الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

ليبيا: أية معجزة

تعرّف جنس الملائكة؟

صبحي حديدي

 

ثمة الكثير من الفوارق التي تضع الأمريكي وليام جوزيف بيرنز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على ضفة معاكسة، إنْ لم تكن مناقضة، مع السنغالي عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا منذ أيلول (سبتمبر) 2022؛ والقواسم المشتركة بينهما، إنْ وُجدت، فهي لا تتجاوز المسؤوليات الدبلوماسية التي تولاها الرجلان، مع حفظ البون الشاسع الذي يفصل مهامّ أحدهما عن الآخر. صحيح أن بيرنز لم يترشح لانتخابات رئاسة الولايات المتحدة، كما فعل باتيلي على دفعتين في بلده السنغال؛ غير أنّ موقع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وسفير أمريكا لدى الاتحاد الروسي ووكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية (بعض مناصب بيرنز)، يصعب أن تُقارن بأمين ثالث لرئاسة حزب «العصبة الديمقراطية، أو أمينه العام، أو المرتبة السادسة بمعدّل 2,21% في الانتخابات الرئاسية السنغالية (أبرز محطات سيرة باتيلي).
فما الذي يمكن أن يحدث إذا عكفا، كلّ من موقعه واتكاءً على أولويات وظيفته وخدمة مصالح الجهة التي تنتدبه، على إيجاد الحلول لسلسلة لا حصر لها من تعقيدات المشهد الليبي الراهن؛ حيث السياسة تختلط بالنفط، وعبد الحميد دبيبة رئيس حكومة طرابلس في مقابل فتحي باشاغا رئيس حكومة طبرق الموازية، وبرلمان عقيلة صالح إزاء مجلس دولة خالد المشري، ومجلس رئاسة محمد المنفي أمام جيش المارشال الانقلابي خليفة حفتر…؟ أم أنّ الأحرى هو التساؤل هكذا: ما الذي سيجترحه باتيلي من معجزات عجز عن اجتراحها ستة مبعوثين سابقين أصلاء أو وكلاء أمثال عبد الإله الخطيب، إيان مارتن، طارق متري، برناردينو ليون، مارتن كوبلر، غسان سلامة، يان كوبيتش، وستيفاني وليامز؟
لن يحدث الكثير أغلب الظنّ، من جانب باتيلي على الأقل، في جبهات صراعية مثل تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 24 كانون الأول (ديسمبر) إلى أجل غير معلوم، والتفاهم على قواعد دستورية للترشيح، وتحويل مباحثات دبيبة وصالح والمشري والمنفي وحفتر من التفاوض حول جنس الملائكة إلى أيّ من النقاط الملموسة التي تنفع أبناء ليبيا على الأرض، والحيلولة دون مزيد من انقلاب ثنائية دبيبة/ باشاغا إلى مواجهات عسكرية دامية، و«هندسة» صيغة ما إعجازية للتوفيق بين اشتباك التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية…
بيرنز، من جانبه، سجّل نقلة مشهودة في تعاطي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع المعضلات الليبية، فلم تعكس زيارته إلى البلد مستوى هو الأرفع منذ تنصيب سيّد جديد في البيت الأبيض فحسب، بل كانت أيضاً بوّابة عبور الجهاز الاستخباري الأمريكي الأعلى إلى دهاليز ليبيا. وحرص بيرنز على الاجتماع مع الفرقاء أتاح له إطراء الدبيبة (لأسباب متعددة، لا يغيب عنها ترحيل المواطن الليبي المتهم بالمسؤولية عن تفجير طائرة لوكربي لمحاكمته في الولايات المتحدة)، والضغط على حفتر لتقليم (بعض، وليس كامل!) أظافر ميليشيات فاغنر الروسية؛ وتنبيه الجميع إلى واجباتهم تجاه حماية النفط.
ولأنّ ما بين بيرنز وباتيلي من فروقات ليس مرشحاً لأيّ طراز وشيك من الالتئام أو التلاؤم، بالنظر أوّلاً إلى موقع واشنطن في مجلس الأمن حيث يرتفع سلاح الفيتو فوق الرؤوس، فإنّ زيارة الأوّل العابرة وإقامة الثاني المديدة (حتى يُعزل أو يستقيل من تلقاء نفسه) ليست أقلّ من حركة على رقعة الشطرنج الليبي، السياسي والعسكري والنفطي والقبائلي والميليشياتي، وبالتالي ليست أكثر كما يُرجّح. فكيف وأحجار الشطرنج الأخرى تشارك في تحريكها أيادٍ من مصر والإمارات والسعودية وروسيا وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا؛ ومجموعات مسلحة أو إرهابية تمرّ من «تنظيم الدولة» المنتعش والمزدهر والمنتشر في الجنوب، ولا تنتهي عند مرتزقة «فاغنر» الروسية ورفاقهم في الارتزاق من المجموعات التشادية والسودانية.
فأيّة معجزة يمكن أن تعين السنغالي على الأمريكي، في أتون هذه المعمعة حول تعريف جنس الملائكة!

 

 

صبحي حديدي

 باحث وكاتب سوري مقيم في فرنسا

 يكتب في جريدة ( القدس العربي)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا