الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا
 

د. ضرغام الدباغ استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا مؤسس المركز العربي الألماني برلين

 

 

 

تبادل السلطة

 

د. ضرغام الدباغ

 

أثار أحد قرائي الأعزاء تساؤلاً مهماً، وعدت أن أجيبه، حول تبادل السلطة، الذي يمثل ركناً أساسياً من أركان وموضوعات العلوم السياسية بصفة عامة، أو تبادلها،  بصورة سلمية، وفق نظام متفق عليه، بين الأطراف كافة، فما هو هذا النظام، وما هو فحواه، ومن هم أطراف النظام ...!

كيف تنتقل السلطة، سواء ممثلة برأس النظام، أم بالشخصية العامة للنظام ...؟ ومن هو رأس النظام وما هي شروطه .. وما هي حدوده ...؟ هل  امتلاك القوة تتقدم على الحكمة، أم في الحكمة تكمن سلامة النظام وأمنه وأمانه ..؟

نستخلص من أراء جمهرة علماء السياسة، أن النظم السياسية الحالية والسابقة تحرص أن يتضمن منهجها تداولا سلمياً للسلطة، أو  ما يقرب من ذلك، انطلاقاً من عقائد ومبادئ وطنية/ دينية/ تقليدية. أو من خلال مزج أكثر من قاعدة، من أجل منح نظام الحكم أكبر قدر من الشرعية. أي قبول الجمهور به (بالنظام) .

الهدف الأساسي إذاً هو .. أن الحاكم يريد أقصى قدر من الشرعية لحكمه، باعتبار أن الشعب مصدر السلطات، ليضمن إدارة البلاد وتوفي الاستقرار للنظام، حسب تقديراته، وتقديرات ومبادئ من أوصله للحكم سواء كانت : فئة سياسية، جيش/ قوات مسلحة، أجهزة الدولة العميقة، طائفة دينية، نظام طبقي/ له مستوى آيديولوجي ...الخ من أفكار مسبقة، أو بخط آيديولوجي / سياس يختطه ويرغم المجتمع على قبوله بالحسنى والدهاء، أو بالإكراه، والحكام يحاولون أن يضمنوا حكمهم، وليضمنوا انتقالاً آمناً تحت السيطرة (قدر الإمكان)، وليس نادراً ما ألتجأ بعض الحكام إلى مفسرين للأحلام ومنجمين وحتى للاستخارة ..!

من يصل لرأس السلطة في أي نظام .....؟ هل هم قطعاً أفضل الرجال المؤهلون تربويا وعلمياً، وعلى درجة عالية جداً من الكفاءة التي تؤهلهم لهذا المنصب السامي ...!

قطعاً لا ... بل نادراً ما يبلغ رأس السلطة شخص لكفاءته ... وعلى الأرجح لأنه شخص يقف في النقطة الصحيحة من المسطرة المغناطيسية .. فيبدو مقبولا للطراف المتنازعة / المختلفة / المتنافسة. وإذا توصلنا (نظرياً) للنظام المنشود، فما هي فلسفة هذا النظام، كيف يمكن لنا أن نحميه، أو أن نطوره إذا دعت الحاجة،

رغم أن البشرية عرفت شتى أنظمة الحكم منذ فجر الخليقة، وتعرفت على مستويات وأشكال مختلفة من التفاهم، كما عرفت النزاعات، وأيضاً التجأت للدبلوماسية، كما عرفت الحروب.(شهدت البشرية عبر تاريخها 14 ألف حربا ونزاعاً) كما شهدت ربما عدداً مماثلاً من الاتفاقات والمعاهدات. ولكن البشرية رغم التقدم الكبير جداً الذي أحرزته، ما زالت تلجأ للقوة المسلحة في علاقاتها الدولية، وما زالت بحاجة ماسة للدبلوماسية،  وللفقه القانوني.

وتحت إطار منح القدر الضروري من الشرعية يضع علماء السياسة ثلاثة مستويات :

الحكم بنظرية الحلول الإلهي، أو بالتفويض الإلهي. (The Divine right)

الحكم بالقوة والغلبة. (The theory of rule by force and dominance)

الحكم بنظرية العقد الاجتماعي. (Social Contract)

وإذ أقر علماء السياسة وجود هذه الأنماط الثلاثة، ألا أن التاريخ السياسي للدول قد أظهر لنا إمكانية امتزاج عدة نظريات لتمنح كل تجربة ملامحها  وتقييمها الخاص، وقد مرت المجتمعات الإنسانية في مرحلة كان المعبد فيها هو مقر الحكم، والكاهن الأعظم هو الملك بنفس الوقت، ونظريات حكم تزعم (الحلول الإلهي)، أي أن جزاْ من الآلهة قد حلت في الملك نتيجة اتصال بين الآلهة ووالدة الملك، التي كانت على الأرجح من العاملات في المعبد أو وفق نظرية (التفويض الإلهي)، أن الملك يحكم باسم الآلهة وتفويض منها. ومراحل اضطر المعبد للتحالف مع سلطة القصر، وأخيراً مراحل كان الملوك والقياصرة  هم الحكام والمعبد والكهنة بالدرجة الثانية.

أردنا بهذه المقدمة الوجيزة، استعراض التأثيرات والمنفعة المتبادلة بين الدولة والمعبد، ومن خلال هذا التحالف الوثيق، نشأت نظرية الحلول الإلهي، أي حلول جزء من الآلهة في الملك، ومن ثم تطورت بنتيجة وعي الناس إلى نظرية ما زالت قائمة حتى اليوم في بعض الدول، وهي نظرية الحق أو التفويض الإلهي، أي أن الحاكم مخول باسم الآلهة أو الله. وقد أطلق على الملوك أحياناَ: ظل الله في الأرض.

أما الحكم بالقوة والغلبة، فقد أتخذ عبر التاريخ أساليب وأنماط متنوعة، وأفلاطون أعتبر القوة حق، القوي يحق له أن يحكم، طالما أن الفلاسفة يؤمنون بالعقل، زاهدون في الحكم. وبعض من أستولى على نظام الحكم، حاول جاهداً، وربما نجح أحياناً في إيهام الجمهور، إنما يفعل ذلك امتثالاً لمبادئ سامية ومثل عليا، وغايات وطنية، أو دينية، أو إنقاذا للبلاد من مواجهة محن سياسية/ اقتصادية.  أو أي مبرر لأستيلاءه على السلطة. وقد يكون من سبقه في رأس السلطة، هو الآخر كان مغتصباً للسلطة بالقوة، لذلك فليس هناك كثير عناء في تبرير ما حدث ، والاحتكام للقوة، غالباً يقود إلى سلسلة من أفعال وردود أفعال.

الحكم بنظرية العقد الاجتماعي،  اتخذت أساليب عدة، فحتى في العصور القديمة، كان لاحترام رأي الجمهور وإرادته أهمية.  ففي القرن السابع الميلادي، مثل أسلوب انتقال السلطة ضرباً من ممارسة احترام لقاعدة العقد الاجتماعي  فمتل النظام الشوروي، وعملية البيعة، وأهل الحل والعقد، أمتثالاً  لهدف هذه المبادئ.

ونعني بمبادئ وجوب اتخاذ الأمارة، أن الشريعة أكدت ابتداء  على أهمية وضرورة السلطة السياسية، وهي في ذلك تختلف عن المبدأ المسيحي عندما قال اليد المسيح " هذه ليست مملكتي " إشارة إلى زهده بالسلطة السياسية، وإن مملكته هي في السماء. وحيث أستتب أمر الكنيسة في أوربا، ولم يكن الفكر السياسي المسيحي بالعمق الذي يواجه الفلسفة العريقة في أوربا، لذلك أبتدأ من القرن العاشر فصاعداً، حركات دينية / سياسية، تحاول الوقوف بطرحها فكراً سياسياً، وتمثلت هذه المحاولات بحركات فكرية قادها قساوسة/ أقتحموا مجال الفكر السياسي، كان ابرزهم القس توما الأكويني الذي أطلق على حركته " السكولاستية /  Scholasticism "

والقديس توما الأكويني( 1225 ـ 1274 ) إيطالي المولد درس على يد البرتو الكبير 1206 ـ 1280. والبرتو الكبير هذا كان أول من دعا إلى التعامل مع الفلسفة وتجاوز عقد الكنيسة الكاثوليكية، وبذلك يعتبر المؤسس الحقيقي للمدرسة السكولاستية   Scholasticism التي واصل تلميذه الأكويني السير على خطاه وآخرون من بعده وإن كانوا اقل أهمية. ودرس الأكويني في جامعة باريس وانظم على سلك الرهبنة الدومنيكانية (التي أسسها القديس عبد الأحد دومنيك من قشتالة 1206 بأسبانيا،  وهو واضع فلسفة التوماتية Tomatism في علم اللاهوت، ودرس مؤلفات وأعمال ابن رشد وابن سينا، وله مؤلفات عديدة منها " الخلاصة اللاهوتية" (الخلاصة ضد الأمم) ومختصر جهوده الفلسفية، هو أنه حاول أن يقيم الصلة بين الدين والفلسفة، وإخضاع منطق وفلسفة أرسطو للاهوت المسيحي الكاثوليكي بعد إدخال تعديلات وتأويلات تساير هذا الهدف، وقد وصف علماء ومؤرخون هذا العمل بالتزوير والتشويه.

وبرغم أن الأكويني حاول أن يقّوم صورة اللاهوت الكاثوليكي وذلك بقيامه صياغة أفكار أرسطو، وحاول أن يخفف من غلواء الرجعية في الكنيسة الكاثوليكية ولم يكن ليرضى بالديكتاتورية والطغيان، إلا أنه لم يكن ليقبل أيضاً بحرية الآراء والديمقراطية لأنها تشجع على كثرة الآراء والأحزاب.

الشريعة الإسلامية لم تحدد تسمية نهائية إذ اوردت عناوين مثل خليفة وإمام وسلطان، فقد أبقت الشريعة الأمور التفصيلية في مرتبة ثانية من الأهمية، وللتغيرات عبر الأزمنة. ومن أبرز آيات إقامة السلطة السياسية:

*" لتكن منكم أمة يدعون لإلى الخير وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون " 104 ـ آل عمران) و

* " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " 30 ـ البقرة).

فيما تركزت آيات عديدة  على القضايا الجوهرية سواء في اتخاذ الأمارة أو في شروطها. فليس مهماً اسم وعنوان ورتبة قائد الدولة. وإلى ذلك يقول المفكر سيد قطب تفسيراً للآيات :" وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماماُ، قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين " 124 ـ البقرة)فهي إشارة إلى عدم جعل النظام والولاية وراثية، ويستطرد السيد قطب قائلاً :" إن الإمامة هي لمن يستحقها بالعمل والشعور بالصلاح والإيمان وليست وراثة أصلاب وانساب. فالقربى ليست وشيجة لحم ودم، إنما هي وشيجة دين وعقيدة. والظلم أنواع : ظلم  النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي، والإمامة الممنوعة عن الظالمين تشمل إمامة الرسالة وإمامة الصلاة وإمامة الخلافة، وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة ".

والشريعة إذ تأمر بإقامة السلطة السياسية والإمارة، فإنها تشترط ذلك بشروط وواجبات السلطة والقائم بالسلطة من الحكام، أقرب منها إلى صيغة تعاقد وتعاهد بشروط متقابلة للحاكم  " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" يشترط على الحاكم الحكم بالعدل، وكذلك بالنسبة للمحكوم  " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول(ص) وأولي الأمر منكم " 58 النساء). وأولي الأمر هنا الحكام ليس إلا. وفي حديث واضح ومؤكد للرسول عن البخاري " اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى" حديث).

ولا نعد عدم وجود نصوص صريحة في انتقال السلطة وآلياتها وتسمياتها نقصاً في الشريعة، فتلك مسألة تسميات تقررها الظروف والبلدان واللغات، فالإسلام اليوم ينتشر في العالم بأسره، وتفاوت الأزمنة والثقافات. والجوهري هنا هي المبادئ الأساسية العامة التي تسترشد بها الدولة وهي مبادئ صالحة للتكيف حسب الزمان والمكان واختلاف الحالات.

وحين يكتب العالم الإسلامي الشهرستاني قولته الشهيرة:" ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان " وهذه حقيقة لا محيص عنها، ولكن الصراعات على المراكز القيادية أمر شائع في كل زمان ومكان في بلاد العرب والمسلمين وفي بلاد سواهم. وبتقديرنا فإن مثل هذه الصراعات لم يكن ليوقفها أو يحول دون حدوثها نص أو نصوص واضحة، بدليل أن مثل هذه الصراعات كانت وما زالت موجودة في أمم أخرى، وحتى في ظل وجود دساتير تنص على آليات انتقال السلطة والرئاسة فيها على وجه الخصوص.

ولكن الشريعة وإن كانت خالية من نصوص صريحة واضحة عن آليات انتقال السلطة والموقف من الإمام أو الحاكم الجائر، أو الحاكم الذي فقد أهليته للقيادة لأسباب موضوعية كإصابته بمرض أو عاهة تحول دون قيامه بواجباته، أو ذاتية بانحرافه وفساد عهده وإلى جانب المبايعة وهي عملية ديمقراطية لتعين الحاكم وتمثيل العقد الاجتماعي، والفئة التي تشر إليه التشريع كقانون أساسي هم (أهل الحل والعقد)، أي الشخصيات التي تمسك بزمام القوة، والحكمة والعلم، وشخصيات لا غبار على مسلكها القانوني. وحول البيعة نصوص صريحة " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " 10 ـ الفتح) وهذا خطاب موجه إلى الرسول (ص) دون غيره، لأن الخلفاء فيما بعده كانوا خلفاء رسول الله. ومثل هذا الإيضاح يأتي بالكتاب نصاً " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " 18 ـ الفتح)، وهناك مبادئ سياسية تندغم في إطار بند السلطة السياسية والقيادة ونصوص صريحة ملزمة. ومن تلك المبادئ :

أولاً . الشورى :

" وأمرهم شورى بينهم " 38 ـ الشورى)، وشاورهم في الأمر " 159 ـ آل عمران) وهاتان الآيتان موجهتان إلى الرسول (ص)، فإذا كانت الشورى(الاستشارة) ملزمة للرسول بأمر من صاحب الشريعة(الخالق) فإنها عملية سياسية لا بد منها لأي حاكم يسير على هدى الشريعة أو الأحكام المستنبطة منها.

 

ثانياُ . أداء الأمانة :

في صياغة راقية وفهم ديمقراطي لمفهوم الرئاسة أو القيادة نجدها في هذا النص من الكتاب" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً. يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، ذلك خيراً وأحسن تأويلاً " 58 / 59 ـ النساء) والأمانات هنا مفهوم سياسي ذا شقين أثنين:

أمانة الحاكم : وهو بحسب النظرية الإسلامية مأمور من الخالق بأداء الأمانة إلى من ائتمنه وهو الشعب أن يحكم بعدل وأمانة ونزاهة ومساواة وسائر القيم التي تهدف إليها السياسة الإسلامية.

أمانة الرعية: وأمانة الرعية هي طاعة الحاكم طالما هو منفذ وماض وفق المبادئ السياسية الإسلامية وأحكامها فرض على الرعايا ومخالفته  هي مخالفة للقوانين.

وتنص الشريعة على أسلوب حل الإشكالات القانونية والدستورية وذلك باللجوء إلى الكتاب والسنة ففيهما ما يمكن التوصل إلى حل تلك المشكلات وربما على يد مجلس من العلماء والخبراء في الشريعة وسائر العلوم الأخرى.

وتمثل الآيتان أيضاً صيغة تعاقدية واضحة، فالشريعة تربط صلاحية الحكم والحاكم بالعدل، وإلا فإن الحكم فاسد وباطل فاقد لشرعيته. فقد قال الخليفة الأول أبو بكر الصديق في خطبة توليه قيادة الدولة " اطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم" ، فهي إذن صيغة تعاقدية بين الشعب والحاكم على لالتزام متبادل للعدل والطاعة عملاً بأحكام الدستور الدائم الذي تمثله بروح القوانين والدساتير.

ثالثاُ . القيادة الجماعية :

تقود عملية إقامة الشورى ومجالس الحل والعقد إلى استبعاد الاستبداد والطغيان أو الاستفراد بالقرار السياسي، وبعبارة أخرى تقود هذه المفاهيم على وجوب إقامة القيادة الجماعية توفر إلى ابعد مدى تجنب مخاطر القرارات السياسية الخاطئة واحتمالات الانحراف والزلل.

 

رابعاً . العدل :

والعدل من أهم شروط الحكومة والحاكم، وهي هنا تتجاوز إقامة العدل في الأحكام، إلى العدل بمعناه الاجتماعي، وقد ورد بحقها نصوص كثيرة(28 مرة) فهو ذو أسبقية مطلقة. ومن تلك النصوص :" وأمرت لأعدل بينكم " 25 ـ الشورى)، بل أن القرآن يأمر بإقامة العدل حتى مع الأعداء " ولا يجرمنكم شنأن قوم إلا تعدلوا * اعدلوا هو اقرب إلى التقوى" 8 ـ المائدة) العدالة تتطلب النزاهة في أقامتها حتى مع الأقربين " وإن قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" 152 ـ الأنعام).

 

وفي أوربا، كما حصل مراراً، أن التجأ قائد أمتلك زمام السلطة بالقوة، وأزاح منافسوه وغدا السلطان الأكبر، إلا أنه أراد أن يستظل بظل قوة الشريعة ويكسب المؤسسة الدينية لصالحه لما لها من قوة تأثير في صفوف الأغلبية الشعبية، وهكذا فعل نابليون بونابارت، حين أستعان بالكنيسة  وبمجلس الشيوخ معاً، للتويج نفسه كحاكم لفرنسا، 2 / كانون الأول / 1804 في كنيسة نوتردام بباريس امبراطورا على فرنسا. بحضور البابا بيوس السابع،  بطريقة وسياقات جديدة تختلف عن تتويج ملوك فرنسا، بمزيج من التقاليد القديمة، والثورة الفرنسية. وقد مهد نابليون لحكمه، بأن أستصدر تفويضاً من مجلس الشيوخ على ترقيته لمنصب الامبراطور في 18 / أيار / 1804 (قبل 7 شهور من تتويجه).

في الأدب السياسي المسيحي، يطلق على كبير الدولة الملك، القيصر، الامبراطور، القنصل العام، الرئيس، المستشار / الوزير الأول (رئيس الوزراء) ، هتلر أطلق على نفسه (الفوهرر / القائد)، وموسوليني / الدوتشي (الزعيم). ومن نافلة الكلام القول أن التسميات ليست مهمة، رئيس وزارة، برلمان .. المهم بالطبع فحوى العملية ونزاهتها.

وتوصل إلى رأس الحكم شخصيات ثبت لاحقا عدم صلاحيتها كهتلر وموسوليني، بواسطة الانتخابات. وفي بعض البلدان تطبق ديمقراطية شكلاً، ولكنهها تفرغه من فحواه بقانون انتخابات جائر، تتحكم الدولة العميقة بتحديد شخصيته.  ففي عديد من الأنظمة الغربية(الديمقراطية) اليوم ممارسات لا علاقة لها بالديمقراطية، ناهيك عن رأس السلطة والحكم يتكرر من نحو قرن، أو عدة قرون كما في الولايات المتحدة وبريطانيا، بين حزبين تحديداً ولا نكاد نجد فرقا يذكر بين الحزبين سواء في النظريات السياسية أو الاجتماعية. ففي الولايات المتحدة قانون انتخابات معقد، يتحكم في الشخص المطلوب كنائب أو كشيخ في الكونغرس، أما في التنافس على منصب الرئيس، فالعملية تشهد فلترة (تصفية)معقدة،  تتحكم الدولة العميقة كلياً (تقريباً) في شخص الرئيس بما  لا يدع مجالاً للصدف.

ليس  هناك نظام مثالي يخلو من الثغرات، وأن أي محاولة للتعميم غير المدروس بعناية، هو مدخل للفشل، وبتقديري أن نظاما سياسيا ناجحاً هو النظام الذي يساهم في صنعه العديد من الأشخاص والمؤسسات، ونظام يقوم على ثلاثة ركائز / مؤسسات رئيسية بتقديري هي ركائز / وسائل وممارسة ديمقراطية، هي أفضل من الانتخابات العامة المباشرة، أو انتخاب الرئيس من البرلمان(أو ما يعادله)، تضمن وصولاً مقبولاً للمرتبات العليا  الثلاث، ولرئاسة البلاد.

مجلس شورى الدولة ويمثل  عناصر منتخبة من:

مجلس شيوخ الدولة

مجلس قيادة الدولة : يمثل المجلس  الوزارات السيادية : الدفاع، الداخلية، الخارجية، الاقتصاد، مسؤولي الأمن،

الديمقراطية هي قدر محدود(وأحياناً محدود جداً) من المجال يمنحه النظام للجماهير بشرط أن لا تزعزع مركزه، وفي بلدان الغرب الراسخة الجذور، والمتينة البنيان، الحاكم الحقيقي هو ليس(س / فلان الفلاني) بل الفئة/ الطبقة الاقتصادية / الاجتماعية، والرؤساء وكبار رجال الدولة هم موظفون لا أكثر. وبطريقة لا تظهر على الشاشات (المونيتور)

الالتفاف على القوانين أمر ممكن

خداع الناس، أمر ممكن جداً

التنصل من الوعود الانتخابية، هو الغالب

جورج سباين، مؤرخ الفكر السياسي يقول : الديمقراطية الحقيقية، لا ولم، ولن تكون ....!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة

اعتمدنا في مقتطفات حول موضوعات الفكر السياسي الإسلامي والمسيحي، ومنها موضوعة الإمارة المهمة، وتجدها بالتفصيل في مؤلفنا : الاستهلال والاستكمال بجزأيه الصادرة عن دار ضفاف. وهذا المقال هو باختصار لبحوث واسعة. مصدرها

د. ضرغام الدباغ : الاستهلال والاستكمال : طبعتان، دار ضفاف/ الدوحة، والمركز الألماني العربي/ برلين

د. ضرغام الدباغ : تطور الفكر السياسي العربي / الإسلامي، نفس المصدر

د. ضرغام الدباغ، نظام الخلافة العربي الإسلامي، نفس المصدر

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

تبادل السلطة

 

د. ضرغام الدباغ

 

أثار أحد قرائي الأعزاء تساؤلاً مهماً، وعدت أن أجيبه، حول تبادل السلطة، الذي يمثل ركناً أساسياً من أركان وموضوعات العلوم السياسية بصفة عامة، أو تبادلها،  بصورة سلمية، وفق نظام متفق عليه، بين الأطراف كافة، فما هو هذا النظام، وما هو فحواه، ومن هم أطراف النظام ...!

كيف تنتقل السلطة، سواء ممثلة برأس النظام، أم بالشخصية العامة للنظام ...؟ ومن هو رأس النظام وما هي شروطه .. وما هي حدوده ...؟ هل  امتلاك القوة تتقدم على الحكمة، أم في الحكمة تكمن سلامة النظام وأمنه وأمانه ..؟

نستخلص من أراء جمهرة علماء السياسة، أن النظم السياسية الحالية والسابقة تحرص أن يتضمن منهجها تداولا سلمياً للسلطة، أو  ما يقرب من ذلك، انطلاقاً من عقائد ومبادئ وطنية/ دينية/ تقليدية. أو من خلال مزج أكثر من قاعدة، من أجل منح نظام الحكم أكبر قدر من الشرعية. أي قبول الجمهور به (بالنظام) .

الهدف الأساسي إذاً هو .. أن الحاكم يريد أقصى قدر من الشرعية لحكمه، باعتبار أن الشعب مصدر السلطات، ليضمن إدارة البلاد وتوفي الاستقرار للنظام، حسب تقديراته، وتقديرات ومبادئ من أوصله للحكم سواء كانت : فئة سياسية، جيش/ قوات مسلحة، أجهزة الدولة العميقة، طائفة دينية، نظام طبقي/ له مستوى آيديولوجي ...الخ من أفكار مسبقة، أو بخط آيديولوجي / سياس يختطه ويرغم المجتمع على قبوله بالحسنى والدهاء، أو بالإكراه، والحكام يحاولون أن يضمنوا حكمهم، وليضمنوا انتقالاً آمناً تحت السيطرة (قدر الإمكان)، وليس نادراً ما ألتجأ بعض الحكام إلى مفسرين للأحلام ومنجمين وحتى للاستخارة ..!

من يصل لرأس السلطة في أي نظام .....؟ هل هم قطعاً أفضل الرجال المؤهلون تربويا وعلمياً، وعلى درجة عالية جداً من الكفاءة التي تؤهلهم لهذا المنصب السامي ...!

قطعاً لا ... بل نادراً ما يبلغ رأس السلطة شخص لكفاءته ... وعلى الأرجح لأنه شخص يقف في النقطة الصحيحة من المسطرة المغناطيسية .. فيبدو مقبولا للطراف المتنازعة / المختلفة / المتنافسة. وإذا توصلنا (نظرياً) للنظام المنشود، فما هي فلسفة هذا النظام، كيف يمكن لنا أن نحميه، أو أن نطوره إذا دعت الحاجة،

رغم أن البشرية عرفت شتى أنظمة الحكم منذ فجر الخليقة، وتعرفت على مستويات وأشكال مختلفة من التفاهم، كما عرفت النزاعات، وأيضاً التجأت للدبلوماسية، كما عرفت الحروب.(شهدت البشرية عبر تاريخها 14 ألف حربا ونزاعاً) كما شهدت ربما عدداً مماثلاً من الاتفاقات والمعاهدات. ولكن البشرية رغم التقدم الكبير جداً الذي أحرزته، ما زالت تلجأ للقوة المسلحة في علاقاتها الدولية، وما زالت بحاجة ماسة للدبلوماسية،  وللفقه القانوني.

وتحت إطار منح القدر الضروري من الشرعية يضع علماء السياسة ثلاثة مستويات :

الحكم بنظرية الحلول الإلهي، أو بالتفويض الإلهي. (The Divine right)

الحكم بالقوة والغلبة. (The theory of rule by force and dominance)

الحكم بنظرية العقد الاجتماعي. (Social Contract)

وإذ أقر علماء السياسة وجود هذه الأنماط الثلاثة، ألا أن التاريخ السياسي للدول قد أظهر لنا إمكانية امتزاج عدة نظريات لتمنح كل تجربة ملامحها  وتقييمها الخاص، وقد مرت المجتمعات الإنسانية في مرحلة كان المعبد فيها هو مقر الحكم، والكاهن الأعظم هو الملك بنفس الوقت، ونظريات حكم تزعم (الحلول الإلهي)، أي أن جزاْ من الآلهة قد حلت في الملك نتيجة اتصال بين الآلهة ووالدة الملك، التي كانت على الأرجح من العاملات في المعبد أو وفق نظرية (التفويض الإلهي)، أن الملك يحكم باسم الآلهة وتفويض منها. ومراحل اضطر المعبد للتحالف مع سلطة القصر، وأخيراً مراحل كان الملوك والقياصرة  هم الحكام والمعبد والكهنة بالدرجة الثانية.

أردنا بهذه المقدمة الوجيزة، استعراض التأثيرات والمنفعة المتبادلة بين الدولة والمعبد، ومن خلال هذا التحالف الوثيق، نشأت نظرية الحلول الإلهي، أي حلول جزء من الآلهة في الملك، ومن ثم تطورت بنتيجة وعي الناس إلى نظرية ما زالت قائمة حتى اليوم في بعض الدول، وهي نظرية الحق أو التفويض الإلهي، أي أن الحاكم مخول باسم الآلهة أو الله. وقد أطلق على الملوك أحياناَ: ظل الله في الأرض.

أما الحكم بالقوة والغلبة، فقد أتخذ عبر التاريخ أساليب وأنماط متنوعة، وأفلاطون أعتبر القوة حق، القوي يحق له أن يحكم، طالما أن الفلاسفة يؤمنون بالعقل، زاهدون في الحكم. وبعض من أستولى على نظام الحكم، حاول جاهداً، وربما نجح أحياناً في إيهام الجمهور، إنما يفعل ذلك امتثالاً لمبادئ سامية ومثل عليا، وغايات وطنية، أو دينية، أو إنقاذا للبلاد من مواجهة محن سياسية/ اقتصادية.  أو أي مبرر لأستيلاءه على السلطة. وقد يكون من سبقه في رأس السلطة، هو الآخر كان مغتصباً للسلطة بالقوة، لذلك فليس هناك كثير عناء في تبرير ما حدث ، والاحتكام للقوة، غالباً يقود إلى سلسلة من أفعال وردود أفعال.

الحكم بنظرية العقد الاجتماعي،  اتخذت أساليب عدة، فحتى في العصور القديمة، كان لاحترام رأي الجمهور وإرادته أهمية.  ففي القرن السابع الميلادي، مثل أسلوب انتقال السلطة ضرباً من ممارسة احترام لقاعدة العقد الاجتماعي  فمتل النظام الشوروي، وعملية البيعة، وأهل الحل والعقد، أمتثالاً  لهدف هذه المبادئ.

ونعني بمبادئ وجوب اتخاذ الأمارة، أن الشريعة أكدت ابتداء  على أهمية وضرورة السلطة السياسية، وهي في ذلك تختلف عن المبدأ المسيحي عندما قال اليد المسيح " هذه ليست مملكتي " إشارة إلى زهده بالسلطة السياسية، وإن مملكته هي في السماء. وحيث أستتب أمر الكنيسة في أوربا، ولم يكن الفكر السياسي المسيحي بالعمق الذي يواجه الفلسفة العريقة في أوربا، لذلك أبتدأ من القرن العاشر فصاعداً، حركات دينية / سياسية، تحاول الوقوف بطرحها فكراً سياسياً، وتمثلت هذه المحاولات بحركات فكرية قادها قساوسة/ أقتحموا مجال الفكر السياسي، كان ابرزهم القس توما الأكويني الذي أطلق على حركته " السكولاستية /  Scholasticism "

والقديس توما الأكويني( 1225 ـ 1274 ) إيطالي المولد درس على يد البرتو الكبير 1206 ـ 1280. والبرتو الكبير هذا كان أول من دعا إلى التعامل مع الفلسفة وتجاوز عقد الكنيسة الكاثوليكية، وبذلك يعتبر المؤسس الحقيقي للمدرسة السكولاستية   Scholasticism التي واصل تلميذه الأكويني السير على خطاه وآخرون من بعده وإن كانوا اقل أهمية. ودرس الأكويني في جامعة باريس وانظم على سلك الرهبنة الدومنيكانية (التي أسسها القديس عبد الأحد دومنيك من قشتالة 1206 بأسبانيا،  وهو واضع فلسفة التوماتية Tomatism في علم اللاهوت، ودرس مؤلفات وأعمال ابن رشد وابن سينا، وله مؤلفات عديدة منها " الخلاصة اللاهوتية" (الخلاصة ضد الأمم) ومختصر جهوده الفلسفية، هو أنه حاول أن يقيم الصلة بين الدين والفلسفة، وإخضاع منطق وفلسفة أرسطو للاهوت المسيحي الكاثوليكي بعد إدخال تعديلات وتأويلات تساير هذا الهدف، وقد وصف علماء ومؤرخون هذا العمل بالتزوير والتشويه.

وبرغم أن الأكويني حاول أن يقّوم صورة اللاهوت الكاثوليكي وذلك بقيامه صياغة أفكار أرسطو، وحاول أن يخفف من غلواء الرجعية في الكنيسة الكاثوليكية ولم يكن ليرضى بالديكتاتورية والطغيان، إلا أنه لم يكن ليقبل أيضاً بحرية الآراء والديمقراطية لأنها تشجع على كثرة الآراء والأحزاب.

الشريعة الإسلامية لم تحدد تسمية نهائية إذ اوردت عناوين مثل خليفة وإمام وسلطان، فقد أبقت الشريعة الأمور التفصيلية في مرتبة ثانية من الأهمية، وللتغيرات عبر الأزمنة. ومن أبرز آيات إقامة السلطة السياسية:

*" لتكن منكم أمة يدعون لإلى الخير وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون " 104 ـ آل عمران) و

* " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " 30 ـ البقرة).

فيما تركزت آيات عديدة  على القضايا الجوهرية سواء في اتخاذ الأمارة أو في شروطها. فليس مهماً اسم وعنوان ورتبة قائد الدولة. وإلى ذلك يقول المفكر سيد قطب تفسيراً للآيات :" وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماماُ، قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين " 124 ـ البقرة)فهي إشارة إلى عدم جعل النظام والولاية وراثية، ويستطرد السيد قطب قائلاً :" إن الإمامة هي لمن يستحقها بالعمل والشعور بالصلاح والإيمان وليست وراثة أصلاب وانساب. فالقربى ليست وشيجة لحم ودم، إنما هي وشيجة دين وعقيدة. والظلم أنواع : ظلم  النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي، والإمامة الممنوعة عن الظالمين تشمل إمامة الرسالة وإمامة الصلاة وإمامة الخلافة، وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة ".

والشريعة إذ تأمر بإقامة السلطة السياسية والإمارة، فإنها تشترط ذلك بشروط وواجبات السلطة والقائم بالسلطة من الحكام، أقرب منها إلى صيغة تعاقد وتعاهد بشروط متقابلة للحاكم  " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" يشترط على الحاكم الحكم بالعدل، وكذلك بالنسبة للمحكوم  " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول(ص) وأولي الأمر منكم " 58 النساء). وأولي الأمر هنا الحكام ليس إلا. وفي حديث واضح ومؤكد للرسول عن البخاري " اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى" حديث).

ولا نعد عدم وجود نصوص صريحة في انتقال السلطة وآلياتها وتسمياتها نقصاً في الشريعة، فتلك مسألة تسميات تقررها الظروف والبلدان واللغات، فالإسلام اليوم ينتشر في العالم بأسره، وتفاوت الأزمنة والثقافات. والجوهري هنا هي المبادئ الأساسية العامة التي تسترشد بها الدولة وهي مبادئ صالحة للتكيف حسب الزمان والمكان واختلاف الحالات.

وحين يكتب العالم الإسلامي الشهرستاني قولته الشهيرة:" ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان " وهذه حقيقة لا محيص عنها، ولكن الصراعات على المراكز القيادية أمر شائع في كل زمان ومكان في بلاد العرب والمسلمين وفي بلاد سواهم. وبتقديرنا فإن مثل هذه الصراعات لم يكن ليوقفها أو يحول دون حدوثها نص أو نصوص واضحة، بدليل أن مثل هذه الصراعات كانت وما زالت موجودة في أمم أخرى، وحتى في ظل وجود دساتير تنص على آليات انتقال السلطة والرئاسة فيها على وجه الخصوص.

ولكن الشريعة وإن كانت خالية من نصوص صريحة واضحة عن آليات انتقال السلطة والموقف من الإمام أو الحاكم الجائر، أو الحاكم الذي فقد أهليته للقيادة لأسباب موضوعية كإصابته بمرض أو عاهة تحول دون قيامه بواجباته، أو ذاتية بانحرافه وفساد عهده وإلى جانب المبايعة وهي عملية ديمقراطية لتعين الحاكم وتمثيل العقد الاجتماعي، والفئة التي تشر إليه التشريع كقانون أساسي هم (أهل الحل والعقد)، أي الشخصيات التي تمسك بزمام القوة، والحكمة والعلم، وشخصيات لا غبار على مسلكها القانوني. وحول البيعة نصوص صريحة " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " 10 ـ الفتح) وهذا خطاب موجه إلى الرسول (ص) دون غيره، لأن الخلفاء فيما بعده كانوا خلفاء رسول الله. ومثل هذا الإيضاح يأتي بالكتاب نصاً " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " 18 ـ الفتح)، وهناك مبادئ سياسية تندغم في إطار بند السلطة السياسية والقيادة ونصوص صريحة ملزمة. ومن تلك المبادئ :

أولاً . الشورى :

" وأمرهم شورى بينهم " 38 ـ الشورى)، وشاورهم في الأمر " 159 ـ آل عمران) وهاتان الآيتان موجهتان إلى الرسول (ص)، فإذا كانت الشورى(الاستشارة) ملزمة للرسول بأمر من صاحب الشريعة(الخالق) فإنها عملية سياسية لا بد منها لأي حاكم يسير على هدى الشريعة أو الأحكام المستنبطة منها.

 

ثانياُ . أداء الأمانة :

في صياغة راقية وفهم ديمقراطي لمفهوم الرئاسة أو القيادة نجدها في هذا النص من الكتاب" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً. يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، ذلك خيراً وأحسن تأويلاً " 58 / 59 ـ النساء) والأمانات هنا مفهوم سياسي ذا شقين أثنين:

أمانة الحاكم : وهو بحسب النظرية الإسلامية مأمور من الخالق بأداء الأمانة إلى من ائتمنه وهو الشعب أن يحكم بعدل وأمانة ونزاهة ومساواة وسائر القيم التي تهدف إليها السياسة الإسلامية.

أمانة الرعية: وأمانة الرعية هي طاعة الحاكم طالما هو منفذ وماض وفق المبادئ السياسية الإسلامية وأحكامها فرض على الرعايا ومخالفته  هي مخالفة للقوانين.

وتنص الشريعة على أسلوب حل الإشكالات القانونية والدستورية وذلك باللجوء إلى الكتاب والسنة ففيهما ما يمكن التوصل إلى حل تلك المشكلات وربما على يد مجلس من العلماء والخبراء في الشريعة وسائر العلوم الأخرى.

وتمثل الآيتان أيضاً صيغة تعاقدية واضحة، فالشريعة تربط صلاحية الحكم والحاكم بالعدل، وإلا فإن الحكم فاسد وباطل فاقد لشرعيته. فقد قال الخليفة الأول أبو بكر الصديق في خطبة توليه قيادة الدولة " اطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم" ، فهي إذن صيغة تعاقدية بين الشعب والحاكم على لالتزام متبادل للعدل والطاعة عملاً بأحكام الدستور الدائم الذي تمثله بروح القوانين والدساتير.

ثالثاُ . القيادة الجماعية :

تقود عملية إقامة الشورى ومجالس الحل والعقد إلى استبعاد الاستبداد والطغيان أو الاستفراد بالقرار السياسي، وبعبارة أخرى تقود هذه المفاهيم على وجوب إقامة القيادة الجماعية توفر إلى ابعد مدى تجنب مخاطر القرارات السياسية الخاطئة واحتمالات الانحراف والزلل.

 

رابعاً . العدل :

والعدل من أهم شروط الحكومة والحاكم، وهي هنا تتجاوز إقامة العدل في الأحكام، إلى العدل بمعناه الاجتماعي، وقد ورد بحقها نصوص كثيرة(28 مرة) فهو ذو أسبقية مطلقة. ومن تلك النصوص :" وأمرت لأعدل بينكم " 25 ـ الشورى)، بل أن القرآن يأمر بإقامة العدل حتى مع الأعداء " ولا يجرمنكم شنأن قوم إلا تعدلوا * اعدلوا هو اقرب إلى التقوى" 8 ـ المائدة) العدالة تتطلب النزاهة في أقامتها حتى مع الأقربين " وإن قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" 152 ـ الأنعام).

 

وفي أوربا، كما حصل مراراً، أن التجأ قائد أمتلك زمام السلطة بالقوة، وأزاح منافسوه وغدا السلطان الأكبر، إلا أنه أراد أن يستظل بظل قوة الشريعة ويكسب المؤسسة الدينية لصالحه لما لها من قوة تأثير في صفوف الأغلبية الشعبية، وهكذا فعل نابليون بونابارت، حين أستعان بالكنيسة  وبمجلس الشيوخ معاً، للتويج نفسه كحاكم لفرنسا، 2 / كانون الأول / 1804 في كنيسة نوتردام بباريس امبراطورا على فرنسا. بحضور البابا بيوس السابع،  بطريقة وسياقات جديدة تختلف عن تتويج ملوك فرنسا، بمزيج من التقاليد القديمة، والثورة الفرنسية. وقد مهد نابليون لحكمه، بأن أستصدر تفويضاً من مجلس الشيوخ على ترقيته لمنصب الامبراطور في 18 / أيار / 1804 (قبل 7 شهور من تتويجه).

في الأدب السياسي المسيحي، يطلق على كبير الدولة الملك، القيصر، الامبراطور، القنصل العام، الرئيس، المستشار / الوزير الأول (رئيس الوزراء) ، هتلر أطلق على نفسه (الفوهرر / القائد)، وموسوليني / الدوتشي (الزعيم). ومن نافلة الكلام القول أن التسميات ليست مهمة، رئيس وزارة، برلمان .. المهم بالطبع فحوى العملية ونزاهتها.

وتوصل إلى رأس الحكم شخصيات ثبت لاحقا عدم صلاحيتها كهتلر وموسوليني، بواسطة الانتخابات. وفي بعض البلدان تطبق ديمقراطية شكلاً، ولكنهها تفرغه من فحواه بقانون انتخابات جائر، تتحكم الدولة العميقة بتحديد شخصيته.  ففي عديد من الأنظمة الغربية(الديمقراطية) اليوم ممارسات لا علاقة لها بالديمقراطية، ناهيك عن رأس السلطة والحكم يتكرر من نحو قرن، أو عدة قرون كما في الولايات المتحدة وبريطانيا، بين حزبين تحديداً ولا نكاد نجد فرقا يذكر بين الحزبين سواء في النظريات السياسية أو الاجتماعية. ففي الولايات المتحدة قانون انتخابات معقد، يتحكم في الشخص المطلوب كنائب أو كشيخ في الكونغرس، أما في التنافس على منصب الرئيس، فالعملية تشهد فلترة (تصفية)معقدة،  تتحكم الدولة العميقة كلياً (تقريباً) في شخص الرئيس بما  لا يدع مجالاً للصدف.

ليس  هناك نظام مثالي يخلو من الثغرات، وأن أي محاولة للتعميم غير المدروس بعناية، هو مدخل للفشل، وبتقديري أن نظاما سياسيا ناجحاً هو النظام الذي يساهم في صنعه العديد من الأشخاص والمؤسسات، ونظام يقوم على ثلاثة ركائز / مؤسسات رئيسية بتقديري هي ركائز / وسائل وممارسة ديمقراطية، هي أفضل من الانتخابات العامة المباشرة، أو انتخاب الرئيس من البرلمان(أو ما يعادله)، تضمن وصولاً مقبولاً للمرتبات العليا  الثلاث، ولرئاسة البلاد.

مجلس شورى الدولة ويمثل  عناصر منتخبة من:

مجلس شيوخ الدولة

مجلس قيادة الدولة : يمثل المجلس  الوزارات السيادية : الدفاع، الداخلية، الخارجية، الاقتصاد، مسؤولي الأمن،

الديمقراطية هي قدر محدود(وأحياناً محدود جداً) من المجال يمنحه النظام للجماهير بشرط أن لا تزعزع مركزه، وفي بلدان الغرب الراسخة الجذور، والمتينة البنيان، الحاكم الحقيقي هو ليس(س / فلان الفلاني) بل الفئة/ الطبقة الاقتصادية / الاجتماعية، والرؤساء وكبار رجال الدولة هم موظفون لا أكثر. وبطريقة لا تظهر على الشاشات (المونيتور)

الالتفاف على القوانين أمر ممكن

خداع الناس، أمر ممكن جداً

التنصل من الوعود الانتخابية، هو الغالب

جورج سباين، مؤرخ الفكر السياسي يقول : الديمقراطية الحقيقية، لا ولم، ولن تكون ....!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة

اعتمدنا في مقتطفات حول موضوعات الفكر السياسي الإسلامي والمسيحي، ومنها موضوعة الإمارة المهمة، وتجدها بالتفصيل في مؤلفنا : الاستهلال والاستكمال بجزأيه الصادرة عن دار ضفاف. وهذا المقال هو باختصار لبحوث واسعة. مصدرها

د. ضرغام الدباغ : الاستهلال والاستكمال : طبعتان، دار ضفاف/ الدوحة، والمركز الألماني العربي/ برلين

د. ضرغام الدباغ : تطور الفكر السياسي العربي / الإسلامي، نفس المصدر

د. ضرغام الدباغ، نظام الخلافة العربي الإسلامي، نفس المصدر

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

السجون في الولايات المتحدة

 

ضرغام الدباغ

 

نشر الخميس، 01 مارس / آذار 2018

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)—مع وجود مليوني شخص خلف القضبان، تأوي الولايات المتحدة الأمريكية أكبر عدد من السجناء في العالم، بالمقارنة مع أي دولة أخرى. ورغم أن نسبة 4.4 %من سكان العالم تعيش في الولايات المتحدة، إلا أن ربع السجناء من حول العالم يقبعون في سجون البلاد.

ووفقاً لـ „World Prison Brief“، فإن نسبة السجناء في الولايات المتحدة مقارنة بعدد السكان فيها، تعتبر ثاني أعلى نسبة في العالم، إذ بلغت 666 سجيناً لكل مائة ألف نسمة، وهي نسبة تفوقت عليها فقط الجزيرة الصغيرة لجمهورية سيشل

ويشير بحث صدر في العام 2016، عن مؤسسة „The Sentencing Project“ تعرض الأشخاص من البشرة الملّونة للسجن بشكلٍ غير متناسب، إذ وجد البحث أن الأمريكيين الأفارقة واللاتينيين أكثر عرضةً للحبس في سجون الدولة بمعدل 5.1 و1.4 أكثر من الأمريكيين الأوروبيين.

وهذه الأزمة هي موضوع "أمة السجن"، وهو معرض في مؤسسة "آبيرتيور" في نيويورك، بالإضافة إلى كونه نسخةً مصاحبة لمجلة "آبيرتيور"، حيث يُنظر إلى دور التصوير في تكوين سجلّ مرئي لهذا الواقع.

مهاجرون طلبة لجوء ينتظرون في الصف حاملين معاملاتهم في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2019 خلال رحلة أسبوعية يجريها متطوعون، ومحامون، ومساعدون قانونيون، ومترجمون فوريون إلى مخيم للمهاجرين بالقرب من إل بوينتي نويفو في ماتاموروس، المكسيك. 2019 دنيز كاثيه/ذا براونزفيل هيرالد عبر أسوشيتد برس 

في 2019، تواصل تراجع الولايات المتحدة في حقوق الإنسان. طبقت إدارة ترامب سياسات هجرة لاإنسانية؛ وروجت روايات كاذبة تديم العنصرية والتمييز، وبالكاد فعلت أي شيء لمعالجة ضخامة عدد المساجين، وقوضت حقوق النساء وحقوق المثليين/ات، ومزدوجي/ات التوجه الجنسي، ومتغيري/ات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم)؛ وتسببت في زيادة ضعف قدرة الأميركيين على نيل رعاية صحية ملائمة، وأزالت الضوابط في الصناعات التي تهدد صحة الناس وسلامتهم.

في السياسة الخارجية، استخدمت إدارة ترامب بشكل محدود نفوذها المتراجع لتعزيز حقوق الإنسان في الخارج، واستمرت في تقويض المؤسسات الدولية، وتجاهلت القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من خلال عقدها شراكات مع حكومات مسيئة، مع أنها فرضت عقوبات على بعض الأفراد والحكومات لانتهاكاتهم الحقوقية.

 

النظام القانوني الجنائي

لا يزال لدى الولايات المتحدة العدد الأعلى عالمباً من السجناء الجنائيين،  مع وجود 2.2 مليون شخص في السجون ومراكز التوقيف و4,5 مليون آخرين   تحت المراقبة أو الإفراج المشروط بنهاية 2017، وهو آخر عام قدّمت وزارة العدل إحصاءات بشأنه حتى كتابة هذا الملخص. تُظهر الأرقام انخفاظاً طفيفاً في عدد المحتجزين بين 2016 و2017، وتراجعا بنسبة 10% عما كانت عليه قبل عقد من الزمان.

يمكن أن يعزى الانخفاض جزئيا إلى زيادة إدراك صانعي القرار والجمهور للظلم الحاصل في النظام القانوني الجنائي الأمريكي والضرر الذي يتسبب به، ما دفع بعض الولايات إلى إجراء إصلاحات كثيرة. مع ذلك، زادت أعداد السجناء في ولايات عدة. كما زاد معدل سجن النساء بنسبة 750% بين أعوام 1980 وعام 2017.

إصدار قانون "فيرست ستب" (الخطوة الأولى) في نهاية 2018، أُطلق في يوليو/تموز سراح أكثر من 3 آلاف شخص من السجن، مستفيدين من تخفيض القانون الجديد لعقوباتهم. لكن ترك القانون مخاوف كثيرة بلا معالجة، رغم الإشادة به كمبادرة مهمة من الحزبين للإصلاح الجنائي، منها أن أثره يقتصر على عدد صغير من المحتجزين في السجون الاتحادية يمثلون 10% فقط من إجمالي عدد السجناء في الولايات المتحدة.

لا تزال الفوارق العرقية بين السجناء ظاهرة بوضوح. فبينما انخفض عدد السجناء عموما، كانت نسبة النساء السود ضعف نسبة نظيراتهن البيض، ونسبة الرجال السود ستة أضعاف نظرائهم البيض. يتسع الفارق أكثر مع الفئات العمرية الأصغر للرجال السود.

ما تزال 29 ولاية أمريكية تطبق عقوبة الإعدام. وفقا "لمركز معلومات عقوبة الإعدام"، اعدم حتى منتصف نوفمر / تشرين الثاني 2019   20 شخصا في سبع ولايات وسط البلاد وجنوبها. نُفذت ثمانية إعدامات في تكساس؛ وثلاثة في كل من ألاباما وجورجيا؛ واثنان في فلوريدا وتينيسي؛ وواحد في ميسوري وداكوتا الجنوبية. أعلنت إدارة ترامب استئنافها تنفيذ الإعدام على المستوى الاتحادي.  في يوليو/تموز بعد 16 عاما من وقفها، لكن علّقت محكمة اتحادية القرار  في نوفمبر/تشرين الثاني. في كاليفورنيا، التي ينتظر فيها أكثر من 730 سجينا تنفيذ حكم الإعدام، وقع الحاكم قراراً يعلق فيه التنفيذ  والغت الهيئة التشريعية في نيوهامشاير عقوبة الإعدام..

 

يستمر حبس الفقراء المتهمين بارتكاب جرائم لاشتراط المحاكم كفالة مالية للإفراج عنهم. يجبر ذلك الفقراء غير المدانين بأية جريمة على البقاء خلف القضبان لفترات طويلة في انتظار المحاكمة، ويؤدي إلى إقرارهم بالذنب مكرهين. تتزايد حركة إلغاء الكفالة المالية، واستبدالها من ولايات عديدة بأدوات تقييم المخاطر التي يمكن أن ترسخ التمييز بدورها من دون أن تخفض معدلات الحبس الاحتياطي. سنّت نيويورك تدابير لإصلاح مرحلة ما قبل المحاكمة  في أبريل/نيسان يُتوقع أن تقلل بشدة عدد الذين يمكن احتجازهم قبل المحاكمة بنظام الكفالة وتحسن الإجراءات القانونية للبقية. لا تفرض التدابير، التي ستدخل حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2020، استخدام أدوات تقييم المخاطر.

 

ما تزال هناك قوانين تمنع ذوي السوابق القضائية من التصويت في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. في 2018، وافق الناخبون في فلوريدا على مبادرة تعيد الحق في التصويت إلى 1.4 مليون من السكان المدانين جنائيا، لكن  الولاية سنت في يوليو/تموز قانونا يلزمهم بدفع جميع التزاماتهم المالية، بما في ذلك الغرامات والرسوم الباهظة، قبل استعادة هذا الحق.

الأطفال في أنظمة العدالة الجنائية وجرائم الأحداث

في أي يوم كان، يوجد 50 ألف طفل تقريبا في السجن. في نظام قضاء الأحداث، يُسجن  2,200 بسبب جرائم "الحالة" - وهي جُنح تعتبر انتهاكات للقانون فقط لأن عمر مرتكبيها يقل عن 18 عاما.

 

كما تواصل الولايات الـ 50 جميعها مقاضاة الأطفال كبالغين في المحاكم الجنائية. وفقا لهيئة "سيتينزن كوميتي فور تشيلدرن" (لجنة المواطنين لأجل الأطفال)، يُسجن 32 ألف طفل تقريبا دون سن 18 عاما في سجون البالغين. حُكم على 1.300 شخص بالسجن المؤبد دون إفراج مشروط، لجرائم ارتكبوها عندما كان عمرهم يقل عن 18 عاما، وفقا لحملة "ذا سنتنسينغ بروجكت" (مشروع الأحكام) أصدرت ولاية أوريغون قانونا يلغي خضوع الأحداث للسجن المؤبد دون إفراج مشروط، وتعمل 22 ولاية والعاصمة واشنطن حاليا على تبني الأمر ذاته.

ما تزال التفاوتات العرقية مستمرة في كل مرحلة من مراحل إجراءات التقاضي، ما يجعل نسبة الأطفال غير البيض أكبر من نظرائهم البيض في أنظمة قضاء الاحداث في جميع أرجاء البلاد في 37 ولاية كانت معدلات سجن الأطفال السود أعلى بكثير من نظرائهم البيض، وفقا لـ سنتنسينغ بروجكت.

 

العدالة العرقية وفرض الأمن

توجد تفاوتات شديدة في الثروة في الولايات المتحدة عموما، ويتقاطع الفقر مع الجريمة، وهو ما يُستخدم غالبا لتبرير أعمال الشرطة الأكثر عدوانية ضد مجتمعات الأقليات والفقيرة. وبدلا من معالجة مشاكل الفقر، ​​مثل التشرد، والصحة العقلية، والانخراط في العصابات عبر تقديم الخدمات والدعم والتنمية الاقتصادية، تضيف ولايات عديدة ببساطة عناصر شرطة أكثر و"تجرّم" المجتمعات الفقيرة أكثر في حلقة مفرغة تزيد من معدلات السجن.

لا يزال تتبع الحكومة لعنف الشرطة ناقصا. وفق صحيفة "واشنطن بوست"، فإن الشرطة أطلقت النار  على 783 شخصا وقتلتهم في الولايات المتحدة بحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وهو عدد أصغر من مثيله العام السابق. من بين من قُتلوا وعُرف عرقهم، 20% من السود رغم أنهم يشكلون 13% من السكان من السكان. تستمر التباينات العرقية في استخدام الشرطة للقوة والاعتقالات، وإصدار المخالفات العامة، ومخالفات المرور.  

 وثقت هيومن رايتس ووتش تباينات كبيرة متعلقة بالعرق في إجراءات الشرطة في دراسة حالة لمدينة تولسا بأوكلاهوما. ذكر السكان السود باستمرار وجود تجارب سيئة لهم مع الشرطة.

زاد الإدراك في 2019 بأنه لا يمكن فهم التفاوتات العنصرية الحالية في الشرطة والعدالة الجنائية وباقي جوانب الحياة الأمريكية من دون الإشارة إلى فترة الرق وتأثيرها المستمر على المجتمع. عقد الكونغرس جلسة استماع تاريخية في 10 / يونية ــ وهو يوم الاحتفال بإلغاء العبودية في الولايات المتحدة، لمناقشة السبل الممكنة لحساب هذه الأضرار، بما في ذلك التعويضات وتقديم استثمارات إضافية للمجتمعات السوداء لمعالجة غياب المساواة والتمييز المستمرين.

 

الفقر وعدم المساواة

في سبتمبر/أيلول، أصدر "مكتب الإحصاء" دراسة أظهرت وصول التفاوت في الدخل  في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له منذ خمسة عقود. يعيش حوالي 40 مليون شخص تحت خطر الفقر، ولدى أسر كثيرة فرد واحد على الأقل يتقاضى أجراً   يمثل إما الحد الأدنى الاتحادي للأجور، أو قريبا منه (7.25 دولار في الساعة).

استمرت إدارة ترامب في اتخاذ إجراءات لتقييد الوصول إلى الرعاية الصحية . أجرت تغييرات في برنامج التأمين الصحي الميسّر، "ميدكايد"، وتمويل التأمين الخاص، وباقي العناصر الرئيسة الأخرى في قانون "أفوردابل كير" (الرعاية الميسّرة) التي ستزيد من التفاوتات في نيل الرعاية والنتائج الصحية. فرضت ولايات عديدة تتمتع بدعم فدرالي متطلبات العمل  واختبار العقاقير وحواجز أخرى تحول دون حصول أفراد ذوي دخل منخفض على تأمين ميدكايد.

تؤثر الغرامات والرسوم التي تفرضها المحكمة بشكل غير متناسب على الفقراء والمجتمعات الملونة. يواجه الشخص، حين لا يتمكن من دفعها، أوامر اعتقال وأحكاما مطولة وسجن، وغالبا ما يزيد ذلك من مديونيته. وتقوم العديد من المقاطعات المحلية بتمويل نفسها عبر فرض رسوم مثل هذه   حتى لمخالفات بسيطة كعبور المشاة الشارع من غير الأماكن المخصصة.  يحفز هذا الأمر الإفراط في ضبط الأمن والمقاضاة العدوانية.

استمرت إدارة ترامب في تقويض حماية المستهلك  ضد المقرضين المفترسين ومحصّلي الديون المسيئين، ممن يستغلون الأسر الفقيرة بخدماتهم. قام "المكتب الفدرالي للحماية المالية للمستهلك" بتأخير تنفيذ قاعدة تنظم يوم الدفع وتنظم وضع صغار المقرضين، ممن يدفعون أسعار فائدة باهظة غالبا. ثمة قاعدة أخرى مقترحة تهدد بإضعاف الحماية من الممارسات الخاطئة، والمضللة، والمسيئة التي يرتكبها محصلو الديون.

 

حقوق غير المواطنين

استمرت الحكومة الأمريكية في 2019 في تجاهل التزاماتها تجاه طالبي اللجوء بموجب القانون الدولي، وتركت لاجئين عديدين دون حماية فعلية. في يناير/كانون الثاني، بدأت الإدارة في إعادة طالبي اللجوء إلى المكسيك بينما طلباتهم قيد النظر بموجب بروتكولات حماية المهاجرين، والمعروفة باسم "برنامج البقاء في المكسيك".

حتى إعداد هذا الملخص، كان قد أعيد أكثر من 55 ألف طالب لجوء إلى ظروف خطرة ولا يمكن تحملها في المكسيك، مع عوائق كبيرة تحول دون نيلهم تمثيلا قانونيا وجلسة استماع عادلة. شمل ذلك طالبي لجوء ذوي إعاقة وحالات صحية مزمنة أخرى رغم التوجيهات الأولية  التي تشير إلى أنه لن يوضع أي شخص "ذي مشاكل واضحة في صحته البدنية/العقلية" في البرنامج. وثقت هيومن رايتس ووتش ست حالات   في مدينة سيوداد خواريز، أربع منها لأطفال.

في يوليو/تموز، أعلنت الإدارة عن وجود قاعة مؤقتة تمنع منح حق طلب اللجوء لأي فرد يحاول دخول الولايات المتحدة قادما من بلد ثالث دون أن يقدم طلب اللجوء فيه. من شأن ذلك منع جميع الأشخاص من التقدم بطلب لجوء على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، باستثناء المكسيكيين.

استمرت الولايات المتحدة في الحد من عدد طالبي اللجوء الذين تم قبولهم في المراكز الحدودية الجنوبية، ما دفع البعض إلى المخاطرة بحياته  ومحاولة الدخول بشكل غير قانوني.

في يوليو/تموز، أعلنت الإدارة أيضا عن قاعدة جديدة تجعل كل شخص لا يمكنه إثبات وجوده في الولايات المتحدة لعامين على الأقل عرضة لعمليات الترحيل السريع، أينما كان يعيش. أعاد ذلك طالبي اللجوء واللاجئين إلى مناطق خطيرة.

احتُجز الأطفال المهاجرون القادمون إلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك في ظروف غير انسانية في مرافق حرس الحدود التي تشبه السجن دون الاتصال بأفراد أسرهم، أو الحصول المنتظم على الاستحمام، أو ملابس نظيفة، أو فراشي أسنان، أو أسرَّة مناسبة، أو رعاية طبية، لعدة أسابيع في كل مرة. احتُجز أطفال بعمر عامين أو ثلاثة في هذه المرافق دون وجود مقدمي رعاية بالغين. كما احتجزت العائلات والبالغون في منشآت مكتظة بشكل خطير لمدة أطول من الحد القانوني البالغ 72 ساعة.

استمر المسؤولون الأمريكيون في فصل الأطفال المهاجرين بانتظام عن أقاربهم البالغين، وحتى عن أهلهم أحيانا. وجدت وكالة مراقبة حكومية تعرُّض الأطفال المنفصلين عن والديهم لصدمة شديدة. أعلنت إدارة ترامب رغم ذلك لائحة جديدة تسمح باحتجاز الأطفال وعائلاتهم إلى أجل غير مسمى، وبالتالي زيادة مدى صدمتهم.

توفي ثلاثة أطفال مهاجرين في 2019 بعد فترة قصيرة من دخولهم الولايات المتحدة، بعد وفاة ثلاثة آخرين في 2018، وهي أول وفاة لأطفال في حالة احتجاز مهاجرين في الولايات المتحدة منذ عقد. توفي سبعة أشخاص على الأقل في عهدة "وكالة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية"؛ وتوفي ستة أشخاص بالغين في عهدة "إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية". كانت الوفيات في الحجز مرتبطة في السابق بسوء الرعاية الطبية  في مرافق الاحتجاز الأمريكية.

وصل عدد المهاجرين المحتجزين لدى إدارة الهجرة والجمارك إلى رقم قياسي بلغ 55 ألف شخص يوميا، حتى مع كشف تقارير حكومية جديدة  عن أنتهاكات جسيمة لمعايير الاحتجاز الحكومية حيث اجبر محتجزون عديدون مضربون عن الطعام على الأكل باستخدام عملية بطبيعتها قاسية، وغير إنسانية، ومهينة.

في أغسطس/آب، أصدرت الإدارة قاعدة قد تسمح للحكومة الاتحادية برفض منح الإقامة الدائمة ("غرين كارد") للمهاجرين الذين يستخدمون تأمين "ميدكايد" أو قسائم الطعام أو قسائم الإسكان أو باقي أشكال المساعدة العامة الأخرى، ما ولّد الخوف بين غير المواطنين المحتاجين إلى هذه الخدمات من الاستفادة منها.

هددت إدارة ترامب مرارا بشن مداهمات جماعية، مشيعية الخوف بين مجتمعات المهاجرين. في أغسطس/آب، ألقت سلطات الهجرة الأمريكية القبض على 680 شخصا في مداهمات على مصانع أغذية في مسيسيبي، في أكبر مداهمة على مكان عمل في الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد. يتعرض العمال المهاجرون في صناعة اللحوم والدواجن لانتهاكات خطيرة في مكان العمل، لكن يمنع الخوف من الترحيل الكثيرين من التحدث علانية . استمرت الولايات المتحدة في ترحيل من أقاموا  في البلاد لفترات طويلة دون مراعاة ملائمة لعلاقاتهم الأسرية والمجتمعية، أو مخاوفهم من الأذى في حالة إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

ورغم استمرار الانتهاكات، لستمر الكونغرس الأمريكي في السماح لطلبات الإدارة في تلقي تمويل إضافي لوكالات الهجرة التي لا توجد فيها متطلبات كافية للمعايير والإشراف والشفافية.

 

الحقوق البيئية

استمرت إدارة ترامب في إضعاف أو إلغاء عشرات القواعد  التي تحمي البيئة والصحة العامة. في يوليو/تموز، قررت "وكالة حماية البيئة" عدم حظر الكلوربيريفوس، وهو مبيد سام للأعصاب ذو علاقة بتأخر نمو الأطفال حسب الدراسات التي تمولها الوكالة.   

في يوليو/تموز أيضا، اقترحت وكالة حماية البيئة التراجع بشكل كبير عن اللوائح الناظمة لرماد الفحم، وهو ناتج ثانوي شديد السمية من احتراق الفحم، والذي يمثل ثاني أكبر كم من النفايات في الولايات المتحدة. يزيد تغيير القاعدة من خطر تلوث الهواء والماء ويشكل خطرا على الصحة.

في سبتمبر/أيلول، ألغت إدارة ترامب تشريع أساسي لحماية المياه النظيفة،  كان قد وضع قيودا على استخدام مواد كيميائية ملوثة معينة قرب الجداول، والمستنقعات، وغيرها من المسطحات المائية.

في سبتمبر/أيلول أيضا، أعلنت إدارة ترامب أنها ستلغي سلطة ولاية كاليفورنيا التي تحولها وضع قواعد أكثر صرامة من المعايير الاتحادية لانبعاثات عوادم السيارات، ما دفع كاليفورنيا ونحو 20 ولاية أخرى إلى رفع دعوى.

كانت هذه التحركات جزءا من هجوم واسع ضد الجهود المبذولة لمكافحة تغير المناخ وتقليل تنظيم الصناعات، وزيادة مخاطر الصحة والسلامة.

 

حقوق الأكبر سناً

تقدم دور الأكبر سناً الامريكية روتينياً الأدوية المضادة للذهان (الزهايمر) للمقيمين المصابين بالخرف للسيطرة على سلوكهم، وغالبا من دون موافقتهم. ما تزال هذه الممارسة المسيئة منتشرة وقد ترقى إلى حد المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إلا أن مراكز خدمات الرعاية الصحية والطبية اقترحت رفع القيود أكثر عن هذه المؤسسات.

 حقوق النساء والفتيات

يتسبب الوضع الحالي لتغطية الرعاية الصحية في الولايات الأمريكية بحرمان العديد من النساء والفتيات من التأمين الصحي، ويخلق أيضا بيئة تزيد معدلات وفيات النساء مقارنةً بباقي البلدان الغنية لأسباب مرتبطة بالسرطان والأمومة كان يمكن الوقاية منها.

وثقت هيومن رايتس ووتش كيف أدى عدم توسيع شريحة المستفيدات من تأمين ميدكايد في ألاباما، إلى جانب مزيج من السياسات والممارسات الأخرى، إلى ارتفاع معدل الوفيات بسرطان عنق الرحم والتي كان يمكن الوقاية منها، وتأثير ذلك بشكل أكبر بكثير على النساء السود في الولاية. لدى ولاية ألاباما، كما تكساس، أدنى مستويات لتأهيل الأشخاص من الاستفادة من تأمين ميدكايد في البلاد، وتسعى إلى الحصول على استثناء لجعلها أكثر صعوبة.

دخلت قاعدة " كم الأفواه " التي فرضتها إدارة ترامب حيز التنفيذ في اغسطس / آب وهي تمنع الأطباء الذين يتلقون أموالا من تنظيم الأسرة الاتحادي "تايتل إكس" من إعطاء النساء معلومات عن طيف خيارات الحمل الكامل المتاح لهن. تسببت القاعدة في قيام مؤسسة "بلاند بارينتهود" (تنظيم الأسرة)، التي توفر خدمات صحة المرأة والحمل لأكثر من 1,5 مليون امرأة من ذوي الدخل المنخفض كل عام   للانسحاب من برنامج تايتل إكس.

كما طرحت إدارة ترامب قاعدة أخرى تسمح لأصحاب العمل بالامتناع عن توفير وسائل منع الحمل في خطط التأمين الصحي لموظفاتهن بذريعة وجود اعتراضات دينية أو أخلاقية لديهم على متطلبات قانون الرعاية الميسّرة. منعت قاضية اتحادية في نوفمبر/تشرين الثاني قاعدة أخرى مقترحة من شأنها أن تسمح بشكل أكبر بكثير لمقدمي الرعاية الصحية برفض المرضى لأسباب دينية أو أخلاقية، منهم النساء اللواتي يسعين إلى الحصول على خدمات الصحة الإنجابية.

اتخذت ولايات قليلة خطوات لتوفير الحماية لصحة المرأة أو توسعة ذلك، واعتمدت عدة ولايات قوانين تزيد تقييد الإجهاض. أقرّت ألاباما قانونا صارماً  يجرّم الإجهاض ومحاولة الإجهاض، ولا يستثني ضحايا العنف الجنسي. في أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت محكمة ابتدائية أمرا قضائياً أولياً  بمنع تنفيذ القانون.

وحظرت ولايتا ديلاوير ونيوجيرسي الزواج قبل سن 18 عاما، وتعمل عدة ولايات على حظره، لكن يظل زواج الأطفال قانونيا بشكل ما في 48 ولاية.

 

التوجه الجنسي والهوية الجندرية  

في يناير/كانون الثاني، سمحت المحكمة العليا بدخول حظر إدارة ترامب خدمة متغيري النوع الاجتماعي (ترانس) في الجيش حيّز التنفيذ مع استمرار إجراءات التقاضي. اقترحت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في مايو/أيار قاعدة من شأنها تضييق الكيفية التي يُعرف بها التمييز على أساس الجنس، مما يسمح لشركات التأمين ومقدمي الرعاية الصحية بالتمييز ضد المرضى الترانس. حتى إعداد هذا الملخص، قُتل 22 شخصاً ترانس(متحول) على الأقل في الولايات المتحدة في 2019.

صوّت مجلس النواب على إعادة إنفاذ قانون العنف ضد المرأة، والذي يتضمن أحكاما لضحايا العنف من مجتمع الميم. كما أقر مجلس النواب "قانون المساواة" الذي يحظر صراحة التمييز القائم على التوجه الجنسي والهوية الجندرية بموجب مختلف قوانين الحقوق المدنية الاتحادية. لم يصوت مجلس الشيوخ على أي من مشروعَي القانون.

ما تزال حماية أفراد مجتمع الميم على مستوى الدولة متفاوتة. حتى ساعة إعداد التقرير، كان لدى 20 ولاية فقط قوانين تحضر صراحة التميز القائم على التوجه الجنسي والهوية الجندرية في التوظيف والإسكان والمرافق العامة .

 

المراقبة وحماية البيانات

تفتقر الولايات المتحدة إلى قوانين وطنية شاملة لحماية البيانات ، بما في ذلك قوانين تمنع نيل جهات إنفاذ القانون وصول غير ضروري وغير متناسب إلى البيانات الشخصية. تقوم الحكومة، عبر القيام بما يدعى "البناء الموازي" غير المعترف به علنا، والذي كان موضوع تقرير لـ هيومن رايتس ووتش في 2018، باستخدام بيانات برامج المراقبة السرية في التحقيقات الجنائية عبر إعادة بناء تلك الأدلة باستخدام وسائل أخرى من دون الكشف أمام القضاة أو المدعى عليهم عن أن مصدرها كان المراقبة السرية. يحرم ذلك المدعى عليهم من فرصة الطعن في المراقبة غير القانونية المحتملة، ويصعّب على المحاكم الأمريكية مراجعة المراقبة.

في أغسطس/آب، طلبت إدارة ترامب من الكونغرس تمديد المادة 215 من قانون "باتريوت" الأمريكي، والتي كانت تعطي "وكالة الأمن القومي" صلاحية جمع مئات الملايين من سجلات الهاتف الأمريكية وتخزينها والبحث فيها بشكل ينتهك الحقوق. اعترف مدير "الاستخبارات الوطنية" آنذاك في رسالة إلى الكونغرس بأن وكالة الأمن القومي علقت البرنامج لصعوبات قانونية وتقنية طويلة الأمد وحذفت البيانات المخزنة. لكن قالت الاستخبارات الوطنية إنه ينبغي للكونغرس إبقاء برنامج المراقبة الهائل للاستخدام المستقبلي. كان من المقرر انتهاء صلاحية القانون في ديسمبر/كانون الأول 2019 في غياب إجراء من الكونغرس.

 

حرية التعبير

واصل الرئيس ترامب هجماته ضد وسائل الإعلام خلال 2019، واصفا إياها بأنها " عدوة الشعب " ومنحطة "من بين أوصاف أخرى. تتسبب الهجمات في تآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وأيضا تزايد خطر العنف ضد الصحفيين،   وباقي العاملين في هذا القطاع.

أثار نشر لائحة الاتهام الجنائية ضد جوليان أسانج، منشئ "ويكيليكس"، على خلفية انتهاكاته المزعومة لقانون التجسس قلقاً واسع النطاق بين الصحفيين   من أن الحكومة قد تبدأ في مقاضاة وسائل الإعلام التي تنشر معلومات سرية - حتى لو كان لنشرها فائدة. ستعرقل ملاحقات مثل هذه حرية الإعلام وتعيق حق الجمهور في تلقي المعلومات.

ذكرت وثيقة حكومية مسربة قيام مكتب الجمارك وحماية الحدود بوضع قائمة  بالصحفيين والناشطين وكل من يتعامل مع قضايا الهجرة قرب الحدود الجنوبية للبلاد؛ قال بعض هؤلاء الأفراد إنهم تعرضوا لأستجواب إضافي  من قبل المسؤولين عند عبورهم الحدود، ما قد يضعضع الأنشطة التي يحميها الحق في حرية التعبير.

 

الامن القومي

استمر رجال يتبنون آراء تدعم تفوق البيض، ومعاداة السامية، وكره النساء بارتكاب حوادث إطلاق نار جماعي في 2019. في إل باسو بتكساس، قتل رجل 22 شخصاً  وجرح 27 آخرين بعد نشره نصا عنصريا على الإنترنت. في ولاية كاليفورنيا، قتل رجل، امرأة وجرح ثلاثة مصلين آخرين  في كنيس يهودي. في دايتون، أوهايو، قتل رجل له تاريخ في تهديد أمن النساء، بحسب التقارير، تسعة أشخاص وجرح 27 آخرين.

أثارت قدرة مطلقي النار على الحصول على أسلحة عسكرية الطابع لتنفيذ عمليات القتل هذه دعماً شعبيا متزايداً  لسن قوانين اتحادية أشد صرامة تقيّد إمكانية الحصول إلى تلك الأسلحة.

رغم ارتفاع هجمات المتعصبين البيض خلال العقد الماضي، وخاصة منذ 2016، والأدلة على أن بعض مرتكبيها جزء من حركة تعصب أبيض متنامية في البلاد، خصصت وكالات إنفاذ القانون الأمريكية موارد أقل بكثير لمنع مثل هذه الهجمات مقارنةً بما خصصته لمنع الهجمات التي يقوم بها المتطرفون الإسلاميون. أضافت وزارة الأمن الداخلي في سبتمبر/أيلول عنف المتعصبين البيض  إلى قائمة التهديدات ذات الأولوية لأول مرة منذ إنشاء القائمة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

ما تزال الولايات المتحدة تحتجز 31 رجلا بدون تهم في غوانتانامو لأجل غير مسمى، سجن جميعهم منذ أكثر من عقد، وبعضهم منذ 2002. كما استمرت بمحاكمة سبعة رجال بتهم متصلة بالإرهاب، خمسة منهم بتهم متصلة بهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، أمام نظام اللجان العسكرية في غوانتانامو، التي لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وشابتها مشاكل إجرائية والتأخير لسنوات. كما احتجزت رجلين أدينا بالفعل على يد اللجان، أحدهما يقضي عقوبة بالسجن المؤبد والآخر في انتظار الحكم.

 

السياسة الخارجية

في 2019، واصل الرئيس ترامب مدح القادة المستبدين وعدم إثارة المخاوف الحقوقية علانية في اجتماعاته الثنائية معهم. التقى ترامب الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون   في فبراير/شباط، ومرة ​​أخرى في يونيو/حزيران وأيضا رئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن. استضاف الرئيس المصري  عبد الفتاح السيسي في البيت الأبيض في أبريل / نيسان والتقى به ثانية على هامش قمة "مجموعة السبع" في أغسطس/آب وقال إنه " ديكتاتوره المفضل" بحسب تقارير. في مايو/أيار، وصف ترامب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي زار لاحقا البيت الأبيض، بأنه يقوم "بعمل هائل". في سبتمبر/أيلول، التقى ترامب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في هيوستن، وفي نوفمبر/تشرين الأول استضاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ركز تعليقاته العامة على مدح سياسات تلك الحكومات بدلا من سجلاتها الحقوقية المتدهورة.

أدانت إدارة ترامب مرارا بعض انتهاكات الحكومة الصينية، وخاصة انتهاكات الحرية الدينية وحقوق الأقليات العرقية. أضافت الإدارة في أكتوبر/تشرين الأول "مكتب الأمن العام في شينجيانغ" ووكالات حكومية أخرى وثماني شركات صينية للتكنولوجيا، منها "آيفلاي تك" و"هيكفيجن"، إلى قائمة العقوبات. لكن قوّضت تصريحات ترامب العديدة الإيجابية حول قيادة الرئيس شي جين بينغ هذه الخطوات.

في أبريل/نيسان، أكدت المدعية العامة لـ "المحكمة الجنائية الدولية" أن الولايات المتحدة ألغت تأشيرتها بسبب التحقيق الذي أجرته حول ارتكاب القوات الأمريكية في أفغانستان جرائم حرب محتملة.

استبعدت التقارير القطرية السنوية   لحقوق الإنسان الصادرة عن وزارة الخارجية في مارس/آذار تحليل حقوق المرأة في الإنجاب، بما فيها معلومات عن وفيات الأمهات التي كان يمكن تفاديها والوصول إلى وسائل منع الحمل.

في مارس/آذار، وقّع الرئيس ترامب إعلاناً يعترف بأن مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل جزء من دولة إسرائيل، متجاهلا الحماية التي ينالها سكان مرتفعات الجولان بموجب القانون الإنساني الدولي. في نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت وزارة الخارجية أنها لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية انتهاكا "بحد ذاته" للقانون الإنساني الدولي، ما يضع الولايات المتحدة خارج الإجماع الدولي حول هذه القضية.

في أبريل/نيسان، هددت الولايات المتحدة باستخدام حق النقض ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة لذكر القرار خدمات الصحة الإنجابية للمرأة. نظرا لرفض الولايات المتحدة قبول أي نص يعترف بضرورة حصول ضحايا الاغتصاب في الحرب على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، تم تبني القرار في النهاية بدونه.

في يونيو/حزيران، استفادت إدارة ترامب من وضع تعرفة جمركية على البضائع المكسيكية للضغط على المكسيك للالتزام بزيادة غير مسبوقة في تطبيق إجراءات الهجرة وقبول طالبي اللجوء العائدين من الولايات المتحدة من غير المكسيكيين بموجب برنامج إعادة تعسفي . كما توصلت إدارة ترامب إلى اتفاقات لإرسال طالبي اللجوء إلى هندوراس والسلفادور وغواتيمالا، رغم الظروف الأمنية الخطيرة في تلك البلدان وعدم كفاية أنظمة الحماية. في سبتمبر/أيلول، أعلنت الحكومة الأمريكية أنها ستحدد عدد اللاجئين المقبولين بـ18 ألفا في أدنى حد للبلاد منذ أربعة عقود وبفارق كبير.

في توبيخ لتقاعس إدارة ترامب عن الانتهاكات الحقوقية في السعودية، صوّت مجلس الشيوخ في يونيو/حزيران لمنع استخدام الإدارة لسلطة الطوارئ لإكمال مبيعات أسلحة   تزيد قيمتها عن 8 مليارات دولار للسعودية والإمارات وبلدان أخرى. لكن نقض ترامب القرار وسُمح بمضي مبيعات الأسلحة قدما.

استمرت الولايات المتحدة في فرض قيود على التأشيرات وتجميد الأصول على مرتكبي الفساد والانتهاكات الحقوقية الجسيمة. في يوليو/تموز، فرضت وزارة الخارجية حظر تأشيرات على العديد من كبار القادة العسكريين الأجانب لتورطهم في انتهاكات حقوقية جسيمة، لا سيما حملة التطهير العرقي في ميانمار ضد مسلمي الروهينغا.

في يوليو/تموز أيضا، أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو عن تشكيل " لجنة الحقوق التي لا يمكن التنازل عنها"  لتقديم "مراجعة مستنيرة لدور حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأمريكية". لدى العديد من المفوضين سجلات عامة تعارض حقوق الإنسان الرئيسة المعترف بها دوليا، بما فيها الحرية الإنجابية وحقوق مجتمع الميم.  

في أعقاب الإلغاء الأمريكي في 2018 لـ "خطة العمل الشاملة المشتركة"، المعروفة باسم "الاتفاق النووي"، أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات واسعة على إيران وعقوبات على الشركات المتعاملة معها. في أبريل/نيسان، صنفت الولايات المتحدة "الحرس الثوري" الإيراني منظمةً إرهابية أجنبية. في سبتمبر/أيلول، عاقبت الولايات المتحدة، من بين جهات أخرى، البنك المركزي الإيراني لدعمه الحرس الثوري. في أكتوبر/تشرين الأول، وثقت هيومن رايتس ووتش الضرر الشديد الذي تسببه هذه العقوبات على الإيرانيين الذين يحتاجون إلى رعاية صحية وأدوية.

لم تصدر وزارة الخارجية مراجعة ثانية كانت قد تعهدت بالقيام بها منذ فترة طويلة لسياسة مكسيكو سيتي التي وضعتها إدارة ترامب، أو قاعدة "تكميم الأفواه"، التي تحظر التمويل الفيدرالي للمنظمات غير الحكومية العاملة خارج الولايات المتحدة التي تقدم استشارات أو عمليات إحالة للإجهاض، أو تدعو إلى عدم تجريم أو توسيع خدمات الإجهاض. في مارس/آذار، أعلن بومبيو أن القاعدة سيتم تفسيرها بشكل أكثر صرامة ضد المنظمات القاعدية الأجنبية الصغيرة في الغالب.

واصلت الولايات المتحدة عمليات القتل المستهدِفة للمشتبه في أنهم إرهابيون في دول مثل اليمن والصومال، والعديد منها بطائرات بدون طيار. كما نفذت عمليات عسكرية واسعة ضد جماعات مسلحة غير دولية، بما فيها "طالبان" في أفغانستان و"الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا. في مايو/أيار، أفادت وزارة الدفاع أنه في  2018 قتل 120  مدنيا وأصيب قرابة 65 آخرين خلال العمليات العسكرية الأمريكية في العراق، وسوريا، وأفغانستان، والصومال، مع عدم وقوع إصابات بين المدنيين من العمليات الأمريكية في اليمن أو ليبيا. نشرت منظمات رصد مستقلة تقديرات للخسائر المدنية جراء العمليات الأمريكية في أفغانستان والعراق وسوريا والصومال واليمن وليبيا  تفوق بكثير تقديرات وزارة الدفاع. لم تقدم الولايات المتحدة تقارير علنية عن أي ضحايا من العمليات الفتاكة التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية.

على مدار العام، دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات مع قادة طالبان حول شروط انسحاب القوات الأمريكية بناء على تعهدات طالبان بعدم السماح لأي جماعة مسلحة بشن هجمات على الولايات المتحدة من أفغانستان. ومع ذلك، ألغى ترامب المفاوضات الأمريكية في 7 سبتمبر/أيلول، ما يترك أي محادثات إضافية لاحقة عالقة.  

وصلت الغارات الجوية الأمريكية في أفغانستان إلى مستويات قياسية، حيث أسقطت أكثر من 8 آلاف قنبلة وصاروخ على أفغانستان بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول، قتلت وجرحت أكثر من 800 مدني، منهم 250 طفلاً على الأقل. بقي ما يقدر بنحو 14 ألف جندي أمريكي في أفغانستان، بما في ذلك القوات الأمريكية الخاصة المشاركة في العمليات القتالية. ارتكبت وحدات شبه عسكرية أفغانية مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية خارج سلسلة القيادة النظامية إعدامات خارج نطاق القضاء وإخفاءات قسرية.

 

مترجم عن الموسوعة الألمانية

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

الاستعمار / الديمقراطي ة،

الامبريالية / العولمة

 

ضرغام الدباغ

 

هل الغرب الرأسمالي ديمقراطي حقاً ... ؟  ألم يحدث في التاريخ كثيراً ولا يزال، أن يهرج أحدهم ويبالغ بالتهريج ليغطي على حقيقة صارخة كامنة فيه ...؟

* هل الديمقراطية هي مجرد تبادل سلمي للسلطة فقط، كما يبدو ذلك في الظاهر، وهكذا يفهمها جمهور كبير في بلداننا،  أم هي نظام اقتصادي قبل ذلك ؟

* هل الأنظمة السياسية في أوربا (العالم الرأسمالي) انبثقت من رحم تطور الأنظمة السياسية الأوربية في تعايش بين ثلاث قوى سياسية / اقتصادية / ثقافية : الكنيسة، الملوك والقياصرة، وأمراء ونبلاء الإقطاع. , وهيمنة البورجوازية، وانحسار دور القوى الأخرى لم يأت إلا بعد السيطرة الاقتصادية التامة للرأسمالية التي فرضت هيمنتها بصفة حاسمة.

 

كان عصر النهضة في تطوراته اللاحقة، بحكم الاستكشافات الجغرافية، والذي قاد إلى عصر ازدهار التجارة عبر البحار (الميركانتيلية ـ Mercantilism)، ثم إلى الثورة الصناعية، وهنا بدأت سطوة  الكنيسة والكهنوت بالتلاشي والاضمحلال ولكن ليس بصفة حاسمة، بل في تراجع مكانتها التراتبي في التحالف الثلاثي الذي يقود الدولة والمجتمع والاقتصاد المؤسسة الدينية، الملوك والقياصرة، ونبلاء وأمراء الإقطاع، وسيتواصل التراجع دون توقف حتى الإنهاء الكامل لنفوذ القوى الأخرى.

وأمام غياب نصوص مسيحية مقدسة من الإنجيل أو أقوال المسيح عامة عن وجود حدود واضحة بين سلطة الله والدين التي تمثلها الكنيسة ورجال الدين، وسلطة البشر الدنيوية التي يمثلها الملك، والنبلاء وأمراء الأرض، وحيث لا ينبغي الجمع بين السلطتين، فتلكم كانت المشكلة التي تثار. فكل من السلطتين تطمحان للمزيد من الصلاحيات وقد أشير بالرموز إلى السلطتين بنظرية السيفين، غلاسنوس ) Glasnia ( سيف الكنيسة وسيف الدولة، ولكن التطور التاريخي كان يشير إلى تقدم سلطة الملوك وإلى تراجع سلطة الكنيسة، وعبثاً كانت تجري محاولات البابوات في استعادة هيمنتهم ونفوذهم الآخذ بالانحسار، فقد اندثرت نهائياً فكرة السلطة الكلية للبابوات التي أطلق عليها أولترامونتيه (Ultramontis) (التأييد لسلطة البابا المطلقة) وكانت تسعى إلى إخضاع الكنائس الكاثوليكية حيثما كانت لسلطة البابا في روما، ودافعوا عن حقه في التدخل في الشؤون الدنيوية للدولة.

 

وكانت نظرية السيفين(غلاسنوس) تنطوي على غموض في توزيع السلطات والاختصاصات، وعلى عدم الاستقرار نتيجة للتنافس بين السلطتين على النفوذ والهيمنة. وكان هناك بالطبع من يروج لفكرة أن يجتمع السيفان في يد واحدة، الملك أو الكنيسة. ولكن من الواضح أن الحركة كانت تدور لصالح الملوك، لذلك كانت الكنيسة وفلاسفتها يرفضون فكرة اجتماع السيفين في يد واحدة، لأنها ستعني سلطة الملك المطلقة وتضاؤل دور الكنيسة قائلين: " من المستحيل على السيفين أن يجتمعا بيد واحدة، فما منحه الله ليس لأحد سواه أن يأخذه ".

وقد مثل عصر النهضة بأحداثه المفصلية الهامة (القرن 16 – 15) الذي منح الجرأة للعلماء والمفكرين والفنانين على التصريح بآرائهم وأفكارهم، وتعميق لفكرة إبعاد السلطة الدينية ومؤشر واضح أن ليس سوى الفكر الحر من يقود إلى تحولات تاريخية كبيرة، وكانت أبرز المفاصل في هذه المسيرة :

الحركة اللوثرية 1517 : التي قادت ثورة داخل الكنيسة الكاثوليكية، ثم قادت إلى حركة ليبرالية عامة في الفكر والمجتمع الأوربي، ثم إلى إصلاح الكنيسة الكاثوليكية نفسها.

الثورة الفرنسية 1789 : التي أطلقت العنان للفرد وحرياته وللفكر. ووضعت أسساً جديدة لنظام الدولة والمجتمع وحددت بوضوح كاف صلاحيات السلطات.

الثورة الصناعية 1820 : التي قادت إلى تغيرات اجتماعية عميقة داخل مجتمعات البلدان التي شهدت هذه الثورة، تبلورات طبقية اجتماعية جديدة استلمت فيها البورجوازية القيادة بشكل حاسم من أيدي أمراء الإقطاع والنبلاء ورجال الدين ثم ابتدأت حقبة جديدة من العلاقات الدولية من عصر الاستعمار ونهب ثروات الشعوب.

تطور الفكر الاقتصادي الليبرالي، وصار كتاب (ثروة الأمم) كتعاليم مقدسة للأنظمة البورجوازية، الذي وضعه  المفكر الإنكليزي، آدم سمث (1723 ــ 1790)  الذي وضع شفرة الأنظمة الديمقراطية بقاعدته الشهيرة " دعه يعمل دعه يمر " وهذه قاعدة اقتصادية لا علاقة لها بنظم تبادل السلطة. (سنة 1776) حين أصدر كتابه (بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم)، حيث ضمنه مبدأ أنصار "المذهب الحر/الطبيعي" الأساسي: دعه يعمل دعه يمر، الحرية التامة لاقتصاد السوق وابتعاد الدولة عن التدخل. والمفكر الآخر هو دافيد ريكاردو ريكاردو(1772ـ 1823).

 

وهذه الفقرات الأربعة الهامة، دارت تفاعلاتها ببطء نسبي على مستوى القارة الأوربية، فبدأت في بعض الدول الأوربية بشكل مبكر كهولندة أولاً ثم بريطانيا ثانياً، كنتائج للحملات الاستعمارية، وقادت مجموع هذه التطورات إلى تعزيز متواصل لمكانة البورجوازية الصناعية التي برزت كقوة اقتصادية قاهرة، وبدأ تشيد نظامها السياسي، ثم بدأت الفئات الاجتماعية كافة ترضخ لها دون مواربة، تعززت العملية من خلال تبلور الفكر السياسي الليبرالي، ثم نضوج الفكر الاقتصادي السياسي الليبرالي فاكتملت مستحقات النظام الليبرالي (الديمقراطي).

 

تبلور الفكر الليبرالي

كانت أوربا متعبة من الحروب الدينية / الطائفية، والبورجوازية الصاعدة تعد المجتمعات بالكثير من المنجزات والتقدم، ولكن هذا الأمر كان يتطلب دولاً قوية واستبعادا للعناصر التي تمثل العوائق أمام التقدم، ولم تكن تلك العناصر سوى الكنيسة والإقطاع الذي كان بدوره يترنح تحت وطأة التحولات الجديدة، حيث هجر أعداد غفيرة من الفلاحين الريف متجهين صوب المدن للعمل في الورش والمانفكتورات (Manufactour) التي بدأت أعدادها تتزايد ويتحول البعض منها إلى معامل يدوية كبيرة يعمل فيها أعداد غفيرة من العمال، والذين سيصبحون في المراحل المقبلة الرقم الصعب في المعادلة الاجتماعية وشأناً سياسياً مهماً.

 

وكانت الليبرالية Liberation (قوة التحرر) الكلمة السحرية التي شاعـت في الأعـمال والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية على حد السواء، حتى غدا مفهوماً عاماً. " فالليبرالية بهذا المعنى هي أن يمتلك الإنسان ذاته، وبنفس الوقت القواعد المتعلقة بازدهاره وهيمنة سلطته على العالم بإخضاع الطبيعة والسيطرة عليها ". وعبر آدم سمث (أحد أهم مفكري تلك المرحلة)، أن المصالح الخاصة للأفراد تتناسق فيما بينها، والمصلحة الشخصية هي المحرك لمسيرة الإنسان وبالتالي لمسيرة العالم، وإن كل إنسان طالما كان لا يخرق قواعد العدالة، سوف يترك حراً بشكل مطلق في أتباعه لمصلحته الخاصة كما يروق له. وقد جسدت هذه النظرية قاعدة  " دعه يعمل دعه يمر ".  (1)

انطلقت الليبرالية، كتيار، كمارد أنطلق من قمقمه، فلم يحده إطار وصار التحرر شعاراً وحركة وسوف تلد الثورات والانتفاضات، والتحولات الخطيرة على كافة الأصعدة، بل سوف تتغلغل إلى الكنيسة ذاتها وستخلق فيها التيارات، فقد كانت الليبرالية تياراً ثقافياً، أندفع فيه بحماسة أدباء وفنانون في تمجيد الإنسان وقدراته والإبداع الفني، أكدت فيه، أنه لا يمكن للإنسان أن يعمل إذا كان مقيد اليدين، كما لا يمكنه أن يبدع وأن ينجز طالما كان مقيداً بقيود الفكر والإرادة والحركة.

 

وقد سعى الليبراليون إلى تحطيم فكرة الحق الإلهي للملوك، وسوف لن تقبل سلطة مطلقة للملك، إلا أن تكون مقيدة بالدساتير، فهذه مسيرة قد انطلقت ولا سبيل لإيقافها، وليست المسألة سوي وقت فحسب. وستكون تلك من مهام المرحلة المقبلة، وكذلك تحرير الإنسان وإنهاء الهيمنة الدينية وتسلطها على الدولة والمجتمع والأفكار. كما كانت لهم أهدافهم السياسية التي تمثلت بالمساواة، حق الملكية الخاصة واحترامها، حرية الرأي والمعتقد والتفكير، حرية النشر، إبعاد الكنيسة عن التدخل بشؤون الدولة، احترام حقوق الإنسان، والإعلان بأن حقوق الإنسان والتحرر هي من الحقوق الطبيعية، طلب العلم والمعرفة، هي من حقوق المواطن الأساسية، حرية التجارة وعدم تدخل الدولة في الفعاليات الاقتصادية(وفي ذلك مذاهب اقتصادية شتى)، حرية الملاحة في البحار، المطالبة بنظام عالمي للقوانين وصولاً إلى القانون الدولي.(2)

 

في القرن السابع عشر والثامن عشر، كانت الليبرالية تعني قبل كل شيء التحرر من سلطة الكنيسة، ورجال الكهنوت وتسلط اللاهوت على الفكر والنشاطات الثقافية بصورة عامة، وضلالها القاتمة على الاقتصاد، لذلك فإن مفكراً إنسانياً مثل برتراند رسل يدلي برأيه في هذه المفردات بقوله " الليبرالية هي رد فعل على الحروب الدينية والتحرر من الخضوع لسلطة الكنيسة المادية والمعنوية" (3) وباعتبار أن اللاهوت يقف موقفاً معادياً من الفكر والفلسفة "، إلا تلك التي يتم تطويعها وتحريفها بحيث تتلائم مع طروحات اللاهوت والخرافات وإلا فإنها من أعمال الشر والشيطان. لذلك كانت الرغبة عارمة في التحرر من هذا القيد الذي يرهق الفكر السياسي بالدرجة الأولى. 

 

وثمة حقيقة لا بد من ذكرها، هي أن الليبرالية كمصطلح سياسي / اقتصادي / ثقافي، قد أرتبط بشكل وثيق باتجاهين:

الأول / ظهور البورجوازية الرأسمالية انتقلا من مرحلة البورجوازية التجارية وظهور أولى أجنة الرأسمالية في أحشاء الاقتصاد الإقطاعي. ومن أجل أن ينمو ويترعرع هذا الوليد الجديد، كان لابد من إزاحة العراقيل أمامه والمتمثلة بالإقطاع واللاهوت المتشدد.

 

الثاني / حركة الإصلاح الديني واللوثرية بصفة خاصة، ومنجزات عصر النهضة الفكرية والعلمية والأدبية، مثلت في محصلتها تياراً تحررياً أطلق سراح تفاعلات كانت حبيسة، قادت في النهاية ذيوع التيارات الليبرالية وبدورها قادت إلى مراحل أكثر تقدماً في استبعاد الأفكار الرجعية وهيمنة الكنيسة السياسية والفكرية.

 

فالرأسمالية التجارية الميركانتيلية (Mercantilism) قادت إلى الرأسمـالية الصناعية، حيـث بدأت أولى براعمها تزدهر في المدن الكبيرة (لا سيما في غرب أوربا) لم تولد من لا شيء، بل هناك أساساً " عوامل تاريخية ساعدت على قيام الصناعة كأتساع السوق وتراكم رؤوس الأموال والتغيرات التي طرأت على الوضع الاجتماعي للطبقات، ووجود عدد كبير من الأشخاص الذين فقدوا مورد رزقهم وحدوث تغيرات في الأوضاع الاجتماعية والسكانية إذ هجر الناس الأرياف إلى المدينة وتطور الورش إلى مصانع".(4)

 

وتدريجياً بدأ حلول البورجوازية كبراعم الرأسمالية الصناعية تأخذ أبعادها في المجتمع، حيث أن آليات عمل هذا النمط من العمل الاقتصادي يستلزم أطلاق قوى رأس المال لتعمل بأقصى طاقاتها. الم يقل مارتن لوثر المرن وكالفن المتطرف(دينياً) على حد السواء، بضرورة أن يعمل الإنسان على زيادة ربحه بكافة الوسائل والأساليب..! فإن أحد مزايا العمل الاقتصادي في ظل الاقتصاد البورجوازي، تمثلت بإزالة كافة العوائق أمام الرأسمال المندفع لتحقيق الأرباح والتراكم ثم الانتشار والتوسع، بما في ذلك تقليص سلطة الدولة أو تقيدها إذا ما وقفت أمامه عائقاً، بل وحتى انسحابها إذا كانت المرحلة تستدعي ذلك " فقانون العرض والطلب وقانون المنافسة الحرة يشكلان القانونين الأساسيين من قوانين الرأسمالية" ويمثلان أدوات التوازن الاقتصادي بما ينفي أو يقلص مبرر تدخل الدولة. وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن هذه القوانين قد دفعت بنفوذ النبلاء ورجال الدين إلى الخلف ولكن مع استمرار بقائهم عوائق بارزة في المجتمع، وإن كان ذلك مترافقاً مع الانسحاب التدريجي لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، مقابل ظهور الاقتصاد الليبرالي، حيث استطاعت البورجوازية أن تعزز مكانتها على الصعيد الاقتصادي والسياسي في تحرك وتداخل مستمر للقوى الاجتماعية. (5)

 

نلاحظ إذن مسألة مهمة، أن تعديلاً مهماً قد طرأ على التحالف القيادي للدولة والمجتمع إذ غاب أو بهت فيه دور الكنيسة، وتلاشى أو كاد دور الإقطاع. أما الحاكم (الملك) فقد كان مضطراً لأن يأخذ بنظر الاعتبار دور البورجوازية المتنامي وقوتها الظاهرة، المالية في المقام الأول، وبذلك أضحى ترتيب الموقف القيادي: الدولة (الملك)، ثم البورجوازية (متمثلاً بأصحاب رؤوس الأموال / المصارف، أصحاب المصانع والورش الكبيرة وممثليهم)، وأخيراً دور هامشي غير فعال لبقايا الإقطاع، ونفوذ الكنيسة المعنوي. ولكن منذ عصر الليبرالية سيطغي دور البورجوازية على الدولة، إذ ستنسحب الدولة من مجال تأثيرها الاقتصادي مقابل تصاعد هيمنة البورجوازية على الحياة الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية والثقافية ويتغلغل نفوذها تدريجياً ويتصاعد دورها في القرار السياسي وقيادة الدولة، بل وهناك في رحم الزمان مرحلة مقبلة غير بعيدة ستصبح فيه الدولة مجرد أداة بيد البورجوازية التي سيفشي نفوذها كافة مرافق المجتمع وتغدو هيمنتها مطلقة، وسيصبح الملوك والرؤساء مجرد موظفين لدى أصحاب رؤوس الأموال والمصارف والاحتكارات العملاقة، وهو بالضبط ما أصبحت عليه ملكيات عريقة في أوربا، فأصبحت كيانات رمزية شكلية ليس إلا..

 

وكانت البورجوازية (التجارية والصناعية) قد بزغ فجرها في الحياة الاقتصادية لا تتقبل فكرة سلطة الملك المطلقة، فذلك ينطوي على أضرار محتملة بأنشطتها وشراهة فعالياتها. لذلك كانت تدعو إلى "إنكار الحق الإلهي للملوك " فقد بدا للناس أن هذا الحق لا معنى له، بل هو أحد عوائق التقدم (كونه يشير إلى سلطة غير محدودة للملوك) مقابل تصاعد الدعوة التي قادها مفكرون وفلاسفة، إلى احترام التعليم والدستور والقوانين. وهكذا فقد شمل مفهوم الليبرالية أصعدة السياسة والاقتصاد والتحرر الثقافي من ديكتاتورية الكنيسة الفكرية " فقد رفضت الليبرالية أيضا السلطة التي كانت الكنيسة تدعيها للتشريع في أمور العلم والفلسفة". (6)

 

أما على الصعيد الثقافي، فقد كانت الليبرالية زاهية في أبهي (قوة التحرر) صورها فقد بدا أن القطاع الثقافي قد أنتعش بحلول الليبرالية وازدهارها، كما تطور القطاع الاقتصادي، بل بدا أن كلا القطاعين مكمل أحدهما للآخر، وكان الناس يتداولون أعمال شعرية وأدبية وفنية سراً، أو كانت الكنيسة تفرض قيودها ورقابتها الصارمة على الأعمال الفكرية والثقافية سواء كانت أعمال علمية صرفة أو فلسفة وأدب وشعر وفنون، وأن رفع هذا القيد القاسي أو تخفيفه أدى إلى ازدهار الحركة الثقافية والعلمية، وكانت تلك المرحلة وما تلاها، عصر الاختراعات والاكتشافات المفيدة للصناعة والعلوم بصفة عامة، وللثقافة أيضا، حيث شيدت دور الأوبرا الفاخرة والمسارح والمتاحف لأول مرة، وازدهرت الموسيقى الكلاسيكية وتنامي اهتمام الناس بالفنون والآداب، وبد وكأن عصراً من الظلام الدامس قد أنزاح عن كاهل الشعوب، وبدأت تدريجياً تدب فيها الحياة ثم تضج بالحركة.

 

دور ومكانة الفكر الاقتصادي الليبرالي الذي قاد للنظام الديمقراطي :

آدم سمث 1723 ـ 1790 المفكر الإنكليزي الذي كان له دوره الهام في تكامل الفكر الليبرالي، من خلال مؤلفاته  وأهمها: كتابان هامان في (نظرية العواطف الأخلاقية) والثاني وهو الأهم بتقديرنا ( بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها) صدر عام 1776 ويعد تأسيساً لعلم الاقتصاد السياسي الرأسمالي. وإذا ضربنا صفحاً عن أراء آدم سمث الأخلاقية اللاهوتية، فهي تبدو قليلة الأهمية حيال آراؤه الاقتصادية / السياسية التي أرست قواعد هذا العلم الذي سيلعب الدور الخطير في مستقبل الاقتصاد وسيكون رديفاً ضرورياً لفهم السياسة وتوجهاتها في الداخل والخارج. وأراء سمث الاقتصادية التي تنظمها كتابة ثروة الأمم، مثلت الدليل الآيديولوجي العلمي الأول لنشاط البورجوازية والوصفة التي كانت هي الدواء الشافي والمحرك الدافع للاقتصاد الرأسمالي.

 

يقول آدم سمث " أنه يريد أن يكفي الناس شر تدخل الحكومة (في الفعاليات الاقتصادية) وتعسفها" حيث تترك الصناعة حرة من كل قيود. وأن قانون المنفعة كفيل بتنظيم الشؤون الاجتماعية، بحيث إذا كفت الحكومة عن التدخل وتركت قانون تقسيم العمل (وهي أطروحة كان سمث قد تقدم بها ) بحسب الكفايات وقانون العرض والطلب يفعلان فعلهما، رأينا مصلحة المنتج ومصلحة المستهلك تتطابقان، فيضع سمث هذه القاعدة: كل أنسأن هو حر طالما لم يخالف قانون العدالة، وهو حر في أتباع الطريق الذي تدل عليه مصلحته، وهو يقبل بالمنافسة التجارية بكافة وسائلها، ولا يقر للعامل بحد أدنى من الأجر، بل يدعه تحت رحمة صاحب العمل.(7)

 

ولم تكن البورجوازية وأصحاب رؤوس الأموال والاستثمارات يريدون أكثر من هذا التنظير لأهدافهم، فليس هناك يرى المال والأرباح في القاموس الاقتصادي السياسي للرأسمالية، ولكن الأهداف الإنسانية والمعاني الاجتماعية، فهي قضايا لا قيمة لها البتة. وكان سمث قد توصل من قبل إلى نظرية تقسيم العمل (كما نوهنا قبل قليل) فأهتم بزيادة أنتاج السلع الصناعية. وإذا ما تم تجزأة العمل إلى عدة مراحل يقوم على كل مرحلة عامل متخصص، وكانت النتائج التي توصل إليها مبنية بلا شك على معطيات الإنتاج (8) أي على استبيانات ووقائع علمية.

 

ولا يريد آدم سمث أن يكون للدولة أي دور حتى في القضايا الاجتماعية التي لها جانب أخلاقي أو عاطفي. وبرأيه فإن ذلك ينطوي على أضرار لحرية العمل والإنتاج، ولا يريد أن تتدخل الدولة(الحكومة) لحماية الضعفاء أو لصيانة الأخلاق العامة، بل أنه يقصر وظيفتها على منع العنف وإقرار الأمن. وقد ظن أنه لا يوجد وسط ما يخافه من استبداد الحكومة، وبين ما يراه من إطلاق للحرية وهو تدخل الحكومة في حدود معقولة. والواقع أن آدم سمث طالب الدولة بالتدخل، ولكن فقط عندما يتطلب الأمر حماية النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وهذه المطالبة ستغدو ملحة في المرحلة المقبلة عندما تصبح البورجوازية وقواها الصناعية هي القوة الوحيدة في الساحة، أما الدولة فيتعين عليها في المستقبل أن تجد فرص العمل والاستثمار في الداخل والخارج وأسواق لمنتجاتها.

 

وكان ذلك ما تنبأ به سمث، أو أنه أدرك أن الحاجة البسيطة اليوم سوف تتضاعف في المستقبل، لذلك أكد في كتابه "ثروة الأمم" أن موقع بلاده كجزيرة هدفها هو التوسع البحري والهيمنة على خطوط التجارة التي ستعتمد عليها الصناعة سواء في استيراد المواد الخام أو في تصدير الإنتاج، وفي ذلك تلبية لمصالح إنكلترا (الرأسمالية الإنكليزية بوجه أدق) وقد طالب بحرية التجارة والبحار ولكن بهدف حماية مصالح بريطانيا الاستعمارية في القارة الجديدة (أميركا) وساند قوانين الملاحة التي فرضتها بريطانيا على مستعمراتها الأميركية التي كانت تهدف على احتكار تجارة المستعمرات. (9)

 

وبهذه الأفكار يعد آدم سمث (Adam Smith) بحق واضع الدليل النظري الأول للفكر الرأسمالي في مجال الاقتصاد السياسي، وما تزال أفكاره حتى عصرنا هذا حية في الفكر الاقتصادي البورجوازي، وإن برزت هناك مدارس أخرى وفلاسفة وعلماء اقتصاد (في الفكر الاقتصادي الرأسمالي) أمثال: دافيد ريكاردو(David Ricardo)، اللورد جون كينز (1883 ــ 1946) (John Maynard Keynes)، وهما بريطانيان أيضاً، وكذلك ميلتون فريدمان(1912 ــ 2006) (Milton Friedman) المعاصر (وهو أمريكي)، وجميع هذه الأفكار تهتم بصورة رئيسية حول دور الدولة في الاقتصاد الرأسمالي وتدخلها عندما يكون ذلك ضرورياً ويستلزم إصدار تشريعات، لإنقاذها من الأزمات الدورية الخانقة: التضخم ـ الكساد ـ الانكماش ـ حالات الهبوط المفاجئ في أسعار العملات الرئيسية، أو في تدخل المصرف المركزي (التابع للدولة) لتعويم شركات عملاقة ـ التدخل بقوة الدولة في أرجاء العالم لحماية مصالح الاحتكارات، وسوف يكتسب هذا المفهوم تدريجياً وبمرور الوقت إلى حقيقة مؤكدة: الدولة هي أداة الطبقة البورجوازية في فرض الهيمنة في الداخل والخارج. وأن فكرة تدخل الدولة لتصحيح بعض مسارات الحياة الاقتصادية (الكنزية) ليست مستحبة (رغم ضرورتها) في الاقتصاديات الليبرالية (الديمقراطية).

 

ولكن الأمر لم يبق كذلك بشكل خالص، فنشبت الخلافات على كافة الصعد وفي المقدمة التنافس الاستعماري، ثم التنافس على الثروة والنفوذ والمستعمرات التي مثلت أهدافاً اقتصادية كمناجم المواد الخام، ، وسوق لتصريف السلع الجاهزة، ومثلت استراتيجياً القواعد العسكرية والسياسية والاقتصادية في أرجاء العالم، وساقت أبناء المستعمرات إلى حروب الضم والإلحاق الاستعمارية، كما شكلت من جهة أخرى مراكزاً للتوسع الرأسمالي / التجاري، والأمر في نهاية المطاف خرج وأبتعد عن إطار التنافس الحر الخال من الأطماع. فتولت دول تصفية ممتلكات دول أخرى، وتحاربت غير مرة، وهكذا أصبحت دول استعمارية كانت في المقدمة، تراجعت مكانتها الاقتصادية والسياسية بسبب معطيات طبيعية / موضوعية (المساحة والسكان، كهولندة و بلجيكا)، أو عجزت عن تطوير كياناتها السياسية أسباب ذاتية / موضوعية كأسبانيا والبرتغال. أو دول استعمارية فقدت مستعمراتها نتيجة الحروب كألمانيا وإيطاليا.

 

هكذا تأسس النظام الرأسمالي على بقايا عصور الملوك (تمكنت بعض الملكيات من مسايرة هيمنة البورجوازية الصناعية: بريطانيا (كندا، استراليا، نيوزيلندة)، هولندة، بلجيكا، الدنمرك، السويد، النرويج، وأخيراً أسبانيا)، وبإزاحة شبه شاملة لسيطرة ونفوذ الكنيسة، ثم بتقليص كبير لنبلاء الإقطاع، ومنهم من تحول إلى الصناعة، والمضاربات العقارية، ولكنهم فقدوا نفوذهم السياسي بالكامل.

 

النظام البورجوازي لم يكن ليقبل وجود شركاء ولا حتى بنسب بسيطة، الكل أو لا شيئ، وعلى هذا الأساس لم تقبل بالنظم الأخرى، كالنظم الاشتراكية ولا بمبدأ (Peaceful coexistence) التعايش السلمي مع أنظمة رغم خلافها الآيديولوجي / الاجتماعي معها، وحتى الأفكار الاجتماعية النبيلة، التي تدعوا للعطف بالفقراء، حتى فيما بعد بدأ النظام الاشتراكي (الأنظمة الشيوعية، قبلت بتعديلات على نظامها منها إلغائها شعار " ديكتاتورية البروليتاريا" وحتى تصفية ملامح أساسية في نظامها الاجتماعي كدولة روسيا الاتحادية.

 

ولكن الأنظمة الرأسمالية العالمية كانت في غضون ذلك قد استكملت بناء نظام المتروبولات، والمراكز والنظم المحيطة، واستكملت بناء كياناتها السياسية بما يهدف إلى شيئ رئيسي وسواه تفاصيل تحتمل المناقشة، هو أن يكون النظام رأسمالياً وفق قواعد وقوانين النظام الرأسمالي وهذا هو النظام الديمقراطي وليس شيئ سواه.

 

من ذلك مثلاً أنها لم تكن لتقبل اعتبار النظام الألماني (العهد النازي) رأسمالياً بصفة تامة، وكذلك النظام الإيطالي الفاشستي (عهد موسوليني)، أما عندما أبدى هذا النظامان الرغبة والإرادة في دخول ميدان القوى العظمى، وتعديل خارطة توزيع القوى، قادت هذه إلى تحالفات سياسية لإنقاذ خارطة المصالح، فكانت بريطانيا وفرنسا ضامنتان لسيادة بولونيا، وفي الواقع، فإن التحالف البريطاني الفرنسي كان له هدف رئيسي هو منع توسع ألماني جديد في أوربا. واستعادة ميزان القوى في أوربا وفي العالم، فاندلعت الحرب العالمية الثانية مع القوى الفاشية والنازية، رغم أن النظامان كانا رأسماليان بالملامح العامة والتفصيلية.

 

وإذا كان الهيمنة الاقتصادية، قد حقق للرأسمالية الهيمنة والنفوذ السياسي في الداخل، فإن التفوق العسكري، ضمن لها التوسع في الخارج، فإن هذا لم يحدث إلا بعد أن تحولت البلدان الرئيسية (المراكز ــ المتروبولات) إلى قلاع للاستبداد السياسي والاقتصادي، باستخدام مكثف للقوة المسلحة، كالولايات المتحدة التي فقدت روحها التحررية مع بداية الاستقلال عن بريطانيا، وتنكرت للروح الثورية التي ألهبت مشاعر الفقراء والكادحين والعبيد، الذين جلبوا من قارات أخرى ليعملوا كقوى عمل مجانية في استصلاح الحقول وتنكرت لشعوب وأمم ومثقفين وقفوا إلى جانبها في سبيل نيل استقلالها وحريتها.  بل وقمعت بقسوة دموية الحركات الاجتماعية والمطلبية في بواكير عهد الصناعة، وتحولت بسرعة إلى قوة بأيدي البورجوازية الصناعية الناشئة، وأصحاب الأملاك والأثرياء والمرابين وقوى رأس المال، ووضعت أسس الدولة الرأسمالية الاحتكارية، فأسست الأجهزة القمعية التي مارست ديكتاتورية الرأسمالية، والدليل هو أن حزبان فقط (الجمهوري والديمقراطي) يتناوبان على حكم البلاد من أكثر من 300 عام. ومثل الولايات المتحدة ينطبق القول على بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا إلى حد ما.

 

والدول الرأسمالية تمارس القمع داخل مجتمعاتها، ولكن بنعومة، وبدون مبالغة في القمع كما يحدث في البلدان النامية. ولكنها حيال خطر ملموس على أمنها، فإن تصرفها يكون سريع وحاسم ولا يخلو من القسوة. أطلعنا مرة على قوائم الممنوعين من دخول الولايات المتحدة .. الأرقام مذهلة، ومن مختلف الدول حتى الصديقة. ومن بين الممنوعين أدباء وكتاب وفنانين مرموقين. أما المكارثية (نسبة إلى ماك أرثر وزير الداخلية الأمريكي) فهذه لم تحدث قبل مئة عام، بل في نهاية الأربعينات والخمسينات، وهي حركة أمنية جرى خلالها توجيه الاتهامات الخطيرة (سجن نحو 200 شخص) وطرد من الوظيفة ولوحق نحو (10,000) شخص دون إثبات، فجرى خلالها اجتثاث واعتقال أعداد غفيرة من المواطنين الأمريكان، بل وأسقطت الجنسية عن بعضهم كالفنان تشارلي شابلن والعازف لويس آرمسترونغ، والممثل سترلينغ هايدن، والسياسي مارتن لوثر كينغ، والعالم البرت انشتاين والكاتب ارثر ميللر وفنانين وكتاب آخرين، وحدثت أعمال مماثلة في دول رأسمالية أخرى ولكن بضجة أقل.

 

وفي المرحلة الراهنة التي لم تتخذ بعد شكلها النهائي، الرأسمالية عبرت مرحلة الإمبريالية إلى مرحلة العولمة (Globalisation) : السيطرة الكلية على العالم، ولكن نشوء متروبولات رأسمالية متعددة، سيعقد الأمر بهذه الدرجة أو تلك (بما في ذلك الاتحاد الأوربي، اليابان وكتلة نمور آسيا). سيزيد احتدام الموقف، أو في قيام أنظمة رأسمالية إمبريالية تطورت عن النظم الشيوعية وهي تتغول يوماً بعد يوم، وتستفيد من التناقضات التي تعم العالم الرأسمالي، وتطرح نفسها كنماذج رأسمالية جديدة، تبدو مقنعة  في كثير من الأحيان(كالصين وروسيا).  يحدث هذا وسط نمو اتجاهات عديدة ضمن الرأسمالية، ولكنها تنحو مناحي انعزالية، وتطرح بعضها مواقف وطنية / قومية في أوربا وحتى في الولايات المتحدة.، ودول لها اقتصاديات واعدة(كالهند والبرازيل)

 

اليوم وبعد أن ترسخ النظام الرأسمالي بدرجة موثوقة، في الديمقراطية الحالية لمرحلة الرأسمالية العالمية، للمواطن الحقوق التي يمنحها له القانون، وإذا أراد الاحتجاج فله ذلك ولكن بطريقة تحددها الدولة (تحدد الزمان والمكان وحتى شعارات التظاهر أو الاحتجاج)، وخارج ذلك بمليمتر واحد سيواجه بحزم. ومن غير المقبول بأي صورة الحديث عن مجتمع يخالف في النتيجة النهائية النظام الرأسمالي وقيمه وأصوله. فالمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد وضعت أسسها بحيث يرفض أي تعديل أو تغير وبأي وسيلة كانت.

 

البلدان (الديمقراطية) في المرحلة الراهنة تصدر نماذجها بالقوة المسلحة تريد فرض النتائج التاريخية المتفاوتة في التدرج وفي النتائج أيضاً، تصدرها معلبة تحت عبارة " الديمقراطية " مستغلة ضعف التشكيلات السياسية والاجتماعية والثقافية للبلدان النامية تفرضها بوسائل الضغط والإكراه وصولاً إلى درجة الغزو المسلح، متجاهلة مستوى التطور التاريخي والاقتصادي والاجتماعي، وتجربتها التاريخية. ومتجاهلة حقيقة أن النظم الرأسمالية اليوم نفسها متفاوتة حتى في المعطيات الأساسية. فبالإضافة إلى الخلاف بين الأقطاب الرأسمالية على مفردات عديدة، فهناك خلاف في عناوين رئيسية بين الأقطاب الرأسمالية والصين مثلاً، ثم مع روسيا، وهذان القطبان الرأسماليان يطرحان تصوراً مختلفاً لصورة المجتمع وعلاماته، ناهيك عن تصاعد الخط الشعبوي اليميني المتطرف في بلدان رأسمالية كالولايات المتحدة، ومؤشرات أخرى مهمة في بلدان أوربية، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مهماً ما هي ملامح الديمقراطية وما هي أصولها الفكرية والتاريخية التي يراد تطبيقها في البلدان الواعدة، لأن تكون مقبولة ضمن المناخ الدولي العام، ولا تستهدف كياناتها السياسية، لا بالعقوبات، ولا بالمقاطعة أو الحصار أو إجراءات أخرى وصولاً ربما إلى أعمال تدخل عسكرية.

 

العولمة

والعولمة اليوم هي المرحلة الأحدث في المسار التاربخي للنظام الرأسمالي العالمي. ومن أجل فهم هذا المصطلح الهام، وبالتالي ليصبح بالإمكان تعريفه وإيضاح أبعاده، لنعد إلى عصر الثورة الصناعية قد قادت إلى عصر الاستعمار الذي كان قائماً بصفة رئيسية على الاحتلال المباشر وممارسة سياسة الضم والإلحاق، أما والاستعمار الجديد Neo Colonialism كان تعبيراً صادقاً عن تطور الأنظمة الرأسمالية الاستعمارية وانتقالها إلى مرحلة استعمارية متقدمة تمثلت باتحاد سلطة الدولة مع الاحتكارات وسلطة رأس المال المالي، وصيرورتها متربولات عملاقة للاحتكارات الرأسمالية العظمى اتحدت مع سلطة الدولة وأقامت النظم الإمبريالية.

 

وقد تسعى الأقطاب الرأسمالية إلى تنسيق فعالياتها كي لا تصطدم ببعضها وتجنب ما قد ينجم عن هذا الاصطدام من آثار مروعة، وقد تعقد تحالفات وائتلافات، وقد تتفق فيما بينها على هذا الأمر أو ذاك في هذه المرحلة، وتعقد المؤتمرات والاتفاقيات وتتقاسم فيما بينها (المصالح)، ولكن هذه الترتيبات ليست نهائية، وعندما يصل التنافس ذروته حيث لا محل في القمة سوى مقعد واحد، آنذاك سوف تسعى الأطراف المتنافسة إلى احتلاله، وتنهض تحالفات جديدة، وتدور صراعات يمكن أن تتطور في أي لحظة إلى صراع مسلح، عندما يبلغ التناقض نقطة لن يكون بوسع نظام العلاقات السائد استيعابه، ويبلغ التناقض في المصالح درجة لا يمكن السكوت عنها، يتطور ذلك الصراع إلى درجته المسلحة بصرف النظر عن الخسائر فالأمر يدور حول كل شيء أو لا شيء، فتاريخ الحروب في العالم (14 ألف حرب ونزاع مسلح)تشير أن الحروب هي حرفة رأسمالية.

 

ومع أن الرأسمالية بجناحيها: الديمقراطي والفاشي / النازي، كانتا معاديتان للاشتراكية، فالحرب العالمية الثانية، كانت ناجمة عن مستحقات جديدة في أوربا من جهة، ومن جهة أخرى كانت هزات ارتدادية للحرب الأولى ومقررات مؤتمر فرساي حيث تناهبت الدول المنتصرة ممتلكات الدول المندحرة بل وقطعت أوصالها وأثخنتها بالديون الثقيلة والنزاعات الداخلية التي قادت إلى أزمات وصراعات محلية. فالحرب العالمية الثانية كانت إذن في لحمتها وسداها عبارة عن نتيجة لاحتدام التناقضات بين الأقطاب الرأسمالية وبسبب بروز فئات جديدة في مجتمعاتها (الفاشية والنازية)، فالتناقضات تقود في مراحلها المتقدمة إلى تيجاوز الصراع الخلافات ما وراء الكواليس وعبر الوسائل الدبلوماسية إلى الصراع مباشرة على مسرح الأحداث ومن درجته الدبلوماسية الهادئة إلى لغة المدافع الصاخبة، ولم يكن هناك رقم صعب في المعادلة سوى الاتحاد السوفيتي الذي كانت كافة الأطراف تكن له العداء وتود تصفيته ولطالما عملت على ذلك سراً وعلناً بالتآمر وبمحاولات العزل السياسي(لم يكن للاتحاد السوفيتي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية أكثر من 8 سفارات في العالم) والتدخل العسكري والتحريض، كما أن الاتحاد السوفيتي بدوره كان ينظر إلى الصراعات التي تدور في المعسكر الرأسمالي بين استعماريين قدامى وفاشيين جدد، هو صراع بين الأطراف الرأسمالية على الأطماع والمكاسب ليس إلا.

 

وكان لتأسيس عدد من المنظمات الاقتصادية والتجارية الدولية، منها ما هو تحت راية الأمم المتحدة (بعيد الحرب العالمية الثانية) مثل صندوق النقد الدولي IMF ، والبنك الدولي للتنمية والأعمار IBRD ومنها ما هو خارجها دون أن يكون بعيد عنها مثل منظمة التجارة الدولية GAAT ونادي روما ونادي باريس. وكما مثل مؤتمر برتون وودز واتفاقياته، Bretton Woods (في الولايات المتحدة الأمريكية صيف عام 1944) بحضور 44 دولة تم أعتمد فيها الدولار كقاعدة للتعامل التجاري الدولي. الأداة القانونية الرئيسية للنهب الاقتصادي. كانت أدوات رئيسية لتوسع نفوذ الرأسمال لاحتكاري العالمي.

 

والمؤشرات الحديثة التي ابتدأت مع نهاية القرن العشرين، كانت عملية قد ابتدأت في الواقع منذ السبعينات، وعندما أشتد تمركز رأس المال المالي(المصرفي) وغدت الدولة أداة بيد الاحتكارات الرأسمالية ليس إلا، كما اشتدت عملية تصدير رأس المال من بلدان المركز (المتروبولات) إلى الخارج، فعلى سبيل المثال بلغ أجمالي مبيعات عشر شركات متعددة الجنسية مساوي لمجموع الإنتاج القومي للقارة الأفريقية، وبلغ أجمالي مبيعات شركة جنرال موتورز الأمريكية عام 1986 حوالي 97 ألف مليون دولار، أي ما يساوي ثلاثة أضعاف أيراد السعودية النفطي، وتسيطر 50 شركة من هذه الشركات الاحتكارية الدولية على نحو ثلثي مجموع الأصول الثابتة في العالم. وتظهر إحصائيات 1986 أن مبيعات 500 شركة أمريكية الأصل(متعددة الجنسية) بلغ 1,8 تريليون دولار وبلغت أرباحها للسنة نفسها 70 ألف مليون دولار.(10)

 

واتخذت أساليب تصدير رأس المال والفعاليات الخارجية أشكالاً راقية ومتقدمة وتمكنت من اجتياح معظم بلدان العالم، ولم تنفع وسائل الحماية القانونية، حيث تقدمت تلك الاحتكارات بصيغة الشركات المتعددة الجنسية التي استطاعت تخطي الحواجز وقوانين الحماية، ووقفت حكومات البلدان الرأسمالية الصناعية بكل قواها السياسية والعسكرية والاقتصادية وراء هذه الشركات إلى أن تمكنت من التغلغل عميقاً في اقتصاديات مختلف بلدان العالم، والنامية منها بشكل خاص بتأثيرات كارثية.

 

ومن جهة أخرى، مضت الولايات المتحدة في استغلال هيمنتها المطلقة على مسرح السياسة الدولية بإطلاق شعار النظام الدولي الجديد ومن ثم العولمة، ومنحت هذه العناوين والشعارات أبعاداً دولية شرعية، عبر هيمنتها شبه المطلقة على المنظمات الدولية، السياسية والاقتصادية، وبدت وكأنها تياراً كاسحاً ليس بوسع أحد الوقوف بوجهه، ثم اتخذت هذه الهيمنة طابعها القهري والإرغامي عبر ضربات عسكرية في الشرق الأوسط بصفة خاصة(أفغانستان وفلسطين والعراق) وفي يوغسلافيا، وتوجيه التهديد إلى دول أخرى في العالم (كوبا وكوريا) بذرائع مختلفة.

 

ولكن هذه التوجهات اتخذت طابعاً فعلياً، بدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تنزع فيه إلى الهيمنة المطلقة بحثاً عن ذرائع ليس لقمع التوجهات التحررية لدى بعض البلدان النامية وإخضاعها بصفة تامة، بل وحتى لبعض حلفائها السابقين، وتلك صفة جديدة حصلت عليها بسبب الهيمنة المطلقة وانعدام ظروف التنافس أو القطبية الثنائية، وسوف نتطرق إلى ذلك.

 

يركز بحثنا في هذا الجانب على ظروف قيام النظام الدولي الجديد أو العولمة Globalisation، حيث لابد من الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن تسمية النظام الدولي الجديد كأنما أريد به نهاية لمصطلح النظام الدولي الذي قام على وحي وروح مؤتمر يالطا (1944) في لقاء مالطا بين بوش وغورباتشوف (1991)، الذي كان قائماً على الثنائية القطبية، وقد أنتهي هذا النظام بتفكك الاتحاد السوفيتي.

 

وإذا كان النظام السابق وقد تعرفنا على آلياته القائمة أساساً على توازن القوى، فأن النظام الجديد هو عبارة عن مجموعة مفاهيم غامضة، ولكن الفقرة الأكثر وضوحاً فيه، تمثلت بتربع الولايات المتحدة منفردة على قمة هذا النظام، تحدد وتقرر بمفردها توجهاته وتسن مفاهيمه لا سيما في مجال اتفاقيات انتشار الأسلحة والتجارب النووية وأبحاثها وعسكرة الفضاء الخارجي والصواريخ العابرة للقارات، وما إلى ذلك من وسائل السيادة والقوة والهيمنة حتى على الأمم المتحدة ومجلس الأمن. فالولايات المتحدة كسبت الحرب الباردة بعد أن أنهكت الاتحاد السوفيتي في سباق التسلح على حساب التنمية في البلدان الاشتراكية.

 

وكانت أهم شعارات وشروط النظام الدولي الجديد: حرية السوق، إزالة الحواجز الجمركية، وهذا ما يضمن دخولها المريح السهل لكافة الأسواق العالمية، وشعار حقوق الإنسان، الذي يضمن تدخلها في الشؤون الداخلية لكافة بلدان العالم. ولابد من الإشارة إلى جميع هذه الفقرات يجري تسويقها وتوظيفها وفقاً للمقاييس الأمريكية وقاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية الرأسمالية بصفة عامة، فحرية السوق تعني القبول بمبدأ الاحتكار والتجارة الحرة تعني رفع الحواجز مهما كان نوعها أمام فعاليات الشركات الأمريكية. وقد دارت صراعات مريرة بين الولايات المتحدة من جهة واليابان أو الدول الأوربية من جهة أخرى حول تفسير فقرات من اتفاقيات الجات التي أبدت الولايات المتحدة مراراً عدم الالتزام بها. وتعني حقوق الإنسان والديمقراطية تعني إتاحة المجال والفرصة للعمل أمام الفئات أو المتعاونين مع الولايات المتحدة ودون ذلك يعد إرهابا وتخريباً، فالمسألة برمتها تلاعب بالألفاظ يفتقر إلى المصداقية ولو بحدوده الدنيا والشواهد على ذلك كثيرة في الواقع، وفي مقدمة ذلك طرد الولايات المتحدة عام 2001 من مؤتمر حقوق الإنسان العالمي بأغلبية ساحقة من الأصوات.

بيد أن عنوان النظام الدولي الجديد بدا مريباً بعض الشيء فأستعيض عنه بمصطلح العولمة Globalization، وفي الواقع فأن هذين المصطلحين يخفيان الجوهر الحقيقي لعملية تدور وتهدف إلى هيمنة المركز الرئيسي العالمي للرأسمالية الاحتكارية وتوجيه العالم وفقاً لمفاهيمها ومقاييسها والتدخل حتى في الشؤون التفصيلية للشعوب والأمم. وقد سعينا من خلال ما تقدم عرض المرتكزات والشروط الأساسية من أجل فهم دقيق للعولمة ومن خلال:

 

أولاً/ أن العولمة هي مرحلة من المراحل التاريخية لتطور رأس المال المالي، بل هي أكثرها تطوراً، إن اتحاد الدولة مع رأس المال الاحتكاري، هذا الاتحاد الذي فرخ الدول الإمبريالية، فالعولمة اليوم تعبير على أن هذا الحيوان الهائل قد بلغ مرحلة متقدمة في تطوره، بل أنه يصح القول أن العولمة، هي أعلى مراحل الإمبريالية.

ثانياً/ أن فعاليات الشركات المتعددة الجنسية قد تشابكت وتداخلت لتصبح من سمات الحياة الاقتصادية اليومية لمعظم شعوب العالم، وكذلك كثافة حركة رأس المال على الصعيد العالمي عبر شبكة هائلة من البنوك.

ثالثاً/ إن الموقف الاجتماعي الداخلي (بسبب شدة تمركز رأس المال المالي لارتفاع كلفة المشاريع، وارتفاع معدلات التضخم) أدى إلى وقوع الدولة وأجهزتها في قبضة الاحتكارات وبيوت المال وغدت الدولة الرأسمالية الاحتكارية مسخرة بصفة مطلقة لخدمة هذه الاحتكارات وليس أدل على ذلك من أن الولايات المتحدة ومثلها الدول الرأسمالية الرئيسية وعلى الرغم من ثرائها الكبير، لا تعمل بمجانية العلاج حتى للفئات المسحوقة، بل أن تكاليف التأمين الطبي باهظة بحيث يعجز عن دفع نفقاتها فهناك 37 مليون أمريكي عاجز عن دفع نفقات التأمين الطبي عام 1990 وأن 20% من أصحاب الثروات يستحوذون على 90% من صافي الدخل القومي.(11) وفي مطلع الثمانينات بلغت شدة درجة تمركز رأس المال في الولايات المتحدة، لدرجة سيطرة ثمانية مؤسسات مالية كبرى هي: مورجان، روكفلر، ديبوت، ملبون، بنك أوف أميركا، بنك شيكاغو، بنك كليفلاند، بنك فرست ناشنال سيتي، بلغ رأسمالها المستثمر في السبعينات 218 مليار دولار.(12)

رابعاً/ أما على الصعيد الخارجي فإن اشتداد دولنة الاقتصاد(أي المزيد من جعله دولياً) جعل من ذلك العنصر الأساسي، السمة الأساسية للمرحلة وعنصراً مهماً في أقامة التحالفات الخارجية للدولة (الولايات المتحدة) التي تولت قيادة الإمبريالية الجديدة(العولمة) بفضل انفرادها بالهيمنة على العالم.

خامساً/  ومع أن لكل مرحلة تاريخية من مراحل تطور الدولة الرأسمالية وسماتها التفصيلية، لكن العنصر الثابت يشير إلى استمرار السعي لجني الأرباح والتوسع السمة الرئيسية للرأسمال المالي ولكن مع أشداد ظاهرة الدولنة في الاقتصاد.

سادساً/ إن التنافس بين الأقطاب الرأسمالية(المتروبولات) كان عبر التاريخ وما يزال فقرة أساسية في العلاقات بين الدول الرأسمالية وليس ظاهرة عابرة. وكثيراً ما وصل إلى ذروته(الصراع المسلح) وقد حدث ذلك في مراحل التاريخ دائماً (14,000) حرب ونزاع مسلح (13)، أن التنافس والصراع على مراكز النفوذ واقتسام العالم كان السبب الرئيسي في هذه الصراعات، وسوف يستمر هذا العنصر ملازماً للرأسمالية في كافة مراحلها. وقد قلصت أسلحة الدمار الشامل عدد الحروب وأتساعها ولكنها لن تمنع اندلاعها بأي صورة من الصور

 

والعولمة)بوصفها الناتج الطبيعي لتطور الرأسمالية لما بعد مرحلة الاستعمار الجديد ـ الإمبريالية، فأنها تتميز بسمات وملامح في هياكلها السياسية والاقتصادية، كما في توجهاتها على الصعيد العالمي ومن تلك:

 

أ / باعتبار أن عملية تمركز رأس المال المالي ماضية بل وتشتد أكثر، لتكون في يد فئة قليلة من كبار الرأسماليين (مصارف، مؤسسات تمويل واستثمار) ومع تعاظم نفوذها الذي أنعكس بداهة على تأثيرها السياسي داخلياً وخارجياً. كما غدت القوة الأولى المهيمنة في بلدان المتروبولات، فهي ليست المغذية الأولى للصادرات إلى الخارج الاستهلاك الداخلي فحسب، بل وتعدى حدودها إلى احتكارها لصناعة السلاح وأنشطة الفضاء الخارجي، فغدت الدولة أداة الاحتكارات الأولى، ويندر أن يخلو ملف من ملفات الدولة الخارجية من أهداف هذه الاحتكارات على رأس جدول أعمالها، وتصب معظم فعاليات الدولة السياسية / العسكرية في طاحونة مصالح الاحتكارات.

ب/ بناء على ذلك تراجع دور الرئيس والمؤسسات في اتخاذ القرارات مقابل تعاظم دور المؤسسات المالية وما انبثق عنها من إدارات وهيئات تحت عناوين ومسميات شتى، بل أن الاحتكارات والبنوك، تدير معاهد دراسات وأبحاث سياسية وعلمية وغيرها. ويلاحظ أن القرارات تخضع لعملية طويلة نسبياً، ولكن في النهاية فهي تراعي بالمقام الأول مصالح الاحتكارات.

ج/ واستطرادا، فقد احتكرت الفئات العليا من ملوك الصناعات وبيوت المال السلطة، وجعلت العناصر الأخرى، عناصر مساعدة ثانوية الأهمية، وتلك صيغة فريدة في وصف الائتلاف الاجتماعي الحاكم. ومما يثير الدهشة أن هذه الأنظمة تسوق شعارات الديمقراطية في وقت تحتكر فيه السلطة بحدود ضيقة للغاية. ولكن باعتبار أن النظام الرأسمالي هو نظام قديم تاريخياً، والنظم الحالية أنما هي حصيلة تطور وخبرة قرون كثيرة، تطورت فيها أساليب وتقاليد العمل حتى بلغت هذا المستوى من ترويض العناصر المعادية لها، ووضع القوة البشرية في خدمتها، بما في ذلك نقابات عمال موالية لها.

د/ الإقحام المتزايد لمعطيات الثورة العلمية التكنيكية وشيوع استخدام العقول الإلكترونية والروبوتات في الصناعات الثقيلة والمايكرو الكتروتكنيك في المعدات الدقيقة.

و/ وباعتبار حقيقة مؤكدة هي أتساع حجم وأهمية الاقتصاد الدولي وتكاثف نشاطاته وفعالياته لدرجة يصعب فيها ملاحقة ومتابعة الأصول والجذور لرؤوس الأموال والشركات، فقد غدا الاقتصاد عنصر الضغط الأساسي الذي تمارسه الدول الرأسمالية المتقدمة، إلى جانب وسائل الضغط الأخرى ومنها العسكري، كما يلاحظ وفي أطار تصدير رأس المال ودور الديون وفوائدها وأقساطها (خدمة الدين) في اقتصاديات الدول النامية، الأمر الذي رفع من قيمة ونفوذ بيوت المال في دول المركز من جهة كما زاد من تبعية الدول المدينة من جهة أخرى.

ز/ أبدت الإمبريالية الجديدة وأدواتها الثقافية (وهي كثيرة ومتنوعة، إعلامية وثقافية) العداء لكل ثقافة لا تستسلم لها بصفة تامة، بالاستفادة من الثورة التكنولوجية في دنيا المعلومات وشبكة الاتصالات الدولية والفضائيات، تقدمت الإمبريالية بمشروع ثقافي لا يكن الاحترام للثقافات والمنجزات الحضارية، والقيم الثقافية/ الدينية للشعوب الأخرى، ويسعى في حملات غزو وتأثير سلبي وأضعاف وتهميش لتلك المنجزات بهدف أضعاف شخصيتها الوطنية والقومية وجعلها خيوطاً رفيعة في نسيجها الثقافي، وعدم الاكتفاء (كما فعل الاستعمار والإمبريالية) بجعل الشعوب توابعاً في خدمة اقتصادها العالمي، بل وتكريس تبعيتها نهائياً بإلغاء ملامحها وثوابتها الثقافية والوطنية والقومية، فقد أدركنا من تجربة الاستعمار والاستعمار الجديد (الإمبريالية)، وأن العناصر الثقافية والروحية والقومية لعبت دوراً مهماً في النضال ضد الاستعمار والإمبريالية، لذلك تحاول العولمة تحطيم تلك العناصر في شخصيتها لتزيل عقبة مهمة لتحقيق هيمنتها التامة.

 

تخلق هذه الأهداف التي تستهدف جبهة عريضة من شعوب العالم، بما في ذلك أمم صناعية متقدمة، ولم تعد الاشتراكية والنظم الاشتراكية فقط تستوجب العداء، بل أن المركز الرئيسي للاحتكارات (الولايات المتحدة) تجد في العولمة ما يستدعي عداء أمم أخرى كالصين وروسيا وشعوب عربية وإسلامية، بل وحتى أمم مثل فرنسا وألمانيا رغم أنها حليفة للولايات المتحدة التي لم تعد تقبل بأمم حليفة، بل العالم بأسره في معسكر واحد تقوده وتسخر جميع أمم العالم لمصالحها، طالما أنها تتمتع بالقوة العسكرية أولاً والاقتصادية لمثل هذا الدور. فقد تحول المتربول الأمريكي إلى حيوان خرافي يجوع كلما ألتهم أكثر.

 

 فالعولمة ببرنامجها الاقتصادي ـ الثقافي ـ السياسي، تواجه شعوب وأمم العالم، معتمدة على القوة في أرغام تلك الشعوب بوسائل الترهيب والترغيب في غياب قطب ينافسها أو يحدث التوازن في القوى، وبسبب القوة بل التفاوت الشديد في ميزان القوة لصالح الإمبريالية الجديدة، فقد أحدث اضطرابا واضحاً ضمن المعسكر التحرري وسادت الفوضى عدم وضوح الرؤية واختلاط المفاهيم، بيد أن ذلك هو أمر مؤقت، وهناك المؤشرات الكثيرة التي تدل: أن معسكراً عريضاً من القوى والحركات في سبيله إلى النهوض مجدداً لمقارعة الإمبريالية الجديدة. فبالإضافة إلى القوى العمالية والاشتراكية واليسارية وقوى الديمقراطية واتحادات نقابات العمال تلك الغير مرتبطة بالأجهزة الرأسمالية، وحركات الفلاحين والكادحين والشغيلة، واتحادات النساء والطلاب، وفئات تقدمية، من الخضر والمحافظين على البيئة وغيرها من القوى المعادية للإمبريالية القديمة والحديثة، فإن عناصر وفئات كثيرة تنظم اليوم إلى التحالف العريض منها: الموظفين والتكنوقراطيين وفئات كانت تعتبر ميسورة الحال ضمن الظروف الاقتصادية السابقة، دفعهم اشتداد التمركز إلى ما تحت خط الوسط في المجتمع.

 

ومن المتوقع أن ينظم إلى هذا التحالف العريض المعادي للإمبريالية الجديدة في مراحل لاحقة ومتقدمة من الصراع حتى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، بل وحتى الفئات العليا مكن البورجوازية الأوربية دفاعاً عن مصالحها المهددة من قبل الولايات المتحدة، أولم تكن الحرب دائماً حرفة الرأسماليين المفضلة ؟

 

ومن الخصائص المبكرة في هذه الجبهة العريضة (وهي بصدد التشكل) المناهضة للإمبريالية الجديدة، أنها ليست قائمة على تناقضات اقتصادية/ طبقية، بل وأيضاً بسبب التناقضات العرقية/ الأثنية، والثقافية / الدينية، بالإضافة إلى التناقض الأساسي، الاقتصادي / الطبقي. وعلى هذا النحو، فأن هذه الجبهة العريضة تجذب إليها قوى وعناصر كثيرة سواء داخل البلدان الصناعية أو خارجها. ففي الداخل، فأن طبقة الشغيلة التي هي توسيع لمصطلح الطبقة العاملة، حيث تجد فئات الشغيلة نفسها في موقع النهب من قبل الاحتكارات العملاقة، وقد يدخل في عداد هذه الفئات حتى المهندسين والأطباء والتكنوقراطيين والبيروقراطية، وهناك اليوم عناصر وفئات وطبقات كانت إلى ما قبل عقود قليلة بعيدة عن مجرى النضال الاجتماعي في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة.

 

ومقابل تقلص الائتلاف الحاكم في بلدان المتروبولات نتيجة لشدة تمركز رأس المال المالي كما بينا، حدث توسع في جبهة النضال المعادي للاحتكارات، باعتبار أن ما تستهدفه (العولمة) في بلدان العالم النامي وغير النامي، أهداف كثيرة منها ما يتصل بثوابت الشعوب والأمم من لغة وركائز ثقافية منها التقاليد والعادات والطقوس الوطنية والاجتماعية وغيرها، فالعولمة تعني تدخل فظ في الاتجاهات الأساسية من حياة تلك الشعوب. فالرأسمالية الحديثة(العولمة) لا تهدف إلى نهب البلدان اقتصاديا فحسب، فالعمل الاقتصادي الحديث يتقدم تكنولوجياً بحيث أنه يتطلب إنسان راق، وهذا الإنسان بحاجة إلى شحنة ثقافية بقد ما يفيد عملية الإنتاج، وبذلك أصبح وفق حسابات العولمة من الضرورة فرض لغة ومزاج وبلورة ذوق في اللباس والطعام تهدف في النهاية إلى خلق شبح إنسان، أو ظل باهت في البلدان النامية أو حتى الصناعية، وضرورة أن تدور عمليات اجتماعية/ ثقافية تحت السيطرة، لا تقود إلى انفجارات في المستقبل. وهكذا فأن هذا الصنف الجديد من الاستعمار(الإمبريالية الجديدة) هي من أشد ما واجهتنه البشرية من شراسة وعدوانية، بحيث أنها تستهدف الإنسان ليس في قواه العضلية كما فعل الاستعمار وقوى الرأسمال السابقة فحسب، بل أنها تستهدف ثقافته ومكوناته الوطنية والقومية ومصادرة تامة لحقوقه المادية والمعنوية. بهدف نهائي هو وضع شعوب العالم في خدمة الإنتاج.

 

وعلى هذا الأساس أيضاً، أثارت (العولمة) الإمبريالية الجديدة عداء قوى ليست معادية للإمبريالية تحت عناوين وشعارات اجتماعية، بل ثقافية ووطنية بالدرجة الأولى. فقد كان الاستعمار يستثير ضده عداء عناصر واسعة من المجتمع، بما في ذلك عناصر من الإقطاع ورجال الدين، وبورجوازية وطنية، فأن الجبهة المعادية للإمبريالية الجديدة لا تقل جبهة العداء لها أتساعاً، لذلك فأن النضال المعادي لها الآن سوف يجد في صفوفه تيارات غير تلك التي ناضلت ضد الاستعمار والإمبريالية، منها قوى التحرر الوطني والديني والقومي، بالإضافة إلى الفئات الاجتماعية العريضة التي سترى في الإمبريالية الجديدة(وذلك مهم) خطراً على مرتكزاتها الثقافية وأصولها وجذورها الفكرية وما يشكله ذلك من مخاطر على الروابط الوطنية والقومية تؤدي في المدى البعيد إلى تفكيك الكيانات الوطنية وأضعاف روابطها.

 

واستيلاء مؤسسات الرأسمال المالي الاحتكاري على السلطة لم يكن بهدف نيل مزايا المنصب، بل هم يأتون على الأغلب بشخص غير مهم ويمولون حملته من أجل الفوز(تكلف حملات التمويل بضعة مئات ملايين من الدولارات)، وتنحصر المنافسة(وهكذا الأمر منذ تأسيس الولايات المتحدة) بين شخصين، كلاهما هو خادم للاحتكارات بدرجة متساوية تماماً. وهدف الاحتكارات من استيلاء التام على السلطة، هو استغلال قدرات الدولة السياسية والعسكرية، بشكل أساسي من أجل إحراز المزيد من المكتسبات وفي ذلك بالضبط اشتدت ظاهرة تدويل الاقتصاد العالمي، واشتدت كثافة الفعاليات الدولية في مجال الاقتصاد، وهذا ما تتميز به المرحلة الحالية، اشتداد ظاهرة الدولنة / Internationalisation   (التدويل) والتنافس بين بلدان المتروبول على كسب بلداناً وجعلها على محيطها الاقتصادي(الاقتصاديات الوسيطة)ويدور مثل هذا الصراع في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وعندما لا تبقى أماكن شاغرة(بلداناً ومجتمعات) يبادر كل طرف (حسب قدرته وقواه) إلى الاستيلاء على ما بحوزة الأطراف الأخرى.

 

تقليدياً، كانت أميركا اللاتينية ملعباً محتكراً للولايات المتحدة وفعالياتها، إلا أن المتروبولات الأوربية واليابان بدأت بالتسلل ثم باقتحام هذا الوسط وكذلك هجومها على أسواق جنوب شرق آسيا التي كانت مكرسة تقريباً للاحتكارات الأمريكية واليابانية، وليس بعيداً عن هذا المعنى ما يدور من صراع علني وخفي لإحراز المكتسبات وبصفة خاصة على نفط الشرق الأوسط الضروري في أي صراع بين المراكز الرأسمالية، وهو يفسر إلى حد ما تقوم به الولايات المتحدة في الشرق الأوسط البلاد العربية والإسلامية تحديداً.

 

الإمبريالية الجديدة (العولمة) تهدف إذن إلى الأهداف التالية بصفة عامة:

عولمة الاقتصاد: إيجاد عالم بدون حدود اقتصادية وجعله عالماً واحداً فقط، وذلك يعني حرية الطرف الأقوى: الاحتكارات.

الثورة العلمية التكنيكية: اندماج للعلم مع التكنولوجيا بوتائر متسارعة.

استنفاذ الدولة لدورها التنموي وسقوطها التام فريسة بيد الاحتكارات وبيوت المال.

مبدأ كفاءة وحرية السوق، فكرة تتبنى الحرية كمفتاح رئيسي للايدولوجيا البورجوازية(حرية مطلقة للعمل الرأسمالي) بوصفه محركاً لعالم شامل مزدهر ومحفز للثورة العلمية( حرية السوق، خلوه من العوائق الافتراضية للدولة كقوانين الحماية).

أطلاق موجة ثقافية على كافة الأصعدة السياسية/ التاريخية/ الفنية / الموسيقية..الخ تؤدي في النهاية إلى خلق ثقافة سطحية لا تغوص إلى مشكلات الإنسان الحقيقية والعميقة.(14)

إذن ووفق مؤشرات عديدة أن الإمبريالية الجديدة، هي ذات الإمبريالية القديمة(الاستعمار القديم) ولكن مع إضافات غير جوهرية أملتها التطورات السياسية(الانفراد بقيادة العالم) اقتصادية دولية(دولنة الاقتصاد ـ مكانة الاقتصاد الأمريكي) وعسكرية(امتلاكها لحجم هائل من أسلحة الدمار الشامل وتكنولوجيا التدمير).

 

وتمثلت الظواهر الجديدة في جانبها الرئيسي بالسعي لاحتكار مطلق لقيادة الاقتصاد الدولي والعالم الرأسمالي، واشتداد التمركز والاحتكار داخل الاقتصاد الأمريكي بشكل غير مسبوق. وبهذا المعنى كان هناك احتكار داخلي واحتكار خارجي.

 

وكانت قد سرت منذ الثمانينات (بصفة مركزة) موجة كتابات موغلة في الرجعية والشوفينية، وما لبثت هذه الكتابات والأفكار أن بلورها كاتبان أمريكيان: صامؤيل هنتكتن، وفرانسيس فوكوياما، وما يستحق الإشارة إليه هنا هو أن الكاتبان لم يكونا بعيدان عن مصادر صناعة القرار السياسي الأمريكي. والقوام النظري لهذه الأفكار هو موجه بصفة رئيسية ضد الثقافات والديانات الشرقية (وهي تلقى اهتماما خاصاً في الولايات المتحدة الأمريكية)، تلك التي ما زالت تحض على الثراء الروحي وعدم الإيغال في عالم الماديات، وجعل المكتسب المادي هدف الإنسان الأول بصرف النظر عن أسلوب الكسب. (ويتناغم هذا الاتجاه مع فلسفة الرأسمالية البراغماتية) وهو ما يتعارض مع الثقافة البورجوازية وتيارات وتوجهات العولمة(الإمبريالية الجديدة)، فلا بد من تحطيم وتهشيم كل مكونات الإنسان عدا قواه العضلية أساساً، وتخصص ضيق ودقيق في مجال التكنولوجيا وعمليات الإنتاج الصناعي والزراعي، وحسب تقدير هذه الأوساط أن (حشو) فكر الإنسان بقضايا إنسانية وسياسات اجتماعية، قد تؤدي إلى مخاطر تدفع الإنسان إلى التفكير في الاستحقاقات والغبن الاجتماعي والاقتصادي. وهدف الثقافة الرأسمالية الحالية هو أن يقضي الإنسان وقت فراغه في تسلية مثيرة، سواء تمثلت تلك الإثارة بالقتل والمخاطرة والجنس وحشد قدرات الإنسان وجعله أعتدائياً وزرع فكرة الإنسان المتفوق،   Super Mann وبنظرية النخبة، (Elite) وخلاصة هذا الفكر النخبوي الأعتدائي، تتوجه ماكنة الدعاية بأن الإسلام والبوذية والكونفوشية هي العدو الأول في هذه المرحلة لأنها تنطوي في جوهرها على تناقض مع فكر العولمة الذي يهدف إلى جعل البشرية ضمن نسيجها الثقافي، وصرفاَ عن القضايا ذات الطابع الجوهري، وجعل هذه الأصناف البشرية أقل من مستوى الإنسان في المجتمعات الصناعية، ويحق لنا أن نلاحظ، أن هذه الأفكار لا تختلف في جوهرها عن الأفكار الفاشية العنصرية.

 

وتستهدف الولايات المتحدة بوصفها قائدة للمعسكر الإمبريالي الجديد وقطبه العدواني الشرس في توجهاتها عدد واسع من الأهداف على أسس مختلفة :

 

على أسس أثينية / دينية، تستهدف الإسلام والكونفوشية بدرجة رئيسية.

لا يخفي (مفكروا) وعلماء الإمبريالية الجديدة عدائهم للكونفوشية والبوذية والإسلام بوصفها تيارات ثقافية تضم اتجاهات أخلاقية وتقاليد تناهض تقاليد العولمة وثقافتها المتفسخة.

البلدان الإفريقية بوصفها هدف دائم للنهب الاستعماري والاستثمار، وتكاد تكون مكشوفة تماماً مساعي الولايات المتحدة في إشاعة الحروب الأهلية وتشجيعها، وشراء ذمم شخصيات سياسية ومحاولات أحداث انشقاقات وتمرد والتحريض على المذابح والمجازر.

البلدان العربية (بعدد سكان يقارب النصف مليار نسمة) بوصفها تمثل قدرة حضارية وثقافية واقتصادية مهمة، واعدة في المستقبل، لاسيما البلدان المناهضة لقاعدة الإمبريالية الجديدة في الشرق الأوسط، الكيان الصهيوني.

البلدان الاشتراكية أو الساعية إلى أحياء تجربة اشتراكية جديدة.

البلدان الساعية إلى تأكيد كياناتها السياسية والثقافية الرافضة للاندغام في نسيج العولمة (الإمبريالية الجديدة) ومنها بلدان كثيرة في أميركا اللاتينية، أبرزها، فنزويلا والبرازيل، وفي أوربا مثل: روسيا، وفي آسيا: الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها..

 

إذن فأهداف الإمبريالية الجديدة كثيرة ومتنوعة تشمل كافة اتجاهات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وكذلك هو المعسكر الذي يواجهه عريض وواسع، ولكن تشتت الإرادة، والآراء والقدرات ووعي القيادات يشوب صفوف هذه الجبهة ولكن ضراوة المعركة ونهم الإمبريالية سوف يسهم في تسارع عملية تبلور تشكل المعسكر المناهض للإمبريالية. وبقدر ما يسود التنسيق بين جبهاتها وتغليب التناقض الرئيسي أمام الخصم على التناقضات الثانوية في التفاصيل من أجل مواجهة هذا الخطر العاتي الذي لا يستهدف اقتصادياتها الوطنية كالاستعمار القديم، بل كيانها بأسره بكل مكوناته من دين ولغة وثقافة وعادات وتقاليد، بل وحتى الأمل بالمستقبل.

 

وبرغم ذلك، فإن العالم لم يصبح أكثر أمناً، ويشير تقرير سنوي حول النزاعات في العالم أن عام 2002 وحده شهد ثلاثة وعشرون نزاعاً مسلحاً راح ضحيته 125000 ألف إنسان، بالإضافة إلى 79 نزاعاً متوسطاً، تسبب في مقتل  100ـ 1000 لكل منها، و38 نزاعاً سياسياً عنيفاً أدى كل منها إلى مصرع 25 ـ100 شخصا، ولم تشخص إلا 35 دولة فقط في العالم تخلو من الصراعات السياسية العنيفة، أي أقل من ربع دول العالم.(15)

 

والقارئ لأطروحات وأفكار العولمة، يرى برنامجاً واسعاً يشمل العالم بأسره، بأصعدته السياسية والثقافية والاقتصادية، وأن منظري العولمة يضعون التفاصيل لما ينبغي عليه أي شعب ودولة في العالم فعله، وهذه البرامج ترافقت مع نهاية القطبية الثنائية أي قبل نهاية الألفية الثانية والقرن العشرين بما يقارب العقد، في مرحلة يطلق عليها الاستراتيجيون أو الدبلوماسيون على حد السواء، استثمار الفوز، تتضمن الاتجاهات الأساسية للعولمة، ولا يخفي هؤلاء المفكرون الخطط الأمريكية لقيادة العالم حسب تصورها ولمصلحتها، ولكن الوقائع والمعطيات الحالية تشير بعد ما يزيد على العقد من السنين، أن الخطط لم تأخذ بنظر الاعتبار للكثير من الخصائص، وأن ثقافات الشعوب وتقاليدها ليست معلبات يمكن تصديرها أو استيرادها، فهناك شعوب كرست تقاليدها منذ ألاف من السنين، بل وتخيلت الولايات المتحدة أن بالإمكان بوسائل الضغط أن تتخلى أمم عن لغاتها الوطنية، فاللغات الصينية واليابانية مثلاً، رغم تعقيدها الشديد قراءة وكتابة ونطقاً، إلا أن تلك الشعوب وغيرها لا يمكن أن تجد في محاولات الولايات المتحدة حلولاً معقولة، فمسألة الذهنيات والتقاليد القائمة هي عبارة عن توليفة من العناصر والمعطيات ليس من السهولة اختراقها، وتشير دراسة هي نتاج لدراسات مكثفة عن البيئة الاجتماعية قام بها خبراء تابعون للأمم المتحدة في البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وجدوا أن لتلك الشعوب تقاليد ثقافية في اللباس والطعام هي عبارة عن نسيج ذو مصادر متعددة، ومجموعة التصورات الخاطئة قادت إلى نتائج لا يمكن أن توصف بالنجاح بسبب تجاهلها التام المكونات العميقة للشعوب وتقاليدها الثقافية.

 

وحصاد العولمة خلال ما يزيد قليلاً عن العقد تنبأ أحدث الإحصائيات الدولية لهيئة الإغاثة ومكافحة الجوع، بأرقام مدوية: وتشير إحصائيات فبراير/2007 أن هناك 850 مليون شخص في العالم يعانون من المجاعة وسوء التغذية، ويموت 18 ألف طفل يومياً بسبب المجاعة، ومن المرجح أن هذه الإحصائيات هي أقل من الواقع بسبب سوء الإحصاء وتخلف وسائطه في البلدان النامية.(16)

 

وتغرق البلدان النامية في ديون ذات طابع متصاعد، ويعتبر خبراء الاقتصاد إذا تجاوزت ديون دولة ما 30% من حجم صادرتها، أنها بلغت درجة يصعب معها سداد خدمة الدين، لذلك فسوف تضطر إلى الاستدانة مجدداً من أجل تسديد خدمة الدين، إلي الدخول في دائرة الشيطان، وتضاعف الديون هي سمة من سمات عصر العولمة.

 

وقد تراكمت وتضاعفت بمرور الوقت ديون ضخمة على قرابة 58 دولة من الدول النامية من 600 مليون دولار عام 1980م إلى 2.2 تريليون دولار العام الماضي (وفق تقرير صندوق النقد)، وقد غدا شبه المستحيل أن تسدد هذه الدول ديونها، أو أن تسدد ما يُسمى بخدمة هذه الديون(قسط الدين + الفائدة)، ويتعين على الدول الفقيرة أن تدفع يومياً قرابة 700 مليون دولار أي ما يعادل 500 ألف دولار في الدقيقة، فخلال الفترة ما بين أعوام 1972 وحتى1992 اقترضت الدول النامية مجتمعة ما يقرب من 1.935 تريليون دولار، وبلغ مجموع ما سددته من أقساط وفوائد عن هذا الدين خلال نفس الفترة تقريباً 2.237 تريليون دولار، ولكن على الرغم من ذلك، فهي ما زالت مديونة بنحو 1.7 تريليون دولار، ويمكن التصور بعد أجراء عملية حسابية بسيطة، أن الدول المدينة قد سددت ديونها مرتين من خلال الفوائد، ولكنها ما زالت ترزح تحت الدين،هذه العملية لا نهاية لها، فهذه الشعوب تكدح وتعمل لتدفع ثمن إنتاجها في ظل نظام نهب مدهش.

 

والفساد الحكومي، الإداري والمالي، ظاهرة اشتددت باشتداد ظاهرة الدولنة في الاقتصاد، واقتحام الرأسمال الأجنبي (أو تسلله) كل زوايا البلدان النامية، وتهدف السياسة التي تتبعها الدول الصناعية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية إلى خلق أنظمة تعمل بمقتضى المصالح السياسية والاقتصادية لها وليس لبلدانه، تسبب في حالة من الفساد، بنتائج كارثية، فقد وجدت الديون الخارجية لعدد من البلدان مساوٍ تماماً لحجم ديونها الخارجية، بل ويزيد أحياناً،  كما حدث في الفلبين عندما نهب الديكتاتور فريناندو ماركوس أكثر من 15 مليار دولار من خزانة الدولة ورفع من حجم الديون المستحقة على بلاده من 2.3 مليار دولار عام 1970 إلى أكثر من 35 مليار دولار حتى الآن، وفي تقريرها الأخير أشارت مؤسسة مورجان مورانتر المالية الأمريكية إلى اختفاء مبلغ 189 مليار دولار من 18 بلدًا ناميًا في سنة واحدة مع العثور على 31 مليار دولار منه في حسابات سرية في البنوك السويسرية والأمريكية.

 

وفي البرازيل قدرت كلفة إنشاء سد إيتابو المبدئية بحوالي مليار دولار، فيما تعدت تكلفة الإنشاء الفعلية 25 مليار دولار وهو ما أدى إلى تراكم مديونيات البرازيل التي بلغت حتى الآن ما يقرب من 180 مليار دولار، وقد وافق صندوق النقد الدولي في نهاية العام الماضي على إقراضها نحو 43 مليار دولار لتصل بذلك ديونها إلى نحو 223 مليار دولار، وفي مثال آخر مشابه، بقيام الفرنسيون والإيطاليون بتمويل تكاليف إقامة سد (ريوبارنا) على الحدود بين الأرجنتين والمكسيك، بقرض قدره 1.5 مليار دولار في عام 1978، ولكن النفقات الواقعية النهائية لتشييد هذا السد انتهت بتكلفة قدرها 15 مليار دولار.

 

ويتكرر في عالم الاقتصاد الدولي المعاصر مصطلح الدول المانحة، وهو ما لا يعني بأن هذه الدول تهب وتمنح المساعدات لإغراض نزيهة، لكنها في الواقع تربح أضعاف المبالغ التي تقدمها بل تشير الحقائق: إنها تفعل ذلك لزيادة نفوذها، ومن تلك الأمثال على ذلك موقف فرنسا من إفريقيا، ففرنسا تعد على رأس الدول المانحة لإفريقيا فقد بلغت قيمة مساعداتها لإفريقيا عام 1997 حوالي 7.18 مليار فرنك فرنسي أي ما يعادل 49% من مجمل المساعدات الفرنسية الخارجية، ولا تمثل هذه بالطبع مساعدات لدول استعمرتها عقود طويلة هذه القارة ونهبت ثرواتها، وإنما لتكثيف نفوذها وفي إطار التنافس والتسابق مع أقطاب رأسمالية أخرى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في الفوز بالأسواق الإفريقية، باعتبارها أسواقاً واعدة قوامها 700 مليون مستهلك يمثلون خمس سكان العالم، والواقع يقول: إن هذه الدول المانحة هي ذاتها الدول التي تستورد السلع الأولية من البلدان النامية بأسعار منخفضة للغاية ثم تعيد تصديرها إليها بعد تصنيعها بأسعار مرتفعة جدًا، وتحرص أن تكون لها اليد العليا في تحديد هذه الأسعار إما مباشرة أو عن طريق شركاتها العابرة القارات، وإذا كان بديهياً ألا تُمنح القروض إلا بضمانات فإن الضمان الوحيد الذي تحصل عليه هذه الدول المانحة من الدول المدينة أن هذه الديون تحرمها من حرية اعتماد سياسيات سليمة لنموها وتنميتها.(17)

 

ويرى الدكتور مطر أن العولمة قد اقترنت بظواهر متعددة استجدت على الساحة العالمية أو ربما كانت موجودة من قبل، ولكن زادت من درجة ظهورها، وهذه الظواهر قد تكون اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو اتصالية أو غيرها، ولا شك أن أبرز هذه الظواهر هي الظواهر الاقتصادية التي أهمها: (18)

 

ظهور تقسيم دولي جديد للعمل تتخلى فيه الدول المتقدمة للدول النامية عن بعض الصناعات التحويلية (هي الصناعات التي تعتمد على تحويل المادة الخام إلى سلع مصنعة يمكن الاستفادة منها، كصناعات الصب والبتروكيماويات والتسليح وغيرها) التي لا تحقق لها ميزة نسبية، مثل الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة وكثيفة العمل والملوثة للبيئة، وذات هامش الربح المنخفض، مثل صناعات الصلب والبتروكيماويات والتسليح، بينما ركزت الدول المتقدمة على الصناعات عالية التقنية كصناعة الحاسبات والبرامج وأجهزة الاتصالات والصناعات الإلكترونية، ذات الربحية العالية والعمالة الأقل.

 

وجاء إحلال مفاهيم جديدة محل القديمة كسيادة مفهوم الميزة التنافسية competitive advantage وحلوله محل الميزة النسبية Comparative Advantage بعد توحد الأسواق الدولية وسقوط الحواجز بينها، وكذلك سقوط مفهوم التساقط الذي تبناه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمدة طويلة، حيث إن الطبقات العالية الدخل في الدول النامية هي طبقات مسرفة لا تدخر ولا تستثمر وتبدد فوائضها في مصارف استهلاكية لا يستفيد منها المجتمع، وهو ما أدى إلى تناقص معدلات النمو في هذه الدول بسبب نقص الاستثمارات وزيادة عجز الموازين التجارية وموازين المدفوعات.

 

لم نجد خلال المسار التاريخي، أو الواقع المادي ما يشير إلى الديمقراطية، بقدر ما عاش التاريخ الوسيط والحديث وقائع قمع دموي في حقب ظلم واضطهاد ونهب، وأبتعد عن الصيغ الديمقراطية في تقبل الفكر الآخر وتجربته، ويحاول فرض تجربته بحذافيرها، بتقديرنا، وأن سيطرة البورجوازية لم يأت بالانتخابات، بل عبر سيطرة حاسمة، وإنهاء تام لنفوذ سيطرة الكنيسة والنظام الملكي.

أن التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، سيطرح في مسارات العمل ملامح جديدة، من خلال التجربة والتطوير الذاتي،  فليست هناك ضرورة لنسخ عملية واستنساخها في أي بلد آخر، أو ولادة قيصرية ستبقي النموذج المفروض يفتقر إلى الولادة الطبيعية السليمة. وإن نظاماً عربياً جديداً سيجد نفسه إلى الطريق بفعل مساهمات علماء السياسة والاقتصاد والاجتماع، ودراسة علمية موضوعية للتجارب التي مرت بها أقطارنا، والتخلي عن التعصب الفكري والسياسي، وبحث القضايا بروح التوصل إلى نتائج، ليس بالضرورة أن تكون غداً، ولكن في المستقبل المنظور.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المصادر :

 

1. الطعان، د. عبد الرضا: تاريخ الفكر السياسي الحديث، ص336

2. أبو جابر، د. فايز صالح : الفكر السياسي الحديث، ص54

3. رسل، برتراند: حكمة الغرب، ص103

4. بابي، جان: القضايا الأساسية للاقتصاد السياسي للرأسمالية نفس المصدر، ص45

5. الطعان، د. عبد الرضا: تاريخ الفكر السياسي الحديث، ص339

. 6. رسل، برتراند: حكمة الغرب، ص104/105

7. كرم، يوسف: تاريخ الفلسفة الحديثة ، ص154/155

8. رسل، برتراند: حكمة الغرب ، ص210

9. أبو جابر، د. فايز صالح : الفكر السياسي الحديث ، ص52      

10. عبد الله، عبد الخالق: العالم المعاصر والصراعات الدولية، الكويت / 1989 ص 2

11.  Dietrich, Mario: Lebens Schild In USA, in Stern Nr. 22/1990, Hamburg, BRD

12.  نامق، د. صلاح الدين: النظم الاقتصادية وتطبيقاتها،  ص28 ،  القاهرة/ 198212.

13.  الدباغ، د.ضرغام عبد الله: الأبعاد السياسية لحرب فوكلاند، ص5، بغداد/1985

14.  سوزا، نيلسون أروجودي: انهيار الليبرالية الجديدة،   بغداد/ 1999

15.  برجنسكي، زبيغينيو: الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم، بيروت/2004: ص 51

16.  وكالات الأنباء:  17/ فبراير،  إحصائيات وكالات الغوث ومكافحة الفقر والجوع

17. سعيد، لبنى:  مطرقة الدَّين، وسندان الفساد، موقع اقتصادي على الإنترنيت، فبراير/ 2007

18. مطر، د. زكريا: العولمة، هدم الاقتصاد القديم، موقع اقتصادي على الإنترنيت، فبراير / 2007

 

 المركز العربي الألماني

 

برلين

 

 المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

ماذا يحدث في

بلاد العم سام

 

ضرغام الدباغ

علناً وعلى رؤوس الاشهاد، وأمام عدسات التصوير حدث أن :

سيدة بروفسورة دكتورة رئيس قسم في جامعة كبيرة لها شهرة عالمية، تهان ويعتدى عليها بالضرب، ويتناولها إثنان من رجال الشرطة، ويوقعونها أرضاً، وهي فوق مركزها الاكاديمي سيدة مسنة، ويعتليها الرجلان ليقيدان يديها .. بأسلوب امريكي همجي بات يقلد في دول أخرى على أساس انه ما يحدث في عاصمة الديمشراطية يصلح للعالم كله.

بروفسور امريكي أستاذ علوم سياسية، يقفز فوق الاسيجة لينظم للطلبة، أنه لشرف عظيم أن تعلن إدانتك لما يدور من قتل وإبادة علنية للبشر.  بروفسورة أخرى، لاقت نفس المصير من الضرب والاعتقال والاهانة والضرب,

أساتذة بدرجة بروفسور ودكتور يشكلون حاجزاً بشرياً أمام البوليس لحماية طلابهم ...

"  أوقف مئة من المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين صباح السبت (27 نيسان/أبريل 2024) في حرم جامعة في بوسطن وقامت الشرطة بفض اعتصامهم، وفق ما افادت جامعة "نورث إيسترن يونيفرسيتي". (وكالة الانباء الألمانية / DW)

"    وقف فرانك جوريدي، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا الذي يقوم بتدريس هذه المادة منذ عام 2017، مع اثنين من طلابه بجوار المخيم المنصوب في حرم الجامعة الواقعة بمدينة نيويورك يوم الخميس لمناقشة أوجه التشابه بين الاحتجاجات على حرب فيثنام والاحتجاجات الحالية المؤيدة للفلسطينيين في ندوة بعنوان (1968: مواصلة القتال). كان المحتجون يستمعون وهم يجلسون على فرش على الأرض العشبية أمام خيامهم بينما يتناولون وجبات مجانية خفيفة.   "(وكالة الانباء الألمانية / DW)

" كما نُظمت عروض لموسيقى الجاز ومحاضرات ودورات في الإسعافات الأولية وعروض لأناشيد ثورية مؤيدة للفلسطينيين وورش عمل في الكتابة. وفي بعض الأحيان تدور مناقشات ساخنة لكنها تخلو من العنف بين يهود  مناهضين للصهيونية وطلبة مؤيدين لإسرائيل يزورون المخيم. ". مناهضين للصهيونية وطلبة مؤيدين لإسرائيل يزورون المخيم ".(وكالة الانباء الألمانية / DW)_

إلى ماذا ستفضي هذه الانتفاضات الطلابية وقد امتدت إلى كندا وفرنسا، وأصبحت مؤشراً للتحضر والرقي وشجباً للهمجية أيضاً ...؟

العنف الذي أبدته قوات الامن والاستعداد للتعامل العنيف (المبالغ به) مزودين بأسلحة خفيفة ومتوسطة تفوق ما تستحقه اعتصامات سلمية لطلبة شبان وبعض أساتذتهم، يتضمن رسالة أن السلطة المركزية مستعدة للذهاب إلى ما هو أبعد من التظاهرات، ولنقل استعداداً لتطور الموقف ...! وأنهم سيستخدمون العنف المفرط إذا ما تواصلت الاحتجاجات. وسيقمعونها مهما كلف الموقف. نعم يمكن أن تخبو هذه الشعلة، ولكنها لن تنطفئ.

استمعت إلى مناظرة (كانت الثالثة)بين خمسة رؤساء مرشحين لمنصب الرئاسة عن الحزب الجمهوري، وحين سألهم مدير الحلقة الحوارية قائلاً : سؤال واحد فقط : ماذا لديك من نصيحة تود إسدائها لنتياهو ..؟

فأجاب الأول : نتياهو أهجم عليهم وأبيدهم. وال الثاني : إنها فرصتك لتبيدهم، فقال الثالث أقتلهم جميعاً حتى الأطفال منهم. ولم يذهب المرشحان الرابع والخامس غير هذا المهج الدموي العنيف.

كتبت قبل أربع سنوات تقريباً، أبان الحملة الانتخابية التي فاز بها الرئيس بايدن، كتبت محللاً  موقف القوى الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة، بعد دراسة عميقة للموقف بأسره، ودراسة معمقة لموقف الحزب الديمقراطي والجمهوري، وإذ بي أجد للمرة الأولى فوارق ملموسة مرئية بالعين المجردة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. والجمهوريون يضمون في أحشاءهم أصنافا متطرفة، تميل لاستخدام العنف، وجماعات تطلق شعارات عنصرية، طائفية / دينية، ولا يستبعد توجهات فاشية / نازية بينهم. وكتبت قبل سنوات تعقيباً على اقتحام الكابيتول (مبنى الكونغرس الامريكي)، وهي حادثة غريبة الأمر الذي أستدعى تدخل الجيش لضبط الامن، (وهي المرة الثانية أو الثالثة في التاريخ الأمريكي/ تدخل القوات المسلحة في شؤون الامن الداخلي) أننا يحتمل سنشاهد أحداثا مماثلة في المراحل المقبلة.

نعم، هناك الكثير مما يؤكد أن الصراعات الداخلية وهي كثيرة جداً، وهناك، وهذا مذهل، مئات من التنظيمات المتطرفة والتي تستخدم السلاح، وتنتظم في تشكيلات مسلحة أو شبه مسلحة، وبعضها يستخدم  علنا رموزاً فاشية وعنصرية، والعنف المسلح. وأن هذه الصراعات ماضية نحو مزيد من العنف، ومزيد من استقطاب لقوى اليمين الأمريكي، ومع اشتداد الضغوط الخارجية، فإن هذه المظاهر مرشحة منطقياً للتفاقم لا للانحسار ..! إذا كانت الكاثوليكية لا ينظر لها بارتياح، فماذا الارثدوكسة ...! وماذا عن المسلمين ...! قائمة الفاشية طويلة وعريضة .

المعسكر الديمقراطي بالمقابل، يخوض معاركه الخارجية والداخلية بنصف قناعة، وبقليل من الحماس، ويخوض صراعات في الخارج، فيها هدر للطاقات واستنزاف للقدرات. حتى يبلغ الامر أن يتهم بعض المراقبين أن هناك تفاهما من وراء الكواليس بين الديمقراطيين والجمهوريين، وتوزيع أدوار .... وحين تشتط نظرية المؤامرة، ندرك أن جزءاً مهماً من التفاصيل غائبة أو مغيبة أو يراد لها أن تبقى غامضة ...!

 

 

 

معطيات عربية

استراتيجية هامة

د. ضرغام الدباغ

 

ـــ قدر عدد سكان العالم العربي في عان 2023 بـ 423 مليون نسمة، حيث ارتفع عدد سكانها من 216.9 في عام 1990 إلى 423 مليون نسمة. يمثل السكان العرب 5.6 % من سكان العالم .10.06.2023   

ـــ  يقع الوطن العربي بين دائرتي عرض 2° جنوبًا و37.5° شمالًا وبين خطي طول 60°شرقًا و17°غربًا ما عدا دولة جزر القمر التي تقع عند دائرة عرض 12، يغطي مساحة تبلغ حوالي 14 مليون كلم² تقريبا أي بنسبة 10.2% من اليابسة، ويشتمل على 22 دولة عربية، عشرة منها في أفريقيا بمجموع مساحة تقدر بحوالي عشرة ملايين كم مربع أي بنسبة 74% من ... مساحته، و12 دولة في آسيا بمجموع مساحة تبلغ حوالي 3.7 مليون [162] كيلو متر أي بنسبة 26% من جملة مساحته.[163] يبلغ أقصى امتداد له من الشرق إلى الغرب 6000 كلم ومن الشمال إلى الجنوب 4000 كلم. يقع الوطن العربي وسط قارات العالم القديم آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتمتد أراضيه في آسيا وأفريقيا ويفصل بينهما البحر الأحمر، ويطل الوطن العربي على البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي والبحر العربي ويطل على محيطين هما المحيط الأطلسي غرباً والمحيط الهندي شرقًا. وتظهر أهمية موقع الوطن العربي بوقوعه بين ثلاث قارات هي اسيا وأفريقيا وأوروبا، فامتداده شمال وشرق أفريقيا وجنوب غرب اسيا وجنوب أوروبا جعلته جسرًا يربط القارات الثلاث.

ـــ المضائق والممرات المائية

يشرف الوطن العربي على مسطحات مائية هامة، سهلت له الاتصالات الخارجية سواء كانت لأغراض تجارية أم حضارية أم اجتماعية، ولهذا السبب لم يكن الوطن العربي معزولًا يوما ما. يتميز الوطن العربي من الناحية التجارية والجيوسياسية بأنه مطل على أربعة مضائق بحرية لها أهمية ثلاثة منها طبيعية والرابع اصطناعي وهو قناة السويس.

مضيق باب المندب،

وتظهر جزيرة أميون التي تفصل المضيق إلى ممرين هما الشرقي الذي يبلغ متوسط عمقه 26 مترا ويتراوح عرضه بين 2-3 كيلومتر، والغربي الذي يبلغ عمقه 300 متر أما عرضه فيبلغ حوالي 16 كيلومتر.

الخليج العربي

هو ذراع مائية لبحر العرب يمتد من خليج عمان جنوبًا حتى شط العرب شمالًا بطول 965 كيلومترًا.  تبلغ مساحة الخليج العربي نحو 233,100 كيلومتر. ويتراوح عرضه بين حد أقصى حوالي 370 كم إلى حد أدنى 55 كم في مضيق باب السلام. والخليج العربي ضحل لا يتجاوز عمقه 90 مترًا إلا في بعض الأماكن. يمتد هذا الخليج من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي من الوطن العربي، ويتصل من الجنوب الشرقي بخليج عمان عن طريق مضيق هرمز.

مضيق باب السلام

يعتبر أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حركة للسفن. يفصل المضيق ما بين مياه الخليج العربي من جهة ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى، فهو المنفذ البحري الوحيد للعراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة.  تطل عليه إيران من الشمال والشمال الشرقي وسلطنة عمان من الجنوب والجنوب الغربي. ويتراوح اتساعه نحو 10 كم في حين يبلغ عمقه 100 متر مما سمح بعبور ناقلات البترول العملاقة القادمة من الخليج العربي إلالأسواق العالمية.

مضيق باب المندب

هو ممر مائي يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وتشرف عليه اليمن  وجيبوتي. تقسم جزيرة بريم والتي تعرف باسم أميون المضيق إلى ممرين: الشرقي ويعرف باسم باب الإسكندر وهو الأصغر والأقل أهمية من الناحية الملاحية، أما الغربي فيعتبر الممر الأكثر أهمية من الناحية الملاحية.

