الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

جواد بولس كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

 

 

مقالات سابقة

يا غافلا وله

في الدهر موعظة!

جواد بولس

 

من الطبيعي أن تطغى أخبار مأساة غزة المستمرة، على سائر ما يجري داخل المناطق الفلسطينية الأخرى؛ إلا أنه من المستحيل فصل تداعي الحرب العدوانية هناك عمّا يعانيه الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة وفي القدس الشرقية – حيث يواجهون اعتداءات سوائب المستوطنين، وكتائب جيش الاحتلال غير المسبوقة بوحشيتها وبدمويتها – وفصلها عما يعانيه الفلسطينيون داخل إسرائيل.
يواجه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل مرحلة سياسية خطيرة ومفصلية في حياتهم، من شأنها، ما لم تجابه بإصرار حتى النجاح، أن تقوّض احتمالات بقائهم المستقر في وطنهم؛ وتهدّد بنسف هياكل البنى الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية التي نجحت الأقلية الفلسطينية، الباقية في أرضها عام 1948، بإنشائها وتحويلها، بحنكة وبحكمة، إلى أحزمة واقية وأطُر جامعة، وإلى محركات ناظمة في مسيرة بعث الهوية واستعادة الثقة وإحياء الأمل.
من المحبط ومن المستفز أن تستمر عمليات القتل والتدمير الإسرائيلية طيلة ثمانية أشهر من دون أن تنجح البشرية ودول العالم ومجتمعاتها المتحضّرة والمتقدّمة بوقف العدوان، وإنقاذ أهل غزة من الموت ومن النزوح والتشرد. ومن المؤسف والمستفز أن يحصل كل هذا ولا يستطيع ما يسمّى بالعالم الإسلامي، بقياداته ومقدّراته وبجميع شرائحه، أن يؤثر في ردع إسرائيل، عدوّتهم في العقيدة وفي حروب المَهانة؛ أو بالتأثير على أمريكا، حليفتها في العدوان وفشلهم في إجبارها على أن توقف حربها المدمّرة وقتل وتشريد أبناء أمّة الإسلام.
ومن المخجل والمستفز أن تستمر إسرائيل باحتلالها لأرض فلسطين وبعدوانها السافر الأخير على غزة، من دون أن تحسب حسابا لموقف الدول العربية، التي في أحسن الاحوال ما انفكت تظهر «عجزها» عاريا، بمشهد يدعو إلى البكاء حينا وإلى التقيؤ أحيانا؛ وبعضها، دول عربية إسلامية، يُستدلّ بسهولة، من رياء حكامها ومن خرائط مصالحهم المفضوحة، أنهم متواطئون مع مشروع إسرائيل وأمريكا، ويتمنّون مثلهما التخلص من هذا الكابوس الذي اسمه فلسطين، وإزالة قضيتها عن «موائد رحمانهم ومن موالدهم».

بعد كل بيان تنديد وشجب تطلقه «جامعة الدول العربية» أو «منظمة التعاون الإسلامي»، أكاد أسمع بين سطوره حكام هذه الدول وهم يتمتمون في صلواتهم كما يملي عليهم شيخهم نتنياهو ووعّاظه ويرددون مثلهم في السر: فلتكن غزة الذبيحة أولا، وبعدها سوف تنخّ الضفة المحتلة، ثم لن يبقى أمام «مملكة إسرائيل» إلا مهمة واحدة أخيرة هي تدجين من عصوا نداءات «جيش الإنقاذ»، تلك الحفنة من «أيتام العرب»، الفلسطينيين الذين بقوا أشواكا في حلق إسرائيل وعثرة أمام تحقيق أحلام أنبيائها. «لقد حان الوقت»، هكذا يقول حكام إسرائيل الجديدة للمواطنين الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر، «فإمّا أن تقبلوا أقفاصنا وتعيشوا كما عاشت «النمور في يومها العاشر»، أو أن تكتبوا، ككبار شعرائكم، معلقاتكم على «أعواد المشانق»، أو، ربما، أن تستكملوا «تغريبة» أجدادكم وتمضوا على وقع حداتكم نحو الشرق وإلى المهاجر. يستبشر «المتشائلون» والواثقون بدنوّ الفرج، والمؤمنون بحتمية نصر صاحب الحق والقضية العادلة، بمواقف بعض الشعوب العربية والإسلامية، التي عبّرت بعض قطاعاتها عن وقوفها مع غزة ونصرتها؛ فهذه الشعوب ليست كملوكهم وأمرائهم وحكامهم، هكذا يؤمن المتفائلون. كنت أتمنى أن أشعر وأن أفرح مثلهم، لكنني أعرف أن هذه الشعوب تعيش على دين ملوكها، ووقع سياط أمرائها ونبض حكامها. قد تفور، كما الشهوة، بعد «غزّةٍ» في خاصرة كرامتها المتخثرة، التي حفظها تاريخ أمة تربّت على «طبائع الاستبداد» ولم تهتدِ إلى دين يحررها ويوحدها منذ يوم «سقيفة بني ساعدة». إنها أمة عاشت في ثنايا «الملل والنحل» وتحت عباءات «أمراء مؤمنين» جاءوا فذَبحوا وذُبحوا وكَفّروا وكُفّروا، وليس جديدا عليها «اغتيال الصحابة والأولياء.. فتاريخها كله محنة.. وأيامها كلها كربلاء». هكذا علّمتنا بطون الكتب وهكذا ردّدت «بنات الصحارى» في بكائيات من سلفوا ومرثيات من درسوا «فيا غافلا وله في الدهر موعظة، إن كنتَ في سِنةٍ فالدهرُ يقظان». يجب أن يقال هذا الكلام لغزة ولرام الله، وللقدس طبعا؛ لكنني أقوله اليوم للناصرة ولعكا ولأم الفحم ولكل الأهل في الداخل، فنحن نقف على حافة الهاوية وأمامنا جراحات غزةَ عِبر، وعبرات القدس دروس، فلنتذكر أن «قصبٌ هياكلنا، وعروشنا قصبُ» ووحدنا سنواجه «الغول والعنقاء والخل الوفي».
قد يكون التفاؤل في هذه الأوقات الحرجة بعد انتشار اليأس بين الناس، أوجب وأكثر الحاحا؛ لكنني أؤمن «بأمر مبكياتي» وأشعر بأن الأوضاع داخل إسرائيل تتجه نحو الأسوأ والأخطر بعد أن أكملت القوى اليمينية المتطرفة والفاشية المستشرسة بهدوء عملية إطباق سلطتها المطلقة على معظم مرافق الدولة. ففي ظل الحرب على غزة والضجة حولها، وما استحوذته وما زالت من انتباه عام وانشغال المجتمع اليهودي بتداعياتها، استغلّ أقطاب الحركات اليمينية، بعد أن اضطروا إلى تجميد خطوات انقلابهم مع تعاظم المعارضة الشعبية والمؤسساتية لمؤامراتهم، استغلوا الأجواء التي نشأت بعد السابع من أكتوبر واستأنفوا تنفيذ مشروعهم، خطوة وراء خطوة، حتى أنجزوا معظمه. لقد لاحظ الكثير من المتابعين أن أصحاب مؤامرة الانقلاب يتقدّمون ويحتلّون المواقع، مستفيدين من أجواء الخوف التي انتشرت داخل المجتمع اليهودي بعد السابع من أكتوبر، ومستغلّين حالة الجنوح الشديد بين اليهود، نحو استعادة مكانة قوتهم العسكرية وقوتهم على الردع التي خسروا. والنتيجة كانت أن المناخ السياسي العام في الدولة بات جاهزا لتنفيذ مشروع تدجين المواطنين العرب وتأديب قياداتهم ومؤسساتهم، وتحويلهم إلى رعايا «إيجابيين» أو، إذا ما قاوموا ورفضوا، تدفيعهم الثمن و»تحييدهم»؛ وهو المصطلح الذي بدأ الإعلام العبري يطلقه على من يقتله الجيش أو أذرع قوات الأمن الإسرائيلية الأخرى في المواجهات مع الفلسطينيين، وتستعمله أيضاَ، عن جهل وعن حماقة، بعض وسائل الإعلام العربية.
أعيش في قلق مطّرد وأقرأ كل يوم أوراق عمل وتقارير تعدّها مؤسّسات بحثية محلية، ومعاهد دراسات وباحثون أكاديميون، حيث يأتون فيها على تشخيص مفصّل للمخاطر التي نواجهها، نحن الفلسطينيين في الداخل، وشروحات حول مآرب حكومة نتنياهو السياسية النهائية، لكنني لم أجِد في معظمها مقترحات لحلول يقدّمها هؤلاء الباحثون لمواجهة المخاطر الموصوفة بدقة وبشمولية.
وبلغة مبسطة وواضحة أسأل نفسي أولاً وجميع من بحث وحلل أزمتنا الراهنة: ماذا علينا أن نفعل إن قررت حكومة إسرائيل غدا تقليص وسحب حقوقنا الأساسية ورهنها بقائمة شروط تعتمد مبدأيّ الولاء للدولة اليهودية والندّية بين طرفي معادلة المواطنة، أي حقوق مدفوعة مقابل واجبات متمّمة، كما تحدّدها قوانينهم العنصرية وعقيدتهم المبنية على مبدأ الفوقية اليهودية. لم تعُد هذه مجرد خرافات أو تكهنات يستحيل حدوثها، فنحن على أبواب هذه المرحلة وما قد تفضي إليه من مواجهات حقيقية. سؤالي موجه لجميع قياداتنا ونخبنا الذين يؤثرون، في هذه الظروف عدم التطرق إلى هذه القضية، بغير خيار المواجهة في الساحات وفي الحارات، حين يتحدث عنه البعض كمعطى محتوم علينا، في ظل أي خيارات أخرى. وحتى من يتحدث عن ضرورة المواجهة لا يوضح ما شكلها وما هي حدودها، علما أنه سيكون أخطر الخيارات من منظوري؛ فوفق سياسة «التحييد» التي رأيناها تنفذ أيضا في بعض مواقعنا في الداخل، سنكون نحن، الأعداء، ضحاياها المؤكدة، فهل لدينا غير احتمال المواجهة؟ وهل سنسمع مواقف التيارات السياسية البارزة بيننا، أعني التيار الإسلامي بشقيه الشمالي والجنوبي، والتيار القومي بتفرعاته العديدة والتيار الجبهوي، إزاء علاقة المواطنين الفلسطينيين مع إسرائيلهم الجديدة، وهل ترى هذه التيارات أننا نواجه اليوم خطرا وجوديا، أم تعتقد أنها مجرد غيمة سوداء ستبدّدها صلاة وشعار وأغنية؟
سؤال/نفير أطلقه وشعبي وننتظر الجواب؛ فهل من مجيب؟
كاتب فلسطيني

