الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

ميدان عمود النصر في برلين

ضرغام الدباغ

اضطررت اليوم (13 / نوفمبر) للخروج من البيت، للقاء صديق عزيز، رغم خطورة موقف الكورونا وانتشاره المخيف في برلين. ولما كانت المقاهي والمطاعم قد أغلقت أبوابها أثر تفاقم انتشار الفيروس، أضطررنا أن نتوقف في شارع عريض واسع طويل في برلين (شارع 17 / حزيران) تطل حدائق كبيرة من الجانبين، لذلك فهو شارع جميل للتمشي ولمن يمارسون رياضة الهرولة.

في النهاية الشرقية للشارع (وطوله 3580 م) الذي يمتد هناك بوابة براندنبرغ الشهيرة في أعلاها سيدة تمتطي عربة حربية تجرها 4 خيول بأتجاه الشرق (ولذلك مغزاه السياسي)، ومن الجهة الغربية  عمود النصر (**) . وتذكرت فوراً أني هنا في نفس المكان ألقيت مناضلاً عربيا عام 1976، وكان يائساً من كل شيئ، وخلال محادثة أستغرقت ربما الساعتين تمكنت من إعادة التفاؤل لصديقي وإعادته إلى ساحة نضاله.

وأخذنا أنا وصديقي اليوم نتمشى والطقس كان لطيفاً، ونتجاذب أطراف الأحاديث، والذكرى تشدني لموعدي عام 1976 (قبل 44 عاماً) وأنا أقول لصديقي الشاب، وهو يمر بمرحلة يأس مماثلة : " طب نفساً، أنت تبحث عن حل ولا تجده، والحل سيأتي بنفسه إليك، المعسكر الذي تعارضه، سيسقط حتى بدون تدخل مباشر منك، لا تيأس ... لا تغادر الساحة، لا ترفع الراية البيضاء، لا تفعل شيئاً سوى إدامة القدرة في روحك على المطاولة، الخسارة والهزيمة ليست عاراً، أبق راقب المشهد، كون لنفسك رصيداً من القدرات النضالية بتكثيف الوعي وسترى أنك لا تحتاج لأن تفكر بالعنف، خصمك سيسقط لأنه على خطأ ويدير معاركه بشكل خاطئ، والساحة التي كانت تحتمل وجوده (وربما ساعدته في معركه الدونكيشوتية) ها هي تتعرض للتغير وربما للتغير الشامل، وهنا (خصمك) لم يطرح نفسه كشيئ تاريخي، بل كظاهرة سياسية، والظاهرة السياسية يمكن لها أن تتغير، ومعها تتغير قواعد العمل والمناورات والصراعات و .... النتائج ...!

فكرت أني ربما أحتاج لأضرب بعض الأمثلة على مداخلتي الصمودية ..! فقلت له " لاحظ أن العالم شهد النظام الدولي فيه التغير ثلاث مرات خلال أقل من قرن واحد بين 1920 وعام 1989، (خلال 69 عام)، تغير فيه وضع القوى العالمية تغيرا كبيراً، وتبعاً لذلك الوضع الاقتصادي أيضا،  وها نحن نسير في شارع شهد أحداث تاريخية هائلة، لاحظ هنا كان هتلر يستعرض قواته المدرعة والآلية التي لا تقهر، ولكن أنظر إلى هذا النصب التذكاري للجيش السوفيتي الذي أحتل برلين ... من كان يعتقد أن الاتحاد السوفيتي سيتفكك وهو يملك أكثر (4500) رأس نووي ... من كان يعتقد أن نظام شاه إيران مثلاً سيتهاوى وهو لديه جهاز السافاك بخمسة ملايين منتسب، هناك أحداث تقع ليس لأن خصومها أسقطوها بالتفوق، بل لأن استحقاقها الزمني قد شارف على النهاية وحاصرته التناقضات، هناك من القيادات التاريخية التي تتمتع بعبقرية قيادية وذكاء تتمكن من التنبؤ بالمستقبل لأنها أدركت أتجاه مسار الأحداث، فتعمل على تفكيك الأزمة تحت السيطرة ..كما فعل غورباتشوف، فتحتمل الخسارة القليلة لتجنب الخسارة الفادحة الأكبر، ثم لاحظ بالأمس فقط، وافقت القيادة الأرمينية على الاستسلام، تفاديا الانهيار الشامل والتام، ربما سيعقبه أنهيار الدولة... ولكن ماذا ستفعل قيادة إذا كانت جمجمتها محشوة بالغازات والخرافات، قادة بعقلية فتاح الفال وضاربي الودع ..!

الزمان له دورته، المراحل تتهاوى، وهناك شيئ أسمه الحتمية التاريخية،، وليس بوسع قوة في العالم الوصول لنتيجة عبر وسائل خاطئة، سيتمكن يوماً من مغافلة البعض، ويحتال على بعض، ولكن سيأتي يوم تنتهي فيه ألعاب المهرجين والأكروبات . وفي هذه تحكم قوانين التطور التاريخي وليس الخرافات والذي يأتي ولا يأتي .... هكذا سارت الحياة منذ بدء الخليقة وحتى اليوم، وهكذا سوف تتواصل.

لاحظت أن صديقي أرتاح وأطمأن وعادت البسمة لوجهه، والثقة والأمل ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

(*)عمود النصر القائم وسط ساحة شارع ( 17 / حزيران) وارتفاعه 67 متراً في منطقة تيرغارتن،هو واحد من أهم المعالم  الهامة في العاصمة الألمانية / برلين السياحية وتعد أيضاً من أهم المعالم الوطنية في ألمانيا شيدت النصب بين أعوام  1864-1873 من قبل المعماري هاينريش شتراك تخليداً لذكرى حروب توحيد ألمانيا، ثم نقل إلى موقعه الحالي عام 1938 إلى 1939 جنبا إلى جنب مع آثار السياسي الكبير بسمارك، ومولتكه.

(**) النظام الدولي الأول هو عصبة الأمم (League of Nations) وتأسس في جنيف عام 1920، ونظام هيئة الأمم المتحدة (United Naitions) وتأسست عام 1945 في سان فرانسيسكو / الولايات المتحدة، والنظام الدولي الجديد "العولمة " وتأسس عام 191 في اجتماع الرئيسين الأمريكي بوش والسوفيتي غورباتشوف في المياه الاقليمية لجزيرة مالطا عام 1989.

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا