الرئيسية || من نحن ||| اتصل بنا

 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي(

 

 

مقالات سابقة

هاشتاغ المبادرة

العراقية لتحرير أمريكا

هيفاء زنكنة

 

 

شهدنا، منذ ايام، غزو مقر المجلس التشريعي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية (الكونغرس) من قبل « أنصار اليمين المتطرف» للرئيس دونالد ترامب. جاء الهجوم بعد شهور من نشر الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي أن الانتخابات مسروقة.
أثار الغزو والهجوم على واحد من أهم رموز الديمقراطية بالعالم، بل ويشار إليه باعتباره « مهد الديمقراطية» مشاعر متناقضة تراوح بين الدهشة، والاستغراب، والذهول، والتنديد، والاستنكار بالإضافة الى الشماتة والسخرية السوداء. من ركام المشاعر التي غذاها ( ولايزال ) سيل الصور والفيديوهات التفصيلية للغزو عبر أجهزة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، تبرز تساؤلات أساسية مهمة حول عمق الحدث، ومدى فجائيته. وهل هو فعل آني يتعلق بتحريض الرئيس ترامب عبر التويتر أم انه أكثر من مجرد غزوة يمينية شعبوية؟ وهل صحيح وصف مرتكبيها بأنهم «غوغاء» يدل سلوكهم على فاشية زرعها ورعاها ترامب في تغريداته وأكاذيبه وسلوكه غير المتوازن؟
ولعل السؤال الأقرب إلينا هو كيف ترى شعوبنا هذا الحدث وتحلله و تقّيمه، آخذين بنظر الاعتبار أن نصف الشعب الامريكي، تقريبا، أي ما يساوي بحدود 75 مليون ناخب، صوتوا فعلا لترامب الذي يصفه معارضوه وأجهزة اعلامهم بأنه راعي اليمين الأبيض المتطرف؟ وكيف تُقيم عملية نشر الديمقراطية، في العالم، اذا كان حرمها المقدس، أي أمريكا، يضم هذا العدد الهائل من اليمين المتطرف الذي وجد نفسه في مهاجمة قلب الديمقراطية وتعطيله وتعريض حياة ممثليه لخطر القتل؟ كيف تنظر الشعوب التي امتدت الذراع الأمريكية اليها لتغيير الأنظمة فيها، إما عبر المؤامرات واغتيال الرؤساء أو غزوا بذريعة التحرير، كما في 84 دولة من أصل 193 دولة معترف بها من قبل الأمم المتحدة، حسب المؤرخ الأمريكي كريستوفر كيلي والمؤرخ البريطاني ستيوارت لايكوك، مؤلفا كتاب «غزوات أمريكا: كيف غزونا أو تورطنا عسكريًا مع كل بلد تقريبًا على وجه الأرض»؟
ولنقترب أكثر من الواقع. من وجهة نظرة شعب يعيش آثار وانعكاسات الغزو والاحتلال الامريكي وتسويقهما تحت مسمى « عملية تحرير العراق». واستعين هنا بنعمة توفر مواقع التواصل الاجتماعي، التي على نقائصها، تمكننا من الاطلاع على المشاعر الحقيقية للمتواصلين بلا رقيب او تشذيب وظيفي او رسمي او ايديولوجي. استعاد معظم متابعي حدث غزو واحتلال الكابيتول من العراقيين أحداث الايام الاولى للغزو الأمريكي لبغداد. استعادوا، وهم يشاهدون تخريب المكاتب وتكسير الأبواب ونهب الأثاث، وتعليقات الساسة واجهزة الإعلام المشمئزة الغاضبة المتبرئة من الغوغاء، تصريحات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يوم 12 نيسان/ ابريل حول نهب الدوائر الحكومية العامة تحت انظار القوات الأمريكية، قائلا: « ان النهب فى العراق جاء نتيجة مشاعر مكبوتة من القمع» كما أكد « أن النهب لم يكن بالسوء الذي أشارت إليه بعض التقارير التلفزيونية والصحافية وأن النهب جزء من الثمن، من تحرير العراق. «. ولعل أفضل اقتباس استخدمه عدد من العراقيين لوصف سلوك من غزوا وحطموا مكاتب الكونغرس ونهبوها، بالمقارنة مع ما حدث بالعراق، هو قول رامسفيلد: «إن الأحرار أحرار في ارتكاب الأخطاء والجرائم والقيام بأشياء سيئة». لماذا اذن يتم وصف مهاجمي الكابيتول بالغوغائية والفاشية واليمين المتطرف؟ لم لا ينطبق عليهم منظور وزير خارجية بلد الحرية؟ وهل صحيح أن ترامب، بأكاذيبه، هو المسؤول الوحيد عن وجود خمسين مليون أمريكي من هذا النوع، أم أن الأكاذيب الكبرى سبقت ترامب بعقود وأنها جزء لايتجزأ من السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية، مهما حاول ساسة اليوم وأجهزة الإعلام الادعاء بأن المهاجمين « ليسوا منا»؟

هل صحيح أن ترامب، بأكاذيبه، هو المسؤول الوحيد عن وجود خمسين مليون أمريكي من هذا النوع، أم أن الأكاذيب الكبرى سبقت ترامب بعقود وأنها جزء لايتجزأ من السياسة الخارجية والداخلية الأمريكية؟

في مقال « الجحيم الامريكي» المنشور في الصفحة الاولى من « نيويورك تايمز «، يقول تيموثي سنايدر، المؤرخ المتخصص بالفاشية، إن أكاذيب ترامب الكبرى هي مقدمات الفاشية. فيحاججه الاكاديمي العراقي منذر الأعظمي مذكرا: « لكن النخب الليبرالية ( ومنها الجريدة نفسها) هي التي بدأت او تواطأت مع الأكاذيب الكبرى. لنتذكر الحرب على العراق، وقبلها حادث مضيق تونكين الذي بدأ حرب فيتنام. وهناك أكاذيب الكيان الصهيوني وخيوط التآمر الرسمي المحتملة في إغتيالات الستينيات وأبرزها كندي ومارتن لوثر كنغ. أما ترامب نفسه فانه يشكل مجيء شخصية نرجسية فظة الى قمة السلطة وهو ما ابرز خطورة هذا الطريق». وكيف يمكن نسيان أكذوبة العصر التي أطلقها وزير الخارجية كولن باول، يوم 5 فبراير 2003، عن امتلاك العراق اسلحة دمار شامل تهدد أمن العالم كله، مخاطبا مجلس الأمن الدولي: « زملائي، كل معلومة أدلي بها اليوم مدعومة بمصادر. مصادر راسخة. هذه ليست تأكيدات. ما نقدمه لكم هو حقائق واستنتاجات مبنية على استخبارات لا يتطرق اليها الشك».
هذه الأكاذيب التي شرعنت غزو العراق وتخريبه المستمر حتى اليوم قبل وصول ترامب الى الحكم، دفعت المحامية العراقية سجى رؤوف الى اطلاق هاشتاغ تحرير أمريكا على نهج عملية تحرير العراق. وما تكتبه سجى ليس عاديا. فهي تكتب مشاعرها، بشكل يوميات، بجملة واحدة او اثنتين، مكثفة بالسخرية المريرة والغضب والمخيال التراجو كوميدي. هل هي الشماتة؟ لا أعتقد ذلك. فهي، كما الكثير من العراقيين، لاتزال تعيش أيام دق طبول الحرب وغزوه أمريكيا. وما تكتبه مستوحى من لحظات الهجوم على الكابيتول، وما استحضرته من مشاهد مماثلة بقيت محفورة في ذاكرتها. في سيناريو نزف المشاعر واحاطتها بالسخرية لكي لا يموت المرء كمدا من شدة الظلم، تكتب سجى، بالانكليزية، عن ضرورة تدخل العراق عسكريا لتحرير أمريكا وإعادة الديمقراطية اليها، على الرغم من انها كانت، طوال حياتها مناهضة للحرب. ويضع السيناريو خطوات ومستلزمات التحرير التي لن تكلف العراقيين فلسا مادامت أموال النفط مستغلة مجانا على اية حال. إلا أنها تربط عملية التحرير، كما فعل « محرر» العراق الامريكي بتشريعات، تفرضها على الشعب بعد تحريره. « عليكم تعلم اللغة العربية. استبدال الدولار بالدينار. وافرشوا السجادة الحمراء لاستقبال محرريكم العراقيين. انه تحرير وليس احتلالا. هاشتاغ العراق يحرر أمريكا 2021». والى الجنود العراقيين الذين نراهم على ظهور الدبابات المتقدمة نحو الكابيتول لتحريره وهم يحملون علم العراق عاليا، بينما يرحب بهم عدد من المتظاهرين بالأزهار والحلوى، توجيهات اخرى: « خلافا لعام 2003، علينا حماية المتاحف. يمكننا إعادة اعمار متاحفنا بمحتويات سميثسونيان. لن نضعهم في أبو غريب».
أتساءل ثانية: هل هي الشماته؟ لا أظن ذلك. انه استحضار للغة حرب ظالمة بنيت على الأكاذيب وازدواج المعايير، وهو استحضار ضروري للتذكير. لئلا ننسى. فاذا كانت أمريكا، ومعها دول الديمقراطية مصدومة، كما يقال لنا إعلاميا، لما أصاب « مهد الديمقراطية» فكيف تواصل قلوبنا النبض، وعقولنا التفكير بشكل منطقي، نحن الذين رأينا قصف وتهديم « مهد الحضارة»؟

كاتبة من العراق

 

 

عالم الإنترنت

 يتحدى النظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

غالبا ما يلجأ الصحافيون في نهاية العام او بداية العام الجديد الى جرد أهم الأحداث في بلدانهم والعالم. خطوة يرونها ضرورية لاستشراف المستقبل واستخلاص الدروس . خطوة تساعد، احيانا، وحسب موقع الصحافي ، على الدفع لتغيير مسار سياسي حكومي أو اتجاه عام . يؤثر على عملية الجرد ، وهي عملية انتقائية بالضرورة، مدى أهمية الخبر على بلد الصحافي اولا. ففي بريطانيا ، مثلا، اختار عديد الصحافيين ، على اختلاف توجهاتهم وايديولوجية الصحف التي يتعاملون معها، البريكست ، اي مغادرة اوروبا ، وانتشار كوفيد 19 كأهم حدثين أثرا وسيؤثران على مستقبل بريطانيا بالاضافة الى ما يسمونه التوسع والهيمنة الصينية الاقتصادية.
بالنسبة الى البلاد العربية ، من الصعب استشراف المستقبل استنادا الى حدث او حدثين. فاختيار الصحافي الغربي للأحداث يتم وهو يتمتع بالأمان الفردي والعام وحرية التعبير والاختيار. هذه الحرية والاستقلالية ، رفاهية يفتقدها ويحلم بها الصحافي في بلداننا. فكل ما يقوم به او يبحث عنه استقصائيا او يقوم بالتنبيه اليه خاضع للرصد والمراقبة ويعرض حياته للخطر. واذا حدث ولم يكن الرقيب جالسا في الصحيفة التي يعمل فيها أو يرصده عن مبعدة في إحدى الدوائر الوزارية – الأمنية ، فانه جالس حتما في عقل الصحافي. حيث بات حضوره، بمرور الوقت، أمرا مألوفا. كما الورقة والقلم والحاسوب، يحمله معه الصحافي، اينما كان. السبب الآخر لصعوبة انتقاء ما هو مهم، فعلا، خلال العام وبالتالي تمكين الصحافي من الكتابة عن انعكاساته المستقبلية هو كثرة الأحداث ( أو لعل الأصح القول بأنها كوارث) التي تمر بها بلداننا ، وتداخلها بحيث من الصعب تفكيك الاساسي من السطحي والاقتصادي من السياسي، والاجتماعي من القانوني، وحقوق الإنسان من الثقافي / الديني. الكل متداخل بشكل مربك تُسّيره الجهات الرسمية وفق أجندة حماية مصالحها الذاتية وديمومة بقائها. تضاف الى ذلك صعوبة تفكيك الأحداث المحلية المرتبطة بالوجود الأجنبي سواء بشكل احتلال استيطاني كما في فلسطين او هيمنة امبريالية تتصارع مع ميليشيات طائفية، مدعومة اقليميا، كما في العراق. واذا كان الحدث الاول المتفق على اختياره عربيا ، لعام 2020، هو وباء الكورونا ، وهو اختيار آمن، فان الاختيار الثاني وهو اعلان الإمارات والبحرين والسودان وسلطنة عمان والمغرب، الكشف عن علاقاتها، شبه السرية، مع الكيان الصهيوني واضفاء الصبغة الرسمية عليها، لم يحظ بالاجماع، لا لكونه حدثا لا يهم الشعوب، ولكن لاستشراس الأنظمة العربية المتزايد ، وتنويعها اساليب التخويف والترهيب.
ويشكل النظام العراقي « الجديد – الديمقراطي» ، بعيدا عن الدخول فيما يسمى منافسة الضحايا حول من هو الأكثر تعرضا للقمع، نموذجا جيدا يؤهله لاحتلال مكانة متميزة، توازي مكانته المتقدمة في قائمة الفساد، بين أنظمة الدول العربية المستشرسة في معاقبة شعوبها. وخلافا لما يجري الترويج له عن حرية التعبير في « العراق الجديد» ، تؤكد كل التقارير الحقوقية الدولية والمحلية ، أن الصحافي المستقل، والناشط الحقوقي، وكل مواطن يرفض التزام الصمت ازاء جرائم النظام، معرض للعقاب بأشكال ودرجات مختلفة. تبدأ بالتهديد والاعتداء الجسدي وتنتهي بالخطف أو الاغتيال . فكل الطرق مفتوحة والأبواب مشرعة حين يتمتع القتلة بالحصانة من المسؤولية والمقاضاة. مما يجعل العراق واحدا من البلدان الأكثر خطرا على الصحافيين والناشطين المستقلين، حسب عشرات التقارير الحقوقية. من بينها مركز الخليج لحقوق الإنسان، الذي وثق قائمة تضم 43 ناشطاً تعرضوا للتهديد بالقتل المباشر جنوب العراق عام 2020، مما اضطرهم جميعاً إلى مغادرة مدنهم. كما وثّق مرصد الحريات الصحفية (
JFO) انتهاكات 2019، وقد بلغت» 477 انتهاكاً، منها 87 حالة احتجاز واعتقال، و98 حالة منع وتضييق، و32 حالة اعتداء بالضرب، و4 هجمات مسلَّحة، و243 ملاحقة قضائية، و4 حالات إغلاق ومصادرة، وإغلاق 4 قنوات فضائية. ولم تسلم هذه القنوات وغيرها من اقتحام الجهات المسلحة وتكسير معداتها والاعتداء على كوادرها بالضرب. كما سجّل العام مقتل تسعة صحافيين».

أثبت عالم الإنترنت أنه، بعبوره حدود البلدان، أكبر وأوسع من أن تحده قضبان السجن، وأن المواطن العادي لم يعد مجرد متلق للأخبار الجاهزة المؤدلجة

ان حجم ما يعيشه الصحافيون والناشطون، منذ عام 2003، وحتى اليوم، سواء تحت الاحتلال الأمريكي المباشر او غير المباشر بالتزامن مع « انتخاب» الحكومات، وتحكم المليشيات المدعومة ايرانيا بها وبالشارع، يجعلهم معاقين في أداء عملهم، وتحديد الأهم من المهم وفرز المهم من غير المهم، ونشر المعلومة الموثقة واضاءة المستور من الممارسات الحكومية والمجتمعية، أي المساهمة في نشر التوعية حول كل ما يدور في البلد . وهي مهمة تتطلب، بالاضافة الى الوقت والجهد الجسدي، تركيزا وتفرغا لايتاح لمعظم الصحافيين، وهم يعيشون دوامة انعدام حرية الحركة والتهديد أما بقطع الرزق أو الرأس.
وما يزيد من سوء الوضع هو استحداث النظام قوانين تشرعن ممارساته أمام العالم الخارجي، وتغطي حملة الاغتيالات المستهدفة للصحافيين والناشطين المستمرة من قبل القوات الأمنية والميليشيات، المسجلة دائما ضد مجهولين. آخرها مشروع قانون الجرائم الإلكترونية أو تقنية المعلومات، الذي جوبه بحملة معارضة شعبية وتضامنية من قبل منظمات عالمية من بينها « هيومان رايتس ووتش». اذ يتضمن القانون « مواد غامضة تسمح للسلطات بأن تعاقب بشدة أي شخص يكتب على الإنترنت تعبيرا ترى أنه يشكل تهديدا للمصالح الحكومية أو الاجتماعية أو الدينية». مما يعني ان القانون يماثل الى حد كبير، في تفسيراته المفتوحة، حسب الطلب، قانون 4 لمكافحة الإرهاب الذي يستخدم للادانة بالارهاب مرتكبي 42 فعلا ، مهما كانت صحة أو درجة خطورتها. ومن الواضح من قراءة مشروع القانون الجديد انه يستهدف من ينتقدون الأوضاع أو يتناولون الشؤون العامة للبلاد، او الذين ينشرون معلومات بغرض كشف ملفات الفساد، مما يعني إغلاق المتنفس الأخير لكل المواطنين ونصب قضبان السجون حول مواقع التواصل والرغبة بالحصول على المعلومة بعيدا عن الاعلام الدعائي الرسمي. وهي خطوة تتسم بالغباء حتى من منظور الأنظمة القمعية المستهينة، بلا حياء، بمواطنيها. فقد أثبت عالم الإنترنت أنه، بعبوره حدود البلدان، أكبر وأوسع من أن تحده قضبان السجن، وأن المواطن العادي لم يعد مجرد متلق للأخبار الجاهزة المؤدلجة.
إن تضييق حرية الحركة والتعبير الفعلي داخل العراق، وشرعنة العقاب قانونيا، ومقصلة التهديد المعيقة للبحث والاستقصاء لكشف الحقائق، تتطلب اللجوء الى الإنترنت أكثر فأكثر بوصفه ، اضافة الى فوائده، مساحة مفتوحة للتضامن العالمي ودعم قدرة الناشطين والصحافيين وكل المواطنين على النضال لإزالة « الرقيب» المنغرز، داخل العقول. ولتكن ردود الافعال على منظومة القمع ، عبر التضامن العالمي الشعبي، بالاضافة الى المظاهرات والاعتصامات، الحدث الأهم للسنوات المقبلة.
كاتبة عراقية

 

 

هل بإمكان المثقف

العراقي إشاعة التفاؤل؟

هيفاء زنكنة

 

ارتدت الشابة العراقية شيماء العباسي (23 عاماً) معطف بابا نويل الأحمر، ثم تجولت، بدراجتها، وسط أنقاض وحطام المدينة القديمة، بالموصل، شمال العراق، وهي توزع الهدايا لأطفال المدينة المنكوبة، بمناسبة عيد الميلاد.
وانطلقت يوم الأحد الماضي، بطولة أندية العراق للسيدات بالمصارعة الحرة في محافظة الديوانية، في منطقة الفرات الاوسط . استمرت البطولة مدة ثلاثة ايام بمشاركة أكثر من 15 ناديا، من اغلب المحافظات وبجميع الفئات العمرية. في اليوم نفسه، تم نصب شجرة عيد ميلاد تضيئها المصابيح الملونة و 2021 ، استعدادا للاحتفاء بالعام الجديد ، في ساحة التحرير، وسط بغداد. وهي الساحة التي شهدت ، منذ الاحتلال عام 2003، مظاهرات واعتصامات توجت بانتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019 ، بشهدائها وجرحاها ومعتقليها وفنونها وأغانيها وتغيراتها السياسية والاجتماعية. قبل ذلك، بادر مواطنون في مدينة السماوة، جنوب غرب بغداد، إلى تغليف أعمدة الكهرباء بمادة النايلون لحماية المارة وخصوصا الأطفال من الصعقات في فترة هطول الامطار وبعد أن يئسوا من قيام المسؤولين باتخاذ اية خطوة لوقاية الأهالي من الموت. تشكل هذه المبادرات ، واستعادة ذكرى عام الانتفاضة ، نفحة أمل، يستدعيها العد التنازلي لأيام العام الحالي المغرق بالعتمة.

 كيف التعامل مع طبقة سياسية تتغذى على ريع النفط بمليارات الدولارات وتنتعش على الفساد، وتسكت من يعارضها أو يخالفها، بإرهاب الميليشيات وقدسية المرجعيات الدينية؟

فمن الحقائق التي نكاد نتقبلها، بلا نقاش، أن إطلالة كل عام جديد تحمل في طياتها الأمل، مهما كان الواقع سوداويا مريرا. واذا ما تلاحمت دقائق الايام المقبلة بما يقال حول دور المثقف في اشاعة الامل او على الاقل عدم إشاعة اليأس والاحباط، لئلا يموت الناس كمدا ، تصبح للكتابة ، نهاية العام وبداية عام آخر، نكهة مختلفة .هذه بديهية عامة، تنطبق على كل الاعوام، تقريبا، فكيف اذا كان العام الذي نتحدث عن مغادرته هو 2020 ، بكل ما جلبه من وباء وازمات اقتصادية وانهيار المناخ، على مستوى العالم، وتأثير ذلك كله على العلاقات السياسية والاجتماعية، في بلداننا ؟ واذا كان العام الذي سنستقبله متسربلا بما كشفه الوباء عن أوجه اللامساواة والظلم ، والاستغلال ، والفساد المنهجي، والتقسيم العنصري الواضح بين إنسان العالم الاول وانسان العالم الثاني، كما يؤكده فشل قضايا المساءلة القانونية الدولية، متمثلا بالنسبة الى العراق بقرار وفجوة العلاقات بين الدول العسكرية الكبرى والدول المحتلة التي يتنازع أهلها على رمال الهوية والوطنية المتحركة؟
وهل بإمكان المثقف ، فعلا ، تجاوز هذا الواقع بما يطرحه من تحديات ليركز على زرع الأمل ( بما يحمله من تلفيق وتضخيم أحيانا) متجاوزا دوره وما يجب عليه القيام به ، كما يلخصه الكاتب فاسلاف هافيل، الذي عاش تجربة تقسيم بلده الى بلدين وتسنم منصبين في ظروف استثنائية نادرة حيث شغل منصب آخر رئيس لبلده تشيكوسلوفاكيا ثم أصبح أول رئيس لجمهورية التشيك بعد التقسيم . «يجب على المثقف أن يزعج باستمرار ، يجب أن يشهد على بؤس العالم ، يجب أن يكون استفزازيًا من خلال كونه مستقلاً ، يجب أن يتمرد على جميع الضغوط والتلاعبات الخفية والمفتوحة، يجب أن يكون المشكك الرئيسي في الأنظمة … ولهذا السبب، لا يمكن للمثقف أن يتناسب مع أي دور قد يتم تكليفه به … ولا ينتمي بشكل أساسي إلى أي مكان: فهو يبرز على أنه مصدر إزعاج أينما كان». يطرح تعريف فاسلاف الكثير من الاسئلة من بينها التناقض أو الشرخ ما بين أفكار الكاتب وممارساته. وهو شرخ عاشه فاسلاف نفسه ، كما يعيشه، في بلادنا العربية، الكثيرون من كتابنا ومثقفينا.
عراقيا، يمتد الشرخ، ليطفو ما هو مغمور فيه، على سطح ضحل لايتحمل ثقل الأسئلة الأساسية. ما هو برنامجنا؟ وكيف نتحمل كأفراد (فنحن أفراد.. قبل أن نكون أمما) إذا أردنا البقاء على قيد الحياة؟ ما هي أوجه التكيف التي يجب أن نتوصل اليها مع صعود الأنظمة الاستبدادية والصراعات الأهلية، ومع استمرار الاستعمار القديم بالهيمنة على منطقتنا بأوجه جديدة ؟ هل لدينا، لمواجهة القتلة والحكام الفاسدين والميليشيات وقوى الاحتلالين العسكري والناعم، سيناريو ثان اذا ما فشل السيناريو ألاول؟ سيناريو مواصلة الحياة بعد رحيل الشهداء، والنضال السلمي بعد المقاومة المسلحة، وكيفية تحقيق التحولات المجتمعية التقدمية، وبناء التضامن مع العالم الخارجي، ونحن نعلم جيدا أن نصفه، على الأقل، يرى أن الخنوع والاستسلام هو السلام وان صناعة الموت دفاع عن الامن القومي؟ كيف نتعامل مع المجتمع الدولي الذي أقنع الناس بأن القانون الدولي هو بديل الموقف الأخلاقي بينما يطبق درجات مختلفة من القانون / القيم الاخلاقية حسب قوة الدول العسكرية، ومثالها اعلان المحكمة الجنائية الدولية أنها لن تتخذ أي إجراء ضد المملكة المتحدة رغم عثورها على أدلّة على تورّط قوات من الجيش البريطاني بارتكاب جرائم حرب في العراق؟ كيف التعامل مع دول يمارس رؤساؤها الإرهاب «قانونيا» ، ويصنفون « الارهاب» حسب مصالحهم، كما فعل الرئيس الأمريكي ترامب اخيرا حين أصدر عفواً عن أربعة مرتزقة من شركة «بلاك ووتر» للخدمات الأمنية الخاصة كانوا يقضون عقوبات بالسجن لقتلهم 14 مدنيا عراقيا، بينهم طفلان، في بغداد؟
محليا ، كيف التعامل مع طبقة سياسية تتغذى على ريع النفط بمليارات الدولارات وتنتعش على الفساد، وتسكت من يعارضها أو يخالفها، ولو كان من بين صفوفها، بإرهاب الميليشيات وقدسية المرجعيات الدينية؟ مثال ذلك التهديد الذي أطلقه أبو علي العسكري، المسؤول الأمني لميليشيا « كتائب حزب الله» في تغريدة له يوم السبت الماضي ، ضد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قائلا بأن « الوقت مناسب جداً لقطع أذنيه».
هل هذه لحظة صالحة لبعض التفاؤل – كيف تبدو وكيف يمكن المضي قدمًا؟ ليست لدي اجابة جاهزة . بل اقتبس من الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، الذي دفع حياته ثمنا لما يؤمن به، قوله إن دور المثقف هو شرح الحال وليس توفير الحل. مما يعني ان الحل بيد الشعوب. ماذا عن التفاؤل ؟ « التفاؤل هو استراتيجية لبناء مستقبل أفضل. لأنه ما لم تعتقد أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل ، فمن غير المرجح أن تتقدم وتتحمل مسؤولية تحقيق ذلك. إذا افترضت أنه لا أمل ، فأنت تضمن أنه لن يكون هناك أمل. إذا افترضت أن هناك غريزة للحرية ، فهناك فرص لتغيير الأشياء ، فهناك فرصة قد تساهم في صنع عالم أفضل. الخيار لك» كما يذكر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي.
كاتبة من العراق

 

مهندسو النفط

عاطلون في عراق النفط

هيفاء زنكنة

 

عاد خريجو كليات الهندسة للتجمع يوم الأحد الماضي، احتجاجا، أمام مقر مصفى الشعيبة، غرب مدينة البصرة، جنوب العراق. سبب العودة هو عدم استجابة الحكومة لمطالبهم في التعيين بشركات النفط. وكانوا قد تظاهروا قبل ذلك بايام، وقطعوا الطريق المؤدي الى المصفى، بعد أن شكّلوا حاجزا لمنع الموظفين من الدخول. وتعتبر مصفاة الشعيبة واحدة من اهم وحدات تكرير النفط في الجنوب.
هذه ليست المرة الأولى أو الثانية التي يحتج فيها خريجو كليات الهندسة سواء في محافظة البصرة أو بقية أرجاء العراق. فقد سبقها عديد الاحتجاجات، في السنوات الاخيرة، حيث كان الخريجون في واجهة المتظاهرين في انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019، المطالبين بوطن يتمتعون فيه بحقوقهم الأساسية ومن بينها حق العمل. وشهدت الشهور الاخيرة، مع زيادة انتشار فايروس كورونا ونسبة العاطلين عن العمل، تكثيفا في الاحتجاجات.
ففي يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، خرج مئات الخريجين المعتصمين منذ 120 يوماً في مسيرة احتجاجية سلمية راجلة، جابت الشوارع المحيطة بشركة نفط البصرة للمطالبة بتوفير العمل لهم. إلا أن التجاهل الحكومي أدى الى تطوير الاحتجاج وفي يوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، قام عدد من الخريجين باغلاق مدخل البئر النفطي 20 ومدخل بوابة شركة نفط البصرة، في خطوة تصعيدية عسى أن يجلب ذلك الانتباه الى وضعهم المتأزم إلا أنهم قوبلوا بالصمت الحكومي المطبق. فأصدروا بيانا يوم 9 كانون الاول/ ديسمبر خاطبوا فيه رئيس الوزراء ووزير النفط ونواب المحافظة ومدير الشركة بالإضافة إلى الشركات النفطية كافة بخصوص وضعهم ومطالبتهم بتصديق الوعود التي قطعوها لهم بشأن التعيين.
ساهم الخريجون، على اختلاف اختصاصاتهم، في المظاهرات والاعتصامات المطالبة بالعمل، منذ احتلال البلد وتسنم الفاسدين المناصب في محاصصة تُجّذر وجودهم. ويقدر البنك الدولي أن نسبة البطالة بين الشباب في العراق تبلغ 36 بالمئة، مقارنة بمعدل البطالة الوطني البالغ 16 بالمئة. ومن بين هؤلاء الشابات والشباب العاطلين وغير القادرين على تكوين أنفسهم ودعم عوائلهم، هناك أكثر من مليون ونصف المليون ممن تخرجوا منذ الاحتلال من الجامعات والمعاهد العالية بجميع الاختصاصات. وبصرف النظر عن تدني المستوى التعليمي فهم أعلى فهما وقدرة وجدوى ممن تجندهم او توظفهم الكتل الحاكمة وميليشياتها من الأميين أو ذوي الشهادات المزيفة. مما يثير تساؤلا حول أهمية خريجي كليات الهندسة بالتحديد؟
والجواب هو أن لمطالبهم خصوصيتها، كونهم أبناء بلد يحتل المرتبة السادسة عالميا كأكبر منتج للنفط خلال عام 2019، بعد أمريكا والسعودية وروسيا وكندا والصين، اضافة الى أن بلدهم يملك خامس أكبر احتياطي للخام في العالم، يمثل 18 بالمئة من احتياطيات الشرق الاوسط وتقريبا 9 بالمئة من الاحتياطيات العالمية للنفط. إلا أن القاء نظرة واحدة على أوضاع شعوب البلدان الخمسة، عموما، من الناحية الاقتصادية والرعاية الصحية والاجتماعية وفرص العمل، بالمقارنة مع العراق، والاستهانة بالمواطن ومحاربته في لقمة عيشه، أكثر من كاف لفهم سبب المظاهرات والاعتصامات المستمرة فيه والتي يدفع الشباب ثمنها بتكلفة باهظة الثمن.

أدى سوء تقديم الخدمات والفساد المستشري إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة والفقر في العراق إلى مظالم عامة حتى قبل انتشار الوباء العالمي

إن ما يطالب به خريجو الهندسة بسيط بساطة استنشاق الهواء وهو حقهم بالعمل في حقولهم النفطية، أي في حقول يفترض أن تكون ملكهم كمواطنين عراقيين، مؤهلين للعمل في مجال اختصاصهم الذي قضوا سنوات وهم يستعدون له ولهم الأولوية في العمل وهو حق من حقوقهم وليس منة تتفضل بها شركات النفط الأجنبية مثل أكسون موبيل الأمريكية وبي بي البريطانية ورويال دتش شل البريطانية الهولندية، فضلا عن الشركات الصينية والروسية المهيمنة على حقول النفط والتي تفرض تعيين المهندسين والأيدي العاملة الأجنبية بجنسيات باكستانية وبنغلاديشية وفليبينية بالاضافة الى البريطانية والأمريكية، بينما ينظر الى توظيف العراقي كنسبة تقع ضمن تصنيف استخدام « السكان المحليين» وليس أصحاب البلد ومالكيه. لذلك، من الطبيعي، أن يكون المهندس والتقني والعامل والحارس العراقي من أوائل من تنهى خدماتهم حالما تتعرض الشركات لانخفاض نسبة الأرباح أو تقليص الميزانية. مثال ذلك، ما تم في الآونة الاخيرة حين تم ارسال 15 ألف عامل عراقي الى بيوتهم عند انخفاض اسعار النفط.
يبرر النظام العراقي عدم قدرته على تعيين عموم الخريجين وتدهور الوضع الاقتصادي وازدياد الفقر المهدد 5.5 مليون عراقي ( حسب المرصد الاقتصادي للعراق التابع للبنك الدولي) بانهيار اسعار النفط وانتشار وباء كوفيد 19. الا ان هذا ليس صحيحا بل إنه فبركة مفضوحة لستر الحقيقة، وهي محاصصة الفساد النهمة بين أحزاب النظام ومؤسساته التي انتشرت قبل الوباء وحتى قبل ظهور داعش. وهذا ما يؤكده البنك الدولي في تقرير له في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، جاء فيه «أدى سوء تقديم الخدمات والفساد المستشري إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مظالم عامة حتى قبل انتشار الوباء العالمي». اذ ليس خافيا على أحد تبوؤ العراق مركزا متقدما في قائمة الدول الفاسدة بالعالم، كما أن حكومات الاحتلال المتعاقبة لم تؤسس لأية صناعة وطنية بل قامت بتحطيم ما هو موجود منها. اختفت الصادرات الوطنية مثل الرز، والفواكه المجففة، والمصابيح الكهربائية، ونواتج قطران الفحم، والإسمنت، والصوف، وجلود الحيوانات، والمنتجات النحاسية، والمواد الكيميائية المبلمرة، والشاحنات، وأجزاء السيارات، مما جعل العراق « من أقل الدول تنويعاً في الصادرات في العالم. في عام 2018، لم يكن سوى 4.1 بالمئة فقط من صادرات العراق يشتمل على أي شيء آخر غير النفط الخام، منخفضة عما كانت عليه عام 2004 عندما بلغت 8.5 بالمئة. وأدى التخلي عن المزارع والمصانع خلال سنوات الصراع إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للعراق بشكل كبير. ونتيجة لذلك، فإن الحصة المشتركة للزراعة والتصنيع في الناتج المحلي الإجمالي للعراق انخفضت بنحو ثلاثة أرباع منذ أواخر الثمانينيات» حسب البنك الدولي.
بلا صناعة وبلا زراعة، ومع استخدام التعيينات الحكومية كأداة لتقوية الأحزاب الفاسدة على حساب الكفاءات والتنمية استنادا الى الانتاج والصناعة الوطنية، تؤكد يوميات الاحتجاجات في العراق كله، خاصة من قبل الخريجين، أنها باقية ولن تنتهي ما لم يحدث تغيير حقيقي على مستوى الوطن كله.

كاتبة من العراق

 

 

مظاهرات عرب وكرد

العراق غير مجدية

هيفاء زنكنة

منذ الثاني من كانون الأول/ ديسمبر والمظاهرات مستمرة وإطلاق النار على المتظاهرين السلميين مستمر، وأعداد الشهداء والجرحى في تزايد بالعراق.
توثق الفيديوهات مطاردة القوات الأمنية للمتظاهرين واستهدافهم بالرصاص الحي. خلال أسبوع واحد استشهد تسعة شباب وجرح 59. كلا، هذه ليست ساحة التحرير، ببغداد، أو ساحة الحبوبي، في مدينة الناصرية، جنوب بغداد. كما أنها ليست مدينة الفلوجة أو الموصل. إنها ليست الساحات والمدن التي باتت المظاهرات والاعتصامات ملمحا من ملامحها العمرانية ومسيرات وداع الشهداء جزءا من شوارعها. كما أن المحتجين ليسوا، هذه المرة، ممن يمكن قولبتهم ضمن التوصيفات الجاهزة: سنة أو شيعة أو دواعش أو قاعدة. المتظاهرون المستهدفون بالاعتداء والاعتقال والقتل هم من مدينة السليمانية، شمال العراق، في إقليم كردستان. الإقليم الموسوم من قبل الإعلام الغربي بنموذج الديمقراطية وحقوق الإنسان.
خرج المتظاهرون، كما في بقية محافظات العراق، احتجاجا على عدم دفع الرواتب والبطالة والفساد. ما يميزهم عن المتظاهرين في بقية أرجاء البلاد، هو أن رواتبهم تدفع من قبل حكومة الإقليم التي تقبض ميزانيتها من الحكومة المركزية ببغداد. بين الحكومتين ضاعت الرواتب على الرغم من ميزانيتيهما الخيالية، وحيازتهما على مليارات الدولارات النفطية، بالقياس إلى ما كانتا عليه قبل الاحتلال عام 2003، غير أن شراهة فساد الحكومتين تزداد يوما بعد يوم.
امتدت المظاهرات، بسرعة، لينضم إليها سكان بلدات وقرى في ضواحي محافظة السليمانية الواقعة تحت سلطة الاتحاد الوطني الكردستاني، وليصب غضب الناس على رئاسة الحكومة المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني والذي ينتمي إليه رئيس الإقليم ورئيس الوزراء. فإقليم كردستان، خلافا للتسمية التي قد تدل على وحدة الكرد، مقسم عمليا، سياسيا وإداريا ومؤسساتيا بين الحزبين، أو الأصح سلالة العائلتين الحاكمتين وهما عائلة / عشيرة البارزاني (مقرها الرئيسي أربيل) وعائلة الطالباني (مقرها الرئيسي السليمانية). وإذا كانت خلفية المتظاهرين في السليمانية وما حولها، بضمنها مدينة حلبجة، الوجه الإعلامي المعروف عالميا بضحايا السلاح الكيمياوي، مختلفة من الناحية الإثنية عن بقية المدن العراقية المنتفضة، إلا أن الطريقة التي ووجهت بها واحدة. إذ سرعان ما اتهم المتظاهرون بتهديد الأمن القومي وتدخل قوى خارجية مما شرعن شراسة القوات الأمنية والاعتداءات الجسدية والاعتقالات والغاز المسيل للدموع والاستهداف بالرصاص الحي، لتثبت وحشية التعامل مع المتظاهرين أن الحاكم المستبد واحد والنظام القمعي واحد، مهما كان الدين أو المذهب أو العرق. وأن الفساد الذي يغذي وجودهم واحد، والخوف من أبناء الشعب المستهان بكرامته واحد.
تبين الفيديوهات المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي، بوضوح، حجم الخوف الذي تعيشه السلطة الفاسدة من أبناء الشعب المحروم من حقوقه. حيث تم إنزال الدبابات والمدرعات إلى الشوارع، وأغلقت ساحات معروفة للمظاهرات، ليحتلها مسلحون مقنّعون مدججو السلاح إزاء شباب تكاد تبتلعهم الفجوة الهائلة بين الثراء المليارديري السريع، المبتذل، لساكني المجمعات السكنية المحمية بحراسات شركات أمنية خاصة وبين الشباب العاطل الهارب إلى أوروبا في قوارب الموت.

المنافسة بين الحكومتين لتصدر قائمة النهب والفساد والمحسوبية والمنسوبية محمومة، ومثقلة بدماء ضحايا الاحتجاجات من أبناء العراق كله، بلا استثناء

تبرر سلطة الإقليم فشلها في دفع الرواتب وقلة الخدمات بـ« عدم وفاء حكومة بغداد بالتزاماتها المالية». والحقيقة هي أن المنافسة بين الحكومتين لتصدر قائمة النهب والفساد والمحسوبية والمنسوبية محمومة، ومثقلة بدماء ضحايا الاحتجاجات من أبناء العراق كله، بلا استثناء. فهذه ليست المرة الأولى التي يتظاهر فيها الكرد في محافظات الإقليم، كما أنها ليست المرة الأولى التي يٌستهدف فيها المتظاهرون والصحافيون بالعنف وقمع الحريات. بل إن ما يجري، حاليا، هو استمرارية لعقود من الاقتتال على محاصصة الفساد، بأنواعه، بين الحزبين، تتخللها الاحتجاجات والاعتصامات الجماهيرية المطالبة بوضع حد لامتهان كرامة المواطن وحقوقه الأساسية. ففي 19 فبراير/ شباط 2011، مثلا، تظاهر نحو ثلاثة آلاف من طلاب جامعة السليمانية مطالبين رئيس الإقليم مسعود بارزاني بالاعتذار عن قيام حراس مقر حزبه بإطلاق النار على متظاهرين مما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة 57 جريحا. وفي 12 أغسطس/آب، من العام الحالي، خرج المحتجون للمطالبة بتحسين التعليم وفرص العمل وتدابير مكافحة الفساد. وحين قامت قناة إن آر تي، بتغطية الاحتجاجات، أغلقت السلطات الكردية مكتبي القناة في أربيل ودهوك بذريعة « تشجيع تكدير الأمن العام والإضرار بالانسجام الوطني».
على مستوى حرية التعبير، مارست السلطات أنواع التضييق والتهديد وحتى الاغتيال. إذ تم اختطاف الصحافي الشاب سردشت عثمان (23 عاما) في 4 أيار/ مايو 2010 من أمام كلية اللغات، بجامعة صلاح الدين، بأربيل. وعثر على جثته بعد يومين وعليها آثار ضرب وهي مصابة بإطلاقات نارية في منطقة الرأس. وكان السبب كتابته أربعة مقالات ساخرة من السلطة والرئيس بارزاني. أشار في أحداها إلى « كلاب أمريكا البوليسية وحراس إسرائيليين» مستخدمين لحراسة الأغنياء.
كما كتب عن بعض نواحي فساد إدارة الإقليم، قائلا: «هنا بلدٌ لا يسمح لك أن تسأل الرئيس لماذا أعطيت كل هذه المناصب الحكومية والعسكرية لأبنائك وأحفادك وأقاربك؟ من أين أتى أحفادك بكل هذه الثروة؟» مشيرا إلى مصيره «إذا استطاع أحد أن يطرح هذه الأسئلة فإنه قد اخترق حدود الأمن القومي وعرّض نفسه لرحمة بنادقهم وأقلامهم». ولا تقل تهديدات وملاحقة الاتحاد الوطني عن الحزب الديمقراطي، حيث هدد هالو إبراهيم أحمد (شقيق زوجة الطالباني الرئيس الراحل) الصحافي ناباز كوران في 28-2-2008 قائلا «سأقتلك ياكوران حتى لو بقي يوم واحد من عمري». وذلك لمجرد كتابة كوران مقالة نشرت في صحيفة «هولاتي» المستقلة، انتقد فيها قلة الكهرباء في الإقليم بينما يبقى قبر إبراهيم أحمد المشيد بشكل مزار، في أطراف السليمانية، لا تنقطع عنه الكهرباء على مدار اليوم.
إن بقاء الإقليم مقسما، من ناحية توزيع النفوذ والمناصب والعقود، بين الحزبين، بالإضافة إلى استشراء الفساد العام، المغلف بالسياسة والشعبوية القومية، بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، ولجوئهما، سوية، إلى استغلال حملات التخويف والترويع من «الآخر» تتطلب نضالا موحدا من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية لكل العراقيين على تنوع قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم. لم تعد المطالب الخدماتية المتفرقة لشرائح وطبقات سكانية في مدن ومحافظات، كل على حدة، بلا تنسيق موحد جامع، مجدية بمواجهة أنظمة وسلطات قمعية مستعدة للتضحية بكل المواطنين لتبقى. إن التغيير الحقيقي يتطلب توحيد القوى المؤمنة فعلا بكرامة الإنسان. الإنسان بالمعنى العميق الشامل للإنسانية. وإن العراق بلد يتسع للجميع، ولعل هذا ما عناه سردشت حين كتب قبل اغتياله «وأينما انتهت حياتي فليضع أصدقائي نقطة السطر، وليبدأوا هم بسطر جديد».

كاتبة من العراق

 

 

سويسرا الحيادية تستثمر

أموالها في صناعة الحروب

هيفاء زنكنة

 

قام الشعب السويسري بالتصويت، الشهر الماضي، على مبادرتين لهما أبعاد اقتصادية دولية وانعكاسات أخلاقية وانسانية. لم يتم تمرير أي منهما.
تدعو المبادرة الأولى المسماة «من أجل شركات مسؤولة» الى محاسبة الشركات السويسرية، متعددة الجنسيات، على انتهاكات حقوق الإنسان أو انتهاكاتها للمعايير البيئية التي ترتكبها في الخارج، في زمن بات فيه نفوذ هذه الشركات يفوق غالباً نفوذ البلدان التي تعمل فيها. وتدعو المبادرة الثانية المسماة «مناهضة تجارة السلاح» إلى إضافة مادة إلى الدستور السويسري تحرّم تمويل صناعة الأسلحة. وهذا يعني أن البنك الوطني السويسري ومؤسسات التمويل والادخار لن تستطيع منح قروض أو استثمارات للشركات التي يولّد إنتاج المواد الحربية أكثر من 5 بالمئة من عائداتها السنوية. وسيتوجب على سويسرا أيضاً أن تلتزم على المستوى الوطني والدولي بتوسيع هذا الحظر ليشمل البنوك وشركات التأمين.
تثير نتيجة التصويت عديد التساؤلات حول حضارة الأمم والمستوى الأخلاقي لمواطني دول يتمتعون فيها بحرية الاختيار.
وهل بامكان العالم التطلع الى مستقبل خال من صناعة الحروب وتحقيق السلام، فعلا، أم انها أضغاث احلام « يسارية» لأشخاص ومنظمات، تعيش بعيدا عن الواقع، مستنزفة، ببيعها الأحلام، قوى الناس في نشاطات يعرفون جيدا أنها غير مجدية؟ هل هناك شعب محب للسلام تخلى عن صناعة الحرب المربحة بامكاننا استحضاره كنموذج، لشحن طاقة الأمل بالسلام في ارجاء الكرة الارضية، مستقبلا، وخاصة في منطقتنا التي تعيش 40 بالمئة من الحروب بالعالم؟
إن القاء نظرة على حجم تصنيع وانتاج العتاد الحربي وتصديره، وأهميته الأساسية في اقتصاد الدول المنتجة، وبالتالي انعكاسه على ارتفاع مستوى معيشة الفرد، يبين أن هذه الصناعة المربحة لن تكون مهددة بالانقراض قريبا. بل هناك ما يؤكد، أنها ستبقى، لاسباب سياسية بالاضافة الى الاقتصادية، بمنأى عن التخلي الرسمي والشعبي معا، مهما كانت الدول المصدرة حيادية وتشدّد على تقاليدها الإنسانية واحترامها لحقوق الإنسان، كما هي سويسرا.
تأتي مبادرة « مناهضة تجار السلاح» في سياق ازدياد تصدير السلاح السويسري. واذا كانت الفكرة السائدة عن سويسرا أنها البلد المحايد، المضيف، لأهم المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية والمصّنعة للأدوية والساعات الراقية، فقط، فان الواقع يؤشر الى ما هو أكثر من ذلك. حيث تُصدر سويسرا السلاح وعلى رأسها أنظمة الدفاع الجوي والمدرعات، إلى خمس وخمسين دولة، من بينها دول في حالة حرب بما في ذلك الكيان الصهيوني والسعودية والإمارات.

تكتسب متابعة ما يجري في سويسرا أهمية بالغة بالنسبة إلينا، نحن أبناء البلدان التي يتغذى حكامها ومستبدوها على شراء السلاح ولا مانع لديهم من دفع المليارات ثمنا لأسلحة تستخدم، غالبا، ضد شعوبهم

وتواصل سويسرا تغذية الحرب ضد اليمن بالسلاح منذ أكثر من خمسة أعوام، بالاضافة الى وجود تقارير تؤكد وصول اسلحتها الى سوريا وليبيا، على الرغم من كونها محظورة. اذ من المفترض خضوع صادرات الأسلحة السويسرية إلى مناطق النزاع الى قانون العتاد الحربي، الذي تنص المادة 5 منه على أنه لا ينبغي منح ترخيص تصدير إذا كان بلد المقصد متورطًا في نزاع مسلح داخلي أو دولي؛ وإذا كان ينتهك حقوق الإنسان «بطريقة منهجية وخطيرة»؛ وإذا بدا أن هناك احتمالا لاستخدام الأسلحة المصدرة ضد المدنيين؛ أو إذا كان هناك «خطر كبير في أن تتم إعادة تصدير هذه الأسلحة إلى مستلم نهائي غير مرغوب فيه». الا ان هذه النصوص القانونية المقيدة لم تمنع وصول الاسلحة الى بلداننا، مما دفع حزب الخضر و«مجموعة من أجل سويسرا بدون جيش» والأحزاب اليسارية والمنظمات غير الحكومية الناشطة في مجال تعزيز السلام الى طرح المبادرة الثانية، المستهدفة للشركات التي تحقق أكثر من 5 بالمئة من ربحها السنوي من إنتاج السلاح. مع العلم أن الاستثمار والإتجار بالأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية وكذلك الألغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية محظور في سويسرا.
أثارت هذه المبادرة، النقاش ما بين المؤيدين والمعارضين، لارتباطها بالوضع الاقتصادي العام والمعاشي للمتقاعدين. شكّل معارضو المبادرة لجنة مؤلفة من مسؤولين منتخبين من جميع الأحزاب اليمينية والوسطية وكذلك النقابات المهنية لمحاربتها. فقبولها يعني اعادة النظر في استثمار ما قيمته 1.93 تريليون دولار، يدار من قبل المصرف الوطني السويسري، ومنظومة التأمين ضد الشيخوخة والعجز التي تديرها الدولة، بالإضافة إلى أكثر من ألف وخمسمائة صندوق معاشات مهنية. وأي مس بهذه الاستثمارات يُشعر المواطن بالقلق لما قد يصاحب ذلك من تدهور في وضعه الاقتصادي، بالاضافة الى تقليل فرص العمل المرتبطة بتصنيع السلاح. فحسب تقرير منظمة «لا تستثمر في القنبلة» استثمر المصرف الوطني السويسري و «كريدي سويس» و«يو بي إس» حوالي 9 مليارات دولار في شركات منتجة للمواد الحربية المحظورة في عام 2019، ومنها شركات أيرباص وبوينغ.
يرى مؤيدو المبادرة أن الاستثمار في صناعة السلاح وتصدير المعدات الحربية يُساعد على تأجيج النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم، مما يتعارض مع صورة سويسرا كوسيط دبلوماسي محايد، ودولة تروّج وتدعم الجهود الإنسانية. كما يقترحون ان هناك صناعات واستثمارات بديلة لتجارة الحروب. «هناك قطاعات أخرى صالحة للاستثمار مستقرة ومُربحة مثل تجارة الحرب» تقول المتحدثة باسم حزب الخضر. هذا صحيح، طبعا، وليس من المستحيل تحقيقه.
الا أن حملة رفض المبادرة المكثفة التي ضمت غالبية مجلس النواب السويسري والأحزاب اليمينية بالاضافة الى النقابات المهنية ( وهي نقطة تستحق الدراسة) وحثهم الناخبين على رفضها، أدت الى عدم تمريرها وان حازت على نسبة عالية من الاصوات.
تكتسب متابعة ما يجري في سويسرا أهمية بالغة بالنسبة إلينا، نحن أبناء البلدان التي يتغذى حكامها ومستبدوها على شراء السلاح ولا مانع لديهم من دفع المليارات ثمنا لأسلحة تستخدم، غالبا، ضد شعوبهم، وبإمكان مصدر السلاح فرض شروط استخدامها عليهم ومنعهم إذا ما عاشوا صحوة ضمير وأرادوا استخدامها ضد أعدائهم الحقيقيين، والأمثلة في فلسطين واليمن وسوريا كثيرة. كما تثير متابعة التصويت في سويسرا تساؤلا بالغ الأهمية وهو اذا كان هذا هو الوضع بالبلد المحايد غير التوسعي فكيف يمكن تحجيم صناعة السلاح والحروب في أمريكا وهي من اكبر الدول المصدرة للسلاح وسياستها تهدف الى الهيمنة على العالم؟
تعتمد صناعة السلاح، في مفهوم السوق التجاري الرأسمالي، على الربح وما يوفره من رفاهية لشعوب الدول المصدرة.
وتنبع مناهضتها، من قبل شرائح مجتمعية دون غيرها، لأسباب أخلاقية وانسانية تخوفا من استغلال الشركات والدول لفرص الربح على حساب حياة الناس. هنا تكمن مسؤولية الحكومات في بلداننا الموبوءة بالاستبداد والقمع والنزاعات المختلقة والحروب في وضع حد لصفقات السلاح المربحة القاتلة، ولأن قدرة حكوماتنا على تنفيذ ذلك مشكوك بها، لعل الضوء الذي يمنحنا الأمل هو العمل سوية مع مناهضي انتاج السلاح وحركات السلام في البلدان المنتجة للسلاح نفسها.

كاتبة من العراق

 

 

اقتتال المجموعات العرقية والمذهبية

في ساحة الحبوبي في العراق!

هيفاء زنكنة

 

إلى قائمة شهداء انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 2019 البالغ عددهم 600 شخص، وجرحاها الذين تجاوز عددهم عشرات الآلاف، أضافت مدينة الناصرية، في محافظة ذي قار، جنوب العراق، في الايام الثلاثة الاخيرة، ضحايا جددا من شباب لم تتح لهم فرصة التمتع بشبابهم وتحقيق طموحاتهم وأحلام ذويهم. سبعة شهداء و85 جريحا.
لماذا؟ لماذا يقتل شبابنا ومعهم تدفن آمالنا ومستقبل بلادنا؟ يتساءل الأهالي المخضبة وجوههم بالدموع وهم يرون أبناءهم يقتلون بلا سبب غير مطالبتهم بحق الحياة بكرامة، وألا يهانوا في بلدهم، على أرضهم، وأن يعيشوا أيامهم كما الآخرون في بلدان أقل ثراء. وأن تتوفر للجميع اساسيات الحياة والمواطنة، وأن يُحترم حقهم بالتظاهر السلمي والاحتجاج اذا ما أساء المسؤولون استخدام سلطتهم ونسوا، أو تناسوا، أن مواصفات وظيفتهم تنص، بوضوح، على أن واجبهم هو خدمة الشعب وليس العكس.
هل هذا صعب التحقيق في بلد ثري بميزانية سنوية تعادل عدة بلدان مجاورة يعيش أهلها ظروفا حياتية تليق بالإنسان؟ هل من الصعب ايجاد اشخاص غير فاسدين ينتمون الى الشعب ويعرفون معنى الحرية والكرامة والوطنية؟ هل الصورة معقدة، فعلا «لأننا بلد متعدد القوميات والمذاهب» كما يحاول الساسة إقناعنا ويروج له إعلاميا، وكان واحدا من تبريرات المحتل « الإنسانية»؟ واذا كان هذا صحيحا في بلد لا يزيد عدد المذاهب والقوميات فيه عن العشرة، واللغات عن اربع، ماذا عن في أندونيسيا حيث تتعايش 1300 مجموعة عرقية تتحدث 652 لغة بسلام؟ ماذا عن الفلبين وبين سكانه 180 مجموعة عرقية؟ و تشاد، في شمال وسط إفريقيا، حيث ينتمي 8.6 مليون نسمة، أي ربع سكان العراق تقريبا، إلى أكثر من 100 مجموعة عرقية؟
تبين مراجعة الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المواطنين، في ارجاء العراق، على مدى 17 عاما الأخيرة، أنها بدأت بشكل طائفي وعرقي تزامنا مع احتلال البلد وعودة أحزاب المعارضة المتعاونة مع المحتل للاستحواذ على السلطة وهي بلا جذور حقيقية في المجتمع. فكانت بحاجة ماسة الى تجذير وجودها عن طريق التخويف والترهيب واختلاق هويات مصطنعة وادعاء حماية مجموعة سكانية ضد أخرى. إلا أن تصنيع هذه السيرورة الطائفية / العرقية، تلقى ضربة قوية مع انطلاق انتفاضة تشرين، التي أكدت للجميع، على اختلاف الأديان والمذاهب والأعمار والطبقات، من ضمنهم المتضررون حقا من سياسة النظام السابق، وضحايا طائفية نظام الاحتلال والارهاب، ان فساد النظام ولا وطنيته واحتقاره للمواطن هو أساس المشكلة الحقيقية. فكان صوت المحتجين واحدا، بلا تصنيف مسبق، في كربلاء والنجف وبغداد والبصرة والديوانية، مطالبا بوطن وانهاء الفساد المنتشر في كل مؤسسات الدولة والحكومة، وتقديم قتلة المنتفضين للقضاء، والكشف عن مصير الناشطين المخطوفين.
وكادت الانتفاضة أن تحقق ما هو أكثر من هذا، بعد نجاحها باسقاط حكومة عادل عبد المهدي، لولا انتشار فايروس كورونا وميل البعض الى اعطاء الكاظمي فرصة لتحقيق قائمة وعوده الطويلة، والتي تمخضت عن استمرار خطف واعتقال وقتل الناشطين، بالاضافة الى بقاء الوضع الاقتصادي متدهورا، والخدمات الاساسية معدومة، وانتشار السلاح بأيدي الميليشيات المسيطرة بإرهابها على الشارع وحياة المواطنين.

لماذا يقتل شبابنا ومعهم تدفن آمالنا ومستقبل بلادنا؟ يتساءل الأهالي المخضبة وجوههم بالدموع وهم يرون أبناءهم يقتلون بلا سبب غير مطالبتهم بحق الحياة بكرامة، وألا يهانوا في بلدهم، على أرضهم، وأن يعيشوا أيامهم كما الآخرون

عدم الوفاء بالوعود، أعاد المتظاهرين السلميين الى ساحة الحبوبي، وسط مدينة الناصرية، جنوب العراق، وهي ساحة مدينة لا توجد فيها عشرات المجموعات العرقية والطائفية بل تعتز بتاريخها وشعرائها ومغنيها ويتوسطها تمثال الشاعر ورجل الدين المقاوم للاحتلال البريطاني، عام 1915، محمد سعيد الحبوبي. شهدت الساحة، يومي الجمعة والسبت الماضيين، هجوما وحشيا شنه أتباع مقتدى الصدر المسلحين على المحتجين السلميين وحرق خيامهم المنصوبة وسط الساحة، بينما وقفت القوات الامنية متفرجة على ما يجري وبضمنه سيطرة مليشيا الصدر على مركز المحافظة والاستيلاء على الاسلحة الموجودة، حسب بيان للمنتفضين طالبوا فيه استقالة حكومة مصطفى الكاظمي لفشلها « بحفظ هيبة الدولة وحماية أرواح الشعب وحماية حق الاحتجاج والرفض والتعبير».
تراوحت ردود الأفعال حول هجوم أتباع الصدر وقتل المتظاهرين بين الصمت المطبق، خاصة، من قبل الحزب الشيوعي، حليف مقتدى الصدر في قائمة « سائرون» والغضب الشعبي المتبدي في احتجاجات التضامن في مدن أخرى، بالاضافة الى التبادل السريع لأخبار الاحتجاج ونشر صور واسماء الضحايا من الشهداء والجرحى على صفحات التواصل الاجتماعي، والسخرية والتعريض بمقتدى الصدر وتقلبات مواقفه المماثلة لحركة بندول يتأرجح ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، فضلا عن حالات انزوائه المفاجئة واختفائه أما خارج العراق أو داخله بذريعة اكمال الدراسة أو كتابة الشعر. وغالبا ما تنعكس تقلباته النفسية والعقلية، على قادة تياره وأتباعه، فهو يدعو الى تظاهرة مليونية يوما ثم داعيا إلى «تصفية ساحات التظاهر» يوما آخر، ويطالب الحكومة بالاصلاح بينما هو في صلب الحكومة. تؤدي تقلبات الصدر الى خلق انواع السلوك المختل بين اتباعه مما يجبره، حين يتذكر انه « سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد القائد المجاهد مقتدى الصدر أعزه الله» الى « تصفية» التيار الصدري لتنقيته من « الشوائب» فيصدر أوامره، على موقعه الرسمي وبتغريداته، بطرد هذا المسيء او تجميد نشاط ذاك « و«عليهم التفرغ للعبادة».
تمثل رد فعل رئيس الوزراء الكاظمي، الأساسي، بتشكيل لجنة تحقيق و« خلية ادارة الأزمة». وهو رد فعل مألوف ومتوقع، تعّود عليه المواطنون الذين يعرفون جيدا ان لجنة التحقيق هي مجرد اضافة جديدة الى قائمة تضم مئات لجان التحقيق، التي تمر بلا تحقيق، وهدفها الوحيد هو طمس الانتهاكات والجرائم والتسترعلى القتلة، خاصة، اذا كانوا منتمين الى إحدى الميليشيات. وبينما تُصدر «خلية ادارة الازمة» صورا واخبارا عن مواعيد اجتماعاتها، لا يكف أتباع الصدر، حالما يعطيهم الصدر الاشارة، عن الانطلاق نحو الساحات وهم يحملون السلاح بانواعه، خلافا لبقية المتظاهرين، لاستعراض قوتهم والتأكيد على انهم القوة الحقيقية في البلد، متهمين المتظاهرين بانهم ينفذون أجندات خارجية مشبوهة.
اذا كان هناك ما يستخلص من انتفاضة تشرين، بساحاتها الممتدة في عديد المدن، وعودة المنتفضين اليها على الرغم من وحشية رد فعل الميليشيات ودعم او صمت جهات النظام الأمنية، فهو أن النظام المبني على الفساد والمكون من مجموعات لصوص أكثر منها عرقية أو طائفية، تستطيع، مهما احتربت، في ظروف توفر الريع النفطي وحده، أن تعيد توزيع اسلابها، وهي لا تحتاج الشعب، ما دامت قادرة على التشبيك مع القوى الاقليمية والدولية، تحت مظلة « تقاطع المصالح». وهو درس استوعبه جيل الانتفاضة التشرينية جيدا، وسيعيدهم الى ساحات مدنهم مطالبين بالتغيير المرة بعد المرة.

كاتبة من العراق

 

 

العراق:

الإعدام ثقافة شعبية؟

هيفاء زنكنة

في الوقت الذي تراجع فيه تنفيذ الإعدام في العالم، وانخفضت الأعداد الى حد أدنى، حيث أبطلت نحو 170 دولة عقوبة الإعدام أو أوقفت تنفيذها سواء بالقانون أو الممارسة، للسنة الرابعة على التوالي ضاعف النظام العراقي عدد عمليات الإعدام المسجلة تقريباً بين عامي 2018 و2019 فوصل إلى 100 في 2019 مقارنةً بـ 52 في 2018 محافظا بذلك على مركزه الرابع بين الدول الأكثر تنفيذا لأحكام الإعدام. ولعله يتطلع الى احتلال مركز اعلى، خلال هذا العام، اذ أعدم 21 سجيناً في أكتوبر، ثم 21 سجينا آخر الأسبوع الماضي، في سجن الناصرية المركزي، المعروف باسم سجن الحوت، أدينوا بتهمة الإرهاب والانتماء إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».
تباينت ردود الافعال حول حملة الإعدامات ما بين الاستنكار والترحيب. حيث أجمعت منظمات حقوقية عراقية ودولية على استنكار وادانة حملة الإعدامات الجماعية ومن بينها منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الإنسان في الامم المتحدة ومركزجنيف الدولي للعدالة بالاضافة الى عدد من خبراء الأمم المتحدة. وصفت منظمة العفو الدولية الإعدام الجماعي بأنه عمل مشين، حاثة السلطات العراقية على ان تضع حداً لإعدام الناس. إذ ان عمليات الإعدام الانتقامية لا تحقق العدالة للضحايا ولأسرهم، بل إنها تعمل على تعزيز صورة العدالة الجزئية، في الوقت الذي تكون فيه السلطات صامتة فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة الأخرى التي لا تزال ترتكب في جميع أنحاء البلاد، كالتعذيب، والاختفاء القسري.
واذا كانت ذريعة اللجوء الى تنفيذ الإعدام بهذه الاعداد الكبيرة ( وهي المعلن عنها فقط) بالمقارنة مع بقية الدول في جميع انحاء العالم هي ان من نفذ بهم الحكم هم من الدواعش الإرهابيين، على الرغم من فساد القضاء وإجراء محاكمات جائرة، تستند في احكامها إلى ما يسمى «الاعترافات» التي انتزعت تحت وطأة التعذيب أو المخبر السري والتهم الكيدية، فان بقاء العراق في مركزه العالي، الذي تبوأه قبل ظهور داعش بسنين، وبالتحديد منذ احتلاله، يدل على ان تنفيذ الإعدام سياسة حكومية منهجية لقمع الأصوات المعارضة أو لبث الخوف في قلوب الأقليات أو الجماعات التي لا تتمتع بالحظوة فضلا عن محاولة النظام اثبات سيطرته وقدرته على الدفاع عن اتباعه.
النظام الذي تم تسويقه والترويج له كنموذج شرق أوسطي للديمقراطية وحقوق الانسان، اصبح أداة لسلب الحياة والوجه الثاني للإرهاب الذي يدّعي محاربته حتى حين تكون المعارضة سلمية، كما رأينا اثناء انتفاضة تشرين الأول / اكتوبر 2019 حين تم اغتيال 600 مواطن واعاقة الآلآف. ولم يحدث وتم اعتقال أو محاسبة اي مسؤول عن هذه الجرائم الموثقة بالصور والفيديوهات. انتقائية تطبيق العقاب هذه، واللجوء الى الإعدام رغم عدم وجود ما يؤكد فاعليته في وضع حد للجرائم والإرهاب، هو ما يدفع المنظمات الحقوقية الى اصدار التقرير تلو التقرير حول انتهاكات وجرائم النظام العراقي، وهو ما يدفعنا الى عدم السكوت.

إن إعدام شخص بلا محاكمة عادلة هو إعدام للعدالة وللقضاء النزيه وتشجيع للخروج على القانون وإشاعة ثقافة القتل خارجه

«أظهر تقييمنا لإقامة العدالة في القضايا التي تتعلّق بالإرهاب في العراق، وقوع انتهاكات متكرّرة للحقّ في المحاكمة العادلة، في سياق التمثيل القانوني غير الفعال، والاعتماد المفرط على الاعترافات، والادعاءات المتكررة بالتعذيب وسوء المعاملة. وفي مثل هذه الظروف، يشكّل تنفيذ عقوبة الإعدام مصدر قلق بالغ، وقد يرقى إلى حدّ الحرمان التعسفي من الحياة تمارسه الدولة نفسها».أفادت مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت، بعد تلقيها خبر الإعدامات، وما قد تحمله الايام المقبلة لمئات السجناء الآخرين. بالاضافة إلى المفوضة السامية أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة بيانا أدان فيه المحاكمات الجائرة والإعدامات الجماعية وحث على تطبيق الإجراءات القانونية الواجبة. اذ يجب على العراق الإلتزام بالقوانين الدولية المتعلّقة بعقوبة الإعدام والمعاملة اللاإنسانية أثناء الاستجواب ويجب إحترام حقّ جميع المتهمين في محاكمة عادلة. كما ضمّنه رأي ثلاثة من خبراء الأمم المتّحدة في مجال حقوق الإنسان عن الإعدامات ووجوب وقف جميع عمليات الإعدام الجماعية فورًا، قائلين: «نحث الحكومة العراقية على ضرورة احترام التزاماتها القانونية الدولية ووضع حدّ فوري لخطط إعدام السجناء».
مقابل هذه المواقف والتقارير الحقوقية الانسانية المطالبة، كلها، بانهاء اصدار وتنفيذ احكام الإعدام الجائرة، هناك منظور سياسي شعبوي للاعدام يروج له الساسة باعتباره الحل الوحيد «لأخذ حقوق ضحايا الهجمات الإرهابية» وانه يجب العمل به لأنه «جزء من ثقافة وقيم المنطقة» كما دافع عبد الفتاح السيسي، في 2019 عن تنفيذ الإعدامات بمصر، وإن «الشعب عندما يسمع عن عدم تطبيق عقوبة الإعدام، لا يمكن أن يقبلوا منا أن نبقي هذا المجرم الذي مزق أشلاء آبائهم أو أبنائهم أو نسائهم، لأن لا قيمة للحياة إذا كان يعيش فيها هؤلاء، في نظر أهالي الشهداء» كما برر نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، رفضه ايقاف تنفيذ إعدام 129 سجينا في عام 2012 وما لايقل عن 169 خلال العام 2013 ملقيا المسؤولية على اهالي الشهداء وان توقيعه على تنفيذ الإعدامات هو لتحقيق رغبة الشعب، متعاميا عن حقيقة إن إعدام شخص بلا محاكمة عادلة هو إعدام للعدالة وللقضاء النزيه وتشجيع للخروج على القانون وإشاعة ثقافة القتل خارجه. وما اعتبره قصاصا رادعا لم يجعل العراق أكثر أمنا وطمأنينة بل ساعد على تنمية الاحساس بالظلم واشاعة روح الانتقام. ومايزيد من بشاعة الوضع بالنسبة الى السجناء وذويهم هو غياب التمثيل القانوني الفعلي (محام أو محامية) للمتهمين أثناء التوقيف، والتحقيق، والمحاكمة وما بعد المحاكمة في القضايا المسماة « إرهاب» أي التهمة الجاهزة المستخدمة منذ عام 2005 مع تزايد حالات اختطاف المواطنين، كرهائن لابتزاز العوائل من قبل ضباط أمن اشتروا مواقعهم بغية استرجاع ما دفعوا واثراء لانفسهم، أوميليشيات تبحث عن تمويل. في حالات كهذه قد يطلق سراح الإرهابي المدعوم من جهة قادرة على دفع الاتاوة كما حدث للكثيرين، بينما يعدم المواطن البريء او المتهم بارتكاب جرم غير خطير، فقط لأن اهله لا يملكون ما يطلبه الخاطفون من مال.
إن ادعاء الساسة أن اصدار أحكام الإعدام التي تحول البلد الى مسلخ بشري هو جزء من ثقافة وقيم المنطقة ادعاء مبتذل. فشعوبنا لا تختلف عن بقية شعوب العالم في رغبتها بأن يعامل كل شخص على قدم المساواة أمام القانون. ومن يرتكب اية جريمة سواء كانت ضد شخص أو مجموعة اشخاص يجب تقديمه للقضاء، وان يحاكم وفق القانون بدون تمييز كما يجب توفير الحماية المواطنين على قدم المساواة. وهذا ما لا يحدث في العراق تحت النظام الحالي حيث غالبا ما يعدم الأبرياء ويكافأ المجرمون.

كاتبة من العراق

 

 

ضرورة إبقاء

 أطفال العراق متخلفين

 

هيفاء زنكنة

 

 تواصل الهيئات الحكومية البريطانية والدولية المعنية بحماية ورعاية الأطفال، اصدار التقارير حول تأثير اغلاق المدارس على الأطفال جراء انتشار فايروس كوفيد 19 ومدى امتداد ذلك التأثير على المجتمع ككل مستقبلا. تُحذر التقارير كلها من التأخر في القدرة على التعلم بالإضافة الى المعاناة النفسية والجسدية كالاحساس بالعزلة والقلق وقلة الحركة. لذلك اتخذت الحكومة البريطانية وعديد الدول الغربية المتقدمة قرارات واجراءت فعالة لابقاء المدارس مفتوحة ومواصلة التعليم، عن بعد، عند الضرورة القصوى. اذ تؤكد دراسات علمية اجريت حول تأثير إغلاق المدارس كما حدث عام 2005، حين اسفر إعصار كاترينا الذي اصاب ساحل الخليج، عن نزوح 370 ألف طفل وتدمير أكثر من 100 مدرسة عامة، ان آثار الكارثة ظلت قائمة بعد عودة الأطفال الى المدارس. أظهر بعض الأطفال اعراضا متزايدة من القلق والاكتئاب وضغط ما بعد الصدمة لفترة طويلة بعد الحدث؛ ووجدت دراسة بعد خمس سنوات أن أكثر من ثلث هؤلاء الأطفال النازحين ما زالوا متخلفين بسنة على الأقل عن أقرانهم أكاديميًا، وانهم غير منضبطين في سلوكهم وعواطفهم.
كما بينت دراسة اجريت عام 2019، أن الطلاب في الأرجنتين الذين فاتهم ما يصل إلى 90 يومًا من المدرسة في الثمانينيات والتسعينيات بسبب إضراب المعلمين كانوا أقل من غيرهم امكانية للحصول على درجة علمية، وأكثر عرضة للبطالة، وحصلوا على حوالي ثلاثة بالمائة أقل في المتوسط من المناطق الأقل تأثراً. تعطينا هذه الدراسات والبحوث صورة عامة عن العوامل المؤثرة كالأعاصير والفيضانات وانتشار الأوبئة على توفير التعليم المدرسي للأطفال وانعكاسات القطيعة التعليمية، مهما كانت مدتها، على الأطفال عقليا وجسديا. أما في مناطق النزاع، فتدل البحوث على ان العبء الأكبر يقع دائمًا على الأطفال الذين فقدوا أسرهم، أو الذين يعاني أحد والديهما من صدمة نفسية. مما يأخذنا الى وضع اطفالنا، في البلدان العربية، التي تعيش اما في ظل احتلال مباشر (فلسطين) أو غير مباشر في ظل حروب ونزاعات كالعراق وسوريا واليمن ولبنان، بالاضافة الى خطر وباء كوفيد. هنا، تستوقفنا أسئلة تنعكس على الأطفال والمجتمع ككل. ترى كيف ستكون شخصية الطفل الذي يعيش هذه الظروف بتفاصيلها البائسة يوميا؟ بعيدا عن التعليم أو بتعليم متقطع، وفقدان احد الوالدين، وعدم الاحساس بالأمان، والخوف من فقدان من تبقى من عائلته، أي مستقبل يتوقعه الطفل، وكيف يتخلص من المخاوف وعدم الثقة بالآخر التي ترسبت، مبكرا، على انسانيته؟
أطفال العراق يعيشون هذه التفاصيل وغيرها. بعد ثلاث سنوات من إعلان النظام النصر ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لا يزال هناك 1.3 مليون نازح، موزعين في مخيمات نُصبت، منذ ما يقارب العقد، لتكون مؤقتة الا انها باتت دائمية. وبدلا من العمل على اعادة التوطين بشكل مستدام واتفاق مسبق يحفظ كرامة المواطنين وتأمين الضروريات، شرع النظام، الشهر الماضي، باغلاق المخيمات دون انذار مسبق ومشاورات مع ممثلي النازحين ووكالات الإغاثة العاملة في المخيمات للانتقال «الطوعي» الذي يصفه 60 بالمئة من النازحين الذين عادوا الى مناطقهم، بانه اجباري، بينما نزح 44 بالمئة منهم الى مخيمات أخرى ستغلق أيضاً أو منازل شبه مهدّمة، ولم يعد نحو نصف سكان تلك المخيمات إلى مناطقهم الاصلية، اما لأن بيوتهم في مناطق مدمرة أو لانعدام الخدمات او لتعرضهم، وفق منظمة الهجرة الدولية، التي تفادت التحديد، مثل استملاك الميليشيات لمناطق مثل جرف الصخر.

هناك اليوم ما يقارب من 3.2 مليون طفل عراقي في سنّ الدراسة خارج المدرسة، وأن الوضع في عدد من المحافظات سيئ جدا، حيث أنّ ما يزيد عن 90 في المئة من الأطفال في سنّ الدراسة خارج النظام التعليمي

في تلخيصه للحال، يقول فلاح حسن حسين على موقع المجلس النرويجي للاجئين: «لقد سجلنا العودة قبل أكثر من عام من مخيم السلامية الأول /محافظة نينوى، ولم نتلق اي مساعدة لا من وزارة الهجرة والمهجرين، ولا اية منظمة. والمنطقة الي نسكن فيها خالية من الخدمات، ولا يوجد ماء صالح للشرب. نشتري خزان الماء بثمانية الاف دينار، ولا توجد فرص عمل. لو باقين بالمخيم أحسن من هاي الحالة».
ماذا عن التعليم؟ عن الدوام المدرسي الذي يؤدي الى أضرار نفسية وعقلية كبيرة قد تمتد مدى العمر، كما تحذر الدراسات العلمية وتخشاها الدول الغربية؟ يشير تقرير حديث لليونسيف أنّ هناك اليوم ما يقارب من 3.2 مليون طفل عراقي في سنّ الدراسة خارج المدرسة، وأن الوضع في عدد من المحافظات مثل ديالى وصلاح الدين سيئ جدا، حيث أنّ ما يزيد عن 90٪ من الأطفال في سنّ الدراسة خارج النظام التعليمي، وما يقرب من نصف الأطفال النازحين في سنّ المدرسة، أي حوالي 355.000 طفل وطفلة، ليسوا في المدرسة. والوضع أسوأ بالنسبة للفتيات في المدارس الابتدائية والثانوية. حيث ارتفعت معدلات التسرب، فضلا عن ارتفاع عدد المدارس المزدوجة التي تعمل بدوامين أو ثلاثة في اليوم الواحد، وبصفوف مكتظة يصل فيها عدد الطلبة إلى 60 طالبا في الصف الواحد.
يعزي التقرير الاسباب الى « عقود من الصراع، وغياب الاستثمارات في النظام التعليمي الذي كان يُعدّ فيما مضى أفضل نظامٍ تعليمي في المنطقة». مبينا ان حصول الأطفال على التعليم الجيد، يتوقف على معالجة عوائق رئيسية وتشمل « التمويل غير المنصف، وعدم كفاية البنية التحتية التعليمية لا سيما في المدارس في المناطق الريفية والمناطق المتضرّرة من الأزمة، والنقص في المواد التعليمية الضرروية الذي يحدّ من التعليم الفعّال، والافتقار إلى مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة الملائمة والمواتية للفتيان والفتيات، والتوزيع غير العادل للمدرّسين المؤهلين».
وستتبدى بوضوح مدى جدية النظام في ايجاد حلول للعوائق حين نعلم ان الميزانية الوطنية للبلد، خصصت في السنوات الماضية، أقل من 6 بالمئة للقطاع التعليمي، ممّا يضع العراق في أسفل الترتيب لدول الشرق الأوسط، في الوقت الذي تتزايد فيه تخصيصات الفساد المالي لتصل المليارات. لاتوفر المدارس مكانا للتعلم فقط بل أماكن لحماية الأطفال من الأذى والمحافظة على سلامتهم من خلال التعرف على التهديدات التي قد يتعرضون لها في المنزل والمجتمع. ووجود الأطفال خارج المدارس يعني حرمانهم من الاحساس بالأمان وجعلهم أكثر عرضة للاستغلال وسوء المعاملة، بما في ذلك عمالة الأطفال والاستغلال الجنسي والزواج المبكر، والأخطر على انفسهم والمجتمع هو التجنيد من قبل جهات مسلحة أيا كانت. واذا اخذنا بنظر الاعتبار أبحاثا أمريكية توصلت الى ان فقدان عام دراسي واحد يعادل تخلفا ذهنيا عاما بمعدل نصف عام، هل من المستغرب اقتناع الكثيرين بأن سياسة النظام العراقي التعليمية هي تكريس التجهيل وتدمير الأجيال الجديدة، عقليا وجسديا، وابقاء البلد ضعيفا قابلا للاستغلال والهيمنة، وهو هدف الاحتلال عام 2003، والتوافقات الاقليمية التي تلته.

كاتبة من العراق

 

بايدن في العراق: علينا الحذر!

هيفاء زنكنة

باستثناء مواجهة أحد الجنود الأمريكيين الذين خدموا في العراق، للرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، واتهامه بأنه، بمساندته غزو واحتلال العراق برئاسة جورج بوش، كان قد سبب قتل الابرياء من الأمريكيين والعراقيين، صارخا أن « دماء الابرياء تلطخ يديك» لم يثر احتلال العراق وما سببه من خراب وقتل ما يزيد على المليون مواطن، أي اهتمام اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية. ولم يوضع العراق المحتل على أجندة النقاش من قبل أي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على الرغم من الحملة الانتخابية المكثفة على مدى شهور.
جاء تغييب العراق وبقية الحروب والنزاعات التي تنخرط فيها أمريكا، تأكيدا، لسياسة الحزبين المتماثلة في تجنب التطرق الى السياسة الخارجية عموما. ومن الأفضل ابقاء السياسة الخارجية، كما هي «خارجية» تُعنى بناس «آخرين» ضبابيين، يعيشون بعيدا في أماكن نائية تصلح للاستغلال عن مبعدة. لا قيمة انتخابية لهم ولا رأي بما سيحل بهم وبلدانهم جراء سياسة الإدارة الأمريكية التي ينتخبها الشعب الأمريكي.
هذه نقطة تستحق التذكير، لا من باب وضع الشعب الأمريكي كله في سلة واحدة مؤيدة للسياسة الامبريالية، ولكن لئلا نسقط في فخ الفصل بين سياسة الادارة الأمريكية والشعب الذي انتخبها. فالمحاججات التي يلجأ اليها البعض للتمييز بين ممارسات الحكومات القمعية المستبدة والشعب بسبب غياب الديمقراطية أو ان الديمقراطية حديثة الولادة أو ان الشعب بحاجة الى تعلم ثقافة الديمقراطية، لا تنطبق على الشعب الأمريكي الذي يرى نفسه حاضنة للحرية والديمقراطية، وناشرا لها بكل الأساليب الممكنة بضمنها، غالبا، الغزو والاحتلال، ويتم غرزها في نفوس المواطنين منذ طفولتهم وفي مناهج تعليمهم.
عموم الشعب الأمريكي يؤمن، اذن، بأن حكومته تمثله، مهما كان الحزب المنتخب أو شخصية رئيسه. فالرئيس ترامب الذي يتهمه معارضوه بأنه يمثل نفسه استطاع ان يحقق للحزب الجمهوري نجاحات مذهلة على مستوى جذب شرائح مجتمعية، كالعمال، كانت محسوبة للحزب الديمقراطي. مما يعني أن سياسة الحكومة الخارجية، وهذا ما يعنينا بالدرجة الاولى، هي وليدة رضا الشعب المتمتع ككل، وان بدرجات، بالرفاه الاقتصادي الذي يشكل الأرضية الاكثر خصبا لصناعة الرضا الشعبي. يليها، في الاهمية، الهيمنة الإعلامية والدعائية، المواظبة على ابعاد المواطن عن العالم الخارجي وحصره، عقليا، في قوقعة تُغذى بشعارات بسيطة سهلة الهضم.
من هذا المنطلق، في معركة تم، مسبقا، مسح انعكاساتها على العالم الخارجي، أختزل برنامج الانتخابات الاخيرة بشعار « اما ان تكون مع ترامب أو ضده». وهو شعار يماثل شعار الرئيس بوش في اعقاب الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر « أما ان تكون معنا أو ضدنا» باستثناء أن بوش أطلق شعاره، المدجج بالتفوق العسكري، بوجه العالم كله. العالم الذي يعيش مصائب الحروب والنزاعات المستمرة التي شنتها وتشنها أمريكا. فمن فلسطين والعراق الى اليمن وسوريا وافغانستان وأمريكا اللاتينية، تعيش شعوب هذه البلدان، في ظل ارهاب امبراطورية عسكرية، تشكل 5 بالمئة فقط من سكان العالم، لديها حوالي ألف قاعدة عسكرية متناثرة كالبثور على وجه العالم، وتعتمد في تنمية اقتصادها على مجمع التصنيع العسكري والحربي، وصفقات السلاح، واشعال الحروب والاحتلال وفرض « الأتاوة» على حكومات محلية مستبدة لحمايتها من شعوبها.

هل سيعيد الرئيس بايدن تفعيل خطة السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن لتقسيم العراق، أم انه سيترك للحكام بالنيابة تنفيذ ذلك مع بعض التدخل «الناعم» من جهته؟

أكدت التغطية الإعلامية للانتخابات، على مدى 24 ساعة يوميا، أن الامبراطورية العسكرية، بوجهها السياسي، لا يمكن أن تحقق النجاح بدون آلة التسويق الدعائية الاعلامية. «الهدف من الإعلام الدعائي الحديث ليس فقط التضليل أو الدفع بجدول أعمال محدد. إنه استنفاد التفكير النقدي، لإبادة الحقيقة» يقول لاعب الشطرنج الروسي العبقري غاري كاسباروف الذي يعرف اكثر من غيره معنى انتقائية « الديمقراطية» حين تجرأ على تحدي بوتين في الانتخابات الرئاسية عام 2007، فتم استبعاده في ظروف غامضة، واضطر الى مغادرة بلده بعد تعرضه الى عدد من «الحوادث».
واذا كان بوتين متهما باللاديمقراطية واستبعاد خصومه واغتيالهم اذا تطلب الأمر، فان الادارات الأمريكية المختلفة، لا تجد حرجا في ممارسات مماثلة باسم الديمقراطية. من بينها تغيير الحكومات التي لا تتماشى مع سياستها، أينما كانت، اما بانقلابات عسكرية مدبرة أو الاحتلال المباشر أو التدخل في تغيير نتائج الانتخابات حتى في الدول التي قاموا « بتحريرها» وأمطروها بوعود الديمقراطية. وافضل مثال على ذلك هو العراق الذي تم غزوه واحتلاله لتغيير نظامه أولا، ومن ثم، وبعد أن أعلنوا عن اقامة « عراق ديمقراطي جديد» واجراء انتخابات فيه، تدخلوا بشكل مباشر، في تغيير نتيجة انتخابات عام 2010. المفارقة المضحكة ان يتم التدخل في تغيير النتائج حين كان جو بايدن، الذي يعاني حاليا من اتهامات ترامب له بتزوير الانتخابات، نائبا للرئيس باراك اوباما ومشرفا على ملف العراق.
يومها تم الاعلان عن فوز قائمة « العراقية» برئاسة إياد علاوي بفارق ضئيل مقابل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي. الا أن المالكي، المعروف بطائفيته وفساده وانتهاكات حقوق الإنسان، قال « ما ننطيها» أي لن نعطي السلطة، رافضا النتيجة. مما أدى إلى مواجهة استمرت ستة أشهر احتفظ خلالها المالكي، بدعم من إيران، بالسلطة لكنه لم يتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية. حينئذ تدخل جو بايدن لصالح ابقاء المالكي، راميا نتائج الانتخابات في سلة المهملات، لأن مصلحة أمريكا اقتضت عدم استفزاز إيران أثناء اجراء مفاوضات توقيع اتفاقية السلاح النووي.
الجانب الثاني المهم لاستشراف سياسة بايدن الخارجية تجاه العراق، هو ارتباط اسمه بمشروعه، الداعي عام 2006 الى تقسيم العراق الى ثلاث مناطق على أسس عرقية وطائفية، وهي منطقة كردية في الشمال، وللشيعة في الجنوب والسنة في الغرب. وُصف المشروع بأنه خطة للتقسيم الناعم وانها تشجع على التطهير العرقي، وستؤدي الى تغذية الانقسامات الطائفية في جميع دول المنطقة. على الرغم من ذلك، عمل بايدن على الدفع باتجاه تحقيق مشروعه، بتأييد من اللوبي الصهيوني، لعدة سنوات الا أنه، دفعه جانبا، بسبب عدم تلقيه التأييد الذي كان يأمله من العراقيين خاصة. مما يثير تساؤلا مهما حول سياسته تجاه العراق خاصة مع تغييب العراق عن الأجندة الانتخابية اولا ومع ملاحظة عودة عدد من الصحف الى الكتابة عن «خطة بايدن» والتساؤل عما اذا كانت الحل لـ « الصراع» في العراق وكيفية التعامل مع إيران. فهل سيعيد الرئيس بايدن تفعيل خطة السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن لتقسيم العراق، أم انه سيترك للحكام بالنيابة تنفيذ ذلك مع بعض التدخل «الناعم» من جهته؟

كاتبة من العراق

 

 

 

عليهم التطبيع وإلا…

هيفاء زنكنة

 

كل شيء متوقف، تقريبا، في أوروبا، وعديد الدول في العالم، من بينها الدول العربية، بانتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية بأمريكا في الاسبوع المقبل. إلا أن حالة الركود السياسي والاقتصادي والعسكري لم تشمل حمى « التطبيع» برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتلهف لتقديم نفسه كعراب «سلام» بين المحتل الصهيوني العنصري، وانظمة عربية هشة، ينخرها الفساد. فالرئيس الأمريكي، بحاجة ماسة الى ما يوفر له رصيدا انتخابيا ضد مناوئه الديمقراطي جو بايدن. والأنظمة العربية بحاجة الى حماية نفسها ومصالحها ضد شعوبها بواسطة شرطي بتكلفة لا تقبل التأجيل، كما بلغها الرئيس ترامب المرة تلو المرة، محذرا بأن « اتعاب الدفاع» مُستحقة.
«عليهم أن يدفعوا لنا» قالها، عام 2015 اثناء حملته الانتخابية، موجها كلامه الى السعودية مباشرة، ثم عاد ليكرر طلب « اتعاب الدفاع» بعد انتخابه، ليشمل أنظمة اخرى، يتوجب عليها دفع المال لأمريكا لأنها «توفر خدمة هائلة وتخسر الثروات» مؤكدا «لقد تكبدنا الكثير من المصاريف دون أن نحصل على شيء بالمقابل.. عليهم أن يدفعوا لنا».
كان تهديد ترامب، من ناحية استخلاص التكلفة، جديا. وجاءت استجابة الأنظمة العربية الغنية سريعا، اذ ان فقدان الحماية مسألة بالغة الخطورة ولا تتحمل التأجيل. فقامت الأنظمة بدفع « الاتاوة» أما فورا بشكل سيولة نقدية بمليارات الدولارات، حسب غنى الدولة، أو بشكل عمولات أو مقابل صفقات أسلحة بأثمان عالية جداً أو بكل الاشكال مع استثمارات تكاد تكون مجانية لشركات استغلال النفط والغاز، بالتزامن مع دفع تكاليف القواعد العسكرية الموجودة في أكثر من سبع دول عربية في الخليج والدول المحيطة بها، العراق من بينها.
التهديد الحاسم الثاني الذي أطلقه ترامب بوجوه حكام الأنظمة العربية هو وجوب الاعتراف بالمحتل الإسرائيلي واقامة العلاقات، بمختلف المستويات، باتفاقيات رسمية، معه. لم يعد التطبيع المستور، من تحت الطاولة، كما هو متعارف عليه تحت رئاسات أمريكية سابقة، مقبولا لدى أمريكا والمحتل الاسرائيلي معا. فالرئيس ترامب، رغم جهله العام المفضوح وتناقضات تصريحاته العنجهية، يعرف جيدا كرجل أعمال أن افضل وقت لشراء الشركات المنافسة هو حين تنخفض قيمة اسهمها في الاسواق الى أدنى حد وتكاد تشرف على الافلاس. حينئذ يتقدم بالعرض الذي يعرف جيدا بأنه سيقبل بابخس ثمن. وهذا هو بالضبط ما لمسه بعد تحليل المعطيات الشاملة للانظمة العربية. انها تعاني من حالة انهيار، بكل المستويات وأكثره خطرا الغضب الشعبي. حالة تماثل الافلاس الكلي، وقد حان الوقت لتقديم عرض طالما تم تأجيله. عرض مهين ستقبله الأنظمة العربية بشكل صفقة تدعى « السلام» ستمنح ترامب تمايزا سياسيا، كما ستخفف اعباء الدعم المالي الأمريكي للمحتل الاسرائيلي البالغ 3.8 مليار دولار من المساعدات الأمنية و 500 مليون دولار للتعاون الدفاعي الصاروخي بين البلدين، حسب ميزانية 2020.

إن المخطط خطير، لكنّه ليس قدراً محتوماً على شعبنا، فالمعركة مفتوحةٌ بين شعبنا وأنصاره من أحرار العالم، وبين الاحتلال وداعميه الاستعماريين، والتي لا يُمكن أن تحسم نتائجها سلفاً. فقد حالت مقاومة وصمود شعبنا والشعوب العربية الشقيقة، بدعم من أصحاب الضمائر الحية

يأتي التخفيف عن طريق تنشيط علاقات الاستثمار والتجارة والصناعة بين كيان الاحتلال وأنظمة التطبيع الغنية، التي ستوفر للمحتل دخلا اضافيا يساعده على التخلص بسرعة من اهل البلد الاصليين الموسومة مقاومتهم بالارهاب. هكذا ستكون انظمة التطبيع حزام الامان للمحتل، والضامن لوجوده، ليتفرغ أكثر فأكثر في مشروع الاستيطان الاخطبوطي لإجلاء الفلسطينيين. باعتبار ان أمريكا نفسها مبنية على فكرة ابادة السكان الاصليين فلم لا يبني الكيان الصهيوني نفسه على ذات الاساس؟
خلال شهرين وقعت الإمارات والبحرين، وتلاهما السودان على اتفاقات تطبيع العلاقات مع المحتل الإسرائيلي. ويشكل وضع السودان نموذجا للشركات التي يتم شراؤها بعد العمل المتعمد على افلاسها. حيث عاقب شرطي العالم السودان وحاصره الى حد التجويع عن طريق وضعه على قائمة الارهاب. وها هو يمد له يد الانقاذ « الإنساني» ورفع وسم « الارهاب» بشرط الاعتراف باحتلال يمارس ابشع الانتهاكات ضد اهل البلد الفلسطينيين. حال الموافقة على التطبيع المذل، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عن حزمة « مساعدات إنسانية» تقدمها الولايات المتحدة لصالح المنكوبين في السودان بقيمة 81 مليون
دولار. بمواجهة الغضب الشعبي، اعتبر المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة بالسودان، العميد الطاهر أبو هاجة، أن الانفراج في العلاقات الخارجية «ليس بيعاً للقضية الفلسطينية».
ويشير جواب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي (واشنطن بوست – 22 آب/ أغسطس 2020) عند سؤاله عن تطبيع الإمارات مع المحتل، إنه «قرار إماراتي، ولا ينبغي لنا التدخل» وتصريح وزير االخارجية فؤاد حسين « أن العراق ملتزم بقرارات الجامعة العربية بخصوص العلاقات مع إسرائيل والقضية الفلسطينية» بأن ما يجمع الأنظمة المحلية الفاسدة مع التوسع الامبريالي واحد، ونموهما كالاعشاب الضارة، الا أن ايقاف انتشاره، مهما كانت الصورة قاتمة، ليس مستحيلا. والقاء نظرة سريعة على التاريخ البعيد والقريب يبين ان الاستعمار، بأشكاله، لا يمكن ان يدوم مهما اتكأ على عكاز خدمه المحليين. ويبقى المحك هو مواصلة الشعوب غضبها ورفضها الاستسلام المتمثل بالمقاومة الفعلية ضد المحتل والأنظمة القمعية المتعاونة معه في آن واحد، بالاضافة الى حملات التضامن العالمية مع حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتجزئة.
إن «المخطط خطير، لكنّه ليس قدراً محتوماً على شعبنا، فالمعركة مفتوحةٌ بين شعبنا وأنصاره من أحرار العالم، وبين الاحتلال وداعميه الاستعماريين، والتي لا يُمكن أن تحسم نتائجها سلفاً. فقد حالت مقاومة وصمود شعبنا والشعوب العربية الشقيقة، بدعم من أصحاب الضمائر الحية عالمياً، دون حسم هذا الصراع الممتدّ منذ عقود» كما جاء في بيان حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (بي دي أس) عن اعلانات التطبيع الاخيرة.
«فلسطين ستبقى البوصلة» أعلن فنانون عرب عن مقاطعة النظام الإماراتي « رافضين المشاركة في تلميع جرائم نظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي، وبقرارهم الالتزام بواجبهم الأخلاقي». وسارع نشطاء إماراتيون لرفض تطبيع حكومة الإمارات مع العدو الصهيوني، ودعا عمانيون الأنظمة العربية إلى العودة إلى رشدها واحترام إرادة شعوبها، واعلنت تونس شعبا وحكومة التزامها بالقضية الفلسطينية. واذا كان الشعب الفلسطيني قد واصل مقاومته لاحتلال بلده أبا عن جد، مع تصميم الأبناء على الاستمرار، بكافة الطرق، فان مناهضة التطبيع والضغط على الأنظمة العربية الاستبدادية والقمعية من أجل وقف كلّ العلاقات التطبيعية مع دولة الاحتلال ومن يمثلها، مسؤولية أخلاقية وان تحرير فلسطين هو تحرير للانسان، اينما كان. وهو مبدأ غير قابل للمقايضة، مهما كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المقبل.

كاتبة من العراق

 

 

الحصانة البريطانية والأمريكية

تذكرة مفتوحة لارتكاب جرائم الحرب

هيفاء زنكنة

 

من المتوقع أن يتم تمرير قانون العمليات الخارجية (موظفو الخدمة والمحاربون القدامى) المقترح من قبل حكومة حزب المحافظين البريطانية برئاسة بوريس جونسون، بعد أن تم تمرير القراءة الثانية ومناقشة التعديلات يوم 14 تشرين الثاني/ اكتوبر الحالي. وجاء توقيت اقتراح القانون مناسبا لتمريره «تحت الرادار» أي دون أن يحظى باهتمام كبير وذلك للانشغال العام بانتشار فايروس كورونا، ومتابعة الاجراءات الحكومية، المتناقضة، المحيطة بكيفية الوقاية منه او الحد من انتشاره. من المؤكد ان لهذا القانون تأثير هائل على وضع العسكري البريطاني، ولكن ما هو تأثيره على مواطني البلدان التي تحتلها أو احتلتها بريطانيا، كالعراق، مثلا؟ وهل من تشابه مع القوانين الأمريكية بذات الصدد؟
ينص القانون المقترح على تقييد الملاحقات القضائية ضد الجنود البريطانيين، على جرائم يرتكبونها اثناء خدمتهم أو قيامهم بعمليات في الخارج، من خلال منحهم الحصانة بعد مرور خمس سنوات، على ارتكابهم اية جريمة كانت، بما في ذلك التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، باستثناء الجرائم الجنسية. يطبق القانون على كل العسكريين، كما ستقدم مهلة مدتها ست سنوات، فقط، للدعاوى المدنية ضد وزارة الدفاع.
صوّت معظم نواب البرلمان لصالح القراءة الثانية، وتنص محاججة مقترحي القانون بأن العسكري يقوم باداء مهامه المطلوبة وواجبه والتضحية بحياته للدفاع عن الجميع، واذا ما حدث وارتكب ما يمسّ حياة الاخرين اثناء ادائه واجبه، فان صلاحية مقاضاته يجب ان تسقط بعد مرور خمس سنوات. وتؤكد الحكومة أن هذا سيحمي القوات البريطانية من الملاحقات القضائية «الكيدية». أحد اسباب هذه المحاججة هو رفع مواطنين عراقيين مئات القضايا ضد عسكريين بريطانيين، أثناء مشاركة القوات البريطانية في احتلال العراق. ففي غضون 15 عامًا، قامت وزارة الدفاع بتسوية 300 مطالبة بإجمالي 20 مليون جنيه إسترليني لضحايا عراقيين عانوا من انتهاكات وتعذيب على ايدي القوات البريطانية.
تطلب اصدار الحكم بقضية الشاب بهاء موسى، الذي توفي جراء تعذيبه أثناء احتجازه في معتقل بريطاني، في مدينة البصرة، في أيلول/ سبتمبر 2003 عدة سنوات الى ان وافقت وزارة الدفاع في 10 يوليو / تموز 2008 على دفع 5.6 مليون دولار، كتعويض لأقاربه وتسعة رجال آخرين عانوا من التعذيب على يد جنود الاحتلال. وقالت وزارة الدفاع في بيان «التسوية مع اعتراف وزارة الدفاع بالمسؤولية… عن الانتهاكات الجوهرية للمادة 2 (الحق في الحياة) و 3 (حظر التعذيب) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان». ودق ناقوس الخطر بالنسبة الى مقاضاة الجنود واعتراف وزارة الدفاع بالمسؤولية، وانعكاسات ذلك على « سمعة « القوات البريطانية، حين استمرت الدعاوي ضد القوات في السنوات التالية.

هذه التجاوزات للقوانين الدولية ستمس، بشكل مباشر، حقوق المواطن العراقي، إذ سيضع حدا لأية مطالبة بالعدالة وتعويض الضرر لانتهاكات حدثت منذ عام 2003

ففي عام 2009، مثلا، وحسب قاعدة ان مساءلة المجرمين لا تسقط بالتقادم، رفع عراقيون من ضحايا التعذيب قضايا أخرى. « زعم أحد المطالبين أنه تعرض للاغتصاب من قبل جنديين بريطانيين أثناء وجوده في مركز احتجاز، بينما يدعي صبي يبلغ من العمر 14 عامًا أنه أُجبر على ممارسة الجنس مع جندي بريطاني. ويزعم آخرون أنهم جُردوا من ملابسهم وتم تصويرهم وتعرضوا للإساءة. في حادثة أخرى، تكدس المحتجزون فوق بعضهم البعض وصُعقوا بالكهرباء». أثارت هذه القضايا ضجة كبيرة لأنها بدأت تشوه سمعة القوات البريطانية التي حاولت النأي بنفسها من فضيحة التعذيب في أبو غريب، باعتبارها فضيحة أمريكية وان الجندي البريطاني « متميزاً» بانضباطه وأخلاقيته.
أثار القانون المقترح استنكار منظمات حقوقية بريطانية ودولية من بينها منظمة العفو الدولية و«هيومان رايتس ووتش» لأنه سيزيد من إفلات الجنود البريطانيين الذين يرتكبون جرائم خطيرة من العدالة. حيث وصف مدير منظمة العفو الدولية، في المملكة المتحدة، القانون بأنه سيضع تصرفات الجنود فوق القانون، ويشير اقتراح الحكومة إلى أن القوات المسلحة بحاجة إلى الإفلات من العقاب من ممارسة التعذيب وجرائم الحرب، و« ترى الحكومة أنه من المقبول منحهم ذلك. مثل هذه الخطوة ترسل رسائل متضاربة على الصعيد الدولي. كيف يمكننا دعوة دول مثل سريلانكا إلى تطبيق العدالة على جرائم الحرب منذ عام 2009، عندما وضعنا قانونًا محددا للتقادم؟»
وحذر النائب العمالي دان جارفس من أن القانون، اذا تم سنه، ستكون له عواقب وخيمة لأنه يضر بمكانة بريطانيا في العالم وبسمعة القوات المسلحة، قائلا: « خذ التعذيب كمثال. حظر التعذيب مطلق. لا توجد استثناءات. استخدامه غير قانوني بموجب العديد من المعاهدات الدولية التي وقعت عليها المملكة المتحدة، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي».
هذه التجاوزات للقوانين الدولية ستمس، بشكل مباشر، حقوق المواطن العراقي، إذ سيضع حدا لأية مطالبة بالعدالة وتعويض الضرر لانتهاكات حدثت منذ عام 2003. كما ستنعكس على المستقبل، مع وجود حوالي 1400 عسكري حاليا. وبامكان الجهات المعنية ووزارة الدفاع اعاقة وتأخير اجراءات التحقيق الجنائية لحين سقوط حق الضحية، كما يتبين من التدخل السياسي لوقف المساءلة، ومثالها إغلاق « التحقيق الجنائي البريطاني في الجرائم المزعومة في العراق» قبل أن يكمل عمله.
أما قوات الاحتلال الأمريكي فانها تمتعت بالحصانة من المساءلة والعقاب حتى انسحابها الجزئي عام 2011. الا ان حكومة نوري المالكي منحتها الحصانة من الملاحقة القضائية، عام 2014، إذا ارتكب هؤلاء الجنود الأمريكيون أي جرائم أو واجهوا أي مشاكل قانونية أثناء « تقديم المشورة « للعراقيين. ويبلغ عدد القوات الأمريكية، المعلن عنه رسميا، اليوم، 5200، وقد أكدت حكومة مصطفى الكاظمي، على استمرار الحصانة، وفق الاتفاق الموقع في حزيران 2020، استمرارا « للمبادئ التي اتفق عليها الجانبان في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وكذلك مبادئ تبادل المذكرات الدبلوماسية وخطابات جمهورية العراق إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ 25 يونيو 2014».
أن مواجهة هذا المسار، كما المسارات الاخرى في المد اليميني العالمي، في منح الحصانة للسلطات عند انتهاك حقوق الناس، يستدعي جهدا وطنيا جادا، مشفوعاً بجهود تضامنية عالمية، لاستعادة الشرعية الدولية عامة. أنه امر يخص العراقيين لمواجهة سياسة حكومات الاحتلال المتعاقبة التي ترى في قوات الاحتلال، المسّوقة تحت مسميات مختلفة، حماية ضرورية لوجودها، كما يخص شعوب بلدان الاحتلال نفسها، إذا ما أرادت استرجاع القيم الحضارية العامة، ودفاعا عن القيم الديمقراطية التي اصبحت تعاني من هجمة تسلطية تماثل صعود الفاشية والنازية في القرن الماضي.

كاتبة من العراق

 

 

انتحار أطفال

«التحرير» في العراق

هيفاء زنكنة

 

تم الاعلان، في الشهور الاخيرة، عن حالات انتحار في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا جراء انتشار فايروس كورونا، والاجراءات المتخذة لتفادي الاصابة به التي سببت آثارا نفسية واجتماعية عميقة كالاحساس « بالضيق والقلق والخوف من العدوى والاكتئاب والأرق بين عامة السكان.
وتؤدي العزلة الاجتماعية وعدم اليقين والتوتر المزمن والصعوبات الاقتصادية إلى تطور أو تفاقم الاكتئاب والقلق».
ولاتقف الاعراض عند هذا الحد بل تتجاوزها الى «إلى زيادة معدلات الانتحار أثناء الجائحة وبعدها» حسب البحث العلمي الذي اجراه بروفسور ليو شير ونُشر في دورية الطب الدولية بنيويورك. ويأتي الاهتمام بهذه الجوانب تزامنا مع اليوم العالمي للصحة العقلية المصادف 10 أكتوبر/ تشرين الاول.
يُلاحظ، في الوقت نفسه، ما نشرته الصحافة العراقية والعربية، عن ازدياد حالات الانتحار في العراق، ووصفها بأنها مرعبة، اذ بلغت 293 حالة، خلال الستة اشهر الاولى من 2020، فقط، وتتميز بانتحار الذكور أكثر من الاناث. فهل سبب ذلك، كما في الدول الغربية، هو انتشار الفايروس وما يصاحبه من « عدم اليقين بشأن المستقبل» والاضطرابات النفسية جراء الحرمان الاقتصادي، كما تخبرنا الدراسات العلمية، أم ان ما يتعرض له المواطن العراقي مختلف تماما او متعدد المستويات مما يُسّرع برغبته في الانتحار؟
ليس بالامكان انكار تأثير الجائحة على نفسية وحياة المواطنين، خاصة مع تجاوز عدد الاصابات اليومية الآلاف نتيجة انهيار الجهاز الصحي وتخوف الناس من التوجه الى المستشفيات. الا ان فهم الارقام الحالية لحالات الانتحار ومدى ارتباطها بالجائحة، يحتاج الى مراجعة الحالات في الاعوام الماضية. ففي عام 2006، نقل موقع « رليف وب» التابع للأمم المتحدة، في مقال « ضغوطات العنف تقود الى الانتحار» تصريحا لوزارة الصحة، بناء على إحصاءات من مشرحة ومستشفيات بغداد في خمس مناطق، إن نحو 20 شخصا ينتحرون كل شهر. وقال أحمد فتاح، عضو إدارة التحقيق في الانتحار بوزارة الصحة، إن «الأرقام مرتفعة بالمقارنة مع تلك التي كانت موجودة قبل عام 2003، عندما كان لدينا حالة انتحار واحدة أو اثنتين في الشهر». وتشير ورقة بحثية بعنوان « الدراسة الوطنية العراقية لطرق الانتحار: تقرير عن معطيات الانتحار في 2015 و 2016» المنشورة في دورية « الاضطرابات النفسية» عام 2017، الى 647 حالة انتحار في 13 محافظة من مجموع 18. معظم الحالات لشباب تحت سن 29 وأغلبهم من الذكور. مع ازدياد ملحوظ في عام 2016 بالمقارنة مع 2015. ربع الحالات سببها اضطرابات نفسية، أكثره شيوعا هو الاكتئاب، مع أقلية تعاني من صدمة نفسية (15.5٪)ومشاكل مالية (12.4٪) أو إساءة معاملة اثناء الطفولة (2.2٪).
ونشرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية تقريرها لعام 2018 بينت فيه ارتفاع عدد الحالات من 383 خلال عام 2016 إلى 519 في 2018. تدل هذه المراجعة على ان الزيادة مستمرة، تدريجيا، منذ عام الغزو الانكلو أمريكي، أي قبل غزو جائحة الكورونا بـ 17 عاما، وانها ليست، كما في الغرب، السبب الوحيد لحالات الانتحار.

إن ايجاد حل للصحة النفسية والعقلية، بالعراق، يتطلب ليس معالجة انعكاسات الجائحة، في الشهور الأخيرة، فحسب، ولكن التعامل معها، باعتبارها عمّقت بحلولها الخراب السياسي والاقتصادي والمجتمعي الموجود أساسا

ما هي الاسباب الرئيسية اذن؟ في عام 2006، صرّح د. أحمد فتاح بسوداوية موجعة: «اليوم ينتحر الكبار، لكن لن يمر وقت طويل قبل أن يبدأ الأطفال أيضًا في الانتحار». فهل ما نشهده اليوم، اذن، هو انتحار اطفال الامس؟ هل هم الذين كبروا تحت الاحتلال، واستمرارية العنف والتهديد اليومي بالقتل، والخراب الاقتصادي، والتمييز الطائفي والعرقي، والنزوح القسري والتشرد، والفساد الناخر للبنية الاجتماعية؟ هل هم ابناء المليون مواطن ممن قتلوا اما بشكل مباشر او غير مباشر جراء الاحتلال؟ هل هم الخريجون العاطلون عن العمل أو النساء المعيلات للأيتام بعد قتل او سجن ازواجهن؟ اليست هذه الاسباب كافية لجعل العراقيين يعيشون تأثيرات نفسية وعقلية وجسدية لا تقل ضررا عن تأثيرات جائحة كوفيد؟
« أربعون في المائة من الأطفال العراقيين يعانون من أمراض عقلية». تقول الاخصائية النفسية د. الهام الدوري « كذلك الحال بالنسبة إلى 17 في المائة من الشباب، مما يجعل عدد الشباب المصابين بمستويات متباينة من الأمراض النفسية والعقلية يساوي خمسة ملايين وسبعة أعشار المليون، بالمقابل هناك 100 طبيب مختص، فقط، داخل العراق». لامفر للعراقي، اذن، من الضرر النفسي نتيجة العنف والنزوح والبطالة، حين يشعر الرجل بالعجز عن تأمين المعيشة لنفسه وعائلته، ويصيب النساء رشاش العنف المجتمعي والاسري بالاضافة الى كوابيس الحرب والتشرد والقلق الدائم على تعليم وصحة وحياة الاطفال. أن تدهور العلاقات العائلية الممتدة القديمة، وتدهور علاقات الجيرة التي تميز المجتمع الشرقي التقليدي ( وهما الجانبان اللذان كانا يؤمنان درجة من الرعاية النفسية للجميع من الطفولة الى الشيخوخة ) لم تعوضه اي خدمات من الدولة التي دمرت عمداً، وانهار معها التعليم المدرسي والقانون، ولم يعوضه أيضاً صعود التدين بما رافقه من خزعبلات وجهل، ومن تجارة وفساد أخلاقي ومالي.
في مقال مشترك لوزيرة التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندية سيغريد كاج والعراقية د.هالة صباح جميل، نُشرت، أخيرا وصف الاثنان نظام الصحة العقلية الذي يعمل فيه مقدمو الرعاية العقلية في العراق « فيه فجوات كبيرة مثل حفر القنابل». وجه الاثنان الى وجوب الاهتمام بهذا الجانب، بالغ الاهمية، للأفراد والأسر والمجتمعات وصانعي القرار « حتى يتمكنوا من التعافي وإعادة البناء واستئناف سبل العيش وتعزيز المصالحة «. محذرين بانه ما دامت هذه الفجوات موجودة، تزداد معاناة النازحين والمصابين بصدمات نفسية لأن «الصدمات تتراكم، بمرور الوقت، ويصبح العلاج أكثر صعوبة». ومعروف أن الصدمات النفسية والكآبة من مقدمات العديد من الامراض المزمنة التي تستنزف قوة المجتمع وحيويته عموما.
المشكلة الاساسية التي نتلمسها بقوة اثناء قراءة هذه التصريحات والتقارير المتتالية، وهي تقارير انسانية نبيلة، كما تركيز يوم في السنة للوقاية من الانتحار، وهو ضروري للتنبيه الى جانب مُعاش ومهمل، ان هذه النشاطات، غالبا، ما تتجاهل، وهذا واضح جدا في حالة العراق، الاسباب الاعمق المؤدية الى فقدان الشباب الرغبة بالحياة أو التطلع الى ما هو أبعد من اليوم الذي يعيشونه. ويكمن سبب التغاضي عن التغيير الفعال، كون عمل المنظمات المحلية والدولية يرتبط بموافقة الحكومات ونظامها السياسي. مما يجعل نشاط المنظمات دواء مُسٌكنا للاوجاع وليس علاجا. وهي خطوة تحمل آثارا جانبية خطرة، حين لايعالج الوضع ككل بل يتم تفتيت القضايا دون المس بالاسباب الحقيقية. وإن ايجاد حل للصحة النفسية والعقلية، بالعراق، يتطلب ليس معالجة انعكاسات الجائحة، في الشهور الأخيرة، فحسب، ولكن التعامل معها، باعتبارها عمّقت بحلولها الخراب السياسي والاقتصادي والمجتمعي الموجود أساسا.

كاتبة من العراق

 

هل يتوجب علينا الاهتمام

بمصير الرئيس ترامب ؟

هيفاء زنكنة

حتى أقل الناس اهتماما بالسياسة، وأكثرهم عزلة وابتعادا عن اجهزة الإعلام، سمع او شاهد أو قرأ خبر اصابة الرئيس الامريكي دونالد ترامب والسيدة زوجته بفايروس كورونا. فقد تصدر الخبر مواقع التواصل الاجتماعي وتسلل الى المكالمات الهاتفية، ناهيك عن اجهزة الإعلام، ليتم فرز كل حركة أو اشارة صدرت عن الرئيس، منذ اعلان اصابته، بالاضافة الى تدوير تصريحاته عما نطق به حول كيفية الوقاية من الاصابة بالفايروس، مثل شرب الكلورين، ونصائحه عن ارتداء او عدم ارتداء الكمامة، التي باتت تضاهي في شهرتها، الآن، المقولة الشكسبيرية « أن تكون أو لا تكون» .

حققت متابعة تفاصيل علاج الرئيس ترامب، نجاحها أو انتكاستها، نجاحا مليونيا ، في أعداد المتابعين يتجاوز أكثر افلام هوليوود ومسلسلات نفلكس نجاحا، وأكثر من المسلسلات التركية التي احتلت مكان السورية، في العالم العربي، بعد تراجع انتاج الاخيرة. تحيط التغطية الإعلامية ، الممتدة على مدار الساعة، الكرة الارضية، في ذات الوقت الذي تُمرر فيه مئات آلاف الاصابات والوفيات، في جميع انحاء العالم، كارقام واحصائيات وخطوط بيانية، تُبث أو توضع على المواقع ، بألوان مختلفة، توحي للناظر بانها تمثل الفرق بين الحياة والموت، بين فترة ما قبل الكورونا وخلالها. الاحصائيات والخطوط البيانية، غالبا، لا تعني شيئا للقارئ. انها مجرد أرقام. من السهل على الناظر أن يدير وجهه جانبا لئلا يراها او يختار الا يعرف لأنه وصل حد الاشباع في التعامل مع الارقام ومحو الانسان، الا اذا كان وزيرا أو نجما او رئيس دولة. حينئذ تطالعنا تفاصيل حياة المصاب اليومية، ومسار العلاج والفحوصات التي تجرى عليه بادق التفاصيل، وسيرورة تعافيه وانتصاره على الفايروس، الذي يحصد حياة الفرد العادي الذي قلما تتاح له فرصة الرعاية والعلاج. تبدت هذه المفارقة بوضوح حين أصيب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالفايروس . وها هي أصابة دونالد ترامب لتدحض، مرة اخرى، حقيقة المساواة بين البشر ورعاية الحياة الانسانية. الحقيقة هي « كل الحيوانات متساوية لكن بعض الحيوانات متساوية اكثر من غيرها» كما كتب جورج اوريل في مزرعة الحيوان، وهو ما يأخذنا الى انتقائية تطبيق القوانين الدولية من قبل الدول الكبرى مقابل الشعوب المستضعفة ، والتي تماثل الفروق بين القبو المظلم والطابق العلوي بشرفاته، وان كان المبنى واحدا.

 السياسة الخارجية ، مهما كان الحزب الحاكم ، جمهوريا أو ديمقراطيا، تكاد تكون واحدة مع بعض التغييرات الطفيفة الناتجة عن شخصية الرئيس

بعيدا عن نظرة اللامساواة السوداوية، التي تبلورت بأوضح صورها في عام الكورونا، يبدو الاهتمام الإعلامي والشعبي، بمتابعة صحة الرئيس ترامب، مبررا. فهو، من الناحية الدولية، رئيس اقوى دولة عسكرية في العالم ، قد يصفه البعض بانه شرطي العالم، الا ان هذا غير مهم بالنسبة للحكومات، المرتبطة مع أمريكا، بمعاهدات واتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية، تتحكم بدرجات متفاوتة، بشعوب تلك الدول. وهو رئيس الدولة المانحة والداعمة لآلاف المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية، الممتدة كاذرع الاخطبوط، في طول وعرض الكرة الارضية. أما في داخل أمريكا، فتتمحور درجة الاهتمام بصحة الرئيس ، بيمينها العنصري الابيض وحركات الحقوق المدنية واليسار المتظاهر الغاضب، حول العد التنازلي لاقتراب يوم الانتخابات الرئاسية، ومحاولة الحزب الجمهوري المستميتة ، المتمثلة بمرشحه ترامب، للفوز بدورة ثانية.

عربيا، تشكل سياسة ادارة ترامب من فلسطين والعراق وإيران والسعودية، أحد أسباب الاهتمام الحكومي والشعبي بمتابعة صحة الرئيس. حكوميا، لأن معظم الحكومات العربية بحاجة الى الحماية الأمريكية بأي شكل من الاشكال. وتخلخل الوضع داخل أمريكا سيؤدي الى انعكاسات غير مرغوب بها. أما سبب الاهتمام الشعبي، وهو أقل من الحكومي، فيغلب عليه عدم التصديق واعتبار مرض ترامب جزءا من عرض مهيأ لالهاء الناس عن جرائم أمريكا وسياستها، خاصة في فلسطين. هناك ، ايضا، جانب السخرية المريرة، والشماتة، وتبادل النكات عن الرئيس الذي أوصل الفضائح الجنسية والسياسية وتزوير الانتخابات مستوى فاز فيه على الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون ، المشهوربعلاقته الجنسية مع المتدربة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي. وقد صرح، أخيرا ، في فيلم وثائقي جديد، يتناول حياة زوجته هيلاري المرشحة الرئاسية لعام 2016 ، قائلا إنّ علاقته بمونيكا كانت وسيلة للتغلب على مخاوفه وقلقه. وسجل ترامب فوزا ساحقا على الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون، صاحب فضيحة « ووترغيت» الذي استقال بعد ان حوكم وسحبت الثقة منه، بتهم عرقلة عمل العدالة، وسوء استخدام السلطة، وازدراء الكونغرس.

هذه الممارسات « الرئاسية» منحت ترامب الاحساس بنوع من الحصانة المعجونة بعنجهيته الشخصية كرجل أعمال يعمل بقوة من اجل الرجل الابيض. وكونه قد حقق كل الوعود، تقريبا، التي أطلقها اثناء حملته الانتخابية مهما كانت قسوتها وتحريضها على العنصرية والعنف. فقد نجح في رفع المستوى الاقتصادي، ومنع دخول المزيد من المهاجرين الى امريكا، والعمل على سحب القوات العسكرية من البلدان المتواجدة فيها، كافغانستان والعراق، واجراء المباحثات مع طالبان. وجعل وجود القوات، لحماية الحكام المحليين، مشروطا بدفع تكاليفها، كما فرض على السعودية. فالحماية العسكرية الامريكية ضرورة اساسية لحكام يخشون شعوبهم. وكان لنجاحه في تحقيق الوعد للكيان الصهيوني بجعل القدس عاصمة للمحتل، والجمع بين المحتل الصهيوني العنصري والمستخذين من ممثلي دول عربية، تأثير غطى على جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، وضحايا القصف، بحجة محاربة الارهاب، في العراق وسوريا واليمن.

« الأيام القليلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي» غرّد ترامب بعدما دخل المستشفى. وهي تغريدة نادرة في صدقها. فما الذي ستحمله نتيجة الاختبار الحقيقي الايام المقبلة لأمريكا وبقية العالم ؟ لا شيء مغاير تماما. فالسياسة الخارجية ، مهما كان الحزب الحاكم ، جمهوريا أو ديمقراطيا، تكاد تكون واحدة مع بعض التغييرات الطفيفة الناتجة عن شخصية الرئيس . وهو ما تلخصه عضوة الكونغرس الشابة الاشتراكية الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز ، بقولها: « بامكانه البقاء ، بامكانه الذهاب. يمكن عزله، أو التصويت لصالحه في عام 2020 ، لكن إزالة ترامب لن تؤدي إلى إزالة البنية التحتية لحزب أحتضنه؛ والأموال السوداء التي مّولته ، والتطرف عبر الإنترنت الذي طّبل له جيشه ، ولا العنصرية التي قام بتضخيمها وإعادة إحيائها» . لتجيب عند سؤالها عن احتمالات تغيير الواقع الحالي الذي تتحكم فيه الرأسمالية « «الرأسمالية لم تكن موجودة دائمًا في العالم ولن توجد دائمًا في العالم

كاتبة من العراق

 

عن زمن الحب والمقاومة

في فلسطين ولبنان

هيفاء زنكنة

هل صحيح أن سمة الشعوب العربية هي التأرجح المدمر بين الغرور الدافع الى التمرد البدوي والمثالية الفجة من جهة، واحتقار الذات الدافع الى الاستخذاء والخنوع للعدو من جهة أخرى، مما يجعل تسليم امرنا الى القضاء والقدر والقبول بالأمر الواقع على هناته حلا وحيدا لوضعهم المصنف سياسيا بالتعقيد؟
هل بات اليأس هو الكفاف اليومي للشعوب العربية، كما كتبت الشاعرة والاستاذة اللبنانية نادين عطو، مشيرة في اعقاب صدمة تفجير لبنان التي أذهلتنا جميعا، الى شعب « نزلت عليه الويلات كلها في وقت واحد. وقد لا تكفي كلمة «محزن» لوصف الوضع فيه؟ فما يحصل يدمي القلب، والقصص التي تصلني تشعرني بالانهزام والالم. ورغم أنني أقضي معظم الوقت في المساعدة ولو عن بعد، ادعو الله ان يزيل الغمة».
ونحن نخطو متعثرين، مثقلين بحمل صخرة الأسى، يصاحبها الاحساس بالذنب لأننا لا نفعل ما يكفي، في ليل توحي ساعاته المتمددة باللانهاية ، يتخذ دعاؤنا أشكالا متعددة. تشير اليها علامات طرق، نراها على الرغم من الظلام وصعوبة المسار لكي نواصل السير. قد تكون علامات الطرق أحداثا نستخلصها من الذاكرة فتشحننا بقوة الارادة أو كتبا عن شخصيات تاريخية توحي لنا بديمومة الأمل أو شخصيات تعيش معنا، في ذات الليل المظلم، لكنها قادرة على الصمود والرؤية بضياء القلب، فيتسلل الينا الضوء من خلالها. المخرجة مي مصري هي واحدة من تلك الشخصيات. وإحدى العلامات التي استوقفتني، أخيرا، في طريق القلب الى لبنان وفلسطين، كتاب يلخص ويوثق ثلاثين عاما من انجازاتها وهو بقلم امرأة تضاهيها نضالا. « الحب والمقاومة في افلام مي مصري» عنوان كتاب الصحافية والناشطة البريطانية المعروفة فكتوريا بريتن.
كيف نقرأ السينما؟ كيف يتم تحويل المرئي الى التدوين؟ كيف يحافظ المدّون، ناقل الصورة الى الورق، على فرادة وتمايز الفن الجامع لكل الفنون، بالاضافة الى التجربة الحياتية، اذا كان صانع الفيلم ، يتوخى، كما تفعل مي في افلامها الوثائقية، الجمع بين الفن والسياسة معا ؟ ليست مهمة سهلة. الا ان فكتوريا تمكنت من توثيق الأفلام بموضوعاتها، وخلفيات اخراجها، واسماء المشاركين فيها وفي الوقت نفسه اضاءة الجوانب الفنية والابداعية المميزة لأعمال مي التي يراها المشاهد خيطا ملونا في نسيج الحياة اليومية للبلدين . نسيج تغزله بحرص وشغف وحماس من يحب الحياة. وحب الحياة والتشبث بالامل هو الذي يرافقنا طوال صفحات الكتاب وطوال افلام مي سواء التي أخرجتها لوحدها ، او صحبة زوجها ورفيق حياتها الراحل جان شمعون ، ولعل هذا واحد من الاسباب التي تجعلنا نلتقي بالشاعر الفلسطيني محمود درويش ونحن نتصفح فصول الكتاب التي نتعرف من خلالها لا على افلام وحياة مي فحسب ولكن على حقبة نضال بكل تحدياتها: تحت الأنقاض، زهرة القندول، بيروت: جيل الحرب، أطفال جبل النار، أحلام معلقة، حنان عشراوي: أمران في زمن التحدي، يوميات بيروت، 3000 ليلة. مع اصوات الأسيرات المتحديات في معتقلات الكيان الصهيوني، والأطفال رافعي اشارة النصر، وعلى ايقاع روح النضال والمقاومة في فلسطين ولبنان ، نسمع درويش وهو يردد « على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة».

 تُبدع مي مصري في زرع الأمل، وتوثيق مقاومة الفرد العادي وإنسانيته مقابل لا إنسانية المحتل ووحشية الطغاة

ان رواية مي مصري السينمائية عن الإنسان من خلال النساء والاطفال، عن القضية الفلسطينية، عن الحرب ومعنى السلام المرتبط بالعدالة ، عن حفظ الذاكرة و» خوف الغزاة من الذكريات» وتوثيق حالات التعذيب لئلا تتكرر، والبحث عن المختفين ، وأحلام وطموحات الأسيرات في سجون الاحتلال الصهيوني، بحثا عن الحرية واسترداد الارض، عن علاقة الفلسطيني بالارض، ارضه التي يحملها في وجدانه اينما كان. في سرديتها السينمائية ، بهدوء الراوي الواثق من نفسه وايمانه بقضيته، بابرازها انسانية نضال الفلسطيني ومقاومته، متعددة المستويات، وقدرتها على تقديم الواقع الحي بتفاصيله الصغيرة، تفكك مي مصري سينما المحتل العنصري المبنية على التزوير التاريخي، وتشويه صورة الفلسطيني ومحو وجوده. بهذه الطريقة ، وهي تروي قصص الحب والحيرة والتشتت وحكايات الطفولة والسجون والتعذيب ، تُبدع مي مصري في زرع الأمل، وتوثيق مقاومة الفرد العادي وإنسانيته مقابل لا إنسانية المحتل ووحشية الطغاة.
وتنبع أهمية الكتاب، أيضا، بذات الطريقة غير المباشرة، التي تبدع فيها مي أفلامها، من كون فكتوريا بريتن هي المؤلفة. حيث تشكل تقاريرها كصحافية مختصة بالشأن الافريقي والشرق الأوسطي، على مدى عقود، وكتبها ، وآخرها « النساء المنسيات في الحرب على الإرهاب» وكونها من مؤسسي واللجنة التنفيذية لجائزة افضل كتاب عن فلسطين باللغة الانكليزية، محطة تزخر بالتضامن اليومي الدؤوب للشعب الفلسطيني لاستعادة وطنه المحتل.
ويأتي اختيارها الكتابة عن سينما وحياة المخرجة الفلسطينية مي مصري امتدادا طبيعيا لإنسانية ما تؤمن به ، ورغبتها في توثيق الواقع اليومي والنضال من أجل العدالة الذي ميز حياة جيل بأكمله، والاكثر الحاحا هو ضرورة عدم السكوت ، خاصة في هذا الوقت المُهدد باليأس، والظلام السياسي الحالي وتقدمه في خلاصة الكتاب بأن شعرية وغنى سينما مي يكتسب اهمية قصوى ونحن نراقب ما يحدث في فلسطين بعيدا عن القانون الدولي والانساني، حيث استهداف الشباب وتشويههم لمشاركتهم في مظاهرات غزة، وسنوات الحصار الجائر عليها، ووحشية المستوطنين المتسعة في ارجاء فلسطين وعنفهم ، خاصة ، ضد النساء والاطفال. ولا ننسى جدار الفصل العنصري ، واعلان الولايات المتحدة الامريكية القدس عاصمة للكيان الصهيوني، والاعتراف بالجولان جزءا منه، واستقطاع الدعم لمنظمة الاونروا مما يعني العقاب الجماعي لجيل المستقبل من خلال حرمانه من حق التعليم. وهي تلخص لنا ما يعانيه الفلسطيني ، يوميا، تحفر فكتوريا ، في أذهاننا، الصورة الإعلامية التي تركز عليها اجهزة الإعلام لتغطي آلة القتل اليومي المستهدف للفلسطينيين ، ولترسخ صورة القوة الامريكية – الاسرائيلية متجسدة بايفانكا ترامب وزوجها جارد كوشنر، وهما بأبهى حلة، مبتسمان اثناء افتتاح السفارة الامريكية الجديدة في القدس المحتلة.
كاتبة من العراق

 

 

جاذبية استخدام

المظلومية في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

أيام العراق كما هي. الاحتجاجات مستمرة للمطالبة بالحقوق. اختطاف الناشطين واكتظاظ المعتقلات مستمر. أيام العراق عادية للمواطن العادي. على مواقع التواصل الاجتماعي تبادل الاتهامات ما بين المثقفين مستمرة، اكثرها انتشارا هي الموجعة، الغاضبة، المشحونة بالشتائم، المنصبة على المقارنة بين ممارسات النظام العراقي السابق والحالي حول حقوق الانسان. هل بإمكاننا المقارنة، بعيدا عن الالم الشخصي واستنادا الى ذاكرتنا التي عانت الكثير عبر العقود الكارثية المحملة بالحروب والحصار والاحتلال؟ ماذا عن مراجعة عدد من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية لتمنحنا تخطيطا جافا، بلا عواطف، عن الموضوع؟
عند مراجعة تقارير منظمة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق، في ثمانينات القرن الماضي، أثناء الحرب العراقية الإيرانية، سنلاحظ ان التعذيب و الاختفاء والاعدام، يطغى على التقارير. حيث تم تمريرها بذريعة المحافظة على «أمن الدولة» في فترة الحرب، واتهام الاحزاب المعارضة بالخيانة والإرهاب. وهي ذات الاحزاب المشاركة بالحكم حاليا. يوثق تقرير المنظمة لعام 1983، مثلا، اعتقال 38 «معارض رأي» و اعتقال اربعة من مساعدي آية الله الخوئي، واختفاء اربعة من اعضاء الحزب الشيوعي، واعتقال اعداد كبيرة منهم، بالإضافة الى اعضاء من حزب الدعوة الإسلامي المحظور، واطلاق النار على متظاهرين في مختلف المدن الكردية واعتقال عدد منهم. يؤكد التقرير ان الاعدامات تتم بعد اصدار احكام سريعة غير مستوفية للشروط القانونية. الا ان المنظمة رحبت بقرار مجلس قيادة الثورة الصادر في 16 تموز/ يوليو 1982 بالعفو «عن كل الاكراد المتهمين بحمل السلاح ضد الحكومة العراقية». كما صرح نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، يوم 10 آب/ اغسطس، ان العفو يشمل كافة اعضاء الحزب الشيوعي. حول مدى صحة تنفيذ قرارات العفو، ذكرت المنظمة انها كتبت الى «الرئيس صدام حسين ملتمسة تفاصيل العفو، إلا انها لم تتلق اي جواب. كما لم يصدر أي تصريح رسمي حول أعداد المعتقلين الذين استفادوا من العفو».
من المفيد مراجعة سجل إيران، لذات الفترة، ايضا، لأن عددا من الاحزاب والميليشيات التي دخلت العراق بعد الاحتلال أسست في إيران، وكونها البلد الثاني المؤثر، بعد أمريكا، في البلد، منذ الاحتلال الانجلو أمريكي عام 2003، الى حد ترك بصمة كبيرة في تشكيل الهوية الفردية. يتبين عند المراجعة ان التعذيب والاختفاء والإعدام، يطغى على التقارير. حيث وثقت المنظمة، اعدام 624 شخصا، عام 1982 فقط، بينما بلغ العدد 4605 منذ الثورة عام 1979، حسب الارقام المعلن عنها رسميا. تم تمرير الانتهاكات والاعدامات بذريعة التخريب ومعاداة الثورة والقيام بمحاولة انقلاب. في كانون الثاني 1982، كتبت المنظمة الى رئيس الوزراء حسين موسوي بصدد عدد الاعدامات الكبير واصدارها في محاكمات سريعة جراء اعترافات مستخلصة نتيجة التعذيب، الا انها لم تتلق أي جواب. وطالت الاعتقالات سجناء الرأي، من بينهم اربعة محامين اعضاء في نقابة المحامين، استهدفتهم مع آخرين آلة الاعتقال، بعد اعلان آية الله خميني، في 23 اغسطس 1982، تطبيق الشريعة والغاء القوانين المدنية.

استخدمت قوات الأمن وفصائل من قوات « الحشد الشعبي» القوة المفرطة ضد المحتجين المشاركين في مظاهرات عمت أنحاء البلاد بدءا من أكتوبر/تشرين الاول، فقتلت أكثر من 500 منهم وأصابت آلافا آخرين

يقول هانز فون سبونيك، ممثل الامم المتحدة في العراق المستقيل بسبب الحصار الجائر «لم تبق أية مادة في ميثاق حقوق الانسان لم تنتهك في العراق منذ غزوه». ولنراجع تقرير منظمة العفو لعام 2019: «استخدمت قوات الأمن وفصائل من قوات «الحشد الشعبي» القوة المفرطة ضد المحتجين المشاركين في مظاهرات عمت أنحاء البلاد بدءا من أكتوبر/تشرين الاول، فقتلت أكثر من 500 منهم وأصابت آلافا آخرين، وتوفي الكثير نتيجة إصابتهم بالذخيرة الحية أو بعبوات من الغاز المسيل للدموع لم تشاهد من قبل. وتعرض النشطاء، وكذلك المحامون الذين يمثلون المحتجين، والمسعفون الذين يتولون علاج الجرحى، والصحافيون الذين يغطون الاحتجاجات للقبض، والاختفاء القسري، وغير ذلك من أشكال الترهيب على أيدي أجهزة الاستخبارات والأمن.. وظل آلاف الرجال والصبية مفقودين بعد اختفائهم قسريا على أيدي قوات الامن العراقية، بما في ذلك وحدات الحشد الشعبي». كل هذا، بدون القاء القبض على مرتكبي الانتهاكات والجرائم، بل وغالبا ما تتم مكافأة المسؤولين على الرغم من توفر الادلة والشهود. ترينا هذه المراجعة السريعة ان هناك ممارسات وانتهاكات تكاد تكون متماثلة في تطبيقها وتبريرها بين النظامين العراقي والإيراني، في الثمانينيات، الا انها تعمقت وانتشرت وتطورت بشكل كبير، وهنا المفارقة، على أيدى الساسة الذين طالما قدموا انفسهم كضحايا للنظام السابق. حيث اصبحت «المظلومية» ذريعة للتعاون مع الاحتلال اولا ولتكريس نظام المحاصصة والتمييز الطائفي والعرقي ثانيا. ما يجمع الساسة «الضحايا» بالإضافة الى الفساد، هو ارتكاب أو غض النظر عن الانتهاكات والتعذيب والاختفاء وتنفيذ احكام الاعدام، بشكل جماعي شبهته مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بـ«ذبح الحيوانات في المسلخ».
ومن استخدام المثقب وشوي الضحايا واغتصاب الرجال الى تصوير أشرطة فيديو التعذيب والانتهاكات الجنسية وتوزيعها. كل هذا بحجة «ليس الوقت ملائما» لانشغال الحكومة بمحاربة الإرهاب!،
ويعود سؤال «من هو الاسوأ» أو «الاحسن» من الحكام، ليتكرر وينتشر بتنويعات تبريرية، مبتذلة، تختزل حياة الإنسان الى رقم في قوائم تضم الآلاف. تُنسينا بديهية ان حماية الفرد هي مسؤولية الحكومة، خاصة، اذا كانت تدّعي الديمقراطية الانتخابية وتُزّين وجودها بحقوق الإنسان. وإلا من يتحمل، مثلا، مسؤولية عوائل آلاف القتلى والمغيبين تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وملايين المهجرين، في عدة مدن، جراء قصف قوات التحالف الدولي «الستيني» والميليشيات الطائفية؟ ألن تكون هذه مبررا لمظلومية مستقبلية تبرر الافعال الانتقامية كما يفعل ضحايا تهجير تهمة «التبعية الإيرانية» من قبل النظام السابق واستغلالها سياسيا من قبل النظام الحالي؟
لا يمكن تقليل المسؤولية عن الحكومة حيث اثبتت السنوات الاخيرة، في حياة العراقيين، ان بامكان مُدّعي المظلومية ان يكون جلادا بينما يبقي الضحايا الحقيقيين مظلومين. وحين توفر الحكومة التمويل لصالح «التظلم» فانها تعمل على تقسيم الناس وإقناع الضحايا بأن المجتمع يقف ضدهم بلا هوادة، مما يقضي على امكانية التفكير بايجاد حلول حقيقية للمعاناة والقمع. وهو ما وصفه المفكر الإنساني البريطاني برتراند راسل، عام 1950، في مقالته المعنونة «الفضيلة الفائقة للمضطهدين» التي بيّن فيها «ميل الناس إلى تخيل أن أولئك المضطهدين يتمتعون بجودة اخلاقية فائقة».

كاتبة من العراق

 

 

« الدرونز»…

عقوبة إعدام بلا محاكمة

هيفاء زنكنة

 

جاء في بيان لوزارة الدفاع البريطانية أن سلاح الجو الملكي البريطاني نفذ عمليتين ضد تنظيم «داعش» في شمال العراق خلال شهر آب/ أغسطس. كلاهما بواسطة طائرة بدون طيار ( درون) من صنف ريبر، موضحا بأن العمليتين هما جزء من مساهمة بريطانيا في التحالف الدولي في الحرب ضد «داعش» في سوريا والعراق. حيث تقوم الطائرات بشن ضربات على «أهداف إرهابية عند الحاجة». تبين تفاصيل العملية الاولى، أن الدرون تعرف على «إرهابيين عند مدخل كهف لداعش، على بعد 85 ميلاً غرب كركوك. وبقي الدرون يراقب الموقع عن كثب ثم نفذ طاقم الدرون، في 20 آب، هجومًا بصاروخ « هيلفاير» بعد أن تاكد من عدم وجود مدنيين قد يكونون معرضين للخطر. «أصاب الصاروخ الهدف بدقة، ولوحظ أن الانفجار يخرج من جزء آخر من شبكة الكهوف، مما يشير إلى أن تأثير السلاح قد وصل إلى عمق الكهوف».
الملاحظ أن البيان لا يذكر عدد القتلى، تماشيا مع سياسة أمريكا والكيان الصهيوني، في إهمال ذكر الضحايا، أيا كانوا، بل يركز على إثبات دقة تصويب الدرونز، والحرص على سلامة المدنيين، وشرعية وقانونية استخدامه كسلاح للقتل، في بلد، ليس في حالة حرب مع بريطانيا. مما يثيرعدة نقاط مثيرة للجدل. من بينها زعم صناع السلاح ودعاة حرب الطائرات بدون طيار أنها الأسلم بالنسبة الى الجنود، لأنها تقلل من الحاجة الى وجودهم على الأرض وبالتالي تعرضهم للخطر، متعامين عن حقيقة أن ثمن سلامة الجنود في أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني يدفعه المدنيون على الأرض. اذ ليس من الممكن معرفة ما يحدث على الأرض بدقة من على بعد آلاف الأميال. صحيح أنها تسمح للجنرالات والسياسيين بمشاهدة الحرب التي يشنونها على الجانب الآخر من العالم، على الهواء مباشرة، بواسطة شاشة من أي مكان في العالم، والانتشاء لتحقيق «الانتصار» إلا أن هذا لا يعني سلامة المدنيين بل سهولة شن الحروب عن مبعدة. فبينما تدعي بريطانيا، مثلا، أن مدنيًا واحدًا فقط قُتل في آلاف الضربات الجوية والدرونز البريطانية في العراق وسوريا، أعلنت منظمات تسجيل الضحايا والصحافيين عن آلاف القتلى في غارات جوية للتحالف.
وقد عاشت أربعة بلدان هي افغانستان وسوريا وليبيا وغزة جحيم «الأمان» الذي توفره الدرونز، في شهر نوفمبر / تشرين الثاني 2019، حيث قُتل جراء «دقة» استخدامها 41 مدنيا بينهم 11 طفلا. ففي أفغانستان، قُتل 6 قرويين كانوا يرعون الماشية ويجمعون الأخشاب. وفي سوريا تم ضرب مجموعة من خمسة مدنيين كانوا يقطفون القطن، مما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة خمسة. وفي ليبيا قتل 10 عمال مهاجرين في مصنع بسكويت وبعد عشرة أيام، قُتلت عائلة من العمال المهاجرين النازحين بما في ذلك 6 أطفال مع عاملين يقومان بتوصيل المياه للأسر النازحة. واعترفت قوات الكيان الصهيوني بقتل ثمانية أفراد من عائلة رسمي السواركة ( 45 عاما) في غزة.
وليس صحيحا ما تدعيه البيانات الرسمية بأن استخدام الدرونز، في العراق وبقية الدول، يتم لتوجيه ضربات ضد تنظيم داعش. ففي 12 آب، من العام الماضي مثلا، هاجمت ثلاث طائرات درون تابعة للكيان الصهيوني إحدى قواعد «الحشد الشعبي» في بغداد، ما أدى إلى انفجار 50 طنا من الأسلحة بذريعة ضرب صواريخ إيرانية كانت في طريقها إلى سوريا ولبنان.

هناك عدة منظمات أوروبية وأمريكية مستقلة، تقوم برصد استخدام الدرونز للتجسس والاغتيال وآثارها على حياة المدنيين

الجانب الآخر الأكثر اثارة للجدل هو استخدامها من قبل أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني في عمليات القتل المستهدف، أي القتل العمد مع سبق الإصرار لأفراد مختارين من قبل دولة ليسوا رهن الاحتجاز لديها، كما فعلت أمريكا في باكستان واليمن، ويواصل الكيان الصهيوني استهداف قادة المقاومة الفلسطينية في غزة. واذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو من أصدر تعليمات تنفيذ عملية قتل سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، أثناء وجوده بالعراق، بداية كانون الثاني/ يناير 2020، دلالة ازدياد الاعتماد على الدرونز لتنفيذ عمليات الاغتيال الحكومية، فان التوسع الكبير لحرب الدرونز كان قد بدأ في عهد الرئيس باراك أوباما الذي أمر بضربات لـ «مكافحة الإرهاب» ونفذتها وكالة المخابرات المركزية وقيادة العمليات الخاصة المشتركة في البنتاغون، أكثر بعشر مرات من سلفه جورج بوش.
هناك، بالتأكيد، جوانب ايجابية متعددة للتطور التكنولوجي السريع للدرونز، إلا أن الجانب الأكبر الذي نتلقاه في العالم العربي، منذ اختراع الدرونز، هو الاستخدام العسكري القاتل حيث تعيش شعوب لبنان والعراق وسوريا وفلسطين واليمن وليبيا، تحت أزيز وصواريخ حرب الدرونز البريطانية والأمريكية والكيان الصهيوني. مما يقودنا إلى التساؤل عن مدى معرفتنا، كشعوب، بهذا السلاح المهيمن، حاليا، على جانب مهم من حياتنا ويوشك، نتيجة تطوره وسياسة الدول المنتجة له وسهولة الادعاء بدقتهس؟ باستثناء عدد من المقالات والمتابعات الصحافية، لم أعثر على موقع عربي متخصص بهذه الآلية التي غيّرت هيكيلية الجيش الأمريكي وشكل الحروب.
الا أن هناك عدة منظمات أوروبية وأمريكية مستقلة، تقوم برصد استخدام الدرونز للتجسس والاغتيال وآثارها على حياة المدنيين. من بينها منظمة
Drone wars. وموقعها الالكتروني غني بالمعلومات والوثائق وتحيين المتابعات لكل ما له علاقة بالاستخدام العسكري للدرونز في جميع انحاء العالم، وقد أصدرت المنظمة بمناسبة احتفالية تأسيسها العاشر، كتيبات وتقارير التقارير ورقية متوفرة لمن يرغب. وفي تلخيصه لعمل المنظمة، يقول مدير المنظمة كريس دول «أحد الجوانب الرئيسية لعملنا هو تحدي السرية التي تحيط باستخدام الدرونز»، محذرا من عدم وجود قوانين محلية أو دولية تمنع استخدام الدرونز في عمليات القتل مما سيؤدي الى توفيرها لأي شخص كان يود استهداف مسؤول او قائد متهما اياه بانه إرهابي، خاصة «و أن أي شخص منا معّرض للاتهام بالإرهاب».
المنظمة الاخرى هي «ريبريف» التي تصف برنامج الدرونز القاتلة لوكالة المخابرات الأمريكية المركزية بأنه «عقوبة إعدام بدون محاكمة» معلنة معارضتها للاستخدام غير المشروع للدرونز المسلحة خارج ساحة المعركة في أي مكان في العالم. قائلة «لقد قتل هذا البرنامج أكثر من 4000 شخص، حتى الآن، معظمهم لا يزالون بلا أسماء». بالنسبة الينا، هناك حاجة ملحة للتوعية بنوعية الحرب التي تخاض باسمنا وبتكنولوجيا واستخدامات نتلقى الجانب القاتل منها، ونظرا لغياب أي جهد حكومي في هذا المجال، قد يكون العمل سوية مع المنظمات والنشطاء الفاعلين هو الحل الأفضل، حاليا. ولأن مسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة قد تكون مبادرة ترجمة عمل احد المواقع حلا يجنبنا جهد وتكلفة اعادة اختراع الجاجيك « اللبن بالثوم».

كاتبة من العراق

 

 

مقالات سابقة للكاتبة

فرنسا: الضلع الثالث

في اقتسام كيكة العراق؟

هيفاء زنكنة

مصطلح جديد نزل الى الأسواق الإعلامية ـ السياسية في الاسبوع الماضي وبالتحديد يوم الثاني من ايلول/ سبتمبر. المصطلح هو «مبادرة السيادة» أو «مسيرة السيادة» وقد أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اثناء زيارة قصيرة الى بغداد احيطت بالكتمان. مما تذكرنا بزيارات المسؤولين الأمريكيين الذين يكتفون، عادة، بلقاء رئيس الوزراء العراقي اما في المنطقة الخضراء المحصنة او احد المعسكرات الامريكية الأكثر حصانة، حيث يتناول رئيس الوزراء وجبة طعام مع قوات الاحتلال ليبين، كما فعل نوري المالكي، مقدار اعتزازه بتضحياتهم بحياتهم على أيدي «الإرهابيين العراقيين».
بعد ساعات من زيارته بيروت وقيامه بواحد من أكثر الأفعال ذكاء اعلاميا، أي منحه أرفع وسام فرنسي لفيروز التي لايختلف أحد حول قيمتها الوطنية وما تمثله للبنان والبلاد العربية، وبعد احتضانه المطربة ماجدة الرومي وطمأنتها بأن لبنان سيكون بخير، (لماذا يحتضن الرؤساء والساسة الاطفال والنساء ويذرفون الدموع اثناء احتضانهم أمام كاميرات أجهزة الإعلام؟) وقبل ان تجف عبراته التي بللت شعر المطربة، سارع الرئيس الفرنسي بارسال تغريدة له عن البلد الثاني الذي يريد أن يشمله برعايته وان يضمه، مع بيروت، الى حضنه الكبير: «أؤكد لكم أنني سأكون غداً صباحاً في العراق لكي أطلق، بالتعاون مع الأمم المتحدة، مبادرة لدعم مسيرة السيادة في هذا البلد». أثارت الزيارة، الدهشة، خاصة بين العراقيين. فالعراق، خلافا للبنان، ليس مستعمرة سابقة تحاول فرنسا استعادة مكانتها فيها بنعومة فنية او عبر ترتيب حملة مساعدات «إنسانية». صحيح أن فرنسا لم تشارك في غزو العراق واحتلاله بأمرة أمريكا كما فعلت بريطانيا، مثلا، الا أنها شاركت في التحالف الذي قادته امريكا تحت راية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» عام 2014، وبقيت قواتها في العراق حتى فترة قصيرة. ما أثار الدهشة، أيضا، لجوء ماكرون الى اسلوب «التغريدة» لاعلان الزيارة، فهذا اسلوب متوقع من الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي باتت تغريداته، بكل مفارقاتها، بديلا للبيانات الصحافية، الا انه ليس اسلوبا شائعا بين بقية الرؤساء، في انحاء العالم. فهل أراد ماكرون بتغريدته أن يثبت لنفسه والعالم أن فرنسا لاتقل مواكبة لحداثة «التغريد» من الرئيس الأمريكي، أو انه لايقل عنه اهتماما بالشرق الأوسط، خاصة، بعد ان جعل ترامب من اعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني وتوقيع اتفاقية تطبيع العلاقات مع الإمارات، انجازات لامثيل لها يستند اليها في حملته الانتخابية؟ أو لعل ما ابتغاه ماكرون هو تفنيد النظرة الأمريكية التي عبر عنها وزير الدفاع الامريكي السابق دونالد رامسفيلد، قبل غزو العراق بشهرين، متهما فرنسا والمانيا، بأنهما «أوروبا العجوز» غير القادرة على مجاراة امريكا في «انقاذها» الشعب العراقي من نظام جائر وبناء الديمقراطية، فشٌمر عن ذراعيه، هو الآخر، هاتفا « اريد ان اساند الشعب العراقي»!

ليس من قبيل الصدف ألا يتطرق ماكرون، في حديثه عن « مساندة الشعب العراقي» إلى الشعب العراقي، المحتج، المتظاهر، المعرض للاغتيالات والخطف، النائم في ساحات مدنه منذ تشرين / اكتوبر 2019، مطالبا باستعادة وطنه وسيادة وطنه

ضمن هذه الخطوط العامة، بالامكان تلمس بعض الملامح الدالة على اهداف الزيارة، مع بقاء السبب الرئيسي حتى المعلن منه غامضا وخاضعا للتفسيرات. وأعني بذلك اعلان « مبادرة السيادة» كسبب رئيسي للزيارة وابقائه كما هو مصطلحا كرره ماكرون، بتنويعات ملونة تليق باللغة الفرنسية، في خطابه ومقابلاته الصحافية ولقاءاته الرسمية مع المسؤولين ببغداد، حاملا اياه بحميمية كما راقص الباليه حين يحمل البطلة، لأكثر من ساعة، وهو واقف على رؤوس اصابعه.
«امامنا تحديات عديدة، وأنني أريد أن اساند الشعب العراقي. لكم ان تعتمدوا على التزامي معكم، وسنعمل مع شركائنا على تحشيد المجتمع الدولي». انهمرت وعود المساندة بسخاء صحبة التحذير. في اطلاقه صيحات التحذير، استنسخ ماكرون تحذيرات الخطاب الأمريكي والإيراني، حول خطرين هما اولا: تداعيات «التدخلات الخارجية» في الشأن العراقي. لينفي عن فرنسا، كونها قوة خارجية تتدخل بالشأن الداخلي. بل وليقدمها كقوة ضرورية لحماية السيادة من « قوى خارجية» ملمحا على الاغلب الى تركيا، التي تخوض معها الصراع في ليبيا. الخطر الثاني الذي حذر منه ماكرون وذكره نقلا بالحرف الواحد من الخطاب الامريكي هو ان «الحرب على داعش لم تنتهِ بعد». مما يعني، بالضرورة، ان العراق بحاجة الى « المساندة» الفرنسية و« التحشيد الدولي».
عند جلاء الغبار الإعلامي وتنظيف التصريحات الفرنسية من طابعها الودي حول « دعم ومساندة الشعب العراقي» سنجد ان ما يود ماكرون انجازه هو ليس « مسيرة سيادة» مبهمة، بقدر ما هو تحقيق هدف استعماري قديم مُغلف بتغريدة منمقة: ان تحصل فرنسا على قطعة من كعكة دسمة تتهافت على التهامها دول اخرى، بينما لا تحصل هي على اي «مكافأة» على الرغم من انها «قدمت الدعم للعراق في حربه ضد داعش» كما قال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شاكرا ماكرون. فلم لا تنال نصيبا من عقود السلاح والنفط والعقود التجارية كما هي أمريكا وإيران؟ واذا كانت ارض البلد مباحة من قبل الدولتين، بينما تنتهك تركيا حدوده، قصفا وتوغلا، فلم لا تكون فرنسا الضلع الثالث في قوى الاحتلال، العسكري والناعم، في بلد يملك رابع أعلى مخزون للنفط بالعالم، ويحتل، في الوقت نفسه، بساسته السابقين والحاليين، مركزا مرموقا في قائمة اكثر الدول فسادا في العالم؟ أليس في هذا ما يكفي من الغواية لأية جهة او دولة، تود الانتفاع؟ حيث تتوفر كل الشروط الملائمة لتوسيع رقعة الاستغلال، فالنظام الفاسد بحاجة الى الحماية الخارجية، أيا كانت، والقوى الاستعمارية الجديدة، ترى في ابقاء البلد ضعيفا، منهكا، تنخره النزاعات والحروب، وتسليط سيف تهمة «الإرهاب» الجاهزة على كل مقاوم. لذلك ليس من قبيل الصدف الا يتطرق ماكرون، في حديثه عن «مساندة الشعب العراقي» الى الشعب العراقي، المحتج، المتظاهر، المعرض للاغتيالات والخطف، النائم في ساحات مدنه منذ تشرين / اكتوبر 2019، مطالبا باستعادة وطنه وسيادة وطنه، التي يعرف معناها جيدا، وسيحققها ان آجلا أم عاجلا .

كاتبة من العراق

 

 

مواكب العزاء في العراق

عن الشهداء والميليشيات والتمويل

هيفاء زنكنة

 

أضيفت الى طقوس أيام عاشوراء، هذا العام، مواكب جديدة يقوم الشباب المشاركون فيها بالسير صفوفا طويلة، وهم يحملون صور شهداء انتفاضة تشرين التي انبثقت في تشرين/ اكتوبر 2019 واستشهد فيها 560 متظاهرا. ردد المشاركون في مواكب العزاء شعارات الانتفاضة بذات الاسلوب، كما تعودوا، من مرددي أو قراء العزاء، وكأنهم يُعزون انفسهم والعالم باستشهاد المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، كما استشهد الحسين. ويحتمون، في الوقت نفسه، بجموع مواكب العزاء آملين ان تردع قدسية الايام العشرة ميليشيات القتل وقناصة الموت عن مواصلة حملة الاغتيالات التي طالت شبابا يعرفونهم.
في ذات الوقت الذي واظب فيه شباب مواكب العزاء على حمل صور شهداء الانتفاضة تذكيرا بتضحيتهم والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن اغتيالهم، أصدرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، تقريرا بعنوان « العراق: مختفون ولكنهم لن يغيبوا عن الذاكرة» بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، دعت فيه الحكومة العراقية إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة لتحديد مصير نحو ألف مدني من الرجال والفتيان، أغلبهم من العرب السنة، الذين اختفوا قسراً اثناء العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الأمن بمشاركة ميليشيا «الحشد الشعبي» في محافظة الأنبار، غرب العراق، عامي 2015 و2016 « وما ارتكبته من انتهاكات بما في ذلك الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب” في اطار محاربة داعش بدعم من قوات التحالف بقيادة امريكا.
لقد بات من بديهيات الأمور، في يوميات الحياة العراقية، ان آلة الاغتيالات والعنف ستستمر بالتهام حياة المحتجين وكل صوت معارض أو مطالب بالتغيير الحقيقي وتنظيف البلد من منظومة الفساد، بغض النظر عن ادعاءات الحكومة والساسة بإجراء التحقيقات وتصريحات وفود الحكومات الغربية «المدافعة عن حقوق الانسان» بالعراق. وستبقى أمهات وزوجات المفقودين، يتنقلن بين الدوائر الحكومية، متوسلات الاخبار، بحثا عن احبائهن، وهن يحملن صورهم المبللة بالدموع كما صور شهداء تشرين، كما صور الشهيد الحسين واهله.
ما يعزز بديهية استمرار الاغتيالات ويزيد من حالة اللا استقرار وقلة الأمان والخوف مما تحمله الايام المقبلة، بالإضافة الى شحن آليات الانتقام كمنفذ وحيد للعدالة، هو تغوّل ميليشيات القتل وتمكنها من التحكم بالحكومة ومؤسسات الدولة، عبر أذرعها الحزبية المنخرطة بدورها في البرلمان، وهنا تكمن المفارقة. فالأحزاب العراقية التي غزت الساحة السياسية منذ غزو واحتلال البلد عام 2003، هي أداة بيد الميليشيات وواجهة لها وليس العكس كما هو معروف عادة. بل أن أغلب العناوين العشائرية ومنظمات المجتمع المدني قد أصبحت بنفس حال الأحزاب، إذ أفرغت من محتواها أو أصطنعت كجزء من شبكات الفساد، ولم تعد ذات جدوى في لعب أي دور اجتماعي مستقل. وتتصدر هذه الواجهة ميليشيات « الحشد الشعبي» التي تم ضمها الى القوات المسلحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016ّ، ووضعت بأمرة رئيس الوزراء، بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، كسلطة وحيدة مسؤولة عن نشر هذه الميليشيات وإدارة عملياتها. الا ان هذه التغييرات بقيت حبرا على ورق وواصلت ميليشيات «الحشد الشعبي» نشاطاتها خارج نطاق القانون والسيطرة للدولة. وإذا ما أعلنت الحكومة عن اجراء تحقيقات فانه لم يحدث وقدم اي عضو في الميليشيات لينال جزاءه القانوني.

لقد بات من بديهيات الأمور، في يوميات الحياة العراقية، ان آلة الاغتيالات والعنف ستستمر بالتهام حياة المحتجين وكل صوت معارض أو مطالب بالتغيير الحقيقي وتنظيف البلد من منظومة الفساد

ضمن هذه السيرورة تعهد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يوم السبت الماضي، ردا على تقرير يونامي حول اختفاء الالف شخص بـ« العمل بجدية لمتابعة ملف المفقودين قسريا في البلاد، والكشف عن مصيرهم». وهو يعرف جيدا أن تعهده لا يزيد عن كونه محض هراء كما الوعود والتعهدات الكثيرة التي اطلقها هو أو من سبقه من رؤساء الوزراء. فما يُسَير الأمور، هو صراع الميليشيات فيما بينها، احيانا، كل حسب ولائها المحلي او الخارجي وضد غيرها من قوى مسلحة احيانا اخرى. وإذا كانت كل الاطراف مسلحة في « العراق الجديد» فان الميليشيات تتصدر القائمة بأسلحتها وسبل تمويلها وإرهابها المماثل لداعش. وابسط مثال على حجم تمويلها هو سيطرتها على 20 رصيفا في ميناء الفاو، المنفذ المائي الوحيد للعراق، من بين 21 رصيفا وينطبق الأمر ذاته على كل المنافذ الحدودية. فالميليشيات التي يزيد عددها على الستين، أكثر هيمنة على الشارع بحكم تدريبها وتمويلها واسلحتها. فهي تملك أنواعا من الأسلحة تراوح ما بين الخفيفة والثقيلة والذخائر المصنوعة في ما لا يقل عن 16 بلدا، بما فيها صواريخ وأنظمة مدفعية ومركبات مصفحة صينية وأوروبية وعراقية وإيرانية وروسية وأمريكية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2014، قرر الكونغرس الأمريكي تخصيص 6.1 مليار دولار أمريكي لصندوق التدريب والتجهيز الخاص بالعراق لدعم الحملة العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وقد أظهرت الأدلة المصورة لدى منظمة العفو الدولية أن طيفا من المعدات المصنوعة في الولايات المتحدة، بما في ذلك عربات «همفي» العسكرية وحاملات جنود مصفحة من طراز «M113 «وأسلحة صغيرة زود بها الجيش العراقي، باتت تحت تصرف قوات «الحشد الشعبي» بما في ذلك بين يدي بعض الميليشيات المتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. كما تحصل الميليشيات على قسط من أسلحتها وذخائرها مباشرة من إيران، إما على شكل هدايا أو في صيغة مبيعات، بالإضافة الى قيام اجهزة حكومية عراقية بتزويدها بأسلحة تحصل عليها من دول اخرى بحجة محاربة داعش. ولا تجد الدول الكبرى حرجا في بيع الاسلحة لأي كان اما مباشرة او عبر الشركات الخاصة، بدون التدقيق او التغاضي عن مصيرها أو سبل استخدامها. كل التفاصيل موثقة في تقرير منظمة العفو الدولية» العراق: غض الطرف عن تسليح ميليشيات الحشد الشعبي». ففي حال بريطانيا، مثلا، تتضمن قائمة وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية ثلاثين دولة مدرجة في قائمة الدول التي تعتبرها لندن مدعاة للقلق الشديد بشأن سجلها في حقوق الإنسان والديمقراطية. ومع ذلك، فقد صادقت الحكومة – خلال العامين الماضيين وحدهما ـ على بيع أسلحة إلى 22 دولة من تلك الدول.
ان وجود الميليشيات المتناسلة كالأرانب على ارض العراق جراء الفشل الحكومي، وغياب القانون، وهيمنة القوى الخارجية المتغلغلة ضمن الاحزاب والبرلمان، بشكل كبير، ولأسباب مالية مربحة او ولائية او عن طريق اشاعة التخويف من « الآخر» سيبقى سيفا مسلطا على رؤوس المواطنين للترهيب والقمع والانتقام و توفير «الحماية» ما لم تتوحد القوى الوطنية المبعثرة لوضع برنامج انقاذ وبناء موحد يخلص البلد من دستور « العملية السياسية» ونظام المحاصصة الذي رعاه المحتل تفتيتا للمجتمع واغتيالا لأبنائه وابقائه ضعيفا يستهلكه الاقتتال.

