف للسيارات في زحام المدن الأمريكية هو تحد لا يعرفه من يعيشون حياةً بسيطةً مثل التي في غزة.. قد تدور السيارة في المكان ربع ساعة بحثاً عن موقف متاح، وهذه المواقف ليست مجانيةً، بل تتراوح أجرتها ما بين أربعة إلى 20 دولاراً.

الإنسان الأمريكي هو إنسان كادح، لا يعيش حياةً سهلةً، فلكي يعيش عليه أن يواصل الدفع.. تتجلى الرأسمالية في أمريكا في أقسى صورها، فيرفض الرأسماليون أي مشروع تكافلي بحجة ألا يتعود الناس على الكسل، وشركات التأمين والأدوية هي التي تعرقل فكرة وجود تأمين حكومي للمواطنين كي تحافظ على أرباحها الطائلة.

يمثل بيرني ساندرز حالةً جديدةً في المشهد السياسي الأمريكي؛ لأنه يحاول كسر هذا النمط من هيمنة الشركات.. ساندرز الذي أعلن نيته منافسة ترامب في الانتخابات القادمة؛ يسعى إلى التحرر من سطوة الشركات، وجمع التبرعات من الناس مباشرةً ليكون أقدر على تمثيل مصالحهم. وهو يطرح برامج اجتماعيةً إصلاحيةً، لكن ليس مؤكداً بعد حظوظ ساندرز في الفوز، ولو قدر له فعلاً أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، فسيكون ذلك تحولاً مهماً في التاريخ الأمريكي.

عربي21" لندن

 

 

أمريكا بعيون

زائر من غزة (1)

أحمد أبو رتيمة

 

قال لي صديقي الذي سبقني إلى زيارة أمريكا ومكث فيها سنوات باحثاً ومعلماً؛ إنه سافر إلى أمريكا أخيراً بعد أن زار بلداناً كثيرةً فرآها بعيون ثقافات وتجارب متراكمة، أما أنا فقد خرجت من غزة الصغيرة المحاصَرة إلى أمريكا مركز العالم دون محطات وسط، فقلت له: ربما يكون ذلك مفيداً ليكون الاندهاش أقوى.

ليس شائعاً أن يحصل سكان غزة على تأشيرة دخول لأمريكا ما لم يكن لديهم مبرر قوي، وكان مبرر حصولي عليها هو دعوة وجهت إلى من مؤسسة عريقة، وهي لجنة خدمة الأصدقاء الأمريكية (AFSC) التابعة لجماعة كويكرز، ضمن برنامج إيصال أصوات المجتمعات المضطهَدة إلى المجتمع الأمريكي، فبدأوا بتنسيق رحلة لي منذ صيف العام الماضي، تشمل زيارة أكثر من عشر مدن أمريكية في ثماني ولايات، وإلقاء محاضرات تعريفية بحصار غزة وحق العودة وقضية فلسطين ولقاء مئات الشخصيات الناشطة في المجتمع الأمريكي، وزيارة معالم تجسد قصص النضال الحقوقي في التاريخ الأمريكي ومد جسور التواصل مع أهل غزة

هذه الجماعة الداعية صاحبة تاريخ حافل في نصرة العدالة وحقوق الإنسان، إذ كان لها دور في تحرير المستعبدين من الجنوب الأمريكي وتهريبهم إلى الشمال، وقد حازت جمعية "AFSC" على جائزة نوبل للسلام عام 1947. أما فيما يتعلق بدورها تجاه فلسطين، فقد كانت أول منظمة تقدم الغوث للاجئين الفلسطينيين بعد النكبة، قبل تأسيس الأونروا.

غزة مكان معزول عن العالم، فالغالبية العظمى من أبنائها خاصةً أبناء جيلي والأجيال اللاحقة لم يغادروا غزة مرةً واحدةً خلال حياتهم، هذا يعني أنهم لم يروا نهراً أو جبلاً، ولم يركبوا قطاراً أو يستعملوا مصعداً كهربائياً، بل إنهم لم يروا في حياتهم طائرةً مدنيةً في السماء تقل مسافرين؛ لأن الطائرات الوحيدة التي تحلق في سماء غزة هي طائرات الحرب الإسرائيلية. كانت أول مرة في حياتي أرى فيها طائرةً مدنيةً تحلق في السماء عام 2011 حين سافرت إلى القاهرة، كتبت آنذاك: هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها طائرةً ترمز إلى الحياة والنشاط وليس إلى الموت والخوف.

من المرعب تخيل أن أكثر أهالي غزة من الأجيال الشابة لم يتحدثوا طوال حياتهم مرةً واحدةً مع شخص خارج أسوار مجتمعهم، لم يخالطوا إنساناً من ثقافة أخرى أو لغة أخرى. هذه هي الآثار غير المرئية لجريمة الحصار، فالحصار لا يقتل المرضى ويمنع الغذاء والدواء وينشر البطالة ويدمر الاقتصاد وحسب، بل إنه ينزع من المحاصَرين إنسانيتهم عبر حرمانهم من الحق الطبيعي في الاتصال مع بقية أبناء الأرض.

محاصِرو غزة يخنقون أشواق أرواحنا في الانطلاق دون قيود، وهذا من أقوى أسباب حبي للسفر. حين غدا معبر رفح وراء ظهري بعد ست سنوات من المحاولة؛ كنت أشعر بنشوة غامرة في الانطلاق بالسيارة دون توقف. لا أريد أن أنزل فندقاً أو بيتاً، بل أود لو ظلت السيارة منطلقةً إلى أبعد مدىً لأشعر بأكبر قدر من الحرية. الآن يمكن أن أقطع مسافات شاسعةَ دون أن تصادفني بوابة أو لافتة تعلن انتهاء حدود حريتي. حين وقفت مع صديقي جهاد في شرفة بيته في الطابق الحادي عشر في مدينة شيكاغو، كان يشير إلي معرفاً بأرجاء المدينة.. سألته ساخراً: أين السلك؟

 
السلك هو حد الحرية في قطاع غزة، فإذا وقفت في طابق مرتفع وسط غزة فإنك تستطيع من ذات النقطة أن ترى أقصى حد شرقي، وهو السلك المزود بأبراج وتحصينات جنود الاحتلال، وأن ترى أقصى حد غربي، وهو شاطئ البحر الذي تحتله زوارق الاحتلال وتمنع أي فرد أو قارب من تجاوزه.

إن طول العهد بالحصار يجعله يتسلل إلى قدرات المحاصَرين التخيلية، وينال من قدرتهم على تصور صحيح للعالم. هذه هي جريمة القتل الجماعي التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد شعب كامل. قالت لي سيدة تمكنت أخيراً من زيارة دولة أوروبية: لقد تفاجأت أن هناك كثيراً من الناس الطيبين! إن من الطبيعي أن يكون هناك كثير من الناس الطيبين في كل مكان، ولكن انقطاع الاتصال يحرم الناس من معرفة البديهيات البسيطة ويضعف قدرتهم على تحقيق التفاهم والتعاطف المتبادل. لذلك حين سألت أصدقائي في أمريكا عن الجدوى التي يتوقعونها من رحلتي، قالوا لي: إن مجرد الحضور سيحقق شيئاً. إن كثيراً من الناس لم يقابلوا شخصاً من غزة، ولم يسمعوا منه قصص الحياة تحت الحرب والاحتلال والحصار. إن ما نراه في غزة عادي بفعل طول الإلف؛ يحمل كثيراً من الغرابة لمن لم يعش ذات الظروف. والحكم هو فرع عن التصور، وكثير من الانحياز للاحتلال في أمريكا وغيرها مرده إلى قوة الضخ الإعلامي عن المظلومية اليهودية والإرهاب العربي، لذلك فإن إنشاء تصور يظهر إنسانية الشعب الواقع تحت الاحتلال وهمجية مشروع التهجير والاحتلال والحصار سيحقق مع الزمن وتراكم الجهود إزاحةً في المواقف. ومن ناحية أخرى، فإن التواصل يبصرنا بامتدادنا الإنساني، فنحن لسنا استثناءً من البشر. وكم في هذا العالم من قصص ظلم وتمييز؟ وكم فيه من قصص نضال وبطولات؟ إن التواصل يحررنا من وهم الاستثنائية، ويرينا السياق التاريخي لقضيتنا، ويبصرنا بالمساحات المشتركة مع الأمم والشعوب، ويدفعنا إلى حب شركائنا في النضال في سبيل العدالة وحقوق الإنسان، ويمنحنا الفرصة للتعلم من تجاربهم.

الابتعاد يدفعنا إلى اختزال الناس في أطر ضيقة ويحرمنا من رؤية التعدد والثراء، فقد يظن المحاصَر في عزلته أن أمريكا هي ترامب واللوبي الصهيوني، وفي المقابل قد يظن الأمريكي، تحت ضغط التعبئة الإعلامية الموجهة، أن العربي هو الإرهابي المتوحش، لكن الاقتراب يزيل الحواجز ويجلي الروابط الإنسانية. وأنا أقترب من المجتمع الأمريكي أستطيع أن أبصر إنسانيتنا المشتركة أكثر، وأنا أحدثه عن غزة وفلسطين يستطيع هو أن يفهم إنسانيتي أكثر.. أتأمل في وجوه الآلاف الذين يمرون أمامي كل يوم في القطار والشارع وأماكن الاجتماعات: بالطبع لن يكون كل هؤلاء أشراراً مثل ترامب.. هناك وجوه تنطق بالبراءة.. كم في قلوب هؤلاء من الخير؟ أسأل كثيرين منهم: هل سمعت عن غزة من قبل؟ فيجيبونني: لا! هذا جواب لا يدفعنا إلى بغضهم، بل يدفعنا إلى التماس العذر لهم. كيف سيتعاطف الناس مع قضيتنا وهم لا يعرفون عنها؟ ما هو مقدار معرفتنا عن مأساة اللاجئين المكسيكيين في الجنوب مثلاً؛ كي ننتظر من الطالب في جامعته والعامل في مصنعه والناشط في حقل نشاطه أن يعرف عن مأساتنا؟ الناس متشابهون في كل مكان، والعواطف الإنسانية التي نحملها يحملها هؤلاء مثلنا، ويثبت ذلك حسن عشرتهم في المستوى الفردي وتأثرهم حين يعرفون، لكننا ندفع ثمن الابتعاد.

ما أيسر الحل الإنساني! أن يقترب الناس من بعضهم أكثر وأن يسمعوا من بعضهم أكثر..

(عربي 21)

 

الإلحاد والعنف "في سبع سنين"

أحمد أبو رتيمة

 

يحسب للوثائقي "في سبع سنين" الذي بثته قناة الجزيرة حديثاً؛ جرأة الموضوع الذي يعالجه، فقد اعتمد هذا الوثائقي أسلوب النفاذ إلى الأزمات الفكرية والاجتماعية الكامنة في بنية المجتمع، متجاوزاً طريقتنا العربية المفضلة في التناول الرغائبي والرؤية الانتقائية للأشياء، والسعي دائماً للهروب من مواجهة المشكلات وإضفاء طلاء جميل خادع على الواقع الذي نعيشه.

يعالج هذا الوثائقي الآثار النفسية والفكرية التي خلفها واقع الاستبداد والظلم والقهر الاجتماعي في نفوس فريق من الشباب العربي، متخذاً من صدمة فشل ثورة الخامس والعشرين من يناير وإسقاط حكم الرئيس محمد مرسي ومجزرة رابعة؛ مثالاً. وتضاف إلى الظلم السياسي سلسلة أخطاء اقترفها التيار الديني السائد؛ أفقدت هؤلاء الشباب الثقة في صدق هذا التيار. هذه الأخطاء تمثلت في انحياز بعض الشيوخ إلى السلطة وتبريرهم لممارساتها، وسلبية فريق آخر من المتدينين وإحجامهم عن المساهمة الإيجابية في مشكلات الواقع، وفريق آخر تخلى عن الشباب الثائر في الميدان بسبب حسابات سياسية خاطئة؛ نجحت في تفتيت الوحدة التي حققها ميدان الثورة.

إزاء الإحباط الذي تملّك نفوس هؤلاء الشباب اتخذوا أحد طريقين، فأما الفريق الأول فقد روعته مشاهد القتل والظلم، فدخل في مرحلة شك عميق وفقد الثقة بالإله الذي يسمح بحدوث كل هذا، هذا الفريق يحمل موقفاً عتابياً من الله في أحسن الأحوال إن لم يكن موقفاً عدائياً.. إنهم لا يرون الله في حُجُب سفك الدماء والظلم والقهر وينكرون "صمته".

 لا أتفق مع النتيجة التي آل إليها كلا الفريقين، إلا أني ألمح موقفاً أخلاقياً كامناً في نفوس هؤلاء الشباب

وأما الفريق الآخر فقد روعته أيضاً مشاهد القتل والظلم، لكنه اتخذ رد فعل آخر وهو اللجوء إلى حمل السلاح والانضمام للجماعات المسلحة، في محاولة لتغيير هذا الواقع وإنهاء الظلم.    

لا أتفق مع النتيجة التي آل إليها كلا الفريقين، إلا أني ألمح موقفاً أخلاقياً كامناً في نفوس هؤلاء الشباب. فالملحد ليس عابثاً في جميع الأحوال، كما تصوره ثقافة التدين التقليدي.. إن الملحد هنا هو إنسان حساس ضد الظلم والقهر الاجتماعي، هو حالم بالعدالة ومتسائل عن الحكمة. إن موقفه الباطن وراء قشرة الإلحاد الخارجية هو السؤال عن إله العدالة والحكمة: "ما دام الإله سميعاً وبصيراً وقادراً، فلماذا لا ينصر المظلومين؟". الملحد هنا قد اتخذ موقفاً إيجابياً في الحياة، متقدماً في رحلته البحثية، وليس في النتيجة، على الأشخاص السلبيين الذين قرروا التكيف مع الواقع وشراء راحتهم الشخصية وإماتة حس النقد والسؤال في نفوسهم.


كذلك، فإن الشباب الذين انضموا إلى العمل المسلح فهم يحملون شعوراً ضد الظلم والفساد والقهر الاجتماعي. إننا نريح أنفسنا من تحمل المسؤولية حين نصور هؤلاء بأنهم إرهابيون أو تكفيريون وحسب، ثم نغفل العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية التي دفعت هؤلاء إلى هذا الخيار. هذا الخيار لم يكن سوى النتيجة الطبيعية للإحباط وفقدان الأمل، فلم يجد هؤلاء الشباب سبيلاً للإصلاح بالطرق السلمية، وضاقت نفوسهم عن تحمل الظلم والفجور الذي يرونه فتفجرت نفوسهم بطاقة من الغضب والانتقام.

كل من الإلحاد والعنف تجليان لمشكلة واحدة، إذ يمثل كلاهما تحدياً للنظم السياسية والاجتماعية القائمة. لقد اختار الملحد التمرد عبر تحدي أقدس ما في المجتمع في رسالة مفادها أنه لا قداسة لإله تنتهك باسمه العدالة وكرامة الإنسان وحقوقه، أما العنفي فقد اختار الاصطدام مع أقوى سلطة في هذا المجتمع رفضاً للظلم والقهر، والرسالة واحدة في جوهرها بين الفريقين.

 

كل من الإلحاد والعنف تجليان لمشكلة واحدة، إذ يمثل كلاهما تحدياً للنظم السياسية والاجتماعية القائمة


هذه المشكلة المزدوجة "الإلحاد- العنف" تنبهنا من جديد أن الاستبداد والظلم هو أبو الشرور ورأس الفساد كله، وأن المعركة الحقيقية التي يلزم أن يحتشد لها المؤمنون والعلمانيون والملحدون هي معركة الحرية وكرامة الإنسان، فالأفكار ابنة ظروفها "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً". إن الظلم هو الذي يغذي أفكار اليأس والإحباط، والعدل يستثير في النفوس أجمل وأرق ما فيها من أحاسيس: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

قضية الإيمان والكفر ليست قضيةً نظريةً، لذلك لم يحدث عبر التاريخ أن حسم هذا الجدل، وفي كل زمان لا يزال هناك مؤمنون وكافرون من كل فئات الناس وطبقاتهم العلمية والاقتصادية، ولو كان الإيمان أو الإلحاد مرتبطاً بالمعرفة والوعي لرأينا أعلم الناس على رأي واحد، لكننا نرى في العلماء والفلاسفة والمفكرين اختلافاً حسب اختلاف قابلياتهم النفسية وإرادتهم القلبية.

 من تكريم الله لك أن يمنحك الحرية كاملةً للفعل وتحمل نتيجته، وما دام الإنسان هو الذي يصنع الظلم وسفك الدماء، فإن هذا الإنسان نفسه قادر على إقامة العدل وإشاعة السلام

الإيمان والكفر ذو صلة وثيقة بحالات النفس، والقرآن يربط بين اليأس والكفر، ما يعني أن الكفر هو حالة نفسية وليس قناعةً عقليةً، لذلك فإن مُناخ الأمل والرحمة والحب والعدل يعزز الخير في نفوس الناس ويعرضهم إلى نفحات الله ورحمته.

الله حاضر وقريب، لكن البشر لا يضبطون راداراتهم دائماً لالتقاط إشاراته. إن الله يتجلى في الحب والرحمة بين الخلائق، وفي فطرة النفوس التواقة إلى العدل والحكمة، وفي الطاقة الخلاقة المبدعة التي صنعت الحضارة والعمران، وفي نظام الكون ودقته المدهشة، أما عدم  "تدخل" الله بمعجزة لوقف سفك الدماء ونصرة المظلومين، فهو المقتضى الضروري لحقيقة الحرية الإنسانية.


إن لك أيها الإنسان شأناً مختلفاً عن السماء والأرض والجبال، بل إن لك تميزاً عن الملائكة. فقد حملتَ الأمانة وكنت خليفة الله في هذه الأرض قد استخلفك الله فيها لعمارتها. ومن تكريم الله لك أن يمنحك الحرية كاملةً للفعل وتحمل نتيجته، وما دام الإنسان هو الذي يصنع الظلم وسفك الدماء، فإن هذا الإنسان نفسه قادر على إقامة العدل وإشاعة السلام، ولن يمنع الله الناس في مساحة حريتهم على الأرض من فعل أي شيء أو ضده، ولن يقيد اختياراتهم حتى لو كان اختيارهم الكفر به. إن كنت مؤمناً بالعدل والحرية، فجاهد في سبيلهما وستنتصر.

عربي21"

 

 

ضرورة تصويب

مسيرة العودة

أحمد أبو رتيمة

 

لا يزال يسعنا القول إن مسيرة العودة تمثل خياراً استراتيجياً للنضال في سبيل تحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لذلك يجب ضمان ديمومة هذا الخيار وتوسعه ليشمل كافة أماكن تواجد اللاجئين الفلسطينيين ومختلف الساحات العالمية، وتطوير أساليب هذه المسيرات وفق محددين اثنين: أن تمثل هذه المسيرات ضغطاً حقيقياً على المشروع الاستيطاني الإحلالي في فلسطين وإزعاجاً له؛ بجره إلى المربع الأول للمشكلة متمثلا في ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين ينشدون حقهم الفطري والعادل والمتفهم إنسانياً بالعودة إلى أراضيهم وقراهم التي هُجّروا منها قسراً، وأن تدار هذه المسيرات بطريقة اقتصادية حكيمة؛ كيلا تتحول هذه الوسيلة إلى عبء على الشعب الفلسطيني يجعل لمواصلتها ثمنا باهظا.


أصر على الدفاع عن مبدأ مسيرات العودة؛ لأن هذه المسيرات من حيث فكرتها المبدئية تمثل الاستجابة التاريخية الصحيحة للشعب الفلسطيني المضطهد منذ سبعين عاماً، والذي لم يفارقه يوماً الحلم بالعودة إلى وطنه. مسيرات العودة ببساطة مثلت المحاولة الفعلية للعودة الجماعية لهؤلاء اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الذي هجروا منه قسراً. وبالنظر إلى الهدف الأساسي الذي عمل عليه المشروع الاستيطاني الصهيوني منذ سبعين عاماً بشطب الشعب الفلسطيني من الوجود، فإن هذه المحاولة ومن حيث كونها محاولةً تمثل إرباكاً حقيقياً للمشروع الصهيوني، وإفشالاً لمحاولاته تطبيع وجوده، وحرماناً له من الشعور بالاستقرار بينما يبني ازدهاره على حساب معاناة شعب آخر.  

 


تخيلوا لصاً استولى على بيت بالقوة، وبعد عشر سنوات من مكوثه في هذا البيت جاء صاحب البيت الضعيف وأخذ يدور حول البيت ساعةً من نهار وينظر إليه ثم انصرف، وصار يكرر هذا الفعل ساعةً كل أسبوع، هل سيبقى اللص قادراً على الشعور بالاستقرار والأمن بينما صاحب الحق يقول له كل أسبوع: أنا هنا لم أمت ولم أنس حقي؟! هذا بالضبط ما يمكن لمسيرة العودة أن تفعله في بنية المشروع الاستيطاني الصهيوني.

لكن أخطاءً وقعت في طريقة إدارة مسيرات العودة أضرت بوهجها، وأضعفت وضوح رسالتها، وهو ما يقتضي أن تكون هناك مراجعات جذرية لهذه الأخطاء، وليس أن نتخلى عن فكرة مسيرات العودة.

في العشرين من شباط/ فبراير عام 2018، وقبل بدء المسيرة بأربعين يوماً، كتبت على حسابي في فيسبوك مجموعةً من المبادئ المقترحة لمسيرة العودة الكبرى، هذه المبادئ تتضمن أن تكون هذه المسيرات سلميةً لا تستعمل فيها أي أداة سوى الاحتشاد السلمي، وأن تكون هذه المسيرات مستدامةً ومتراكمةً وشاملةً لكافة أماكن وجود اللاجئين الفلسطينيين، وأن تكون حقوقيةً تهدف إلى تطبيق حق العودة، ولا علاقة لها بأي أجندة سياسية، وأن تكون وطنيةً تشترك فيها كل مكونات الشعب الفلسطيني تحت علم فلسطين، وأن تكون قانونيةً وتطالب بتطبيق القرارات الدولية بشأن اللاجئين الفلسطينيين، وأهمها قرار 194.

 


لكن الهيئة الوطنية التي تشكلت من القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني؛ توافقت على أن يضاف إلى هدف العودة هدف كسر الحصار، فتحول اسمها إلى "مسيرات العودة وكسر الحصار". وكسر الحصار هو هدف مهم وملحّ دون ريب، خاصةً في ضوء الأوضاع الكارثية التي يعاني منها أهالي قطاع غزة، لكن مشكلة إضافة هذا الهدف أنه مثّل تخفيضاً مجانياً من قبل منظمي المسيرات لسقف أهدافهم الوطنية. ولو أخذنا بمقولة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "اطلبوا الموت توهب لكم الحياة"، فإنه يمكن القول قياساً عليها: اطلبوا الأهداف الكبيرة توهب لكم الأهداف الصغيرة، دون أن نكون مضطرين إلى تشتيت الإجماع الوطني والمساندة العالمية حول قضية العودة الكبرى.

وليت الأمر توقف عند هدف كسر الحصار، لكن سياسة الاحتلال أشغلتنا عن الأهداف الكبيرة بالتفاصيل الصغيرة، وسعت إلى تكريس معادلة مهينة للكرامة الوطنية عبر الربط بين إدخال الوقود والأموال القطرية بوتيرة رفع أو خفض المسيرات. وكسر الحصار هو هدف أكبر بكثير من مناقشة جزء من رواتب الموظفين كل شهر، فكسر الحصار يعني فتحاً كاملاً لكل معابر قطاع غزة، ودوران عجلة الاقتصاد، والسماح للسكان بحرية الحركة دون قيود.

من المؤسف والمهين لقضيتنا الوطنية أن يتحول إدخال جزء من رواتب الموظفين كل شهر إلى قضية رأي عام، ومادة ابتزاز من قبل الاحتلال.. هذه الرواتب هي أقل من الحق الإنساني الطبيعي الذي ينبغي أن يتلقاه أصحابه بسلاسة، دون ضجة أو مساومة. يريد الاحتلال من خلال هذا الابتزاز إضعاف قوة مسيرات العودة ووضوحها المبدئي، بعد أن كانت تناضل في سبيل غاية وطنية كبرى، فيوصل رسالةً إلى الرأي العام الفلسطيني بأن منظمي هؤلاء المسيرات يسعون إلى فتات من المال فيفقد الناس حرارة الدافع الوطني للمشاركة والعطاء.

 


هذه المعادلة المهينة يجب أن تستفز كرامتنا الوطنية فنسعى إلى تغييرها. إن الواقع الإنساني في قطاع غزة بالغ القسوة، لكن لا خيارات أمامنا سوى أن ننفر إلى القضايا الكبرى. مسيرات العودة هي شكل من أشكال المقاومة السلمية المشروعة في كل الأعراف وليست مادة مساومة، بل إن استمرارها يجب أن يكون بمعزل عن أي تطورات سياسية. يجب أن يكون خطابنا للعالم أن كسر الحصار هو مقابل إنسانية المحاصَرين، وليس مقابل تخفيض أو رفع وتيرة النضال السلمي. فمن حق الناس أن يحتشدوا ويتظاهروا ويطالبوا بالعودة إلى ديارهم، حتى لو كُسر الحصار وتحولت غزة إلى جنة مزدهرة.

ومن أجل استمرار مسيرات العودة وتراكمها، فإنه يجب العمل الحاسم على تخفيض تكلفتها. مسيرة العودة لا تقوم فكرتها على الاشتباك والمواجهة الميدانية، بل تقوم فكرتها على الاعتصام السلمي الآمن على غرار ميدان التحرير في عام 2011، وأن يمارس الناس أنشطةً ثقافيةً وإعلاميةً على بعد آمن من جنود الاحتلال، ويعرّفون العالم بحق العودة عبر الرسم والأغنية والدبكة وإحياء التراث الشعبي، وأن تمتد هذه الروح إلى كل أماكن تواجد اللاجئين في الضفة وفلسطين الداخل والدول المحيطة، وأن تسند بحركة تضامن عالمي تبرز قضية اللاجئين وحقهم بالعودة والتعويض، وتحاصر مشروع الاحتلال بإشهار تناقضاته الأخلاقية.

"عربي21"

 

 

جدل "الكريسماس" في كل عام

احمد ابو رتيمة

 

كثيراً ما تكون الأسئلة أدلَّ في رصد توجھات الناس وطرائق تفكيرھم من الإجابات، فالأسئلة ھي ثمرة التراكم المعرفي و مؤشر الأولويات المھيمنة على العقل، فليس كل الأسئلة سواء، إذ إن ھناك أسئلة وجيھة تستفز النشاط العقلي وتستحثه لمزيد من الإنتاج العلمي والعملي، وھناك أسئلة محبطة ليس لمشقة الإجابة عنھا بل لأنھا تكشف الفجوة الواسعة في خرائط الاھتمام و طرق التفاعل مع الحياة، لذلك يذكر المثقف الفلسطيني إدوارد سعيد في أحد كتبه أنه كان يبادر أي صحفي يرغب في عقد مقابلة معه بسؤاله: "ھل لديك أسئلة وجيھة؟".

إذاً لا يصح أن يقال ھذا سؤال وذاك سؤال، وأن ينتظر الإجابة عن أي سؤال، فھل يستوي أن يسأل سائل عن طرق تطوير النظام القضائي لتقوية روح العدل وحماية القانون من أساليب الالتفاف والمخادعة، وأن يسأل سائل عن حكم قول صباح الخير! إن السؤال كاشف الاھتمام، فالأول ثمرة ھيمنة قضية العدالة على نفس صاحبھ، بينما السؤال الثاني ثمرة تشوش تلقائية الفطرة وعفويتھا. 

ھذه ھي معضلة الجدل الفقھي العقيم الذي يثار في نھاية كل عام مع حلول عيد الكريسماس في العالم المسيحي: ما حكم تھنئة المسيحيين بأعيادھم؟ فيذھب فريق إلى التحريم ويذھب فريق آخر ميسراً إلى الإجازة راصداً عدداً من الأدلة والشواھد الفقھية التي يعزز بھا رأيه. 

ومع التقدير لأصحاب الرأي الميسر على الناس إلا أن المشكلة أعمق من تلمس الأدلة والشواھد لإثبات إجازة التھنئة، فجوھر المشكلة ھو أن تكون ھذه القضية في دائرة المفكر فيه في عقولنا، وفي المساحة الكبيرة التي تحتلھا من اھتماماتنا. إن الإنسان في حالته الفطرية يتعامل ببساطة و لا يخطر بباله أن تكون ھذه المسألة قضية نقاش.

إن مشاركة الإنسان لأخيه الإنسان في مشاعره ھي من البداھة مثل مساعدة الناس بعضھم بعضاً في شؤون الحياة، يفعلھا الناس بدافعھم الفطري دون حاجة إلى تقعيد وتأصيل ينزع من الحياة بساطتھا و سلاستھا. 

ھذا النوع من النقاشات الرائجة في الساحة الفقھية يكشف عن انفصال الفقه عن حركة الحياة، وفي مسعىً من المدرسة الفقھية للمحافظة على شرعية وجودھا فإنھا تضخم المسائل الصغيرة وتوحي للناس بخطورة ھذه القضايا و مركزيتھا و تخترع لكل مسألة من مسائل الحياة أحكاماً ومحددات وضوابط وتأصيلاً وتقعيداً يجب على المسلم الإحاطة بھا كي لا يضل عن سواء السبيل، وھذا الفعل يلجأ إليه أصحابه بطريقة لا واعية ضمن آليات النفس الدفاعية خوفاً من تجاوز الناس دورھم وتآكل شرعيتھم.

لقد سمعنا مئات الأسئلة مثل حكم استعمال الانترنت، وضوابط دخول فيسبوك وحكم الجلوس على شاطئ البحر وحكم استعمال مكبرات الصوت، وقصة الآداب والأحكام والضوابط عموماً تعني تأخر الفقه

عن حركة الحياة، فالآخرون يبادرون وينسجون نظم الحياة، ثم نأتي نحن من بعدھم لنخلق لأنفسنا تميزاً متوھماً ونرقع آراءنا وأفكارنا لنقول إن لدينا ھويةً خاصةً بنا و لنحمي مفاھيمنا القديمة أننا دار الھداية و الإسلام وأن العالم من حولنا بكل منجزاتھ وإبداعاتھ ھو عالم الكفر! 

ھل يحتاج الدين حقاً إلى كل ھذه المساحة الضخمة من الأحكام والآداب التفصيلية؟ ألا يكفي أن نقول إن الدين ھو دعوة إلى العدل والحكمة والرحمة والصلاح والإحسان ليعرف الناس بعد ذلك سبيلھم بميزان الأخلاق الذي أودعھ الله فيھم! إذاً كيف نفھم أن بعض الناس في زمن النبي محمد صلى الله عليھ وسلم كانوا يأتون إليھ فيبين لھم الدين في كلمة أو كلمتين: "قل آمنت بالله ثم استقم"، ثم ينطلقون بعد ذلك في شعاب الحياة غير مثقلين بأسفار من الشروح والتفاصيل؟! 

إن الذين يصنعون الحياة لن تتسع أوقاتھم للمسائل الصغيرة، فالذي يلتحق بركب الحياة و يكرس جھده لإقامة العدل ونشر الرحمة و الإحسان إلى الخلق والتعاون مع الأمم على البر والتقوى سيكون عملياً أكثر في التعامل مع محيطھ، و سيتبادل التھاني مع صديقه وزميله و جاره المسيحي واليھودي لأن ھذا الفعل ھو مقتضى الحياة الطبيعية، أما المنشغلون بجواز التھنئة أو تحريمھا فإن ما يدل عليھ انشغالھم ھو حالة الفراغ الفكري التي يعيشونھا وغياب الإنتاج الحضاري و الانفصال عن حركة الحياة.

لقد أكد القرآن على المبادئ الكبرى لتكون نبراساً ھادياً لنا في حركة الحياة، فقرر في آيات محكمات أن أصل العلاقة مع غير المسلمين ھو البر والقسط والإحسان: " لا ينھاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم أن تبروھم وتقسطوا إليھم إن الله يحب المقسطين"، لكن التعنت والإصر والأغلال أنتجت أحكاماً مناقضةً لھذا الھدي القرآني فقررت هذه الأحكام أن العلاقة بيننا وبين العالمين ھي التباغض والتنافر وقلة الذوق والأدب، فيھنئوننا ھم بأعيادنا ويشاركوننا في مناسباتنا دون أن نبادلھم ھذه المجاملات والملاطفات، فإن جادلت أصحاب ھذه الآراء بأن القرآن أولى أن يتبع قالوا لك إن أفھام الفقھاء مستمدة من القرآن، وھو ما يعني حسب منطقھم أن القرآن يدعو إلى الشيء وعكسھ، لكنھم عملياً يقدمون أفھام البشر التي قيلت في ظروف زمنية محددة دون أن يمنحھا أحد العصمة و الإطلاق على كلام الله المحكم الذي لا يأتيھ الباطل من بين يديھ ولا من خلفھ..

أفلا يعقلون!

"عربي21"

 

 

سبعون عاماً على الإعلان

العالمي لحقوق الإنسان

أحمد أبو رتيمة

 

قبل سبعين عاماً، وتحديداً في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر من عام 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يعد واحداً من أعظم ما أنتجته الإنسانيةً مجتمعةً عبر تاريخها الطويل؛ للتأصيل لقيم الحرية والكرامة والمساواة وتجريم الاضطهاد والاستعباد لكل الناس.

تنص مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، ولا يجوز التمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي، وأن لكل فرد حق الحياة والحرية والأمان، ولا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، أو إخضاعه للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الحاطَّة بالكرامة. كذلك لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً، ولكل فرد الحق في حرية التنقل وفي مغادرة بلده والعودة إليها، ولكل إنسان الحق في حرية التفكير والوجدان والدين والرأي والتعبير، ولكل شخص حق الاشتراك في التجمعات السلمية، وله الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرةً أو عبر ممثلين يختارهم في حرية، وأن السلطة يجب أن تكون ممثلةً لإرادة الشعب من خلال انتخابات نزيهة ودورية واقتراع سري، ولكل شخص حق تقلد الوظائف العامة في بلده دون تمييز، ومن حق كل فرد الضمان الاجتماعي في وطنه، وأن يحظى بمستوى المعيشة الكافي لتأمين الاحتياجات الضرورية له ولأسرته، من مأكل وملبس ومسكن ورعاية طبية، وتأمينه من الغوائل الخارجة عن إرادته، من مرض وبطالة وترمل وشيخوخة.

بين إعلانين

 بإقرار هذه المبادئ، تبدو الإنسانية وكأنها تقترب من رسالات الأنبياء التي عمادها أن يقوم الناس بالقسط وألا يطغوا في الميزان، وألا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، وإن كانت هذه المبادئ لا تزال نظريةً غالباً، إلا أن دخولها حيز الوعي البشري يمثل خطوةً إلى الأمام، إذ إنها حتى في حالتها النظرية، فإنها تعزل أفعال الاستعباد وسفك الدماء والظلم وتظهرها غير طبيعية ، وهي الأفعال التي صبغت دهراً طويلاً من عمر البشرية على هذه الأرض.


إن هذه المبادئ هي كتاب البشرية الذي تدعى اليوم إلى اتباعه: ".. كل أمة تدعى إلى كتابها..".

لعل من موافقات القدر أن عام 1948، الذي شهد ولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو ذات العام الذي شهد ولادة دولة الاحتلال على أنقاض البلدات الفلسطينية المدمرة، وعلى أساس التطهير العرقي لشعب فلسطين. وإن كان الإعلان الأول يمثل ارتفاع صوت الفطرة الإنسانية وتجلي الخير الذي أودعه الله في جوهر هذا الكائن، فإن الثانية تمثل الامتداد الطبيعي لحقبة الهيمنة والاستعباد والإبادة الجماعية. وإشارة هذا الالتقاء هو أننا في عالم تتدافع فيه قوتان؛ القوة الأخلاقية التي تجاهد من أجل تكريس مبادئ العدل والمساواة والحرية والكرامة لكل البشر، والقوة الاستعلائية التي لا تؤمن بالمساواة، وتجعل أهل الأرض شيعاً منهم السادة ومنهم العبيد. وفي سبيل نيل الامتيازات الخاصة للسادة، توقد (القوة الاستعلائية) نيران الحرب، وتسفك الدماء، وتفسد في الأرض وتستعبد الشعوب وتنهب خيراتها، وتشرع لنفسها شرائع خاصةً تؤمن بمنطق القوة لا بمنطق الأخلاق.


جوانب مشرقة. ولكن

 

بعد سبعين عاماً، لا تزال القوة الاستعلائية تجاهد في سبيل المحافظة على إرث قرون الهيمنة والاستعباد. فإسرائيل لا تزال قائمةً على أنقاض حقوق شعب آخر، ولا تزال تمارس التطهير العرقي، وترفض تطبيق القرارات الدولية بعودة اللاجئين وتعويضهم وإنهاء احتلالها. وهي تفعل ذلك بغطاء دولي يمدها بأسباب القوة والنصرة، ما يعني أنها لا تمثل حالةً معزولةً، بل تعبر عن منظومة دولية منحازة. وليست إسرائيل وحدها التي تمثل القوة الاستعلائية، فهناك كثير من بقاع العالم التي تنشط فيها علاقات الظلم والهيمنة والاستعباد، سواءً بالتدخل الخارجي كما فعلت أمريكا في العراق وروسيا في سوريا وفرنسا في أفريقيا، أو بالاستبداد الداخلي الذي تعبر عنه أنظمة شمولية تحكم شعوبها بالخوف والقهر ودون احترام لكرامة الإنسان وحقوقه. وذروة سنام هذه العلاقات المختلة يتجلى في مجلس الأمن الذي يشرعن القوة بدل الحقوق، وتفرض فيه الدول الكبرى كلمتها تبعاً لمصالحها الخاصة، وليس تبعاً لمبادئ العدل وحقوق الإنسان.

في الجانب المشرق، هناك تجارب عديدة لشعوب نجحت في إقامة مجتمعات العدالة والرفاه الاجتماعي، وعززت سلطة القانون وأطلقت الحريات، وقوَّت القدرة التمثيلية للشعب في اختياره حكومته، وهناك مجتمع مدني حقيقي يرصد انتهاكات حقوق الإنسان ويعلي صوت الإنسانية في مواجهة منطق القوة والهيمنة. وهناك حركات احتجاجية تنحاز إلى العدالة حول العالم باتت تكتسب مساحات أكبر لإسماع صوتها، لكن هذا الجانب المشرق، وإن كان يمنحنا الأمل في غد أفضل، إلا أنه لم يقو حضوره بالقدر الكافي ليكون قادراً على هزيمة منظومة الاستعلاء؛ وفرض واقع عالمي جديد تكون فيه الكلمة العليا للعدل والحقوق.

ليست ملكا لأحد

 في حالتنا العربية، هناك من يهاجم الأمم المتحدة ولا يفرق بينها وبين الولايات المتحدة، وهو موقف نابع من غلبة نظرية المؤامرة على التفكير، وليس نابعاً من تقييم موضوعي للأشياء. فالمبادئ العظيمة التي أقرتها الأمم المتحدة عبر مؤسساتها لم تكن لعبةً ولا مسرحيةً، بل كانت تجلياً حقيقياً للخير والعدل المكنون في الفطرة الإنسانية، وبحثاً جاداً من المجموع الإنساني عما هو أهدى وأقوم. والمشكلة ليست في هذه المبادئ العالمية، بل في غياب القوة القادرة على تنفيذها، لذلك فإن الخطاب الحكيم هو الذي يركز على المطالبة بتطبيق المبادئ الحقوقية الدولية وإيجاد آليات عملية ملزمة لتنفيذها، وليس الذي يهاجم هذه المبادئ.


إن ما أصَّلته المبادئ العالمية من قيم وحقوق يكفي، لو وجد طريقه إلى التنفيذ، لإنهاء الظلم الواقع على مليارات البشر اليوم وصيانة كرامتهم وتحسين شروط حياتهم. لذلك، فإن معركتنا ينبغي أن تكون من داخل المنظومة الدولية وليس من خارجها. إن هذه المبادئ ليست ملك أمريكا أو روسيا وحسب، بل هي تراثنا جميعاً، ويجب أن نحافظ عليه ونقوّيه. ويجب أن نصوغ خطابنا باتجاه البحث عن آليات التنفيذ التي تخرج هذه المبادئ من جمالها النظري إلى فاعليتها العملية، والتي تعبر عن إرادة المجموع الدولي وليس إرادة الدول المهيمنة.

إن أشد الأطراف معاداةً للمبادئ الدولية هي الدول المتنفذة، مثل أمريكا ودولة الاحتلال وروسيا، وهذه المعاداة منطقيةً لأن أجندة هذه الدول عدوانية، وهي أجندة خاصة بها ولا تعبر عن الاتجاه الإنساني العام، لكنَّ الذي ليس منطقياً هو أن تأتي معاداة هذه المبادئ من أطراف ضعيفة مضطهدة، والتي لم تكن ستحظى ببؤس واقعها لو كانت تلك المبادئ موضع احترام وهيبة.

"عربي21"

 

 

العري الإنساني أمام أطفال اليمن

أحمد أبو رتيمة

 

يحدث في زمن الوفرة أن يموت الأطفال جوعاً، ويحدث في زمن التقدم العلمي أن يذوي الأصحاء من غير علة ثم يموتوا بفعل تفشي الأوبئة ونقص الدواء والخدمات، ويحدث في زمن مواثيق حقوق الإنسان أن يدفع الأبرياء تكلفة الحرب، وأن يتخذ الطغاة من إبادتهم ورقة ضغط سياسية؛ وهم آمنون من العقاب.
في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وبالتزامن مع يوم الغذاء العالمي، حذّرت الأمم المتحدة من أن اليمن بات على مشارف "أكبر مجاعة في العالم". وقال المتحدّث باسم برنامج الأغذية العالمي إن 18 مليون يمني لا يعرفون من أين سيؤمنون وجبتهم التالية.

أما منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسيف، فقد كشفت قبل أيام قليلة أن طفلا يموت كل 10 دقائق في اليمن بسبب أمراض يمكن علاجها بسهولة. تترافق هذه الإحصائيات الصادمة مع صور لا تحتملها القلوب المرهفة؛ لأطفال يمنيينالتصقت جلودهم بعظامهم وهم يتلوون جوعاً ومرضاً، في انتظار أن يفتك بهم الموت.

هل كان ينقصنا فصل جديد من المأساة الإنسانية لتتبدى لنا سوءاتنا، ولنعلم أن الإنسانية في مجموعها قد فشلت في تحقيق الكرامة والعدل لكل الناس، رغم الإمكانات الهائلة المسخرة طوع يديها، ولنتأكد كم أن هذا النظام الدولي غارق بالتناقضات؟!

نظام يلقي فيه القاتل كلمة سلام، ويعظ فيه السارق عن محاربة الفساد، وتعقد فيه الأطراف المغذية للفتن مؤتمرات لبحث سبل الاستقرار.. أما نشر الديمقراطية و الحضارة فتتولى أمرها دول ذات تاريخ حافل في قتل الحريات ومعاداة إرادة الشعوب!

هل لنا أن نلقي باللوم في موت أطفال اليمن من الجوع والأوبئة على العدوان الخارجي الذي يصب حمم نيرانه فوق رؤوس المدنيين، بعد أن أخفق في هزيمة الحوثيين؟ أم نلوم الحوثيين بسبب إيثارهم مصالحهم الخاصة على وحدة اليمن ومصالح شعبه؟ أم نلوم إيران على تغذيتها القلاقل والانقسام في بلد أنهكه الفقر والجوع والمرض؟ أم نلوم أمريكا على صفقات الأسلحة التي تغذي بها نظاماً راعياً للظلم وانتهاك حقوق الإنسان؟

لكل فريق من هؤلاء كفل من الجريمة، لكن المشهد الكلي هو أن النظام الدولي فشل في تحقيق مبادئ العدالة، فوجود فئات طامعة بالسلطة داخل بلد وسعيها إليها بكل سبيل غير أخلاقي أمر دائم الحدوث في تاريخ الاجتماع الإنساني. وعدوان بلد قوي على جاره الضعيف أمر مألوف في دورة الأيام، أما المحاكمة الأساسية فينبغي أن توجه إلى النظام الدولي الذي يستند إلى جملة من المواثيق والمعاهدات التي تنص على صيانة كرامة الإنسان ورعاية حقوقه، لكنه لم يكن وفياً لهذه المبادئ وآثر الانحياز إلى المصالح على حساب الأخلاق، ولم يطور أدواته لتتحول إلى قوة إلزام لأي دولة أو جماعة بأن تلتزم بحقوق الإنسان أو أن تواجه عقوبات دوليةً على انتهاكاتها وجرائمها بمعايير قانونية واضحة، دون تدخل للهوى السياسي ودون محاباة لطرف دون آخر، فتكون معاقبة الدولة المارقة قراراً مبنياً على النظر القانوني والتقدير المهني وحده، وليس قراراً سياسياً تقدمه أو تؤخره مصالح الدول العظمى؛ دون اعتبار لفظاعة الجرائم والانتهاكات الممارسة.

لقد نجح البشر داخل دولهم أكثر مما نجحوا على الصعيد الدولي، فعرفوا الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وغدا جهاز الشرطة ملزماً بتنفيذ أوامر القضاء دون اعتبارات سياسية.. هذه الصيغة هي ما نحتاج مثلها في المستوى الدولي، فيتحول التدخل العسكري إلى عمل آلي بمجرد ثبوت حدوث انتهاك في أي رقعة جغرافية، تماماً كما أن تدخل الشرطة هو عمل آلي بمجرد إبلاغها بحدوث شجار.

إن الحالة الدولية مدانة إزاء الجرائم التي تمارس ضد الشعوب؛ لأنها لم ترسخ اعتبار حقوق الإنسان أساساً للعلاقات الدولية، وإذا كان من الإنصاف الإشارة إلى سياسات بعض الدول التي تعلق تصدير السلاح إلى الدول التي ترتكب جرائم حرب، إلا أن هذه الحالة الدولية اتسعت للرئيس الأمريكي ترامب أن يؤكد عقب اغتيال الصحفي جمال خاشقجي على ضرورة إمضاء صفقات بيع السلاح للسعودية، حتى وإن ثبت تورطها في الجريمة؛ لأن هذه الصفقات توفر وظائف للمواطنين الأمريكيين!

لم يكن هذا الموقف ليصدر عن ترامب لولا وجود بيئة سياسية تتفهم هذا المنطق في تقييم الأمور، وما يعنيه هذا الموقف هو أنه لا مانع من قتل مزيد من المواطنين في بلد فقير ما دام ثمن ذلك توظيف مزيد من المواطنين الأمريكيين، إذ إن بيع السلاح لمجرم قاتل، ثبت إجرامه لدى الدولة التي تصدر السلاح إليه، هو مشاركة مباشرة في جرائم هذا القاتل في المستقبل، وامتلاك هذا المجرم للسلاح يعني مزيدا من الضحايا المؤكدين.

إن موت أطفال في أي مكان من العالم جوعاً وفقراً هو فضيحة أخلاقية؛ لأن موارد الأرض تكفي لإشباع كل سكانها. فأزمة الجوع هي أزمة عدالة وإرادة وليست أزمة نقص موارد، ولو امتلك النظام الدولي الإرادة الحقيقية لأنهى مشكلة الجوع جذرياً، ولخلق الضمانات الملزمة لكل الحكومات بوصول المقومات الأساسية للحياة لكل الناس، وتجنيب إقحام الاحتياجات الإنسانية الضرورية في الصراعات.

يقول جيفري ساكس، مدير معهد الأرض فى جامعة كولومبيا الأمريكية، في كتابه "نهاية الفقر"، إن الدول الغنية قادرة وخلال فترة وجيزة على القضاء على الجوع والفقر، لكنها لا تريد..

أما كتاب "صناعة الجوع.. خرافة الندرة"، للباحثين الفرنسيين فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز، فيرصد عدداً من الشواهد التاريخية التي تؤكد أن أمريكا تتعمد صناعة الجوع في بلدان العالم الثالث، وتستعمل الغذاء أداةً سياسيةً لمنع استقلال تلك الدول.

يذكر الكتاب أن السيناتور هيوبرت همفري، في منتصف القرن الماضي، انتقد الذين يريدون أن تكون المعونة الغذائية مجرد وسيلة للتخلص من الفائض، ورأى في الغذاء سلاحاً سياسياً قوياً، وهذا ما ترجمته السياسة الأمريكية حين قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً، عندما انتخبت حكومةً لا تتوافق مع أهواء مصالح الشركات الأمريكية..

ولهذا السبب أيضاً، رفضت الولايات المتحدة عام 1974 توسيع برنامج الغذاء العالمي الهادف لمعاونة مناطق المجاعات؛ لأنهم لا يريدون المساهمة بالغذاء في المناطق الأقل خضوعاً لسيطرتهم، والتي لا يستطيعون فيها التأثير بشكل ملموس في توزيع المعونة..

ويضيف الكتاب: "ليس هذا فحسب، بل إن أمريكا تعمل جاهدةً على منع قيام اكتفاء ذاتي من الغذاء في بلدان العالم الثالث، لضمان ألا تكون هناك تنمية حقيقية، فتضع القيود على زراعة القمح، ويدل على ذلك رهن نفقتها السنوية على مصر بعدم التوسع في زراعة القمح".

أمام هذا الحشد من الحقائق المريرة، لا يسعنا فصل المحلي عن الدولي، وإذا كان من الضروري التأكيد على المسؤولية الذاتية للأطراف اليمنية والعربية في صناعة الكارثة، فإنه لا يمكن إغفال العامل الدولي. فالنظام الذي يقتل في اليمن هو نظام مدعوم أمريكياً بالسلاح وبالغطاء السياسي، وفي ضوء مواقف أمريكا التاريخية في استعمال الغذاء أداةً للابتزاز السياسي، فإن من غير المتوقع أن يتأثر ضمير السياسة الأمريكية بأخبار مجاعة جديدة ما لم تكن هناك قوة ضغط سياسية؛ ترفع من تكلفة الانحياز إلى نظام قاتل ينتهك حقوق الإنسان ويرتكب الفظائع ضد المدنيين.

 

"عربي21" - لندن

 

جمال خاشقجي.. القوة الناعمة

التي يخشاها المستبدون

 

أحمد أبو رتيمة

 

لم يكن جمال خاشقجي معارضاً بل كان داعية إصلاح، وهذه ميزة أولى تسجل في كتابه، فالمعارضة من الاعتراض، وهي توحي بدلالة سلبية تتمثل في تقصد إظهار الأخطاء وإدانتها لاكتساب شرعية الوجود، لكن منهج المصلح في التعامل مع النظام هو تحسين الحسن وتقبيح القبيح. فقد كان صوتاً من داخل المنظومة لا من خارجها، مثله في ذلك مثل مؤمن آل فرعون الذي خلد القرآن ذكره. لقد كان انتماء مؤمن آل فرعون القومي والنفسي إلى قوم فرعون لا إلى قوم موسى، لذلك كان يحدثهم بضمير المتكلم انطلاقاً من رغبته في إبقاء ملكهم وشفقةً عليهم من عاقبة مكرهم السيئ: "يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا".. "يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ".

كذلك كان جمال خاشقجي مترفقاً ليناً في دعوته الإصلاحية، كانت دعوته مثل الماء في انسيابها لا مثل النار في فورانها، لذلك فإن قتله يكشف مدى وحشية الفاعل ويحرمه من أي قدرة على تبرير الجريمة. لم يكن المغدور يمثل كياناً أيديولوجياً يزاحم النظام في وجوده ويسعى ليحل محله، إذاً لاحتملت الجريمة شبهة التأويل بأنها في سياق صراع السلطة وحرب البقاء، لكنه لم يكن يدعو إلى أكثر من حرية الكلمة وحرية الرأي واعتماد نهج الحوار؛ بدل التخويف والعدوان. هذا التجريد لموطن الخلاف من كل ما قد يستند النظام إليه من شبهات ومسوغات والتسلح بالكلمة وحدها وبالموقف وحده؛ يمنح داعية الإصلاح شرعيةً أخلاقيةً متينةً لا يملك الطاغية انتزاعها أو تشويهها، ويجرّم الطاغية؛ لأن أي استهداف حينها لدعاة الإصلاح يحمل دليل إدانته في نفسه، فلا يضيق من الدعوة إلى الإصلاح إلا فاسد مفسد ولا يضيق من الكلمة الحرة إلا طاغ باغ مستبد ولا يقتل الآمرين بالقسط من الناس إلا الذين يقيمون سلطانهم على أنقاض الظلم والاستعلاء.       

لا عجب أن يعد الدين أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فالكلمة المجردة هي القادرة على نزع شرعية الظلم وتذكير الناس ببديهيات المساواة وحقوقهم المسلوبة ،وحرمان الظالمين من مساعيهم إلى تطبيع واقع الظلم وكأن الله أورثهم ميزات فوق البشر، وإزعاجهم بحقيقة الميزان الذي نهاهم الله عن الطغيان فيه. إن الكلمة تلامس أعمق ما في النفوس؛ لأن الظالم مهما عظمت سلطته لا يكتمل هناؤه إلا بشيخ أو كاهن أو عالم يطمئنه باستقامة طريقته، ويسكن ضميره من أوجاع غمط حقوق الناس والبغي عليهم. أما مواجهة الطاغية بالسلاح أو بخطاب الكراهية، فإنه يحيد المعركة الأخلاقية ويستفز الآليات الدفاعية في كيان السلطة، ويظهر السلطة في مظهر الأبطال الساعين إلى المحافظة على نظام الدولة ووحدتها، وأنها تواجه عدواً مكافئاً، فتتحول جرائم السلطة إلى أعمال بطولة وانتصار، وتستغل السلطة أجواء الاستقطاب الحادة في ارتكاب مزيد من الجرائم، وفي تكريس تسلطها وإيجاد المبررات لقتل الحريات وإخراس الأصوات.

أظهرت جريمة قتل شهيد الكلمة جمال خاشقجي أن العدو الحقيقي لمنظومة الاستبداد والفساد هو الكلمة وليس البندقية، وأن التناقض الجذري لهذه الأنظمة هو مع الاعتدال وليس مع التطرف. لقد تمثلت خطورة خاشقجي في أن أفكاره كانت تملك جاذبيةً قادرةً على حشد مناصري العدل والحرية في العالم إلى صفها، وعلى تفتيت تماسك الجبهات الداعمة لهذا النظام، وما كان لأفكار خاشقجي أن تتحلى بهذه القدرة لولا ما تضمنته من معان إنسانية ومن أطروحات معتدلة ومن تناغم مع الفطرة الإنسانية المجبولة على حب العدل والقسط. كانت هذه الأفكار قادرةً على إضاءة شعاع من الأمل وسط ظلمات اليأس التي تحيط بنا، وعلى تلطيف الأجواء المشحونة بالكراهية، وعلى كسر حدة الاستقطاب الطائفي والسياسي، لذلك كان من الطبيعي لنظام يستمد شرعيته من تفشي الجهل، وإشاعة الخوف وتأجيج الفتن الطائفية، وإعلاء تهديد الإرهاب؛ أن يشعر بالخطر من هذه الأفكار التي ستحرمه من بيئته النموذجية للاستمرار.

أظهرت هذه الجريمة الارتباط الوثيق بين أنظمة الاستبداد وبين الإرهاب الذي تمثل في نسخته الأخيرة بداعش وممارساته الوحشية، هذا التشابه تمثل أولاً في التفاصيل الفنية للجريمة الوحشية التي تذكر بفظائع داعش في السنوات الماضية، وتمثل ثانياً في أن كلاً من تنظيم داعش والنظام السعودي يستند في تبرير جرائمهم إلى تكييفات فقهية منحرفة. فداعش كان يستحضر مع كل جريمة جديدة يقترفها دليلاً من الموروث الفقهي، وهو ذات الموروث الذي يرعاه النظام السعودي وينشره في الآفاق، لما يحتويه من مضامين تكرس هيمنته وتعطل حس الثورة في نفوس الناس، هذا الموروث يستند إلى مفاهيم من قبيل: "سلطان غشوم خير من فتنة لا تدوم"، و"طاعة السلطان وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، وتحريم الخروج على ولي الأمر.

في هذه البيئة الفقهية التي فرخت ثنائي "نظام آل سعود- تنظيم داعش"، ليس مستغرباً أن يخرج شيخ مؤصلاً جريمة إعدام خاشقجي من التاريخ الإسلامي بحاثة قتل مالك بن نويرة على يد خالد بن الوليد ومخالفة خالد في ذلك لتعاليم أبي بكر الصديق، وبالمثل فقد قتل الوفد المفاوض جمال خاشقجي مخالفين في ذلك هدي ولي الأمر ابن سلمان!!

أما ثالثاً، فقد منح وجود الإرهاب أنظمة الاستبداد شرعيةً سياسيةً، إذ كانت هذه الأنظمة عاريةً في مواجهة ثورات شعوبها السلمية ومطالبات المصلحين بالحرية والعدل. لكن حين ظهر الإرهاب المسلح، فجأةً تغيرت الصورة من ثورة شعبية ترفع مطالب أخلاقيةً عادلةً؛ إلى اقتتال داخلي جعل أهلها شيعاً، واستبيح  فيه التدخل الخارجي، ورفع عن الأنظمة حرج دفع تكلفة الإصلاح السياسي، ولم تعد هذه الأنظمة عصابات مجرمةً تقتل المتظاهرين السلميين، بل صارت أنظمةً وطنيةً وقوميةً تحمي البلاد من الإرهاب.

لقد رأينا هذا التكامل العضوي بين الاستبداد والإرهاب في سوريا، إذ إن تمدد داعش فيها أدى بالضرورة إلى انحسار الاحتجاج السلمي، واستعاد النظام السوري زمام المبادرة وعزز شرعيته. ونحن نرى ذات العلاقة بين النظام السعودي والإرهاب، إذ إن وجود هذا الإرهاب يمنحه شرعية البقاء ويعفيه من استحقاقات الإصلاح السياسي.

لقد دفعت شعوبنا العربية أثماناً باهظةً من الدماء والتفكك في السنوات الخالية؛ في حروب عبثية يظن كل فريق من المتحاربين فيها أنه يقاتل في سبيل الحق، لكن الرابح الوحيد فيها هم تجار الأسلحة وأصحاب المشاريع المضادة لتطلعات الشعوب. وفي ضوء انسداد مسار عسكرة الثورات الذي أدى إلى الاقتتال المسلح وإلى تفتيت البلاد وخراب العمران واتعاظاً باستهداف صوت الإصلاح المعتدل جمال خاشقجي، فقد آن الأوان لأن نختصر التكلفة ونكتشف الطريق التي تمثل تهديداً حقيقياً لبنى الاستبداد والفساد.. إنها طريق اللين والسلم وليس الشدة والعنف.  

يقول الحكيم الصيني لاو تسو:

"
لا شيء على الأرض أوهن من الماء
ثم إنك لا تجد شيئا أنفذ
في الحجر الصلد، من الماء".

 المصدر : "عربي21"

 

 

لماذا يدعم الغرب إسرائيل؟

أحمد أبو رتيمة

 

يمثل سؤال الدعم الغربي لإسرائيل قضيةً حيويةً للنقاش، كون هذا الدعم شكّل عاملاً رئيساً في نشأة دولة الاحتلال وبقائها. وإلى اليوم، لا تزال دولة الاحتلال ترتبط بشبكة علاقات استراتيجية بالغرب تمثل الفضاء الطبيعي الذي تحتاجه أي دولة للبقاء، ورغم وجود مساحات اختلاف بين حكومة الاحتلال والحكومات الغربية، مثل قضية الاستيطان وحل الدولتين وانتهاك القوانين الدولية، إلا أن الغرب لا يضحي بانحيازه الاستراتيجي لدولة الاحتلال بسبب هذه الاختلافات.
لماذا يحرص الغرب على علاقته الاستراتيجية مع دولة الاحتلال؟ وما هي إمكانية حدوث تحول في هذا التوجه الغربي؟ وما حدود قدرة الحركة المناصرة للحقوق الفلسطينية في كسب مساحات في الغرب وإضعاف الدعم الاستراتيجي الغربي لدولة الاحتلال؟
هناك سبب تقليدي يطرح لتفسير الدعم الغربي لإسرائيل، وهو شعور الغرب بعقدة الذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة التي اقترفها النازيون في أوروبا بحقهم في الحرب العالمية الثانية.. هذا الشعور بالذنب قاد إلى الرغبة في التكفير عنه عبر منح اليهود دولةً خاصةً بهم، وحماية هذه الدولة ومدها بأسباب البقاء كيلا تتكرر المأساة ثانيةً، وفي ضوء الصورة النمطية بأن إسرائيل محاطة ببحر من الأعداء العرب الذين يتحينون فرصة الانقضاض عليها وإبادتها، يتعزز الشعور في الضمير الغربي بضرورة استمرار الدعم للأقلية اليهودية المضطهدة وتقويتها؛ كي تكون قادرةً على حماية نفسها من أعدائها.
هذا السبب وجيه، لكنه لا يعطي تفسيراً كاملاً للدعم الاستراتيجي الذي تحظى به دولة الاحتلال من قبل أمريكا وأوروبا. فالغرب ذو سجل حافل من الجرائم ضد شعوب آسيا وأفريقيا في حقبة الاستعمار، وقد قتل ملايين الصينيين والهنود والعرب و الأفارقة، فلماذا لا يشعر الغرب بعقدة الذنب تجاه ماضيه الاستعماري ويكفر عن الأضرار التي ألحقها بالشعوب المستعمرة؟
هناك سبب تحظى به إسرائيل لم تحظ به الشعوب الأخرى التي نالها الأذى على أيدي الغربيين، وهو أن إسرائيل امتداد طبيعي للمشروع الاستعماري الغربي، فهي ولدت من رحم الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقبل بريطانيا كان إنشاؤها حلماً في مخيلة القائد الفرنسي نابليون بونابرت. وإسرائيل هي الجسم الغريب الذي يشق الوطن العربي، ويبقي موطئ قدم للمنظومة الغربية في بلاد المشرق، ويثير القلاقل ويشغل العرب عن التوحد في مشروع أممي يقوي شوكتهم ويمكّنهم من منافسة الغرب والتفوق عليه. لذلك، فإن دعم الغرب لإسرائيل هو دعم الأب لابنه، وهذا ما يفسر تغاضي الغرب عن هفوات إسرائيل وعصيانها، فالوحدة العضوية تغفر الخلافات.
تتجلى الوحدة العضوية بين إسرائيل والغرب في تشابه المنظومة القيمية بينهما؛ في قضايا نظام الحكم السياسي والاقتصاد والليبرالية والحريات والمرأة والأسرة، وهو ما يخلق تجانساً شعورياً بين المواطن الغربي ونظيره الإسرائيلي في الوقت الذي يسود فيه نمط ثقافي مختلف في الشعوب العربية.
كذلك، فإن التفوق التكنولوجي والصناعي لإسرائيل يعزز رصيدها النفسي في العالم، فإسرائيل من أكثر دول العالم تطوراً في نظام الزراعة، وهي تصدر خدماتها الزراعية إلى 32 دولةً في العالم، وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد الشركات المدرجة في بورصة ناسداك للتكنولوجيا، بعد الولايات المتحدة والصين، متقدمةً على دول عظمى مثل فرنسا وألمانيا، ومن بين أكبر 500 شركة في العالم؛ تمتلك ثمانون منها مراكز رئيسةً في إسرائيل مثل جوجل وفيسبوك وأبل.
هذا التقدم الصناعي يطبع وجود إسرائيل في العالم المتقدم، ويشجع النظر إليها بأنها شريك استراتيجي كونها تساهم بفاعلية في المنجزات الحضارية، ويعزز ارتباط مصالح العالم بها ويدفع إلى التغاضي عن سياساتها العنصرية الاحتلالية.
هل تعني هذه الأسباب أن انحياز الغرب إلى دولة الاحتلال قدر مقدور لا فكاك منه؟
الغرب غربان، فهناك الغرب الرأسمالي الذي يهتم بمصالحه الاقتصادية ويمثل امتداداً للحقبة الاستعمارية التي استعبدت الشعوب ونهبت ثرواتها؛ هذا الغرب متصالح نفسياً مع المشروع الاحتلالي الاستيطاني لإسرائيل، ولن يضعف انحيازه لدولة الاحتلال في ظل الحالة العربية الراهنة، لكن إذا شهد الوطن العربي إصلاحاً سياسياً ونهضةً اقتصاديةً، وبدأت الشعوب العربية طريقها نحو الاستقلال والإنتاج، فستتكون علاقات جديدة تعزز المسافة الفاصلة بين مصالح هذا الغرب ومصالح دولة الاحتلال؛ كون العرب صارت لديهم أوراق قوة يستطيعون استعمالها لكسب المواقف الغربية لصالحهم.

وهناك غرب المجتمع المدني الذي يهتم بالقيم والحريات وحقوق الإنسان، وتخرج منه مجموعات المناصرة للحقوق وتنشط فيه حركة المقاطعة الدولية.. هذا المجتمع المدني في الغرب إذا قوي أنتج سياسات منصفةً وعادلةً ومنحازةً إلى الحقوق المبدئية، وشكل عامل ضغط على المواقف الرسمية للانحياز إلى المبادئ وإدانة الأفعال اللا أخلاقية. وقد رأينا مثال هذه المواقف في المؤتمر الأخير لحزب العمال البريطاني، والمواقف القوية في الانحياز إلى حقوق الشعب الفلسطيني وإدانة الاحتلال الإسرائيلي.
ما هو الدور المطلوب فلسطينياً وعربياً لعزل دولة الاحتلال وجذب المناصرة العالمية لحقوقنا؟
إسرائيل تستمد شرعيتها من مناخ الخوف، فهي تستعمل الخطاب الأيديولوجي فزاعةً لإثارة العام وحشده لمناصرتها، وكلما نمت مخاوف العالم ساعد ذلك إسرائيل في إقناعه بأنها رأس الحربة في مواجهة التطرف، وأنها حارس بوابة منظومة القيم والحضارة الغربية. لذلك، فإن مصلحتنا تقتضي تعزيز الخطاب الحقوقي بدل الخطاب الأيديولوجي، وهو الخطاب الذي يركز على جوانب العدالة وحقوق الإنسان، ويظهر الممارسات العنصرية والاحتلالية القبيحة لدولة الاحتلال. فنحن لا نعادي إسرائيل لأنها تؤوي اليهود المضطهدين ولا بسبب مساهماتها الحضارية، إنما نعادي احتلالها واستيطانها، وممارساتها العنصرية القبيحة التي تناقض منظومة القيم الأخلاقية.
إن البرهنة المستمرة على انتهاكات الاحتلال للقيم الإنسانية وعلى ممارسته التمييز العنصري؛ هو الذي يسمح بنمو التيارات المناصرة لحقوقنا الفلسطينية، ويضعف من وضوح صورة الدولة المتقدمة العصرية التي تسوقها دولة الاحتلال لنفسها، ويسمح بنمو حركة المقاطعة ونزع الشرعية ويقوي حجة الآمرين بالقسط من الناس.

"عربي21"

 

 

رسالة إلى الشاب

الإسرائيلي هليل جارمي

أحمد ابو رتيمة

 

هليل جارمي هو شاب إسرائيلي يبلغ من العمر تسعة عشر عاما، وهو الآن داخل السجن بسبب رفضه أداء الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال؛ احتجاجا منه على جرائم هذا الجيش ضد المدنيين الفلسطينيين في مسيرة العودة.

كتب هليل رسالة بين فيها دوافع اتخاذه قرار رفض الخدمة العسكرية، جاء فيها:

"
هذه السنة، وفي وقت موجة المظاهرات غير المسلحة التي أقيمت بجانب جدار قطاع غزة، قمت بقراءة ما كتبه أحد مبادري المظاهرات أحمد أبو رتيمة، وأثر بي وجود أشخاصٍ يفضلون التعامل مع الوضع القائم بين النهر والبحر بدون رفع السلاح. وأنا مثلهم، أؤمن بالعصيان المدني.

عندما كنت أصغر سنا لم أكن أعتقد أن الجيش هو فقط واجب بديهي، وإنما قمة كل الطموحات؛ رغبت في الانضمام إلى وحدة مقاتلة مميزة بقدر ما أستطيع. ولكن كلما كبرت سنا، واطلعت على الوضع الموجود بين البحر والنهر، فهمت أنني لن أستطيع القيام بذلك.

لن أستطيع الانخراط لأنني تربيت منذ أن كنت صغيرا على الإيمان بأن جميع البشر يولدون سواسية. لا أؤمن بأن هناك أي قاسم مشترك لجميع اليهود يفصلهم عن جميع العرب. لا أؤمن بأنه يجب أن أحصل على معاملة مختلفة عن طفل ولد في غزة أو جنين، وأنا لا أؤمن بأن أسى أو فرح أحدنا أكثر أهمية من تلك لدى الآخر. ومن هذا الإيمان استوجب عليّ أن أسأل نفسي، ما هو الأمر الجيد لكل من يعيش بين البحر والنهر؟ ثلاثة ملايين مواطن في الضفة الغربية وشرق القدس يعيشون تحت احتلال عسكري أو ضم مفروض مستمر لأكثر من نصف قرن. مليونا مواطن في قطاع غزة ما لبثوا أن تحرروا من الاحتلال، وإذ بهم يعيشون تحت حصار عسكري منذ عقد ونيف؛ تديره إسرائيل من اليابسة والبحر والجو. لا يمكن تبرير هذه السياسة بأيديولوجية ترى جميع الناس على أنهم سواسية.

لا يمكن تبرير هذه السياسات لأن نظام إسرائيل هو نظام ينتخبه ثمانية ملايين مواطن، ولكنه في الواقع يحكم ثلاثة عشر مليونا. يتم اتخاذ القرارات الأكثر أهمية لحياة سكان قطاع غزة والضفة الغربية من قبل الحكومة الإسرائيلية. هي تقرر مَن مِن سكان غزة يستطيع الدخول والخروج، هي تقرر ما الذي يستطيعون استيراده وتوريده، هي تقرر متى يكون لديهم كهرباء، أين يمكنهم الصيد وفي أية مناطق داخل القطاع لا يستطيعون التجول. حكومة إسرائيل تقرر من أين، وإلى أين يستطيع سكان القطاع السفر، هي تقرر أي أراض يستطيعون استصلاحها، وهي تستطيع أن تقرر باعتقال كل واحد في أية لحظة. هذا الأمر الصواب الوحيد الذي أستطيع القيام به؛ لأنني غير مستعد لخدمة نظام غير ديمقراطي كهذا.

أنا أعي تماما أن كل دولة تحتاج إلى جيش للدفاع عنها، لكن لا يمكنها تبرير كل استعمال للجيش بهذا الادعاء، ويجب أن يكون لكل نظام حكم خطوط حمراء، بحيث لا يمكننا دعمه إذا عبرها. أنا أعتقد أنه بعد أكثر من خمسين عاما من الاحتلال، فإن خطوطي الحمراء تم عبورها بكل تأكيد. على الرغم من أن قراري الأولي كان قرارا شخصيا بعدم الانخراط لكي لا أكون جزءا من تصرفات الجيش، إلا أنني قررت خلال السنة الأخيرة أن أرفض بشكل علني. قررت القيام بذلك لأنني أؤمن أنه يمكن للعصيان المدني أن يؤدي إلى تغيير، وإلى الوصول إلى إحساس العدالة لدى الطرف الذي يحصل على حقوق أكثر بين البحر والنهر. يتم استعمال العصيان المدني عادة عندما يفقد النظام المصدر الشرعي لسلطته. وأنا أعتقد أنه بعد خمسين عاما ونيف بدون ديمقراطية، فإن النظام بين النهر والبحر قد فقد هذا المصدر. أنا أعتقد أن موجة المظاهرات قرب جدار القطاع، وردة فعل الجيش الإسرائيلي، حولت هذه الطريقة لتصبح ذا صلة بشكل أكبر اليوم بشكل خاص، ولذلك قررت، مثل هؤلاء المتظاهرين أن أقوم بالعصيان المدني".

* * *

شعرت بضرورة تعزيز هذا الموقف الأخلاقي لهذا الشاب الإسرائيلي الذي انتصر فيه انحيازه للحق والعدل على قوة ضغط المجتمع الذي نشأ فيه، لذلك أرسلت إليه رسالة ستسلم إلى يده فور مغادرته السجن، جاء فيها:

عزيزي هليل:

إن قوة المواقف الأخلاقية لا تقاس بما تمثله من رأي الأغلبية، بل تقاس بميزتها الذاتية. وعلى مدار التاريخ، كان أصحاب المواقف الأخلاقية هم الأثقل في الميزان والأعظم إلهاما، حتى لو كانوا وحدهم في مواجهة التيار السائد، ذلك أن الإنسان حين يقرر أن يتخذ موقفا أخلاقيا، فإنه يحقق جوهره الإنساني ويتصالح مع الرسالة التي من أجلها خلقنا في هذا الكوكب، وإن كلفه ذلك التضحية بشيء من راحته وهدوئه الشخصي.

لقد قرأت رسالتك واستمعت إلى حديثك في تسجيل اليوتيوب، فأشرق الأمل في قلبي بأن هناك نواة لتأسيس واقع أكثر عدالة وإنسانية في حدود ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط؛ واقع لا يستمد شرعيته من عدد الذين يثقون بإمكانية تحقيقه حاليا، بل يستمد شرعيته من أنه الخيار الأكثر اقتصادية والأقرب إلى مبادئ الحق والعدل، والمستند إلى احترام الإنسان وليس إلغاءه. هذا الخيار من شأنه أن ينهي المظلمة التاريخية الواقعة على الشعب الفلسطيني، وفي ذات الوقت يراعي مخاوف الأجيال الجديدة في المجتمع الإسرائيلي التي ولدت فوجدت نفسها في واقع معقد، وفي رقعة جغرافية مضطربة محرومة من الأمن والسلام.

إن الفلسطينيين لن يستطيعوا إلقاء الإسرائيليين في البحر، وإن الإسرائيليين لن يمكنهم إلغاء حقيقة أن هناك أكثر من عشرة ملايين فلسطيني لا يزالون يحلمون بيوم ينالون فيه حريتهم، ويعودون إلى ديارهم التي هجروا منها قسرا عام 1948. هنا لا يبدو أمامنا سوى خيارين لا ثالث لهما: إما أن نبحث عن صيغة توافقية تقوم على أساس العدالة وحقوق الإنسان والمساواة، وإما أن نستمر في حالة اللااستقرار سبعين عاما أخرى.

عزيزي هليل:

لقد نشأت في قطاع غزة الذي لجأ إليه جدي بعد أن هُجر قسرا من بلدته الأصلية الرملة. أغبطك أنك تستطيع أن تزورها بسهولة في الوقت الذي لم أتمكن فيه من تجاوز حاجز بيت حانون مرة واحدة في حياتي.

تفتحت عيناي منذ سنوات عمري الأولى على مشاهد جنود إسرائيليين يطلقون الرصاص الحي على جيراني وأقاربي، ويعتقلونهم ويهدمون بيوتهم، ويفرضون منع التجول الذي كان يحبسنا أياما طويلة تصل أحيانا شهرين في بيوتنا. بعد أن كبرت ارتفعت وتيرة العنف أكثر، فلم تعد البيوت تهدم بالجرافات إنما بقنابل طائرات "إف 16"، وصار القتلى بالآلاف بعد أن كانوا بالمئات، وصارت الدبابات تتجول في حيّنا بدل الجيبات العسكرية.

في عام 2005 أعاد جيش إسرائيل انتشاره حول قطاع غزة، ففرض حصارا مشددا، وأغلق المعابر ومنع الفلسطينيين من حرية السفر برا وبحرا وجوا. وطوال هذه السنوات شن ثلاث حروب، ذهب ضحيتها أكثر من 3500 فلسطيني.

لقد تعلمت في المدرسة قانون إسحاق نيوتن الذي يقول إن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، والواقع يقول إن الشعب الفلسطيني منذ سبعين عاما يمارس ضده التهجير والاحتلال والاستيطان والقتل والاعتقال والحصار.. فهل يتوقع بعد ذلك أن تجني الحكومة الإسرائيلية أمنا واستقرارا! نعم إن الشعب الفلسطيني هم الطرف الأضعف عسكريا وسياسيا، ولكن بقاءهم في هذه الأوضاع المنافية للعدل وحقوق الإنسان وانعدام الأمل؛ سينتج بالتأكيد ردة فعل متمثلة في تعزيز حالة اللااستقرار، وحرمان دولة إسرائيل من أن تعيش مثل الدول الطبيعية وتكرس طاقاتها للإنتاج العلمي والازدهار الاقتصادي.

عزيزي هليل

نحن اليوم في عام 2018، حيث لم يعد الوعي الإنساني قادرا على تفهم كلمات مثل الاضطهاد العنصري والاحتلال وإذلال شعب لشعب آخر. إن العالم اليوم يتجه ليكون أكثر انفتاحا وتشبيكا في علاقاته الثقافية والاقتصادية، وإن الجدران الفاصلة بين الشعوب والثقافات تتحطم، وإن بقاء دولة تقيم جدرانا إسمنتية عالية لتحبس خلفها مجموعات عرقية أخرى يبدو مشهدا منكرا وغير قابل للاستمرار.

أعتقد أن الحل قريب ومتاح، وهو لا يحتاج أكثر من شجاعة المبادرة وتأسيس منظور جديد للتعامل؛ بعد أن فشلت الحلول التقليدية في تحقيق تسوية عادلة.. دعونا نناضل سويا من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، ومن أجل أن يتعايش الفلسطينيون والإسرائيليون على أساس الحق والمواطنة والمساواة؛ لا على أساس التفرقة العنصرية.

أعلم أن هذا الخيار سيواجه عقبات كثيرة، لكنه خيار يستحق أن يحتشد كل الأحرار للنضال في سبيله، وأن نسخر سنوات أعمارنا المحدودة لتقريب تحقيقه، فهو الخيار الأكثر إنسانية وعدالة، بل والأكثر واقعية؛ لأن أيا من الفلسطينيين والإسرائيليين لن يتمكن أحدهم من محو الآخر من الوجود. وقد تعلمت من القرآن أن الأفكار النافعة لكل الناس تمكث في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء..

"عربي21" لندن

 

 

اليقظة الفكرية سبيلا للإيمان

أحمد أبو رتيمة

 

ينطلق التصور النمطي للإيمان من أنه يتعلق بشؤون الغيب المفارقة للعالم المادي، هذا التصور قاد إلى خطوة في الاتجاه الخاطئ، وهو أن النشاط الفكري هو جهد دنيوي لا قيمة دينية له، ومن ثم نتج عن هذه التصورات ولادة مدرستين منفصلتين، وهما مدرسة التفكير المادي الذي ينشط فيه المتنورون، ومدرسة أخرى موغلة في الغيبيات والبشارات التي لا تستند إلى مقدمات علمية منطقية؛ ينشط فيها فريق من المتدينين الذين يغالون في التعويل على التدخلات الغيبية إلى حد الزهد في الأسباب المادية، بل واعتبار الثقة بها قدحا في اليقين الإيماني.

كيف يمكن أن نجسر الهوة بين المعنى الإيماني الذي يعول على قوة غيبية تتدخل للتأثير في الأحداث، وبين التفكير المادي الذي يؤمن بأن الطبيعة محكومة بقوانين وأن المقدمات المعلومة تقود إلى نتائج محتومة؟ هل صحيح أن التفكير المادي هو شأن العلمانيين واليساريين، وأن الإيمان يقيد أصحابه برؤية غيبية منفصلة عن الواقع؟

الإيمان ليس بديلا للتفكير المادي بل هو تغذية له وسد للفراغ الذي لا يستطيع الفكر المادي ملأه. الإيمان يمنحنا الطاقة الروحية في طريق الإعداد والبناء المادي ولا يبرر الكسل الفكري؛ لأن النجاح في الحياة مشروط بفهم سننها واتباعها، وسنن الله لا تحابي بين مؤمن وكافر، ومن حاد عن هذه السنن عوقب: "وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق".

ثمة مخيال أسطوري لفكرة الوحي، وهو أن الوحي كان يتنزل على النبي محمد آناء الليل وأطراف النهار بحلول تفصيلية لكل ما يواجهه في حياته، هذا المخيال أضر بفرص ولادة الفكر العقلاني، وأسقط أهمية الجهد البشري في حياة النبي.

سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام كانت نموذجا كاملا للنجاح البشري بالأسباب الطبيعية، فهو بدأ مستضعفا، وكان يختبئ وأصحابه خشية أذية قريش، وهاجر متخفيا عن أعين قومه الذين يلاحقونه. وكما أنه انتصر في بدر، فإنه أصيب في أحد. وكان يطلب مشورة الناس وينزل عند رأيهم، وكان يتألف قلوب سادة القبائل ليقوي بهم كيان الدعوة، وكان يستمع لآراء الخبراء، مثل سلمان الفارسي في حفر الخندق، وكان يقدر موازين القوى السياسية ويقرر وفق مقتضاها، كما هو بيّن في صلح الحديبية الذي قبل فيه بشروط قريش القاسية، وكان يهدف من توقيع ذلك الاتفاق إلى نيل شرعية الاعتراف السياسي.

إن قراءة سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام تظهر بوضوح أنها قصة بنيت وفق سنن الاجتماع والتاريخ، لا بأنها سلسلة من المعجزات والخوارق، بل إن آية محمد الدالة على نبوته كانت آية عقلية لا معجزة حسية: "أوَ لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم".

وكان القرآن يرفض إجابة مطالب قريش بمعجزات حسية مثل أن يفجر لهم النبي من الأرض ينبوعا أو تكون له جنة يأكل منها أو يرقى في السماء، كان النبي يجيبهم: "سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا". وكأن القرآن يوقظ في الناس العقل والتفكير، وليس يأخذهم إلى عالم المعجزات والأساطير.

يقول الفيلسوف الباكستاني محمد إقبال في كتاب "تجديد التفكير الديني":

إن إبطال الإسلام للرهبنة وتوريث الملك، ومناشدة القرآن العقل والتجربة باستمرار، وإصراره على أنّ النظر في الكون وأخبار الأولين باعتبارها مصدرا رئيسا للمعرفة، كل ذلك يقدم صورا مختلفة لانتهاء النبوة. فكرة انتهاء النبوة لا تعني أن العقل سيحل محل الشعور بشكل نهائي، إنه أمر غير ممكن، ولكن فكرة انتهاء النبوة تنزع العصمة عن أي فكرة تتدثر بالغيب وتخضعها للخبرة والتجربة".

إن القرآن ينبه إلى أن النظر في الكون وأخبار الأولين هي آيات دالة على الإيمان: "وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض".. "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون".. "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". وكما أن الله تعالى أنزل الكتاب المسطور، فهو الذي خلق الكون المنظور، والله تعالى لا يتكلم إلينا في الكتب السماوية وحدها، فهذه مدادها محدود، بل إنه يتكلم إلينا عبر سنن الكون وأحداث التاريخ وعواقب الأمور، فهذه كلمات الله التي لا تنفد: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".

هنا يتسع المعنى الديني ليتجاوز النصوص المنقولة إلى أفق أوسع، فكما أن المؤمن يقدس النصوص المنقولة، فإن مقتصى إيمانه يفرض عليه أن يقدس سنن الله في الكون وأن يفقهها ويعمل بمقتضاها: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى".

هنا لا تصبح دراسة التاريخ أو تفكيك الظواهر الاجتماعية أو تحليل النظم الاقتصادية عملا دنيويا، بل هي عمل ديني؛ لأنها تدبر ونظر في آيات الله في خلقه، واتباع لسننه.

إن الله تعالى يشير إلى إهلاك الظالمين في الأمم السابقة بمعجزات مثل الطوفان والخسف والصيحة، لكن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي كانت إعلانا لختم النبوة وولادة العقل الاستدلالي، كما يقول محمد إقبال، مثلت نموذجا مغايرا، فانتصاره على أعدائه كان وفق سنن التدافع الاجتماعي والسياسي الطبيعي، والتي توجت بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا. والقرآن يزحزح عقولنا عن سيطرة المعجزات بإظهار أوجه جديدة للتدخل الإلهي عبر السنن الطبيعية، مثل قوله: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، وقوله: "قُلْ هوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآْيَاتِ لَعَلَّهمْ يَفْقَهونَ"، وقوله: "وَضَرَبَ اللهَّ مَثَلا قَرْيَة كَانَتْ آَمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهَّ فَأَذَاقَها اللهَّ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يصنعون".

إن ما تلاقيه المجتمعات البشرية اليوم من الحروب والتفكك الاجتماعي ولباس الجوع والخوف؛ هي أوجه للتدخل الإلهي الذي تدفعه البشرية ثمنا لحيدها عن سبيل الله أي حيدها عن العدل والاستقامة والسلام.

يحاول بعض المتحمسين للدين بغير علم إثبات عظمة الله عبر الترويج لقصص غرائبية، مثل أن مولودا كتب على جسده لفظ الجلالة، أو أن إعصارا دمر المدينة وترك المسجد، أو أن رجلا صالحا لم يتحلل جسده بعد الموت، لكن القرآن يسير في وجهة معاكسة، فهو يثبت عظمة الله من خلال القوانين المادية الطبيعية، مثل أن الله خلقنا في الأرحام، وأن حياتنا تتبدل من ضعف إلى قوة إلى ضعف وشيبة، وأن الله يوقظنا من النوم، وأنه خلق لنا السمع والبصر، وأنه جعلنا شعوبا وقبائل، وخلق لنا من أنفسنا أزواجا، وجعل لنا بنين وحفدة، وجعل النهار معاشا والليل لباسا، وأنه ينزل المطر ويرسل الرياح، وأنه يحيي العظام وهي رميم.

هذه الآيات التي تنبهنا إلى الظواهر الطبيعية تمثل التوجه الرئيس في القرآن، والمعنى هو أن الإيمان ليس معجزات أو خرقا للمألوف، بل هو تفتيح أبصارنا لرؤية الحياة الطبيعية من حولنا، وإزالة حجب الغفلة والغشاوة التي تميت فينا حاسة الاندهاش، فيصبح العادي والطبيعي طريقا إلى الله، كما يقول في ذلك فيلسوف فرنسي: "إن أكبر المعجزات ليست أكثر إعجازا من العادي".

الإيمان ليس تسليما أعمى أو انفصالا عن العقل، بل هو فتح لمنافذ السمع والبصر والفؤاد واتباع سلطان البرهان. والإيمان هو التصديق بالدليل، أي إن الإيمان يجب أن يقوم ابتداء على موقف علمي وهو اتباع مقتضى العقل، فنقطة الافتراق الأولية بين الإيمان والكفر هي إعمال العقل أو تعطيله، لذلك فإن الكفر في السياق القرآني هو تغطية الحقيقة من بعد تبين الآيات، والذين كفروا هم الذين أصموا آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا وجحدوا، وفي النار يقولون: "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير". ويحدثنا القرآن عن وصف أصحاب النار بأنهم: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها".

المؤمن في القرآن نشط فكريا بالضرورة؛ لأنه دائم النظر في السماوات والأرض والتفكر في قصص الأولين، بينما الكافر هو المتبلد فكريا: "ما نفقه كثيرا مما تقول".. "وقالوا قلوبنا غلف".. "ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قال الذين في قلوبهم مرض للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم".

يتجاوز الإيمان عالم المادة، لكنه لا يتجاوزه إلا عبر العلم والعقل والبرهان، فكل ظن ووهم وخرافة فهو إلى الكفر أقرب وإن زعموا نسبته إلى الله وألبسوه لباس الدين.

"عربي21"

 

 

 

هل بقي للدين

ما يضيفه للإنسانية؟

أحمد أبو رتيمة

يقوم عماد النظرة المادية المنكرة لإلهية الدين على أن الدين نشأ في سياق تاريخي بدافع خوف الإنسان، فالخوف أول أمهات الآلة، حسبما جاء في موسوعة قصة الحضارة، إذ كان الإنسان في الحياة البدائية خائفاً من الموت والمرض فاخترع آلهةً يلجأ إليها، كما أنه في ظل سيادة الجهل وعدم قدرة الإنسان على تفسير الظواهر الطبيعية، نشأت الأساطير والتفسير الغيبي للألغاز، وتقود هذه النظرة أن الإنسان اليوم بعد أن اكتشف قوانين الطبيعة وتقدمت معارفه لم يعد يحتاج إلى الدين، فهو قادر أن يحيا بالعلم وأن يجد حلولاً لمشكلات حياته.

ثمة خلط في التفسير المادي لظاهرة الدين يقوم على إغفال الفرق بين الجوهر الداخلي للإنسان وبين حياته الخارجية، فكما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنه ليس باختراع الطائرة والحاسوب والهاتف، ولا بتطوير الطب والعلاج، ولا بمضاعفة الإنتاج وحده يقنع الإنسان.. إن كل هذه المخترعات العظيمة تيسر الحياة المادية وتزيد من تسخير الطبيعة له، لكنها لا تسبر أغواره الروحية، ولا تكفي لملء نفسه بالسكينة والطمأنينة وأرقام الكآبة والانتحار وقتامة الوجوه في عصر العيش الرغيد وبسط الرزق؛ برهان واضح على أن ثمة أمراً ينقص الإنسان.

إن وفرة الأشياء يسرت حياة الإنسان، لكنها لم تجلب له الطمأنينة والسكون. لقد سلب التطور التقني روح الإنسان، فما يكاد يشتري جهازاً جديداً حتى ينزل إلى السوق إصدار أحدث، فيلهث وراءه مخدوعاً بميزاته الجديدة وتستمر هذه اللعبة المميتة بلا نهاية، ويظل الإنسان مستلباً لاهثاً طوال حياته.

في جيل آبائنا لم يكن الإنترنت قد غزا المجتمعات، وكان التلفاز يقتصر على أقل من خمس محطات أرضية، لكن إرادة القراءة والثقافة كانت أكبر، فكان الكتاب الواحد يدور بين العشرات من أبناء الحي؛ يقرؤه أحدهم بنهم ثم يعطيه لغيره ويبادله بكتاب آخر، وكانت مشاهدة التلفاز تتم بتركيز أكبر، إذ تجتمع العائلة لمشاهدة برنامج أو مسلسل حتى  نهايته. لكن في ظل طوفان المعرفة اليوم في الإنترنت والتلفاز، فإن الإنسان لا يكاد يصبر على إتمام مقالة أو متابعة برنامج حتى النهاية.

يقول سيكار إن الزمن الصناعي المتواصل لا يدع على الإطلاق للإنسان المنعزل أن يواجه نفسه..

إن افتراض أن التاريخ يسير في اتجاه تطوري بحاجة إلى تدقيق أيضاً، فحاجة الإنسان إلى الأمن والطمأنينة والسلام ومحنته الوجودية مع الخوف والحزن والعداوة هي ثوابت جوهرية في هذا الكائن، وإن الخوف الأعظم الذي ابتلي به الإنسان ليس خوفه من الوحوش في الزمن البدائي، بل خوفه الوجودي النابع من شعوره بالانقطاع عن مصدره وقلقه من المجهول الذي يحيط به، وبذلك تتبدى سطحية استنتاج إمكانية تجاوز الدين في زمن العلم والحضارة. فالربط بين لجوء الإنسان إلى التدين وشعوره بالخوف هو ربط معقول، لكن خوف الإنسان الذي يلجئه إلى الدين هو خوف وجودي لن يعالجه تقدم العلم أو تيسر الأدوات، إنه خوف نابع من الانقطاع عن المصدر الكلي المطلق للحياة و الرحمة والسلام. لذلك، فإن الدين وحده هو القادر على تحقيق الطمأنينة والأمن للإنسان؛ لأنه يحميه من الشعور بالعبثية والضياع، ويعطي لحياته معنىً، ويقدم له إجابات شافيةً عن خلقه ومصيره، ويشعره بالراحة بأنه لم يخلق سدىً ولن يترك عبثاً، وأن هذا الكون محكوم بميزان أخلاقي دقيق، فلا يضيع إحسان محسن ولو كان مثقال ذرة، ولا يفلت ظالم من ظلمه مهما عظم سلطانه وامتد ملكه: "فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

الدين ليس في موضع تنافس مع العلم، فالعلم يتعلق بالكيفيات ولا يجيب عن الغايات. إن العلم يفسر أسباب سقوط الإمبراطوريات وتحلل الحضارات، لكن الدين يظهر العظة الروحية في هلاك الأمم ويدعونا إلى الاعتبار وتمثل النفس؛ لأن القانون الذي أهلك الأولين لا يزال ساري المفعول في الآخرين. إن العلم ينظر إلى الطبيعة من مسافة فاصلة، وينظر إليها أنها مادة جامدة، لكن الدين يعزز سلطة الإنسان عبر الربط بين أفعاله ومصيره، العلم قد يخلص إلى أن حضارةً بادت بالصدفة بسبب قسوة الطبيعة، لكن الدين يقول هو من عند أنفسكم، إنه يوجه الاهتمام إلى عالم الأخلاق، وينبه الإنسان إلى قدرته على تغيير مصيره بتغيير نيته وفعله. إن الطبيعة وأحداث التاريخ في ميزان الدين نابضة بالحياة؛ تتشكل وفق قرار الإنسان ولا تمارس عليه قهراً جبرياً.

التقدم العلمي يوفر أسباب الراحة للوجود الإنساني، لكنه لا يجيب عن أصل الموضوع وهو لماذا وجد هذا الإنسان.

هل وجد ليخترع ويكتشف ويقيم البنيان والعمارة؟ وماذا بعد أن يفعل كل هذا ثم يموت؟ هل يتحول إلى فناء مثله مثل التراب وكأن شيئاً لم يكن؟

إن كان الفناء هو القانون الحتمي للإنسان، فمن أين جاءت في داخلنا هذه الأشواق الخالدة للسلام والحب والخلود؟

الشعور بالعطش في داخلنا يدل على وجود الماء، ماذا لو أننا نشعر بالعطش ولا يوجد في الطبيعة ماء؟

إذا كان الشعور بالعطش منبهاً طبيعياً لنا للبحث عن الماء الذي هو موجود، والشعور بالرغبة بالجنس منبه طبيعي للبشر كي يتزاوجوا ويحافظوا على نسلهم من الانقراض، ألا يفترض بنفس المنطق أن تكون أشواق البشرية وأحلامها وخيالاتها لعالم الكمال والعدالة والسعادة المطلقة والخلود والسلام هي منبهات طبيعية أودعها الله في داخلنا لتستفزنا للشوق والعمل من أجل ذلك العالم الموجود حقاً؟

يعطي الدين معنىً للعمل الصالح والخلق الكريم. سيجادل الماديون هنا بأن الأخلاق حاضرة خارج دائرة الدين، وكم من ملحد مرهف القلب عظيم الإحسان.

تتمثل إضافة الدين الرئيسة في أنها تحفظ العمل الأخلاقي من الضياع عبثاً، لقد فني ذلك الرجل الذي كان يساعد الأيتام والفقراء قبل مئة عام، وفني أيضاً ذلك الرجل الذي كان يقتل ويفسد في الأرض قبل مئة عام، الدين وحده هو الذي يحررنا من هذه العبثية: "ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى".

إذا كان الدين ليس منشئاً للأخلاق ابتداءً، فهو معزز لها ومكافئ لأصحابها، وهو الذي يحقق العدل في التفريق بين الإحسان والإساءة. إن إسقاط الدين من حياة البشر يفقد الأخلاق جدواها، ففي لحظة حسابات مادية سيفكر الإنسان ما الذي سيدفعه لمواصلة الاستقامة في عالم يتفوق فيه الأشرار. إن الإيمان بالجزاء وبالإله الرحيم السميع البصير هو الذي يبث الطمأنينة في نفوس المؤمنين أن عملهم الصالح لن يذهب سدىً. قد يسقط فريق من المتدينين بدورهم في الاختبار، لكن بقاء الميزان صحيحاً يحفظ الحياة من العبثية، فالمحسن لن يكون مثل المسيء سواءً محياهم ومماتهم.

يعطي الدين الأخلاق تحديداً ووضوحاً فلا تبقى رهناً للمزاج القابل للتغير، إن الأخلاق بدون تحديد لن تكون كاملةً، أما الدين فهو يعطينا البوصلة الأخلاقية الكاملة، إذ يوجهنا كيف نتعامل في الغضب، وفي الرضى في الحزن، وفي الفرح مع من أحسن إلينا ومع من أساء إلينا، ينهانا عن الغيبة وعن السخرية وعن الجدال إلا بالتي هي أحسن، وألا نقول إلا التي هي أحسن لأن الشيطان ينزغ بيننا.

هذه الأخلاق التي يدعو الدين إليها توجد في حياة الناس بدافع الفطرة، لكنها تكون انتقائيةً ومبعثرةً بينهم، أما الدين فيجمع هذه الأخلاق كلها في منظومة واحدة متكاملة ويضفي عليها بعداً غائياً بربطها بالثواب الإلهي، ويوجد حداً قانونياً أدنى يلتزم به الإنسان حين تتشوش فطرته أو حين يغلبه الغضب.

الدين باق بقاء الإنسان؛ لأنه يعالج مشكلاته الوجودية التي لن تنفصل عنه ويمنحه الطمأنينة ويروي أشواقه الروحية ويوجد السلام الداخلي في قلبه. العلم يسخر الطبيعة للإنسان ويسهل حياته، لكنه لن ينفذ إلى كينونته ولن يعالج اغترابه الوجودي، واليوم في عصر الحضارة والتقدم ترجع أعداد متزايدة من الناس إلى ندائها الروحي، كما يقول في ذلك دانيال بينيك صاحب كتاب "عقل جديد كامل":

"
اذهب إلى أي مجتمع مزدهر إلى حد ما في الدول المتقدمة، وإلى جانب فرص التسوق العديدة يمكنك أن تلمح تجسيداً لمطلب السمو يتمثل في الإقبال الشديد الذي أصبح شائعاً على ممارسات كانت غريبةً ذات يوم، مثل اليوجا والتأمل، إلى ازدياد الاهتمام بالروحانية في أماكن العمل والموضوعات الدينية في الكتب والأفلام.. أصبح السعي من أجل الغاية والمعنى جزءً مكملاً لحياتنا".

يتضمن الدين تشريعات تعالج ظروفاً تاريخيةً محددةً، بعض هذه التشريعات يمكن للعلماء إعادة النظر فيها في ضوء مقاربات جديدة إذا تغيرت ظروف تشريعها في ضوء العلل والمقاصد الكبرى للدين، لكن إعادة النظر في تشريعات تفصيلية معللة بسياقات تاريخية محددة لا يبرر التشكيك في أصل الدين، فالدين في جوهره هو القضايا الكبرى التي يعالجها من إيمان بالله واليوم الآخر، وثواب المحسن وعقاب المسيء، وتجاوز لمحدودية الحياة الدنيا ونفاذ إلى عالم الغيب الواسع اللا نهائي، والحديث عن انتهاء مهمة الدين يحتمل وجاهةً حين يكون الحديث ممكناً أن الإنسان لم يعد يحتاج إلى الصدق والأمانة والحب والعدل والإحسان والسلام؛ لأن هذه المعاني كانت قبل خمسة آلاف عام.

"عربي21"

 

 

في الحاجة إلى تعزيز

الخطاب الحقوقي الفلسطيني

أحمد أبو رتيمة

ثمة فرضيات تحكم تفكير الحالة الشعبية الفلسطينية، مثل أن حقوقنا معروفة لا تحتاج إلى تبيان، وأن العالم يعرف الحقيقة لكنه يتآمر علينا، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفةً من حديد.. هذه الفرضيات تخلق زهداً في صياغة خطاب إعلامي منطقي يستند إلى الحقائق، ويسلط الأضواء على جرائم الاحتلال، ويكرس صورته بأنه كيان نشاز يمارس الاحتلال والاضطهاد العنصري، ويقترف جرائم مروعةً بحق الإنسانية.

إن مروراً سريعاً على نوعية الخطاب الإعلامي الفلسطيني السائد؛ يكشف أنه خطاب يميل إلى التفريغ العاطفي أكثر من الإقناع المنطقي. نحن نتحدث بصوت عال، ونجيد خطابات المهرجانات، ونتوعد الاحتلال بأن نرد له الصاع صاعين وأن نسحقه، وأننا نملك جيشاً في مقابل جيشه، لكننا لا نشعر بإلحاح الحاجة إلى التأثير في الوعي العالمي عبر إبداع أنشطة إعلامية وفنية ونضالية؛ تكرس صورة الحق الفلسطيني وتحرم الاحتلال من صورة الدولة النظامية المستقرة التي تواجه جماعات مسلحةً تهدد أمنها، وتصوره على حقيقته بأنه دولة احتلالية عنصرية مقيتة؛ تمارس التهجير والاستيطان والتطهير العرقي ضد السكان الأصليين.

 


في الأشهر الخمسة الأخيرة لنا عبرة، فقد بدا ارتباك الاحتلال واضحاً في تغطيته الإعلامية قبل بدء مسيرة العودة الكبرى، ولهذا الارتباك أسباب، لعل من أهمها أن فكرة مسيرة العودة تقفز عن كل التفاصيل والتشعبات، وترجع النقاش إلى أصل المشكلة.. إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وقد بلغ استشعار الاحتلال خطورة القضية التي تطرحها مسيرة العودة أن دفع شخصيةً بوزن آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي السابق، للخروج بخطاب باللغة العربية يلوم فيه الشعب الفلسطيني على عدم القبول بقرار التقسيم عام 1947، ويبرر النكبة بأنها كانت النتيجة الطبيعية لمعاندة الفلسطينيين لقرار الأمم المتحدة. إن تحويل النقاش إلى جذور المشكلة في ذاته هو مكسب وطني فلسطيني، ومأزق حقيقي لمشروع الاحتلال الذي يواجه معضلة الشرعية.

 


تجد دولة الاحتلال راحتها في مربع 
المواجهة الأمنية؛ لأن من السهل عليها أن تنتصر في هذا المربع عبر تسويق نفسها بأنها الدولة المستقرة المزدهرة التي تدافع عن أمن مواطنيها، كما تفعل كل دول العالم! لكنها لن تستطيع أن تقول إنها تفعل مثل كل دول العالم حين تواجه قضية عودة اللاجئين؛ لأن هذه القضية رابحة حقوقياً بشكل كامل، وهي تستند إلى مواثيق وقرارات دولية تضعف موقف من يواجهها. إن مجرد وضع هذه القضية على الطاولة وإثارتها إعلامياً مربك لدولة الاحتلال؛ لأنه يهز ثقة مواطنيه الوجودية، ويشعرهم بأن الاستقرار في هذه الأرض موضع شك وتساؤل، ويغذي فيهم الخوف من المجهول.

لقد مثلت بداية مسيرة العودة فرصةً لإعادة الحيوية إلى المشروع الوطني الفلسطيني؛ عبر تغيير صورة الصراع من كونه "توتراً أمنياً بين طرفين" إلى كونه نضالاً حقوقياً مشروعاً يستند إلى القرارات الدولية، ويطالب أهله بحقوقهم الطبيعية في الحياة والحرية والعودة إلى بلداتهم التي هجروا منها قسراً.


وصورة النضال الحقوقي المشروع لا يملك أحد في العالم إلا احترامها، لذلك فإن العديد من المواقف الدولية في بداية مسيرة العودة كانت تصب في اتجاه احترام حق المتظاهرين السلميين في التعبير عن آرائهم، وقد تلقينا في الجهة الداعية إلى مسيرة العودة قبل بداية مسيرة العودة بثلاثة أيام رسالةً من مدير الأونروا في قطاع غزة، ماتياس شمالي، قال فيها: "إن أونروا تدعم حق الفلسطينيين بالتجمع السلمي والاحتجاج اللا عنيف، وإن مسيرة العودة يمكن أن تتحول إلى مبادرة قوية". والشاهد في رسالته وغيرها من المواقف الدولية التي أدانت ارتكاب جيش الاحتلال المذابح بحق المتظاهرين السلميين أن النضال الحقوقي لا يكسب تأييد الحلفاء السياسيين وحسب، بل إنه يمتلك القدرة أيضاً على تجنيد دعم الجهات الدولية المهنية؛ كونه نضالاً خالصاً من الشبهات و الاختلاط.   

لكن رواية دولة الاحتلال تتغذى في حقل التوتر الأمني، وليس في حقل النضال الحقوقي الواضح، لذلك فقد كرست الآلة الدعائية الاحتلالية جهودها منذ اللحظة الأولى لتشويه فكرة مسيرة العودة. وكانت أولى ملامح هذا التشويه تجاهل كلمة العودة، لما تثيره من إزعاج لمشروع الاحتلال، وتسميتها بـ"مسيرة الفوضى"، ثم نزع الطابع الشعبي عنها وتصويرها بأنها حراك يقوده فصيل سياسي واحد، ثم تجاهل المطالب المشروعة لهذا الحراك السلمي والتركيز على جانب التوتر الأمني، مثل قص السلك 
والطائرات الورقية والبالونات الحارقة، والتهويل من خسائر الاحتلال وحرائق مزارعه.