قناة السويس

هي ممر مائي اصطناعي بطول 193 كم بين بورسعيد على البحر الأبيض المتوسط والسويس  على البحر الأحمر. وتقسم القناة إلى قسمين، شمال وجنوب  البحيرات المرّة. تسمح القناة بعبور السفن القادمة من دول المتوسط  وأوروبا والولايات المتحدة الوصول إلى آسيا دون سلوك الطريق الطويل - طريق  رأس الرجاء الصالح. ما يميز هذه القناة مرورها بالكامل داخل الأراضي المصرية، فهي بذلك تمثل دخلا هاما من مصادر الدخل القومي في مصر، وذلك من خلال الرسوم المفروضة على السفن وناقلات البترول والغواصات وغيرها.  كانت أكبر رسوم دفعتها سفينة للمرور في قناة السويس كانت 2 مليون و28 ألف دولار، ودفعتها سفينة إيطالية حمولتها 59 ألف طن، عبرت السفينة قناة السويس في 7 سبتمبر 2011. والتي تمر عبر الأراضي المصرية.

مضيق تيران والذي تشرف عليه السعودية ومصر.

مضيق جبل طارق

يقع هذا المضيق بين شبه جزيرة إيبيريا شمالًا وشمال أفريقيا جنوبًا، ويصل بين مياه البحر الأبيض المتوسط ومياه المحيط الأطلسي. ويعتبر بوابة البحر المتوسط الغربية التي تفتح على المحيط الأطلس، وتشرف عليه المغرب وإسبانيا وبريطانيا.

القوات المسلحة

تهتم الأنظمة العربية المختلفة بالجيش والقوات العسكرية وشبه العسكرية وتنفق سنويًا مليارات الدولارات على التسلح. توجد اتفاقية للدفاع العربي المشترك وقعتها معظم الدول العربية، ولكنها لم تنفذ إلا فيما ندر، وكانت أبرز تلك المناسبات حرب 1973.

كان الجيش العراقي أقوى الجيوش العربية قبل سنة 1990، ولكنه دمر بفعل حربي 1990 و2003. كذلك، دمر الجيش الليبي أثناء الثورة الليبية وتراجعت قوة الجيش العربي السوري بالفترة الأولى من الحرب الأهلية السورية غير أن تقارير أشارت إلى أن قوة الجيش السوري بدأت تزداد بعد ثماني سنين من الحرب. بالمقابل تزايدت قوة الجيش السعودي والجيش الإماراتي بفعل التدريبات والمناورات المشتركة ومراكمة السلاح الأمريكي الحديث وخاصة في مجال سلاح الجو والدفاع الجوي من ناحية التدريب والكفاءة، يعد الجيش الأردني الأكثر كفاءة بين الجيوش العربية.

تحصل معظم الدول العربية على السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية باستثناء سوريا والجزائر واليمن التي تشتري السلاح من روسيا. ومجموع تعداد الجيوش العربية يقدر بحوالي 4 ملايين مقاتل عربي.

 

التعليم

في عام 2009، بلغت نسبة الملتحقين بالتعليم الابتدائي 98% وبالتعليم الثانوي 73,6%. وبناءً على تقرير للبنك الدولي فإن نوعية التعليم في الوطن العربي تتراجع مقارنة مع المناطق الأخرى، وهي تحتاج إلى إصلاح عاجل. جاء في التقرير أيضًا أن الدول العربية قد جعلت تحسين التعليم على رأس أولوياتها، لأن ذلك يسير جنبًا إلى جنب مع التنمية الاقتصادية. ولكن المنطقة لم تشهد زيادة في محو الأمية والالتحاق بالمدارس، عكس آسيا وأميركا اللاتينية. جاءت كل من جيبوتي واليمن والعراق وموريتانيا أسوأ الإصلاحيين في المجال التعليمي، أما الأردن  والكويت فخطت خطوات في الإصلاح التعليمي.  أما في قطر، فقد كشف الصندوق القطري النقاب عن تمويل 145 مشروعًا بحثيًا من 14 مؤسسة قطرية، بالتعاون مع 134 مؤسسة بحثية عالمية من 25 دولة في جميع المجالات الرئيسية للبحوث الصحة  والطب، التكنولوجيا وتقنية المعلومات، العلوم الاجتماعية، العلوم الزراعية، العلوم الطبيعية، الإنسانيات.

بلغت نسبة الأمية 30% من 300 مليون نسمة في الوطن العربي، بناءً على تقرير في كانون الثاني من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس. سجلت أفضل نسب التعلم (من الأشخاص الذين يجيدون القراءة والكتابة) في الكويت وفلسطين (بنسبة 94,5% و94,1% على التوالي) في حين كانت أدنى النسب في اليمن وموريتانيا (54,1% و51,2% على التوالي.

تسعى مصر إلى تطوير المستوى التعليمي لذلك تدرس تطبيق فكرة التجربة التركية في التعليم المهني. من المؤسسات الفعالة والهادفة لتطوير التعليم في مصر مؤسسة زويل البحثية، وسيكون للمعاهد البحثية/التعليمية التأسيسية طابع خاص لتمثل أقصى ما انتهى إليه العلم والبحث العلمي في القرن الحادي والعشرين، في مجالات الطب الجيني، والطاقة ومصادر المياه، وتكنولوجيا الفمتو والنانو (بالإنجليزية: femto- and nanotechnology)‏ وتكنولوجيا المعلومات وغيرها.

من المؤسسات التعليمية الكبيرة والتي تهدف إلى تطوير المستوى التعليمي على مستوى الوطن العربياتحاد الجامعات العربية، المجلس الدولي للغة العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

أما على مستوى التعليم الجامعي، فمن السلبيات الكبرى أن جميع الأقطار العربية باستثناء سوريا تستعمل اللغة الإنجليزية أو الفرنسية (في بلاد المغرب العربي) كلغة للتدريس، خصوصًا عند تدريس المواد العلمية. يدل هذا على ضعف وقلة المصادر العلمية المكتوبة بالعربية والاستهتار بها. في أحدث دراسة لقياس جودة التعليم الجامعي نشرت في تموز عام 2012، حصلت ثلاث جامعات سعودية على المراكز الأولى على المستوى العربي (أولها جامعة الملك سعود في المركز الأول عربيًا و237 عالميًا)، تلتها جامعة القاهرة فالجامعة الأميركية في بيروت وجامعة النجاح في نابلس وجامعة عين شمس.

يبلغ عدد سكان الوطن العربي الكبير 338.621.469 نسمة في تقديرات عام 2007 من صفحة كتاب حقائق العالم في موقع المخابرات الأمريكية. وفيما يلي كلّ الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية مع تعداد سكانها.

وفيما يلي جدول يوضح بعض البيانات السكانية والاقتصادية لأقطار الوطن العربي.

 

اسم الدولة وعلمها

مساحة الدولة (كم2)

عدد السكان

فرد/كم2

العاصمة

الناتج الإجمالي

ناتج الفرد

العملة

نظام الحكم

الشعار

 

المشرق العربي

 

 الأردن

92,111

5,307,470

58

عمان

$28 مليار

$5,100

دينار أردني

ملكي دستوري

Description: Description: Ein Bild, das Symbol, Wappen, Emblem, Dienstmarke enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 سوريا

185,180

21,593,784

116.6

دمشق

$72 مليار

$5,400

ليرة سورية

جمهوري

 

 العراق

437,072

31,333,816 [272]

55

بغداد

$160 مليار

$3,600

دينار عراقي

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Symbol enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 فلسطين [273]
(السلطة الفلسطينية)

6,250 [274]

3,500,000 [275]

432

القدس

$12 مليار

$2,900

الجنيه الفلسطيني [276]، حاليادينار أردني، جنيه مصري، دولار أمريكي وشيكل إسرائيلي

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Symbol enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 لبنان

10,452

3,677,780 [277]

354

بيروت

$24 مليار

$6,600

ليرة لبنانية

جمهوري

 

شمال أفريقيا

 

 مصر

1,001,449

80,000,000

74

القاهرة

$384 مليار

$4,200

جنيه مصري

جمهوري

 

 الجزائر

2,381,740

36.600.410

14

مدينة الجزائر

$253 مليار

$7,179

دينار جزائري

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Kreis, Münze enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 تونس

163,610

10,102,000

62

مدينة تونس

$98 مليار

$9,630

دينار تونسي

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Symbol, Emblem, Wappen, Logo enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 المغرب

710,850

33,848,242

70

الرباط

$162 مليار

$5,100

درهم مغربي

ملكي دستوري

Description: Description: Ein Bild, das Wappen, Krone, Emblem, Dienstmarke enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 ليبيا

1,759,540

6,461,454

3

طرابلس

$75 مليار

$12,700

دينار ليبي

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Emblem, Kreis, Symbol enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 السودان

1,865,818

32,218,456

14

الخرطوم

$80 مليار

$2,200

جنيه سوداني

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Emblem, Kleidung, Symbol, Dienstmarke enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 موريتانيا

1,030,700

3,364,940

3

نواكشوط

$6.5 مليار

$1,900

أوقية موريتانية

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Kreis, Emblem, Muster, Kunst enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

شبه الجزيرة العربية

 

 الإمارات العربية المتحدة

82,880

4,496,000

30

أبوظبي

$146 مليار

$55,200

درهم إماراتي

اتحاد ملكي فيدرالي

Description: Description: Ein Bild, das Text, Cartoon, Logo, Spielzeug enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 البحرين

665

656,397

987

المنامة

$14 مليار

$20,500

دينار بحريني

ملكي دستوري

Description: Description: Ein Bild, das rot, Karminrot, Valentinstag, Symbol enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 السعودية

2,240,582

29,513,330

12

الرياض

$733 مليار

$21,200

ريال سعودي

ملكي مطلق

 

 عُمان

309.500

3,957,040

13

مسقط

$90.66 مليار

$28.500

ريال عماني

ملكي مطلق

Description: Description: Ein Bild, das Kunst enthält.

Automatisch generierte Beschreibung mit geringer Zuverlässigkeit

 

 قطر

11,437

793,341

69

الدوحة

$69 مليار

$75,400

ريال قطري

ملكي مطلق

Description: Description: Emblem of Qatar

 

 الكويت

17,820

3,441,813

119

مدينة الكويت

$136 مليار

$55,400

دينار كويتي

ملكي دستوري

Description: Description: Ein Bild, das Symbol, Emblem, Logo, Grafiken enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 اليمن

555,000

23,701,257

35

صنعاء

$63.400 مليار

$2,627

ريال يمني

جمهوري

 

القرن الأفريقي

 

 جيبوتي

23,000

496,374

22

مدينة جيبوتي

$1.93 مليار

$3,800

فرنك جيبوتي

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Kreis enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 

 الصومال

637,657

9,118,773

13

مقديشو

$5.75 مليار

$600

شلن صومالي

فدرالي

 

 جزر القمر

2,170

711,417

275

موروني

$778.6 مليون

$1,100

فرنك قمري

جمهوري

Description: Description: Ein Bild, das Kreis enthält.

Automatisch generierte Beschreibung

 
                     

 

 

الاقتصاد

اعتبارا من أغسطس 2009، أفيد أن اقتصاد المملكة العربية السعودية هو أقوى اقتصاد عربي وفقا لتقرير البنك الدولي.  لا يزال اقتصاد المملكة العربية السعودية الأعلى عربيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي وفي المركز الحادي عشر آسيويا. تأتي بعد السعودية مصر ثم الجزائر، والتي كانت الاقتصادات الثانية والثالثة الأكبر في أفريقيا (بعد جنوب أفريقيا). في عام 2006. من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، تتصدر قطر قائمة أغنى دولة نامية في العالم.

بلغ الناتج المحلي الإجمالي لجميع الدول العربية في عام 1999 531,200,000,000 $ (531,2 مليار دولار أمريكي). على النقيض من ذلك، فإن الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا والولايات المتحدة في تلك السنة 595,500,000,000 $ (595,5 مليار دولار).

قرر القادة العرب في ختام أشغال القمة الاقتصادية العربية الثانية 19 يناير 2011 في شرم الشيخ تدعيم الربط البحري العربي من خلال قيام الدول العربية بتحديد موانئها الرئيسية وتطويرها ليتوافر فيها عوامل الأمن والسلامة والمعايير الدولية المعمول بها. وخاصة تشغيل الشباب أولوية لمواجهة تحدي البطالة وأخطارها على الأمن الوطني والقومي وتعزيز التعاون العربي في هذا المجال. وبمشروع ربط شبكات الإنترنت العربية ومخطط الربط البري العربي بالسكك الحديدية التي يتولاها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. أما بالنسبة لمشاريع الربط الكهربائي العربي فقد دعت القمة صناديق التمويل العربية والإقليمية والدولية للمساهمة في تهيئة الشبكات الكهربائية الداخلية لبعض الدول العربية الأقل نموًا.

أما بالنسبة لبرنامج الطارئ للأمن الغذائي العربي مع تحديد مرحلته الأولى خلال الفترة 2011-2016 علما أن المبلغ المطلوب لتنفيذ هذه المرحلة يقدر ب 27 مليار دولار والمرحلة الثانية ب 65.4 مليار دولار والمرحلة الثالثة 65.4 مليار دولار بنهاية البرنامج عام 2030.

وبشأن الاتحاد الجمركي العربي طالب القادة العرب ببذل مزيد من الجهود لاستكمال توحيد جداول التصنيفات للتعرفة الجمركية للدول العربية قبل نهاية عام 2012 تمهيدا للدخول في التفاوض على فئات التعرفة الجمركية والانتهاء منها ضمن الوقت المحدد للإعلان عن الاتحاد الجمركي العربي عام 2015.  بلغت الصادرات العربية 1066 مليار دولار والواردات 653 مليار دولار عام 2008. ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية عام 2008 إلى 99 مليار و797 مليون دولار مقارنة مع عام 2001 والتي بلغت 9 مليار و275 مليون دولار.

 

الصناعة

تتنوع الصناعة وتختلف بين الدول العربية فهنالك المعادن، اللحوم والبيض، المواد الغذائية، مواد البناء، البتروكيماويات، النسيج، منتجات كهربائية وإلكترونية أخرى فالدول العربية غنية بالموارد حيث هنالك كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي إذ تعتبر السعودية أكبر منتج نفط في العالم وهنالك دول العربية نفطية أخرى منها العراق، الكويت، الإمارات العربية المتحدة،  الجزائر،  ليبيا ومصر وبلغ الإنتاج النفطي العربي في شهر مارس 2010 18 مليون و800 ألف برميل يوميًا ولقد شهدت المنطقة العربية خلال الربع الرابع من العام 2008 أكبر نسبة انخفاض في إنتاج الحديد والصلب الخام قدرت بمعدل 23.41? وبإنتاج بلغ 3.12 مليون طن مقارنة ب 4.173 مليون طن لنفس الفترة من العام الذي سبقه ويعود السبب في ذلك إلى تقليص الإنتاج لمواجهة انخفاض الطلب والأسعار نتيجة للأزمة المالية العالمية. ويعد المشروع القطري الجزائري للحديد والصلب الأكبر على المستوى العربي وسينتج المصنع في مرحلة أولى 2,5 مليون طن من الفولاذ الطويل وهو إنتاج مرشح للارتفاع إلى 5 ملايين طن في مرحلة ثانية بإنتاج الفولاذ المصفح وأنواع الفولاذ الخاصة المستخدمة في صناعة السكك الحديدية ، اما اللحوم فقد وافقت مصر والسودان على إقامة مشروع استثماري مشترك في السودان لإنتاج وتصنيع وتصدير اللحوم الحمراء علي مساحة 40 ألف فدان بولاية النيل الأبيض أما الصلب الخام فقد ارتفع الإنتاج العربي منه من 8 مليون و824 ألف طن إلى 16 مليون و400 ألف ما بين (2000-2008).  في تونس ارتفعت قيمة الاستثمارات الصناعية الأجنبية بنسبة 27% منذ بداية عام 2011 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2010  لتصل إلى 868,5 مليون دينار (مليون دولار). في مجالات صناعة المواد الغذائية ومواد البناء والخزف والزجاج والصناعات الكيميائية.

 

الزراعة

واستقر متوسط نصيب الفرد من الأراضي الزراعية على مستوى الوطن العربي بين عامي 2009 و 2010 م، حيث بقى في حدود (0.20) هكتار، بينما تراجع قليلًا عن المستوى العالمي من (0.21) إلى (0.20) هكتار ويختلف هذا المتوسط من دولة عربية إلى أخرى.

تبلغ المساحات الزراعية المروية حوالي (13.8 مليون هكتار) وتشكل ما نسبته (24.3 %) و(19.3 %) من إجمالي المساحات المزروعة ومساحات الحيازات الزراعية في الوطن العربي على التوالي.[331] وتعتمد دول مجلس التعاون على الزراعة المروية كليًا بينما تتفاوت نسب الزراعة المروية في الدول العربية الأخرى وتتراوح بين (94.1 %) و(5%)، حيث تتصدر الإمارات العربية المتحدة هذه القائمة بينما تعتبر جيبوتي من أضعف الدول العربية من حيث المساحات الزراعية المروية. وتنتشر الأراضي الزراعية في الوطن العربي حول الأنهار الداخلية الكبرى كالنيل والفرات ودجلة وأنهار بلاد المغرب العربي وبلاد الشام، وفي المناطق الساحلية المتوسطية والأطلسية، دول الهلال الخصيب وأراضي السودان. إلا أن الزراعة لم تصل إلى حد الوفرة لاحتياجات السكان. والزراعة تساهم بنحو 13% من الإنتاج المحلي للوطن العربي، تتوزع المساحة المحصولية على محاصيل عديدة تشكل مجموعة الحبوب حوالي (50.5 %) منها وتليها البذور الزيتية بحوالي (11.8 %)، أما مجموعة المحاصيل السكرية فتشكل ما نسبته (0.7 %)، من أهم المحاصيلالحبوب (القمح، الأرز، الشعير، الذرة الرفيعة، الذرة الشامية)، والأشجار المثمرة (الموالح، العنب، التمر والتفاح، الخوخ والمشمش)، بالإضافة إلى المحاصيل الزراعية الصناعيةكالقطن والسكر والزيتون وقصب السكر.  بلغت صادرات مصر من الفراولة 52 مليون دولار.

ارتفع إنتاج الحبوب في الوطن العربي عام 2008 مقارنة بعام 2010 من 46719 طن إلى 54107 طن. أما على المستوى القُطري فقد حققت مصر إنتاجية عالية من القمح تعادل أكثر من ضعفي متوسط الإنتاجية على المستوى العربي، الأمر الذي انعكس إيجابيًا على الإنتاج المصري من القمح بحيث بلغ نحو ثلث الإنتاج العربي مع أن المساحة المحصولية للقمح في مصر لا تزيد على (12.4 %) من المساحة الكلية المزروعة بهذا المحصول على مستوى الوطن العربي.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر

الموسوعة الألمانية

 

 

العالم يدين

 ثقافة فوبيا الإسلام

 

ضرغام الدباغ

 

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة (15 / آذار ــ مارس / 2024) قرارا تاريخياً، بشجب والدعوة إلى ضد بث مشاعر العداء للإسلام تحت عناوين (الإسلام فوبيا)، بنتيجة تصويت أدناه تبنى أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة البالغ عددهم 193 عضوا بالإجماع قرارا اقترحته باكستان يجعل 15 مارس/آذار من كل عام يوما لمحاربة الإسلاموفوبيا.

115 دولة

36 دولة

سويسرا 40

إيطاليا 21

أندورا  01

 

اهمها

أوكرانيا 41

لاتفيا 22

الارجنتين 02

 

أفغانستان

بريطانيا 42

ليشتنشتاين 23

أرمينيا 03

 

انغولا

استراليا 43

ليتوانيا 24

النمسا 04

 

اسراثيل

مولدافيا 44

لكسمبورغ 25

بلجيكا 05

 

كينيا

 

مالطا 26

البرازيل 06

 

فنزويلا

 

موناكو 27

بلغاريا 07

 

زامبيا

 

مونتنغرو 28

كرواتيا 08

 

 

 

هولندة 29

قبرص 09

 

 

 

بارغواي 30

جيكيا 10

 

 

 

بولندة 31

دانمرك 11

 

 

 

برتغال 32

استونيا 12

 

 

 

كوريا جنوبية 33

فنلندة 13

 

 

 

رومانيا 34

فرنسا 14

 

 

 

سان مارينو 35

جورجيا 15

 

 

 

سلوفاكيا 36

ألمانيا 16

 

 

 

سلوفينيا 37

اليونان 17

 

 

 

ج السودان 37

هنغاريا 18

 

 

 

اسبانيا 38

الهند 19

 

 

 

السويد 39

ايرلندة 20

الدول الممتنعة                                                              الدول المتغيبة     الدول الموافقة

 

وبالطبع هذا القرار وسائر قرارات الأمم المتحدة خاضعة للمساومة، والضغوط بشتى أنواعها، السياسية والاقتصادية في مقدمتها. ويتضح هذا من خلال الأسماء باللون الأصفر، وهي تعني أن هذا الدول أمتنعت عن التصويت بنعم أولا، ومع ذلك طبيعة قائمة الأسماء  تدل على حقائق ، في مقدمتها أن التصويت أتخذ طابع السكوت أو عدم الوقوف بوجه الحملات التهويشية ضد الإسلام التي تشارك فيها بدرجة رئيسية الدول الغربية ومعسكرها. ولكن هناك أستثناءات، كوقوف النرويج ضد الإسلام فوبيا وما يتبعها من ترويج ثقافي.

ولكن من الملاحظ أن اليونان قبرص واسبانيا ومالطا، كانت لهم كدول أوربية مواقف مميزة، في الوقوف لجانب القضايا العربية، ولكنهما صوتتا لجانب الأتجاه الغربي.

وإذ يلاحظ أن التوجه أتخذ أتجاها مسيحياً في الغالب، شذت عنه الهند، ويمكن فهم ذلك بسهولة، فالهند تخلت عن الشعارات الديمقراطية منذ أن أستلم السلطة حزب جاناتا الهندوسي اليمني وتنتهج سياسة طائفية علنية. وأيضاً كوريا الجنوبية التي صوتت امتثالاً لتوجهها التحالفي مع الغرب وليس عن قناعة عميقة. ولكن اليابان اتخذت قرارها بشجب الإسلام فوبيا، ومثلها سنغافورة وفيثنام وكوريا الشمالية

البرازيل التي لم يكن هذا الموقف متوقعاً منها مثير للغرابة، فللبرازيل علاقات وطيدة بالاقطار العربية والإسلامية، وكذلك دولة جنوب السودان، اوهي الدولة الافريقية الوحيدة التي وقفت ضد

 القرار، ولم تهتم لعلاقاتها الطويلة مع العرب والمسلمين.

ولكن النرويج وروسيا، وصربيا وروسيا البيضاء وآيسلندا، أتخذوا مواقف لا علاقة لها بالتوجه الديني الأوربي. ونرجح أن دول أوربا الشرقية وخاصة : بلغاريا، رومانيا، هننغاريا أتخذت قرارها بعدم معارضة القرار ولا تأييده بناء على طلب  غربي.

دول القارة الأفريقية اتخذت معظمها مواقف إيجابية، ولم تساير الغرب، فلم يصوت بالامتناع سوى جنوب السودان، فأفريقيا رغم الجهود الغربية والصهيونية فيها، إلا أنها ما تزال مخلصة للعرب والمسلمين. فصوت العديد منها لصالح القرار بما في ذلك دول مهمة مثل كينيا وإثيوبيا، وجنوب أفريقيا، وبالطبع الدول الإسلامية، وهناك دول ليس للوجود الإسلامي تواجد كثيف فيها، ولكنها صوتت لصالح العلاقة التاريخية مع المسلمين، أولاً، ولكونهم يعانون من التميز العنصري ضد الأفارقة بصفة عامة.

والقارة الأمريكية الجنوبية، التي تقع تقليدياً تحت النفوذ الأمريكي، صوت بعضها لصالح القرار ومنها بالطبع كوبا، وأورغواي، وبيرو، وتشيلي وكولومبيا، الاكوادور، وبوليفيا، وبنما، والمكسيك، ونيكاراغوا، وهندوراس، وغواتيمالا، كوستراريكا، السلفادور

والمدهش أن أستراليا ونيوزيلندة صوتت لصالح القرار، ضد الإسلام فوبيا.

إذن لا أحد يجروء على أن يطرح نفسه متطرف دينياً، ولكن بوضوح تام، أن الساكت، هو موافق ضمناً على إثارة التطرف والتعصب، رغم أنهم يزعمون بالحرية، وهذه نتيجة تبشر بالخير، أن ترفض شعوب العالم الثقافة الانعزالية والتحريضية، وأن التثقيف الغربي ضد الإسلام مرفوض، ولأنه غير منطقي لا يحضى بالاحترام

ويدعو النص غير الملزم إلى "تكثيف الجهود الدولية لتقوية الحوار العالمي بشأن تعزيز ثقافة التسامح والسلام على جميع المستويات، على أساس احترام حقوق الإنسان وتنوع الأديان والمعتقدات". كما يأسف القرار بشدة "لجميع أعمال العنف ضد الأشخاص على أساس دينهم أو معتقداتهم والأفعال الموجهة ضد أماكن عبادتهم، وكذلك جميع الاعتداءات على الأماكن والمواقع والمزارات الدينية وفي داخلها، والتي تشكل انتهاكا للقانون الدولي". ويدعو القرار "جميع الدول الأعضاء، والمؤسسات ذات الصلة في منظومة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الدينية، إلى تنظيم ودعم مختلف الأحداث البارزة التي تهدف إلى زيادة الوعي بشكل فعال على جميع المستويات في مكافحة الإسلاموفوبيا".

 

و"الإسلاموفوبيا" (Islamophobia) مفهوم يعني حرفيا الخوف الجماعي المرضي من الإسلام والمسلمين، إلا أنه في الواقع نوع من العنصرية قوامه جملة من الأفعال والمشاعر والأفكار النمطية المسبقة المعادية للإسلام والمسلمين. ويُرجع مؤرخوا الحقبة الاستعمارية أول استعمال لمفهوم "الإسلاموفوبيا" -الذي يعني "رُهاب الإسلام" أو الخوف المرضي من الإسلام- إلى بدايات القرن الـ20.

 

ترحيب بالقرار

من جانبه، رحب رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتخصيص منتصف مارس/آذار ليكون اليوم الدولي لمكافحة الإسلاموفوبيا. القرار، الذي تم تبنيه من قبل الهيئة العالمية المكونة من 193 عضوا ورعاية مشتركة من 55 دولة معظمها بلاد مسلمة، يؤكد على الحق في حرية الدين والمعتقد ويشير إلى قرار عام 1981 الذي دعا إلى "القضاء على جميع أشكال التعصب ومن التمييز على أساس الدين أو المعتقد". وتم تقديم القرار من قبل باكستان نيابة عن "منظمة التعاون الإسلامي" (OIC). ويصادف اليوم الذي اقتحم فيه مسلح مسجدين في كرايست تشيرتش بنيوزيلندا، مما أسفر عن مقتل 51 شخصا وإصابة 40 آخرين.

 

وفي تصريحه هنأ خان المسلمين في جميع أنحاء العالم وقال "سمع صوتنا ضد المد المتصاعد للإسلاموفوبيا ". وكتب خان "لقد أدركت الأمم المتحدة أخيرا اليوم التحدي الخطير الذي يواجه العالم، وهو الخوف من الإسلام، واحترام الرموز والممارسات الدينية، والحد من خطاب الكراهية المنهجي والتمييز ضد المسلمين.. التحدي التالي هو ضمان تنفيذ هذا القرار التاريخي".

 

ويعرب القرار عن قلقه العميق إزاء "الارتفاع العام في حالات التمييز والتعصب والعنف، بغض النظر عن الجهات الفاعلة، الموجهة ضد أتباع العديد من الأديان والمجتمعات الأخرى في أجزاء مختلفة من العالم، بما في ذلك الحالات التي تحركها الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية، وكره المسيحية والأحكام المسبقة ضد الأشخاص من ديانات أو معتقدات أخرى". وقال مبعوث باكستان لدى الأمم المتحدة منير أكرم الذي قدم القرار رسميًا اليوم الثلاثاء إن الإسلاموفوبيا أصبحت "حقيقة تنتشر في عدة أجزاء من العالم". وأضاف أكرم في الجمعية العامة "إن مثل هذه الأعمال من التمييز والعداء والعنف تجاه المسلمين -أفرادا ومجتمعات- تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الخاصة بهم، وتنتهك حريتهم في الدين والمعتقد.. إنه أمر مقلق بشكل خاص هذه الأيام، لأنه ظهر كشكل جديد من أشكال العنصرية يتسم برهاب الأجانب، والتنميط السلبي والقولبة النمطية للمسلمين".

 

هجوم نيوزيلندا

وفتح الهجوم -الذي جرى في كرايست تشيرتش النيوزيلندية في مارس/آذار 2019- ملف الإسلاموفوبيا في الغرب، خاصة بعد أن اتخذ طابعا تجاوز الكراهية لأفعال أكثر عنفا ومتجاوزة للحدود. وكان منفذ الهجوم برينتون تارانت قد عبّر عن اعتزازه برفاقه الذين قاموا بهجمات مماثلة في إيطاليا وكندا والنرويج والولايات المتحدة، ووجّه دعوة للمتطرفين اليمينيين على مستوى العالم للقيام بهجمات مماثلة في بلدان أخرى.

 

وشكلت قضايا التفوق العرقي للبيض والعداء للمسلمين والهجرة واللاجئين، أولوية الأجندة اليمينية المتطرفة، ويعد المسلمون هدفا رئيسيا للمجموعات التي أصبحت مع تحوّلها للعنف مصدر تهديد محلي وعالمي حتى في بلدان معروفة بمستويات عالية من الأمان والتنوع مثل نيوزيلندا. واكتسب هذا التيار زخما جديدا مع وصول اليمين السياسي للحكم في بلدان غربية أبرزها الولايات المتحدة، وتوقع بعض الباحثين أن يقل نشاط المجموعات اليمينية العنيفة بعد أن وصل شركاؤهم الأيديولوجيون بالفعل لسدة الحكم، لكن ما جرى كان العكس تماما إذ ترافق ذلك مع زيادة في النشاط اليميني العنيف.

 

وبستحق خطاب الأمين العام أنطونيو غوتيريش، التنويه بموضوعيتهولأهليته لهذا المنصب الأممي الرفيع. وكان الأمين العام وبعد أن أنهت الدول الأعضاء مداولاتها بشأن القرار، تحدث قائلا إن فعالية اليوم تسلط الضوء على الوباء الخبيث- وهو الإسلاموفوبيا- الذي يمثل إنكارا وجهلا كاملين للإسلام والمسلمين ومساهماتهم التي لا يمكن إنكارها.

وأضاف" في جميع أنحاء العالم، نرى موجة متصاعدة من الكراهية والتعصب ضد المسلمين . يمكن أن يأتي ذلك بأشكال عديدة. التمييز الهيكلي والنظامي. الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي ، سياسات الهجرة غير المتكافئة. المراقبة والتنميط غير المبرر. القيود المفروضة على الحصول على المواطنة والتعليم والتوظيف والعدالة".

ونبه الأمين العام إلى أن هذه العوائق المؤسسية وغيرها تنتهك التزامنا المشترك بحقوق الإنسان والكرامة. كما أنها "تديم حلقة مفرغة من الاستبعاد والفقر والحرمان يتردد صداها عبر الأجيال. وفي الوقت نفسه، ينشر الخطاب المثير للانقسام والتضليل الصور النمطية، ووصم المجتمعات المحلية، وخلق بيئة من سوء الفهم والشك". وأشار الأمين العام إلى أن كل هذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة في المضايقات وحتى العنف الصريح ضد المسلمين - وهو ما يتم الإبلاغ عن روايات متزايدة عنه من قبل مجموعات المجتمع المدني في بلدان حول العالم.

وقال إن البعض يستغل، "بشكل مخجل"، الكراهية ضد المسلمين والسياسات الإقصائية لتحقيق مكاسب سياسية. وأضاف: "يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها. ببساطة كل هذا هو كراهية". وأشار الأمين العام إلى أن "كراهية مجموعة ما تؤجج كراهية مجموعة أخرى. والكراهية تجعل الكراهية أمرا طبيعيا. وتدمر نسيج مجتمعاتنا. وتقوض المساواة والتفاهم واحترام حقوق الإنسان التي يعتمد عليها مستقبل وعالم مسالمان". وأكد الأمين العام أنه لا يمكننا أن نقف موقف المتفرج بينما تتفشى الكراهية والتعصب، مشيرا إلى أن فعالية اليوم تذكرنا بأنه تقع على عاتقنا جميعا مسؤولية مواجهة واستئصال آفة التعصب ضد المسلمين.

"المسلمون يمثلون التنوع الرائع للأسرة البشرية"

وقال الأمين العام إنه بالنسبة لحوالي ملياري مسلم في جميع أنحاء العالم، يعد الإسلام دعامة الإيمان والعبادة التي توحد الناس في كل ركن من أركان المعمورة. "وعلينا أن نتذكر أنه أيضا أحد ركائز تاريخنا المشترك". وسلط الأمين العام الضوء على المساهمات الكبيرة التي قدمها العلماء المسلمون في الثقافة والفلسفة والعلوم، مشيرا إلى أن المسلمين ينحدرون من جميع البلدان والثقافات ومناحي الحياة. "إنهم يمثلون التنوع الرائع للأسرة البشرية".

وبروح شهر رمضان، جدد الأمين العام الدعوة إلى إسكات البنادق في غزة والسودان. ودعا جميع القادة السياسيين والدينيين وقادة المجتمع إلى الانضمام إلى ندائه، مشيرا إلى أن وقت السلام قد حان.

"أسوأ مظهر لكراهية الإسلام"

خلال استعراضه مشروع قرار "تدابير مكافحة كراهية الإسلام"، في بداية الفعالية، قال السفير الباكستاني منير أكرم إن "أسوأ مظهر حاليا لكراهية الإسلام والعنصرية الحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. قتل أكثر من 30 ألف فلسطيني غالبيتهم من النساء والأطفال. وقد أدت الحالة نفسها إلى سلسلة من التدخلات الأجنبية في البلدان المسلمة".

 

وأكد على ضرورة اتخاذ إجراءات جريئة وحاسمة لمكافحة كراهية الإسلام. وقال إن هذا هو المقصد من تقديم مشروع القرار. وقبل التصويت على مشروع القرار الباكستاني، صوتت الجمعية على مشروعي تعديلين على القرار قدمهما ممثل بلجيكا نيابة عن الاتحاد الأوروبي. ولم يتم اعتماد التعديلين لعدم حصولهما على الأصوات الكافية.

وعارض السفير الباكستاني التعديل الأوروبي الذي يقترح تعيين جهة اتصال بدلا من مبعوث خاص للأمم المتحدة معني بمكافحة كراهية الإسلام، مشيرا إلى أن الغرض من طلب تعيين مبعوث خاص هو بدء إجراءات محددة لمكافحة كراهية الإسلام.

ووصف مشروع القرار الأصلي بأنه متوازن ويستحق أوسع دعم ممكن من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وحث كل الوفود "معتدلة التفكير" إلى التصويت لصالح مشروع القرار ورفض مشروعي التعديلين المقدمين من ممثل بلجيكا نيابة عن الاتحاد الأوروبي.

 ومضى قائلا: " يثق مقدمو القرار بأن في هذا اليوم الدولي ستتحد شعوب العالم لمكافحة كراهية الإسلام وغير ذلك من أيديولوجيات الكراهية والتفرقة. لنواجه من ينشر كراهية الإسلام في هذا اليوم تحديدا من خلال تحقيق توافق حول مشروع القرار هنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة".

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات  :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail:drdurgham@yahoo.de

 

الكليبتو قراطية

 

kleptocratcy

 

د. ضرغام الدباغ

 

 

النظام الكليبتوقراطي، هو النظام الذي يستولي عليه، أفراد، أو فئة فاسدة، حكومة، يستخدم قادتها الفاسدون السلطة السياسية وقدراتها، للاستيلاء على ثروة شعوبهم، عادةً عن طريق اختلاس أو سرقة الأموال الحكومية على حساب عموم السكان. واللفظة مركبة من مقطعين باللغة اليونانية؛ أولهما " كلبتو (Κlepo) بمعنى لص أو لصوص، وثانيهما  قراط (Crat) بمعنى حكم.  ومن المصطلح ومعانيه نتوصل أن هذه انظمة تواجدت عبر التاريخ في حياة شعوبها

   

 

 (لصورة  الغلاف: المجلس الفاسد، لوحة إليهو فيدر )

 

تتعدد التسميات التي لها دلالة على طبيعة أنظمة الحكم في العالم، كالأنظمة الديمقراطية أو الأوتوقراطية أو الثيوقراطية أو البيروقراطية أو الارستقراطية أوالتكنوقراطية أو الكليبتوقراطية، فما المقصود بمصطلح  الكليبتوقراطية ...؟

 وهذا النمط من الأنظمة الفاسدة / الكلبتوقراطية، ليس وليد اليوم، وإنما وجد دائما عبر التاريخ، لأن هناك من يسعى إلى الحكم، وقد يضع لمساعيه عناوين وشعارات سياسية، إنما يفعل ذلك من أجل الحصول على الثروة أو يحتاج إلى الثروة من أجل الوصول إلى السلطة. فالمال من أجل الوصول للسلطة، أو السلطة من أجل كسب المال، وغالباً ما يتم التنازل عن القيم الاخلاقية وحين تستحكم الشراهة للسلطة والثروة، نصبح محور فعالياتهم السياسية وهدفها، ويخططون من أجلها، فهؤلاء هم الكلبتوقراطية، الذين يسخرون من أجل مساعيهم فئات انتهازية تسعى للحصول على الفتات من المغانم، ويقمعون من يحاول التعرض لنفوذهم، مستخدمين أجهزة الدولة، ولذلك فليس مستغرباً أن يتحول الكليبتوقرطي إلى ديكتاتوي، متراجعاً عن وعوده الانتخابية، متذرعاً بمبررات غير واقعية، سوف لن يصدقها الجمهور، فيلجأ الحاكم الكبتوقراطي لأجهزة الدولة القمعية، ويكتسب النظام الصفات الديكتاتورية .

 

والفساد الهيكلي (Corruption)، المتجذر في الدولة  (Strukturell)سيكون بديهياً من اللامح الأساسية للنظام الكليبتوقراطي،

 

والكلِيبتوقراطية مصطلح يرد تفسيره في معجم العلوم السياسية، بكونه " تعبيراً عن نظام حكم جوهره الفساد واللصوصية أو نهب الثروات العامة. وتقوم سلطة الفساد على وحدة مكينة بين السلطة السياسية وسلطة عصابات لصوصية تسطو على الثروة العامة بوسائل عديدة يتم شرعنتها، بآليات عمل حكومية رسمية عبر برامج مشروعات وهمية وأشكال من التَسَتُّر من قبيل إحالة ما يُفتضح من أمور للجان تحقيقية تنهض بمهمة تمييع القضايا وسط تراكمها وكثرتها وضخامة ما فيها وفوضى ما ينثر حوله ".

تعرف الموسوعات الكلبتوقراطية  بأنه نظام حكم يشيع الفساد في أوصاله، بسبب هزال الحكم، ومسخر للأغراض الفردية، ومخالفة القوانيين(وأحياناً حتى تلك الأنظمة والقوانيين التي شرعها بنفسه. فيوصف النظام (غير قابل للحكم / Government incapacitated ) ويحاول النظام الكليبتوقراطي، أن يضيف لنظامة الشرعية بشتى الوسائل، إلا أن وفي مرحلة متقدمة من الفساد لا يعود ذلك كافياً، وأستخدام العنف جاهز دائماً ضد الخصوم.

 

              

(صورة واضحة بليغة المعاني ...! " أذرع النظام أخطبوطية : الكرسي الرئاسي الأحمر يرمز للسلطة الاولى في الدولة، المصانع إلى جانب مهم من الاقتصاد، ، الزراعة والسلاح القوات المسلحة المستعدة للقمع، الطب والعلاج، الموانئ للتصدير، رمز العدالة بيد النظام، التلفاز رمز الإعلام تحت الهيمنة، الطاقة والماء الخدمات الأساسية تحت السيطرة. هذا هو النظام الكليبتوقراطي فعلاً وحقاً " )

 

 والنظام الكليبتوقراطي يفعل كل شيئ من أجل ضمان أستمراره على رأس السلطة،وما يمكنهم من التحكم في مصائر الناس،  " والآلية المعروفة هي إحداث التفرقة والصراعات الداخلية وفقا لمفهوم "فرّق تسد“، ولهذا يمكن الاستدلال على أنظمة الحكم اللصوصية من الواقع الذي أوجدته، فإن هي سعت لإحداث الصراعات الدامية ما بين أبناء المجتمع، فهذا يعني أنها تدعو لذلك لكي تحافظ على سرقاتها وتنميتها، وإن هي دعت إلى الوحدة الوطنية والتماسك الوطني فإنها ليست كذلك. وهذه آلية معمول بها منذ قرون،  حيث شرعها ميكافيلي باعتباره "السياسة فنّ تحقيق المكاسب الخاصة تحت ستار تحقيق المصلحة العامة والوصول للسلطة والمحافظة عليها مرتبط بكل مفاسد الأخلاق من كذب وغدر وتزوير وقسوة وإفساد".. (1)

 

وتصف مصادر حديثة نظام الكلبتوقراطية بأنه" نظام "الكليبتوقراطية" هو نظام السرقة القانونية والممنهجة للمال العام والثروة الوطنية، لأن هؤلاء "اللصوص القانونيين" إنما يقومون بسرقاتهم من خلال التفويض "الديمقراطي" الذي يحصلون عليه ". (2)

 

خلافاً لما قد يعتقده البعض، فإن النظام الكليبتوقراطي، ينتج بنفسه نظاما اجتماعياً حافل بالتناقضات، ويتجاهل بشدة التوازن الاجتماعي، فالكلبتوقراطية تنتج الفساد، وهذا منطقي جداً، ومن هذه الأنظمة المشوهة، يعول النظام الكلبتوقراطي على تمزق وتشتت الحركة السياسية والاجتماعية، وبالتالي فهو يخلق فئات طفيلية، التي لا أفق حضاري ولا سياسي له، فما يهمها هو جني المال فقط، وتهريبه خارج البلاد،

 ولا تختلف الأنظمة الكليبتوقراطية جوهرياً عن بعضها كثيراً، فقد يكون النظام الكلبتوقراطي هو ناجم عن وضع يتيح نشوء مثل هذا النظام، وقد تكون التأثيرات السياسية الدولية عاملاً مؤثراً لقيام أنظمة كهذه، وحين يشتد الاستقطاب الدولي بدرجة كبيرة، تعمد القوى العالمية التي لها مصلحة بوجود نظام يتمتع بالشراسة، يوظف قدرات البلاد لجانبه، ولا يكترث كثيراً لمصالحه الوطنية، ويلبي كافة الطلبات التي تجعل من الاستقلال السياسي أمراً شكلياً. فيما يحاول رأس النظام الكليبتوقراطي أن يسبغ الشرعية على وجوده المخالف للقانون بشتى التشريعات، ضامناً القوة التنفيذية والتشريعية إلى جانبه، وفق علاقات الفساد.

 

وبالطبع تختلف مصادر الثروة من بلد لآخر، من الموارد الطبيعية، إلى الزراعية، أو منتجات صناعية، ولا تستبعد تجارة المخدرات. ونقف على معطيات معروفة، تلعب فيها المخدرات دوراً في أصول الثراء الذي تتمتع به فئات الكلبتوكراتية، وومن المعروف أن تجارة المخدرات بأنواعها الفاخرة كانت تزرع في أفغانستان تحت سمع وبصر سلطات الاحتلال الأمريكية لأكثر من 20 عاماً، وكذلك هناك أنظمة كلبتوكراتية تصنع المخدرات وتروج مبيعاته بعصابات بإدارتها بطريقة شبه رسمية.

 

وطالما فعاليات كثيرة تقع في إطار لا قانوني ولا شرعي، فأن التهريب يقع على رأس قائمة الموارد في أنظمة الكلبتوكراتية، وتقوم أنظمة معروفة بقيادة عمليات تهريب المخدرات، والعملات والمعادن النفيسة كالذهب، والأحجار الكريمة. ويتخذ منها تجار الأسلحو مقراً لعملياتهم عبر العالم.

 

ويتردد بقوة أن دولاً تقوم بتزوير العملات، وعمليات تزوير بالغة الدقة، بأختصار  هذه الأنظمة تفعل كل ما بوسعها لزيادة مداخيلها، ويترافق معها تراجع الاستقلال الوطني، وتدخل القوى الخارجية، وتتساهل معها القوى العظمى، ولا تعتبر هذه الأنشطة مؤذية لها. وتحتفظ الذاكرة بأزمة دولة بنما، التي تعتمد على موارد القناة، وتهريب المخدرات، وحين غزت الولايات المتحدة هذه الدولة كانت تهدف أساساً وضعها تحت هيمنتها. وجرت حوادث مماثلة في العديد من دول أميركا اللاتينية / الجنوبية، وبعض الدول في جنوب شرق آسيا.