كاتبة من العراق

 

 

«مجهولون»

يغتالون العراق

 

هيفاء زنكنة

 

هل هناك بيت لم يزره الموت مبُكرا في العراق؟ هل من عائلة لم تفقد أحد افرادها تغييبا وقتلا منذ «تحرير» البلد، لتضيف الى قائمة ضحايا القمع والحرب والحصار اسماء جديدة لشباب لم يعرفوا غير خطيئة وحيدة عبر عنها شعارهم «نريد وطنا» فرفعوا رؤوسهم محتجين على الأوضاع المهينة، حالمين بالحرية و الحياة الكريمة، فبات حرمانهم من الحياة حكما لا يقبل الاستئناف والنقض.
في كل يوم، بدلا من الاحتفال بالحياة، بجيل يواصل حمل شعلة البناء والتطور والحضارة التي نفتخر بها، تطالعنا وجوه شباب شوهتها الاطلاقات النارية وأخرستها كواتم الصوت.
نرى صورا وفيديوهات لقتلة يرتكبون جرائمهم ويهربون. القتلة دائما «مجهولون» هكذا تخبرنا التصريحات الرسمية.
ما هو غير مجهول: جثث ومقاعد سيارات مغطاة بالدماء. تغُّيب الملامح الفتية فتبقى عيون الضحايا مفتوحة على سعتها، متساءلة بأي ذنب قتلت!
في الاسابيع الأخيرة، رأينا مقاعد سيارة أخرى، تغطيها الدماء. على أحد المقاعد حقيبة يد نسائية لم يعد بالإمكان تمييز لونها.
غاب عن مدينة البصرة، وجه ترتسم على ملامحه النضرة طيبة سكانها وكرمهم وعزة أنفسهم. بعد عامين من مشاركتها في الاحتجاجات وقيادتها لمسيرات نسائية، لم تعد الكاميرات تتوقف عند رهام يعقوب، الناشطة وخبيرة الصحة والتغذية، لنسمعها وهي تلخص بعاطفة متأججة وصوت غاضب، مأساة مدينتها، المعاقبة بوجود الميليشيات في ظل حكومات يتقاسمها الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني. مدينتها البصرة ذات الثروة النفطية التي لولا الفساد لأصبحت فردوسا أرضيا غير أن أهلها يقفون منذ «تحريرهم» على هامش الحياة انتظارا لقطرات ماء نظيفة تحت حرارة منحت العراق لقب البلد الأشد قيظا في العالم، والأكثر اصابة بالامراض نتيجة تلوث المياه وقلة التزود بالكهرباء وتجمد الخدمات الصحية في الحضيض.
منذ يوم الاربعاء، 19 آب/ أغسطس، لم نعد نسمع صوت رهام وهي تتقدم الشباب والشابات مخاطرة بحياتها، معهم، قائلة مرة ردا على أحد التصريحات الرسمية الكاذبة حول تحسن الأوضاع في البصرة «كنت أتمنى أن تشرب وزيرة الصحة من ماء البصرة لتعرف معاناتنا».
منذ يوم الاربعاء، لم يعد بامكان رهام أن تكًّذب التصريح الرسمي حول اغتيالها القائل بأنه «نُفذ برصاص بندقية هجومية كان يلوح بها مسلحان مجهولان يستقلان دراجة نارية وسط المدينة حيث لاذا بالفرار بعد إطلاق النار على السيارة».

من واجبات الحكومة، صيانة حياة مواطنيها، أيا كانوا وليس برمجة زيارات لتعزية أهالي الضحايا أو احتضان أطفالهم وتقبيلهم في لقطات تلفزيونية دعائية، كما يفعل الكاظمي

إن اغتيال رهام حلقة في سلسلة اغتيالات استهدفت عديد الناشطين. فقد سبقها بايام قليلة اغتيال تحسين أسامة الخفاجي الذي كانت ابنته قد حذرته من الخروج مع المتظاهرين فأجابها قائلا بأن هذه هي فرصة التغيير.
وكان حسين العابدي وزوجته، والمراسل أحمد عبد الصمد، قد اغتيلوا قبلهم وكذلك الخبير الأمني هشام الهاشمي.
وفي يوم 17 آب نجا اربعة هم عباس صبحي ولوديان ريمون وفهد الزبيدي ورقية الموسوى من محاولة اغتيال بعد اصابتهم بجروح ونقلهم الى مستشفى البصرة. كما نجا ثلاثة ناشطين من مدينة الحلة وهم محمد جابر وعدنان الكهار ومحمد المنصوري، ومحسن الزيدي بينما استشهد ياسر كاظم ببغداد.
كل الاغتيالات ومحاولات الاغتيال وصفتها المصادر الرسمية بأنها تمت « بأيدي مسلحين مجهولين».
حين تم تعيين رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء، في 7 أيار- مايو، كان أحد مطالب منتفضي تشرين/ أكتوبر 2019، الرئيسية هو محاسبة قتلة المتظاهرين واطلاق سراح المختطفين ووضع حد لآلام ومعاناة أهالي المختفين.
كان مطلبا ملحا لا لكثرة أعداد الضحايا الذين بلغ عددهم 560، اعترف بهم في 30 تموز/ يوليو، رسميا، كشهداء، بالإضافة الى 30 ألف جريح ومعوق بشكل دائم جراء الاستهداف بواسطة القناصة واستخدام الرصاص الحي وبندقيات الصيد والغازات المسيلة للدموع. ولا لأنهم الضحايا الوحيدون من قتلى ومختطفين منذ الاحتلال عام 2003 وحتى الانتفاضة، حيث تجاوز العدد المليون، بل نبعت أهمية المطلب من كونه حقا عاما، وحَّدَ ابناء الشعب بكل اديانه ومذاهبه، ووضع رئيس الوزراء أمام اختبار يبين صحة وعوده حول تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، ولا طائفية الحكومة، وسياستها في تمثيل ابناء الشعب كلهم، بدون تصنيف « الآخر» إرهابيا.
إلا أن أيا من المسؤولين عن جرائم الاغتيالات والخطف والتغييب لم يتم القاء القبض عليه، واكتفى الكاظمي، كما فعل من سبقه من رؤساء الوزراء، بتشكيل لجان لم يتم الاعلان عن نتائجها. مما يعني إبقاء الجهات المسؤولة عن الاغتيالات سواء كانت أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، أو الميليشيات، ذات الدعم والولاء الإيراني والتي يتجاوز عددها الخمسين، أو فرق الموت والعمليات الخاصة التابعة لأمريكا، أو أي جهة مخططة لهذه الاغتيالات، حرة طليقة، بالإضافة الى بقاء المنفذين « المجهولين» على أهبة الاستعداد لتنفيذ أية عملية اغتيال أخرى حسب الطلب.
كما بقيت اجراءات الكاظمي لمحاسبة القتلة مقتصرة على تصريحاته المغلفة بسين المستقبل مثل « سنقوم بكل ما يلزم لتضطلع القوى الأمنية بواجباتها» و«سنقوم بكل ما يلزم لتقوم أجهزة وزارة الداخلية والامن بمهمة حماية أمن المجتمع» كما فعل عند عودته، منذ يومين، من واشنطن.
عمليا، ليس هناك ما يشير الى وضع حد للعنف والتصفية الجسدية ضد المحتجين والناشطين وكل من يجرؤ على السباحة عكس تيار الفساد مطالبا بوطن. ومع تجذر الفساد المؤسساتي والاداري، وتوفر السلاح بانواعه خارج سيطرة الدولة، يشكل الناشطون الذين تمكنوا من افراغ الاستغلال السياسي للدين والمذهب من قدسيتهما المصّنعة خطرا حقيقيا لا على الميليشيات والحشد فحسب بل وعلى الأحزاب التي ازدهرت تحت توليفة الفساد الطائفي في « العراق الجديد». من واجبات الحكومة، صيانة حياة مواطنيها، أيا كانوا وليس برمجة زيارات لتعزية أهالي الضحايا أو احتضان أطفالهم وتقبيلهم في لقطات تلفزيونية دعائية، كما يفعل الكاظمي.
إن اعلان هوية مخططي الاغتيالات ومنفذيها وتقديمهم للقضاء مسؤولية رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة خاصة وأنه كان، حتى أشهر قليلة مضت، رئيسا للمخابرات. مما يجعل مسؤوليته مضاعفة لأنه أدرى من غيره بكل من يمس أمن واستقرار البلد ويستهدف معارضيهم او من يعتبرهم اعدائه عن طريق التصفية الجسدية.
هذا، طبعا، اذا لم يساهم هو أو يسكت، لأسباب يعرفها، على تغطية دور المجرمين والمخططين والممولين، من خلال الإجراءات الشكلية الهادفة إلى دفن القضية وتسجيلها، كالعادة، ضد « مجهول».

كاتبة من العراق

 

 

من الفلوجة وحلب الى

بيروت… نحن أطفال هيروشيما

هيفاء زنكنة

 

كنا نتهيأ لاستقبال يوم الخميس، يوم 6 آب/ أغسطس، ذكرى مرور 75 عاما على القاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية. إلا أن يوم الأربعاء فاجأنا بحضور هيروشيما بيننا، مبكرة، في بيروت، لتمتزج رمزية الدمار بين الماضي والحاضر، بين مدن بعيدة وقريبة في آن واحد. نار حارقة تتسلل الى مدن عربية، بأشكال متغيرة، تظهر حينا وتختفي حينا آخر كالغيوم، كصاعقة تحفر عميقا، تاركة وراءها أجساد أهل المدن شظايا يلتقطها الاحياء. ماذا عن الغد؟ يتساءل الباقون وهم في طريق عودتهم الى الحياة، كما كانوا يعرفونها، ثم يعاودون السؤال عما سيجلبه ما بعد الغد. فالغد ضبابي يلتحف بسماء من غبار.
بيروت الجميلة باتت مدينة منكوبة. مدينة يدّعي ملكيتها الجميع ولا يرعاها أحد. كيف نميز بين المدن المنكوبة؟ في بلدان لم تعد بلدانا؟ هياكل مبان ومساحات مثل صورة متآكلة الحواف، انمحت ألوانها فلم يبق غير لون الرماد. مدن متناثرة على وجه أرض كنا نراها واحدة، بجبالها وسهولها وانهارها. في العراق واليمن وسوريا وليبيا. لقطات الخراب واحدة والصور واحدة، وأهل المدن في غربتهم المكانية، ما عادوا يميزون الأماكن التي ولدوا فيها أو شيّدوها بأنفسهم. مبان قد يبقى جزء منها منتصبا، بلا جدران بلا أبواب بلا نوافذ، مثل جوف فارغ، فقط ليتحدى قوة الانفجار من مادة كيمياوية أو قنبلة ذرية أو صاروخ أو قصف جوي بمئات الاطنان. كم من هيروشيما سنعيش؟
كل مدينة منها تستحضر برماديتها، اليوم، بعض هيروشيما. كانت (لهذا الفعل الناقص في ذاكرتنا جذور) متألقة بلون الشمس والسماء والأرض الخضراء ذات يوم أو لعله الأمس. في بيروت والعراق، يوم خرج الناس الى الشوارع صارخين. « نريد وطن» في الأول من تشرين الاول / أكتوبر في العراق، و«كلن يعني كلن» في 17 تشرين في بيروت. ورفع المتظاهرون علم البلدين سوية.
في سوريا تحضر هيروشيما في 13 مدينة. أكل القصف في حلب 36 ألف مبنى، وفي مدينة حمص 13778 بناء، ثم الرقة 12781، ومن ثم حماة 6405، ودير الزور 6405، إضافة إلى 5489 في مخيم اليرموك (معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث في 18 مارس 2019). ومع كل مبنى تغيب حياة عائلة، تتشرد في بلدان تضيف الى مأساتها محنة الاستغلال السياسي والاقتصادي.
استحضر الانفجار القاتل ببيروت هيروشيما، بفارق 75 عاما. واستحضر رش مدينة الفلوجة العراقية باليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض هيروشيما بفارق 59 عاما. غاب التمييز بين البشر، ألغيت الحدود. تماهت بيروت في كارثتها مع هيروشيما وصارت الفلوجة هيروشيما « العراق الجديد».
في كل يوم يغادرنا فيه جرحى بيروت، يولد في الفلوجة أطفال برأسين ويموت آباء وامهات بالسرطان. أي أطفال سيولدون في بيروت نتيجة التلوث ومخلفات التفجير؟ المخلفات الأمريكية لا تزال تغتال الأطفال ببطء في الفلوجة. القاتل معروف إلا أن العدالة مفقوءة العينين، تائهة في دروب المدن الخربة. يقول المفكر الامريكي نعوم تشومسكي «ما يتعلق بالفلوجة، لم تقم الولايات المتحدة بنقل النساء والأطفال إلى خارج المنطقة، لقد قصفتهم.

أيها الصغار، لا تصمتوا، تكلموا، قاوموا الكبار في العالم كله، أرباب الحرب، اصرخوا فيهم، بأصوات ناصعة، وعيون تلمع، افتحوا أذرعكم، حرروها لتعانقوا الجميع، امنحوا الجميع عناقًا، يعيد دموع الطيبة للقلوب

كان هناك ما يقرب من شهرٍ كاملٍ من القصف، كان قصفاً شاملاً للمدينة، إذا كان هناك من تمكَّن من الخروج بطريقة ما، فهم ليسوا أكثر من مائتي ألف شخص فرّوا، أو خرجوا بطريقة ما… فالرجال تم الاحتفاظ بهم في الداخل ونحن لا نعرف ماذا حصل بعد ذلك، نحن أنفسنا لم نقدّم تقديرات عن عدد الضحايا الذين كنّا مسؤولين عن قتلهم»..
الانفجار القاتل في بيروت اختزل الزمن بين مدن نائية ما ابعدها. هيروشيما ـ الفلوجة – بيروت. رمزية الرعب في كيفية الموت: أسرع كما في القصف وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها ودفنهم تحت الأنقاض أو بطيء يمتد على مدى عقود كما في المواد الكيميائية واليورانيوم المنضب؟ وينشج القلب… « أن نسبة حالات السرطان والتشوهات الخلقية في مدينة الفلوجة التي تعرضت لقصف أمريكي عام 2004 تفوق النسبة في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين اللتين ألقيت عليهما قنابل ذرية في الحرب العالمية الثانية».
«في أقل من لحظة، التهم ثقب أسود من الدمار والموت كل شيء. لا نزال من هوة الصمت هذه نسمع صراخ أولئك الذين رحلوا»، قال البابا قرب «نصب السلام» في هيروشيما. هل من نصب للسلام لمحو مشاهد الجحيم في بلداننا، ودفاتر نسجل فيها أسماء من سقطوا ضحايا جرائم البشر ضد البشر، وليس تسونامي الطبيعة، لئلا يكونوا أرقاما واحصائيات تجردهم من انسانيتهم؟ في الموصل وثّق موقع «ايروور»، البريطاني المختص، الحرب الجوية، في العراق وسوريا، واصفا عدد ضحايا القصف الجوي الأمريكي، بالعراق «بأنه الأعلى منذ حرب فيتنام، ومع ذلك لا تبدي الحكومات الغربية والعراقية أي اهتمام بتوثيق اعداد الضحايا».
استخدمت أمريكا لقصف الموصل، القاذفة الجوية بي 52، التي تم تحديثها لتُزود بالصواريخ والقنابل الموجهة بالليزر، وطائرات أف 16 وأف-أي 18، وطائرات ريبر بدون طيار، بالإضافة الى مروحيات الأباتشي قاذفة القنابل. وإذا كان تنظيم داعش الإرهابي قد زرع الألغام، ولا يزال الكثير منها مدفونا تحت الركام، فان قوات التحالف رمت على المدينة « قنابل تزن الواحدة 500 رطل، تخترق الأرض لمسافة 15 مترا أو أكثر»، حسب مدير برنامج الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام.
ما الذي سيجلبه المستقبل لبيروت التي احتضنتنا جميعا بكل صراعاتنا ومآزقنا وندواتنا وكتبنا وطموحات واحلام شبابنا؟ لبلداننا التي ينخرها الاستبداد والفساد والطائفية؟ هل ستلملم زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون جراحها ويعيد لها ألقها واعتدادها بنفسها؟ متى تحولت الدول الاستعمارية الى منظمات إنسانية، أم انها إنسانية فعلا بالمقارنة مع حكام/ حيتان الفساد المحليين؟ هل لملمت زيارة الرئيس الأمريكي ترامب جراح العراق النازفة؟ كيف وهو يمنح الأوسمة لقتلة العراقيين ويبارك حكام الفساد؟ هل وصلنا حقبة نستجدي فيها، كشعوب ذاقت الأمرين من حكامها، العودة الى حضن « المُحرر» الذي وسمنا، على مدى قرون، بالدونية البشرية؟ هل سنكون آخر الباقين؟ أم سنرحل كما الياباني شاعر القنبلة سانكيشي توغي، ابن هيروشيما، مرددين مثله في نصب تذكاري: « أيها الصغار، لا تصمتوا، تكلموا، قاوموا الكبار في العالم كله، أرباب الحرب، اصرخوا فيهم، بأصوات ناصعة، وعيون تلمع، افتحوا أذرعكم، حرروها لتعانقوا الجميع، امنحوا الجميع عناقًا، يعيد دموع الطيبة للقلوب، وغنوا لهم: نحن أطفال هيروشيما».

كاتبة من العراق

 

 

عن أفلام رئيس الوزراء

العراقي وفيديو الطفل العاري

هيفاءزنكنة

 

وزع المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يوم 30 تموز/ يوليو، فيلما قصيرا تداولته أجهزة الاعلام العراقية والعربية، عن زيارته الى سجن مطار المثنى، وسط بغداد. وُصفت الزيارة بأنها «ليلية تفقدية مفاجئة». تأكد الكاظمي، خلالها «بنفسه من عدم وجود سجناء من المتظاهرين، وأصحاب الرأي». وسجن المثنى واحد من سجون نظام «العراق الجديد» ينافس في سمعته السيئة سجني «أبو غريب» و«التاجي». اذ لا يكاد أي تقرير حقوقي عالمي أو محلي يُنشر حول انتهاكات حقوق الإنسان بالعراق الا ويذكر فيه سجن المثنى، مرة كمركز للتحقيقات وأخرى كسجن «سري» تسيطر عليه الميليشيات وتُخضع المعتقلين «لكافة أنواع التعذيب، تبدأ بالضرب والخنق والصعق بالتيار الكهربائي في كافة أنحاء الجسم والحرق ونزع الأظافر والأسنان ومحاكاة الغرق، بهدف انتزاع اعترافات بتنفيذهم عمليات إرهابية لم يرتكبونها». ولا تخلو التقارير من توثيق حالات تهديد أو انتهاك واعتداء جنسي ضد المعتقلين من الذكور.
يأتي توقيت الزيارة مع عودة المظاهرات الغاضبة في عديد المحافظات، في ارجاء البلد، احتجاجا على انقطاع الكهرباء مع ارتفاع حرارة الصيف الى ما يزيد على الخمسين درجة مئوية، وأزمة المياه الصالحة للشرب بالإضافة الى المطالبة بالقبض على قتلة المتظاهرين في انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، الذين بلغ عددهم 560، اعترف بهم في 30 تموز، رسميا، كشهداء، بالإضافة الى 30 ألف جريح ومعوق بشكل دائم جراء الاستهداف بواسطة القناصة واستخدام الرصاص الحي وبندقيات الصيد والغازات المسيلة للدموع. عاد المتظاهرون الى الشوارع على الرغم من قساوة الجو، ومخاطر انتشار وباء الكورونا، احتجاجا، أيضا، على حملة الخطف والاغتيالات المنهجية المترصدة بالمتظاهرين وكل ذي فكر حر، وكان آخرهم المحلل السياسي هشام الهاشمي. تلاه اغتيال خمسة متظاهرين وسقوط عشرات الجرحى، والبلد تحت قيادة الكاظمي الذي لاتزال وعوده ترن في آذان المواطنين. حين تعهد بأن الحكومة ستحقق في مقتل المتظاهرين. وذّكره المتظاهرون بأن وعود تشكيل اللجان بات مزحة سمجة، وكما اكدت منظمة هيومان رايتس ووتش «يجب على الحكومة، أن تحدد وتعلن عن الجماعات وقوات الأمن التي شاركت في عمليات القتل هذه أو نسقتها ومحاسبة المسؤولين. وبذل الجهود لتحديد مكان المتظاهرين الذين اختطفوا وما زالوا مفقودين، مع المساءلة الكاملة».
بالنسبة الى المفقودين، تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر « أن في العراق أكبر عدد من المفقودين في العالم. البعض منهم يتعرضون للاختفاء القسري، بما في ذلك، مؤخرا، بعض المشاركين في حركة الاحتجاج التي بدأت في تشرين/ أكتوبر 2019».
إزاء هذا كله، ما هي الاجراءات التي اتخذها الكاظمي؟ رأينا فيلمين وصورة. لابد وأن تكون حصيلة نصيحة أسداها له أحد مستشاريه حول أهمية الصورة / اللقطة المستخدمة إعلاميا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتُصبح هي الواقع والحقيقة، مهما كانت «اللقطة ـ الصورة» مفبركة لتبين بأنه يقوم فعلا بإنجازات مغايرة لمن سبقه.

يأتي هذا الفيديو بوحشيته، ليكشف الحقيقة عن زيف ادعاء حماية الشعب من قبل القوات الأمنية والشرطة، في بلد بلا قوانين، تحكمه مؤسسات تُسيّرها الميليشيات وعصابات الفساد

تناول الفيلم الأول زيارته « التفقدية المفاجئة» الى سجن المثنى. حيث نراه واقفا يتصفح بضع ورقات في مكتب أنيق مرتب ثم ينتقل للوقوف امام قضبان لردهة واسعة تتألق نظافة. نرى فيها عددا من المعتقلين الذين لايقلون نظافة وترتيبا عن المكان والكاظمي نفسه باستثناء انه يرتدي بدلة وكمامة. في رحلته للعثور على المتظاهرين المفقودين والمختطفين، نسمعه قائلا: « منو منكم صار له أسبوع؟ شهر؟ أكو (ثمة) واحد صار له أسبوع؟ أسبوعين؟ شهر؟ «. حين يهز المعتقلون رؤوسهم نفيا، يعيد صياغة أسئلته « منو أجدد واحد؟ أكو واحد من المتظاهرين؟». هكذا تأكد الكاظمي من عدم وجود متظاهرين معتقلين، وخرج فرحا بتفنيده التقارير الحقوقية الموثقة لاعتقال آلاف المحتجين. فهل من المعقول ان الكاظمي، الذي كان حتى 9 حزيران/ يونيو، رئيسا للمخابرات، ومن قبله صحافيا، لا يعرف أين يُحتجز المعتقلون من المتظاهرين؟
وإذا كانت الميليشيات هي المسؤولة وهو لا يعرف، فكيف استطاع تحرير المُختطفة الألمانية، قبل أيام، بسرعة قياسية، بينما تدور أمهات الشباب العراقي المُختطف باحثات عن ابنائهن وبناتهن في أكثر المعتقلات والسجون لا إنسانية، على مدى شهور وسنوات، ويواجهن الاهانات والاساءات ودفع الرشوات بلا جدوى.
الفيلم الثاني عن القاء القبض على جندي متهم مع اثنين آخرين، لا نراهما في الفيلم، برتبتي رائد وملازم. يعترف الجندي بانه والآخرين استهدفوا المتظاهرين الثلاثة، قبل أيام، ببنادق صيد. ويأخذنا الجندي المرعوب الى سيارة ليرينا وجود الرصاص فيها. المتهمون الثلاثة، كانوا ضمن القوة الأمنية المنتشرة في خطوط مواجهة المتظاهرين والممنوع عليهم، كما صرح وزير الداخلية، حمل السلاح. فكيف أخفى الثلاثة بنادق الصيد، وكيف اغتالوا المتظاهرين ولم تثر العملية التي تمت امام القوات الأمنية، اعتراضا؟ وإذا كان الثلاثة مسؤولين فعلا عن اغتيال اثنين من المتظاهرين، من المسؤول عن قتل الخمسمائة وثمانية وخمسين الآخرين؟ أجمعت التعليقات الغاضبة والساخرة على «الفيلم» أنه « حتى أفلام الدرجة العاشرة أحسن منه».
ولمعالجة أزمة الكهرباء القاتلة، وزع الكاظمي صورته بكامل قيافته بالبدلة والرباط جالسا خلف مكتب في غرفة شبه مظلمة وهو محاط بالشموع وهو يواصل الكتابة بكل همة وبلا قطرة عرق واحدة تدل على صحة الرسالة التي أراد ايصالها الى أبناء الشعب وهي أنه مثلهم، يعاني من انقطاع الكهرباء، الا انه ليس مثلهم لأنه يواصل العمل غير مبال بالحر!
هذه الحملة الإعلامية المبرمجة سقطت إزاء فيديو لم يتم تصويره من قبل محترفين ولم يشارك فيه الكاظمي بشكل شخصي. الفيديو الذي اشير اليه لم أستطع اكمال رؤيته. فمن منا يريد مشاهدة ضعف طفل عار أمام سادية جلادين يلتذون بما يقومون به الى حد تصويره ونشره، ليكون نسخة مما نفذه جلادو الاحتلال الأمريكي في أبو غريب؟ فيديو بلقطات مقززة يبين الاعتداء الوحشي على طفل يتوسل الرحمة من مجموعة من منتسبي قيادة قوات حفظ القانون، يتباهون بما هو اوطأ ما يمكن ان تصل اليه خسة « قوات الامن»، التي طالما وُثقت جرائمها وممارساتها في عديد السجون والمعتقلات، وقامت الحكومات بالتستر عليها.
خلافا لفيديوهات الكاظمي ذات السيناريو المُعد مسبقا، لتغطية الحقائق، يأتي هذا الفيديو بوحشيته وبذاءته، ليكشف الحقيقة عن زيف ادعاء حماية الشعب من قبل القوات الأمنية والشرطة، في بلد بلا قوانين، تحكمه مؤسسات تُسيّرها الميليشيات وعصابات الفساد. ولن يأتي الحل من قبل المنظومة الموجودة، فالعراق، يعيش « أزمة وطن، لا يحلها من يقف ضد الوطن»، كما يقول الكاتب أحمد الناصري.

كاتبة من العراق

 

 

سيبقى العراق

 دولة مارقة!

 

هيفاء زنكنة

 

بذلت الحكومات البريطانية التي تلت حكومة رئيس الوزراء توني بلير، التي شنت مع أمريكا الحرب ضد العراق، عام 2003، ان تنسحب تدريجيا من كل ما له علاقة بالبلد الذي ساهمت بتخريبه.
تُركز سياستها على طمس كل ما يجذب الانتباه إعلاميا وسياسيا الى ما يجري فيه، حاليا، كنتيجة مباشرة وغير مباشرة لاحتلاله، حتى يكاد يكون العراق سرابا انحسر، خاصة بعد انسحاب قوات الاحتلال البريطانية، ونجاح الحكومة في تسقيط القضايا التي رفعت ضد الجيش البريطاني وما ارتكبه من جرائم. وكللت نجاحها بتشريع قانون يحمي القوات العسكرية من المسؤولية تجاه اية جريمة او « انتهاك» يرتكب في العراق وغيره.
هذه المعطيات، مكّنت الحكومة البريطانية من حماية صورتها من أي حدث قد يلوثها في مجالات تعتبرها، ظاهريا على الأقل، تمس حقوق الإنسان ووضع القوات العسكرية العاملة خارج بريطانيا في مهام تُعّلب، غالبا، باعتبارها « مساعدات إنسانية « أو « مُنح تنموية». هكذا تنشط آلة الإعلام والدعاية الرسمية على تغييب العراق، ومسح شن الحرب العدوانية وانعكاساتها من ذاكرة الشعب البريطاني، الذي تظاهر بملايينه ضدها، باستثناء استحضاره، عند الحاجة، كساحة « حرب ضد داعش».
من هذا المنطلق وللإجابة على عدد من الأسئلة المكتوبة لنواب بريطانيين، وضح وزير الدفاع بن واليس، في مجلس العموم، بتاريخ 22 تموز / يوليو، موقف الحكومة استهله بالقول بانه سيتحدث عن « مكافحة داعش»، مهمشا بذلك، منذ البداية، بقية الأسئلة التي قد تحرج الحكومة، خاصة، وما يشير الى مسؤولية الحكومة فيما يحدث اليوم، في العراق، كنتيجة للغزو والاحتلال.
أكد الوزير، عدة مرات، على ان وجود القوات المسلحة في بلدان مثل العراق وسوريا ضروري بسبب وجود صراع مستمر « حيث الأخطار التي تفرضها أمثال داعش والدول المارقة موجودة دائمًا» ومحاربة هذه القوى تجعل البريطانيين ينامون بشكل أفضل في أسرتهم. وهو ذات الموقف الذي طالما تبنته الحكومات البريطانية المتعاقبة، سواء كان الحزب الحاكم هو حزب العمال أو المحافظين، لستر تدخلها الامبريالي واستعمارها في عديد البلدان، مستغلة تخويف المواطن من «الآخر / الإرهابي»، وتحت مسميات مختلفة تناسب الحقبة الزمنية والمصلحة الاقتصادية المتوخاة. فالإمبريالية تحتاج الإرهاب، دائماً. وإن لم يستدعَ الإرهاب استفزازا عبر منع الاحتجاج السلمي وجره للعنف المتصاعد، فهو سهل الصناعة بالتوريط وباختراق التنظيمات السياسية العادية.
وفق هذه السيرورة، يُحذر وزير الدفاع، من “احتمال عودة ظهور داعش هناك» وأنها « يمكن أن تضرب مواطنينا هنا» ويستطرد الوزير لتحيين وتعميق خطر داعش التي « تواصل نيتها في تنفيذ وإلهام الهجمات ضدنا، وتظل أهم تهديد إرهابي للمملكة المتحدة ومصالحنا». وهو ذات الخطاب، تقريبا، الذي استخدمه توني بلير عشية إعلانه الحرب يوم 20 آذار/ مارس 2003. قائلا انه أمر القوات بالمشاركة في “العمل العسكري بالعراق.» حينها لم تكن « داعش» قد صُنعَت بعد، فكانت «مهمتهم: إزاحة صدام حسين ونزع أسلحة الدمار الشامل». لأن « العالم يواجه تهديدا جديدا من فوضى ولدت إما من دول مارقة كالعراق أو من الجماعات الإرهابية المتطرفة… كلاهما يكره أسلوب حياتنا وحريتنا وديمقراطيتنا». وتتوقف « طمأنينة العديد من الدول على شجاعة وتصميم قواتنا». وإذا ما حدث وتساءل البعض عن هذه الدول التي ستوفر لها الطمأنينة، يرد بلير « لقد التزمنا أنا والرئيس بوش للعمل من اجل السلام في الشرق الأوسط على أساس دولة إسرائيل الآمنة ودولة فلسطينية قابلة للحياة».

الإمبريالية تحتاج الإرهاب، دائماً. وإن لم يستدعَ الإرهاب استفزازا عبر منع الاحتجاج السلمي وجره للعنف المتصاعد، فهو سهل الصناعة بالتوريط وباختراق التنظيمات السياسية العادية

الخطاب، اذن، واحد لتبرير « تدخل» القوات البريطانية. «العدو « جاهز للاستخدام سواء كان صدام حسين أو أسلحة الدمار الشامل او القاعدة أو داعش. وهل هناك أنبل من مهمة الدفاع عن أمن، ليس البريطانيين فحسب بل والعالم كله، وتوخي، في الوقت نفسه، تحقيق « السلام» بل وحماية أهل البلد المُحتل سواء من قبلهم او ممن غرزوه كما في فلسطين؟
لتحقيق هذا الهدف الانساني، يُخبرنا الوزير: « تواصل طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني القيام بدوريات في سماء العراق، بشكل شبه يومي» وكانت قد شنت 16 هجوما، وضربت 40 هدفًا إرهابيًا منذ تموز/ يوليو 2019. وبفضلها و« بفضل قوات التحالف والقوات الشريكة المكونة من 82 عضوًا في العراق وسوريا»، تحقق النصر. ولئلا يتبادر الى الاذهان ان تحقيق النصر على داعش سيؤدي الى انهاء ضرورة سيطرة القوات الأجنبية على العراق، يقول الوزير متداركا « لكن القتال الصعب ضد داعش لم ينته».
لذلك يؤكد الوزير استمرار دور المملكة المتحدة « القيادي في الائتلاف العالمي» كما هو. فعلى الرغم من تقدير المملكة لقوات الأمن العراقية وتضحياتها في القتال ضد داعش، وعلى الرغم من اكمال أكثر من 50.000 فرد من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية وحرس الحدود وقوات الأمن الكردستانية وكتائب الاستجابة للطوارئ التدريب الذي قدمته الدول المساهمة بقوات التحالف. الا انها « لا تزال بحاجة إلى المساعدة الدائمة لإزالة التهديد»، من خلال التدريب والتوجيه والتعليم العسكري المهني من قبل التحالف ومهمة الناتو في العراق والمبادرات الثنائية، بالإضافة الى تقديم الدعم الجوي الأساسي.»
ولم ينس الوزير اضافة الكليشيه الضرورية التي يجيدها المستعمِر عن رعايته للشعوب المُستَعمَرة وعبء الرجل الأبيض متحدثا عن « التزام المملكة المتحدة باستقرار العراق وسيادته»، متناسيا حقيقة مساهمته في تخريب كل ما له صلة بالاستقرار وسيادة البلد، ومنوها بتوقيع « مذكرة تفاهم حول العلاقة الدفاعية المستقبلية» في آب/ أغسطس 2019. وهي في الحقيقة اتفاقية ستسمح لبريطانيا بإبقاء قواتها في العراق. آخذين بنظر الاعتبار، بقائها مادامت مصلحتها تقتضي ذلك، بموافقة الحكومة المكونة من ساسة مُدجنين مهمتهم الأساسية حماية مصالحهم الخاصة ومصالح القوى الخارجية، وهذا ما يذكرهم به الوزير، بوضوح وقوة يصلان الى درجة التهديد، حين يقول « على الحكومة حماية قوات التحالف والبعثات الأجنبية ومحاكمة المسؤولين عن الهجمات. التحالف موجود في العراق بناء على طلب الحكومة العراقية، للمساعدة في الدفاع عن العراقيين وغيرهم، مكررا، ربما للمرة العاشرة في تصريحه، ضرورة وجودهم « ضد التهديد المشترك الحقيقي للغاية من داعش. بدون جهودهم، سيتم تشجيع داعش فقط».
ان اتخاذ أية حكومة قرار توقيع اتفاقية أو معاهدة مع جهة خارجية، يتطلب البحث والتمحيص وقراءة مدى قانونية الاتفاق وحجم الفائدة والضرر من قبل فريق خبراء في المجال المعني، فكيف اذا كانت الاتفاقية او المعاهدة تمس استقلال البلد وسيادته، مع دول احتلت البلد وسببت قتل ما يزيد على المليون مواطن، خلال فترة قياسية في قسوتها وهمجيتها، استنادا الى أكاذيب وتلفيقات بات مسؤولو دول الاحتلال انفسهم يعترفون بها؟ وهل طُرحت هذه الاتفاقيات المصيرية سواء مع بريطانيا أو أمريكا للاستفتاء؟ أم ان الاستفتاء الوحيد الذي سيتم، كما لاحظنا في الأسابيع الأخيرة، عبر التفجيرات والاغتيالات والصواريخ، التي ستبقى اللغة السائدة في « العراق الجديد»؟

كاتبة من العراق

 

 

حكومة الكاظمي وتوفير

«إستكانات» الشاي للعراقيين

هيفاء زنكنة

 

لعل واحدا من « إنجازات « حكومات الاحتلال منذ غزو واحتلال العراق في 2003، هو منح عديد المفاهيم والمصطلحات والأمثال المتعارف عليها معاني جديدة تتماشى مع مصالح الفئة المختارة لدحرجة البلد من حضيض الى آخر. فمن التحرير الى الديمقراطية ومن النزاهة والشفافية الى القضاء على الفساد والفاسدين، يتنقلون بتكرار مبتذل واستهانة منهجية بعقول الناس. فاستمراء الساسة في اتهام بعضهم البعض بالفساد، مثلا، أفرغ الفساد من معناه وجعله عملة رائجة لاتهام وتسقيط « الآخر» والإعلان عن نظافة ونزاهة صاحب الاتهام.
وإذا كان تكرار شعار « القضاء على الفساد» بعد 17 عاما من تنميته وتجذيره في كل مؤسسات البلد، ومن كبير مسؤوليها الى صغيرهم، قد يوحي بانه أسطوانة مشروخة الا ان الفاسدين، والحق يقال، يدهشوننا، يوميا، بإبداعاتهم في هذا المجال، حيث نجحوا في استثمار الأسطوانة المشروخة، المراد منها التكرار الممل، الى مجالس نقاش لا تنتهي في أستوديوهات (ما أكثرها!) تتناوب على استضافتهم على مدى 24 ساعة في اليوم. كلها، بلا استثناء، تدّعي انها تعمل من اجل مصلحة المواطن وكيفية توفير الأفضل للمواطنين، من الخدمات الأساسية الى الامن وحقوق الانسان وأحسن الأجواء لأداء الشعائر الدينية.
ولأننا في فصل الصيف، والعراق مشهور بلهيب حرارته، خاصة شهري تموز / يوليو وآب/ أغسطس، المعروف بانه اللَّهاب الذي يحرق المسمار بالباب، فان الأستوديوهات معبأة بالمتحدثين عما يسمونه « أزمة الكهرباء» وكيفية حلها عن طريق القضاء على الفساد. وهم أنفسهم سبب الفساد. وهي معالجة لا تهدف الى إيجاد حل ولو جزئي بل الى تحويل مأساة البلد الى مفردات مجردة لا تعني شيئا مهما كانت حقيقتها. لم يعد هناك من يتحدث عن معنى انقطاع الكهرباء لساعات وساعات يوميا ودفع المبالغ الكبيرة للحصول على التيار الكهربائي من أصحاب المّولدات الكهربائية الخاصة. الفاسدون المسؤولون عن انقطاع الكهرباء لا يتحدثون عن المرضى الذين يموتون في المستشفيات او المعامل المتوقفة عن العمل او طلاب وتلاميذ المدارس او حالات الكآبة وحتى الجنون الذي يمكن أن يصاب به الإنسان وهو يعيش تحت درجة حرارة تزيد على نصف درجة الغليان.
إنهم لا يتحدثون عن نزول العباد الى الشوارع مطالبين بحقهم في وطن يتوفر فيه، كما بقية بلدان العالم الأقل ثراء وامكانيات، بالكهرباء. متناسين حقيقة ان أكثر القرى بعدا في العراق كانت مزودة بالكهرباء فكيف بالعاصمة بغداد؟ ما يتحدثون عنه، على مدار الساعة هو الوعود البراقة وتشكيل اللجان والشفافية والنزاهة وهم يعرفون جيدا أنها علكة يلوكونها لطمس روائح الفساد الكريهة.
لم يغير تعيين مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء الكثير. فمنظومة الفساد أعمق من تغيير الوجوه، ان حدث. وهو ما لم يحدث. ما حدث هو تدوير الوجوه وتبادل المواقع، حسب العلاقة اما مع الولايات المتحدة الامريكية أو إيران. الانتظار والارتفاع والانحسار في علاقة البلدين المُحتلين هو ما يُشكل يوميات المواطن ومعه تتزايد وتتكرر الوعود.

الفاسدون المسؤولون عن انقطاع الكهرباء لا يتحدثون عن المرضى الذين يموتون في المستشفيات أو المعامل المتوقفة عن العمل أو طلاب وتلاميذ المدارس أو حالات الكآبة وحتى الجنون

تكرار الوعود هذا العام، لم ينخفض ولو درجة مئوية واحدة منذ تعيين مصطفى الكاظمي، بل ازداد لينافس وعود العام الماضي، والعام الذي سبقه، وكل عام منذ غزو البلد، يوم وعدوا بتحويل العراق الى فردوس لا مثيل له. ولم لا، كما تنص المحاججة، ما دام البلد يزخر بعقوله وثروته النفطية، وكل ما يحتاجه هو التخلص من النظام الدكتاتوري واحلال الديمقراطية!
بالإضافة الى الادعاءات الأولية التي بررت الغزو وهي كثيرة، باتت كل حكومة جديدة تنافس سابقتها في إطلاق التصريحات، حول القضاء على الفساد، بل وصلت البلاغة برئيس الوزراء حيدر العبادي الى القول إن الفساد أخطر من الإرهاب في ذات الوقت الذي كانت فيه حكومته منقوعة بالفساد. ولا يكاد كل رئيس وزراء جديد يعتلي كرسي منصبه حتى يلقي خطابا مغلفا بالنزاهة والشفافية، غير غافل عن القاء اللائمة على من سبقه، متهما الحكومات السابقة كلها بالفساد، مجندا الوزراء الجدد لتدوير ذات الأسطوانة حتى لو كانوا هم أنفسهم وزراء في الحكومات السابقة. كما هو علي علاوي، وزير المالية الحالي الذي كان وزيرا في حكومات فاسدة سابقة، والذي لم يخرج على الطور المعتاد يوم 16 تموز/ يوليو حين صرح «نحارب الفساد بكل قوة في كافة مؤسسات الدولة». كما لم يخرج على الطور حين حاول تبرئة الحكومة الحالية من اية مسؤولية سابقة او لاحقة، قائلا: «لا يمكن تحميل حكومة الكاظمي ما يمر به العراق من مشاكل مالية»، مضيفا « أن أكثر من 10 في المئة من الموظفين «فضائيون» ومزدوجو رواتب ». يشكل هذا التصريح المراد منه اثبات فساد الحكومات السابقة بودرة لتزويق وجه الحكومة الحالية. ومثل كل بودرة تتناثر بسرعة حالما يراجع المرء تصريحات مسؤولي الحكومات السابقة ويقارنها بالحالية فيجد انها ذات الأسطوانة المشروخة. فمن منا لا يتذكر تصريح وزير الكهرباء حسين الشهرستاني، وهو بالمناسبة عالم ذرة يُفترض فيه التحقق العلمي، بان العراق سيصدر الكهرباء عام 2013؟ وفي ظل حكومة حيدر العبادي، بتاريخ 30 أكتوبر 2018، ومع تزايد الاحتجاجات، تم ابلاغ المواطن بإنجازات مذهلة لحل ما يسمى بأزمة الكهرباء، مثلا، ومن بينها اعلان وزارة الكهرباء أنها أبرمت اتفاقيتين بشكل منفصل مع شركتي جنرال إلكتريك الأمريكية وسيمنز الألمانية لتطوير قطاع الطاقة الكهربائية. وان شركة «جنرال إلكتريك»، سلّمت الحكومة العراقية إستراتيجية لتطوير القطاع في البلاد ورفع قدرة المنظومة الوطنية وتشغيل المزيد من الأيدي العاملة. وأُبلغ المواطن المنتظر لأية بادرة تريحه من القيظ ان دول الخليج ستصدّر فائض الكهرباء إلى العراق. وتماشيا مع هذه الجهود الجبارة لعديد الدول والشركات ولكي يثبت العبادي انه معماري هذه « الإنجازات « العظيمة، بادر بإصدار أمر بتجميد عمل وصلاحيات وزير الكهرباء قاسم الفهداوي « على خلفية تردي خدمات الكهرباء وإلى حين استكمال التحقيقات». وتحولت التحقيقات، كالعادة، الى طُرفة غير مضحكة، يتبادلها المواطنون وهم يحتسون إستكانات الشاي الساخنة، أملا في احياء نظرية التبريد داخل أجسادهم عن طريق تبخر العرق.
وكي لا يُتهم الكاظمي بأنه ضد الشركات المزودة لشاي العراقيين أو أنه تخلف عن سلفه في تشكيل لجان التحقيق، ها هو يتصدر أستوديوهات الأخبار بمباركته « تشكيل لجنة نيابية تحقيقية بملف الكهرباء ويبدي استعداده للتعاون معها بهدف القضاء على الفساد». وهو فساد وصفه عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب، في 14 تموز/ يوليو بانه «لا مثيل له في كل العالم، وهناك حيتان وجهات سياسية اعتاشت على عقود الوزارة». فكم «استكان» شاي سيشرب العراقيون انتظارا لصيد هذه الحيتان؟ ومن هو الصياد؟

كاتبة من العراق

 

 

هل العراقي أقل اعتزازا

بكرامته من الجزائري؟

هيفاء زنكنة

 

نصَّ البيان المشترك عن جلسة الحوار الاستراتيجي العراقي الأمريكي، المنعقدة في 10 حزيران / يونيو، على تجديد البلدين «تأكيدهما على المبادئ المتفق عليها في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، لعام 2008، في مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد، والطاقة، والقضايا السياسية، والعلاقات الثقافية.» بمعنى آخر، لا جديد اطلاقا في الاتفاقية التي عاش في ظلها العراق خلل 12 عاما الأخيرة والتي سيواصل العمل بها بين الإدارة الأمريكية، أيا كان الرئيس المنتخب، والنظام العراقي، مستقبلا، وبلا تحديد زمني، وهي نقطة مهمة جدا لم تتم الإشارة اليها. وهي واحدة من عديد القضايا التي تم التغافل عنها عن طريق حذفها أي عدم تضمين ما كان يجب تضمينه لو كانت الاتفاقية لصالح العراق حقا.
اعتبر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن الحوار حقق إنجازاً عراقياً كبيراً، من ناحيتين اعتبرهما من الأولويات وهما انسحاب القوات الأمريكية من البلاد وعدم بقاء أي قواعد لها بالإضافة الى وضع أسس لتعاون اقتصادي بين البلدين. ومن تتح له فرصة قراءة الاتفاقية بكاملها والتي تم التوقيع عليها عام 2008 ومن ثم البيان الصادر حديثا عن الحوار الذي اعتبره الكاظمي إنجازا كبيرا لوجد أن تصريح الكاظمي مبني على مغالطات واضحة حول سيادة العراق ووضع القوات الامريكية.
تبين مراجعة التفاصيل أن القوات باقية ولكن، وكما حدث في السنوات الماضية، تحت مسميات مختلفة يتم ابتكارها وفقا للحاجة. مستشارون، مدربون، قوات أمنية مساعدة لاستتباب الامن، جمع المعلومات، محاربة الإرهاب، عمليات خاصة، القصف الجوي ولا ننسى السيطرة الجوية عن طريق الطائرات بلا طيار. هذا هو المعنى الحقيقي للسيادة كما تنص عليه الاتفاقية، ويؤكدها البيان بوضوح يناقض تصريح الكاظمي تماما حيث ينص البيان « تعهدت حكومة العراق بحماية العسكريين التابعين للتحالف الدولي والمنشآت العراقية التي تستضيفهم بما يتماشى مع القانون الدولي والترتيبات المحددة لوجودهم كما يقرر البلدان».

ستثبت السنوات المقبلة أن اتفاقيات التبعية لا تمسح ذاكرة العراقيين مهما تم تزويقها، وأن الشعب العراقي ليس أقل اعتدادا بهويته الوطنية وكرامته من أشقائه في الجزائر

وبينما تتكرر في الاتفاقية والبيان مفردات « الصداقة» و «التعاون» و» الشراكة» و « تعزيز مصالح كلا البلدين» فان قراءة بنود الاتفاقية تدل على خلاف ذلك، وان المفردات مصاغة لتبرير وتكريس الهيمنة على بلد ضعيف ومنهك جراء الغزو والاحتلال من قبل ذات البلد الذي يدّعي الصداقة والشراكة. ففي مجال الاقتصاد والطاقة، ستزود أمريكا « المستشارين الاقتصاديين للعمل بشكل مباشر مع حكومة العراق»، وتحقيق « مشاريع الاستثمار المحتملة التي تنخرط فيها الشركات الأمريكية العالمية في قطاع الطاقة والمجالات الأخرى». سياسيا، أكد البيان على « أهمية مساعدة العراق في تطبيق برنامجه الحكومي والإصلاحي بالشكل الذي يلبي طموحات الشعب العراقي، بما في ذلك مواصلة الجهود الإنسانية، واستعادة الاستقرار، وإعادة إعمار البلد، وتنظيم انتخابات حرة وعادلة ونزيهة». وهي اهداف قد تبدو نبيلة، حقا، لولا أن أمريكا بغزوها واحتلالها وقائمة جرائمها المادية والبشرية التي ارتكبتها على مدى 17 عاما، وتهيئتها الأرضية لزرع الإرهاب ومأسسة الميليشيات الإيرانية، هي آخر بلد في العالم تهمه مصلحة الشعب العراقي او أي شعب آخر في المنطقة خاصة. بل ان ما يميز الإدارة الأمريكية هو سياستها العلنية والسرية لتغيير النظام الذي تلجأ اليه ضد الحكومات التي يُعتقد أنها تعمل ضد المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة. حيث قامت، مثلا، بـ 72 محاولة لتغيير النظام، أي الانقلاب العسكري او التمرد المسلح، اثناء العقود الأربعة للحرب الباردة حتى حوالي 1990 فقط. وهي تشمل 66 عملية سرية وست عمليات علنية، حسب صحيفة « الواشنطن بوست»، وهي من داخل المؤسسة الحاكمة الأمريكية، في 26 كانون الأول-ديسمبر 2016.
ثقافيا، كان مرور البيان سريعا. اذ اقتصرت الإشارة الى إعادة الأرشيف السياسي والقطع الاثرية المسروقة. الا ان الاتفاقية نفسها تُبين وجود «المستشارين الثقافيين»، في عديد المؤسسات الثقافية. ويوضح موقع السفارة الأمريكية، ببغداد، معنى « التبادل الثقافي» و « التفاهم المتبادل»، بشكل أفضل. فالمعنى الحقيقي للتبادل هو عدم وجود تبادل. اذ يتم من طرف واحد هو الأمريكي لتنظيم «ورش العمل والمحاضرات والعروض… تغطي البرامج مجموعة واسعة من المصالح بما في ذلك الاقتصاد والعلاقات الدولية وبناء الديمقراطية والدراسات الأميركية». انه، اذن، ضخ للثقافة من جانب واحد. اذ لا يحدث ويزور أمريكيون العراق ليتعرفوا على البلد الذي تم غزوه وتخريبه باسمهم أو « لإقامة علاقات إنسانية متينة والتي تبني جسورا من التعاون والتفاهم بين الشعوب»، كما تدّعي برامج « التبادل الثقافي»، لأن السفارة الأمريكية، أساسا، تحذر من زيارة العراق بل و» تحث المواطنين الأمريكيين ان يغادروا العراق فورا»، فكيف يمكن بناء « جسور التفاهم» بين مواطني البلدين في هذه الحالة؟
من المتوقع زيارة الكاظمي الى واشنطن، في الشهر المقبل، لتوقيع الاتفاقية. فهل هي لصالح الشعب العراقي كما يدّعي؟ وهل يجب القبول بالتبعية التي تنص عليها الاتفاقية، في كافة المجالات، لقاء إضعاف الميليشيات المدعومة إيرانيا، إذا كان هذا فعلا ما يريده الكاظمي من اجل بناء « العراق الجديد» وهو مصطلح أدخله الاحتلال عقب الغزو وتلاشى ليعود، اليوم، ليطفو من جديد؟ وهل اطّلع الشعب على تفاصيل ما سيتم ربطه به، لأمد غير محدد، في اتفاقية تتميز بالتضليل والتزييف؟ ماذا عن جرائم الاعتقال والتعذيب والاغتصاب والقتل التي ارتكبتها أمريكا منذ اليوم للاحتلال وسببت مقتل حوالي مليون مواطن؟ ماذا عن الحصانة من العقاب المتوفرة للقتلة من القوات الامريكية؟ هل سيقوم الكاظمي بتضمين الاتفاقية هذه القضايا قبل توقيعها؟
على الرغم من مرور 66 عاما على اندلاع الثورة الجزائرية ضد الحكم الاستعماري الفرنسي، لا يزال الجزائريون يتذكرون جرائم الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ويطالبون فرنسا الاعتراف بما ارتكبته من جرائم نهب وتعذيب وقتل وتهجير واختفاء ومحو الهوية والاعتذار عنه. إن ما ارتكبته أمريكا في العراق، خلال فترة قياسية، يكاد يماثل، الى حد التطابق، ما قامت به فرنسا. وستثبت السنوات المقبلة أن اتفاقيات التبعية لا تمسح ذاكرة العراقيين مهما تم تزويقها، وأن الشعب العراقي ليس أقل اعتدادا بهويته الوطنية وكرامته من أشقائه في الجزائر.
كاتبة من العراق

 

 

ويسألونك عن طعم

الصداقة مع أمريكا!

هيفاء زنكنة

 

لا تزال المظاهرات المناوئة للتمييز العنصري في الولايات المتحدة الامريكية مستمرة. قد تؤدي هذه الاحتجاجات وما صاحبها من دعم في بلدان أخرى الى تغييرات سياسية وقانونية داخلية، إلا أن المؤكد هو أنها لن تمس السياسية الأمريكية الخارجية. كما لاتزال السياسة الخارجية كما هي توحد الحزبين الرئيسيين ولا يتطرق اليها غير قلة أما من الموسومين باليسار أو الذين يقسمون الأنظمة والدول في ارجاء العالم الى صنفين هما حلفاء الولايات المتحدة وأعدائها.

لا يخضع التصنيف الأمريكي للحلفاء والأعداء لمقياس أخلاقي أو إنساني او حتى القوانين الدولية في معظم الأحيان اذ ترتبط أمريكا بعلاقات وثيقة مع العديد من الأنظمة التي تتعارض قيمها وسياساتها مع الضمانات الدستورية الأمريكية للديمقراطية وحرية التعبير والحق في الإجراءات القانونية الواجبة والعديد من الأنظمة الأخرى.

ينعكس هذا التصنيف، بشكل كارثي، على علاقتها كقوة عسكرية كبرى مع شعوب دول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية من بين الدول الأخرى التي تذوقت ولاتزال معنى «الصداقة» و«التحالف» و«التعاون» مع أمريكا، أو ما هو متعارف عليه بتسميات الاستعمار والاحتلال والغزو، أي الوجه الحقيقي للعلاقة.

ويوفر لنا «الحوار» الذي تم في الأسابيع الأخيرة بين الإدارة الامريكية والنظام العراقي، حول اتفاقية الإطار الاستراتيجي، والزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الى واشنطن، نموذجا عمليا وآنيا لكيفية انتقاء وتثبيت آلية «التعاون» الأمريكي مع «الحلفاء» بالإضافة الى القاء الضوء على مفهوم الانتقائية الأخلاقية والترويج الإعلامي.

لتوضيح نوعية «التحالف» الذي تأمل جهات عراقية أن تحصده من توقيع المعاهدات مع أمريكا، وما ستتمخض عنه زيارة الكاظمي، يجدر التذكير بأن أمريكا لا تقيم علاقاتها مع الشعوب حسب ما تصبو إليه الشعوب وتقاتل من اجله. من البديهيات أن أمريكا تعمل بالدرجة الأولى والوحيدة لمصلحتها وتعاونها مع الآخرين، سواء كانوا دولا ام حكومات ام حركات وتيارات مختلفة، يٌقاس بمدى الفائدة المستخلصة منهم. لذلك تُقيم أمريكا علاقات وثيقة مع خمسين نظاما قمعيا في العالم، من بينها عديد الأنظمة العربية التي توفر لحكامها الحماية ضد شعوبها مقابل استحقاقات تدفع لها عاجلا ام آجلا. ولا تجد أمريكا حرجا في استبدال الحليف بمن كان عدوا أو العدو بمن كان حليفا أو وحسب استراتيجية مكافحة التمرد ان تدعم « تمردا» ضد من كان حتى الأمس حليفا، بغية تغيير النظام.

الأمثلة من التاريخ القريب متعددة. كما التعامل مع حليف الأمس شاه إيران، واللعب على الحبلين بين العراق وإيران (1980 ـ 1988)، وبينما كانت سوريا مدرجة في قائمة وزارة الخارجية الامريكية للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، الا ان هذا لم يمنع الرئيسين بوش وبيل كلينتون من توكيل الرئيس الراحل حافظ الأسد على لبنان، مثلاً، (حكم الأسد من عام 1971 حتى وفاته في 2000)

يتخذ الدعم الأمريكي للأنظمة القمعية مستويات متعددة. حيث تسمح، أو ترتب، أو حتى في بعض الحالات توفر التمويل لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى 41 من البلدان الخمسين ذات الأنظمة القمعية

يتخذ الدعم الأمريكي للأنظمة القمعية مستويات متعددة. حيث تسمح، أو ترتب، أو حتى في بعض الحالات توفر التمويل لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى 41 من البلدان الخمسين ذات الأنظمة القمعية، أي بنسبة 82 في المئة. في حالات أخرى، تقوم أمريكا بمهام «التدريب» و «الاستشارة العسكرية» إلى 44 من أصل 50، أو 88 في المائة، لأنه بالإضافة إلى بيعها (أو منحها) الأسلحة وتدريبها، توفر الحكومة الأمريكية أيضًا تمويلًا مباشرًا للجيوش الأجنبية. من بين الحكومات القمعية الخمسين، تتلقى 32 منها «تمويلا عسكريًا أجنبيًا» أو تمويلًا آخر للأنشطة العسكرية من حكومة الولايات المتحدة. بل وتمضي ابعد من ذلك في علاقتها ودعمها عن طريق انشاء القواعد العسكرية، هذه الأوجه المتعددة وثّقها الكاتب والصحافي الأمريكي دافيد سوانسون في بحث له حول درجات تعاون ودعم الولايات المتحدة للأنظمة القمعية، والتي يتطرق فيها أيضا الى تفاصيل التدخل العسكري ودرجاته من الحرب بالشراكة، الى الغزو والاحتلال وتأسيس حكومات قمعية، من مصلحة أمريكا المحافظة عليه، كما في العراق.

سياسة أمريكا الخارجية اذن ثابتة وواضحة. ما هو متغير هو شخصية الرئيس، فنعومة خطاب الرئيس باراك أوباما تختلف عن عنجهية وابتذال ترامب غير ان كليهما حافظا على جوهر السياسة الخارجية، خاصة فيما يتعلق بمقدار وحدود الحماية التي توفرها أمريكا للحكام، الذين يتم انتقاؤهم كحلفاء، ومتى يصبح من الضروري التخلي عنهم واستبدالهم بحكام آخرين.

«الحليف»، اذن، من البلدان التي كانت مستعمرة او محتلة او المُستَغلة أو الخاضعة لحكومات قمعية بحاجة الى الحماية، هو المُتغير لا بالنسبة الى أمريكا، فقط، بل وبقية الدول العظمى ضمن تحالفات وصراعات ونزاعات متسارعة، بشكل مذهل، وخارج القوالب الكلاسيكية المتعارف عليها سياسيا وعسكريا. تُقاد بشكل حرب أهلية/ دولية متعددة الأطراف (يطلق عليها مصطلح نزاع او صراع تزييفا) في بلد واحد كما في سوريا وليبيا واليمن. وهي حروب أهلية بمعنى ان وقودها هم أبناء الشعب وثروة البلد، وهدفها إبقاء البلد ضعيفا من الناحيتين البشرية والمادية لتسهل السيطرة عليه، لأغراض استراتيجية، سواء من القوى الخارجية او النظام القمعي أو كليهما تحت مظلة «تحالف دولي». هي حرب دولية لمشاركة عديد الدول فيها وان لم تعد بالشكل التقليدي. حيث فتحت التكنولوجيا الحديثة والتقدم العلمي السريع في مجال تطوير السلاح والعتاد ابوابا واسعة لتقليل الخسارة البشرية في الجيوش الحديثة. فالطائرات بلا طيار والاستهداف الجوي والصواريخ المتطورة، بالإضافة الى العمليات الخاصة المرتزقة، بل واستخدام جنود وقوات «البلدان الحليفة» للقتال على ارض بلدهم، يشكل دافعا أساسيا في إصرار الإدارة الامريكية على سحب معظم القوات العسكرية واغلاق المعسكرات ذات التكلفة المادية والبشرية العالية، ما لم تقم الأنظمة الراغبة بحمايتها من دفع التكلفة بنفسها. مما يحول القوات الامريكية، مثلا، بهذا المعنى، أو فرقا منها، الى قوات مرتزقة مهيأة للاستئجار من أي نظام أو جهة في العالم. وهي قفزة نوعية في تغير معنى التواجد العسكري الأمريكي أو غيره من الدول العظمى في «البلدان الحليفة»، تثير سؤالا جوهريا يعيدنا الى ألف باء العلاقة بين المُستَعمِر والمُستَعمَر، في مرحلة التحرر الوطني، وهو ما هو الثمن الذي ستدفعه الشعوب حين تقوم الأنظمة القمعية بالاستجارة بمرتزقة الدول العظمى لحمايتها، وهل بإمكانها أن تنهض، من جديد، لتخوض حرب تحرير وطنية أخرى؟

كاتبة من العراق

 

في العراق صرنا

كلنا ندفع الجزية!

هيفاء زنكنة

 

إذا كان هناك من تفاؤل باقتراب فترة هدوء وأمان بعد التوافق الأمريكي ـ الإيراني على تنصيب رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء بالعراق، فان وقائع الأسابيع الماضية أعادت المتفائلين، الى ارض الواقع المتدهور على كافة المستويات، سواء كانوا من الساسة المتهافتين على النهب والمتمرسين فيه أو أبناء الشعب المنهك الذي بات ينشد الأمان وأساسيات الحياة وحدها، أحيانا، في اية بادرة تمنحه فرصة للتنفس والتفكير، مهما كان مصدرها.

اذ تنشط، حاليا، في تجاذب أطراف البلد الى حد تمزيقه أربع قوى خارجية، وهي وباء كورونا والولايات المتحدة الامريكية وجمهورية إيران الإسلامية بالإضافة الى دخول وجه جديد/ قديم هو تركيا. يتداخل مع هذه القوى، كل على حدة، غالبا، وبشكل من الصعب تفكيكه، ساسة محليون تذوقوا طعم الفريسة، واكتسبوا خبرة لا تضاهى في نهش ثروة البلد، ومد جذورهم في مؤسساته من خلال ثلاثة محاور هي: التخويف من « الآخر»، والاغواء المادي والتعيين الوظيفي، بالإضافة الى التعكز على المرجعية الدينية وما يحيطها من طقوس تمتد على مدى العام.

تكّفل انتشار فايروس كورونا بتكذيب التصريحات الحكومية السابقة حول النجاح في احتواء الوباء ومعاقبة وكالة الأنباء « رويترز» التي اشارت الى ان عدد المصابين أكبر مما يعلن عنه. وصل معدل الإصابات، حاليا، بحدود ألف وخمسمائة يوميا وأبدت الأمم المتحدة قلقها لارتفاع عدد الوفيات، بينما دعت مفوضية حقوق الإنسان الحكومة الى اتخاذ إجراءات سريعة للحد من ارتفاعها المخيف. وفي الوقت الذي تستحق فيه الطواقم الطبية الثناء الا ان تردي وضع المستشفيات واهمالها دفع النائبة وحدة الجميلي الى وصفها بأنها « مقبرة للفقراء». ونرى في فيديو انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، وتم التحقق من صحته، جثامين ضحايا الكورونا مرمية خارج احدى المستشفيات. الأمر الذي أكده النائب جاسم البخاتي، قائلا « ان جثث المتوفين بفيروس كورونا تفوق الطاقة الاستيعابية للمستشفيات». مبينا « وصلتنا مناشدات من مؤسسات صحية وخاصة مستشفى الكندي بأن هناك مجموعة من الجثث وهناك تباطؤ في عملية نقلها ودفنها». وجاء الرد الحكومي متمثلا بعرض أفلام في القناة الحكومية الرسمية تبين حشدا من رجال برُتب عسكرية عالية وهم إما يسيرون أو يلتفون حول سيارة رش المعقمات. وتأتي وفاة النجم الرياضي أحمد راضي، وكان قد غادر المستشفى على مسؤوليته، قبل يومين من وفاته، احتجاجا، لتلقي الضوء على الإهمال الذي يعيشه المصابون بالفايروس في نظام صحي منهار.

في هذه الأجواء الكافكوية، المخيفة وغير القابلة للفهم في آن واحد، التي تتطلب أولوية التركيز على انقاذ حياة الناس، وتوفير الرعاية للمصابين وحملات التوعية، واتخاذ الإجراءات الضرورية للحجر الكلي للبلد، واكرام الموتى، وإلغاء كل ما هو غير مُلح، كما فعلت معظم دول العالم، سارعت حكومة الكاظمي، كالسراق تحت جنح الظلام، الى تنفيذ ما أطلق عليه اصطلاحا « اجراء حوار» مع الإدارة الامريكية. أي التباحث حول تعديل «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، المُوقـَّعة مع الولايات المتحدة الأمريكيَّة عام 2008، لغرض تنّظيم «العلاقة طويلة الأمد في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والأمنية بين البلدين». وهي الاتفاقية الأكثر أهمية منذ احتلال البلد عام 2003، لا من ناحية بقاء القوات الأمريكية، كما يشاع، ولكن من ناحية الهيمنة على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي الجوانب التي قلما يشار اليها علنا. وتنبع أهمية الاتفاقية من رغبة الإدارة الامريكية بتقليص عدد قواتها على الأرض، في أثر إعادة هيكلة الجيش الأمريكي، لتقليل تكلفة الخسائر البشرية والمادية في صفوفه، والاستعاضة عن القوات بزيادة الاعتماد على الطائرات بدون طيار، والقوة الجوية، والعمليات الخاصة بواسطة المرتزقة والشركات الأمنية بالإضافة الى الحكومات المحلية أو « الدول المُضّيفة» بالنيابة.

تبقى مسيرة البلد للتعافي مشروعاً طويل المدى بمراحل متعددة ومتكاملة بدءا من انقاذ وحماية حياة المواطنين وتوفير العيش الكريم الى إنضاج البدائل الوطنية والتنموية لاستعادة النسيج الاجتماعي في البلد

وموقف الرئيس الأمريكي ترامب واضح من مسألة طلب الحماية الأمريكية. فمن يرغب بالحماية عليه دفع التكلفة. وأكد يوم السبت الفائت، في خطاب له في الأكاديمية العسكرية الأمريكية ما ذكره في خطب سابقة، قائلا: «إننا نستعيد المبدأ الأساسي القائل بأن مهمة الجندي الأمريكي ليست إعادة بناء دول أجنبية ولكن الدفاع عن أمتنا والدفاع عنها بقوة من الأعداء الأجانب»، وتابع قائلا: «نحن ننهي حقبة الحروب التي لا نهاية لها». هذا من الناحية العسكرية، أما «الثقافية» وهي الأعمق والأكثر تأثيرا على بنية المجتمع في المدى البعيد، فيمكن تصنيفها ضمن اساسيات» القوة الناعمة». لتمرير الاتفاقية، أو الهيمنة النيو كولونيالية، تكثر في تصريحات الإدارة الأمريكية، عموما، مفردات تثير الاطمئنان وتساعد على تسويق الاتفاقية باعتبارها بين حليفين متكافئين أو بلدين صديقين. مفردات على غرار «شراكة، اتفاقية، تعاون». اما مضمون الاتفاقية فهو «استشارة، تدريب، مساعدة». وهي ذات التسميات التي تستخدمها إيران لتسويغ جرائم ميليشياتها المسلحة وتسخير الساسة الموالين لها داخل البلد.

وبينما يتواصل قصف المنطقة الخضراء بالصواريخ، والتي تبدو «رمزية» أكثر منها فعلية، شهدنا، في الأسبوع الأخير، سباقا من نوع مختلف نسبيا. اذ قصفت إيران قرى حدودية سببت خسائر مادية، وأضرارا بالممتلكات، علاوة على بث الخوف بين الآمنين من سكان تلك المناطق، حسب تصريح عراقي، في ذات الوقت الذي نفذت فيه تركيا عمليتين ضد «حزب العمال الكردستاني». الأولى جوية باسم «مخلب النسر»، والثانية برية باسم «مخلب النمر»، وتشير مصادر تركية الى رغبة الحكومة بإقامة قاعدة عسكرية لم يحدد موقعها بعد، لتضع حدا «لازدياد هجمات المقاتلين الأكراد على قواعد الجيش التركي على الحدود بين البلدين».

ان سياسة تمزيق العراق كبلد ذو سيادة وتفتيت شعبه الى طوائف وأقليات وعشائر وميليشيات تتصارع فيما بينها مستمر منذ احتلاله عام 2003، وإذا كانت « الرقعة صغيرة والشق كبير» و « صرنا كلنا ندفع جزية»، كما يقول منشدنا الراحل عزيز علي، فان تعيين الكاظمي لم يحد من سياسة القوى المتصارعة على الغنيمة. اذ لم يتخذ، حتى الآن، أية خطوة عملية تطمئن الناس وأولها مساءلة المسؤولين عن قتل 700 متظاهر واختطاف آخرين. والأدهى من ذلك أن عمليات الاغتيال مستمرة، من قبل « مجهولين»، آخرها اغتيال أستاذ جامعي في مدينة الناصرية، والمحامي طارق هلال من شمال بغداد. وإذا كان هناك انجاز للكاظمي يستحق الذكر فإنه مواصلة سياسة من سبقه من رؤساء وزراء، في إطلاق التصريحات بلا تنفيذ. وتبقى مسيرة البلد للتعافي مشروعاً طويل المدى بمراحل متعددة ومتكاملة بدءا من انقاذ وحماية حياة المواطنين وتوفير العيش الكريم الى إنضاج البدائل الوطنية والتنموية لاستعادة النسيج الاجتماعي في البلد. ومن هناك تحقيق التوازنات الإقليمية والعلاقات الدولية المتكافئة.

كاتبة من العراق

 

 

ألا يمثل ترامب

الشعب الأمريكي؟

هيفاء زنكنة

 

لم يعد فايروس كورونا القاتل هو الشاغل الأول للناس في أرجاء الكرة الأرضية. تغيرت الأولويات، فالعالم مشغول بالمظاهرات في أمريكا. انتقل غضب المتظاهرين، من ولاية أمريكية الى أخرى، ومنها الى بريطانيا وألمانيا وكوريا وفرنسا ومنها الى مدرج المسرح البلدي، بشارع الحبيب بورقيبة، وسط العاصمة التونسية.

اختلفت ردود الأفعال من بلد الى آخر. ففي تونس، وجّه حمة الهمامي، الأمين العام لحزب العمال، نداء « إلى شباب تونس، إلى نسائها وكادحيها ومثقّفيها ومبدعيها: انتصروا إلى أخواتكم وإخوتكم في أمريكا» مبينا فيه « إنّ تحرّك الشعب الأمريكي اليوم يعطي فرصة غير مسبوقة للقوى التقدمية في العالم لكي تعبّر عن مساندتها له وتشدّ أزره في مواجهته الوحش الرأسمالي الامبريالي الأمريكي» وإن « الشعب الأمريكي يقدّم خدمة كبيرة لشعوب العالم لأنه يفضح هذا الوحش الذي آذاها ويؤذيها ويضعفه ممّا يوفّر فرصة لهذه الشعوب حتّى تتمرّد عليه وتتحرّر من أغلاله».

ونشط في بقية البلدان العربية والإقليمية المجاورة، متحدثون باسم حكومات قمعية لاستنكار أسلوب مواجهة المتظاهرين « غير الديمقراطي» من قبل الإدارة الامريكية. في ذات الوقت الذي لا يجدون فيه حرجا باتباع أسلوب أكثر وحشية لقمع مظاهرات مواطنيهم. الكل يبررون ذلك بأنه ضرورة أمنية.

خلال أيام قليلة، ظهرت قراءات وتفسيرات متعددة للمظاهرات التي أججها مقتل جورج فلويد الأمريكي الأسود اختناقا تحت شرطي أبيض (لا أدري لم يوصف فلويد بأنه من أصول افريقية ويصفون الرئيس السابق أوباما بأنه من اصل كيني، وكأن بقية سكان أمريكا كلهم لا ينحدرون من أصول هي غير سكان البلد الأصليين، الذين تمت ابادتهم وبناء البلد الحالي على جماجمهم). تحولت صرخة فلويد الأخيرة « لا أستطيع أن أتنفس»، الى شعار سرعان ما تم تداوله ضد العنصرية وتكميم الأفواه وكل أنواع التمييز، بل وربطه متظاهرون في عواصم أوروبية بفرض الحكومات سياسة ارتداء الكمامات. خُلعت الكمامات التي باتت رمزا للهيمنة والسيطرة بدلا من الوقاية والحذر، واحتلت أخبار إيجاد لقاح سريع لمنع انتشار الوباء بوجبة ثانية المرتبة الدنيا في قوائم أكثر الأخبار قراءة او اطلاعا إعلاميا.

احتلت صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واقفا امام كنيسة وهو يحمل الإنجيل، مساحة مساوية وموازية لصورة جورج فلويد والمتظاهرين، لتبين، مدى انقسام الشعب الأمريكي لا من ناحية لون البشرة فقط ولكن ما هو ابعد من ذلك، أي الناحيتين الاقتصادية والطبقية، المتداخلتين مع درجات الاستحواذ على مراكز السلطة، وكيفية الوصول اليها ومن ثم المهارة في صناعة الرضا الشعبي.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة

ومن يراجع مسيرة ترامب سيجد أنه منذ ترشيحه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأقوى في العالم عسكريا وتكنولوجيا، كممثل للحزب الجمهوري، عمل على استقطاب شرائح مجتمعية يعرف جيدا أنها من ستوفر له فرصة البقاء في منصبه دورة أخرى. وانه، خلافا، لعديد الرؤساء الأمريكيين ممن سبقوه، نفذ فعلا معظم وعوده التي أطلقها اثناء الحملة الانتخابية، بغض النظر عن درجة استهجان نسبة من الشعب الأمريكي لبرنامجه ولا إنسانية أسلوبه في التطبيق البرنامج، بالإضافة الى كراهيتنا، نحن الذين نعيش نتائج عنجهية السياسة الأمريكية الخارجية وحروبها المدمرة.

صحيح أن سلوك الرئيس الأمريكي اتسم بالشعبوية التحريضية، واقترن خطابه بخلق المهاترات والعنصرية بواسطة تغريدات لم يعهدها العالم من قبل أي رئيس سبقه، وصحيح أنه تميز بسرعة إصدار الأحكام وتعيين المستشارين او طردهم أو إقامة علاقات دولية او وضع حد لها بسرعة، خلال ساعات أحيانا، قد جعلته محط سخرية ومصدرا لا ينضب لرسامي الكاريكاتير، الا انه نجح في تحقيق ما أراده جمهوره من الشعب الأمريكي، الذي صّوت له وفق نظام ديمقراطي يُعتبر أساس الوجود الأمريكي، تبعا لدستور يكاد يكون مقدسا. وهذه نقطة بالغة الأهمية، غالبا، ما يتم تجاهلها أو التعامل معها من قبلنا. اذ نُسقط على الديمقراطية الامريكية واختيار الشعب لحكامه عبر الانتخابات مواقفنا نحو الديمقراطية والدساتير في بلداننا في ظل أنظمة استبدادية ـ تابعة ومتوارثة. حيث لم تنم الديمقراطية بشكل عضوي، ونادرا ما كان الدستور مكتوبا من قبل أبناء البلد أنفسهم في معظم البلدان العربية بل والأدهى من ذلك، غالبا ما نجدهما اما مستوردين أو مفروضين من « الخارج» وفي حالة العراق من قبل قوات الاحتلال الأمريكي

هذه الأرضية تستحق الانتباه عند الكتابة عن المظاهرات الامريكية الحالية والدعوة الى مساندتها باعتبارها « ثورة»، وكأنها نبعت من شعب أجبرته قوات الغزو والحكام بالنيابة، على خوض انتخابات مفروضة عليه قسرا. المفارقة (أو لعله الإحساس بالمرارة)، هي اننا لم نقرأ أي نداء من قبل أي حزب أو تنظيم عربي أو عالمي يدعو الى دعم المعتصمين العراقيين في انتفاضة تشرين/ أكتوبر بتكلفتها العالية بحياة 700 شهيد ومئات المختطفين وآلاف الجرحى، خلال أربعة أشهر فقط. ولا يزال الصمت القاتل سائدا على الرغم من استمرار الاحتجاجات في عشر مدن عراقية للمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين والتخلص من الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

بعيدا عن الصحافة العربية التي يبدو كتابها إما مصدومين لأن «الكلام المنمق الذي تستخدمه الإدارات الأمريكية للحديث عن وجوه المساواة والعدالة المتحققة في المجتمع الأمريكي، ليس حقيقة»، أو كأنهم اكتشفوا العجلة حين يصفون قتل فلويد بأنه يبين « ممارسات التمييز العنصري في دولة تدعي أنها زعيمة المساواة والحرية في العالم»، نجد أن ترامب استطاع، الحصول على رضا المصوتين له، اذ حقق لهم تحسنا اقتصاديا ملموسا وتخفيض نسبة البطالة، وبناء جدار عازل مع المكسيك، ومعاملة المهاجرين بطريقة تثير رعب كل من يحاول اللجوء الى أمريكا، وطرد من لا تحتاجهم، والعمل على تقليل القواعد العسكرية وتكاليف نفقاتها الكبيرة، وإجبار الحكام الراغبين بالحماية الأمريكية ضد شعوبهم، على دفع تكاليف القوات، كما فعل مع المملكة العربية السعودية. كما لم ينكث بوعوده السخية للكيان الصهيوني، بل اُعتبرت « صفقة القرن» إنجازا له، والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني هو «الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله». لتليها الموافقة على مد المستوطنات أينما أراد المحتل. كل هذا بموافقة أو صمت الخانعين من الحكام العرب.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة، كما أن معظم مواطني الولايات المتحدة وأوروبا لا يهتمون كثيرا بالسياسة الخارجية إلا إذا مست وضعهم الاقتصادي بشكل مباشر. ولنتذكر أن معظم الشعب الأمريكي والبريطاني أنتخب الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير على الرغم من المظاهرات المناوئة للحرب على العراق في كلا البلدين وفي أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

 

ألا يمثل ترامب

الشعب الأمريكي؟

هيفاء زنكنة

 

لم يعد فايروس كورونا القاتل هو الشاغل الأول للناس في أرجاء الكرة الأرضية. تغيرت الأولويات، فالعالم مشغول بالمظاهرات في أمريكا. انتقل غضب المتظاهرين، من ولاية أمريكية الى أخرى، ومنها الى بريطانيا وألمانيا وكوريا وفرنسا ومنها الى مدرج المسرح البلدي، بشارع الحبيب بورقيبة، وسط العاصمة التونسية.

اختلفت ردود الأفعال من بلد الى آخر. ففي تونس، وجّه حمة الهمامي، الأمين العام لحزب العمال، نداء « إلى شباب تونس، إلى نسائها وكادحيها ومثقّفيها ومبدعيها: انتصروا إلى أخواتكم وإخوتكم في أمريكا» مبينا فيه « إنّ تحرّك الشعب الأمريكي اليوم يعطي فرصة غير مسبوقة للقوى التقدمية في العالم لكي تعبّر عن مساندتها له وتشدّ أزره في مواجهته الوحش الرأسمالي الامبريالي الأمريكي» وإن « الشعب الأمريكي يقدّم خدمة كبيرة لشعوب العالم لأنه يفضح هذا الوحش الذي آذاها ويؤذيها ويضعفه ممّا يوفّر فرصة لهذه الشعوب حتّى تتمرّد عليه وتتحرّر من أغلاله».

ونشط في بقية البلدان العربية والإقليمية المجاورة، متحدثون باسم حكومات قمعية لاستنكار أسلوب مواجهة المتظاهرين « غير الديمقراطي» من قبل الإدارة الامريكية. في ذات الوقت الذي لا يجدون فيه حرجا باتباع أسلوب أكثر وحشية لقمع مظاهرات مواطنيهم. الكل يبررون ذلك بأنه ضرورة أمنية.

خلال أيام قليلة، ظهرت قراءات وتفسيرات متعددة للمظاهرات التي أججها مقتل جورج فلويد الأمريكي الأسود اختناقا تحت شرطي أبيض (لا أدري لم يوصف فلويد بأنه من أصول افريقية ويصفون الرئيس السابق أوباما بأنه من اصل كيني، وكأن بقية سكان أمريكا كلهم لا ينحدرون من أصول هي غير سكان البلد الأصليين، الذين تمت ابادتهم وبناء البلد الحالي على جماجمهم). تحولت صرخة فلويد الأخيرة « لا أستطيع أن أتنفس»، الى شعار سرعان ما تم تداوله ضد العنصرية وتكميم الأفواه وكل أنواع التمييز، بل وربطه متظاهرون في عواصم أوروبية بفرض الحكومات سياسة ارتداء الكمامات. خُلعت الكمامات التي باتت رمزا للهيمنة والسيطرة بدلا من الوقاية والحذر، واحتلت أخبار إيجاد لقاح سريع لمنع انتشار الوباء بوجبة ثانية المرتبة الدنيا في قوائم أكثر الأخبار قراءة او اطلاعا إعلاميا.

احتلت صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واقفا امام كنيسة وهو يحمل الإنجيل، مساحة مساوية وموازية لصورة جورج فلويد والمتظاهرين، لتبين، مدى انقسام الشعب الأمريكي لا من ناحية لون البشرة فقط ولكن ما هو ابعد من ذلك، أي الناحيتين الاقتصادية والطبقية، المتداخلتين مع درجات الاستحواذ على مراكز السلطة، وكيفية الوصول اليها ومن ثم المهارة في صناعة الرضا الشعبي.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة

ومن يراجع مسيرة ترامب سيجد أنه منذ ترشيحه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأقوى في العالم عسكريا وتكنولوجيا، كممثل للحزب الجمهوري، عمل على استقطاب شرائح مجتمعية يعرف جيدا أنها من ستوفر له فرصة البقاء في منصبه دورة أخرى. وانه، خلافا، لعديد الرؤساء الأمريكيين ممن سبقوه، نفذ فعلا معظم وعوده التي أطلقها اثناء الحملة الانتخابية، بغض النظر عن درجة استهجان نسبة من الشعب الأمريكي لبرنامجه ولا إنسانية أسلوبه في التطبيق البرنامج، بالإضافة الى كراهيتنا، نحن الذين نعيش نتائج عنجهية السياسة الأمريكية الخارجية وحروبها المدمرة.

صحيح أن سلوك الرئيس الأمريكي اتسم بالشعبوية التحريضية، واقترن خطابه بخلق المهاترات والعنصرية بواسطة تغريدات لم يعهدها العالم من قبل أي رئيس سبقه، وصحيح أنه تميز بسرعة إصدار الأحكام وتعيين المستشارين او طردهم أو إقامة علاقات دولية او وضع حد لها بسرعة، خلال ساعات أحيانا، قد جعلته محط سخرية ومصدرا لا ينضب لرسامي الكاريكاتير، الا انه نجح في تحقيق ما أراده جمهوره من الشعب الأمريكي، الذي صّوت له وفق نظام ديمقراطي يُعتبر أساس الوجود الأمريكي، تبعا لدستور يكاد يكون مقدسا. وهذه نقطة بالغة الأهمية، غالبا، ما يتم تجاهلها أو التعامل معها من قبلنا. اذ نُسقط على الديمقراطية الامريكية واختيار الشعب لحكامه عبر الانتخابات مواقفنا نحو الديمقراطية والدساتير في بلداننا في ظل أنظمة استبدادية ـ تابعة ومتوارثة. حيث لم تنم الديمقراطية بشكل عضوي، ونادرا ما كان الدستور مكتوبا من قبل أبناء البلد أنفسهم في معظم البلدان العربية بل والأدهى من ذلك، غالبا ما نجدهما اما مستوردين أو مفروضين من « الخارج» وفي حالة العراق من قبل قوات الاحتلال الأمريكي

هذه الأرضية تستحق الانتباه عند الكتابة عن المظاهرات الامريكية الحالية والدعوة الى مساندتها باعتبارها « ثورة»، وكأنها نبعت من شعب أجبرته قوات الغزو والحكام بالنيابة، على خوض انتخابات مفروضة عليه قسرا. المفارقة (أو لعله الإحساس بالمرارة)، هي اننا لم نقرأ أي نداء من قبل أي حزب أو تنظيم عربي أو عالمي يدعو الى دعم المعتصمين العراقيين في انتفاضة تشرين/ أكتوبر بتكلفتها العالية بحياة 700 شهيد ومئات المختطفين وآلاف الجرحى، خلال أربعة أشهر فقط. ولا يزال الصمت القاتل سائدا على الرغم من استمرار الاحتجاجات في عشر مدن عراقية للمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين والتخلص من الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

بعيدا عن الصحافة العربية التي يبدو كتابها إما مصدومين لأن «الكلام المنمق الذي تستخدمه الإدارات الأمريكية للحديث عن وجوه المساواة والعدالة المتحققة في المجتمع الأمريكي، ليس حقيقة»، أو كأنهم اكتشفوا العجلة حين يصفون قتل فلويد بأنه يبين « ممارسات التمييز العنصري في دولة تدعي أنها زعيمة المساواة والحرية في العالم»، نجد أن ترامب استطاع، الحصول على رضا المصوتين له، اذ حقق لهم تحسنا اقتصاديا ملموسا وتخفيض نسبة البطالة، وبناء جدار عازل مع المكسيك، ومعاملة المهاجرين بطريقة تثير رعب كل من يحاول اللجوء الى أمريكا، وطرد من لا تحتاجهم، والعمل على تقليل القواعد العسكرية وتكاليف نفقاتها الكبيرة، وإجبار الحكام الراغبين بالحماية الأمريكية ضد شعوبهم، على دفع تكاليف القوات، كما فعل مع المملكة العربية السعودية. كما لم ينكث بوعوده السخية للكيان الصهيوني، بل اُعتبرت « صفقة القرن» إنجازا له، والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني هو «الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله». لتليها الموافقة على مد المستوطنات أينما أراد المحتل. كل هذا بموافقة أو صمت الخانعين من الحكام العرب.

إن تأثير المظاهرات الامريكية سيبقى، محصورا بما سيفرض من تغيير على الوضع الداخلي، ولن يمس السياسة الخارجية التي هي في المحصلة سياسة دولة، كما أن معظم مواطني الولايات المتحدة وأوروبا لا يهتمون كثيرا بالسياسة الخارجية إلا إذا مست وضعهم الاقتصادي بشكل مباشر. ولنتذكر أن معظم الشعب الأمريكي والبريطاني أنتخب الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير على الرغم من المظاهرات المناوئة للحرب على العراق في كلا البلدين وفي أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

 

 

العراق: داعش

والكاظمي ونلسون مانديلا

هيفاء زنكنة

 

نشرت وكالة الأنباء العراقية، في 30 أيار/ مايو، بيانا لمديرية الاستخبارات أن القوات الأمنية بناء على معلومات استخبارية دقيقة اعتقلت 11 إرهابيا في مناطق مختلفة من جانبي الموصل الأيمن والأيسر.

يتزامن اصدار البيان مع عدم اصدار أي بيان حول هجوم ميليشيا التيار الصدري على خيام المعتصمين في ساحة التحرير ببغداد، واعتقال وقتل متظاهرين في مدن أخرى.

لماذا؟ كي يتماشى اصدار ومضمون البيان مع ازدياد التصريحات الحكومية الرسمية حول تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية « داعش» وما يصاحبها، بالضرورة، من حملات اعتقال « الإرهابيين» في محافظات معينة، وُسمت بصبغة الإرهاب، منذ احتلال البلد عام 2003، ومنذ انبثاق مقاومة المحتل فيها.

فقد أدى الاستخدام السياسي لمفهوم «محاربة الإرهاب» وتوسيعه ليشمل بنودا قانونية عديدة، ومع الغياب شبه الكلي للقضاء النزيه، باعتراف المنظمات الحقوقية الدولية، الى منح الحكومات المحلية المتعاونة مع الاحتلال القدرة على شرعنة القاء القبض، لأي سبب كان، ورمي المعتقلين في غياهب السجون لسنوات بناء على شبهة أو وشاية أو خلاف، أو إصدار الاحكام السريعة بالإعدام بحيث استحق العراق لقب «المسلخ» من قبل رئيسة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أو تغييب المعتقلين فلا يُسمع لهم خبرا. كما أدى الاستخدام السياسي ـ الدعائي ـ التحريضي الى انعدام الثقة باي اجراء أو تصريح حكومي أو انتصار في عملية أو اعتقال خلية إرهابية. واعتبارها، منفردة او مجتمعة، مجرد تضليل آخر يستهدف المواطنين لتمشية أمور الفئة الحاكمة أو للتغطية على فسادها وجرائمها.

وإذا كان تعيين مصطفى الكاظمي، رئيس المخابرات السابق، رئيسا للوزراء قد دفع البعض الى الإحساس بوجود ومضة أمل في نهاية نفق النظام المظلم أو لأنه، حسب المثل العراقي «اللي يشوف الموت يرضى بالسخونة»، خاصة بعد أن حظي تعيينه بالترحيب من قبل المنظومة السياسية المهيمنة على مؤسسات الحكم والمليشيات على اختلاف أنواعها بالإضافة الى المباركة الامريكية الإيرانية، فان الدلائل تشير الى ان الوعود الجوفاء متجذرة في صميم النظام وان اطلاقها، بعد كل تغيير سطحي، ضروري لمصلحة النظام وليس الشعب.

فالتقدم لتحقيق الوعد بإجراء انتخابات نزيهة، وهو أحد مطالب انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019، يصطدم باللانزاهة في مفوضية الانتخابات، وتبادل أعضائها الاتهامات بالمحاصصة والفساد. وبات كشف فساد الانتخابات السابقة هو الموضوع الأول في أستوديوهات التلفزة، للدلالة على نزاهة المتنافسين على عضوية المفوضية، والنتيجة: الكل فاسد والكل نزيه في آن واحد.

كان الكاظمي قد وعد بحسم «ملف المغيبين، لأن عوائلهم ما زالت تنتظر معرفة هل هم أحياء أم تم الغدر بهم من تلك الميليشيات الإرهابية»، كما طالب رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية والهجرة والمهجرين البرلمانية

أما فيما يخص المسؤولين عن قتل المتظاهرين فلم يُتخذ أي إجراء تقريباً لمساءلة قوات الأمن العراقية والحشد الشعبي على الرغم من وجود شهود عيان وفيديوهات وصور موثقة من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية من بينها «وجود أدلة دامغة تشير إلى نمط تتعمد فيه قوات الأمن العراقية استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الدخانية الثقيلة لقتل المتظاهرين بدلاً من تفريقهم وذلك في انتهاك مباشر للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد كانت قوات الأمن على علم بمدى القدرة الفتاكة لهذه الأسلحة المقيتة، لكنها استمرت في إطلاقها كما يحلو لها». حسب برايان كاستنر، كبير مستشاري برنامج الأزمات المختص بالأسلحة والعمليات العسكرية في منظمة العفو الدولية. وكانت المنظمة قد وثّقت منذ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019 وطيلة فترة الاحتجاجات التي اندلعت في بغداد والمحافظات العراقية الجنوبية ـ استخدام قوات الأمن للقوة المفرطة، وفي مئات الحالات القوة المميتة لتفريق المحتجين. وأصدرت منظمة «هيومان رايتس ووتش « ومركز جنيف الدولي للعدالة وعشرات المنظمات المحلية تقارير موثقة مماثلة، فاذا كان هذا كله متوفرا فلم لم يقم الكاظمي، كما وعد، عشية تعيينه، بما هو أكثر من تشكيل لجنة تحقيق، يعرف العراقيون جيدا انها تعني، في الواقع، دفن التحقيق؟

وأثار قيام عديد الدول بإطلاق سراح وجبات من السجناء، لتقليل خطر انتشار وباء الكورونا، قضية آلاف المعتقلين والمغيبين الذين لا يعرف مصيرهم وكلهم، تقريبا، من المحافظات التي تواصل الأحزاب الطائفية وميليشياتها وصمها بالإرهاب، ومعاملتها على هذا الاساس. تواصل حكومة الكاظمي تجاهل هذه القضية الحساسة التي تُعتبر مقياسا لمدى جديتها في التعامل مع استمرارية حملة التطهير التي سارت عليها الحكومات الطائفية السابقة. وكان الكاظمي قد وعد بحسم «ملف المغيبين، لأن عوائلهم ما زالت تنتظر معرفة هل هم أحياء أم تم الغدر بهم من تلك الميليشيات الإرهابية»، كما طالب رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية والهجرة والمهجرين البرلمانية.

ان تحقيق العدالة، لا يتطلب تشكيل لجان جديدة تُضاف الى كومة اللجان النامية في الوزارات، بل يتطلب الاعتراف أولا بجسامة الجرائم المرتكبة ضد عموم الشعب والعمل ثانيا بوطنية صادقة على حلها. اللجان التي بدأ الكاظمي بتشكيلها لن تعيد للمواطنين حقوقهم لأنها استمرارية لسياسة التزوير والتضليل التي يعيشونها منذ 2003. وما تعرض له الناس من عقاب جماعي ونزوح قسري، لايزال مستمرا، ومصير آلاف الرجال والفتيان الذين اختفوا قسرياً على أيدي قوات الأمن أثناء النزاع، والإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان، يحتاج ما هو أكثر من تشكيل لجنة. فالنظام نفسه منخور بالفساد والطائفية والعنصرية مهما كان خطاب ساسته مغايرا على السطح. واستمرار بقاء المحتجين في ساحات المدن وخروجهم الى الشوارع، على الرغم من مخاطر وباء الكورونا، هو تصريح شعبي بعدم الثقة بما يُقال دون تطبيق، كما انه تأكيد على صلاحية المطالبة بوطن. وطن يوفر لأهله، جميعا، حقوقهم كمواطنين. بلا ساسة يدّعون العصمة، بلا مليشيات تمارس القتل بلا مساءلة، بقوات أمنية توفر لهم الحماية ولا تقتلهم وتشوههم. وطن يعيشون فيه بأمان ويتطلعون الى غد خال من الخوف. وطن وليس ساحة حرب تتنازع فيه أمريكا وإيران وما ينتجانه من منظمات ومليشيات إرهابية. وطن لا يحرم أهله من الكرامة وعزة النفس فـ» أي شخص أو مؤسسة تحاول أن تجردني من كرامتي ستخسر»، كما يُذكرنا نلسون مانديلا.

كاتبة من العراق

 

 

إحياء «داعش» في العراق

ضروري للمتنازعين عليه

هيفاء زنكنة

 

ظهرت بوادر تغير في خطاب مصطفى الكاظمي، بعد مرور 12 يوما فقط على تعيينه رئيسا لوزراء العراق، سواء كان خطابه موجها الى الادارة الامريكية ودول الاتحاد الأوروبي أو الشعب العراقي. فبعد أن كان يؤكد في خطبه الأولى، على أن حكومته «تنوي التحضير لإجراء انتخابات مبكرة ونزيهة، والتعهد بمحاربة فيروس كورونا المستجد في البلاد»، تَصدر خطبه، في لقاءاته مع السفير الأمريكي وسفراء دول الإتحاد الأوروبي، أمله في أن «تواصل الدول دعمها للعراق في حربه ضد داعش». وهو تغير كبير يعيد الى الأذهان سيرورة من سبقه من رؤساء الوزراء، مهما كان ادعاؤه مغايرا ومهما كانت مسميات «المنظمات الإرهابية» مختلفا. فمنظمة الدولة الإسلامية «داعش»، لم تكن تحتل المكانة الأولى في خطب التهنئة التي انهالت عليه سواء من قبل مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي أو محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني.

كان هَّم الجميع التوصل الى توازن أمريكي ـ إيراني، يتفاوض من خلاله الطرفان على صيغة توافقية لحل اختلافاتهما، وتقاسم السيطرة على العراق، بشكل يرضيهما، بدون أن يعرضا أمن بلديهما للتهديد. وقد منحهما الاتفاق الاولي على اختيار الكاظمي الإحساس بأن في «مقدوره المساهمة في التخفيض من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران»، كما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية. كما عبَّرَ مايك بومبيو، عن حسن نية الإدارة الأمريكية تجاه إيران أكثر منه «الشعب العراقي» باستثناء إيران من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها لمدة 120 يوما لتصدير الكهرباء الى العراق.

ما هي دلالات تغير خطاب الكاظمي اذن؟ لماذا «داعش» الآن وما هي الجهة المستفيدة من ظهوره في هذا التوقيت بالتحديد؟ هناك جهات عدة تحتاج إعادة نفخ الروح بداعش أو استحداث غيرها إذا استدعت الضرورة. بالنسبة الى البقاء الأمريكي بالعراق، هل من قبيل الصدف قيام «داعش» بعمليات متفرقة في البلد، والنظام مقبل على مناقشة وإعادة النظر في تفاصيل الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق وأمريكا، بداية الشهر المقبل؟

الأمر الذي دفع الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة أي الكاظمي الى التصريح الفوري بأن « العراق ما زال بحاجة لبقاء قوات التحالف الدولي لتدريب القوات العراقية وتجهيزها لمواجهة التحديات». أما بالنسبة الى إيران، يوفر ظهور داعش أرضية شاسعة لاستمرارية بقاء وسيطرة الميليشيات الموالية لها، على الرغم من تزايد الغضب الشعبي على وجودها، بعد أن ثبت قيامها باستهداف منتفضي تشرين الأول/ اكتوبر وحملات الاختطاف والاغتيال التي طالتهم. ويشكل الظهور الداعشي طوق نجاة للحشد الشعبي، الذي انحدرت شعبيته التي كان قد نالها، عند تأسيسه بناء على فتوى المرجعية الجهادية.

داعش ذات الوجوه والأشكال المتعددة هي عدو جاهز مُهيأ للاستخدام عند الحاجة، ولو لم توجد فعلا لتم اختراعها. فكل الأنظمة، تقريبا، بحاجة إلى « عدو«، يستقطب دعم الشعوب لحكامها مهما كانوا

اذ يعاني «الحشد الشعبي» من كساد في الشعبية حتى بين اتباعه المخلصين وغيرهم من أبناء الشعب بسبب فساد القادة، وطائفيتهم المزمنة، واخلالهم بالوعود الدنيوية التي بُذلت بسخاء للشباب المنخرطين بصفوفه، بالإضافة الى توثيق عديد الجرائم التي ارتكبها افراده في «المناطق المحررة»، والتي ترقى الى مستوى جرائم ضد الإنسانية، حسب تقارير منظمات حقوقية دولية. لذلك، قام الكاظمي، بنفسه، بزيارة رئيس الحشد في مقره الرئيسي وارتدى زي الحشد بتظاهرة إعلامية لم تحظ بها اية جهة أخرى وذلك لطمأنة إيران على عدم المس بأذرعها داخل البلد.

خلال أيام قليلة، عادت «داعش» لتغطي على وباء كورونا، وعلى فشل التعامل معه، وعلى الفساد المكشوف، وكل ما يراد التستر عليه إعلاميا وسياسيا. عادت لتستعيد مكانتها لدى الساسة كأداة جاهزة للترويع وتسويغ الإرهاب بحجة محاربة الإرهاب.

فعودة «داعش» ضرورة حتمية لكل المتنازعين على العراق وهو الخيار الأفضل لاستمرار منظومة الفساد السياسي والميليشيات. فما ان يُذكر اسم «داعش» حتى تُبرر سرقاتها ونهبها مليارات النفط بالإضافة الى استحواذها على أموال المساعدات الخارجية المقدمة لمحاربة «داعش» بحجة الدفاع عن «الشعب العراقي». بينما الحقيقة هي ان الكل، باستثناء «الشعب العراقي»، بأمس الحاجة الى داعش أو أية منظمة إرهابية أخرى. داعش ذات الوجوه والأشكال المتعددة هي عدو جاهز مُهيأ للاستخدام عند الحاجة، ولو لم توجد فعلا لتم اختراعها. فكل الأنظمة، تقريبا، بحاجة الى «عدو«، يستقطب دعم الشعوب لحكامها مهما كانوا. «داعش» الوقت الحالي هو «شيوعية» فترة الحرب الباردة و«مكارثية» الإدارة الامريكية ضد مثقفيها في خمسينيات القرن الماضي. وها هو سيف داعش يُشهر من جديد، بعد غيبة، لتعلن حكومة الكاظمي، كما الحكومات التي سبقتها، شن عمليات ضد داعش، باسم «اسود الجزيرة» في ذات المحافظات التي لم يزل مئات الالاف من سكانها قد هُجروا قسرا ولايزالون يعيشون في الخيام، ولم يكن الناطق الرسمي باسم قائد القوات المسلحة الكاظمي قد أكمل تصريحه بوجوب إبقاء القوات الأمريكية حتى شن طيران «التحالف» غارة على جنوب غربي محافظة نينوى. المحافظة التي لاتزال رائحة جثث ضحايا القصف الأمريكي تتخلل هواء خرائبها.

لم تعد الساحة السياسية، اذن، بعد أسبوع واحد من اعلان الحكومة الجديدة، تقتصر على «النزاع» الأمريكي ـ الإيراني بل أتت أضافة «داعش» وبالحجم الذي يستدعي القيام بعمليات عسكرية أرضا والقصف جوا، كعامل مستجد قد يعمل، على تقوية حضور «المُتنازعين» الأمريكي والإيراني وليس استعادة السيادة العراقية، حسب وعود الكاظمي في خطبه الأولى، فبقائهما وفق تقسيم الجو لأمريكا والأرض لإيران، مُفيد للطرفين خاصة وان استراتيجية أمريكا العسكرية لم تعد تعتمد على إبقاء المعسكرات والقوات على الأرض بل على الطائرات بلا طيار والعمليات الخاصة وكل أنواع التقدم التكنولوجي عن مبعدة بالإضافة الى القوة الناعمة، بجوانبها الثقافية والتعليمية. فالاتفاقية الاستراتيجية المنوي مراجعتها لا تقتصر على الجانب العسكري والأمني فقط كما يُشاع تضليلا.

ولعل التغير الأكبر الذي سيطرأ، جراء إحياء تنظيم داعش، هو مدى نجاح منظومة الفساد السياسية في استخدام الترهيب من داعش للقضاء على انتفاضة تشرين / أكتوبر نهائيا، بعد ان فشلت كل الأساليب القمعية بالإضافة الى فيروس كورونا في ذلك. اذ تشير دلالات تغير خطاب الكاظمي، خلال بضعة أيام من تعيينه، ان من وافقوا على تعيينه من أحزاب وميليشيات ومحتلين سيستعينون، من جديد، بشعار «محاربة الإرهاب» لقمع كل صوت مستقل يطالب باسترجاع الوطن من أيديهم، وسيبقى مدى نجاحهم مرتبطا بعودة المنتفضين إلى الساحات، بذات القوة والوعي الذي فشل الفاسدون باختراقه.

كاتبة من العراق

 

 

إنهم لا يعرفون

الشعب العراقي

هيفاء زنكنة

 

انهالت التهاني على « العراق»، كما الحامض حلو على رأس عروس أو رأس ولد في حفل ختانه. وأخيرا، صار للعراق رئيس وزراء جديد، يدعى مصطفى الكاظمي. صحيح أنه غير منتخب، رشحه رئيس جمهورية غير منتخب، إذ لم تزد نسبة الناخبين، في المرة الاخيرة، عن 18 بالمئة، إلا أن هذا غير مهم، فبعد انقضاء خمسة أشهر على اجبار المنتفضين رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة، وبعد فشل مرشحين اثنين في الوصول الى خط النهاية، لم يعد هناك الكثير من الأمور المهمة بالنسبة الى ساسة « العملية السياسية» ومديريها. المهم أن يتم تعيين رئيس وزراء، أيا كان، وتقديمه باعتباره المنقذ بعد أن تم تعليق كل المساوئ، بضمنها قتل المنتفضين، بمشاركة وعلم الجميع، على شماعة رئيس الوزراء السابق.

حصلت المعجزة اذن، وُلد الطفل الذي يتنازع على أبوته اثنان، في بلد يدعى العراق. حال اعلان الولادة/ تشكيل الحكومة الناقصة، سارع الأبوان المتنازعان للاحتفال. مايك بومبيو، وزير خارجية أمريكا، كان الأول. لم يتحمل الانتظار فأرسل تغريدة ذكر فيها أنه «من الرائع التحدث مع رئيس الوزراء العراقي الجديد». وكاد، لفرط سروره أن ينهي التغريدة لولا تذكره أنه نسى إضافة الكليشيه الجاهزة أي « الشعب العراقي» أو أهل البلد المضَّيف (كما هو متعارف لدى قوات الاحتلال على تسمية أهل البلدان المحتلة)، فأكمل قائلا: «لقد تعهدت بمساعدته على تنفيذ أجندته الجريئة من أجل الشعب العراقي». ونافسه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، باستخدام كليشيه « الشعب العراقي»، مؤكدا « أن إيران ستقف دائما بجانب الشعب العراقي».

كلاهما يدعيان أنهما إنما يقومان بكل ما في وسعهما، وبذل كل التضحيات المادية والبشرية، من أجل « الشعب العراقي»، مما يثير، في خضم تبادل التهاني وتنفس الصعداء بالتصويت على الحكومة الجديدة، تساؤلا جوهريا، قلما يتم التطرق اليه، منذ غزو واحتلال البلد عام 2003، وهو: عن أي شعب يتحدثان؟ وأين هو هذا « الشعب العراقي» الذي يدّعيان الاهتمام به والعمل من أجله في مسار نزاعاتهما واقتتالهما ومفاوضاتهما على أرضه، بعيدا عن أراضيهما، حفاظا على مصالح أمنهما القومي؟ هل هو شعب افتراضي من « مكونات» استحدثت ونُشرت على ارض البلد، كالعشب الضار، آملين ان تكون، بمرور الوقت، الشعب المُراد تفتيته بين ديمقراطية الشيطان الأكبر وولاية فقيه الشيطان الأصغر؟

ماذا عن الشعب الآخر الذي قاطع الانتخابات، بشكل شبه جماعي، والشعب المقيم، بملايينه، في مخيمات النازحين والمدن المهدمة، ومئات الآلاف من المعتقلين والمسجونين والمختفين؟

إنهم «الشعب العراقي» الذي خرج مطالبا باستعادة وطنه وسيادته وهويته الوطنية ورحيل المحتلين الأمريكي والإيراني

ماذا عن الشعب الذي تكاد الاحتجاجات والاعتصامات أن تكون، لاستمراريتها، مطبوعة على جيناته ضد قوات الاحتلال الانكلو أمريكي أولا ثم ضد حكوماته بالنيابة والميليشيات المدعومة إيرانيا ثانيا، وضد كليهما وكل ما يمثلانه في انتفاضته الأخيرة منذ تشرين / أكتوبر 2019؟ الانتفاضة التي أجبرت عادل عبد المهدي على الاستقالة بعد أن تم تقديمه، كما هو مصطفى الكاظمي اليوم، باعتباره السياسي المعتدل، مالك الحل السحري لفض النزاع بين الشيطان الأكبر والأصغر، وخلق التوازن المطلوب بين المُحتَلين وساستهما المحليين. الانتفاضة التي لم تنجح الميليشيات، بتعاون أو تعامي القوات الحكومية في القضاء عليها، بل تأجلت، جزئيا، بعد انتشار وباء كورونا وحرص المنتفضين على سلامة عموم الشعب ليثبتوا بذلك، أنهم «الشعب العراقي»، المُهمل، المستهان به، الذي عمل المحتل على تغييبه، ومع ذلك يواصلون النضال بتكلفة الدم الغالي الذي دفعوه، بآلاف الضحايا ومئات آلاف الجرحى والمختطفين. إنهم « الشعب العراقي» الذي خرج مطالبا باستعادة وطنه وسيادته وهويته الوطنية ورحيل المحتلين الأمريكي والإيراني، وليس، كما يردد يوميا، ومع كل تغيير لأقنعة الوجوه الفاسدة، ان يكون حشية أرض يتبادل عليها المحتلون الأوضاع.

إن الصورة التي رسمها عدد من العراقيين المتعاونين مع الإدارة الامريكية في فترة ما قبل الغزو، وكان مصطفى الكاظمي واحدا منهم، عن شعب سيستقبل قوات الاحتلال بالزهور والحلوى، تمزقت مع قتل أول جندي للاحتلال، كما هي صورة الشعب الراكض للتضحية بنفسه من أجل «الأمام» ، التي فقدت وهجها العقائدي، بعد مرور 17 عاما على الاحتلال، وتأكد الشعب من أن شجرة التضليل سواء كانت مستندة على الديمقراطية أو « الدعوة» الدينية / الطائفية، بقيت هوائية بلا جذور في المجتمع العراقي، على الرغم من كل الجهود التي بذلها رؤساء الوزراء الذين سبقوا الكاظمي بدءا من أياد علاوي والجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وانتهاء بعادل عبد المهدي، والذين تم تعيينهم، كلهم وفق المحاصصة الطائفية وإن بتعديلات طفيفة على السطح مثل إضافة صفة « المعتدل» أو « المستقل»، وكلهم، كما الكاظمي، كان الشرط الثاني لتعيينهم هو الحصول على رضى أمريكا وإيران معا، بحجة تحقيق ما يسمى بالتوازن السياسي داخل العراق.

طوال هذه الفترة، تعامل المحتل وساسته المحليون مع الشعب باعتباره هامشا في صفحة يكتبونها هم، الى أن رجرجت انتفاضة تشرين الأوضاع بقوة وكان بالإمكان أن تؤدي الى تغييرات حقيقية تمس جوهر العملية السياسية والفساد المستشري لولا انتشار وباء كورونا الذي وفّر للنظام فرصة تمديد البقاء. الأمر الذي يعيد الى الأذهان ذات التساؤلات التي واجهها رؤساء الوزراء السابقين وأهمها مدى معرفتهم بالشعب العراقي الحضاري، الأبي، المعتز بكرامته وحقوقه، ومدى ولائهم وتمثيلهم لهذا الشعب والوطن، بعيدا عن الرطانة الخطابية. وبالنسبة الى الكاظمي، هل سينفذ مطالب المنتفضين، ومن بينها تقديم المسؤولين عن قتل المتظاهرين الذين زاد عددهم عن 600 شخص وجرح أكثر من 24 ألف آخرين، الى القضاء، خاصة وأنها خطوة ستتطلب التحقيق معه، أيضا، بحكم كونه رئيسا للمخابرات، يفترض فيه، معرفة الفاعلين، أكثر من أي شخص آخر في حكومة تتحمل المسؤوليّة المباشرة عن الكثير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وانتهاكات ترتقي الى جرائم ضدّ الإنسانيّة؟

ثم أليس هذا هو « نفس الطاس ونفس الحمام»، ما دامت الحكومة الجديدة، قد تم اختيار أعضائها وتعيين رئيسها من قبل نفس أشخاص النظام الفاسد وأحزابه وميليشياته؟ يشير نزول المحتجين الى الشوارع، في بغداد وعدة مدن أخرى، حال انعقاد الجلسة الاولى للحكومة الجديدة، أنهم يعرفون الأجوبة مسبقا وأن لعبة التسويف والمناورات، من ذات الوجوه، لم تعد تنطلي على أحد.

كاتبة من العراق

 

 

 

حرية الصحافة في مقياس

القمع الحضاري وغير الحضاري!

هيفاء زنكنة

 

إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد جعل واحدة من مآثره، مهاجمة الصحافيين المستقلين، بكافة أجهزة الإعلام، وبشكل شبه يومي، حتى في اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايس)، فأنه انما يمارس، بذلك، تقليدا قديما لا يقتصر، كما قد نتوهم، على الحكومات العربية القمعية، بل ويحتضن الدول الغربية التي ترى نفسها مُصّدِرة للديمقراطية وحرية التعبير.

فمع الإقرار بوجود الاختلاف، بدرجات، حسب طبيعة النظام، وانتقائية سبل التعامل مع من يراد تكميم أفواههم، التي تتراوح ما بين الأساليب «الحضارية الناعمة» كالابتزاز والاغواء المادي والتهديد بجرائم فساد أو تهم أخلاقية والمنع من ممارسة المهنة، كما في الدول الغربية الى الأساليب «غير الحضارية»، كالاعتداء الجسدي والاعتقال والاختطاف والقتل، وهو ما يُطبق في بلداننا.

وإذا كان القتل الوحشي قد غّيب الصحافي السعودي المعارض جمال الخاشقجي فان عملية تغييب الصحافي الاستقصائي جوليان أسانج، تتم بشكل يماثل من يُفصد دمه بشكل بطيء، من خلال العزل الانفرادي ولَّيْ القوانين لتسليمه الى أمريكا حيث سيواجه الحكم بالسجن لمدة 75 عاما. وهي عملية تنفذها الحكومة البريطانية لصالح الإدارة الامريكية التي لا تغفر للصحافي ان يمس مصالحها أو أن يكون مستقلا بشكل حقيقي. فكان العمل على تحطيم حياة أسانج وفريق « ويكليكس» الذي كشف عن مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية وغيرها الفاضحة لمعلومات عن جرائم بحق مواطني البلدان الديمقراطية نفسها كما البلدان المستهدفة بالغزو او الحصار او الابتزاز.

إنها المعلومات التي أريد لها أن تبقى طي النسيان لما تحويه من مساس بحرية الفرد والرأي ومساحة التآمر عليه والجرائم التي ترتكب باسمه، بذريعة «الأمن القومي».

يشكل ادعاء الحفاظ على « الأمن القومي» واحدا من أكثر الذرائع التي تستخدمها الأنظمة القمعية للسيطرة على الشعوب، وغالبا ما يكون الصحافيون من أوائل الضحايا.

ففي إيران، ثلثا أعداد المعتقلين هم من الصحافيين الذين يدفعون ثمنا مكلفا بسبب محاولتهم التحقيق في ملفات فساد مالي ترتبط بأشخاص نافذين في هيكل النظام، حسب منظمة « مراسلون بلا حدود»، في تقريرها الصادر حديثا، وتبوأت فيه إيران المرتبة 170 من أصل 180 دولة حول العالم في 2019. وتعتبر سلطات الاحتلال الصهيوني استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين وقتلهم أمرا يدعو للاحتفال وتبا لكل القوانين باستثناء قوانين الاحتلال العنصرية. من بين الشهداء، سقط في العام الماضي صحافيان، وفقد ثلاثة صحافيين على الأقل أعينهم بشكل نهائي. ولم تتوقف حملة الاعتقالات والاستجواب والاعتقال الإداري بالإضافة الى اغلاق وسائل إعلام فلسطينية بحجة التحريض على العنف.

يتعرض الصحافيون في العراق لكل أنواع المخاطر بدءا من الاعتداء الجسدي والتهديد إلى الاختطاف والقتل على أيدي الميليشيات، بينما يقف المسؤول الحكومي متفرجا أو مشاركا في جرائم الميليشيات

المفارقة الموجعة أن تتماهى سلطات دول عربية في القمع وتكميم الأفواه مع كيان الاحتلال الصهيوني والمنظمات الإرهابية المدعومة محليا وعالميا. وتمثل ممارسات الحكومات العراقية المتعاقبة منذ غزو البلد واحتلاله عام 2003، نموذجا صارخا لنظام يدّعي مسؤوليه، كما في الكيان الصهيوني، الديمقراطية واحترام حق الرأي والتعبير.

«سلامة الصحافيين في خطر أكثر من أي وقت مضى»، هو أحد عناوين تقارير دولية عدة تتناول وضع الصحافيين بالعراق. وهو وضع يشي باللامسوؤلية القانونية والإنسانية والأخلاقية لنظام فاسد يستهين بحياة مواطنيه، ويصوب رصاصه على كل صحافي مستقل يحاول الكشف عن الفساد ومرتكبي الجرائم، أو فضح حملات الاعتقال والتعذيب المنهجي أو تغطية الاحتجاجات، كما في الأشهر الأخيرة، ومنذ اندلاع انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019. اذ يتعرض الصحافيون لكل أنواع المخاطر بدءا من الاعتداء الجسدي والتهديد إلى الاختطاف والقتل على أيدي الميليشيات، ومن يطلق عليهم تسمية « مسلحون مجهولون»، بينما يقف المسؤول الحكومي متفرجا أو مشاركا في جرائم الميليشيات.

وإذا كانت « مراسلون بلا حدود» قد وثقت اختطاف 48 إعلاميا واعدام 13 صحافيا من قبل منظمة الدولة الإسلامية « داعش»، اثناء سيطرتها على مدينة الموصل، فإنها تواصل توثيقها لخطورة ما يتعرضون له « في ظل تعنت الشخصيات السياسية والدينية التي تعتبر نفسها مقدسة وغير قابلة للانتقاد»، وأي نشر عنها يعرض الصحافيين للملاحقات بتهمة «إهانة رموز وطنية أو دينية».

ولا تدخر الحكومة، عبر هيئة تنظيم الإعلام، جهدا في منع أي بث مباشر وتعطيل خدمة الإنترنت وسحب التراخيص الإعلامية ورفع الدعاوى والغرامات. وعلى الرغم من ازدياد حالات الخطف والاغتيال وتوثيق العديد منها ووجود شهود العيان، لم يحدث وتم اعتقال أو معاقبة أي شخص واقصى ما تفعله الحكومة هو الإعلان عن تشكيل لجان تحقيق تزويقية.

تعكس آلية التعامل مع أجهزة الإعلام ذكاء الأنظمة وقدرتها على احتواء الأصوات الممثلة لشرائح معينة من الشعب، في الأوقات العادية، أو غالبية الشعب، عند الحاجة، في ظروف معينة، كالأزمات الاقتصادية والحروب والنزاعات المحلية والفترات السابقة للانتخابات. فالرئيس ترامب، مثلا، يختار التهجم على أجهزة إعلام معينة، مهما كانت حرفية إعلاميها، لأنه متأكد من استقطاب أجهزة إعلام أخرى ترتبط معه، ومع الطبقة التي تجد فيه ممثلا لها، بمصالح مشتركة.

تتبدى هذه القدرة في الجمع بين إطلاق الأكاذيب واتهام أجهزة الإعلام بالكذب، في ذات الوقت، بدرجات أقل حدة في أنظمة بلداننا، لأنها تجد في التغييب العنيف والمباشر للصحافيين والأصوات المعارضة، كالاختطاف والقتل، حلا سريعا يساعدها، أيضا، على ترويع بقية أبناء الشعب وتجذير الإرهاب الحكومي، مع الانتباه الى عامل مشترك يكاد يجمع ما بين كافة أجهزة الإعلام، في العالم، وهو قدرة الأحزاب السياسية الحاكمة أو المتنفذة على ركوب أجهزة إعلام معروضة للاستئجار أو البيع ، بكل العاملين فيها، من صحافيين وغيرهم، أو تأسيس شبكات إعلام كذراع لها، وتسييرها وفق ايديولوجيتها ومصلحتها سواء كانت سياسية او دينية او اقتصادية او كلها معا. تُبرر هذه التداخلات بانها علاقة مصالح متبادلة، وحين تؤدي، كما رأينا في تسويغ احتلال العراق، الى أضرار جسيمة بحق البلد وأهله، فأنها تُروج باعتبارها « وجهة نظر».

بعيدا عن قمع الأنظمة، أينما كانت، وجهودها في تصنيع الرضا الشعبوي المبتذل، يبقى صوت الصحافي المستقل مخيفا للطغاة والمحتلين، وتبقى القوانين الوطنية والدولية، التي توجب حماية الناس، واعتبار الاستهداف المتعمد للمدنيين، بمن فيهم الصحافيون وأجهزة الإعلام، في عداد جرائم الحرب، السلاح الأقوى لتحقيق العدالة للجميع، ومع تنامي دور صحافة المواطن التي غيّرت دور المواطن من مجرد متلق إلى فاعل لنقل المعلومة والحدث والتوثيق في عصر، نأمل أن يساهم في إزاحة كابوس السلطة وأنظمة الاستبداد عنها.

كاتبة من العراق

 

 

الحقيقة ـ الضحية الأولى

بين رويترز والنظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

سحبت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية ترخيص عمل وكالة الأنباء الدولية « رويترز»، لمدة ثلاثة أشهر وتغريمها 21 ألف دولار، لأنها نشرت تقريرا في الثاني من نيسان/ أبريل، نقلت فيه عن ثلاثة أطباء من المشاركين، بشكل وثيق في عملية إجراء الاختبارات لرصد الإصابات بفايروس كورونا، وعن مسؤول في وزارة الصحة، تأكديهم أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بالفايروس في البلاد، يفوق الرقم المعلن من قبل الوزارة بآلاف، وان المصادر فضلت عدم الإفصاح عن اسمائها لأن السلطات أمرت الطواقم الطبية بعدم الحديث لوسائل الإعلام. أكدت «رويترز»، يوم 14 نيسان/ أبريل، صحة التقرير الذي، حسبما ذكرت، استندت فيه على « مصادر طبية وسياسية مؤهلة ومتعددة وإن رأي وزارة الصحة كان ممثلا فيه بصورة كاملة».

من الذي نصدقه عند قراءة تقرير عن مدى انتشار الإصابات بالفايروس، الناطق الرسمي العراقي أو وكالة الأنباء الأجنبية؟ أليس من الطبيعي أن نصدق التصريحات العراقية باعتبارها الأدرى بأحوال المواطنين؟ فلِم اذن يختار الكثيرون، التشكيك بالتصريحات الرسمية والميل نحو تصديق وكالات الأنباء الأجنبية؟

السبب الرئيسي هو تجذر الإحساس بعدم الثقة تجاه كل ما يقوم به النظام ويُصرح به، في عديد المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وانعكس سلبا على الجانب الصحي والتعليمي. وهو إحساس قديم تنامى بشكل متسارع بعد غزو واحتلال البلد في 2003. اذ ازدادت الهوة ما بين ما هو منجز وما يُصرح به بشكل هائل. وباتت منصات التصريحات الحكومية أماكن لإطلاق الأكاذيب المفضوحة. خاصة بعد ان أصبح الساسة ينطقون بأصوات سيدهم المحتل واختلطت التصريحات « الحكومية» بتصريحات متحدثي قوات الاحتلال. فمن الناحية الإعلامية: تم تسخير صحافيين عراقيين لنشر مقالات تحمل أسماءهم إلا انها مكتوبة من قبل الجهاز الدعائي لقوات الاحتلال.

هدفت المقالات الى تشويه المقاومة وتقديمها باعتبارها «سنية ـ إرهابية» والى تعزيز موقع قوات الاحتلال كطرف إنساني محايد في «الاقتتال» بين العراقيين أنفسهم. 30 دولارا كانت مكافأة الصحافي لقاء المقالة الواحدة، بينما كانت الخسارة جسيمة لا تعوض وهي ثقة المواطن بنزاهة ومصداقية الصحافة وانعكاس عدم التصديق على ما تقدمه من معلومات حتى لو كانت حقيقية ولصالح المواطن فعلا.

من الناحيتين الأمنية والعسكرية، يعيش المواطن، غالبا، على اخبار الوكالات والصحافيين الأجانب ليعرف ماذا يحدث في بلده، بل وعلى الرغم من أكاذيب قوات الاحتلال المنهجية، كُشفت بعض الجرائم المروعة من قبل جنود للاحتلال، أصيبوا بنوبة صحو ضمير، وليس من قبل مسؤولين أو ساسة عراقيين.

ينشغل مسؤولو وزارة الصحة، بمناصبهم الموزعة ضمن المحاصصة الطائفية ـ السياسية، بتوقيع عقود مستشفيات لا تكتمل، واستيراد أدوية ومعدات وهمية

ولنأخذ الأمثلة التي خضّت العالم أخلاقيا. طقوس التعذيب والقتل في أبو غريب، عام 2004، من الذي كشفها؟ استخدام اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض ضد المقاومة في مدينة الفلوجة في 2004، من الذي كشفه؟ مجزرة حديثة في 2005، وحرق الطفلة عبير الجنابي وعائلتها بعد اغتصابها، عام 2006، من الذي كشفهما؟ مجرم الحرب إدوارد غالاغر، ضابط الصفّ في وحدة القوات الخاصة بالبحرية الأمريكية، من الذي كشفه؟ لم يكشف هذه الجرائم، التي تشكل قمة الجبل الجليدي المطمور، ساسة أو مسؤولون عراقيون، ولم يشر أي منهم اليها الا من باب اتهام الضحايا بالإرهاب مما يعني الحكم عليهم انهم بالموت.

تستدعي هذه المراجعة التساؤل عن ماهية المقياس الأخلاقي الذي يستند اليه المتحدثون الرسميون، وكيف التحقق من صحة تصريحاتهم، والوثوق بهم، عند مقارنتها بسجل صمتهم أو تواطئهم المستدام، إزاء جرائم يدينها العالم الإنساني، منذ عام 2003 وحتى اليوم؟ آخذين بنظر الاعتبار ان ما يمر به العراق ليس تاريخا سحيقا ليس بالإمكان التحقق من صحة وقائعه تاركا الناس متأرجحين بين هذه السردية وتلك. بمعنى أنها وقائع معاشة، يعرفها المواطن كل المعرفة. وفي عصر الصورة والفيديو والتواصل الاجتماعي والتوثيق والأرشفة اليومية من الصعب جدا إخفاء حقيقة الأحداث إلا إذا أراد المرء باختياره ولمصلحته الا يرى. ولعل أكاذيب مسؤولي النظام ومتحدثيه الرسميين عن الجرائم التي ارتكبت بحق المنتفضين في ساحات التحرير منذ تشرين/ أكتوبر 2019 وحتى الأيام الأخيرة، أفضل مثال عن الذين يختارون الا يروا، وإذا رأوا فبعين واحدة. ألم يقفوا اليوم بعد الآخر مصرحين بان قتل وجرح واختطاف آلاف المنتفضين، والموثقة بالصور والفيديوهات والفضائيات، مرتكبة من قبل «طرف ثالث» او «مجهولين»؟

ما ساعد على انخفاض الثقة بصدق وأخلاقية المتحدثين الرسميين، أيضا، سياسة تكميم أفواه الصحافيين إذا ما حدث ومس أحدهم عصبا حيا في جسد أحد المسؤولين الحكوميين أو قادة الميليشيات او من يتمتعون بالعصمة الدينية. فكان التخلص من الصحافيين الأجانب، واحدا من الخطوات الاولى لمنع اطلاع العالم الخارجي على ما يجري بالعراق، ثم تم التركيز على الإعلام العراقي المستقل ليحتل البلد، على مدى سنوات، أعلى قائمة الدول الأكثر خطرا للعمل الصحافي. وحين ظهرت صحافة المواطن ومارسها ناشطون، معظمهم من الشباب، امتدت إليهم ايادي ميليشيات الاختطاف والقتل، خاصة منذ انبثاق انتفاضة تشرين التي لاتزال مستمرة، وان بشكل محدود، بناء على قرار اتخذه المنتفضون حفاظا على حياة عموم المواطنين من انتشار وباء كورونا. وهو موقف ناضج يؤكد حرصهم على حياة الجميع، كما هو موقف العاملين في الجهاز الطبي، الذين يقومون بجهود جبارة لرعاية المصابين وعموم المواطنين، ضمن حدود الإمكانيات الفقيرة وظروف الإهمال التي يعيشها الجانب الصحي بانحدار متسارع منذ الاحتلال، والتي يتحمل مسؤوليتها ساسة العقود الوهمية، الى حد باتت فيه مستشفيات واحد من بلدان العالم الغنية، متهالكة تستجدي الأدوية والأجهزة والمعدات من المحسنين، بينما ينشغل مسؤولو وزارة الصحة، بمناصبهم الموزعة ضمن المحاصصة الطائفية ـ السياسية، بتوقيع عقود مستشفيات لا تكتمل، واستيراد أدوية ومعدات وهمية، معلنة بين الحين والآخر، عن انجاز «ضخم» لصالح المواطنين، كما فعلت منذ أيام، حين تباهت بتجهيز مركز للتبرع بالدم بكراسي عدد أربعة، مما دفع احد المواطنين الى ارسال تهنئة الى الوزارة، داعيا الله عز وجل ان تتمكن الوزارة من شراء مناضد شاي لتوضع امام الكراسي.

تفاصيل الفساد المعلب بالتضليل والاكاذيب، هي التي تدفع المواطن الى الشك بما يقدمه « الناطق الرسمي» من اهل بلده، ويفضل هضم وتداول الاخبار المقدمة اليه من خارج البلد. وهو موقف قد يبدو بسيطا الا انه بترجرجه خطر جدا ما لم يكن المواطن نفسه واعيا، وقادرا على الفصل بين العمل الحقيقي الذي تؤديه الهياكل الطبية مثلا والتضليل الإعلامي لنظام فاسد خاصة وان منع وكالة مثل «رويترز» سيؤدي الى تعزيز مصداقيتها وليس العكس.

كاتبة من العراق

 

 

 

هل يفهم العالم الآن

محنة الأسير الفلسطيني؟

هيفاء زنكنة

 

إذا كان فايروس كورونا قد فاجأ حكومات وسكان الدول الغربية بغزوه لبلدانهم، وما سببه من حصد للأرواح وخسارة اقتصادية وتفكيك التقارب المجتمعي، بالإضافة الى زرع القلق والخوف وعدم الاستقرار، جراء عدم معرفة ما سيجلبه الغد، والحرمان من الحياة اليومية العادية المألوفة لديهم، فان غزوه بلداننا لم يأت كمفاجأة بل كإضافة تراكمية الى ما يعيشه أهلنا من صنوف الغزو والاحتلال الأجنبي والاستبداد المحلي، وانعكاساتها حتى على الهواء والماء والتربة. توليفة الهيمنة على حياة المواطن باتت جزءا لا يتجزأ من وجوده في معظم البلدان العربية، فجاء الفايروس ليزيد من حجم المأساة واختزال حياة الانسان فيها الى صراع لا هوادة فيه من اجل البقاء.

وإذا كان فايروس كورونا قد مس كل البلدان العربية، مسببا الموت أينما حّلَ، بأعداد متفاوتة، وحسب قدرة كل بلد على الدفاع عن نفسه، فإن فلسطين المحتلة، بأسراها وغَزَتها (غزة السجن الأكبر في العالم)، تبقى الأكثر هشاشة بين كل البلدان، وان بدا ظاهريا غير ذلك، في ظل الترويج الدعائي الصهيوني، وتهافت عدد من الحكومات العربية على طمس القضية الفلسطينية.

في فلسطين المحتلة، يتعاون فايروس كورونا مع سلطة الاحتلال العنصرية على حرمان الفلسطينيين مما يمدهم بقوة الصمود والتضحية والبقاء، بعد محاولاتها في تدميره عبر الاستيطان والتهويد والضمّ والحصار. ويتزايد تأثير الفايروس بشكل مضاعف على الأسرى الذين وصل عددهم، نهاية شهر آذار 2020، إلى ما يقارب 5000 أسير ومعتقل، من بينهم 432 معتقلاً إدارياً، و41 أسيرة، و7 نواب في المجلس التشريعي، و183 طفلاً منهم 20 تحت 16 عاما، حسب «منظمة الضمير». ولا تزال سلطات الاحتلال مستمرة في اعتقال الفلسطينيين وزجّهم في مراكز التوقيف والتحقيق والسجون، التي تفتقر للحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانية. حيث اعتقلت منذ بداية انتشار الوباء ما يقارب 357 معتقلاً ومعتقلة منهم 48 طفلا و4 نساء، في ذات الوقت الذي تقوم فيه عديد الدول بأطلاق سراح السجناء تفاديا لانتشار الفايروس بينهم.

وكأن انعكاس معاناة الأسرى والأسيرات وظروفهم المعيشية والصحية القاسية، خاصة المرضى منهم، على أسرهم ليس كافيا، قامت سلطات الاحتلال، بعد تفشي الفايروس، باتخاذ اجراءاتٍ تمس الأسرى والمعتقلين بحجة مواجهة الفايروس، حيث أعلنت العمل بنظام الطوارئ، الذي يتضمن إلغاء زيارات عائلات الأسرى وزيارات المحامين.

عن هذه القيود الإضافية كتبت المحامية فدوى البرغوثي، زوجة الأسير القيادي مروان البرغوثي، الذي يقضي عامه الـ(19) في سجون الاحتلال: «بعد زيارتي التي انتظرتها ثلاث سنوات، وسُعدت باللقاء الذي ساعدني على تجميع الصورة والملامح من جديد، بدأت أُحضر نفسي للزيارة الثانية. قبلها بأيام قليلة بلغنا الصليب الاحمر بوقف كافة الزيارات للسجون، لأعود أحسب الأيام من جديد لزيارة قادمة حين تسمح لنا كورونا».

في فلسطين المحتلة، يتعاون فايروس كورونا مع سلطة الاحتلال العنصرية على حرمان الفلسطينيين مما يمدهم بقوة الصمود والتضحية والبقاء، بعد محاولاتها في تدميره عبر الاستيطان والتهويد والضمّ والحصار

وفي ندائها الموجه الى العالم الذي ترى انه ذاق، أخيرا، طعم الحجر ومعنى العزل لعدة أسابيع، بسبب الفايروس، كتبت الاسيرة المحررة أمان نافع، زوجة الأسير نائل البرغوثي، الذي أمضى في الأسر 40 عاما « الآن أصبح العالم كله يستطيع ان يتخيل كيف يعيش الأسير الفلسطيني… ولكن من المستحيل ان يتخيل كيف استطاع أن يتحمل نائل البرغوثي 40 عاما داخل السجن؟» وكان نائل قد اعتقل للمرة الأولى عام 1978، وعمره 19 عاما، وحُكم عليه بالسجن المؤبد و18 عاما. وأفرج عنه عام 2011، ضمن صفقة «وفاء الأحرار» وتزوج من المحررة أمان نافع، إلى أن أعادت سلطات الاحتلال اعتقاله مجدداً في 2014، وأعادت حُكمه السابق، إلى جانب العشرات من محرري الصفقة الذين أُعيدوا إلى أحكامهم السابقة وغالبيتهم يقضون أحكامًا بالسّجن المؤبد.

يمنحنا الأسيران مروان ونائل البرغوثي، مع كل الأسرى والأسيرات، نموذجا لنضال شعب مستمر، على الرغم من التكلفة العالية، لإنهاء أشكال هيمنة تاريخية كالاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية والتمييز، باتت تُقدم الى الأجيال الجديدة بأسماء تمّوه مضمونها لاختراق الشعوب وتضليلها. ليبقى صوت الأسرى جامعا موحدا لقضايا تعني البلدان العربية والعالم كله. صوت يحمل ردا لمن يبرر الصمت حول فلسطين بأن كثرة المصائب وتعددها في البلدان العربية من العراق الى سوريا واليمن وليبيا، خففت من اهتمامهم ومتابعتهم الهّم الفلسطيني.

ردا على ذلك أقول، انني حين تحدثت مع الأسير نائل البرغوثي، خفية، في مكالمة سريعة، عام 2015، لم يتحدث عن وضعه الخاص داخل السجن قرابة الأربعين عاما، أو عما تعرضت له عائلته من تنكيل واعتقالات وتهديم منزلين للعائلة أو حتى فلسطين، بل كان سؤاله الأول عن العراق. كمن يسأل عن صديق طفولة طال غيابه، قال: كيف العراق؟

وإذا كان الأسيران مروان ونائل محكومين بقيود الاحتلال حول التواصل مع العالم الخارجي، فان فدوى البرغوثي وأمان نافع، كما بقية ذوي الأسرى والاسيرات، لم تتوقفا يوما عن محاولة إيصال أصوات الأسرى، كلهم، الى العالم الخارجي. تقول فدوى «إن التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني وحقوقه ونضاله هو ضرورة في سياق المعركة الكبرى ضد مختلف أشكال الاستعمار»، بينما تنشط أمان، في ظل المخاوف من الفايروس الوبائي، ضمن حملة «الحرية لكل الأسرى»، قائلة: «لا يوجد أسير صغير أو كبير، على الاحتلال أن يطلق سراح كل الأسرى، لأن حياتهم أصبحت معرضه للخطر بسبب نسبة الإصابة العالية في صفوفهم في أراضينا المحتلة وأكثر السجون موجودة في أراضي 48.

نطالب حكومتنا الضغط بهذا الاتجاه والتواصل مع العالم للضغط على حكومة الاحتلال للإفراج عنهم جميعا.

فكيف بأسير لا يأكل طعاما صحيا او لا يرى الشمس ولا الهواء ان يقاوم هذا المرض؟ كل الأسرى الفلسطينيين في خطر. أنقذوهم قبل ان يقتلوهم».

يواجه الأسير اليوم خطر السجان/ الجلاد والوباء، وتعيش كل عائلات الأسرى التي ينتظر بعضها حرية أبنائهم منذ عقود، معاناة صعبة وتجارب قاسية، كما تؤكد فدوى برغوثي أن الشعب الفلسطيني وفيّ لمناضليه وأسراه وشهدائه وتضحيات أبنائه، وأن نضاله مستمر مهما بلغت المعاناة والتضحيات حتى نيل كامل حقوقه والعيش بكرامة وحرية، وهي غاية ستكون احتمالات تحقيقها أكبر ، لو شارك العالم ، في نزع فتيل استهتار وعنجهية نظام الاحتلال العنصري ، لا حماية للفلسطينيين فقط بل حفظا للسلام العالمي، وكما قال مروان البرغوثي اثناء محاكمته «إن اليوم الأخير في عمر الاحتلال هو اليوم الأول للسلام».

كاتبة من العراق

 

 

المثقف والاحتلال:

من النازية إلى «العراق الجديد»

هيفاء زنكنة

 

لايزال هناك من يعتبر احتلال بلده وجهة نظر تستحق النقاش. ولايزال النقاش دائرا بين أوساط المثقفين، بعد مرور 17عاما على غزو العراق واحتلاله، وما سببه من خراب مباشر وغير مباشر، حول استخدام او اختيار مصطلح أو نعت ملائم يصفون به ذلك الحدث الجلل. بهذا التيه يقف المثقفون لوحدهم، منعزلين عن بقية أبناء الشعب، وحتى عن ساسة النظام الذين جلبهم الاحتلال معه وقام بتنصيبهم كحكام بالنيابة، الذين باتوا يستخدمون مفردة «الاحتلال». بل ويذهبون، أحيانا، ابعد من ذلك، متغنين، بالمقاومة، أما بعد انتفاء الحاجة إليهم أو بعد عثورهم على « رب عمل» آخر، يتكفل بحمايتهم، ويمدهم بالعقيدة اللازمة لتبرير الاحتلال وتعاونهم معه فيما يُعرف قانونيا وأخلاقيا بالجريمة الأكبر.

احتلت الكتابات عن ذكرى الغزو في عام 2003، مساحات نافست ما يُكتب عن فايروس كورونا على صفحات التواصل الاجتماعي خاصة من قبل المثقفين. يُلاحظ عند مراجعة ما كتب، وجود انقسام حقيقي بين مؤيدي الاحتلال ومناهضيه. لم تخفت حدته على الرغم من مرور 17 عاما مثقلة بالخسارة البشرية والخراب والفساد والطائفية وخطر تقسيم البلد المسلط على الرؤوس مثل السيف. يمتد الانقسام عميقا ويطفو على السطح، بمفردات ومصطلحات، حسب الانتماء الحزبي، أكثر من غيره. الا ان ما يجمع الكل، في مرحلة التخبط السياسي، وتحول البلد الى ساحة اقتتال بين احتلالين، وانهيار الساسة الأخلاقي والديني المنعكس على شرائح مستفيدة من الاتباع، هو إصرار المثقفين على كونهم يمثلون وعي الامة، وان امتلاكهم عصا «الحقيقة»، يمنحهم عصمة اللاخطأ، و القدرة على الرؤية أبعد من بقية الناس. اذ قلما نرى مثقفا يعتذر عن مواقف سياسية له أدت الى ارتكاب جرائم ضد أبناء شعبه. فهو محق دائما وهو قادر على التبرير والمحاججة، وإذا ما باتت الحقيقة واضحة وضوح الشمس بالتوثيق والشهادات الحية ووجد نفسه محاطا بآخرين يمتلكون شجاعة الاعتراف بالخطأ او الجريمة، يلتفت حينئذ ليلقي اللوم على الشعب « الجاهل والمتخلف». الأمثلة كثيرة في هذا المجال، لعل أكثرها وضوحا هو قيام مثقف بإقناع إدارة بوش بان الشعب سيستقبل قوات الاحتلال بالأزهار والحلوى، كما منح المحتل الانطباع بانه، وحفنة عملت معه، يمثلون صوت الشعب، وان الشعب سيلتذ بالاستماع الى قصف عاصمته بغداد، كما يلتذ بسماع الموسيقى.

من هنا، من شيزوفرينيا المظلومية والرغبة المرضية بالانتقام، ومن الخلط الانتقائي (الانتقائي الممنهج وليس الغبي) ما بين القضايا وأدعياء القضايا، حّشَد بعض المثقفين أنفسهم (ولايزالون) لتسويق الغزو بمصطلحات تتماشى مع حاجة السوق، مهما كانت متناقضة المعنى، مثل ان الحل الوحيد لإنقاذ البلد من النظام الدكتاتوري هو القوات الأمريكية ـ البريطانية، أو التساؤل ببراءة مصطنعة: ما هو الحل اذن، لقد حاولنا وفشلنا… ما هو الحل؟

لايزال المثقف العراقي، يُنشد « التغيير والتحرير»، عاجزا عن لفظ كلمة الاحتلال، بعد مرور 17 عاما عليه. فهل اختلف مفهوم «الاحتلال» حقا أم أن دور المثقف في مجتمع يعيش حالة حرب وحشية مع احتلالين متصارعين، هو صراع مع نفسه؟

ومع الغزو ولترسيخ الاحتلال ومؤسساته، استحدثت أجهزة الإعلام الدعائي ـ العسكري ـ السيكولوجي، المصطلحات المطلوبة للتعميم وغسل أدمغة المواطنين عن طريق التكرار المستدام، مع مراعاة الاختلاف في الجمهور المتلقي وكيفية السيطرة على طريقة تفكيره وجعله يصدق ما يقال له. فما استحدثته الإدارة الامريكية لتحشيد الرأي العام الأمريكي مختلف عما أستحدث للتأثير على الشعب العراقي. ففي أمريكا وبريطانيا، انصب التحشيد الدعائي الإعلامي على اثارة الخوف والاحساس بالتهديد من النظام العراقي الذي يمتلك « أسلحة دمار شامل» وبإمكانها افناء بريطانيا، مثلا، خلال 45 دقيقة فقط، حسب خطب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير.

وتطلبت مخاطبة الشعب العراقي مفردات تحمل مضامين مختلفة عن تلك الموجهة الى الأمريكيين. صارت اللغة محّملة برسائل أخرى معدة للاستهلاك المحلي: «التحرير» أو «التغيير» أو «الاستبدال» أو «حرب العراق». أما احتلال العاصمة التاريخية بغداد، فقد استبدل الاسم/ الرمز المرتبط بأذهان العرب والمسلمين بالعلم والثقافة والحضارة وكل ما يمثل عزة وكبرياء واعتداد الشعب، ب» سقوط بغداد». تدريجيا، لم يعد التأثر بهذه المصطلحات يقتصر على عموم الناس، بل تتسلل حتى الى عقول بعض المثقفين المناهضين للاحتلال، ليقوموا بتكرارها، بالنيابة، بلا تفكير، وبالإمكان ملاحظته في الكتابات عن ذكرى الغزو.

ان انقسام المثقفين العراقيين حول احتلال بلدهم ليس فريدا من نوعه. فالمثقفون الفرنسيون لايزالون يراجعون الوثائق والشهادات حول الاحتلال النازي لفرنسا ودور المقاومة والمتعاونين مع الاحتلال، حتى اليوم وعلى الرغم من مرور 100 سنة على الاحتلال وتقسيم البلد الى ثلاثة أجزاء وتنصيب حكومة فيشي « الفرنسية الوطنية» المتعاونة مع الاحتلال النازي ضد المقاومة.

وتمنحنا مراجعة دور المثقف الفرنسي، في جمهورية فيشي، مقاربة لفهم أفضل حول نقاط مهمة من بينها: كيفية التعامل مع مسؤولي النظام الحاكم الخاضع بدوره لسلطة احتلال أو متعاونا معها، ضد قوى الشعب المقاومة، وما هي طبيعة هذه القوى ونسبتها بالمقارنة مع نسبة « المتعاونين» مع المحتل؟ فقد كان في جمهورية فيشي مستويات تشابه متعددة وبدرجات مختلفة مع ما يجري في العراق منذ احتلاله. فكما فرضت أمريكا سياستها على الحكومات العراقية المتعاقبة وفق الاتفاقية الأمنية والاتفاقية الاستراتيجية تعاونت حكومة فيشي، برئاسة المارشال بيتان، مع الألمان في كافة المجالات وعلى رأسها الأمنية وتوفير الأيدي العاملة. وإذا كانت الطائفية قد أثبتت فائدتها للساسة العراقيين خاصة حول ظهور المهدي المنتظر لإحلال العدل، فان جمهورية فيشي وجدت في الدين المسيحي أداة لأقناع الناس بان المعاناة، كما المسيح، ستجلب العظمة للامة.

بالنسبة الى المثقفين، ارتبط البعض، بدرجات متفاوتة، بمؤسسات فيشي والمتعاونين مع المحتلين النازيين في باريس، لأسباب عديدة كالعنصرية والانتهازية والكراهية للشيوعية. كان من بينهم المعماري المشهور لو كوربوزييه، ومدير المسرح جان فيلار، والروائي لويس فرديناند سيلين.

ولعل نقطة الاختلاف الجوهرية التي تستحق الوقوف عندها في مجال المقارنة بين مواقف المثقفين الفرنسيين والعراقيين تحت الاحتلال، هي ان عديد المثقفين الفرنسيين الذين ارتبطوا بحكومة فيشي وتعاونوا مع الاحتلال النازي غّيروا مواقفهم بل وانضم عدد منهم للقتال ضمن صفوف المقاومة، على الرغم من ان عمر الاحتلال والجمهورية لم يتجاوز الأربع سنوات، بينما لايزال المثقف العراقي، يُنشد « التغيير والتحرير»، عاجزا عن لفظ كلمة الاحتلال، بعد مرور 17 عاما عليه. فهل اختلف مفهوم « الاحتلال» حقا أم ان دور المثقف في مجتمع يعيش حالة حرب وحشية مع احتلالين متصارعين، هو صراع مع نفسه؟

كاتبة من العراق

 

 

فلوجة المقاومة

لماذا يخشون ذكراها؟

هيفاء زنكنة

 

في الرابع من نيسان/ ابريل 2004، مرت ذكرى الهجوم الوحشي الذي شنه المحتل الأمريكي على مدينة الفلوجة، الواقعة على نهر الفرات، اقل من 60 كيلومترا غرب بغداد، على موقع «هاشمية الانبار»، عاصمة العباسيين الأولى في القرن الثامن، قبل بناء بغداد. أُطلق على الهجوم اسم «معركة الفلوجة الأولى ». شارك فيها خمسة آلاف جندي من المارينز والمرتزقة. استخدمت فيها قوات الاحتلال أسلحة محرّمة دوليًا ضد أبناء المدينة، والتي انتهت بفشل الهجوم وانسحاب قوات الاحتلال. كان انسحابا مؤقتا. لتشهد الفلوجة هجوما آخر، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، وصفه أحد قادة جيش الاحتلال الأمريكي بانه «الأكبر منذ حرب فيتنام». تم الهجوم بموافقة رئيس الوزراء أياد علاوي، الذي كان الحاكم العسكري الأمريكي بول بريمر قد عينه يوم قرر مغادرة العراق.

تم خلال الهجومين، تهديم 70 بالمئة من مدينة الفلوجة، وقتل آلاف المدنيين، الى حد عجز فيه الأحياء عن دفن القتلى، فبقيت الجثث في الشوارع عدة أيام، وتم تحويل ملعب لكرة القدم، فيما بعد، الى مقبرة، ودفن البعض، في لحظات الأسى المطلق، احباءهم في حديقة الدار. احدى هذه اللحظات سجلتها الكاتبة نسرين ملك في قصيدة « الأب الذي دفن ابنه في حديقة الدار»، مخاطبة فيها الاب بوجع ينغرز عميقا في القلب: ارفع جسد ابنك الدافئ واصرخ كما لم تصرخ من قبل واسألهم ما الذي فعله ابنك؟… اجلس يوميا بجانب القبر، ابكِ لخسارتك وخسارتنا وأسالهم ما الذي فعله ابنك؟».

وإذا كانت قيادة الاحتلال، يومها، قد أصدرت اوامرها الى الجنود، ملخصة سياستها بجملة واحدة هي « اقتلوا كل ما يتحرك»، حسب شهادة عديدين منهم فيما بعد، وكان من جرائها قتل آلاف المدنيين، فإن جريمتها الأكبر، هي حين استخدمت اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض اللذين تم تشبيه آثارهما بما يعاني منه سكان مدينة هيروشيما اليابانية، حتى اليوم، منذ أن القى الجيش الأمريكي القنبلة الذرية عليهم. واثبتت دراسات علمية عديدة تأثير اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض الموثق بارتفاع ملحوظ في مستويات التشوهات الخلقية عند الولادة، جنبا إلى جنب مع ارتفاع معدلات الاصابة بالسرطان وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة.

لماذا لا يراد من العراقيين والعالم تذكر الفلوجة؟ حاليا، تتعاون عدة جهات، تبدو مختلفة او متنازعة ظاهريا، وهي الاحتلال الأمريكي والمتعاونون معه وساسة الولاء الإيراني وميليشياتهم، على طمس ذكرى مقاومة الفلوجة وما لحق بها من تدمير بشري وتخريب عمراني، بعيد المدى. بالنسبة الى المحتل الأمريكي، ليس من مصلحته الإشارة الى ما حدث بالفلوجة، اذ لا تزال قواته موجودة في عدة قواعد عسكرية متناثرة في ارجاء الوطن من شماله الى جنوبه «بناء على طلب الحكومة العراقية لمحاربة الإرهاب»، وكان ولا يزال من المستحيل على قوات الاحتلال الاعتراف بمقاومة المدينة ضدها لئلا تكون مثالا يحتذى، عراقيا وعربيا. فقد يحطم المثال السردية التي بناها الغزاة، على مدى عقود، حول حاجة العراقيين إليهم كمحررين، والوعود التي قُدمت إليهم من قبل عراقيين متعاونين معهم، بأنهم سيتم استقبالهم بالزهور والحلوى بالإضافة الى استقتال قوات الاحتلال في احراز نصر يمحو من ذاكرة الشعوب هزيمة القوات الامريكية في حربها ضد فيتنام. هناك، أيضا، السقوط المهين لما يُسمى « ديمقراطية « العراق الجديد حسب الوصفة الامريكية.

صمت المثقف إزاء فاجعة أو حدث يمس الشعب، مهما كان، يعكس وجوده هو وكينونته ودوره ومدى استحقاقه لحمل سمة المثقف. وانتقائية الموقف الإنساني والنضالي سيؤدي، حتما، الى كسر بوصلته الأخلاقية

أما ساسة النظام، فانهم يتعامون عن الذكرى، بقوة، لأنهم كانوا ولايزالون يستنشقون هواء وجودهم عبر المحتل الأمريكي وهم مستعدون لاتهام الشعب كله بالإرهاب إرضاء لسادتهم، كما انهم يرغبون بمحو ذكرى المقاومة التي تستحضر عار تعاونهم واستخذائهم، اذ قلما يوجد من يرغب ببقاء من يذكره بحقيقته. لذلك يفضلون الهاء الشعب بإقامة مناسبات واحتفالات وطقوس تتماشى مع مصالحهم وسياستهم وتعمل، في الوقت نفسه، على تخدير الناس. مع المتعاونين مع المحتل الأمريكي، يقف الساسة من أتباع إيران. متفقين في اتهامهم المقاومة بالإرهاب لتبرير وحشية الميليشيات، متمثلة بالحشد الشعبي، وممارساتها اللا إنسانية ضد كل من يمثل المقاومة وعلى رأسهم اهل الفلوجة، الامر الذي دفع الكثيرين منهم، في شهادات موثقة لمنظمات حقوقية دولية، الى القول بأن « الحشد الشعبي هو الوجه الآخر لداعش، انهما وجهان لعملة واحدة».

بالمقابل، في ذاكرة العالم، لدى المؤمنين بحق الشعوب في المقاومة، في الحياة والحرية والكرامة، أصبحت الفلوجة رديف الغورنيكا، كمكان ولوحة. المكان هو عاصمة الباسك التي قاومت الديكتاتور الإسباني فرانكو، وحين فشل بإخضاعها طلب من المانيا النازية قصفها، فقُصفت يوم 26 نيسان/ ابريل، عام 1937. اللوحة هي «غورنيكا» للفنان الاسباني بيكاسو الذي كتب عنها مذكرا الالمان بجريمتهم: « عندما كان الجنود الألمان يأتون إلى الاستوديو الخاص بي، بباريس، وينظرون إلى لوحاتي الأولية عن الغورنيكا، كانوا يسألون «هل فعلت ذلك؟». كنت أجيب « كلا، أنتم من فعل ذلك».

موضحا فيما بعد سبب رسمه الغورنيكا « ليس الرسم ديكورا لتزيين الشقق. انه سلاح هجوم ودفاع ضد العدو«. لذلك، ساهم فنانون عالميون وكتاب ومسرحيون ومفكرون، من فنلندا الى أمريكا اللاتينية الى البلدان الاستعمارية تاريخيا كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا الى مركز الامبريالية أمريكا، في تسخير ادواتهم الإبداعية والفكرية لفضح ما أطلقوا عليه « جريمة أمريكا» و«أمريكا تتصرف كالنازيين»، دفاعا عن “الفلوجة غورنيكا الجديدة» و«الفلوجة غورنيكا القرن الواحد والعشرين». آلاف القصائد كتبت (هناك موقع الكتروني متخصص بذلك) واللوحات رُسمت تستنكر وتصرخ وتحتج. متظاهرون في بلدان الاحتلال يعتصمون وينامون في الشوارع احتجاجا.

في العراق، بعيدا عن المحتل والساسة الفاسدين والمليشيات الاجرامية، تمر ذكرى غورنيكا القرن الواحد والعشرين، في العراق، بين المثقفين والإعلاميين، باستثناء قلة، بصمت مخيف. وهم جلوس يرثون أنفسهم، يكتبون حكايات ماضيهم البطولي، أو يتصفحون سيرة «الأئمة الصالحين»، لئلا يروا ما يمر أمامهم. لئلا يروا مسيرة أجنة محكوم عليها بالإعدام قبل ولادتها، وأطفال محكوم عليهم بالتشوه مدى الحياة، وأمهات شابات حُكم عليهن بارتداء السواد مدى الحياة. ان صمت المثقف إزاء فاجعة أو حدث يمس الشعب، مهما كان، يعكس وجوده هو وكينونته ودوره ومدى استحقاقه لحمل سمة المثقف. وانتقائية الموقف الإنساني والنضالي سيؤدي، حتما، الى كسر بوصلته الأخلاقية. فلا غرابة ان يكون صمت المثقف، إزاء جرائم الاحتلال، مخيفا أكثر من نازية المحتل.

كاتبة من العراق

 

 

لمكافحة الفايروس… حجر

حسابات الفاسدين في العراق!

هيفاء زنكنة

 

إذا ما توقف العالم، الآن، عن متابعة أخبار فايروس الكورونا وانتشاره وجداول أعداد المصابين به واحتمالات الإصابة به، أينما يكون المرء على وجه الأرض، ما الذي سيراه؟ ما الذي سيراه العراقيون، مثلا، بعد ان بشّر أدعياء الدين المواطنين بالحصول على مكان في الجنة، بجانب الأئمة الصالحين، حين يواصلون زيارة مراقد الأئمة وأداء الطقوس الجماعية، بل وأشاعوا بين الناس ان زيارة الامام الكاظم هي الأفضل للمرضى المصابين بفايروس كورونا لأن زيارة الامام، هي في الحقيقة، لم تعد مجرد زيارة دينية بل باتت تُسمى « زيارة الطبيب»؟

أذا ما توقف العالم عن النظر في مرآة الكورونا، المضببة بالخوف والترويع، ورؤية نفسه فقط، سيرى ان هناك عالما آخر لاتزال أحداثه المأساوية، سارية المفعول، كما هي قبل مجيء الفايروس، وستصبح أسوأ بكثير أثناء انتشاره، والاحتمال كبير بانها ستستمر، بعد التخلص منه.

ففي فلسطين، لا تزال الحياة كما كانت، سجينة الاحتلال العنصري، وتعاني غزة من انقطاع التيار الكهربائي، ومياه الشرب غير الآمنة، ولا يوجد فيها سوى 60 سريراً للعناية المركزة في الإقليم، 70 بالمائة منها قيد الاستخدام.

في سوريا التي بات من الصعب تبين ملامحها، ينتشر الخراب و11 مليون نازح ومهجر، وفي اليمن، نزح ما يقرب من 3.6 مليون شخص، يعيش أغلبهم في مخيمات مؤقتة، وفي ليبيا، يعيش 900 ألف ليبي في الملاجئ والمراكز المؤقتة وهم بحاجة إلى المساعدة الإنسانية.

في العراق، أيضا، الزمن متوقف، بالنسبة الى عموم الشعب بمنتفضيه المستمرين بمطالبتهم بالوطن، وسُذَجِه المتباكين على الماضي السحيق، ولكن بشكل خاص بالنسبة الى النازحين والمُهَجّرين والمعتقلين. انهم المَنسّيون المهددون أكثر من غيرهم قبل انتشار الكورونا وأثنائها.

حيث سُجلت أول حالة إصابة بالفيروس في مخيم للنازحين بدهوك، في كردستان، وتتزايد المخاوف بصدد النازحين المعرضة حياتهم للخطر أصلاً بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة ومتطلبات السلامة الصحية والتعرض للطقس البارد، وإصابة الأطفال والنساء بأمراض جلدية ومزمنة.

فبعد مرور عامين على اعلان النظام الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لايزال مليون ونصف مواطن، في مدينة الموصل، الواقعة شمال العراق، لوحدها، غير قادرين على العودة الى بيوتهم، وذلك لعدم قيام الحكومة بإعادة الاعمار وتهيئة المساكن التي هُدمت اثناء الاقتتال مع قوات داعش والقصف الجوي من قبل قوات التحالف بقيادة أمريكا، وغالبًا ما يكون استئجار أو شراء ممتلكات جديدة باهظ الثمن، بالإضافة الى انعدام فرص العمل، والخوف من الانتقام بسبب الاتهام بالإرهاب. هذه الأسباب دفعت سكان المنازل المدمرة وعددها 138000، الى البقاء في مخيمات نينوى الخمسة.

بإمكان المجتمع الدولي أن يفرض الحجر الاقتصادي على الحسابات المالية واستثمارات ساسة الأنظمة الفاسدة ، كالعراق، الموجودة خارج البلد، وتوفيرها لمجالس طبية تمثل شعوب العالم، تستخدمها لشراء الأجهزة الطبية الضرورية لشفاء المواطنين المصابين المعرضين للموت، في ظل ادعاء الساسة الفاسدين عدم توفر الإمكانات المادية

وإذا كان النظام يتحجج، حاليا، بانشغاله بحماية المواطنين من الفايروس، فانه لم يفعل الكثير لمساعدة وحماية المواطنين قبله، بل اتبع سياسة جعلتهم يفضلون العودة الى المخيمات بعد اجلائهم قسريا منها، وفق «القرار 16» الذي لم ينشر ولم يمرر عبر البرلمان. وحدث واطلعت عليه منظمة « هيومان رايتس ووتش» الحقوقية.

شملت « إعادة التهجير»، ما يزيد على 37 ألف شخص خلال ستة أشهر في العام الماضي، معظمهم من النساء والأطفال، مما يعني أنهم حاولوا العودة إلى مناطقهم لكنهم غادروها، مرة أخرى، لأنهم وجدوا أن الحياة هناك غير ممكنة اطلاقا، على الرغم من ان حياة المخيمات نفسها تفتقر الى الخدمات الأساسية وتزيد من التعرض للمخاطر الأمنية، وتفاقم الوصمة الاجتماعية وتبادل الاتهامات زورا بدعم أو الانضمام إلى داعش لتسوية الحسابات أو الانتقام من الأعداء والمنافسين الشخصيين.

وتعاني النساء، بشكل خاص، من مشاكل التحرش الجنسي وعدم الحصول على الأوراق والوثائق الرسمية للأطفال، حسب المجلس النرويجي للاجئين، الذي وثّق وجود حوالي 45000 طفل في المخيمات، في جميع أنحاء العراق، بلا شهادات ميلاد أو وثائق مدنية أخرى، مما يعرضهم لخطر أن يُحكم عليهم بالسجن مدى الحياة على هامش المجتمع، اذ لا يمكنهم الزواج أو العمل مستقبلا، وقد يحصلون على علاج طبي بسيط، ولكن ليس اجراء عملية جراحية.

أما بالنسبة الى السجناء والمعتقلين، فقد أطلق « مركز جنيف الدولي للعدالة» نداء الى المجتمع الدولي للعمل من أجل حماية المعتقلين، والإفراج عن السجناء الذين يستند سجنهم على اعتباراتٍ سياسية أو طائفية. اذ أدت الاعتقالات التعسفية، والتطبيق التمييزي لقانون العقوبات، دون محاكمة عادلة، إلى اكتظاظ السجون والظروف اللاإنسانية، وعدم وجود رعاية طبية، مما يوّفر البيئة المثالية التي يزدهر فيها الفايروس ويُسهل انتشاره بين السجناء من ناحية، وبين السجناء والحرّاس من جهة أخرى. وأوضح المركز انّه يتلقى بانتظام أدلّة تُظهر أن العديد من السجناء يموتون بسبب هذه الظروف.