لقد أحدث الاحتلال إزاحةً في الصورة الإعلامية من القضية الحقوقية الرابحة إلى صورة التوتر الأمني، فبدل أن يتصدر عناوين الأخبار أن اللاجئين الفلسطينيين يتظاهرون مطالبين بحق العودة أو بحقهم في الحياة الطبيعية، تصدر العناوين أن ثمة توتراً على الحدود بين الجانبين، وعلا دخان الكاوشوك وأزيز الرصاص الإسرائيلي الحي على المنطق الهادئ القادر على محاصرة رواية الاحتلال وأن هؤلاء المتظاهرين أصحاب قضية عادلة.

وقد ساهم زهد الفلسطينيين في المعركة الحقوقية في نجاح الآلة الدعائية الاحتلالية. ومع مرور الأيام، تراجعت أدبيات العودة والأعمال الفنية الإبداعية المرتبطة بها إلى التركيز على إطلاق البلالين الحارقة. وقد لفت نظري أكثر من شخص أجنبي دخل غزة بين متضامن وصحفي إلى هذه المشكلة؛ بالقول إنهم يرون مواجهةً على السياج الفاصل، لكنهم لا يرون عنواناً مرئياً للقضية التي يتظاهر الفلسطينيون من أجلها.


إن دولة الاحتلال هي دولة قوية عسكرياً وسياسياً، لكن هذه الحقيقة لا تقلل من حاجتها إلى غطاء شرعي لأفعالها. فهي مرتبطة بشبكة من العلاقات الخارجية التي تدفعها إلى الحرص على تصدير صورة إعلامية إيجابية لها. وصورة العدوان الفج لا تحتمل الدول تكلفته الأخلاقية والاقتصادية والسياسية، كأن تكون الصورة في الإعلام الدولي مثلاً أن شعباً كان يعيش في أمن وسلام ثم داهمته دولة أخرى فجأةً دون مقدمات وأعملت في المدنيين قتلاً وتشريداً. إن هذه الصورة ناصعة الوضوح ستفرض حصاراً على الدولة المعتدية، ولن تجرؤ الحكومات على دعمها، لذلك تعمل الدول المعتدية على خلط عدوانها بروايات مضللة مثل الدفاع عن النفس وتأمين مواطنيها ومواجهة الإرهاب ونحو ذلك. ومن هنا، فإن قيمة الخطاب الحقوقي الواضح أنه يضعف قدرة دولة الاحتلال على إيجاد مناخ تبرر به جرائمها، وتفرض عليها حصاراً أخلاقياً عبر تكريس صورتها العدوانية، وهو ما سيقود بالتراكم إلى الإضرار بمصالحها، ومقاطعتها شعبياً وحكومياً، وحرمانها من صورة الدولة الطبيعية المستقرة.

إن العالم ليس كله متآمراً علينا، وغالباً فإن ما يشكل سلوك الشعوب تجاه قضيتنا مقدار وعيهم بالقضية، وأغلب مواطني العالم الذين لا يجدون مشكلةً في إقامة علاقات مع إسرائيل، كونها جزءاً من المنظومة الدولية، هم أنفسهم الذين لن يجدوا مشكلةً في الانصراف عنها حين تتبين لهم حقائق أكثر وضوحاً عن الجرائم التي تقترفها هذه الدولة ضد المدنيين المسالمين، وعن الانتهاكات التي تقترفها ضد القوانين والأعراف الدولية.

إن معركتنا في جزء كبير منها هي معركة على صناعة الوعي، وبقدر ما نبذل من جهد في هذا الاتجاه بقدر ما سنحقق المنفعة لقضيتنا وسننتصر لحقوقنا.

"عربي21"

 

 

خيار الدولة

 الواحدة في فلسطين

أحمد أبو رتيمة

 

هناك من يرى أن قانون القومية الإسرائيلي يمثل إعلان فشل خيار الدولة الواحدة بتكريسه يهودية الدولة ونزعه الشرعية عن السكان غير اليهود، لكن ثمة زاوية أخرى محتملة للنظر، فإقرار هذا القانون يكشف بالذات خشية دولة الاحتلال من المستقبل و أن يفرض خيار الدولة الواحدة نفسه على أرض الواقع.

 وهو ما يعني عملياً تفكيك المشروع الاحتلالي الاستيطاني من الداخل، وكل القرارات والقوانين والإجراءات التي تتخذها دولة الاحتلال للتأكيد على يهودية الدولة ليست سوى معاندة للتاريخ واستجداء شرعية لواقع شاذ لم يستطع تكريس شرعيته منذ سبعين عاماً لأنه مناقض لطبائع الأشياء.

من الطبيعي أن دولة الاحتلال لن ترحب بخيار دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين لكل مواطنيها تقوم على أساس المساواة، لكن منذ متى كان رفض القوى المهيمنة مبرراً كافياً للتوقف عن النضال في سبيل ما هو أقوم وأقسط.

إن مبرر طرح خيار الدولة الواحدة ليس رضى الاحتلال عنه، بل ما يحمله هذا الخيار من بذور قوة كامنة تجعله الخيار الأقل تكلفةً والأقوى أخلاقياً والأقرب إلى المنطق، وهو ما يشجع على صياغة مشروعنا النضالي في اتجاه الدعوة إليه ومراكمة عناصر القوة لصالح تحقيقه يوماً ما.

 وحتى لو لم يكتب لهذه الفكرة التحقق بسبب جملة من الأسباب التي تتعلق باختلال موازين القوى أو بسبب ارتفاع العنصرية في المجتمع الإسرائيلي أو حتى بسبب الطبيعة الثقافية للمجتمع الفلسطيني العربي التي لم تنضج بعد لقبول فكرة تنطوي على كل هذا القدر من الانفتاح، فإن هذه المعوقات لن تنال من القوة المبدئية لهذه الفكرة، فالأفكار قوية في ذاتها، وكم من الأنبياء لم يؤمن بدعوتهم سوى رجل أو رجلين لكن زهد الناس بدعوات الأنبياء لا يقدح في قوتها المبدئية.

ثمة العديد من مبررات طرح فكرة الدولة الواحدة:

أولاً فهي الأكثر واقعيةً إذ إنها تستند إلى حقوق الفلسطينيين الأساسية في العودة إلى ديارهم والتحرر من واقع الاحتلال والهيمنة وإنهاء سياسات الاضطهاد والتمييز الواقعة عليهم، ولكنها في ذات الوقت تأخذ بعين الاعتبار واقع وجود ملايين اليهود في أرض فلسطين، فهؤلاء ليس من المنطق وربما ليس من الممكن عملياً أن ندعو إلى إبادتهم أو رميهم في البحر.

 لقد نشأت أجيال جديدة من الإسرائيليين لا يعرفون وطناً لهم سوى هذه الأرض، وهؤلاء ليس بالضرورة أن يكون كل واحد منهم مجرماً، فالجريمة قضية فردية وليست قوميةً، نعم إن كل من جاء بقصد وإرادة إلى أرض فلسطين وهو يعلم أنه سيطرد فلسطينياً من بيته ويحل محله فهو مجرم، لكن من ولد وكبر وهو في هذه الأرض فإن له مقاربةً مختلفةً، والمرء لا يؤخذ بجريرة أبيه أو جده، وإذا كانت قضيتي الأولى كفلسطيني هي عودتي إلى أرضي فإن إكمال المشهد أن أقول إنه لا يعنيني من يبقى في فلسطين ومن يخرج منها، كل ما يعنيني أن يعود إلي حقي وأن تنتهي حقبة التهجير والتشريد والاضطهاد.

ثانياً إن فكرة الدولة الواحدة تتناغم مع روح العصر، فالوعي الإنساني يبدو أقرب إلى فكرة المواطنة من فكرة القومية، أو على الأقل فإن فكرة القومية قد أزاحت متسعاً للمواطنة والعلاقات الإنسانية، وإذا كانت العقلية العربية التقليدية تدفعنا لإحياء مفاهيم العصبية للأرض وأنه ليس من حق لليهود بالبقاء في أرض فلسطين، فإن ملايين العرب على الأقل هم مواطنون في أوروبا وأمريكا ينعمون بخيراتها ولهم ذات الحقوق التي للمواطنين الأصليين بل ويمكن لأحدهم أن يترشح ويكون مسؤولاً في تلك البلاد، إذاً وبنفس المنطق فلماذا لا نتفهم بقاء جزء من اليهود في فلسطين إذا كان بقاؤهم على أساس المواطنة الإنسانية وليس على أساس الاحتلال والاستيطان.

إن هناك من الفلسطينيين الذين لجأوا إلى بلاد الغرب من ارتبطت مصالحهم ومصالح أبنائهم وأحفادهم من بعدهم بوطنهم الجديد، هؤلاء لن يعودوا إلى فلسطين لو تحررت إلا زائرين بعد أن ارتبطوا مصيرياً ببلاد جديدة، إذاً فالعدل يقتضي أن يكون هناك معيار واحد في التعامل مع أجيال جديدة من اليهود ارتبطت مصيرياً بأرض فلسطين، مع تأكيد الرفض ثانيةً وعاشرةً لبقائهم كمحتلين.

 نحن نريد أن نسقط مشروع الاحتلال والاستيطان وأن يبقى بعد ذلك كل من يرغب في البقاء في فلسطين على أساس الحقوق الإنسانية المتساوية.

ثالثاً هناك من يتوجس لا شعورياً من فكرة التعايش مع اليهود في وطن واحد، وهذا التوجس يستند إلى عوامل نفسية بسبب طول العهد بنمط اللون الواحد والمجتمع النقي وليس إلى مبررات موضوعية، والرد على هذا التوجس من عدة وجوه، أولاً فإن الفلسطينيين في بلاد الغرب يعيشون فعلاً في مجتمع واحد مع كل أعراق الأرض بمن فيهم اليهود بل والصهاينة ويخضعون إلى نظام واحد و يحتكمون إلى قانون واحد، ثانياً إن التعايش مع قومية أخرى في نفس المجتمع لا تعني الذوبان والانصهار، فالشيخ رائد صلاح والمناضلة حنين زعبي والمناضل باسل غطاس يعيشون في دولة واحدة مع عتاة الصهاينة لكن علاقتهم هي علاقة النضال وليس الانصهار.

 ثالثاً فإن الدولة الواحدة لا تعني القضاء على الهويات المتعددة ويمكن لكل طائفة أن يتجمعوا في مدنهم وقراهم ويحيوا بينهم روابط الدين والثقافة دون انصهار في الهويات الأخرى، وسيكون واقعهم أفضل لأنهم لن يعيشوا في معازل عرقية كما هو واقع أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، وإذا لم ينل الفلسطينيون حقوقهم كاملةً في الدولة الواحدة فإن بوسعهم أن يناضلوا كما تناضل حنين زعبي ورائد صلاح، ولكنه نضال سيكون أقل استنزافاً ودمويةً لأنه من داخل الدولة وبأدوات النضال السلمي، وهدفه الحقوق وليس تدمير الواقع كلياً.

رابعاً نحن عملياً نعيش في دولة واحدة تحكمها حكومة نتنياهو ويدير شئونها المدنية المنسق، كما اعترف بذلك صائب عريقات، ونحن نطالب حكومة الاحتلال بفتح الحواجز وإدخال البضائع وتحويل المرضى إلى المستشفيات، لأننا نعلم أنها الحاكم الفعلي.

قطاع غزة هو سجن على أراضي هذه الدولة الواحدة يناضل أهله من أجل تحطيم جدران سجنهم، والضفة الغربية وتجمعات أهالي ال48 هي معازل عرقية داخل هذه الدولة الواحدة يسكن فيها مواطنون يمارس ضدهم التمييز العنصري..

أطروحة الدولة الواحدة لا تدعو إلى تأسيس واقع جديد بل تدعو إلى النضال وفق معطيات الواقع الراهن من أجل إسقاط الجدران والتمييز العنصري وتحقيق المساواة والكرامة والحرية لكل الناس، وهذه مهمة أكثر واقعيةً من الدعوة لإبادة إسرائيل أو الدعوة لدولة فلسطينية لن تقبل بها حكومة الاحتلال أبداً..

إن تطبيق خيار الدولة الواحدة ليس سهلاً، وستقاتل مؤسسة الاحتلال قتالاً شرساً ضده، لكنه يحمل من القوة المبدئية والطاقة الكامنة ما يستأهل أن نعيد صياغة خطابنا ومشروعنا النضالي في ضوء هذه الرؤية.

إن جزءًا كبيرا من ضعف المواقف الدولية المساندة للقضية الفلسطينية رغم الإقرار المبدئي بعدالتها هو معضلة مصير اليهود في فلسطين، هذه المعضلة تحلها أطروحة الدولة الواحدة التي لا تنادي بإبادة الإسرائيليين بل تنادي بتحقيق حقوق الفلسطينيين، وتعلن أن مشكلتها مع عنصرية الإسرائيلي واحتلاله وليس مع إنسانيته ووجوده.

"عربي21" المصدر :

 

 

مسيرة العودة.. الاستمرار

واجب والمراجعة ضرورة

أحمد أبو رتيمة

 

بعد مئة يوم من انطلاق مسيرة العودة تثور حالة جدل في الشارع الفلسطيني حول هذا الأسلوب وجدوى استمراره، ويغذي هذا الجدل عوامل عدة أهمها ارتفاع تكلفة الضحايا، وكذلك خلط هدف العودة المجمع عليه وطنياً بهدف موضع خلاف واستقطاب، وهو كسر الحصار، وكذلك تصدر فصائل محددة لمشهد المسيرات، وهو ما حرم هذه المسيرة من ميزة مهمة تمتعت بها في لحظة انتشارها الأولى، وهي الطابع الشعبي الذي جذب إليها كل قطاعات الشعب الفلسطيني، وفجّر طاقة العمل في نفوس الرجال والنساء، وأظهر حضور الشعب بعد أن توارى أمام تعاظم مركزية الفصائل واحتكارها للعمل الوطني.

أتفق مع كثير من دعوات المراجعة لأسلوب مسيرة العودة، فأي جهد بشري يجب أن يقوم في ضوء نتائجه، لكن هذه المراجعات يجب أن تكون على أساس التطوير والاستمرار وليس على أساس الانقطاع، فمسيرة العودة رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أسلوب ممارستها، إلا أنها حققت أهدافاً مهمةً يجب عدم التفريط فيها. والدعوة إلى وقف مسيرة العودة ما هي إلا هدية مجانية للاحتلال، وتفريط سهل بخيار يمثل ذخراً استراتيجياً لشعب يخوض نضالاً طويلاً في سبيل الحرية.

 مسيرة العودة رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أسلوب ممارستها، إلا أنها حققت أهدافاً مهمةً يجب عدم التفريط فيها

أعادتنا مسيرة العودة إلى الحالة الطبيعية التي يجب أن نكون عليها، وهي حالة الاشتباك والرفض العملي للاحتلال. فالشعب الفلسطيني لم يكن في حالة رخاء وأريحية لتتهم مسيرة العودة بأنها نغصت عليه رخاءه، بل كانت هذه المسيرة حلقةً جديدةً في مسلسل طويل مستمر منذ مئة عام من الاحتلال والثورات والانتفاضات التي تذكر دائماً بأن ثمة خللاً يجب أن يعالج، والتوقف عن أساليب مقاومة الاحتلال ورفضه يعني التدجين والقبول بواقع العبودية، لذلك فإن مسيرة العودة لم تزد على أنها أظهرت الحالة على حقيقتها، وأزالت بعض أوهام الاستقرار الخادع، وأعادت تذكير الأجيال الجديدة والعالم بالسبب العميق الذي يمنعنا من العيش الطبيعي والحياة الكريمة، وهو أن هناك قوةً احتلاليةً استيطانيةً تصادر حق شعب كامل في الحرية والحياة.

 مسيرة العودة لم تزد على أنها أظهرت الحالة على حقيقتها، وأزالت بعض أوهام الاستقرار الخادع، وأعادت تذكير الأجيال الجديدة والعالم بالسبب العميق الذي يمنعنا من العيش الطبيعي والحياة الكريمة

 لقد فعّلت مسيرة العودة بأيدي الشعب الفلسطيني سلاحاً كان معطلاً، وهو سلاح المواجهة الجماهيرية المباشرة للاحتلال. والاحتلال قوي في مواجهة الفصائل ضعيف في مواجهة الحركة الجماهيرية العارمة، لذلك كرس الاحتلال جهده منذ بدء مسيرة العودة في إعادة المواجهة إلى مربع الفصائل، فاتهم حركة حماس بأنها هي من تنظم مسيرات العودة؛ لأن دعاية الاحتلال حين يقول إنه يواجه فصيلاً ليس موضع تناغم مع العالم أيسر من أن يقول للعالم إنه يواجه شعباً كاملاً. وقد ساعد سلوك وتصريحات بعض قيادات حركة حماس في المسيرة في تعزيز دعاية العدو، وزهد قطاعات كانت تشارك بفعالية في الأيام الأولى في استمرار المشاركة، وهذا من الأخطاء التي ينبغي أن تكون موضع مراجعة وتقويم.

كذلك، فإن مسيرة العودة عززت الوعي الفلسطيني والعالمي بقضية العودة، وهي جوهر مسألة فلسطين. وهي قضية على أهميتها وجوهريتها؛ إلا أنها لم تنل مكانتها المركزية في الخطاب الفلسطيني، وتقدمت قضايا أصغر منها، مثل الدولة والاستيطان والحصار. لقد كانت مسيرة العودة فرصةً لإعادة القضية إلى مربعها الأول، وشحنت نفوس الأجيال الجديدة بثقافة العودة، وبدأ الشباب يتساءلون عن قراهم وبلداتهم المحتلة، وكم يستغرق الوصول إليها بالسيارة أو مشياً على الأقدام، وتوافدت الجماهير إلى منطقة السلك الزائل المحرمة؛ لتمتع أنظارها بأرضها المحتلة.

 يسجل خطأ آخر وقعت فيه قيادات الهيئة الوطنية، وهو أنها أولت اهتماماً أكبر لكسر الحصار من قضية العودة، حتى على مستوى الشعارات المكتوبة

 إن صناعة وعي العودة هو هدف وطني ذو قيمة كبيرة؛ لأن التحولات التاريخية الكبيرة يجب أن يمهد لها بإيقاظ الوعي وحماية الذاكرة من الضياع. وهنا يسجل خطأ آخر وقعت فيه قيادات الهيئة الوطنية، وهو أنها أولت اهتماماً أكبر لكسر الحصار من قضية العودة، حتى على مستوى الشعارات المكتوبة. فميادين العودة تكاد تخلو من شعار واحد مكتوب عليه "حق العودة" أو ما يتعلق به. أتفهم كسر الحصار كهدف مرحلي، خاصةً أن الحصار أنهك الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لكن حتى تحقيق الأهداف المرحلية يكون بالتركيز على الأهداف الكبرى، وفي المستوى المبدئي التنظيري يجب أن تظل العودة هي القضية الأولى، والجماهير التي خرجت بكثافة غير مسبوقة في الثلاثين من آذار/ مارس فقد جذبها إلى الخروج شعار العودة وليس شعار كسر الحصار، لذلك كانت المصارحة مع الناس تقتضي أن تظل العودة هي شعار الميادين، وأن تحتل مكانتها المتقدمة التي تليق بها في خطابنا الإعلامي.

يجب أن تستمر مسيرة العودة لأنها أعادتنا إلى حالة الاشتباك والرفض الطبيعية مع الاحتلال، ولأنها ذكرت الأجيال الجديدة والعالم بحقيقة المشكلة وبقضية العودة ولأنها فعلت عنصر المواجهة الشعبية، ولأنها خلقت استنزافاً إعلامياً وسياسياً وأمنياً للاحتلال، وفي ذات الوقت يجب أن تقوم مسيرة العودة كي تكون قادرةً على الاستمرار، وأهم ما يجب أن يقوم فيها هو خفض تكلفة الخسائر فيها، فالعدد المهول الذي سقط من الشهداء والجرحى حتى اللحظة لا يتناسب مع طبيعة الهدف المعنوي لهذه المسيرة.. لو سقط ذات العدد من الشهداء والجرحى في العودة الحقيقية إلى أراضينا المحتلة لكان ذلك متقبلاً عند الناس، أما وإن الهدف إعلامي تعبوي، فإننا لسنا مضطرين لكل هذه الخسائر البشرية، وعلينا أن نفكر بكل الوسائل لتخفيض التكلفة لتقترب من الصفر. وحقيقة الميدان الذي نواجه به الاحتلال في مسيرة العودة هو الإعلام، فنحن في صراع على الصورة الإعلامية.
إن ما نريده من مسيرة العودة أن تظل قضية العودة حاضرةً في نفوس الأجيال الجديدة، وأن ينتبه العالم إلى حالة الموت البطيء التي يعيشها أهالي قطاع غزة، وأن نحرم الاحتلال من الشعور بالاستقرار، وأن نطرق أبواب السجن لنزعج السجان والمتواطئين معه. وكل هذه الأهداف تقتضي تفكيراً في أنشطة إعلامية وميدانية مبتكرة وإبداعية، وبعيدة عن التكرار الممل الذي يفقد الحراك روحه مع تقليل الاحتكاك المادي المباشر مع جنود الاحتلال، حتى لا نعطيهم فرصةً لإيقاع الخسائر في صفوفنا، فنحن بحاجة إلى حياة كل شاب وإلى كل قطرة دماء، ونحن نحب الحياة ولا نندفع إلى الموت، وما خروجنا إلا طرق لجدران السجن وطلب لحياة عزيزة كريمة.

إننا أمام عدو يخوض معركةً إعلاميةً بدهاء، وهو ما يقتضي منا أن نمتلك رؤيةً إعلاميةً مقابلةً للصورة التي نريد أن تصل إلى الوعي العالمي. كنت مع صديق إعلامي قبل أيام بالقرب من السلك العازل، فلفت نظري خلو السلك من أعلام دولة الاحتلال، فسألته عن تفسير ذلك، فقال لي إن دولة الاحتلال لا تريد أن يرتبط علمها في الوعي العالمي بصورة العنف والدماء. ثم لفت نظري إلى شيء آخر، وقال لي: ألا ترى أنهم يخفون القناصة خلف السواتر الترابية؟ إن المشهد الإعلامي الذي يخرج يوم الجمعة هو أعداد غفيرة من الفلسطينيين وكأنهم أرقام، ودخان كاوشوك وقص أسلاك، لكن لا أحد يرى صورة القاتل وهو يوجه رصاصاته نحو صدور المدنيين.

إننا أمام عدو يخوض معركةً إعلاميةً بدهاء، وهو ما يقتضي منا أن نمتلك رؤيةً إعلاميةً مقابلةً للصورة التي نريد أن تصل إلى الوعي العالمي


نجح الاحتلال في إزاحة صورة مسيرة العودة إلى صالحه، فغلبت صورة الاشتباك على صورة القضية التي ينشدها المتظاهرون، وهوّل من الحديث عن الحرائق التي يسببها المتظاهرون حتى لم تعد ملامح التظاهر السلمي واضحةً، وهو ما يقتضي منا في المقابل أن نناضل من أجل صورة إعلامية أكثر إيجابيةً لنا وأنفع لقضيتنا، وهي صورة الشعب الذي يحب الحياة ويحب الجمال ويناضل من أجل حريته وحياته الكريمة.

نحن لا نقاتل عدونا بالسلاح، بل نقاتله بالصورة والرواية، فإذا استطعنا الوصول إلى الوعي العالمي بالتظاهرة السلمية والأغنية والمسرح والدبكة ومختلف أنشطة الحياة، وأقنعناه بروايتنا، فقد قطعنا شوطاً مهماً في طريق الحرية وبتكلفة اقتصادية.

"عربي21"

 

 

الدور المنشود للمجتمع

المدني الفلسطيني

أحمد أبو رتيمة

 

يعرّف المجتمع المدني بأنه مجموع المكونات التي تمارس الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي خارج موقع السلطة، وتشمل هذه المكونات الأحزاب والنقابات والجمعيات وجماعات المصالح ونحوها.

يتميز المجتمع المدني باستقلاله عن السلطة الحاكمة، وهو ما يقوي موقفه ويمنحه القدرة على أداء دور أقرب إلى نبض الناس وأشد التصاقاً بهمومهم، وأن يمارس دوراً رقابياً على أداء السلطات التنفيذية، فيقوّم اعوجاجها، ويعلي من حساسية أجهزة الإشعار المبكر؛ استباقاً لاحتمالات تمادي الأخطاء وتراكم بنية الفساد ومأسسته.

 صورة مشوهة للمجتمع المدني كرستها المؤسسات المتضخمة بالتمويل الأجنبي المشروط، هذا النمط من المؤسسات ربط أجندة عمله وبرامجه بقيم الممول ومعاييره، وهو ما أضر بأصالة الرسالة الوطنية والقيمية

وبذلك، فإن رشد الأمم يقاس بفاعلية المكونات المجتمعية خارج دائرة السلطة وارتباطاتها وولاءاتها، فإذا قوي حضور المجتمع المدني كان ذلك ضماناً للحكم الرشيد وأماناً من أخطار التسلط والفساد.

ثمة صورة مشوهة للمجتمع المدني كرستها المؤسسات المتضخمة بالتمويل الأجنبي المشروط، هذا النمط من المؤسسات ربط أجندة عمله وبرامجه بقيم الممول ومعاييره، وهو ما أضر بأصالة الرسالة الوطنية والقيمية، فتجد تركيزاً على قضايا مثل الجندرة والمساواة والعنف ضد المرأة، في مقابل تغييب لقضايا أشد إلحاحاً، مثل بطالة الشباب والفقر والحرمان من السفر وبتر الأطراف بفعل مجازر الاحتلال. ربما تحتمل البرامج التي تنفذها هذه المؤسسات شيئاً من الوجاهة، لكن من الواضح تأثرها بمنظومة القيم التي تنتمي إليها الجهات الممولة أكثر من كونها نابعةً من أولويات الواقع الذي تعمل فيه هذه المؤسسات. وللسخرية، فقد علقت ذات مرة لافتة عريضة في شارع رئيس بغزة تدعو إلى تفعيل دور المرأة في عملية إعادة الإعمار، بينما إعادة الإعمار ذاتها لم تكن مفعلةً!

لا يمكن تصور قيام مجتمع مدني حقيقي دون ترسيخ ثقافة العمل التطوعي، فالعمل التطوعي هو الذي يمد المجتمع المدني بروحه ويمنحه شرعية وجوده، ويجذب إلى دائرته القطاعات الواسعة من الشباب والنشطاء الراغبين في فعل الخير والمبادرة الإيجابية، سواءً بالخدمة المادية المباشرة مثل مساعدة الجرحى والفقراء، أو الخدمات الثقافية والقانونية والسياسية ونحوها، فيشكل هؤلاء قوةً رافدةً للعمل الحكومي، ويساهمون في توزيع مراكز القوى منعاً للتسلط والاستفراد، أما اعتماد العمل الأهلي كلياً على التمويل وتقاضي الأجرة، فإنه يبهت روحه الثورية، ويضعف من استشعار الرسالة الأخلاقية تجاه المجتمع، ويحوله إلى مجموعة من الامتيازات التي يخشى خسارتها، ويقرب مكونات المجتمع المدني من دائرة السلطة أكثر، بينما يبعدها عن الالتصاق بهموم الناس الذين تمثلهم واستشعار احتياجاتهم وأولوياتهم.

 العمل التطوعي هو الذي يمد المجتمع المدني بروحه ويمنحه شرعية وجوده، ويجذب إلى دائرته القطاعات الواسعة من الشباب

كان المجتمع المدني في فلسطين في الانتفاضة الأولى أكثر أصالةً؛ لأنه كان يقوم على فكرة لجان العمل التطوعي، وكان يرتب أولوياته وفق احتياجات الناس الناتجة عن واقع الاحتلال والشهداء والجرحى والأسرى، فكان ثمة قليل من التنظير عن الجندرة والحوكمة والحوسبة، لكن كان ثمة كثير من التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء ومسح دموع الأرامل والأيتام. لكن مرحلة أوسلو لم تفسد النظام السياسي الفلسطيني وحسب، بل أفسدت البنى الاجتماعية، وعززت ارتهان مكونات المجتمع لاعتبارات الممول الأجنبي، فتحولت كثير من مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة من النخبوية المنفصلة عن روح الشعب وقضيته، وصار الحديث في القضايا الوطنية وأسس المشكلة مصدر حرج لدى بعض مدراء المؤسسات، فتجدهم ينتقون كلماتهم حذرين من الاقتراب من الخطوط الحمراء أو إبداء رأي صريح يعالج جذر المشكلة؛ كي لا تتأثر مصالحهم وميزاتهم التي منحتها لهم وظائف المجتمع المدني.

في تعريفات المجتمع المدني، تُدرج الأحزاب بأنها إحدى مكوناته، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تخلق مبرراً لإيجاد خط تمايز بين الفصائل السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. فالفصائل هي مسلحة أولاً، وكذلك فإن طبيعة البنى التنظيمية في داخلها تحول هذه الفصائل إلى شكل من أشكال السلطة لها مصالحها الخاصة التي تحدد سلوكها في ضوئها وإن لم تكن في موقع الحكم، كذلك الهوية الأيديولوجية للفصائل تقلل من وضوح الطابع الحقوقي الأهلي لها.

 مرحلة أوسلو لم تفسد النظام السياسي الفلسطيني وحسب، بل أفسدت البنى الاجتماعية، وعززت ارتهان مكونات المجتمع لاعتبارات الممول الأجنبي، فتحولت كثير من مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة من النخبوية المنفصلة عن روح الشعب

يمكن القول إن الفصائل مرشحة للقيام بدور أهلي ريادي، لكن لا ينطبق عليها التعريف النموذجي للمجتمع المدني، وفي ضوء عدد من المشكلات الجادة التي تعاني منها البنية الفصائلية عموماً في الحالة الفلسطينية، ولعل أهم هذه المشكلات عدم دمقرطة هذه الفصائل، يظهر دور ملح للمجتمع المدني، وهو تقليل حالة الاستقطاب الفصائلي وتعزيز الدور الشعبي الحر.

ثمة دور إيجابي تؤديه الفصائل الفلسطينية، ومن غير الإنصاف نفي دورها الوطني والاجتماعي، سواءً في المحافظة على زخم القضية الوطنية أو في الاضطلاع بأدوار مجتمعية، مثل كفالة أهالي الشهداء والجرحى والأسرى.. هذا الدور موضع تقدير واحترام، لكنه دور بحاجة إلى إكمال، وهو تفعيل حالة شعبية حرة قادرة على التأثير دون أن تمر عبر قنوات التنظيم ومحدداته. فالفرد الذي ينتمي إلى التنظيم هو فرد معطاء، لكن عطاءه كثيراً ما تقيد عفويته؛ لأنه مسقوف بتقديرات قيادة التنظيم، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر تكون طبقة داخل التنظيم تمارس الاستفراد والاستئثار، وترهن حركة المجتمع الطبيعية لاعتباراتها الضيقة. ومع مرور الوقت تتحول مواقع القيادة في القوى السياسية إلى مواقع سلطة وهيمنة، فلا ترغب هذه القيادات بأن يزاحمها أحد في مواقعها. وبذلك تتضرر مفاهيم الديمقراطية وتستلب أدوار الأفراد وقدراتهم على المبادرة والتأثير، ويحرم المجتمع من ضخ دماء جديدة وأفكار جديدة، وتصبح القيادات السياسية أكثر عرضةً للابتزاز الخارجي.

 الفرد الذي ينتمي إلى التنظيم هو فرد معطاء، لكن عطاءه كثيراً ما تقيد عفويته؛ لأنه مسقوف بتقديرات قيادة التنظيم، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر تكون طبقة داخل التنظيم تمارس الاستفراد والاستئثار

إن قوة القرار السياسي الفوقي تنبع من قوة التفاعل الداخلي، وجرأة الأفراد في طرح مبادراتهم وأداء أدوار فاعلة في الميدان السياسي والمجتمعي دون احتكار هذه الأدوار لفئات قليلة. هذا التفاعل الداخلي يسد أبواب الاستفراد أمام الطبقة السياسية، ويمثل رافعةً للسقف الوطني، ويخلق حالةً صحيةً في المجتمع تفكر بحرية وتبادر بعفوية، ويكون لها موقعها في صناعة القرار.

إن المؤهل لأداء هذا الدور الرافع للحالة الوطنية هو مجتمع مدني حقيقي تحرر من قيود التمويل الأجنبي المشروط، وحقق تمايزاً في الهوية عن الاستقطاب الفصائلي، وامتلك من وضوح الرسالة والقوة الثورية ما يمنحه قوةً دافعةً لتفعيل الطاقات الشعبية ودفع الحالة الوطنية باتجاه أكثر عدالةً وشفافيةً وديمقراطيةً.

" المصدر : عربي21"

 

 

يوم أن تضع

 الحرب أوزارها

أحمد أبو رتيمة

 

الحرب مآس وأحزان، دماء ودموع.. الحرب هي أن يترقب الطفل عودة أبيه في آخر النهار ليرتمي في أحضانه ويسأله عن الهدية التي أحضرها له، فلا يأتي الأب ويطول الانتظار بلا نهاية.. الحرب تعني أن ينتزع الأحبة من دفء أحضان أحبائهم، وأن يحكم على النساء أن يترملن باكراً، وعلى الأمهات أن يثكلن أبناءهن، وعلى الأطفال أن يعيشوا حياتهم بلا سند وظهير.

في المشهد الأول لاستخلاف الإنسان في الأرض أبدت الملائكة قلقها من السلوك العدواني لهذا الكائن: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، لكن الله تعالى أجاب الملائكة: "إني أعلم ما لا تعلمون". والواقع أن الإنسان منذ آدم إلى اليوم لم يخالف ظن الملائكة فيه، فلا يزال يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وهو ما يستثير التأمل في معنى الرد الإلهي: ما هو هذا العلم الإلهي الذي يقابل ظن الملائكة في الإنسان والذي لم نره إلى يومنا هذا؟

 هل الحرب قدر لا مفر منه للجنس البشري؟ أم أن بالإمكان تصور عالم جديد تنتهي فيه الحروب ويتعايش الناس فيما بينهم بسلام؟

كانت هذه الآية مفتاحاً تأملياً للمفكر السلامي جودت سعيد الذي أسس على هداها فلسفته السلمية، والتي يبشر فيها بميلاد إنسان جديد يقيم رسالات الأنبياء ويحقق علم الله فيه، فيتوقف عن الإفساد في الأرض وسفك الدماء.
هل الحرب قدر لا مفر منه للجنس البشري؟ أم أن بالإمكان تصور عالم جديد تنتهي فيه الحروب ويتعايش الناس فيما بينهم بسلام؟
إن منشأ الحروب بين البشر هو تصادم الإرادات، فيسعى كل فريق إلى إثبات إرادته وكسر إرادة عدوه، فإذا عانده عدوه، وهو السلوك الطبيعي المتوقع كون العدو أيضاً صاحب إرادة، سعى بكل وسيلة إلى إلغاء وجود عدوه، حتى يبلغ الصدام ذروته بإلغاء وجوده مادياً من أجل الاستفراد بالسيادة والهيمنة: "وتكون لكما الكبرياء في الأرض".
هذا التصادم بين الإرادات الإنسانية هو طبيعة ملازمة للجنس البشري: "اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو"، فالإنسان تحرضه النفخة الإلهية المودعة فيه على حب التميز والتفرد، ولو لم يتقاتل البشر على الظفر بالغنائم والثروات المادية لتقاتلوا على المواقع المعنوية، مثل الرئاسة والوجاهة، وكم من حرب نشأت وقتل فيها ملايين البشر؛ ليس من أجل ثروة مادية بل من أجل سمعة وكبرياء. فهتلر أحرق العالم مدفوعاً بحميته القومية "ألمانيا فوق الجميع"، وبوش حين دمر أفغانستان أعلن أن هدف حربه أن يعلم الناس أن أمريكا هي أعظم أمة في التاريخ، وأبو جهل أصر على ورود بدر حتى تسمع العرب بقريش فلا تزال تهابها أبداً! وكل فريق يعلن الحرب يحدد هدفها أن تكسر إرادة العدو، ومختار العائلة حين تتشاجر مع عائلة أخرى يرفع شعار الكرامة والهيبة، وأن يعلم الناس من نحن ومن هم! وهكذا فإن العلة الرئيسة للحروب بين البشر ليست علةً اقتصاديةً، بل هي علة نفسية تتمثل في إثبات الكبرياء والهيمنة.

إذن، فمدخل مناقشة "عالم بلا حروب" يجب ألا يكون البحث في وسائل لتغيير الطبيعة الإنسانية وتخيل كائن طوباوي معدل جينياً، بل إن المدخل المناسب هو تغيير وسائل المواجهة، فتراعى حقيقة سعي الأفراد والأمم إلى التميز والانتصار، لكن بتكريس مفاهيم جديدة لمعنى الانتصار لا يقوم على الإفناء المادي للعدو، بل يكون مثل المباريات الرياضي التي ينتصر فيها فريق ويهزم فريق آخر دون إضرار مادي بالفريق المهزوم.

 

دخل مناقشة "عالم بلا حروب" يجب ألا يكون البحث في وسائل لتغيير الطبيعة الإنسانية وتخيل كائن طوباوي معدل جينياً، بل إن المدخل المناسب هو تغيير وسائل المواجهة

لقد تحقق هذا المعنى نسبياً في العلاقات الداخلية للدول التي تقوم فيها أنظمة سياسية راشدة، فقد تخلت أحزاب هذه الدول عن الصراعات الدموية من أجل الوصول إلى الحكم، وكرست ثقافةً اجتماعيةً وسياسيةً جديدةً تقوم على تداول السلطة وتوزيع السلطات والمعارضة بأساليب الاحتجاج السلمية. في هذه الأنظمة السياسية الجديدة لم تنتزع من الإنسان أنانيته واهتمامه بمصالحه الخاصة ورغبته في هزيمة خصومه، بل تغيرت الأدوات المتاحة للتعبير عن طبائعه الإنسانية، فلم يعد يحتاج إلى تكوين مليشيات مسلحة والانقلاب على الحاكم، بل صار بإمكانه أن يعد برنامجاً انتخابياً قادراً على المنافسة، وأن يراقب سلوك الحاكم ويحرض الجمهور إلى أخطائه، وأن يبحث في الحيل السياسية لتقوية علاقاته الحزبية وتوسيع قاعدته الجماهيرية من أجل أن يحظى بالمنصب الذي يتطلع إليه.

هذا التغير في أدوات المواجهة ليس مرده أخلاقية الإنسان المعاصر، فكم يختبئ وراء البذلات الأنيقة والدبلوماسية الرقيقة من وحشية تفوق وحشية إنسان الغابة الذي كان يأكل لحم أخيه الإنسان، ولو أتيحت الفرصة للإنسان المتحضر لتكشفت طباعه عن أسفل سافلين، لكن ما يدفع الإنسان المعاصر إلى تغيير أدوات المواجهة هي حالة الوعي الجمعي وتطور المفاهيم الإنسانية المشتركة، وتعزيز قدرة الشعب على محاسبتهم من خلال عدم تركز السلطات في يد فريق واحد وتوزع أقطابها، بما يضمن منع الهيمنة والاستفراد.

 غدت الحروب اليوم من أفعال الصغار الذين تحركهم الدول الكبرى مثل بيادق الشطرنج، وتؤجج صدورهم وتوجه حماستهم في الوجهة التي تخدم مصالح تلك الدول الكبرى

ثمة مؤشر آخر على تراجع ثقافة الحرب في الحضارة الإنسانية، وهو العلاقات بين الدول الكبرى، فروسيا وأمريكا مثلاً لا تتقاتلان عسكرياً وجهاً لوجه، إنما تتنافسان فيما بينهما بالأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. لقد غدت الحروب اليوم من أفعال الصغار الذين تحركهم الدول الكبرى مثل بيادق الشطرنج، وتؤجج صدورهم وتوجه حماستهم في الوجهة التي تخدم مصالح تلك الدول الكبرى، فإذا تجاوز الصغار حدود اللعبة المرسومة لهم، تدخلت الصواريخ العابرة للقارات والمقاتلات الحربية لتعيدهم إلى حدود حلبة الصراع المسموحة.

إن الكبار لا يتقاتلون وجهاً لوجه؛ لأنهم يفهمون عناصر القوة الحقيقية من امتلاك أدوات المعرفة والهيمنة الاقتصادية، ولأنهم يدركون الثمن الباهظ للحروب في ضوء امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ولأنهم مرتبطون بشبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية التي يصعب التفريط فيها وخسارتها إذا حدثت حرب شاملة. هذا الانحسار لخيار الحرب من علاقات الدول الكبرى لم يكن فعلاً أخلاقياً، بل كان مساراً تاريخياً إجبارياً في ضوء تغير مفهوم القوة وشمولها لمعاني التفوق الاقتصادي والمعرفي، وفي ضوء زيادة تشابك العلاقات الدولية وتداخلها بما يجعل الحرب خياراً مكلفاً للجميع، وفي ضوء التفوق الهائل في صناعة السلاح، وهو ما يجعل من الحرب خياراً انتحارياً. ومع ذلك، فهو مؤشر إيجابي يمنحنا الأمل بتوسع هذه الثقافة لتغزو أوطاننا المنهكة بالحرب والدمار وتستفزها لإعادة تغيير مفهوم القوة والانتصار، وتكريس الجهود في اتجاه صناعة الحياة وامتلاك أدوات التفوق المدني.

إن تكريس ثقافة السلام بين الأنام ومحاصرة خيار الحرب يكون عبر تجفيف المنابع الثقافية التي تغذي الحروب وتنفخ في نارها، فوقود الحرب هي مفاهيم الثأر والكرامة والعصبية القومية والسيادة، بينما وقود السلام مفاهيم بناء الإنسان وتعزيز المساواة والعدالة. وإن لنا في التاريخ القريب لعبرةً، فقد داست اليابان على جراحها وتغافلت عن مفهوم الكرامة وأعلنت استسلاماً غير مشروط لأمريكا، بعد تدمير ناجازاكي وهيروشيما، ثم أولت اهتمامها بالإنسان والعلم والصناعة، فدخلت العالم من جديد، لكن عبر بوابة العلم وليس عبر بوابة الحرب والسلاح.

 أتخيل في حالتنا الفلسطينية لو أننا تركنا خيار المقاومة المسلحة كلياً أو حصرنا دوره في مهمة الردع، ثم تفرغنا لبناء نظام تعليمي حديث ومستشفيات تنقذ المرضى من الموت، ومصانع تنقذ الشباب من البطالة، ونشرنا ثقافة النضال السلمي وحقوق الإنسان والعدالة

أتخيل في حالتنا الفلسطينية لو أننا تركنا خيار المقاومة المسلحة كلياً أو حصرنا دوره في مهمة الردع، ثم تفرغنا لبناء نظام تعليمي حديث ومستشفيات تنقذ المرضى من الموت، ومصانع تنقذ الشباب من البطالة، ونشرنا ثقافة النضال السلمي وحقوق الإنسان والعدالة، ودخلنا أبواب العالم عبر الثقافة والفن والإعلام والتعليم.. ألن نكون قادرين على محاصرة عدونا بقوتنا الناعمة، وعلى تفتيت كتلته العنصرية الاحتلالية بالتسرب الهادئ في مفاصله مثل الماء الذي يفتت الصخر بالتتابع والاستمرار؟ ألن يكون هذا الخيار أكثر اقتصاديةً وأجدى في بناء الإنسان، فلا نكسب التحرير وحده، بل نكسب ما هو أهم، وهو أننا بنينا الإنسان الحر الإيجابي الفاعل صانع الحضارة؟

إن علم الله في هذا الإنسان لا يزال كامناً لم يخرج إلى حيز النور، ولا تزال طبائع الغابة تحكم سلوكه، لكن سلطة العلم التي منحها الله لهذا الكائن، والممكنات المودعة في خلقه تبشر بقدرة هذا الإنسان على بناء عالم جديد تنتصر فيه الروح الإلهية الخلاقة على طغيان القوة.

ويقولون متى، هو قل عسى أن يكون قريباً..

" المصدر : عربي21"

 

 

مسيرة العودة.. أين

 أصبنا وأين أخطأنا؟

أحمد أبو رتيمة

 

تعمدت حكومة الاحتلال إحداث صدمة في الوعي الفلسطيني عبر رفع التكلفة الدموية لمسيرة العودة؛ التي وصلت إلى ذروتها في الرابع عشر من أيار/ مايو. فقد ارتكب جنود الاحتلال يوم الاثنين مذبحةً ضد المدنيين السلميين، فقتلوا أكثر من 60 متظاهرا وأصابوا حوالي 2500، وهو ما يرفع شهداء مسيرة العودة منذ انطلاقها في الثلاثين من آذار/ مارس إلى حوالي 110 شهداء.

حكومة الاحتلال، عبر دخان الغاز المسيل للدموع ودوي الرصاص الحي الذي كان جنودها يصبونه بغزارة على المتظاهرين العزل، أرادت حجب رؤية الفلسطينيين لأي فائدة قد تحققها مسيرة العودة، وكسر الثقة بجدوى التمرد، ودفعهم إلى التكيف الذليل مع واقع الاحتلال والقيد.

وإذا كان البديل عن الفعل النضالي هو القبول المهين بشروط الاحتلال والموت البطيء تحت سيف الحصار، وهو خيار لا يخطر ببال الغزيين، فإن هذا يحصر حدود النقاش في مراجعة أدوات الفعل النضالي وفق محددي رفع تكلفة الاحتلال وخفض تكلفة الشعب، وهو ما يبطل حجة الذين يرفضون مبدأ مواجهة الاحتلال انطلاقاً من حرصهم على حياة هادئة خالية من التوتر. هذا الفريق نقر لهم بحقهم الشخصي في البحث عن نمط الحياة الذي يريدونه، لكنهم لا يعبرون عن الوعي الجمعي الذي يحركه دافع الاضطرار إلى المواجهة لاستحالة التكيف مع الذل والقهر.

كانت فكرة مسيرة العودة سبيلاً وسطاً بين ثنائية المقاومة المسلحة في قطاع غزة أو البقاء دون فعل شيء، فالمقاومة المسلحة ليست خياراً مفضلاً للفلسطينيين في هذه المرحلة بسبب جملة الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي رفعت تكلفتها. وفي المقابل، فإن عدم فعل شيء يزيد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة سوءاً ويدفعها إلى الانفجار مع تردي الواقع الصحي وانهيار الاقتصاد وقطع الرواتب وإغلاق المعابر. هذه الجدلية بين فعل باهظ التكلفة وبين لا فعل يفاقم الأزمة؛ أظهرت الحاجة إلى النضال الشعبي السلمي كونه الخيار الأقل كلفةً، والقادر على ضرب حالة الاستقرار التي ينعم بها الاحتلال، مع ضرورة مراجعة هذا الخيار لتقليل تكلفته وإبقائه قادراً على استنزاف الاحتلال سياسياً وإعلامياً وأمنياً وأخلاقياً، بدل أن ينقلب دوره إلى استنزاف الشعب الفلسطيني من خلال رفع الثمن الذي يدفعونه.

لقد أحيت مسيرة العودة ثقافة العودة في نفوس اللاجئين في غزة، وتنامت مشاعر الشوق والحنين في نفوس الشباب والشيوخ والرجال والنساء إلى وطنهم المسلوب، وأعادت تعريف القضية الفلسطينية بأنها قضية شعب مقتلع من أرضه، وأعادت قضية فلسطين إلى بؤرة الاهتمام العالمي، كذلك فإنها فجرت الطاقات المكنونة في الشعب الفلسطيني، وعززت ثقافة الإيجابية الوطنية، واضطرت دولة الاحتلال إلى استنفار كتائبها العسكرية على طول السلك العازل مع قطاع غزة. وساهمت مسيرة العودة في تراجع الشعور بالأمن والاستقرار في المجتمع الإسرائيلي، وأحدثت تصدعاً داخلياً عبر عن نفسه في عدد من التظاهرات والمواقف التي تحرك أصحابها تحت ضغط الشعور بالعار من سلوك حكومتهم التي تقتل المدنيين العزل، وأنهت مسيرة العودة حالة اللامبالاة الإسرائيلية والدولية تجاه حصار غزة، وساهمت في إحراج موقف دولة الاحتلال عالمياً وعرقلت عجلة التطبيع.

هذه الفوائد يجب ألا تغيب عن حسابات أي عملية مراجعة لمسيرة العودة، فلا يصح أن يقال إن الفكرة فشلت لأن الاحتلال ارتكب مجزرةً ضد المدنيين، فالاحتلال لم يرتكب المجزرة إلا لأن مسيرة العودة تحمل بذور تهديد استراتيجي لكيانه، وهو ما عبر عنه اليوم وزير الحرب السابق موشيه يعلون؛ بالقول إن الفلسطينيين يحاربوننا على تل أبيب، وليس المستوطنات، ولذلك لا مجال للسلام بيننا"، لذلك هدف الاحتلال من خلال قتل المتظاهرين إلى قتل الفكرة ذاتها، وعملية المراجعة ضرورية، لكن قوامها ينبغي أن يكون تعزيز الفوائد والبحث عن مواطن سوء الإدارة التي رفعت تكلفتها الدموية من أجل تداركها.

أعتقد أن ثمة خطأين رئيسين ارتكبا في طريقة الإدارة الفلسطينية لمسيرة العودة، وقد تمثل الخطأ الأول في رفع سقف آمال الناس عبر تضخيم مركزية منتصف أيار/ مايو، وهو ما أوجد موعداً يترقبه الناس وينتظرون منه الكثير، وأضر بفكرة الاستدامة. ولو كانت مسيرة العودة دون تحديد موعد أطلق عليه بأنه يوم الذروة، لسمح ذلك بتفاعلها ونضجها على نار هادئة واستدامتها بما يمثل استنزافاً حقيقياً لدولة الاحتلال، وكذلك الترويج لفكرة العبور دون إعداد متكامل لهذه الفكرة، وهو ما حمس الجماهير وساهم في اندفاعهم باتجاه السلك العازل، وكذلك رفع مستوى الخوف الإسرائيلي، وهو ما انعكس على مستوى العنف الذي لجأ إليه، فانقضى يوم الرابع عشر من أيار/ مايو الذي أطلق عليه النشطاء "يوم العبور" دون عبور فعلي، وفي ذات الوقت مع تكلفة مرتفعة لم نكن مضطرين إليها لو كان الهدف إيصال رسالة إعلامية وجماهيرية وحسب.

أما الخطأ الثاني، فقد تمثل في تصدر حركة حماس للمشهد أكثر مما ينبغي، وهو ما جعلها العنوان الذي تتوجه إليه الضغوط الإقليمية، وأضر بالعمق الشعبي للحراك. وقد تعاملت حركة حماس بغموض مع الجماهير، بل حتى بغموض مع الناشطين في مسيرة العودة الذين تنظر الجماهير إليهم بأنهم المسؤولون عن اتخاذ القرار، وذهبت قيادة حماس إلى القاهرة قبل يوم من ذروة مسيرة العودة، في زيارة غامضة، ثم رجعت دون إطلاع الناس على نتائج تلك الزيارة. ومع غياب المعلومات والشفافية فتح باب التكهن، وزعمت بعض المصادر أن حركة حماس تلقت تهديداً من النظام المصري في تلك الزيارة القصيرة إن استمرت مسيرة العودة.

إن حركة حماس هي قوة وازنة في قطاع غزة، لكن ليس من مصلحتها الاستفراد في اتخاذ القرار وفي تمثيل الجماهير. فحركة حماس رغم ثقلها التنظيمي والجماهيري، فإنها لم تكن قادرةً على تنظيم فعاليات بقوة مسيرة العودة طوال عشر سنوات خلت، والجماهير التي خرجت بهذا الزخم إنما فعلت ذلك لأن مشهد مسيرة العودة كان وطنياً وحدوياً جامعاً. ومما ساهم في إقناع الجماهير بالمشاركة في مسيرة العودة، تصدر شخصيات وطنية ومجتمعية بعيداً عن القيادات الفصائلية التقليدية.

توسيع قاعدة المشاركة وتقليل مركزية قيادة حركة حماس سيقوي الموقف الشعبي الفلسطيني، وسيضعف قدرة الجهات الخارجية على ممارسة الضغوط. كذلك، فإن من حق شركاء النضال أن يكونوا شركاء في القرار، وألا يتم الالتفاف عليهم في لقاءات سرية أو التعامل معهم بأنهم ديكورات إعلامية.