 

 

كل شيء تغيّر…

حتى الاحتلال صار وحشيا

جواد بولس

 

 لم تكن محاكم الاحتلال العسكرية يوما مكانا مريحا للمحامين، الذين يدافعون عن الأسرى الفلسطينيين، ولا للأسرى أنفسهم، وبالطبع ليس لعائلاتهم. فهذه المحاكم التي باشرت عملها منذ اليوم الأول بعد انتهاء حرب يونيو 1967، خطط لها أن تكون الذراع التي ستُحكم قبضة المحتل على رقبات الفلسطينيين، الذين «يتجرأون» على مقاومة الاحتلال ويتحدون نتائجه العسكرية المبهرة بعد ستة أيام من حرب لم تنته فعليا حتى يومنا هذا.
لم ينفرد جهاز المحاكم العسكرية، ومعه المنظومة القضائية العسكرية، بمهمة قمع المواطنين الفلسطينيين والإمعان في معاقبتهم وردعهم، بل قام بهذه الوظائف إلى جانبهم جهاز القضاء الإسرائيلي المدني، وعلى رأسه «المحكمة العليا الإسرائيلية»، التي حرصت على مهمة تبييض ممارسات الاحتلال وتسويغه كحالة «طبيعية وقانونية» وليس جريمة بمقتضى المواثيق الدولية وأعرافها.
تاريخ المحاكم الاسرائيلية، العسكرية والمدنية، أسود؛ والحديث عن دَور قُضاتها في صناعة الظلم عبر سنيّ الاحتلال، يحتاج إلى كتابة مجلدات كبيرة. ما زال الأسير الفلسطيني، ضحية عزلاء في قاعات تلك المحاكم، لا يحظى بأية فرصة حقيقية للدفاع عن قضيته، ولا ينال إجراءات ما يسمى بقواميس عدل الأمم «المحكمة النزيهة». ومثله كنا، نحن المحامين، ندافع في معارك محسومة ضدنا مسبقا، أو كأننا نقف أمام طواحين الهواء، أو نركض في حقول كان القضاة فيها مجرد «فزاعات» تتحرك بدفع الريح، دون قلوب وبلا أرواح. كان معظم القضاة، وقبلهم المدّعون العسكريون، وقبلهم المحققون وقبلهم الجنود الذين اعتقلوا الأسرى، مقتنعين بأنهم يقومون بواجبهم المقدس خدمة لدولتهم، ودفاعا عن شعبهم، فالفلسطيني، هو عدوهم ويصير»ارهابيا» عندما يختار طريق النضال ضد الاحتلال. أما نحن المحامين، فكانت قطاعات واسعة بين الجنود والمدعين والمحققين والقضاة ينظرون إلينا غالبا، كموكلينا: «إرهابيين» يدافعون عن «إرهابيين».

إنها حكايتي خلال أكثر من أربعين عاما وقفت فيها في مكاني الطبيعي، وعلى ضفة التاريخ الصحيحة، وشاهدت كيف كان يُهزم الاحتلال فيها في كل مرة كان يقف الأسير الفلسطيني امام سجانه، أو أمام قاضي المحكمة ويبتسم شامخا، رغم الوجع، في وجوههم، ساخرا من ذيل عتمتهم الخائبة. أربعون عاما حاول فيها الاحتلال، دون كلل، أن يبتلع نواصي الأمل الفلسطيني، وأن يئد خلايا أفراحهم؛ فكان يجرب ويفشل. كانت فلسطين تدفع مهورها، وكانت تلد بنات وأبناء يعشقون منازلة المستحيل، ويؤمنون بأن غدهم ينام في حدقات أمهاتهم ويفيق ينتظرهم عند نواصي البرق. هكذا كان العمر يمضي، وكان كل شيء حولنا يتغير ويتبدل؛ لقد صار الاحتلال أوحش، وسار جلاوزته على غرائز الطغاة في اشتهاء الدم واللهو عند سماع حشرجات الفرائس؛ وصارت فلسطين أوهن وأعجز، بعد أن خانها «الأخوة» وغدر بها الأشقاء وراحت تفتش عن ميناء لتلقي فيه مرساتها. أما أنا فكبرت في الهمّ وشعرت «بوحدي».. هرمت أحلامي ولم أعد احتمل صلف المحاكم ولا عربدة الجنود، ولا نزق القضاة. لقد قالوا : لكل زمن رجاله؛ ربما هكذا كان ولكن ليس في هذا الزمن، زمن الموت الحافي في فلسطين وزمن «لمّ شمل» جثث أبنائها في حفر الضمائر الغائبة. لم انتظر بروز هذا الجحيم منذ السابع من أكتوبر،؛ فعندما أحسست أن جهاز القضاء الإسرائيلي فسد بالكامل، وبات مجرد هيكل تستوطنه فيالق الاحتلال، بدأت ابتعد عن ساحات المحاكم، ولا أزورها إلا لماما، فكان حتى هذا القليل كثيرا.
قبل أيام قدمت إلى محكمة عوفر العسكرية لأمثل أبا وابنه من سكان مدينة رام الله، كان الجيش قد اعتقلهما بشبهة تقديم خدمات إلى حركة حماس من مكان عملهما.
وصلت باب المحكمة الرئيسي فأدخلني الحارس مستهجنا قدومي بعد طول غياب. فأجبته مؤكدا أنه ليس الشوق لهم، بل عساها رغبتي بمقاومة اليأس والاطمئنان عمّن واكبت تاريخهم منذ أيام صباي. أدخلني معتذرا مني إذ كان عليه أن يفتشني، لأن كل شيء تغير، هكذا قال بخجل ظاهر. دخلت ممرا طويلا على جانبيه شريط عال من الأسلاك الشائكة، فمشيت بينها بهدوء محاولا أن أطرد من رأسي صورة الشياة وهي تدفع في مثل هذه الممرات قبل ذبحها.
وصلت ساحة صغيرة تحدها الأسلاك الشائكة من جميع الجهات، وفيها غرفة انتظار معدّة لاحتواء عائلات الأسرى التي تنجح بالوصول إلى ساحة المحكمة. منها دلفت إلى ساحة أصغر محاطة بالاسلاك الشائكة، وضع فيها «كرڤان»، مكون من غرفتين صغيرتين كان الجنود يستعملونه «فتبرعوا» به للمحامين ليزجوا داخله، وهو المكان الوحيد الذي يسمح للمحامين أن يمكثوا فيه ريثما ينادون للدخول إلى قاعة المحكمة. تعودت بسرعة على المكان بصحبة الزملاء، وبعد أن أفهمت أن أيام كنا نستطيع دخول ساحات المحكمة الداخلية ونجوب بين قاعاتها، أو نزور غرف السكرتارية، أو المدعين العسكريين، قد ولت؛ فكل شي تغير، أفهمني زملائي. حاولت أن أستفسر عن موعد جلسة موكليّ، فضحك المحامون بشفقة ظاهرة، وقالوا يا أستاذنا هذه مهمة مستحيلة. انتظر فسيأتيك جندي مترجم ويدعوك. ولكن لا أحد يستطيع أن يضمن لك متى سيحدث هذا، وقالوا: كان يا ما كان، فكل شيء في هذا المكان تغير يا أستاذنا.
لم يحالفني الحظ قبل استراحة الظهر، فانتظرت حتى أنهى الجنود والقضاة غداءهم؛ وجاء المترجم وصاح باسم موكلي سائلا مَن من المحامين يمثله فقفزت ودخلت مسرعا قاعة المحكمة. انتظرت في القاعة بأجواء كلها فوضى وصراخ. كان الجندي يحاول أن يجد مكان اعتقال موكلي، الأب، كي يعرضه على شاشة الفيديو، فالأسرى لا يُحضرون إلى قاعات المحاكم.  بعد نصف ساعة من الفوضى واشتباك أصوات حرس السجون الذين كانوا يفتشون عن امكنة اعتقال الأسرى مع أصوات الجنود المترجمين والجنود الحراس، بدأت الجلسة. طلب المحقق تمديد توقيف الأب وابنه ثمانية أيام اضافية بعد العشرة التي كانا قد قضياها. اعترضت وطلبت إطلاق سراحيهما، إلا أن القاضي قرر تمديد التوقيف بحجة إعطاء فرصة للمحققين لإنهاء التحقيق مشيرا إلى أن المادة التي عاينها لا تحمل خطورة كما كان ادعى المحقق. حاولت أن اصرخ في القاعة لأشرح لموكليّ من خلال شاشة الفيديو ماذا جرى بشأنهما، إلا أن السجان الذي كان يرافقهما من بعيد قرر قطع الاتصال. خرجت مذهولا من المشهد مصدوما. كنت أنظر باتجاه القاضي، رآني من فوق رؤوس الجنود والمترجمين والمحامين فقلب كفي يديه بحركة المهرج، وقال: هي الدنيا سيد بولس، فكل شيء هنا تغير! قال وانتقل ليكمل الفصل التالي في مسرحية العبث.
انتهت مدة التحقيق التي أقرّتها المحكمة فأخبرتني النيابة العسكرية، أنهم قرروا عدم تقديم لائحتي اتهام بحق موكليّ. فرحت وقلت في نفسي: معقول أن يكون فعلا كل شيء تغير؟ اتصلت مع سكرتارية المحكمة لاستوضح كيف ومن أين سيفرج عن موكليّ، فاجابتني المجندة: لن يفرج عنهما؛ إذ أصدرت المخابرات بحقهما أمري اعتقال إداريّين: للابن لمدة ستة شهور وللاب لمدة أربعة شهور. سمعتها وتمتمت: على ما يبدو لا شيء تغير. هو الاحتلال يخاف ويحن ويتوحش عاما بعد عام فيبدل عصيّه ووجوهه واقفاصه معنا وحسب. انتظرت عشرة أيام حتى عينت لهما سكرتارية المحكمة في عوفر جلستين للنظر في صحة الأمرين. وصلت في الموعد المحدد إلى باب المحكمة فسألني الحارس بدعابة «يبدو انك قد عدت إلى عشيقتك، فانت محام مشهور، ولا تستطيع أن تتركها/ مهنتك»، قالها بلهجة محترمة وجدية، فأجبته: «لكل زمن رجاله، وهذا زمن الندم والهباء الذي لم يعد زمني؛ أما معشوقتي فسأبقى أنا خادمها ما دام يطلع فوق سمائها القمر»؛ قلت ولم أتحقق إذا فهم مرادي. مشيت مرة اخرى في تلك المسارب وبين الأسلاك الشائكة حتى وصلت قفص المحامين؛ وأخبرتهم بما حصل معي فلم يستغربوا. ثم فهمت أنه حصل معهم مثلما حصل معي، وإلا كيف وصل عدد المعتقلين الإداريين في أيامنا إلى 3400 معتقل إداري؟
ثم أضاف احدهم وكان من محامي الجيل الجديد: على ما يبدو يا أستاذنا، أن كل شيء تغير عن زمانكم. قالها واستمر وزملاؤه في مزاولة شعائر يومهم، وأنا معهم في ذلك القفص الصغير.
كالتب فلسطيني