وأوضح انّه من آلاف حالات الاختطاف التي راجعها المركز، فانّ اختطاف معظم الضحايا يجري أثناء طريقهم إلى العمل، أو المدرسة، أو إلى مراكز التسوّق. وتشترك الشرطة أو قوات الأمن، مع الميليشيات بتلك الاعتقالات. وقد حذر المركز من نفاد الوقت ووجوب حماية سكّان العراق، مناشدا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عموماً للضغط على الحكومة العراقية من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين والمعتقلين لأسباب طائفية، وأولئك المحكومين احكاماً خفيفة.

ان مسؤولية حماية حياة المواطنين، جميعا بلا استثناء، تقع على عاتق الحكومة، مهما كانت الظروف. وتمتد المسؤولية في حالات معينة كالتي يعيشها العالم، حاليا، الى كل الحكومات والأنظمة.

بإمكان المجتمع الدولي، على الرغم من مواقفه المسيئة أو عدم جدواه بالنسبة الى شعوبنا، أن يتخذ مسارا آخر جراء عمله على حماية مواطنيه عبر حماية لمواطني دول أخرى، عن طريق تبادل المعطيات والتجارب وآخر المستجدات العلمية بالإضافة الى ارسال الأطباء والمواد والأجهزة الضرورية لأنقاذ الحياة الى البلدان التي تعاني من الشحة.

بإمكان المجتمع الدولي أن يفرض الحجر الاقتصادي على الحسابات المالية واستثمارات ساسة الأنظمة الفاسدة ، كالعراق، الموجودة خارج البلد، وتوفيرها لمجالس طبية تمثل شعوب العالم، تستخدمها لشراء الأجهزة الطبية الضرورية لشفاء المواطنين المصابين المعرضين للموت، في ظل ادعاء الساسة الفاسدين عدم توفر الإمكانات المادية.

كاتبة من العراق

 

 

إعادة انتشار الانتفاضة

العراقية وأشكال المقاومة الجديدة

هيفاء زنكنة

 

ونحن نشاهد غزو فيروس كورونا متناهي الصغر وسرعة انتشاره في أرجاء الكرة الأرضية، وهشاشة مقاومة الدول العظمى أمام اجتياحه المتسارع، ومع ازدياد أعراض الخوف، في بلداننا، من عدم إمكانية احتوائه، وفرض أيام العزلة الاجبارية وما تلاه من حجر على مستوى وطني، يجد العالم نفسه محاصراً إزاء أسئلة يصب بعضها في محيط الشائعات والتضخيم، بينما يمس البعض الآخر أمورا أعمق بكثير، لم يجد المرء نفسه مجبرا على مواجهتها أو حتى التفكير بها، سابقا، ما لم يكن معنيا بجوهر الحياة والإنسان أو مضطرا لمواجهة وباء عالمي.

تثير جائحة كورونا تساؤلات كثيرة لدى الجميع في أرجاء العالم، لعل أهمها خاصة في بلداننا، عن علاقة الدين بالعلم، حيث ينمو الفرد وهو يحمل في وعيه الداخلي، أي اللاوعي، مهما ادعى غير ذلك، درجات من القدرية والإيمان بتوليفة المعتقدات الدينية غير القابلة للنقاش، المعجونة، غالبا، بالأساطير والخرافات، حتى لم يعد، لفرط تداخلها، بالإمكان التمييز بينها. ولهذا الوعي اللاواعي للأفراد انعكاسات على مستوى الوعي الثقافي المجتمعي، والسلوك العام، والاحساس بالمسؤولية الاجتماعية، عموما، في ظل ضعف المستوى العلمي والاعتماد على الخارج في مجالات البحوث والتكنولوجيا. وتمتد التساؤلات لتشمل دور الفرد المتضائل أكثر فأكثر في مواقع اتخاذ القرار والمستوى العقلي للمسؤولين الحكوميين، وقدرتهم على خدمة عموم الشعب وليس الاتباع فقط، بالإضافة إلى مدى إمكانية غير الفاسدين القيام بمبادرات فردية ومجتمعية في جو يسوده القمع السلطوي والذعر من انتشار الوباء في آن واحد.

يشكل الوضع العراقي الحالي، باستمراريته منذ غزوه عام 2003، وبعد مرور 17 عاما على تسويقه كنموذج شرق أوسطي للديمقراطية الانجلو أمريكية، نموذجا مذهلا في تخبط نظامه الفاسد وسياسته الطائفية التي جعلت المواطن، مثل محكوم بزنزانة، فيها كوة واحدة، تطل على جدار عال، وينام ويصحو على وقع خطاب يخبره بأن الزنزانة والجدار هما لحمايته من « الآخر»، أي ابن بلده وأهله. انعكاسات هذه العزلة العقلية نراها بوضوح مخيف والبلد بمواجهة عدو حقيقي يستهدف كل الشعب.

ففي خضم التخويف وإشاعة الترويع من المواطن «الآخر»، رعى النظام نمو شرائح مجتمعية، استفاد من سذاجتها حينا وحاجتها إليه وضمان امتيازاتها حينا آخر، في علاقة تجذرت لتبرز على السطح بشكل طقوس وبُدع، تستمر على مدى العام، مسّوغة أعلى درجات النهب والفساد وانعدام الخدمات الأساسية وأهمها التعليم والصحة. طقوس تشغل الناس وتلتهم الأيام والسنين، ومعها القدرة على التفكير السليم، فازداد عدد الأتباع المنصاعين لأوامر أو توجيهات أو إرشادات، وفي الآونة الأخيرة، تغريدات رجال (كلهم بالمناسبة رجال) يرتدون زيا موحدا، ويتحدثون بلغة موحدة، هدفها الأول والأخير أن تضع حدا لأي تقدم وتطور فكري وعلمي، قد يهدد وجودهم والنظام المرتكز عليهم.

ما يقوم به المنتفضون من حملات توعية هو مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم ولبقية أبناء الشعب، وفي تبنيهم مستوى آخر من مستويات النضال إنما يحافظون على سلامة بلدهم وأخذه إلى بر الأمان

وإذا كان هدف المُحتل هو الهيمنة على الشعوب المُستعمَرة عسكريا فإنه لن يكون قادرا على تحقيق هدفه بدون تعاون الحكومات المحلية الفاسدة، وأدعياء الدين المتعاونين معها على تخدير عقول العامة والتمثيل الذاتي لتخدير عقولهم هم أنفسهم، أيضا، كما يؤكد مسؤول ميليشيا بدر والحشد الشعبي، هادي العامري: «نحن مع رأي الإمام، الإمام إذا يقول حرب حرب، وإذا يقول صلح صلح»، وهو يتحدث عن إمامه هو وليس إمام الشعب كله.

من المؤكد قدرة المحتل على مسخ شريحة من الشعب، لفترة قصيرة، إلا أن من المستحيل تحقيقه النجاح في مسخ الشعب كله لفترة طويلة، فالشعب غني بتنوعه ووشائجه العميقة. إذ لابد وأن تواجه قوات الاحتلال، مهما كان مصدرها وتبريرها، المقاومة. وهذا ما أكدته المقاومة العراقية ضد الاحتلال أولا ومن ثم التظاهرات والاعتصامات المستمرة على مدى سنوات الاحتلال ثانيا والتي بلغت ذروتها في صحوة الشباب التي وصلت إلى أوجها في انتفاضة تشرين / أكتوبر 2019.

«علينا مواجهة فيروس كورونا وفيروس النظام الفاسد معا». هذه هي رسالة المنتفضين بعد مرور ستة أشهر على بدء الانتفاضة، وهم يعيشون يوميات نضال استثنائي يجعلهم متميزين بانتفاضتهم عن بقية العالم، ومتوحدين معه في خوفهم على شعبهم من انتشار الوباء. ينبع تميزهم من إصرارهم وصمودهم أمام أساليب القمع الوحشية التي أودت بحوالي 700 شهيد و25 ألف جريح، وإعاقة 3000 شخص فضلاً عن 54 محاولة اغتيال قتل فيها 26 شخصاً وأصيب 16 آخرون. هذه التكلفة البشرية الفادحة تدفع الكثيرين إلى المقارنة بما سببه فيروس كورونا في بلدان أخرى، حتى الآن، وما يثيره من ضجة مقابل الصمت العالمي المحيط بالانتفاضة وانعكاساتها الإنسانية. فكم من بلد دفع هذه التكلفة ثمنا للاحتجاج على نظام طائفي فاسد متعاون مع الاحتلال، خلال فترة وجيزة نسبيا؟

أما توحد المنتفضين مع بقية العالم لمكافحة الفيروس، فقد تبدى باتخاذهم قرارا واعيا بالانسحاب من ساحات التحرير، إلى حين، حرصا على حياة الجميع مع إبقاء عدد من الخيم، يواصل عدد من المنتفضين البقاء فيها، بمعدل أربعة لكل خيمة، للتذكير بمبادئ الانتفاضة وإبقاء جذوتها مشتعلة وفاء للوطن وللشهداء.

كما اختار المنتفضون مستوى آخر للعمل، تم تبنيه لمقاومة أو، على الأقل، تقليل عدد الإصابات بالفيروس، من خلال التوعية بمخاطره وحث أبناء الشعب على تطبيق الشروط الصحية، وأهمها الالتزام بحظر التجوال وتجنب الأماكن المزدحمة، خاصة فيما يتعلق بأداء الصلاة الجماعية وزيارة المراقد الدينية، وممارسة طقوس الزيارة من التشبث بشبابيك الأضرحة وتقبيلها، أي كل ما يعمل على نشر الفيروس بأسرع طريقة ممكنة، خاصة وأن عددا من أدعياء الدين لايزالون يروجون أن فيروس كورونا لن يمس الزوار المخلصين المواظبين على أداء الطقوس، لأن زيارة الأئمة والقيام بطقوسها سيحميهم.

ما يقوم به المنتفضون الآن من حملات توعية هو مسألة حياة أو موت بالنسبة إليهم وإلى بقية أبناء الشعب، وفي تبنيهم مستوى آخر من مستويات النضال إنما يحافظون على سلامة بلدهم وأخذه إلى بر الأمان. إنها خطوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوضع الكارثي الناتج عن غياب الحكومة، وعدم توفر الخدمات الصحية العادية ناهيك عن إمكانية مقاومة الوباء، وخشية كل الساسة والسلطات الأمنية، إصدار أمر وتطبيقه بالقوة لو اقتضى الأمر، بمنع الحشود من زيارات المراقد وإقامة الطقوس الجماعية، لئلا يتم اتهامهم بموالاة «الآخر» أو تلويث «المعتقد» الذي جعلوه، مع فسادهم وزيفهم واستغلالهم، المغذي الذي يبقيهم على قيد الحياة.

كاتبة من العراق

 

أمريكا أم إيران… من الذي

يعلم العراقيين ركوب الدراجة؟

هيفاء زنكنة

 

تمر هذه الأيام ذكرى الغزو والاحتلال الأنكلو أمريكي للعراق عام 2003. يأتي مرورها، على الرغم مما سببته من كوارث، بشكل يكاد يكون تسللا في ظل انتشار وباء فايروس كورونا. قد يكون التسلل او حتى النسيان ممكنا بالنسبة الى العالم، الا أنه يوم حُفر بأزميل من دماء الضحايا وخراب البلد في ذاكرة العراقيين على مدى 17 عاما. اذ لم يمر يوم دون ان يعيش المواطن انعكاساته الهائلة على حياته وعلى بلده وعلى المنطقة كلها.

حصدت سنوات الاحتلال من الأرواح ما يعادل او ينافس الجزائر، بلد المليون شهيد، الذي تربينا على اعتباره مثلنا الأعلى في النضال والتضحية، كما يكاد يقترب من ضحايا المحتل الصهيوني بشهدائه ولاجئيه واستمرارية محاولات اخضاعه لكل ضروب الإبادة الجماعية. هذا من الناحية البشرية، وإذا ما راجعنا قائمة الخسائر المادية وخراب البنية التحتية، لوجدنا البلد الذي يزيد عدد شبابه على نصف السكان، ينوء بأثقال تحد من طموحاته واحلام مستقبله، تاركة إياه مثل عجوز يجد صعوبة قصوى في التنفس والحركة والتفكير.

وإذا كانت سنوات الاحتلال قد شابها زيادة وتقليل عدد القوات الأمريكية أو قوات التحالف بقيادة أمريكا، على أرض البلد وسمائها، تحت مسميات متنوعة تراوح ما بين التدريب والاستشارة ومحاربة الإرهاب (المتمردين السنة، القاعدة، داعش) أو قوات التحالف كجزء من قوات حلف الناتو، فان ما أسست له سنوات الاحتلال، من طائفية وفساد ونهب للثروات، أعمق من مجرد تواجد القوات العسكرية أو عدم تواجدها. حيث اعتمدت لديمومة هيمنتها (المباشرة والناعمة) على نظام المحاصصة السياسية/ الطائفية الذي ما كان لقوات الاحتلال أن تبقى في العراق الى يومنا هذا لولا اعتمادها عليه، متمثلا بأولئك الذين تحالفت معهم من العراقيين، المستعدين لبيع ولائهم للشيطان، وأقرب ما يكونون الى المرتزقة في تأجير خدماتهم، بعيدا عن الوطن والوطنية، ما دام سيساعدهم على التخلص من عدوهم، ولأن للرغبة بالانتقام مذاق يماثل مذاق الدم للحيوانات الشرسة، الا أنه غير مستساغ من قبل عموم البشر، تم تغليف تحالفاتهم بالديمقراطية وحقوق الانسان.

وفرت سياسة المحتل الأمريكي المنهجية في القضاء على الدولة العراقية ومقوماتها الأرضية لتأسيس الأحزاب ذات الولاء الخارجي وللنمو السريع، كما الأعشاب الضارة، للميليشيات ذات الولاء الإيراني والمدعومة بأموال النفط العراقي، بينما يعيش شباب البلد وخريجوه في مستنقع الفقر المدقع والتهجير وغياب الخدمات الأساسية، من الماء الصالح للشرب الى الصحة والسكن، التي تتمتع بها بلدان أقل ثراء من العراق بكثير، بشرط وجود حكومة وطنية تمثل الشعب.

وفرت سياسة المحتل الأمريكي المنهجية في القضاء على الدولة العراقية ومقوماتها الأرضية لتأسيس الأحزاب ذات الولاء الخارجي وللنمو السريع، كما الأعشاب الضارة، للميليشيات ذات الولاء الإيراني والمدعومة بأموال النفط العراقي، بينما يعيش شباب البلد وخريجوه في مستنقع الفقر المدقع والتهجير وغياب الخدمات الأساسية

على مدى 17 عاما، عمل تحالف الشيطان الأكبر والاصغر غير المعلن، بكل الطرق المختلفة، على اقناع الشعب العراقي أنه عدو نفسه، وأنه يحمل بداخله خطيئة العنف الأزلية، وان الحل الوحيد لإنقاذه هو اما قبول مشروع المخلص الحضاري (أمريكا) او مشروع آية الله (إيران). صراع ومفاوضات أصحاب هذين المشروعين العلني داخل العراق حينا والسري حينا آخر، حسب مقتضيات مصلحتيهما منفردة او مزدوجة، يقودان العراق الى سيرورة هلاك لا مفر منه. وما عملية اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، في العراق، ومن ثم تبادل حملات القصف الجوي والصواريخ بين أمريكا وإيران، في العراق أيضا، بالإضافة الى زيادة عدد قوات الاحتلال الأمريكي، فضلا عن تمتع الميليشيات الموالية لإيران بحرية الحركة والفعل، غير استهانة بكرامة وحياة الشعب العراقي. سيرورة تحقيق أي نجاح من قبل المُحتَلَين يعتمد على مدى نجاح أي منهما بغسل أدمغة الناس، مسح الذاكرة وغرز البدائل. وهي سياسة قديمة قدم الاستعمار، أثبت التاريخ انها قد تنجح لفترة قصيرة، الا من الصعب او المستحيل نجاحها على المدى البعيد. والمدى البعيد هو الذي تراهن عليه الشعوب الُمحتَلة لمقاومة الُمحتَل الذي يفوقها عسكريا وماديا وبشريا.

كان التشبيه المفضل لدونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي اثناء الغزو، هو الإشارة إلى العراقيين على أنهم أطفال يتعلمون ركوب الدراجة « كانت مهمتنا هي خلع عجلات التدريب والسماح لهم بتعلم الركوب بأنفسهم. المشكلة هي أننا ظللنا نأخذ عجلات التدريب في وقت مبكر جدًا واستمرت الدراجة في التحطم». هذا المفهوم الاستعماري المتضمن ان العراقيين لن يتمكنوا من الدفاع عن المكاسب التي يحققها لهم الجيش الأمريكي، وبالتالي هم في حاجة الى الوجود العسكري الأمريكي للدفاع عنهم، لا يختلف عن الموقف الإيراني الذي يرى أن إيران، من خلال ميليشياتها وفيلق القدس وقادته، هي منقذة العراق من الإرهاب الداعشي ـ الأمريكي ـ السعودي ـ الصهيوني، ولولا آيات الله وولاية الفقيه لما قامت للعراق قائمة.

هذه النظرة الدونية الى الشعب العراقي، متشابهة في جوهرها، حتى لو كانت أمريكا هي الهر الأكبر وممارسات إيران داخل العراق هي مجرد خرمشات قط صغير، حسب ادعاء البعض.

بعد مرور 17 عاما على غزو واحتلال العراق، تتنافس أمريكا وإيران على الهيمنة عليه جوا وأرضا، عسكريا وثقافيا، جاذبة اليها أعضاء الحكومة والبرلمان، كل حسب مصلحته وولائه ودرجة فساده. خارج لعبة شد الحبل هذه وما يتمخض عنها، بين الحين والآخر، من سقوط قتلى بين الطرفين وضحايا عراقيين، يعيش الشعب، في ذكرى احتلال بلده، ولأول مرة، يوميات انتفاضة جماهيرية، بدأت في الأول من تشرين 2019 وحققت، حتى الآن، من المنجزات ما لا يمكن القضاء عليه، مهما حاولت قوى الاحتلال بشقيه الأمريكي والإيراني.

«لا أمريكا ولا إيران.. ولاؤنا للعراق»، الشعار الذي رفعه المنتفضون إثر القصف الأمريكي، منذ أيام على مواقع لحزب الله العراقي، هو معنى السيادة للوطن الذي يريده المنتفضون.

هو المكان الذي تشارك فيه المرأة الرجل على قدم المساواة في الواجبات والحقوق، حيث تتم مقاضاة القتلة والإرهابيين المسؤولين عن سقوط الشهداء، كل الشهداء، على مدى سنوات الاحتلال، بلا حصانة أو تمييز. وطن حيث تُفتح أبواب العمل للشباب، ويستعيد الناس ثروتهم المنهوبة، وحيث يعيش المواطنون المنهكون لكثرة ما مروا به من فواجع، على مدى عقود، أياما يتمتعون فيها بحقهم: الكرامة والحرية والعدالة التي يستحقونها.

كاتبة من العراق

 

 

فلنحتفل… كل عام

وأنتِ والوطن بخير

هيفاء زنكنة

 

للمرة الأولى منذ غزو العراق واحتلاله عام 2003، تحتفل المرأة العراقية، ابنة اليوم، بعيد المرأة، بشكل أعادت فيه الى الأذهان ذكرى الاحتفالات التي كانت تعيشها أمها سابقا. عادت المرأة، أخيرا، للمشاركة في صنع الحياة، بعد غياب أريد له أن يدوم.

«نازلة آخذ حقي» و«أريد وطن»، شعاران رفعتهما مع شقيقها الرجل، وهي تناضل لاستعادة الفضاء العام، حقها الطبيعي في ساحات وشوارع بلادها التي ساهمت أمها وجدتها في بنائها وتنميتها على مدى سنوات الدولة الحديثة منذ عشرينيات القرن الماضي. وكما هو وضعها الحالي، منذ انتفاضة تشرين 2019، لتحرير وطنها من الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني سواء تحت غطاء الديمقراطية أو الدين، لم تكن وحيدة. فوجودها وحضورها وقدرتها على البناء يتحدد، حاليا، كما في الماضي، بنضالها وتنمية قدراتها الذاتية سوية مع الرجل. ألم يكن الشاعر جميل صدقي الزهاوي من أوائل المنبهين الى حالها في مقالته «المرأة والدفاع عنها» المنشورة في آب/ أغسطس 1910، وفي شعره الذي هاجم فيه التخلف المجتمعي المسوغ باسم الدين، داعيا إياها الى الكفاح لتأخذ حقها في الحرية؟ والا تعبأ بالغربان الذين يواصلون النعيق، قائلا: «وذري من الدين القشور/ جميعها وخذي اللبابا. عزوا الحجاب الى الكتاب/ فليتهم قرأوا الكتابا».

فلا عجب أن تخرج ابنة العراق، بعد أكثر من مائة عام، من نداء التحرر من «بيت أُريد / بضيقه ليكون لحدا»، لتواصل ثورتها على ساسة، تجمعهم توليفة طالما عاشتها الشعوب المُستعمَرة، ما بين خدمة المحتل والفساد وارتداء الدين زورا استزادة بالتجهيل، لمنعها من المشاركة، مع شقيقها الرجل، بانتفاضة تطالب بالاستقلال والحرية والكرامة، خرجت متحدية كل من يرميها بالتهم الجاهزة المهترئة، كما فعل «السيد» أخيرا، حين رأى في نشاطها العام: «التحرّر والتعرّي والاختلاط والثمالة والفسق والفجور، بل والكفر والتعدّي على الذات الإلهيّة وإسقاط الأسس الشرعيّة والأديان السماويّة والتعدّي على الأنبياء والمرسلين والمعصومين». كل هذا بعد أن درست الفتاة وتخرجت وتفوقت في عصر تُسيره قدرة الجميع على العمل المشترك، بلا تمييز، من أجل التطور وبناء المستقبل بكل المستويات العلمية والتكنولوجية والثقافية.

خرجت الفتيات، وهن يرتدين العلم العراقي الجامع، ليحتفلن بوحدة الوطن، ضد الطائفية والنهب وخدعة «ديمقراطية» السياسة المبنية على تزوير الانتخابات وسرقة الأصوات. ضد أن تكون المرأة مجرد مقعد يجلس عليه الآخرون في البرلمان، وأن تستباح كرامتها كلما توجهت الى مؤسسة حكومية، وأن تعتقل وتعذب وتتهم بالدعارة وتهدد بالاغتصاب ما إن ترفع صوتها محتجة. ضد أن يكون الحل الرسمي لمليون أرملة بحاجة الى المساعدة هو إعطاء الرجل منحة لاتخاذ زوجة ثانية بدلا من تمكين المرأة وتوفير الرعاية الاجتماعية وفرصة العمل في واحد من دول العالم الغنية.

للمرة الأولى منذ غزو العراق واحتلاله عام 2003، تحتفل المرأة العراقية، ابنة اليوم، بعيد المرأة، بشكل أعادت فيه الى الأذهان ذكرى الاحتفالات التي كانت تعيشها أمها سابقا. عادت المرأة، أخيرا، للمشاركة في صنع الحياة، بعد غياب أريد له أن يدوم

فلنحتفل مع كل النساء في جميع أرجاء العالم، تقول المرأة في البلاد العربية. لنشارك العالم يوما من فرح نحن بأمس الحاجة اليه. ليس تغريبا أو تخليا عن الدين والموروث الاجتماعي بل رغبة في أن تكون المرأة، في البلدان العربية، بذات المستوى الحضاري للمرأة، أينما كانت، ما دامت تؤمن بالعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. فنساء البلدان العربية، من فلسطين الى اليمن والعراق وسوريا مرورا بتونس ولبنان، الى آخر القائمة، بحاجة، في خضم نضالها وصراعها سواء من أجل البقاء أو من أجل الحصول على ما هو أكثر من الأساسيات، أن تتاح لها فرصة تجر فيها أنفاسها وتشحن طاقتها المستنفدة في المعاش اليومي، في الصراع مع الماضوية، في الحروب المفروضة، في النضال ضد الاحتلال بأنواعه، وأحيانا من أجل ألا تخسر ما حققته الأمهات والجدات عبر أجيال. فهي تستحق أن تُكَرَم ويحتفى بها هي التي تواصل العيش والكفاح في منطقة تتحكم بها 40 بالمئة من الحروب والنزاعات الدائرة في العالم اليوم.

فلنحتفل بصمود المرأة الفلسطينية التي تمدنا جميعا، أينما كنا، بالأمل. إنها المرأة العربية/ امرأة كل النضال مجتمعة. تحمل في وجودها ومقاومتها، في جمال أسيراتها، في بقائها في وطنها، في عروقها، عنفوان الحياة. معها، لا حاجة لنا، بذكر الانتماء والهوية والعنوان. فهي الأصل، هي مانحة الحياة.

فلنحتفل، تقول الأسيرة كما المعتقلة السياسية، تحديا للاحتلال أو السلطات المحلية القمعية أو كليهما معا. الاثنان يريدان كتم صوتها وطمر رأيها، مهمشا أو منكرا وجودها، محولا إياها الى آلة خرساء تستجيب لما يراد منها بلا صوت، بلا حضور.

«أليس اليوم عيدا؟»، تتساءل المناضلة التونسية عواطف المزغني، وهي في السجن، الذي جعله نظام بن علي محل إقامة لمن يعارض نظامه الاستبدادي. تخبرنا في نصها المنشور في «دفاتر الملح.. كتابات تونسيات عن تجربة السجن السياسي»، كيف أنها قررت، بعد أن مسحت دموعها بظهر كفها، مستعيدة صوتها وعنادها، أن تحتفل وبقية السجينات بالعيد الكبير. قررت ذلك لئلا يرحل العيد الكبير دون أن تشارك فيه، تاركا إياها والبقية ضحايا للألم. أرادت ان يتمتعن ولو لساعات بمشاركة أولادهن وعوائلهن فرحة العيد بتكبيراته وفرحة أطفاله. فكان لهن ما أردن، دقائق وانفجرت ردهة السجن بالعيد.

فليكن الاحتفال تذكير بملايين النساء اللواتي أجبرن على مغادرة بيوتهن، جراء غزو أو قصف أو همجية ميليشيات. في سوريا واليمن والعراق ومن قبلهن فلسطين. هُجرن قسرا وهن لا يعرفن ما الذي ستجلبه الأيام المقبلة لهن ولعوائلهن، ليصبحن بين ليلة وضحاها نازحات في بلدان، توفر لهن الخيام حينا وتتاجر بحياتهن حينا آخر. هربا من الخطر في اوطانهن يواجهن الخطر في أماكن لا تقل قسوة عن الأوطان. بلا حقوق، تُنفى جسدا فتكافح يوميا لتحافظ على انسانيتها.

«كل عام وأنت والوطن بخير»، هذا ما تلقيته من مناضلة فلسطينية، بمناسبة يوم المرأة، إشارة الى مطالبة الجيل الجديد من المنتفضات العراقيات بالوطن. هكذا تتبادل نساء العالم العربي التمنيات بمناسبة يوم المرأة العالمي. وهو أسلوب فريد من نوعه بين نساء العالم اللواتي يكتفين، عادة، بتمني أن يكون اليوم سعيدا. إنهن يلخصن بذلك التأكيد على التلاحم ما بين التمنيات الشخصية والعامة، ومعنى الوجود المرتبط بوجود الوطن.

كاتبة من العراق

 

 

الانتفاضة العراقية:

قفزة نوعية في الوعي الجماعي

هيفاء زنكنة

 

منذ أن تم تعيين محمد علاوي كرئيس وزراء للحكومة العراقية الانتقالية، وحمى مزاد المقايضة على المناصب الحكومية في تسارع لا يختلف عن مزادات الحكومات السابقة، التي خرج الشباب منتفضين ضدها منذ الأول من تشرين / أكتوبر العام الماضي، ولايزالون يدفعون الثمن غاليا من دمائهم لوضع حد لها. ما لا يريد الساسة الحاليون فهمه أو يتعامون عنه، انتقائيا، هو ان إعادة تدويرهم، في مناصبهم أو اختيار أقاربهم أو من احتل منصبا في حكومات اللصوصية السابقة، انما هو ما تعتبره الانتفاضة السرطان الذي بات ينخر المنظومة السياسية وما بقي من الدولة من أعلى مسؤول فيها الى أصغر موظف، بضمنها كل المستويات الاقتصادية والأمنية. والأخطر من ذلك كله أنه بات جزءا لا يتجزأ من حياة المواطنين. صار أمرا عاديا أما حماية لأنفسهم او ابتغاء منفعة أو مجرد تسيير امورهم. بمعنى آخر، ان الفساد، بأشكاله، لم يعد حكرا على الطبقة الحاكمة، بل تسلل الى بنية المجتمع في دوائر الدولة وموظفيها والى المدارس والمستشفيات كما في الشوارع والمطارات والموانئ والأسواق، وحتى للعائلة والمحلة، مما يهدد بقاءه وجعله لقمة سهلة للإرهاب والتفتت. وهذا هو ما عاشه البلد في سنوات الاحتلال وما افرزه من ميليشيات مسلحة وإرهاب يتغذى على الفساد، خاصة، مع توفر أموال النفط الهائلة، وهو ما ترمي الانتفاضة لاستئصاله.

لذلك، يصر المنتفضون على رفض إعادة تدوير الساسة الحاليين، ليس حبا بالرفض فحسب، ولا لأن شكل الساسة لا يعجبهم او لأنهم مغرمون بالنوم في الساحات بعيدا عن بيوتهم وعوائلهم أو طمعا بالمناصب لأنفسهم، ولكن لأنهم يدركون جيدا حجم الكارثة التي سببها حكم الفاسدين والسراق وما سيجره إبقاءهم في مناصبهم على الوطن.

إن وعي المنتفضين بهذه الحقيقة وجعله أولوية ضرورة واستمرار لما توصلت إليه شعوب بلدان أخرى تعيش مرحلة الانتقال من نظام الى آخر، مع وجود بعض الاختلافات. ففي تونس، مثلا، التي تشكل نموذجا ناجحا للانتقال من نظام استبدادي الى ديمقراطي، لم يعد خافيا ان سيرورة الثورة لن تتم بالشكل الذي يحقق طموحات الشباب في مستقبل مغاير واستقلالية بناء الدولة وحمايتها، ما لم يتم القضاء على منظومة الفساد التي أسسها النظام السابق ولايزال المجتمع، على الرغم من التغير السياسي، وهنا مكمن الخطورة، يعيش يوميات استشرائه.

واذا كانت سيرورة العدالة الانتقالية قد فشلت في العراق بعد محاولاتها في سنوات الاحتلال الأولى، ولأسباب عديدة من بينها عدم القدرة على العمل تحت مظلة الاحتلال، وسياسة حكوماته المحلية الطائفية العنصرية، وغياب الاستقرار السياسي والأمني، فان مسار تحقيق العدالة الانتقالية، بأوجهه المتضمنة المساءلة والحقيقة والكرامة وجبر الضرر، بتونس، لم يؤد النجاح المتوقع وتعثر لكونه، كما يتبين من آخر تصريح أصدره المركز الدولي للعدالة الانتقالية، منذ أيام، بمناسبة عقد مؤتمر دولي بتونس، عنوانه « الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال المنهوبة وكيف يمكن للعدالة الانتقالية مكافحة الفساد «.

إن تشابه ممارسات الأنظمة الاستبدادية القمعية وحصرها الثروة الوطنية بأيدي قلة فاسدة، يجعل لتجربة الشعوب بمواجهة هذا النوع من الأنظمة وتوحيد جهودها للتخلص منها، قيمة تتجاوز حدود البلد الواحد، لتفرض أشكالا من النضال والتضامن

يعزو التصريح سبب التعثر الى «اقتصار ميدان العدالة الانتقالية طيلة سنوات، على العناية بقضايا الحرمة الجسديّة وانتهاكات الحقوق المدنية والسياسيّة»، مبيّنا أنّ بعض البلدان، كالأرجنتين وتشيلي وجنوب افريقيا، ركّزت على جرائم التعذيب والقتل والاختفاء القسري والاحتجاز المطوّل، « دون النظر في الفساد الذي تمّ ارتكابه من طرف المسؤولين «. وقد تم تسجيل استثناءات ملحوظة في عدد من البلدان، فقط، حين يكون بإمكان العدالة الانتقالية أن تضطلع بما يتعيّن عليها وذلك بمتابعة المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان والفساد على حدّ السواء.

يختلف الوضع في العراق عن بقية الدول التي تعيش تجربة العدالة الانتقالية من نواح عدة لعل أهمها انعدام السيادة، وعدم وجود حكومة تمثل الشعب، وانتهاكات حقوق الانسان المستدامة، واحتلال العراق أعلى قائمة الدول الأكثر فسادا إداريا وماليا، وقد بلغ حجم السرقات في العقود وتهريب العملة مئات مليارات الدولارات، أي أرقاماً لا يمكن للمواطن استيعابها الا اذا تم تقريبها الى 15 ألف دولار للفرد الواحد (اذا كان الهدر نصف الدخل من النفط منذ الاحتلال فقط)، أي مائة الف دولار للعائلة العراقية الواحدة. الا ان متابعة تجارب الشعوب في تطبيق العدالة الانتقالية، كما في تونس وجنوب افريقيا، والاطلاع على خبرتها في مكافحة الفساد واستعادة الأصول المنهوبة والمكتسبة بصورة غير مشروعة، فضلا عن مساءلة الفاسدين، واصلاح القضاء وغيره من مؤسسات الدولة ضروري للاستفادة من نجاحاتها وتجنب اخفاقاتها.

ان تشابه ممارسات الأنظمة الاستبدادية القمعية وحصرها الثروة الوطنية بأيدي قلة فاسدة، يجعل لتجربة الشعوب بمواجهة هذا النوع من الأنظمة وتوحيد جهودها للتخلص منها، قيمة تتجاوز حدود البلد الواحد، لتفرض أشكالا من النضال والتضامن، لن تكون بالضرورة جديدة بل تعيدنا، في بعض ملامحها، الى حقب التحرر الوطني.

وهذا ما نلاحظ تطوره بين الشباب في ساحات التحرير بالعراق وفي الجزائر ولبنان. اذ استعادت المفاهيم التي حاربت الشعوب طويلا لامتلاكها، لأنها حق من حقوقها، كالوطن والحرية والكرامة ومعاقبة الظالمين والفاسدين، الى الواجهة في حيز الوعي المتنامي. وهي ذات القيم التي أراد المستعمر طمرها واستطاع بمرور الوقت، بالتعاون مع طبقة الفاسدين المحليين، أن يحقق نجاحات تبرعمت بشكل حكومات استبدادية وطائفية بالإضافة الى الخنوع امام المحتل.

اتضح عمق مطالبة المنتفضين بالوطن، مع استمرار الانتفاضة واستشهاد الشباب بشكل يومي تقريبا، لتصبح الدعوة الى اسقاط النظام ومحاسبة القتلة و « لا محسوبية ولا منسوبيه»، أساسية لتحديد تركيبة الحكومة المقبلة، وان كانت انتقالية، ولترسخ أسس اية حكومة وطنية مستقبلا. وهي قفزة نوعية تجمع ما بين الطموح بتنظيف السياسة والقضاء والاقتصاد والممارسات التي تخللت بنية المجتمع على مدى عقود. هذه المهام الضرورية إذا ما أُريد للعراق ان ينهض من كبوته، وقد منحت الانتفاضة بشجاعة شبابها وتضحياتهم، بقية أبناء الشعب، الأمل بإمكانية التغيير الحقيقي وليس فقط تدوير الفاسدين وهو ما كان يجري سابقا، كما رفعت من مستوى الوعي بالظلم والإهانة والحرمان من الحقوق من كونه استهدافا فرديا الى كونه جماعيا ووطنيا. وهذا ما لن يتمكن النظام الحالي بكل أسلحته المحرمة، المستخدمة ضد المنتفضين يوميا، وبكل وحشيته ولا اخلاقيته، من القضاء عليه، كما يريد، الى الأبد.

كاتبة من العراق

 

 

هل من قضية

يفوز بها العراقيون؟

هيفاء زنكنة

 

شهدت الأسابيع الأخيرة، ومع استمرار الانتفاضة في العراق، عودة عدد من وجوه «العملية السياسية» الأصليين، الذين دخلوا البلد مع الاحتلال، للظهور في الفضائيات الإخبارية، بعد انقطاع. من بين الوجوه البارزة أياد علاوي، أول رئيس وزراء عيّنه حاكم الاحتلال بول بريمر، والذي تم ارتكاب مجازر الفلوجة وتهديم مدينة المقاومة في ظل حكومته. في مقابلاته التلفزيونية الطويلة، هذه الأيام، يؤكد علاوي وقوفه إلى جانب المنتفضين وحرصه عليهم مستغربا قبول ابن عمه محمد علاوي، الذي يحبه كثيراً وهو إنسان طيب ونزيه، حسب تعبيره، منصب رئيس وزراء الحكومة الانتقالية. وفي مقابلة بعد أخرى يُقسم أياد علاوي بشرفه بأنه سيقف أمام المحاكم الدولية ليدلي بشهادته ضد الحكومة الحالية وأن لديه ملفات خطيرة سيقدمها في المحاكم ليفضحها. هل هي صحوة ضمير من أياد علاوي؟ وإذا كان جاداً بقسمه لماذا لا ينشر هذه الملفات والوثائق أو لم لا يقدمها الآن الى أية جهة قانونية دولية كخطوة أولى لوقف اغتيالات المحتجين السلميين، ولإظهار الحقيقة وكشف الوجه القميء البشع لحكومة المليشيات الفاسدة التي لا تتورع عن قتل أي شخص يعارضها، وربما لكسب ثقة أبناء الشعب وانه فعلاً سيقدم على فعل شيء بعيداً عن الظهور الإعلامي وتكرار ذات التصريحات الشعبوية؟

في المقابل، وبينما تواصل الحكومة العراقية استهداف المنتفضين بأكثر الوسائل وحشية اختطافاً وتعذيباً وقتلاً، الذين تجاوزت أعداد الضحايا المئات والجرحى والمقعدين والمعتقلين عشرات الآلاف وعدم تقديم أي من المسؤولين عن الجرائم الموثقة بالشهود والفيديوهات الى القضاء، تقوم منظمة محلية تدعى « الغد» بعمل حقيقي يمس حياة الناس فعلاً، وبلا تصريحات هوائية، إذ تستعد حاليا، لمقاضاة الحكومة الهولندية ومطالبتها بتعويضات لأنها تسببت بقتل 70 شخصا على الأقل، بينهم 22 امرأة و26 طفلا، في 2 حزيران 2015، في غارة جوية ألقت فيها طائرات أف 16 الهولندية، القنابل على مدينة الحويجة، الواقعة جنوب غرب كركوك. من بين المتضررين، امرأة قتل وجرح افراد عائلتها المكونة من 35 شخصا. هناك أيضا ضحايا أمراض من بينها السرطان والاصابة بالجنون، جراء المواد الكيمياوية المتصاعدة من القنبلة، والتي أثبت الإعلام الهولندي أن طائرة هولندية أسقطتها كجزء من عملية التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» الإرهابي (داعش).

ولأن الحكومة العراقية لم تتخذ أي خطوة لمساعدة الضحايا، ولأن ساستها منشغلون بالنهب والصراعات واتهام وابتزاز بعضهم البعض، ولا أمل في ان يطالبوا، يوماً، أية جهة معتدية بدفع التعويضات للضحايا، أخذت المنظمة على عاتقها إعداد ملف يشمل حتى الآن قضايا 50 ضحية.

إن مواجهة إنكار الجرائم المرتكبة ضد الضحايا المدنيين من قبل حكومات تتطلب وجود حكومة وطنية تؤمن بحقوق مواطنيها وأولها حق الحياة

تكمن صعوبة إعداد الملف، وهي صعوبة يلاقيها كل من يفكر برفع قضية ضد أي حكومة، في التوثيق الدقيق لئلا يتم التشكيك بمصداقية القضايا وبالتالي خسارتها، كما حدث في قضية العراقيين الذين قامت القوات البريطانية بتعذيبهم، بين عامي 2003 و2004. وانتهت القضية، بعد سنوات، بالخسارة حيث نجح الادعاء العام البريطاني بتفنيد الأدلة وإثارة الشكوك حولها. ويشكل التأخر في تقديم القضايا صعوبة في الحصول على الأدلة، كما أن عدم تسجيل الحوادث والجرائم في حينها بشكل قانوني صحيح يزيد من تعقيدها، إلا أن هذه العوائق كلها لم تمنع المنظمة من تقديم الملفات وتكليف محام بتبني القضية.

العائق الأهم هو تحديد من هو المسؤول قانونيا وكيفية التعامل معه، خاصة إذا كانت الجهة المسؤولة حكومة أجنبية وليست شخصا أو جهة فاعلة داخل البلد. فأثناء مناقشة القضية في البرلمان الهولندي، في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أصرت وزيرة الدفاع آنك بيليفيلد على أن العراق مسؤول عن معالجة الأضرار الناجمة عن التحالف الدولي المناهض لداعش، لأن الحكومة العراقية هي التي دعت قوات التحالف للدفاع عنها. وهي نقطة مهمة جداً من ناحية تفادي المسؤولية القانونية والذي إذا ما تم تقبلها ستفتح أبواب التعويضات ضد كل دول التحالف التي سببت مقتل آلاف الضحايا من المدنيين، جراء قصفها لعديد المدن العراقية، وسقوط الضحايا تحت ما سمّته « أخطاء ثانوية». تفاديا لذلك، وعدت الوزيرة الهولندية، بأنها ستتخذ قراراً في وقت قريب بشأن ما إذا كان سيتم فتح صندوق مساعدات خاصة لضحايا انفجار الحويجة «كبادرة حسن نية». وعادت بعد ذلك للتصريح بأنه وفقاً لقوات التحالف، فإن جميع الأعضاء يتحملون المسؤولية نفسها عن الإصابات الناجمة عن العمليات. فما هو عدد « الإصابات» التي تتحدث عنها الوزيرة؟ ليست هناك أرقام دقيقة. فحسب قوات التحالف في 26 أيلول/ سبتمبر أنها أجرت 34573 غارة جوية بين أغسطس/آب 2014 وأغسطس 2019، وأن ما لا يقل عن 1335 مدنياً قد قُتلوا من دون قصد في سوريا والعراق. بينما تؤكد منظمة « الحروب الجوية» الراصدة لأعداد الضحايا تراوح العدد بين 8214 و13125 من غير المقاتلين من المرجح أن يكونوا قد قتلوا نتيجة لأعمال التحالف خلال نفس الفترة.

وبالنسبة الى التعويضات، ترفض الحكومة البريطانية الاعتراف بوجود ضحايا مدعية بأنه لم يصب أي مدنيين في أكثر من 1300 غارة جوية تابعة للقوات الجوية الملكية في العراق، بينما تخلت الإدارة الأمريكية حتى عن نظام تسديد مدفوعات «التعازي» التقديرية الذي كانت تدفعه سابقاً في أفغانستان والعراق، مبينة في تقرير وزارة الدفاع السنوي عن الخسائر المدنية: «… في الحالات التي تطلب فيها دولة مضيفة أو حكومة دعماً عسكرياً أمريكياً للقوات العسكرية المحلية، قد يكون من الأنسب أن تستجيب الدولة المضيفة أو جيشها للاحتياجات وطلبات السكان المدنيين المحليين من خلال تقديم التعازي بنفسها».

ان مواجهة إنكار الجرائم المرتكبة ضد الضحايا المدنيين من قبل حكومات تتطلب وجود حكومة وطنية تؤمن بحقوق مواطنيها وأولها حق الحياة، أما مواجهة إنكار الجرائم ضد المواطنين من قبل حكومتهم، كما يحدث الآن في العراق، فيتطلب مواصلة النضال ضد هذه الحكومة من قبل كل أبناء الشعب، وأن تستمر صرخة المنتفضين: كفى استهانة بعقول الناس، فتغيير الأقنعة لا يعني تغيير الوجوه.

كاتبة من العراق

 

 

توجيهات

«السيد» للثائرة العراقية

هيفاء زنكنة

 

لم تكن تظاهرة النساء العراقيات يوم 13 شباط/ فبراير، مليونية بلغة الأرقام والاحصائيات، التي تستهوي زعيم التيار الصدري السيد مقتدى، كلما خطر على باله إطلاق أتباعه في شوارع المدن العراقية. كانت التظاهرة أكبر وأهم من ذلك بكثير. هتفت المتظاهرات بصوت يتحدى كل من يحاول إسكاتهن «صوت المرأة ثورة»، وهو صوت من تطالب بحقها « نازلة آخذ حقي»، وهو مقاومة « الحق سلاحي وأقاوم، أنا فوق جراحي سأقاوم، أنا لن أستسلم لن أرضخ، وعليك بلدي لا أساوم».

في مسيرة سلمية، غير رسمية، لم يشهدها العراق منذ عقود، تعالت أصوات النساء مرددة «هايه بناتك يا وطن هايه»، لتجسد ما هو أعمق من مجرد التحدي المؤقت لرجل دين يرى في مشاركة المرأة في الاحتجاج ضد الفساد والطائفية والاحتلال، وفي مطالبتها مع شقيقها الرجل باستعادة الوطن، دعوة الى « التحرّر والتعرّي والاختلاط والثمالة والفسق والفجور، بل والكفر والتعدّي على الذات الإلهيّة وإسقاط الأسس الشرعيّة والأديان السماويّة والتعدّي على الأنبياء والمرسلين والمعصومين»، حسب تغريدة له بلغت درجة الفتوى بين أتباعه «أفتى» فيها بأن «على المتظاهرين مراعاة القواعد الشرعيّة والاجتماعيّة للبلد قدر الإمكان وعدم اختلاط الجنسين في خيام الاعتصام».

تعامل البعض مع موقف المرأة هذا باعتباره مفاجئا واستثنائيا بينما سيجد من يتابع نضال المرأة العراقية ان صمتها هو الاستثناء، وان هذه التظاهرة وما سبقها من مشاركة يومية في مقاومة الاحتلال الأنجلو – أمريكي والتظاهرات والاعتصامات التي سبقت انتفاضة تشرينالأول / أكتوبر، امتداد طبيعي لنضالها المتميز، كما شقيقاتها في فلسطين والجزائر وتونس ولبنان والسودان وبقية البلدان العربية، في مراحل التحرر الوطني ومحاربة الاحتلال، وما تبعها من مناهضة الحكومات المستبدة وحكومات الاحتلال بالنيابة. ويشكل سكوتها، في السنوات الأخيرة، قطيعة فرضتها وحشية الاحتلال وعملائه، الذين كان واحداً من أكبر أهدافهم اخضاع كل من يفهم معنى الحرية والوطن.

فالفتاة الحاضرة في ساحات التحرير، اليوم، هي إبنة تلك الجدة التي قاومت الاحتلال البريطاني في أربعينيات القرن الماضي، وظن الكثيرون انها استكانت لعبودية الاحتلال والطائفية ونهب الوطن، غير انها خيبت آمال من أرادوها خانعة مستكينة لتثبت أن جذورها تمتد عميقاً في أرض البلد وأهله.

هزت الانتفاضة، عبر صمود المشاركة وبناء الثقة بالنفس وديناميكية الوعي، مفاهيم اجتماعية غالباً ما تبرز خلال التظاهرات والاعتصامات حول دور المرأة ووجوب حمايتها

أثبتت شهور الانتفاضة، أن سيرورة خروج المرأة الى الشارع، ومشاركتها على كل المستويات، ساعدت على تقوية مناعتها ضد الخنوع وعلى تطوير نفسها، ونفض غبار الأوهام التي فرضت عليها لتعيدها عقوداً الى الوراء، من هنا جاءت إضافتها النوعية الى الحراك الذي اختارت المشاركة فيه. فبمساهمتها مع أشقائها ارتقت بالحراك من مستوى الاحتجاج الى التظاهرة الى الاعتصام ثم الى الانتفاضة. وها هي تُبلغ العالم الصامت، بذكوره وإناثه، أنها شريكة في صنع ثورة. ثورة ستعيد للوطن، للعراق، ألقه. العراق الذي كان العالم يعرفه، قبل أن يدخله البرابرة بقناعين: الأول هو قناع الديمقراطية وحقوق المرأة، متمثلاً بالاحتلال الأمريكي، والثاني هو قناع الدين السياسي والطائفة متمثلاً بإيران. بعد 17 عاما من الاحتلال بقناعيه، المعجون ببقايا ما ناضلت ضده منذ بناء العراق الحديث، تمكنت المرأة من الانسلال خارج الجدران الكونكريتية التي نصبها الاثنان حولها، لتنطلق حرة أبية متحدية الخوف والترويع والإرهاب.

من الصعب التنبؤ بما سيجلبه الغد، في ظل الإرهاب الحكومي والمليشياوي المستمر ضد المنتفضين اختطافاً وقتلاً، ومع استمرار فرض الحصار على الساحات وحرق الخيم، والهجوم طعنا بالسكاكين، ومع استمرار التسويف والتحايل السياسي، ولعبة المفاوضات والممانعة بين أمريكا وإيران، إلا أن هناك تغيرات سياسية وثقافية ومجتمعية عاشها العراق منذ خمسة شهور لا يتطرق اليها الشك. جوهرها هو أن عراق الامس لن يتكرر، ودوام القمع وَهم، وأن المرأة العراقية التي استعادت كرامتها بفعل الثورة لن تعود الى ما كانت عليه. فقد هزت الانتفاضة، عبر صمود المشاركة وبناء الثقة بالنفس وديناميكية الوعي، مفاهيم اجتماعية، غالباً ما تبرز، بشكل قوي، خلال التظاهرات والاعتصامات والثورة والمقاومة، حول دور المرأة ووجوب حمايتها.

تستغل السلطات القمعية هذه المفاهيم لتحرم الثورة من نصف قوتها وذخيرتها الحية، تحت ستار القيم والدين والشرف، واستغلال خوف الآباء والامهات على حياة أبنائهم، خاصة البنات لما قد يتعرضن اليه من انتهاكات تمس الشرف، بينما تقوم ذات السلطات بالاعتداء على المرأة وانتهاك كل الاخلاق والقيم، بأشكال متعددة، تصل الى التحرش والمساومة الجنسية أو اعتقالها كرهينة، حين تحاول المرأة، مثلاً، الحصول على أي معلومات عن أحبائها المعتقلين. هذه الشيزوفرينيا المجتمعية ـ الدينية، بصدد المرأة، لا تقتصر على بيانات رجل الدين مقتدى الصدر بل تتعداه الى المنظومة السياسية، بمجملها، لما تشكله من فائدة كأداة قمعية. وما تغريدات الصدر غير الظاهر المعلن، في أساليب تبين ذعر الساسة الحاليين من استرداد المجتمع عافيته، وإعادته النظر في أساليب تفكيره وسلوكه وطقوسه التي أصبحت، خلافا لما هو متعارف عليه، مُسَخَرة للتفرقة بين فئات المجتمع، وخاصة بين الرجل والمرأة.

ان اتهامات السيد مقتدى الصدر المستهدفة لدور شباب الانتفاضة، والمرأة خصوصا، مكملة لمحاولات المحتل الأمريكي الذي أراد تبييض وجهه، متقرباً من المرأة، بمبادرات تراوح ما بين « تمكين المرأة» و « ورشات الديمقراطية»، في الوقت ذاته الذي دمر فيه البلد وسبب قتل ما يزيد على المليون مواطن. الامر المشابه لسياسة المستعمر الفرنسي بالجزائر، حين شنّ حملة «تحرير» موجهة للنساء تحت الاحتلال، تهدف إلى جذبهن بعيداً عن جبهة التحرير الوطني، من خلال مراسيم كان من بينها حق كشف النقاب للنساء في الأماكن العامة، والتعيين الرمزي للنساء المسلمات في المناصب العامة. فشلت حملة المُستعمر الفرنسي في إيقاف مسيرة التحرير، وها هم شباب الانتفاضة، إناثاً وذكوراً، يطالبون بوطنهم، ويدفعون ثمناً غالياً جداً، لإدراكهم أن هيمنة المستعمر، الاقتصادية والثقافية والمجتمعية، مهما كانت دولته أو قوميته أو دينه، تبدأ بواسطة العنف وتخريب البلد وحرمانه من سيادته وموارده، ولا تنتهي بتعيين مستخدمين مأجورين بل تستمر بأشكال تتجدد حسب مقتضيات الهيمنة، بينما تبدأ وتنتهي استعادة الانسان لوطنه باستقلاله وكرامته.

كاتبة من العراق

 

 

هل بإمكان أمريكا

تنظيف نفسها في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

 كما في سنوات الحصار على العراق والتهيئة للغزو والاحتلال (1990 ـ 2003)، ترتفع أصوات بعض العراقيين، حاليا، وأكثريتها من المقيمين خارج العراق، مطالبة بالتدخل الأمريكي. ينتشر النداء على مواقع التواصل الاجتماعي وضمن المجاميع الخاصة، تحت ذرائع لا ينقصها حسن النية، وبأشكال متعددة من بينها ارسال عريضة موجهة الى البيت الأبيض لتحمل مسؤولية الغزو وإنقاذ المواطنين من حكومتهم المستبدة.

ليس هذا النداء جديدا، اذ سبقه نداء مماثل وجهه مفكر عربي، منذ ثلاثة أعوام تقريبا، بعنوان « اللي شبكنا يخلصنا». تم إطلاق المناشدة الأخيرة بالتزامن مع تعرض الشباب المنتفضين في ساحات التحرير، منذ تشرين / أكتوبر الماضي، للقتل والاختطاف والتعذيب، بلا تمييز بين ذكر أو أنثى، وبعد أن مست آلة القمع الوحشية حتى الأطفال المستخدمين لابتزاز ذويهم المتظاهرين واجبارهم على العودة الى بيوتهم. جاءت المناشدة، أيضا، في وقت لم تعد فيه الأحزاب والقيادات الشعبوية المستندة الى الدين او الطائفة قادرة على التضليل، وتمرير الخدع فترة أطول، خاصة مع تزايد عدد الشهداء والجرحى والمعوقين والمعتقلين، بينما يقف العالم الخارجي، بضمنه الدول العربية والاسلامية، أما متفرجا، متحالفا مع النظام، في انتظاره أن يتعب المنتفضون ويعودون الى بيوتهم، أو مراهنا على اضعاف إيران في مفاوضات جارية بين الطرفين، ضمن مجريات صراعهما على الأرض العراقية، ولا يتحمل فيها أي من الطرفين خسارة مباشرة، بل يدفع ثمنها أبناء الشعب العراقي.

تشكل هذه الأرضية محاججة المتوجهين الى أمريكا بمناشدتهم «ليس استجداء ولكن طلبا من أمريكا تصحيح خطئها التاريخي باحتلال العراق تحت مسمى الديمقراطية»، متسائلين بلوعة وحرقة قلب « ما هو الحل؟ هل نستسلم للميليشيات لتقتل كل شباب الشعب العراقي أم نطلب ممن وضع هؤلاء على رأس هرم السلطة ليحذفوهم من المعادلة السياسية الراهنة «؟

يعيدنا سؤال: ما هو الحل؟ الى سنين ما قبل الغزو. فالشعب محاصر وجائع جراء تدهور الوضع الاقتصادي بحيث صار راتب الموظف يساوي دولارين شهريا، ومعارضة الخارج، بأنواعها، كانت تساهم برسم صورة مضخمة عن أسلحة دمار النظام، وجيشه الأقوى المُهدد للعالم، ومفرمة اللحم التي أبكت بواسطتها آن كلويد، النائبة في البرلمان البريطاني، بقية النواب، عشية التصويت على وقوف بريطانيا بجانب أمريكا، لإنقاذ العراقيين من المفرمة، وبناء عراق الديمقراطية وحقوق الإنسان. وانتهينا بكارثة بشرية وبنى تحتية، ورثها ويعيش نتائجها شباب الوطن الان. ولا نزال نسمع أصوات من تعاونوا مع المحتل مبررين: « لم يكن هناك حل آخر»، أو « كان ذلك الحل الوحيد لإنقاذ العراق».

الحل هو وحدة المنتفضين وصمودهم وانضمام بقية أفراد الشعب إليهم، مع مواصلة ناشطي الخارج حملات التضامن والدعم وايصال صوت المنتفضين الى العالم الخارجي. على المدى البعيد: لا بديل عن النهوض التدريجي للقوى الذاتية

نحن، الآن، امام تاريخ يعيد نفسه. فاليوم، كما يكرر الكثير من اهلنا داخل العراق، أسوأ من الامس، ولا ندري ما الذي سيجلبه الغد. بعد تجاوز الانقسام الطائفي الذي أثبت تجاوزه، خلال أربعة أشهر فقط من الانتفاضة، كم كان واهيا وبلا جذور في المجتمع، طفت على السطح أصوات منقسمة حول الاستجارة/ الاستنجاد/ المناشدة أو المطالبة (سمها ما تشاء) إما بإيران او أمريكا. مع أن كليهما يحتلان العراق وفق صفقات تتجدد منذ الغزو عام 2003 بتوزيع المنافع والمناصب لزبائن كل منهما، و«قواعد اشتباك « و«خطوط حمر» في التجاذب والتنافس قبل التوافق، ويعرفان جيدا، ربما أكثر من النظام العراقي نفسه، تفاصيل ما يجري يوميا من جرائم يساهمان إما بارتكابها مباشرة، بواسطة الميليشيات والمرتزقة وقوات العمليات الخاصة، او بشكل غير مباشر عن طريق أتباعهما المحليين، ثم يتبادلون التهم والإدانات والاستنكار بشأنها.

ان إدراك المنتفضين لطبيعة وتشابك العلاقة بين الشيطان الأكبر والأصغر، بعد أن ذاقوا مرارة العيش، بلا كرامة، في ظليهما على مدى 17 عاما، هو الذي يجعلهم يرفعون شعار « ألعن أبو أمريكا وأبو إيران»، وهو الذي يميز انتفاضتهم ويحصنها ضد السقوط في مستنقع الاستجارة بهذا النظام أو ذاك. إن المنتفضين، بحكم معايشتهم اليومية للأحداث بتفاصيلها المفرحة والدامية معا، وفهمهم لمتطلبات النضال السلمي المشترك، بمواجهة قوى تتربص بهم، يعرفون أفضل منا نحن المقيمين على مبعدة، خارج الوطن، ونرى ونتفاعل مع ما يجري عبر شاشات التلفاز وأيديولوجيات أجهزة الاعلام واشرطة الفيديو (على أهميتها). يفرض علينا، هذا الاختلاف مستوى من النشاط التضامني، يتماشى مع مطالب المنتفضين، لا يزايد عليهم ولا يختطف أصواتهم ليجيرها لمصالح حزبية او شخصية، تفاديا لما حدث في الماضي، حين باع معارضو الخارج صوت الشعب العراقي المضطهد الى الإدارة الأمريكية مصورين إياه بانه سيستقبل قوات الاحتلال بالزهور والحلوى. إن هتاف المتظاهرين في مدينة النجف « مقتدى الصدر قاتل»، بعد أن تعرضوا لمجزرة دامية، اتهم بارتكابها اتباع الصدر، لا يعني أن يطالب المتضامنون معهم، خارج العراق، أن « تتحمل أمريكا مسؤولية خطئها وتنظف العراق ممن نصبتهم». هذه المطالبة، مهما كان حسن نية المطالبين بها او حرقة قلوبهم على شباب الانتفاضة، بحاجة الى التوضيح إذا ما أريد عدم تكرار الماضي وتجربته المريرة بكل تفاصيلها البشعة، بضمنها المجازر الحالية. هل من الصحيح استبدال مجرم بآخر؟ ماهي تفاصيل عملية التنظيف المُطالب بها؟ ماذا عن جرائمها هي (فساد، مجازر، اعتقالات وتعذيب، قصف المدن، يورانيوم منضب)؟ ثم من الذي سيحل محل الساسة الحاليين؟ إذا افترضنا صحة موقف مطالبي أمريكا بالتدخل، ما هو الثمن الذي يتوجب على العراق دفعه بالإضافة الى ما يدفعه الآن، خاصة بعد ان أكد الرئيس الأمريكي ترامب أن على الدول التي ترغب بالحماية الأمريكية أن تدفع الثمن، لأن أمريكا ليست منظمة خيرية؟ هل سيكون الثمن شن الحرب ضد إيران؟

ولننتبه جيدا الى حقيقة أن الاحتلال الأمريكي هو الذي أدى الى زرع ونمو الميليشيات الإيرانية وإرهاب داعش، وأن ما ارتكبته أمريكا ليس خطأ، كما يدعي ساستها، بل جريمة منهجية استهدفت تحطيم العراق بشعبه ودولته. ما هو الحل اذن؟ هناك بعض الاستشراف الآني: وحدة المنتفضين وصمودهم وانضمام بقية افراد الشعب إليهم، مع مواصلة ناشطي الخارج حملات التضامن والدعم وايصال صوت المنتفضين الى العالم الخارجي. على المدى البعيد: لا بديل عن النهوض التدريجي للقوى الذاتية، ومنها الحركات السياسية الجديدة، عبر رفض سياسات الاستعانة بالأجنبي والتعويل على القوى الخارجية، أيا كانت.

كاتبة من العراق

 

 

هل يستحق رئيس الوزراء

العراقي الجديد منحه الفرصة؟

هيفاء زنكنة

 

يحمل كل يوم يمر على المنتفضين، في ساحات التحرير، في العراق، تحديات جديدة بشكل حواجز كونكريتية. يواجهونها كما يفعل عدَاء الحواجز ولكن ليس على مسافة مائة متر المتعارف عليها، بل مسافة الماراثون، أي بالكيلومترات. ففي الاسبوع الماضي، تمكنوا من تجاوز أحد الحواجز التي تعوَد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري وميليشيا سرايا السلام، على نصبها كلما بانت في الأفق ملامح تغيير حقيقي في منظومة الفساد والطائفية والقتل التي تسمى « حكومة». فعلى مدى عمر الانتفاضة التي بدأت في الاول من تشرين / اكتوبر الماضي، كان أتباع الصدر يتناوبون على البقاء في الساحات حينا، مدعين توفير الحماية للمنتفضين، والخروج منها حينا آخر بناء على أوامر «السيد» المتقلبة بسرعة تنافس سرعة المروحيات في قيظ تموز العراق. هناك قائمة طويلة من تقلبات المواقف التي اتخذها الصدر، منذ احتلال البلد عام 2003، وصارت سمة عجنت بها شخصية «السيد» وتصريحاته التي باتت أضحوكة كارتونية، إلى حد دفع عددا من المنتفضين الى رفع شعار «ما نريد وطنا… نريد نعرف ماذا يريد الصدر».

ركز الصدر وأتباعه، في الاسابيع الاخيرة، على تهيئة الأرضية لهجوم ميليشياوي تحت أنظار الحكومة والبرلمان والقوات الأمنية التي، غالبا، ما نراها في الفيديوهات، التي تصلنا لتوثيق يوميات الانتفاضة، وهي تقف متفرجة على مسلحي الميليشيات وهم يطلقون النار على المنتفضين، كما يقومون باعتقالهم واختطافهم ترويعا للآخرين. واذا كان رئيس الجمهورية برهم صالح قد تحول، فجأة، الى بطل وطني يتحدث، بأسى عن خلافات الأحزاب الشيعية التي تمنعها من ترشيح رئيس وزراء نزيه، فان أعضاء البرلمان لم يكلفوا انفسهم عناء الدوام، متمتعين بالإجازة باستثناء اليوم الذي نفذت فيه القوات الأمريكية عملية اغتيال « الضيف الإيراني»، قاسم سليماني، يومها وقفوا مرددين هوسة «كلا كلا أمريكا»، فكانت ردة فعل المنتفضين «ألعن أبو إيران لأبو أمريكا»، فالاحتلال، حسب منظورهم واحد حتى لو ردد البعض أن خرمشة أمريكا أكثر ألما من خرمشة إيران. بهذا أثبت المنتفضون وعيهم الذي تجاوز الأحزاب التاريخية المهترئة، والجديدة الطائفية، حول مفاهيم التلاعب السياسي، والقبول بالأمر الواقع، وتقاطع المصالح الذي قاد العراق من مصيبة الى كارثة.

أدى الهجوم على خيم المنتفضين وحرقها، في الاسبوع الماضي، الى ازدياد عدد المتظاهرين بدلا من ترويعهم واجبارهم على الانسحاب، مما دفع أتباع « السيد» الى العودة الى الساحات ومحاولة السيطرة عليها بالقوة، تحت مسمى «ذوي القبعات الزرق» في ذات الوقت الذي كانت فيه ماكنة أحزاب النظام تتهيأ لاحتواء الانتفاضة، سياسيا، بعد أن صمد المنتفضون، حتى الآن، أمام الاختطاف والتعذيب القتل والرش بالغاز القاتل.

لم لا يحاول محمد توفيق علاوي، وهو في المنصب الذي رضي بتسنمه، ولديه الدعم من تحالفين يملكان أشرس الميليشيات، وبمباركة إيران وأمريكا وحتى ترحيب الأمم المتحدة، أن يكسب ثقة الشعب بإجراء خطوات يمكن تنفيذها خلال أيام، على غرار اطلاق سراح المحتجين المعتقلين، ومحاسبة القتلة والجلادين؟

جاء التحرك السياسي تحت غطاء الحرص على الوطن والمتظاهرين وشعار « كلا، كلا، أمريكا»، لمقتدى الصدر، الذي بات مثل الطعام البائت غير المستساغ. اذ اتفقت كتلتا «الفتح» بزعامة هادي العامري، و«سائرون» بزعامة الصدر، بعد محادثات سرية بين الأحزاب المتصارعة، وبالتوافق مع إيران وأمريكا، على تعيين محمد توفيق علاوي، رئيسا للوزراء يحل محل عادل عبد المهدي الذي أجبره المنتفضون على الاستقالة. من المفارقات التي أثارت غضب المنتفضين السلميين كونه ذات التحالف الذي أوصل عبد المهدي الى المنصب. وإن سيرة حياة علاوي، تكاد تطابق سيرة عبد المهدي، في تذبذبه السياسي من تابع لآل الصدر إلى حزب الدعوة الشيعي، ومن قائمة « العراقية» العلمانية إلى تقديم نفسه كمستقل. عاد علاوي إلى البلد مع الاحتلال الأمريكي، انتخب نائبا، ثم تم تعيينه في حكومتي نوري المالكي (2006 ـ 2014) التي ساهمت بتحويل العراق إلى حقل قتل طائفي، تخلله قصف مدن المقاومة بالبراميل الحارقة، ومشاركة المحتل الأمريكي الاحتفالات بذريعة محاربة الإرهاب. أين هو علاوي من مطالب المتظاهرين وشروطهم لاختيار رئيس وزراء لتشكيل حكومة المرحلة الانتقالية؟ لا تدل سيرة علاوي وتاريخه القريب، على أنه يحمل أيا من المواصفات المطلوبة التي ستضمن عودة المنتفضين الى بيوتهم، ومنحه فترة زمنية يتم فيها تحقيق بقية المطالب حسب أولويتها من إجراء انتخابات بإشراف أممي، وتنظيف البلاد من الفساد، ومحاكمة المسؤولين عن قتل 700حوالي متظاهر وجرح 25 ألف واطلاق سراح المعتقلين المتعرضين، حسب كل التقارير الحقوقية المحلية والدولية، إلى أبشع أنواع التعذيب. فهو ابن العملية السياسية التي أسسها الاحتلال، واعتاشت عليها الأحزاب الممثلة بمجلس الحكم اولا وحكومات الاحتلال، بميليشياتها، ثانيا. واذا كان قد استقال من حكومة المالكي، عام 2012، لأن المالكي «لا يتخذ أي إجراء ضد المقربين منه بتهمة الفساد»، فقد جاءت الاستقالة بعد حوالي عشر سنوات من الصمت كبرلماني ووزير في حكومة أبدعت بخطف وقتل وتعذيب المعارضين بالإضافة الى مأسسة الفساد. ما يستحق الذكر أن علاوي صرح حينئذ، وبعد اتهامه هو نفسه بالفساد، واصدار حكم عليه، أنه « يملك وثائق تؤكد وجود عمليات كسب غير مشروع داخل الحكومة، وأنه سيكشف عنها في الوقت المناسب». وها هي قد مرت 8 سنوات على استقالته، وفرخ الفساد الإرهاب، وهو مقيم ببلد يستطيع فيه، كمواطن بريطاني، أن يقيم الدعاوى على الفاسدين، اذا اراد وهو آمن على نفسه وعائلته، فمتى هو الوقت المناسب؟

ماذا عن الآن، ولنفترض انه (أو غيره من مرشحي النظام)، يستحق اعطاء فرصة للعمل خاصة بعد أن بين في خطابه الأول اتفاقه مع المنتفضين في كل طلباتهم حاثا إياهم على البقاء في الساحات (كأن المنتفضين يتمتعون بالبقاء في الساحات، ليلا نهارا، وهم يحملون حياتهم على أكفهم) ؟ لم لا يحاول، وهو في المنصب الذي رضي بتسنمه، ولديه الدعم من تحالفين يملكان أشرس الميليشيات، وبمباركة إيران وأمريكا وحتى ترحيب الأمم المتحدة، أن يكسب ثقة الشعب بإجراء خطوات يمكن تنفيذها خلال ايام، على غرار اطلاق سراح المحتجين المعتقلين، ومحاسبة القتلة والجلادين؟ واذا كان فعلا يريد القضاء على الفساد، كما اعلن، فلم لا يكشف وثائق الاختلاسات والفساد التي يملكها؟ أم أن على المنتفضين أن يعيشوا، في وطنهم، رهائن لتدوير سلسلة الأكاذيب مرة أخرى!

كاتبة من العراق

 

 

الجيش الأمريكي

لن يكتب حاضر العراق

هيفاء زنكنة

 

بعد شهر واحد من بدء انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر، أصدر معهد الدراسات الاستراتيجية ومطبعة كلية الحرب للجيش الأمريكي، الجزء الثاني ( 670 صفحة) من الدراسة التي خطط لها الجنرال الأمريكي ريموند اوديرنو، في أيلول/سبتمبر 2013، وأنجزها باحثو «مجموعة دراسة عملية حرية العراق»، بعنوان «الجيش الأمريكي في حرب العراق»، وكان الجزء الاول ( 700 صفحة) قد أصدر بداية العام المنصرم.

السؤال الذي يتبادر الى الذهن عند رؤية هذه المئات من الصفحات هو: ما الذي يجعل هذه الدراسة تستحق القراءة، بالنسبة إلينا؟ ما الفائدة منها وهي، كما يدل العنوان، قد لا تزيد عن كونها سردا لتاريخ احتلال يتم تسويقه باعتباره تاريخ حرب عادلة وأن نتائجها البشرية الكارثية مجرد أخطاء؟ تعتمد الاجوبة على كيفية قراءة الدراسة، واي منظور ينطلق منه القارئ.

يرى الباحثون المساهمون بإعداد الدراسة، ومعظمهم برتب عسكرية عالية، إن هذه الدراسة موجهة الى نوعين من القراء، الاول هم قادة الجيش الأمريكي الحالي وجيش المستقبل، لفهم طبيعة العمليات العسكرية وتحليلها وتقييمها، والثاني هو المدنيون في أمريكا وبلدان التحالف، لمساعدتهم على فهم تجربة الجيش في الحرب تفاديا لخلق فجوة بين الاثنين. كتبه الباحثون على غرار «الجيش الأخضر» عن تاريخ الحرب العالمية الثانية، حيث التركيز على العمليات العسكرية، من وجهة نظر القيادة العسكرية، مع محاولة تقديم وجهة نظر «العدو» وظروف البلد والمحتوى السياسي والاجتماعي لـ«الصراع».

إذا ما وضعنا جانبا، عدم التطرق الى الأسباب الحقيقية للغزو وتكرار القاء اللوم، بشكل مباشر وغير مباشر، على العراقيين أنفسهم للخراب الذي أصاب البلد وخسارة الأرواح، وتذكر أن هذه الدراسة، في جوهرها، سرد لتاريخ احتلال العراق، كما يراه قادة قوات الاحتلال، لوجدنا أن أهمية الكتابين تكمن في كيفية قراءة وتحليل المقابلات العسكرية التي أجريت خصيصا للدراسة، والسجلات والوثائق السرية البالغ عددها 30 ألف وثيقة تم رفع حجر السرية عنها للباحثين. مما يعني توفرها لكل من يمتلك الرغبة بفهم وقائع ونتائج العمليات العسكرية، خاصة اذا ما تم الرجوع، أيضا، الى وثائق ويكيلكس العراق، التي تشكل بحد ذاتها مخزونا لإدانة القوات الأمريكية والشركات الأمنية والمرتزقة، وكل من سبب قتل العراقيين، في المستقبل.

ما لم يتم التطرق إليه في الدراسة، باعتراف الباحثين هو أولا : دور قوات العمليات الخاصة، التي كانت فاعلة طوال فترة الحرب، لأن « قيادة العمليات غير مستعدة للسماح بالاطلاع على وثائقها» وترى أن الوقت لم يحن لذلك، وثانيا : دور قوات الأمن العراقية ودور «العدو». وتستخدم مفردة «العدو» للإشارة الى المقاومة التي اختار الباحثون تسميتها، أيضا، حينا بالتمرد واخرى بالإرهاب.

من التفاصيل الموثقة كيفية تعامل قوات الاحتلال ومجلس الحكم مع الميليشيات وأكثرها نفوذا فيلق بدر، الذي أسسته ايران، بقيادة هادي العامري

يبحث الكتاب الاول، بالتفصيل، قرارات بول بريمر والقوانين المعنية باجتثاث البعث وحل الجيش العراقي وتأسيس مجلس الحكم، بمحاصصته الطائفية التي يتحمل مسؤوليتها، حسب الباحثين، العراقيون السبعة، من معارضة نظام البعث التي كانت ناشطة خارج العراق وهم: احمد الجلبي، أياد علاوي، ابراهيم الجعفري، نصير الجادرجي، باقر الحكيم، مسعود بارزاني وجلال طالباني. إذ طلب منهم بريمر انتقاء بقية أعضاء مجلس الحكم من منظور «غير طائفي». فكانت النتيجة مجلس حكم طائفي، هيأ لمأسسة المحاصصة الطائفية في كل مؤسسات الدولة والحكومة ومجلس النواب، حتى اليوم.

من التفاصيل الموثقة الأخرى، التي تسترعي الانتباه لكونها اساسا لما يجري في البلد، حتى اليوم، ولعلاقتها المباشرة، بحالات الاختطاف والقتل التي يتعرض لها المنتفضون في ساحات التحرير، هي كيفية تعامل قوات الاحتلال ومجلس الحكم مع الميليشيات وأكثرها نفوذا فيلق بدر، الذي أسسته ايران، بقيادة هادي العامري. وقد كتب الباحث باتريك بتلر مقالة طويلة بعنوان « ماذا تكشف تصريحات اوديرنو عن حرب العراق؟»، ترجمها طارق العاني، عن خصوصية تعامل القوات الأمريكية مع فيلق بدر. لهذه المقالة أهميتها ازاء ندرة التغطية الإعلامية حول دراسة الجيش الأمريكي، عربيا أولا، ومحاولة الكاتب الجادة لإثبات أن العلاقة بين القوات الأمريكية وفيلق بدر، منهجية، بدءا من قول الجنرال أوديرنو، الذي كان حينها قائد فرقة المشاة الرابعة، عن احباطه حين علم بإطلاق سراح مجموعة من أفراد فيلق بدر اعتقلوا، لارتكابهم جريمة قتل في أيار/ مايو 2003، وتصريح ديريك هارفي، الذي خدم لاحقاً في مجلس الأمن القومي في حكومة ترامب، لوكالة رويترز في كانون الأول/ ديسمبر 2015 أكد فيه أن القوات الأمريكية أطلقت سراح قتلة من فيلق بدر، الذين تم إلقاء القبض عليهم وبحوزتهم قوائم لاستهداف بعثيين. وتشير احدى برقيات ويكيليكس – العراق الى أن عشرة آلاف عضو في بدر شكلوا فرق موت استهدفت أعضاء البعث من السنة والشيعة في البصرة والعمارة وديالى وبغداد، وأن «العامري قد يكون قد أمر شخصياً بشن هجمات على ما يصل إلى 2000 من السنة» وأن «إحدى طرقه المفضلة في القتل يزعم أنها تتم باستخدام المثقب لاختراق جماجم الخصوم «، في فترة التفاخر باستخدام المثقب لإثارة الرعب عندما أطلق الاحتلال العنان للميليشيات لارتكاب جرائم القتل الجماعي، في مناطق الحواضن الشعبية للمقاومة. وجرى تلويث المقاومة بالطائفية، بعمليات إضافية لفرق العمليات الخاصة الأمريكية بين 2005-2007، وسلسلة الجرائم المرعبة التي تلتها والموصوفة، في الدراسة غالبا، بأنها تمت عن طريق الخطأ.

ولاتزال حوادث القتل اللاإنسانية، تتكرر اليوم، في استهداف المنتفضين السلميين اختطافا وقتلا، واستخدام عبوات الغاز المسيل للدموع المخصصة للاستخدام الحربي التي تخترق، يا للمفارقة، جماجم « الخصوم»، من قبل المليشيات برعاية أمريكية. كما لانزال نقرأ تاريخنا وحاضرنا مكتوبا من قبل آخرين.

كاتبة من العراق

 

 

العراق: اغتيال الصحافة

ولعبة تدوير الساسة

 

هيفاء زنكنة

 

الى قائمة الشهداء العراقيين، نساء ورجالا، أضيف منذ ثلاثة أيام، الصحافي أحمد عبد الصمد وزميله المصور غالي التميمي، اغتيلا، كما بات متعارفا عليه، رسميا بالعراق «برصاص مسلحين مجهولين» فروا الى «جهات مجهولة». تؤكد هذه الصيغة الجاهزة المبتذلة، الاستهانة بأهم حقوق الإنسان وهو حق الحياة، بالإضافة الى حرية الرأي. وتهدد، بالنسبة إلى الصحافيين، جوهر عملهم، فضلا عن حياتهم. فمن من الصحافيين يجرؤ، في أجواء الترويع والتهديد على ذكر حقيقة ما يجري؟ كيف سيتمكن الصحافي، المستقل، من المحافظة على حياته، إذا ما قدم خبرا مغايرا للتصريحات الرسمية الجاهزة؟ ماذا حدث لـ «العملية السياسية» المُغلفة بورق حقوق الإنسان الصقيل؟ أم أن هناك تعريفا جديدا للصحافي وعمله لا يعرفه غير ساسة «العراق الجديد»؟

يدل استخدام الناطقين الرسميين باسم الحكومة هذه الصيغة على وجود توليفة من ساسة فاسدين وميليشيات ومرتزقة يستهدفون من يشاؤون، بحرية كبيرة، ولعلهم من القلة التي تتمتع بحرية الحركة والتعبير عن رأيها، عن طريق اغتيال من يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسموها، خارج حدود القانون والدولة. وهي قلة تتمتع بالحصانة من العقاب بحكم كونها «مجهولة»، ولم يحدث وتم تقديم أي من أفرادها الى القضاء في ظل حكومات ودولة ما بعد الاحتلال. دولة بُنيت على « المجهولين» و»الأطراف» وأهمهم « الطرف الثالث». حيث اُستحدث مصطلح « الطرف الثالث»، منذ انتفاضة تشرين/أكتوبر، ليكون مشجبا تُعلق عليه مسؤولية جرائم الاغتيالات «المجهولة»، المتزايدة، خاصة بين العاملين في أجهزة الإعلام. فخلال شهرين، فقط، من بدء الانتفاضة وثقت « الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين» تعرض نحو مئة صحافي للاعتداء والضرب، مع تحجيم ومهاجمة المؤسسات الإعلامية، وما تلاه من اختطاف واغتيالات تجاوزت الأربعين.

لقي الصحافي عبد الصمد والمصور غالي حتفهما عقب انتهائهما من تغطية الاحتجاجات وسط مدينة البصرة، جنوب العراق. وكان عبد الصمد قد فَنَد، في آخر تقرير له، « مجهولية» الاغتيالات وحالات الخطف واعتقال المتظاهرين، مُحملا الحكومة المسؤولية، مبينا أن هوية «المجهولين» معروفة لدى الحكومة. رشحته تغطيته للاحتجاجات الشعبية ووقوفه بجانب المتظاهرين، للتصفية السريعة على أيدي «المجهولين» من «الطرف الثالث»، لأنه تجاوز خطوطها الحمراء. «الخطوط الحمراء» التي رسمت للصحافيين والعاملين بأجهزة الاعلام، على اختلافها، لكيلا يتجاوزها أحدهم مؤكدا استقلاليته وقدرته على تقديم الحقيقة.

يستحق مصطلح «الخطوط الحمراء»، كما «المجهولين» والطرف الثالث»، أن يضاف الى إنجازات حكومات الاحتلال المتعاقبة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2009، مثلا، حاول «مجهولون» اغتيال الصحافي عماد العبادي. شفى العبادي بعد أن تمكن أطباء في ميونيخ من إخراج ثلاث رصاصات من دماغه. عند عودته الى الناصرية، مدينته الواقعة جنوب العراق، رحب به الأصدقاء. كان من بينهم، ابن مدينته المطرب المعروف حسين نعمة، الذي صرح قائلا «نبهته أن يخفف من الكلام. هناك خطوط حمراء». لم يُعلق العبادي، يومها، بل فضل عدم الكلام. ولم يكن الصحافي جواد سعدون الدعمي من قناة البغدادية الفضائية، محظوظا مثل زميله، حيث اغتاله «مسلحون مجهولون»، وهو داخل سيارته في حي القادسية جنوب غربي بغداد، في 24 أيلول/ سبتمبر 2007.

إن رفض المنتفضين لكل من ساهم في الحكومات السابقة والحالية و»العملية السياسية» ليس دعوة إلى الانتقام بل إلى طموحهم في تحقيق تغيير حقيقي وبناء وطن دفع الشعب، ولايزال، ثمنه غاليا

يكاد لا يخلو عام من تقرير دولي يوصي « الحكومة» بحماية الصحافيين وتوفير الأجواء لممارسة عملهم. ففي عام 2013، أشار تقرير، أصدرته «لجنة حماية الصحافيين الدولية»، إلى تصدر العراق، قائمة الدول التي يفلت فيها قتلة الصحافيين من العقاب. وأكد التقرير إن المنظمات الإرهابية ليست المسؤولة الوحيدة عن قتل الصحافيين بل هناك «مسؤولون حكوميون وعصابات منظمة تقوم بقتل الصحافيين أيضاً انتقاماً منهم على عملهم، ودون أن يواجهوا العدالة».

وفي 2016، قُتل 13 صحافيا، معظمهم أثناء تغطية المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية، حسب الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين، إلا أن 179 صحافيا تعرضوا لأنواع مختلفة من الاعتداءات من ضرب وتهديد بالقتل من «جهات مجهولة» على خلفية نشر تقارير صحافية عن الفساد في بعض مؤسسات الدولة. أما «إحصائية شهداء الصحافة العراقية» التي وثقت استهداف الصحافيين، منذ عام 2003 حتى 2016، فقد بينت أن عدد الضحايا الكلي هو 277 صحافياً ومساعداً إعلاميا منهم 22 صحافياً أجنبيا، و»أن الصحافي العراقي مستهدف من كل الأطراف المتنازعة دون استثناء».

إن أجواء الترويع المحيطة بعمل الصحافيين وتقييد حرية حركتهم، والتعبير عن آرائهم، وملاحقتهم بالإضافة إلى التصفية الجسدية، وإفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، يزيد من اللجوء إلى القتل كأداة سهلة ومضمونة لكتم الأصوات المستقلة، وتحديد المعلومات المتوفرة للجمهور، ودفن الحقيقة مقابل إشاعة الأكاذيب وتضليل الناس.

وإذا كانت هذه هي معالم الصورة العامة منذ 16 عاما، فإن حملة القمع والاغتيالات ازدادت، بقوة، منذ انبثاق انتفاضة تشرين، بموازاة ازدياد الوعي لدى المنتفضين، بأن الحقوق لا يمكن نيلها لفرد دون غيره ولا لفئة دون غيرها، وإذا ما حدث ونالتها الفئة فأنها لن تكون صالحة، على المدى البعيد، لبناء وطن يتسع للجميع، مهما كانت أساليب الإغواء والابتزاز وشعبوية الخطاب. ان وصول المنتفضين الى هذه الحقيقة وتمسكهم بها، يُخيف أعضاء الحكومة والبرلمان والميليشيات الى أقصى حد، فهو يهدد مصالحهم الشخصية التي بنوها على حساب الوطن، كما يهدد كل أوهام الطائفية وصناعة الهويات الفرعية المزيفة، التي عملوا بجد على إشاعتها، لإبقاء المواطن جاهلا بحقوقه ووطنه وبناء مستقبله.

سيرورة الانتهاكات ومنهجية كتم الأصوات وحرمان المواطن من حقوقه، هي التي تدفع المنتفضين الى رفض إعادة تدوير الساسة، حتى من قدم استقالته من البرلمان، أيام الانتفاضة، بعد المشاركة في غنائم الاحتلال وجرائمه أو مسايرته مدة 16 عاما، شكاً بدوافعهم، مثل قصي السهيل (القيادي في حزب الدعوة الشيعي الذي «استقال» من ليرشحوه لرئاسة الوزراء كمستقل)، ورائد فهمي (سكرتير عام الحزب الشيوعي ، ومنذ ثلاثة أيام، أياد علاوي، رئيس وزراء أول حكومة عينها حاكم الاحتلال بول بريمر، اللذان لم يبدر منهما ما يدل على انتقالهما الى صف الشعب شهوداً، بما لديهم من وثائق ومعلومات. إن رفض المنتفضين لكل من ساهم في الحكومات السابقة والحالية و»العملية السياسية» ليس دعوة إلى الانتقام بل إلى طموحهم في تحقيق تغيير حقيقي وبناء وطن دفع الشعب، ولايزال، ثمنه غاليا.

كاتبة من العراق

 

 

 

المنتفضون العراقيون بين

الشيطان الأكبر والأصغر

هيفاء زنكنة

 

وأخيرا، حدث ما كان العراقيون يتوقعون حدوثه. طفت على السطح همجية طرفين يقتتلان على أرض العراق، بعيدا عن أراضيهم ومواطنيهم. في بلاد استبيحت، تدريجيا، بالتعاون مع من فتح لهم أبوابها. يمنحون فيها حق «الشهادة» والقدسية لمن يريدون والتلويث بـ«الإرهاب» لمن لا يريدون. بين «شهادتهم» و «إرهابهم»، ساحات يقطنها منتفضون، لا يريدون الطرفين، الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر، بل يطالبون منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بوطن يتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وسيادة الوطن عن طريق وضع حد للقواعد العسكرية لـ «الشيطان الأكبر» وميليشيات وساسة» الشيطان الأصغر».

جاء رد فعل النظام المنقسم ولاء أفراده بين الشيطانين، وحشيا وإجراميا. سالت على أرض الوطن دماء ما يزيد على الخمسمئة مواطن وعشرات الآلاف من الجرحى وآلاف المعوقين والمعتقلين. أُختطف ناشطون وناشطات وعُذب أطفال لاستخلاص اعترافات تدين آباءهم. شكك البرلمان والمرجعية بمطالب المنتفضين بداية وحين أُجبرا على الاعتراف بصحتها، شرع البرلمان بالتسويف والمماطلة بانتظار يأس المنتفضين وتخليهم عن ساحات بلادهم.

وعندما أُجبر رئيس الوزراء على الاستقالة بأمر من الشعب، وبانت دلائل اقتراب المنتفضين من تحقيق انتصارهم في التخلص من الشيطانين، كُتبت سيناريوهات جديدة للمناوشات واستعراض العضلات علنا، وتهيئة الأرضية لجولة جديدة للمفاوضات بين الطرفين سرا، بشرط القضاء على الانتفاضة. فقام الشيطان الأكبر بقتل الابن المفضل للشيطان الأصغر، أثناء زيارة سرية له « كضيف»، كما قيل لنا نحن السذج، ففاجأه الشيطان الأكبر بعدم الترحيب به ومن معه. إذ يرى الشيطان الأكبر نفسه أنه الأحق بالضيافة في العراق، أو كما يطلق عليه في قاموس الاستعمار الجديد «البلد المُضيف» وفق اتفاقيات موقعة مع أهل البيت.

مع تزايد التهديدات بتصعيد الاقتتال، في العراق، (لاحظوا ليس في طهران أو واشنطن)، ونجاح الشيطانين في تحويل الأنظار عن غضب الشعب ومطالبته بالوطن، خطب رئيس الوزراء المقال عادل عبد المهدي، في البرلمان، تضمنت من التناقضات ما يكاد يثير الشفقة عليه، لولا كونه مسؤولا، عن جرائم لا تغتفر بحق المنتفضين. ختم الخطبة بتقديم «خيار» انهاء الوجود الأمريكي بالعراق، واصفا إياه بأنه وجود أجنبي، وهو وصف يعيد إلى الأذهان خطابا لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد عام 2004، قال فيه إن مشكلة العراق الأولى هي وجود الأجانب فيه، مستثنيا طبعا قوات الاحتلال الأمريكي، ربما لأنه اعتبرها من «أهل البيت»، كما يفعل عادل عبد المهدي، الآن، حين ينصح بإخراج الأجانب، كأن سليماني وبقية القيادة الإيرانية الفاعلة داخل العراق بالإضافة الى الميليشيات هم مواطنون عراقيون أبا عن جد.

إن المعنى العميق لمطلب المنتفضين حين ينادون باستعادة الوطن هو التخلص من المحتلين الأمريكي والإيراني، وتواجدهما المباشر وغير المباشر، وما أنجباه من المشوهين المتنافسين

ولا أدرى كيف لم ينتب عبد المهدي الخجل وهو يتحدث عن ضرورة الحفاظ على السيادة، وهو يعرف، جيدا، أن قوات الاحتلال الأمريكي والميليشيات الإيرانية والقصف التركي، لم يفتأوا ينتهكون سيادة العراق بشكل دوري وجماعي منذ 16 عاما! فهل كان النظام العراقي بحاجة الى اغتيال سليماني ليدرك أنه محتل من قبل أمريكا؟ ليطالب بالانتقام والثأر والقصاص العاجل وإعلان الحداد ثلاثة أيام لارتكاب أمريكا جريمة اغتيال ستة افراد، بينما مرر جريمة اغتيال أكثر من 500 شاب بصمت لا يضاهيه صمت؟

إن طلب انسحاب القوات الأمريكية وإلغاء تواجد القوات الأجنبية ردا على اغتيال مواطن عراقي هو ما يجب أن يكون لو كانت هناك دولة ذات سيادة تحترم وتقدر حياة مواطنيها، ولو كان المستهدف مواطنا واحدا، وما كان يجب أن يحدث منذ سنوات حين سبب الاحتلال الأمريكي زرع الإرهاب بأنواعه، وفتح الأبواب مشرعة للشيطان الأصغر ليتعاونا سوية، عبر عملائهما، على زرع الطائفية والفساد والتجهيل المنهجي بديلا للتوعية والتعليم، والاحباط بدلا من الأمل والموت بديلا للحياة، حتى تجاوز عدد الضحايا المليون منذ عام 2003، وها هو، الآن، رئيس وزراء مستقيل، يواصل الاستهانة بالمنتفضين والتكلفة الغالية التي يدفعونها ، يوميا، ليقدم مهزلة دحضها أعضاء البرلمان، حين وقفوا في البرلمان، هاتفين بغوغائية مبتذلة أمام الشعب المنتفض في الساحات منذ شهور، وأمام تضحيات الآلاف من المواطنين دما واعتقالا وتعذيبا: «نعم نعم… سليماني، كلا كلا… أمريكا». كيف يمكن لهذه المجموعة، بتاريخها وحاضرها المخزي، أن تعمل على تحرير البلد من قيوده، وعلى تحرير الأمة من الأسر الذي أوقعوها، هم أنفسهم، فيه؟

إن المعنى العميق لمطلب المنتفضين حين ينادون باستعادة الوطن هو التخلص من المحتلين الأمريكي والإيراني، وتواجدهما المباشر وغير المباشر، وما أنجباه من المشوهين المتنافسين، فسادا وطائفية وخنوعا، ما يضاهي أكبر صراع مافيوزي في أي مكان بالعالم. وهو ما لن يتمكن النظام الحالي من تحقيقه، حيث بلغت درجة انغماسه في الفساد المادي والإداري والأخلاقي، وتوفر ملفات الابتزاز المعدة ضد بعضهم البعض، حدا يمنعهم، وإن ارادوا، من تطهير أنفسهم.

إن مطالبة المنتفضين بحقوقهم سببت صدمة كبيرة للشيطانين الكبير والصغير، كما هو فشل المماطلات ومحاولات مد المواطنين بالأوهام ليتقبلوا واقعهم البائس. وقد حاول الطرفان، بمعاونة الساسة المحليين، مسخ الشعب ليحقق كل طرف منهما انتصاره على الآخر، ليحققا مصالحهما في التوسع والاستغلال والمحافظة على سلامة وأمن مواطنيهما والسيادة الوطنية. يتبادلان الأدوار، يهدد أحدهما الآخر، أو يتغازلان، يكمل أحدهما الآخر، على خشبة مسرح يدعى العراق. في 7 كانون الأول/ديسمبر الماضي، تفاوضا لإجراء صفقة، تبعها تغريدة من ترامب قال فيها «شكراً لإيران على مفاوضات عادلة للغاية. هل رأيتم، يمكننا عقد صفقة معا». اليوم يُشهر تغريداته مهددا. وكان من الممكن أن تستمر المسرحية، لصالح الطرفين، لولا انتفاضة تشرين، وهي حصيلة سيرورة كل المظاهرات والاعتصامات، السابقة، ضد من نخروا الأحلام بوطن. ونواة الأمل التي ستحقق النصر، حتما، إذا ما واصل المنتفضون امتلاكهم للساحات، على الرغم من المخاطر الجسيمة التي يتعرضون لها. تتطلب لتجاوزها انضمام بقية أبناء الشعب إليهم بحركة اعتصام مدني، خاصة من قبل عمال النفط، لإيقاف مد الغزاة، أيا كانوا، بما يطيل بقاءهم. وليقوم شباب البلد ببناء وطن بحجم آمالهم وطموحاتهم، مستقلا ليتعاملوا مع بقية بلدان العالم، على قدم المساواة لا كالعبيد.

كاتبة من العراق

 

 

عراق الانتفاضة

أين نحن ذاهبون؟

هيفاء زنكنة

 

من الصعب، ونحن على قرب يوم من بداية العام الجديد، التهرب من مراجعة أحداث العام الماضي واستشراف ما ستحمله الأيام المقبلة، بالنسبة الى الانتفاضة العراقية، الموشكة على دخول شهرها الرابع، خاصة بعد أن تحقق، فعليا، ما كان الجميع يتوقعه في تحويل مواقع في البلد، الى ساحات مناوشات واقتتال بين أمريكا وإيران. من ناحية المراجعة والتقييم الموضوعي، لا يختلف اثنان في أن الانتفاضة السلمية، حققت تغييرات، ذات أهمية كبرى، محليا وإقليميا، على الرغم من القمع الوحشي الذي تواجهه، يوميا.

محليا، أطلق الشباب الخريجون، والعاطلون عن العمل، والمهمشون صرخة احتجاجهم الأولى مطالبين بحقوقهم واستعادة وطنهم، بعد أن أدركوا أن المطالبة الجزئية المحصورة بمصلحة هذه الفئة أو الطائفة أو الشريحة المعينة دون غيرها لم تعد تجدي، وأنهم وصلوا قاع الطموحات والآمال التي يعيشها الشباب في معظم البلدان، فكيف ببلد غني كالعراق؟ وأدركوا أن انتماءهم الى حزب طائفي أو ميليشيا مسلحة أو الجلوس بانتظار تحقيق وعود العمل، بات مهزلة المهازل، واستهانة بعقولهم من قبل أحزاب فاسدة وحكومة تتحكم بها الميليشيات.

جاء هذا الإدراك بعد 16 عاما من بضاعة «الديمقراطية» والتخلص من المظلومية، فلا غرابة أن يختار المنتفضون الوقوف بعيدا (كالخائف من عدوى الإصابة بمرض خبيث) عن الأحزاب التي ساهمت بالعملية السياسية التي أسسها حاكم الاحتلال الأمريكي بول بريمر. رافضين تعيين أي شخص، كرئيس وزراء للحكومة الانتقالية، إذا كان ينتمي الى أي حزب، مهما كان، عمل ضمن إحدى حكومات الاحتلال منذ عام 2003 وحتى إجبار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة في الشهر الماضي. يبين اتخاذ المنتفضين قرارا كهذا، انعدام الثقة بالأحزاب مجتمعة، مما يجردها من شرعية وجودها كممثلة للشعب، بكل مواطنيه، يتوجب عليها أن تلعب دورا فعليا في نيابة الشعب، وأن تكون عوامل فاعلة ذات أهمية مركزية في نظام ديمقراطي.

محليا، أيضا، تمكن المنتفضون، ذكورا واناثا، من تقديم الإجابة على سؤال طالما طرح، على مدى سنوات الاحتلال الأمريكي والحكومات الميليشياوية، المُلفعة بالسواد، وهو: أين هي المرأة العراقية؟ خلال الانتفاضة، وفي فترة وجيزة نسبيا، استعادت المرأة مكانتها المعتادة، جنبا الى جنب مع الرجل، مطالبة بالوطن والحقوق المهضومة، منادية: نازلة آخذ حقي وعراق… عراق، كلنا عراقية.

إقليميا ودوليا، هتف المنتفضون ضد التدخل الإيراني بميليشياته وأمريكا بقواعدها العسكرية ومرتزقتها. أدرك المنتفضون أنهم لن يستعيدوا الوطن إذا لم يكن مستقلا ويتمتع بالسيادة. وأن تحقيق مطلب الوطن يقتضي التخلص من الاستبداد الداخلي والتدخل الخارجي معا.

هناك نقاط أساسية يواصل المنتفضون التركيز عليها، وهي: اصرارهم على البقاء في الساحات والشوارع، مؤكدين في تصريحاتهم « حتى ننال حقوقنا» و«وفاء لدم الشهداء»

لم تمر هذه المنجزات بسهولة. دفع المنتفضون ثمنا غاليا جدا لتحقيق جزء من حملة التنظيف الداخلية والخارجية. بالمقابل تكاتفت قوى الفساد والاستبداد الداخلي والخارجي، متشبثة بمصالحها وما تعتبره غنيمة حرب من جهة، وساحة لتسوية النزاع والمفاوضات السرية، خاصة، بين أمريكا وإيران، من جهة أخرى. فشهدت ساحات التحرير استماتة متلازمة المستبد – المحتل في الدفاع عن وجودها ومصالحها المهددة. قتلت مئات الشهداء وجرحت عشرات الآلاف واعتقلت وعذبت آلاف المتظاهرين. استخدمت كل ما يتوفر لديها من قتلة وأسلحة محرمة ضد متظاهرين سلميين. وحين رأت اصرارهم وصمودهم على مواصلة الطريق الذي شرعوا بالسير فيه، لجأت الى حملة الاختطاف أولا والذي استهدف النساء لمنعهن من المساهمة بأي نشاط كان، ثم القتل بواسطة كاتم الصوت ثانيا. وقد فاقت أعداد ضحايانا ما سقط في أي بلد آخر في العالم شهد الانتفاضة في العقد الأخير من السنين، سواء بالعدد أو بالنسبة لعدد السكان.

إلى جانب الاستهداف الجسدي للمنتفضين، تستعين متلازمة المستبد – المحتل بمواقع التواصل الاجتماعي، لترويع المنتفضين واستهدافهم نفسيا، عبر حملات تشويه منهجية تتهمهم بالعمالة لقوى خارجية، الكيان الصهيوني وأمريكا، مثلا. يساهم في حملات التشويه والتشكيك بطبيعة الانتفاضة عدد من الأكاديميين والمحللين، إضافة، الى عدد من المؤسسات البحثية التي تدعي الموضوعية. يقوم السذج بتدوير ومشاركة هذه المقالات والبحوث، بدون التأكد من صحة مصدرها وتوثيقها. تُنشر هذه الرسائل لترويع وتخويف ومنع الناس من الانضمام الى المنتفضين، او دفع الموجودين على المغادرة. ولا تخلو مواقع التواصل من قنوات بث (يوتيوب)، تبث رسائل تتضمن « فضح» هذا المحتل ضد ذاك، ينفذها أشخاص يرون في أمريكا الخلاص من « الظلامية الإسلاموية»، أو يرون في إيران الخلاص من « الشيطان الأكبر». كلا الطرفين يدعيان الوطنية وانقاذ العراق.

إزاء هذا كله، ما الذي يُعَول عليه المنتفضون، خاصة، مع توقع زيادة الضغط السياسي عليهم للوقوف بجانب « الحكومة» وإلا اُتهمت بالخيانة؟ «الحكومة» التي صارت تُقدم نفسها باعتبارها «العراق» بعد أن استهدف طيران الاحتلال الأمريكي مواقع ميليشيا حزب الله التابع للمحتل الإيراني قبل يومين. فهل «الحكومة» أو مليشيا حزب الله، هي العراق حقا؟

هناك نقاط أساسية يواصل المنتفضون التركيز عليها، وهي: اصرارهم على البقاء في الساحات والشوارع، مؤكدين في تصريحاتهم « حتى ننال حقوقنا» و «وفاء لدم الشهداء». نيل الحقوق يعني في حكومة انتقالية، نزيهة، لم يخدم أفرادها أي احتلال، أمريكيا كان أو إيرانيا أو مُنزلا من المريخ (حسب تعبيرهم)، واجبها الأول هو تمثيل الشعب العراقي، كله، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم القتل، الذين يعرفهم المنتفضون ويُنكر النظام معرفتهم. أن شروط المنتفضين غير مستحيلة، وممكنة التحقيق، إذا ما توفرت الإرادة السياسية الوطنية، وتم وضع حد لمنظومة المحاصصة الطائفية والفساد، التي نخرت الدولة بكل مؤسساتها وتسربت، تدريجيا، الى بنية المجتمع، لتؤسس طبقة ساسة الأحزاب الحالية. كما شَرعت الأبواب للإرهاب، وكل من يرغب بقضم جزء من بلد، أصبح مفهوم السيادة فيه نكتة سمجة، أو قطعة قماش مهلهلة، تُستخدم، كما هو الدستور، لمسح الأوساخ السياسية. وأصبح كل مواطن مطالبا بإثبات وطنيته، عن طريق أما ان يكون مع أمريكا اذن هو ضد إيران، أو مع إيران اذن هو ضد أمريكا، متعامين عن حقيقة أن الاثنين مُحتلان للوطن، وإن بنسب متفاوتة.

في روايته الأخيرة، المعنونة «الأصل»، يحاول الكاتب الأمريكي المعروف دان براون، الإجابة على اثنين من أهم الأسئلة التي يواجهها الانسان عن الحياة: «من أين أتينا؟» و «أين نحن ذاهبون؟». يحيلنا السؤال الأول الى ضرورة معرفة أسباب الانتفاضة لأن «أولئك الذين لا يعرفون الماضي محكوم عليهم بتكراره»، كما يذكرنا الكاتب والفيلسوف الاسباني جورج سانتايانا، أما الإجابة على السؤال الثاني، فإنه محكوم بالأمل الذي يراهن عليه المنتفضون، ونحن معهم.

كاتبة من العراق

 

 

الفضائيات العراقية بين

الانتفاضة والابتذال الإعلامي

هيفاء زنكنة

 

أصبحت المقابلات التلفزيونية التي تجريها الفضائيات العراقية وعدد من القنوات العربية، مع شباب الانتفاضة، مرتعا خصبا أما لتمرير أجندة القنوات السياسية والربحية، وهي مسألة مفهومة، اذ ليست هناك أجهزة إعلام، تعمل كجمعيات احسان لصالح الشعوب، أو ساحة لاستعراض وتذاكي مقدمات ومقدمي البرامج ونشرات الأخبار، بذريعة « أن الشارع العراقي يتساءل»، وحين يدرك مقدم البرنامج، متأخرا، عادة، أن من يتحدث اليه هو الذي يمثل الشارع، يستدرك موجها سؤاله بصيغة تعميمية أكثر، على مستوى « هناك من يتساءل».

معظم هذه القنوات، تواصل تسويق نفسها، على الرغم من كل ما يدل على العكس، باعتبارها محايدة وموضوعية وتمثل صوت الشارع، فيستمرئ مذيعوها ومقدمو برامجها أداء أدوارهم، عن طريق الاستهانة بضيوف البرامج وبالتالي، ولطول ساعات البث، بعقول الناس. حيث برز، في الأسبوعين الأخيرين، إثر اقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ومع تحقيق المنتفضين خطوتهم الأولى نحو التغيير واستعادة الوطن، الوجه الحقيقي للإعلام المخاتل، إزاء المنتفضين، عندما تتم استضافتهم من ساحات التحرير من مختلف أرجاء البلاد. فبدلا من الحديث عن مجريات الحياة اليومية للمنتفضين، وكيف يواصلون البقاء في الساحات والطرق، وتفاصيل التحكم بالمشاعر الإنسانية من غضب وخوف وتحد وهم يواجهون ويتعرضون لاستهداف وحشي، ورمي بالرصاص الحي، ورشهم بالغاز المسيل للدموع والذي يستخدم في مناطق الحروب، فقط، بالإضافة إلى رؤيتهم لزملائهم وأصدقائهم، وفي بعض الحالات أقربائهم، وهم يقتلون أمامهم أو يتم العثور على جثثهم بعد اختطافهم، بدلا من ذلك ، بتنا نرى عملية اخضاعهم، من قبل مقدمي البرامج ، لاستنطاق يذكرنا ببرامج أجهزة الإعلام الرسمية، التي يتم فيها استنطاق عضو عصابة أو إرهابي، بعد تعذيبه وتوقيعه على الاعتراف بطبيعة الحال.

معظم الفضائيات، تواصل تسويق نفسها، على الرغم من كل ما يدل على العكس، باعتبارها محايدة وموضوعية وتمثل صوت الشارع، فيستمرئ مذيعوها ومقدمو برامجها أداء أدوارهم، عن طريق الاستهانة بضيوف البرامج

شاهدنا، قبل أيام، نموذجا لأحد هذه المقابلات في فضائية، تواصل البث على مدى 24 ساعة يوميا. قدم البرنامج، ومدته ساعة، مذيع، أراد أن يثبت أنه صاحب سلطة على الضيف والجمهور، وأنه، وهذا هو الأهم سيحصل، شاء الضيف ام أبى، على الجواب الذي يريده، بالتحديد، لا أكثر ولا أقل. على مدى ساعة، دار المذيع، حول سؤال واحد بتنويعات استنطاقية متفاوتة، بمثابرة يحسد عليها. وهو ليس الوحيد بل بالإمكان اعتباره نموذجا لكثيرين غيره، من مقدمي البرامج العربية. أراد ان يعرف، بالضبط، بأسلوب استعراضي يجمع بين التهكم والجلوس بأوضاع مختلفة، لماذا لم يختر المتظاهرون، حتى الآن، متحدثا رسميا ناطقا باسمهم، يقوم بالتفاوض مع «الحكومة» لتحقيق مطالبهم، و… لماذا لا يخفف المتظاهرون من اصرارهم على المطالب؟

كان الناشط صبورا على الرغم من ملامح التعب البادية على وجهه. وكيف لا يتعب من قضى عدة اسابيع معتصما في ساحة مهددة بالموت، في كل لحظة، على أيدي الميليشيات والقوات الحكومية؟ كرر، المرة تلو المرة، مطالب المنتفضين وكيف أنها أساسية، يرتبط بعضها بالبعض الآخر، ولا يمكن المساومة عليها، خاصة بعد أن ختمت بدماء الشهداء. إنها حقوق غير مطروحة للمقايضة مع نظام فاسد استنفد مدة صلاحيته منذ سنوات، وصبر عليه أبناء الشعب حفاظا على السلم، وأملا في ان يستيقظ الفاسدون، يوما، ليدركوا مدى الخراب الذي جروا اليه العراق وأهله. كرر الناشط، أيضا، رفض المنتفضين لترشيح أي شخص ساهم، بطريقة أو أخرى، في العملية السياسية منذ عام 2003 أو ينتمي الى أحد الأحزاب المشاركة. فالخراب الذي أصاب البلد ليس مسؤولية فرد واحد بل مسؤولية نظام، وترشيح أحد أبناء النظام كرئيس للوزراء لإدارة الحكومة الانتقالية، هو ضحك على الناس، واستهانة واحتقار لا مثيل لهما للشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لاستعادة الوطن من أيدي الفاسدين. وكان الناشط موفقا، تماما، في استخدامه وصف النظام بالفساد باعتباره أساس القمع والاستبداد والطائفية والإرهاب. فالفساد، حسب ميثاق الأمم المتحدة، وقد تذوقه الشعب العراقي على مدى 16 عاما، هو الأخطر على استقرار المجتمعات وأمنها، والأسس الأخلاقية والعدالة وسيادة القانون. وذلك للصلات القائمة بين الفساد وسائر أشكال الجريمة، وخصوصا الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية، بما فيها غسل الأموال، وتزوير العقود والتلاعب بموارد البلد، والتعيينات الوهمية وابعاد الاكفاء النزيهين المؤهلين لشغل الوظائف العامة، مما يهدد الاستقرار السياسي والاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة.

مر مقدم البرنامج مرورا عابرا على تشخيص الناشط عن الفساد والفاسدين، ليركز على السؤال الذي بات قبلة أجهزة الإعلام، ومحط استنطاق يثير الشك، هو الكشف عن ممثلي المنتفضين. حاول الناشط أن يبين خطورة مثل هذه الخطوة، وكيف أن المنتفضين مهددون بالاختطاف والقتل اليومي لمجرد تواجدهم في الساحة فكيف إذا ما تم الإعلان عن أسماء متحدثين او مفاوضين باسمهم؟ الا يكفي عدد المختطفين والقتلى حتى الآن؟ وإذا كانت الحكومة جادة بالاستماع للمنتفضين فلم لم تقم بأي خطوة سريعة لكسب ثقة الناس حتى الآن؟ لماذا يواصلون التأجيل وإقامة الاجتماعات في فنادق فخمة، يَدَعون فيها، تمثيل المنتفضين، ويتصرفون وكأن الحياة المشلولة تسير بشكل طبيعي في البلد؟ قوبلت توضيحات الناشط الهادئة المنطقية، بإصرار مقدم البرنامج على تكرار السؤال، مما دفع الناشط الى تذكيره بانه جالس في استديو خارج العراق، متمتعا بالأمان، حيث لا يمكن أن تطاله الميليشيات أو يد الغدر، مضيفا «أما أنا، فموجود مع الآخرين في ساحة نخاطر فيها بحياتنا، ولا ندري ما الذي سيحدث في الدقائق المقبلة، ومن منا سيكون القربان المقبل، مع هذا نحن مصرون على البقاء، وفاء للشهداء ولأنها الطريقة السلمية الوحيدة التي ستجعلنا نسترجع العراق من الفاسدين ونعيد بنائه».

من بين الإنجازات التي تحسب للانتفاضة، بالإضافة الى توحيد الناس بعيدا عن الطائفية، ونشر الوعي السياسي والاقتصادي، وتقوية الروابط المجتمعية والثقافية، مساهمتها بشكل يومي في تعرية الأحزاب وفضح زيف أجهزة الإعلام المستند، خلافا لما يشاع، ليس على الأجندة السياسية والتجارية لمالكيها فقط، بل على ابتذال العاملين فيها، ممن يقدمون أنفسهم كإعلاميين.

٭ كاتبة من العراق

 

 

من الذي يريد عراقا قويا؟

هيفاء زنكنة

 

ما الذي ينتظره رئيس الجمهورية والبرلمان العراقي بعد اقالة رئيس الوزراء وحكومته، لترشيح بديل مؤقت يليق بمطالب وتضحيات المحتجين ودماء الشهداء؟ ما الذي سينفذه البرلمان، وهو المنتخب من قبل 18 بالمئة من المؤهلين للانتخاب، بينما يتواجد الـ 82 بالمئة منهم، حاليا، في ساحات المدن والمحافظات، احتجاجا على الطائفية والفساد والعمالة، التي غلفت حياة الشباب، الخريجين خاصة، خلال 16 عاما الأخيرة، في بلد يُعد واحدا من أغنى دول النفط المصدرة بالعالم، حيث يصدر 4 ملايين برميل يوميا، وتبلغ ميزانية حكومته 112 مليار دولار (ميزانية إيران للعام المقبل هي 35 مليار وسكانها ضعف سكان العراق) بينما لا يحمل خريج الجامعة، الذي يستشهد في ساحات الاعتصام، وفي جيبه اقل من الدولار يوميا؟

لنترك، جانبا، تاريخ الساسة العتيد في التعاون مع المحتل ومأسسة الطائفية ونهب ثروة البلاد. لنترك جانبا 16 عاما من تجريد المواطنين من الاحساس بالانتماء الى الوطن، وتصنيع الهويات الزبائنية، حيث الولاء لمن ينعم بالعمل او المال من أمراء الميليشيات ومافيات الفساد، ولنراجع سجلهم خلال الستة أسابيع الأخيرة، فقط، أي منذ اندلاع الانتفاضة في الأول من تشرين/ أكتوبر. ولنتبع مقولة « عفا الله عما سلف»، التي طالما كررها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.

عند مراجعة سجل إنجازات رئيس الجمهورية والبرلمان والحكومة المُقالة (لاتزال سارية المفعول بانتظار تحقيق معجزة اختيار رئيس وزراء جديد)، خلال الستة أسابيع، تقريبا، من المظاهرات والاعتصامات السلمية (باعتراف العالم كله)، اقترفت منظومة « العملية السياسية»، أو «النظام الفاشي»، حسب المنتفضين، بشكل مباشر أو غير مباشر، أفعالا تجاوزت حدود الوصف بمفردات «الجرائم» و«الانتهاكات» التي توصف بها أفعال الأنظمة القمعية، عادة.

يضم سجل النظام، حتى اليوم، قتل ما يقارب 475 مواطنا وعشرين ألف جريح وآلاف المعتقلين، بالإضافة الى المختطفين الذين لا يُعرف مصيرهم. وهي أرقام تضمن الفوز الساحق للنظام العراقي على نظام الدكتاتور زين العابدين بن علي، بتونس، مثلا، والذي بلغ عدد ضحاياه، في الأيام السابقة للإطاحة به، 67 شهيدا. وتمت محاكمة الأمنيين الذين ارتكبوا الجرائم، بعد هربه، وهنا وجه التشابه مع بعض ما يجري حاليا في العراق «لأن القتلى الذين سقطوا برصاص الأمن خلال الثورة أصيبوا في أماكن قاتلة مثل الرأس والرقبة، وهذا يعني أن فعل القتل كان متعمدا وليس على وجه الخطأ»، حسب محامية عوائل الشهداء.

مهما كانت مسميات «الطرف الثالث» أو «المندسين»، والتي ترتب عليها استشهاد مئات الشباب في مجازر وحشية ارتكبت خلال وجود هذا النظام، وفشله في حماية المواطنين هو مسؤولية النظام. وأن أفراده، في ظل نظام وطني، سيحاكمون، بتهم القتل العمد والجرائم ضد الإنسانية

من بين «إنجازات» النظام، التي انغرزت عميقا بذاكرة الشعب، هي ارتكاب المجازر. اذ لم يعد معدل القتل اليومي، التدريجي، للمتظاهرين، يُشبع من تعودوا على شرب الدماء. فكانت مجزرة الناصرية، جنوب العراق، التي ذهب ضحيتها زهاء 32 قتيلاوأكثر من 225 جريحًا في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، بينما قُتِل 15 متظاهرًا وجُرِح 157 آخرين في 30 تشرين الثاني/نوفمبر. تخللتها يوم 29 حملة تصفية المتظاهرين في مدينة كربلاء، استشهد خلالها 13 شخصا على الأقل وإصابة 865 آخرين. وأدى هجوم مسلحين على المتظاهرين، في ساحة الخلاني ومنطقة السنك، وسط بغداد، ليلة الجمعة 6 كانون الأول/ ديسمبر، الى مجزرة استشهد جرائها 25 شابا وجُرح نحو 130.

أدى استشراء القتل والاستهداف المنهجي للمتظاهرين الى استنكار عالمي بدءا من الأمين العام للأمم المتحدة الى فرنسا وكندا والولايات المتحدة، بالإضافة الى اصدار المنظمات الحقوقية الدولية، التقرير تلو التقرير، ادانة لاستمرار استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين مما أدى إلى ارتفاع عدد الوفيات والإصابات. ووصل الأمر بالبابا فرنسيس الى مناشدة « السلطات إلى الاستماع إلى صرخة الناس الذين يطلبون حياة كريمة وسلمية».

فمن هو المسؤول، اذن، عن ارتكاب هذه المجازر؟ يؤكد شهود عيان من بين المتظاهرين أنها ميليشيات مسلحة مدعومة إيرانيا، وأنها ميليشيا عصائب الحق وكتائب حزب الله. وتبين أشرطة فيديو عديدة مسيرة مؤيدي الحشد الشعبي، في ساحة التحرير، وهم يحملون السلاح وشعارات تأييد المرجعية مقابل المتظاهرين السلميين حاملي العلم. بينما يتهم الناطقون باسم النظام وكل ساسته، الطرف الثالث، او المندسين. ويقول المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي أنهم «مضمرو سوء يريدون تخريب العلاقة بين العراق وإيران». أما المتحدثون باسم البيت الابيض الأمريكي فالمسؤول الأول هو إيران. أما وكالة انباء «ارنا» الإيرانية الرسمية فقد ذهبت أبعد من ذلك متهمة المتظاهرين أنفسهم بكونهم قد تم تحريكهم من قبل أمريكا والسعودية وإسرائيل «بهدف تخريب علاقات إيران مع العراق وسوريا».

في غياب وجود أي تحقيق عراقي مستقل حول الجرائم، وحملات التشويه والتضليل والتلفيق المستمرة، وعدم تحميل المسؤولية لأي جهة كانت، تبقى كل الاحتمالات حول هوية مرتكبي الجرائم، واردة. فأبواب العراق مشرعة أمام كل من هب ودب، وأرضه مسرحا لصراع يكاد لا يهدأ يوما بين إيران وأمريكا منذ احتلاله عام 2003 وتأسيس «العملية السياسية». فإيران ممثلة بالميليشيات المسلحة المحصنة من العقاب، وأمريكا بقواعدها العسكرية ومخابراتها وقدرتها على تنفيذ العمليات الخاصة بواسطة «الشركات الأمنية». كلا البلدين يدافعان عن مصالحهما وأمنهما، بعيدا عن أراضيها. كلا البلدين مستعدين وقادرين على تنفيذ «العمليات القذرة»، بأشكالها، على حساب حياة العراقيين، لإثارة الفتنة وديمومة ضعف البلد. فالعراق الضعيف، المستهلكة ثروته البشرية والنفطية، في نزاع مستمر، منخفض الدرجة، مفيد لكلا الطرفين. فمن الذي يريد عراقا قويا؟

يلعب ساسة النظام، نفسه، أدوارهم بمهارة عالية. فهم لايزالون يجتمعون سوية، يتبادلون الابتسامات، ولا ينسون أن يستنكروا «استخدام العنف» ضد المتظاهرين، بعد أن يتأكدوا من وجود الكاميرات لالتقاط صورهم. آملين بالبقاء، على الرغم من تآكل وجودهم المنخور بالفساد ودماء الشهداء، وهم يعولون على كسب الوقت وتخدير المنتفضين بالوعود المهدئة. متعامين عن أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي ان ما يجري، مهما كانت مسميات وتوصيفات «الطرف الثالث» أو «المندسين»، والتي ترتب عليها استشهاد مئات الشباب وحتى الأطفال في مجازر وحشية ارتكبت خلال وجود هذا النظام، وفشله في حماية المواطنين هو مسؤولية النظام. وأن أفراده، في ظل نظام وطني مستقل، سيحاكمون، ان آجلا ام عاجلا، بتهم القتل العمد والجرائم ضد الإنسانية.

كاتبة من العراق

 

 

«المندس» الناعم والمسلح

في الانتفاضة العراقية

هيفاء زنكنة

 

يكثر الحديث الإعلامي والسياسي، فيما يخص انتفاضة تشرين/ أكتوبر العراقية، في الأيام الاخيرة، أثر إقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، عن «المندسين». لا يضاهيه في كثرة الترداد، حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنواعها، غير نعت «الذيول» المستخدم لتوصيف أتباع الاحتلالين الأمريكي والإيراني، وهو تعبير أجدى وأوضح لوصف التبعية الفكرية والعملية. وعلى الرغم من كثرة الترداد، ليس هناك تعريف محدد ومتفق عليه للمندسين، بل يتم استخدام التوصيف وفق ما يراه الفرد او المجموعة أو الحكومة، إزاء فرد او مجموعة أو حكومة أخرى، كل حسب انتمائه ومشاعره المتأججة، في حالة الافراد والمجموعات، والأجندة السياسية، المنهجية المتشابهة، في حالة الحكومات والدول. حيث تفتخر أجهزة المخابرات المركزية، في كل بلد، بقدرتها على اختراق او الاندساس بين صفوف المعارضين والثوار ومنظمات المجتمع المدني، أحيانا، ناهيك عن المنظمات الإرهابية، للدلالة على حفظها للأمن وحماية المواطنين.

وتتمثل ظاهرة الاندساس بين المتظاهرين السلميين بأكثر صورها وضوحا في ممارسات الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين، اذ تثبت عدة فيديوهات موثقة، كيف يندس ملثمون بين المتظاهرين وهم يرشقون قوات الاحتلال بالحجارة، ثم يطلقون النار على المتظاهرين بينما تنشغل مجموعة منهم بعزل أحد المتظاهرين عن رفاقه وضربه بقسوة قبل اعتقاله. هؤلاء المندسون يسمون «المستعربين». أما في مصر، فقد رصد فيلم «المندس»، الوثائقي، قضية الاعتداء على المظاهرات من قبل من يُطلق عليهم «المواطنون الشرفاء»، لتتم اضافتهم الى المندسين المتعارف عليهم من بين قوات الأمن.

شغلت ظاهرة الاندساس حيزا كبيرا من مساحة التغطية الإعلامية للانتفاضة ومتابعة التغيرات الجوهرية التي تمكنت من تحقيقها خلال فترة قصيرة، وبتكلفة بشرية عالية، دفعت الرأي العالمي، الى الانتباه اليها، رغم اختيارها الاولي بالتعامي عنها. فمنذ اليوم الأول للانتفاضة والتصريحات الرسمية تخلط بتعمد بين المتظاهرين السلميين الذين لم يحملوا غير العلم العراقي سلاحا و«المندسين»، سواء كانوا وهميين أو من الميليشيات أو قوات الأمن. يكاد لا يخلو أي تصريح رسمي سواء من قبل رئيس الجمهورية والوزراء الى أصغر عسكري أو أمني في الحكومة من اتهام «المندسين»، بحيث أصبحت السردية العامة الجامعة بين الترهيب وتبرير القتل متشابكة الى حد كبير. وبات تناقض السردية من مسؤول الى آخر، وهم يعيشون حالة التخبط ووحشية رد الفعل إزاء الانتفاضة غير المتوقعة، يوقعهم بمسؤوليات قانونية لا يدركون هم أنفسهم مدى تورطهم فيها. ومن المتوقع، فيما لو نجح الشعب في تشكيل حكومة وطنية مستقلة، أن تستخدم التصريحات والأوامر والأفعال التي يتم توثيقها كأدلة في محاكمتهم كمجرمي حرب مسؤولين عن قتل مئات المتظاهرين وجرح الآلاف وإعاقة المئات بشكل دائم.

لقد أثبت المنتفضون، حتى اليوم، أنهم حملة الوعي الوطني، وأنهم، هم أنفسهم، المرجعية الحقيقية الناشطة لتحرير وبناء الوطن، مهما كانت محاولات الاندساس والتشويه وتدوير الوجوه القديمة

حسب التصريحات الحكومية، يظهر «المندسون» بين المتظاهرين بمسميات وأشكال متعددة، مما يمنح النظام حق اعتقالهم وخطفهم وقتلهم. حيث تحدث عادل عبد المهدي عن وجود «الخارجين على القانون»، أما المتحدث باسمه فقد وصفهم بأنهم «مخربون» وأصدر الأوامر باعتقالهم. وأعلن الناطق باسم مركز الإعلام الأمني « أن المندسين بين المتظاهرين استخدموا الحجارة وأطلقوا النيران ضد القوات الأمنية». ويأتي التناقض الأكبر في تصريح وزير الدفاع الذي اتهم «جهة ثالثة» في استهداف المتظاهرين بالأسلحة القاتلة، مما وسع من مفهوم الاندساس ليشمل، للمرة الأولى، الإشارة الى الميليشيات أو قوى خارجية «مجهولة الهوية» وسرعان ما تبنى رئيس الوزراء، الذي بات يوزع التهم يمينا ويسارا، كمحاولة لإنقاذ نفسه من المستنقع الذي حفره لنفسه، بإلقاء مسؤولية حملة اختطاف الناشطين من رجال ونساء بالإضافة الى لواء في الجيش، على «طرف ثالث»، في ذات الوقت الذي يُكذب الناطق باسم وزارة الدفاع تحسين الخفاجي التصريحات التي تدعي وجود أطراف مجهولة، أو عدم معرفة المندسين، لأن» مشاهدة التظاهرات من خلال أجهزتنا وطائرات المراقبة والكاميرات الممتدة في كل أنحاء بغداد تعطينا حركة كاملة للمتظاهرين والمندسين ومن يسيء الى القوات الأمنية والتظاهرات». فاذا كانت أجهزة وطائرات المراقبة والكاميرات توفر الحركة الكاملة للمتظاهرين والمندسين فلم لم تميز القوات الأمنية بينهم وبين المتظاهرين؟ وكيف صار هم قوات النظام قتل المتظاهرين بدلا من اعتقال المندسين؟

في خضم التصريحات الرسمية المفضوحة في بث الاشاعات لتشويه الانتفاضة السلمية، وللتغطية على جرائم النظام، برز نوع آخر من «الاندساس»، الذي يمكن وصفه بالناعم لأنه أكثر قدرة على الاندماج بالمنتفضين. وهو سلاح ذو حدين. حيث نزلت الى ساحات الانتفاضة وجوه كانت معروفة، قبل الغزو والاحتلال عام 2003، بتعاونها، على مستويات مختلفة، مع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، اما بشكل حزبي أو شخصي، لإضفاء الوجه العراقي على غزو البلد. وقد تمت مكافئة العديد منهم بمناصب استشارية، أما لرئيس الجمهورية او رئيس الوزراء. هذا على المستوى الشخصي أما على المستوى الحزبي، فقد كانت المكافأة بشكل مشاركة برلمانية، عبر تحالفات تَدَعي تمثيل الشعب. تتواجد هذه الوجوه في ساحات الانتفاضة، أحيانا، لوهلة قصيرة تكفيها لالتقاط الصور، لأثبات نظافة مواقفهم، وصدى لشعار «نحن مع مطالب المحتجين» الذي يردده كل ساسة « العملية السياسية»، بينما يتزايد سقوط الشهداء. ولا تخلو الساحات من وجوه حزبية تريد ركوب موجة التحرير، بعد اقصائها من «العملية السياسية»، التي كانت من أشد المؤيدين والمنظرين لديمقراطيتها عمليا وفلسفيا، وبعد ان فشلت في الحصول على مكاسب ترى نفسها جديرة بها.

ما هو الدور الذي سيلعبه «المندسون»، على اختلاف تسمياتهم، وتنوع طرق استغلالهم، سواء كانوا من مستخدمي السلاح او أصحاب الخطب الناعمة، بعد اقالة عادل عبد المهدي وحكومته بقوة المنتفضين المباركة بدماء الشهداء؟ لقد أثبت المنتفضون، حتى اليوم، أنهم حملة الوعي الوطني، وأنهم، هم أنفسهم، المرجعية الحقيقية الناشطة لتحرير وبناء الوطن، مهما كانت محاولات الاندساس والتشويه وتدوير الوجوه القديمة.

كاتبة من العراق

 

 

 

 

 

 

 

تهديدات الحاكم بأمره

ومسار الانتفاضة في العراق

هيفاء زنكنة

 

إذا ما حدث ولجأ أحدنا إلى «غوغل»، بحثا عن الأنظمة التي تستهدف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي والقناصة، لوجدنا أن الكيان الصهيوني يحتل مركزا متقدما في استهدافه أبناء الشعب الفلسطيني، ولوجدنا، أيضا، أن النظام العراقي، بات منافسا حقيقيا في استهدافه المتظاهرين السلميين، مما يؤكد، بما لا يقبل الشك، ما نعرفه جميعا، وهو أن أنظمة الاحتلال والقمع، تستنسخ الإرهاب والممارسات الاجرامية.

فالمنتفضون في العراق المحتل أمريكيا وإيرانيا، كما في فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني، ومنذ الأول من تشرين/ أكتوبر، يواجهون وهم يحملون حياتهم على أكفهم، الموت الذي يزرعه القتلة خشية امتداد الحياة.

وإذا كانت المقاومة الفلسطينية قد علمتنا أنها الحياة، فإن مقاومة المحتل الأمريكي، في الأعوام التالية لغزو العرق، قد علمتنا أن المقاومة تعني أن تكون موجودا، أن تكون إنسانا. وها هي انتفاضة تشرين/ اكتوبر، تبين انها، بوحدة تمثيلها للشعب، ومطالبتها بإسقاط النظام الطائفي الفاسد، وإنهاء الاحتلالين الأمريكي والإيراني، قد وصلت مرحلة التغيير النوعي لتراكم ما سبقها من مقاومة وحراك شعبي.

لئلا ننسى: كيف أثبتت التظاهرات، عراقيتها ووطنيتها، منذ الشهر الأول للاحتلال، عام 2003، حين تظاهر عدد من سكان مدينة الفلوجة أمام مدرسة ابتدائية مطالبين قوات الاحتلال بمغادرتها، رافعين شعار «أيها المحتلون القتلة سنخرجكم إن آجلا أم عاجلا». فتعاون المحتل مع الحاكم المحلي على إبادة المدينة واتهام أهلها بالإرهاب. أثمرت المقاومة المسلحة، البطولية، الدامية، رغم تشويهها بالطائفية بـ«العمليات السوداء» المدارة من الاحتلال، بسحب المحتل أغلب قواته وإبقاء وجوه محلية بالنيابة مشاركاً هذه المرة خصمه إيران. واستمرت التظاهرات، بشكل متقطع في كافة أرجاء البلاد بمطالب مختلفة لتعود، بقوة في 25 شباط (فبراير) 2011، تزامنا مع ثورات الحرية في تونس ومصر. جوبهت التظاهرات بالرصاص الحي فاستشهد 27 متظاهرا وتم اعتقال وتعذيب عشرات المتظاهرين. لئلا ننسى، كانون الثاني/يناير 2013، كيف وصف نوري المالكي، رئيس وزراء نظام «حزب الدعوة»، التظاهرات الشعبية والاعتصامات التي ساهم فيها ما يزيد على المئة ألف مواطن، على مدى أسابيع، بأنها «نتنة» وطائفية وأنها «فقاعة»، وهي «عملية تواصل مع جهات أجنبية» وأن المحتجين هم «أصحاب أجندات خارجية» متوعدا إياهم، وهو يزم شفتيه، بقوله: ‘انتهوا قبل أن تنهوا».

وهي اتهامات أطلقها أمين عام حزب مذهبي دينيا / طائفي سياسيا، بامتياز. أما بالنسبة إلى تهمة «التواصل مع جهات اجنبية» أو وفق «أجندات أجنبية»، فليس هناك، في العالم كله، من لا يعرف أن حكام « العملية السياسية»، وصلوا الى سدة مناصبهم بدبابات الاحتلال الانكلو أمريكي؟ فاذا لم يكن هذا تواصلا مع جهات أجنبية فما هو معنى التواصل والأجندة الاجنبية؟

الانتفاضة الحالية ليست وليدة شهر تشرين/ أكتوبر بل استمرارية المقاومة ضد المحتل والنضال الذي دفع آلاف المواطنين حياتهم ثمنا للوصول إليها اليوم، وأن ادعاء النظام الحالي أنه ليس مسؤولا عن خراب 16 عاما، استهانة أخرى بعقول الناس وبحياة الشهداء. وهذا ما أثبت المنتفضون انهم لن يسكتوا عليه هذه المرة

ولنتذكر أن الشعارات التي وصفها المالكي بأنها « نتنة» تضمنت المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين ووضع حد للتعذيب والإهانات اليومية واحتقار الناس، والترويع بتهم الإرهاب الجاهزة، ومعاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان المنهجية التي فاقت كل تصور، بحيث بات العراق على رأس قائمة الدول المنفذة لأحكام الإعدام في غياب نظام قضائي نزيه، حسب تقارير الأمم المتحدة.

ولنتذكر، كما أثبتت، تظاهرات الأنبار، أنها كانت منظمة من قبل لجان شعبية، أشرفت كل لجنة منها على أحد الجوانب العملية كالمحافظة على أمن وسلامة المتظاهرين، وتحديد مداخل التظاهرة، ومراجعة الشعارات والكلمات الخطابية لئلا تتعارض مع الروح الوطنية، بالإضافة الى الاشراف على توفير اماكن التواصل الاجتماعي ووجبات الطعام والمحافظة على نظافة المكان، وعلى الندوات التثقيفية في خيم الاعتصام. أي انها كانت وسابقاتها، على مدى 16 عاما، الأرضية الخصبة التي مهدت للانتفاضة الحالية، بتنظيمها الرائع، وروحها العراقية الأصيلة، وجرأة شبابها ودماء شهدائها.

واجهت الاعتصامات السابقة محاولات اختطاف واحتواء وتشويه متعددة، يكررها المتشبثون بغنيمة السلطة حاليا تجاه المنتفضين. مقابل حيوية المنتفضين وتنظيمهم « مدن الساحات»، المزودة بالأساسيات التي فشل النظام بتزويد البلد بها على مدى 16 عاما وبميزانية سنوية بحدود 120 مليار دولار، يقوم النظام بالدفاع عن وجوده ومصالح أفراده، مسخرا مختلف الأساليب الجامعة بين القمع الوحشي ونعومة الخطاب. يشمل القمع الوحشي الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والقناصة، بالإضافة الى اغتيال الناشطين واختطافهم، خاصة الشابات. دعائيا، لجأوا الى توليفة خطر المنتفضين على البلد ونشر الفوضى وحرق الممتلكات العامة وتعطيل الحياة اليومية والعمالة لقوى خارجية.

أما الشكل الناعم للاحتواء، فقد تبدى بظهور عادل عبد المهدي، محاطا بساسة النظام، وهو يعلن « تفهمه» لمطالب المتظاهرين في ذات الوقت الذي « يحذرهم» من الفراغ السياسي وإحداث الفوضى وتعطيل ميزانية الدولة، ومحملا إياهم حرمان الأطفال من التعليم بسبب مشاركة المدارس في المظاهرات. هكذا ألقى مسؤولية الخراب على عاتق المتظاهرين، وبالتالي وباعتباره القائد العام للقوات المسلحة أفسح المجال لشرعنة قتلهم. معه، احتل بقية الساسة من نواب ورؤساء أحزاب وقادة ميليشيات، شاشات الفضائيات ليعلنوا، جميعا، «تضامنهم» مع المنتفضين، و«حرصهم» على حياتهم، في ذات الوقت الذي تواصل فيه قوات الأمن والمليشيات استهدافها لهم، وسقوط الشهداء من الشباب بشكل يومي. ولا تخلو الساحة الدعائية الإعلامية من وجوه مسؤولين سابقين، يعاد تدويرهم، حاليا، كمحاولة لاستبدال وجه بآخر، تحايلا على المتظاهرين، وانعكاسا، في الوقت نفسه لمدى تمزق النظام وخوف قادة أحزاب «العملية السياسية»، مما سيحمله المستقبل. انطلاقا من هذا، أعلنوا ما أطلقوا عليه «وثيقة الشرف» التي قابلها المنتفضون بالتهكم والسخرية. كما سخروا من دعوات النظام، سواء بلسان رئيس مجلس النواب أو « مثقفي» النظام، الى ترتيب لقاء لعرض طلباتهم وتوجيه «النصائح» لهم بانتخاب من يمثلهم ويتحدث باسمهم بشكل علني. وهي «النصيحة» التي لا يكف مقدمو البرامج التلفزيونية العراقية، عن تكرارها ببلادة ببغائية، ويرفضها المنتفضون جملة وتفصيلا لأنهم يعرفون جيدا ما الذي سيكون عليه مصير من سيتم الإعلان عن أسمائهم وأن الوضع الحالي يقتضي العمل التنسيقي الجماعي خاصة بعد أن أدركت النقابات والاتحادات الوطنية أن عليها المشاركة بالانتفاضة قبل أن يفوت الأوان. ومن يتابع مسار الثورة التونسية، سيجد أن وقوف اتحاد الشغل الى جانب الشباب، على تأخره، بالإضافة الى عدم تدخل الجيش، أحدث تحولا كبيرا في انتصار الثورة.

ان مراجعة مسارات التظاهرات في العراق، على مدى حقبة الاحتلال ومواصلة ذات الوجوه والأحزاب الهيمنة على السلطة، وموارد النفط، وتخريب التعليم، والصحة، والصناعات المحلية، وإفراغ البلد من عقوله، سيبين بوضوح أن الانتفاضة الحالية ليست وليدة شهر تشرين/ أكتوبر بل استمرارية المقاومة ضد المحتل والنضال الذي دفع آلاف المواطنين حياتهم ثمنا للوصول اليها اليوم، وأن ادعاء النظام الحالي أنه ليس مسؤولا عن خراب 16 عاما، استهانة أخرى بعقول الناس وبحياة الشهداء. وهذا ما أثبت المنتفضون انهم لن يسكتوا عليه هذه المرة.

كاتبة من العراق

 

 

المرأة العراقية: «نازلة آخذ حقي»

هيفاء زنكنة

 

بعد سنوات من التغييب القسري، خرجت المرأة العراقية الى الشارع منتفضة بجانب الرجل. أجاب خروجها على سؤال ملح طالما طرحه متابعو المظاهرات والاعتصامات التي تغطي شوارع المدن وساحاتها منذ الغزو الانكلو – أمريكي وما تلاه من انتهاكات وجرائم. كان السؤال: اين هي المرأة العراقية؟ متضمنا سردية إنجازاتها، وهي المعروفة بنضالاتها التاريخية والمعاصرة؟ لماذا الغياب والبلد المحتل بأمس الحاجة الى صوتها؟ كيف تسكت من ساهمت ببناء العراق منذ عشرينيات القرن الماضي، وهي الرائدة في مجال التعليم، والأدب، والنشاط السياسي، والدفاع عن الوطن ضد الاستعمار والظلم والقمع؟

أثار خروج المرأة الى ساحات مدنها وهي تصدح «نازلة آخذ حقي»، اهتماما بالغ الأهمية في داخل العراق وخارجه. فالمرأة التي تتمتع بحرية الحركة في الفضاء العام هي المؤشر الحضاري لأهل البلد، بعيدا عن المتاجرة بحضورها من قبل الأنظمة القمعية.

نساء وفتيات من مختلف الأعمار، من مختلف المهن، خريجات وطالبات، ربات بيوت وعاملات، يشاركن، يوميا، في مظاهرات واعتصامات بشكل لم يشهدها العراق المحتل سابقا. في كل المظاهرات السابقة، منذ الاحتلال ثم في أعوام 2011 و2015 و2018، كان هناك، دائما، عدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، من ناشطات المجتمع المدني، أو أمهات وزوجات المعتقلين، يقفن أمام معسكرات الاعتقال او المراكز الأمنية، أملا في أن يسمعن خبرا عن أحبائهن، مخاطرات بتعريض أنفسهن للامتهان والاذلال.

أما الآن وخاصة منذ 25 تشرين/ أكتوبر، فقد بات حضور المرأة جزءا لا يتجزأ من المطالبة باستعادة الوطن، بديمومة الانتفاضة، ونسغها المتصاعد في ساحات صارت مدنا بفضل مساهماتها. فهي التي ترسم، وتحاجج مقدمي البرامج التلفزيونية المشككين بأهمية الاحتجاجات وماهية المطالب، وتعالج الجرحى، وتعزف الموسيقى، وتشارك في أعداد الطعام وحملات تنظيف أماكن الاعتصامات. نراها بعينيها المحمرتين جراء الغازات المسيلة للدموع والقنابل الدخانية، وهي توزع قناني الماء لغسل عيون الآخرين المستهدفين مثلها.

تثير مشاركة المرأة في انتفاضة تشرين، تساؤلا آخر عن سبب عدم خروجها سابقا؟ أين كانت، بهذه الاعداد الكبيرة في حراك التظاهرات المتواصلة منذ عام الغزو؟ لقد استهدفت المرأة، بشكل خاص، بحملات الترهيب والترويع، المتبدية بالاختطاف والتعذيب ناهيك عن التحرش الجنسي والاغتصاب. وقائمة المعتقلات وتعرضهن لأبشع أنواع التعذيب منذ اليوم الأول للغزو، تحت مختلف الأسباب، طويلة. صار الحرص على سلامة المرأة، الى حد منعها من مغادرة البيت، أولوية المجتمع الذي يحمل، أساسا، الموروث المجتمعي لمفهوم الشرف، المجسد بالمرأة، والذي تستغله السلطات القمعية والاحتلال، كسلاح ضد المرأة وعائلتها وعشيرتها.

وجاء استهداف المرأة العاملات في المجال العام، خطفا وقاتلا، سواء من قبل أفراد أو ميليشيات أو جهات حكومية، ومع انتشار التفاصيل، بدون إلقاء القبض على الجناة أو تقديم توضيح من الجهات المسؤولة، ليرسخ حالة الخوف بين النساء، ومنعها من ممارسة أي نشاط عام.

لم تعد المرأة، كما بقية الشباب، مخدوعة بخطاب الأحزاب المنمق ووعود الحكومات الفاسدة. تعبت من التهجير القسري من بلاد هي ملكها ووطن استحوذ عليه الحرامية. فخرجت مع أشقائها الشباب الى الشوارع، ليعيدوا للعراق كرامته المتمثلة بهم

ولأن المرأة هي المسؤولة عن العائلة عند غياب الرجل قتلا او اعتقالا، لم تعد أولوية المرأة، كما السابق، المساهمة بالشأن العام، بل باتت أولوياتها متعلقة برعاية العائلة، وتوفير بعض الأساسيات الضرورية لمواصلة الحياة. ولايزال لحملات التهجير القسري وسياسة العقاب الجماعي، والعيش في المعسكرات تأثيرا يماثل الإصابة بالشلل وتفتيت القدرة على التفكير ابعد من اللحظة. ينطبق هذا الحال المأساوي على عموم النساء مما أدى الى انكفائهن بعيدا عن الفضاء العام.

بالمقابل، لعبت الطائفية ومحاصصاتها، دورا في استقطاب مجموعات نسوية، وكان لفساد الأحزاب السياسية تأثيره اختيار البرلمانيات اللواتي اقتصرت أدوارهن، غالبا، على ترديد سياسة أحزابهن وان كانت ضد المرأة، وامتد التأثير على الحراك النسوي العام، عبر المنظمات النسوية وتحديد أولوياتها، وفقا لأجندات الجهات الداعمة، سواء كانت داخلية أو خارجية.

ففي الفترة التي تلت ما بعد الغزو مباشرة، نشطت ضمن «العملية السياسية» التي صاغها المحتل، نسوة استعماريات اخترن أن يكن وجها للاحتلال واداة لتسويغ الغزو والحرب وبخطاب غالبا ما يستبدل أو يعارض القضايا الوطنية والاجتماعية والطبقية الأساسية بقضايا التمايزات الثقافية الأخرى الجنسوية أوالجندرية، مع أهميتها كجوانب على المجتمع الانتباه اليها في سياق تطوره لكنها تصبح بحال «كلمات حق أريد بها باطل» مقابل الصراع الوطني والاجتماعي الدموي العاتي.

اختفى هذا النوع من الناشطات، تدريجيا الواحدة بعد الأخرى، معلنات بان المجتمع العراقي ذكوري، ابوي، بعد أن تضاءلت حصتهن في الاستيزار الى الصفر، وأصبحت نسبتهن في البرلمان أداة تبييض وجه أمام الدول الغربية أكثر منها تمثيلا حقيقيا للمرأة وحافزا لتنشيطها وتوفير فرص العمل والانتاج.

ومع تبني قوات الاحتلال الأمريكي سياسة تفعيل تعاون المرأة العراقية التي قادها قائد قوات الاحتلال الجنرال دافيد بترياس، متبعا بذلك نصيحة مستشاره في مكافحة التمرد دافيد كيلكولان، القائل: «احصل على دعم المرأة فتفوز بدعم العائلة كلها. أملك العائلة، حينئذ تخطو خطوة كبيرة إلى الأمام في تعبئة السكان»، ومع استحداث «مبادرة دعم المرأة العراقية» التي أطلقها فيلق مهندسي قوات الاحتلال ويرتبط معظمها بالقواعد العسكرية، تحت شعارات «تمكين المرأة» و «مشاركة المرأة في بناء الاقتصاد». ومنح النساء المتعاونات عقودا بقيمة 180 مليون دولار، أدى هذا كله، خاصة في فترة تزايد عمليات المقاومة ضد المحتل، الى الحاق الضرر وتلويث سمعة عمل المرأة في المجال العام. وإذا اضفنا الى ذلك فرض رجال الدين السياسي (وكلهم رجال) تفسيراتهم الطائفية المتماشية لا مع التدين كمعتقد شخصي، بل مع سياسة الأحزاب المتبنية لهم، وغالبا ميليشياتها، على المرأة بكل تفاصيل حياتها منذ طفولتها وكيفية تزويجها الى تصويتها للانتخابات وتغسيلها عند وفاتها، لوجدنا أن كاهل المرأة كان ينوء بالكثير مما لا يحتمل، فبدت وكأنها تخلت عن ذاتها المقاومة.

إلا أنها عادت، مع بقية الشباب لتعيد إلينا الأمل. متألقة بشبابها لتكون، كما كانت، قوية، أبية، رافعة الرأس، وهي ترفض العودة الى البيت ما لم يتم تحقيق مطالب المنتفضين وهي منهم. في لحظات التعب والضعف الإنساني، تقف وهي ملتفة بعلم بلادها، لتقسم مع بقية الشباب بأنهم لن يكونوا للعِــدَى كالعبيد، مرددين « موطني»، بكلماته المتجذرة عميقا في الوعي العربي الجماعي، من فلسطين الى العراق. لم تعد، كما بقية الشباب، مخدوعة بخطاب الأحزاب المنمق ووعود الحكومات الفاسدة. تعبت من التهجير القسري من بلاد هي ملكها ووطن استحوذ عليه الحرامية. فخرجت مع أشقائها الشباب الى الشوارع، ليعيدوا للعراق كرامته المتمثلة بهم. العراق الذي لم يعودوا قادرين على تحمل رؤيته محتلا، مهانا، مستباحا.

كاتبة من العراق

 

 

على المغول الجدد

الرحيل فالعراق يسير بأهله

هيفاء زنكنة

 

لو أتيحت للرحالة المغربي ابن بطوطة أن يزور بغداد التحرير هذه الايام، قادما من القرن الرابع عشر، لوجد نفسه، كما نجد أنفسنا، إزاء لحظة إنسانية تاريخية، ستجعله يغير ما أمـلاه عـلى ابـن جُـزَي في «تـحـفـة الـنّـظّـار في غـرائـب الأمـصـار وعـجـائـب الأمـصـار». حين وصف رحلته الى العراق، قائلا عن بغداد «وهذه المدينة العتيقة وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية، ومثابة الدعوة الإمامية القرشية، فقد ذهب رسمها. ولم يبق إلا اسمها. وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعي من المستوفز الغفلة والنظر، إلا دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها كالمرآة المجلوة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بين لبتين. فهي تردها ولا تظمأ ونتطلع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ».

ما لم يذكره ابن بطوطة ومن قبله الرحالة الاندلسي ابن جبير ان «مدينة دار السلام، وحضرة الإسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومقر العلماء»، التي اعتبر الإمام الشافعي أن مَن لم يدخلها «ما رأى دنيا، ولا رأى ناسا»، لم يبق الا اسمها، لأنها تعرضت الى أقسى حدث في تاريخها وهو غزو المغول عام 1258. حيث «وضعوا السيف في أهلها» كما ذكر المؤرخ ابن الفوطي ووجدها أحد المؤرخين «وقد رحل عنها سكانها، وبان عنها قطانها، وتمزّقوا في البلاد، ونزلوا بكل واد».

في تشابه مؤلم، سبب الغزو الأمريكي، عام 2003، الذي أسس للاحتلال المشترك مع إيران، لبغداد وبقية العراق، ذات الخراب البشري والعمراني الذي خلفه المغول. انها ذات البغداد. جعلها المغول الجدد على وشك التمزق طائفية وفسادا. مدارسها طينية ومستشفياتها مقابر للمرضى. نساؤها يخشين السير في الشوارع ورجالها معرضون للاعتقال والتعذيب والتغييب. يرحل عنها سكانها خوفا من القمع والقهر والموت. أغنياؤها يتمتعون بالملايين وفقراؤها من النساء والأطفال يتسابقون على التقاط ما يمكن التقاطه من القمامة. الخريجون عاطلون عن العمل. ثروة البلد يتشارك في نهبها الحاكم الفاسد وسادته. مظاهراته واحتجاجاته خلال 16 عاما، تقمع خطفا وقتلا لأنها «بعثية، إرهابية، داعشية، تخريبية». وتجاوز عدد ضحاياه أما قتلا بشكل مباشر أو نتيجة انعدام الخدمات الصحية المليون مواطن.

إنها ذات البغداد، عاصمة البلد الغني الذي يريد الغزاة، كما جيران السوء جميعاً، شرقا وغربا، شمالاً وجنوباً، ابقاءه مريضا، ضعيفا، جائعا، مستخذيا، بلا كرامة، عاجزا عن التفكير أبعد من يومه، ينخره عنف زرعوه وهم يحاولون اقناعه بانه هو السبب لأنه يحمل جينات العنف. الى أن نهض الشباب في الاول من تشرين/ اكتوبر.

نزل المزيد من المتظاهرين، نساء ورجالا، إلى ساحات المدن وجسورها، متعهدين باستمرار الاعتصامات، مهما كان الثمن، مطالبين باستعادة الوطن من أيدي من تصرفوا على مدى 16 عاما، بشكل يماثل المغول في دمويتهم

ليكون يوما سيؤرخ حدثا لم يشهده البلد منذ عاش العراق وبقية الدول العربية فرحة التحرر من الاستعمار. انتفض الشباب على الحكومة والأحزاب وقدسية المرجعيات ومليشيات الاحتلال. مدركين بان صمتهم ان استمر سينتهي بتدمير انفسهم، تدمير الانسان وحضارته التي صنعها عبر التاريخ. انتفضوا على الحاضر المرير، المتمثل لا بالنظام فحسب، بل وحتى أهاليهم الذين خدعتهم أوهام الطائفة، وصمتوا إزاء الخراب والموت البطيء بانتظار تحقيق الوعود. بانتظار غودو. انتظروا ولم يأت الموعود.

باستمرار الانتفاضة، سقطت الجدران الكونكريتية التي أسسها وبناها ويرعاها المحتل والحكام بالنيابة. معها سقطت قائمة التهم الجاهزة. باتت مجرد هراء. إلا أن هذا لا يعني أن النظام وشريكيه سيتنازلون بسهولة امام المتظاهرين، مهما كانت انتفاضتهم سلمية. وإذا كانت قائمة الشهداء قد بلغت 325 والجرحى عشرة آلاف، فان استمرار الاستهداف الوحشي للمعتصمين، بينما يتحدث ساسته عن الاصلاحات، يبين أنهم استساغوا طعم الدم ولن يتوقفوا عن شرب المزيد. ومن يقرأ بيانات وتصريحات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بعد إزالة العبارات المنمقة، الفضفاضة، وتجريدها من « سوف» وعود الاصلاح سيجد أن نية القضاء على الانتفاضة هي التي يريد النظام ومستشاروه وميليشياته الإيرانية، تنفيذه. بينما يقف «المستشارون» الأمريكيون، في معسكراتهم المتناثرة كالبثور على وجه العراق، بانتظار مشاركة الغنيمة.

فبعد أن وزع النظام وميليشياته قناصين عراقيين وإيرانيين على سطوح البنايات، واستخدم الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع المصنعة خصيصا للمعارك الحربية، انتقل الى مرحلة المراوغة اللفظية، والتهديد المبطن، والتستر بعباءة المرجعية وعدد من المثقفي قراط الطائفيين. كلهم يدعون، سوية مع عبد المهدي، انهم حريصون على سلامة المتظاهرين، وعلى الممتلكات العامة، والتعليم، والمستشفيات. في الوقت الذي يعرفون فيه جيدا انهم لم يكملوا أثناء حكمهم مشروعا حقيقيا واحدا (هناك طبعا آلاف المشاريع الوهمية)، وانحدر مستوى التعليم والصحة الى أسوأ المستويات في العالم (حسب المؤشرات الدولية)، وان حرصهم على حياة المتظاهرين تم تطبيقه على الارض بقتلهم. اما قطع الانترنت الذي يعني بان بإمكان النظام أن يقتل الناس كما يشاء بدون أن يطلع العالم الخارجي على جرائمه، فان عبد المهدي يبرره بقوله « لأنه يستخدم للترويج للعنف والكراهية والتآمر على الوطن وتعطيل الحياة العامة». كما يشرعن قتل المتظاهرين بذريعة ان النظام « في وضع دفاعي كامل» وانه «لا يستخدم النار بل أبسط الوسائل»، مستهجنا بحرقة المتهم البريء «ومع ذلك نُلام»! وليصب الملح على جروح المتظاهرين وذوي الشهداء وليقتل الشهداء مرة ثانية وثالثة، أطلق النظام عددا من المثقفي قراط ليجلسوا في استديوهات الفضائيات (عزت الشابندر، الشرقية، 8 تشرين الثاني/نوفمبر) مدافعين، عن جرائمه، بحجة ان القوة الخفيفة للدولة تحمي المؤسسات، والى حد لوم الضحايا (وهو نهج شائع لدى المحتل الصهيوني) في ذات الوقت الذي تم فيه قتل ستة متظاهرين، ونزل المزيد من المتظاهرين، نساء ورجالا، الى ساحات المدن وجسورها، متعهدين باستمرار الاعتصامات، مهما كان الثمن، مطالبين باستعادة الوطن من أيدى من تصرفوا على مدى 16 عاما، بشكل يماثل المغول في دمويتهم، وأطلقوا من وعود الاصلاح الكاذبة ما يجعل حتى ملابس الامبراطور العاري حقيقة بالمقارنة.

كاتبة من العراق

 

هل لمتظاهري العراق برنامج محدد؟

هيفاء زنكنة

 ما هي مطالب المنتفضين في ساحات التحرير في العراق؟ منذ انبثاق انتفاضة الشباب في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر، في عديد المدن، ويكاد لا يخلو برنامج تلفزيوني، محلي أو عالمي، أو مقال صحافي من طرح هذا السؤال ومحاولة الإجابة عليه. وإذا كانت الإجابة، في أيام الانتفاضة الأولى، محصورة بأصوات المسؤولين الحكوميين وقادة الأحزاب والميليشيات (يقدمون أنفسهم كساسة)، فإنها لم تعد تقتصر على وجوه النظام أو حتى البرلمانيين الذين كانوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلي الشعب. غاب النواب، اختفوا عن أنظار المشاهدين والجمهور عموما. سقطت أقنعة التجارة بمحنة «المظلومين» من داخل منظومة تجد أن بقاءها في السلطة هو الأولوية وأن الشعب لا يزيد عن كونه « فائض قيمة»، في بلد ريعي، ومن الأفضل التخلص منه، مهما كانت همجية الطرق المستخدمة.

بهذا المنطق، تمت شرعنة شراسة قمع المتظاهرين، المصرين على استعادة وطنهم وملكية شوارعهم بطرق سلمية، وأساليب إبداعية، قلما شهدها العراق سابقا. في المقابل «أبدع» النظام في استهدافه المتظاهرين، بدون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال ما أدى إلى قتل 250 مواطنا وجرح عشرة آلاف، حتى الآن. وحين قام «فريق التحقق الرقمي»، التابع لمنظمة العفو الدولية، في 31 تشرين الأول/ أكتوبر «بتحديد الموقع الجغرافي وتحليل أدلة في مقاطع فيديو، صورت بالقرب من ساحة التحرير في بغداد، توثّق الوفيات والإصابات بما في ذلك اللحم المتفحم، والجروح التي انبعث منها «الدخان»، تبين أن أنواع قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقتها شرطة مكافحة الشغب وقوات الأمن الأخرى، على المتظاهرين مباشرة، هي من نوعين مختلفين من بلغاريا وصربيا. ويبلغ وزنها 10 أضعاف ثقل عبوات الغاز المسيل للدموع. وعلى عكس معظم قنابل الغاز المسيل للدموع التي تستخدمها قوات الشرطة في جميع أنحاء العالم يتم تصميم هذين النوعين على غرار القنابل العسكرية الهجومية المصممة للقتال مما أدى إلى إصابات مروعة، وموت متظاهرين بعد أن أغرست القنابل داخل رؤوسهم. كما قال العديد من الشهود إن ما يصل إلى 10 قنابل – والتي يشير إليها المحتجون باسم « الدخانية» – يتم إطلاقها في الوقت نفسه على المناطق المزدحمة، وينبعث منها نوع من الدخان رائحته مختلفة عن أي قنابل غاز مسيل للدموع سبق أن شاهدوها. وقد وجد بحث أجرته المنظمة أنه نظرًا لوزنها وتركيبها، فإنها أكثر خطورة بكثير على المحتجين. وأكد خبير الطب الشرعي للمنظمة أنهم «لم يروا مثل هذه الإصابات الشديدة بسبب هذا من قبل».

يعيدنا استخدام هذه الأسلحة المخيفة والسموم وما تسببه من إصابات مروعة في صفوف المتظاهرين، إلى يوم 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، حين بارك رئيس الوزراء، آنذاك، أياد علاوي هجوم قوات الاحتلال الانجلو أمريكي على مدينة المقاومة الفلوجة بحجة تحريرها، مستخدمين اليورانيوم المنضب وجيلا جديدا من الفسفور الأبيض الذي يذيب أجساد الضحايا.

الساسة والمحللون الذين يحاولون الحط من قيمة التظاهرات وتشويه المطالبة بالسيادة والحرية والكرامة صاروا يتحدثون عن عدم وجود قيادة واضحة لها

ولايزال أهل الفلوجة، وبقية المدن التي تناثر فيها غبار الموت البطيء، يعانون من الارتفاع الملحوظ في مستويات التشوهات الخلقية عند الولادة، جنبا إلى جنب مع ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة، حسب تقارير علمية معروفة.

ولأن القتلة يتشابهون واصل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي سياسة سلفه فأمر بقصف المدينة بالبراميل المتفجرة، بحجة تخليصها من «الإرهاب»، ولكن مع بعض الاختلاف. لم يعد المحتل الأمريكي هو «السيد» الوحيد، بل بات «آية الله»، الجالس في طهران شريكا يمثله قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، الذي صار وجوده على الأرض العراقية ملحوظا أكثر من دوام النواب في البرلمان العراقي. ولأن سليماني يعرف جيدا أن خونة أوطانهم لايؤتمنون، حضر إلى بغداد، هذه الأيام، ليشرف بنفسه على أداء أتباعه من الميليشيات إلى الوزراء وقادة الأحزاب والنواب، عسكريا ودعائيا.

الملاحظ أن الساسة والمحللين الذين يحاولون الحط من قيمة التظاهرات، وتشويه المطالبة بالسيادة والحرية والكرامة، صاروا يتحدثون عن عدم وجود قيادة واضحة وانعدام البرنامج، بعد أن فشلت اتهاماتهم التي وأدت المظاهرات السابقة، وبعد أن بات للمظاهرات شعار موحد هو «نريد وطن»، يتفيأ في ظله الطلاب والعمال والأكاديميون والمهمشون وعدد من النقابات، وبات الحضور النسائي، ملمحا متميزا، متجاهلين حقيقة أن للانتفاضات ديناميكية تجعل النكوص إلى الوراء مستحيلا وأن التغيير حاصل لامحالة.

إن عدم وجود قيادة واضحة أمام عدسات الكاميرات وفي الاستديوهات ضروري إزاء القمع والإرهاب الرسمي. أما بالنسبة إلى المطالب والبرنامج، فقد تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، في الأيام الأخيرة، ما الذي يعنيه المتظاهرون بـ «نريد وطن» ويتضمن برنامجا، من أهم نقاطه: استقالة الحكومة الحالية، تشكيل حكومة انتقاليّة مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر فقط، وتتألف من شخصيات تتوفر فيهم أربعة شروط هي: أن يكونوا مستقلين ولم يسبق لهم العمل في أي حزب سياسي سابقاً. لم يسبق لهم العمل في أي حكومة أو مجلس نواب سابق، ولا في أي حكومة محلية أو مجلس محافظة، أن لا يتقدموا للترشيح في الانتخابات المقبلة ولا يشاركوا في الرعاية أو الترويج لانتخاب أي مرشّح، وأن يكونوا من المشهود لهم بالنزاهة والشجاعة والوطنيّة، وأن يتم تعديل قانون الانتخابات وتشكيل مفوضية مستقلة جديدة للانتخابات بنفس شروط أعضاء الحكومة الانتقاليّة، إجراء انتخابات جديدة ويكون موعدها قبل نهاية فترة الحكومة الانتقاليّة، أن يقوم مجلس النوّاب الجديد بتعديل الدستور بفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، أن تتعهّد الحكومتان الانتقالية والدائمة بإجراء تحقيق عاجل حول الجهات والأشخاص الذين تسببوا بقتل المتظاهرين، وإنزال حكم القضاء العادل بهم، وتعويض أسر الشهداء والتكفل بعلاج الجرحى وتعويضهم، وأن يتعهّد مجلس القضاء الأعلى أن يتم فوراً إطلاق تحقيق «من أين لك هذا؟» بحق المسؤولين الحاليين والسابقين، وسائر موظفي الدولة، واسترداد الأموال من السرّاق مهما كانت الجهة التي تقف خلفهم.