لا بديل عن مواصلة نهج مسيرة العودة وتطويره. وبعد 45 يوماً من انطلاقها، فإن من المفيد استقاء عبرتين:

أولاهما، تكريس ثقافة النضال السلمي في المجتمع الفلسطيني بديلاً عن ثقافة الاشتباك المباشر مع جنود الاحتلال. فالنضال السلمي لا يقتضي بالضرورة الفعل المادي الملموس، مثل قص السلك وإلقاء الحجارة وسقوط الشهداء والجرحى، بل إن خلق حالة من الحضور الثقافي والفني والاجتماعي والإعلامي في ميادين العودة، والقدرة على إبداع أنشطة متجددة، وجذب الاهتمام الدولي؛ هو نمط اقتصادي التكلفة لكنه قادر على إبقاء زخم مسيرة العودة وحرمان الاحتلال من الشعور بالاستقرار، ويرتبط بهذا التوقف عن التنظير لفكرة العبور كي لا نحرق المراحل بخطوات مستعجلة ولا نرفع ثمن التكلفة البشرية. وإذا كان العبور والعودة إلى الوطن هو الحلم الجميل الذي يداعب مخيلة اللاجئين، فإن إحياء ميادين العودة وزيارة العائلات والأصدقاء إليها هو عنصر إزعاج مستدام للاحتلال، وعنصر تغذية للثقافة الوطنية حين لا تسمح الظروف التاريخية بخطوة العودة الكبرى.

ثانيهما، تعزيز حضور أطياف المجتمع المتعددة في مسيرة العودة، وتشكيل جسم مدني فاعل لا يطغى عليه الحضور الفصائلي، ويكون هذا التيار المدني قادراً على قيادة هذه المرحلة. فلكل مرحلة عناوينها، ومن يقود الكفاح المسلح مع كل التقدير لجهوده ونضاله فإنه ليس الجهة المناسبة لقيادة الكفاح السلمي، وأن يكون هذا التيار ممثلاً حقيقياً للجماهير، وأن يكون ديمقراطياً تشاركياً لا يستأثر بقيادته جهة واحدة كي لا يسهل على الأطراف الخارجية ابتزازه.. وجود هذا التيار المدني سيقوي الرواية الفلسطينية بأن مسيرة العودة هي نشاط سلمي، وسيخرج هذا الإبداع الوطني من دائرة الاصطفافات والاستقطابات المضرة، ويعزز مكانة مسيرة العودة بأنها مشروع وطني راسخ ومتراكم.

" عن عربي21"

 

 

أنا ساهمتُ في إطلاق

احتجاجات غزة ولستُ نادماً

احمد ابو رتيمة

يتمسك الفلسطينيون منذ زمنٍ بعيد بحلم أن تكون القدس عاصمتنا، أو على الأقل عاصمةً مشتركة في بلدٍ يُوفِّر حقوقاً متساوية للجميع. كان الشعور بالخيانة والضغط في غزة ملموساً. ولتصفية ذهني، ذهبتُ أنا وصديقي حسن في تمشيةٍ على طول الحدود، وهو أمرٌ كنا نفعله بين الفنية والأخرى.

قلتُ لحسن بينما كنتُ أنظر إلى الأشجار على الجانب الآخر من السياج الحدودي الشائك الذي يحبسنا: "هنالك تقع أرضنا. على بُعد بضعة كيلومترات فقط من هنا". مع ذلك، وبسبب ذلك السياج والجنود الذين يحرسونه، هذه الأرض بعيدةٌ جداً. معظم الأشخاص في مثل سِنّي لم يُسمَح لهم قط بمغادرة غزة؛ لأنَّ مصر تتحكم في المنفذ البري الجنوبي، فيما تُقيِّد إسرائيل الوصول إلى الشمال، إلى جانب أنَّها تمنعنا من استخدام بحرنا ومطارنا (أو على الأقل ما تبقى منه بعد ثلاث حروب).

هذا التفكير قاد إلى رغبةٍ عبَّرتُ عنها على موقع فيسبوك. وضربت على وتر حساس لدى الناس في غزة لدرجة أنَّها أطلقت حركة بلغت أوجها في الاحتجاجات التاريخية التي جرت على مدار الشهر الماضي أبريل/نيسان. وردَّت إسرائيل على نحوٍ مُفجِع بوحشيةٍ أكبر حتى مما توقعت، وأنا الذي عايشتُ ثلاثاً من حروبها. آخر التقديرات لعدد المحتجين القتلى هو 104، أكثر من 50 منهم قُتِلوا أمس الإثنين 14 مايو/أيار. وأُصيب آلاف آخرون. لكن أصواتنا كانت يجب أن تُسمَع، وقد سُمِعَت.

إنَّ كراهيتي للحدود عامة –بمعنى أنَّ كل الفلسطينيين يعانون منها- وشخصية جداً. وُلِد أجدادي وأجدادهم ونشأوا في مدينة الرملة وسط ما أصبح الآن إسرائيل. وأثناء جولات تمشيتي، كنتُ أتخيل أرض أجداد عائلتي.

لكنَّني أيضاً خَبِرتُ الأثر المُدمِّر للحدود على نحوٍ شخصيٍ أكثر. لقد وُلِدتُ في عام 1984، بعد عامين من انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء وتقسيم مدينتي، رفح، بين غزة ومصر. هدَّمت مصر وإسرائيل قلب المدينة لإقامة منطقة عازلة، الأمر الذي قسَّم العائلات، ومن بينهم عائلتي، بأسلاك شائكة. عاشت عائلة أمي في الجانب المصري، وانتهى مطاف تقسيم رفح إلى الفصل بين والديّ. ومع أنَّ أمي كانت تعيش على مرمى حجر، استغرق الأمر 19 عاماً حتى أراها مجدداً.

في ذلك اليوم في ديسمبر/كانون الأول، بينما كنتُ أشاهد الطيور تُحلِّق فوق الحدود التي لا يمكنني عبورها، وجدتُ نفسي أفكر كم أنَّ الطيور والحيوانات أكثر ذكاءً من البشر؛ فهي تتآلف مع الطبيعة بدل أن تبني الجدران. في وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، تساءلتُ على فيسبوك حول ما قد يحدث إن تصرَّف أحدهم كما لو كان طائراً وعَبَر ذلك السياج. وكتبتُ: "لماذا سيطلق الجنود الإسرائيليون النار عليه كما لو كان يرتكب جريمة؟". كل ما كنتُ أفكر به هو الوصول إلى الأشجار، والجلوس هناك، ثُمَّ العودة.

لم أستطع التخلي عن تلك الفكرة. وبعد شهر، كتبتُ منشوراً آخر. كتبتُ فيه: "شكراً إسرائيل؛ لأنكم فتحتم أعيننا. فلو كان الاحتلال فتح نقاط العبور، وسمح للناس بالعيش حياة طبيعية وخَلَق الوظائف للشباب، كان من الممكن أن ننتظر (على هذه الحال) لبضعة أجيال. إنَّنا مجبرون على الاختيار بين المواجهات وبين الحياة". وأنهيتُ المنشور بهاشتاغ "مسيرة العودة الكبرى".

تفاعل الشباب في غزة مع منشوري على الفور، فشاركوه وأضافوا أفكارهم. وبعد أسبوعٍ فقط، بدا كما لو أنَّ المئات يتحدثون عنه. أقمنا لجنةً شبابية، والتقينا مع الوكالات والمؤسسات المحلية. التقينا أيضاً مع الأطراف السياسية الوطنية؛ إذ كنا نرغب في منح كل قطاعات المجتمع في غزة الفرصة للمشاركة.

ما حدث منذ بدأت مسيرة العودة الكبرى كانت أمور أردتُها وتوقَّعتُها، وأمور أخرى لم أُرِدها أو أتوقعها. فلم يكن رد إسرائيل على مسيرتنا بالعنف المميت مفاجئاً. لكنَّني لم أتوقع هذا المستوى من الوحشية. ومن ناحية أخرى، تشجَّعتُ بالالتزام بالسلمية الذي ساد بين معظم أفراد شعبي.

قبل بضع سنوات، كان الناس هنا سيرفضون فكرة أنَّ التظاهرات السلمية قد تُحقِّق أي شيء. ففي النهاية، لم تُحقِّق أي صورة أخرى من صور المقاومة أي مكاسب ملموسة. ما يدهشني هو التحول الذي نراه في الطريقة التي نقاوم بها. كان نضالنا في الماضي نضالاً بين المقاتلين الفلسطينيين من جهة والقناصين والدبابات وطائرات F-16 الإسرائيلية من الجهة الأخرى. أمَّا الآن، فهو نضالٌ بين الاحتلال والمحتجين السلميين من الرجال والنساء والشيوخ والشباب.

تُذكِّر مسيرة العودة الكبرى العالم بأصل الصراع؛ أي اقتلاعنا من أرضنا وحيواتنا، بدءاً من العام 1948 واستمراراً منذ ذلك الحين. لقد اخترنا يوم 15 مايو/أيار ليكون ذروة احتجاجاتنا لأنَّه اليوم الذي يُحيي فيه الفلسطينيون ذكرى "النكبة"، التي نُسمِّيها عمليات الترحيل من ديارنا قبل 70 عاماً. وأيّاً ما كان الحل الذي سنتفاوض عليه في المستقبل للسماح لشعبينا بالعيش معاً في سلام ومساواة، لابد من الاعتراف بهذا الخطأ.

مع ذلك، ورغم رد القناصين الإسرائيليين، أواصل الالتزام بالسلمية، تماماً كما هو الحال بالنسبة لكل الآخرين الذين "يُنسِّقون" هذه المسيرة. وأنا أستخدم علامات التنصيص هنا؛ لأنَّ أي حركة حين تصبح بمثل هذا الحجم الكبير –تجذب المسيرات ما نُقدِّره بمائتي ألف شخص في أيام الجمعة- تصبح السيطرة عليها بصورة كاملة أمراً غير ممكن. ولم نشجع إحراق الأعلام الإسرائيلية وربط زجاجات المولوتوف بالطائرات الورقية. نحن نريد أن يكون التعايش السلمي المتسم بالمساواة هو رسالتنا.

حاولنا أيضاً إثناء المحتجين عن محاولة العبور إلى داخل إسرائيل. لكنَّنا لا نستطيع منعهم. إنَّه سلوك شعب سجين يتوق للحرية، التي تمثل أحد أقوى الدوافع في الطبيعة البشرية. وبالمثل، لن ينصرف الناس عن المشاركة في 15 مايو/أيار. إنَّنا عازمون على مواصلة نضالنا إلى أن تعترف إسرائيل بحقنا في العودة إلى ديارنا وأرضنا التي طُرِدنا منها.

اليأس يُغذِّي هذا الجيل. لن نعود إلى وجودنا غير الآدمي. وسنظل نطرق أبواب المنظمات الدولية وسجَّانينا الإسرائيليين إلى أن نرى خطواتٍ ملموسة لإنهار حصار غزة.

 هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

 المصدر : (عربي بوست)

 

وهل الكفر أعظم جرما من سفك الدماء؟

أحمد أبو رتيمة

مما يأخذه غير المؤمنين على الدين أنه يهتم بالقضايا اللاهوتية أكثر من اهتمامه بالقضايا الاجتماعية المرتبطة بمصلحة الإنسان، فالدين وفق نظرتهم يجعل محور نجاة الفرد أو هلاكه إيمانه بالغيب وليس سلوكه الاجتماعي ونفعه الإنساني، والقرآن يركز على الإيمان بالله والملائكة وإقامة الشعائر أكثر مما يركز على قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية!

مثل هذه الأسئلة تخطر بعقلي حين أمر بآيات مثل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً" ما هو البعد الواقعي لمثل هذه المسألة حتى يجرمها القرآن إلى هذا الحد؟ أليست المجازر المروعة من حولنا أشد جرما من معتقد الإنسان الداخلي سواءً كان حقا أو باطلاً؟

يؤكد الفهم الشائع للمسلمين تجاه دينهم هذه النظرة السلبية للدين، فالشعور الجمعي للمسلمين يغضب للمسائل ذات الاتصال المباشر بشعائر الدين ومظاهره ورموزه أكثر مما يغضب من الظلم السياسي، وتجد من المتدينين من يتسامح إزاء مشكلة الاستبداد ويغفر للحاكم ظلمه وسرقته للمال العام إن افتتح هذا الحاكم مسجداً أو أدى العمرة أو ظهر أمام الكاميرا مستمعاً إلى خطبة الجمعة، ويحتفي الجمهور بأخبار تدعي أن والدة الطاغية يهودية أو أنه أخطأ في تأويل آية وكأن دليل إدانته لم يكن حاضراً! لقد حدث الأسوأ فعلاً، وليس بعد سفك الدماء ذنب.  

هذا الاختلال في فهم أولويات الدين كان مدخلاً لإحداث اختلال تاريخي فظهر مثال المستبد المتلفح بثوب ديني الذي تباركه الشعوب وتغض الطرف عن تجاوزاته، لأن هذا الحاكم أظهر صورة التدين من اعتناء ببناء المساجد وتيسير سبل إقامة الشعائر وتقريب الوعاظ إلى بلاطه واعتناء بأخلاقيات اجتماعية مثل حظر الخمور والدعارة فرضي الناس منه بهذا النصيب ورأوا فيه حامي الدين وحارس العقيدة فلم يسألوه بعد ذلك عن عدل وشورى وسلطان للأمة.

نرجع إلى السؤال الرئيس: أين تقع القضايا الكبرى المتمثلة في سفك الدماء والإفساد في الأرض من اهتمامات الدين؟ وهل قدم الدين شعائره مثل الصلاة والصوم على الواجبات الاجتماعية مثل إقامة العدل والإصلاح في الأرض؟

في المشهد الأول لاستخلاف آدم على الأرض كان تخوف الملائكة من هذا الكائن إفساده في الأرض وسفكه للدماء: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" ولو كانت هناك جريمة أعظم لاستشهدت بها الملائكة، وإشعال الحروب مذموم في ميزان القرآن: "كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين"، ومهمة إرسال الأنبياء كانت إقامة العدل والإصلاح بين الناس: "ليقوم الناس بالقسط"، "ألا تطغوا في الميزان"، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"، "فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ"، ويمكن حشد مئات الآيات الأخرى الداعية إلى الإصلاح والعدل والناهية عن الظلم والإفساد.

والقرآن يعدل المفهوم النمطي للعبادة بأمثلة لأفراد استثمروا  قوتهم في إقامة العدل ونفع الناس مثل يوسف الذي كانت عبادته في حسن إدارة الأزمة الاقتصادية وعدالة توزيع القوت على الناس، وذو القرنين كانت عبادته في العدل في حكم الشعوب التي امتد إليها سلطانه بمكافأة المحسن ومحاسبة المسيء وتأهيل الشعوب الضعيفة.

حتى القضايا التي يظهر أنها ذات طابع لاهوتي مثل قضية التوحيد والشرك فإنها تحمل أبعاداً اجتماعيةً وسياسيةً، ففرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى" أراد بهذا الادعاء تعزيز سلطانه السياسي وإطلاق العنان لنفسه للعلو والإفساد في الأرض، فادعاء الألوهية يعني الاعتقاد بأنه لا ينبغي أن يكون له منازع في الحكم، وهو ما يظهر جلياً في الحجج التي ساقها لمواجهة دعوة موسى: "وتكون لكما الكبرياء في الأرض"، "وقومهما لنا عابدون"، "وإنا فوقهم قاهرون"، "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد".

لم تكن مشكلة فرعون مع إله السماء أن يصلي له بنو إسرائيل ويسبحونه بل أن هذا الإله يأمره بالرجوع إلى حجمه البشري وتحرير بني إسرائيل من استعباده لهم.

وليست قصة فرعون استثناءً، فالقرآن يذم أهل الكتاب لأنهم "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" فعطلوا عقولهم ومسخوا إرادتهم الحرة التي وهبهم الله إياها فأطفأوا نور الإيمان في قلوبهم وأحلوا محله الاتباع الأعمى، والقرآن يذم تحول البشر إلى طبقات من الأرباب والعبيد ويحرض الناس جميعاً ليكونوا عباد الله إخواناً: "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل"، "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، ودعوة أهل الكتاب إلى كلمة السواء يحقق معنى المساواة الإنسانية فالبشر يتخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ليس بالسجود والركوع إنما بالهيمنة والاستعلاء: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً و لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".

هكذا يظهر معنى التوحيد في القرآن؛ تحرر نفسي وقوة روحية في مواجهة استلاب الكرامة ومساواة إنسانية تلغي امتيازات السادة والكبراء وتبطل شرعية المستكبرين في الأرض.

لكن هذه المعاني العميقة سطحها من ظنوا أن أقصى غاية للدين هي محاربة الشرك القبوري والجدل في الأسماء والصفات وغفلوا عن الشرك السياسي الذي هو جوهر الأزمة الإنسانية ومدخل كل علو وإفساد وسفك للدماء.

في التأكيد على بشرية عيسى عليه السلام يتحقق مبدأ التساوي الإنساني فليس ثمة أي آلهة على الأرض، وهذا التنزيه يحرر العقل من الوثنية ومن الأوهام والظنون، فمفهوم الإله يراد له أن يظل تجريدياً متعالياً عن الأجسام والتشبيهات حتى يظلش الإنسان قادراً على التسامي الروحي وهو يؤمن بأن الإله فوق أي صورة تخطر بباله.

يذكر القرآن مفهوم الكفر ويتوعد "الذين كفروا" بالعذاب الأليم، وهو ما يعزز شبهات القائلين بالطابع اللاهوتي للدين، فالقرآن يهتم بإدانة الكفر الذي هو موقف اعتقادي أكثر من إدانة مشعلي الحروب.

الكفر بحسب السياق القرآني لا يعني قناعةً عقليةً، بل هو حالة إنكار وجحود واستعلاء، وهو ما يجعله أكبر من موقف اعتقادي داخلي. لا يطلق القرآن صفة كافر على كل غير مسلم بالضرورة، بل يطلقها على الذي تبينت له الآيات فأنكرها حسداً واستكباراً: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين"، وما دام الكفر جحوداً وإنكاراً عن قصد فهو اعوجاج داخلي يؤسس للظلم الخارجي: "والكافرون هم الظالمون"، فالذي ينكر ما يعرف في قلبه أنه حق إنسان خسر التصالح مع نفسه فتنطلق منه طاقة عدوانية: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا"، "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر".

الكفر داخل النفس هو نقطة التأسيس للإفساد والظلم الخارجي، ومن الجدير تدبره أن جميع أمثلة الكفار الذين يذكرهم القرآن هم في حالة عدوان خارجي: "ولولا رهطك لرجمناك"، "لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا"، "أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون".

يكاد القرآن يخلو من ذكر مثال الكافر المسالم، لأن الكفر نقيض السلام إذ إنه مقت وإنكار وجحود داخل النفس يطلق طاقةً عدوانيةً خارجها، وهي ملاحظة ينبغي أن نعيد في ضوئها فحص مفاهيمنا التقليدية حول من هو الكافر.    
   
إن البعد الروحي مركزي في الدين، وهو ما يفسر الحضور الواسع للصلاة والصوم والإيمان بالغيب وذكر الله في القرآن، لكن هذا البعد الروحي معزز ومعمق للبعد الواقعي وليس لاغياً له، فالبعد الروحي يمثل العالم الداخلي للإنسان، والعالم الخارجي ما هو إلا ثمرة العالم الداخلي لذلك يبدأ الدين إصلاح الحياة من إصلاح جوهر الإنسان لأنه يريد إصلاحاً جذرياً عميقاً، فالنفس الممتلئة سلاماً تفيض سلاماً، والنفوس المضطرمة بنيران الحقد والضغينة هي التي توقد الحروب وتسعى في الأرض فساداً.

إن ما تمنحه العبادات الروحية للإنسان هو الطمأنينة والرضا والأمن في نفسه وهو ما سيؤثر بالضرورة على سلوكه الخارجي: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً".

 
والحقيقة التاريخية تخبرنا بأن الغالبية العظمى من الحروب والصراعات والمذابح ذات طابع علماني، وحتى الحروب التي سميت دينيةً أشعلها متعصبون جاهلون أو خبثاء يستغلون اسم الدين وليس الذين تذوقوا روحانية الدين، وهذا طبيعي إذ إن من يشعلون الحروب ويفسدون في الأرض ويقتلون بغير الحق بالضرورة من قساة القلوب الذين لم تلن قلوبهم يوماً لذكر الله ولم تغشاهم طمأنينة الروح.

وتأكيداً على أن الحقيقة المركزية في الدين تتصل اتصالاً وثيقة بإقامة العدل والإصلاح في الأرض فقد جعل مؤشر صلاح العبادة أثرها المرئي في واقع الحياة ولم يقم وزناً لمظاهر التدين إن لم تستند إلى إيمان داخلي واستقامة خارجية: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب..." ، و جعل العمل مصدق الإيمان ليقطع الطريق على الادعاءات الكاذبة التي تستتر تحت عباءة التدين دون أن يتبعها استقامة في الحياة: "إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين"، "أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم"، " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين".

لا يعرف القرآن مصطلح الإيمان معزولا عن الحياة، بل يربطه بالحركة الإيجابية: "وعملوا الصالحات" وهي كلمة تشمل كل أنواع الخير والبر التي يعرفها العقل الإنساني بدءًا من إطعام اللقمة و الابتسامة وإماطة الأذى وانتهاءً بإعمار العالم وقيادته بالعدل والرحمة

إن الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والتعاون على البر وفعل الخيرات ونشر السلام بين الأنام هي غايات الدين الكبرى، وفي المواطن التي يبدو فيها أن معتقدات الدين وشعائره على غير اتصال مباشر بقضايا الحياة فإنها تعمل على إصلاح العالم الداخلي للإنسان وتزكية نفسه لأن بناء التصورات الداخلية هو الذي يمهد لإنشاء العالم الخارجي تماماً مثلما يقيم المهندس البناء في خياله قبل أن يقيمه على الأرض، فإذا امتلأ قلب الإنسان بالمعاني الخيرة والرؤى الإيجابية تحررت منه طاقة نشطة انطلق بها في دروب الحياة معمراً و مصلحاً و داعياً إلى العدل والخير والسلام.

موقع (عربي 21)

 

مركزية السلطة

وكيف أضرت بالإسلاميين

 

أحمد أبو رتيمة

 

تبني الأيديولوجيات مشاريعها عادة على أساس مركزية هدف الوصول إلى السلطة التي تتخيلها بأنها جنة الخلد، وملك لا يبلى، فتسخر في سبيل بلوغها كل الجهود وتبذل كل التضحيات، ولا يتصور الأيديولوجيون قدرتهم على القيام بدور مؤثر قبل التحكم بمقاليد السلطة، وكأن كل وقت خارج السلطة ضائع، وكأن كل جهد قبل الحكم مجرد قطع طريق باتجاه الحكم

وهكذا تتضاءل كل مساحات الحياة، ولا تعدو أكثر من رئيس ووزير وشرطي، إذ تدور الأيام دورتها ويأتي اليوم الموعود يقبض المناضلون على السلطة بأيديهم، ويتشبثون بها، ويغذي وعيهم شريط التضحيات السابقة ليذكرهم بالثمن الباهظ الذي بذلوه من أجل هذه اللحظة التاريخية، فيتعمق إصرارهم بضرورة التمسك بها بكل وسيلة وحيلة، وتصبح المحافظة عليها قضية حياة أو موت

ويعجز الحزبي عن رؤية نفسه خارج السلطة، بعد أن دخل جنتها ويبدي استعداده للقتال إلى آخر قطرة دم وإلى آخر رجل في سبيل عدم التخلي عن السلطة مخافة أن يعني التخلي عنها خسارة المشروع الذي قضى حياته منافحاً عنه!

"
مركزية السلطة" تعني أنها طريق في اتجاه واحد، فإذا صعد الحزب إليها مرة ألقى السلم ولم ينزل ثانية، واعتبر موقعه الجديد نهاية التاريخ وعمي عن رؤية سنة تداول الأيام، ولم يعد قادرا على الاستبصار ورؤية كيف خلت من قبله المثلات، وهو يستند في ظنه إلى تفكير رغائبي وأمنيات لا إلى حقائق موضوعية

وإذ يتصور صاحب السلطة أنها الحلقة الأخيرة في مسلسل التاريخ، فإنه يرى في البقاء في السلطة معركته الكبرى، و يرى أي تهديد لهذه السلطة معاكسة للأقدار ومعاندة لإرادة الله وتآمرا كونيا،  فإذا رصد بدايات تململ جماهيري استنفر حذره وقوته، فإذا كتبت المواجهة قاتل وظهره إلى الجدار، واعتقد أن ليس من سبيل أمامه سوى الاستماتة حتى الموت

وما دام هذا هو الإطار العقلي الحاكم، يصير من المتوقع ألا ترحل السلطة إلا بأنهار من الدماء والمآسي وأن يدفع الجميع ثمن الخوف المهيمن في الأجواء، فابن السلطة يتشبث بها ليس لأنه شرير بالضرورة بل لأنه خائف

إنه يعتقد أن السلطة ركنه الركين وملاذه الأخير الذي يحميه ويعطيه انتماءه وكينونته، فإذا سقط هذا الملاذ انكشف ظهره وتلاشى كيانه ولم يجد من يحميه من طوفان الغضب ونقمة الجماهير.

لعل ما يشهده العالم العربي في واقعنا الراهن ومن قبله كثير من الأحداث العالمية الدموية من إحدى وجوهها ثمرة لمرض مركزية السلطة، فالأيديولوجيات تقاتل باستماتة وتشعل الحروب والحرائق وترتكب الفظائع لأنها تعتبر السلطة معركتها الأخيرة وترى فقد السلطة فقداً للكيان والوجود ذاته.
  
يقص التاريخ علينا نبأ وزير الدعاية في نظام هتلر "جوبلز" الذي أقدم على الانتحار مع زوجته وجرع أطفاله الستة السم ليموتوا معهما جميعاً، وفسر فعلته بأنه يخشى أن يهان أطفاله أمام الروس بعد وفاته! هذه القصة مرعبة وصادمة للوعي، فهي تعني أن السلطة في وعي الأنظمة الأيديولوجية ليست مجرد شهوة ومكاسب مادية بالمعنى التبسيطي للكلمة، بل هي عقيدة، وهي ما تمنحهم الكينونة فإذا خسر الأيديولوجي السلطة شعر أنه خسر كل شيء ولم يعد مبالياً بحرق الأخضر واليابس وهو يخوض حربه الأخيرة.

في الأنظمة الديمقراطية التي تتراجع فيها سطوة الأيديولوجيا لا تعود خسارة السلطة مشكلةً تتوقف بعدها الحياة، فالسلطة في هذه الأنظمة لا تتسم بالطابع الشمولي التغولي على كافة تفاصيل الحياة ، والحزب الذي يختزل كل مشروعه في حكومة أو سلطة ليس أكثر من مجموعة من الانتفاعيين، وفي المجتمع مساحة للتأثير بغير أدوات السلطة التقليدية

أما الحكم فهو فرصة زمنية محدودة لاختبار برامج الأحزاب، فإذا فشلت هذه البرامج فلن يضر الحزب أن يرجع خطوةً إلى الوراء ويعيد فحص أفكاره وتقييم برامجه ليعود أقوى مثل التاجر الذي تخسر تجارته فلا يجد حرجاً في إعادة تقييم سياساته التجارية.

إن ما يدفع حزباً إلى تقبل خسارته بروح رياضية بل حتى اتخاذه قراراً بحل الحزب هو ابتعاده عن النمط الشمولي الذي يتدخل في كافة تفاصيل الحياة، وتحرر أفراده من الشعور بأن كينونتهم متماهية في كينونة الحزب، فانتماؤهم إلى الأمة، أما الحزب فهو وسيلة مرنة يمكن استبدالها بيسر ودون تشنج

إن الخروج من السلطة لا يعني موت الكيان بل يعني أن هذا الكيان مرن بالقدر الكافي ليجدد نفسه ويفلت من الجمود والتحجر الذي لا ينفع في علاجه سوى الضربة الأليمة القاضية من الله أو من الناس.

الخروج من السلطة في بعض الظروف ليس معنىً أخلاقياً وحسب، بل هو مقتضى التقدير الصحيح للمصلحة، ذلك أن مفهوم السلطة ذاته قد تغير، فهي أشمل من مجرد حكومة تتورط في مسؤوليات المعيشة اليومية للناس مع ما يستجلبه التقصير في ذلك من زيادة الغضب في النفوس واستنزاف الرصيد الشعبي.

 
السلطة تعني أن تكون قادراً على التأثير في المجتمع بوسائل متعددة، فالإعلام الذكي سلطة أقوى من سلطة الحكومة لأنه قادر على توجيه وعي الجمهور وصياغة هوية الأمة، والاقتصاد سلطة لأن من يمسك بمقاليد الاقتصاد قادر على التأثير على سياسة الحكومات، تخيلوا أن يعرض على مؤسس شركات فيسبوك أو أمازون أو جوجل رئاسة الولايات المتحدة! غالبا سيرفضون لأن نفوذهم في الاقتصاد أقوى، والإلهام الروحي سلطة تتفوق على سلطة الرئيس، ويكفي أن تنظر إلى رصيد القادة الروحيين والعظماء من الأدباء والشعراء مثل غاندي وشكسبير وتقارن بين رصيدهم من الاحترام والتقدير في الوعي الجمعي لتلك الأمم ورصيد الساسة لتعلم أنهم هم أصحاب السلطة الحقيقية.، لذلك رفض عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين القبول بعرض رئاسة دولة الاحتلال، ورد بالقول: " "أنا رجل علم ولست رجل سياسة".

في تسجيل "الخمسة بلدي" الشهير عام 2006 يقهقه محمد دحلان وهو يدخن سيجاره منتشياً بفوز خصمه اللدود في الانتخابات التشريعية وخسارة حركته فتح معللاً ذلك بأن "حماس نكبت نكبةً كبرى بفوزها، لأن أي شخص في الحكم في الوضع الفلسطيني سيكون أضعف منه في المعارضة، ويواصل أن الناس كانوا يرجمون مقرات الشرطة بقذائف ال "b7"" ثم تكون السلطة هي الطرف المدان، وتكون مطالبةً من الناس بتوفير الكهرباء والرواتب ومقتضيات الحياة!

جاء تتابع الأحداث طوال العقد المنصرم مؤكداً هذه النبوءة، فحماس منذ أن تورطت في مسؤوليات الحكم خسرت تألقها النضالي وتراجعت القضايا الوطنية الكبرى من اهتماماتها و حشرت في صندوق غزة الضيق واستنزفت في مطالب الناس اليومية من رواتب وكهرباء ومعابر، وعلقت أوحال تجربة السلطة بها فشاب أداءها الحكومي مظالم وتقصير واغتنت بعض القيادات فيها بمشاريع ربحية، وقاد كل ذلك إلى نتيجة أن حماس بعد السلطة أضعف مما كانت قبلها مهما سيقت مبررات بأن الدخول في السلطة كان حامياً للمقاومة، إذ إن المقاومة كانت أقوى حين كانت متحررةً من تعقيدات السياسة وأوحال السلطة ومسؤوليات الناس.

المثال الثاني من مصر، إذ وضع الإخوان ثقلهم التاريخي والاجتماعي في تجربة السلطة، فكانت ضربة الثالث من يوليو مؤلمةً وقاسيةً جداً إن لم تكن مميتةً، ولم يعد يسيراً على الإخوان أن يعودوا لممارسة ذات الدور الاجتماعي الذي كانوا قادرين على ممارسته بعد أن نصب لهم فخ الحكم بعناية، فكانت سلطةً بلا سلطة إذ لم يكونوا يملكون شيئاً من أدوات التأثير الاقتصادية والإعلامية والأمنية، وكانت النتيجة الوحيدة التي خرجوا بها من تجربة السلطة هي تآكل رصيدهم الشعبي ومباركة الجمهور المغيب لاضطهادهم بعد أن حملهم مسؤولية كل الكوارث السابقة واللاحقة

ولو أن الإخوان انشغلوا في مرحلة ما بعد إسقاط مبارك في نشر ثقافة الديمقراطية وإدامة الحس الثوري في الشارع دون أن يطرحوا مطالب خاصةً لربما قاد ذلك مصر إلى نتيجة أقل مأساويةً ولتعقدت مهمة العسكر في الانقلاب على الثورة.

لا أقصد بنفي مركزية السلطة موقفاً سلبياً أو زهداً صوفياً، إذ لا بد من رؤية لإصلاح النظام السياسي الحاكم والنضال في سبيل عودة السلطة إلى الشعب، إنما أقصد ألا يكون الوصول إلى السلطة هدفاً فئوياً خاصاً بالحزب في أي وقت وأي ظرف وبأي ثمن، فالرؤية الإصلاحية هي مشروع أمة لا مشروع سلطة، وكثيراً ما يكون الوصول إلى السلطة ضاراً بالمشروع لا خادماً له

ويكفي الجماعة أن تكون دافعاً في اتجاه تعزيز قيم الديمقراطية والحكم الرشيد وخلق مناخ ملائم لتداول السلطة وكسر هيمنة الحزب الواحد وتعزيز سلطة المجتمع المدني، فإذا تحققت هذه القيم بالنضال السلمي نعم الجميع بالديمقراطية وتهيأت الأجواء لتشكل الأحزاب في مناخات سليمة من التنافس الديمقراطي ومنحت الفرصة الطبيعية لممارسة برامجها.

وكما أن خسارة السلطة لا تعني نهاية الكون، فإن التفكير في الخروج الآمن من السلطة إذا تبين لأصحابها أنها باتت عبئاً مستنزفاً لقوتهم وأن ضررها أكبر من نفعها وإعادة التموضع في المجتمع والبحث في وسائل أخرى للانتشار الإيجابي في المجتمع ليس عيباً بل قد يكون أفضل الخيارات المتاحة وهو الذي يتيح للجماعة التعافي من أزماتها وتجديد روحها ووقف مزيد من الانحدار والنزيف لرصيدها.

"عربي21"

 

 

الفقه الإنساني

في مواجهة الفقه التكفيري

أحمد أبو رتيمة

 

شهدت الأسابيع الأخيرة ثلاث جرائم اغتيال في أماكن مختلفة كان القاسم المشترك بينها القتل على خلفية فكرية؛ الجريمة الأولى مقتل شاب بتهمة التشيع في غزة، والجريمة الثانية في سيناء وكان ضحيتها شيخ صوفي ضرير قارب المئة لم تشفع له شيخوخته ولا عمى بصره عند عميان القلوب، وأما الجريمة الثالثة في ليبيا وكان ضحيتها الداعية الوسطي ذو الوجه الصبوح نادر العمراني.

هذه الحوادث التي صارت تتكرر على نحو متصاعد في بقاع متعددة من وطننا العربي تدق ناقوس الخطر، فهي تؤشر على وباء عام، وتكشف عن منظومة ثقافية توجه من يستسهلون سفك الدماء وإزهاق النفس البشرية التي حرمها الله، والمعالجة الجذرية تقتضي تجاوز التعامل الموضعي مع الحدث والنفاذ إلى طريقة التفكير التي أنتجته ومنحته الشرعية وفق نظرية بيجوبتش بتجفيف المستنقع للقضاء على البعوض.

إزاء هذه الحوادث، ليس من الحكمة إدانة القاتل وحده، إذ إن القاتل لم يكن سوى صنيعة جو ثقافي عام وناتج عملية تغذية وشحن مستمر شاركت فيه عناصر إعلامية وثقافية وتعليمية كثيرة، هؤلاء جميعهم يتحملون وزر الجريمة وهم شركاء في الدم المسفوك، ولعلنا نجد هذا المعنى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله". وربما كانت الحكمة من ذكر "شطر الكلمة" هو أن الجزء الأكبر من عملية التهيئة للقتل وتغذية المناخ المتفهم للجريمة يكون بالكلام ثم يكون تنفيذ الجريمة تحصيل حاصل.

لا شك أن الأجواء السياسية وتفشي الاستبداد والقتل وقهر الشعوب تتحمل جزء كبيرا من مسئولية تغذية اتجاهات العنف، لكن الإقرار بدور هذا العامل لا يجوز أن يسقط العامل الذاتي، ذلك أن الدين رسالة أخلاقية لا يتعامل بردود فعل خاطئة ولا يبرر لأتباعه الظلم والاعتداء بظلم الآخرين واعتدائهم مما ينفي صحة التعذر بأي عوامل خارجية لتبرير انتهاك القيم الأخلاقية، فإذا كان مرتكبو هذه الجرائم يقدمون عليها غالبا بدافع مفاهيم دينية مثل الجهاد ومقاتلة أهل النفاق والضلال ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بسفك الدماء فإن السؤال الذي لا يصح الهروب منه في مواجهتها/ هل هناك حاضنة فقهية ترعى هذه الثقافة العنفية التي تقود إلى قتل الناس لأسباب مذهبية أو فكرية؟ وهل الجو الفقهي العام في بلادنا أقرب إلى السلام والتعايش والمودة أم إلى الحرب والقتال والكراهية؟

العنف شجرة خبيثة تبدأ من عالم النفوس وتسقى بمداد الكراهية والقسوة، والسلام شجرة طيبة تبدأ من عالم النفوس كذلك وتسقى بمداد الحب والرحمة، لذلك فإن الحكم على منظومة قيمية ما بأنها داعية عنف أو داعية سلام لا يبدأ بالبحث في النصوص المباشرة المحرضة على التعايش أو على القتل بل يبدأ بالبحث في مساحة الحب والرحمة التي تبثها في نفوس المؤمنين بها فإذا ملئت النفوس بمعاني الخير والرحمة والسلام فاضت رحمة وسلاما على العالمين.

يتضمن القرآن مبادئ عظيمة تبث في النفوس الرحمة والعدل والحرية والتعايش، فالله تعالى هو الرحمن الرحيم وقد أرسل نبيه رحمة للعالمين، وهو يحب المحسنين والمصلحين ولا يحب المفسدين والمجرمين، وهو الذي جعلنا مختلفين لحكمة وجعل لكل منا شرعة ومنهاجا لنتسابق في الخيرات وحثنا على الاجتماع على كلمة سواء وعلى التعارف وعلى الجدال بالتي هي أحسن وألا نقاتل إلا الذين يقاتلوننا وألا نعتدي وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها وألا نسفك الدماء وأن نحكم بين الناس بالعدل وأن نتعايش مع الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا بالبر والقسط وأن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأنه لا إكراه في الدين وأن أحدنا ليس بمسيطر على الناس ولا جبار ولا وكيل.  

هذه هي المبادئ الأخلاقية العظيمة التي يرسخها القرآن في نفوس المؤمنين، لكن هل كان الفقه التاريخي ترجمة دقيقة لمبادئ القرآن؟
لو أخذنا من خطبة الجمعة عينة لخطابنا الفقهي السائد وبدأنا من الشكل الفني لوجدنا كثيرا من خطباء الجمعة يعتمدون الصوت العالي التوتيري أسلوبهم المفضل على المنابر في لقاء يفترض أن رسالته سكب الطمأنينة والسكينة في القلوب، أما مضمون الخطبة فكثيرا ما يركز على التعبئة بمزايا الذات وأفضليتها على العالمين وضلال الآخرين وانحراف عقائدهم، ويكون مشحونا بلغة النذير والوعيد والتهديد والتحشيد وتختتم الخطبة بالدعاء على اليهود ومن هاودهم والنصارى ومن ناصرهم والشيوعيين ومن شايعهم أن يحصيهم الله عددا ويقتلهم بددا وألا يبقي منهم أحدا.

الكليات الشرعية في الجامعات ليست أحسن حالا فهي تغذي الطلاب بالمفاصلة والصدام مع الخلق أجمعين مستندة إلى مفاهيم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام والفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة وتصنيف أهل البدع والضلالات والتحذير من الغزو الفكري وضلال المذاهب وإفقاد الإيمان فطريته وعفويته النابضة بالشعور وتحويله إلى شروح أكاديمية معقدة ومعارف جافة، وبذلك تحولت الجامعات والجمعات إلى ماكينات ضخ هائلة تنتج أجيالا بعد أجيال من المتشددين المعبئين بالرؤية العدائية تجاه الخلق.

لا تقتصر الخطورة على النصوص النظرية المباشرة التي تحرض على العنف، فهناك أفكار صامتة لا تدعو الناس مباشرة إلى القتل ولكنها تخلق أجواء عدائية وتشحن النفوس بطاقة سلبية وتبث إشارات العداوة والبغضاء ضد كل مختلف فيكون العنف بعد ذلك ثمرة طبيعية، والتنبيه إلى خطورة هذه الأفكار الصامتة يأتي من كون معتنقيها يمارسون ازدواجية وتناقضا ويخفى عليهم مشاركتهم في المسئولية، فهم من جهة يتبرؤون من أحداث القتل التي تقع لكنهم من جهة أخرى لا يتفطنون إلى أن هذه الجرائم هي النتيجة الطبيعية للتعبئة التي يمارسونها.  

القتل ليس سوى التجلي النهائي لثقافة الكراهية والإقصاء المتراكمة في النفوس، وكلما تضاءل حضور الرحمة والتسامح والحب في النفوس كلما كبر ذئب الكراهية واستوحش واشتد خطره.
في الأدبيات الفقهية لا يزال تقسيم الأرض إلى دار حرب ودار إسلام حاضرا، ولا يزال تصنيف الناس إلى فرقة واحدة ناجية وفرق كثيرة هالكة في النار هو التصنيف المهيمن، ورغم أن لأبي حامد الغزالي مقولة بأن أكثر الخلق مشمولون في رحمة الله يوم القيامة إلا أن عجلة الفقه طحنت استنارته الرحمانية فلم تنتصر مدرسته تاريخيا، والنظر إلى أكثر أهل الأرض بأنهم في ضلال وسعر سيستدعي بالضرورة نظرة دونية إليهم وسيزيل لا شعوريا قداسة الإنسان من وعي المتدين المتبني لهذا الفقه وعلى أقل تقدير سيجعله لا مباليا تجاه انتهاك حقه.   

في الأدبيات الفقهية نجد الدعوة إلى عدم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وإلى اضطرارهم إلى أضيق الطريق وإلى عدم تهنئتهم بأعيادهم وإلى قتل الكافر بالمؤمن وعدم قتل المؤمن بالكافر ولو كان بريئا، وهي دعوة تناقض القرآن الذي يجعل أصل العلاقة بين المسلم وغير المسلم علاقة بر وقسط: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"، فكيف سيرجى أن تساهم منظومة فقهية تؤمن بالتمييز العنصري بين البشر في صناعة السلام والتعايش؟ 

الدين يؤمن بالمساواة الإنسانية وكرامة كل البشر: "الذي خلقكم من نفس واحدة"، "ولقد كرمنا بني آدم"، "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، بينما مثل هذه المفاهيم الفقهية تؤمن بملة بني إسرائيل: "نحن أبناء الله وأحباؤه، وملة هتلر عن تفوق الجنس الآري
في الأدبيات الفقهية تسود فكرة الغربة المنطلقة من سوء فهم حديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء"؛ والشعور بالغربة يولد الشعور العدائي بالضرورة ويعزز في النفس إحساسها بالنخبوية والاصطفاء ويؤثر على مفاهيم المودة والألفة الطبيعية داخل المجتمع فينظر إلى الناس بأنهم أعداء لا بأنهم قوم وعشيرة

هناك سبب نفسي لا يحسن تجاهله في تغذية الميل العنفي في الإنسان وهو العجز عن التصالح مع الحياة، هذه الأزمة يغذيها الفقه التقليدي الذي يقيم بناءه على مجاهدة مفاتن الحياة والعزوف عنها ويقدم الدين كما لو أنه حرمان متواصل من مباهج الدنيا، وهو تصور يعاكس التصور القرآني الذي يقدم الإيمان بأنه حب ورضا وإقبال بهيج نحو الحياة: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"، " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، "فلنحيينه حياة طيبة". 

النظر إلى الدين بأنه حرمان من ملذات الحياة يخلق أزمة عميقة في نفس الإنسان فيعيش وقد سيطر 
عليه شعور النقص والحسد الخفي مما سيولد نظرة عدائية تجاه مشاهد الحياة الصاخبة واستمتاع 
الناس بها، وستلعب هذه الفكرة الخطرة في الوعي الخفي للإنسان وستشحنه بالطاقة السلبية ضد كل مظاهر الفرح والحياة، وهو ما رأيناه جليا في كثير من الحوادث الإرهابية التي تستهدف أفراح الناس واحتفالاتهم من قبل أفراد يائسين ناقمين

من إسهامات الفقه التقليدي في تغذية مناخ العنف المبالغة في استحضار مفاهيم الحرب العالمية على الإسلام والغزو الفكري، وإفراد مساحة كبيرة من الجهد التثقيفي في تبيان ضلال العقائد الأخرى وانحراف الأفكار البشرية؛ هذه المفاهيم تنشئ جدرانا عازلة بين المؤمن وبين الناس المنوط به هدايتهم إلى الخير والرحمة وتعوق الانتشار الطبيعي للدين كقوة روحية تتسلل إلى النفوس كما يتسلل الماء في الجداول فيتلقاه الناس العطاشى دون مقاومة، لكن حين يتحول الدين إلى مادة أيديولوجية استقطابية فإن محفزات الرفض ستستثار في النفوس وستختلط صورة الدين النقية بأجواء الصراع والكراهية.

إن مواجهة هذه المفاهيم الفقهية التي تغذي شجرة العنف بات ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، وقد أثبتت التجربة أن المداراة والمواجهة الخجولة لهذه المفاهيم المعارضة لروح القرآن ليست أكثر من تهرب من المسئولية يفاقم المشكلة ولا يحلها، وإذا آثر العقلاء المستنيرون الصمت مجاملة للجماهير وخوفا من إغضابهم فهم بذلك يخلون ميدان السباق لأصوات التطرف والغلو لمزيد من التعبئة السوداء ومزيد من المآسي والدماء

أليس محيرا أن دعاة الغلو والتطرف لا يخجلون من المنافحة عن أفكار تدعو إلى القتل بينما دعاة التسامح والسلام خجلون من الجهر بأفكار إن أخطئوا فيها فسيكون خطأ في العفو لا خطأ في العقوبة؟
 
فأي الفريقين أحق بالخجل إن كنتم تعلمون

(عربي 21) باتفاق مع الكاتب

 

التفسير الديني للأحداث السياسية

أحمد أبو رتيمة

 

يعتبر الدين مكوناً عميقاً في الشخصية العربية، وهو ما يظهر في الثقافة الشائعة بين الناس، إذ تشحن أحداث الحياة بدلالات دينية بدءًا من مستوى الفرد الذي إذا أصابته حسنة قال: الحمد لله، هذا من فضل ربي، وإذا أصابته سيئة قال: الحمد لله على كل حال، قدر الله كله خير.

يبقى استحضار الروح الدينية مثمرا ما دامت هذه الروح تحفز في نفس صاحبها المعاني الإيجابية مثل الرضا والطمأنينة والشكر وتحصنه من اليأس والضياع، والدين في الأساس يهدف إلى إصلاح العالم الداخلي للإنسان، فإذا انطفأت حيوية الإيمان في قلب الإنسان ووافق ذلك نشوءه في بيئة متدينة وجه الثقافة الدينية المكتسبة باتجاه العالم الخارجي، أي استعمل معرفته الدينية لإدانة خصومه لا لإدانة نفسه، وبذلك يصير الدين أداةً يطوعها الإنسان بدل أن يمتثل لهديه؛ يتجلى هذا في ازدواجية المعايير لدى كثير من الناس في تفسيرهم الديني للأحداث فهم يرون المصيبة التي تحل بأحبابهم ابتلاءً من الله لرفع درجتهم بينما يرون المصيبة ذاتها حين تحل بمن يكرهون انتقاماً من الله!

نشأت الحركات الإسلامية في مجتمعات معبأة بالروح الدينية، وأعلنت أن هدفها تغيير الأوضاع السياسية، ولما كان من الطبيعي أن يستحضر الإنسان في معركته السياسية كل الأدوات المتاحة للانتصار وجدت هذه الحركات في النصوص الدينية التي تنزع الشرعية عن ممارسات السلطات أداةً صراعيةً، فتنامى استحضار الدين في إدانة الخصوم السياسيين وفي تأصيل المواقف الفكرية والسياسية للجماعات الإسلامية، وساهم في تعزيز هذا الاستحضار الثقافة الدينية العالية للمنتسبين للحركات الإسلامية ومرجعية القرآن والسنة التي تمكنهم من استحضار الشواهد الدينية بكثافة وربطها بالأحداث السياسية والاجتماعية المعاصرة.

في مقابل موقف الإسلاميين كان موقف العلمانيين المطالب بالفصل بين الدين والسياسة، فالدين لله والسياسة ممارسة بشرية تحت دائرة النقد والمساءلة، ومن شأن خلط الدين بالسياسة إضفاء طابع القداسة على الجماعات الإسلامية والتعامل مع خصمها السياسي كأنه عدو لله ورسوله

الأمر مختلط؛ فمن جهة تبدو وجهة النظر العلمانية منطقيةً إذ ينبغي الفصل بين الدين الإلهي والممارسة البشرية، والسياسة تقيم بالأدوات السياسية وليس بمعيار الإيمان والكفر والهدى والضلال، لكن من جهة أخرى فإن القرآن ذو رسالة إيجابية في الحياة فهو ليس كتاباً قاصراً استعماله على التعبد الفردي والرهبانية، بل فيه الدعوة إلى الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والقتال والصدع بكلمة الحق، وهذه الأوامر تقتضي المدافعة الاجتماعية والسياسية، كما أن القرآن يفرد مساحةً كبيرةً للحديث عن قصص الأمم وعاقبة الظلم والإفساد في الأرض، فإذا قلنا بتحييد الدين عن معترك السياسة والمجتمع فما قيمة كل هذه المعالجة القرآنية لمشكلات الاجتماع والسياسة والحضارة؟

لتفكيك الالتباس ينبغي التفريق بين إحياء روح الدين في حياتنا وبين استغلاله السياسي. الدين هو دعوة الحق والعدل والإصلاح في كافة شؤون الحياة بدءًا من سريرة الإنسان وانتهاءً بالعلاقات العالمية. القرآن الذي يقول لنا: "قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله" يقول لنا أيضاً: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

لكن الإيمان بدور الدين الإصلاحي لكافة شؤون الحياة مبحث مختلف عن الاعتقاد بأن جماعةً بشريةً تتبنى الخطاب الديني صارت تستمد شرعية وجودها مباشرةً من التفويض الإلهي فيؤدي هذا الاعتقاد إلى إلغاء المسافة الفاصلة بين البشري والإلهي وإلى التماهي بين القيم الدينية الأخلاقية المجردة وبين السلوك البشري الذي يداخله الهوى والخطأ والقصور، وإلى إضفاء حصانة ما ينبغي أن تكون لمجموعة من البشر يتسلحون بها لحماية ذواتهم من المراجعة والنقد

هناك حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند ابن ماجه يوصي فيه أمير السرية: "وإن حاصرت حصناً فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا". 

هذا الحديث الغائب من التراث الفكري للحركة الإسلامية يحمل مفهوماً ثورياً أقرب إلى الروح العلمانية، فهو يمنع الخلط بين قداسة الدين وبين ما يصيب البشر من أخطاء وقصور، ويوفق بين رسالة الدين الإيجابية وبين تحريم استغلال اسمه لتبرير السلوك السياسي وهو ما يعود بالضرر على الدين في حال جانب المجتهد مراد الله من حيث علم أو جهل.
 
لا تشترط فاعلية الدين الزج باسمه وإلباس الاجتهاد البشري به، إنما يكفي لتحقيق مقاصد الدين الاجتهاد في البحث عن أفضل طريق تؤدي إلى العدل والإصلاح، فإذا تحقق العدل والخير والإصلاح فهذا هو مقصد الدين دون حاجة إلى تنصيب الذات ناطقاً رسمياً باسم الدين أو مفوضاً من الله.

يبين القرآن سنن الله الضابطة لحياة الجماعات البشرية ويضرب لنا أمثلةً من الذين خلوا من قبلنا عن دور الظلم والفساد والترف في هلاكهم، لكن القرآن يتناول هذه العلل تناولاً علمياً، فهي قوانين موضوعية تجري على الجميع، والقرآن يرسخ وحدة القانون الاجتماعي والتاريخي فيقول: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، "ويقول: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق"، ويقول: "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً "، والبشر لا يجدون حرجاً في التناول العلمي للمسائل فهم لا يغضبون من طبيب يشخص مرضاً بيولوجياً ولا يتهمونه بالانحياز لأن العلم قوانين ثابتة متعالية على أهواء البشر.