 

 

 

نادي الأمل الفلسطيني

جواد بولس

 

 

لبّيت يوم السبت الفائت دعوة «جمعية نادي الأسير الفلسطيني» لحضور مؤتمرها الثامن في مدينة البيرة. وصلت قاعة المؤتمر في اللحظة التي كان فيها الحضور منتصبا بصمت، إجلالا لعزف النشيد الوطني الفلسطيني؛ فوقفت مثلهم وحدّقت في عشرات الوجوه السمراء وعيونها الساهمة تتطلع بصرامة إلى الأمام، والأكفّ مقبوضة بحرص على الصدور حتى انتهت الموسيقى، وعلا التصفيق وعادت القاعة إلى ضجيجها الخافت قبل بدء الجلسة الافتتاحية.
لقد عرف أصدقائي في إدارة نادي الأسير، أنني أحاول الابتعاد، منذ سنوات، عن حضور المناسبات العامة؛ إلا أنهم أحبوا وأصروا أن أكون معهم برسم المودة والاحترام المتبادلين بيننا، وإيفاء للعشرة التي دامت بيني وبين النادي لأكثر من ربع قرن، عملت فيها بداية محاميا ضمن الوحدة القانونية التابعة للنادي، ومن ثم مديرا لهذه الوحدة حتى إغلاقها قبل بضع سنوات. لكنني مع مرور السنين صرت أنأى عن وهم المنصات في فلسطين ورتابة إيقاعاتها؛ وأخاف أكثر من وجع قد يفاجئني بعد أن شاخت أحلامي وانطفأت كواكب ليلي، وكابدت مرارا من رجس الجاحدين وغدرهم. لكنهم دعوني وعرفوا أن صاحب القلب الخافق، يحنّ دوما إلى بئره الاولى التي على حفافها تعلّم سورة الظمأ وصار أخا للأيائل تركض لتقبض على ذوائب الريح، وصبورا كالسرو ومؤمنا كالسنديان.

كنت في السيارة وحدي والطرق في فلسطين غالبا لا تنتهي كما يجب أن تنتهي، والسفر فيها يكون مغامرة. كانت طوابير السيارات تمتد أمامي كثعبان أسطوري؛ وصافرات بعض المركبات تحاول أن تُسمع الفضاء احتجاجاتها دون فائدة؛ فالجنود على الحواجز، بعد أن «فقأ» الاحتلال قلوبهم، لم يعد يغويهم إلا صوت عصيّهم وهي تنهال على عظام الفلسطينيين، أو أزيز رصاصهم وهو يصطاد «الشيرينات»، ولا يحبون النظر إلا من منظار فوهة بندقية أو من حدقة عين كلب. كنا نتقدم ببطء شديد نحو الحاجز، وكنت أحاول قتل الضجر والغضب باستحضار شريط من ذاكرة، هي عكس صاحبها، لا تشيخ وتفيض بصور الذين ناضلوا ضد الاحتلال واعتقلوا ودافعت عنها بدءا من سنة 1980. حدثت نفسي كي تهدأ، فرتل السيارات الطويل يتحرك وفق «رحمة» جنديتين تشعران اليوم كحفيدتي بار كوخبا أو بن غوريون، بعد أن نصّبهما «الجنرال» حارستين على أمن امبراطورية الشر، ومسؤولتين باسمها على وقت الرعايا الفلسطينيين، وعلى حرية حركتهم، والتحكم في دخولهم إلى رام الله أم لا. حاولت ألا أفقد اعصابي، وأن انتظر بصبر مثلما يفعل في فلسطين كل من يسعى إلى رزقه والعمل، ويحرص على ألا ترديه رصاصة جندي فاشي محموم.
كان في كل مدينة فلسطينية كبيرة سجن ومحكمة عسكرية، وكنا نصلها لنزور الأسرى وندافع عنهم. كانت فلسطين وقتها محتلة عالمكشوف، وكنا نتحرك ونتنقل بين كل المدن والمحافظات بحرّية من غير حواجز، وكان بعد أن حرّرت «اوسلو» أجزاء من فلسطين أصبح أهلها أسرى وعاجزين، وصار بعضهم يقضي نصف عمره في انتظار الوهم، مسلحين بقواعد التدجين وصلاة المسافرين ومزامير الصبر ونشيد «لا نلين». كنت وحدي والفكر سارح ومبتسما إلى أن وصلت قبل الحاجز مباشرة فقلت لنفسي: هراء.. أنت تقول لنفسك هراء.. لقد كانت فلسطين محتلة عالمكشوف وبقيت مختلة/محتلة عالمكشوف، أما أهلها فبقوا كما كانوا أحرارا وصابرين. قلت وخشيت من طيش العاطفة ورتابة الشعار. وعبرنا الحاجز سالمين.
في بدايات عملي كنت أحب صباحات فلسطين، لأنني في كل يوم زرت فيه سجنا، أو محكمة كنت أشعر بأن شمس فلسطين تطلع من خاصرة الأرض، كي تأذن للحياة وتقول لها: اندلقي نورا على المعمورة، وللرياح انثري في البحر بذور عواصفك؛ وكنت أحب ليل فلسطين، لأنني كنت أرى في عتمته أقمارها السجينة سابحة نحوي كالمنى وراقصة كالضوء من بعيد. كان ليل فلسطين ستّارا وليس كليل العرب نمّاما؛ وكان ناسها يخبئون تحت جناحه خوابي أوجاعهم وآمالهم، ويحرقون الصلوات بصمت في حنايا صدورهم فتصير في النهارات أعواد نَدّ وبيارق. كنت أسمع أهل فلسطين في السجون وفي المحاكم يروون حكايات عن سيدة كانت تأتيهم في الليالي كحورية من وراء المدى الازرق؛ كانت تسمي نفسها فلسطين. كانت تعدهم بأنها ستأخذهم إلى أعراس في سهول أرجوانية، أرضها من ريق السماء، وأسوار حدائقها من ورود وأزهار أحلى من الفل والنرجس، وفيها أشجار من أقمار صغيرة إلى جانب أشجار زيتون ولوز وعنب وتين. كان الأسرى يتحلقون في حضنها ويصدّقونها ويَصدقونها وكانوا يحبونها وتحبهم. وكنا، نحن المحامين، نحبهم ونحب فلسطينهم وننتظرها في ليالي الصيف وفي ليالينا الغائمة.
دخلت قاعة الهلال الأحمر الفلسطيني واتخذت بهدوء أقرب كرسي وجدته أمامي مقعدا. التقيت الكثيرين فاستعدنا الذكريات وفرّ الحنين ليحتفي بعودة الدوري إلى حافة بئره الأولى. كان واضحا لجميع من حضر، أن المؤتمر يعقد في ظروف استثنائية، خاصة في ضوء العدوان الإسرائيلي على غزة، والتصعيد الخطير في الاعتداءات التي تنفذها ميليشيات المستوطنين وفرق جيش الاحتلال ضد المواطنين في الضفة الغربية المحتلة وفي القدس الشرقية. لقد خُصّصت جلسة المؤتمر الافتتاحية لكلمات الضيوف الذين أكدوا فيها، أن انعقاد المؤتمر يعكس التزام القيّمين على إدارة الجمعية بالعمل بنهج ديمقراطي سليم وبشفافية، وحيّوا، كذلك، مسيرة الجمعية على عطائها غير المنقطع منذ تأسيسها عام 1993 واستمرارها في تقديم الخدمات القانونية للأسرى ولعائلاتهم، ولكونها عنوانا أصيلا وعريقا لقضاياهم؛ وأكدوا أن ما يواجهه الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وفي معتقلات الأسر العشوائية، منذ السابع من أكتوبر، يعكس قرار المؤسسة الإسرائيلية بتنفيذ مخططها «بكسر ظهر» الحركة الأسيرة والقضاء على وجودها ودورها كرافد مهم في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني، فسياسات الانتقام والترهيب والضرب والتجويع والعزل والإهمال الطبي والتضييق على الأسرى بوسائل غير مسبوقة، تشكل شواهد على نية الاحتلال ومآربه.
مع انتهاء الجلسة الافتتاحية أُعلنَت استراحة قصيرة استغلها الحاضرون لإتمام طقوس السلام والكلام والعناق؛ فمعظم الحاضرين، كانوا رفاق درب وأخوة في الأسر ويعرفون بعضهم بعضا؛ واليوم اجتمعوا تحت سقف خيمتهم. بقيت في مكاني فتقدم كثيرون نحوي لإلقاء التحية والسلام، وبعضهم راح يمتحنني فيسألني إن ما زلت أذكر اسمه. عرفت كثيرا منهم ولم أتذكر بعضهم، فبعد أربعين عاما مليئة بالوجع وبالتفاصيل وبالقصص، يحق للعقل أن يسهو وينسى. تذكرت كيف كانوا يشعرون بأنهم أسرى في المجاز، لأنهم عاشوا، في عوالمهم الموازية، بأرواح حرة حتى المطلق. لم يهابوا سجانيهم ولا المواجهة، ولم يخافوا إلا على دمعات أمهاتهم. لقد عشقوا الحرية بدنف غير منقطع وذوّتوها في «جوّاهم»، فلم تغرهم المادة ولا التوافه ولا مكائد السجانين. لم يتمنوا إلا عري الصباح ومعانقة أنفاس الندى النائم على شرفات الذكريات أو الساقط من أهداب يمامات أحلامهم. كنت لا أخاف عليهم الا من نسمة شاردة قد تبلل في الليل وسادة أحدهم الخالية وتوقظ في أحشائها الحنين، أو من عصفورة شقية قد تمر على شباك حلم فتشعل السر وتطير. هكذا كان أسرى فلسطين، أمّ التمائم وسيّدة الرضا، لا ينامون إلا على عصيّ معاولهم ومناجلهم ويحلمون واقفين برائحة الفجر وبغنج السنابل، وبالرقص عند خواصر السواقي.
وقفت في طرف القاعة أرقب من بعيد تفاصيل المشهد. كانوا أمامي يضحكون كحبات عقد فريد ويتهامسون بصوت عال، ويتنقلون من طاولة لطاولة بعجقة وبفرح. كانت قاعة المؤتمر تبدو من بعيد كساحة فورة كبيرة في سجن بعيد.
كنت واقفا على حافة الارتباك، فسمعت صوت أحدهم يسألني: ما رأيك يا أستاذ بالمؤتمر؟ ثم أردف قبل أن يسمع رأيي سائلا: هل تعتقد أنهم سيفرجون عن القائد مروان البرغوثي؟ هل برأيك سيطلع؟ حاولت أن استوعب جدية السائل فسبقني مُطلقا إجابته بسرعة السهم، وقال «لا أعتقد ذلك، فإسرائيل لن تفرج عنه، وحماس تبيعنا كلاما لأنها تكذب ولا تريده حرا، وكذلك معظم رجالات السلطة لا يريدونه حرا»؛ قالها بنبرة المتيقن ودون مشاعر أسف. نظرت نحوه وسألته: وأنت، هل تتمنى أن يفرج عن مروان البرغوثي، فإذا كنت كذلك عليك أن تستبدل منطق سؤالك وتتحقق من دوافع متهميك؛ ثم سكتُّ برهة وأضفت: أمّا بخصوص المؤتمر فرأيي أنه على الرغم مما ينقصه ومن غابوا، سيبقى بالنسبة للكثيرين كما كان: «مؤتمر نادي الأمل الفلسطيني».
كاتب فلسطيني

 

 

فلسطين بين إسرائيل

الصهيونية وإسرائيل التوراتية

جواد بولس

 

نشرت وسائل الإعلام العبرية خبرا مفاده، أن وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت نقل، خلال جلسة الحكومة الإسرائيلية، التي عقدت مساء يوم الأربعاء الفائت، رسالة هدد فيها بالانسحاب من الحكومة إذا ثبت أن هدف عملياتها العسكرية هو فرض السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة؛ ولذا طالب نتنياهو أن يعلن على الملأ أن ليس هذا ما يخطط له هو وحكومته. وقد نشر بأن موضوع البحث الرئيسي، الذي كان قد تصدّر جدول أعمال الحكومة، دار حول ضرورة حسم الحكومة الإسرائيلية موقفها إزاء مستقبل السلطة الفلسطينية؛ إذ ينادي عدة وزراء بضرورة التخلص منها، ويبذلون جهودا في دفع حكومتهم باتجاه الشروع الفوري بتنفيذ الخطوات اللازمة لضمان انهيارها التام، مع العلم أن حكومة نتنياهو باشرت منذ سنوات بتنفيذ خطوات عملية استهدفت مكانة السلطة الفلسطينية وتقويضها بشكل تام.
ووفقا لما جاء في الخبر، فقد أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نفسه خلال مناقشة الموضوع بأن «80% من المواطنين الذين تلقوا تربيتهم لدى السلطة الفلسطينية يدعمون المجزرة. لن نعطي مكافآت ولن ندع ذلك يحصل». وقام بتعيين الوزير يريف ليفين «مسؤولا أمام سائر الوزارات كي يقوم معها، خلال أربع وعشرين ساعة بتقديم توصياتهم، التي من شأنها المس بالسلطة الفلسطينية».
لم تبدأ عملية إضعاف وإنهاك السلطة الفلسطينية في أكتوبر المنصرم، لكنها بدأت تأخذ بَعده، منحى سياسيا مختلفا يتوافق مع عقائد حكام إسرائيل الجدد ومخططاتهم تجاه الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني؛ فما عدا بعض الفترات الاستثنائية في حياة الاحتلال الإسرائيلي منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو، مارست حكومات إسرائيل، طيلة الوقت، سياسة خنق السلطة الفلسطينية والتنكر لاستحقاقات اتفاقيات أوسلو، والتخطيط، في الوقت نفسه، مع حلفائها في مشروع إدارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وليس حله، إلى خلق واقع لن يفضي إلى نهاية الاحتلال، بل لإبقائه «بكامل بندقه وبندقيته»؛ ومن جهة ثانية، العمل على هندسة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وتحويلهم ببطء وبخبث إلى ما يشبه وكلاء للاحتلال، وتزويدهم ببعض عناصر القوة والحكم والامتيازات التي تمارسها بالعادة مؤسسات الدول الوطنية وحكوماتها؛ وبطبيعة الحال على إبقاء سلطة غزة مسؤولة عن إدارة سجن القطاع كله.

لست في معرض التعرض إلى تاريخ هذه العلاقة، ولا إلى مختلف العوامل التي ساهمت في ولادتها، ثم تدحرجها حتى الحضيض الذي آلت إليه في السنوات الأخيرة؛ فما يهمني في هذه العجالة، ليس البكاء على ما مضى ولا تأثيم قيادات السلطة كمذنبين وحيدين عمّا جرى، كما يصر عليه البعض، أو تأثيم حركة حماس وحدها عن دورها في «خلاف الإخوة» والاستفراد في حكم غزة وتحويلها إلى ميناء للمقلعين نحو حلم إقامة الدولة الإسلامية كما يصر عليه البعض الآخر، ما يهمني اليوم، التأكيد على ما يخطط له حكام إسرائيل ومن يؤيّدوهم، في الخفاء أو في العلن، من عرب وغرب وعجم، الآن وبعد الحرب على غزة. لقد ادّعت حكومة نتنياهو أن هدف حربها على غزة هو القضاء على حركة حماس، وعلى قوتها العسكرية، لكن أنهر الدم والمقابر الجماعية وأشلاء البشر تحت الركام وفي الشوارع، تشهد أن الضحية المستهدفة لم تكن حماس وحدها، بل قطاع غزة كله وسكانه. وقالوا إن غزة تدفع فدية القدس والضفة المحتلتين. ولكن، إن كانت غزة هي مرآة لصورة العبث والشر المطلقين، كانت القدس، صخرة الأمل المذبوح، وكانت الضفة أرض شعب «يتهادى نحو مستقبله بعباءات الشفق الأرجواني». قال شاعرنا الدرويش «للحقيقة وجهان» وقد صدق؛ بيد أنه لو لم يرحل نحو ذاك العدم وبقي ليرى غزة تذبح ويقطّع لحمها، كما في أساطير الوحوش، لعذرني إن قلت: للحقيقة في بلادي وجه واحد: تذهب دماء البشر هباء في حروب يخوضها القادة من أجل السماء وباسم الحجر.
لقد مضى على هذه الحرب 225 يوما، ومن لم يفهم حتى اليوم عليه أن يفهم أن عنوان هذا الصراع الدائر على أرض فلسطين وشعبها هو أكبر من القضاء على «حماس غزة» وإسقاط سلطة «فتح رام الله»؛ وهو صراع إذا لم يحسم، داخل إسرائيل بالأساس، فستبقى السيوف مرفوعة بأيدي «كهنة المعبد» وحلفائهم من قادة شعب الله المختار. إنه صراع على أبواب السماء ومذابحها في الأرض، بين «إسرائيل المحتلة» التي ربت ورعت «السلطة»، التي شُبّه لها أنها تحكم في ضفة فلسطينية حرة، وتعايشت مع سلطة إسلامية في غزة، حين شُبّه لها أنها احتوتها وروضتها، وإسرائيل التي تريد أن «تتحرر» من كونها دولة محتلة وتحكم في فلسطين كسيدة ولها عبيد. كان الفلسطينيون منذ اليوم الأول للاحتلال الضحية وبقوا الضحية؛ بيد أن برق السابع من أكتوبر أضاء للبعض فحمة الوهم وعرّاه حتى أصبح سؤال الضحية أوضح: فأي الاسرائيلتين سيواجه الفلسطينيون والعرب، كل الفلسطينيين والعرب بعد أن يتخلى عنهم أعوان سيدهم ابراهيم؟ هل هي إسرائيل «هبة السماء» وحدودها، كما وعد بها الرب شعبه المختار، بين بحر ونهر والمدى الأزرق، لا أقل؟ أم هي بيت «قوم ضاعوا» و «مأوى لضحية» لم تعد ضحية، بل صيّادا مضطربا يطارد فرائسه الفلسطينية.
اخترت أن اكتب عن هذه المسألة، التي تبدو إسرائيلية وحسب، لأن الكثيرين من الكتاب والمعلقين والأدباء الاسرائيليين كانوا قد تطرقوا إليها وهم يحتفون بذكرى يوم استقلال دولتهم السادس والسبعين. فرغم أن معظم القراء العرب لا يفرقون بين «إسرائيل وإسرائيل» ما دامت كلتاهما محتلتين ودمويّتين، أرى أن النقاش داخل إسرائيل، في هذه المسائل، يحمل في طياته مؤشرات على حدوث تصدعات جدية داخل الإجماع اليهودي الصهيوني يجب أن تهمنا، نحن الفلسطينيين بالذات.
قد يكون ما كتبه المؤرخ الإسرائيلي المعروف عالميا أريه نوح هراري صاحب الكتاب الشهير «تلخيص تاريخ البشرية» في موقع «واي نت» العبري يوم 13 مايو الجاري، شهادة لافتة على الصراع حول ماهية إسرائيل والتحديات التي تواجهها.
فتحت عنوان «في يوم الاستقلال الـ76 على إسرائيل أن تحسم في مسألة من شأنها أن تحدد مستقبلها» كتب: «ماذا علينا أن نعمل؟ أن نرفع رأسنا كدولة صهيونية وديمقراطية تحظى بدعم الدول الغربية في مواجهة إيران، أو أن نقامر على مساعدة السماء». لا أوافق الكاتب على العديد من أفكاره التي طرحها في المقال؛ لكن معالجته لمسألة الفرق بين إسرائيل الصهيونية، التي يدعمها، وإسرائيل، دولة العرق اليهودي المتفوق، تبقى لافتة ومهمة، خاصة عندما يصف تداعيات هذا التحول والتحديات المصيرية التي ستضع جميع اليهود في إسرائيل وفي العالم أجمع، أمامها.
امتلأت الصحف الإسرائيلية بمقالات ناقش أصحابها أهداف حكومة نتنياهو من استمرار الحرب على غزة، وما أفضت إليه المجازر الإسرائيلية من تغييرات ضد إسرائيل في العالم، ودعا بعضهم إلى وقف هذه الحرب والسعي وراء حل القضية الفلسطينية، قبل أن يصبح مصير إسرائيل مرهونا بالكامل بأيدي متطرفين يهود عرف تاريخ البشرية الأسود أمثالهم. إنه نقاش مهم يجب الالتفات إليه وتجنيده، في مواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية وافعالها.
شعرت بالحزن مرتين وأنا أقرأ ما يكتبه هؤلاء المعارضون، مرة لأنهم لم يرفعوا صوتهم ضد الحرب منذ بدايتها، ومرة لأنني افتقد لمثل هذه النقاشات في صحافتنا العربية والفلسطينية خاصة. فمتى سيصبح طرح أسئلتنا الوجودية ومناقشتها مقبولا ومتاحا في فضاءاتنا العربية؟ فماذا كانت أهداف حماس السياسية في السابع من أكتوبر؟ وهل توجد سيناريوهات سياسية حالية عندها مرتبطة بالحرب المستمرة أو بعد انتهائها؟ وهل يوجد لدى حماس موقف من قرار حكومة إسرائيل إسقاط «سلطة رام الله»؟ أو مناقشة فرص استعادة الوحدة الفلسطينية الحقيقية في ظل شعور حركة حماس بالنصر، وإصرارها على استلام السلطة في غزة، وربما في الضفة أيضا؟ وما هي مخططات فصائل منظمة التحرير في حال تسببت حكومة إسرائيل بإسقاط السلطة وإلغاء اتفاقية أوسلو والقضاء على إمكانية حل الدولتين؟ وما إلى ذلك من أسئلة خارجة عن أساليب التمجيد الفئوية، أو الشخصية والمتحدية للوازم التابوهات السياسية والدينية والعقائدية، إن تغييب هذه الأسئلة لا يعود بالفائدة علينا، وأفضى إلى بقائنا عالقين منذ مئة عام بين فكي معادلتين: تفترض الأولى أن كل اليهود سواء، والثانية تجزم أن إسرائيل إلى زوال، فلنبشر لأن الفرج قريب.
كاتب فلسطيني

 

 

 

الوحدة والمسؤولية

قبل غزة وبعدها

 

جواد بولس

 

أفاق المواطنون العرب في إسرائيل صباح يوم الأربعاء الفائت، على مشاهد عملية هدم 47 منزلا تعود لعائلة أبو العصا في منطقة وادي الخليل، قرب قرية أم البطين جنوبي البلاد. ويذكر أن عملية الهدم تمت بعد أن رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماس السكان أصحاب البيوت، وقبلت الموقف الرسمي الإسرائيلي، بحجة أن البيوت بنيت دون تراخيص على أراض تملكها الدولة. تعاني جميع البلدات العربية في إسرائيل، ومنذ سنوات طوال، من أزمة في البناء، وسياسة هدم البيوت بحجة عدم حصول أصحابها على التراخيص؛ ويكفي أن نتابع نشرات الأخبار المحلية، في الأشهر القليلة الماضية، حتى يتكشف لنا حجم المأساة التي تجسد في الواقع أحد أوجه سياسات الاضطهاد والعنصرية الإسرائيلية القديمة/الجديدة، لكن عملية الهدم هذه المرّة تحمل مؤشرا جديدا على خطورة سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية الترهيبية والاقتلاعية تجاه المواطنين العرب، وإمعانها في تنفيذ خططها الرامية إلى «تدجينهم» وتشديد الخناق عليهم، ليس في قضية السكن ومصادرة الأراضي وحسب، بل في جميع مناحي الحياة العامة واليومية.
لقد نشر مركز «عدالة» قبل أربعة أيام تقريرا بعنوان «ملاحقة الطلبة الفلسطينيين في المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية خلال الحرب على غزة»، في أعقاب حملات القمع غير المسبوقة التي شنتها الجامعات والكليات الإسرائيلية، على الطلاب العرب منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة وضد حرية التعبير. وأكّدت «عدالة» أن إجراءات المؤسسات الأكاديمية تأتي «وسط حملة تحريضية منظمة ضد المواطنين الفلسطينيين في الداخل، تهدف إلى تجريم وقمع أي معارضة للعدوان الإسرائيلي على غزة. وقد قامت عدة جامعات بإحالة الشكاوى ضد الطلاب الفلسطينيين إلى الشرطة الإسرائيلية ما أدى إلى اعتقالهم و/أو توجيه التهم ‘ليهم» والشروع، احيانا، بإجراءات تأديبية ضد الطلبة بسبب مواقفهم المعلنة.

لقد قرأنا عن تداعيات قضية البروفيسور نادرة شلهوب كيفوركيان، التي ما زالت تواجه ملاحقة عنصرية من قبل الشرطة الإسرائيلية، بعد أن رفعت إدارة الجامعة العبرية حمايتها عنها؛ وقرأنا كذلك عن بعض الحالات الأخرى المماثلة؛ لكننا لم نسمع ولم نقرأ قصص مئات المواطنين الذين وقعوا ضحية لسياسة الملاحقة الإرهابية، وبعضهم سجنوا أو طردوا من جامعاتهم، أو من اماكن عملهم. نحن إذن إزاء حملة قمع عنصرية واسعة، تدل على استحكام هذا «الفقه» وانتشاره كحالة مهيمنة في الشارع اليهودي، وفي جميع مؤسسات الحكم والإدارة في الدولة. لقد تحولنا جميعا، كمواطنين فلسطينيين، خاصة بعد السابع من أكتوبر، إلى أهداف محتملة أمام تلك السياسة، حتى لو اعتمدنا سبل التقية والحذر الأخرس أو الإنساني المتأني كما حصل مثلا مع الطالبة الفلسطينية، التي تلقت إشعارا مفاجئا بتعليق دراستها في كلية إسرائيلية، بسبب نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي صورة رجل فلسطيني يجلس وسط الأنقاض في غزة، مصحوبة برمز تعبيري (ايموجي) على شكل قلب مكسور. وبعد تقديم مركز عدالة اعتراضا على قرار الكلية، استدعت الكلية الطالبة إلى جلسة تأديبية، حيث قال خلالها أحد أعضائها: «في حين تدور حرب في الخارج، فمن المثير للصدمة أن ترى شخصا من الوسط (العربي) ينشر صورة تتعاطف مع غزة». على الرغم من اعتراض «عدالة» أدانت اللجنة الطالبة وفرضت عليها عقوبة تعليق الدراسة لمدة عام، بالإضافة إلى إلغاء منحة تعليمية كانت قد حصلت عليها سابقا. ورفضت الكلية استئناف «عدالة» على القرار؛ كما جاء في تقرير مركز «عدالة» المذكور.
لن يراهن عاقل على ما تخفيه الأيام المقبلة لنا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل؛ فكل المؤشرات تدل على أن المقبل سيواجهنا بظروف أخطر وأشد قساوة؛ ولا يكفي في سبيل مواجهتها أن نعلق آمالنا على الاحتجاجات التي تشهدها مدن وعواصم العالم ودولها وجامعاتها، ولا اعدّ بينها الجامعة العربية، حتى لو استبشرت قلة منا فيها الأمل؛ أو، كما يؤمن البعض بيننا، قيادات وشعبا، بدنو أجل النظام الغربي، وفي مقدمته البيت الأبيض، واندحار إسرائيل وإقامة امبراطورية الخلافة الإسلامية، ودخول الإسلام إلى كل بيت في قارات المعمورة، وفي طليعتها بيوت الأمريكيين والأوروبيين. حينها ستصبح، وفقا لرؤاهم، القدس عاصمة الخلافة الموعودة.
ولكل امرئ حلمه وعقيدته..
ستبقى تحدياتنا الحقيقية، التي نقف أمامها اليوم موجودة بعد انتهاء الحرب على غزة، أو ربما ستكون بعدها أكبر وأخطر وأكثر تعقيدا؛ وأعتقد أن هذا ما رمى إليه مازن غنايم رئيس بلدية سخنين، في حديث له أمام وفد لجنة المتابعة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية في إسرائيل، الذي جاءه مهنئا بعد انتخابه رئيسا للجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية العربية، حين قال: «إن تحديات مجتمعنا المتراكمة، في جميع مناحي الحياة كبيرة وتستلزم تجميع قدراتنا إلى أقصى درجات الوحدة والمسؤولية». ولا يخفى على أحد أن من بين هذه التحديات، علاوة على بناء الوحدة العسيرة داخل اللجنة القطرية للرؤساء، وإيجاد السبل النافعة للعمل مع «لجنة المتابعة العليا» لتجسيد وضمانة إنجاح معادلة تكامل الأدوار وتوثيق «الصلة بين السياسي الوطني والمدني الخدماتي»، سنجد، كما أكد في حديثه: آفة الجريمة والعنف، وقضايا الأرض والمسكن والتربية والتعليم، وضمان حق مجتمعنا العربي في الميزانيات والموارد الحكومية. وقد يضيف البعض مثلي إيجاد الحلفاء من بين اليهود، فمعهم ستكون جبهتنا في وجه الفاشية والفاشيين أمتن. أتمنى لمازن غنايم أن ينجح في مهامه الصعبة، وأن يحقق الوحدة وأن يجد شركاء له في تحمّل المسؤولية، عربا بالطبع، وربما بعض اليهود الذين ما زالوا يؤمنون بأن حروب الدم لها منطقها الشيطاني ونهاياتها المفجعة؛ فنحن في زمن كدنا أن نفقد فيه الأمل، بعد أن ضيعنا البوصلة أمام إسرائيل التي تحوّلت إلى فضاء عدمي وكيان رافض لإيفائنا حقوقنا الأساسية، وراحت تفتش عن خلاصها بين أنقاض غزة وضباب مدافع جيشها. لقد قلت إسرائيل وأخاف من هذا التعميم، الذي يدفعني إلى حافة اليأس ونحو غريزة الهروب، حيث تقف بيني وبينه كهولتي وكلمات قلة من يهود يخافون مثلي من منطق الدم وروائح المذابح. سأستعين في هذه العجالة بما كتبته فتاة يهودية تدعى مايا كيدم على صفحتها، ففيه الوجع وفيه الأمل ايضا؛ فرغم أنها فقدت، في السابع من أكتوبر، ستة من أبناء عائلتها في كيبوتس نير عوز (اختها وزوج اختها وأطفالهما الثلاثة وأم الزوج) وجهت رسالتها لشعبها وقالت: «لم يكن موت عائلتي مبررا. الحسرة والوجع والحفرة التي في القلب كلها لي، لكن الكارثة ليست لي وحدي. عائلتي الجميلة المحبة للسلام وللنور، عائلتي ملائكتي، ستة أرواح اختفت من هذا العالم في يوم واحد هم ليسوا لي وحدي. آلاف قتلوا في يوم واحد وبيوت دمرت.. كل هذا ليس لي وحدي، عشرات الآلاف ماتوا في غزة والأعداد ما زالت تتزايد. جوع ودمار وخراب بأحجام لم تتكشف في وسائل إعلامنا. كل هذا يحصل باسمنا. هذه هوة تحفر منذ زمن طويل. إذا كنتم مستعدين أن تحيوا في هذا المكان ومع من باسم الجبن والانتقام والأنا، يختار منذ نصف عام طريق القتل الذي لا مستقبل له، بدل الاتفاقيات التي تضمن لكم المستقبل، فليكن هذا مكانكم. أنا لا أتمنى أن تتألموا مثلي ولا أطلب منكم الشفقة، بل أقول: كفى لهذه الحرب الملعونة، كفى لهذا الدم المسفوك. فقط السلام يجلب الأمن.. ما الجنون بقول هذه الجمل وما المستهجن فيها؟ أسال بجدية لأنني رغم الضربة التي ألمت بي ما زلت مؤمنة بذلك. لا أريد أن أخجل. ليخجل من قدّس كل حياته للقوة والعنف، الذي أنزل عليّ وعلى عائلتي هذا الدمار. من غير المعقول أن تكون الحرب هي فرصتنا الوحيدة في هذا المكان. لا تصدقوهم. أكثر من نصف عام ونحن ننفذ بهلوانيات هذه الحكومة المظلمة، والواقع يتهدم أمامنا وكارثة إنسانية رهيبة في غزة. يوجد طريق واحد للخروج من الظلام ومواجهة قوى الشر وهو إيقاف دائرة العنف والشروع في عملية سياسية. ومن لا يفعل ذلك هو عكس القائد وعكس القوي». قالت وتركت في النفس أثرا.
قد يقفز الآلاف ليقولوا إنها واحدة من شعب لا يؤمن مثلها؛ وجوابي لهم فليكن! ولكن من كان منا مثلها ليقبلها حليفة على دروب الحياة؛ وقد يقول آخر: بين شعبي عشرات الآلاف الذين فقدوا عائلاتهم، ولم يطلبوا الشفقة. أقول: أعرف ودموعي معهم وكل جوارحي، وحكمة لاعب النرد حين قال: «يموت الجنود مرارا ولا يعلمون إلى الآن من كان منتصرا»، ومع هذا وذاك سيبقى واجب قياداتنا الأهم هو أن تبني الوحدة القادرة وأن تتصرف بمسؤولية الخلاص.
كاتب فلسطيني

 

 

ما بعد بعد مدرسة مار متري..

الطريق الى البطريركية

جواد بولس

 

 من المتوقع أن تنتهي أزمة مدرسة "مار متري" في القدس الشرقية كما انتهت جميع الأزمات التي عصفت بمؤسسات البطريركية الأرثوذكسية منذ مائة عام؛ ولن ينال، بعد انتهائها، المواطنون العرب المسيحيون الأرثوذكسيون حقوقهم الكاملة ولا حتى جزءا صغيرا منها. فبعد العاصفة التي أعقبت إعلان المسؤولين في البطريركية عن قرارهم بإغلاق المدرسة، التي تضم بين جدرانها نحو ثلاثمائة طالب فلسطيني من سكان البلدة القديمة، وتفاديا لتبعاتها المتوقعة، أعلنت البطريركية مضطرة عن تشكيل لجنة مؤلفة من عدد من الشخصيات المقدسية للبحث في مسببات الأزمة ولطرح تصوّراتها والسبل لحلها. 

ولقد اصدرت اللجنة قبل يومين توصياتها وفي مقدمتها جاءت التوصية الاهم ، من حيث النتيجة المتوخاة وهي، كما ورد في النص: "ضرورة إلغاء قرار إغلاق مدرسة مار متري من قبل بطريركية الروم الأرثوذكس بشكل فوري والتأكيد على أهمية هذا الصرح التربوي والنهوض به وضمان استدامته ". بعد استلام توصيات اللجنة، أصدرت البطريركية بيانًا أفادت نهايته على انه "في خطوة تعكس روح التعاون والمسؤولية قرر غبطة البطريرك إلغاء قرار لجنة المدارس بإغلاق المدرسة.. واشار غبطته الى انه بفضل الله والجهود المشتركة والتعاون، خاصة مع اللجنة المختصة، سيظل باب التعليم مفتوحًا للطلاب في مدرسة مار متري..". هذا كما جاء في البيان الذي اعفى البطريرك وهو رئيس الهرم بلا منازع من مسؤوليته عن القرار الاصلي ولا يتطرق للب القضية والخلل في نهج البطريركية . أتمنى، كما يتمنى كل فلسطيني غيور على مستقبل المجتمع الفلسطيني المقدسي، أن تنتهي هذه الأزمة وتبقى المدرسة صرحًا تربويا متاحًا لأهل البلدة القديمة، وأن تسلَم بناية المدرسة نفسها من أية "مغامرة" قد يقدم عليها القيّمون على ادارة شؤون هذه البطريركية بحجة أزماتها المالية، كما كان يحصل معها من حين لآخر منذ عقود طويلة



 

 لا أقول هذا من باب التجني أو عدم فهم المقروء؛ فأنا اكتب مقالتي بعد مرور مائة عام على  تأسيس "المؤتمر العربي الأرثوذكسي الأول" الذي انعقد في مدينة حيفا في أواسط عام 1923 وجاء انعقاده في ظروف سياسية واجتماعية تكاد تكون مماثلة لظروفنا الراهنة، خاصة في كل ما يتعلق بطبيعة العلاقات بين العنصر اليوناني، اي اليونانيين، وبين المواطنين العرب الأرثوذكسيين. ولا اقصد بأولئك اليونانيين مجموعة الرهبان الأعضاء في "اخوية القبر المقدس" وعلى رأسهم البطريرك والكهنة الذين يشكلون معه ما يسمى "المجمع المقدس" وحسب، بل حكومات اليونان المتعاقبة ايضا والتي كان مسؤولوها يتدخلون من اجل ابقاء الهيمنة اليونانية الاستعمارية على الكنيسة الأرثوذكسية في بلادنا.

لم تبدأ الأزمة العربية الأرثوذكسية في العام 1923؛ فالنزعة الاستعمارية واضطهاد الرعية المسيحية الاصيلة في البلاد غذتها الامبراطورية العثمانية، ورسخها، بدعم من العثمانيين، اليونانيون الذين استولوا على البطريركية وكنوزها التراثية، وساندها لاحقا الانتداب البريطاني الذي وقع على الاردن وفلسطين.  لقد اصدرت سلطات الانتداب "قانون البطريركية الأرثوذكسيه لعام 1921 " من دون أن يراعي حقوق الرعية المسيحية، فكان محبطًا ومخالفًا لآمالها الوطنية. وكردّة فعل على اصدار القانون وامتثالا للروح النهضوية الوطنية الأرثوذكسية التي كانت سائدة وقتها، بادرت قيادات الأرثوذكسيين الى عقد مؤتمر يجمع الشمل ويوحد الصفوف ويعلي كلمة أصحاب البلاد في وجه مستعمريها، فكان "المؤتمر العربي الأرثوذكسي الاول" في مدينة حيفا. لقد تداعت الوفود التي مثلت مسيحيي المدن والقرى في شرقي الاردن وفي فلسطين الى لقاء تاريخي لم يستطع البريطانيون ألا يتفاعلوا مع تداعياته ولو الى حين ؛ فأصدر المؤتمرون بيانا  تضمٌن مجموعة قرارات، منها: تفعيل مجلس مختلط ثلثاه من العلمانيين الوطنيين وثلثه من الاكليروس؛ فتح مدرسة اكليريكية وافساح المجال لابناء الرعية من الارتقاء الى اعلى درجات الكهنوت وهو ما  كان متاحًا للكهنة اليونانيين فقط: لا يحق للبطريرك تمثيل الملة الأرثوذكسية الا بموافقة المجلس المختلط؛ مطالبة الحكومة بان يكون تأجير الاوقاف بالمزاد العلني.. وتعيين عضوين من اعضاء اللجنة التنفيذية للاشتراك في تأجير الاوقاف؛ مطالبة الحكومة باسترجاع الاملاك التي بيعت.. وان كان لا بد من بيعها فبالمزاد العلني وأن تكون الاولوية بالشراء للمعاهد الخيرية الطائفية؛ مطالبة الحكومة بالايعاز الى لجنة تصفية الديون باصدار ميزانية باسرع ما يستطاع. كما صدر في نهاية المؤتمر القسَم الأرثوذكسي الذي كان نصه: "إننا نقسم بالله العظيم وبصليب سيدنا المسيح الكريم وبإنجيله المقدس أن نحافظ بكل قوانا على قرارات المؤتمر الأرثوذكسي العربي الأول كافة، وألا ننحاز الى الأعداء المناهضين لهذه النهضة، وإن خالفنا هذا العهد نكون مسؤولين بين يديّ الله ونشهده على ذلك". ما أشبه أمسنا بيومنا، وما احوج بعضهم الى مثل هذا القسم. 

لقد توالت الاحداث وازداد الاجحاف بحق الرعية العربية وتهميشها؛ ولم تتوقف حكومة الانتداب عن دس مناوراتها ومماطلاتها حتى شعرت قيادات الطائفة بضرورة التحرك واستعادة القوة وتوحيد الكلمة، فدعت الى عقد المؤتمر الأرثوذكسي الثاني الذي التأم هذه المرة عام 1931 في مدينة يافا. حضر المؤتمر  85 مندوبا عن جميع انحاء فلسطين وشرقي الاردن؛ وقرر المؤتمرون التمسك بقرارات المؤتمر الاول والتعهد "بالاستمرار في مقاطعة الانتخاب البطريركي، وعدم الاعتراف في اي بطريرك لا يشترك الشعب في انتخابه حتى تنال الطائفة حقوقها كاملة". وعبّروا عن رفضهم "لتدخل قنصل اليونان في القدس أو غيره من الاجانب في امور البطريركية والاخوية والاماكن المقدسة لانه تدخل اجنبي لا يبرّره ما لهذه البطريركية والاخوية والمزارات من الصبغة الفلسطينية." جاهروا بما لا يقوله اليوم بيننا كثر.   

لا مجال في هذه العجالة للاستفاضة حول تاريخ هذه العلاقة اليونانية العربية المسيحية الموجعة والمستفزة؛ فبعد المؤتمر الأرثوذكسي الثاني توالت النضالات العربية المسيحية ضد سياسة الاستعلاء اليونانية والعبث بحقوق الرعية والتفريط في ممتلكاتها، وقد تم في سبيل تنظيم مواجهتها عقد عدة مؤتمرات، قبل عام النكبة وبعدها. 

 لقد احتضنت عمان في العام 2007  احد اهم تلك المؤتمرات، الذي شاركت فيه وفود تمثل الوجود المسيحي الأرثوذكسي في الاردن وفي الضفة الغربية المحتلة وفي الداخل الفلسطيني. عقد المؤتمر في ظروف استثنائية وعاصفة حيث كانت اصداء صفقات بيع عقارات باب الخليل تملأ أجواء الشرق غضبا وزبدا. اكد معظم المتداخلين على اعتبار قضية عقارات البطريركية والمقدسات المسيحية في فلسطين والاردن قضية وطنية اردنية/ فلسطينية ولا يمكن لاية جهة أن تتلاعب فيها او أن تغيّبها تحت أي طائل أو ذريعة. بالرغم من حدة النقاشات  والمناكفات التي اثارها بعض المشاركين المدافعين عن البطريركية، فقد تجلت الروحان الوطنيتان، الاردنية والفلسطينية، بنص البيان التاريخي الختامي حيث تضمن قرارا  بتأثيم القيمين على إدارة البطريركية والتأكيد على مسؤوليتهم ودورهم في التفريط بعقارات الكنيسة وضرورة محاسبتهم ومحاسبة أعوانهم من المستشارين والمنتفعين، واقصائهم عن مواقعهم .  

بعد عشرة اعوام من مؤتمر عمان وتحديدا في الاول من شهر اكتوبر/ تشرين اول سنة 2017 ، وبعد تفاقم ظاهرة التفريط بعقارات الكنيسة، دعت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والمجلس المركزي الأرثوذكسي في فلسطين وفي الاردن، والحراك الشبابي العربي الأرثوذكسي لعقد "المؤتمر الوطني لدعم القضية العربية الأرثوذكسية" تحت شعار " أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية قضية أرض ووطن وانتماء وهوية". عكس شعار المؤتمر موقف الداعين المساند للقضية العربية الأرثوذكسية والمعارض للتفريط باوقاف الكنيسة وعبر عن الروح التي سادت اعمال المؤتمر، الذي جاءته الوفود "بدافع الشعور بالمسؤولية الوطنية وتلبية لنداء الواجب الوطني والقومي والانساني، تجاه قضية استحكم فيها الظلم الواقع، على امتداد خمسة قرون، على العرب الأرثوذكسيين كجزء أصيل من شعبنا الفلسطيني، حيث الهيمنة والاستئثار من العنصر اليوناني على مقدرات الكنيسة العربية الأرثوذكسية للدرجة التي بلغ فيها ضياع الكنيسة والارض والمستقبل واقعا قائمًا ينذر بمخاطر كارثية حقيقية تهدد مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية". لقد نجح المؤتمرون بالكشف عن المسؤولين عن "ضياع الكنيسة والارض والمستقبل" تماما كما تعرّف اليهم من قبلهم المؤتمرون في عمان؛ وصدرت بحقهم في الحالتين القرارات المناسبة؛ ولكن .. مرت السنون وما زالت "الهيمنة والاستئثار من العنصر اليوناني" على حاله، وما زلنا "نحن العرب الأرثوذكس جزءا اصيلا من شعبنا الفلسطيني" وما زالت عقارات الكنيسة  تتقلص وتتبخر ..  والناس تسأل وتتساءل لماذا وكيف؟  

 

 

 

محاولة إغلاق مدرسة «مار متري»

منبه على صراع مستمر

جواد بولس

فوجئ العاملون في مدرسة «مار متري» وطلابها البالغ عددهم نحو 300 طالب وأولياء أمورهم يوم الاثنين الفائت بصدور قرار المسؤولين في بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، بإغلاق المدرسة نتيجة «التكلفة التشغيلية العالية والضغط المالي الكبير الذي تعانيه المدرسة»، وتحويلها حسبما جاء في نص الإعلان، إلى «مدرسة لصعوبات التعلم ابتداء من العام الدراسي 2025/2026».
تقع المدرسة داخل أسوار البلدة القديمة في موقع استراتيجي وخطير؛ وتشغل مبنىً تاريخيا عريقا، مكونا من ثلاثة طوابق وباحات ومرافق أخرى. يشكّل المبنى، من الجهة الغربية، امتدادا لمحيط كنيسة القيامة، ونقطة تواصل مع جنوبها، حيث مباني منطقة «باب الخليل» التي تفضي بدورها إلى منطقة الحي الأرمني. لقد استهدف المستوطنون اليهود والمؤسسة الإسرائيلية خلال العقود الماضية، وما زالوا، جميع هذه المناطق؛ ونجحوا، بالاستيلاء على عدة مواقع استراتيجية وعقارات تاريخية مهمة كانت تملكها البطريركية الأرثوذكسية – ربما كان أشهرها بين صفقات التسريب المعروفة داخل أسوار المدينة، دير «مار يوحنا»، وفندقي «الامبريال والبترا» وعقارات أخرى كانت تملكها البطريركية الأرمنية.

من الصعب أن يستوعب أي مواطن فلسطيني كيف تسوّل بطريركية القدس الأرثوذكسية لنفسها اتخاذ قرار إغلاق المدرسة في هذه الظروف الحرجة التي تمر على المدينة وعلى أهلها، وفي ظل هجمة الاحتلال ومحاولته الاستيلاء على قطاع التعليم الفلسطيني، وإخضاعه لمناهج التعليم الإسرائيلية، وإلغاء هويته الفلسطينية التي كانت تؤمّنها المدارس للطلاب في القدس الشرقية.
وقد يكون ما أعلنه «اتحاد أولياء أمور طلاب مدارس القدس» على صفحته في أعقاب انتشار النبأ حول قرار إغلاق المدرسة، معبرا عن هواجس الكثيرين الذين يشعرون فعلا أن «التعليم في خطر ونحن نغلق مدارسنا بأيدينا «وأضافوا: «نحن نحمّل البطريركية والمدعو (ع.ق) مسؤولية هذا القرار.. إغلاق مدرسة تاريخية سيكون بمثابة الكارثة «قالوا وأوجزوا فأين الكارثة؟ ليس من الإنصاف أن نحمّل قرار البطريكية وزر الكارثة التي يعاني منها قطاع التعليم الفلسطيني برمته في القدس؛ فهذه العملية/ الكارثة حاصلة منذ أعوام، وسجّل فيها الاحتلال إنجازات ضخمة وواضحة؛ بيد أن إغلاق المدرسة، وما قد يتبعه من إجراءات قد تقدم عليها البطريركية في المستقبل، من شأنه أن يسهم في تفاقم أزمة قطاع التعليم، ويشجع على  تفريغ البلدة القديمة من المؤسسات الفلسطينية ومن سكانها المرتبطين بخدمات تلك المؤسسات. من الخطأ أن نتعامل مع قرار البطريركية من باب تأثيره المتوقع على رقعة التعليم داخل البلدة القديمة وحسب؛ فالقرار الذي اتخذ دون استشارة أحد، أو أي جهة معنية، يعكس مقدار العجرفة اليونانية المتأصلة منذ قرون تجاه المواطن المسيحي العربي الشرقي، ويؤكد حالة الاغتراب بينه وبين كنيسته؛ وهي الحالة التي عكفت قيادات هذه البطريركية من اليونانيين الوافدين والمتحكمين برقبة وبكنوز كنائس فلسطين، على خلقها ورعايتها وترسيخها كي تبقى على حالتها، كما هي عليه في أيامنا الحالية، وهذا جزء مستفز من الكارثة! عللت البطريركية قرار إغلاقها للمدرسة بتكلفتها المالية العالية، وهي ذريعة إشكالية تندرج تحت بند الديماغوجيا أو الادعاء المطلق الذي لا يمكن لأحد التحقق من صحته بأدوات مهنية وموضوعية، كما حصل في كل مرة لجأت فيها البطريركية اليه في الماضي، وقد تلجأ إليه في المستقبل. فطالما استمر القيّمون على البطريركية في اتباع سياسة التهرب من مواجهة الأزمة/الكارثة، وعدم اتباع طريقة ادارة سليمة، لاسيما فيما يتعلق بضرورة نشر الميزانيات وتفصيل أوجه مدخولاتها المالية، مقابل تفاصيل مصروفاتها، كما تقتضي المسؤولية والشفافية وأصول إدارة المال العام والمحافظة على المصلحتين، الكنسية والوطنية، طالما لا يحصل هذا، لن يمنع أحد وقوع الخروقات والتسريبات في المستقبل؛ وهذا جزء أساسي في استمرار الكارثة! لقد حاولت المؤسسات الأرثوذكسية العربية في فلسطين وفي الأردن، خلال العقود الماضية التوصل مع القيمين على «أخوية القبر المقدس»، التي تضم أعضاء يونانيين فقط، إلى اتفاق يفضي إلى وضع صيغة مقبولة لشراكة ما في ادارة الشؤون المدنية للبطريركية، ولكن جميع المحاولات أفشلت من قبل قباطنة البطريركية وبدعم جهات. وهذا جزء محبط من الكارثة.
لا يمكنني في هذه العجالة أن اسرد تاريخ هذه العلاقة الشائكة، ولا المرور على إحصاء خسائرها، خاصة ما يتعلق بحالات تسريب العقارات بظروف مستفزة وتكتم المسؤولين عن تنفيذ تلك الصفقات على مصائر ريوعها الهائلة وعلى هوية المستفيدين منها، لكنني استطيع أن اتساءل كيف يمكن أن تصل البطريركية المقدسية، مرة تلو الاخرى، إلى هذا الحال وتعلن تحديدا في المحطات الملتبسة وبالتزامن مع افتضاح وقوع «مصيبة» ما، عن مواجهتها لضائقة مالية وهي التي تدخل خزائن، أو صواني بعض كنائسها وأديرتها تبرعات كبيرة يقدمها الحجاج، وبدل تأجير مئات الدكاكين والمخازن التجارية، كما هو الحال في أسواق القدس وغيرها من المدن والمواقع؟ وكيف تضطر كنيسة تضم «هيئتها العامة» بضع عشرات من الرهبان المنذورين لخدمة مسيحهم ولحياة التقشف، أن تعلن عن إغلاق مدرسة مقدسية بحجة عجزها المالي، من دون أن تشرح للناس أو لرعاياها، ما قيمة مدخولاتها، على الأقل من الصفقات الكبرى التي نشر عنها في العشرين سنة الأخيرة؟ وكيف صرفت تلك الأموال؟ وفي أي حسابات أودعت، سواء في البلاد أو في البنوك الأجنبية؟ وهذا جزء آخر موجع من الكارثة!
لا أعرف إذا كان مخطط المسؤولين في البطريركية تحويلها إلى مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، كما جاء في إعلانها المذكور. ولكن إذا كان هذا هو المخطط الحقيقي فعلى المسؤولين أن يشرحوا للمقدسيين كيف كانوا سينفذون قرارهم، وهم يعرفون أن من يفتح مدارس التعليم الخاص في القدس هي بلدية أورشليم ووزارة التربية الإسرائيلية، ويعرفون أيضا أنه على مقربة من مبنى المدرسة توجد بعض عقارات البطريركية المحكّرة لجهات إسرائيلية بإيجارات طويلة الأمد؛ وهذا جزء مقلق من الكارثة! بعد انتشار الخبر عن قرار إغلاق مدرسة مار متري، شرع المعلمون والطلاب بسلسلة احتجاجات أمام مبنى البطريركية، وعلت بعض الأصوات والبيانات المنددة بالقرار، فاضطرت البطريركية إلى إصدار بيان تعلن فيه عن مبادرة أطلقها البطريرك، ويتم بموجبها «تشكيل لجنة خاصة تضم مختصين في المجال التربوي لمتابعة ملف المدرسة على أن ترفع هذه اللجنة «نتائج أعمالها وتوصياتها خلال أسبوعين». إلى هنا ما قرأناه على لسان البطريركية، ولنتأمل منه الخير؛ ولكن البعض تساءل، إذا كانت هذه خيارات البطريرك وقناعاته الصادقة، فلماذا لم يقم بمتابعة ملف مدرسة مار متري مع السادة المختصين قبل إصدار قرار إغلاق المدرسة وتشويش عالم الطلاب والمعلمين، وهم على مشارف نهاية العام الدراسي؟ وهناك من يراهن، على أن هدف إقامة اللجنة هو مماطلة من كانوا وراء قرار إغلاق المدرسة، وربما تأجير المبنى لجهة غريبة، حتى ينتهي العام الدراسي الحالي وتموت القضية. وهنالك من يظن أن الهدف من إقامة اللجنة هو تفعيل الضغط على جهات أخرى وإجبارها على المشاركة في تغطية أعباء المدرسة المالية كي تستطيع البطريركية معاجلة أزمة «ديونها المزمنة». وهذا جزء من الغيب فلننتظر رحيل الضباب. أعرف أن جميع تلك الاحتمالات ممكنة، وان للحقيقة أكثر من وجه قد يشوهها، مرة أخرى، صافرات وهرطقات جحافل الأعوان والمستشارين والمتواطئين والمنتفعين من «خيرات» أسيادهم، الذين انبروا مباشرة للدفاع عن بطريركهم وعن حاشيته «المنزهين»؛ لكنني أتمنى، من اجل القدس وصالح أهلها، أن تنجح اللجنة في مساعيها وان يتوصل أعضاؤها المقدسيون إلى حل يضمن بقاء وجود المدرسة في مبناها هذا العام ولأعوام مقبلة. وأوكد في الوقت نفسه، أننا كأبناء أصليين للكنيسة العربية الأرثوذكسية، سنبقى نطالب بحقوقنا وفي طليعتها حقنا بان نشارك في إدارة الكنيسة كي نعرف ما لا يريدون لنا أن نعرفه ونمنعه؛ لكنني، أقول كما قلت مرارا: لن ينجح الفلسطينيون المسيحيون وحدهم في مواجهة «روما» فهل سيصحو «أهل الخير» وينضموا شركاء لهم في مسيرة «درب الآلام» من أجل حماية ما تبقى من حلمنا الشرقي؟
كاتب فلسطيني