 

ومن نافلة الكلام، الحديث عن تنمية في البلدان التي تحكمها أنظمة كليبتوقراطية، وفي أفضل الحالات ليس أكثر من تطوير وتحسين عملية تصنيع المخدرات، وتفشي الدعارة، والفساد بأوسع أشكاله. ومثال ذلك أن يكون لرجال النظام الكلبتوقراطي، حياة ماجنة منحلة، وتزدهر صناعة المحضيات، والدعارة بحيث يصبح لبعض الشخصيات من الإناث والذكور من الفئات الطفيلية، مكانة أجتماعية مهمة، وملامح الثراء والبذخ، التي لا تفيد تطور الاقتصاد الوطني، بل بالعكس تلحق به أضراراً فادحة.     

 

ويلتف حول رجال النظام الكلبتوقراطي، حلقات من الأصناف الرديئة من البلاد، التي تفتقر إلى أي كفاءة ذات قيمة، والتي تجد في النظام الكلبتوقراطي فرصة ذهبية لكي تحرز تقدماً وتصيب الثراء، ونظراً لضعف أواصرهم الاجتماعية في البلاد، تجدهم يهربون أموالهم للخارج، ولا يستثمرونها في مشاريع اقتصادية، بل يضعونها في مصارف تدر عليهم فوائد ضئيلة، ومشتريات ومقتنيات قصور خيالية، وفي المجوهرات، والملذات.

 

وتتمثل خطورة نظام "الكليبتوقراطية" أنه أصبح نظاما عالميا يخترق حدود الأوطان والقارات، يضم رؤساء دول ورؤساء شركات ورجال أعمال يتشاركون في حماية سرقاتهم من خلال عمليات غسيل الأموال وتبييضها وتهريبها وتوفير الملاذات الآمنة لها. وقد سبق لصحيفة "واشنطن بوست" أن أشارت إلى أحد التقارير (1) الذي قدر حجم الثروة المسروقة في العالم في 2012 بنحو 32 تريليون دولار، ما دفعها إلى الحديث عن "عولمة الكليبتوقراطية.

   كما سبق لـ صحيفة الغارديان البريطانية أن كتبت "  إن ما نشهده اليوم في أمريكا هو قيام ""كلبتوقراطية على نطاق لم يسبق له مثيل في أمريكا.. فالرئيس الامريكي ترمب أعلن صراحة أنه يضع مصالحه المالية الخاصة في السياسة الوطنية"، لكنها عقبت على ذلك بالقول إن "الجمهور الأمريكي لن يبقى مكتوف الأيدي إلى أن يُحول ترمب أمريكا إلى جمهورية موز". وفي المقال نفسه دعا كاتبه القضاة إلى عدم إخلاء الميدان لأن ذلك سيكون مخيبا للآمال وسيسمح لفساد ترمب بأن يستشري ويمد عروقه إلى أعماق الدولة. ونقلت عن أحد القضاء قوله إن القمع مثل الليل لا يأتي في وقت واحد، وإنما يسبقه الشفق قبل أن يحل الظلام، والشفق علامة التغيير ووقته قبل أن يعم الظلام الداهم. ".(3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(الصورة : تتناهب ثروات البلاد، ومصادر الدخل فئات طفيلية تبدأ من القمة، وتنحدر إلى بدوائر إلى جماعات وخدم النظام الكلبتوقراطي، ولا تصل الطبقات الفقيرة سوى قطرات لا تسمن ولا تغني من جوع ).

 

ولتقريب الصورة أكثر، فإن نظام "الكليبتوقراطية" هو نظام السرقة القانونية والممنهجة للمال العام والثروة الوطنية، لأن هؤلاء "اللصوص القانونيين" إنما يقومون بسرقاتهم من خلال التفويض "الديمقراطي" الذي يحصلون عليه، وبواسطة "القوانين" التي يشرّعونها، والتي يمكن تلخيصها في قاعدة أساسية عندهم تقوم على "تأميم المخاطر وخصخصة الأرباح". (4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوامش

نورا عبجي: الاعداد العلمي، الانترنيت. ، نشر في 2018-0119

الموسوعة الألمانية / الانترنيت

الموسوعة الألمانية/ الانترنيت

الموسوعة الألمانية / الانترنيت

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail:drdurgham@yahoo.de

 

 

مذكرات الأستاذ

 صبحي عبد الحميد

 

ضرغام الدباغ

 

مرتان فقط التقيت فيهما هذا القائد الذي شغل مساحة غير بسيطة في تاريخ العراق السياسي الحديث، مرة في لقاء عرضي في القاهرة (مطلع السبعينات)، ومرة في بغداد بعد الاحتلال، ولم يكن لقاءنا سوى عرضياً، وإن كنا في خندق واحد، ولكن بالطبع لدي معلومات تفصيلية عن سيرته الذاتية والسياسية. ولم يتسنى لي للأسف قراءة مذكراته إلا قبل أيام، وتركت لدي انطباعات عميقة.

وأسم صبحي عبد الحميد ليس  شيئاً عابراً في تاريخ الحركة القومية في العراق. وسيرته الذاتية حافلة بمؤشرات تدل على ذلك، فهو ضابط لامع في سجله العسكري، متفوق في كافة مراحل دراساته، درس في الكلية العسكرية العراقية، وكذلك نال الماجستير في العلوم العسكرية في العراق، ألا أنه درس في كلية الأركان البريطانية (كامبرلي)، وهو وإن لم يشارك  فعلياً في حروب، إلا أنه عمل في مراكز مرموقة وحساسة، منها ضابط في الحرس الملكي، وفي شعبة الحركات العسكرية بوزارة الدفاع حتى درجة مدير حركات، وأستاذاً في كلية الأركان، ساهم فعليا في الحياة السياسية، وشغل منصب وزير الخارجية، ووزير الداخلية، وقاد تشكيلات سياسية / عسكرية ومدنية، وحاضراً في معظم الفقرات المهمة في تاريخ العراق السياسي (1958 ــ 1975).

وفي صفحات الكتاب نتعرف، على قلم مهذب، يحترم حتى من لا يتفق معهم بالرأي، ومع من يعارض، بل وناضل ضدهم، فهو يصف عبد الكريم قاسم بكلمات ودية كنت قد سمعت مثلها من المرحوم اللواء الركن إسماعيل العارف (الوزير والسفير) وأنقل ما كتبه الاستاذ صبحي عيد الحميد  نصاً عن مصرع الزعيم قاسم :

" وهكذا نفذ حكم الإعدام  بعبد الكريم قاسم ومن جاء معه. وبتنفيذ حكم الإعدام انتهى حكم فاسم الذي أستمر أربع سنوات وسبعة شهور، بسلبياتها وإيجابياتها، وانتهى عبد الكريم ذلك الشخص الذي كان قبل الثورة (14 / تموز)، وديعاً ، خلوقاً، شجاعاً، خجولاً، كريماً،  نظيفاً وأنقلب بعدها بفعل المنافقين والمهرجين، والانتهازيين، والشيوعيين، الذين أحاطوا به، إلى طاغية، يؤمن بالفردية وحب الذات، وتنكر لأهداف الثورة، ونكل  بأخوانه الثوار، ولكنه بقى حتى النهاية كريم النفس ونظيف اليد  ".

وهو وإن عمل بمعية الرئيس عبد السلام عارف (*)، في مراكز متقدمة في الدولة كوزير للخارجية والداخلية، إلا أنه يوجه الانتقادات لفترة حكمه، ويتهمه بالفردية. ونجد أحكاماً صائبة في وجهات نظره، عن المرحوم عبد الكريم قاسم، (عززتها قراءات أخرى عن سيرة الزعيم قاسم)  أجد في الإجمال أنه كان قومياً، لا يقل عن عبد السلام عارف، بل وربما أعمق في فكره القومي، فهو من كان داعماً رئيسياً للثورة الجزائرية، والقضية الفلسطينية،(تأسيس جيش التحرير الفلسطيني) ولكن قائدا ثورة تموز أختار كل معسكره بناء على مرتسمات، لها علاقة بالانفراد بمستقبل الحكم الذي هبط على كلاهما من غير استحقاق واقعي، واختارا، كل المعسكر الذي ينسجم وتطلعاته الشخصية وطموحاته.

 

كافة المؤشرات المادية والعقلية، تؤكد أن الزعيم قاسم، حين لاحظ أن الجانب الوطني/ القومي قد أحتضن عبد السلام عارف، وأن هذا المعسكر هو الجانب الأقوى داخلياً وعربياً، الأمر الذي دفع به دفعاً إلى الطرف الآخر، وهو العسكري المحترف لا يعرف مسالك السياسة وأبعادها، إلى الطرف الآخر المتمثل بالضباط الوطنيين، اليساريين، والحزب الشيوعي العراقي، وكان الاستقطاب على هذا النحو بين قائدي الثورة يلحق الضرر الفادح بالحركة الوطنية العراقية، التي ساهمت بمواقفها هذه تحول النظام الذي أفرزته ثورة تموز / 1958 إلى نظام فردي ديكتاتوري، وبدلاً من أن تقود الاحزاب الوطنية والقومية التقدمية الوضع، بل سايروا رغبات العسكريين، حتى تحولوا بأنفسهم إلى أدوات استخدموها في صراعاتهم على الحكم،

الحكم العسكري الفردي هو ما جرى خلال حكم القائدين : عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف من تموز / 1958، إلى مصرع الرئيس عبد السلام عارف في  نيسان / 1966، في حين شهد عهد الرئيس عبد الرحمن عارف انفراجاً داخلياً سياسياً ووصول أول شخصية سياسية مدنية لرئاسة الوزراء(عبد الرحمن البزاز) بعد ثورة تموز / 1958. وبتقديرنا أن ثورة تموز / 1958، ما كان لها أن تحدث لولا دور العقيد الركن / المشير الركن عبد السلام عارف، ولولا دور العقيد / المهيب أحمد حسن البكر، هاتان الشخصيتان المحوريتان في تاريخ العراق المعاصر.

ويبدو لنا من خلال دراسة إجمالية للتاريخ السياسي العراقي منذ الاستقلال (1920) أن الحكومات المتعاقبة، كانت بالرغم من الصراعات السياسية، إلا أنها كانت حكومات وطنية، تهدف (كل حكومة بوسائلها الخاصة) إلى حماية الاستقلال وتعزيز سيادة الدولة العراقية، وحماية أمن البلاد الخارجي والداخلي، وتطوير الاقتصاد الوطني، ولكن هذه المسيرة انتهت (نيسان / 2003 ) حين وقع العراق بيد محتلين، أمعنوا في تخريبه تدميره في إطار استراتيجية تدمير الشرق الأوسط، خدمة لمصالحهم الاقتصادية والسياسية الاستعمارية، وجعله عاجزاً عن مواصلة الأهداف الوطنية.

ومن خلال قراءات معمقة لتاريخ العراق، ودور الحركات الوطنية والقومية والتقدمية، والقوات المسلحة الوطنية، في التطور السياسي العام، في المرحلة ما بعد 14 / تموز / 1958، وحتى نيسان / 2002 (44 عام)  كان العراق يحرز برغم العراقيل والصعوبات خلال (81 عام)، يحرز التقدم، بحسب الظروف السياسية المتاحة، وكانت القوى الخارجية لا تترك ثغرة إلا ووسعتها واستغلتها لتأخير وعرقلة نمو البلاد . واستخدمت كافة الوسائل ببراغماتية لا مجال فيها للأخلاق والتعامل النزيه. مع الأطراف العراقية كافة، وأبرز دليل مدهش هو ما ذكره الأستاذ صبحي عبد الحميد، من استعداد الولايات المتحدة للعودة (1964) بتزويد العراق بالأسلحة والأعتدة لمواجهة التمردات الداخلية، ولكنها عادت وقطعتها بعد أن دفع العراق أثمانها، لأسباب سياسية، حين رفض العراق أن تكون المساعدات مدخلاً للهيمنة على المقدرات الوطنية.

مذكرات الأستاذ صبحي عبد الحميد، مهمة، بقراءتها، تضاف مرتسمات جديدة للوعي السياسي العراقي، تستفيد منها الأجيال الشابة في العراق، من أجل تكوين صورة واضحة المعالم لطبيعة التحولات وأبعادها.

القائد صبحي عبد الحميد  (1924/ 2010)..... عاش حياة حافلة، كان خلالها الضابط الكفوء المخلص، وعلى أستعد للتضحية، وسياسياً / دبلوماسياً، ناضجاً خدم الدبلوماسية العراقية، وإداريا كوزير للداخلية، ووقف إلى جانب القيادات السياسية يقدم النصح، والمساعدة. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) هامش

ــــ عن سيرة الرئيس عبد السلام عارف في حياته الخاصة، كما وردت في الموسوعة الألمانية

" حصل المشير الركن عبد السلام محمد عارف على شهادة الماجستير في العلوم العسكرية. كان يهوى التصوير الفوتوغرافي والزراعة المنزلية «أثناء الإقامة الجبرية» ورحلات الصيد والطيران، على الرغم من أن صنفه سلاح المشاة، إلا أنه لم تتح له فرصة قيادة طائرة وحده الا مع طيار. كان يعكف على قراءة الكتب التاريخية والفلسفية والعسكرية والسياسية إضافةً إلى الكتب الدينية والروايات العربية وكان متابعاً جيداَ للأفلام العربية ويعشق المقام العراقي وناظم الغزالي الذي كان يرتبط به بعلاقات شخصية تعود إلى حرب فلسطين عام 1948 حيث زار الغزالي الجبهة للدعم المعنوي للجيوش العربية. وكذلك كان من المعجبين بمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، الذان انشدا «لثورات» العراق لاسيما أم كلثوم التي اهدته أنشودة «ثوار لاخر مدى» عام 1963 بعد حركة 8 فبراير/شباط، بعد أن انشدت «بغداد يا قلعة الأسود» بعد حركة 14 يوليو/تموز 1958، وكان من محبي الرياضة ومن مشجعي كرة القدم حيث أوعز بعد افتتاحه لاستاد ملعب الشعب الدولي لاستضافة وتنظيم البطولة الأولى لكأس العرب في بغداد عام 1966، كما كان معجباً خصوصًا باللاعبين قاسم زوية وهشام عطا عجاج ولديه مراسلات خاصة مع الملاكم محمد علي كلاي. كان يهوى جمع التحفيات والأسلحة الشخصية والمسابح الثمينة والسجاد. وبسبب دراسته في ألمانيا وسفراته الطويلة والمتكررة لعدد من العواصم الأوربية اتقن بطلاقة اللغة الألمانية وتكلم الإنجليزية. ألف عددا من الكراسات والمقالات المتخصصة المنشورة في المجلة العسكرية، أهمها كراسة التدريب العسكري «حرب الاغمار» والتي بقيت تدرس في الكلية العسكرية/الحربية العراقية إلى وقت قريب. حاز على عدد من الأوسمة والأنواط أثناء سيرته العسكرية لمشاركاته في حرب فلسطين عام 1948 وتفوقة في دوراته داخل وخارج العراق. متزوج وله خمسة أبناء. كان الرجل الثاني من القادة العرب بعد الرئيس جمال عبد الناصر. قال فيه أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل الأسبق «لا امن لإسرائيل بوجود حكام عرب مثل عبد الناصر وعارف "..

 

المراسلات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

drdurgham@yahoo.de

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

لخطوط الدفاعية

 

ضرغام الدباغ

 

في مطلع الثمانينات (بين 1983 ـ 1986) فكرت بأن أقوم بتأليف عمل عن الخطوط الدفاعية في العالم، واستعديت لذلك بتحضير المصادر، وأنا من عادتي قبل الشروع بأي أعمل، أعيش في أجواء الفكرة فترة غير قصيرة، أقرأ كثيراً وأتأمل، ثم أبدأ بتكوين أفكار خاصة أسجلها في قصاصات ورقية أضعها في محفظة أو ملف، وكل ذاك ولم نكن نعرف الكومبيوتر بعد، وكل شيئ بالورقة والقلم وتقليب صفحات الكتب، وكنا تعلما على يد أساتذتنا في ألمانيا أثناء الدراسة الجامعية، كيف نستخدم تقنيات الكتابة، وننظم المعلومات، ونرتب الأوراق (وكنا نستخدم نظام الكارتات) وأكتب خطة العمل، ثم أبدأ بالكتابة، وأنا أجري التصليحات كثيراً، وعند ورود معلوما جديدة، نحشرها (بلطف) بين سطور المتن المكتوب ... الكتابة عندي عملية خلق ... أستمتع بها غاية الأستمتاع.

 

 ومرة سألني أحدهم، وكنت موقوفاً، وكان محققاً :

ـ ألا تخاف عندما تكتب .. سألني المحقق

ــ  كلا على العكس ... يزول خوفي وقلقي تشاؤمي عندما أكتب .. هذه هي حقيقة مشاعري.

ــ ألا تفكر بالمتاعب التي تجنيها من كتابة مقالات سوداء كهذه ؟..(بين يديه كانت مقالة هو أعتبرها سوداء، وأحالني للمحكمة بموجبها وحكم علي بالسجن لمدة ثمان سنوات)

ــ لا أفكر بالنشر حالاً .. ثم أني قلت أني أشعر بالراحة، والاتحاد مع نفسي ..

ــ ما هذا الجديد ...  الأتحاد مع النفس ... !

هكذا أعمل وأكتب ... متحداً مع نفسي، محضراً للموضوع الذي أكتبه، وأحاول أن أعطيه قدره من الاستحقاق.

 

ومن جملة ما سألني هذا المحقق النابغة .. لماذا تكتب عن خطوط الدفاع ..؟ وهو لا يدرك أن جذر كل فكرة وعلم هو في الفلسفة، ولذلك في ألمانيا وأعتقد في أوربا،عندما يمنحون الدكتوراه في الطب، تكتب على شهادته دكتوراه في " فلسفة الطب ". فشهادة الدكتوراه في أي علم إنما هي شهادة تجيز البحث. وهي بدايتك مع العلم وليس نهاية له كما يعتقد البعض، بنيل اللقب المصون. المهم أن تلك الوريقات التي كانت أصل العمل ضاعت كغيرها من الأشياء، وبعضها كان ثميناً يا للأسف.

 

وفي ألمانيا لاحقاً، طرح تعلم الكومبيوتر نفسه علي كخيار بشكل ملح، حاولت مقاومته، دفاعاً عن جهلي به، إلا أنني اضطررت إلى التراجع عندما أدركت بشكل قاطع وحاسم واقتنعت بمقولة " أنت أمي طالما لا تحسن أستخدام الكوميوتر " هكذا دون مواربة ودون مجاملة لنفسي، فشرعت بالتعلم وكنت قاسياً مع نفسي، وخلال ستة شهور كنت أحسن استخدام الكومبيوتر والدخول إلى الانترنيت. والكومبيوتر واستخداماته أمر لا يمكن القول أنك تتقنه حتى بعد مرور خمسة عشر عاماً ... ! فهو أمر تتواجه معه بشكل يومي والعلم يتجدد يومياً ..معرفتك للكومبيوتر، والمرور في دهاليز الانترنيت، وباتقانك التام للغة أجنبية عالمية، سيضع الكرة الأرضية ومجراتها، والعلم والمعرفة كالبرتقالة الصغيرة في جيبك.

وأذكر أني خلال دراستي الجامعية، كنت أكتب عن فقرة هامة في مشروعي تبحث في إحصاءات حديثة، وكنت أمتلك مكتبة خاصة محترمة (7000ــ 7500) كتاب، لم أجد فيها على ضالتي، ففتشت في المكتبات حتى أعييت،  وأخيراً وجدتها باللغة الألمانية في مكتبة مشهورة ببرلين(ادوارد آند كامبه). أما اليوم فهذه تعتبر نكتة، ليس في مجال البحوث والمقالات والكتب، بل والخرائط والصور، والموسيقى، والأفلام، وكل ما يمت إلى الثقافة بصلة أو قرابة ..  فالانترنيت يوفر لك أضعاف ما تحتاج حقاً وفي خلال ثوان وبكافة اللغات، فما أسعد طلاب وباحثي اليوم ..!

كنت قبل ايام أتصفح في الأنترنيت، وفي ظل هذه الذكريات والمعطيات، وجدت بحثاً عن الخط الدفاعي البلجيكي الشهير القلعة الحصينة، أيبين إيمايل (Eben Emael) فتجددت الذكريات، وقررت الشروع بإعادة العمل فيه، فلدي خزين كبير من المعلومات واتجاهات التفكير، وقد قرأت الكثير عنها، وشاهد الأفلام السينمائية، وأخرى وثائقية، وبخزين المعلومات، والاستنباطات، والاكتشافات، ومن تلك فقد كنت دوماً أعتقد أن العقائد العسكرية الألمانية تركز على الهجوم ... والهجوم فحسب، إلا أنني اكتشفت أن الألمان قد شيدوا ثلاث خطوط دفاعية شهيرة : جدار الألب، خط زيغفريد، جدار الأطلسي، ولكن هذا لا يعني أن الفكر العسكري الألماني يميل إلى الدفاع، بل تثبت الوقائع أن الجيش الألماني قد قاتل في شتى الظروف، وفي معظم، بل كل الدول الأوربية عدا : البرتغال، السويد، سويسرا، وبريطانيا وإن لم يعبروا إليها ولكنهم قاتلوها في أماكن عديدة في : بلجيكا، فرنسا، هولندة، ليبيا، مصر، تونس، ناهيك عن قصفهم للمدن البريطانية بالطيران وبالصواريخ (V1 – V2)، وكانت فاتحة استخدام الصواريخ في التاريخ العسكري العالمي، واستهدافهم للجيش البريطاني والبحرية البريطاني في أعالي البحار وحيثما تواجدت .

كما شاءت الظروف أيضاً أن تسنح لي زيارة إلى فنلندة، وهناك توسعت معلوماتي ومشاهداتي عن للخطوط الدفاعية، بمعاينة أجزاء من الخط الدفاعي الشهير (مانرهايم).

والفكرة تقود لأختها، ويتواصل البحث ويتشعب، والحقائق تهديك إلى حقائق جديدة، وأنت تقرأ وتقرأ وتقرأ ... ثم تحاول أن تدون ما اكتشفت وما استخلصت، وما توصلت من حقائق، فتجد نفسك في عوالم المعرفة والعلم والتعلم، والأروع إن حاولت أن تسجل ما توصلت إليه، وأن تدلو بدلوك في نهر، أو قل بحر المعرفة.

قرأت مرة في إحدى كتاب يعرف تفاصيل المقدمات السياسية التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية. والحكومة الفرنسية كانت ضعيفة (وضعيفة في البرلمان) وكان يرأسها السيد إدوارد ديلاديه وهو اشتراكي، وضعفها قاد إلى ترددها، وهذا التردد قابله موقف فيه شيئ من عدم الثبات والجرأة، وكان الوضع لدى الحكومة البريطانية مماثل تقريباً، وكان يرأسها السيد نيفيل تشمبرلين من حزب المحافظين. وحين خرق هتلر بشكل فاضح اتفاقية ميونيخ الرباعية ــ  1938 (ألمانيا / فرنسا / بريطانيا / إيطاليا) بغزوه لبولونيا، وبطريقة لا يمكن قبولها أو السكوت عنها، وحقيقة عرضت الأمن والسلم في أوربا لخطر جدي.

وهتلر كان يدرك أن القيادة الفرنسية والبريطانية ضعيفة، وراهن بشكل خاطئ وبالغ في مراهنته، أنهم سيرضخون كما رضخوا عند قيام الجيش الألماني باحتلال جيكوسلوفاكيا، ومن ثم ضمها لألمانيا، وقام البرلمان الفرنسي بأستجواب حاسم سيقرر دخول الحرب مع بريطانيا ألتزاماً لتعهداتهم حيال بولونيا، وكنت خلال قراءة هذه الأحداث الحاسمة أتصور نفسي في قلبها. رئيس البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) يوجه السؤال التاريخي لوزير الدفاع :

ــ هل تعتقد أن فرنسا في حالة خطر وينبغي أن تدافع عن نفسها.

ــ نعم أعتقد ذلك.

ــ هل تعتقد ذلك، أم أنك متأكد من ذلك.

ــ نعم أنا متأكد من ذلك.

ــ هل تعتقد من الصواب أن تعلن فرنسا الحرب على ألمانيا.

ــ تعم أعتقد ذلك بوصفي عضواً في الحكومة.

 

بأية مشاعر كان رئيس البرلمان يتحدث، وبأي شعور بالمسؤولية التاريخية كان وزير الدفاع يجيب. بنعم ... وهكذا ذهبت فرنسا إلى الحرب، بنصف تصميم، بقناعة مهزوزة، وكان سيناريو كهذا شبيه قد حدث في بريطانيا أيضاً، ولكن حين استبدلت حكومة الحمائم تشمبرلين، بحكومة صقور يرأسها ونستون تشرشل، تغير الموقف جذرياً، اتخذت قراراً حاسماً بخوض الحرب.

 وتشاء الأيام، أن تسنح لي زيارة تاريخية إلى معسكر اعتقال بوخنفالد (Buchenwald) وهو من معتقلات التصفية النازية الرهيبة. ورغم أني قد سبق لي مشاهدة الكثير من الأفلام الوثائقية عن هذا المعتقل وغيره، وقرأ الكتب، بل وسبق لي أن شاهدت معتقلاً بالقرب من برلين، أصغر من معتقل بوخنفالد يدعى سكسون هاوزن (Sachsenhausen)، إلا أن زيارة بوخنفالد عام 2015 أحدث تأثيراً بالغاً في نفسي، ومن بين ما شاهدته هناك، الزنزانة الأنفرادية الخاصة برئيس الوزراء الفرنسي إدوارد ديلاديه الذي فاوض هتلر في قضايا منح النفوذ لألمانيا في أوربا بشرط احترام أاستقلال وكيان بولونيا، وهو التعهد الذي لم يفي به هتلر كما عرضنا.

سأحاول جهدي في هذا العمل أن أمنحه بعض التميز عن ما سبقه من أعمال، وذلك برؤية عميقة إلى جوهر فكرة الدفاع، وموقف المدافع، وموقف المهاجم، وعلى المفكر في القضايا الاستراتيجية أن لا ينحاز بصفة مطلقة إلى الدفاع، فيترهل فكره وقدراته، كما أن يلجم جموحه للهجوم في كل الظروف والصفحات، فيتجنب طيشاً يختفي وراء الاندفاع. وليكن رائد وشعار القائد أو المخطط، في قاعات السياسة أو في ميادين الحروب، أن يفعل ويقدم على ما يفيد البلاد فقط، ويتجاهل نفسه سواء كانت ميالة إلى المجد، أو إلى حب الحياة، فحياة الأفراد ومصائرهم الشخصية لا تظهر في التقديرات حيال مصير الوطن ومصالحه العليا.

لاحظ هذا البيت الرائع للمتنبي الكبير "

وحب الجبان النفس أورده التقى    وحب الشجاع النفس أورده الحرب

للدفاع معطياته وظروفه السياسية والعسكرية، حينذاك عليه أن يوفر لموقفه فرص النجاح، فأستقبال الصدمة واستيعابها، والقدرة على تخفيف خسائرها، والمعرفة الدقيقة بتفاصيلها هي خير ما يعين المخططين على رسم سيناريوهات الموقف الحالي والمستقبلي.

 

كذلك للهجوم معطياته وظروفه السياسية والعسكرية، وعلى المدافع أن يدرك أن المدافع يتحصن خلف مواقع أختارها وبذل جهده في تحكيمها وتحصينها، فعليه أن يقدر أنه سيقدم خسائر في هجومه، ولا سيما إذا كانت المباغتة مفقودة، لذلك يضع المفكرون تفوقاً عددياً في العدد والعتاد قد يبلغ 1: 2 أو حتى 1 : 3 لصالح المهاجم، لأنه سيفقد نسبة معينة منها.

 

خط الدفاع إذا كان قد تقرر بقرار سياسي، فذلك يعني أن الهدف منه ليس تكتيكياُ (تعبوياً) بل استراتيجياً (سوقياً)، فخط ماجينو الفرنسي كان قد تقرر إنشاؤه بقرار سياسي / عسكري، وكان مقدراً له أن يحول دون نجاح أي خطط ألمانية، أو إفشالها بعد خسائر عالية، ولكن عباقرة العسكرية الألمانية، أاستطاعت تجاوزه على نحو سنذكره في الصفحات اللاحقة.

هذا العمل وأي عمل آخر نهدف منه إلى تعزيز الثقافة والمعرفة

 

                                                                      المؤلف

 

                                                           برلين 19 / أيار / 2017

 

 

 

ماذا يدور في البيت الشيعي

 

د. ضرغام الدباغ

 

من المعلوم أن للكلاب حاسة شامة خارقة، وفي نقاط الحدود الأوربية، المطارات، وحين يشير الكلب البوليسي المدرب على المخدرات إلى حقيبة أو رزمة، فأنها سوف تفتش حتماً، وتشخيص الكلب لا يخيب مطلقاً، فيعثر على المخدرات مهما برع المهربون بأخفاءها.

أريد القول ابتداء، أن الصحفي الأوربي يتلقى تعليماً وتدريباً ممتازاً، لذلك فهو بارع في استخدامه لقدراته، وفي دقة ملامسته، وله رادارات ممتازة تلتقط الخبر وما وراءه, وتؤهله للغوص بثقل في عمق الحدث، لا يطوف بخفة على سطحه، الصحفي الألماني مراسل قناة جنوب غرب ألمانيا (SWR) في العاصمة طهران، التقط انطباعاً لا يبدو ظاهراً للعيان(الأنباء متناقلة لدى الصحفيين الغربيين)، ولكنه واضح لمن يتفحص  ما وراء الخبر، فكتب في : 11 / شباط / 2024،  حين التقطت مداركه قبل عينيه أن الوضع الإيراني ليس بخير، وهو يرى تراجعاً في أداء نظام الملالي، فكتب مقالاً بعنوان " بعد 45 عاماً للثورة، ملالي طهران يواجهون أياماً صعبة "، وبطريقة الصحفيين الألمان، كتب في السطر والنصف الأول خلاصة الخبر " ظاهرياً، طهران قوية، وتبدي استعدادها للقتال، ولكن بإلقاء لمحة إلى داخل الجمهورية الإسلامية يبدو لنا بوضوح، أن الخصوم الأشد للنظام، هم الشعب الإيراني نفسه ".

 

نقاط الضعف والقوة في إيران معروفة ، يعرفها كل من له خبرة في الشؤون الإيرانية، فهناك غياب شديد للوحدة الوطنية وعناصرها الاساسية، ومفردات التقسيم جاهزة على الطاولة، فإيران كيان سياسي ملفق، تلفيق فني مدروس، من تأليف وإخراج القوى الغربية الكبرى. تحرسه دولة مركزية بأجهزة أمنية عريقة، " الدولة الإيرانية " تتعامل مع أي تطلع للتحرر الوطني والقومي والاجتماعي، بأساليب بالغة الشدة والقسوة فهذه المبادئ في خروجها عن التقسيم الطائفي في خطوطه العامة وفي ثناياه، إضعاف لصلات الوحدة الشعبية، وفي ترويجها وتشجيعها، تقويض للوحدة الإيرانية، لذلك يحاول النظام تصدير أزمته إلى بلدان الجوار، في تحريض صريح وعلني للقضايا الطائفية، لأن أي بحث وطني قومي، ليبرالي / اجتماعي، يضع مستقبل ملالي إيران خارج إطار التفاهمات. وحيث لا يمكن لعاقل أن يعول على القوة لوحدها في الحفاظ على الأشياء الكبيرة الأساسية، فإن إيران ستواجه يوماً قدرها الذي لا بد منه، وكل الباحثين في الشؤون الإيرانية، يجدون أن هذا  يدور في أذهان القادة وأفراد الشعب على حد السواء،

 

ويمنح نظام الملالي نفسه مظاهر خداعة للقوة. لشعب صار القمع  الحكومي البوليسي منذ قرون من أولى مؤشرات البلاد، وحين عمل الغرب، والأمريكان بصفة خاصة، على الاتيان والترحيب بنظام الملالي لم يكن إلا باعتباره الوصفة السحرية، للحيلولة دون سقوط " الدولة الإيرانية ". على أساس أن التمذهب الطائفي يمثل الخيط الأحمر الي يلملم الحبات المتناثرة هنا وهناك ويصيغ منها نظام دولة، بالغ الخميني بتطرفه فأسس نظام الجمهورية (بالتفاهم مع قوى الغرب)على الأساس الطائفي البحت.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية أو بعضها أجنحتها غير سعيدة بوجود الملالي على سدة الحكم، ولكن هذا هو الخيار هو أفضل من سقوط إيران وتشظيها كدولة، وقيام حزمة من الاحتمالات احلالها مر كالعلقم. ولذلك تحديداً قال الرئيس أوباما بصريح العبارة " لن أسمح بسقوط النظام الإيراني ". وهذا القرار ليس من أجل النظام الإيراني، بل من أجل استمرار لوجود الدولة الإيرانية برمتها، والتداعيات اللاحقة المقلقة للإدارة الأمريكية وللغرب عموماً. هو ما حدث وما قد يحدث في شمال وجنوب ووسط إيران، وفي سقوط دولة إيران (تأسست عام 1935) وكنتائج، ستنهض عدة كيانات (آذربة، عربية، كردية، تركمانية، بلوشية) وعلى الأرجح كيان لأقلية اللور. ويتغير نفوذ وحجم تركيا وأذربيجان، وباكستان، وأفغانستان، وتركمانستان،  وتضعف أرمينيا، وسيتغير الموقف في كتلة أواسط آسيا، وفي الخليج العربي، ومعطيات اقتصاد الطاقة. وربما عناوين أخرى ...!

يقول الصحفي الألماني مختتماً مقالته :

" ومن المفارقات الطريفة أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يستعيد بها النظام المواطنين إلى جانبه ستكون إذا تعرضت إيران لهجوم خارجي. عندها من المرجح أن تتحد البلاد بأكملها ضد عدو خارجي مشترك - كما حدث في الحرب ضد العراق من عام 1980 إلى عام 1988. لكن من غير المرجح أن تقدم الولايات المتحدة ولا إسرائيل تقديم هذه الخدمة" للملالي"

يمثل تقرير الصحفي الألماني، إشارة تحذير مهمة، ولكن بعدها بأيام، نقل الانترنيت شريطاً وثائقياً بالغ الأهمية والخطورة، ومن المدهش أن لا يتصدى كتاب وباحثون مختصون  لهذا الأمر، ومن المؤسف أن يفوتنا حفظ هذا الشريط الذي كان يبحث في موضوعة مهمة، إذ يرصد ويؤشر على نحو دقيق، إلى محاولات التطوير، التغير، الجادة والمهمة داخل المؤسسة الدينية، فلدى الجميع معرفة بأجواء التغيير والتطوير، سواء في المركز الديني التقليدي (حوزة النجف) أو في المركز القيادي السياسي / الديني الجديد (حوزة قم). فطوال عقود كانت المدرسة الدينية الشيعية  في النجف أو فروعها، تبتعد بقدر كاف عن الشأن السياسي الدقيق، ولكن تغير هذا الأمر بعد الثورة الخمينية، وطرح مبدأ الولي الفقيه، وهذا يستحيل أن يكون بعيداً عن التوجهات الغربية (البريطانية والأمريكية خاصة) لأنه يتفق تمام الاتفاق مع ارائهم ورؤيتهم وخططهم للمنطقة. ولكن من المرجح أن الخميني أرادها أن تكون لعبة خمينية صرف، ولعب خارج الخطة ...!

إذن رسمياً وفعلياً، وعلى صعيد إضعاف المدرسة النجفية، الذي مارسته طهران بعد الثورة الخمينية عام 1979، ببطء وتؤدة، ولكن دون توقف، لصالح مدرسة قم، ولصالح إحلال نظام " ولاية الفقيه "،، رغم أن حكومات طهران تاريخياً تحرص على وضع مدرسة النجف هي بذاتها تحت الهيمنة الإيرانية/ الفارسية والتأثير عليها، ويقاومون بثبات أي تقدم للعنصر العربي في المراكز المهمة الفكرية والسياسية،  وهذه سياسة مارستها حكومات فارس وإيران على مر عهود، ونجم عن هذا الصراع العلني / الخفي، مؤشرات مهمة، أبرزها: 

المدرسة الخالصية التي أسسها مهدي الخالصي عام 1911في (الكاظمية / بغداد)، وقاومتها طهران حتى في عهد الشاه،  وتواصلت في عهد ولده محمد الشيخ محمد الخالصي، حتى الوقت الراهن بإدارة الشيخ جواد الخالصي،

المدرسة الصدرية التي تأسست في النجف، بشعارات وطروحات قوية، فأغتيل الأمام محمد صادق الصدر(1995)، وهو كان يتوقع اغتياله، وعبر عنه ذلك للمقربين منه، وتمثل اليوم تياراً عقائدياً سياسياً مهماً في العراق.

وبعد الحرب واحتلال العراق، طرأ تغير جديد على الموقف، وذلك باشتداد ضغوط نظام طهران وتوجهات مدرسة قم، وتراجع واضح لمكانة مدرسة النجف. والملاحظ، هو تعاون سلطات الاحتلال الامريكي لمساندة تيار مدرسة قم (الولي الفقيه) وتحويل الولاء المذهبي للولي الفقيه وكيل الإمام الحجة (المهدي المنتظر). وهذه سياسة غربية : بريطانية أمريكية ثابتة منذ عقود.

ولكن لم تكن حركة اهتزاز قوية تهز أركان المؤسسة الدينية الشيعية بدرجة ليست بسيطة، لتمر دون ارتدادات وتداعيات، ولا تزال هناك المدرستان المشار إليهما : الخالصية والصدرية ماكثتان الأولى في الكاظمية، والثانية في النجف، تناوران، وتحاوران، ولكن إلى جانب وجود شخصيات لها وزنها في الوسط الشيعي، نأت بنفسها عن الصدام الصامت والصاخب أحياناً، (عبر أساليب سلمية) الذي يدور في ساحات متعددة ليس في النجف وقم فحسب، بل وفي لبنان، وفي المهاجر ولاسيما في لندن وباريس. صدام أسفر حتى بلغ درجة الاغتيالات( على شريعتي/ لندن، وتوجهات أحمد الكاتب، الذي له توصلات مهمة حول قضايا محورية في المذهب الشيعي، ولاية الفقيه، والامام الحجة، وموضوعات جوهرية أخرى. والعاملين في هذا المجال يعلم أنه يعمل في قاعة زجاجية مزخرفة، يحاذر أن يصطدم بشيئ فتنهار أشياء أكبر ... فالانتظار والاحتكام للزمن سيد الاحكام  ...!

ونجد في أبرز الحركات والتيارات التي برزت في الساحة بعد الحرب والاحتلال الأمريكي للعراق، وناهض الاحتلال :

المرسة الخالصية : الشيخ جواد الخالصي، الذي مارس الجهاد ضد الاحتلال.

المدرسة الصدرية، : الشيخ السيد مقتدى الصدر.

وحركة مجاهدي خلق / مسعود رجوي 

مجموعة من مثقفي الشيعة الليبراليين الذين حلموا بتأسيس مدرسة شيعية ليبرالية آن لها أن ترتدي ثياب العصر وتتحدث بلغة مفهومة ومنطقية : ابو الحسن بني صدر، صادق قطب زادة، إبراهيم يزدي، كريم سنجابي، (إيران)

آية الله محمد كاظم شريعتمدري.         (إيران)

آية الله محمود طالقاني.                     (إيران)

رجال دين إيرانيون كثر آثروا الانزواء بصمت.

رجال دين مجتهدون، اعترضوا، وكانت لهم مواقف فكرية :

آية الله حسين المؤيد.        (العراق)

آية الله محمود الصرخي.     =

آية الله كمال الحيدري.         =

آية الله أحمد البغدادي.        =

وهناك دون ريب، علماء آخرون بدرجات متفاوتة، ولكن يجمع بين كل هذه الشخصيات الدينية / العلمية المرموقة، التي لمواقفها وأفكارها صدى يستحق الانتباه في الوسط الشيعي، 4 توجهات في غاية الأهمية، وهي جوهر الخلافات والصراعات الخفية والعلنية:

أولاً . رفض الانسياق في تيار طهران، المتحالف مع الولايات المتحدة (يجتهدون في طهران وأتباعها كثيرا في التمويه على هذه العلاقة).

ثانياً . رفض سياسة التصعيد والتحريض ضد البلاد العربية والإسلامية، وخوض الحروب العبثية معها، بل الدعوة إلى تقليص الفجوة بين الإسلام السني والشيعي.

ثالثاً. ملاحظات فكرية / فقهية

رابعاً. هناك إدراك عميق أن الشيعة بوضعهم الحالي، ولا سيما بعد الجمهورية الإسلامية 1979، إنما يجازفون بسلوكهم منهجاً طائفياً إعتدائياً، اعتماداً على دعم الغرب. ويصح فيهم مقولة الكاتب علي شريعتي : "  ليعلم تجار الدين هؤلاء، سيأتي يوم وتثور الناس عليهم  وأنا أخشى أن يذهب الدين ضحية لتلك الثورة  ".

خامساً. رغم كل ما بذلته طهران والاستخبارات البريطانية والأمريكية من تفجير العلاقات بين السنة والشيعة، إذا أن هذا التوجه رفض غريزياً وعقلانياً من أوسع الجماهير. فالأساس هو الجذر المشترك، تاريخيا وعقائدياً،  وهو يدعو للالتحام في البرامج المصيرية لا إلى الحروب.

ولكن شريعتي قتل غيلة، ولو كان يعيش هذه الأيام، لقال " رجال الدين في طهران حولوا الدين لمليشيات، وكانتونات طائفية، وبازارات ووسيلة لجني ثروات مسروقة . الشيعة يعيشون في هذا العصر ومعطياته، وفي الوطن والأمة المشتركة، وفي ظروف سياسية واجتماعية وثقافية، مع أبناء وطنهم وأمتهم، وفيهم المفكرون، والديمقراطيون، والليبراليون والقوميون، وتقدميون .... يستحيل أن تضعهم جميعهم في علبة معلبة، يقرأون كتبا راقية، ويشاهدون الأنترنيت، ويدرسون الرياضيات، ولكن عليهم الاسترشاد بخرافات، وهناك من يريد أن يعيدهم للعلبة المعلبة ...!  بطلقة كاتم صوت تستطيع اغتيال كاتب، ولكنك لا تستطيع أن تعتقل الضوء ولا بقنبلة ذرية ...!

 

ولا شك أن هذه المدارس والحركات والتيارات تعلن عن نفسها وتشكيلها  على أنها حركات وتيارات واسعة ، ثم بصور واضحة أنها  تيارات عقلانية عميقة في أوساط المجتمعات الشيعية، تناهض التيار الشيعي الحاكم في طهران (نظام ولاية الفقيه) التي تلتقي مع الاستراتيجية الأمريكية في الحرب السرية على الإسلام والعرب. وتستخدم الشيعة كأدوات ووسائل ووقود في هذه الحرب.

 

برلين

11 / آذار ــ مارس / 2024

 

 

كيف يفهم الأوربيون

(الغربيون) الهاجس الأمني ...!

د. ضرغام الدباغ

 

لنتوصل بادئ ذي بدء إلى تقارب في الرأي حول مفهوم " الأمن القومي " و مصطلح " الغرب " . هل مفهوم الغرب يعني كل الدول والكيانات التي تقع في الغرب، ثم إلى الغرب قياسا لمن ..؟ فأستراليا ونيوزيلندة مثلاً لا تقعان في الغرب، وإذا كانت أوربا مركز الغرب، فروسيا أقرب للغرب من الولايات المتحدة وكندا. إذن تحديد الغرب والدول الغربية لا يقوم على أساس جغرافي محض، بل سياسي، وإذا تساءلنا، لماذا والأمر كذلك لا يعتبر الغرب اليابان وكوريا الجنوبية ضمن البلدان الغربية، وهما من البلدان التي تتمتع الولايات المتحدة معهما بعلاقات عميقة ..!

إذن فحتى الأساس الاقتصادي / السياسي، لا يقع  في المرتبة الأولى ضمن (بلدان الغرب)، إذن فلنرجح العامل الديني، وهنا سنقع في تناقض، إذ هناك كثير من البلدان المسيحية لا تعتبر من بين بلدان الغرب، إذن لنعتبر ما يدور همساً، ان التجمع الغربي هو تكتل مسيحي، وإذا تقف روسيا وبلدان شرق اوربا المسيحية / الأرثودوكسية في الموقع الآخر للغرب (رغم أن عديد من بلدان شرق أوربا متحالفة مع الولايات الاوربية)، ولكنها شرقية المزاج والانتماء العميق. إذن دون مواربة وبوضوح فإن العالم الغربي يتشكل بهذه الأولويات وأن مصطلح الغرب يعني بالتتابع : العالم المسيحي / البروتستانتي ـ الكاثوليكي،  الرأسمالي، ومنذ نزاع بايدن/ ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بتنا نسمع تلميحاً أو تصريحاً، عن صراعات تدور لأول مرة ربما منذ نشوء الولايات المتحدة، بين الطوائف المسيحية في الولايات المتحدة، بين : البيوريتانية (Puritanism) والانجلوسكسون، والكاثوليك، والكلوكس كلان (Ku klux klan) (رغم أنها منظمة قديمة، ألا أنها كانت مهتمة بطرد العنصر الأفريقي من الحياة العامة  بالدرجة الأولى ) تقف اليوم في الصراعات السياسية الأمريكية إلى جانب اليمين التطرف الذي يمثله الأجنحة المكونة للحزب الجمهوري بأفق فاشي. فاشية معاصرة لا تشبه بالضرورة فاشية إيطاليا (قبل أكثر من 100 عام). بل أن  التشابه يكمن في الجذر الآيديولوجي والسياسي. 