تنشأ المشكلة حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا يجري استحضارها بطريقة انتقائية للتعبئة في اتجاه واحد وتوظيفها سياسياً ضد الخصم، فيصبح حال من يفعل ذلك كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض

القرآن يقدم قوانين صارمةً لا تتجزأ، فهو يقول مثلاً: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

هذه الآية تبين قانوناً اجتماعياً يشبه قوانين الرياضيات في دقته: الجوع والخوف هي وسائل إلهية لمعاقبة المجتمعات على كفرها بأنعم الله، لكن القانون هنا للعبرة وليس للتسييس، وحين نرى مجتمعاً غارقاً في الجوع والخوف مثلما يحدث الآن في مصر فهي آية إلهية تحثنا على الاعتبار، لكن الحساسية تنشأ من حالة الاستقطاب السياسي والانتقائية في قراءة النصوص بما يخرجها من حقلها الطبيعي الهادف إلى وعظ الإنسان ويعطل فائدتها الروحية

هل نترك التفسير الديني للأحداث سداً لباب التوظيف السياسي للدين؟

إن تبنينا هذا الرأي فسيفوتنا خير كثير لأن القرآن كتاب فاعل اجتماعياً وفيه آلاف القوانين التي تتناول أزمات الناس في كافة الميادين وتنبههم إلى موطن الخلل الرئيس حين يغفلون عنه، وإن فتحنا الباب للتفسيرات الدينية فسيجري التلاعب بها واستحضارها ممن لا يبحث عن الحق ويتخذ من الدين مطيةً لخدمة أهدافه الدنيوية.

ربما يكون سبيل ثالث بين ذلك قواماً، وهو أن تحيد التفسيرات الدينية من حقل العمل السياسي وأن تقوم الأحزاب على أساس مدني وتتبنى الصيغ المدنية في خطابها ومواقفها، وفي ميدان آخر يعمل العلماء على إحياء معاني الدين الاجتماعية والسياسية دون أن تكون لهم مصلحة خاصة لدى جهة دون أخرى، والضامن هنا لئلا يتم استغلال الدين هو التقوى الداخلية في نفس الفرد التي تدفعه لتدبر آيات الله بقلب الباحث عن الحق لا بقلب الباحث عن غرض شخصي أو حزبي، كذلك وأمارة التفسير الديني الصحيح للأحداث السياسية هو أن يكون تفسيراً نزيهاً يدين صاحبه نفسه قبل أن يدين خصمه ويبصر عيوبه قبل أن يبصر عيوب الناس، وأن يستطيع تقديم إطار تفسيري شامل للأحداث المتفرقة في العالم في سياق جامع، فإذا افترض أن مصاباً من جوع أو خوف أو تمزق اجتماعي مرده إلى الظلم والفساد فعليه أن يكون قادرا على إثبات هذه الفرضية حتى النهاية وعلى استحضار أمثلة متعددة من سياقات سياسية وثقافية مختلفة تؤكد الفرضية ذاتها وأن يملك إجابةً مقنعةً على كل الشبهات المعاكسة

الدين يقدم قوانين طبيعيةً تتعلق بالفعل البشري وعاقبته، وحين نبرز المحتوى السنني في الدين سنحرره من الأدلجة والتوظيف. الأحداث السياسية والصيرورة التاريخية والتقلبات الاجتماعية كلها آيات يخاطبنا الله بها تماماً كما يخاطبنا بالقرآن، والقرآن لا يعني بـ"الآية" الآية القرآنية وحدها، إنما يعني بها كذلك الآية الطبيعية التي تشمل أحداث السياسة والاجتماع والتاريخ: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم".

القرآن كلام الله والواقع والتاريخ كلام الله أيضاً، والمؤمن يقف إزاء أحداث السياسة والمجتمع ليس بقصد استغلالها سياسياً، بل وقفةً خاشعةً معتبرةً لأنه يعلم أن الله يخاطبه بهذه الأحداث ويحذره إن اتبع نفس السنن بأنه سيجد نفس العاقبة.

"
قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". 

"عربي21"

 

 

الشعب يريد بناء النظام

احمد ابو رتيمة

 

الثورة آتية لا ريب فيها، وأمارة اقترابها تفشي الظلم وتعمق الشعور بالقهر في نفوس المواطنين واقتطاع ضريبة الفساد وسوء الإدارة من حاجاتهم الأساسية، فإذا عم الظلم وظهر الفساد وغابت آليات المراجعة والتصحيح في بنية النظام أضحت الثورة مسألة وقت، والثورة هنا فعل انفجاري عشوائي غير خاضع للرصد وغير قابل للاحتواء، هي فعل هدمي لبناء فاسد لم يصن كرامة الإنسان ولم يقم العدل ولم يشعر المواطن بقيمة حياته فلم يعد يبالي بالاندفاع نحو الموت بعد أن فقد معنى الحياة والشعور بها.

الثورة من هذا المنظار فعل يائس لا يخطط صانعوها لما بعدها ولا يبالون بحسابات ربح أو خسارة، إنما يلجأون إليها اضطراراً بعد أن غدا استمرار الوضع الراهن مستحيلاً، وبعد أن غدت فاتورة الحياة باهظةً لا تطاق.

تزيل الثورة عائقا أساسيا من طريق البناء والنهضة، وتخلق فرصةً تاريخيةً للفعل الحضاري، لكنها وحدها لا تكفي لأن الحضارة تقوم بالرؤية الواعية لا بالاندفاعة العاطفية، وحين تكون الثورة فعلاً غاضباً وحسب فإنه يسهل اختراقها وركوب موجتها من قبل شبكات المصالح في الداخل والقوى الأجنبية من الخارج وإعادة توجيه مسارها بعيداً عن إرادة الشعب ومصلحة الوطن، وحين يصحو المواطن بعد ذهاب السكرة ومجيء الفكرة فإنه يجد نفسه أمام نظام حكم جديد جاثم على صدره لا يختلف جوهرياً عن نظام الحكم الذي أسقطه، فيغدو أمام خيارين؛ إما ابتلع الإهانة هروباً من مرارة الاعتراف بالفشل وغض البصر عن تجاوزات النظام الجديد وأوهم نفسه بإنجازات الثورة، أو اعترف سراً في نفسه بأنه قد خدع وسرقت منه ثورته فيبدأ بمراكمة مشاعر الغضب من جديد في انتظار لحظة انفجار أخرى تأتي بها الأيام.

هكذا تدخل الشعوب في دوامات مكررة تستنزف تاريخها وطاقاتها وتطيل أمد رقادها وتحرمها من فرصة الانطلاق الحضاري، وتصبح الثورات مُسكِّناً لحظياً يلجأ الناس إليها بقصد تسكين اضطراب ضمائرهم وتوفيق علاقتهم مع الواقع المعاش ليعودوا سريعاً إلى حياة الراحة والاستقرار، لا بدافع الإرادة القوية لإحداث تغيير جذري يؤسس لحقبة تاريخية جديدة قوامها العمل الجاد في سبيل ترسيخ العدل والرخاء

في هذه الحالات تسقط الثورات وجوهاً وتأتي بوجوه جديدة، وينزع المُلك من أحزاب ويوهب لأحزاب أخرى، لكن بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تظل راسخةً لا تتأثر، وعوامل التخلف التي أنتجت الأزمات تبقى كامنةً في البنية الفكرية العميقة للمجتمع مما يجعل المناخ ملائماً لإعادة تكرار ذات الأزمات، وتهدر الشعوب أعمارها في التجربة والخطأ وتظن أن النحس قد أصابها أو أن المؤامرة أكبر من قدراتها، وهي لا تدري أنها لم تضع أيديها بعد على موضع الخلل وأن كل موجاتها الثورية لم تكن أكثر من كمادات تخفيض للحرارة وأن إنجازاتها لم تزد عن تجميل وجه النظام دون معالجة أسس الخلل وحاضنته الثقافية.

الثورة ليست هدفاً، بل هي النتيجة الاضطرارية التي يقود إليها تعسر ولادة مجتمع العدل والكرامة، وهي لا تحتاج من المقومات أكثر من تراكم شعور القهر والإحباط، والنظام بظلمه الممنهج وبنيته الفاسدة وسياساته الغبية هو أكفأ من يضطلع بمهمة تغذية الشعور الثوري في نفوس الجماهير.

وما دام النظام قد كفانا هذه المهمة فإن الجدير بالعقلاء وحملة لواء الإصلاح أن يلتفتوا إلى مهمة أخرى أكثر أولويةً وهي رسم ملامح ما بعد الثورة ووضع أسس العدل والحكم الرشيد التي تحول دون تكرار ذات أخطاء المرحلة الراهنة، وتهيئ للثورة يوم أن تحين ساعة ميلادها الطبيعية أن تكون أكثر من مجرد انفجار غاضب، وأن تؤسس لحقبة جديدة تعلن قطيعةً ثقافيةً واجتماعيةً وفكريةً مع الاستبداد وتضع قواعد مجتمع رشيد يقوم على العلم والعدل والتنمية.

هل نحن في حاجة إلى الرؤية قبل الثورة؟

هناك من يرى أن أي حديث في الخطط والرؤى قبل إسقاط نظام الاستبداد هو ترف من الحديث، وأنه لا صوت يعلو اليوم فوق صوت التحشيد وتحريض الجماهير، فإذا سقط النظام كان لكل حدث حديث!

الواقع صارخ الدلالة في الرد على هذه الشبهة؛ لقد سقطت الأنظمة فعليا في أربع دول عربية عام 2011، ثم لم تنجح أي من هذه الدول في إقامة أنظمة ديمقراطية راسخة وفي إطلاق عملية البناء والنهضة، ولا تزال ثلاث منها ممزقةً في حالة احتراب ودماء واستبداد إلى اليوم، أما الرابعة تونس والتي لا يزال المتفائلون يتمسكون بشعاع الأمل الأخير في تجربتها فإن من الصعب الحديث بأنها شهدت تغييراً جذرياً إذ عاد إلى الحكم ذات النظام القديم مع بعض مساحيق التجميل، ولا يزال من المبكر الحكم بأن تحولاً اجتماعياً راسخاً حدث في تونس من شأنه أن يحول دون انتكاس الديمقراطية.

حدثت الثورات فعلا عام 2011 لكنها كانت انفجاراً غاضباً لمشاعر القهر واليأس دون أن تكون مرفقةً برؤية واضحة متبناة من قطاع عريض من الجمهور لشكل المجتمع والدولة الذي سيعقب اللحظة الثورية، وقد أدى غياب الرؤية إلى إيجاد حالة من الفراغ السياسي والاجتماعي، وفي مواجهة واقع جديد لا يملك الناس رؤيةً في التعامل معه أعاد المجتمع إنتاج ذات القيم السلبية لمرحلة ما قبل الثورة، لأن الوضع الطبيعي هو أن يعيد المجتمع تكرار نفسه وأن ينجذب إلى عوامل التخلف المتمكنة فيه ما لم تكن هناك قوة معاكسة تطلقه باتجاه قيم جديدة. ورأينا تجليات هذه الانتكاسة في تفرق القوى الثورية وتنازعهم دون إدراك خطورة المرحلة، وفي هامشية اهتمامات الثوار بدل توظيف النفس الثوري في عملية نهضة شاملة تطال كافة مرافق المجتمع التعليمية والثقافية والاقتصادية و التنموية، ثم جاءت قوى الثورة المضادة لتقطف الثمرة ناضجةً بعد أن أثبت الثوار أنهم لا يملكون رؤيةً جادةً وأنهم لا يمثلون بديلاً قادراً على تنفيذ برامج إصلاحية تحقق العدالة والتنمية.

الشعوب لا تتغير بضربة عصا سحرية، والرهان على إصلاح العادات والتقاليد المجتمعية الراسخة في مرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة هو ترحيل للمشكلة، فالمواطن الذي تعود على ثقافة الأخذ بدل العطاء وعلى الاهتمام بمصلحته الخاصة على حساب المصلحة العامة وعلى تكديس الثروات دون مبالاة بحقوق الفقراء وعلى سلوك طرق الرشوة والواسطة والمحسوبية وعلى عدم احترام الوقت والنظام والقانون وعلى ثقافة الإقصاء لا المشاركة، لا يمكن أن يتحرر من كل هذه الأمراض بمجرد سقوط الطبقة الحاكمة، بل إن هذه المظاهر المتفشية في مجتمعاتنا هي أصل الداء، والنظام السياسي ليس سوى تجل لهذه الأمراض التي تنخر عميقاً في بنية المجتمع.

صياغة رؤىً تفصيلية لتحقيق العدالة الاجتماعية وإصلاح مؤسسات الدولة قبل الثورة ضروري لأنه يمنح الثورة معنىً أخلاقياً فلا يصبح إسقاط النظام هدفاً لذاته، إنما الهدف هو الإصلاح، فإن كان في النظام بقية عقل و أعلن انحيازه تحت ضغط الجماهير ووعيهم إلى البرامج الإصلاحية فقد كفى الله المؤمنين القتال وانتفى مبرر الثورة، وإن أصر النظام على المعاندة فقد أقيمت الحجة عليه لأنه غدا في مواجهة مطالب أخلاقية مشروعة لا في مواجهة كيانات سياسية معارضة، كما أن الرؤية القبلية تنقل الثورة من مجرد كونها فعلاً هدميا إلى مشروع بنائي، وتصبح الفرصة أكبر لتفتيت الكتلة المناصرة للنظام واستمالة أعداد كبيرة من مؤيديه، لأن الثورة هنا مشروع أخلاقي ينادي بالقيم المجردة ولا ينادي بهدم الأشخاص والكيانات

وجود الرؤية يحشد الجماهير على أسس واضحة من الوعي، ويمنح الثورة قاعدةً جماهيريةً عريضةً من الفقراء والمهمشين الذين تتبنى الثورة مطالبهم وتطرح برامج تفصيليةً لإنصافهم ورد الحقوق إليهم قبل الانطلاق ولا تكتفي بمجرد شعارات جوفاء للتعبئة اللحظية، كما أن وضوح الرؤية يبصر الثوار بخطواتهم ويحصنهم من الخديعة وسرقة الثورة، ويحمي الدولة من خطر الفوضى والفراغ بعد سقوط النظام، كما يحميها من خطر قيام نظام استبدادي جديد في حال لم تكن قضية العدالة والإصلاح مبلورةً وواضحة المعالم قبل الانطلاق.

في القرآن الكريم يستعجل بنو إسرائيل هلاك فرعون فيرد عليهم النبي موسى عليه الصلاة والسلام: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون".

لم تكن المشكلة في زوال فرعون، بل من سيخلف فرعون وكيف سيخلفه؟ 

(عربي21)

 

بل أحسبه غافلا يا شيخنا!

احمد ابو رتيمة

 

أرسل إلي صديق وقد أذهلته مشاهد الموت والدمار القادمة من حلب، وقبلها شلال الدم النازف دون توقف منذ أكثر من خمس سنوات، سألني هذا الصديق أسئلةً قال إنها تفيض من قلبه المنتحب وشعوره بالقهر:

هل وجود الله وعدمه سواء في دنيانا الظالمة!

لا أعتقد بوجود عدالة في دنيانا، بل الانتظار والانتظار حتى قيام الساعة.. نظام ظالم لا يجد من يردعه.

كيف يقول القرآن: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ"، بل أحسبه غافلا يا شيخنا !!

في مواجهة هذه الأسئلة الحرجة لا يحسن بنا دفن رؤوسنا في الرمال والتقليل من خطر العواصف النفسية والفكرية التي تجتاح نفوس شباب المسلمين على نطاق آخذ في الاتساع أمام زلزلة الأحداث وفي ظل غياب فقه ديني إنساني عقلاني يقدم إجابات تشفي الصدور وتقنع العقول، وقد سجل القرآن حالةً مشابهةً اجتاحت نفوس المؤمنين في غزوة الأحزاب: "وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً". 

لا يمكن الجزم أن دافع السؤال عن حضور الله دائما شرير، بل ربما هو علامة حيوية إيمانية، فالإيمان الحي إيمان حركي تفاعلي مع الأحداث وهو أبعد ما يكون عن تبلد الشعور وموت الإحساس، وربما يقترب هذا السؤال من حال الصحابة حين شكوا للنبي عما تحدثه به نفوسهم فأجابهم الرسول عليه السلام: أوجدتموه؟ فإن ذلك صريح الإيمان، وقول النبي في موضع آخر: "نحن أحق بالشك من إبراهيم".

الله ليس قانونا ماديا ملموسا، وكل من آمن بالله فقد آمن به على أساس أنه غيب، والفرق بين الغيب والشهادة أن عالم الشهادة يعمل بطريقة آلية يسهل ملاحظتها والتنبؤ بها، فآلة المصنع تدخل فيها المادة خاما ثم تخرج منتجا جاهزا، يحدث ذلك برتابة وتكرار صارم فإذا تأخر المنتج مرة واحدة علم الخبراء أن ثمة خللا طرأ على عمل الآلة فسارعوا إلى الفحص والصيانة، لكن الله لا يعمل بهذه الطريقة، ولو كان حضور الله في الوجود بآلية ميكانيكية رتيبة لانتفى معنى الإيمان والكفر ولما تمايز الناس ولما كان هناك معنى للأخلاق لأن من لا يقترف الخطأ لرؤيته الرقيب الخارجي ليس بصاحب فضل، إنما صاحب الفضل من سمح له تواري الرقيب أن يشعر بحرية فعل الشيء أو الامتناع عنه، لذلك لا يكون الإله إلها إلا إن كان عمله في الخفاء لا بطريقة صريحة فجة، وقد كان من أسماء الله تعالى الباطن لأنك تشعر به في تلمس الروابط الخفية والأسرار اللطيفة خلف ظواهر الأشياء بعد أن تتحرر من ضغط اللحظة وكثافة المادة المحيطة وتنفذ ببصرك إلى العمق والما وراء..

إن هذه الحياة دار ممر وابتلاء لا دار مستقر وهناء، هذا مرتكز ضروري آخر لمقاربة معنى الله في الشدائد، إن كل ما في هذه الحياة مبرمج ذاتيا للفناء، الشمس والنجوم والأرض والذرة والإنسان والدول والحضارات، مأساة الإنسان أنه يتشبث بالبقاء في أرض ينطق كل ما فيها بحتمية الفناء، إنه يحاول معاندة القوة الطبيعية القاهرة المحيطة به، و يجزع من فقد الأحبة، لكن لو سألته في ساعة هدوء بعيدا عن أسر الأحداث وضغط العواطف: وماذا كنت تتوقع في الحياة غير ذلك؟ كم كنت تتوقع استمرار الاستقرار والهناء؟ سبعين، مائة، مائتي عام؟ لما وجد جوابا.. 

لقد جئنا هذه الحياة ضيوفا وعلينا أن نقبل بقانون الضيافة برضى واستسلام، قانون الضيافة الذي يقول إن المقام إلى أجل مسمى، وإن لكل مبتدأ منتهى وبعد كل اجتماع افتراق وبعد كل صفاء كدر، كل ما في الحياة إلى أفول والسعيد من لم يعلق قلبه بالآفلين: "قال لا أحب الآفلين".

لكن ما بال الظلم والفساد والطغيان، وكيف يستقيم مع وجود إله عادل رحيم قادر؟

إن فلسفة وجود الإنسان على هذه الأرض هي الإنابة عن الله: "إني جاعل في الأرض خليفة"، والخليفة هو من يقوم بأدوار من استخلفه بحرية ومسؤولية، إذا لا بد أن يتمتع الإنسان بالحرية الكاملة على هذه الأرض لاختيار الوجهة التي يريدها وأن يتحمل مسئوليات اختياراته، ولو تأملنا قوانين الطبيعة لوجدناها تسير بانضباط ودقة متناهية فلم يحدث يوما ما أن اعتدى نجم كبير على نجم صغير، أو تأخرت الشمس عن موعد طلوعها، إن كل ما في الطبيعة من الذرة إلى المجرة ينضبط وفق ميزان، والكائن الوحيد الذي يملك الخروج عن الميزان هو الإنسان بما امتلكه من حرية: "والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان".

هذه الحرية الإنسانية تحتمل إحدى مسارين: فهي التي تخرج من الإنسان أجمل ما فيه من روحانية وخير وذكاء وعمران، وهي ذاتها التي تخرج أسوأ ما فيه من فجور وشر وإفساد وغباء، كل ما نراه من أمثلة السمو الأخلاقي مثل محمد وعيسى وبوذا وغاندي ومظاهر العبقرية والعمران مثل ناطحات السحاب والطائرات والانترنت هي تجل لقدرة الإنسان على التسامي وذكاء اختياراته، وفي ذات الوقت فإن ما نراه من أمثلة التردي مثل ستالين وهتلر وبشار وجنودهم هي تجل لحرية الإنسان في الاتجاه المعاكس والتسافل إلى آخر مدى وغباء اختياراته، هذه هي جدلية الإنسان فهو ليس ملاكا ولا شيطانا ولكنه كائن يمتلك زمام مصيره ويستطيع صناعة قدره بنفسه، إما نافس الملائكة في الفضيلة وأذهلهم بذكائه أو فاق الشياطين في الشر والفساد

إذا فالذين يسألون عن خفاء دور الإله حين يمهل الظالمين والمفسدين في الأرض حينا من الدهر لا يرون الجزء الآخر من الصورة وهو أن هذا الخفاء ذاته هو الذي أتاح للإنسان إمكانيات العمران والاكتشاف والاختراع، فلماذا نستعجل حضور الله في الشدائد وننساه في المسرات، لماذا نتذكر دور الله في السيئة وننسى فضله في الحسنة، هذه الحالة النفسية رصدها القرآن بدقة: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض"! إن التناقض الذي يقع فيه هؤلاء هو أنهم يفترضون أن المنجزات البشرية هي ثمرة ذكاء الإنسان وينسون الله في نشوة فرحهم: "إنما أوتيته على علم عندي"، حسنا بالمنطق ذاته وجب القول: إن جرائم القتل والإفساد في الأرض هي ثمرة غباء الإنسان، لأن إرادة الإنسان وحدة واحدة ومن غير المعقول التعامل معها بانتقائية.

لا شك أن صرخات المظلومين ودماء الأطفال المسفوكة تؤلم كل صاحب قلب حي، ونحن لا ننكر في السائلين شعورهم الإنساني الذي يحرك هذه التساؤلات، لكن لو عرض عليهم أن يتدخل الله في حياتنا البشرية بطريقة واضحة فيسيرنا مثل الروبوتات ويبرمجنا في مسارات قاهرة لا نملك الخروج عنها، هل سيرضون أو سيرضى أحدنا بذلك! إن الفطرة الإنسانية تقدس الحرية وتأبى التضحية بها مهما بهظت تكلفتها، لذلك فإن البشر في مجموعهم وفي تكوينهم العميق يرفضون أن ينزع الله منهم هذه المكرمة مهما أسيء استغلالها، وما الصرخات التي نسمعها في أوقات الشدة عن استعجال التدخل الإلهي بإهلاك الظالمين إلا نتاج شدة الوجع وضغط اللحظة والاستدعاء الرغائبي لله، ولو أجاب الله نداءاتنا دائما وأهلك الظالمين وفق مقاييسنا الزمانية المتعجلة لانتفى معنى الاختبار ومعنى الحرية، فقيمة الحرية هي أن يفعل الإنسان ما يريد دون أن يشعر أن سيفا مسلطا على رقبته سيقتص منه حالا: "إنْ نَشَأْ نُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء آيَة فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ".

السؤال عن دور الله في الصراعات البشرية مبني على أساس خاطئ يغفل حقيقة حرية الإنسان وسلطانه في الأرض، والصيغة الصحيحة للسؤال ينبغي أن تكون: ما الذي يمنع المظلومين من الاجتماع وامتلاك أسباب القوة لمدافعة الظالمين وهل سيمنعهم الله إن فعلوا ذلك: "وما كان عطاء ربك محظورا"؟ وما الذي يمنع البشر في مجموعهم من الاجتماع على كلمة سواء والكف عن قتل بعضهم البعض وسفك الدماء، هل سيمنعهم الله إن قرروا ذلك يوما ما؟  

في معرض توعده للظالمين ومواساته للمظلومين يحيلنا القرآن غالبا إلى القانون الطبيعي أكثر مما يعدنا بمعجزات خارقة للعادة، يواسينا القرآن بالعاقبة النهائية لمشهد الحياة الدنيا: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد"، والمتاع القليل بالمقياس المطلق قد يكون مئات الأعوام لكن العبرة بالخسران الأبدي بعد ذلك: "أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ"، هذه ليست دعوة للاستسلام والعجز إنما بث للقوة الروحية في نفوس المؤمنين تحميهم من اليأس، إن القانون الطبيعي وحده موطن عبرة دون معجزات، فالقذافي مثلا ظل يقترف جرائم قتل منذ أربعين عاما، وقد كان هناك مظلومون يستغيثون الله منذ ذلك الزمن البعيد ولم يكن الله يستجيب لدعائهم فورا وربما ألحد بعضهم احتجاجا على عدم استجابة الله، لكن في المشهد الأخير الذي نراه الآن فقد رحل ضحايا القذافي ورحل القذافي بعد أن كان يظن ألن يقدر عليه أحد وخيل له في لحظة من الزمن أن ملكه سيخلد فما أغنى عنه ملكه وسلطانه، إن القانون الطبيعي الذي يقول لنا إن كل شيء إلى فناء ولو بعد حين هو في ذاته دليل حضور الله وموطن اتعاظ لمن كان له قلب ومبطل لمنطق الظلم والفساد، لأن دافع الظالمين والمفسدين هو محاولتهم اليائسة تخليد ملكهم وإدامة سلطانهم، وما دام التاريخ لم يكتب أبدا أن ظالما استطاع حماية نفسه من الفناء وبلوغ أجله المحتوم فهذه حجة لصالح الاستقامة والإصلاح في الأرض، إننا نرى الله في أكثر مظاهر الحياة اعتيادا وفي الصيرورة الطبيعية للأحداث ولسنا بحاجة لمعجزة لإظهار دوره.. 

نعم، في القرآن أمثلة لإهلاك الظالمين بتدخل إلهي مباشر مثل فرعون وعاد وثمود أو تنزل الملائكة في بدر، لكن هذه الأمثلة لا تمثل الأصل ولا الحالة الغالبة، وثمة علاقة طردية بين التطور التاريخي وزيادة التخفي الإلهي مقابل تعزيز سلطان الإنسان في الأرض وتمكينه، ففي مراحل الطفولة البشرية حيث كان الإنسان عاجزا في مواجهة قوى الطبيعة وكانت الأفكار الميتافيزيقية وأساليب السحر متحكمة في المجتمعات البشرية كان الأسلوب الإلهي في التعامل مع عباده يعتمد على المعجزات الحسية في تأييد الأنبياء والتدخل الحسي في إهلاك الظالمين، لكن التحول التاريخي الذي انطوى عليه نزول القرآن قلص كثيرا من مساحة التدخل الإلهي المباشر لصالح القوانين العلمية، هذا التحول واضح في القرآن: "ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض"، "قاتلوهم يعذِّبْهم الله بأيديكم". إذا يمكن أن نسمي المرحلة الجديدة التي دشنتها بعثة محمد مرحلة "أيدي المؤمنين" أي أن يأخذ المؤمنون بزمام المبادرة ويجتهدوا وفق السنن البشرية لامتلاك وسائل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والمعرفية التي تمكنهم من مواجهة القوى المعادية والانتصار عليها دون الداعي لانتظار معجزة من السماء. هكذا يزيد سلطان الإنسان في الأرض ويزيد التكريم الإلهي له بإعطائه مساحة أكبر للفعل والتأثير.

وأخيرا فإن ما تقدم مقاربات عقلانية لفهم حكمة عمل الله في الكون، لكن القرار الحاسم للإيمان أو الكفر لا يعتمد على التحليل المنطقي، لأن مسألة الإيمان بالله في جوهرها مسألة معايشة لا إدراك، فلو حشدنا آلاف الأدلة والبراهين العقلية فلن تقود وحدها إلى الإيمان ما لم يوجد ذلك السر الخفي في قلب الإنسان الذي يلامس فيه حضور الله، إن قيمة الأدلة العقلية هي أنها تقدم وصفا تقريبيا للحالة لمن لم يعايشها، والمعايشة مرحلة متقدمة على الإدراك مثل الحب الذي لن تكفي قراءة مئات الصفحات لتذوقه ما لم يعايشه المرء تجربة شعورية داخلية.

إن الفرق بين الملحد والمؤمن هو أن الأخير يعيش مستوى وجوديا لم يبلغه الأول، وبينما يسوق الملحد مئات الشبهات التي يظنها كافية لهدم بنيان الإيمان فإن المؤمن لا يعبأ بكل هذه الجدالات لأنه يعايش حالة حاضرة بالفعل، إن الله حاضر لأن الذين آمنوا به بحق وصدق استطاعوا بلوغ حالة من السلام الداخلي لم تخذلهم ولم تهزها كل المحن والشدائد الخارجية، فهل يحق لمن لم ير ويعاين أن يكذب من رأى وعاين؟

"
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

موقع عربي 21

 

 

التحول إلى القوة الناعمة

أحمد ابو رتيمة

# 

بين الفينة والأخرى يستيقظ العالم على أخبار التجارب النووية لكوريا الشمالية، ولا تتوقف الآلة الدعائية في هذا البلد القصي عن بث مشاهد تدريبات الجنود واستعراضات الأسلحة لتباهي العالم وتسوق بطولات تخدر بها شعبا أحكم حصاره وعزلته عن العالم، ورغم صورة البطولة والتحدي التي يحرص حكام هذا البلد على رسمها إلا أننا لا نحتاج إلى أدنى عناء لإثبات أن هذا البلد ليس هو النموذج الذي يفكر أحد من أمم الأرض في استلهامه واتباع طريقه

بعد حادثة إسقاط تركيا للطائرة الروسية العسكرية قبل بضعة أشهر اشرأبت الأعناق وكثرت التكهنات عن حرب عالمية وشيكة، وانتظر كثيرون غضبة الدب الروسي الجريح لكن الرد الروسي جاء عبر حزمة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية وسرعان ما انقشع الغمام عن رغبة كل الأطراف في الحيلولة دون تصعيد التوتر ليصل مرحلة الحرب المباشرة.    

أما ألمانيا واليابان البلدان اللذان تجرعا مرارة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية فقد فهما بعد هذا الدرس الأليم أن ثمة طريقاً آخر غير طريق المآسي والحروب لتبوء مكانة محترمة في هذا العالم، ودخلا في مضمار التسابق بالعلم والتكنولوجيا والاقتصاد فغزت منتجاتهما العالم وبذلك امتلكا أدوات جديدةً للهيمنة لا يشترط فيها أن تسحق خصمك بالنار والبارود بل يكفي أن تقنعه بأنك تملك من الأدوات ما يؤثر في تشكيل حياته وأن احتفاظه بحالة الاستقرار لا يكون بمنأىً عن  المحافظة على مصالحك، أي لم تعد فلسفة العلاقات بين الدول قائمةً على حرص كل دولة على كسر إرادة الآخر بل على توصل جميع الأطراف إلى إرادة مشتركة يتوافق فيها الجميع على صيغة سلمية للمحافظة على الهدوء والتعايش.

في مقابل مثل ألمانيا واليابان أمامنا مثل باكستان وإيران، فالأولى أنتجت قنبلةً نوويةً ففرح المسلمون بهذا المولود النووي الإسلامي لكن عين المراقب لا تخطئ أن باكستان النووية لا تجرؤ على قول لا لأمريكا وأن سماءها مستباحة للطائرات الأمريكية وأرضها مستباحة لعبث أجهزة المخابرات الأجنبية فضلاً عن واقع الفقر وغياب التنمية الذي يعيشه الشعب الباكستاني، أما إيران فقد قايضت برنامجها النووي برفع العقوبات الاقتصادية عنها، ما يعني أن سلاح الاقتصاد والمال أقوى من القنبلة النووية فهل من مدَّكر؟  

كل هذه آيات بينات تقول لنا إن السلاح بات صنماً لا ينفع ولا يغني عن أهله شيئاً لكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون!

هذه الأمثلة تنبهنا إلى أن شيئاً جديداً يتشكل في العالم غير مسار الاقتتال والإفناء الذي صبغ العلاقات الإنسانية منذ فجر التاريخ، إن طريق العنف مهما طال فهو طريق مسدود، ذلك أن العنف لا يولد إلا العنف، والحرب سلوك انتحاري غير عقلاني فالإنسان يجني على نفسه في هذه الطريق: "يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم" ومع تقدم الأسلحة وصولاً إلى التدمير الشامل ومع تشعب المصالح الاقتصادية للدول لم تعد الحرب خياراً مرغوباً حتى للدول المتفوقة عسكرياً لأن مصالحها الاقتصادية الممتدة حول العالم لا يمكن أن تكون في مأمن إلا بتطبيع العلاقات السياسية والثقافية مع الأمم
إن الإنسان لا يحيا بالتفوق العسكري وحده، ولتبسيط المعنى نبدأ من المستوى الفردي مع جندي مدجج بكل أنواع الأسلحة يعيش في مدينة ويملك من القوة ما يستطيع أن يسحق به أي فرد، لكن أهل المدينة جميعاً يقاطعونه بسبب افترائه وفجاجته، فإذا رغب هذا الجندي في إيجاد صديق يسامره لم يجد، وإذا مر الناس من أمامه أعرضوا عنه ولم يكلموه، يرى الناس من حوله يضحكون ويقيمون الاحتفالات والمهرجانات فلا يستطيع مشاركتهم، إن رغب في شراء حاجة لم يبعه أحد، وإن رغب في الزواج لم تقبل به أي فتاة، ماذا سيغني عن هذا الجندي قوته إن لم يستطع أن يحيا حياةً طبيعيةً وأن يندمج بين الناس؟

هذا المثال يبين بصورة مركزة حاجة الإنسان فرداً وجماعةً إلى ما هو أكبر من التفوق العسكري، وهذا ما دفع جوزيف ناي مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق إلى إطلاق مصطلح "القوة الناعمة" حيث يقول في كتابه الذي حمل هذا العنوان إن حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها أصبح أمراً من الماضي خاصةً وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقاً كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة، وأضاف ناي أن مصدر قوة أمريكا ليس هو الجيش فقط وإنما مجموعة من الدواعم لهذه القوة مثل اجتذاب الولايات المتحدة أكبر نسبة للمهاجرين، والطلبة الذين سيحملون الكثير من القيم والمبادئ الأمريكية، ويمكن أن يكونوا سفراء للثقافة الأمريكية ويحتلون في دولهم مراكز القرار، كما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في الفوز بجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والاقتصاد، ومبيعاتها من المؤلفات الموسيقية تشكل الضعف مقارنة مع اليابان التي تحتل المرتبة الثانية، وتعتبر أمريكا أكبر مصدر للأفلام والبرامج التلفزيونية في العالم.

القوة الناعمة أعمق أثراً من القوة الخشنة، لأن الأخيرة تقوم على إخضاع الناس بالإكراه وتطلب منهم العمل بخلاف إرادتهم ورغبتهم بينما القوة الناعمة تعني أن تخلق في نفوس الناس الرغبة الذاتية للتماشي مع قيمك ومصالحك، إن الفن والأدب من أقوى الأسلحة لفتح القلوب والعقول في العصر الحديث، إن أديباً من طراز غسان كنفاني الفلسطيني قدم للقضية الفلسطينية أكثر مما قدمته ألف بندقية، ما فعله غسان كنفاني هو أنه قدم الرواية الفلسطينية التي عمل الصهاينة جاهدين على إخفائها إلى العالم فصار بإمكان أي قارئ لأدب كنفاني في أي بقعة من العالم أن يتبنى الموقف النضالي الفلسطيني وأن يدين الجريمة الإسرائيلية.

يقول الباحث الفلسطيني جمال هلال: "في أعقاب إعلان دولة إسرائيل في 1948 وهزيمة النخب السياسية والحركة الوطنية آنذاك، حافظت الأقلية الفلسطينية على هويتها الوطنية والقومية من خلال نشاط الحقل الثقافي ولا سيما في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح ولاحقًا الغناء والسينما. ومنذئذ ظل الحقل الثقافي يوفر للفلسطينيين إمكانيات أرحب من الحقل السياسي، ولا سيما في أوقات الأزمات، للتواصل وبناء الأطر والنشاطات المشتركة الخارقة لحدود الجغرافيا السياسية". 

هذا ما تنبهت إليه حركة المقاطعة الدولية PDS  التي تقوم فلسفتها على مقاطعة دولة الاحتلال أكاديمياً وثقافياً وسحب الاستثمارات منها، إن الفعل النضالي المباشر يقوم على إلحاق الأذى بالإسرائيليين، أما المقاطعة التي تعد من أبرز أشكال المقاومة الناعمة فتقوم فكرتها على الالتفاف على دولة الاحتلال وإحكام الخناق عليها وخلق ظروف غير طبيعية تشعر سكان هذا الكيان بأنهم منبوذون وأنهم غير قادرين على التطبيع مع العالم مما يرفع من تكلفة إقامتهم النفسية والاقتصادية والسياسية، هذه المقاطعة وإن كانت تواجه دولة الاحتلال بوسائل ناعمة إلا أنها نجحت في إثارة الفزع في صفوف قادة هذا الكيان ويكفي الاستدلال بتصريح رئيس دولة الاحتلال روفن ريفلين مؤخراً أن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل تشكل "تهديداً استراتيجياً من الطراز الأول"، أما غلعاد إردان وزير الشئون الاستراتيجية فقال إنه سيركز على خطرين رئيسيين: إيران و"بي دي اس".

يتزايد العالم اليوم انفتاحا وتشابكا ومصالح اقتصادية، وهذا المعطى الجديد يخدم فكرة التعايش السلمي بين البشر ويقلص مساحة الحرب، وفي ضوء هذا الواقع الجديد تزيد فاعلية أدوات الأدب والفن والثقافة والتقدم العلمي والتكنولوجي، إذ إننا  في واقع يتم فيه تدشين الهرم من الأسفل للأعلى بمعنى أن "التحتي" الاقتصادي والاجتماعي هو الأساس لتدشين "الفوقي" السياسي والعسكري كما تقول هبة رءوف عزت وهو ما يعني مركزية الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتبعية الواقع السياسي والعسكري، أي أنه صار بالإمكان الإضرار بالقوى التي تنتهك حقوق الشعوب بأدوات اقتصادية واجتماعية وثقافية وذلك عبر وضعها أمام خيارين: إما أن تقبل بكلمة سواء وتلتزم بالمعايير المتعارف عليها إنسانياً وإما أن تواجه قطيعة وعزلة خانقة تحول دون قدرتها على العيش الطبيعي.

(عربي 21)

 

"في النقد التاريخي" لخالص جلبي:

عوامل انهيار حضارة المسلمين

 

أحمد أبو ارتيمة

 

 

يواصل المفكر السوري خالص جلبي في كتابه "نقد الفكر الديني: في النقد التاريخي".مشروعه الفكري الذي بدأه قبل أكثر من ثلاثين عاما، مع كتاب "ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية".
ينطلق خالص جلبي في قراءته للتاريخ من أن عامل الانهيار داخلي بالدرجة الأولى، أما العنصر الخارجي فهو الذي يكشف الغطاء عن التفاعل الداخلي ويشير إليه.
وإزاء سؤال: كيف انهارت الحضارة الإسلامية وكيف غاب المسلمون عن التاريخ وكيف قفز الأوربيون إلى دفة قيادة التاريخ، يرى جلبي ضرورة البحث في البدايات والمؤشرات.
يبدأ الانهيار التاريخي، وفق تحليل خالص جلبي، من الإنسان الذي إذا تحررت إرادته أصبح مواطنا واعيا مشاركا مسئولا، وليس عصا للضرب بكل يد، أو طبلا جاهزا للقرع بكل الأنغام والرقصات، أو مسدسا جاهز الزناد لإعدام ولو أبيه.
سجل التاريخ الإسلامي مبكرا مأساة انفكاك الضمير عن الواقع، يظهر ذلك في مثال عقيل ابن أبي طالب الذي يواجه مصادرة الحياة الراشدية على يد البيت الأموي بقوله: "إن صلاتي خلف علي أقوم لديني، وإن معاشي مع معاوية أقوم لحياتي".

معركة العقاب

في عام 1212م طُحنت الدولة الموحدية في الأندلس في معركة العقاب، وبعدها تهاوت الحواضر الأندلسية كورق الخريف. لكن من أين أُتي المسلمون في معركة العقاب؟
يورد خالص جلبي مثالا يظهر توقف الحياة العقلية وانحدار مخطط الحضارة في الأندلس، وهو معاقبة الفيلسوف ابن رشد:
يذكر صاحب كتاب "الذيل والتكملة" ابن عبد الملك؛ نص إدانة الفيلسوف ابن رشد الذي جاء فيه: " فاحذروا - وفقكم الله - هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان. ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه".
هكذا كان مصير الفيلسوف المبدع الذي استفادت منه أوربا أكثر من العالم الإسلامي، ففي الوقت الذي أطلق فيها شرارة العقل المفكر، كان هذا الصك يحكي لنا حرق كتبه أينما وجدت، ولكن الأمة التي تفعل بمفكريها هذه الفعلة هل تبقى بدون عقاب؟.
يجيب جلبي بأن عقاب أهل قرطبة مخيف، بل عقاب أهل الأندلس جميعا، فقد سقطت بعد ذلك بلنسيا، ثم قرطبة، ثم تكلل الانهيار بسقوط مدينة إشبيلية في عام 1248م. وبذلك سقط الجناح الغربي للعالم الإسلامي بتمامه.

اكتساح التتار للمشرق الإسلامي

بعد عشر سنوات بالضبط من سقوط الجناح الغربي للعالم الإسلامي تبعه الجناح الشرقي متمثلا في بغداد؛ التي سقطت على يد هولاكو عام 1258م.
يتساءل خالص جلبي: كيف يمكن أن يفسر حدثٌ في مثل هذه الضخامة انهيارا مريعا للحضارة الإسلامية؟
ويقول: "إن التاريخ ينقل قصصا لا تكاد تصدق سواء من مستوى القيادة، أو مستوى الأمة، بين اتصالات مريبة من السلطان العباسي الذي راسل جنكيز خان يدعوه لغزو بلاد خوارزم، لتخليصه من منافسه هناك جلال الدين، والذي كان يخشى من زحفه باتجاه بغداد، فجاءه طوفان يأجوج ومأجوج بعد ذلك ليعدم ولده المستعصم وأحفاده وحفيداته.. أو في قصة التتري الذي أمسك مسلما ليذبحه، فأمره بالبقاء حيث هو، ثم غاب الجندي التتري سويعة وعاد والمسلم ما زال ينتظر الذبح؛ لأن غريزة التمسك بالحياة قد تلاشت".
يخلص خالص جلبي إلى أن أمة من هذا النوع لا يحتفظ بها التاريخ، ولا يوفرها الجنس البشري، بل يمضي عليها القانون الإلهي: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

معركة سهل أنقرة

يتوقف الكاتب مع مفصل آخر في تاريخ المسلمين، ففي الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني بايزيد خان الأول يتأهب لغزو أوربا بحملة قوامها نصف مليون جندي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هولا، ومن نفس العرق التركي والدين الإسلامي، وبسبب تاريخي تافه، يقودها عسكري تتري مرعب خلّد اسمه في التاريخ بكل الفظاعات الممكنة (تيمورلنك)، ليحطم الطموحات العثمانية الجنينية للسيطرة على أوروبا في معركة أنقرة في 20 تموز/ يوليو عام 1402م، وليوقف المد الإسلامي، ولينقذ جنين الحضارة الغربية.
يتساءل خالص جلبي عن هذا الارتطام الأعمى بين قوتين إسلاميتين لتنجو وتولد حضارة غير إسلامية: هل هو مجرد مصادفة عبثية؟ أم عمى تاريخي؟
للإجابة عن هذا السؤال يستعين الكتاب بتحليل مالك بن نبي الذي يشرح المعنى التاريخي لمعركة سهل أنقرة في كتابه "وجهة العالم الإسلامي": " لقد قام تيمورلنك في الواقع بعمل لم يكن يستطيع إدراكه حتى بعد انتهائه منه، لأن مغزاه التاريخي الحق لا يمكن أن يظهر إلا بعد عدة قرون. وإن مسألة كهذه قد تتركنا مشدوهين بحجة أنها ذات طابع ميتافيزيقي، ولكن لكي نعطي للأحداث تفسيرا متكاملا يتفق مع مضمونها كله يجب ألا نحبس تصورنا لها في ضوء العلاقات الناتجة عن الأسباب، بل ينبغي أن نتصور الأحداث في غايتها التي انتهت إليها في التاريخ".

"
لماذا حال تيمورلنك دون قيام بايزيد بنشر الإسلام في قلب أوربا..؟ والجواب لكي تتابع أوروبا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، حيث كان في نهاية رمقه. إن سيف تيمورلنك هو الذي شق الطريق أمام الحضارة الغربية الوليدة وسط أخطار الغروب التي كانت تخيم على العالم الإسلامي".

معركة أسوار فيينا

في يوم الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر من عام 1683م، وفي عصر السلطان محمد خان الرابع، وجه الوزير العثماني الأعظم رسالة حفظتها الوثائق العثمانية إلى أهل فيينا التي كان يحاصرها بجيش عرمرم قوامه ربع مليون جندي، جاء في الرسالة:
"
إنني وبعزة الله وكرامة الرسول وولد القمرين الذي له كل الرفعة والفخر. أنا قائد جيش السلطان العثماني الأعظم. ملك ملوك الأرض. أقول لكم ولقائد النبلاء في فيينا الجنرال ستارهمبرغ. لتعلموا أنني وبأمر من سيدي الأكثر احتراما وتقديرا، الأقوى، والأعظم والذي لا يقهر. والذي جئتكم بجيشه اللجب حتى مدينتكم فيينا هذه من أجل ضمها إلى مملكته. إن استسلمتم له فبإمكانكم أن تنسحبوا بكل أشيائكم صغيرها وكبيرها. ومن يرغب في البقاء هنا صينت ممتلكاته. أما إن عصيتم وامتنعتم عن التسليم اقتحمنا عليكم مدينتكم وقطعنا كل صغير وكبير بحد السيف".
لكن انعطافا نوعيا حصل في تاريخ القارة الأوربية كسر نهائيا المخطط التوسعي العثماني، حيث اندفع الملك البولوني يوحنا الثالث سوبيسكي بقيادة شخصية، وبجيش نجدة بلغ خمسة وستين ألف جندي قدموا لفك الحصار عن مدينة فيينا قلب أوروبا، مما أدى إلى فشل الحملة واندحار الجيش العرمرم، وأعدم الوزير الأعظم في بلغراد، عاصمة الصرب الحالية، في 25 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1683م.
يرى خالص جلبي أن مسلسل التراجع العثماني استمر بعد فشل حملة فيينا في القرنين التاليين حتى دخلت الدولة العثمانية "العناية المركزة التاريخية"، حيث سميت بـالرجل المريض، قبل أن يموت هذا الرجل المريض.
في هذه المحطة من تاريخ المسلمين يبرز أيضا دور العامل الداخلي. ويرى خالص جلبي أن الدور الذي لعبه كمال أتاتورك كان تافها، فهو لم يقتل أو يلغ الخلافة العثمانية، وإمبراطوريات عريقة هيهات أن تسقط بأمثال أتاتورك، إن أتاتورك لم يفعل أكثر من إعلان الموت والسير في خشوع في جنازة الدفن الأخيرة.

كانت حملة العثمانيين على فيينا عسكرية في الوقت الذي كان فيه التفوق الغربي تفوقا حضاريا، وفي نفس العام الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع (1687م)، كان إسحق نيوتن يكتب كتابه "الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية"، الذي لم يكن سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني، وكان المدخل الجديد لفهم عالم جديد. وهو التحول الذي لم يتفطن له المسلمون الأتراك حسب استقراء الكتاب.

معركة سفح الأهرام عام 1798

يذكر المؤرخ الجبرتي أن الإنجليز سبقوا الفرنسيين إلى الساحل المصري وحذروا الشعب المصري قبل وصول الحملة بعشرة أيام، إلا أن المماليك لم يهتمو بشيء من ذلك ولم يكترثو به، اعتمادا على قوتهم وزعمهم أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في مقابلتهم وأنهم يدوسونهم بخيولهم!
"
أما موقف الجماهير والعلماء الذين يقودونهم والفرق الصوفية فقد كان يشي بطبيعة العقلية المسلمة في تلك الأيام. لقد كانوا يقرأون صحيح البخاري ويعيدون كلمة يا لطيف آلاف المرات ليدفعوا عن أنفسهم الجنود الفرنساوية"، كما يقول المؤلف.
في الوقت الذي اكتشف فيه الفريق العلمي الفرنسي حجر رشيد وأعاد الحياة إلى اللغة الهيروغليفية، كان المماليك مستلقين على ظهورهم، يدخنون الأراجيل في أشعة الشمس المصرية الدافئة!
يرى جلبي أن حملة نابليون كانت تؤدي دور الصفعة لعالم خرج عن خط التاريخ ليستيقظ من جديد، ولكنه أضاع الفرصة كما أضاع الأتراك فرصة خريف القرن السابع عشر.

ولادة إسرائيل

يصل خالص جلبي في نهاية تطوافه التاريخي إلى محطة "ولادة إسرائيل" التي تشبعت الثقافة العربية بأن الصراع معها هو القضية الجوهرية، لكن جلبي يرى الحاجة إلى إعادة ترتيب علاقات الأشياء. فولادة إسرائيل جاءت من رحم التردي العربي، ولو خسف الله الأرض بإسرائيل لما زال المرض العربي. وهناك دول عربية تخلصت من الاستعمار ولكنها تعيد سيرة الاستعمار على شكل أبشع.
إن من الضروري التأسيس لفهم لماذا ولدت إسرائيل، وكيف تحدث مثل هذه الأشياء في التاريخ؟ يرى خالص جلبي أن هذا التأسيس ضروري لوضع اليد على تشخيص مجد واقتراح علاج ناجع لمشاكلنا

موقع عربي 21   

 

 

الموت جوعًا في 2016



أحمد أبو رتيمة


أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراته من حدوث مجاعة في اليمن، وقال إن هناك عشر محافظات يمنية تعاني من انعدام الأمن الغذائي وإن هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء. اليمن ليس حالةً استثنائيةً في هذا الصدد، فبحسب إحصائيات برنامج الأغذية العالمي هناك أكثر من ثمانمئة مليون إنسان لا يجدون طعامًا كافيًا، هذه الإحصائية تتوزع على جنوب وغرب آسيا ومنطقة أفريقيا، ويتسبب سوء التغذية في وفاة حوالي 3.1 مليون طفل دون سن الخامسة كل عام.
بحسب برنامج الأغذية العالمي، هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء

أن يموت الملايين جوعًا في القرن الحادي والعشرين مفارقة مؤلمة تستحق التوقف مليًا عندها، فالإنسان الذي تذللت الأرض لسلطانه وأخرجت له أثقالها من الثروات والكنوز فشل في توزيع هذه الثروات بالعدل والقسط بما يضمن الحد المقبول من العيش الآدمي الكريم على هذه الأرض.
ليس ثمة ندرة في الموارد، هناك في العالم ما يكفي من الغذاء لكل إنسان ليحصل على التغذية التي يحتاجها من أجل حياة صحية ومنتجة وفق حسابات برنامج الأغذية، وفي الوقت الذي يموت فيه فريق من الناس جوعًا يموت فريق آخر تخمةً وشبعًا، المشكلة ذات طابع أخلاقي تتعلق بسلوك الهيمنة والاستعلاء الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء والرغبة في الاستئثار بالثروات بما ينتج توزيعًا مخلًا في العالم. الاعتبارات الأخلاقية غير حاضرة في حسابات المتنفذين سواء كانوا دولًا عظمى أو أنظمةً محليةً استبداديةً أو شركات ربحيةً جشعةً، لذلك من الطبيعي ألا تمثل مأساة الجوعى عبر العالم مشكلةً مؤرقةً تدفع الأقوياء إلى الاجتماع وبحث سبل حلها.
في كتاب يحمل اسم "صناعة الجوع.. خرافة الندرة" صدر في بداية الثمانينيات، وهو كتاب يظهر توجهه من عنوانه يرى مؤلفاه فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز أن العديدين يعتقدون خطأ بأن العدالة لو صارت لهـا الأولـويـة فسوف تتم التضحية بالإنتاج، ولكن العكس هو الصحيح، فالعالم فيه ما يكفي من الغذاء لكل فرد، فهو ينتج يوميًا رطلين من الحبوب أي أكثر من ثلاثة آلاف سعر حراري وبروتين وفير لكل رجل وامرأة وطفل على الأرض وهذا التقدير أكثر مما يستهلكه شخص في أوروبا الغربية، فإذا وضعنا في الاعتبار ملاحظة الفروق بين الإنتاج الحالي والإنتاج الممكن، فإنه في كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يزرع سوى أقل من 25% من الأراضي التي يمكن زراعتها، وأن العقبات أمام تحرير الطاقة الإنتاجية ليست في معظم الحالات فيزيائيةً بل اجتماعية فحيثما تكون هناك سيطرة غير عادلة وغير ديمقراطية على الموارد الإنتاجية فإن تطورها يعاق.
ويرى الكتاب أنه في معظم البلدان التي يجوع فيها الناس يسيطر كبار الملاك على معظم الأرض، وقد أظهرت دراسة عن 83 بلدًا أن 3% من ملاك الأرض فقط يسيطرون على نحو 79% من كل الأرض المزروعة، لكن هؤلاء الملاك الكبار هم الأقل إنتاجيةً، فالأرض التي تحتكرها قلة تعاني حتمًا من قلة الاستخدام.

 

مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها

يذهب الكتاب أبعد من ذلك فهو يكشف بالأمثلة والحقائق كيف أن الدول العظمى تستعمل الغذاء كسلاح سياسي، فقد قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً عندما انتخبت حكومة تهدد مصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وفي عام 1974 نقلت الواشنطن بوست وثيقةً حكوميةً غير منشورة فيها تعارض الولايات المتحدة توسيع برنامج الغذاء العالمي لإعانة مناطق المجاعات وتنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة لم تكن قادرةً في السنوات الأخيرة على التأثير بصورة ملموسة في السياسات أو الإجراءات الخاصة بتوزيع المعونات على جهات معينة، بما يعني بشكل واضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة لتقديم أي معونة غذائية لا تستطيع تشكيلها وفقًا لأهدافها.
هذه الدراسات والأبحاث تثبت بلغة الأرقام حقيقةً مبدئيةً بأن الأرض لم تبخل يومًا بخيراتها على أهلها، لكن الناس أنفسهم يظلمون، وكل مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها ولا تقيم اعتبارًا لقيم العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، إن من التناقض المريع أن الإنسان الذي غزا الفضاء لا يزال عاجزًا عن إقامة العدل في الأرض، وأن العبقرية التي اخترعت الأدوية التي تحمي الإنسان من الميكروبات والجراثيم عجزت عن حماية الإنسان من ظلم أخيه الإنسان.
لقد بدأ الإنسان مسيرته الحضارية قبل أكثر من خمسة آلاف عام ولم يكن شيئًا مذكورًا، كان يكافح ضد الحيوانات المفترسة في الغابة ويغلق على نفسه باب الكهف مخافة الوحوش، ويعجز عن مواجهة البرد والمرض والجوع، ثم شهد مساره الحضاري قفزات مذهلةً في تسخير الطبيعة لسلطانه فابتكر كل وسائل الراحة وتيسير المعيشة وطوى مشارق الأرض ومغاربها وامتلك من القوة ما يمكنه من تدمير الأرض عن بكرة أبيها، لكن هذا الكائن ذاته لا يزال عاجزًا عن تحقيق صيغة اجتماعية للتعايش بعدل وسلام يكون الناس فيها سواءً لا يبغي أحدهم على أحد. هل هو عجز فعلًا أم أنه الظلم والإفساد والاستكبار في الأرض! وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

صحفي وكاتب من فلسطين

 

داء الاغترار بالقوة

أحمد أبو رتيمة

 

نشوة القوة مسكرة لأصحابها وحجاب لعقولهم، تحرضهم على الطغيان والاستكبار والمشي في الأرض مرحا: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"، القوي المستكبر يرى الناس في عينيه مثل الذر لا يبالي أن يسحقهم في طريق نزواته واستعلائه.

حين يعيش الإنسان بنفسية القوة لا يستمع لنداء العقل ظنا منه أن العقل حيلة الضعفاء بينما منطقه الوحيد إذ يمتلك القوة هو البطش وإكراه الناس على إرادته: "قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز"؛ هذه الآية نموذجية في تحليل سيكولوجية الاغترار بالقوة، فالنبي يخاطبهم بالعقل والحوار بينما هم لا يفكرون إلا بمنطق القوة، فما دام النبي ضعيفا فليس من حقه أن يتكلم معهم، إذ الحق في نظرهم هو القوة، القوي هو الذي يملك حق تحديد المعايير الأخلاقية وتقرير الصواب و الخطأ، تماما مثل واقع السياسة الدولية اليوم التي تعكس موازين القوى وليس المبادئ والحقوق، فالخمسة الكبار الذين يملكون حق النقض الفيتو ميزتهم الوحيدة أنهم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وكما قال من أظنه جودت سعيد لو انتصر هتلر لما وجد صيغة أسوأ من صيغة الفيتو لفرض سلطانه على الأرض. الفيتو يعني ببساطة أن القوة هي الحق، وأن إرادة كل شعوب الأرض مجتمعة لا اعتبار لها إذا تناقضت مع مصالح القوى الكبرى، إنه منطق: "وإنا لنراك فينا ضعيفا"، أخرج ما لديك من أوراق قوة حتى نقرر إن كان من المناسب أن نتحدث معك أو أن نحاربك..

مرض الاستكبار في الأرض قديم قدم الوجود الإنساني، فالقوة هي التي تمنح الإنسان الشعور التألهي، أنه يملك ميزات إضافية ترفعه عن مصاف الناس العاديين. يتلخص تاريخ الصراعات في تصادم الإرادات وسعي كل فريق لسحق إرادة خصمه وأن تكون الكلمة الأخيرة له بما يعني ادعاء ضمنيا للألوهية، فالله تعالى وحده الذي يملك الإرادة الحقيقية المتغلبة والمشيئة التي لا راد لها، وحين يضيق الإنسان بمعارضة إرادته ويسعى لسحق هذه المعارضة فهو بذلك يسعى أن يثبت أنه لن تكون على الأرض إلا مشيئته

ولو فككنا كل الخطابات السياسية على كافة المستويات لوجدنا القاسم المشترك بينها أن كل فريق يحاول كسر إرادة أعدائه، لماذا تحارب أمريكا هنا عسكريا وتحاصر هناك اقتصاديا، وتغزو بلدا ثالثا بالبرامج الثقافية والمساعدات الإنسانية؟ أليس الهدف المباشر هو أن يخضع العالم كله لإرادتها، وألا تكون هناك أية قوة تخرج عن طوعها؟ إن السبب النفسي يبدو أعمق من السبب الاقتصادي في تفسير الصراعات البشرية، لو قلنا إن الدول تسعى لتقوية اقتصادها عبر الحروب فإن السؤال يظل قائما: لماذا تريد الدول تقوية اقتصادها؟ إن القوة الاقتصادية ليست هدفا بل وسيلة للهيمنة السياسية وفرض الأجندة وإعلاء القيم، وحين تنجح دولة في الوصول إلى مستويات قياسية من الرفاهية لمواطنيها فإنها لا تغلق الأبواب على نفسها بل تبحث عن دور سياسي تمد به نفوذها وتحقق كبرياءها.

لم تكن خشية فرعون من دعوة موسى هو أن يصلي بنو إسرائيل ويصوموا لإلههم الذي في السماءـ بل كان يخشى أن يزاحمه موسى في نفوذه السياسي: "وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ"، هذه المقولة التي جاءت على لسان ملأ فرعون تلخص المنطلق النفسي الذي يرسم سياسات الدول الكبرى في كل زمان، فهي معركة البحث عن النفوذ والكبرياء تستعمل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والإعلامية من أجل إشباع شعور عميق في نفوس الأفراد والأمم بالعلو والتلذذ بفرض الإرادة على الآخرين.

 
التوحيد في حقيقته دعوة للعدل والمساواة الإنسانية، التوحيد يعني أن تتحرر من شعور الاستكبار على الضعفاء أو الاستضعاف أمام السادة والكبراء وأن تعتقد أن الناس كلهم عباد لإله واحد، فترضى لنفسك ذات المعيار الذي تريده لغيرك، وتؤمن بتساوي الحقوق الإنسانية، لا تسعى لسحق إرادة غيرك لأنك تؤمن أنه إنسان مثلك، ولا تتعالى على غيرك لأنك عبد ضعيف مثله، التوحيد يعني أن يسود التعاون والاعتراف لا التصادم والإلغاء علاقات الأفراد والشعوب والأمم.

التوحيد دعوة لميلاد عالم الحق لا عالم القوة، عالم يكون الناس فيه أقوياء بمبادئهم الأخلاقية لا بعربدتهم وبطشهم، لأن قوة المبدأ الأخلاقي أثر من قوة الله الحق الذي وضع الميزان بما يعنيه من قوانين أخلاقية دقيقة، بينما قوة العربدة والبطش عبادة للأصنام، فالاعتقاد بأن القوة المادية تملك الضر والنفع والموت والحياة والنصر هو شرك بغير الله: "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّا"، "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ".

في مثال قوم عاد في القرآن الكريم: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة".

هو ذات الاغترار الذي يصيب كل الأمم، فروسيا اليوم تعربد في سوريا ومن قبل في أوكرانيا وجورجيا وهي تقول: "من أشد منا قوة".. يجيب القرآن على كل الذين يعبدون صنم القوة: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة"، وهو جواب علمي وليس غيبيا، فالاغترار بالقوة موقف غير عقلاني يقوم على تضخم الشعور بالذات والغفلة عن القراءة الموضوعية لمعطيات الواقع ومسار التاريخ وحدود القدرات البشرية، القوي في ساعة سكرته يظن أن لا حدود لقدراته وأن نهاية التاريخ قد كتبت عند أوج مجده وسلطانه، هنا يعادل القرآن هذا الإفراط في تقدير حدود الذات بالتذكير بالقوة المطلقة المحيطة التي كانت هي علة زوال الحضارات وفناء الأمم عبر التاريخ

إن أعظم برهان على أن هناك دائما ما هو أقوى من كل الحضارات القوية هو قصص التاريخ التي تنبئنا أنه لم يكتب لأي من هذه الحضارات الخلود وأن الأيام كفيلة بتجلية عوامل التحلل والتفكيك وتنشيطها وصولا إلى الأجل المحتوم: "فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين"، إن الله هو أشد قوة تعني أن سنن الله وقوانينه أشد قوة، فالله لا يعمل دائما بطريقة مباشرة إنما يرينا آياته من خلال سننه وقوانينه التي ضبط بها مسار الحياة والوجود

كل دولة مهما علا سلطانها وعظم بطشها تحتوي عناصر ضعف تقتضي العقلانية إدراكها والتواضع بإزائها، قد تمتلك دولة قدرات عسكرية فتاكة وصواريخ نووية كما هو حال روسيا التي تتباهى خيلاء في الأرض وتظن أن لن يقدر عليها أحد لكنها في ذات الوقت تحتوي على ضعف اقتصادي يجعلها في حاجة إلى غيرها مما يبطل دعوى تفردها بالهيمنة والسلطان، وقد تمتلك دولة كل أدوات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع توفير الأمن لمواطنيها، فيسلط الله عليها بظلمها عبادا مستضعفين لا تأبه لهم يسلبونها أمنها ويكسرون كبرياءها، وقد تستكبر دولة على جيرانها وتنصر كل جبار عنيد كما تفعل إيران بنصرها للطغاة المستبدين لكنها مهترئة من الداخل لم تقم في شعبها العدل والنماء فتظل محرضات الانفجار قائمة من الداخل تنتقص من اكتمال قوتها وتبطل دعوى استكبارها، وقد تشيد دولة أعظم العمران لكنها تقف عاجزة أمام إعصار أو زلزال أو بركان

وهكذا فإن تذكير الآية بقوة الله هي دعوة إلى العقلانية والتواضع وإدراك حدود الذات، فإن من وراء كل قوة مهما علت في الأرض قوة كلية محيطة تتمثل في القانون الكلي للوجود الذي أوجده الله بتجلياته الطبيعية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولن تخلو أي قوة من عناصر ضعف كامنة إما غالبها أصحابها بالعدل الذي يحقق الأمن ويزيل أسباب التوتر ويكسب الأمم قوة روحية تؤثر بها في الناس وتكسب قلوبهم، وإما غفلت وعميت وتجبرت في الأرض حتى يأتيها الله من حيث لا تحتسب فيقصم كبرياءها ويرتد بغيها على نفسها: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين".

 مع (عربي 21) بالاتفاق مع الكاتب

 

حديث في فضائل أوروبا

احمد ابو رتيمة

 

خروج عشرات آلاف المواطنين النمساويين بشكل عفوي لاستقبال اللاجئين السوريين وتوزيع الطعام والمساعدات عليهم هو مشهد مفعم بدلالاته الإنسانية. ليس ثمة مؤامرة ولا حسابات سياسية بل هو تعبير شعبي تلقائي عن الخير الكامن في الفطرة الإنسانية، وهو شاهد للمجتمعات الأوروبية على تمكنها من ارتقاء درجة أعلى في سلم القيم الإنسانية.

في التعامل مع الأمم يلزمنا التحاكم إلى معيار منصف حتى لا نشطط في أحكامنا، يلزمنا التحرر من سجن الصور التاريخية، الأمم ليس بالضرورة أن تظل رهينة لماضيها مكبلة بأغلاله، ألمانيا اليوم ليست هي هتلر، وأوروبا ليست هي الحروب الصليبية، ولو كان محكوما على الأمم والشعوب أن تواصل طريق أسلافها لما كان للتوبة والمراجعة والنهوض بعد الكبوة معنى، ولظل الإنسان راسفا في قيود الجبرية والحتمية التاريخية، لكن قصة التاريخ تمنحنا الأمل بإمكانية الانعتاق من كل خطايا الماضي والبدء بكتابة صفحة جديدة أكثر إشراقا..  

يقتضي المعيار المنصف أيضا ألا نتعامل مع العالم بأنه كتلة واحدة صلبة وفق ثنائية ملاك أو شيطان، العالم غني بتعدده بما تعجز الرؤى الأحادية والأحكام الاختزالية عن تفكيكه، لا تقل إن العالم متآمر، بل قل لي أي عالم تقصد، هل تقصد روسيا أم أمريكا أم أوروبا، وداخل أوروبا ذاتها: هل تقصد بريطانيا أم فرنسا وألمانيا أم الدول الإسكندنافية؟ هل تقصد المنظومة الرأسمالية الغربية التي تقدس مصالحها ولا تعبأ في سبيل ذلك بأن تدوس على الأخلاق وبأن تتحالف مع المجرمين والقتلة، أم تقصد القيم الإنسانية التي أنضجها الوعي الجمعي والتي تقدس الحريات وتحترم حق الإنسان في الكرامة والعدالة؟ حين تحدثني عن الغرب أخبرني إن كنت تقصد كونداليزا رايس صاحبة شركة النفط أم تقصد راشيل كوري التي تصدت بجسدها النحيل لآلة الموت الصهيونية دفاعا عن بيوت الفلسطينيين في رفح؟ 

وإن من ألد أعداء المعيار المنصف اللجوء إلى المقارنات التي تميع وضوح الحقائق وتقتل جوهرها، فإذا ذكرت لأوروبا استقبالها للاجئين السوريين جادلوك بقولهم: ولماذا لم تذكر استقبال اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا؟ 

أولا ما جدوى هذه المقارنات؟ إن الفضيلة قائمة بذاتها بغض النظر عن فضائل الآخرين، كما أن الجريمة قائمة بذاتها لا يقلل من بشاعتها مقارنتها بجرائم أكبر، وإن حديث الساعة الآن هو استقبال اللاجئين في أوروبا، هل تجدون مثلا أن القرآن كان يبخس من حسنات أهل الكتاب بمقارنتها بحسنات المؤمنين! القرآن يسلط الضوء على أي حسنة لأي فريق ويعززها ويبدأ بها قبل ذكر السيئات: "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ"، "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه". إن أردت أن تذكر لأي فريق حسناته فافعل، المهم ألا يكون ذلك بقصد التهوين من حسنات الآخرين.

ثانيا إن فضل الشعوب الأردنية واللبنانية في استضافة اللاجئين السوريين غير قابل للإنكار، لكنه يظل كرما شعبيا عفويا، وإن كانت هناك تسهيلات من الحكومات فهي تأتي في إطار الإجراءات التي يمليها ضغط المرحلة وهي تسهيلات مقدرة، لكن في أوروبا فنحن نتحدث عن منظومة متكاملة أنضجتها التجربة التاريخية، تبدأ من قيم المجتمع وتنتهي بقوانين ملزمة للسلطات التنفيذية تعطي أي إنسان مضطهد في العالم الحق في اللجوء والإقامة الكريمة ومنافسة أهل البلد الأصليين في وظائفهم وجامعاتهم ومراكزهم بل والتفوق عليهم.

إن هذه القيم ينبغي أن تكون موضع إشادة وتقدير وغبطة وأن نعترف لأوروبا بالسبق فيها وأن نتواضع أمامهم ونتتلمذ على أيديهم إن أردنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه ثم نتجاوزه، هذا هو الوجه المشرق لأوروبا، أوروبا ليست تاريخا استعماريا وساسة رسميين وحسب، بل أوروبا هي المكان الذي نضجت فيه التجربة البشرية حول ضرورة احترام حقوق الناس وتوفير الملاذ الآمن للمضطهدين والخائفين بغض النظر عن أديانهم وأجناسهم.. 

كما أن من أعداء المعيار المنصف افتراض الظنون غير المستندة إلى دليل علمي في محاولة لنفي أي قيمة إيجابية غربية، وتحميل ما يبدو إيجابيا على محامل أخرى تفترض المؤامرة وخبث النية، لا يهم أن تفترض أن الغرب يقصد من استقبال اللاجئين الاستفادة من العقول العربية الجبارة ومعالجة مشكلة مزعومة بنقص الكثافة السكانية، أو أن تفترض أنه يريد تنصير هؤلاء اللاجئين عبر توجيههم إلى الكنائس مع أن الغرب ذاته لم يعد مسيحيا فقد طلق الكنيسة ثلاثا ولم تعد تهمه الهوية الدينية كثيرا، أو أن تفترض أنها مؤامرة لتفريغ سوريا من شعبها وإبقائها لبشار الأسد، حتى وإن كلفهم الأمر أن يدفعوا للاجئين معاشات وتأمينات اجتماعية ويؤمنوا لهم سكنا من ضرائب مواطنيهم، لا يهم أن تفترض أي افتراض فليس ثمة من يطالبك بالدليل والإثبات، المهم أن تخلص النتيجة النهائية إلى أن الأخلاق والإنسانية إنتاج حصري للمسلمين ليس لغيرهم منها نصيب، وأن كل الأمم الأخرى متآمرون وشريرون ليسوا على شيء.. 

شيوع هذا النمط من التفسيرات غير المستندة لأي منطق ولأي منهجية علمية يكشف عن انعدام الرؤية في فهمنا للعالم المحيط بنا، فنلقي الأحكام جزافا، ولو اجتمع وزراء الخارجية الأوروبيون وقرروا بشكل قاطع منع اللاجئين من دخول ديارهم لوجدت ذات الذين يشككون في دوافع السماح بالهجرة اليوم يقولون انظروا أين ديمقراطيتهم، إنهم لا يحترمون حقوق الإنسان، وهو ما يعني أن الحكم موجود مسبقا، وسواء فعل الغرب الشيء أو عكسه فهو مدان في جميع الأحوال. هذا التناقض في الحكم على الأشياء يذكر بتناقض الذين قال القرآن فيهم: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"، إذ بنفس منطق الآية: ولو منعوا الهجرة لقالوا لولا سمحوا بها، أمؤامرة أم ليست بمؤامرة!

من مخالفات المعيار المنصف أيضا أن نحمل الدول الأوروبية مسئولية إسقاط بشار الأسد دون مراعاة حدود قدراتها، ودون اعتراف بمسئولية العرب أولا عن هذه المهمة. لست خبيرا في السياسة الدولية لكني أرى خطا عاما يقول إن من يملك موازين القوى الفاعلة في الساحة الدولية هما أمريكا وروسيا لا أوروبا، وحين ثارت الشعوب العربية على حكامها فهي لم تكن تراهن على تدخل خارجي لإسقاط هؤلاء الحكام، بل كانوا يراهنون على قوتهم الشعبية الذاتية، فهل يعقل أن نحمل العالم مسئولية عجزنا وفشلنا العربي! حين أسمع من يقول لماذا لا تسقط أوروبا بشار الأسد أقول له: أعطني آلية تنفيذية تستطيع أوروبا بها إسقاط نظام شرس تدعمه دول كبرى مثل إيران وروسيا وأمريكا أيضا بطريقة غير مباشرة.

لست منبهرا بأوروبا، ويمكنني إبداء كثير من الملاحظات عليها في مواطن أخرى، لكن ما أردت قوله هو أننا بحاجة إلى ميزان أخلاقي نحاكم العالم إليه، وألا نستصحب كل عقدنا التاريخية والاجتماعية ومشكلاتنا السياسية لنفي أي قيمة غربية إيجابية. من أراد أن يدين الغرب فليدنه في مواضع الإدانة، أما حين نرى منهم احتراما لحق الإنسان في اللجوء والأمن وصيانة حريته وكرامته فهنا لا يسعنا إلا أن نعترف لهم بالفضل ونقدر حسن صنيعهم، وقد أمرنا القرآن بالعدل حتى مع أعدائنا: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

 مع (صحيفة عربي 21 )

 

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

المرجعية الإسلامية والإرث الإنساني

احمد ابو رتيمة

 

تحاورت ذات مرة مع صديق حول الرفاهية التي تعيشها بعض القيادات الإسلامية والتي لا تتناسب مع مستوى الفقر والبطالة الذي تعاني منه نسبة كبيرة من أفراد الشعب، فأجابني بأن هذه الرفاهية من حر مال أصحابها، وبأن الله تعالى لم يحرم الملكية الخاصة، وأنه ما من بأس بأن يبني الغني برجا مشيدا من مائة طابق بجوار مقبرة ينام فيها فقير، لأن الله فضل بعض الناس على بعض في الرزق، وإلغاء الطبقات فكرة اشتراكية لا علاقة للنظام الاقتصادي الإسلامي بها، فلا يجوز أن تحاكم الإسلاميين إلى معيار من خارج قناعاتهم.

هل حقا هناك نظام اقتصادي إسلامي مغلق، أم أن الإسلام هو العدل، وكل صيغة يبتدعها البشر تحقق عدلا أكثر هي أقرب إلى روح الدين، والقرآن يعطينا مبادئ عامة لتحقيق العدل مثل كسر احتكار الأغنياء للملكية: "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم"، وتحريم كنز الأموال دون عملية إنتاجية: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم". 

وإذا كان القرآن يطرح هذه المعاني الروحية فإن مهمة البشر أن يستلهموا روح العدل الكامنة في النصوص ويصوغوها في أفكار اجتماعية وقوالب قانونية عبر ابتكار النظم التي تمنع تغول الأغنياء وسيطرتهم على الثروات، فكل تجربة بشرية حققت تقدما في هذا الاتجاه كانت أقرب إلى روح الدين، وحين ننقد تجربة الاشتراكية مثلا فلأن بإمكاننا الإضافة إليها وتطويرها بعد تفكيكها بما يحقق عدلا أكثر وليس رفضا لمبدأ الاستفادة من الأفكار والمذاهب الإنسانية.

يفتح القرآن الآفاق واسعة أمام الإبداع الإنساني عبر دعوة البشر للبحث عما هو أهدى وأقرب رشدا: "قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين".

بالإضافة إلى الدلالة التعجيزية التي يتوقف عندها كثيرون في هذه الآية، فإنها تتضمن أيضا قيمة عملية، فلو افترضنا جدلا أنه قد جاء كتاب أهدى من القرآن فإن القرآن يأمرنا باتباع الكتاب الجديد، إن هذه الآية تحاكم القرآن إلى معيار من خارجه، وهو مدى قدرة أي كتاب على تحقيق عدل وهدى ورشد أكثر في حياة الناس، فإذا تجاوزنا حرفية الآية فإن الروح التي تنطوي عليها هي أن القرآن يدعونا إلى البحث المتجدد عن كل ما يحقق عدلا وصلاحا أكثر.

إذا كان القرآن بمعانيه الحرفية ومواضيعه المحددة يمثل أقصى العدل والهدى في ظروف تنزله التاريخية والاجتماعية، فإن الظروف التاريخية والاجتماعية التي تنزل القرآن لمعالجتها لم تكن هي الأفضل والأقرب إلى العدل عبر تاريخ الإنسان، لذلك إذا جاء زمان آخر وارتقى مستوى الوعي الجمعي وتراكمت التجربة البشرية بما يحقق مقدارا أكبر من العدل لم يكن الناس يعرفونه زمن تنزل القرآن فإننا هنا نحتاج مقاربة جديدة تخرج من الأحكام الفقهية التفصيلية وتستفيد من مراكمة التجربة البشرية وآفاق العدل الجديدة التي بلغها الإنسان لتوسيع إدراكنا لمعنى العدل قبل إسقاط المبادئ القرآنية الكلية على الواقع.

كان نظام الرق مستشريا زمن تنزل القرآن، وكان من المركزية في النظام الاجتماعي العالمي بما جعل إلغاءه مرة واحدة مستحيلا، لذلك لا نجد في القرآن الكريم نصا واضحا قطعيا يحرم الرق. صحيح أننا نجد أحكاما قرآنية تضيق مداخل الرق وتوسع مخارجه، لكن القرآن لم يسعه إلا التعامل مع هذا النظام حتى إننا نجد بعض تشبيهات القرآن متأثرة بذلك الواقع الاجتماعي: "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون"، وما أنهى نظام الرق هو التجربة البشرية ومراكمة الوعي وتطور الحضارة وليس نصوص القرآن.

عملا بمعيار "أهدى منهما أتبعه": هل الأهدى هو تحرير الرقيق كإحسان فردي مع بقاء النظام، أم إلغاء النظام جذريا من حياة البشر! هنا جاءنا ما هو أهدى ليس بكتاب جديد نزل من السماء بعد القرآن، بل بكتاب التاريخ الإنساني الذي يتوصل في عواقبه إلى الحق والعدل: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"، إذا فالقرآن أبقى الباب مفتوحا على مصراعيه للتفكير البشري حتى ليتجاوز الأحكام القرآنية ذاتها لما هو أهدى وأقرب رشدا.. 

في مثال آخر كانت الشعوب زمن تنزل القرآن تُحكم بالملك الفرد، ولم يكن الفكر الإنساني قد أنضج آليات الحكم الجماعي. صحيح أن القرآن في ذلك الوقت المبكر تضمن آية الشورى، لكن المناخ المعرفي والسياسي السائد أبقى الغلبة للحكم الفردي، ونشأ نزاع بين الفقهاء إن كانت الشورى معلمة أو ملزمة، وهو نزاع متأثر بالعصر أكثر من تأثره بفحوى النص، وحكم الخلفاء بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفق النظام السائد آنذاك، وكانت ضمانة العدل هي التقوى الفردية لشخص الخليفة، فإذا تقلب قلب الخليفة فإن الناس لم يكونوا يمتلكون من الآليات الدستورية والمعرفة السياسية ما يلزمون به الخليفة بالعدل، إن قصارى ما كان بمقدورهم فعله هو أن يناصحوا الخليفة ويعظوه، فإن لم يستمع لنصحهم كانوا يصبرون على ظلمه، فذلك أهون من فتنة الخروج عليه. 

الآن نضج الوعي السياسي وجاء كتاب التاريخ بما هو أهدى فصار الحاكم مجرد موظف في مؤسسة الحكم الجماعي محدد الصلاحيات يمكن أن يحاسَبَ وأن يُقال من قبل السلطات الأخرى، ولم يعد الآمر الناهي الذي لا معقب لحكمه، فهل يصح أن يأتي من يقول إن نظامنا السياسي الإسلامي قائم على حكم شخص الخليفة كما كان الحال عليه زمن عمر بن الخطاب، وإن ما يحدث في أنظمة سياسية أخرى في العالم من حولنا هي تجارب غير إسلامية لا شأن لنا بها!

إن فردية الحكم في عصر الإسلام الأول ليست سنة نستن بها، بل كانت نتاجا طبيعيا لمستوى الوعي في ذلك الزمان، أما ما هو جدير بالاستنان فهو عدل الخلفاء، وقد تحول العدل في هذا الزمان إلى آليات جماعية وقوانين ملزمة يحاسَب من يخرج عنها وإن كان الرجل الأول في الدولة، أليس هذا أهدى سبيلا وأولى بالاتباع من أن يبقى العدل رهينة لمزاج فرد واحد يمكن أن يتقلب حتى لو كان هذا الفرد عمر بن الخطاب!

ذات المعنى يقال في النظام الاقتصادي، فإذا كانت مشكلة الفجوة الطبقية غير ناضجة التصور في عقول البشر في الأزمنة الغابرة، وإذا كان البشر يتصورون أن أقصى معاني الإحسان هو أن يلقي الغني بفتات مائدته إلى الفقير دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي سمحت للغني بمراكمة ثروته وحرمت الفقير من الحد الأدنى من حياة كريمة، ثم نضجت المفاهيم الإنسانية فصاروا يرون في الفجوة الطبقية مؤشرا غير أخلاقي تعاب به المجتمعات ويناضل المناضلون في سبيل تقليصها ورفع الحد الأدنى لدخل الفقراء وإلزام الأغنياء بمسؤوليات اجتماعية فرضا بالقانون، فإن الجدير بالمسلمين في هذه الحالة أن يكونوا أول من يساهم في انتصار هذه القضية أخلاقيا مهتدين بالمبادئ القرآنية العامة مثل تحريم الاكتناز والحث على تدويل الأموال بين الأغنياء والفقراء، لا أن يستندوا إلى نصوص منزوعة من سياقاتها أو إلى صيغ تاريخية لوقف التقدم البشري وتبرير واقع الفساد بغطاء شرعي.

الاقتصار على النصوص وحدها دون دراسة الأنظمة البشرية التي قطعت شوطا في اتجاه تقريب الناس من العدل ينتج فسادا مغلفا بغلاف ديني، والفساد ليس مقتصرا على السرقة الفجة، بل إن كثيرا من الأساليب التي يعتمد عليها الأغنياء في تضخيم ثرواتهم هي أساليب لا تمثل مخالفة قانونية ظاهرة ولكنها تستفيد من البيئة الاجتماعية ومن العلاقات العامة والاحتكار والاستغلال والتخلي عن المسئوليات الاجتماعية. 

وأيا كانت التبريرات فإن الفطرة الإنسانية السوية تشمئز من مشهد فقير متسول لا يجد بيتا ينام فيه بجوار برج عاجي يسكنه ثري مهما سيقت تبريرات بأن هذا الغني قد بنى برجه من حر ماله وبذكائه الخارق وجهده الذاتي بينما ذلك الفقير قد صار فقيرا بكسله.

إن حكم الفطرة والصورة النهائية أصدق من كل التبريرات النظرية، وليس صحيحا أن الغني صار غنيا بجهده وحسب وأن الفقير قرر بمحض إرادته ألا يجد خبزا ومبيتا لنفسه ولأولاده بل هي سلسلة طويلة من اختلال الفرص واعوجاج المعايير الاجتماعية والفساد غير المعلن هي التي أنتجت الصورة النهائية البشعة.. 

لقد أدى اقتصار كثير من الإسلاميين على استلهام نماذج تاريخية دون تفكيك الواقع المعاصر واستيعاب آخر ما توصل إليه البشر من حكمة وهداية إلى تحالف بعض القيادات الإسلامية مع الطبقة الرأسمالية وانخراطهم في أنشطة تجارية تغيب عنها الرقابة والشفافية ويتم فيها استغلال مواقع المسئولية حتى لو كان استغلالا معنويا في تعزيز فرص الأرباح، مما أدى إلى تكون طبقة من الرأسماليين داخل الحركات الإسلامية. 

لكن الأخطر أن هذا الانحراف الخطير يغلف دينيا، فبعد بناء البرج يكتب على واجهته: "هذا من فضل ربي"، ويكتب عليه أيضا: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، وإن حدثت صاحبه عن التفاوت المختل بين مستواه ومستوى الفقراء المعدومين الذين لا يجدون طعاما ولا مأوى قال لك قاطعا الطريق أمام أي نقاش: " ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ" مع أن الآية تتحدث فقط عن تفاوت طبيعي داخل المجتمعات، ولا يوجد ما يمنع من سعي البشر إلى تقليص الفجوات وتعزيز مساواة الفرص وحسن توزيع الثروات فيظل التفاوت الطبيعي موجودا لكن بحد أدنى أكثر أخلاقية وعدلا.. 

الانفصال عن الواقع والاكتفاء بالنصوص وبتطبيقاتها التاريخية يحرم أصحابه من أداء رسالة الشهادة على العصر، وفي الوقت الذي يشغل أقوام أنفسهم بالبحث في بطون الكتب عن شواهد انتقائية تمنح الشرعية لحياة البذخ واختلال العدالة التي تهواها أنفسهم فإننا نجد بلادا غير إسلامية تقدم أروع نماذج النزاهة والشفافية والعدالة دون نصوص ولا فقهاء.

 

 

العامل الذاتي في

هلاك الأمم وفناء الحضارات

احمد ابو رتيمة

 

يفرد القرآن مساحة واسعة لقصص الذين خلوا من قبلنا ولتذكيرنا بتدبر عاقبة أمرهم وتحذيرنا من اتباع سننهم: 

"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"، "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ"، "وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ"، "وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ"، "وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، "كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ"، "كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا"، "فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ"، "وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ"، "وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وبالليل أفلا تعقلون"، "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ منْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ".

تأتي قيمة هذا الحضور القوي لمشاهد الأمم الغابرة في تنبيهنا على وحدة القانون التاريخي، فالقرآن لم يكن ليذكر لنا قصصهم إلا لما تحتويه من عبرة، والعبرة تعني أن هناك قابليات نفسية مشتركة بيننا وبين تلك الأمم السابقة، فالأمراض التي وقعوا فيها كامنة فينا نحن أيضا، فيمكن من حيث المبدأ أن نكرر ذات الأخطاء فنلقى ذات المصير، ومن هنا فقط تأتي قيمة التحذير والإلحاح علينا في القرآن بتدبر عاقبة أمرهم ودراسة سننهم.

لا يمل القرآن وهو يعقب على قصص الأمم بتذكيرنا بوحدة القانون التاريخي: "كذلك قال الذين من قبلهم"، "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً"، "وما هي من الظالمين ببعيد"، "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، "أكفاركم خير من أولئكم"، "تشابهت قلوبهم"، وهكذا فإن التاريخ يخضع لقوانين تشبه قوانين الكيمياء والأحياء، فتوفُّر ذات المقدمات بين مثالين يقود إلى ذات النتائج "العواقب" بشكل حتمي لا يعرف التبدل ولا التحول، فلا مكان للصدفة والعشوائية والاستثنائية والمحاباة الخاصة في سنن التاريخ.

ربما أبرز ما يتميز به الطرح القرآني في التعامل مع التاريخ هو أن القرآن يبرز المسئولية الذاتية للأمم عن مصائرها، فالأمم وفق التصور القرآني لا تهلك بسبب قسوة ظروف الطبيعة ولا بسبب غزو عدو خارجي، إنما بفعل التحلل الذاتي نتيجة انتشار أمراض الظلم والإفساد والترف والبطر والاستكبار وطمس القلوب والعقول، هذا التفسير مريح للنفس لأنه يحررها من الشعور بالعبثية واللا معنى تجاه الأحداث المفاجئة، ويجعلها قادرة على فهم خط ناظم يحكم الأحداث، كما أن هذا التفسير يمنح أصحابه قوة لأن فهم القوانين الحاكمة للتاريخ يعطي الأمم سلطانا بالإمساك بزمام الأمور وتعديل مصائرها بالمراجعة الذاتية كما حدث مع قوم يونس الذين آمنوا "فمتعناهم حتى حين"، و هذا التفسير يخلق أيضاً في الأمم الجدية ويعلي من رقابتها الأخلاقية لأنها تعلم أنها تؤتى من الداخل لا من الخارج، وأن أي تجاوز أخلاقي فإنما هو بذرة تؤسس لهلاكها، وأن مسألة بقائها أو فنائها ليست مرتهنةً بالمعادلة الدولية أو التحالفات الخارجية بقدر ما هي مرتهنة بقوة المناعة الداخلية وشعور أهلها بالعدل والمساواة والأمن.

في سورة سبأ التي تحمل اسم حضارة اليمن هناك إبراز واضح لمسئولية الأمم الذاتية عن مصائرها، فهذه القصة تظهر التحول من حالة الرغد والأمن إلى حالة الفقر والتمزق بسبب ما أحدثوه في أنفسهم وفق القانون الاجتماعي: "ذلك أن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

يقول الله تعالى:
" لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ () فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ () ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ() وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ() فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ()".

دعونا نصوغ مراحل حضارة سبأ بطريقة رياضية لنستخلص قانونا تاريخيا عاما:

 الحالة الحضارية: الرخاء الاقتصادي وسهولة التواصل وأمان الطرق.
ثمن المحافظة على الحالة الحضارية وتنميتها: الشكر وما يقتضيه من إدراك النعمة والحرص على عدم إضاعتها.
التحول الحادث في النفوس: الإعراض وبطر النعمة وظلم النفس وتمني السيئة بالمباعدة بين الأسفار.
عاقبة التحول: الفقر والتفرق بعد الاجتماع وتمزق وحدتهم.

بهذه المعادلة الرياضية نستطيع أن نلقي إضاءة عامة على مجمل قصص الحضارات دون إسقاط التفاصيل التاريخية والعوامل المتراكبة، لكن كل تفاصيل الأسماء والأحداث التي نقرأها في كتب التاريخ لا بد أن تقود في المشهد النهائي إلى خلاصة مبسطة تمثل قانوناً مطردا.

ما يذكره القرآن في قصص الأمم ليس عوامل غيبية غير قابلة لإخضاعها للتفكيك الاجتماعي والسنن المادية، بل هي قوانين علمية منطقية؛ مثلاً في المشهد الذي بين أيدينا فإن إعراض سبأ وكفرها ليس موقفا إيديولوجيا لا علاقة للغة العلم به، إنما يحمل أبعادا اجتماعيةً ونفسية مما يجعل العلاقة بين هذه الأمراض وبين نتائجها المتمثلة في فناء الحضارة علاقة علمية وليست مجرد إيمان غيبي.

الإعراض والكفر هو انتكاسة نفسية واجتماعية مناقضة للشكر، والإعراض شعور سلبي قوامه الجهل والغفلة والسخط والتذمر وفقدان الرضا والتوافق الداخلي، هذه الحالة السلبية حين تشيع بين الناس في مجتمع من المجتمعات فإنه يصير عاجزاً عن المحافظة على قوته الدافعة الإيجابية فتتراجع قدرته على المحافظة على إنجازات الحضارة وتنميتها فتنقلب أحواله من الرغد الاقتصادي إلى الفقر، وشيوع مشاعر التذمر والسخط ستمس حتماً بوحدة النسيج الاجتماعي فتمزقه كل ممزق، في المقابل فإن الشكر هو حالة إيجابية تغمر النفس فتفيض على أصحابها قوةً روحيةً ونشاطاً إيجابياً ورغبةً في العمل والتنمية، والإنسان الشكور هو إنسان متوافق مع ذاته، وبالتالي فهو متوافق مع المجتمع مما يشكل النواة الأقوى لمجتمع متماسك.

إذاً حين يطالب الله الأمم بالشكر ليزيدها من نعمه ولئلا يغير ما أنعم عليهم فهو لا يطلب شيئا لنفسه إنما ينبهنا لقوانين الحياة: "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه"، فالشكر يعني اكتساب قوة روحية ونشاط إيجابي يكون دافعاً للعمل والإنجاز، الشكر قوة والكفر ارتكاسة ومقت تضر بصاحبها وحده: "إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم".

أما دعاء قوم سبأ أن يباعد الله بين أسفارهم فهو وإن بدا للوهلة الأولى غير مفهوم إلا أنه طبيعي في حالة ارتكاس الإنسان، وأمثلته في القرآن حاضرة مثل طلب بني إسرائيل من موسى أن يخرج لهم من الأرض من عدسها وبصلها وفومها وقثائها بديلاً عن المن والسلوى، ومثل قوله: "ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير"، هذه الحالة تعني السأم من أوضاع الراحة ومبادرة الإنسان باستجلاب الشقاء لنفسه، وهذا ما يمثل النزعة الانتحارية أو إرادة الموت في داخل النفس البشرية: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً".. سأم الإنسان من أحوال الراحة يبرز مسئوليته الذاتية عن مصيره، إن الإنسان في تحد ليس مع الظروف الخارجية وحدها، بل الأهم من ذلك هو في تحد مع قوى الموت والضمور التي تدعوه من داخله لتقتل فيه إرادة الحياة وبهجتها، ويقاس نجاح الإنسان بمدى انتصار إرادة الحياة في داخله على إرادة الموت، وهو ما يساعده الإيمان في تحقيقه، فالإيمان نظرة إيجابية للحياة لا تعرف اليأس ولا القنوط ولا الملل، إنما تعرف الشكر والرضا والعمل.

لكن في محاولة إسقاط الأمثلة القرآنية على واقع اليوم سيبرز أمامنا سؤال عن مدى ملائمة هذه الأمثلة لعصر العلم والتجربة، فإذا كان القرآن يخبرنا عن إرسال سيل العرم على سبأ وعن إهلاك الأقوام السابقة بالريح والصيحة والخسف والإغراق فهل ننتظر أن يهلك الله الأمم والحكام الظالمين اليوم بإحدى هذه الوسائل، وما نصيب هذا الكلام من الواقعية والعلمية؟!

والجواب أني أبرزت في شرح مثال قوم سبأ جانباً من المضامين العلمية التي تظهر علاقة عضوية قابلة للقيام بين المقدمات والنتائج ، والقرآن عموما في ذكره لقصص الأقوام السابقة يركز على القانون التجريدي أكثر من تركيزه على التفاصيل الظرفية، وهو ما يتضح في الآيات الكثيرة التي صدرت بها المقال بأن علة الهلاك الرئيسة هي الظلم بغض النظر عن كيفية هذا الهلاك، أما التدخل الإلهي المباشر في إهلاك الأقوام الظالمة فقد كان معهوداً في مراحل الطفولة البشرية قبل أن يرى الإنسان من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ما يعطيه سلطاناً للفهم والعمل والتغيير بيده، وهو التحول الذي انطوت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إذ إن انتصاره على قومه المكذبين لم يكن بالمعجزات بل وفق سنن التدافع الاجتماعي الطبيعي والتحول التدريجي: "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضهم"، "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، هنا تشير الآيات بوضوح إلى أن الله لا يريد التدخل في التدافع بين الناس بمعجزات، بل يترك العمل لعباده، وفي النهاية ستنتصر سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول عبر الزمان، وإذا كان هلاك الظالمين في العصور الخالية عبر إرسال سيل العرم آيةً فقد نسخها الله بآية خير منها وهي هلاك الظالمين عبر التحلل الذاتي والتفكك الاجتماعي، فهذه آية أعظم على دقة وعدالة الناموس الضابط لهذا الكون: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

إن علة هلاك الظالمين ذاتية، فالظلم بطبيعته يقود إلى تفكك النسيج المجتمعي وإلى مراكمة مشاعر الكراهية والعداء وإلى فقدان الأمن والطمأنينة، وكما أن فقه هذا المنهج القرآني يضفي علينا سكينةً ويقيناً بحتمية انكسار قوى الظلم والاستبداد فإنه في المقابل ينبغي أن يعلي من حذرنا كيلا لا نتبع سنن الذين خلوا من قبلنا فنقع في ذات أمراضهم من ظلم وترف وبطر معيشة وكفر نعمة فيصيبنا مثلما أصابهم.

"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

 

 

 

جدلية السياسة والثقافة

 

أحمد أبو رتيمة

 

هل الظروف السياسية هي التي تشكل ثقافة المجتمع، أم أن الحالة السياسية ليست سوى إفراز طبيعي للثقافة الحاكمة في المجتمع؟

هل إسرائيل هي سبب مشكلاتنا الداخلية؟ أم أن انهيار جهاز المناعة العربي الداخلي هو الذي أتى بإسرائيل إلى بلادنا؟

العامل الداخلي هو أساس تفسير الظواهر الإنسانية، ذلك أن الله تعالى منح الإنسان قوةً حتى لا يكون لأحد سلطان عليه إلا إذا تخلى هو ذاته عن قوته وقبل باستعباد الآخرين له، إن أحداً لا يستطيع امتطاء ظهرك إلا إذا وجده محنياً يقول مارتن لوثر كينغ، والقرآن يعمق هذا المفهوم فيبرز دائماً دور العامل الداخلي فيما يصيب الجماعات البشرية من انتكاسات، ففي غزوة أحد يحيل سبب مصاب المسلمين إلى أنفسهم: "قل هو من عند أنفسكم"، حتى الشيطان رمز الشر في الوجود لا يستطيع أن يضل أحداً إلا إذا كانت فيه القابلية الداخلية للغواية: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي"، "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"، وهذا مقتضى العدل الإلهي ألا يعاقب الناس بعدو خارجي إلا إذا أحدثوا خللاً داخلياً: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون".

هذه ليست مجرد معان دينية غيبية، بل هي تلخيص للقوانين التي تحكم حركة النفس والمجتمع والحضارة والتاريخ، فالشيطان رمز للشر والتآمر الخارجي، لكن مخططاته لا تنجح إلا حين يكون هناك تجاوب داخلي معها وقابلية لاحتضانها، إن المجتمعات المحصنة تبطل كل المؤامرات الخارجية، ذلك أن ارتفاع مستوى الشفافية الأخلاقية والوعي السياسي داخل المجتمع يحصن المجتمع ضد أي اختراق ويعزل أي مخطط غريب ويحرمه من الغطاء الذي يبحث عنه. 

المؤامرات الخارجية موجودة، لكن العنصر الحاسم في إنجاحها أو إفشالها هو الموقف الداخلي منها: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً"، والتقوى يشمل معناها فيما يشمل الحذر واتخاذ الأساليب السياسية الفاعلة لإفشال المخططات المضادة.

تصوروا مثلاً أن يخطط الموساد لتفجير الأوضاع الداخلية في دولة مثل السويد هل سينجح في ذلك؟ ربما ينجح في شراء ضمائر بعض المواطنين السويديين ويوعز إليهم مهمات تخريبيةً، لكن حتى لو نفذوا هذه الأفعال التخريبية فستظل مساحة تحركهم محدودةً بسبب الوعي الوطني الذي يعزلهم ويجعل أي أفعال لهم تبدو غريبةً مستنكرةً، لكن لن تنجر البلاد إلى انفجار شامل إلا في حال وجود بذور كامنة في المجتمع تنتظر الظروف الملائمة.

المؤامرة الخارجية لا تصنع الانقسام الداخلي، لكنها تكشف الاستعداد الكامن له وتجلي ما في النفوس ليخرج إلى العلن.

إن الدماء والحروب والانقسام والكراهية التي تتجلى اليوم في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها ليست سوى إعلان رسمي عما كان مختبئاً تحت السطح طوال العقود الماضية، لا نبرئ التدخلات الخارجية ولا نستبعدها لكنهم يستفيدون من قابليتنا ويستثمرون في أوضاعنا الداخلية الهشة، إن إسرائيل ذاتها لم تكن لتقوم لولا أنها جاءت في ظل أوضاع عربية متردية فاستثمرتها في إقامة دولتها، وإلا كيف استطاعت دولة صغيرة غريبة أن تصمد لأكثر من ستين عاماً وسط بحر من الأعداء! 

حين دعوت إلى تعزيز ثقافة الحوار واحترام التعدد الفكري والسياسي ونشر مفاهيم الشراكة والتعايش بدل الإقصاء من أجل توفير بيئة اجتماعية صحيحة تتصدى للممارسات القمعية للأجهزة الأمنية في الساحة الفلسطينية قال فريق من الناس إن هذا تسطيح للمشكلة لأن هذه الأجهزة ذات ارتباطات خارجية، وإن المشكلة ليست مجرد حب وتفاهم بين الناس، وأنا أعترف أنها حجة منطقية، وأن الواقع السياسي معقد ومتداخل العوامل المؤثرة فيه ، لكن السياسة ليست سوى إفراز للمجتمع، وحين تتعزز في نفوس القطاع الشعبي الأكبر قناعة بأن الآخر هو شريك وطني وأن محاربة إنسان من أجل رأيه جريمة أخلاقية فلن تستطيع أي قوة سياسية مهما كانت ارتباطاتها الخارجية أن تتجاوز هذا الوعي المجتمعي، وستضطر لمسايرة المجتمع حتى لو بهدف منافقته، لأن الجاسوس ذاته لا يستطيع أن يعمل إلا في بيئة مجتمعية مساعدة، وحين تجفف المستنقع فلن يجد البعوض ما يتغذى به.

إذا كان عنصر الأمن يمارس قمعه بقرار سياسي فوقي، فإن البيئة الثقافية التي يأتي منها ودائرة العائلة والأصدقاء له تتفهم فعله مما يعني أن هذا الجندي لا يستطيع ممارسة دوره إلا بمظلة اجتماعية، ماذا لو نبذته العائلة والمجتمع هل سيظل قادراً على ممارسة ذات الدور بنفس الأريحية؟
تتجلى جدلية الثقافي والسياسي في ظاهرة الارتباط بالاحتلال، فالاحتلال يوظف إمكانياته الأمنية والسياسية والمالية في توريط ضعاف النفوس وابتزازهم للعمل معه، لكن لا يمكن إسقاط اعتبار الواقع الاجتماعي من العوامل المؤثرة في اتخاذ العميل قرار الارتباط بالاحتلال، فالأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها المجتمع ممزوجةً بمشاعر الإحباط واليأس دافع رئيس للتورط في مستنقع العمالة، وهذه الأوضاع بدورها نتيجة لاختلال العدالة الاجتماعية ولفساد الإدارة، والناس تتحمل حياة الفقر والكفاف بشرط أن يتساوى الجميع في تقاسمها، لكن حين تزداد الفجوة الطبقية داخل المجتمع فتتنعم طبقة بالرفاهية على حساب أكثرية تعاني من الحرمان والقهر فإن كثيرين من أبناء الطبقة المسحوقة سيشعرون بالظلم وسينظرون إلى الوطن بأنه شركة خاصة ينعم بامتيازاتها علية القوم وليس لهم فيه مكان محترم وسيتأثر شعورهم الوطني سلباً مما يمثل بيئةً ملائمةً للعدو يستغل فيها هذه المشاعر السلبية ويوجهها لتحقيق أهدافه الخبيثة.

إن الاكتفاء بتحليل الأحداث السياسية دون نفاذ عميق إلى المكونات المجتمعية والثقافية التي تحتضن المستوى السياسي وتفرز مواقفه، يشبه أمر الطبيب الذي يكتفي بإعطاء الكمادات لتخفيض الحرارة دون أن يعطي دواءً لقتل الفيروس الذي ينشط في الخفاء.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

 

نظام العسكرية..من أسوأ ما اخترع الإنسان

 

أحمد ابو رتيمة

 

نظام العسكرية يعني ألا تكون إنسانا، أن تكون بلا إرادة بلا قرار بلا كرامة، أن تتحول إلى آلة صماء وظيفتها الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر، أن تمنح حريتك للقائد يتصرف فيها كما يشاء، في العسكرية يتساوى أن تقتل مسالما ذا رأي أو أن تقتل معتديا غازيا؛ لأنك في جميع الأحوال ممنوع أن تتساءل عن حكمة أوامر القائد، إنما نفذ فقط ولا تناقش.

يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "من أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية نظام الجندية الجبرية العمومية، حتى ربما يصح أن يقال إن مخترع هذه الجندية لو كان هو الشيطان فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم، الجندية تفسد أخلاق الأمة فتعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم". 

برر الإنسان اختراع نظام الجندية بالحاجة إلى وجود جيش قوي يحمي البلاد ويتصدى لأعداء الوطن، فلا بد داخل هذا الجيش من وحدة الكلمة وضبط الصف، لكن الدواء إذا أفرط في استعماله ربما قتل المريض، وهذا ما يحدث مع نظام الجندية الذي يفترض أنه مفيد في معالجة حالات استثنائية أوقات الحروب والأخطار لا تمثل أصل العلاقات الإنسانية، لكن هذه المعاني تطرفت، فتضخم نظام الجندية ليتفشى في مفاصل الحياة كلها، وليصبح أصل العلاقة بين الحاكم والمحكوم الانضباط والطاعة العمياء وتجريم حرية الرأي، والحجة حاضرة دائما بسحق أعداء الوطن وحماية مصالحه العليا.