تمنحنا هذه المطالب، ملامح وليس بالضرورة كل ما يمكن أن يعيد البلاد إلى أهلها، ليتمتعوا بكل حقوق المواطنين بلا استثناء، بالإضافة إلى السلام، إقليميا ودوليا. هل هذه أضغاث أحلام ونحن نرى أصبع كل من هب ودب مغروزة في غنيمة العراق؟ لا أظن ذلك. وبإمكان المتظاهرين تحقيقه إذا ما استمروا رافضين لحالة اللا كرامة والإهانة المفروضة عليهم. إنه ليس مشروعا من المستحيل تحقيقه من قبل المتظاهرين الذين نجحوا، خلال شهر واحد، من إسقاط المشروع الاستعماري الطائفي بمحو الهوية الوطنية، ومنظومة التمييز، وهيمنة الأحزاب الفاسدة، والخوف من الميليشيات وأوهام القدسية التي لا تمس.

كاتبة من العراق

 

 

شعراء الشوارع يستعيدون عراقهم

هيفاء زنكنة

 

مع استمرار المظاهرات في عديد المدن العراقية، وإشهار النظام أدوات قتله بوجوه المتظاهرين، ومع سقوط المزيد من الشهداء، بشكل يومي، ومع حالة الخرس العربية المزمنة، برزت من صميم الانتفاضة، مستويات إبداعية متعددة لتتحدى نظام اللانظام، وعمليته السياسية الطائفية، الفاسدة، التي أسسها المحتل.

تنوعت مستويات الإبداع، التي طالما تميز بها الشعب العراقي، لتساهم في كسر حواجز الخوف والتقسيمات الطائفية والدينية والعرقية المفبركة. فمن الفن التشكيلي والكاريكاتير إلى الموسيقى والشعر والغناء إلى رفع شعارات تخطها الأيدي بحرقة قلب وغضب بات من المستحيل كبته. توحدت، هذه الأوجه المتعددة، جميعا، معبرة بالألوان، والمفردات، والصور عن الظلم والأمل والأحلام وحب الحياة. انضم الفنانون إلى المتظاهرين الشباب ليصرخوا بوجوه من استهانوا بكرامتهم بأن الشوارع ملكهم، والمدن ملكهم، وسيبقون فيها حتى يستعيدون الوطن. فالطغاة مهما تحصنوا بأسلحتهم، وأجهزة إعلامهم، وأموال فسادهم، ودعم سادتهم، يخشون الكلمة واللون وصوت المغني، خاصة إذا ما خضبتها دماء الشهداء.

وإذ ترحب الانتفاضة الجماهيرية بانضمام الطلاب والجامعات والأكاديميين ونقابة المحامين والمدرسين إليها، للتضامن مع من نزلوا إلى الشوارع يوم الأول من تشرين الأول/ اكتوبر وحتى اليوم، يقف أبناء الشعب متسائلين: هل نعيد اجترار الدموع ونلطم حتى إسالة الدم من صدورنا، وتحويل الشهداء إلى صور جامدة بلا حياة، ننساها بعد حين؟ رافضين للحلول الكاذبة ومقايضة الشهداء وتضحياتهم، يقول المتظاهرون: سنبقى وفاء لآمال الشهداء الذين سقطوا مطالبين بحق الكرامة وان يعيشوا سنوات تحقيق طموحاتهم في وطنهم. في شوارع مدنهم. أن يكتبوا قصائد أحلامهم بأنفسهم، لأنفسهم، ولأبناء شعبهم.

يقول المتظاهرون، في لحظات قتل زملائهم، وأجسادهم محروقة بالغاز: نحن أخوة الشهداء، وأهلنا في أرجاء الدول العربية يعرفون معنى ذلك جيدا، وهم يرفعون أجساد أبنائهم العارية إلا من دماء رصاص القناصين والغارات الجوية والغازات الخانقة لأنفاس شباب كل ما يريدونه هو بناء الأمل. هذه صباحات بلداننا ومساءاتها. نراها عبر شاشات التلفاز أو نعيشها ونحن نتساءل أي بلد عربي سيعيش الغدر والتنكيل اليوم؟ فلسطين؟ العراق؟ سوريا؟ أي البلدان هو؟ الشهداء متشابهون وخراب المدن متشابه. وآه… كم يتشابه الطغاة في أكاذيبهم وخنوعهم أمام أسيادهم الأجانب، واستئسادهم تجاه شعوبهم المقاومة الحية. ألم يكن شاعرنا الرصافي محقا بقوله «عبيد للأجانب هم ولكن على أبناء جلدتهم أسودُ»!

منذ الأيام الأولى للمظاهرات اختفى معظم الساسة وقادة الأحزاب وأعضاء البرلمان، باستثناء الخطاب الفضائي الذي ألقاه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وملهاة رئيس البرلمان الحلبوسي حول تحقيقه مطالب الشباب، ارتدى بقية الساسة طاقية الإخفاء، ليصبح المجال مفتوحا أمام الشعب من جهة وأجهزة النظام القمعية والقتلة من الميليشيات الإرهابية من جهة أخرى.

منذ عام 2003، عام الغزو والاحتلال، والعراق ينتفض ويثور كالبركان الذي ما أن يهدأ لفترة حتى يستعيد توهجه وغليان نيرانه

إزاء صمت أجهزة الإعلام أو شراء سكوتها، سيطر الشباب المتظاهرون، داخل العراق، على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي ليتبادلوا وينشروا أخبارهم وما يحيط بهم، والتحليل والتعليق والصور والفيديوهات الناقلة للحدث الآني المباشر، التي غالبا ما ترفض أجهزة الإعلام الرسمية نشرها أو تقوم بنشرها بشكل انتقائي دقيق.

خارج العراق، في أمريكا وأوروبا، استحدث الشباب المتضامن مع المتظاهرين مجموعات «واتساب» تتابع وتتفاعل وتنظم التظاهرات أمام السفارات العراقية وأجهزة الإعلام الرئيسية كالبي بي سي ومقرات الحكومات ورؤساء الوزراء والأمم المتحدة. أبدعوا أساليب جديدة لجذب الانتباه إلى الإبادة التي يتعرض لها المتظاهرون داخل العراق، وإدانة الصمت الدولي، وتهرب الدول الغربية، وأمريكا خاصة من مسؤوليتها في غزو واحتلال العراق وتهيئة الأرضية للتقسيم والفساد والأرهاب.

مع الشباب المتظاهرالمستقل الذي لم يعد يطالب بالخدمات الأساسية باعتبارها أحلاما وطموحا بل حقا على الحكومة توفيرها، وقف عدد من فنانينا الكبار. لم تعد البلدان التي يقطنونها جدارا عازلا بينهم وبين المتظاهرين كما لم يعد اختلاف العمر فاصلا بين النشاط الإبداعي وانخراط الشباب في عملية التغيير، التغيير الضروري للتطوير المستمر في ديناميكية تعكس حب العراق.

خلال ايام قليلة أنتج الفنانون، ورثة الفن المعروف بمقاومته للاحتلال والقمع، عددا كبيرا من الاعمال الفنية، وفروها للجميع على صفحات الفيسبوك والانستغرام وكل مكان يجدون فيه متنفسا للحرية والتواصل مع المتظاهرين. رأينا فنانين يشاركون في المظاهرات، ورأينا آخرين عبر تخطيطاتهم ولوحاتهم ومنحوتاتهم. باتت أصوات المتظاهرين جزءا من الأعمال الفنية في لحظات اقتراب المخيلة والأحلام من الواقع. حملت أعمال الفنانين عناوين الشارع: لا لاغتيال المتظاهرين، نريد الوطن، قوات مكافحة الشغب وهي تداهم المتظاهرين، كلهم حرامية، نازل آخذ حقي، ولنا كلام آخر. وقد اختار منظمو المهرجان السنوي العالمي في مدينة ردينغ البريطانية، عشرين عملاً فنيا جديدا عن الانتفاضة لتعرض متزامناً مع ورشة حاشدة يوم الجمعة الماضي عن رحلة لتاريخ موسيقى العود العراقي كان مخططا لها منذ أشهر.

ضمن مجموعات الواتساب الشبابية باتت اللغة، بالتعليقات التغريدية القصيرة وأخطائها النحوية، سلاحا للتهكم من أعضاء الحكومة ومجلس النواب والأحزاب، وحتى المراجع الدينية التي تحاط عادة بالقدسية، مسها رشاش السخرية والتهكم. ولا تخلو صفحات التواصل من نقل دقائق ما يجري في الساحات والشوارع بأسلوب سردي يجمع بين المعلومة والتحدي والسخرية، بات منتشرا أثناء الانتفاضة. كتب أحد الشباب ناقلا إلينا خبر انضمام التلاميذ والطلاب إلى المتظاهرين:

«حدث تغيير كبير في العراق، خرج عشرات الآلاف من الطلاب من جميع مستويات التعليم في شوارع بغداد في احتجاج عام ينضم إلى المحتجين. حيث استيقظت الحكومة النايمة على صداع كبير، لا يمكنهم إطلاق النار على طلاب الصف الخامس الابتدائي بحقائب مدرسية من الرجل الحديدي

يهدد ساسة النظام العراقيين بالفوضى إذا ما استمرت المظاهرات وتم انضمام بقية شرائح الشعب إلى العصيان المدني، متعامين عن حقيقة أن وجودهم، بأحزابهم وميليشياتهم وولائهم لغير الشعب، هو الفوضى بعينها.

«إنه الوطن»… يقول شباب العراق

هيفاء زنكنة

 

في الأسبوع الرابع من المظاهرات في العراق، التي شملت عديد المدن في أرجاء البلاد، وبعد استشهاد 200 متظاهر وجرح حوالي ثمانية آلاف، لم يعد المتظاهرون الشباب يطالبون، فقط، بتحسين الخدمات. تكلفة الحياة الثمينة دفعتهم إلى إعادة ترتيب الأولويات. تعافوا من المطالب الخدماتية منذ تصنيع «العملية السياسية» وليدة الاحتلال الانكلو أمريكي عام 2003. تراجعت مطالب الماء الصالح للشرب والكهرباء والخدمات الصحية، على أهميتها القصوى، وهي ليست منة حزبية أو حكومية، بل من أساسيات حقوق الإنسان، وقاعدة هرم الاحتياجات الإنسانية التي ترتقي بالشعوب، ليعود إلى الواجهة أحد المطالب التي برزت أثناء مظاهرات تموز/ يوليو 2018، مع اختلاف مهم. اذ عاد المطلب، أساسيا وبشكل جماعي أقوى وأعمق هذه المرة، وبالتزامن مع المطالبة بحرية الرأي والمساواة بين المواطنين. صارت الهمسة صرخة تنادي «نريد الوطن».

بعد أن أثبت المتظاهرون أنهم خارج الأحزاب، بأنواعها، والمرجعيات الدينية بأنواعها، وتجار الفساد والتبعية للمحتل بأنواعه، لم يعودوا بحاجة إلى إثبات نقائهم الديني والمذهبي ودفع تهم الاندساس والإرهاب والبعث، وبعد أن نفضوا عن أنفسهم الخوف من التهم الجاهزة، المانعة لخروجهم إلى شوارع مدنهم واستعادة ملكيتها (الشوارع ملك للناس، للشعب… أليس كذلك؟)، صار الشعار المختلف الذي شهد ولادة طبيعية، من صميم حراكهم ومبارك بقدسية دمائهم هو «نريد الوطن». مطلب تبناه الشباب في داخل وخارج العراق، لاستعادة ما سلب منهم، وامتد كما لاحظنا من مظاهرات لبنان، في الأيام الأخيرة، إلى بلدان أخرى، بينما تستمر تصريحات الساسة ورجال الدين في إدانة العنف والفساد، كأنهم ليسوا غارقين فيهما، وكأن الشهداء يتساقطون نتيجة تغير مفاجئ في درجات الحرارة وليس قناصة النظام.

«نريد الوطن»، مطلب عضوي يماثل بانتشاره «الشعب يريد اسقاط النظام»، متضمنا، في الوقت نفسه، ما هو أبعد من مجرد اسقاط النظام، ومأسسة المحاصة الطائفية وتوزيع أسهم الفساد. حيث يطمح المتظاهرون إلى البناء، إلى التوحيد بديلا لسياسة التفكيك الاستعمارية المنفذة بالنيابة. إلى العيش في وطن لا مقاطعات القرون المظلمة. إنهم، يعملون من أجل هدف، تم تغييبه عمدا، خلال سنوات الاحتلال وحكامه بالنيابة، ممن ساهموا، ولايزالون، في تفتيت مفهوم الوطن، والترويج للهوية «السائلة»، والولاء لمن يقدم «العرض الأفضل»، ما دام الوطن، حسب منظورهم، سينمحي، تدريجيا، إزاء القبول بالواقع الجديد.

بعد أن أثبت المتظاهرون انهم خارج الاحزاب، بأنواعها، والمرجعيات الدينية بأنواعها، وتجار الفساد والتبعية للمحتل بأنواعه، لم يعودوا بحاجة الى اثبات نقائهم الديني والمذهبي ودفع تهم الاندساس والإرهاب

سواء كان الواقع مضمخا بوعود ديمقراطية المحتل الأمريكي أو دكتاتورية ولاية الفقيه. كلاهما يريدان، بشكل أو آخر، اختزال الوطن ـ العراق بطبقات معانيه، المتعددة، العميقة في ثرائها، إلى ايديولوجيا السرير الحديدي المعد سلفا، كما صنعه الحداد وقاطع الطريق اليوناني بروكرست، الذي كان يهاجم الناس ويقوم أما بمط أجسادهم أو قطع أرجلهم ليتناسب طول أجسامهم مع سريره الحديدي. فالسياسة الاستعمارية الجديدة، لم يطرأ تغير كبير على فحواها: إنها تعتاش وترتزق على مغذي الحاكم المحلي، العبد الذي يحصل على ترقية، فيُسمح له بالخدمة في بيت السيد بدلا من الحقل، إذا كان يخدمه بإخلاص، كما وصف المغني الأمريكي الأسود هاري بيلافونتي رجلاً أسود آخر هو كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي أثناء غزو العراق.

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوة المتظاهرين للمطالبة بحق لا ينص عليه ميثاق حقوق الإنسان، بهذا الشكل المباشر، الصريح : نريد الوطن. وهي خطوة أذهلت كل أحزاب «العملية السياسية»، من الإسلامية إلى العلمانية، ومن القومية إلى الشيوعية، والتي تاجرت جميعا بتحالفاتها، من انتخاب «ديمقراطي» إلى آخر، تحت شعارات ظاهرها محاربة الفساد والمحاصصة، وباطنها «معا من أجل المحاصصة والفساد». لم تعد التظاهرات مرهونة بخدعة نحن ضد الفساد، نحن نزهاء. نحن مع سيادة العراق، نحن وطنيون.

ولعل أكبر خدع الاحتواء التي عاشها المتظاهرون على مدى سنوات الاحتلال هي التي يطلقها «سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر دام عزه»، الذي يروج له، بعد تحالف الحزب الشيوعي معه في الانتخابات والبرلمان، أنه «مدني». فالمعروف، ومن مراجعة بسيطة، لمجريات المظاهرات السابقة، أنه من يتدخل دائما، بالتعاون مع المرجعية الدينية، على انقاذ النظام، في لحظات اقتراب المتظاهرين من تحقيق التغيير. فهو الذي منح نظام نوري المالكي مهلة ستة أشهر لإجراء الاصلاحات الخدمية التي طالب بها المتظاهرون عام 2011 بعد أن كان رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه قد طلب مهلة شهر واحد. ثم عاد ومنح المالكي مهلة أخرى بعد أن خرج المتظاهرون لمطالبة حكومة نوري المالكي بتقديم استقالتها، وكانت النتيجة احتواء المتظاهرين ووضع حد للمظاهرات عبر استخدام أجهزة النظام القمعية واختيار مقتدى الصدر الانزواء في إيران. وكرر التكتيك نفسه مع متظاهري البصرة وغيرها في سنوات تالية مغادرا العراق في لحظات الأزمات الحادة بذريعة الدراسة حينا وكتابة الشعر في حين آخر. وها هو يعود اليوم، بعد صمت لا يضاهيه غير صمت مرجعية النجف على قتل المتظاهرين وتزايد أعداد المختطفين والمعتقلين، واستنكار المنظمات الحقوقية الدولية، واصرار المتظاهرين على الاستمرار، محاولا أن يمدد بقاء ساسة العملية السياسية الفاسدين، وهو وتحالفه جزء لا يتجزأ منها، عبر تخدير الانتفاضة بشعاراته المعتادة «كلا كلا أمريكا» و «كلا كلا للفساد… نعم نعم للإصلاح».

يعلمنا التاريخ أن عمر مغازلة الأوهام وشعبوية الخطاب السياسي، ونشر سياسة القبول بالأمر الواقع، وتخويف المطالبين بتغييره بالفوضى، خدعة قد تنطلي على الشعوب لفترة إلا أنها لن تطول. وخدعة الاصلاح، بعد مرور 16 عاما من فقدان السيادة الوطنية وبؤس الحياة اليومية، والمشاريع الوهمية، لم تعد تنطلي على أحد مهما حاول الساسة تعليبها بشكل جذاب. وحين يخرج الشباب متظاهرين، مطالبين باستعادة ملكيتهم للوطن، فلأنهم يدركون أن دماء الشهداء لا تغسلها وعود القتلة، وأن التعويضات المادية لا تعيد للأمهات أبناءهم، ومنح الشهداء «منزلة الشهيد» من قبل القتلة هو امتهان لكرامة المنتفضين. وهو مخدر سيوفر للفاسدين المستغلين ديمومة بقائهم. وإبقاء المواطن في غيبوبة، مربوطا بآلة تنفس اصطناعي. إنه الميت الحي وهو المطلوب.

كاتبة من العراق

 

جينات العائلة العراقية

تنتفض في تشرين

هيفاء زنكنة

 

باستثناء المشاركة الرمزية في المظاهرات المليونية التي شهدها العالم في شباط/ فبراير 2003، معلنا بصوت واضح الرفض الشعبي، لشن الحرب على العراق، لم يساهم عراقيو الخارج، باستثناء قلة، وفي حالات نادرة، في مظاهرات او اعتصامات تساند وتدعم اي فعل شعبي، ينفذ داخل العراق، مهما كانت شرعيته القانونية والاخلاقية، وخاصة اذا كان يدعو الى اجراء تغيير حقيقي في هيكلية « العملية السياسية» أو اسقاط النظام. أسباب الصمت العلني كثيرة، أهمها ان معظم العراقيين المقيمين في اوروبا وأمريكا وصلوها لأسباب سياسية، وفق درجة القمع في حقب مختلفة، وليست اقتصادية كما في عديد البلدان العربية.

وقد نقل العراقيون معهم في رحيلهم الى بلدان الاقامة الجديدة حقائب ثقيلة من العقد والخلافات بالاضافة الى الولاء الايديولوجي الضيق والمحدود للأحزاب التي ينتمون اليها. ومع صعوبة التأقلم مع المجتمعات الجديدة، خلق كل حزب لأعضائه منظمات مجتمع مدني، جمعيات او منتديات او حسينيات او نواد، مهدت الأرضية منذ انشائها، لمأسسة غيتوات الطائفية سواء كانت علمانية أو دينية، خارج البلد استعدادا للعودة اليه بعد «التحرير».

حصلت معظم هذه المنظمات والمنتديات، منذ تسعينيات القرن الماضي، على التمويل من بلدان الاقامة. فكان من الطبيعي، ان يتعاملوا مع قضايا العراق، غالبا، وفق سياسة البلد وجهة التمويل. وازداد التحكم «الناعم» بهذه المنظمات والمنتديات، بعد اعلان أمريكا سياسة «الحرب على الإرهاب» وفرض السياسة على دول اخرى. فمن يتم تمويله من قبل مؤسسة بريطانية، مثلا، ليس من مصلحته وضع الاحتجاج على سياسة الحكومة البريطانية في العراق، واستفادتها من عقود النفط والسلاح الشركات الأمنية ضمن برنامجه. المنفعة الاقتصادية لصالح بريطانيا أرض محظور مسها. وتوجيه الاتهام الى استخدام التعذيب من قبل القوات البريطانية وهي ذاتها التي تدرب القوات العراقية على «حقوق الانسان»، ارض محظورة هي الأخرى، ومفهومة ضمنيا بدون الحاجة الى وضعها على الورق ضمن البرنامج المعلن لمنظمة المجتمع المدني. فبات معظم نشاط هذه المنظمات/ الجمعيات/ المنتديات يقتصر على تنظيم السفرات والحفلات وعروض الازياء ومناسبات الاعياد وذكرى تأسيس الحزب صاحب الجمعية، واستشهاد الامام الحسين، ومجالس العزاء. ولا تخلو البرامج من محاضرات تمس، بحذر، ما يجري في العراق وبشرط ألا تؤثر، بأي شكل من الاشكال، على «طمأنينة ورضا» عقول الحاضرين. واذا كان هناك ما يثير الغضب والحزن حول ما يدور في بلدهم الام فهو وجود «الإرهابيين» وانقياد «المتخلفين»، من ابناء الشعب، لهم.

الشباب العراقي قرر أن يأخذ زمام الأمور بيده، وألا يعتمد على الساسة والبرلمان والأحزاب، وأن ينزع عن رجال الدين، من أصغرهم إلى أكبرهم، رداء القدسية المذهبية

وكان لظهور تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» واعلانه مدينة الموصل، شمال العراق، عاصمة له، الحد الفاصل لدى الكثيرين، لتناسي او التعامي أو غسل جرائم المحتل الانكلو أمريكي، بدءا من الاعتقال والتعذيب الى القتل المنهجي البطيء باليورانيوم المنضب وابادة مدن المقاومة. وفر تنظيم داعش الاداة الأفضل لمسح كل ما تم ارتكابه قبله، لتقتصر المطالبة بتحميل المسؤولية والعقاب عليه. ومع تشغيل الماكنة الاعلامية المحلية والاقليمية والدولية، بات تنظيم «داعش» التيزاب السائل لإذابة او غسل الذاكرة من كل ما حدث قبل حزيران 2014، واعادة تركيبها حسب المطلوب. انعكس ذلك على عراقيي الخارج سواء كانوا في البلاد العربية، المكممة لأفواه مواطنيها، اساسا، أو في اوروبا وأمريكا.

الا أن هذه الصورة، تغيرت تماما منذ الاول من تشرين/ اكتوبر، العام الحالي. اذ شهدت العواصم الاوربية وأمريكا عديد المظاهرات والاعتصامات المساندة لانتفاضة الشباب العراقي، الذي قرر أن يأخذ زمام الامور بيده، وألا يعتمد على الساسة والبرلمان والاحزاب، وان ينزع عن رجال الدين، من أصغرهم الى أكبرهم، رداء القدسية المذهبية. مطالبا بصوت واحد «نريد وطن»، مشخصا، بعيدا عن الولاءات الحزبية التقليدية، وبحكمة، توصل اليها عبر سنوات الصبر على الفاسدين، وانتظار صحوة ضمير المستحوذين على ثروة العراق باسم الدين ووجهه الطائفي البشع، ان من ينحني بخنوع امام «السادة» يستحق الركل.

فمن لندن الى جنيف الى موسكو وبرلين ومن باريس الى أثينا ومدريد وواشنطن ومن كندا الى استراليا وجميع بلدان اللجوء والهجرة، نظم شباب الخارج، المولود معظمهم خارج العراق، ولأول مرة، عديد المظاهرات المساندة لأخوتهم بالعراق. وقفوا أمام السفارات العراقية وفي الساحات العامة ومقرات الحكومات احتجاجا وتنديدا بسياسة النظام الفاسد، مطالبين بالتغيير، وبجرأة تجاوزت مخاوف آبائهم، مؤسسي جمعيات ومنتديات احزاب الخارج، باسقاط النظام. انبثقت المظاهرات، أكثر من كونها نظمت، بشكل عفوي، مشحون بالعواطف، اختلط فيها الغضب بالأسى، من قبل شباب بأعمار تماثل اخوتهم المتظاهرين بالعراق، ولم يحدث ان انخرطوا بأي حزب أو شاركوا باية مظاهرة سابقا.

خرجوا، اليوم بعد الآخر، مؤكدين تضامنهم، بشعارات أعدوها على عجل، وسهروا الليل لطباعة صور شهداء الانتفاضة بأنفسهم، تصرفوا وكأنهم يسابقون الزمن، في صياغة هتافات واعداد منشورات بعدة لغات، ليوصلوا اصواتهم الى مواطني اوروبا وأمريكا، ويتواصلون، في الوقت نفسه، مع اخوتهم المعرضين لخطر الموت قنصا، وهم يحملون راية الحرية لعراق خال من الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني. كسروا حاجز الخوف من الاتهامات الجاهزة بالبعثية والداعشية والطائفية والإرهاب.

وهذا، بحد ذاته، انجاز كبير سيبقى رمزا لانتفاضة الشباب وان تمكن النظام الفاسد من دفعها جانبا الى حين. الانجاز الآخر هو نجاحهم في دفع منظمات وجمعيات الاحزاب التقليدية على الخروج من قوقعة مواقفهم الخجولة أو الانتهازية لئلا يفوتهم قطار الحرية.

فشباب الانتفاضة، سواء كانوا داخل أو خارج العراق، هم حاملو جينات العائلة العراقية، المعتادة، المكونة من كل القوميات والاديان والمذاهب في آن واحد. أراد الاستعمار الجديد وحكامه بالنيابة، تفكيكها، بذرائع مختلفة، ليتقاتل افرادها فيما بينهم، بينما يقف جانبا ملتذا بانتصاره، ففشل. وانتفاضة تشرين، سواء استمرت أم تأجلت الى حين، هي افضل دليل.

كاتبة من العراق

 

 

انتفاضة الشباب

تعيد للعراق عافيته

هيفاء زنكنة

 

اذا كان خروج شباب البلاد العربية الى الشوارع احتجاجا وثورة، قد فاجأ العالم في عام 2011، وتكاتفت لإعادة تشكيله وصياغته، وفق المطلوب، الحكومات المحلية المستبدة والقوى الاقليمية والعالمية، فان انتفاضة الشباب العراقي، الحالية، في يومها الثامن، لم تفاجئ احدا، وها هي محاولات اجهاضها جارية، كما سابقاتها، من قبل عدة جهات متداخلة بتوليفة ميليشياوية – سياسية – دينية محلية واقليمية، وحجج معجونة بالفساد المحلي والدولي.

ففي كل مرة يخرج فيها المتظاهرون الى الشوارع احتجاجا، لأسباب تبقى في جوهرها واحدة، على اختلاف المدن والمناطق العراقية، مطالبين بالخدمات الاساسية الضرورية لإدامة الحياة والكرامة، في بلد غني تبلغ ميزانيته السنوية 120 مليار دولار، ويتم فيه استيراد المهندسين والعمال أما من الخارج أو تعيين غير المؤهلين نتيجة الفساد، تقوم قوات الحكومة «الديمقراطية» وميليشيات الاحزاب المدعومة إيرانيا، بإطلاق النار على المتظاهرين، بينما يقف سادة «الديمقراطية» من الحكومة البريطانية الى الادارة الامريكية، جانبا، وهم يحصدون غنيمة الحرب والخراب الذي زرعوه عقودا وأسلحة.

قائمة المظاهرات السابقة طويلة وتمتد من شمال العراق الى جنوبه منذ غزوه واحتلاله عام 2003. وفي كل مرة يسقط فيها الشهداء، تتستر الحكومة وقادة الاحزاب المستفيدة باتهامات جاهزة. احتجاجات واعتصامات أعوام 2011 ـ 2013، في الفلوجة والحويجة والرمادي والموصل، تم وصفها بالإرهاب وانها بتنفيذ « القاعدة». متظاهرو البصرة في العام الماضي، وصفهم حزب الدعوة الإسلامي الشيعي، بأنهم «مجرمون، آثمون، داعشيون، بعثيون… ويجب ان يعاقبوا». واتهم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي المتظاهرين، في أيلول/سبتمبر 2015، بالعمالة لـ «قوى خارجية» تريد «استهداف الدولة»، كما ساهمت قنوات إعلامية، يمولها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بنشر خبرا مفاده ان مخطط التظاهرات «يهودي صهيوني ماسوني» من أصل عراقي. أما متظاهرو النجف، المدينة المعروفة بأنها مركز المرجعية الدينية الشيعية، المطالبين بالكهرباء والماء الصالح للشرب، عام 2018، فقد تم اطلاق النار عليهم، فاستشهد اثنان وجرح 15 آخرين، تلاها قتيلان و40 جريحا في مدينة كربلاء. برر المسؤولون جريمتهم بأن الضحايا كانوا «إرهابيين، مخربين».

على مدى السنوات، أثبتت حكومات «العملية السياسية»، انها لا تكتفي بإهمال مطالب المتظاهرين واطلاق النار عليهم أو رمي مدنهم بالبراميل الحارقة، بل تواصل تكميم اصواتهم عبر اعتقال وإغتيال الناشطين والعقاب الجماعي. ولجأت، في العام الماضي، الى قطع الانترنت، عدة ايام، منعا للتواصل الاجتماعي وايصال اخبار الانتهاكات والجرائم الى العالم الخارجي. هذه الآلية، بمستوياتها المتعددة، يتم تطبيقها، كلها، على المتظاهرين، حاليا، بعد تطعيمها بتقنية ارهابية جديدة لم تستخدم سابقا، وهي استخدام القناصين لاغتيال المتظاهرين بالإضافة الى رجال الشرطة والجيش، اذا ما حدث، ورفض أحدهم اطلاق النار على المتظاهرين، خاصة وهم يرون بأم اعينهم عدم حمل المتظاهرين لأي سلاح كان، واكتفائهم بالهتافات واعلان الغضب سلاحا.

ان العراق الذي أريد لشعبه الخنوع، ولثروته النهب، ولأرضه التقسيم، بذريعة الطائفية والعرقية، حي يرزق، بشبابه، ورثة تاريخه العريق وحضارته الممتدة عميقا في جذور الانسانية

ان استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي ونشر القناصين ليس انتهاكا لحق الحياة الحياة فحسب بل جريمة ضد الإنسانية تتحمل السلطات مسؤوليتها.

ومن يتابع هتافات المتظاهرين سيجدها، كما كانت منذ تظاهرات بدء الاحتلال، تقريبا، باستثناء شعار «ارحلوا»، برمزيته الخاصة التي تبدت بتونس ومصر. فمن «باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية» و«ما نريد واحد ملتحي، نريد واحد مستحي» للدلالة على زيف ادعياء الدين، و«طلعت ريحتكم» و« كل النواب حرامية»، للدلالة على استشراء الفساد بين الحكومة والنواب معا، الى «ايران برة برة بغداد تبقى حرة»، للدلالة على تبعية الحكومة للمليشيات المدعومة ايرانيا، وعدم الرضا العام عن سياسة التبعية والخنوع لأية قوة خارجية.

واذا كانت كثرة ترداد الشعار الاخير، في التظاهرات الحالية، هو الذي أوحى للساسة بأن يركزوا حملة تشويههم للمتظاهرين، وبالتالي تبرير قتلهم، على اتهامهم بانهم عملاء لامريكا والسعودية، فانهم يتعامون عن حقيقة هي ان ليس كل من ينتقد احتلال ايران للعراق هو مؤيد لأمريكا والسعودية، بالضرورة، وليس كل من ينتقد أمريكا هو مؤيد لإيران، وليس كل مناهض للكيان الصهيوني معاديا للسامية. لم تعد هذه الوصفات الجاهزة للتشويه سارية المفعول. فالشاب العراقي الذي يجد نفسه عاطلا عن العمل او يفتقد سبل العيش الكريم، وقد بلغت نسبة البطالة 40 بالمئة، بينما يتمتع ساسته، مهما كانت طائفتهم او عرقهم، بسرقة أو تمكين سرقة مليارات الدولارات، أمام ناظريه، وتحويل البلد الى ساحة صراع بين أمريكا وايران، لا يحتاج ان يكون عميلا لأحد ليفهم ويدرك وينتفض. أنه تجسيد لشعاره: «نازل آخذ حقي».

بالإضافة الى الاتهامات، حاول الساسة ورجال الدين، ولايزالون، تخدير المتظاهرين بالوعود الزائفة في سيناريوهات جاهزة الى حد اثارة التقزز. من بين رجال الدين، يحتل مقتدى الصدر المركز الاول في حرباوية المواقف والتي انضم اليها الحزب الشيوعي في تحالف غير مقدس، للفوز بالانتخابات الاخيرة التي ساهم فيها 18 بالمئة من السكان فقط، للدلالة على فقدان الثقة بكل سلة الاحزاب. واحتل رئيس البرلمان الحلبوسي، بجدارة، قمة الابتذال السياسي، قبل يومين، حين وجه دعوة للمتظاهرين لزيارته واخباره بمطالبهم، متظاهرا، في كوميديا من الدرجة العاشرة، بانه لا يعرفها، وكأن المظاهرات الحالية هي الاولى من نوعها في البلد، وكأن شهداء الاحتجاجات منذ 16 عاما، كانوا يتسلون بالموت.

ان العراق الذي أريد لشعبه الخنوع، ولثروته النهب، ولأرضه التقسيم، بذريعة الطائفية والعرقية، حي يرزق، بشبابه، ورثة تاريخه العريق وحضارته الممتدة عميقا في جذور الانسانية، ولم يتم لصقه بالغراء «الانكليزي»، خلافا لادعاءات الغزاة والمحتلين. الثمن غال، وصلت فاتورة الحرية خلال الاسبوع الاخير ما لا يقلّ عن 100 شهيد برصاص القوات الحكومية وميليشياتها، وجرح اكثر من 6000 واعتقال بحدود 650 شخصاً.

مع ذلك، ينهض العراق، في كل مرة من رماد القمع والارهاب، لينتفض، ويدفع في كل مرة دماء ابنائه قربانا من اجل عراق حر موحد، ليتخلص من نظام فاسد مبني على طائفية أسسها المحتل الانكلو أمريكي. الطائفية التي أرادوا بواسطتها تقسيم الاهل والارض، وها هم المتظاهرون يغسلونها بدمائهم من على وجه العراق المحتفي دوما بكل اهله.

كاتبة من العراق

 

 

مقارنة «شرعنة العنف»

بين بريطانيا والعراق

هيفاء زنكنة

 

«شرعنة العنف»، كان هو التعليق الأهم الذي أستخدم لوصف تبادل الاتهامات، بلغة لا تليق، بين نواب مجلس العموم البريطاني، في الأسبوع الماضي. كان الاجتماع الذي تراشق فيه النواب، والوزراء وعلى رأسهم رئيس الوزراء، مفردات، لم تستخدم، سابقا، هو الاول للمجلس بعد ان قضت المحكمة العليا، في بريطانيا، بعدم قانونية قرار رئيس الوزراء بوريس جونسون، بتعليق عمل البرلمان لمدة خمسة أسابيع. من بين المفردات التي تم التلفظ بها، وأعتبرت سابقة في تاريخ المجلس، « خيانة» و«متعاونين» و«الاستسلام» و«هراء»، عبر فيها رئيس الوزراء عن موقفه ازاء اعضاء البرلمان الآخرين، وخاصة ضد أعضاء تحدثوا عن مخاوفهم من تهديدات تلقوها بأشكال متعددة. دفع احتدام النقاش واسلوب الشجار حول «البريكست»، جون بيركو رئيس مجلس العموم الى القول في اليوم التالي أنّ الجدال حول البريكست قد هبط إلى مستوى متدنٍ لم يشهد له مثيلا طوال وجوده في البرلمان.

شهدت بريطانيا، في الثلاث سنوات الأخيرة، استقطابا سياسيا، وصل الى مرحلة العنف حتى بين افراد العائلة الواحدة، وهو حدث نادر في تاريخها المعاصر. يدفعنا هذا التصاعد الحاد في مشاعر البريطانيين تجاه قضية واحدة لا غير هي البريكست، والانقسام الشعبي ووصوله مرحلة التهديد والعنف الجسدي، خلال فترة زمنية قصيرة هي ثلاث سنوات فقط، الى النظر في الوضع العراقي، خاصة من نواحي التحريض على الانقسام وإثارة الكراهية، في الخطاب السياسي للنخبة، المفترض فيها تمثيل الشعب، ومدى نجاح التحريض في إشعال حرائق الفتنة وتجييرها لصالح هذا الحزب او ذاك.

علينا الاقرار بأن التحريض الدعائي / الطائفي/ العرقي المؤسس لتركيبة الأحزاب الحالية، يشهد نجاحا في تجييش العواطف الفجة المرتبطة بالطائفة والدين والعرق، من خلال شعبوية الخطاب، وتحويله الى تجارة يتم التعامل فيها مع المواطن باعتباره مستهلكا لبضاعة الحماية من كراهية «الآخر». وفق هذا المنظور، يوفر الحزب السياسي المهيمن على ثروة البلد، الحماية والعمل وسبل العيش للمواطن الذي ينتمي الى طائفته او دينه او قوميته، تأسيسا لقاعدته الشعبية وضمانا لرضوخ المواطن لإرادة قيادة الحزب. أحد العوامل الرئيسية في تسهيل نجاح الهيمنة الحزبية، خاصة اذا ماتوفر لها «التعاون» الخارجي، كون العراق بلدا ريعيا يعتمد في ميزانيته على النفط. فمن الذي يجرؤ على انتقاد حزب ساعد على منحه راتبا لقاء وظيفة وهمية، أو تعيينه وأقاربه في وظائف على حساب غيره، أو منحه منصبا يعرف جيدا انه لايستحقه من ناحية الكفاءة، ناهيك عن الأخلاق؟

التحريض الدعائي / الطائفي/ العرقي المؤسس لتركيبة الأحزاب الحالية، يشهد نجاحا في تجييش العواطف الفجة المرتبطة بالطائفة والدين والعرق، من خلال شعبوية الخطاب، وتحويله الى تجارة يتم التعامل فيها مع المواطن باعتباره مستهلكا لبضاعة الحماية من كراهية «الآخر»

أثبتت سياسة حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ 16 عاما، ان خلق ونشر الكراهية ضرورة، لا يمكن الاستغناء عنها، بالنسبة الى السياسي حين يدرك عدم قدرته على تمثيل عموم الجماهير، وشكلت الرطانة السياسية – الطائفية جزءا لا يتجزأ من سيرورة التطويع والترويع والابتزاز لإنجاح الاستقطاب المفتت للبنية الاجتماعية، كطريقة للفوز على خصومه، وهي بالتأكيد الطريقة الامثل لخلق أجواء عنف تتيح له الوقوف، ضاربا بقبضة يده على صدره، دلالة تحقيق النصر. ويمثل نوري المالكي، الامين العام لحزب الدعوة الشيعي، حاليا، ورئيس الوزراء لدورتين سابقتين، نموذجا يستحق ان يوضع بجانب اهم مجرمي الحرب في العالم، لما زرعه من إرهاب نتيجة لغة التحريض التي مارسها، معتمدا على الشعارات التي أطلقها وحزبه لشحن وتأجيج العواطف. وكلها مصاغة لتعكس احساسه العميق بنقاء طائفته وسردية استحقاقها التاريخي للحكم. حيث ساهم أما شخصيا او من خلال أتباعه، بالنيابة، بطرح مقولات لاستفزاز بقية الشعب، ودفعهم الى الاحساس بهامشيتهم وما يصاحب ذلك، عادة، من الرغبة بالانتقام. كان استخدامه للرطانة الشعبية أداة جعلته يحتل المنصب الاعلى في الدفاع عن طائفته، وبطلا يطمأن مادحيه بانهم باقون في الحكم الى الأبد، وتبا للديمقراطية، ولا خوف عليهم ما دام هو موجودا، مكررا «هو يكدر واحد ياخذها حتى ننطيها»، أي هل هناك من يجرؤ على أخذ الحكم منا لكي نتخلى عنه، مؤكدا بأنه «شيعي» قبل أن يكون عراقيا، وداعيا الى تنفيذ احكام الاعدام، مباشرة، في الساحات، حال القاء القبض على «الإرهابيين». ومهددا باندلاع حرب أهلية في حال يتم «التلاعب بنتائج الانتخابات»، أي عدم فوز حزبه.

ولكن، أين الشعب العراقي في هذه الفوضى التي تنخر البلد نخرا؟ ليس بالامكان القبول بالجواب المغري، المتداول، حاليا، حتى بين المثقفين والسياسيين اليساريين، وهو لوم «الشعب المتخلف». وهو لوم يخفي، في أعماقه، الاحساس بالاحباط والغضب وفي نفس الوقت، تمنح اللائم أو موجه الاتهام، فرصة الوقوف على منصة أخلاقية أعلى من بقية الشعب، وتمكينه من الاستحواذ على صك عدم المسؤولية. لقد مرت أجيال من الشعب العراقي، بحروب لا يعفى من مسؤوليتها أحد، سواء من القوى العالمية اللاهثة خلف الثروات أو حماقات الحكام واستعدادهم لارتكاب الجرائم بشعارات وطنية او قومية. حفرت الحروب وما تلاها من حصار اختزل المواطن الى مستجد للطعام والدواء، جروحا لم تتح لها فرصة الاندمال بل الحفر أعمق مع الغزو وما جلبه من ساسة، يمكن تلخيص كل برامجهم السياسية بكلمة واحدة هي «الانتقام». لم يقتصر استخدام الرطانة السياسية – الطائفية – العرقية على نوري المالكي، ولم تنته بانتهاء فترة حكمه، اذ يكتظ البرلمان، اليوم، بهذا المالكي أو ذاك، حسب ما تجسده هيكيلية «المحاصصة الديمقراطية». فاذا كانت قضية البريكست قد قسمت البرلمان والشعب البريطاني الى مع وضد، خلال ثلاث سنوات، فان نواب البرلمان العراقي المقسم، وفق المحاصصة التي مأسسها المحتل الأمريكي مع نظيره البريطاني، يبنون حضورهم وتأهلهم لـ «تمثيل الشعب» على ادعاءات أحقية تاريخية سحيقة، واحاسيس تختلط فيها المشاعر القومية والدينية، وهي مشاعر لا خلاف حولها، لولا ارتباطها بالمصالح الفردية الفاسدة والمظلومية المزمنة، على حساب الوطن الجامع لكل مواطنيه، والتلاحم المجتمعي الصميم المبني على التزاوج والتاريخ المشترك. ان حالة «شرعنة العنف» التي تتم مناقشتها في بريطانيا كنتيجة لخلاف سياسي عمره ثلاث سنوات، وسط المطالبة باستقالة الحكومة المسؤولة بل وحتى معاقبة رئيس الوزراء، يعيشها العراق بمعنى أوسع وأشمل هو «شرعنة الإرهاب»، ولن تنتهي ما لم يتم التحرر من قبضة الطبقة المسؤولة سواء في الحكومة أو البرلمان.

كاتبة من العراق

ماذا لا تساعد الحكومةالبريطانية المسيحيين العراقيين؟

هيفاء زنكنة

 

في مقابلة مع «راديو 4 ـ البي بي سي»، بلندن، صباح يوم الاحد الماضي، تحدث القس العراقي جرجيس، ضمن الفترة المكرسة للبرنامج الديني، عن مأساة المسيحيين في العراق، تعرضهم لشتى الضغوط، ومعاملتهم كأقلية من المستحسن التخلص منها، بأي طريقة كانت، بضمنها التهجير القسري والاغتيال. وكان حديثه مؤثرا حين أكد اختياره البقاء في العراق، لمساعدة الناس، على الرغم من كل التهديدات التي يتلقاها، متسائلا بأسى يعصر القلب بما معناه: أليس العراق وطن المسيحيين منذ العصور السحيقة؟

تحدث القس، ساردا قصته الشخصية، متجنبا الأرقام والاحصائيات، على أهميتها، لأنه من الصعب فهم معنى الأرقام والاحصائيات حين تتعلق بجوانب الحياة اليومية. وتزداد الصعوبة، حتى تكاد تكون مستحيلة، عندما ترتبط بالحياة الانسانية نفسها، وترتفع الأرقام لتتجاوز الآلاف، ما لم يتم ربطها بقصة، يمكن للمرء التماهي معها، بدرجة من الدرجات، لتقترب الأرقام من الأذهان. ولكن، كيف يمكن التقريب بين أعداد ضحايا الحروب وقصصهم، لاستيعاب محنتهم، وقد تجاوزت أعدادهم الملايين، وهي في نمو يزداد تسارعا بمرور الايام، لتشمل، بدرجة أو أخرى، في حصيلة الأمر، كل الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم؟ وكيف يمكن تلافي استخدام القصص الانسانية لاستغلال تعاطف الناس وتجييشهم لصالح أجندة سياسية محددة أو مشروع كولونيالي؟

يمنحنا تاريخ الكولونيالية وحاضرها الاستعماري الجديد، عديد الامثلة على استغلال ظلم الأقليات لتفتيت القضايا وجعل حتى أكثر القضايا إنسانية «غيتو» لما يطلق عليه «تنافس الضحايا»، للفوز بالحماية من ذات الجهة او القوة المسببة للمأساة أو من ترتكب ذات الجرائم ضد آخرين. فمن من الناس لم يتعاطف مع الشابة اليزيدية نادية مراد، التي مرت، بابشع الظروف على يد مقاتلي «الدولة الإسلامية»، وكيف باتت رمزا وصوتا للضحايا من أهلها وأتباع دينها؟ وكان من المفترض ان تكون صوتا للضحايا في جميع انحاء العالم، بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة من قبل الأمم المتحدة، وفوزها بجائزة نوبل، الا انها قبلت بتسخير مأساتها لصالح الكيان الصهيوني (تعمدا أم سذاجة؟) حالما دعيت لزيارته، بدعوة من نائبة صهيونية، لتتحدث في الكنيست عن مأساة «شعبها» والعمل مع « «الإسرائيليين» على انهاء الظلم ضده، متجاهلة بذلك الظلم المستمر الذي توقعه حكومات الكيان الصهيوني، الاستيطاني، العنصري، المتعاقبة ضد الشعب الفلسطيني، بمن فيه النساء الفلسطينيات. هكذا تتم تجزئة معنى «الظلم» ومفاهيم تحقيق العدالة وانهاء الاحتلال، وفق انتقائية منهجية تماثل حماية الغيتو العرقي أو الديني.

إذا كان النظام العراقي قد بذل أقصى جهده، منذ الاحتلال الذي لعبت فيه بريطانيا دورا رئيسيا، عام 2003، لمأسسة مجتمع تسود فيه طائفة واحدة، وأعداد المهجرين قسرا الكبيرة، فانها اختارت التعامي عن مسؤوليتها في الانتهاكات

يأخذنا نموذج نادية مراد، وهي ليست الوحيدة من نوعها، الى البناء الإعلامي حول القصة الشخصية، لجذب الانتباه الى قضية انسانية، واضاءة أحداث قلما يتم الانتباه اليها، اعلاميا، على الاقل، في خضم تسارع الاحداث اليومية المتأججة، فعلا، خاصة في بلداننا، أو المسيرة وفق أجندات سياسية واقتصادية، في جميع انحاء العالم. يقابل الجانب الإنساني الايجابي، فيها جانبا آخر يمنحها امكانية الاستخدام للتضخيم والمبالغة، وتعمل على الغاء قصص الآخرين، او التغطية على جوانب قد تكون اكثر اهمية من غيرها.

خلافا للكثيرين ممن يتم استدراجهم، إعلاميا، للتفوه وفق اجندات جاهزة، تحدث القس جرجيس، بعاطفة عن العراق وعن اسباب اختياره مواصلة العيش فيه، لافتا، في الوقت نفسه، الانظار الى مأساة تفريغ البلد من أهله. وهي نقطة مهمة جدا للدلالة على سياسة نظام يدعي الديمقراطية وتمثيل المواطنين، بينما يقمع معظم المواطنين، وتتنافى سياسته وفساده وممارساته الطائفية، مع أبسط مظاهر الديمقراطية وحقوق الانسان، بضمنها حرية المعتقد الديني. وهي النقطة الجوهرية التي تجاهلها البرنامج الديني الذي فضل إعلاميوه التمشي على سطح مأساة المسيحيين بالعراق بدون التعمق في الاسباب التي أدت الى التحول المذهل تجاههم، في بلد هم جزء لايتجزأ من تركيبته التاريخية. بالاضافة الى ذلك، تم، بعد مقابلة القس العراقي، تقديم موجز لتقرير أعده أسقف كنيسة تورورو فيليب ماونستيفن، بناء على تكليف وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، بعد أن سادت حالة من الغضب حيال المعاملة السيئة والتهديدات بالقتل التي تلقتها الباكستانية آسيا بيبي بعد اتهامها بالتجديف في باكستان. يكشف التقرير، الذي تشكك جهات علمية بصحة طريقة التوصل الى نتائجه وإحصائياته، الى ان 80 بالمئة من المسيحيين يتعرضون للاضطهاد، وان «المسيحيين هم أكثر الجماعات تعرضا للاضطهاد الديني»، وأضاف جيريمي هانت، قائلا: «في بعض المناطق، يقترب مستوى وطبيعة الاضطهاد من التعريف الدولي للإبادة الجماعية». مبينا ان سبب الامتناع عن مواجهة هذه المشكلة هو «وجود قلق في غير موضعه حيال أن يكون الخطاب في هذه القضية صادرا من استعماريين عن دين يرتبط بقوى استعمارية أكثر من ارتباطه بالدول التي دخلناها كمستعمرين».

وهو محق طبعا فيما يخص ارتباط الدين، اي دين كان بالقوى الاستعمارية وسياسة الدول القمعية، فضلا عن الاستغلال الاقتصادي، حيث تشكل الحملة العسكرية التي شنها جيش ميانمار وأدت إلى مقتل الآلاف وتهجير أكثر من 700 ألف شخص من الروهينجا، الأقلية المسلمة، في ظل نظام «ديمقراطي»، أحد الامثلة الحية. كما هو العراق الذي اختاره وزير الخارجية للاستشهاد باحصائياته قائلا» تراجع عدد المسيحيين، في العراق، إلى 120 ألف مسيحي مقابل 1.5 مليون مسيحي قبل 2003». وكان المطران بشار متى وردة، رئيس أساقفة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في زيارة له الى لندن، في 25 أيار/مايو، قد أكد «انه منذ الغزو الأمريكي للعراق الذي أطاح بنظام صدام حسين في عام 2003، تضاءل عدد المسيحيين بنسبة 83 في المئة»، مطالبا الحكومة البريطانية، في لقاء له مع وزير الخارجية، أن توفر مساعدة عاجلة للأقلية المسيحية.

ما هو نوع المساعدة التي قدمتها الحكومة البريطانية، حتى الآن، للمسيحيين العراقيين وغيرهم ممن يعانون من الاضطهاد والتمييز ومصادرة الحقوق بانواعها، باستثناء منح اللجوء لقلة منهم؟ والسبب؟ اذا كان النظام العراقي قد بذل أقصى جهده، منذ الاحتلال الذي لعبت فيه بريطانيا دورا رئيسيا، عام 2003، لمأسسة مجتمع تسود فيه طائفة واحدة، حسب كل التقارير الحقوقية المحلية والدولية، واعداد المهجرين قسرا الكبيرة، فانها اختارت التعامي عن مسؤوليتها في الانتهاكات والجرائم المرتكبة تحت الاحتلال بل واستمرت في بيع السلاح وتقديم الدعم المعنوي، والاكثر من ذلك الصمت على ممارسات النظام، في اجواء هيأت الارضية للإرهاب، وعدم اتخاذ اية خطوة رادعة بحق المسؤولين وعدد منهم من حاملي الجوازات البريطانية. وهذا ما لم يتطرق اليه مقدمو البرنامج البريطاني أو وزير الخارجية، عند الحديث عن مأساة المسيحيين، متجاهلين مأساة الشعب الذي يعيش آثار جريمة الاحتلال، بشكل يومي من إرهاب واغتيال واحكام اعدام وهدم للبنية المجتمعية، لبلد هو ملك لكل اهله وليس لطائفة أو دين أو عرق «مختار».

كاتبة من العراق

 

 

دموع أيام عاشوراء

و«هيهات منا الذلة»

هيفاء زنكنة

 

 

حفل الاسبوع العراقي السابق، على هامش أيام عاشوراء واحياء ذكرى استشهاد الحسين، بلقطات تجمع، مثل كل تظاهرة حاشدة، بالعواطف المتأرجحة ما بين النبل والاستغلال. هناك اولا لقطات الحشود، على اختلاف الجنس، المرتدية للزي الأسود من اعلى الرأس الى اخمص القدمين، السائرة مسافات طويلة متوجهة الى مدينة كربلاء، للمشاركة الجماعية بالطقوس المألوفة، وترداد «قراءات» ترشها المايكروفونات الضخمة، على المشاركين، بأصوات رجال يتنافسون فيما بينهم، على استعراض قدرتهم، على اعادة صياغة الحدث التاريخي، استدرارا لدموع المعزين. ويتجاوب معهم المعزون بكاء، فالدموع تخفيف عن الذنوب وكل دمعة تقربهم أكثر من نيل الثواب. ثواب المغفرة. ويتنافس «الرادود»، أي السارد، الفلاني مع العلاني على إيصال الجمهور الى ذروة الحزن المتبدي لا بالبكاء، فقط، بل حثه على المشاركة الجسدية، الفعلية، بأساليب مختلفة تراوح بين اللطم على الصدور وكفخ الرأس، في الايام الاولى، حرصا على طاقة جمهور المعزين، ثم التدرج الى ضرب الكتفين والظهر بالسلاسل وتطبير الرأس، حتى اسالة الدم، بعد ارتداء الكفن الابيض، في اليوم الاخير. يشكل الدم السائل بلونه القاني على الكفن الابيض، التماهي الاكبر مع مفهوم الشهادة كما تتجسد بتضحية الحسين بنفسه وأهله من اجل المبادئ. المفهوم الذي بات، عبر التكرار السنوي وتغذيته بالأساطير والطقوس، الاقتراب الأكبر من قدسية الحسين الشهيد واهل بيته ممن استشهدوا معه.

لا يقتصر اداء هذه الطقوس على العراق، فقط، بل يمتد الى دول اخرى، يوجد فيها اتباع المذهب الشيعي، بالدرجة الاولى، وان يصر اتباع المذهب السني على رمزية الحسين للجميع. يتسع الامتداد من إيران الى تركيا وباكستان وغيرها، مع اختلاف درجة الحاق الاذى الجسدي للمعزين بأنفسهم على وقع أصوات «الردادة» وانتشار البدع، وهي كثيرة، كنوع من المنافسة، في ابداء درجة التفاني بطاعة الأولياء، وتشكل رؤية احد المعزين للحسين في نومه، وأمره اياه باطلاق الرصاص على نفسه ثلاث مرات مع التأكيد له بانه سيبقى حيا، اللقطة الثانية التي خلفتها ايام عاشوراء لهذا العام، وهي النموذج الافضل للايمان الطقسي الغيبي وكيفية المساهمة في تصنيع المقدس، عبر العصور. انتشر فيديو الرجل الموعود بالحياة بعد اطلاق الرصاص على نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ أيام، حيث شوهد وهو محاط بحشود تشجعه تكبيرا، الى ان اطلق النار على نفسه، فعلا، ومات.

يزداد العبء أطنانا على المثقف والمفكر المتدين، الباحث عن الحقيقة حول الحدث التاريخي ومعانيه، وسط ركام الطقوس والتشويه والاستغلال السياسي وصمت الفاسدين، خاصة، في بلد يتعثر تحت اقدام المحتلين

لا يكاد بلد في العالم يخلو من اقامة الطقوس الدينية، تأكيدا، ربما، لحاجة الانسان الى ممارسة الطقوس الجماعية، أيا كانت، سواء كانت ارتداء الملابس زاهية الالوان للتوجه الى الكنيسة صباح كل يوم أحد، او الى الجامع للصلاة الجماعية يوم الجمعة، او اصرار اليهود على عدم مغادرة البيت، واطفاء الكهرباء، والامتناع عن الطبخ او القيام باي عمل كان، كل يوم سبت، بالاضافة الى حلق شعر المرأة وارتداء الباروكة. هذه نماذج بسيطة للدلالة على ان العراق ليس شاذا أو متميزا، بشكل عام، بطقوسه وممارساته المذهبية أو الدينية. فلكل شعب، مهما كان عدد مواطنيه صغيرا، تنوعه الثقافي المتبدي بالشعائر والطقوس التاريخية أو حتى ما قبل التاريخية، بل وليس من المستبعد اعتبار الانتماء السياسي، في حقبة زمنية معينة، «دينا»، حسب قوة الاعتقاد به والاستعداد للتضحية بالحياة من أجله. ولاتزال صورة الحشود في الشوارع، بعد ثورة الرابع عشر من تموز، عام 1958، حية باذهان ابناء جيلنا، حين كان مصطلح المظاهرات المليونية يطلق على جماهير العراق الشيوعي، ايامها، ثم استخدم المصطلح لوصف المظاهرات المليونية ايام كان العراق «بعثيا»، وها هي الحشود المليونية تسير وتركض وتموت دوسا تحت الاقدام، في العراق «الشيعي».

الا ان الاختلاف نابع من تميز هذه الحقب كلها، ونحن لا نتحدث عن الماضي السحيق، بل عن العراق المعاصر الذي نعرفه حق المعرفة، بممارسة القمع. فما ان يستولي حامل قومية أو معتقد سياسي على السلطة، حتى تصبح اهم منجزاته قمع «الآخر»، والعمل، على اجتثاثه، بأبشع الطرق. وبدلا من توفير المجال لممارسة الحق الاساسي في حرية التعبير عن الرأي، للجميع، بلا استثناء، يصبح هذا الحق، بقوة السلطة القمعية، انتقائيا للصفوة الحاكمة وعوائلها ومريديها. وما يجعل انتقائية، عراق اليوم، منذ الاحتلال، الأكثر خطورة، هو توليفة مزج العقيدة المذهبية بالتمييز الطائفي وتغييب الآخر والفساد السياسي. واذا كان عدد من المفكرين والمثقفين المتدينين قد سخروا حياتهم لتنقية المذهب مما اصابه عبر العصور من تراكمات طقوسية وتنقيته من عوامل الفتنة، وتحويل الماضي الى حاضر، والوهم الى حقيقة، وهو ما يلجأ اليه الضعفاء في فترات الظلم انتظارا لتحقيق العدالة، فانهم يواجهون وبعد مرور 16 عاما على وصول «المظلومين» الى السلطة، مأزقا فكريا حقيقا يضعهم بمواجهة تحول الضحية الى جلاد، وتعريض حياتهم، انفسهم، للخطر بعد التخوين والتكفير العلني، وسط اجواء ترويع لا تقل إرهابا عن المكارثية الأمريكية ضد المتهمين بالشيوعية اثناء الحرب الباردة، مع اختلاف جوهري يجمع ما بين الدراما والكوميديا في آن واحد. فبينما يعاني كل من يدعو الى التعقل وتحكيم العقل في ممارسات واستغلال أيام عاشوراء، طقوسيا وسياسيا وتحويلها الى دجاجة تبيض الذهب، من التكفير، نرى سباقا من نوع آخر، يضم ادباء وشعراء وفنانين يتزاحمون على كتابة القصائد والنصوص ورسم اللوحات «اقترابا من شعاع عاشوراء» و«للتعبير عن الحزن للمأساة التي تعرض لها الإمام الحسين (ع) وأصحابه والولاء والاستفادة من معانيها الخلاقة في الحياة ومواجهة الطغاة من السلاطين والحكام على مدى التاريخ». ولم يخل حشد الادباء المبايعين من أديب شيوعي متقدم في مركزه الحزبي، مناديا بحرقة قلب «نحن أيتامك يا حسين». يحدث هذا والحزب متحالف سياسيا، مع تيار الصدر، الذي ارتكب من الجرائم، أعدادا لا تحصى، متمتعا بالحصانة الدينية. ليزداد العبء أطنانا على المثقف والمفكر المتدين، الباحث عن الحقيقة حول الحدث التاريخي ومعانيه، وسط ركام الطقوس والتشويه والاستغلال السياسي وصمت الفاسدين، خاصة، في بلد يتعثر تحت اقدام المحتلين، بينما يلطم قادته وينشجون بالبكاء هاتفين «هيهات منا الذلة».

كاتبة من العراق

 

تاجر سلاح أمريكي

يساوي مليون عراقي

هيفاء زنكنة

 

بينما يتبادل النواب العراقيون اتهامات الفساد بأصوات عالية، إما داخل البرلمان او خارجه، في استديوهات الفضائيات العراقية والعربية، بدون ان يخشى أحدهم المساءلة، وبأساليب وصلت، أخيرا، حد اتهام أحد النواب، بتغريدات وألفاظ نابية، زميلة له بممارسة الدعارة، نجدهم، في غمرة انشغالاتهم اليومية هذه، يتلقون بصمت أسطوري، أخبارا لها انعكاسات خطيرة على سيادة وتنمية العراق، ومن المفترض ان تكون من صلب وظيفتهم، التي يتلقون رواتبهم للقيام بها.

فمن جهة، تواصل تركيا قصف مناطق حدودية بحجة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني (البي كي كي)، ومن جهة أخرى تواصل إيران استخدام العراق كممر وسوق لبيع المخدرات وكسر الحصار الأمريكي المفروض عليها، بشتى الطرق، التي تراوح بين التدخل السياسي، ودعم المليشيات، والتفجيرات، والاغتيالات الإرهابية، في ذات الوقت الذي تتنعم فيه أمريكا والشركات الاحتكارية بالنفط بأرخص الاسعار، وسمسرة عقود السلاح، و ما يسمى بمشاريع اعادة الاعمار، بلا اعمار، منذ 16 عاما.

يأخذنا مصطلح «اعادة الاعمار» الى خبر تجاهله الساسة ومعظم أجهزة الاعلام العراقية، أخيرا، وتابعه الزميل العالم عماد خدوري، على موقعه الالكتروني. يشير الخبر الى خسارة العراق دعوى قضائية، بقيمة 140 مليون دولار، أقيمت ضده في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل عشر سنوات. أقامت الدعوى شركة تدعى «واي اوك» للتكنولوجيا وأرملة ديل ستوفيل، وهو تاجر سلاح و«رجل أعمال» يملك مع شقيق له الشركة المذكورة، وكانت له علاقة وثيقة بأحمد الجلبي، أهم الأدوات العراقية للاحتلال الأمريكي. حصل ستوفيل على عقد، بقيمة 25 مليون دولار، من الحكومة العراقية لاعادة تأهيل عدد من الدبابات الروسية القديمة، كما كانت له علاقاته المتشابكة مع الادارة الأمريكية، ضمن مشروع اعادة اعمار العراق، الذي بلغت قيمته 125 مليار دولار، وتخلله الفساد الذي شمل كبار ضباط الجيش الأمريكي بالاضافة الى مسؤولين عراقيين. في احدى جولاته، داخل العراق، محاولا التشبه برامبو، وهو يحمل على كتفه رشاشة لا تفارقه، ويدخن سيجارا يضفي على شخصيته جانب التأمل فيما حوله، تم اغتياله، عام 2004، ولم يتم القاء القبض على قاتليه، وان اصدرت جهة أدعت انها من المجاهدين بيانا حول تنفيذها العملية. حينئذ، أصبح حاله حال آلاف العراقيين الذين تم اغتيالهم منذ الغزو الانكلو أمريكي للبلد عام 2003، من قبل «مجهولين»، وتقدر اعداد الضحايا بما يزيد على المليون شخص.

كان من أولى خطوات مجلس الحكم الانتقالي، إثر الاحتلال، تصريح عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس حينئذ، عام 2003، بأنه يجب على العراق دفع تعويضات الحرب لإيران البالغة قيمتها 100 مليار دولار عن خسائرها وضحايا الحرب العراقية الإيرانية

قبل إطلاق النار عليه، بعد خروجه من معسكر التاجي، شمال بغداد، وهو أحد أربع معسكرات منح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عقود خدماتها الكلية، عبر شركة يديرها وزوج ابنته باسم «آفاق»، الى شركة يديرها جنرال أمريكي متقاعد يدعى فرانك هلمك، كان ستوفيل قد تعاون مع لجنة التحقيق الفيدرالية، في أموال وعقود اعادة الاعمار، مقابل منحه الحصانة ضد المساءلة القانونية. فرسم ستوفيل للجنة، صورة تليق برواية ابطالها من المافيا، كما ذكر الصحافي الاستقصائي جيمس غلانز، في صحيفة « نيويورك تايمز»، في 15 شباط/فبراير 2009. تحدث ستوفيل بالتفصيل عن مئات الآلاف من الدولارات المحشوة بصناديق البيتزا، يتم تسليمها خلسة إلى مكاتب المقاولات الأمريكية في بغداد، وعشرات الالاف من الدولارات الموضوعة في أكياس ورقية التي يتم تسليمها كمكافآت الى مسؤولين في مناطق مختلفة من المنطقة الخضراء، حيث المركز الرئيسي للادارة الأمريكية بالعراق. وقام ستوفيل بتسليم اللجنة وثائق وملفات عن قادة أمريكيين كبار مسؤولين في مشروع اعادة الاعمار الأمريكي بالاضافة الى العراقيين، فتم اغتياله بعد شهر من ذلك، وتحولت القضية، تدريجيا، الى مطالبة الحكومة العراقية بالتعويضات التي تشمل ثمن عقد الدبابات الروسية والمحاماة وخسارة الشركة والقضاء على مدى عشر سنوات.

مما يضعنا امام مهزلة لا تضاهيها غير مهزلة انحطاط المهاترات والاتهامات الشخصية بين المسؤولين والنواب الى مستوى يمكن تسميته بـ«سياسة المجاري»، وانعكاس ذلك على الحكومة الحالية، وما تثيره أخبار على غرار فوز شركة وعائلة ستوفيل بالتعويضات من تساؤلات حول وجود حكومة اساسا بالمقارنة مع بقية الحكومات بالعالم، على اختلاف مستواها السيادي والتمثيلي للشعب. فاذا كان حال ستوفيل كضحية مماثلا لبقية الضحايا من العراقيين، على مدى 16 عاما الاخيرة، فان المطالبة بالتعويض عن مقتله بالاضافة الى قيمة العقد الذي لم تستوفه الشركة، وتحميل الحكومة العراقية المسؤولية، وقبول الحكومة المسؤولية وابعاد الشبهة عن الجنرالات وتجار الحروب الأمريكيين، يشكل اهانة لا تغتفر بحق الضحايا العراقيين الذين لم يحدث وطالبت الحكومة بحق، ولو مواطنا واحدا منهم، اغتالته قوات الاحتلال على الرغم من توفر الوثائق والشهود. وهذا ما شاهدناه في ملهاة دفع التعويضات الى كل فرد وشركة ومبنى تقدم بطلب التعويضات من العراق جراء احتلال الكويت. ولا تزال قائمة المطالبات مفتوحة على الرغم من مرور عقود عليها، و«تحرير» البلد من النظام الذي كان مسؤولا عنه، ودفع العراق مبلغ 52.4 مليار دولار حسب قرار الأمم المتحدة. وعلى نفس الخطى، كان من أولى خطوات مجلس الحكم الانتقالي، إثر الاحتلال، تصريح عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس حينئذ، في 2003، بأنه يجب على العراق دفع تعويضات الحرب لإيران البالغة قيمتها 100 مليار دولار عن خسائرها وضحايا الحرب العراقية الإيرانية. ولم يتوقف عبد العزيز الحكيم، وان كان هذا مفهوما باعتباره رئيس المجلس الاسلامي الاعلى المشكل بإيران، لحظة ليتساءل عمن سيدفع التعويضات للضحايا العراقيين، مؤسسا بذلك عقيدة، يستمرئ النظام الحالي ممارستها، وهي الاستهانة بحياة المواطن العراقي واحساسهم الداخلي بالدونية تجاه الآخرين. وهي السيرورة التي أدت الى تجاهل حياة مليون مواطن عراقي من قبل حكومته المنتخبة، افتراضا، مقابل دفع التعويضات لتاجر سلاح ومرتزق، ميزته ان حكومته لم تتخل عنه، مهما كانت الاسباب.

كاتبة من العراق

 

 

العراق: في بيتنا شخص مفقود

هيفاء زنكنة

 

في لقاء صحافي مع راديو «البي بي سي»، صباح الاول من ايلول/ سبتمبر، بمناسبة مرور 80 عاما على احتلال ألمانيا النازية لبولندا وإشعال فتيل الحرب العالمية الثانية، أكد السفير البولندي بلندن، على ضرورة مواصلة بلده المطالبة بتعويض ضحايا الغزو، عام 1939. ويشمل مصطلح الضحايا القتلى، والمختطفين، ومن اقتيدوا الى معسكرات العمل الاجباري، والمهجرين قسرا، وكل من اختفى ولم يسمع منه ذووه أو لم يعثر على جثته. يلخص هذا الموقف مفهوم العدالة والمثابرة على المطالبة به. فللضحايا وذويهم حقوق لا تسقط بمرور الزمن ومن واجب حكوماتهم المطالبة بها والعمل على تحقيقها.

في ظل الاحتفال بذكرى نشوب الحرب العالمية، وتعهد الدول العظمى على ألا تتكرر للمرة الثالثة، والعمل على تحقيق العدالة كشرط اساسي للاستقرار الأمني والسلام العام، مرت، خلال الاسبوع الماضي ذكرى يوم من نوع آخر. يوم التذكير بنكبة المفقودين. وهي ظاهرة تتميز بها، بشكل خاص، دول الشرق الأوسط (حيث يدور 40 بالمئة من الحروب والنزاعات بالعالم) وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. بهذه المناسبة رشح تقريران صادران عن منظمتين دوليتين هما «الصليب الاحمر الدولي» و«هيومان رايتس ووتش»، العراق باعتباره البلد الذي يضم أعلى رقم من المفقودين بالعالم، ففي كل بيت هناك شخص مفقود، جراء عقود من الحروب والصراعات.

وحسب تقرير منظمة « هيومان رايتس ووتش»، تقدر «اللجنة الدولية لشؤون المفقودين»، التي تعمل بالشراكة مع الحكومة العراقية لتحديد المفقودين وإعادتهم، أن عدد المفقودين في العراق يتراوح بين 250 ألف شخص ومليون شخص. منذ 2014، أخفى الجيش العراقي والقوى الأمنية العراقية قسرا رجالا عربا سُنة في إطار عمليات مكافحة الإرهاب بالإضافة إلى حالات أخرى. تقع مسؤولية الاختفاءات القسرية على عاتق مجموعة من عناصر الجيش والقوى الأمنية، حيث أن العديد منها حصل عند نقاط التفتيش أو في منازل المخفيين. لم تقدم السلطات العراقية أي معلومات حولهم بالرغم من طلب أُسرهم. كما لم تستجب السلطات لطلبات هيومن رايتس ووتش حول القنوات المتاحة للأسر للبحث عن أقاربهم. كما أوقف البرلمان مبادرتين لإصدار قانون جديد يحظر الاختفاء القسري كجريمة بعينها في 2015، ومرة ​​أخرى في 2017.

واذا كانت تنظيم «الدولة الاسلامية» قد ارتكب عديد الجرائم ضد المدنيين والتي تم تصنيفها، دوليا، كجرائم ضد الانسانية، فان الحكومة العراقية، تمارس ومنذ انتهاء القتال ضد التنظيم، اشكالا ومستويات متعددة من العقاب الجماعي لأُسر المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم. حيث تتسع مظلة الاتهامات والاعتقالات والاعدامات، حسب اهواء ورغبات الانتقام الفردية والمسيسة للميليشيات والأحزاب، في غياب النظام القضائي النزيه، وهي حقيقة لم تعد بحاجة الى النقاش.

اذ يتم منع «عائلات عراقية يُتصور بأن لها صلات مع داعش، بسبب الاسم أو الانتماء القبلي أو الجغرافي، من الحصول على التصريحات الأمنية المطلوبة للحصول على بطاقات هوية ووثائق رسمية أخرى».

في العراق، يُمارس التعذيب على أوسع نطاق، ويطبّق فيه حكم الاعدام على الشبهات بعد محاكماتٍ سريعة غير عادلة، ويوضع مئات الآلاف من الأبرياء في السجون

ينعكس هذا العقاب الجماعي على حرية الحركة، والحق بالتعلم، والعمل، بالإضافة إلى الحق بالاستفادة من استحقاقات الرعاية الاجتماعية والحصول على وثائق الميلاد والوفاة الضرورية للإرث والزواج. مما يعني انهم، يعيشون في سجن يفتقرون فيه حتى الى الحقوق التي تكفلها القوانين للسجناء والمعتقلين.

وحين يصرح المسؤولون الحكوميون بان على العوائل التقدم بالشكوى واقامة الدعاوى القضائية لنيل حقوقهم، تثبت التقارير الحقوقية الموثقة استحالة ذلك، اذ يمنع « الحرمان من التصريحات الأمنية هذه العائلات من تقديم شكاوى للجان الحكومية لتعويض المتأثرين بالإرهاب والعمليات الحربية والأخطاء العسكرية، وتقديم دعاوى قضائية أو الاعتراض على مصادرة أراضيهم من قبل القوى الأمنية العراقية أو عائلات محلية أخرى»، ويصل العقاب حد الحرمان، في بعض الأحيان، من الحصول على المساعدات الإنسانية.

واذا كانت المرأة هي حاملة العبء الاكبر، عند فقدان الزوج وتغييبه، في رعاية العائلة من الابناء الى ذويها وذوي الزوج، فان تعرضها وهي تبحث عن المفقود من افراد عائلتها، عند غياب شخص آخر يقوم بذلك، قد اكتسب بعدا جديدا، منذ الغزو عام 2003، وتبدت ملامحه بشكل، يكاد يكون مألوفا ومقبولا رسميا، أثر اعلان الانتصار على تنظيم «الدولة الاسلامية». حيث باتت المرأة المحتاجة الى المساعدة أو المراجعة الرسمية، مهما كانت درجتها، مستباحة الجسد والكرامة لكل من يرى في نفسه ذرة سلطة. وتتدرج الاستباحة من التعنيف اللفظي الى الابتزاز الجسدي. من المؤسسات التي تسيطر عليها الميليشيات «المسيسة» الى حراس وقوات أمن المعتقلات والسجون، صارت المرأة غنيمة حرب وجسدا يتم من خلال امتهانه تحقيق الانتقام ضد «الآخر». فما نفذه تنظيم « الدولة الاسلامية» ضد المرأة الإيزيدية، لأنها تشكل «الآخر» المنبوذ الذي يستحق الاهانة عبر استباحة الجسد والهيمنة، يستمر ارتكابه، اليوم، ضد نساء المفقودين والمعتقلين والمتهمين بتهمة «الداعشية» الجاهزة، خاصة في «المدن المحررة»، مع فارق غالبا ما يتم تجاهله، وهو ان الفعل الاجرامي الذي نفذه تنظيم «الدولة الاسلامية»، اجمع العالم، كله، على ادانته ومحاربته وقصف مرتكبيه حتى الموت، ووضع أطفاله ونسائه في معسكرات يعاملون فيها كالحيوانات، بالاضافة الى تعويض ضحاياه، أما ضحايا الميليشيات والإرهاب الحكومي المباشر وغير المباشر، فانه يحدث داخل جدران كونكريتية من الصمت والانتقام المنهجي.

لكسر دائرة العنف والانتقام المهدد بالقضاء على العراق ككل، هناك أصوات حقوقية تطرح حلولا، يرون انها ستفتح كوة أمل لأهالي المفقودين والمعتقلين، وقد يتحقق من خلالها، اذا ما طبقت بنية صادقة، ما يساعد على استعادة اللحمة المجتمعية التي أصابتها عثة الطائفية والانتقام والفساد بالتآكل. أحد الحلول المطروحة، ما قدمه مركز جنيف الدولي للعدالة، في الدورة 41 لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الانسان ( 24 حزيران/يونيو 2019 )، في كلمة نبه فيها الى حجم وعمق انتهاكات حقوق الانسان، بالعراق، في ظل دولة « يُمارس فيها التعذيب على أوسع نطاق، ويطبّق فيها حكم الاعدام على الشبهات بعد محاكماتٍ سريعة غير عادلة، ويوضع مئات الآلاف من الأبرياء في السجون والمعتقلات لسنوات طويلة دون محاكمة. دولة التي يصل فيها الفساد الى بيع المناصب الوزارية، ومناصب المحافظين، ووكلاء الوزارات، والمدراء العامّين بلّ كل الوظائف العامة… دولة يُشرّع برلمانها قوانين للتمييز بين المواطنين في الرواتب والتقاعد والخدمات على أسس طائفية وسياسية». لهذه الاسباب، طالب المركز مجلس حقوق الانسان بدراسة حالة حقوق الإنسان في العراق، بشكل مفصل، وتعيين مقرّر خاص لها من قبل المجلس. قد لا تكون هذه الخطوة، حلا جذريا لكارثة المفقودين والمعتقلين وانقاذا لحياة القابعين في غياهب السجون بانتظار تنفيذ احكام الاعدام، الا انها خطوة قد تكسر حاجز الصمت المسربل للكارثة وتوثيقا لمحاسبة المسؤولين. قد لا يتشابه مصير العراق والمنطقة مع المصير الاوربي، حيث يستمر توثيق الجرائم وتحصيل التعويضات بعد 80 عاماً من حدوثها في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن مبدأ العدالة واحد مهما اختلفت طرق تحقيقه.

كاتبة من العراق

 

 

قصف الكيان الصهيوني

للعراق ليس وجهة نظر

هيفاء زنكنة

 

الكيان الصهيوني يقصف مواقع منتقاة في العراق. ما كان سيشكل جريمة شخصية ووطنية لا تغتفر ضد كل مواطن عراقي، أيامنا، بات اليوم «وجهة نظر»، كما كان الاحتلال لديهم أنفسهم، تناقش على منصة مرفوعة خارج البرلمان للاستهلاك السريع وامتصاص الغضب، بتصريحات سياسية منمقة، سرعان ما تم وضعها في خانات التقسيم الطائفي والعرقي الجاهزة. فهل تجذرت هذه التقسيمات وأصبحت أعمق مما نظن فعلا؟ للتوضيح، لنأخذ نموذجا مصغرا.

من الشائع، على صفحات التواصل الاجتماعي، تبادل التهاني بالأعياد ومناسبات نجاح الابناء، والاحتفاء بما يحققه الاصدقاء وابناء الوطن الواحد عموما. فما ان تفوز فتاة بشهادة رياضيات، مثلا، في بلد أوروبي، أو ان ينجز شاب ورقة بحث، حتى نسارع الى تهنئة بعضنا البعض بالفوز. وهذا أمر طبيعي في مواقع كانت مهمتها، في البداية، تشجيع التواصل ومشاركة الافراح والاتراح. الا ان صيغة التعامل تغيرت حتى فيما يتعلق بتحقيق الانجازات الفردية. اذ برزت، في الآونة الاخيرة، ظاهرة جديدة، بين المتواصلين العرب والعراقيين خاصة. وهي ظاهرة خطيرة، في زمن تقسيم البلدان وتفتيت الهوية، وان بدت بريئة الغاية. إذ لم يعد ناشرو أخبار النجاح والتفوق، حتى لو كان الانجاز تفوقا مدرسيا في مرحلة الطفولة (الابتدائية والمتوسطة)، يكتفون بذكر اسم الشخص ونشر صورته ودرجة نجاحه، بل وإضافة قوميته ودينه ومن ثم الاسترسال في تفصيل مدى تعرض طائفته ومنطقته للعنف. وكيف أنه حقق النجاح على الرغم من ذلك كله. وغالبا، ما يلي نشر الخبر السعيد، بهذه الصيغة، تعليقات تزيد من جرعة التمييز الديني والقومي والطائفي، بلغة يُستدل منها ما هو أبعد من التهنئة بالنجاح. فهل يعكس هذا درجة تغلغل العنصرية الطائفية/ الدينية/ العرقية، في النفوس؟ والى أي حد ستؤثر هذه اللغة وصياغتها في تكوين الهوية الفردية للطفل أو الشاب، صاحب الانجاز، وانعكاسها على الهوية الجماعية للمجتمع، مستقبلا؟

هناك عدة مستويات لقراءة هذه الظاهرة. فالاحتفاء بالنجاح المدرسي حدث مجتمعي تقليدي يعتز به الأهل والاصدقاء يصل الى حد اقامة الحفلات واستقبال المهنئين ومنح الناجح الهدايا. فنشر اسم الناجح ـ المتفوق وصورته، يحملان في داخلهما، مسبقا، النجاح في التواصل مع الآخرين والاستجابة التلقائية، بلا حواجز، للصورة والحدث.

فالقارئ مهيأ، بحكم الموروث المجتمعي، للتعاطف، فهو يعرف جيدا معنى الاحتفاء بالنجاح وبوده المشاركة بفرحة الاهل والاصدقاء. تجعل، هذه الخلفية، من السهل جدا على من يرغب بتمرير رسالة معينة القيام ذلك. وهنا يأتي دور اللغة. ولا أعني تعدد اللغات بين قوميات مختلفة في البلد الواحد، حيث احتمال سوء الفهم موجود، بل استخدام اللغة الواحدة، ولكن بالتمايز في المفردات للدلالة على ذات الحدث. وهنا تكمن خطورة تناقل الاخبار وفق هيكلة لغوية جاهزة، بدون التمعن بدلالة المفردات، وامكانية تسخيرها للتشظي، حتى حين تستخدم لنقل خبر بسيط، هدفه الظاهر والمعلن تجميع الناس. فما هي ضرورة الاشارة الى ان المتفوق في امتحانات الاعدادية هو يزيدي أو كردي أو تركماني، ثم التشعب نحو المذهب بطريقة من الطرق، مع ملاحظة عدم استخدام مفردة «العراقي»؟ قارنوا ذلك بنشر صورة طالبة فلسطينية وقد كتب تحتها «الطالبة الفلسطينية شروق دويات، حكمت 16 سنة في سجن اسرائيلي». فلسطين، هنا، هي الهوية.

ما هي ضرورة الاشارة الى ان المتفوق في امتحانات الاعدادية هو يزيدي أو كردي أو تركماني، ثم التشعب نحو المذهب بطريقة من الطرق، مع ملاحظة عدم استخدام مفردة «العراقي»؟

اليس الأجدى نشر صورة المتفوق واسمه واسم مدرسته، ومدح وتكريم مدرسيه؟

طالما استخدم السياسيون اللغة كسلاح للدعاية والتحريض والتسويغ سواء اثناء الحملات الانتخابية أو أثناء الحروب. وهم الأكثر حرفية ومهارة في الاستخدام الممنهج للغة الاقناع وتمرير المعلومات ذات الاجندة المدروسة «فاللغة السياسية مصممة لتبدو الاكاذيب حقيقة والجريمة محترمة، وما هو هوائي صلب، وينطبق هذا على كل الاحزاب السياسية من المحافظة الى الفوضوية» حسب الكاتب الانكليزي جورج اورويل.

الأمر الذي يضع على كاهل المواطن العادي مسؤولية كيفية تلقي المعلومات واستيعابها، والاكثر من ذلك، مسؤولا عن تدويرها، في عصر شبكات التواصل الاجتماعي المشجعة على التدوير بدون تمحيص أو تدقيق للمعلومات، خاصة عند وجود صورة تستقطب الاهتمام أكثر من اللغة المصاحبة لها.

يساهم التدوير السريع، لأخبار بلغة ذات دلالة معينة، الى تصنيع هوية معينة، تتدرج باستخدام مفردات دالة ثقافيا، بالإمكان تشبيهها بلغة الازياء أو اللحى، وان كانت اللغة أعمق بكثير.

فالمسلم المتدين، مثلا، يكتب عند وفاة شخص ما «الله يرحمه»، أما غير المتدين/ العلماني فيقول «لروحه السلام». ويلاحظ، في اوقات النزاع والصراع الاهلي، أو تسنم فئة معينة للسلطة، تغييرا في المفردات ذات العلاقة بالهوية، لتصبح مفردات وطريقة نطق الجهة الأقوى هي السائدة. بالإضافة الى نمو الفجوة الدلالية الواضحة – الانقسام في معنى الكلمات، مما يؤدي، تدريجيا، الى تفتيت الهوية الموجودة.

قد يكون تقديم صورة المتفوق مصحوبة بتحديد القومية أو الدين أو المذهب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر رموز تٌصنع هوية – هويات بديلة، تطبيقا لما يعرف بسياسات الهوية، والذي نراه بأوضح صوره في منظمات المجتمع المدني، حيث يتم تحديد الهوية التي يستند عليها عمل المنظمة، حسب العرق أو الدين أو الجنس أو الإثنية أو الأيديولوجية…الخ. ويكمن الخطر الأكبر في الأجندات السياسية المرافقة لتصنيع الهويات، بعيدا عن المحيط الاجتماعي ـ الثقافي، والمؤدية الى تقسيم البلد وتخريب المشترك التاريخي الحضاري وفق « المظلومية» الدينية أو المذهبية أو العرقية.

وتكتسب اللغة خصوصية فارقة عندما ترتبط بايديولوجيا حزب أو تيار سياسي. والامثلة كثيرة في معاناة العراق والمنطقة، خلال حوالي اربعة اجيال، من تيارات ايديولوجية مزقت النسيج الاجتماعي الغني بخلطته التاريخية المتبدية في تركيبة كل عائلة على الإطلاق. فالتيارات القومية العربية، مثلاً، تاجرت بمفاهيم عنصرية واصول قبلية نقية تقصي ولا تجمع، تحت شعارات الوحدة، وجاءت التيارات الإسلامية بالتقسيم الطائفي الاكثر خطورة، بالتكفير المتبادل، وباستدعاء المقدسات المزعومة وغير المزعومة، وفقدت التيارات العلمانية اليسارية، ومنها الحزب الشيوعي مثلا، بعد عقود من تمثيلها الصراع الوطني ضد الاستعمار مع النضال لتحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة البعيدة عن العنصرية والمذهبية، هذا التميز نتيجة فقدانها التدريجي للاستقلالية.

ليست هناك براءة في اللغة. فكل مفردة محملة بالمعاني، وتعتمد على كيفية استخدامها، لا لفهم الماضي والحاضر ولكن، وهذا هو الاخطر، في حال البلدان المهددة بالتقسيم المجتمعي، في تصنيع الذاكرة لمن سيحل محلنا مستقبلا. وقد يكون الطفل المحتفى بنجاحه هو حامل ذاكرة ما يوصف به حاليا من انتماء طائفي او عرقي، ليواصل حمل هوية فرعية مصنعة تنأى به عن الآخرين وان شاركهم بقعة الارض ذاتها. وهنا تكمن مسؤوليتنا، جميعا، في الانتباه الى ما تحمله اللغة من رسائل، وتجنب تدويرها المباشر، لأنها قادرة على تدوير ما هو أكثر من التهنئة البريئة. وقد تكون هذه خطوة بسيطة جدا لاستيعاب «وجهة النظر» حول نجاح الكيان الصهيوني في قصفنا.

كاتبة من العراق

 

 

كيف تنجح في اخضاع بلد كالعراق؟

هيفاء زنكنة

 

من يتابع تصريحات الساسة واجراءات رجال الأمن والشرطة، بالعراق، التي ينثرونها على المواطنين، بين الحين والآخر، حول نوعية الملابس التي يجب على الرجال والنساء ارتداؤها، أو تصنيف المدن كمقدسة أو غير مقدسة وتسميتها وفق ذلك، وعما اذا كان وجود عازفة كمان، في احتفال رسمي، لافتتاح بطولة لكرة القدم، مخل بالآداب العامة وقدسية المكان أم لا، سيظن، حتما، ان البلاد بألف خير اقتصاديا وسياسيا وحضاريا، ولم يبق فيها ما يستحق المتابعة والاصلاح غير هذه الامور. فهم يعملون بجد على اقناع الآخرين، وربما أنفسهم، ان البنـــية التحتــــية للبـــلد، التي ساهموا بتخريبها، عن طريق التعاون مع المحـــتل ومأسسة الفساد، قد أعادوا اصلاحها، كما يرون في الطائفـــية التي ساهموا بغرزها في الجسد العراقي، إلى حد تغيــير شكل الوجه والمظهر واسماء الافراد والاماكن واضفاء «القدسية» على هذا المكان أو «العصــمة» على ذاك الشخص، حلا مثاليا لنقاء وطني ما كان بالامكان تحقيقه لولا وجودهم.

أما التهجير القسري وفق انتقائية الدين والمذهب والقومية، فيرونه، في قرارة أنفسهم، الحل الافضل للنقاء الطائفي الذي لا يقل ابتذالا ووحشية عن النقاء العنصري. واذا ما اتفقنا، افتراضا، مع القائلين بأن التمييز الطائفي والعرقي كان موجودا بالعراق، قبل الاحتلال، وربما، كما يقترح البعض، قبل مئات السنين، فان من المستحيل، لأي مواطن أو راصد للاوضاع، مهما كانت درجة معارضته للنظام السابق، انكار دور النظام الحالي في ايصال البلد المنهك، جراء الحروب والحصار، إلى هوة تهدد الكل بالابتلاع. إذ بات عراق، اليوم، بفضلهم، لايذكر الا بصيغة «الافعل» انحدارا.

فهو الاسوأ في قائمة الفساد العالمية، وهو الاقل أمانا للصحافيين، وهو الاكثر انتهاكا لحقوق الانسان، والادنى بمستوى التعليم والصحة، والاقل سيادة اذ تحتله قوات عدة دول في آن واحد وتقصـــفه دول اخرى، والاكثر تنفيذا لاحكام الاعدام، وسجـــونه ومعتقلاته الاكثر اكتظاظا، وليس هناك ما هو أكـــثر انتشـــارا من التعذيب فيه غير بسملة الساسة وقادة الميليشيات المسلحة، المدعومة داخليا من المرجعية الدينية وخارجيا من دول اقليمية أهمها إيران. وهي توليفة تجعل من رئيس الوزراء و «القائد العام للقوات المسلحة»، مجرد إطار لصورة تتحكم بها الميليشيات، لأنها الاقوى والأكثر هيمنة على الشارع والمؤسسات من قوات الجيش والشرطة والأمن معا. وهذه حقيقة، لم تعد مطروحة للنقاش.

ان انتشار شبكات بيع الاعضاء البشرية واستخدام الاطفال والنساء للتسول والدعارة بالاضافة إلى تحول العراق من بلد خال من المخدرات إلى أكبر ممر تهريب من ايران، يوازي ان لم يفوق تخريب البنية التحتية

لهذا، تلجأ أحزاب الحكومة، بين الفينة والفينة، إلى مناورات لتلهي الناس، وتستقطب الاهتمام الاعلامي. هدفها تغطية عجزها عن النظر في التدهور الكارثي، للبلد ككل، وتعاميها عن ايجاد حلول جذرية . وبما ان المستوى العقلي لأصحاب السلطة محدود ويقتصر على اختلاق الحيل وابتكار طرق للاستزادة من الفساد، سرعان ما تنقلب مناوراتهم لاشغال الناس ضدهم. كما في الضجة الكبيرة التي أثيرت حول ظهور عازفة كمان في حفل افتتاح بطولة كرة القدم، بمدينة كربلاء، التي بات اسمها، منذ الاحتلال، «كربلاء المقدسة». لم تكن المرأة عارية او كاشفة عن مفاتنها، ولم ترقص بمجون أو تغني بصوت شبق، كما الاتهامات الجاهزة، بل كل ما فعلته هو انها عزفت النشيد الوطني. فقامت الدنيا ولم تقعد. وطفت على السطح تعريفات عن القدسية والفضيلة وحرمة الاماكن والاخلاق، بينما يدفن ذات المعترضين، في اعمق الاعماق، استثماراتهم في شبكات تمتهن استغلال الأطفال في التسول، وتجارة الأعضاء البشرية، واستدراج النساء للعمل ضمن شبكات الدعارة.

وكأن التهجم على الموسيقى ليس كافيا، انشغلت شرطة مدينة كركوك، الواقعة شمال بغداد، بملاحقة مرتدي الشورت أو البرمودا، وهو سروال قصير يصل طوله حد الركبة، والذي يميل الشباب، خاصة، إلى ارتدائه، كبقية البشر، في ارجاء الكرة الارضية، عند ارتفاع درجات الحرارة صيفا، والتي تصل بالعراق إلى حد تذويب الاسفلت في الشوارع، وشي البيض عليه. قسوة الطبيعة هذه المتزامنة مع انقطاع التيار الكهربائي وانعدام الماء الصالح للشرب، في الجنوب ، خاصة، لم يمنعا المتحدث باسم وزارة الداخلية من التهديد بان: «إن ارتداء الشورت أو البرمودا ممنوع… وكل من يخالف سوف يحاسب». فكانت رد فعل الناس، شن حملة ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي مع التذكير بـ «فتاوى» ممنوعات ومحرمات تنظيم «داعش»، الذي اجتمعت 56 دولة على محاربته في العراق، بينما يحظى النظام الحالي بدعم ذات الدول، بدون الاشارة إلى أي من ممارساته «الداعشية».

واذ تواصل شرطة كركوك «محاربة الشورت»، واعتقال مرتديه، تعيش المحافظة روتين الجرائم اليومية من سرقات وابتزاز، وتهديد بلا انقطاع، في المدينة المتنازع عليها بسبب نفطها والمتنازع فيها، في الحقيقة، بسبب نفطها أيضا ولكن بعد تعبئته بحاويات القومية الملونة. كما يواصل المجرمون ارتكاب جرائمهم، بلا مساءلة وفي أجواء آمنة، بحماية أحزاب وميليشيات تستفيد، بنسب سمسرة مذهلة. من بين الجرائم التي تم توثيقها هي الاتجار بالاعضاء البشرية. حيث وثَّق المرصد العراقي لضحايا الاتجار بالبشر وجود وجود 27 شبكة اتجار بالبشر، يتخذ معظمها من إقليم كردستان ملاذاً آمناً، من بينها ثلاث شبكات تستغل مجموعات من الأطفال والنساء، للتسول في أزقة محافظة كركوك وشوارعها.

ان انتشار شبكات بيع الاعضاء البشرية واستخدام الاطفال والنساء للتسول والدعارة بالاضافة إلى تحول العراق من بلد خال من المخدرات إلى أكبر ممر تهريب من ايران، يوازي ان لم يفوق تخريب البنية التحتية التي نفذها المحتل الامريكي كاستراتيجية للحصول على عقود «اعادة الاعمار». وهو يمثل قفزة نوعية في كيفية تحويل العراق من دولة إلى «سوق حرة» للمتاجرة بالانسان جسدا وعقلا. اذ أكتشف المحتل و«خدم المنازل» ان العراق لم يرضخ قصفا واعتقالا وتفجيرا، فوجد في نشر هذه الشبكات امكانية تحقيق التخريب الداخلي من جهة والتظاهر بالانفتاح والاستقرار من جهة أخرى. ولأن كل ما تم تنفيذه من أساليب اخضاع عموم الناس لم تنجح حتى الآن (وان تركت جروحا)، والدليل تجدد استنباط اساليب القهر والاخضاع.

أن الخزين التاريخي الحضاري للبلد أعمق بكثير ولن ينضب حتى بهجرة وتشرد الملايين منذ الاحتلال، وقبله في سنين الحروب والإنقلابات. لكنها مسألة زمن، وأننا سنشهد عاجلا ام آجلاً ما الذي سيفرزه جهاز المناعة العراقي في مقاومته فـ «الجلادون من ورق مقوى»، كما يذكرنا، اذا نسينا، الشاعر الجزائري الفرنسي الراحل جان سيناك.

٭ كاتبة من العراق

 

 

العدالة والملح في دفاتر تونسيات

هيفاء زنكنة

 

لمركز «العدالة الانتقالية الدولي» نشاطات في ست دول عربية، هي: الجزائر ولبنان وتونس والمغرب ومصر وفلسطين. كما قام المركز ببعض النشاط في العراق إثر الاحتلال لفترة لم تطل، إذ بات تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، في ظل الاحتلال والحكومات المتعاقبة، أمراً مستحيلاً. خلافاً لذلك، شهدت تونس استمرارية نشاط المركز، بمستويات متعددة منذ الثورة عام 2011. نشاط تبدى بدعم عمل «هيئة الحقيقة والكرامة»، ومكافحة الفساد، وتعويض ضحايا الاستبداد.

وكان للمرأة حصة. مثال ذلك، مشروع «أصوات الذاكرة» الذي ضم أربعة أوجه، من بينها إقامة ورشة للكتابة الإبداعية، كانت حصيلتها إصدار كتاب «دفاتر الملح: كتابات تونسيات عن تجربة السجن السياسي». بواسطته، تمكنت المشاركات من تسليط الضوء» على كيفية تأثر الحياة العادية لمواطنة ما، بقسوة، عندما يكون أحد أفراد عائلتها هدفاً للقمع أو لأنها تجرّأت هي نفسها على الاختلاف»، حسب سلوى القنطري، مديرة المكتب بتونس، التي شخصت تحديا «لا يزال يشهده التحول الديمقراطي بتونس، وهو الانقسام الإسلامي العلماني» الذي يحدد الهوية بشكل صارم قائم على الأيديولوجية، ما يؤدي في النهاية إلى إنكار أيّ تعاطف أو تضامن محتملين مع «المختلف»، حسب تعبيرها.

عالجت الورشة تساؤلات كثيرة على غرار: هل بالإمكان الكتابة عن وجع الروح بشكل لا يحبط القارئ ويدفعه إلى وضع الكتاب جانباً؟ كيف نكتب تجربتنا إذن؟ كيف يمكن سرد الأحداث المستخلصة من الذاكرة، وغربلة الحقيقة، وتوثيق التجربة المريرة التي أرادتها السلطات القمعيّة عقابا لكلّ من يعارضها، على مدى عقود طويلة، والتواصل مع القارئ في الوقت نفسه؟ كيف الوصول إلى مستوى «الكتابة عن الضجر بدون أن نصيب القارئ بالضجر»، كما ينصح أحد النقاد؟ ولماذا تريد المشاركات الكتابة بهذا الشكل، أساساً، وقد قام معظمهن بتقديم شهاداتهن، رسمياً، سابقاً؟

كان من الواضح أنّهنّ يرغبن في الكتابة لعدّة أسباب، من بينها وبكلماتهن: توثيق التجربة من أجل حفظ الذاكرة الجماعيّة، والتوثيق للأجيال المقبلة، ونكتب لأولادنا، والتعريف بما حدث لنا وبتاريخنا، لإبراز ما جرى لآلاف السجناء من القفّة إلى المراقبة الإداريّة، ووفاء للضحايا ولاستمراريّة النضال بشكل جديد لإظهارالحقيقة، ولنتصالح مع أنفسنا والآخرين ضمن مسار العدالة الانتقالية، لئلا تتكرّر الجرائم، ولئلا يتكرّر التعذيب، ولتحقيق المصالحة والتواصل وقبول الآخر.. هذه الأسباب دفعت المشاركات إلى المواظبة على الكتابة وهن يتوخين تحقيق هدف الورشة العام الذي يطمح إلى تشجيع كل النساء على كتابة قصصهنّ بأنفسهنّ، ولا يُكتفى بما يكُتب عنهن بالنيابة. وأن تكون الكتابة مختلفة عن التدوين السائد لأغراض التوثيق وتسجيل الشهادات التي تستوجب دقة المعلومة لا المشاعر والمعاني. وأن يكتبن قصصهنّ بشكل إبداعيّ، وظلالها وعمقها الإنسانيّ التي غالباً ما يهملها كُتاب التاريخ، باعتبارها تفاصيل جانبية لا تستحقّ التسجيل. فلكلّ مشاركة قصّتها الاستثنائية، وكلّ ما تحتاجه هو تنمية التقنية الفنيّة الضروريّة لتدوين القصّة.

في بلادنا ذاكرة مليئة بالتفاصيل الموجعة تريد أن تُخرج إلى عامّة الناس ما اختزنته من لحظات كانت تبدو عابرة، لكنّها اندست عميقاً في التواريخ الفرديّة والنفوس المعذّبة

الملاحظ في الكتاب، حصيلة الورشة، أن كاتبات النصوص لسن جميعاً من المعتقلات السياسيات، بل شاركتهن الكتابة نساء عشن تجربة اعتقال أحد أفراد عائلتهن، وهن في سن تقل عن العشر سنوات، ما حفر في ذاكرتهن صوراً يختلط فيها الخوف مع الأسى والرغبة بالتغيير في آن واحد. نهى الديماسي، مثلاً، شهدت اعتقال والدتها واقتيادها بعيداً عنها وهي في سن الثالثة. وميلان حامي شهدت مأتم جدها بعد اعتقال والدها بحضور رجال الأمن: «كان من بين الحضور أناس لا يبكون. كانوا الوحيدين الذين يشبهونني. وقتها أحسست تجاههم بالاطمئنان. روعني نحيب من حولي، فخلت أنّ الصامتين سيكونون ملجأً لي. عرفت فيما بعد أنّهم من الأمن وأنّ المفرّ الذي اخترته كان نفسه يدعو إلى الفرار».

وسلافة مبروك استمعت إلى كلام والدها عن الأعين والآذان التي تراقبهم وتسمع كلامهم، بعد اعتقال شقيقها، فـ «تخيّلت جدران الغرف وقد التصقت الآذان بها، وعيون كبيرة وكثيرة فوق أشجار الزيتون تسترق السمع إلى حديثنا، أما أذنا الحارس وعيناه فأكبر بكثير. تخيلت أنّه بالإمكان أن يمدّها فتصل وراء بيتنا، ولا بدّ أنّه سيسمع كلام أمي وأبي عن بورقيبة الذي نهرانا عن ذكره. أحسست بالحيرة والخوف… فكيف لبيتنا الريفي الواقع وسط غابة الزيتون أن تصل إليه وتراقبه كل هذه العيون والآذان؟»

عن هذه التفاصيل والذاكرة، كتب الروائي والأكاديمي شكري المبخوت في تقديمه للكتاب: «فثمّة في بلادنا ذاكرة مليئة بالتفاصيل الموجعة تريد أن تُخرج إلى عامّة الناس ما اختزنته من لحظات كانت تبدو عابرة، لكنّها اندست عميقاً في التواريخ الفرديّة والنفوس المعذّبة. لم تكن هذه التفاصيل في ضمائر القرّاء مثلي موجودة إلاّ على نحو باهت ضبابيّ بين مصدِّق ومكذِّب. ولكنّها إذ تروى تبدو أوضح قليلاً علّها تمنح للمترجرج غير المتشكّل حبكة تكشف وجهاً من الحقيقة. فأن تروي الضحيّة مسارها الفرديّ يعني أنّ الذاكرات التي منعت من إخراج ما اختزنته من ألم ممضّ وأوجاع مبرّحة قد منحت فرصة لتقول وتعبّر عن سخطها وغيظها فتراكم العلامات الدالّة على التعسّف فتدين وتصرخ وتحتجّ وتطالب بنصيبها من الحقيقة الغائبة والمغيّبة».

إنّ ما كتبته النساء في «دفاتر الملح» يقربنا خطوة من فهم ما مررن به من ألم وحيرة وإحساس بالظلم والاضطهاد، من تساؤلات ربّما بقي بعضها بلا أجوبة. إلا أنّهن، وهذا هو الأهمّ، كتبن نصوصهنّ وهنّ مدركات، تماماً، أنّ هدف الكتابة ليس الانتقام أو طلب الغفران، بل وسيط التعافي عبر مشاركة الآخرين الحقيقة. وكشف الحقيقة هو أساس العدالة إذا ما أريد للمجتمع أن يتعافى، آخذين بنظر الاعتبار مسألة في غاية الأهمية، وهي أن الحقيقة «باعتبارها مطلباً أخلاقيّاً وسياسيّاً وقصّة تفتقر دائماً إلى حبكة دقيقة مفصّلة، لا يمكن تجزئتها ولا توظيفها سياسيّاً بالمعنى الحزبيّ للسياسة»، ما يقودنا إلى تساؤل يلخصه المبخوت «فأيّ الوجوه ستغلب وقد بدأت المصارحة؟ وأيّة هويّة جماعيّة جديدة سيبتكرها هذا المشروع السرديّ الجماعيّ وغيره من المشاريع الأدبيّة التي تعتمل هنا وهناك في بلادنا؟». وهو تساؤل عام لا يمكن إهماله إطلاقاً. تساؤل يشمل الجميع وليس النساء وحدهن. وكما هو معروف، إن مقياس نجاح أي كتاب، بعيداً عن الآنية، هو مدى ما سيثيره من تساؤلات تحفز على التفكير والمبادرة. فهل سيكون للملح في دفاتر النساء دور في بناء الحقيقة المشتركة؟

كاتبة من العراق

 

 

بين أمريكا والعراق

الفاسد يعاقب الفاسد!

هيفاء زنكنة

 

نشر البنك المركزي العراقي تعميماً بتاريخ 24 يوليو/ تموز، أمر فيه المصارف العاملة في العراق بتجميد حسابات أربعة عراقيين «متورطين في قضايا فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان». العراقيون الأربعة هم: محافظ نينوى السابق، ومحافظ صلاح الدين السابق، وآمر كتيبة بابليون التابعة للحشد الشعبي، وآمر لواء 30 الحشد الشعبي.

كان من الممكن الاحتفاء بهذه الخطوة واعتبارها منطلقاً لتأسيس مسار حقيقي للقضاء على الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، لو كان قرار التجميد قد جاء تطبيقاً لقرار قضائي أو قانوني عراقي، إلا أنه صدر وجاء تطبيقه من قبل المصرف المركزي بشكل سريع (لعله الأسرع منذ احتلال البلد عام 2003) ليس نتيجة قرار عراقي، بل استجابة للعقوبات الأمريكية الصادرة بحق الأربعة الذين تتهمهم الإدارة الأمريكية بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان. جاءت هذه الخطوة في أعقاب سلسلة قرارات اتخذتها الإدارة الأمريكية، وأكدتها السفارة الأمريكية، ببغداد، لتبين التزامها « للعمل مع الحكومة العراقية وجميع العراقيين المناهضين للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المُرتكبة من قبل مسؤولين حكوميين.، كما أوضح سيغال ماندلكر، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية. وكان نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، قد أضاف بعداً «إنسانياً» آخر على القرار حين صرح قائلاً: «الولايات المتحدة لن تقف متفرجة بينما تنشر الميليشيات المدعومة من إيران الرعب». ولا تقتصر العقوبات على الأشخاص الأربعة فقط، بل شملت ما فرضته وزارة الخزانة الأمريكية على شخصين آخرين بتهمة تهريب أسلحة إلى ميليشيات عراقية يدعمها الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى شركة «موارد الثروة الجنوبية» المتهمة بتسهيل «وصول الحرس الثوري الإيراني إلى النظام المالي العراقي من أجل التهرب من العقوبات».

كل هذا تم خارج نطاق القانون والقضاء العراقي وكل ما له علاقة بالسيادة الوطنية، لكنه تم حسب «قانون ماغنتسكي العالمي»، وهو قانون تم تطويره عام 2017 ليخول الرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى سلطاته الحالية، سلطة فرض عقوبات على المواطنين غير الأمريكيين، ومعاقبة المسؤولين الحكوميين الأجانب «الفاسدين والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان» في أي مكان في العالم.

وقد لاقى تطبيق القانون على عدد من «المارقين»، أشخاصاً وحكومات، ترحيباً من عديد المنظمات الحقوقية الدولية، ما شجع دولاً أخرى على تطبيقه. الأمر الذي يثير تساؤلاً حول عدم ترحيبنا به والتهليل لمنجزاته. فلم لا نحتفي بقرار سيؤدي، عند تطبيقه، إلى إنهاء فيروس الفساد المستشري بالنظام العراقي الحالي، كما يضع حداً لانتهاكات حقوق الإنسان التي طالما طالبنا بمحاسبة مرتكبيها؟

هناك أسباب عديدة لا تدعو إلى التفاؤل بهذا المنجز، تتضح أمامنا حالما نلقي نظرة سريعة على السياسة الأمريكية تجاه العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال، وسيرورتها الحالية. هكذا نفهم المستقبل. فمن لا يقرأ الماضي سيبقى أمياً إزاء المستقبل. فجوهر العلاقة هو الاستغلال الإمبريالي (نفط، أمن الكيان الصهيوني، حلبة للمناوشات مع إيران واستنزاف لدول الخليج)، ساعدها في الاستمرار وجود نظام طائفي عنصري فاسد، غير معني بالسيادة الوطنية والوطن.

أحد الجوانب المهمة للعمل التضامني المتكافئ هو التمكن من كشف الاتفاقيات والمساومات الثنائية غير المعلنة، المقيدة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات بصددها

نظام يتأرجح ما بين استجداء الحماية الأمريكية والإيرانية، لأنه يرى أن عدوه الأول هو الشعب. يغذي ديمومة هذه العلاقة النهب المنهجي لأموال البلد في سنوات الاحتلال الأولى، ومن ثم الفساد المتمثل بالعقود الضخمة، بقيمة مليارات، في مجالات الإعمار والسلاح والنفط والشركات الأمنية، التي تم منحها إلى شركات أمريكية بعد إعلان انسحاب القوات العسكرية، عام 2011. وتم التوقيع على معظمها في أثناء وجود نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة، رئيساً للوزراء مدة 8 سنوات، أشرف خلالها على تأسيس شبكة فساد منظم يقوم من خلالها رجال أعمال ومسؤولين حكوميين عراقيين حاليين وسابقين مرتبطين به، بالعمل مع شركات أجنبية مقابل دفع حصة معينة. وقد نشر موقع « ديلي بيست» الاستقصائي، المتابع لقضايا الفساد الأمريكية، في 24 يوليو/ تموز، تقريراً بعنوان «العلاقات المشبوهة لجنرال أمريكي متقاعد بالعراق». يضم التقرير تفاصيل دقيقة بأسماء الأشخاص والشركات والتاريخ والأماكن، عن شبكة العلاقات الخفية والعقود العسكرية والتجارية بين الجنرال فرانك هلمك، الذي كان من نجوم الاحتلال وتقاعد في 2011 ليصبح «رجل أعمال»، فتحت له علاقته بنوري المالكي أبواباً واسعة في مختلف الشركات المشبوهة المرتبطة بالنظام السياسي العراقي.

هذا غيض من فيض، يعطينا نموذجاً لنوعية العلاقة الفاسدة بين مسؤولي الإدارة الأمريكية والساسة العراقيين. فمنذ عام 2004، أي بعد عام من الغزو، تلاشى ما مجموعه 218 مليار دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للعراق في العام السابق، في جيوب السياسيين ورجال الأعمال من الطرفين، وهو رقم رسمي يعتبره كثيرون ضئيلاً بالنسبة للتقديرات السابقة. وفي كل يوم تطفو على السطح معلومات جديدة، موثقة، عن الفساد المشترك وعلاقته بالإرهاب، وعن انتهاكات حقوق الانسان الصادرة عن منظمات حقوقية عراقية وأمريكية مستقلة، لتواجه جداراً من الصمت من الإدارة الأمريكية بل وإصراراً على مد النظام بالسلاح والحماية.

فهل يلام من لا يحتفي بالإعلان الأمريكي عن فرض العقوبات على أربعة عراقيين وشركتين، بتهمة الفساد والانتهاكات، حين اقتضت مصلحتها في مسار المناوشات مع إيران؟ كيف يمكن الوثوق بدولة غزت البلد وأسست للطائفية والفساد والإرهاب، وجعلته نموذجاً محفوراً بذاكرة العالم، لإجراءات التعذيب التي جعلتها الإدارة الأمريكية قانونية؟ كيف يمكن الوثوق بجلاد؟ بإدارة يقودها رئيس متهم بالفساد والاعتداءات الجنسية، يتباهى بصداقة ودعم وترسيخ الكيان العنصري الصهيوني، على حساب الشعب الفلسطيني، ولم يبق بند من بنود حقوق الإنسان لم ينتهك، داخل وخارج أمريكا، تحت رئاسته؟ رئيس عنصري يشكك حتى بالأمريكي إذا كان لون بشرته مختلفاً، ووالداه من بلد آخر، فكيف إذا كان عراقياً؟

وهل يلام من لا يثق بوعود وتصريحات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بعد إعلان العقوبات الأمريكية، وبعد أن أوعز المصرف المركزي بتنفيذها، ليصرح بعد ايقاظه، فجأة، من سباته العميق: «أحلنا ملف عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على المستشارين القانونيين للبت بها»، وأن هناك «قضايا لم تحسم بمختلف مؤسسات الدولة بلغت بمجملها 4117 قضية»، لافتاً إلى وجود «1367 قضية فساد محالة إلى محاكم النزاهة»؟

ليس بالإمكان وضع الثقة بالفاسدين المحليين أو العالميين، والفساد في أدنى مستوياته وأقذرها حين يرتبط بالاحتلال والإرهاب. لذلك نرى تزايد الاعتصامات والمظاهرات، في أرجاء البلد، من قبل مختلف شرائح الشعب.

والحاجة ماسة جداً إلى التنسيق والتكاتف بين الجميع تحت الشعار الواقعي الموحد «الفساد يقتلنا»، بالإضافة إلى التنسيق مع منظمات التضامن والمنظمات الحقوقية خارج العراق، وبضمنها الأمريكية المستقلة، غير المرتبطة بالإدارة، المعنية بالشفافية والنزاهة وحقوق الإنسان. أحد الجوانب المهمة للعمل التضامني المتكافئ هو التمكن من كشف الاتفاقيات والمساومات الثنائية غير المعلنة، المقيدة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات بصددها.

 

مئات المنظمات

الحقوقية في العراق:

الشعب إذن بخير!

هيفاء زنكنة

 

قد يتبادر إلى الأذهان عند قراءة تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش»، الصادر بداية الشهر الحالي عن حال المعتقلين والسجناء بعنوان «العراق: آلاف المحتجزين، منهم أطفال في أوضاع مهينة» ـ أن العراق خال من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، ما يمنح السلطات المحلية حرية مطلقة في انتهاك حقوق الإنسان، خاصة المعتقلين، بلا مساءلة، وأن هذه المنظمة هي الوحيدة التي ترصد الانتهاكات والخروقات، فيسهل التشكيك بتقاريرها أو تجاهلها، كما يحدث عادة.

التقرير مزود بصور مهولة لأجساد متراصة بأوضاع مشوهة أكروباتيكية، من الأحداث واليافعين، في سجون الرجال، و كما هي أجساد النساء والأطفال في سجون النساء. وهو ليس بالأمر المستغرب إذا ما علمنا أن الطاقة الاستيعابية القصوى لمراكز الحبس الاحتياطي الثلاثة في شمال العراق، مثلاً، هي 2500 شخص، بينما وصل عدد المحتجزين هناك، بحلول يونيو/حزيران، إلى 4500 سجين ومحتجز تقريباً، من بينهم 1300 شخص حُوكموا وأُدينوا وكان ينبغي نقلهم إلى سجون بغداد منذ ستة أشهر على الأقل. ووصل عدد السجينات بسجن النساء في بغداد 602 امرأة، بينما لا يتسع بناء السجن المتهالك لغير 200.

الحقيقة هي أن العراق لا يعاني من قلة المنظمات الحقوقية على الإطلاق، إذ إن هناك مئات المنظمات المحلية، بالإضافة إلى «المفوضية العليا لحقوق الإنسان»، وهي منظمة حكومية تقدم نفسها كهيئة مستقلة شكلت بموجب قانون عام 2008، لتعمل على «ضمان حماية وتعزيز احترام حقوق الإنسان وحماية الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور وفي القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادقة عليها من قبل العراق». برلمانياً، هناك «لجنة حقوق الإنسان» المكونة من 12 نائباً (تم تعيينهم وفق نظام المحاصصة)، وتختص هذه اللجنة -حسب موقعها- بثلاث مهمات، من بينها «متابعة شؤون السجناء والمعتقلين في السجون».

دولياً، لدينا فروع 23 منظمة من منظمات الأمم المتحدة التي تغطي كافة جوانب حقوق الإنسان، وعدة منظمات حقوقية دولية تتابع الشأن العراقي، من بينها: منظمة العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدود، ومركز العدالة الانتقالية الدولي، وأطباء بلا حدود.

وأبرز المكاتب، عملياً، وأكثرها نفوذاً هو «مكتب حقوق الإنسان» في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)- الذي تم تأسيسه وفقاً لولاية قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في حزيران 2018، للعمل على «تعزيز المساءلة وحماية حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني من أجل توطيد سيادة القانون»، من خلال العمل «مع حكومتي العراق وإقليم كردستان والحكومات المحلية ومؤسسات حقوق الإنسان الوطنية والمجتمع المدني لتعزيز حقوق الإنسان بطريقةٍ حيادية»، أي وباختصار شديد، إنه يهدف إلى العمل مع كل من يتلفظ أو يدعي أو يمثل حقوق الإنسان من أعلى سلطة في الدولة الى أصغر مؤسسة، مروراً بمنظمات المجتمع المدني والدولي.

هذا كله غيض من فيض من منظمات المجتمع المدني التي يتخصص العشرات منها بشأن المعتقلين والمسجونين. ومن يراجع مواقع هذه المنظمات ويقارنها بما يعرفه تمام المعرفة عن حال المعتقلين اللاإنساني، في عموم البلد، لا بد وأن يتساءل عن جدوى هذا الكم الهائل من المنظمات المحلية والحكومية والدولية، والمواقع الإلكترونية، والمطبوعات الملونة بجداولها وإحصائياتها، والدعم المادي الكبير للمؤتمرات والورشات، والتغطية الإعلامية للوفود وزيارات التفقد لمراكز التأهيل والسجون، وإصدار البلاغات؟

تتراكم المظالم كما حدث في الماضي القريب والبعيد، وتنتقل إلى روح الانتقام، ويختلط العنف مع اللجوء إلى أي داعم خارجي أو إرهابي داخلي مهما كانت أهدافه، فتعود الدورة من جديد، وتسيل الدماء، ويتهدم البلد على رؤوس أهله

هناك، بطبيعة الحال، عدد من المنظمات المستقلة، فعلاً، الجادة في عملها، والتي غالباً ما يجد الناشطون فيها أنفسهم عرضة للتهديد والابتزاز والمضايقات وحتى الاختطاف. منظمات تحاول أن تجد لها حيزاً خارج حدود الفساد والاتهامات الجاهزة بالإرهاب. أما بقية المنظمات، وهي كثر، فإنها تتنافس فيما بينها على الدعم المادي الذي لا يصلها منفصلاً عن تبعية الأجندة السياسية – الطائفية – العرقية. أي أنها تمثل -بحكم التمويل الحزبي والحكومي والفساد- أداة لاستمرارية الخروقات والانتهاكات التي تتظاهر بمحاربتها، ولكن تحت غطاء تمويهي زاه يدعى الديمقراطية وحقوق الإنسان.

من يراجع أعمال هذه المنظمات سيجد صوراً عن لقاءات مع مسؤولين يبتسمون أمام عدسات أجهزة الإعلام وهم يقدمون دروع التقدير إلى ممثلي المنظمات الدولية وهم يؤكدون على «اعتماد السبل القانونية في استقبال الشكاوى والمناشدات ومتابعتها إلى حد إقامة دعاوى قضائية في حال عدم استجابة الجهات المعنية». ويتم تداول هذه التصريحات في القنوات التلفزيونية التي يزيد عددها على 200 قناة تابعة لأحزاب تلتحف بحقوق الإنسان، في الوقت ذاته الذي يستمر فيه التعذيب والاعتقال والموت داخل السجون المكتظة.

كيف يتعامل المواطن، ضحية الانتهاكات، وهو محاط بادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

النصيحة التي تسديها هذه المنظمات للمعتقلين هي اللجوء إلى القضاء. وهذا ما فعله الطالب علي حاتم السليمان ( 23 عاماً) الذي كان في طريقه من الفلوجة إلى بغداد، عام 2005، لإجراء الامتحانات، وتم اعتقاله في نقطة تفتيش بسبب تشابه اسمه مع شيخ عشيرة متهم بالإرهاب. تم اقتياده إلى مقر للجيش حيث عذب. يقول علي في شهادته التي كتبها مصطفى سعدون، رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، بأنه حين تم تسليمه إلى أهله، بعد عشرة أيام من التعذيب، كانت كفاه قد أصيبتا بالغنغرينا، وعظام أصابعه مكسورة ولا يقوى على تحريك يديه، فكان الحل الوحيد هو بتر الكفين. نفد علي النصيحة، فأقام دعوى قضائية في المحاكم. حقق القضاء بما حصل معه، ثم ذهب إلى وزارة الدفاع أكثر من مرة لمقابلة قيادات عسكرية هناك على أمل نيل تعويض. ولا يزال بعد خمسة أعوام من المراجعات بلا تعويض وبلا مستقبل وبلا عقاب للجلادين.

إن وضع حد لهذه الممارسات الوحشية يعتمد، بالأساس، على وجود حكومة تسعى فعلاً لوضع حد لها، قانوناً وممارسة، وبدونها كما بينت تجاربنا وتجارب كل الشعوب، تتراكم المظالم كما حدث في الماضي القريب والبعيد، وتنتقل إلى روح الانتقام، ويختلط العنف مع اللجوء إلى أي داعم خارجي أو إرهابي داخلي مهما كانت أهدافه، فتعود الدورة من جديد، وتسيل الدماء، ويتهدم البلد على رؤوس أهله كلهم مرة أخرى. لن يتم تجنب دورة الانتقام والتخريب إلا بقيام حكومة يرى مسؤولوها أبعد من مصلحتهم الآنية المعجونة بالطائفية والفساد. إلى أن يتحقق ذلك، لعل الضغط على الأمم المتحدة لتعيين مقرر عام لحقوق الإنسان، وإرسال خبراء دوليين مستقلين للقيام بزيارات منتظمة لمواقع الاحتجاز، وإنشاء فريق من مفتشي السجون المستقلين لمراقبة الأوضاع ـ قد يكون خطوة بالاتجاه الصحيح.

 

 

العراق: «الشهداء»

لا يقتلون بالقصف الأمريكي!

هيفاء زنكنة

 

في كل يوم، يقدم لنا مسؤولو النظام العراقي، على اختلاف تدرجاتهم الوظيفية، مثالاً جديداً للاستهانة بالحياة البشرية والكرامة الإنسانية. ففي مقابلة تلفزيونية (قناة التغيير – 7 تموز) مع ناجحة الشمري، مدير عام مؤسسة الشهداء، بدرجة وزير، حول استحقاقات الشهداء وعن إمكانية شمول ضحايا «ملجأ العامرية»، بالاستحقاقات، حالهم حال بقية الضحايا الذين تتبناهم المؤسسة، وبعد أن بين لها الإعلامي أن الضحايا -ومعظمهم من النساء والأطفال- قتلوا جراء القصف الأمريكي المباشر، وهي حقيقة يعرفها الجميع.. قالت السيدة الشمري: لا يمكن اعتبارهم شهداء لأنهم ماتوا اختناقاً. وكان الملجأ قد استهدف بإحدى الغارات الأمريكية على بغداد، يوم 13 فبراير 1991، بواسطة طائرتين من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية، ما أدى إلى مقتل 408 مدنيين. يعيد تصريح السيدة الشمري إلى الأذهان تصريح سيدة أخرى، هي وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، التي قالت عندما سئلت عن وفاة أكثر من نصف مليون طفل جراء الحصار الاقتصادي على العراق.. إنه ثمن مناسب للحصار.

أن تتلفظ وزيرة خارجية دولة فرضت عقوبة الحصار على العراق لأسباب سياسية واقتصادية، أمر قد يفهم، مهما كانت لا إنسانيته، ربما كمؤشر للدلالة على نجاح فرض سياسة القوة. أما أن يصدر من سيدة عراقية تمثل مؤسسة للشهداء العراقيين وتم تعيينها لأنها «ولدت من رحم شريحة ذوي الشهداء»، كما تذكر في سيرتها الذاتية، أي أنها عانت من استلاب حق الحياة، كما تدعي، وتفتخر بدراستها الشريعة الإسلامية وعملها ضمن عديد المؤسسات الدينية والحقوقية، فمن الصعب تقبل التصريح المستهين بحياة 408 ضحية، وحرمان عوائلهم من مستحقات هي من حقهم، خاصة وأن ساسة النظام وذويهم وذوي ذويهم يتمتعون بها، ومن ضمنهم السيدة الشمري التي تذكر في سيرتها أن «قافلة الشهداء في عائلتها تطول».

تم تعريف «الشهيد»، حسب القانون الذي سنه النظام الحالي: هو «ضحية نظام البعث المباد والحشد الشعبي وضحايا جرائم الإرهاب» فقط . ولأهله الحق إما بقطعة أرض أو تعويض مادي قدره 65 ألف دولار، والحصول على تقاعد، وعلاج ذوي الشهداء خارج العراق، ولأولاده أولوية القبول بالجامعات والبعثات الدراسية إلى الخارج، والحج، وأولوية التعيين في الوظائف الحكومية، حيث قامت مؤسسة الشهداء بتعيين (16000) من ذوي الشهداء في وزارات الدولة المختلفة.

 يجب ألا يكون رد الاعتبار للضحايا ورعاية ذويهم وتوفير الحياة الكريمة محط استهانة من قبل أية حكومة مهما كان توجهها السياسي. إنه جزء أساسي من سيرورة تحقيق العدالة

على هذا المنوال، وتحت تصنيف لقب «الشهيد»، الموظف طائفياً -بحكم إشاعة فكرة أن نظام البعث كان سنياً والإرهاب سنياً، والضحايا من الشيعة- قامت المؤسسة بالمصادقة على (48894) شهيداً، للفترة من 2/8/2007 ولغاية 01/11/2014، حسب تقرير المؤسسة للفترة المحددة، وسيكون الرقم أعلى بكثير لو ضم التقرير مصادقة المؤسسة على «الشهداء» طوال سنوات حكم البعث. بلغ عدد المستفيدين من عوائل الشهداء الذين تسلموا راتباً تقاعدياً (146475)، وهذا قبل أن تشرع المؤسسة بإضافة «شهداء» الحشد الشعبي، المؤسس بعد فتوى المرجعية بالجهاد عام 2014، بالإضافة إلى عشرات المليشيات المدعومة إيرانياً. بالمقابل، قام النظام الحالي بحرمان الجنود الذين قتلوا أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) من مخصصاتهم كشهداء، بالإضافة إلى عدم الاعتراف بقضايا ضحايا الحصار الجائر (1990 – 2003)، والغزو والاحتلال الإنجلو أمريكي عام 2003، وما ترتب على ذلك من إرهاب حصد الأرواح وزرع الفتنة الطائفية وهدم البنية التحتية.

كان بإمكان السيدة الشمري، وهي المسؤولة برتبة وزير، حسب قانون المؤسسة، والمفترض فيها تحقيق العدالة وتوفير فرص الحياة الكريمة لذوي الشهداء، أن ترد عند سؤالها عن ضحايا الملجأ قائلة إن القانون الحالي لا يعالج كل القضايا، مثلاً، وأملنا أن يتم تصحيح الوضع في المستقبل القريب. هذا، لو حرصت -طبيعة الحال- على مشاعر أهل الضحايا، على الأقل، أو توخت تحقيق العدالة لجميع الضحايا كخطوة أولى في مسار وضع حد للضيم والجور والتصالح مع الذات والمجتمع.

إن موقفاً كهذا، والسيدة الشمري، ليست نموذجاً فريداً من نوعه بين ساسة النظام، هو واحد من مجموعة مواقف تمييزية تدفع إلى تعميق الإحساس بالظلم والتهميش، وبالتالي إشاعة الفتنة الطائفية، يعززها الإحساس بتجيير مؤسسات ذات أهداف إنسانية، على غرار «مؤسسة الشهداء»، إلى وسيلة لمنح الامتيازات وبناء قاعدة اجتماعية طائفية تجسد سياسة النظام المنهجية في الانتقام وإرساء مفهوم انتقائي للعدالة، على كل المستويات. وإلا كيف تبرر مؤسسة تحمل اسماً كالشهداء، يتجذر عميقاً في الموروث الجماعي العربي والإسلامي، بالتضحية والدفاع عن الوطن، بعدم اعتبار من انضم إلى المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي – البريطاني شهيداً؟ كيف يمكن تجاهل بطولة من قاوم غزو تسبب بوفاة ما يزيد على المليون مواطن، وتهجير أربعة ملايين، وتخريب مدن بكاملها، وتوفير البيئة لإرهاب الدولة والقاعدة وداعش والميليشيات؟ ماذا عن ضحايا إرهاب مليشيات الأحزاب الحكومية؟ والمفارقة الأكبر، كيف يمكن تبرير أن يجرد من شارك كعسكري في الحرب ضد إيران في الثمانينيات من كونه شهيداً، بينما يمنح اللقب للأسير العراقي « التَواب» الذي أعلن توبته (اختياراً أو تحت التعذيب) وهو في معتقلات إيران، ثم تم إرساله إلى جبهة الحرب للقتال في صفوف القوات الإيرانية ضد العراقية؟ ماذا عن أهالي 1627 عسكرياً أسيراً توفوا في المعتقلات الإيرانية، و1616 ممن وجدت رفاتهم في مقابر على الحدود الإيرانية؟

يجب ألا يكون رد الاعتبار للضحايا ورعاية ذويهم وتوفير الحياة الكريمة محط استهانة من قبل أية حكومة مهما كان توجهها السياسي. إنه جزء أساسي من سيرورة تحقيق العدالة والتأسيس الحقيقي لمجتمع يعمل بجد على التخلص من العلاقات المرضية المشوهة الناتجة عن سياسة حكومات محلية وقوى عالمية تتغذى على تقسيم الناس وانتقائية العدالة حسب مقولة «كل الناس متساوون، لكن بعضهم متساوون أكثر من غيرهم»، للكاتب الإنكليزي جورج أورويل.

٭ كاتبة من العراق

 

 

ذوّبوا الليل يا أهل البصرة

هيفاء زنكنة

 

 عاد المتظاهرون، بمدينة البصرة في جنوب العراق، إلى الشوارع من جديد في الشهر ذاته تقريباً، كما في العام الماضي، كما لو كان سكان المدينة الغنية بالنفط، يستعيدون ذكرى تظاهراتهم واعتصاماتهم، التي لم تثمر شيئا في العام الماضي. عادوا، كما في الزيارة السنوية للأماكن المقدسة، وهم يحملون المطالب ذاتها: الخدمات الأساسية، كالتزود بالكهرباء والماء، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة التي قاربت خمسين درجة مئوية، وحق العمل. وأضيف إليها، هذه الأيام، مطلب إنصاف المتضررين من احتجاجات العام الماضي، ومحاسبة المتسببين. لا تخلو المظاهرات من أصوات منفردة تطالب بوضع حد لنفوذ الميليشيات المتحكم بحياة الناس أكثر من الحكومة.

كانت تظاهرات العام الماضي قد تأججت نهاية شهر حزيران/ يونيو، وواجهتها القوات الأمنية باستخدام الذخيرة الحية، وقتل متظاهرين سلميين، بالإضافة إلى تنفيذها حملة اعتقالات تعسفية وتعذيب المعتقلين. وصل عدد ضحايا الاحتجاجات إلى 13 قتيلاً ومئات الجرحى، واكتفى خلالها ساسة الحكومة بإطلاق التصريحات الهوائية والوعود الفارغة بحل المشاكل ووضع آليات عمل، وتشكيل لجان لمتابعة عمل لجان أخرى تم تشكيلها لتهدئة الغضب سابقاً، ورسم مسار إستراتيجي للنهوض بواقع الخدمات!

أصاب الصحافيين، خلال تغطيتهم الاحتجاجات وقضايا الفساد في العام الماضي، رشاش القمع؛ إذ قامت الأجهزة الأمنية، بين 14 تموز/يوليو و6 أيلول/سبتمبر 2018، بالاعتداء على سبعة صحافيين من جميع أنحاء العراق واعتقالهم، وتم إحراق مكاتب اثنين من وسائل الإعلام المحلية. وسجل تقرير للجنة حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، حالات مغادرة أربعة صحافيين محافظة البصرة، بعد أن قامت الميليشيات المسيطرة هناك بتهديدهم بالقتل.

بالنسبة إلى الوضع الحالي لا يبدو، حتى الآن، أن هناك اختلافاً كبيراً، سواء في سيرورة التظاهرات أو الاستجابة الحكومية؛ إذ أعلن المتظاهرون أنهم سيستمرون حتى تحقيق المطالب، ووجهوا النداء إلى مختلف شرائح المجتمع للخروج معهم، في الأيام المقبلة. بينما شرعت القوات الأمنية بإطلاق التهديدات ضدهم وضد الصحافيين في حال تغطيتهم المظاهرات. بل واستبقت الأحداث باعتقال كادر قناة السومرية المكون من مراسلة ومصور أثناء تصويرهم التظاهرات قبل أيام. ولم يتم إطلاق سراحهما إلا بعد تدخل وزير الداخلية شخصياً، مما يثير التساؤلات حول سلامة الصحافيين المستقلين في حال رفض وزير الداخلي التدخل، في بلد معروف بغياب القضاء النزيه، وعمل الصحافي في بيئة مسيّسة تعتبر وسائل الإعلام أدوات سياسية قبل أي شيء آخر. وكانت السلطات قد حذرت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وسائل الإعلام من إظهار عدم احترامها «للرموز الوطنية أو الدينية»، ما يجعل الصحافي عرضة للاعتقال والسجن حالما يكتب عن أي سياسي أو معمم «يقدم نفسه» كرمز وطني، الأمر الذي يرسخ، بقوة، مكانة النظام العراقي بين بقية الأنظمة العربية المبدعة في ابتكار أساليب تكميم أفواه أبناء الشعب عموماً والصحافيين خصوصاً. إذ ترى في الصحافي المستقل أداة تخشاها أشد الخشية إن لم تتمكن من شرائه، إما بالمال والتهديد والابتزاز والاعتداء الجسدي، أو الاختطاف والقتل.

من الواضح أن قائد عمليات البصرة ذا الرتبة العسكرية العالية لا يعتمد في عمله أو تصريحاته على احترام الدستور، بل على ترهيب وترويع المواطنين عموماً، ومنهم الصحافيون

ضمن هذا المسار، وقف قائد عمليات البصرة، قاسم نزال، أمام الكاميرات ليحذر وسائل الإعلام، قائلاً: «إن الإعلامي الذي نلزمه بتظاهرة غير مرخصة راح ايكون بالتوقيف موجود إن شاء الله»، ما معناه، باللهجة العراقية، أنه تهديد صريح للصحافيين بالاعتقال وما يترتب عليه، في حال تغطية الصحافيين للتظاهرات في محافظة البصرة، حسب مرصد الحريات الصحافية، الذي دعا «القائد العام للقوات المسلحة» إلى تبيان موقفه من التهديد، الذي يعتبر «مخالفة واضحة لبنود الدستور العراقي» الذي جاء في مادته الـ(38): «تكفل الدولة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة، بالإضافة إلى حرية الاجتماع والتظاهر السلمي».

من الواضح أن قائد عمليات البصرة ذا الرتبة العسكرية العالية لا يعتمد في عمله أو تصريحاته على احترام الدستور، بل على ترهيب وترويع المواطنين عموماً، ومنهم الصحافيون. ولا بد أنه -إما لغبائه المنسوج بالعنجهية أو لسذاجته- لم يسمع بوجود بدائل إعلامية بإمكان المتظاهرين اللجوء إليها في حال قيامه باعتقال الصحافيين. وهي بدائل أو أساليب تكمل ما هو موجود، توصلت إليها الشعوب لمناهضة القمع السلطوي المباشر. هناك، مثلاً، «صحافة المواطن» التي باتت منذ ما يزيد على العقد منافسة للصحافة التقليدية، أو مكملة لها، لتمتع ممارسيها بميزات قد لا تتاح للصحافي المحترف، خصوصاً إذا كان الصحافي عرضة للمراقبة والتهديد والمنع من ممارسة مهنته من قبل الأجهزة القمعية، كما هو حال الصحافيين المستقلين بالعراق مثلاً.

وشرعت «صحافة المواطن» الأبواب التي كانت مقتصرة على الإعلام التقليدي في نقل الأخبار وتحليلها. أما الآن فبإمكان كل مواطن يملك كاميرا أو هاتفاً جوالاً مزودا بكاميرا، أن ينقل الخبر إما بنفسه على صفحات التواصل الاجتماعي، «فيسبوك وتويتر وإنستغرام» وغيرها، بالصور والفيديو والمدونات والرسائل السريعة الناقلة للأخبار لحظة بلحظة، أو عبر التواصل المباشر مع أجهزة الإعلام التقليدية، وتزويدها بالصور والتعليقات والتحليل، أو تنبيهها إلى ما يجري من أحداث فور حصولها، كما لو كان المواطن مراسلاً من مكان الحدث. هذه الإمكانية المتوفرة للجميع ساعدت، في السنوات الأخيرة، على تغيير ميزان القوى بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وقللت إلى حد ما من وحشية الإجراءات القمعية التي تمارسها هذه القوات، في البلدان العربية، ضد المتظاهرين سلميا. كما ساعدت على استقطاب أفراد جدد إلى الحركات الناشطة المطالبة بالتغيير السلمي لأوضاع لم يعد بالإمكان السكوت عليها.

في العام الماضي، أدركت الحكومة خطر هذا الأسلوب عليها، فعمدت إلى قطع الإنترنت لمنع انتشار الصور والفيديوهات المصورة التي جرى التقاطها، سواء من قبل المواطنين أو الصحافيين، والتي تظهر قمع السلطات للتظاهرات السلمية. وهو تعتيم متعمد منح القوات الحكومية تفويضاً بالقمع دون خشية انتشار الأخبار. إلا أن المتظاهرين يعرفون جيداً أن قطع الإنترنت لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، ما يوفر لهم سلاحاً يضاف إلى بقية مستويات مقاومة الظلم والقمع والفساد، بشرط توخي المصداقية وألا يكونوا الوجه الآخر لعملية التزوير الحكومية.

كاتبة من العراق

 

 

علاقة الحب والكراهية بين أمريكا وإيران

هيفاء زنكنة

 

مع تصاعد دقات طبول الحرب الأمريكية ضد إيران، بدأنا نسمع صداها، فرحًا، في قلوب شخصيات وأحزاب عراقية ترى في الحرب «تحريرًا» من الاحتلال الإيراني. بل وبلغت الحماسة بالبعض حدًا جعلهم يغردون ويتبادلون التهاني بقرب الخلاص، مهددين إيران بقوة أمريكا وضربات الرئيس ترامب التي لا ترحم. بيانات ورسائل على «فيسبوك» وصور كاركاتيرية، وهي مشاعر ومواقف قد يكون هناك ما يبررها بحجة إنقاذ البلد والتخلص من «الاحتلال»، لولا أن هذه المجموعات والأحزاب ذاتها وقفت بقوة عام 2003 ضد الاحتلال الأمريكي، الذي تبنته وبررته في الوقت ذاته أحزاب عراقية أخرى (ولا تزال)، بذريعة «التحرير» أيضًا. وهو تبادل سريع للمواقع والتغير في فترة زمنية قصيرة نسبيًا من منظور القيم الأخلاقية على الأقل، ويقدم صورة هلامية عن مبادئ كانت تعتبر، حتى وقت قريب، قيمًا ثابتة المعاني، لا يتطرق إليها الشك، في العلاقة بين الشعوب ومحتليها مهما كانت هوية المحتل.

فكيف تحول الغازي المحتل إلى المنقذ المنتظر؟ ما الذي يدفع هذه الأحزاب التي كانت مناوئة للاحتلال الأمريكي إلى الاستنجاد بأمريكا؟ وهل هناك ما يضمن ثبات السياسة الأمريكية تجاه شعوب المنطقة؟

في شبكة العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة والمتصارعة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، بالإضافة إلى الصراع الديني-المذهبي الدامي، على غنيمة العراق، تبرز أكثر من غيرها تعقيدات علاقة أشبه ما تكون بعلاقة يتخللها هاجس الحب-الكراهية، بصعوده ونزوله بين الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني. مهر المحب هو العراق، الوزة التي تبيض ذهبًا. تختلف هذه العلاقة عن الأمثلة التاريخية المعروفة بين المستعمِر والمستعمَر. إذ لم تتعرض إيران إلى احتلال أمريكي مباشر، كما العراق مثلًا، مما انعكس على نوعية العلاقة بين الطرفين. فتتم المناوشات، حتى عند صعودها إلى أسوأ مستوياتها، مهددة بالعنف والاقتتال في بيوت الجيران وليس في البيت الأمريكي أو الإيراني، كما رأينا في لبنان وسوريا والعراق.

هذا الصعود والنزول في العلاقة، ونقل ساحة الصراع إلى بيوت الجيران، ومن ثم التوصل إلى هدنة، بشكل أو آخر، يوضح عرض النظام الإيراني مساعدة أمريكا في تسهيل شؤون احتلال العراق، «فنحن أدرى بالعراق»، كما صرح مسؤول إيراني، حينئذ، لإغراء الإدارة الأمريكية بقبول النظام كشريك. كان الهدف هو أن يتم تجنب نقل الصراع بأي ثمن كان إلى داخل البيت الإيراني لحين استشراف ملامح وخارطة العلاقة المستقبلية، بعد «تنظيف» بيت الجيران ممن كان يعترض على وجودهما غير المرحب به.

علاقة أشبه ما تكون بعلاقة يتخللها هاجس الحب ـ الكراهية، بصعوده ونزوله بين الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني

ما لم يكن حسبان الطرفين هو بروز المقاومة التي وإن لم تنتصر بمعنى التخلص الكلي من الاحتلال بشقيه الأمريكي والإيراني، إلا أنها نبهت الإدارة الأمريكية إلى وجود شعب لم يستقبل الاحتلال بالزهور والحلويات، كما طمأنها عراقيون قبل الغزو. ونبهت إيران إلى وجود أصوات مغايرة لمن راهنت على استقبالهم لها داخل البيت، بل ومنحها عقد ملكية الدار بكامله.

جرت سياسة الإقصاء الطائفي، وانبثاق المقاومة المسلحة، إلى لجوء المحتلين، الأمريكي والإيراني، إلى تقوية أدواتهما للهيمنة أولًا، ومن ثم تهيئة الأرضية للتوافق فيما بينهما على حساب العراق. فاستخدمت، بالإضافة إلى القصف والتفجيرات والعقاب الجماعي وحملات الاغتيال المستهدفة للأصوات المستقلة، أسلحة ذات مفعول أعمق وأكثر ضررًا على المدى البعيد من مجرد القتل المباشر؛ أسلحة تستنزف بنية المجتمع وتآخيه لتتركه منهكًا، غير قادر على المقاومة أو المبادرة، لا يطلب شيئًا في الحصيلة غير البقاء على قيد الحياة، مرددًا وهو يرفع يديه عاليًا باتجاه السماء: «حسبنا الله ونعم الوكيل».

أصبح العراق سوقًا مفتوحة على مدى 24 ساعة يوميًا، لميليشيات ومنظمات طائفية انبثقت كأذرع الأخطبوط، إما كأدوات معدة للتخريب الممنهج، أو كنتيجة حتمية للاحتلالين. فانتشرت الميليشيات المدعومة إيرانيًا، التي سارع بعض الشباب للانضمام إليها؛ لأنها وظيفة مضمونة الراتب في الحياة الدنيا، ومضمونة الفردوس في الحياة الأخرى. بينما سارع آخرون للانضمام إلى منظمات مسلحة؛ لأنها وعدتهم بدولة الخلافة في الحياة الدنيا، والفردوس في الحياة الأخرى. تكشف الوثائق المسربة، سواء من قبل «ويكليكس» أو غيرها، حجم اختراق هذا المحتل أو ذاك في هذه المنظمات، وحجم التسليح المتطور لكل الجهات من قبل مصادر التسليح ذاتها.

إن مرور 16 عامًا على الغزو الأمريكي الذي هيأ للاحتلال الإيراني، جذَّر انقسامًا مجتمعيًا يغذيه الفساد والمصلحة الفردية المرتبطة بهذه الفئة أو تلك، بحثًا عن الحماية الجسدية والمادية، بدون أن تمتد أو تتوسع لتشمل الجميع، قوامها الخوف من الآخر لدى البعض، والنظر إلى الماضي بنوستالجيا مرضية لدى البعض الآخر. وإذا كان مزيج الإحساس بالمظلومية والعجز عن أحداث التغيير وتغليب المصلحة الفردية/الفئوية على مصلحة الوطن، هو الذي دفع البعض إلى التحالف مع المحتل الأمريكي في غزوه لبلدهم، عام 2003، وإلى فتح الأبواب مشرعة للنظام الإيراني، فإنه هو ذاته عمليًا ما يدفع الأحزاب والشخصيات التي ناهضت الاحتلال الأمريكي إلى الترحيب بشن الحرب ضد إيران لإزالتها؛ لأنها-كما يحاججون- مرض الإيدز، أما أمريكا وإسرائيل فإنهما مرض الجدري! ما يعني، ضمنيًا، عرض أنفسهم كبديل للنظام الحالي.

إن الأحزاب التي تعاونت مع المحتل الأمريكي، عام 2003، لم تفكر أو لم تعبأ بما سيجلبه الاحتلال من خراب على الشعب والبلد. كما أن الأحزاب والشخصيات المهللة، حاليًا، لقصف إيران لا تفكر إطلاقًا بما سيجره ذلك من نتائج كارثية على الشعب العراقي أيضًا. فمن ناحية الهجوم الأمريكي، العراقيون أدرى من غيرهم بمعنى ذكاء الصواريخ ودقة الاستهداف واعتبار الضحايا خسائر جانبية. ومن ناحية «الدفاع» الإيراني، العراقيون أدرى من غيرهم بهمجية الميليشيات والسيارات المفخخة والتفجيرات والاغتيالات، فهل فكر مشجعو الإدارة الأمريكية بالفعل الأمريكي، ورد الفعل الإيراني على الشعب العراقي، وهو الرهينة على أرض لن تتوانى كل الأطراف عن استخدامها كساحة لتحقيق النصر؟ وماذا عن الشعب الإيراني؟ إذا كنا نحرص دائمًا على التمييز بين الحكومات العربية المستبدة والشعوب، فلمَ لا نفعل الشيء ذاته مع إيران؟

لحسن الحظ، أوقف الرئيس الأمريكي إطلاق الصواريخ على إيران قبل التنفيذ الفعلي بدقائق. لعل الرئيس الأمريكي، ترامب، أدرك أنه على وشك تجاوز خطوط اللعبة المحددة مع إيران.

مهما تكن الأسباب، هذه هي المرة الأولى التي يتنفس فيها الناس الصعداء، وأنا منهم، ليس إعجابًا بالإدارة الأمريكية؛ إذ إنها أساس البلاء الذي نعيشه، ولا حبًا بنظام الملالي الشمولي الذي لن يتقاعس عن إرسال أطفاله للموت، بعد أن يضع في أعناقهم «مفاتيح الجنة»، ولكن حرصًا على أهلنا في المنطقة كلها.

 

على شعوب الدول الغربية أن تثور أيضاً

هيفاء زنكنة

 

عن أعداد اللاجئين جراء الحروب والاحتلال والاضطهاد، بأنواعها، أخبرتنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، منذ أيام، بأن إجمالي العدد وصل حوالي 71 مليون وهو أعلى رقم تسجله منذ 70 عاماً. مما يعني، إذا ما حاولنا تقريب الرقم الى الاذهان، أن هناك 37 ألف مشرد جديد، في العالم، يوميا، يلقى الكثير منهم حتفه وهو يحاول الوصول إلى أوروبا، بحثاً عن الأمان. مقابل ذلك، انخفض عدد المسجلين كلاجئين في مختلف الدول، حسب السياسة الحكومية المتبعة تجاه اللاجئين، مما يعني زيادة عدد مخيمات/ مجمعات/ دور القصدير/ كارافانات النازحين وتحولها، وهذه ظاهرة مرعبة، من مخيمات مؤقتة تفي بالحاجات الانسانية المؤقتة، الى أماكن بقاء دائمة، تمتد وتتوسع، عبر الاجيال، حاملة في أسس إنشائها معاني الظلم والتهميش والتمييز بأنواعه. ولأن بعض النازحين يولدون في المخيمات ويقضون معظمم حياتهم هناك، تصبح حياتهم ذاتها موسومة بكل ما هو غير مستقر، من التعليم والرعاية الصحية الى الطموح المستقبلي ومعنى الحياة.

من الحقائق المعروفة أن 40 في المئة من اللاجئين (خارج بلدانهم) والنازحين (داخل بلدانهم) في العالم، أي 28 مليون أنسان، هم من البلدان العربية، وبشكل أساسي من فلسطين (6) وسورية (13)، بالإضافة الى العراق (5) واليمن (2). وتعتبر مخيمات المهجرين الفلسطينيين المتوسعة، مع ولادة كل طفل، منذ النكبة عام 1948 وحتى اليوم، هي النموذج الأوضح لحياة انسان، يجبر على مغادرة بيته قسراً ويعيش حياة محكومة بمنعه من حق العودة جراء الاحتلال الاستيطاني.

أدى تجذر التعاون بين الدول الإمبريالية والأنظمة المستبدة في المنطقة العربية، في العقود الأخيرة، الى انتشار مخيمات النازحين واللاجئين على وجه خارطة المنطقة، مهددة إياها ببناء مدن من نوع جديد وولادة جيل جديد من السكان، سيكون همه الاول، إذا لم يتمكن من العودة إلى بيئته التي حرم منها، هو الهجرة بأي شكل كان وبأي ثمن كان.

ففي مخيم الزعتري، المقام في الأردن، لاستقبال اللاجئين السوريين منذ انتفاضة 2011، يولد يوميا ما بين 12-15 طفلاً، ويعيش فيه أكثر من 90 ألف لاجئ، ثلثهم ولدوا فيه، وحجمه بحجم مدينة في الأردن. ووصل عدد سكان مخيم دوميز 1، من السوريين في إقليم كردستان العراق، المنتصب أساسا لاستقبال ألف شخص فقط، إلى 33,000 نسمة، تبعه إنشاء مخيم دوميز 2، ثم مخيم ديباكة، الذي أنشئ لاستيعاب 5000 شخص، لكنه استقبل أكثر من 36 ألف في أقل من ستة أشهر مع زيادة النزوح من القرى والأقضية القريبة من الموصل.

أدى تجذر التعاون بين الدول الإمبريالية والأنظمة المستبدة في المنطقة العربية، في العقود الأخيرة، إلى انتشار مخيمات النازحين واللاجئين على وجه خارطة المنطقة

وإذا كانت القوى العظمى، بقيادة أمريكا، متفقة حول توفير الحماية للأنظمة العربية الاستبدادية التي تؤدي دورها في الهيمنة والاستغلال بالنيابة، مما يوضح حقيقة أن الغالبية العظمى لحالات اللاجئين طويلة الأمد في العالم موجودة في الدول النامية، فإنها تبدي بعض التفاوت الطفيف في قبولها للاجئين الهاربين من بلدانهم جراء سياستها الخارجية.

فبينما تميل الإدارة الأمريكية نحو تقليد الكيان الصهيوني في بناء جدران العزل العنصري ومنحه معنى أوسع ليشمل حظر حركة الشعوب، تمارس الحكومة البريطانية، الحليف الرئيسي لأمريكا في أوروبا، سياسة لا تقل عنصرية عن أمريكا، في قبولها اللاجئين، ولكن بأسلوب أقل عنجهية. ففي الوقت الذي استقبلت فيه بنغلادش، بميزانيتها القليلة، ما يزيد على المليون لاجىء من المسلمين الروهانجا، تضع الحكومة البريطانية شروطا قاسية لقبول اللاجئين وتخضعهم، لإجراءات تزيد من تدهور أوضاعهم النفسية، في حال قبولهم. من بينها إجراءات معيقة للم شمل الأسرة والذي نوقش قراره يوم 20 حزيران/يونيو الحالي، في البرلمان البريطاني، بعد أن طالب أحد النواب بإعادة النظر فيه وإجراء تعديلات عليه ليتماشى مع قوانين اللجوء الدولية، متسائلاً عما إذا كانت المملكة المتحدة والمجتمع الدولي قد قاما فعلاً بكل ما في وسعهما لحل هذه المشكلة.

هذا النقاش يقودنا الى التساؤل حول امكانية حل أية مشكلة كانت بدون معرفة الاسباب المؤدية اليها ومن ثم معالجتها، وما لم تتغير وجهة النظر الرسمية الأمريكية – الأوربية تجاه اللاجئين لتعترف بأنهم مضطرون لمغادرة بلدانهم لا حبا أو طمعا بأمريكا وأوروبا بل للمحافظة على حياتهم وحياة أبنائهم، من احتلال وحروب ونزاعات، غالباً ما يكون سببها هذه الدول نفسها. وبما أن هذا الاعتراف بعيد المنال، الى حين، ونظراً لتفاقم أعداد وسوء أوضاع اللاجئين، قدمت الأمم المتحدة وعديد المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال برامج تؤكد على الالتزام بالتضامن الدولي وتقاسم المسؤولية، وبدأت بتنفيذ بعض بنودها وإن لا يزال معظمها مجرد حبر على ورق، خاصة بعد أن أصبحت مأساة اللاجئين تجارة رائجة ومصدر ربح لبعض الدول والشركات الكبرى والأفراد بالإضافة الى الفساد المالي الذي يلتهم أموال المعونات والمنح عبر الوسطاء.

تقترح لجان الأمم المتحدة أن الحل الوحيد هو العودة الطوعية، وان تعمل الحكومات الوطنية على احترام مبدأ العودة الطوعية، وضمان أمن العائدين، والحماية الكاملة لحقوقهم. محذرة من أن عودة اللاجئين الى الوطن قبل الأوان نتيجة عوامل الدفع من بلدان لجوئهم سينتهي بهم المطاف، على الارجح، في مجمعات مؤقتة بديلة، أو يعودون الى بلد اللجوء، أو أن يصبحوا مهاجرين غير نظاميين. كما يمكن أن تكون العودة غير الطوعية عاملاً مزعزعاً للاستقرار في بلدان الأصل، مما يعجّل بتجدد التوتر وحتى تجدد العنف. هذه الصورة تنطبق، أيضاً، على عودة النازحين إلى مناطقهم التي أجبروا على مغادرتها بعد تهديم بيوتهم لأسباب طائفية أو دينية أو عرقية.

ان ما تطرحه برامج الأمم المتحدة من حلول ستساعد على حل مأساة اللاجئين والنازحين ولكن فقط حين تتوافر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة القضايا التي أدت الى النزوح واللجوء أساسا، من قبل المجتمع الدولي والحكومات الوطنية، وأن تعمل كل الجهات المعنية على وضع حد لمنهجية اعتبار المنطقة العربية سوقا لتصريف السلاح وثمنا لحماية الحكام الفاسدين. وهذا لن يتحقق بانتفاضات شعوبنا فقط، فقد انتفضت وثارت الشعوب العربية بما فيه الكفاية سواء ضد الاستعمار في حقبة ما قبل التحرر الوطني وضد الاستبداد في حقبة ما بعد التحرر. لن يتجسد الحل لإنهاء الظلم وتحقيق العدالة، على كل المستويات، ما لم تنتفض شعوب الدول الغربية، أيضاً، على حكّامها، لتغيير سياستها الخارجية والعمل سوية، مع بقية شعوب العالم، من أجل تغيير حقيقي.

 

العنف الجنسي

لا يقتصر على المرأة فقط

هيفاء زنكنة

 

لا يمكن للقوات الأمنية، بأمرة الأنظمة القمعية، إلا أن تلجأ إلى أكثر الأساليب انحطاطا لتكميم الأفواه والهيمنة على الشعب. هذه حقيقة لم يعد بالإمكان التشكيك بها، لأنها من صلب وجود هذه الأنظمة التي تتغذى على العنف، بأنواعه، وأكثره سفالة هو الاغتصاب الذي لم يعد يقتصر على النساء كسلاح لمنعهن من المشاركة بأي نشاط عام بل وامتد بممارساته الكريهة ليشمل الأطفال والرجال، في بلدان عديدة، تمزقها الحروب أو حين تشهد تظاهرات احتجاجية، مهما كانت سلمية مسارها. وما حدث في السودان، في الأسابيع الأخيرة، نموذج لسلوك الأنظمة القمعية حيث ارتكبت وحدة قوات التدخّل السريع «الجنجويد»، المتنفذة ضمن وحدات الأمن، والتابعة لنائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، عديد الانتهاكات وبضمنها اغتصاب نساء ورجال، أثناء فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش منذ 3 يونيو/حزيران، حسب مصادر متعددة.

يكاد لا يخلو بلد عربي من الجرائم الوحشية ذاتها التي نشهدها، حاليا، في السودان، وإن كان على مستويين هما بسبب المشاركة في التظاهرات أو الاعتقال. فسجل العراق وليبيا وسوريا، حافل، يدل على خوف الأنظمة المزمن من شعوبها وحاجتها الماسة إلى سلب كرامة الشعوب بأي أسلوب كان. وليس هناك ما هو أكثر نجاحا، بالنسبة إليها، من الهيمنة على أجساد الضحايا لسحق الكبرياء وإذلالهم. وقد شهد العقد العربي الأخير، تطور آلية الحد من مشاركة أفراد الشعب، خاصة المرأة، في أي حراك اجتماعي، من التهديد بالضرب أو الاعتقال أو إعاقة الحركة إلى استخدام انواع كانت نادرة، نسبيا، كالاختطاف والقتل والاغتصاب. ففي العراق، أصبح اختطاف المتظاهرين وضربهم ومن ثم إطلاق سراحهم والسماح لهم بالحديث عما عانوه، ليكونوا أمثولة تخيف الآخرين، شائعا. كما، بين الحين والآخر، اختطاف أحد الناشطين وتغييبه، لتصل درجة الترويع حدا أقصى. وإذا كانت المرأة العراقية قد استحوذت على حصة كبيرة من التهديد بالقتل أو الاغتصاب، وتنفيذهما، فعليا، في حالة المعتقلات والسجينات، منذ غزو العراق عام 2003، فإن القتل والاغتصاب طالا الرجال أيضا، في سجون الاحتلال الأمريكي والبريطاني والحكومات العراقية على حد سواء. حيث أصبح التهديد بالاغتصاب أو الاغتصاب الفعلي، ضد الاثنين، معا، ليمس «الشرف» كقيمة اجتماعية وأخلاقية عالية، متناميا بشكل طردي مع ازدياد شراسة الأنظمة في استقتالها للدفاع عن مصالحها، وثقة الجناة بعدم محاسبتهم وتقديمهم للعدالة.

ويتطابق ما ارتكبه الجناة في لسودان ضد المرأة المشاركة في التظاهرات مع المرأة المصرية التي عاشت التجربة نفسها أثناء اعتصامات ميدان التحرير وأماكن أخرى، واحيانا لمجرد وجودها في الأماكن العامة، حيث انتشرت مجموعات التحرش التي تعتدي على الفتيات بطريقة منظمة مما دفع الحكومة إلى سن قانون يجرّم التحرش الجنسي بعد تزايد الضغوط لمكافحتها.

إذا كانت المرأة العراقية استحوذت على حصة كبيرة من التهديد بالقتل أو الاغتصاب وتنفيذهما فعليا، في حالة المعتقلات والسجينات، منذ غزو العراق عام 2003، فإن القتل والاغتصاب طالا الرجال أيضا

ويُعدّ العنف الجنسي ضدّ الرجال والفتية في سوريا من بين انتهاكات حقوق الإنسان التي قام «مشروع جميع الناجين» والأمم المتحدة بتوثيقها، بدءًا من سبتمبر/أيلول 2017 وحتى أغسطس/آب 2018، ليضاف إلى قائمة العنف الجنسي ضد المرأة والفتيات. وهي تفاصيل قلما يتم التطرق إليها من قبل الضحايا والمنظمات الحقوقية معا. حيث يقتصر عمل المنظمات على توثيق حالات العنف ضد الفتيات والنساء باعتبار الجناة رجالا، بالإضافة إلى «الصور النمطية السائدة حول «الرجولة» التي تُعزّز التصورات في أوساط العاملين في المجال الإنساني بأن بإمكان الرجال رعاية أنفسهم وأنهم ليسوا بحاجة إلى المساعدة»، كأن العالم كان بحاجة إلى رؤية صور التعذيب في «أبو غريب» وخاصة المجندة الأمريكية ليندي انجلاند بابتسامتها المنتشية وسط الضحايا العراة، ليعرف أن الجلاد واحد، أيا كان جنسه. ولا فرق في تأثير هذه الانتهاكات الجسيمة على نفسية الضحايا. حيث يعانون، حسب التقرير، من الإحساس بالعار، وفقدان الثقة بالنفس، واضطرابات النوم، والإحساس بقلّة الحيلة، والشعور بالارتباك، والتفكير في الانتحار. وينتاب الناجون من الرجال الإحساس بفقدان الذكورة ولوم الذات. وتُعزى هذه المشاعر إلى الثقافة المجتمعية والتوقعات السائدة من الرجال والفتية، باعتبارهم مسؤولين عن حماية أنفسهم وعوائلهم.