كتب السياسي الأمريكي البارز روبرت مكنمارا (Rober McNamara) الذي عمل في مراحل مختلفة، مستشاراً للرئيس الأمريكي، ووزيراً للدفاع، ورئيساً للبنك الدولي كتاباً مهماً (بعنوان : أمن الغرب ) نشر في ألمانيا عام 1970بعنوان..،(Die Sicherheit des Westens) وقرأناه خلال دراستنا، في نهاية السبعينات، ومطلع الثمانينات، وفي هذا الكتاب حاول كاتبه أن يثبت أن هناك أخطار جسيمة تهدد العالم، مما يحتم على الغرب أن يتحد ولكي يقاوم هذه الأخطار ويلعب دور المنقذ للبشرية.

بالطبع الكتاب كان يحمل أنفاس ونكهة السبعينات حين كانت المعارك محتدمة في فيثنام، التي نجحت الولايات المتحدة في سحب بلدان عديدة من الناتو إلى حرب فيثنام،  تحت عنوان " الصراع بين الرأسمالية الديمقراطية، والاشتراكية التوتالية " ، ومكنمارا نفسه كان يمثل أشد عناصر في جناح الصقور المتشدد،   والذي كان يسعى جهده لتوسيع الحرب في فيثنام واستخدام الأسلحة الأشد تدميراً. مكنمارا كان يعتقد، وعبر عن آراؤه نلك بكتاباته، أو بسياسته العملية. أن أمن الولايات المتحدة يبدأ من وسط أوربا، ومن جنوب شرقي آسيا، من أجل إبقاء المحيطين : الأطلسي والباسفيكي، مجالاً حيوياً صالحاً للمصالح  الأمريكية. والسيطرة عليهما تضمن الهيمنة على ساحات وميادين أخرى.

تلك أراء كونها استراتيجي أمريكي معروف(هانسون بالدوين  /  Hanson Baldwin) في مؤلف مهم ( ستراتيجية للغد /   Strategy for Tomorrow )صدر عن جامعة جورج تاون / الولايات المتحدة الامريكية / 1970، يتحدث عن الأمن القومي الأمريكي  حتى الثمانينات، وفي ذلك العصر الأمريكي يكتب بصراحة " أن الأمن الثومي الأمريكي موجود في كافة بحار ومحيطات العالم، بل وحتى في الفضاء الخارجي ".

 يتميز الموقف السياسي الدولي اليوم، بمستجدات تستحق أن تسجل حقاً كمستجدات على مسرح السياسة الدولية. فقد نهضت أوررا من كبوة الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبكيانها السياسي الاتحاد الأوربي،  (رغم الإشكالات التي تعتريه) وبقدراتها الاقتصادية  وعملتها اليورو، باتت تمثل قطباً سياسياً لا يمكن تجاهله، وروسيا الاتحادية السياسية والاقتصادية والعسكرية التي أثبتت جدارتها، تمثل قطباً سياسياً مهماً، له وزنه، وكذلك الصين، والهند والبرازيل والمجموعة العربية وفي المقدمة مصر والسعودية والجزائر، ومجموعة دول الخليج، تجسد أخيراً في الإنجاز الذي تم تحقيقه  بتـأسيس مجموعة بريكس ( Brics ) ككيان سياسي اقتصادي واعد، هذه أحداث مهمة وليست عابرة، يضاف لذلك، الإخفاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبيرة للولايات المتحدة، وانحسار إشعاع العولمة، وانفضاض دول كثيرة عن تياره، ومجموع وإجمالي هذه الأحداث، تؤلف مظاهر جديدة على الساحة الدولية لا يمكن تجاهل قيمتها.

مثلت توجهات الولايات المتحدة صوب تشكيل معسكر جديد يضمها وبريطانيا، وكندا وأستراليا، ونيوزيلندة،، (AUUKUS) تنفيذاً واقعياً لسياستها "القيادة من الخلف " (Drivng from behind) التي رسمت خطوطها الأولى قبل أكثر من عقد من السنوات (2013)  هي إقرار أمريكي أن العواصف التي هبت وتهب، على مسرح السياسة الدولية، قد أحدثت تأثيرات وتغيرات لا يستهان بها،  وتحث  الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها الأوربيين أو غيرهم، بالاعتماد أكثر على أنفسهم، في الحفاظ على مصالحهم، وهذا يمثل إقراراً واضحاً :

لم الغرب لم يعد معسكراً موحداً.

أن المصالح الغربية لم تعد متحدة.

أن الأطراف الساعية لتكوين أقطاب عالمية ، لم تفشل في مساعيها ..!

الحرب الروسية ـــ الأوكرانية ونتائجها النهائية، سيكون لها تأثيرها الكبير على سياسة الأمن والسلام في أوربا أولاً، وعلى العالم تالياً، فالغرب المؤسس والمنتج للكيان الصهيوني يفكر أن إسرائيل لم تنجح  أن تكون كيانا مقبولاً قي ضل سيطرة وهيمنة  الغرب على العالم، فكيف إن فقدت السيطرة والهيمنة ..؟ وبتقديرنا أن حرب غزة هي أحدى التصديات المبكرة لهذه النتائج، أراد من خلالها الولايات المتحدة وأوربا وإسرائيل وضع مرتسمات جديدة للموقف السياسي وعلى الأرض. في صراع واسع النطاق، يشمل تغيرات عميقة، وبتقديرنا أن النتائج لم تبلغ أهدافها المخطط لها على الأرض كما هي على الخارطة. فالخطاب الأمريكي يناشد حلفاؤه ..." تدبروا أموركم ودافعوا عن مصالحكم، فاليوم الذي لن تستطيع الولايات المتحدة أن تهب لمساعدتكم ليس ببعيد ".

مفهوم الامن يفسر بحسب الحاجة :

نستحسن شحن من نريد للمحكمة الجنائية الدولية، ولكن جنودنا ورجال مخابراتنا لا يخضعون للمحاكمة. وترفض التوقيع على المحكمة الدولية.

تفسير عشوائي للإرهاب، بحيث لا يشمل جرائمهم.

 

بالمقابل من يقاوم حروبنا التوسعية فهو إرهابي.

الولايات المتحدة اضطرت أن تتراجع ولو قليلاً في حرب غزة، وأمام المحكمة الدولية،  فالمواجهة الشاملة للعالم بأسره، لم يعد ممكناً، ومن المرجح أن الأمريكان والغرب قد توصلوا لقناعة، أن عهد الاستعمار ولى دون رجعة، والامبريالية تعاني من صعوبات غير مألوفة لها، العولمة فشلت فشلاً ذريعاً، لأنها أسوء من الاستعمار والامبريالية، والولايات المتحدة تخوض ما يطلق عليه العسكريون " القتال التراجعي "، أي انسحاب منظم وتجنب الهزيمة المفجعة كما في فيثنام وأفغانستان. فأيام الاستيلاء على الثروات مجاناً ذهب بلا رجعة، وبقي الارث الاخلاقي الموجع ...

حاولنا على عجالة وبأختصار شرح مفهوم معقد تنتابه الكثير من الشكوك والتمويه ...!

 

 

الواقعية ...

سيدة المواقف

ضرغام الدباغ

 مع اعتبار أننا في مرحلة هدر للوقت والجهد، وأن النظام الحالي العراقي ليس بنظام ويصعب إطلاق وصف محدد عليه، هذا ما يجمع عليه الأغلبية الساحقة من العراقيين، بما ذلك فئات واسعة من الجماعات الحاكمة)كيانات سياسية وشخصيات(. ونسمع ونقرأ الكثير جداً من كافة الأطراف أقاويل شتى ، والقاسم المشترك الأعظم بين المتحدثين والكتاب والمعلقين هو ضياع تلمس الوجهة (Concepttion )أو البوصلة، وقد فات معظمهم حقيقة أن الموقف في العراق بل وفي عموم المنطقة، يمر بمرحلة كالمرجل في أقصى درجات احتمالة ... وأن الفدرالية والكونفيدرالية، والأقاليم، والتقسيم والتشظية والتمزق والتشرذم هي ليست ضرباً من ضروب توقعات متشائ مة، بل من الأمور المطروحة على بساط البحث والمداولات كأحتمالات ...! فيما يتحدث الجميع عن ديمقراطية هلامية خيالية لا محتوى لها ولا أبعاد، وكأنها خيار سهل ومفهوم مطروح في متناول اليد ينتظرك بباب البيت ..! لا أحد يريد أن يقتنع أنك تودع الديمقراطية وتستقبل الطغيان والتفرد وصولاً للديكتاتورية بأشكالها الناعمة والدموية، مباشرة بعد عبورك للبسفور ولمجرد أن تضع قدمك في القارة الآسيوية الخالدة ..! منذ 64 عاما وأنا أشتغل وأقرأ وأكتب وأعمل كسياسي وأدرس السياسة للطلاب، لم أشاهد ولم ألاحظ لليوم كياناً أو جهة تسعى للديمقراطية، وقد سررت حين قرأت في مؤلف استاذنا الكبير جورج سباين )تاريخ الفكر السياسي( قولاً " الديمقراطية الحقيقية لم تكن وسوف لن توجد أبداً "ولكن الناس يتراشقون بهذه الكلمة كنوع من المكائد والتعجيز في الناس، بالنسبة لي لا يهمني من يحكم العراق، يهمني جداً أن أعيش في مجتمع العدالة الاجتماعية هي الديمقراطية الحقيقة، نسيم من الديمقراطية )أقصد بالديمقراطية دولة القانون المستقرة( عشناه في العراق في العهد الملكي، دفعت العائلة المالكة ثمنه من دماءهم وحياتهم، وسحلناهم وعلقناهم عراة في الشوارع، بلا تحقيق ولا محاكمة، هذا ونحن أكثر من يتشدق بالدين وبالحلال والحرام ونتذرع بآل البيت. وأراهن أن ثلاثة أرباع من يتحدثون بالديمقراطية لا يعلمون ما هي الديمقراطية، معظمهم يعتقد واهماً أنها تبادل سلمي للسلطة فحسب، ومن الأوهام ما قتل ...! طيب ألم يصل موسوليني في إيطاليا للسلطة بالانتخابات )في العشرينات(، وكذلك هتلر في ألمانيا )في الثلاثينات(. ألم يصل شخص مثل ترامب للسلطة في أميركا بالانتخابات، وكاد أن ينالها مرة ثانية بالعنف )الديمقراطي(، لولا تدخل ديمقراطي من العسكر، وقبله أحمق سخيف شبه أمي يدعى جورج بوش الأبن، ألم يحكم بريطانيا العظمى )مهد الديمقراطية... ومهد الاستعمار ...!( شخص كذاب محتال أسمه بلير )كلاوجي(، يتضمحك بخفة يعترف بقيامه بجريمة لا داع لها، أدخل البلاد باعترافه في حرب لا داع لها ..! وفي سلة الدول الرأسمالية )الديمقراطية( 1287 تجربة نووية وهي المتسببة بتلوث العالم وانهيار النظام المناخي، إنهم لم يكتفوا بقتل البشر فيريدون تدمير العالم أيضا . الولايات المتحدة : أجرت 1032 تجربة بين عامي 1945 و .1992 المملكة المتحدة : أجرت 45 تجربة بين عامي 1952 و 1991 . فرنسا : أجرت 210 تجربة بين عامي 1960 و .1996 وفي سجل احتقار الديمقراطية هناك الكثير جداً من الأحداث، أحدثها هو التآمر ليل نهار على الرئيس التركي الفائز ديمقراطياً لأنه لا يوافق مصالحهم، وغير ه من الأنظمة التي فازت بالانتخابات، ولكنها عرضة لتآمرهم. إذا وافقتموني على هذه النظرية )وقد تحدثت عن وقائع مادية(، س تصبح معها الضمة والشدة في الخطاب، وأبوك لم يسلم على أبويا، وفلان كان يقود اللوري ودهس في طريقة )س + ص( وسائر الطروحات الشخصية وشبه الشخصية من هذا القبيل، س تصبح من نوافل الكلام وتوافه الأمور، وينبغي أن نضعها جانبا، رغم أن بعضها مؤلم، ولكننا حين نناقش قضية حياة أو موت إنسان على طاولة العمليات، والجميع يعلم أنه ليس بإنسان ... بل وطن . تصبح قضية ثانوية. الجميع يطرح الحل المثالي الأقصى، فيما يدور البحث الواقعي عن الممكن، وقبل أيام كان يحدثني صديق ويطرح الحلول الضخمة المثالية والحد الأقصى، وهو لا يملك بجيبه أكثر من قلامة الأظافر ... فليتفضل مشكورا من لديه حل أفضل يوفر كامل القوة والسطوة والبأس .. حل مضمون وليس مغامرات سندباد .... نحن نتذابح بوحشية تحسدنا عليها حتى الضواري، العراق يمضي بسرعة إلى التدمير والتلاشي، ونجد من يعترض على مفردات تافهة لا معنى لها سوى البحث عن ذرائع ... لكي أقول لا فحسب... وهل يدرك من يقول لا ماذا يكمن خلف هذه العبارة ... هل لديه حلول ذهبية لمريض يلفظ أنفاسه ..! نحن بحاجة حتى لعربة طنبر يسحبها حصان، وهناك من يشترط " لا ..ما أريد .. إلا بسيارة إسعاف مرسيدس موديل 2021 " . هذه مهزلة مثيرة للسخرية، والمؤلم فيها أنها واقعية. كنت أحادث صديق قد عاش كل حياته في ألمانيا منذ أن كان عمره 10 سنوات، وله ميل للشيوعيين، نتحدث عن دور غورباتشوف في تفكيك الاتحاد السوفيتي فاجئني بالقول " أي غير .. صدام حسين " ولما بهت وتصورت أني لم أسمع أو أنه يمزح، فقال " أي لو..ما صدام ما سقط الاتحاد السوفيتي ... !" .فدهشت أن أصابته العدو وهو على بعد 10 ألاف كيلومتر عن الوطن الحبيب ...! نعم هناك استعمار وإمبريالية وصهيونية وقوى معادية لنا .. ولكني أعتقد أن جوهر المشكلة الأساسية كامنة فينا نحن ...! الواقع الموضوعي صعب، ولكن نحن لا نتعامل مع الأحداث بمستوى الأحداث فاللعبة أكبر من اللاعبين... السلطة في بغداد تقبع في درجات منحطة للغاية، هم فعلاً حثالة المجتمع العراقي، طيب ولكن ماذا يمنع أن تتفاهم سائر قوى الشعب العراقي وفيها شخصيات سياسية وعلماء وسياسيين محترمين ... هذا سر من الأسرار، هل هو بسبب ارتفاع منسوب ودرجة الأنا عند الفرد العراقي .. نعم، هل أن الثقة اهتزت بين الناس .. نعم وهذه أيضا،ً هل بسبب تداخل واختلاط الرؤية، نعم ... ولكن السياسة هي فن الممكن، وليس فن الحديث وزخرف الكلام ...! أنت تريد خارطة الوطن كله، وأمامك سلطة مدعومة من المحتلين غير قادرين السيطرة على محافظة واحدة ..! لا أدري ماذا نحتاج بعد لنكون واقعيين ..! وأعيد هنا مثل ألماني كنت قد أورته قبل فترة .. " Ich habe viele Wünsche, aber leider nicht genug Geld .....! " لدي أمنيات كثيرة ... لكن للأسف ليس الكثير من المال ". كثيرون لد يهم أفكار رائعة مخلصة، ولكن العبرة تكمن في التطبيق، فلنتحدث رجاء عما هو ممكن، فمن الأفضل أن أشتري دراجة بخارية، أو حتى هوائية بقدراتي ، على امتطاء رولزرايز فخمة في الأحلام، الحديث في ا لخيال العلمي سهل، وللفرجة الآنية فقط، وفي بعض الأفلام يكتبون ملاحظة في بداية الفلم ونهايته، جملة موجهة للصبيان والفتيان، " رجاء لا تقم بهذه الحركات فهي مميتة ". وها نحن نشاهد فلما مرعبا،ً والعوض باهلل لحين نهاية الفلم ... وعسى أن نشاهد النهاية ..! العالم يتعامل مع الغرب على أنه في مرحلة احتضار، ولكن هذا المحتضر يمتلك أنياب نووية، وهو قاتل محترف، لن يضيره أن يقتل بضعة ملايين أخرى يضيفهم لقائمة ضحاياه ...! وفقط البلهاء من ي ستوعب المشهد بعقله، وكيف يفهم من يجهل أوليات قواعد الفهم ...! بعد هذا البؤس الذي نعيشه نحن لا نستطيع التفاهم على حتى المسلمات ... وعلى أبسط الأمور، لأن كل واحد منا يعتقد أنه زعيم وقائد، وعبقري ومفكر وفيلسوف ومؤرخ لا يشق له غبار، أنظر كم شخص عراقي لديه دكتوراه مزيفة ..؟ بالآلاف ..! أنظر كم شخص يطلق على نفسه : محلل سياسي، استراتيجي ، مفكر .. قائد ، أنظر كم حركة وحزب وميليشيا عندنا وفتش عن الفرق بينها، ستجد أنه ضمة وكسرة لا أكثر ..أليس هذا ضرب من الجنون المطلق ..! هناك عناصر وعوامل عديدة يمكن البناء عليها ولكن هناك عجز غير مفهوم ... لنكن واقعيين فليصعد البناء لحد الشبابيك والباقي يصير خير ... أحسن من النوم في العراء .... نحن الآن في العراء ... حالت نا ت شبه : قطعة الأرض موجودة، الطابوق والحديد والأ سمنت موجود، المهندس حاضر والعمال المهرة واقفين بالاصطفاف ... والمال موجود بوفرة ... ولما لا يصعد البناء ...؟ سؤال عويص .... لكن ه يستحق الإجابة وليس للترك ...! 20 / فبريوار ــ شباط / 2

تحرير :

 جيرنوت كرامبر  13.02.2024

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

 

هكذا أخرجت فتاة صغيرة 17 طائرة نازية من السماء

 

 

كان المدافعون عن ستالينغراد يشاهدون المعارك الجوية فوق سماء المدينة. فبالإضافة إلى القيمة العسكرية، كان لأنتصارات الزنبقة البيضاء  ليديا ليتفياك تأثير كبير على الروح المعنوية

 

تحرير : جيرنوت كرامبر  13.02.2024   

ترجمة : ضرغام الدباغ

 

لم تكن الفتاة الروسية ليديا ليتفياك قد تلقت تدريباً ممتازاً وبالتالي لم تكن بارعة في فنون الطيران القتالي، مثل الطيارين الألمان. لكنها كانت جريئة وسجلت 17 انتصارا جويا. فوق قوس كورسك، ثم فقدت حياتها وهي شابة كزهرة في مطلع حياتها، ولم يتم العثور على رفاتها حتى عام 1979.

 

في الفترة ما بين الحربين العالميتين، صعق تطور الطيران العالم وأثار دهشة الناس، منجزات الطيارين الذين كانوا يبدون ضروباً  مثيرة في العروض. ومثل الطيران الفقرة الأكثر إثارة في العصر الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، وشاركت النسوة في هذا الحماس وكانت الطيارة الأمريكية إميليا إيرهارت التي اختفت فوق المحيط الهادئ، دون أن تترك أثراً خلال محاولتها الطيران حول العالم، والطيارة الألمانية هانا ريتش التي اشتهرت كطيارة اختبارات.

 

أثار الطيارين الشجعان والماهرين الناس بأعمالهم، في تسجيل تاريخ جديد للطيران، وبعد التطورات التقنية الكبيرة على صناعة الطائرات. كما سيطر الحماس على النساء. كان أشهرهن في الغرب هي الأمريكية أميليا إيرهارت، والألمانية هانا ريتش، وأنظمت الطيارة الروسية  ليديا ليتفياك إلى هؤلاء الرواد كطيارة مقاتلة، ففي سن ال 15 قامت بأول رحلة بمفردها لها (ٍSolo)، وفي عام 1940 كانت قد أصبحت مدربة طيران. تمت ترقيتها بالرغم من والدها كان قد أعدم في عمليات التطهير الستالينية. ومع بداية الحرب العالمية الثانية، تطوع هؤلاء في خدمة بلدانهم ومن بينهم الفتاة ليتفياك  وكان الحلفاء الغربيون قد استخدموا النساء في القوات المسلحة وفي الأعمال الساندة، وفي الخدمات. كانت المهام القتالية من المحرمات. لم تكن رائدة الطيران السوفيتية مارينا راسكوفا راضية عن هذا. رغم أنها كانت قد سجلت العديد من الأرقام القياسية العالمية لمسافات طويلة في ثلاثينيات القرن العشرين. حيث تمكنت المرأة المعروفة من الحصول على الدعم لها. وفي وقت مبكر(8 أكتوبر 1941)  حيث أمر ستالين بتشكيل ثلاث وحدات نسائية.

 

أسرعت ليتفياك في التطوع على الفور. وكانت شابة متوهجة، وهذا ما يخالف تقاليد الجيش. كانت تتسلل سرا من المهجع للتحدث إلى الجنود الذكور. والذهاب للرقص مع الجنود الذكور. وأيدت نوع من المقاومة للتدريبات وأرادت الحفاظ على شعرها الطويل. عندما اضطرت الضفائر إلى السقوط ، قامت بتبييض شعرها وتصفيفه. وكانت تلفت نظر الرجال وقامت بتزيين الزي الرسمي بياقة من الفرو. مصنوعة من فراء أرنب من حذائها. لم تكن هذه مسألة معزولة، وكان من مؤشرات عصر ستالين التحرر. لهذا السبب تم تجنيد الفتيات للانضمام إلى نوادي الطيران. بالإضافة إلى ذلك  تسببت شهرة فتاة قناصة في الحرب، ليودميلا بافليشينكو، في تشجيع اندماج النساء في القتال.

 

في النهاية، كانت ليتفياك تقابل بالتساهل والمسامحة، على كل شيء، حتى أنها بالغت بشدة حين كتبت أوراق طلبها، لأنها كانت أفضل طيار في مجموعتها. وكانت مهامها الأولى في على جبهة السهوب، وكانت في البدء ما تزال تطير في وحدة نسائية بالكامل. ثم تم نقل أفضل ثلاث نساء إلى أفواج الرجال في الجبهة. وكان تنسيب  ليتفياك القتالي هو الدفاع عن ستالينغراد. ...!

 

وطارت ليتفياك على الطائرة المشهورة مع ياكوفليف ياك -1. وتعتبر طائرة الياك 1 أحد أفضل المقاتلات السوفييتة في السنوات الأولى من الحرب. وكانت طائرة  مسلحة جيدا وذات قدرة ممتازة جداً على المناورة. منذ البداية، تم تجهيزها بمدفع رشاش  عيار 20 ملم MG. في القتال، وكانت بمواصفاتها قادرة على المواجهة والتنافس مع المقاتلة الألمانية الشهيرة،  Messerschmitt 109  في القتال الجوي.

 

إطلاق النار مرتين فوق ستالينجراد كانت المهمة الأولى للشاب البالغ من العمر 20 عاما ضجة بالفعل. حين واجه سربها قاذفات ألمانية من طراز Ju-88 و Messerschmitts of Jagdgeschwader 53. وأظهرت ليتفياك جرأتها خلال القتال، وانقضت على القاذفات، الذين أسقطوا قنابلهم بشكل عشوائي للهروب من سماء المعركة. أسقطت ليتفياك قاذفة قنابل، وتموضعت في القتال خلف طائرة Me-109. وفي هذه العملية تمكنت من إسقاط الطائرة الألمانية وطيارها الشهير إروين ماير ولكنه نجا بالهبوط بالمظلة، وتم القبض عليه. أصيب ماير بصدمة عندما التقى بخصمه. لم يصدق أن فتاة أسقطته. وحين وصفت ليتفياك تفاصيل المعركة الجوية له سمح لنفسه بالاقتناع بما حدث. وعلى الرغم من نجاحات اخرى، لم تعامل بشكل جيد كامرأة في الفوج. إذ كان وجود النساء غير عادي. في الأسراب المقاتلة، ورفض الرجال الإقلاع في مهمات مشتركة مع امرأة وتذمروا عندما تم تعيين طيارة في مجموعتهم.  (كان السوفيت لديهم تشكيلات جوية / فوج، ولواء جوي)

 

ذاعت أخبار قال الطيارة الشابة ليفياك، الدعاية الستالينية. بمفردها ، حين واجهت ستة Messerschmitts وأطلقت النار على اثنين منهم. لمدة 15 دقيقة، كانت تناور وتقاتل مع الطائرات الألمانية حتى تمكنت منهم، ولكنها أصيبت، بإصابات خطيرة في هذه المعركة. ومع ذلك ، وحين أسقطت طائرتها قامت بخياطة الملابس من مظلات الطيارين الألمان الذين تم إسقاطهم (ست طائرات ألمانية) وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" ذلك النبأ..

 

لماذا سميت ليديا ليتفياك "زنبقة ستالينجراد الأبيض" غير واضح. ربما بسبب جمالها وشعرها المبيض. على أي حال، لم تكن طائرتها الياك( Jak ) شعارا مميزاً، كما كان معتادا للطيارين الألمان المشهورين. لكنها غدت مشهورة ببطولاتها، وأصبت تقابل بالاحترام والتقدير. ولكن بعد ذلك تلقي حبيبها مصرعه، أقسمت عند قبره على الثأر والانتقام، عند القبر، كما تذكرت ميكانيكيتها إينا باسبورتنيكوفا. "لم ترغب ليديا في البقاء على الأرض. كانت تريد أن تطير فقط، وتقاتل،  وتطير يائسة ". ليس غير نمطي في ذلك الوقت. تنتقم من قتلة زوجها. كتبت إلى أختها أنها غالبا ما كانت مليئة بالغضب لدرجة أنها بالكاد تستطيع التنفس.

           

أصبح أسلوب ليفياك أكثر جرأة، وأكثر عدوانية. أصيبت مرارا في المعارك الجوية، لم هزم سلاح الطيران الألماني ( Luftwaffe) بعد. قاتل الطيارون السوفييت بشجاعة اليأس ، وكانت الخسائر الفادحة هي أمراً يومياً . في 1 أغسطس، انقضت ليتفياك على مجموعة من القاذفات الألمانية وفوجئت بطائرات المسر شمت( Messerschmitts) ثم اختفت ليديا ليتفياك من السماء ومن العالم. لم يتمكن رفاقها من العثور على طائرتها المحطمة ، لذلك اعتبرت ليتفياك مفقودة. الجندية الميكانيكية إينا باسبورتنيكوفا لم تنسهم أبدا. كانت تعلم أن الشائعات الخبيثة بأن صديقتها قد غادرت لا يمكن أن تكون صحيحة. منعت هذه الشكوك ليتفياك من الحصول على أعلى لقب في الاتحاد السوفيتي. هذا الظلم لم يترك باسبورتنيكوفا في سلام، طوال حياتها كانت تبحث عن قائدها. اتبعت كل خيوط واكتشفت 90 موقعا غير معروف للتحطم، وبحثت عن عددا لا يحصى من الطيارين في هذه العملية. فقط من ليفياك لم يكن لها ن أي أثر. في عام 1979، استخرجت باسبورتنيكوفا أخيراً جثة - أخيرا طيارة، بعد 34 عاما من الحادث وجدت صديقتها. لكن الجيش الأحمر لم يكن في عجلة من أمره. لم يتم تغيير وضع ليتفياك في سجلات الجيش حتى عام 1988 من "مفقود" إلى "قتل في المعركة"

 

كيف ينبغي تقييم انتصارات ليتفياك ....؟

لم تسجل أي امرأة هذا القدر من الانتصارات الجوية، وربما سوف لن تفعل أي امرأة ذلك مرة أخرى. بالمقارنة مع أعداد ارسالا ساحقا ألمانيا ، يبدو أن 12 أو، وفقا لبيانات أخرى، 13 عملية قتل فردية بالإضافة إلى 4 عمليات قتل جماعية يمكن التحكم فيها. سجل إريك هارتمان 352. احتل طيار الحلفاء الشهير تشاك ييغر المركز 13. لكن كان على ليتفياك التنافس في ظل ظروف مختلفة تماما. طار ييغر على طائرة موستانج P-51 في أمريكا الشمالية (واحدة من أفضل الطائرات المقاتلة في الحرب)، إن لم تكن أفضلها. كان الطيارون الألمان أكثر خبرة، وكان عددهم دائما يفوق عددهم في هذه المرحلة من الحرب، وكانت أجهزتهم - Me Bf 109 G وأكثر من ذلك Focke Wulff 190 - متفوقة بالفعل على Yak-1. " لم تكن ليتفياك مقاتلة تكتيكية باردة، لكنها عوضت عن هذه العيوب بشجاعتها وغضبها ".

 

كانت مقاتلة بالولادة ، وتنطبق عليها جملة الجنرال الألماني للطيارين المقاتلين أدولف جالاند: " فقط الهجوم الذي يقوده قلب قتالي "

 

 

 

 

المراسلات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

drdurgham@yahoo.de

 

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

اللورد بايرون :

شاعر أم ثائر، أم بوهيمي لامنتمي

 

ضرغام الدباغ

 

صورة من رموز الحرية، صفحات كثيرة وشؤون وشجون في حياة شخص واحد، أثر في عصره وفي المراحل اللاحقة، واستطاع أن يكون رمزاً لجيل كامل، ذلكم هو اللورد بايرون.

سار في شوارع لندن موكب تشيع. جنازة، محمولة على عربة سوداء كبيرة تجرها خيول مغطاة بالمخمل أسود، وخلف عربة الجنازة، موكب مؤلف من ثلاث عربات تضم أصدقاء المتوفى ومن ضمنهم، أبن أخته. ثم هناك 47 عربة خالية كانت تقف في حافة المدينة، عاد هذا الرتل من العربات، فقط العربة التي كانت تحمل التابوت، واصلت سيرها حتى وصلت إلى منطقة هوكنارد، حيث وري جثمان المتوفي في مقبرة العائلة في كنيسة القرية. وبذلك أدى سبعة وأربعون من الأسر النبيلة التزامهم الاجتماعي، وذلك بإرسال عرباتهم ليشاركوا في الحزن، ولكنهم على الصعيد الشخصي لم يشاءوا أن يمنحوا المتوفى الشرف الأخير.

والرجل الذي نحن بصدده، والذي حمل نعشه إلى المقبرة في 12 / يوليو ـ تموز /1824، عن عمر 36 سنة، أعتبر في عهده أسطورة، وأثر في مخيلة الكثيرين في عصره بسبب من شخصيته الأخاذة، وأسلوب حياته الغير تقليدي، والقضايا الكثيرة التي أثارها، ومن خلال شعره الوجداني بصورة غير مسبوقة. لقد كان من يكن له الاحترام والود، أو من كان يحسده ويكرهه، سيان فهو لم يكن ليكترث بها كثيراً.الشاعر الرومانسي البريطاني : اللورد بايرون.

هروب جنية طيبة

جورج جوردن نوبل بايرون، وهذا هو اسمه الكامل، أبصر النور إلى العالم في 22 / كانون الثاني ـ يناير / 1788، في بيت بشارع هول في لندن، الذي كتب عنه لاحقاً " إن عدداً وفيراً من الجنيات الطيبات كانوا قد هبطوا فيه مدعوين: كافة العرابين وزعوا على الوليد عطاياهم وبإسراف، أحدهم منحه لقب نبيل، والآخر العبقرية والثالث الجمال. وجنية الخبث والدهاء التي لم تكن مدعوة، جاءت متأخرة، عجزت عن نقض ما فعلته شقيقاتها بمجيئهن مبكراً، ورغم ذلك، فإن لها في كل بركة لعنة.

كان الوليد ينحدر من أسرة نبيلة وقديمة، ويمتلك قدرة روحية عظيمة، ولكنه كان يعاني وجعاً مضنياً في روحه، نعم كان يمتلك رأسا، يتمنى النحاتون أن يتخذوا منه نموذجاً. ولكن أيضا قدماَ يحاكي أقدام الشحاذين في الشوارع. كان التشوه في قدمه، يمثل القلق الدائمي للشاب الجميل، وهو إذا كان قد أعتاد مشيته القلقة، ولكنه لم يستطع أن يخفي العيب الخلقي في جسده وأستمر يعاني منه طيلة حياته، وانعكس ذلك في أفكاره لدرجة أنه تمنى لو يبتر هذا العضو في جسده. ولكن على الرغم من هذا العوق، كان الشاب بايرون سباحاً ممتازاً، وفارساً وملاكماً، ثم أنه استطاع لاحقاً أن يقطع مضيق الدردنيل سباحة، وكان إنجازا يمكن للمرء في حينه أن يفخر به.

هذا الشاب ذو الوجه الذي يترك بمشيته العرجاء انطباعات رائعة، كيف لنا أن نوثق هذه الشخصية المزدوجة التي تعاني من عذاب داخلي مضن، ممزق، ترى هل هذا الرجل هو غير اعتيادي حقاً ؟

كان هذا الشاب النبيل قد ابتدأ مبكراً بكتابة الشعر، وكان معاصروه يقعون بلا عناء تحت تأثير أبياته، وعندما ترك عام 1808 جامعة كمبرج، كان قد نشر ديوانه الأول" ساعات الهدوء ". بيد أن الشاعر الشاب كان قد منح نفسه للبحث عن المتع، ولم يجد واجباته حياتية، أو معنى للحياة، فكتب إلى أخته أوغستا " إنني فعلاً إنسان غير سعيد إذ إنني أعتقد، وذلك طبيعي، لا أمتلك قلباً سيئاً، ولكنه متوار، مقتلع وتدوسه الأقدام ! ".

 

النبيذ في جماجم الموتى

بعد بلوغه سن الرشد، أنسحب بايرون إلى مقر سكنى العائلة في نيوستيد آبي في نوتنك هامشير. وفي القصر المتداعي خلف أحلامه. وكان الأشخاص الوحيدين الذي يريدون رؤيته هم أصدقاؤه من أيام الدراسة في كمبرج، ومعهم أمضى أيامه في المبارزة والفروسية والتجديف والرماية بالمسدس. وبعد طعام الغداء تدور مشارب النبيذ في جماجم موتى التي يصنعها له الصائغ من الذهب، لقضاء سويعات أخرى من يومه، كما كان هناك سرب من الخادمات الجميلات، وكل ذلك أساء إلى سمعته في أرجاء المنطقة، وقد تمتع بايرون بهذه الحياة الداعرة لدرجة السأم الذي زحف إليه وبمشاعر جديدة.

في تموز 1809، قام بأول سفرة له إلى جنوب أوربا، المحطات الأولى كانت: البرتغال، أسبانيا، مالطا، اليونان، وألبانيا التي كانت بلداً غير معروف بصفة تامة للأوربيين. وكانت الإثارة الغريبة للبيئة الخارجية والأزياء الألبانية التي منها صاغ بايرون صوراً جميلة. وفي جانينا، العاصمة القديمة لألبانيا، ابتدأ بتدشين أبياتاً من الشعر " سفرة الحج لهارولد " وهو ضرب من مذكرات يومية شعرية عن رحلته التي اشتهر بها عالمياً.

تركي في كيس

في أثينا، أختلط ذات يوم بعدد غفير من البشر خلال نزهة على صهوة جواد، شاهد رجال يحملون كيساً، ويبدو أنه يضم شيء يتحرك ووقف بايرون مقابلهم وأدرك أن ما يحملونه في الكيس هو مخلوق بشري، ثم أدرك أنها فتاة تركية كانت قد أقامت صلة مع مسيحي، وبحسب التقاليد التركية، فإن هذه الفتاة يجب أن تغرق في البحر.

وعندما أمتنع القائمين بالعملية أخذ الفتاة إلى حاكم المدينة، سحب بايرون مسدسه وهدد بإطلاق النار، وكان يقدر بأنه سيتمكن من رشوة الحاكم وإنقاذ الفتاة وإطلاق سراحها، ولكن الشائعات التي طالت بايرون بعد ذلك لم تكف أبداً.

كانت اليونان تستهويه وتستولي على إعجابه منذ الطفولة وبذلك فقد آلمه كثيراً الاضطهاد الذي يعاني منه اليونانيون على أيدي محتليهم الأتراك. وأثينا كانت مجرد قرية، ومنها نهضت الباهرة أكروبوليس، التي لم يبقى منها شيء للأسف، إذ كانت مجرد أكوام من الخرائب. هكذا كتب خطاباته الملتهبة الأولى من أجل الانتفاضة ضد الأتراك، ولكنه لم يدرك أنه سيكون المناضل الأكثر شهرة من أجل حرية اليونان.

 

ثم أنه عاد إلى بريطانيا وأصدر عام 1812 يومياته " سفرة الحج " . وهارولد هو أرستقراطي تقليدي، بطل رومانسي، يحمل الآم العالم ومعاناته، وله اعتزاز أرستقراطي بنفسه، كان وحيداً، ولا نهاية لثرائه الروحي.

 

أسد صالونات لندن

" في صباح أحد الأيام، استيقظت ووجدت نفسي شهيراً " . نادراً ما أمتلك بايرون أصدقاء في السابق، لكنه الآن صار يرتاد كافة صالونات لندن الأرستقراطية المفتوحة له. كما كان يحضر الضيوف الأكثر أناقة إلى شقته، وإذا بالشاعر الوسيم المكتئب يصبح نجم المجتمع. يتطلع الرجال إليه بحسد، وتتقرب النسوة إليه بالحب. وباختصار كان اللورد بايرون يتمتع بحياة أنيقة وبالنساء على أكمل وجه.

وفي الأعوام التالية، التقى بعد غياب طويل أخته أوغستا، ابنة والده من زوجته الأولى، فأعتقد أنه وجد نفسه فيها، ولم تستطع أن تقاوم قدرته على الإغواء، وكانت تعيسة في زواجها. وفي هذه العلاقة التي استطاع بايرون أن يطورها على طراز جديد غير معتاد من الحساسية العميقة، ووصفها " الهدف الكبير " لحياته. وعندما قدمت له أوغستا خصلة من شعرها، كتب على تلك الورقة التي كانت تضم الخصلة: " إنه شعر من أحبها كثيرا ً" ولم يكن بايرون يرى في هذا الحب ندماً أو حرجاً، وقد أحبها وكأنها أمر مفروض من القدر.

ولم يكن ليستطيع أن يدع أن يشير المجتمع على هذه العلاقة، كما لم يكن ينقذ الأمر، إلا زواج عاجل، فقرر الاقتران مع آنابيلا ميليانك. ولكن هذه المرأة بجديتها وصرامة القواعد الأخلاقية التي تؤمن بها، لم تكن الزوجة المناسبة لزوج شاعر بالغ المعاناة يؤمن بالحرية في الحياة، وبالتالي فإن زواج كهذا لا بد أن يكون الإخفاق مصيره.

والانفصال غدا الحديث اليومي في صالونات لندن، وكانت الشائعات تدور عن علاقته بأخته أوغستا، وكذلك ميوله الجنسية المثلية المبكرة، جعلته حديث المجالس. وسرعان ما تناهت إلي أسماعه عبر القصص والتلميحات عن حياته. وعندما قامت سيدة جريئة في المجتمع اللندني بدعوة أوغستا وبايرون إلى حفلة راقصة، غادرت بقية السيدات القاعة بما يشبه الفرار، فيما أمتنع الرجال عن مد أياديهم لمصافحة بايرون. وقف بايرون وحيداً في الزاوية، وهكذا غدا رجل المجتمع الذي كان يحتفى به، محتقراً.

بذلك لم يعد أمامه سوى الهرب من إنكلترا. وفي الواقع لم يكن بايرون قد تعايش أو تلائم مع المجتمع اللندني بقواعده الأخلاقية الصارمة( في ذلك الوقت على الأقل..!.. المترجم)، أو لم يقبلها بجدية، لذلك لم يكن الوداع الذي حل في 23 / ابريل ـ نيسان / 1816 صعباً، وهو الذي كان يتطلع بفضول إلى تجارب يمكن أن تكون الجزء الآخر من حياة جديدة.

وبعد صيف أمضاه على ضفاف بحيرة جنيف، كانت فينيسيا المحطة التالية، واستقر في ساحة بلازا موكينكو المطلة على قناة غراندا، وسرعان ما صارت مغامرات بايرون مادة حديث فينسيا. ولكن بعد أن انتشى بالمغامرات، سرعان ما عاودته حالة الكآبة، إذ لم يكن بوسعه تجاوز محنته النفسية.

وهنا أخيراً التقى بسيدة، كون معها علاقة غرامية ذات معاناة عميقة، وشعور كان لسنوات طويلة بعيد عن شعوره به. " لا شيء يدعو للعجب، إني اشعر بالمسرة قبل أن أعاين المسرة العظيمة بنفسي، الأشياء البشرية يجب أن تكون مساوية لبعضها، ولا بد من احتقار أشياء كثيرة، كانت هذه أساس فلسفتي. وأني اعتقد أن أقع في الحب مرة أخرى، ولم آمل أن استقبل الحب، ولكني الآن قذفت بكافة قواعدي، لأعود بكليتي إليك، سأكون ما تشائين أن أكون، ولكن السلام لم يعد سلاماً أبداً بالنسبة لي " هكذا كتب إلى السيدة الجميلة المتزوجة، الدوقة تيراسا كويكلي.

 

ولكن حتى هذه العلاقة لم يكن لها أن تدوم، فابتدأت تفقد جذوتها شيئاً فشيئاً. كما كان العام 1822 قد أتى على ضربتين قاسيتين للقدر. فقد توفيت أبنته اليجرا (كانت ثمرة زواج غير شرعي مع سيدة تدعى كلايري كلايرمونت) أثر إصابتها بحمى مستنقعات، عن عمر خمسة سنوات، كما ورد في صيف نفس العام نبأ وفاة صديقه وزميل الشعر: بيرسي بايشة شيلر الذي توفي خلال رحلة بسفينة شراعية، وكان يبحر في خليج لاسبتيزا مجازفاً الإبحار في طقس سيئ على الرغم من أنه كان قد تلقى تحذيرات بعد القيام من الإبحار، لقدوم عاصفة هوجاء ولكنه لم يبالي بها. فأصر على الخروج لمواجهة قدره، فأبتلعه البحر، لكن الأمواج ما لبثت أن لفضت بجثته على ساحل فيريجيو، وكان مرافقاه قد لقي كلاهما حتفهما غرقاً. وعلى الفور توجه بايرون على موقع الحادث مع اثنان من معارفه حيث كانوا لتوهم يسحبون جثث الموتى من البحر. وبموافقة خاصة من السلطات، قاموا بدفن جثة برسي شيلي، فأعدوا له وداعاً دراماتيكياً: سحب من البخور الأبيض، وزيت ونبيذ ولهب وشعور بالإحباط والخزن يخيم على الجلسة.

حاول بايرون بعد وفاة صديقه، أن يغطيه بالمزيد من الإنتاج الأدبي، وأمنية كانت دائماً تعتمل في نفسه، بأن ينجز أعمال عظيمة، إذ أنجز بعض القصص. فقد تساءل مرة في شبابه:" من يكتب إذا كان بوسعه أن يفعل أشياء أفضل ! ".

 " من قلب متعب من الحياة الرتيبة التي أمضيتها خلال الأعوام الأخيرة في إيطاليا، متعب من المتع، ومن الكتابة، واشعر بالضرورة الحاسمة والفورية أن أمنح أفكاري سبيلاً واتجاها جديداً. وفعلاً كانت تحف به المخاطر ذات الطبيعة العسكرية وأحداث مجيدة ترح مخيلتي "، لقد حلت المناسبة فعلاُ.

وبفرح غامر، قذف بنفسه في المغامرة اليونانية، وتم شراء التجهيزات الطبية، وجرى استئجار سفينة بحمولتها وجرى شحن أسلحة وأعتده ومدفعين. وفي تموزـ بولية/ 1828، وما أن مضت السفينة هيركليس في البحر، حتى زالت كافة أعراض الكآبة من بايرون.

وفي 5 / كانون الثاني ـ يناير / 1824 وصلت على مسولونجي، التي تسمى الآن ميسولونجيون في خليج باتراس، أستقبلها أعداد غفيرة من الناس في أجواء احتفالية، وكان قد أختار منهم 600 جندي، ولكن هذا الفريق أعلن العصيان، وظلوا بانتظار وصول إمدادات أخرى من بريطانيا، فيما كانت الأوضاع في اليونان تمضي إلى المزيد من الاضطراب.

والانتظار بدون عمل مزقت أعصابه، ولكن في بداية شهر ابريل ـ نيسان، وردت أنباء طيبة من إنكلترا، إذ يتم جمع المال لحركة اليونان، وأراد بايرون تشكيل لواء مدفعية ومشاة مؤلفة من 2000 رجل.