من الصعب على من يتربى في الأجواء العسكرية أن يكون قادرا على إدارة حياة طبيعية قوامها الحوار والتفاهم؛ لأن الشخصية وحدة واحدة، فلا يستطيع صاحبها الفصل بين علاقته بجنوده في معسكر التدريب أو علاقته بأبنائه في البيت، كلها علاقات قائمة على صرامة الأوامر ووحدانية الرأي.

الشخصية العسكرية بطبيعتها غير مؤهلة لقيادة الحياة المدنية، فالأخيرة تقتضي سعة الصدر وحق الفهم والتساؤل وثقافة الحوار وقبول الآراء الأخرى والتداول السلمي للسلطة والمراجعة والمحاسبة، وكل هذه المعاني غير حاضرة في المؤسسة العسكرية، لذلك في المجتمعات الراشدة تكون المؤسسة العسكرية مقودة لا قائدة، منفذة لا مقررة، لا تتجاوز سقفها ولا تتغول خارج جدرانها، وهي خاضعة للرقابة والتدقيق، إن الفرق بين أن يحكم العسكر أو أن يحكم الشعب هو تماما مثل أن يحكم الديناصور بعضلاته أو أن يحكم الإنسان بعقله.

تدفع الشعوب أثمانا باهظة بتضخم مؤسسة الجيش وتحولها إلى صنم كبير تقدم على مذبحه قرابين خيرات البلاد لتسليحه ونفقاته، وفي ظل تخصيص النفقات الهائلة لميزانية الجيش من جهة وتقديس هذا الجيش من جهة أخرى، كونه حامي حمى الديار، وابتعاده عن آليات المحاسبة الشعبية، وانعزاله على نفسه يصبح من الصعب منع تكون طبقة من المتنفذين أصحاب المصالح التجارية داخل مؤسسة الجيش، ويتضخم نفوذ هذه الطبقة ليغزو الوطن كله وتتحكم في مفاصله، كل هذا يتم وسط غياب الرقابة والمساءلة، فمن ذا الذي يجرؤ على التشكيك في وطنية الجيش الذي يعد العدة لسحق أعداء الوطن إلا خائن مأجور!  

فكرة الصنم تتلخص في توقف وظيفة الفكرة التي كانت مبرر وجودها وبقاء صورتها، وهذا ما يحدث مع نظام العسكرية؛ إذ إن الحروب بين الجيوش النظامية في تراجع من العالم مع إفساح المجال للحروب غير المباشرة والمواجهات الاقتصادية والسياسية، ورغم ما يقتضيه هذا من تخفيض حجم الجيش، إلا أن المؤسسة العسكرية لا تزال تحافظ على كيان متضخم وتستنزف ميزانيات الشعوب فيما لو وجه إلى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكان خيرا وأفضل، لكن الطبقة المتنفذة داخل الجيش تقاتل في سبيل المحافظة على مصالحها الشخصية وامتيازاتها وترفض أي تقليص لحجم نفوذها أو احتواء يخضعها لسلطان المساءلة الشعبية.

لقد تحول الجيش إلى صنم كبير تقدم إليه قرابين الأموال والطاعة، ويمنع قيام حياة تعددية مدنية طبيعية، رغم أن العائد من وجوده محدود فجوهر الصراعات الإنسانية لم يعد عسكريا، بل صار من الممكن الانتصار، وتبوأ موقعا محترما بين الأمم بوسائل القوة الناعمة متمثلة في الثقافة والاقتصاد والسياسة.

عدم أهلية الشخصية العسكرية لقيادة الحياة المدنية لا يلغيه بطولة الجيش وانتصاراته، إن مهارة الطبيب في جراحته لا يعطيه الحق في وضع مخطط هندسي لإنشاء مدينة، من أكبر مشكلات مجتمعاتنا العربية الخلط بين التضحية والكفاءة، ما يجعل من بلادنا بلاد الأصنام بجدارة، فيكفي أن تسجل لأحدهم بطولة حربية حتى نعطيه صلاحية مطلقة، ليفعل ما يشاء ونرفعه عن المساءلة والمحاسبة، فإذا انتقده أحد هاجمناه بالقول: من أنت حتى تزاود على أصحاب البطولة والشرف! إنك لم تفعل مثلهم فلا يحق لك الحديث عنهم! 

البطولة تعني البطولة وحسب، ولا تعني كفاءة الإدارة وعصمة آراء صاحبها وقراراته، لذلك فإن إثبات الجدارة في المواجهة العسكرية لا يمنح صاحبه تفويضا مفتوحا للتحكم في الشعب بعد ذلك واستعباده، لقد تفطن الشعب الإنجليزي لهذه الحكمة حين عزل ونسون تشرشل وهو في أوج انتصاراته، لأن الناس قد علموا أن انتصاره في زمن الحرب لا يقتضي كفاءته في زمن السلم بالضرورة.

من الضروري قصقصة أجنحة العسكر وضمان عدم تجاوزه لوظيفته المحددة في قتال العدو الخارجي، لأن العسكري إذا انتهى من حرب الأعداء الخارجيين وجد في صدره فراغا فسعى لإشغاله بمعارك داخلية، إن العسكري يريد أن ينتصر دائما، ومفهوم الانتصار في عقله لا يكون إلا بسحق العدو، فإن لم يكن العدو موجودا سعى لخلقه ليشعر بنشوة سحقه كما في فيلم البريء المصري الذي يغسل فيه القائد أدمغة جنوده بمحاربة أعداء الوطن، بينما لا يوجد أعداء سوى مجموعة من المعتقلين أصحاب الرأي والفكر. 

لقد كادت الشعوب العربية ذات يوم قريب أن تسجد لمقاتلي منظمة حزب الله انبهارا ببطولاتهم وانتصاراتهم على إسرائيل، لكن لما وضعت الحرب مع إسرائيل أوزارها رأينا ذات المقاتلين الأبطال يقتلون ويفسدون في حرب طائفية منتنة، لقد انتابت الحيرة كثيرين منا للوهلة الأولى وكذبنا الأخبار، إذ كيف يعقل أن ذلك المقاتل البطل الذي أرغم أنف إسرائيل في التراب هو ذاته الذي يقاتل اليوم إلى جوار نظام مجرم مستبد بحق شعبه! لكن الغرابة تزول إذا عرفنا أن العقلية العسكرية واحدة لا تتجزأ، وأن البطولة لا تعني أكثر من البطولة، وقد كانت كراهيتنا لإسرائيل حجابا لنا عن رؤية الحقيقة كاملة، فلما حيدت إسرائيل رأينا المرض بكل تجلياته.

مشكلة حزب الله ذاتها تنطبق على الجماعات المسلحة عموما، لذلك فإن التحدي الحقيقي في سوريا ليس في انتصار المعارضة المسلحة على بشار، بل في مدى قدرتها على تأسيس حياة مدنية تصون الحريات وحقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الأسد، إن نظام العسكرية كله عبء على الإنسانية سواء تمثل في الجيوش الرسمية أو في الجماعات المسلحة، ومشكلتنا لا تحل باستبدال عسكر بعسكر، بل بتحرير الفكر الإنساني من هذه المنظومة بأسرها وتأسيس حياة يحكمها العقل لا العضلات، الحرية لا العبودية.

إن بقاء هيمنة المؤسسة العسكرية يعني أن عصر الإنسان لم يولد بعد، وأن رسالة الأنبياء، المتمثلة في أن يقوم الناس بالقسط، وأن يجتمعوا على كلمة سواء، دون إكراه واستعباد واتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، لا تزال في انتظار التحقيق.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

داعش والتفسيرالخاطئ لنصوص القرآن

أحمد أبو رتيمة

يدفع العالم عموماً والشرق الأوسط خصوصاً ثمناً باهظاً لانتشار الفكر المتطرف والذي تمثل أخيراً في ظهور تنظيم داعش الذي سجلت عليه انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان تمثلت في حوادث قطع الرءوس والذبح بالسكاكين وإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالنار، و تنطلق هذه المجموعة في أفعالها من فلسفة استحلال قتل كل من يختلف معها فكرياً وسياسياً واتهامه بأنه كافر أو مرتد.

لا يمكن إغفال البيئة السياسية والاقتصادية التي أنبتت هذا الفكر المتطرف، فقد كان انفجاراً عنيفاً لمشاعر القهر واليأس المتراكمة طوال العقود الماضية بفعل ممارسات الأنظمة الدكتاتورية التي تصادر حرية الرأي والتعبير وتجهض كل محاولة سلمية للإصلاح، لذلك فإن المشكلة في جوهرها سياسية، وحين تتعزز الديمقراطية والتنمية في المجتمعات فإن البيئة ستكون معقمةً ضد إنبات شجرة العنف الخبيثة.   

لكن تغليف داعش لممارساتها بثوب ديني وتبرير أفعالها بنصوص مقدسة لدى المسلمين يجعل الحاجة ملحةً لمواجهة الأسس الفلسفية والفكرية التي يقوم عليها هذا الفكر المتطرف والتي دفعت فريقاً من الناس للاعتقاد بأن المشكلة دينية.

في القرآن الكريم هناك آيات تدعو إلى القتال، لكن هذه الآيات تأتي في سياق محدد، وما يفعله الفكر المتطرف في التعامل مع هذه الآيات أنه ينزعها من سياقها الصحيح فتنتج نسخة شاذة من التدين العنيف. 

القرآن يؤكد أن طبيعة رسالته هي "رحمة للعالمين" فيقول في سورة 21 آية 107 : "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، ويؤكد أن العلاقة بين المؤمنين وبين الأمم المختلفة معهم دينياً هي علاقة سلام وبر: " (سورة 60 آية 8 )   "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ".

في ضوء هذه المبادئ العامة نفهم الآيات الأخرى التي تشرع القتال، فالقتال لا يكون ضد المختلف دينياً وفكرياً بل ضد من يعتدي ويبدأ بالقتال ويخرج الناس من ديارهم: " إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ" (سورة 60 آية 9).

القتال في القرآن هو ضد الظلم وليس ضد الكفر: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصير " (سورة 4 آية 75) .

يوضح السياق التاريخي لنزول أول آية تشرع القتال للمؤمنين أن القتال موجه ضد الظلم وليس ضد الكفر، لقد كانت أول آية تنزل على النبي محمد تتعلق بالقتال بعد تعرض المؤمنين للاضطهاد والتعذيب والطرد من موطنهم مكة: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" (سورة22 آية 39 )   .

كثيراً ما تستشهد الجماعات المتطرفة في تبرير قتلها العشوائي بآية: " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"  (سورة 9 آية 14) لكن لو رجعنا إلى الآية التي تسبق هذه الآية مباشرةً لفهمنا الظروف الخاصة التي شرعت فيها هذه الآية القتال: "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين."

( سورة9 آية 13 ) ، إن الآية تقول وهم بدءوكم أول مرة أي أنه لا يمكن تطبيقها إلا في ظروف قتال وحين يكون هناك علاقات سلام بين الناس فإن الشروط الأولية للقتال لا تكون متحققةً.

كل الآيات التي يذكر فيها القتال في القرآن تأتي في سياق تحرير المؤمنين من الخوف والتخاذل، أي أن القتال هو عكس التخاذل وليس عكس السلام، وبذلك تكون علة القتال في القرآن هو الشجاعة في حماية المبادئ وليس إشعال الحروب، على سبيل المثال هذه الآية: "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين." (سورة 3 آية 146 )  

 لذلك فإن مفهوم القتال يتحول إلى المعنى المجازي فيمكن أن نقول عن بطل إنه قاتل في سبيل الحرية رغم أنه لم يستعمل السلاح في حياته مطلقاً لكنه لم يضعف ولم يتراجع في تمسكه بمبادئه.

لقد وضع القرآن قاعدةً أساسيةً تضبط ممارسة القتال وهي ألا يكون إلا ضد المعتدين الذين يبدءون بالقتال: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (سورة 2 آية 190 ).

يبين القرآن أن المؤمن بطبيعته سلامي يكره الحرب والقتال: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم " (سورة 2 آية 216) وحين يكره الإنسان القتال فهذا يعني أنه لن يتوسع في ممارسته ولن يجد لذةً في القتل بل إنه سيمارسه في أضيق الحدود حين يكون مضطراً إليه للدفاع عن نفسه.

يمكن تسجيل مئات الشواهد التي تفند الأسس الفكرية التي تنطلق منها داعش في ممارساتها الإرهابية، لكن ما يساعد على انتشار تلك التفسيرات الخاطئة والمجتزأة للنصوص المقدسة هو بيئة الاستبداد والظلم والكراهية التي تنشأ فيها تلك الجماعات مما يجعل فريقاً من الشباب يميلون إلى التأويلات المتطرفة، لذلك فإن المدخل إلى حل مشكلة التطرف لا يكون إلا بمعالجة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر فتح أبواب الأمل للشباب في مستقبل أفضل واستعادة ثقتهم بإمكانية المساهمة في بناء أوطانهم بالطرق السلمية والتخلص من الأنظمة الاستبدادية التي تصادر حقهم في الحرية والكرامة.. 

مقالتي في موقع ريتيلونا الإيطالي..

المقالة هنا باللغة العربية

وفي الرابط باللغة الإنجليزية على الموقع الإيطالي:

 

http://italia.reteluna.it/it/isis-and-the-wrong-interpretation-of-quran-PtNc.html

 

 

الذين آمنوا

 بالسلاح وكفروا بالإنسان

احمد ابو رتيمة

 

"إن الإنسان بإقناعه يعطيك روحه وماله ولكن بإكراهه والتغلب عليه لا يعطيك إلا النفاق".

لطالما كرر هذه الكلمة داعية اللا عنف السوري جودت سعيد، لكن ما يظهر حتى الآن أن هذه الكلمة لم تصب أرضاً طيبةً تحتضن بذورها فتنبت شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء.

لا يزال الصوت الغالب فينا هو صوت القوة والسلاح، ولا يزال أكثر الناس من مختلف الطوائف والمذاهب يؤمنون أن ما لم يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة، وأنه لا مانع من أن يحل الدمار والخراب الشامل في سبيل أن تنتصب في المشهد الأخير فوق كل هذا الركام راية عصبية تحيي وهماً تاريخياً اندثر أصحابه تحت التراب ولم تعد قضيتهم تعني الأحياء في شيء..

يتساءل أولو الألباب وهم يرون مشاهد القتل والدماء والدمار المرعبة في وطننا العربي أي حماقة تلك التي تدفع دولاً محوريةً إلى النفخ الطائفي وإشعال الحرائق الذي لن يجلب على المنطقة إلا الدمار الشامل، ولن يكون مشعلو هذه الحرائق بمنأىً عن النيران التي يوقدونها بل ستلتهمهم في حرب جنونية لن تتوقف عند الحدود المرسومة لها.

هؤلاء الذين ينفقون مليارات لإيقاظ فتنة طائفية كانت نائمةً في بطون الكتب، ولإحياء أوهام امبراطورية ولدعم الانقلاب على إرادة الشعوب ويحملون في رقابهم أوزار مئات آلاف النفوس التي أزهقت لم يصنعوا شيئاً سوى تغذية بذور الكراهية وتعزيز الحواجز بينهم وبين الشعوب، ولن يمكنهم بعد الآن التعايش مع هذه الشعوب إلا في أجواء الخوف: "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين"، ذلك أنهم رهنوا بقاء سلطانهم إلى ما يمتلكونه من قوة وسلاح فسيظلون في رعب دائم من أن تدور عليهم الدوائر وتتغير موازين القوى و تميل الكفة لصالح هذه الشعوب ويؤتون من حيث لم يحتسبوا، ولن يسعهم بعد الآن توطيد سلطانهم واستقرارهم إلا بإبقاء هاجس الخوف مستيقظاً في نفوسهم وبإبقاء نزيف أموالهم مستمراً لتأمين مصالحهم ومحاربة الأخطار التي لن تنتهي لأنهم أقاموا مع الشعوب علاقة كراهية واستعداء، ولو أنها كانت علاقة حب وثقة لأمنوا جانب هذه الشعوب وما خافوا دولة الأيام.

لا أتحدث هنا بمنطق الأخلاق وحده، بل بمنطق المصلحة السياسية أيضاً، ماذا لو وجهت دول مثل إيران والسعودية تلك المليارات التي أنفقوها في تغذية الجماعات المتطرفة ودعم الانقلابات ومساندة الأنظمة المعزولة عن شعوبها وإحياء معارك التاريخ الغابرة التي حصدت مزيداً من النفوس وأهدرت الثروات وبددت الطاقات، ماذا عليهم بدل هذا لو أنهم دعموا إقامة دول مدنية تؤمن بحقوق الإنسان وكرامته وتستثمر في كسب قلوب الناس وعقولهم، وتمد جسور الثقة والحوار معهم، وتنشغل عن الحرب والتآمر بالتنمية الاقتصادية والعدالة والحرية، كم كانت منطقتنا ستربح عدلاً ورخاءً وسلاماً، وكم من الملايين كانوا سيدخلون بدافع الحب الذاتي في دين هذه الدول أفواجاً دون إكراه وحرب وسلاح!!    

 لكن صوت العقل لا يزال غائباً في بلادنا، فنظن أن الاستثمار لا يكون إلا في الدم والسلاح وحكم الشعوب بالإكراه، إننا لا نزال نقتل الأحياء من أجل إعادة إحياء الأموات، و لا نزال نشعل الحروب من أجل أوهام امبراطورية وخلافة وولاية فقيه، ولا نزال نقتل الإنسان قرباناً إلى أصنام سميناها نحن وآباؤنا ما أنزل الله بها من سلطان..

أتطلع إلي اليمن المفكك الحزين فيجول في خاطري ماذا لو استفادت إيران من ضعف الدولة المركزية في هذا البلد لكن بشكل أكثر إنسانيةً فدعمت الشعب اليمني ببناء المستشفيات والمدارس وأنشأت مراكز للحوار الثقافي فغزت القلوب بالحب واستعبدت الإنسان بالإحسان!

إن احتلال الشعوب بالحب والإقناع خير وأبقى من احتلالها بالقوة والإكراه، فالقوة تفنى وتزول لكن الحب يصنع لك مؤمنين جدداً فتصير قضيتك قضيتهم الذاتية التي ينافحون عنها منطلقين من إيمانهم بها دون انتظار تكليف أو تمويل من أحد فتزداد انتشاراً في الأرض وبتكلفة أقل ويكسب الجميع الأمن والسلام ولا يقتل أحد أحداً، إنها وصفة سهلة لقوم يعقلون.. 

يا حسرةً علينا كيف نفكر وكم نجني من شقاوات وعداوات بسوء تقديرنا..

إن المراهنة على السلاح ودعم الطغاة والانقلابات العسكرية تؤشر على أننا لم نؤمن بالإنسان بعد وأننا اتخذنا من القوة والسلاح إلهاً معبوداً من دون الله.. 

الذين لا يؤمنون بالإنسان لا يؤمنون بالله بالضرورة لأن الإيمان بالله يقتضي أن تؤمن بأن النفخة الإلهية في روح الإنسان هي التي تنتصر، وأن هذا الإنسان المكرم يحكم بالحب لا بالسلاح، وأنه لا سبيل إلى الشعوب بالقوة والإكراه: "لا إكراه في الدين"..

كل ما تدفعه الأمة اليوم من ثمن باهظ نتيجة طبيعية لكفرنا بالإنسان وإيماننا بالسلاح، ولن تعرف أوطاننا سلاماً ولا أمناً لأي فريق إلا حين نؤمن بالحب والحوار ونكفر بالمذهبيات والطوائف المقيتة ونتيقن أننا نسير في طريق مسدود لن يكون فيها إلا الارتطام بالجدار وتحطم الرءوس..

إن كان هناك من يظن أن هذا الكلام مثاليات حالمة فما عليه إلا أن يواصل تجريب طريق العنف والقوة ويرى بنفسه إلى أين سيقودنا..

 

المصدر موقع عربي 21 

 

المقال مرسل من قبل الكاتب لـ (البلاد)

 

 

العماية التاريخية

احمد ابو رتيمة

 

كم يشدني القرآن بعمق نفاذه إلى القوانين الاجتماعية وسبر أغوارها وكم نحن بائسون بالغفلة عن عمق المعاني القرآنية وهجرانه..

يتناول القرآن مرض العماية الاجتماعية التي تصيب الأقوام التي تعطل تجددها الروحي والفكري حتى إن هذه الأقوام تغفل عن النذر والآيات الصارخة التي تحذرها من العواقب الأليمة لمسارها الخاطئ وتواصل غفلتها وعمايتها حتى يبغتها العذاب فجأةً فلا يستطيعون ردها وإذا هم منها يركضون..

إن الأمم في حالة العماية لا تتفطن إلى العذاب الأليم الذي تسير باتجاهه حتى حين يقترب منها العذاب فتستعصي على أي يقظة وانتباه..

تأملوا كيف يصور القرآن غفلة أحد الأقوام: "فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم".. إن العذاب على بعد ساعات منهم لكن الحجاب السميك الذي أحاطوا به قلوبهم عطل عقولهم: "وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه"، "ومن بيننا وبينك حجاب"..

هذا قانون نفسي اجتماعي مطرد وليست قصةً من قصص الأقوام الغابرة يتلوها علينا القرآن للتسلية أو لترف المعرفة..

"ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون"..

ربما نسخت هذه الآيات الإلهية فلم تعد الأمم تهلك بالريح والصيحة، لكن جوهر القانون لا يزال حياً فاعلاً، فالأمم الغافلة تتبع سنن الأقوام الهالكة عبر تجاهلها نذر الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تقول لها إن في انتظاركم عاقبةً أليمةً إن لم تبادروا إلى اليقظة والمراجعة والتوبة وتصحيح المسار..

إن حال من تداهمه الأزمات المجتمعية ثم يعرض عن ندائها ويوهم نفسه بأن الأمور مستتبة تماماً مثل حال قوم عاد وهم يرون غيمة العذاب فيخدعون أنفسهم بأنها رياح تحمل الخير والمطر..

سبحان الله.. تشابهت قلوبهم..

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

جدلية الثقافة والنص

أحمد أبو رتيمة

النصوص وحدها لن تحل مشكلات البشرية مهما امتلأت هذه النصوص بالحق والحكمة والعدل والخير.

المواثيق الدولية لحقوق الإنسان زاخرة بالمبادئ الأخلاقية الراقية التي تضمن للشعوب حياةً كريمةً آمنةً، لكن المحصلة العملية هي عالم تمزقه النزاعات والحروب ويموت الناس جوعاً وفقراً ومرضاً!

لا يجد الناس صعوبةً في أن يصوغوا المبادئ البراقة وأن يعللوا أي فعل بمبررات أخلاقية، لكن ما يحكم أفعالهم بعد ذلك هو طبائع نفوسهم وقراراتهم الداخلية وليس النصوص النظرية.

وما ينطبق على الدساتير البشرية ينطبق حتى على النصوص الإلهية، فالنص الإلهي لا يغير الإنسان بمعجزة، بل إن الإنسان يمتلك قابليةً عجيبةً لتحريف الكلام الإلهي عن مواضعه ليشرعن إفساده وظلمه وإجرامه ويطلق العنان لرغبات نفسه لكن بجريمة مضاعفة: جريمة الظلم ذاته، وجريمة الكذب على الله بالزعم بأنه هو الذي أمره بالظلم والفساد: " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون".

في سياق معالجته لأمراض التدين البشري يفرد القرآن مساحةً واسعةً لمشكلة "تحريف الكلم عن مواضعه"، وتحريف الكلم عن مواضعه ليس المقصود به التفسير الشائع عند كثيرين بأن اليهود والنصارى كانوا يبدلون كلمات وأحرف كتبهم، بل إن التحريف كما قال ابن عباس: "هو فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم"!، وهذا المرض ليس خاصاً باليهود والنصارى وحدهم، بل هي مشكلة ثقافية عامة تقع فيها كل الأمم، وبهذا المعنى فإن المسلمين أيضاً وقعوا في مشكلة تحريف الكلم من بعد مواضعه في علاقتهم بالقرآن الكريم فأساءوا تأويل كثير من النصوص لتتوافق مع ثقافتهم، وكثير من النصوص يتلوها المؤمنون للتبرك بها لكنها مغيبة من حياتهم وغير فاعلة اجتماعياً لأن سلطان الثقافة أقوى من سلطان النص.

يؤكد القرآن بشكل لا لبس فيه أن مشكلة الأمم لم تكن يوماً في قلة النصوص التي تدعو إلى الهدى والنور بل في مواقف هذه الأمم من كتبهم، والقرآن يثني على التوراة والإنجيل فيقول في سورة المائدة: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ"، ويدعو النصارى إلى الاحتكام إلى الإنجيل: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ"، كذلك يدعو اليهود للاحتكام إلى التوراة: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون"، والملاحظ في هذه الآيات أنها دعوة لليهود والنصارى المعاصرين للنبي محمد عليه السلام بأن يحتكموا إلى شرائعهم، أي أن القرآن يقر بشرعية كتبهم حتى بعد نزول القرآن، كما يلاحظ أن مشكلة اليهود لم تكن في تحريف كتابهم إذ كيف يدعوهم القرآن للاحتكام إلى كتاب محرف!! بل هي مشكلة نفسية تمثلت في الإعراض والتولي عن الحق، أي أن المشكلة هي في الموقف من الكتاب المقدس وليس في الكتاب المقدس ذاته.

ومما يؤكد هذا الفهم آية سورة المائدة: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"، هذه الآية فيها إقرار واضح بحقيقة تعدد الشرائع والأمم، وفيها أمر إلهي لعباده بأن يتجاوزوا حقيقة اختلاف الأمم والشرائع وأن يتسابقوا في فعل الخيرات.

إن أي كتاب سماوي لن يخلو من المبادئ الأخلاقية الأساسية، فالتوراة والإنجيل والقرآن كلها تشترك في تحريم الكذب والغدر والإفساد في الأرض والقتل ودعوة البشر إلى الاستقامة الأخلاقية والإحسان وفعل الخيرات، لكن كثيراً من أتباع هذه الشرائع هم أبعد ما يكونون عن الاستقامة والصلاح، وهو ما يؤكد من جديد أن النصوص مهما بلغت قداستها فهي لن تحمل الإنسان قهراً على الاستقامة ما لم يكن لديه استعداد داخلي، والقرآن يقول: " إن نشأ ننزل عليهم آيةً فظلت أعناقهم لها خاضعين" أي أن الله كان قادراً على إجبار الناس على الاستقامة تماماً كما جعل حاجاتهم العضوية جبريةً لا يملكون مقاومتها، لكن مقصد الكتب السماوية اختبار الناس وليس إجبارهم.

إن مشكلة البشر ليست في قلة النصوص التي تدعو إلى العدل والخير بل في قابلياتهم النفسية والثقافية التي تتعطل فتقيم الأكنة وتصم الآذان وتعمي الأعين عن أعظم الهدايات وقالوا ما نفقه كثيراً مما تقول وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، والقرآن ذاته لا يزيد الظالمين إلا خساراً لأنهم قد اتخذوا القرار المسبق بأنهم لن ينتفعوا بهداه!

إن المعلم يبث إشارات راداره فلا يلتقطها إلا من أصغى السمع وهو شهيد وضبط جهاز استقباله الداخلي، أما الآخرون فلن تعني لهم هذه الإشارات شيئاً بل ستزيدهم عمىً وصمماً.

يتعمق القرآن في النفس البشرية فيتحدث عن الذين ينظرون وهم لا يبصرون وعن الذين يستمعون وهم لا يعقلون: " وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ* وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ " لقد تعطلت راداراتهم فلم تعد تستقبل موجات الهداية المبثوثة في الأثير!

من يملك الاستعداد القلبي للهداية فسيكفيه القليل من النصوص، وقد كان المؤمنون الأوائل يؤتون الإيمان قبل القرآن، أي أن المعاني التي تتنزل في القرآن قد تحققت فيهم مسبقاً حتى قبل نزول الآيات، أما من عطل جهاز الاستقبال الداخلي وجعل على قلبه أكنةً فلن تكفيه كل الآيات للإيمان: "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها".

إن غاندي على سبيل المثال لم يعتكف عشرات السنين ليطالع ما كتبه الفلاسفة والكتب السماوية حول أهمية تحقيق السلام بين البشر، بل كان حبه الداخلي للسلام بين البشر محركه الأول، وفي المقابل تجد من يقضون أعمارهم في قراءة آلاف الكتب لكنها قراءة باردة غير محركة لا ينتج عنها عمل نافع للناس.

ولأن الله تعالى يعلم أن الجدل في النصوص لا يحل مشكلات الناس فهو قد حذر من الذين يبحثون عن متشابهات الكتاب ويتركون المحكمات: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب"،، إن الآيات المحكمات هي المعاني المستقرة الثابتة التي لا يختلف فيها الناس، فالعدل والإحسان وفعل الخيرات هذه آيات محكمات يتبعها من صدقت نيته في الهداية، أما الذين في قلوبهم زيغ فهم يظهرون حرصاً على الدين لكنهم بعيدون عن رسالته حين ينشغلون بالجدال في النصوص المجتزأة ويتركون الآيات المحكمات، فهؤلاء كاذبون لا يريدون هدايةً إنما يريدون الضلال والإضلال.

إن الدعوة إلى التعارف والسلام والإحسان والتوقف عن القتل وسفك الدماء من الآيات المحكمات، فهل نترك هذا الهدف العظيم وننشغل في آيات متشابهات تتناول سياقات استثنائيةً لا يمكن أن تكون أصلاً في الدين والحياة إلا لمن تعمد البحث عن الزيغ وأولئك هم الكاذبون! 

المقالة منشورة في (إيلاف) ومرسلة من قبل كاتبها

 صفحة الكاتب على فيسبوك: https://www.facebook.com/aburtema

 

 

 

مصطلح التقوى في القرآن

احمد ابو رتيمة

مصطلح "التقوى" القرآني مثله مثل المصطلحات القرآنية عموماً هو مصطلح مركب يحمل دلالةً ثنائيةً بما يناسب طبيعة رسالة القرآن ثنائية الأبعاد التي جاءت لتصلح عالمي الروح والمادة..

الدلالة الروحية واضحة لكل مؤمن، والمعنى المباشر لها هو أن يتقي العبد ربه أي يخافه ويحذر من إغضابه لكن ما هو ليس بنفس الدرجة من الوضوح الدلالة المادية للكلمة والتي تعني المعنى اللغوي المباشر للتقوى أي الحذر بمعناه المادي والحرص على الالتزام بالقوانين الاجتماعية والنفسية مخافة الاصطدام بالعواقب الأليمة مثل اتقاء الإنسان حفرةً بمعنى الابتعاد عنها مخافة الوقوع منها، فهذا المعنى المادي للكلمة يحتمله مصطلح التقوى القرآني مما يعطي هذا المصطلح إثراءً وينقله من محدودية الدائرة الروحية لتصبح التقوى حالةً نفسيةً واجتماعيةً ملازمةً للأفراد والأمم، والفرق بين من يتقي ومن لا يتقي هو بالضبط الفرق بين أمة حضارية وأمة همجية..

التقوى في القرآن ليست مجرد أمر إلهي بل هي غاية، وكونها غايةً في ذاتها وليست مجرد أمر مثل أن الصيام والصلاة أوامر تجعل من حقيقة التقوى حالةً نفسيةً واجتماعيةً عامةً ملازمةً لأصحابها: "لعلكم تتقون"

لاحظوا مثلاً هذه الآيات كأمثلة لتبيان حقيقة ثنائية أبعاد مصطلح التقوى:

"الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ" السياق الذي جاءت فيه كلمة "يتقون" في هذه الآية يحتمل المعنى المادي مضافاً للمعنى الروحي المعروف فهم لا يتقون أي أنهم يتعاملون مع عهودهم باستهتار ويعيشون في هذه الحياة بحالة انفراطية فهم لا يحسبون حساب عواقب الأحداث وهذا عمل مادي لأن العاقل من يدرس عواقب أفعاله قبل أن يقدم عليها أي أن العقلاء هم الذين يتقون!

"إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" هنا الدلالة المادية لكلمة التقوى واضحة جداً، فالتقوى هنا ليس مقصوداً بها المعنى التعبدي الذي نعرفه، بل مراعاة موازين القوى المادية والالتفاف على الاصطدام المادي والسياسي بالقوى المهيمنة، فهو فعل سياسي بحت، أي أن التقوى تحتمل فيما تحتمل المعنى السياسي فنحن بحاجة للتقوى في السياسة بمعنى ألا نقدم على مغامرات مجنونة لا تراعي اختلاف موازين القوى فنقع في عواقب سوء تقديراتنا، التقوى تعني فهم الواقع والحذر من سوء التقدير..

"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً" هنا يمتزج المعنيان الروحي والمادي، فالتقوى بمعناها الروحي تمثل الالتجاء إلى الله والحذر من عصيانه، لكن السياق يحتمل أيضاً في ذات الوقت المعنى المادي خاصةً أنه مرتبط بالنتيجة الشرطية "لا يضركم كيدهم شيئاً" وبالمعنى المادي فإن أخذ الإنسان الأسباب وحذره من الأخطاء السياسية والعسكرية يجنبه مكائد عدوه..

يكرر القرآن كثيراً في سياق حديثه عن نجاة الأمم: "الذين آمنوا وكانوا يتقون" وفي ضوء هذه النظرة الجديدة نستطيع أن نقرأ هذه الآيات قراءةً أعمق وأشمل فالإيمان والتقوى هي حالة عامة في هذه الحياة تشمل كل الميادين الروحية والعقلية والسياسية والحضارية، ونحن بحاجة إلى أمة تتقي روحياً وفكرياً بفهم سنن الله في النفس والاجتماع والتاريخ والعمل بمقتضياتها والحذر من مخالفة فهم هذه القوانين حتى لا ندفع أثمان أخطائنا السياسية والحضارية..

والحمد لله رب العالمين

 

صفحتي الشخصية على فيسبوك: https://www.facebook.com/aburtema

 

 

سلطان الأسماء

أحمد أبو رتيمة

 

يبرز القرآن المشهد الأول في تاريخ الإنسان عبر منح هذا الكائن الجديد سلطاناً لم يكن للملائكة: "وعلم آدم الأسماء كلها"، وقد كانت هذه الميزة تحديداً هي سر تفضيل الإنسان على الملائكة فأمرهم الله بالسجود لآدم، فأي سر عظيم تحمله الأسماء حتى تستحق أن يكون هذا الكائن الضعيف المحدود موضع احتفاء وتكريم حتى من الملائكة!

يقول الفيلسوف نيتشه إن التسمية سلطة!

الأسماء هي مفتاح المعرفة ومفتاح فهم الطبيعة وتسخيرها، فالإنسان يلجأ للتسمية حتى يحدد مفاهيم الأشياء ويضع لها عناوين واضحةً تيسر تعامله معها..

تصوروا لو لم يسم الإنسان الشجرة شجرةً مثلاً وأراد أحدنا أن يقول لصاحبه "شجرة" ماذا كان سيفعل؟ سيضطر لأن يأخذ بيده ويقطع المسافات الشاسعة ثم يشير إلى الشجرة حتى يفهم مقصده، لكن وجود اسم مميز للأشياء يختزل الجهد والمشقة عبر تكوين صورة ذهنية مشتركة في عقول الناس يتم استدعاؤها عبر الأسماء فيسهل التواصل والتعارف بين البشر.

جاء في كتاب "بنو الإنسان" لبيتر فارب:  "يصبح الوجود الإنساني غير محتمل لو أن كل واحد من الأجسام والأحداث التي نصادفها اعتبر شيئاً فريداً بذاته، فمثلاً لو نظرنا إلى غابة ورأينا أشجار الحور والبلوط والسنديان والصنوبر كأشياء فريدة في ذات كل منها بدلاً من جمعها في صنف "أشجار" فإن عملياتنا العقلية تصاب بالشلل، والمفاهيم تعفينا من التعلم المستمر عن كل شيء أو جسم أو حادثة جديدة"

تتمثل قيمة الاسم في القدرة على التعميم واكتشاف القواسم المشتركة، لو لم تكن الأسماء موجودةً لكان الإنسان عاجزاً عن اكتشاف وجه الشبه بين الجمل والقطة، ولكان عليه أن يلف الكون زاويةً زاويةً ليتعرف على كل مخلوق بهويته وسمته الخاص لأنه لا يستطيع أن يستفيد من تجاربه المختزنة في التعامل مع الأشياء الجديدة التي يراها كل يوم في حياته.

في مقابل التعميم فإن الاسم يفيد التخصيص أيضاً، وكلما تعمق المرء في المعرفة كلما امتلك القدرة والسيطرة على اكتشاف الفروق الدقيقة ومنح الأسماء المميزة لما يبدو للوهلة الأولى شيئاً واحداً، لاحظوا الفرق مثلاً بين تشخيص إنسان عامي لحالة مرضية وبين تشخيص طبيب لذات الحالة، إن الإنسان العامي لا يمتلك إلا معرفةً محدودةً في تخصص الطب لذلك فإنه قد يفسر عشرات الأمراض المختلفة بأنها أنفلونزا، لكن الطبيب المتعمق في تخصصه يملك القدرة على ملاحظة الفروق الدقيقة التي لا يلاحظها العامي وبالتالي إعطاء عشرات الأسماء التخصصية للمشكلة، إن الطبيب يملك معرفةً أكثر، وبالتالي فهو يملك سلطاناً أكثر على الأسماء.. إن الأسماء ليست سوى حقيقة العلم والمعرفة، فمقياس المعرفة الدقيق هو في مدى قدرة الإنسان على منح الأسماء سواءً للتعميم أو للتخصيص، وكلاهما جهد فكري، فالتعميم يقتضي القدرة على ملاحظة مئات أو آلاف الأحداث المختلفة واكتشاف ملامح عامة تجمع بينها، ومن ثم منحها اسماً مشتركاً وهو ما يسمى أيضاً بمنهج الاستقراء ، والتخصيص يتطلب الغوص فيما يبدو شيئاً واحداً والقدرة على اكتشاف التعدد والفروق الدقيقة بداخله وهو معنىً قريب من مفهوم منهج الاستنباط.

الأسماء لا تقوم بدور فني وحسب في توصيف الأشياء، بل إنها تقوم بدور فكري أيضاً، إن منح الأسماء لمكونات الطبيعة يبدو مشابهاً لخلق هذه المكونات من العدم، ومن هنا نفهم كيف كانت الأسماء سر تكريم آدم، والسياق القرآني الذي يتحدث عن تعليم آدم الأسماء يمهد لقصة الخلق بالحديث عن تسخير ما في الأرض جميعاً للإنسان، وكأن تسخير الطبيعة للإنسان تمر عبر مفتاح علم الأسماء!

إن الإنسان لا يستطيع السيطرة على مكونات الطبيعة وتسخيرها ما لم يكن قادراً على تصورها وتحديدها واستخراجها من حالة الخفاء والهلامية الملتبسة بها في الطبيعة، ماذا لو لم يعرف البشر اسم "الزمان" لتحديد انقضاء الوقت ومرور الليل والنهار!! تخيلوا أننا نعيش على هذه الأرض ولا نعرف أن هناك شيئاً اسمه الزمان!! كيف ستكون نظرتنا لأعمارنا ولانقضاء السنوات، سنكون عاجزين عن تصور انقضاء السنوات والأيام وسنعيش خبط عشواء، سيكبر الأطفال ويصيرون شباباً ثم شيوخاً ويموتون بعد ذلك ونحن عاجزون عن تحديد مفهوم العمر، إن الاسم يتجاوز مجرد وظيفته الفنية ليمارس سلطاناً حقيقياً يمكننا من السيطرة على الطبيعة عبر فهمها والقدرة على اكتشاف قوانينها.

غياب الاسم يضعف قدرة الإنسان على فرض سلطانه، وهذه الفكرة العبقرية تنبه إليها مالك بن نبي في حديثه عن ابن خلدون، فهو يرى أن الذي أعاق انطلاق إبداع ابن خلدون ووصوله لصياغة قانون الدورة التاريخية هو محدودية مصطلحات عصره التي وقفت به عند ناتج معين من منتجات الحضارة وهي الدولة وليس الحضارة نفسها. يقول بن نبي: "وهكذا لم نجد فيما ترك ابن خلدون غير نظرية عن تطور الدولة في حين أنه كان من الأجدى لو أن نظريته رسمت لنا تطور الحضارة حيث كنا نستطيع أن نجد فيها ثروةً من نوع آخر غير ذلك الذي أثرانا به فعلاً، إذ لم تكن عبقرية ابن خلدون بعاجزة عن أن ترسم لنا ذلك التطور في صورة منهج قائم بذاته"

إن الذي أعجز ابن خلدون ليست محدودية عبقريته، بل محدودية الأسماء التي عرفها عصره، فاسم "الحضارة" أكثر تعميماً من اسم " الدولة" ولو عرفه ابن خلدون لدخل به أبواباً أوسع من الاكتشاف والمعرفة.  

اللغة ذاتها ليست سوى ترميز لحقائق الحياة عبر اختزالها في أسماء محددة، واللغة كما بات معروفاً ليست وسيلة تواصل وحسب بل إنها هي التي تحدد طريقة التفكير وتتحكم في تداعي المعاني، وحين تنشأ لغة في البادية فإنها ستمنح الصحراء عشرات الأسماء لأنها قادرة على التمييز بين تفاصيلها الصغيرة، أما حين تنشأ لغة في بلاد الأسكيمو فستمنح بدورها الجليد عشرات الأسماء، وهكذا فإن اللغة مؤشر على معارف القوم الذين ابتدعوها.

يقول عدنان إبراهيم إن علم الأسماء هو الشرط الأول لبدء أي معرفة إنسانية، إذ إن المعرفة هي التمييز الدقيق بين الأشياء، ولها مسلكان التحليل والتركيب، تحليل الوحدة إلى أجزائها وهذا لا يكون إلا عبر منح الأجزاء الصغيرة أسماءً، وتركيب الأجزاء في وحدة وهذا أيضاً لا يكون إلا عبر منح اسم جديد للوحدة الجامعة بين الأجزاء.

لا غرابة أن تكون القدرة على التسمية مؤشراً دقيقاً على المستوى الحضاري للشعوب والأمم، ولو تأملنا في حضارتنا المعاصرة على سبيل المثال لوجدنا أن الغرب يسبقنا في ابتكار مصطلحات لم يكن الإنسان يعرفها من قبل، وما ذلك إلا لأنهم هضموا المعرفة الإنسانية السابقة فصاروا قادرين على التجاوز والإبداع عبر اكتشاف مصطلحات جديدة تختزل حقائق الحياة والمعرفة.

 

·         كاتب فلسطيني

 

(المقالة منشورة في صحيفة إيلاف (مرسل من قبل الكاتب لـ البلاد)

 

مذبحة باكستان وعودة إلى آيات القتال..

أحمد أبو رتيمة

 

من جديد يقف العالم مصدوماً أمام مشهد دموي مروع يكاد يتحول من كثرة تكراره إلى مشهد اعتيادي، وأمام الصدمة الإنسانية التي يخلفها قتل الأطفال والأبرياء يتساءل من تبقى في قلبه شيء من معنى الرحمة والسلام أي عقيدة تصنع هؤلاء القتلة الذين لا يتورعون عن إزهاق نفوس البشر وسفك الدماء بأي حجة واهية ثم يضيفون إلى جريمتهم جريمةً أبشع حين يكذبون على الله فيزعمون أن الله أمرهم بهذا! 

لا بد من التقرير بدايةً أن حقيقة المشكلة في عالمنا العربي والإسلامي ليست دينيةً بل هي مشكلة سياسية اجتماعية تتمثل في مخزون الاستبداد والظلم وردة الفعل الهوجاء الخاطئة عليه، وما استحضار النصوص سوى تسويغ لواقع اجتماعي سياسي تماماً مثل الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش التي مورست بمباركة الرب إله المحبة! فالثقافة تمارس وعياً انتقائياً تجاه النصوص فتعزز كل نص تشتبه تأييده لمواقفها وتسقط النصوص التي تتناقض مع اتجاهاتها، ولو كانت الأجواء السياسية في بلادنا مشجعةً على السلام والمحبة لراجت النصوص التي تبشر بالسلام والمحبة والتي هي أكثر حضوراً من الآيات التي تتحدث عن القتال، إذاً فالحكم الغالب هو للثقافة وللاعتبارات الاجتماعية والسياسية وليس للنصوص النظرية.

إن القتل الذي تمارسه القاعدة ينطلق من نفس القاعدة النفسية التي يقتل بها الأسد و القذافي و السيسي، وإذا كانت القاعدة تبرر جرائمها بمبررات دينية فإن علمانية القتلة الآخرين يعني أن ثمة سبباً آخر لا علاقة له بتدين أو بعلمانية وهو التربة الخبيثة التي لا يخرج نباتها إلا نكداً..

لكن كون المشكلة سياسيةً لا دينيةً لا يعفينا من مواجهة صريحة مع القواعد التأصيلية التي يستند إليها التيار المتطرف فإن كنا عاجزين في هذه المرحلة عن وقف جنون القتل فليس أقل من أن نحرم القتلة من الشرعية التي يسعون لاكتسابها بتبرير جرائمهم بنصوص دينية، وهنا يبرز أمامنا مفهومان قرآنيان حدث حولهما تدليس خطير ومثلت إساءة فهمهما نقطة انطلاق لأشد الأفكار تطرفاً والتي وصلت في نسختها القصوى إلى الدعوة إلى حرب شاملة ضد كل مختلف سياسياً وفكرياً مع معتنقي هذه الأفكار، هذان المفهومان هما: الجهاد والقتال..

أما الجهاد فإذا رجعنا إلى أصله اللغوي فهو يعني بذل أقصى الجهد، أي أن معركته الأساسية هي داخل النفس قبل أن تكون خارجها، فكل عمل يقتضي مغالبةً لهوى النفس وانتصاراً عليها جهاد، وبذلك عدَّ القرآن المحاججة الفكرية جهاداً كبيراً لما تتطلبه من صبر وطول نفس على التكذيب والسخرية والإيذاء: "وجاهدهم به جهاداً كبيراً" أي جاهدهم بالقرآن.

فإذا انتقل الجهاد من ميدانه الأول وهو داخل النفس إلى الميدان الخارجي فإنه لا يفقد بوصلته بأن هدفه النهائي يتعلق بتزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم والطغيان والإفساد، فالجهاد في الإسلام لا يمكن أن يتحول يوماً إلى ترف أو قتل عشوائي، بل هو صيغة عملية للانتقال من الدور التاريخي الذي أدته المسيحية عبر دعوتها للروحانية والرهبانية إلى المبادرة والفعل الخارجي الذي يتطلب تدافعاً بين الأمم والشعوب وواقعيةً لا تتسع لها الرهبانية المجردة.

أما مفهوم القتال فهو أكثر التباساً لأن دلالته اللغوية فيها ارتباط مباشر بالميدان الحربي، لكن هذا الالتباس سرعان ما يزول إذا تأملنا السياق الذي جاءت فيه آيات القتال، فأول آية نزلت في القتال هي: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" وهي آية يتضح فيها أن القتال شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعاً تأسيسياً موجداً لحالة جديدة، والحديث عن الإذن للمظلومين بالدفاع عن أنفسهم يدل أن السلوك الأمثل الذي كان مطلوباً منهم هو الصبر على الأذى: "ولنصبرن على ما آذيتمونا" لكن رسالة الانطلاق وتأسيس دستور حياة مدنية متكاملة التي جاء الإسلام بالدعوة إليها يتطلب مغادرة مواقع الصبر السلبي والاشتباك مع القوى الظالمة المتنفذة.

هذه أول آية نزولاً في قضية القتال، أما أول آية ترتيباً في سورة البقرة فهي: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين* واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم"، وقد تعمدت إيراد هذه الآيات المتتاليات لأن هناك من يستدل بآية "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" منتزعةً من سياقها ولو كلف نفسه بقراءة الآية التي تسبقها لعلم أنها آية مقيدة وليست مطلقةً فهي تتحدث عن ظروف قتال كان الفريق الآخر هو البادئ به وهناك محدد أخلاقي واضح بعدم الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين.

هذه الآية "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" ليست مقيدةً للآية التي تليها مباشرةً وحسب بل هي مقيدة لكل آيات القتال في القرآن، والقرآن فيه العام والخاص والمطلق والمقيد، ولا يتصور عاقل ذو فطرة سليمة أن الله يقرر في آية حكماً أخلاقياً ثم ينقض هذا الحكم في آية أخرى إنما يقيد العام بالخاص.     

هناك قاعدة بدهية جداً يسهل ملاحظتها في القرآن الكريم، ورغم بساطتها إلا أنها تنسف كل مزاعم مدرسة العنف والقتل، هذه الملاحظة تتمثل في أننا لو تأملنا كل آيات القتال في القرآن لوجدنا أن القتال يأتي دائماً عكس القعود والجبن وليس عكس السلام، أي أن علة فرض القتال هي دعوة الناس إلى التحرر من الجبن والخوف من الموت على الصعيد النفسي، ودعوتهم إلى كسر إرادة العدو على الصعيد الخارجي، فلو تحقق هذان الهدفان المتمثلان في تحرر المرء من الجبن وهزيمة القوى التي تمارس الظلم والاستضعاف بأي وسيلة أخلاقية فقد تحقق هدف القتال حتى وإن تم ذلك بوسائل سلمية خالصة، والبشر قد تعارفوا على الاستعمال المجازي لكلمة "القتال" فكثيراً ما نسمع عن الذين يقاتلون في سبيل الكرامة والحرية والسلام مثل غاندي ومانديلا دون أن تنصرف أذهاننا إلى أنهم يمسكون أسلحةً ويقتلون أعداءهم إنما يتبادر إلى مخيلاتنا أنهم يصرون على مبادئهم ويتحملون الأذى والسخرية والاضطهاد ويكتسبون كل يوم أنصاراً جدداً بقوتهم الأخلاقية.

للمثال وليس للحصر تأملوا هذه الآيات:

*"كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم".. هل يتصور عاقل أن الإنسان يكره القتال لأنه سيخلصه من عدوه أم إنه يكرهه لما يمثله له من مفارقة للقعود والسلامة! إذاً هي دعوة للناس لمغادرة ألحفتهم الدافئة والاشتباك في ميدان الحياة والانتصار على أنفسهم التي تدعوهم لإيثار راحة الأجساد على مطالب المعالي.

بالعكس فإن هذه الآية تمثل شهادةً ضمنيةً لجيل المؤمنين الذين تنزلت عليهم، فهي تنبئ في ثناياها عن ميولهم السلامية التي كرهتهم في القتال رغم كل الثناء الذي أعطته الثقافة القبلية العربية لقيم القتال والسيف والثأر، فأن يخرج جيل من تلك الجزيرة الملتهبة بأشعار الحماسة والبطولة يكره القتال فهذا مؤشر سلام داخلي وهو موقف متقدم بمعايير ذلك الزمان..

*"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون* وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم".. يتضح من هاتين الآيتين أن الجبن عن المواجهة لن يطيل عمر الإنسان وأن الشجاعة والإقدام لن تقصر الأجل فهي دعوة إلى الشجاعة لا إلى سفك الدماء.

*"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين"..من جديد تتأكد فكرة أن القتال في القرآن هو عكس الوهن والضعف والاستكانة وأنه شرع ليحرر الإنسان منها..

*"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً".. هذه الآية مثل سابقاتها تبين أن القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق وعدل وحرية وسلام في هذه الحياة. ومن الملاحظ في هذه الآية تقديمه للشهادة على الانتصار، وهذا لا يستقيم إلا في المقياس الأخلاقي الذي يجعل خسارة الحياة في سبيل المبدأ مقدماً على الانتصار على العدو.   

*"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً".. هذه الآية تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ "لا إكراه في الدين"، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم والاستبداد والاستكبار التي تستقوي على المستضعفين.

إن فهم السياق الذي جاءت فيه عموم آيات القتال في القرآن وفهم المعاكس الذي جاءت هذه الآيات لتنقضه ضروري للتفريق بين الروح والشكل، بين الثابت والمتغير، فالثابت في كل هذه الآيات هو أن تصنع إنساناً متحرراً من الوهن والضعف والاستكانة يدافع العدو حتى يثخن في الأرض وتكون كلمة الله هي العليا، أما الشكل فهو متغير ما دامت العلة متحققةً، فإن اختلفت الظروف التاريخية ولم يعد القتال بمعناه الحرفي المباشر حاضراً بنفس المركزية التي كان حاضراً بها زمن تنزل القرآن سواءً في المعارك الداخلية بين المستبد وشعبه أو في المعارك الخارجية بين الدول بحثنا عن وسائل تناسب هذه التغيرات وتحقق فاعليةً أكبر بتكلفة أقل متمثلةً في وسائل سلمية واقتصادية وثقافية وإعلامية حسب طبيعة المعركة التي يفرضها الزمان والمكان.

ما دام هدف القتال حسب التصور القرآني متعلقاً بتحرير نفوس المؤمنين من الوهن والضعف والاستكانة، وتحقيق الانتصار الخارجي عبر كسر شوكة العدو الذي يمارس الظلم والاستضعاف فإن القرآن يكسر مركزية المواجهة العسكرية كونها ليست هدفاً في ذاتها، وهذا ما يتضح في آية الفتح: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً".. في هذه الآية يمتن الله تعالى على المؤمنين ليس فقط في أنه منع عدوهم من إيذائهم بل أيضاً بأنه كف أيديهم عن أعدائهم بعد أن أظفرهم عليهم، والنفس المشبعة بحب القتال لا تفهم أين المنة في أن تتمكن من عدوك ثم لا تشبع رغبتك بقتله وسفك دمه، لكن الروح السلامية السائدة في القرآن جعلت المنة ليست في انتصار فريق وهزيمة فريق آخر، بل في إلغاء المواجهة العسكرية نفسها..

إن كليات القرآن ومبادئه العامة تعطي مركزيةً لعمارة الأرض وإقامة العدل فيها وتجرم الإفساد فيها وسفك الدماء: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، "ادفع بالتي هي أحسن"، وقد كان تخوف الملائكة الأول من استخلاف الإنسان: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، والقرآن يقول مراراً: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، ويتحدث عن فريق يفسد في الأرض وهو يظن نفسه مصلحاً ليعلي فينا مشعر الحساسية: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"، بل إن القرآن يعطي المؤمنين درساً تربوياً مكثفاً في السلام عبر التصالح مع كل المخلوقات بتحريم الصيد أثناء الإحرام وفرض كفارة على من يخالف هذا التعليم، والقرآن يغرس فينا حب الطبيعة فيخبرنا أن الجبال والأشجار والطير يسبحن بحمد الله مما يعني أن الإنسان مطالب بصداقة هذا الكون لا بمعاداته، فمن أين يفهم عاقل تشبع بروح العدل والإحسان والإصلاح والسلام التي تبثها مئات الآيات أن يخوض معركةً عبثيةً دون ضوابط من أخلاق تؤدي بالضرورة إلى الإفساد في الأرض والتناقض مع أبسط بدهيات الدين! إن من يفعل ذلك هو بالضرورة إنسان قد انتكست فطرته وتشوه سلامه الداخلي فهو يريد أن يصدر ناره المشتعلة في صدره ليحرق بها الأنام ثم يكذب على الله تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان فيزعم أنه أمره بهذا ليضفي شرعيةً على باطله وإفساده.

إن من يصنع السلام بين الأنام لا بد أن يحقق سلامه الداخلي أولاً فيفيض على الناس من الحب الذي يملؤ قلبه، أما من امتلأ قلبه بالكراهية والانتقام فهو مريض يستحق الشفقة ولن تكفي كل نصوص الكتب وأقوال الحكماء في إقناعه بالسلام لأنه لم يذقه في حياته، ومن لم يذق لم يعرف.

 

كاتب فلسطيني

 

المقالة لإيلاف تنشر بموافقة الكاتب

 

 

هل الفلسطينيون لا يخافون الموت؟!

 

أحمد أبو رتيمة *

 

يميل كل شعب إلى تمجيد ذاته وإبراز فضائله وتبيان أوجه الاستثنائية التي يختص بها عن غيره وقد يصل الاعتقاد بأفضلية الذات إلى حالة من النرجسية المرضية التي تخيل لأصحابها أنهم استثناء من القوانين التي تحكم غيرهم من الأمم والأقوام، فلا يقبلون محاكمتهم إلى السنن البشرية الطبيعية، ويظنون أن لهم خصوصيتهم وأن قضيتهم يجب أن تناقش في إطار مختلف عن كل ما سبقها من أمثلة تاريخية، وأن ما يصيب الشعوب الأخرى من ضعف وتراجع لن يصيبهم وأن الفشل والهزيمة لن يعرف إليهم سبيلاً!

رغبة الأمم والشعوب في إبراز استثنائيتها ينقضه التوجه العام في القرآن الذي يؤكد دائماً على عموم القوانين التاريخية والاجتماعية والنفسية وتكرارها وأنه لا محاباة ولا أفضلية لشعب على آخر: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به"، "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، "بل أنتم بشر ممن خلق". إن القرآن يبطل زعم الاستثنائية التي تطرب لها الشعوب وترضي بها غرورها!!

تستوقفني بعض التعليقات التي يكتبها فلسطينيون في سياق الإطراء على الذات يقولون فيها إن الشعب الفلسطيني لا يهاب الموت، وإنه يقابل أصوات القصف بسخرية، وإن الأمهات يستقبلن أخبار مقتل أولادهن بالفرح والزغاريد، فهل يعني هذا أننا شعب قد انتزعت منه الخصائص الإنسانية الفطرية من خوف وقلق وحب للحياة الهادئة المطمئنة وهل ماتت فينا مشاعر الأمومة والأبوة والأخوة، وهو ما لم يحدث مع أقرب الناس إلى الله تعالى وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بكى عمه حمزة وبكى ولده إبراهيم، وخاطبه القرآن بخصائصه الفطرية الطبيعية: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً"!..

حين نعطي لأنفسنا ميزات استثنائيةً عن الآخرين فنحن بذلك نسلم بحق كل شعب أن يفعل ذلك، ولن يعدم كل شعب صناعة رواية خاصة به تثبت أن له من الفضل ما ليس لغيره فالعراقي والمصري والسوري والتونسي يستطيع كل واحد منهم أن يقول بلسان الحال: "نحن شعب مالوش حل وصنعنا ما لم يصنعه غيرنا".

نعم إن الشعب الفلسطيني لم يعد يبالي بأخبار الموت، وصار يقابل يقابل أصوات القصف الإسرائيلي بالسخرية لكن مرد هذا ليس إلى اختلاف جيني عن البشر بل هي السنة الإلهية في قدرة أي شعب على التكيف مع ظروفه الصعبة حتى يظل قادراً على أداء رسالته، لذلك فإن كل شعب يصوغ شخصيته بما يناسب ظروفه الطبيعية والسياسية وهذه الحقيقة ليست حكراً على المسلمين وحدهم بل هي سنة عامة فالشعوب الأوروبية مثلاً استطاعت في ظل الحربين العالميتين المدمرتين التعايش مع واقعها المأساوي فسكن الناس في الملاجئ وتعلموا فيها لأن الإنسان لا يملك إلا أن يواصل مسيرة حياته لذلك فهو مضطر للتعايش مع أي ظرف، ودائماً ما يخرج من مكنونه ما يؤهله للانتصار في صراع البقاء.

أذكر قبل سنوات أن أصدقاء سوريين كانوا يسألونني مستغربين كيف تعيشون في غزة في أجواء القصف والحرب؟ فكنت أبتسم وأقول لهم هي حياة طبيعية تماماً. وما حدث الآن هو أننا نحن الذين صرنا نستغرب كيف يعيش الشعب السوري مع كل هذا القدر من القتل والتدمير على أرضه!! الأمر لا علاقة له بمعجزة بل هي السنن النفسية والاجتماعية التي أوجدها الحكيم لينتصر الإنسان على تحديات الحياة..

إن مواجهة الشعب الفلسطيني للقصف بالابتسام والسخرية وتسمية موجات القصف ب" الحفلة" لا يعني أن هرمونات الخوف الطبيعية قد نزعت منا، إنما يعني أن هناك إطاراً اجتماعياً جديداً قد تشكل وأعيد فيه تحديد معايير ما هو مخيف ومقلق وما هو ليس كذلك للتكيف مع مستوى التوتر المعاش منذ سنوات طويلة، فالإنسان حين يعيش في مجتمع هادئ جداً فإنه يستثار من صوت رصاصة واحدة لكن حين يستمع كل يوم إلى أصوات الرصاص فإنه سيفترض أنه لن يصيبه على الأرجح بحكم تأقلمه مع هذه الحالة لذلك فهي قضية تعوّد لا قضية شجاعة، ولبرهان ذلك لو أن أحد الذين يعايشون القصف حتى لم يعودوا يهتموا بأصوات القذائف والصواريخ قد كشف له الحجاب فعلم أن القصف القادم سيدمر بيته أو سيقتل عزيزاً عليه هل ستكون ردة فعله على أي صوت انفجار قادم هي اللامبالاة أيضاً!! إننا حين نسخر من أصوات القصف فلأنه قد غلب على ظن كل واحد منا أنه لن يكون ضحية القصف القادم، ولو أن أي شعب يعيش الآن في هدوء وسلام قد تبدلت ظروفه وتعرض لحرب مدمرة اضطر للتعايش معها لسنوات طويلة فإنه سيكتسب مناعةً طبيعيةً يتكيف بها مع أحواله الجديدة..

لسنا استثناءً من الأمم بل نحن بشر ممن خلق.

·         كاتب فلسطيني من غزة

 

تصادم الإرادات ومفهوم التوحيد

أحمد أبو رتيمة

 

لو بحثنا في أي صراع في هذه الحياة لوجدنا مرده إلى تصادم الإرادات!

حقيقة الحرب هي تصادم إرادتين فيسعى كل فريق إلى قتل إرادة الفريق الآخر لتنتصر إرادته وحده، بينما مفهوم السلام هو التوصل إلى إرادة مشتركة.

لماذا يتعارك طفلان شقيقان؟ لأن هناك لعبةً واحدةً يريد كل واحد منهما أن يمتلكها وحده فيسعى لإزاحة منافسه، أما لو كانت هناك لعبة لكل منهما ولا يتطلع أحدهما للعبة الآخر فلن يكون هناك عراك بينهما!

لماذا يتصارع الرجال ويتباغضون ويتحاسدون ويتقاتلون في السعي للاستئثار بالنساء؟؟ لأن أنثى واحدةً تكون مهوى أكثر من رجل فلا يجد سبيلاً إليها إلا بإزاحة منافسيه من طريقه، لكن لو كان لكل رجل في الدنيا أنثى واحدة يقنع بها ولا يشعر برغبة تجاه غيرها فسيحل السلام بين الرجال ولن تكون هناك أي كراهيات وبغضاء وشحناء!!

لماذا تتصارع الأحزاب داخل الدولة الواحدة؟ لأن كل حزب يسعى إلى الاستئثار بالسلطة دون أن يكون له شريك من الأحزاب الأخرى، ولأن للآخرين إرادتهم المماثلة فإن كل فريق لا يرى من سبيل أمامه إلا بإفناء إرادة الخصم حتى يكون الأمر كله له وحتى لا يكون هناك معقب لحكمه، وفي الدول المتقدمة يحدث السلام حين تتوصل مختلف الأطراف إلى إرادة موحدة تتمثل في الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والتسليم بنتيجته.

لماذا تنشأ الحروب بين الدول؟ لأن كل دولة تسعى للاستئثار بثروات وأراض وامتيازات على حساب الدولة الأخرى فترفع كل دولة في حربها شعار كسر إرادة العدو، ولو توافقت كل الدول على ما لها وما عليها ولم تعد عينا أحدها على أراضي وممتلكات وثروات الآخرين لحل السلام بين البشر.

إن الصراع ينتهي في الوقت الذي لا يعود فيه الإنسان عبداً للملكية فتسمو روحه عن جاذبية الأشياء وتصبح تابعاً له لا متبوعاً، لذلك تعس عبد الدينار لأن الدينار هو الذي يتملكه فيخضعه لسلطانه ويسلبه روحه!

إذاً خلف كل صراع وكراهية وبغضاء في هذا الوجود صغر أم كبر إرادتان متناقضتان، ولا يكون السلام إلا بتوحيد الإرادة..

توحيد الإرادة يعني توحيد الله، فالله هو صاحب الإرادة العليا وهو الذي لا معقب لحكمه ولا شريك له ولا راد لأمره، والتسليم له بالإرادة والمشيئة يعني التحرر من حب الملكية والاستئثار وتحطيم مركزية الأنا فلا يسعى الموحد حقاً إلى التعالي على خلق الله والاستئثار بمزايا خاصة دون البشر إنما يقبل بكلمة السواء أن يكون له ما لغيره من البشر.

الشرك ليس سوى تناقض الإرادات، والتوحيد هو حالة من السلام والطمأنينة القلبية تنتج عن التحرر من الغايات المشتتة وتوحيد الهم والجهد والغاية في اتجاه الإرادة العليا في هذا الوجود..

الشرك هو صراع وتمزق داخلي: "إن الشرك لظلم عظيم" لأن الشرك يعني تناقض الغايات داخل النفس البشرية الواحدة، وقد ضرب القرآن مثلاً لرجل فيه شركاء متشاكسون ورجل سلماً لرجل، فمفهوم الشرك يلخصه مثال الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، فيأمره أحدهم أن يذهب شرقاً ويأمره الآخر أن يذهب غرباً، وإرضاء كليهما مستحيل لذلك فإن الشرك هو جحيم في الدنيا قبل الآخرة، أما توحيد الإرادة في اتجاه واحد: "رجلاً سلماً لرجل" فهو الذي سيضفي على القلب طمأنينةً وراحةً وتوافقاً داخلياً..

المشرك تتنازعه إرادات متناقضة، فهو يريد أن يرضي آلهته المتعددة في وقت واحد: يريد أن يرضي إله الشهوة وإله الشهرة وإله المال وإله السلطان الذي يخافه وإله المجتمع الذي يتستر منه، والسبيل إلى التوفيق بين هذه الإرادات مستحيل، فهو إن أرضى إله المجتمع كبت في داخله شهوته، وإن أرضى إله شهوته خسر إله ماله، وإن أرضى جميع هذه الآلهة التي يشركها مع الله أسخط إلهه الحق الذي ينبعث صوته من داخل فطرته فيقض راحته ويظل شعور التناقض ملازماً له يحرمه من الطمأنينة والسلام.

أما التوحيد فهو يعني أن يوجه الإنسان كل همه وغاياته وحبه وخشيته في اتجاه غاية عليا توافق فطرته فيضفي ذلك عليه شعوراً بالطمأنينة والسكينة والتوافق الداخلي، لأنه لم يعد يعاني من اضطراب الوجهات وتعدد الآلهة، لم يعد لديه ما يخفيه لأن ظاهره قد توحد مع باطنه، وكل الغايات والرغبات قد انصهرت في غاية واحدة كبرى.

إن التوحيد ليس إلا حالة من السلام والتوافق الداخلي نتيجة توحد الإرادة، والشرك هو الاضطراب والقلق والتناقض والجحيم: "إنه من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"..

إن الكون كله مفطور على حقيقة التوحيد: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وكل مشكلات الحياة إن بحثنا في سبب جامع لها فإننا سنجد أنه يتلخص في تناقض الإرادات، بينما السلام لا يكون إلا بتوحيد الإرادة، وحتى في داخل النفس البشرية الواحدة فإن شعورنا بالقلق والاضطراب لا يكون إلا بسبب تناقض الوجهات والغايات وحين تتوحد إرادتنا الداخلية سنمنح السلام والتوافق، وإذا كانت الإرادة الكبرى في هذه الحياة لله تعالى فإن السلام لا يكون إلا حين تصبح إرادتنا تبعاً لإرادته لا نداً ولا منافساً لها.

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

النصوص التنبؤية والجبرية السياسية!

 

أحمد أبورتيمة

 

في أي سياق نفهم النصوص الدينية التي تخبرنا عن أحداث ستقع في المستقبل مثل فتح القسطنطينية و روما، وقتال اليهود واختبائهم خلف الحجر والشجر؟

بدايةً من الضروري الانتباه إلى أن القرآن الكريم وهو النواة الصلبة والنبع الصافي الذي لم يصل إليه أدنى تحريف يكاد يكون خالياً من مثل هذه النصوص التنبؤية، وهذا الخلو طبيعي بالنظر إلى طبيعة رسالة الدين المتمثلة في هداية الناس وشفاء ما في الصدور وتحقيق التقوى والصلاح في حياتهم، فالدين لم يأت ليقدم للناس نبوءات تفصيليةً حول أحداث المستقبل والنبي ذاته يقول: "ما أدري ما يفعل بي ولا بكم" ويقول: " لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء"..

أما السنة ففيها مرويات كثيرة تتنبأ بأحداث تفصيلية ستقع في المستقبل، والمساحة التي أعطتها ثقافة المسلمين لهذه النصوص أخلَّت بالنسبة الطبيعية التي نجدها في القرآن، وحرفت طبيعة الدين من كونه رسالةً روحيةً إصلاحية وحولته إلى تنبؤات مستقبلية وما هذه برسالة الدين، وبالتأكيد فإن هذه الأحاديث قد خلطت بين الصحيح والضعيف..

لكن إذا تجاوزنا مشكلة السند في هذه الأحاديث وتعاملنا مع ما نظنه صحيحاً منها فكيف نتعامل مع هذه الأحاديث في واقعنا وكيف نحول دون سوء فهمها واستعمالها؟؟

ما تفيده هذه الأحاديث هو أن أحداثاً ستقع في وقت ما في ظروف ما بكيفية ما، لكنها لا تأمرنا بفعل محدد غير الأوامر والنواهي العامة في القرآن والسنة، أي أن مضمون هذه الأحاديث لا يبنى عليه فعل محدد، وأن علينا أن نواصل السلوك الطبيعي دون أن تمثل هذه النصوص سلطاناً جبرياً علينا.

لكن المشكلة الخطيرة هي في الأفكار غير المعلنة التي تنشط في الخفاء فتترك أثراً في سلوكنا يشبه حالة الجبرية التي يقاد فيها الإنسان مأسوراً بالأفكار الخفية التي تشكل طريقة تفكيره، فمع أن هذه النصوص التنبؤية لا تأمرنا بأي فعل خاص ولا تطلب منا التدخل لتحقيقها إلا أنه يحدث الخلط بين هذه النصوص المطلقة من التقييد بزمان محدد وبين واقعنا السياسي الراهن فيتشكل تصور في العقول أن مسار الأحداث لن يحتمل إلا شكلاً واحداً يقودنا إلى تحقق هذه النبوءة، وهذا التصور يفصل صاحبه عن الواقع الموضوعي ويدفعه إلى إسقاط كثير من المعطيات، وفي المقابل تضخيم تفاصيل صغيرة ليست ذات قيمة في المشهد السياسي ظناً منه أن هذا هو الوقت الراهن لتحقق النبوءة. وهنا أذكر تعليق فريق من أصحاب هذا التفكير على القصف الكيماوي للغوطة بدمشق وما أعقبه من تهديدات أمريكية بضرب النظام السوري، فاستحضروا النصوص النبوية التي تتحدث عن معركة عظيمة في الغوطة مع الروم، ووضعوا سيناريوهات لحرب عالمية ثالثة وحددوا كيف ستبدأ وكيف ستنتهي، ليس استناداً إلى المعطيات الواقعية بطبيعة الحال إنما استناداً لتوظيف النصوص التنبؤية بمعزل عن شروط الواقع، لكن شيئاً من هذه التوقعات لم يحدث، وانقشع الغبار عن أن التهديدات بالحرب لم تكن إلا للضغط السياسي!

هذا مثال ليس نادراً بل يتكرر باستمرار وأصحاب هذا التفكير يفتنون في كل عام مرةً أو مرتين، فكلما لاح طرف خيط فيه شبهة ربط بنبوءة سارعوا إلى التقاطه وبناء تقديراتهم السياسية وسلوكهم العملي على أساسه، وهذا التوظيف للنصوص التنبؤية يعطي لها سلطان جبر في قيادة تفكيرنا وأفعالنا مما يضر بفهمنا السياسي وقراءتنا الموضوعية للواقع، فنعيش في عالم متوهم ننسجه في عقولنا بدل أن نعيش ظروف الواقع ونفهم متطلباته، وفي هذه الحالة يصبح غير المتدينين أكثر ذكاءً وبراعةً سياسيةً لأنهم قد تحرروا من هذا الإصر والأغلال الذي وضعه المتدينون على عقولهم، فهم يفهمون الواقع متحررين من أي أحكام مسبقة تجبرهم على تطويع الأحداث لموافقتها، هم يقرءون الواقع فيستنتجون من المقدمات الراهنة نتائج محتملةً أما أصحاب الفكر التنبؤي فيضعون النتائج الحتمية في عقولهم ثم يلوون أعناق الأحداث لتناسب تلك النتائج المسبقة مما يعني أنهم لم يعودوا يعيشون الواقع، وفي هذه الحالة يصبح التدين فتنةً للذين كفروا لأنهم سيقولون هذا هو الدين يفصلكم عن الواقع ويبعدكم عن القراءة السياسية العقلانية بينما عقولنا متحررة ونحن واقعيون فلماذا نضطر إلى دين سيقيد تفكيرنا ويخلق جبريةً على أفعالنا!

الدين لم يقل لنا أن نرهن عقولنا لتنبؤات مستقبلية فليست هذه هي وظيفة الدين، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو كان يعيش واقعه السياسي ويحلل معطياته ويبني قراراته على أساس تلك المعطيات ولم يكن ينتظر نزول جبريل عليه السلام ليوجهه في السلوك السياسي، بل إن هناك مثالاً بالغ الدلالة في السيرة النبوية يبطل جبرية النصوص التنبؤية وهو موقفه في صلح الحديبية وكان قد أخبر صحابته بأن الله تعالى بشره بدخول مكة وطواف البيت: "لقد صدق اللّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين" فلم يشك الصحابة في أن هذه الرؤيا ستتحقق العام، لكن لما تم توقيع صلح الحديبية كان من شروطه أن يرجعوا إلى المدينة دون أن يعتمروا وأن يعودوا في العام القادم، فوقع في نفوس بعض الصحابة رضي اللّه عنهم من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب النبي: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟" قال: لا، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "فإنك آتيه ومطوف به".

هذا المثال نموذجي لأنه متكامل الأركان قد حضر فيه النص التنبؤي من جهة ومقتضيات الفعل السياسي الواقعي من جهة أخرى.

النبوءة القرآنية تبشر الصحابة وهم في المدينة قد أبعدوا قسراً عن وطنهم أنهم سيدخلون المسجد الحرام، ولما شارف الصحابة فعلاً على الوصول إلى مكة وصاروا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق البشارة تطلبت مقتضيات السياسة الواقعية فعلاً آخر وهو توقيع اتفاق مصالحة مع قريش كان من مقتضياته ألا يدخل المسلمون هذا العام المسجد الحرام حتى لا تقول العرب إنهم دخلوها عنوةً على قريش وأن يعودوا في العام القادم، هنا حدث لبس في فهم المسلمين يشبه ما يحدث في عصرنا هذا أيضاً وهو التناقض بين مضمون البشارة القرآنية وبين الواقع السياسي الراهن، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أزال هذا اللبس ببساطة، فالبشارة القرآنية حتمية الوقوع لكن ليس بالضرورة في الوقت والكيفية التي نظن أنها ستحدث فيها، وكل ما تفيده البشارة هو الطمأنينة العامة لكنها لا تفصلنا عن مقتضيات الواقع السياسي ولا تجبرنا على فعل محدد، والنبي عليه السلام تصرف بمقتضى الواقع السياسي لا بمقتضى البشارة القرآنية التي منحته الطمأنينة بحسن العاقبة.

هذا هو المنهج الذي ينبغي أن نتمثله في سلوكنا السياسي، أن نحرر عقولنا من جبرية النصوص، وأن نتصرف وفق مقتضيات الواقع ونبني سلوكنا العملي وفق الفهم الموضوعي للحالة الراهنة، أما ما صح من الأحاديث التنبؤية فهو سيحدث يوماً ما بكيفية ما، وعلم ذلك عند ربي، ومعرفة حدوثه لا يقتضي منا فعلاً خاصاً ، لأن الله لم يكلفنا باستقدام هذه الأحداث، بل كلفنا بما نراه في واقعنا.

من أبرز تجليات مشكلة الجبرية في فهم النصوص التنبؤية الموقف من الأحاديث التي تخبر عن قتال المسلمين لليهود واختباء اليهود خلف الشجر والحجر، والظن أن هذه النبوءة ستتحقق بالضرورة في هذه المرحلة التاريخية وفي هذه الجولة من جولات الصراع، مما يؤدي إلى رفض أي تناول سياسي لمشكلة الاحتلال في فلسطين، والزهد في مناقشة الحلول السياسية الممكنة، ليس بدافع فهم الواقع، إنما بتوجيه الأفكار الخفية في اللا شعور والتي أنشأت خيالاً عاماً حول توقع صيرورة الأحداث، والنبوءة لم تخبرنا عن موعد تحققها، فما يدرينا ربما تنتهي هذه الجولة بحل سياسي، وتعود الكرة بعد ألف أو ألفي سنة خاصةً، فتتحقق النبوءة في ذلك الوقت، فما دمنا غير متأكدين فإن التعامل ينبغي أن يكون واقعياً، وأفعالنا ينبغي أن تستند إلى فهم مقتضيات الواقع ومراعاة موازين القوى، وكل ما نبأ به النبي سيتحقق يوماً ما بطريقة ما لكننا لسنا مكلفين بأكثر من الاستجابة العقلانية لتحديات الواقع والغيب لله وحده..

صفحتي على الفيسبوك: www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gifabu-rtema@hotmail.com

 

 

 

جدلية العلمي والإلهي...

"فاليوم ننجيك ببدنك" مثالاً..

أحمد أبورتيمة

يقول أصحاب مدرسة الإعجاز العلمي إن من معجزات القرآن أن الله تعالى نجى بدن فرعون: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيةً"، وهو ما يصدقه العلم الحديث إذ إن مومياء فرعون لا يزال محفوظاً في متحف القاهرة حتى اليوم، لكن العلم يقول أيضاً إن هناك عشرات المومياءات الأخرى المحفوظة حتى اليوم ، وإن سر بقائها هو معرفة قدماء المصريين أسرار التحنيط. .

هل نحن حقاً أمام تفسيرين متناقضتين؟ وهل بقي جسد فرعون بمعجزة أم أن من حفظ جسد فرعون هم قدماء المصريين تماماً كما حفظوا مومياءات الملوك الآخرين عبر وسائل التحنيط التي عرفوها؟؟ 

بدايةً أنبه إلى أني لا أمتلك معلومات تاريخيةً ولا تفاصيل علميةً إنما قصدي تقديم إطار للتفسير بغض النظر عن التفاصيل التي يتكفل العلم بتوفيرها..

القضية لا تتعلق بتناقض بين روايتي الدين والعلم، والالتباس ناشئ فقط عن اختلاف زاوية المعالجة، فالقرآن يتناول المسائل بما يناسب رسالته الروحية لذلك فهو يسقط كل التفاصيل المعرفية غير الضرورية لتحقيق رسالته، عكس العلم الذي يهتم بتفاصيل الإجابة عن أسئلة ماذا وكيف...

القرآن يخبرنا أن الله نجى بدن فرعون، وهذا الإخبار لا يأتي في سياق وصف منجزات الحضارة الفرعونية فذلك تخصص العلم، بل يأتي في سياق استخلاص العبرة من مصائر الظالمين، لذلك يعلل القرآن سبب إنجائه: " لتكون لمن خلفك آيةً"، فمن زاوية نظر الدين فالآثار التاريخية ليست للمتعة السياحية والاندهاش، بل هي للتفكر في مصائر الأمم الغابرة واستقاء العبرة، ولهذا السبب أيضاً فإن القرآن ينسب إبقاء جسد فرعون سليماً إلى الله: " ننجيك"، ونسبة الفعل إلى الله ينظر الماديون إليها بأنها فرضية غير ضرورية لكنها في القرآن تناسب مقاصده لأنها تبين حقيقةً إيمانيةً بأن الله هو الفاعل والمحيط من وراء كل أحداث التاريخ والكون..

في ذات الوقت الذي يسقط فيه القرآن التفاصيل العلمية فهو لا يناقضها، فلا يوجد في ذكر نجاة فرعون موسى ما ينفي أنه نجى آخرين، لكن القرآن اكتفى بذكر مثل لحالة نموذجية لبيان عاقبة الظالمين..

القرآن أيضاً لا يذكر الآلية التي نجا الله بها بدن فرعون "كيف"، وليس في السياق القرآني ما يبين إن كانت عبر معجزة استثنائية أم عبر قوانين طبيعية يمكن فهمها بالبحث العلمي، وهنا تبرز إشكالية العقلية المعجزاتية التي لا تستطيع أن تفهم فعل الله إلا بالخروج عن سنن الطبيعة، وهي مشكلة كبيرة ندفع تكلفتها الباهظة بالانفصال عن الواقع والبحث العلمي لأننا لا نرى في القرآن سوى محتوىً غيبي دون قدرة على تفكيك مكوناته  وإخضاعه للسنن العلمية، مع أن الله يوجهنا في مئات الآيات بأن السنن الطبيعية هي آيات الله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم"، بل إن أفعال الإنسان ما هي إلا تعبير عن إرادة الله وعمله في هذا الكون: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون" مع أن وسائل المواصلات الحديثة مثل السيارة والطائرة هي من اختراع الإنسان إلا أنها من خلق الله فهو الذي هدى الإنسان إلى صناعتها..

في ظل هذه الرؤية القرآنية فإنه لا معنى للفصل بين العلمي والإلهي، فالله حاضر في كل الأحداث الكونية، وفعل الله لا يتضح عبر المعجزات الاستثنائية فقط بل عبر السنن الطبيعية، وكما أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود في الماضي فإنه أهلك أيضاً في زماننا الحاضر الطغاة من أمثال شاه إيران وصدام وتشاوشيسكو وهتلر والقذافي، لذلك فإن قولنا إن أمريكا أسقطت صدام لا يتعارض مع القول بأن الله أسقط صدام، فالقول الأول تفسير للكيفية الواقعية وهذا هو اهتمام العلم، أما القول الثاني فهو حديث في الغايات الكلية للوجود وهذا هو اهتمام الدين..

الأمر متروك للعلم فإن أثبت العلم أن بقاء جسد فرعون مرده إلى التحنيط فلن يكون في هذا أي تعارض مع فعل الله، فالله تعالى هو الذي علم الفراعنة أسرار التحنيط: "علم الإنسان ما لم يعلم"، وما الذي يمنع أن فرعون بعد غرقه تم استخراج بدنه من البحر وتحنيطه كما كانت التقاليد سائدةً في التعامل مع الملوك آنذاك، وأن هذا التحنيط هو الذي حفظه من التحلل، وفي جميع الأحوال فإن الله هو الفاعل الأول تماماً كما أن الله هو الذي يهلك الظالمين في زماننا ليس بإرسال صاعقة من السماء، إنما عبر القوانين الطبيعية التي أودعها والتي تقضي بتداول الأيام وتدافع الناس وصعود أمم وموت أخرى..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

عالم بلا حروب

احمد ابو رتيمة

 

"عالم بلا حروب" ليست فكرةً طوباويةً بل هي قابلة للتحقق وإن تطلبت نضالاً مريراً ومعركةً طويلةً ولنا مثال في العبودية كيف كانت مكوناً راسخاً في الحياة الاجتماعية البشرية قروناً طويلةً حتى إن القرآن ذاته لم يستطع تجاوز قوة تغلغلها فلم يرد في القرآن آية صريحة تحرم الاسترقاق ثم جاء اليوم الذي اختفت فيه العبودية بفعل التطور التاريخي..

ما دام هذا المثال ساطعاً أمامنا فلماذا لا نتفاءل بأنه سيأتي أيضاً اليوم الذي تختفي فيه الحروب من حياة البشر ليس بالضرورة بدافع أخلاقي-الفكرة الطوباوية أن نظن أن الناس سيصبحون كلهم طيبين أخياراً- بل بدافع سياسي حين تنمو قناعة لدى كل أمم الأرض بأن الحروب لن تحل لأحد مشكلاته ولن يخرج منها أحد منتصراً وأن كل ما ستفعله الحروب هو المزيد من المآسي والدموع والدماء وأن هناك صيغاً للتنافس بأدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية...

هذا الهدف يستحق على الأقل أن نقاتل في سبيله والمفاجأة أن أكثر أمة مؤهلة للدعوة للسلام ووقف الحروب على هذه الأرض هي أمة الإسلام وذلك لما يتضمنه القرآن من روح سلامية عميقة حتى وهي تتناول القتال فإنها تقدمه في صورة خيار اضطراري دفاعي ولا تقدمه بأنه مقصود ومطلوب لذاته مما يعطينا الجرأة على تجاوز مربع ردود الفعل في تبرير حقنا بالقتال إلى مربع أكثر تقدماً وهو دعوة البشرية جمعاء إلى صيغة سلامية تحيد فيها القوة العسكرية ويتوقف فيها البشر عن سفك الدماء ويلجأوا لميادين أخرى للتنافس فيما بينهم..

فهل من مدكر..

صفحتي على الفيسبوك:  https://www.facebook.com/

 

 

الدين لا يزاحم العلم ولا يناقضه

احمد ابو رتيمة

 

الدين لا يزاحم العلم في ميدانه لكنه لا يناقضه في نتائجه..

الدين يهتم بميدان مختلف تماماً عن ميدان اهتمام العلم..

مثلاً يتحدث القرآن عن نزول الغيث فيقول: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار" إن القرآن يتناول السحاب والأمطار من الزاوية التي تناسب وظيفته الروحية فهو مهتم بإبراز جانب الفضل الإلهي في هذه الظاهرة لكنه لا يقدم لنا آليات علميةً محددةً عن كيفية تكون السحاب ونزول الأمطار فهو لا يتحدث عن المنخفضات الجوية ولا عن الشحنات الموجبة والسالبة فهذه متروكة للبحث العلمي..

الدين يجيب عن سؤال "لماذا" والعلم يجيب عن سؤال "كيف"..

مهما تعمق العلم في بحوثه التجريبية فهو لن يتناقض مع التناول الديني للظواهر.. ببساطة لأنه لا يزاحم العلم أصلاً في ميدانه وهو يبحث في ميدان آخر مختلف تماماً..

كل ما تقوله الآية أن الله هو الذي ينزل الغيث رحمةً بعباده أما كيف فهذا متروك للعلم ..

صحيح أن العلم يمنحنا أدوات معرفيةً لمقاربة المقصد الديني: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" لكن جوهر الدين مستقل عن ميدان العلم لأن الدين يهتم بالتزكية الروحية للإنسان وبتحقيق الغائية في حياته وإكسابه الطمأنينة والتوازن النفسي أما العلم فهو عملية تقنية تهدف إلى تحسين مستوى حياة الإنسان على الأرض..

الخطأ المنهجي الذي يقع فيه كثير من المسلمين هو أنهم يخلطون بين ميدان القرآن وميدان العلم فهم يسعون للتوفيق التلفيقي بين الآيات القرآنية والحقائق العلمية عبر ما يسمى بالإعجاز العلمي ومشكلة هذه المحاولات التوفيقية-التي ستنجح أحياناً بلا شك- أنها تحرف اتجاه اهتمامات القرآن وتسعى لاستنطاقه إجابات لم يأت أصلاً ليجيب عنها فالقرآن ذاته قال عن نفسه أنه كتاب هداية وشفاء لما في الصدور ودعانا للبحث عن الإجابات العلمية خارجه وليس في ثناياه فقال لنا: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"، وقال: " وكم من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. إن القرآن ذاته يقول لنا: ابحثوا في الأرض وفي الآفاق وفي الأنفس حتى تجدوا آيات الله ولا يقول لنا إنه كتاب احتوى حقائق تفصيليةً في الفيزياء والأحياء..

إن أقصى ما يحتمله القرآن هو أنه لن يتناقض بحال من الأحوال مع التفاسير العلمية مهما ذهبت بعيداً لذا فإن الخلط بين الأمرين خطير فالقرآن لا يضع تابو على التفكير العلمي ولا يضع حدوداً يحرم على العلماء اقتحامها فلينطلق العلماء إلى آخر مدىً يسعهم: "إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" وليبحثوا في كيفية خلق الله فالعلم ذو طبيعة وصفية أي أنه يصف الظواهر الموجودة فعلاً أما الدين فهو الذي يقدم الإطار الكلي الذي يربط الإنسان بالمطلق ويريه الصورة النهائية ويضفي عليه السكينة والطمأنينة..

 

مزيد من خواطري في صفحتي على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

رحلة إبراهيم إلى الله

احمد ابو رتيمة

 

إن رحلة إبراهيم عليه السلام في البحث عن الله تمثل تجربةً فكريةً روحيةً متكاملة الأركان، وهي دليل بأن طريق الفكر والتساؤل التي يصدق فيها الإنسان في طلب الحق ستصل به إلى الإيمان يقيناً، فلا خشية على الإيمان من التساؤل والبحث وإخضاع المسلمات للتحقق والتأكد والشك الموصل إلى اليقين..

لقد رأى إبراهيم كوكباً فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، وإبراهيم في هذا الموقف يتبع منهجاً علمياً تجريبياً، فهو وضع فرضيةً واختبرها لتفسير حقائق الواقع حتى ثبت بطلانها، ففرضية أن الكوكب هو الرب ظلت ساريةً حتى أفل الكوكب، والرب المفترض لا ينبغي له أن يأفل لأن أفوله يعني غياب الرقابة وفساد الكون، فسقطت هذه الفرضية علمياً، ثم لما رأى القمر بازغاً وضع فرضيةً علميةً أخرى: "قال هذا ربي"، فلما أفل سقطت هذه الفرضية بدورها لكن إبراهيم يدرك ابتداءً بفطرته وعقله أنه لا بد من رب، وأن سقوط فرضية كون الكوكب أو القمر رباً لا ينفي مبدأ وجوده لذلك دعا هذا الإله الذي يبحث عنه: "قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ"، ثم لما رأى الشمس بازغةً وضع فرضيةً ثالثةً: "قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ"

وهو أيضاً منطق علمي، فالرب ينبغي أن يكون أكبر من كل شيء، وما دامت الشمس أكبر من الكوكب ومن القمر، فهذا يعني أن نخضعها للتحقق إن كانت تختلف عن سابقيها اللذين ثبت بطلانهما حين أفلا، فلما أفلت الشمس بدورها علم إبراهيم أن الإله أكبر من ظواهر الطبيعة التي تنتابها مظاهر الأفول والمحدودية والقصور لذلك أعلن براءته الفطرية من الشرك بكل شيء دون ذلك الإله الأكبر المتعالي المطلق.

إن رحلة إبراهيم في الوصول إلى الله قامت على حرية التفكير والتساؤل إلى آخر مدىً وكان يضع كل الفرضيات تحت مجهر الفحص والتدقيق باحثاً عن الحق، فالحق هو ما يثبته البرهان والمنهج العلمي، والباطل هو ما يبطله التساؤل والتفكير، وحين آمن إبراهيم بالله تعالى فإن إيمانه كان ثمرة اتباع المنهج العلمي فقد آمن بالإله الذي توافرت فيه كل صفات الكمال والتعالي والقدرة: "الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين"، ومحاججة إبراهيم لقومه كانت قائمةً على التفكير العقلي فبطلان عبادة الأصنام راجع لأسباب علمية إذ إنها تفتقد للشروط التي تؤهلها لتكون آلهة: "قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون".

 

المزيد من خواطري تجدونها في صفحتي على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

هل تجدي المقاومة السلمية في غزة؟

الجزء الثاني

 

أحمد أبورتيمة*

 

تمتاز المقاومة السلمية أيضاً بأنها متحررة من القيود المفروضة على المقاومة العسكرية، فالمقاومة السلمية لا تخضع لاتفاقات التهدئة مع الاحتلال، وهي أنشطة غير مركزية، فلا تملك إسرائيل ولا الوسيط المصري محاسبة فصيل معروف عليها، إذ إن أي تجمع شبابي قادر على أخذ زمام المبادرة والإبداع في هذا الميدان، وإذا كان إطلاق صاروخ واحد في فترات التهدئة كافياً لإعطاء دولة الاحتلال مبرراً لإغلاق المعابر وقصف القطاع، فإنها تجد صعوبةً أكثر في التعامل مع المقاومة السلمية التي لا تمثل أي جريمة أو مخالفة في الأعراف الإنسانية السائدة مهما كان السياق السياسي، ومن الصعب على إسرائيل أن تبرر إغلاق المعابر بمسيرات وأنشطة سلمية مهما كانت هذه الأنشطة مزعجةً لها، أما ما يشاع بأن المسيرات السلمية دعوة للموت المجاني فهي إشاعة تخدم ما يريده الاحتلال، لأن الهدف الحقيقي لإطلاق النار على هذه المسيرات وتعمد الاحتلال إسقاط جرحى كل مرة هو هزيمة الوعي الفلسطيني بأهمية هذه الوسائل السلمية وإجهاض الفكرة في مهدها قبل أن تقوى وتتطور بما يمثل تهديداً حقيقياً له، ولو لم تكن هذه الوسائل مزعجةً للاحتلال لتركها تقوى ولما عبئ بها.

لا يعني دفاعي عن المقاومة السلمية تبنياً كاملاً للمسيرات التي تجري كل جمعة شرق غزة، فلدي ملاحظات عليها تتمثل في عدم تأييد وصول الشباب إلى السياج الحدودي وتعريض أنفسهم للموت، لأن الهدف -في هذه المرحلة على الأقل- هو تقوية هذه الفعاليات وتحقيق أهداف إعلامية وجماهيرية، وحشد المشاركين المحليين والمتضامنين الدوليين مع هذه الأنشطة عبر خلق عنوان مستقطب لهم، وهي أهداف يمكن تحقيقها بالمحافظة على بعد مناسب عن السياج دون مخاطرة، لكن ملاحظاتي فنية تهدف إلى تطوير الأفكار، وهي تختلف عمن يعترض على المبدأ ذاته ولا يؤمن بجدوى أي شكل من أشكال المقاومة السلمية، ويدعو إلى الاكتفاء بالانتظار السلبي للمواجهات المسلحة القادمة..

إذا كانت دولة الاحتلال صاحبة التفوق العسكري بلا منازع والتي ترجح موازين القوى لصالحها لا تجد في كل ما تملكه من قدرات عسكرية وأمنية بديلاً عن النشاط الإعلامي والسياسي الذي تهدف من خلاله إلى منح نفسها مبررات أخلاقيةً وإلى حشد التأييد الدولي لأنها تعلم وهي في موقع القوة أن كل القدرات التي تملكها حتى لو كانت نوويةً لا تغني عن الحاجة إلى شرعية التأييد العالمي.. إذا كان هذا حال الفريق المتفوق عسكرياً فما بال قوم يظنون أن امتلاكنا أدوات عسكرية ستظل متواضعةً بميزان القوة المادية يغنيهم عن الحاجة لأدوات النضال الشعبي التي تحشد التضامن الإنساني وتعزز أخلاقيتنا؟

أقصى ما تحققه المقاومة العسكرية للفلسطينيين هو أنها تخلق توازن ردع مع الاحتلال، وتحقق مكاسب سياسيةً، لكن حين يكون الحديث عن معركة طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق أهدافنا الوطنية، فهذا لن يكون إلا بمنظومة متكاملة تشمل الجهود الشعبية والإعلامية والسياسية والاقتصادية، ونحن أحوج من دولة الاحتلال لكسب المعركة الإعلامية لصالحنا، وهو ما لا يتحقق عبر الصراع العسكري إنما عبر المحافظة على الطابع الشعبي لمقاومتنا ضد الاحتلال..

هناك تصور مبسط لمفهوم المقاومة السلمية يقوم على أنها مسيرات تقابل الصواريخ والرصاص الإسرائيلي بإلقاء الورود، وهذه الصورة المختزلة ساهمت في تزهيد الفلسطينيين فيها، لكن المقاومة السلمية أكبر من هذا التبسيط بكثير، فهي منظومة متكاملة ومتراكمة من الجهود الشعبية والاقتصادية والإعلامية والقانونية الإبداعية التي تهدف في محصلتها إلى تحشيد التضامن الإنساني العالمي مع قضيتنا والضغط على دولة الاحتلال وتعريتها أخلاقياً واستنزاف رصيدها السياسي والإعلامي، فكل جهد يصب في اتجاه استقطاب الدعم العالمي ومحاصرة الاحتلال بالأدوات المدنية يدخل في تعريف المقاومة السلمية، ومن أمثلتها حملة المقاطعة الدولية التي يشتكي منها قادة الاحتلال، حتى إن نتنياهو دعا وزراءه للبحث في سبل التصدي للمنظمات الناشطة في مجال المقاطعة.

الحديث عن العمل بصمت دون ضجيج التظاهرات والأنشطة السلمية طرح ساذج لا يدرك أن حقيقة المعركة بيننا وبين عدونا أنها معركة على الوعي، وأن مقياس نجاح أي وسيلة نضالية ليس في قدرتها على إراقة دماء أكثر، بل مدى قدرتها على خلق وعي ذاتي وعالمي مناصر لحقوقنا، وتشكيل الوعي لن يكون إلا بمنظومة مكثفة من الجهود الجماهيرية والإعلامية المتنوعة المحلية والدولية.. 

كاتب فلسطيني من غزة

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل تجدي المقاومة السلمية في غزة؟

الجزء الأول

أحمد أبورتيمة

 

قاد الأداء الجيد للمقاومة العسكرية في قطاع غزة  خاصةً حين يقارن بأحوال الضفة الغربية إلى خلق قناعة لدى تيار شعبي كبير بأن كل أشكال المقاومة الأخرى غير مجدية ولون من العبث والموت المجاني، ورأينا من ينظر إلى كل من يفكر في وسائل أخرى في مقاومة الاحتلال بنظرة استعلائية منطلقاً من اعتقاده بأن المقاومين الحقيقيين يعملون في صمت ولا يظهرون في الإعلام وأنهم منشغلون في هذه الأثناء بتطوير السلاح وحفر الأنفاق، وأن السيف أصدق أنباءً من الكتب وأن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفةً من حديد..

الإيمان بجدوى المقاومة العسكرية وحدها وفقدان الثقة بالوسائل الأخرى دفع باتجاه عسكرة المجتمع، وتمثلت هذه العسكرة في توقف الإبداع النضالي المتعدد الهادف إلى مراكمة الإنجازات الوطنية والضغط على الاحتلال، وجمد الفكر في صندوق صغير يتمثل في التجهيزات العسكرية، كما أنه خلق حالةً من السلبية العامة في نفوس الجماهير، لأن العمل العسكري بطبيعته نخبوي لا يشترك في الإعداد والتنفيذ له سوى دوائر ضيقة ويحاط بالسرية والكتمان، وفلسفة المقاومة العسكرية تعني التواري عن الأنظار والاستعداد في الخفاء للجولة القادمة، والتواري عن الأنظار يبعد الجماهير عن التماس المباشر مع قضيتها، ويشغلها بقضاياها المعيشية وحين لا تكون حاضرةً أمامها أمثلة للاشتباك الدائم مع العدو فسيتراجع من دائرة وعيها الاهتمام الوطني،  وهو ما تحققه الوسائل الجماهيرية التي تتطلب إبرازاً دائماً للقضية في الإعلام واستقطاباً للتفاعل الوطني والعالمي بها..

من ناحية أخلاقية فإن غياب مشهد الاشتباك الجماهيري الدائم مع العدو وتراجع الاستحضار اليومي في الإعلام لصورة العدو المجرم القاتل يضر بنفسية المقاتل ذاته، فيبعده عن حقيقة المقاتل انطلاقاً من الهم المسيطر عليه برفع الظلم عن شعبه، ويقربه من صورة المقاتل المحترف لأجل القتال، وهذه الحقيقة النفسية تنبه إليها خالد بن الوليد رضي الله عنه حين أمسك المصحف وبكى وهو يقول: "شغلنا عنك الجهاد"، والمعنى المستبطن هو أن العسكرة تؤدي بالضرورة إلى تراجع الجوانب الإنسانية، وحين يكون الحديث عن قضية عادلة مثل قضية فلسطين فنحن لسنا معنيين بالمقاتل المحترف بل بالمقاتل الإنسان.

سيرد كثيرون سريعاً أنه لا ينقص المقاتلين تعبئة أخلاقية وأن كل عوامل الاستفزاز حاضرة أمامهم، لكن المشاهد التقليدية متمثلةً في الأخبار اليومية عن انتهاكات الاحتلال بحق الأقصى والأسرى وأخبار الشهداء تصبح روتينيةً مع الوقت، والذي يجدد نفسية المقاتل الإنسان ويحميه من خطر المقاتل المحترف هو وجود حالة متجددة من الاشتباك الجماهيري مع الاحتلال تعزز الشعور في نفسه بأنها معركة بين شعب متشبث بحقوقه وبين عدو يحمل مشروعاً استيطانياً إحلالياً..

هذا البعد الأخلاقي الذي تحققه المقاومة السلمية ضروري أيضاً لكسب معركتنا الإعلامية على مستوى العالم، ولاستقطاب مناصرين من شتى أنحاء العالم والذين سيمثلون بدورهم حالة ضغط سياسي على صناع القرار في بلدانهم، والاقتصار على المقاومة العسكرية وحدها يصور المواجهة بأنها بين جيشين متكافئين، وفي هذه الحالة حتى لو انتصرنا فسيكون انتصاراً عسكرياً منزوعاً من أبعاده الإنسانية الأخلاقية، وسيكون من حق إسرائيل استعمال أقصى ما لديها من ترسانة عسكرية للرد عليه، هذا عدا أن الانتصار العسكري وحده لا يعطي شرعيةً أخلاقيةً ما لم نكن مستندين إلى رواية قادرة على إقناع الناس بأننا أصحاب قضية أخلاقية وأننا نواجه عدواً خارجاً عن القانون، وترسيخ هذه الرواية لا يكون إلا عبر جهود تراكمية من وسائل المقاومة السلمية التي تستعمل الأدوات الإعلامية والشعبية والقانونية والاقتصادية في تشديد الحصار على عدونا وتسجيل نقاط لصالح قضيتنا..

المقاومة السلمية تتميز بأنها تخلق إيجابيةً أكثر في نفوس الشعب لأنها تقوم على مشاركة قطاعات واسعة من الناس في أنشطتها كما أنها تبقي القضية حاضرةً إعلامياً وتزعج الاحتلال وتنسف روايته حول مواجهة مجموعةً من المقاتلين، وإسرائيل تملك القدرة على مواجهتنا في الميدان العسكري فهو عنصر قوتها، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر، لكنها لا تملك القدرة على هزيمتنا في الميدان الأخلاقي كونها تقوم على رواية ضعيفة متهاوية بينما نستند نحن إلى أساس أخلاقي متين.

المقاومة السلمية هي التي تملك القدرة على ملء الأوقات المهدرة بين جولات التصعيد العسكرية، فعسكرة الصراع مع الاحتلال غيرت طبيعة المواجهة من كونها انتفاضةً يوميةً مستنزفةً لهدوء الاحتلال واستقراره وطاردةً للمهاجرين منه ومضطرةً له للبقاء في حالة استنفار أمني، ووضع سياسي واقتصادي غير طبيعي، غيرتها إلى موجات تصعيد قصيرة تعقبها فترات هدوء كبيرة بانتظار الموجة القادمة، وفي هذه الفترات يلتقط الاحتلال أنفاسه، ويستثمر الوقت في تمرير مخططاته الاستيطانية في القدس والضفة وفرض وقائع جديدة دون أن تملك المقاومة العسكرية أريحية الرد كونها تخضع في حركتها لحسابات كثيرة، كما يستفيد الاحتلال من فترات التهدئة في استقطاب الاستثمار وتنشيط السياحة واستئناف الحياة الطبيعية، لكن وجود برنامج دائم لأنشطة جماهيرية وإعلامية إبداعية بشكل متصاعد على غرار بلعين ونعلين هو الذي يحرم إسرائيل من فوائد فترات الهدوء العسكري وسيضطرها للانجرار إلى معركة الاستنزاف الطويل التي يتفوق الفلسطينيون فيها كونهم متجذرين في أرضهم ومتشبثين بحقوقهم ويستندون إلى دافع أخلاقي أقوى.

يتبع في الجزء الثاني....

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

مفهوم "التضحية" وتوظيفه في المكان الخطأ..

أحمد أبورتيمة

 

من بذور الأفكار الخطيرة المتسللة إلى وعينا الجمعي فكرة التضحية مؤشراً على صحة المسار، فكلما كانت هناك دماء وضحايا أكثر، منحنا ذلك شعوراً مطمئناً أننا نسير في الاتجاه الصحيح..

هذه الفكرة تخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب، فتضحية إنسان في سبيل فكرة هو مؤشر فقط على قوة إيمانه بها، لكنها ليس ضماناً على صواب الفكرة بالضرورة فهناك ملايين من مختلف المذاهب تسابقوا إلى الموت دفاعاً عن مذاهبهم دون أن يعني هذا صحة أفكارهم، وحتى لو افترضنا صحة المبدأ فإنه قد يكون بالإمكان حين نفكر بعقولنا وننظر من زوايا أخرى أن ننصر مبادئنا بتكلفة أق