وفي يوم من الأيام مضى بايرون على صهوة جواده في جو عاصف ممطر، وعاد وهو يشعر ببرد شديد، مبتلاً تماماً، أصيب من جرائها بالحمى، وربما بنوع خاص من ملاريا تركية لم يصح منها. وفي 19 / ابريل ـ نيسان، أجتمع أصدقاؤه حول سريره وهو يحتضر:" أتعتقدون إذن " قال بصوت منخفض لطبيبه:" إنني خائف على حياتي ؟ أنا أقول من قلبي، إنني أنتظر تلك الساعة بترحيب. ولماذا يتعين علي أن أشكو ؟  ألم اسع إليه بنفسي ؟ "

في تلك الليلة توفي... وحزنت عليه اليونان بأسرها !

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات

drdurgham@yahoo.de

 

دروس سياسية /استراتيجية في

الهجرة النبوية الشريفة

 

ضرغام الدباغ

 

* السيرة:

ولد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم الاثنين 12 ربيع الأول حوالي 571-570 في العام الذي أطلق عليه بعام الفيل. وللأمر هنا دلالته السياسية، ففي ذلك العام غزا أبرهام(أبرهة) الحاكم الإثيوبي لليمن، مكة عازماً على هدم الكعبة لأنها كانت تنافس من الناحية الدينية، النصرانية التي كان عليها حكام إثيوبيا. ولكن جوهر الأمر كان بهدف التوسع وإخضاع مناطق شاسعة من شبه الجزيرة العربية إلى حكمه، سيما وأن نوايا أبرهة الانفصالية عن الولاء لإثيوبيا بدأت تبرز. ولكن الحملة فشلت بسبب قسوة الظروف الطبيعية وعدم تعاون سكان المنطقة مع الغزاة، وإن لم يكن بحوزتهم ما يتصدون به لجيش الحملة سوى أن يهرع أبو طالب بن عبد المطلب(عم النبي وأحد أشراف قريش) إلى باب الكعبة ويناشد الرب أن يحمي كعبته، ففي مثل هذه الظروف العصيبة التي تدعو إلى اليأس، ولد الرسول (صلى الله عليه وسلم).

 

* ففي هذه السيرة الشخصية لمحمد(صلى الله عليه وسلم)، نقف على مفردات في حياته وهي على قدر من الأهمية. فوفاة والده وهو جنين، ثم وفاة والدته ثم عمه، أي المعيلين الرئيسيين له، جعلت منه رجلاً عصامياً، فهو وإن كان من قبيلة واسعة الثراء وقوية(قريش)، إلا أنه عمل على تنشئة نفسه بنفسه، وأعتمد على قواه في كسب عيشه، فعمل في التجارة وهو صغير، ثم عمل راعياً لأثرياء مكة، ثم في التجارة لصالح السيدة خديجة، وبزواجه منها تمكن من تأسيس أسرة محققاً الاكتفاء الذاتي في مورد معيشته. كما أن الرحلتان اللتان قام بهما إلى الشام ورحلاته على اليمن، ساهمت بتوسيع أفق ومدارك الشاب، كانت كل هذه الظروف والأحداث تعمل على صقل شخصيته وتضيف إلى تجاربه السياسية ما تؤهله لمهمات عظيمة سوف يضطلع بها.

 

* أحداث سياسية مهمة

ــ حرب الفجار: وقد شهدها الرسول(صلى الله عليه وسلم) وعمره عشرون عاماً(33 ق.م)، نشبت هذه الحرب بين قبيلتي كنانة وقيس بسبب حادثة، قتل فيها رجل من قبيلة كنانة رجلاً آخر من قبيلة قيس، ولما كانت كنانة أحد بطون قريش، فقد أسرعت هذه بكافة بطونها للقتال مع كنانة، في حين وقفت قبائل أخرى على جانب قيس أبرزها قبيلة ثقيف.

 

حلف المطيبين: وقد جرت أحداثه في أطار النزاع على زعامة مكة وسدانة الكعبة بما فيها من مزايا(الحجابة ـ اللواء ـ السقاية ـ الرفادة) بين ورثة عبد مناف بن قصي وورثة عبد الدار بن قص. وانقسمت بطون قريش بين المعسكرين واستعد كل طرف للقتال، وقد تجمع معسكر ورثة عبد مناف عند الكعبة وتعاهدوا وتحالفوا وأقسموا بغمس أيديهم في إناء فيه طيب، ومسحوا أيديهم بجدار الكعبة، في حين اقسم أطراف المعسكر الآخر بجوار الكعبة على الالتزام بعهدهم أيضاً.

 

 حلف الفضول: وكان السبب المباشر لعقد حلف الفضول، إن أحد تجار مكة الأثرياء والمتنفذين، أمتنع عن دفع مال يستحقه أحد المتاجرين الصغار، فمضى ذلك المتاجر إلى شرفاء مكة ووجهائها يشكو إليهم ظلم التاجر الثري، فهبوا لمساعدته بقيادة الزبير بن عبد المطلب(عم الرسول صلى الله عليه وسلم) واجتمعوا في دار أحدهم وتعاهدوا وتحالفوا على رد الحق إلى الرجل، وأي مظلوم غيره، إذ تداعت قريش للاجتماع في دار عبد الله جدعان لشرفه وكبر سنه فتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف"حلف الفضول" وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم)" لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب لي به جمر النعم، ولو دعي به في الإسلام لأجبت".

 

حادثة بناء الكعبة : حدثت عام 605 م على اثر هطول أمطار غزيرة، سيول كبيرة اقتحمت مكة من الأودية المحيطة بها، وتصدعت من جرائه جدران الكعبة. وأعادت قريش بناؤه، ولكنهم اختلفوا فيمن ينال شرف وضع الحجر السود في مكانه، فاختير الرسول(صلى الله عليه وسلم) لوضع الحجر الأسود في موضعه، وقد أختار حلاً دبلوماسياً وذلك بوضعه الحجر في رداء رفعه ممثلوا القبائل والبطون ووضعه بيده في مكانه النهائي، وقد حدثت تلك الحادثة وعمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) يناهز الخامسة والثلاثون.

 

وإذا شئنا أن نشخص أبرز الأحداث السياسية والفواصل التي مرت بها الدعوة، فقد مرت الدعوة والنضال الإسلامي بثلاث مراحل رئيسية:ـ

أولاً ـ مرحلة الدفاع: وتبدأ من مباشرة الدعوة عام 610 م إلى الهجرة ليثرب عام622.

ثانياً ـ مرحلة التوازن: وتبدأ من الوصول إلى يثرب عام622 م إلى فتح مكة عام630 م.

ثالثاً ـ مرحلة التفوق: وتبدأ من فتح مكة عام 630 م.

 

أولاً :  مرحلة الدفاع ابتدأت الدعوة إلى الدين الجديد

كانت زوجة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأبن عمها المسيحي ورقة بن نوفل، أول من آمن به، وكذلك صديقه أبو بكر الصديق، وربيبه زيد بن حارثه، وأبن عمه علي بن أبي طالب، وعدد قليل من المقربين إليه بما فيهم عدد من العبيد والأرقاء الذين مثل انتمائهم إلى الدين الجديد مسالة لها مغزاها الاجتماعي والسياسي العميق في مجتمع طبقي كمجتمع مكة " وما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي" 27 هود).

* وانتهت فترة العمل السري التي دامت ثلاث أو أربع سنين، لم يزد فيها عدد المسلمين عن الأربعين شخصاً،

* ولم يكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يبحث عن المال والزعامة الأرستقراطية، وكان قد قرر التخلي عن تلك الإطارات التي كانت بلا مضمون جوهري، فهو أساساً ينتمي إلى قبيلة قوية وأسرة نبيلة، ولكنه كان قد أكتشف مبكراً زيف تلك العلاقات وأنسلخ عنها.

* ومن دروس الدعوة أيضاً، أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) واجه معارضة قوية من أسرته وقبيلته أولاً

* وعندما أدرك الرسول(صلى الله عليه وسلم)، أن قيادة مكة الوثنية سوف لن تدعه يواصل بسلام بناء مشروعه السياسي، إذ كانت قيادة مكة الأرستقراطية ترى فيه خطراً يهدد مصالحها الاقتصادية وعلى اعتقادهم بتعدد القوى الغيبية Polytheism الذي كان يتيح لهم مواصلة استغلال عبادة ألآله لأغراضهم الاجتماعية والاقتصادية.

في هذه المرحلة التي ستقتصر فعالياتها على الدفاع السلبي مع أبداء المرونة في العمل، التقدم، ثم التراجع، وإزاء الاضطهاد المتصاعد من قيادة مكة الوثنية، أدرك الرسول (صلى الله عليه وسلم)أن الاضطهاد والملاحقة يقلصان فرص العمل والنشاط، إضافة إلى تأثير ذلك على معنويات المسلمين، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة وكانت أول هجرة للمسلمين وعددهم 83 رجلاً عدا النساء والأولاد.

 

* ولم يلحظوا في الإسلام وفي الرسول(صلى الله عليه وسلم)، سوى خطراً يخلخل قواعد وأسس مجتمعهم الذي ضمن لهم حتى ذلك الوقت مصالحهم الاجتماعية.

وبعد هجرة عدد من المسلمين إلى الحبشة، أدركت قيادة مكة، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقوم بمناورات تكتيكية، وليس في وارد خططه، التسليم للضغوط أو للأبتزازات، أو الخضوع للإرهاب والاضطهاد. ومع أن مناورة الرسول(صلى الله عليه وسلم) كانت تعني في ثناياها تجنب الاصطدام المباشر، فميزان القوى كان ما يزال دون شك، وبنسبة كبيرة يميل لصالح الأرستقراطية المكية، التي كانت قد شددت من عزمها على القضاء على تحركات الرسول(صلى الله عليه وسلم). وذلك بالتوجه إلى أهله وقبيلته بالتخلي عن حمايتهم له. فلما رفض عم الرسول(صلى الله عليه وسلم) أبو طالب التخلي عن أبن أخيه، وإزاء هذا الموقف وعندما شعرت القيادة الوثنية الأرستقراطية بأن أتباع الرسول(صلى الله عليه وسلم) قد هاجروا إلى الحبشة، وقد أمتنع الملك الحبشي من تسليمهم، وكان إسلام حمزة وعمر بن الخطاب قد ساعد على تعزيز مواقع الإسلام اجتماعياً إذ بدأ بالانتشار بين أفراد القبائل. آنذاك، اجتمعت قيادات قريش ومكة وقرروا تأسيس حلف يتعاهدون فيه على مقاطعة المسلمين تجارياً واجتماعياً، وسجلوا ذلك الحلف تحريرياً وعلقوه على جدار الكعبة وسمي بحلف (الصحيفة).(13)

 

* اتخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم)قراراً سياسياً في بالغ الأهمية، إذ توجه إلى الطائف بقصد أن ينال فيها الحماية، وليتخذ منها قاعدة لعمله ونضاله. بيد أن تلك المحاولة أخفقت، إذ كانت تأثيرات فئات مكة الوثنية، وضغوطها قد وصلت إلى الطائف، وتصدى له زعماء تلك البلدة وطاردوه إلى خارجها.

 

* ومع أن الآمال بدت ضعيفة في تلك المرحلة في إمكانية تجاوز طغيان أرستقراطية مكة وأثروتصميمها على تصفية الرسول (صلى الله عليه وسلم)والمسلمين. في تلك الظروف الصعبة، أتصل به عام620 م جماعة من أهل يثرب من قبائل الخزرج والنجار يبلغ عددهم 12 رجلاً، وكان ذلك في الواقع نتيجة جهد كان قد بذله الرسول (صلى الله عليه وسلم)في موسم الحج السابق عند حضورهم إلى مكة. فالتقى الرسول(صلى الله عليه وسلم) الوفد في مكان يقال له (العقبة) وفيها اعترفوا بنبوته وبالطاعة له ولزعامته، وتعهدوا بطاعة تعاليم الله. وقد أرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم)معهم إلى يثرب مندوباً عنه يعلمهم الدين ويقرأ لهم القرآن، وسميت تلك " بيعة العقبة الأولى ".

 

وفي السنة الثانية 621 كان مندوب الرسول (صلى الله عليه وسلم)قد نجح في مهمته ومساعيه بإقناع المزيد من أهالي يثرب بالانتماء إلى الإسلام، وكانت القبائل المقيمة في يثرب وأطرافها تعيش في جو من التنافس والمشاحنات التي تهدد بنشوب اقتتال دموي. وحضر المندوب إلى موسم الحج وقد أحضر معه عدداً كبيراً من أهالي البلدة، 73 رجلاً وامرأتين، قاموا بتأكيد ولائهم للرسول وللعقيدة الإسلامية، وعاهدوه على أن يصيبهم ما يصيبه، وتلك إشارة واضحة إلى إعلان الحماية، وقد سميت تلك "بيعة العقبة الثانية " وهي إشارة سياسية مهمة للغاية، إذ ستشكل المعبر إلى المرحلة الثانية.

 

وقبل أن نختتم مرحلة الدفاع المكية، لا بد لنا من مراجعة وتحليل هذه الفترة، فقد كان الإسلام قد بلغ من النضج العقائدي

 

أولاً: العامل الروحي واليقين الفكري والأيديولوجي والقناعة الذاتية.

ثانياً: مصلحة اجتماعية تكمن في الأهداف السياسية للإسلام تنطوي على المساواة والعدالة والفرص المتكافئة.

وبهذا المعنى أنظم وانتسب إلى الإسلام شبان من عائلات كبيرة ووجهاء تخلوا عن امتيازاتهم الاجتماعية.

وقد استخدم الرسول(صلى الله عليه وسلم) تاكتيكات صائبة، فعندما كان جسم الإسلام لما يزل فتياً غضاً، تجنب الاصطدام بالوحش الوثني الذي لم يكن يتوانى عن تسديد ضربات موجعة، وربما مميتة، بل اتبع أساليب المرونة، وربما التراجع خطوه (الهجرة نحو الحبشة)، لكن دون التخلي عن الهدف الرئيسي، متقدماً دون هوادة غير عابئ بما يحيط بشخصه من أخطار وتهديدات وإغراءات، وقد تجنب مقابلة الاضطهاد بالعنف(وهو ما يمنح المرحلة سمة الدفاع) تجنباً لتعريض المسلمين إلى مخاطر عمليات تصفية كاملة أو إبادة، وهو ما كان سيحقق لأرستقراطية مكة الوثنية هدفها. ولكن الإرهاب الوثني كان يشتد كلما فشلت أساليبهم في تصفية المسلمين وإيقافهم عند حدودهم، وتحويلها إلى مجرد حركة غاضبة متمردة سيتم تصفيتها طال الزمن أو قصر. وكانت شخصية الرسول(صلى الله عليه وسلم) دون ريب ذات ثقل مؤثر في عموم العملية السياسية في كافة أبعادها ومراحلها، وهو ما كان يمثل أهمية كبرى في تلك العصور.

 

كانت إذن العقبة الثانية 621 ذروة المرحلة الأولى ـ الدفاع ومن بعدها سيجري الإعداد للمرحلة الثانية ـ التوازن التي ضمن فيها الرسول(صلى الله عليه وسلم) أو كاد. وفي مثل تلك الظروف، أتخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم)قراره الاستراتيجي الكبير بالهجرة على يثرب. "والهجرة لم تكن في واقع الأمر هرباً أو هزيمة، بل كانت انفصالاً عن القبيلة وعن العائلة واستبدالاً لرابطة الدم برابطة العقيدة المشتركة" (16)

 

 

ثانياً : الهجرة إلى المدينة ـ مرحلة التوازن

 

قرار سياسي حاسم:

كنا قد توصلنا إلى هجرة الرسول(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين من مكة إلى يثرب لم تكن فراراً من جور وإرهاب وظلم، رغم أن ذلك كان حاصل فعلاً، فقد طرحت مغريات كثيرة على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، سواء ما يتصل منها بالزعامة والنفوذ، أو المال. ولكن الرسول(صلى الله عليه وسلم) أدرك بثاقب بصره الاستراتيجي، أن المطاولة مع ضغط المشركين وقيادة مكة الأرستقراطية سوف لن يؤدي إلى تطوير العمل والدعوة والاقتراب من الهدف، بل إلى الجمود. وأن تأسيس قاعدة أمينة لتكون مقراً ومنطلقاً للجماعة الإسلامية(وقد وفرت يثرب تلك المستلزمات.

تم تنفيذ هذا القرار السياسي الحاسم، في الهجرة من مكة إلى يثرب(وسوف نطلق عليها من اليوم المدينة)، بدقة وانضباط عال تحت تأثير اضطهاد قريش والمشركين وظروف ذاتية وموضوعية أخرى تمثلت بوفاة عمه أبو طالب(الذي كان يوفر له الدعم ضمن القبيلة)، ووفاة زوجه السيدة خديجة(المعين الاقتصادي والعائلي)، فإن العمل السياسي كاد أن يتوقف، فكان لا بد للرسول من قاعدة، قاعدة حصينة يتخلص فيها من الجمود، ومنها ينطلق لاسيما وأن هجرته إلى المدينة جاءت بعد محاولات فاشلة لإيجاد القاعدة والحماية له في الطائف، بتأثير ونفوذ قيادة مكة.(19)

 

فالهجرة إذن كانت قراراً عبقرياً وتوقيتاً سليماً في إطار عملية السجال الاستراتيجي بين الجماعة الإسلامية والمشركين، وتدشيناً للمرحلة الثانية من الصراع. فقد كانت المرحلة الأولى(الدفاع)، ضمنت الحركة من خلف خطوط دفاعية، مع القيام ببعض الفعاليات التي تدخل في إطار النضال السلبي، وتلك المرحلة استنفذت شروطها ولم تعد المراوحة في موقع الدفاع أمراً يقيد العمل السياسي، بل أن العمل السياسي بمفرده لم يعد كافياً، فلابد أن يرافقه تحرك محسوس أكثر فاعلية، تحرك يوازي النضج النظري، يعززه ويدعمه التحرك السياسي، ولا نقصد هنا سوى التحرك العسكري، وكان ذلك هو جوهر بيعة العقبة الثانية 621 التي سميت ببيعة الحرب، وعندما عاهد الرسول(صلى الله عليه وسلم) مندوبوا مدينة يثرب على الدفاع عنه وحمايته القتال معه وهذه تحدث للمرة الأولى خارج إطار التحالفات القبلية، وخارج الولاءات العائلية الأسرية، بل ولاء للعقيدة والجماعة الإسلامية.

 

الهجرة كانت صفحة مهمة من صفحات السجال الاستراتيجي، وبها أفتتح الرسول(صلى الله عليه وسلم) صفحة التوازن، وفي هذه الصفحة سوف يتبادل الهجمات مع قيادة مكة، ثم منتزعاً المبادرة منها.

وفي جرد وتحليل لمستودع القوى والفئات الاجتماعية والسياسية ومواقفها. ففي الأساس كان هناك أولئك الذين دعوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) واتصلوا به بمكة وهم أفراد من قبائل شتى، من الخزرج وأوس والنجار بصفة رئيسية، وفيهم الرجال والنساء، وفيهم قادة وزعماء في قبائلهم، وكانت مبايعة هؤلاء في العقبة الثانية 621، التي بايعوا الرسول(صلى الله عليه وسلم) كقائد وزعيم، على أن يصيبهم ما يصيبه، أي القتال معه وسميت ببيعة الحرب. وقد نزلت بعد العقبة الثانية الآية التي تأمر الرسول(صلى الله عليه وسلم) بالقتال، ولكن قبل ذلك يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى. وقد أطلق على هؤلاء الذين اسلموا وبايعوا الرسول(صلى الله عليه وسلم) ثم استقبلوه في المدينة بالأنصار، فيما سميّ المسلمون الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بالمهاجرين، وقد مثلت هاتان الفئتان، عماد قوى المعسكر الثوري(20)

كما كانت المدينة تضم ثلاث جماعات من اليهود وهم: بنو قينقاع وبنو النظير وكانوا حلفاء لقبيلة أوس، وسيشكل هؤلاء القوى الرئيسي لمعسكر الأعداء المحتملين. وبرز في المدينة تيار انتهازي ممن أطلق عليهم بالمنافقين (*)

 

الدولــة:

تلك هي الظروف من مخاطر الأمن الخارجي والداخلي، التي كان على الرسول(صلى الله عليه وسلم) مواجهتها، والشروع في نفس الوقت بتأسيس مقر للجماعة الإسلامية وقواها وأدواتها وأجهزتها،

وكان لابد من توفير كافة المستلزمات والشروط التي تكفل الوصول إلى هذا الهدف، فأول ما قام به الرسول(صلى الله عليه وسلم)، هو بناء المسجد الذي سيكون مقر الجماعة، ثم إصدار وثيقة التآخي بين المهاجرين والأنصار، وتأسيس الجيش الذي سيكون ذراع الدولة القوي. وكانت الإجراءات الثلاث تلك: الصحيفة(الدستور)، المسجد، الجيش،

 

* المسجد:

رمزاً للإسلام ومركزاً لأداء الشعائر وأيضاً.

ـ دائرة سياسية/عسكرية لتوجيه علاقات الدولة في الداخل والخارج.

ـ مدرسة علمية تشريعية يدور فيها التفسير والتشاور والاجتهاد.

ـ مؤسسة اجتماعية يتعلم فيها المسلمون النظام والمساواة.

ودون ريب فإن نقص الأموال والتجربة والخبرة كانت السبب في تحشد كل هذه المؤسسات في المسجد.(24)

 

* الصحيفة(الدستور):

هي الخطوة الثانية التي هدفت إلى تنظيم العلاقات الداخلية بين القوى وفئات المجتمع على اختلاف انتمائهم مع المسلمين أنفسهم ومع الفئات الأخرى لا سيما اليهود والنصارى وقد ضمت الاتجاهات الرئيسية التالية:

* الجيـش:

لم يسمح الرسول(صلى الله عليه وسلم) بالقتال قبل اكتمال النمو العقائدي والوصول إلى مرحلة النضج العقائدي الإيماني، فسوف يقاتل المسلمون أخوة لهم وأعمام وأبناء عمومة، وتلك مسألة ذات شأن خطير عند العرب. فقد قاتل المسلمون في بدر أخوة(قاتل الزبير أخاه العباس، وعلي بن أبي طالب أخاه عقيل) وقبل أن يصل عددهم إلى درجة تحول دون أبادتهم وتشتيتهم وقبل تأسيس الدولة، كما أن الاستخدام المبكر للسلاح كان سيزعزع من تكاتف القبائل من حوله، ثم نزلت أولى الآيات التي تدعو المسلمين إلى القتال في أواخر العهد المكي ومطلع العهد المدني ومنها:" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، ولو دفع الله بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها أسم الله كثيراً" 39 ـ سورة الحج

 

 

ثالثاً : فتح مكة ـ مرحلة التفوق

 

مثل فتح مكة إذن النهاية الحاسمة لمرحلة التوازن التي أزاحت من أمام الرسول(صلى الله عليه وسلم) والدولة الإسلامية أخطر الأعداء وأصعب العقبات المتمثلة بقيادة مكة الأرستقراطية الوثنية وثقلها السياسي والعسكري والديني والاقتصادي. وغدت مكة التي كانت مركزاً مهماً على هذه الأصعدة في قبضة المسلمين. ومع أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) لم يتخلى عن المدينة كعاصمة ومقر للدولة الإسلامية، إلا أن مكة لم تفقد أهميتها الدينية والتجارية.

 

وإذا كانت مرحلة التوازن قد أنقضت، فقد دخل الرسول(صلى الله عليه وسلم) والمسلمون مرحلة التفوق والمبادرة بالهجمات بكل جدارة واستحقاق، فإن أولى الأهداف السياسية /العسكرية المقبلة تمثلت بتصفية ما تبقى من جيوب الوثنية والأرستقراطية /البطريركية (Patriarchy) العربية في عموم منطقة وسط شبه الجزيرة العربية، وأحكام السيطرة عليها، ومن ثم على كامل منطقة وسط شبه الجزيرة. فالدولة الإسلامية ماضية لتحقيق سيادتها الخارجية وعلى نطاق متسع، وبذلك نستكمل فعلاً شروط الإدارة المركزية والدولة .

 

ـ تطور نظام الحكم والشريعة :

كان النظام السياسي والاجتماعي في مكة وسائر مناطق وسط شبه الجزيرة على النحو الذي ذكرناه في مطلع بحثنا، تحت هيمنة أرستقراطية مكة الوثنية الاقتصادية والثقافية، والسياسية وأيضاً، وقد تمكنت من تطوير النظام القبلي الجنتيلي(Gentile) البدوي إلى نظام أرستقراطي /ب طريركي (Patriarchy) مستقر في المدن والواحات الكبيرة، في حين استمرت النظم والقوانين القبلية العرفية سائدة كنظام قانوني.

 

ــ فالنظام الإسلامي في جوهره هو نظام لارأسمالي، لأن النظام الربوي(financial capitalism) هو جوهر النظام الرأسمالي المالي.

ــ إذن فالرؤية الاستراتيجية للرسول، قد أستقرات أهمية العلاقات الخارجية منذ مرحلة التوازن،

ــ مثلت تلك الخطابات والردود عليها أولى الاتصالات والعلاقات السياسية الخارجية للإسلام

 

ومرة أخرى تبرز موهبة الرسول(صلى الله عليه وسلم) في الاستقراء على الصعيد الاستراتيجي وإدراكه التام أن لتلك القوى العظمى الأجنبية الدخيلة من يحالفها ويعمل لصالحها من أبناء المنطقة، سواء من رضخ لقوتها أو سايرها عقائدياً فقد أجل الرسول(صلى الله عليه وسلم) الاصطدام بتلك القوى قبل أن يصفي صلاتها الداخلية، وأحكام سيطرة الدولة الإسلامية على الموقف الداخلي، وقد بدء هذا الهدف يتحقق عندما أنظمت القبائل النصرانية(على التخوم) إلى الإسلام وتصفية الزعامات الوثنية تصفية تامة بعد فتح مكة.

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Dr. Dergham Aldabak

drdurgham@yahoo.de

ؤر التوتر/ أجنة الحروب :

بلوشستان

 

ضرغام الدباغ

 

 

بلوشستان؛ هي موقع جغرافي تاريخي يقع جنوب وغرب آسيا ويشمل أجزاء من باكستان وإيران وأفغانستان، سكانه الأصليون من العرقية البلوشية ويتوزعون في الدول الثلاث. وتقع بلوشستان تحديدا، في أقصى الجنوب الشرقي للهضبة الإيرانية وتحدها الصفيحة الهندية وساحل بحر العرب. كما تضم مناطق من جنوب غرب باكستان فيما يعرف بإقليم بلوشستان الباكستاني، وعاصمته مدينة كويتا، وجنوب شرق إيران فيما يعرف بسيستان بلوشستان وعاصمته زاهدان، وأجزاء من جنوب أفغانستان بشكل رئيسي في مقاطعة نمروز وهلمند وقندهار.

الأهمية الجغرافية

وأصبحت المنطقة في العقود الماضية ذات أهمية جغرافية واستراتيجية كبيرة نظرا لربطها الدول الثلاث ولإطلالها على بحر العرب وخليج عُمان بوصفه إحدى الطرق التجارية المهمة في مشروع الممر الاقتصادي المشترك بين الصين وباكستان، والمشاريع التجارية الأخرى التي تستهدف المنطقة.

إلا أن توزع البلوش بين ثلاث دول(باكستان، إيران، افغانستان) والتميز الجغرافي وتضاريسها، دفع لظهور ما يعرف بـ "جيش تحرير بلوشستان" إلى جانب عدة حركات سياسية/ مسلحة، في مناطق تواجد البلوش، وقيام منظمات انفصالية مسلحة، تهدف لتأسيس دولة بلوشية ذات سيادة وشن النضال المسلح . 

صراع بلوشستان والمسألة البلوشية

أدى انبثاق حركات مسلحة، وتطرح طموحاً قومياً يتمثل بإقامة دولة مستقلة، وخوض حرب عصابات يشنها القوميين البلوش ضد حكومات باكستان وإيران في منطقة بلوشستان، التي تغطي إقليم بلوشستان في جنوب غرب باكستان، مقاطعة سيستان وبلوشستان في جنوب شرق إيران، وفي منطقة بلوشستان في جنوب أفغانستان. المنطقة غنية بالموارد الطبيعية مثل الغاز الطبيعي، النفط، الفحم، النحاس، الكبريت، الفلوريد والذهب،  لكنها هي أقل محافظة نموا في باكستان،  ويطمح البلوش للتوصل إلى حكما ذاتيا أوسع، زيادة مدخولها من إيرادات الموارد الطبيعية المحلية، ودولة قومية مستقلة في عقد 2010، وشهد النضال البلوشي تصاعداً ضد نظام الملالي في طهران، باعتبار التناقض الديني يضيف إلى حدة التناقضات طابعاً طائفياً، قد لا يكون مطروحاً بهذه الحدة في أفغانستان وباكستان.

منطقة النزاع

تغطي بلوشستان التاريخية الجزء الجنوبي من مقاطعة سيستان وبلوشستان في إيران في الغرب، وفي عام 2005، بدأ تمرد البلوش ضد جمهورية إيران الإسلامية. المعركة على مدى منطقة البلوش الإيرانية على الحدود مع باكستان، قد «لا يكتسب» من خلالها ما يصل من أراضي في الصراع في باكستان.  

 

محافظة بلوشستان الباكستانية في الشرق، وفي الشمال الغربي، مقاطعة هلمند بأفغانستان يشكل خليج عمان حدودها الجنوبيةتكون الجبال والصحراء جزء كبيرا من تضاريس المنطقة. يعيش معظم البلوش في الجزء الذي يقع داخل حدود باكستان.

النزاع في إيران

موقع محافظة سيستان وبلوشستان في إيران، وهي المقاطعة ذات الأغلبية البلوشية. في 2014، كان يعيش مليوني شخص من قومية البلوش في إيران. في 1928، اعترف حكومة إيران البهلوية الجديدة أنها تعتني وتنتبه لمنطقة بلوشستان. رفض دوست محمد خان بلوش الاستسلام، الذي يحظى بثقة كبيرة في شبكة من التحالفات التي تأسست في محافظة سرهد الجنوبية. ومع ذلك، وصل جيش الشاه قريبا تحت قيادة الجنرال الأمير أمان الله جاهانباني إلى المنطقة، لحل هذه التحالفات. قافل دوست محمد خان مع قوة صغيرة نسبيا وقلة من حلفائه وذلك دون أن ينتبهوا للنتيجة بالقتال. واجه الجيش الفارسي صعوبة بسيطة في هزيمتهم. استسلم دوست محمد خان بلوش أخيرا وعاش في طهران. بعد سنة، نجا من محاولة فاشلة لقتله عن طريق قتله بواسطة قناص. أعيد القبض عليه وقتل من قبل حراسه عن طريق شنقه بعد تعذيبه.

شكا النشطاء البلوش من الحكم الجديد الذي أكد المركزية والهيمنة من قبل الفرس، "دفع ذلك المجتمع البلوشي وغيرها من الأقليات الأخرى إلى المقاومة لحماية حقوقهم". وتتهم جهات بارتكاب جرائم بحق الشعب البلوشي في إيران. اعتبرت الثورة الإسلامية الشيعية البلوش السنة أنهم يشكلون «تهديدا». توجد في سيستان وبلوشستان، المحافظة التي يتركز فيها البلوش في إيران، أسوء معدلات العمر المتوقع، معرفة القراءة والكتابة عند الراشدين، التسجيل في المدارس الابتدائية، استعمال المياه الصالحة للشرب والتطهير وكذلك معدل وفيات الأطفال في هذه المحافظة في إيران. تظم المقاطعة موارد طبيعية هامة (الغاز الطبيعي، الذهب، النحاس، النفط واليورانيوم)، ومع ذلك، لدى المحافظة أدنى معدل دخل للفرد الواحد في إيران. يعيش %80 من البلوش تحت خط الفقر.

الهجمات من قبل المتمردين

في وقت مبكر من عقد 2000، بدأت الجماعة الإسلامية المتطرفة جند الله في أنشطتها في بلوشستان. تفرعت المنظمات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة في كل من إيران وباكستان. من 2006 إلى 2010، قتل ما بين 254–346 شخص في موجة عنف قامت بها جند الله في إيران. شملت الهجمات في إيران تفجيرات في زهدان في 2007، وقتل فيها 18 شخصا، وتفجير أخرى في 2009 وقتل فيها 20 شخصا. في 2009، قتل 43 شخصا في تفجير في بيشين. في يوليو 2010، قتل 27 شخصا في تفجيرات في زهدان. في 2010، وقع انفجار انتحاري في شاباهار وقتل فيه 38 شخصا.

كان من بين قتلى تفجير بيشين اثنين من جنرالات الحرس الثوري الإيراني: نور علي شوشتاري، نائب قائد القوات البرية للحرس الثوري، ورجب علي محمد زاده، القائد الإقليمي للحرس الثوري في سيستان وبلوشستان.

في 2010، قتل زعيم جند الله عبد المالك ريغي، وساهم هذا في تفكك الجماعة، لكن لم تنتهي هجمات المتمردين. في أكتوبر 2013، قتلت جماعة جيش العدل 14 حرس حدود إيراني في كمين في مدينة رستك، بالقرب من مدينة سراوان. بعد وقت قصير من هذا، أعدمت السلطات الإيرانية 16 بلوشيا بتهم ابتدأت من الإرهاب إلى الاتجار بالمخدرات.

قتلت جماعة أخرى هي حركة أنصار إيران مسؤولين اثنين في الباسيج وجرحت عددا من المدنيين في تفجير وقع في أكتوبر 2012 استهدف جامع الإمام الحسين، في مدينة شاباهار مقاطعة سيستان وبلوشستان

 

ويعتقد خبراء في الشأن البلوشي، " أن السلفيون يلعبون دورا محوريا في دعم جند الله " وهم جماعتي جيش العدل وحركة أنصار إيران. " تؤكد بيانات جيش العدل وحركة أنصار إيران على معاداة الشيعة. يرجع ذلك إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات النظام الصفوي، والذي ينسب إلى السلالة الصفوية التي قامت بنشر المذهب الشيعي في إيران ". إيران قلقة أيضا من العمليات المشتركة التي تقوم بها هاتين الجماعتين مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ضد الشيعة.

اتهمت إيران الولايات المتحدة بدعم جند الله "لسنوات ". تصنف الحكومة الأمريكية حسب مسؤوليها جند الله كمنظمة إرهابية، ونفت هذه التهمة أغضبت حركة أنصار إيران الحكومة الإيرانية لاستعمالها الأراضي الباكستانية كملجأ، وهددت بشن عمليات عسكرية في باكستان لمواجهة المجموعات الإرهابية " في عدة مناسبات ".

 

 

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

drdurgham@yahoo.de

 

 

إغراق مدمرة العدو إيلات

 

 

البحرية المصرية تغرق إيلات

 

ضرغام الدباغ

 

في يوم 21/ تشرين 1 ــ أكتوبر / 1967، كنت برتبة ملازم أول آمر سرية في الفوج التاسع/ ل1 حدود (قوة سيارة)، وكانت سريتي تعسكر على الطريق الموصل بين سرسنك والعمادية والموقع يسمى تل العنب وهو يبعد نحو 10 كم عن سرسنك، ومثلها 10 كم عن العمادية.

وأبتدأ بعد حلول الظلام، لم يكن لدى الضباط شيئ يفعلونه سوى القراءة وسماع الراديو. والاعمال التقليدية في معسكر السرية. وكان معي في مقر السرية فصيل مشاة، وآمره الملازم لقمان ياسين. وفي الأيام التي حرب حزيران كانت كئيبة، والأنباء تبعث على الحزن والقلق،، ونبحث عن نبأ لا ينطوي على سوء ، أو النزر اليسير من الأمل ... كانت أيام صعبة .... صعبة للغاية.

بواسطة الراديو الممتاز وكان من نوع (سوني) يلتقط كافة المحطات التي أريدها، وفي هدأ الليل الشتائي البارد في تلك الجبال، وإذ بالراديو ينقل لنا خبراً وما ألذه من خبر ... " تمكنت القوات البحرية العربية المصرية، من إغراق المدمرة إيلات لبحرية العدو الصهيوني بواسطة صاروخين سطح ــ سطح، في البحر الأبيض المتوسط، نحو 15 كم عن شمال ميناء بورسعيد ....... صوت العرب من القاهرة ..!)

فتملكتني نوبة فرح غير طبيعية، خرجت من غرفتي وبيدي بندقية آلية، وأطلقت صلية من 28 طلقة بضغطة واحدة على الزناد. والمنطقة تعج بقطعات من الجيش العراق والحدود، وبعد دقائق، شاهدنا العتاد المذنب (الخطاط) ينطلق من مواقع أخرى ... الكل فجر احتقانه يعلن عن بهجته ..وفي موقع فوجنا (سرسك) حين علموا أن سريتنا أطلقت الرصاص، انتابهم القلق ، ولكن آمر الفوج كان رجلا حصيفاً، ويعرفني جيداً، قال لهم " لا تقلقوا ... هذه السرية الأولى، سرية ضرغام تطلق النار ابتهاجاً بإنجاز البحرية المصرية " وكانت الإذاعات العربية تذيع الخبر السار مرات عديدة وتكرره.

المجد والخلود لشهداء البحرية العربية المصرية وكل الجنود العرب حيثما كانوا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

عملية المدمرة إيلات

 

هي عملية إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية «إيلات» من طراز HMS Zealous\ R39 بعد قيام القوات البحرية المصرية بإغراقها في البحر الأبيض المتوسط أمام مدينة بورسعيد في 21 تشرين 1/ 1967 بعد أربع أشهر من نكسة 67، وهي عملية مختلفة تماماً عن عمليات الهجوم الثلاث على ميناء إيلات الإسرائيلي والتي أُغرقت خلالها 4 سفن نواقل وجرى تفجير الرصيف الحربي للميناء.

 

ما قبل العملية

قامت إسرائيل بشراء المدمرة من إنجلترا واسمها Zealous في حزيران عام 1956 مع مدمرة أخرى تُسمى(  يافو ) اشتركت المدمرة إيلات في العدوان الثلاثي 1956 .

شهدت الفترة التي تلت حرب حزيران 1967 وحتى أوائل آب 1970، أنشطة قتالية بحرية بين الجانبين وكان كلاهما يهدف إلى إحداث أكبر خسائر في القوات البحرية للطرف الآخر بغرض إحراز التفوق وتحقيق السيطرة البحرية ويعرف هذا النوع من القتال البحري في فنون الحرب البحرية بالأنشطة القتالية الروتينية للقوات البحرية.

بعد حرب حزيران 1967 أمرت قيادة الجيش الإسرائيلي بأن تخترق المدمرة إيلات المياه الإقليمية المصرية وتدخل المنطقة البحرية لبورسعيد، مستغلة قوة الردع المتمثلة لديها في تفوقها الجوي ومدفعيتها الرابضة على الضفة الشرقية للقناة، مهددة مدنها في انتهاك المياه الإقليمية المصرية في البحرين المتوسط والأحمر، وقد تصورت القيادة الإسرائيلية عدم قدرة القوات المصرية على منعها من ذلك. وفي 11 حزيران 1967 ضربت المدمرة (السرب المصري) الذي كان يمر بجانب المدمرة فاشتبك معها وأغرقته المدمرة. السرب المصري كان يقوده الضباط عوني عازر وممدوح شمس، استمرت المدمرة بقيادة «إسحاق شيشان» في اختراق المياه المصرية إلى يوم 18 / تشرين 1/ 19671 فقررت القيادة السياسية المصرية إعطاء الأوامر للقوات البحرية بضرب المدمرة وإغراقها، وفي يوم 21 / تشرين 1/  1967 صدر أمر بالاشتباك مع المدمرة وتشكّلت فرقتين للقيام بالمهمة، الفرقة الأولى كانت بقيادة النقيب أحمد شاكر ومساعده الملازم أول حسن حسني وكانا على اللنش 504، أما اللنش الثاني 501 كان يقوده النقيب لطفي جاب الله بمساعدة الملازم أول ممدوح منيع.

 

كانت المعلومات تصل لهم أولاً بأول من قيادة بورسعيد البحرية التي كانت تتابع تحركات المدمرة، وقد استعدت قوات القاعدة لمهاجمة المدمرة عندما تصدر الأوامر من قيادة القوات البحرية بالتنفيذ. ومن هذه الأعمال الاستفزازية دخول المدمرة إيلات ومعها زوارق الطوربيد من نوع غولدن، ليلة 11/12 تموز 1967 داخل مدى المدفعية الساحلية في بورسعيد، وعندما تصدت لها زوارق الطوربيد المصرية فتحت إيلات على الزوارق وابلاً من النيران.

 

تفاصيل المعركة

في الساعة 9:30 مساء 11 / تموز / 1967 رصد رادار (قاعدة بورسعيد البحرية) هدف متحرك على بعد 18 ميل بحري من (نجمة بورسعيد)، فأصدر (قائد القاعدة) العقيد الركن بحري/ سميح إبراهيم، أمراً برفع درجة الاستعداد سرب لنشات الطوربيد بقيادة النقيب/ عوني عازر، وفي الساعة 10:30 مساء اجتمع قائد القاعدة مع النقيب عوني عازر بحضور (قائد مجموعة لنشات الطوربيد) في (مركز عمليات قاعدة بورسعيد)، وأثناء الاجتماع أوضح قائد القاعدة للنقيب/ عوني تفاصيل المهمة الروتينية المكلف بها وهي الانطلاق بسربه واستطلاع الهدف المشتبه به وفي حالة تأكده من اختراق الهدف للمياه الإقليمية المصرية يقوم باستدراجه إلى داخل مدى مدفعية (المدمرة السويس) الراسية في ميناء بورسعيد، مع العمل على تفادي الاشتباك مع الهدف المعادي (لاحتمال وجود الهدف خارج حدود المياه الإقليمية)  إلا في حالة تعرض سربه للاعتداء المباشر.

 

وفي الساعة 10:45 مساءاً انطلق السرب المكوّن من لنشين طوربيد الأول بقيادة النقيب/ عوني عازر ومساعده الملازم / رجائي حتاتة "، والثاني بقيادة النقيب/ ممدرح شمس ومساعده الملازم أول / صلاح غيث، وفي مسار الانطلاق حدث خلل في جهازي الرادار للنشين مما أدى إلى عدم تمكن سرب اللنشات من رصد الهدف.

 

وفي الساعة 12:15 صباحاً رأى قائد السرب (النقيب/عوني عازر) أن الهدف المعادي يقترب منه بسرعة " تبين بعد ذلك أنها المدمرة الإسرائيلية إيلات"، وفي الساعة 12:20 ظهرت أهداف معادية " تبين بعد ذلك أنهما لنشي طوربيد إسرائيلية طراز (ملان) "، وقامت بضرب السرب المصري في تحدي سافر للقوانين الدولية، فأبلغ قائد السرب قيادة القاعدة أنه قرّر الاشتباك مع الأهداف المعادية لحقه في الدفاع عن النفس، وفي الساعة 12:46 أبلغ قيادة القاعدة باشتعال الحريق في اللنش رقم 2، وبذلك تم تحييده لعدم قدرته على مشاركة لنش القيادة في المعركة،

 

وفي الساعة 12:50 أبلغ لنش القيادة القاعدة بأنه أُصيب إصابة بالغة تمنعه من الاشتباك. قامت المدمرة الإسرائيلية بإطلاق طلقات إضاءة لمنع لنش النقيب عوني من الخروج من دائرة الاشتباك، في هذه الأثناء قرر النقيب عوني المناورة بالدخول بِلنش القيادة وسط تشكيل القطع البحرية المعادية حتى يتجنب الإصابة، إلا أن قائد المدمرة الإسرائيلية أدرك خطته وقام بمناورة مضادة وهي الابتعاد عن لنش القيادة.

 

كانت مدفعية المدمرة إيلات عيار 40 ملم أكثر تأثيراً من مدفعية اللنشات المصرية عيار 25 ملم، وانهالت طلقات المدافع على لنش القيادة وقتل 5 من طاقم اللنش، فأمر النقيب عوني مساعدة الملازم أول/ رجائي حتاته بإخلاء اللنش من الأفراد الذين ما زالوا على قيد الحياة، وقرر القيام بعملية انتحارية وهي التحرك بأقصى سرعة صوب المدمرة الإسرائيلية للاصطدام بها في المنتصف، أدرك قائد المدمرة خطة النقيب/عوني وأمر بتركيز طلقات مدافع المدمرة نحو لنش القيادة وبالفعل تم تفجير اللنش على مسافة 30 مترا من المدمرة وأستشهد النقيب / عوني عازر ومساعده الملازم / رجائي حتاته، كما استشهد طاقم اللنش بالكامل، بينما أصيب ثمانية من طاقم المدمرة «إيلات» من جراء تبادل النيران مع أطقم الدورية المصرية البحرية ـ إضافةً إلى تدمير موتور رادار المدمرة وإصابات مباشرة للجانب الأيمن للسفينة.

 

تنفيذ عملية ضرب المدمرة إيلات