 

 

(يوم الأسير) قبل وبعد أكتوبر

… يوم الوجع الفلسطيني

جواد بولس

 

احتفى الفلسطينيون قبل يومين بيوم الأسير الفلسطيني، الذي يحل في السابع عشر من شهر أبريل كل عام؛ وهو الذكرى التي يؤكد فيها شعب فلسطين وفاءه لأبنائه الذين ناضلوا خلال العقود الماضية، وما زالوا يناضلون، ضد الاحتلال الإسرائيلي، وسجنوا وضحوا بحرياتهم، وبحيواتهم أحيانا، في سبيل تحقيق مشروع التحرر الوطني الفلسطيني وإقامة دولتهم المستقلة.
أكتب مقالتي في هذه المناسبة، وقلبي مقبوض بالغصّات؛ لعل أقساها وآخرها كان رحيل «أسير الميلاد والأمل» وليد دقة بعد سبعة وثلاثين عاما قضاها خلف القضبان «كسيف الوطن المسلول»، حيث لم تقدر عليه، خلالها، مخالب السجن ولا سياط السجان، إلى أن تمكن منه المرض وأنهكه؛ فغاب وأبقى لنا تراتيل «زمنه الموازي»، بينما ما زالت إسرائيل تحتجز جثمانه وجثامين 27 أسرى آخرين.
وأتذكر، على ضفة الوجع الثانية، حلول الذكرى الثانية والعشرين لاعتقال القائد مروان البرغوثي، الذي اختطفته قوات الاحتلال من داخل رام الله في الخامس عشر من أبريل عام 2002 بعد أن سجّل مسيرة حافلة في النضال السياسي والميداني، وأعقبها بموقف القائد القدوة خلال محاكمته، ثم مضى أسير إصراره صامدا على درب العزة، فكان رمز التحدي والوحدة والاتحاد.
حلّت المناسبة هذا العام والشعب الفلسطيني يمر في ظروف مصيرية ومعقدة؛ زادتها تداعيات أحداث السابع من أكتوبر الفائت تعقيدا وضراوة وغموضا. لا أحد يعرف متى وكيف ستوقف إسرائيل حربها المدمرة على غزة، ولا مآلات هذه الحرب وتداعياتها التي قد تتدحرج بخطورة وتهبّ نيرانها لتشمل مناطق أبعد من غزة وكامل التراب الفلسطيني، كما يظهر من عدة مؤشرات، كما يشير حدسنا بما تضمره حكومتها الحالية، التي لا يخفي معظم وزرائها نهمهم ورغبتهم بإشعال المنطقة وإغراقها «بأضغاث أحلامهم» المبيتة، وقناعة بعضهم بأن إسرائيل تعيش، هذه الأيام، عصر تحقيق نبوءة أنبيائهم حول حتمية اندلاع حرب «ياجوج وماجوج». إنهم يحاولون بنيران حروبهم كتابة سفر التكوين من جديد، حيث ستصبح الأرض كما كانت «خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة»، ونهاية الحكاية، كما جاء في كتبهم.
إنها حرب مفتوحة ضد الفلسطينيين أينما وجدوا، وفي سجون الاحتلال طبعا؛ فالحركة الأسيرة الفلسطينية» شكّلت في مسيرتها الكفاحية أحد أوضح محاور الاشتباك الدائم مع الاحتلال الإسرائيلي؛ وعكست، منذ البدايات، فهم المقاوم الفلسطيني لدوره في مسيرة التحرر: فلا مساومة مع الاحتلال من جهة، ومن جهة أخرى، لا صمود من غير تأطير كوادر الأسرى في جسم موحد، وتخطّيهم لهوياتهم «الفردية» «والفصائلية»، دون أن يتنازلوا عن قناعاتهم الفكرية والسياسية المختلفة.

قد يحسب البعض، مخطئين، بأن الكتابة عن أسرى الحرية الفلسطينيين، في «زمن الموت» الذي تعيشه فلسطين، فيه نزعة من طبع «النزق» والشت عن راهنية الدم؛ فالأسير، هكذا يظن هؤلاء، مهما ادلهمت عليه الليالي وتنمّر بردها، ينام بمأمن من قصف الطائرات، ويصحو على همهمة غيمة كانت وسادته في الخيال. أحقا؟
يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال 9600 أسير، من ضمنهم 3660 أسيرا إداريا (المعتقلين بذرائع أمنية ودون تقديم لوائح اتهام بحقهم) وبينهم 22 امرأة و40 طفلا (من تقل أعمارهم عن 18 عاما). ويبلغ عدد الأسرى الأشبال/الأطفال 200 أسير، أما عدد الأسيرات 80 أسيرة وعدد الأسرى المرضى يناهز 800 أسير، بينهم العشرات يعانون من أمراض عضال أو مزمنة وخطيرة. أما عدد من صنفهم الاحتلال كمقاتلين غير شرعيين فبلغ 849؛ وتوفي في السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 16 أسيرا. لقد رفع الأسرى شأن المصلحة الفلسطينية العليا إلى مرتبة شبه «مقدسة»، ومضوا يشيدون، داخل السجون الاسرائيلية، كيانا حرا، التزم أفراده بممارسة حياتهم اليومية بانضباط متفق عليه، ووفق قيم نضالية وإنسانية وأخلاقية، أثبتت جدارة تضحياتهم الفردية، وأبهرت سجانيهم/ أعداءهم وفرضت عليهم التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، باحترام نسبي، كجسم واحد وليس أفرادا ضعفاء ومكسورين ومشتتين، كما كان الاحتلال يخطط له ويرغب بتكريسه. لم تكن تلك المسيرة سهلة؛ فقد حاول السجان الإسرائيلي» تدجين» الأسرى الفلسطينيين بعد الاحتلال مباشرة، حين قررت محاكمه أن تعاملهم «كجناة وإرهابيين» وتفرض عليهم أحكامها وفق ذلك المنطق. كان هدف المحاكم العسكرية ليس فقط معاقبة المناضلين الفلسطينيين، بل ردعهم وتيئيسهم وكذلك ردع أجيال المناضلين القادمة؛ وكان دور السجون هو النيل من «أرواحهم» والتحكم فيها، وإبقاء كل واحد منهم مجرد «فريسة» لا أمل لها ولا حيلة إلا في «حضن السجان» ومننه.
أفشلت الحركة الأسيرة كل محاولات كسرها، وصدت جميع مكائد الاحتلال الإسرائيلي ومؤامراته ضدها؛ بيد أنه مع مرور السنين والتغييرات التي طرأت على الحالة السياسية والاجتماعية الفلسطينية، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية في المنطقة، وتأثرها بقواعد لعبة الأمم ومصالحها المتغيرة، حصلت بعض التصدعات داخل الحركة الأسيرة، ما أدى إلى إضعاف مكانتها كحصن آمن ومنيع لجميع الأسرى داخل السجون، وتراجع دورها الوطني العام وشرعيتها في التأثير على المشهد الفلسطيني باعتبارها جبهة كفاحية موحدة وبوصلة ثابتة كانت ترشد من تاه، أفرادا أو قيادات أو فصائل، إلى المقدس الوطني الذي كان يختزله شعار: الوحدة ثم الوحدة، وليبق العدو أولا وأخيرا هو الاحتلال الاسرائيلي. من المؤسف أن حالة الضعف التي بدأت علاماتها تظهر على جدران زنازين الحركة الأسيرة وبوادر التشرذم لم تدارَ ولم تداو من قبل من كانوا أمناء على سلامتها ومناعتها؛ فرغم أن جميع القوى الوطنية والإسلامية شعرت بها، وقدّرت مخاطرها القاصمة، لم تواجهها بل قام بعضهم بتبنيها وبتزويدها بفتائل الاشتعال. ما زال الانشقاق بين حركتي فتح وحماس أقوى من دوافع ودواعي التغلب على الفرقة على مستوى الوطن، وداخل السجون أيضا، فساهمت تلك الانشقاقات بإقناع الاحتلال أن الحركة الأسيرة أصبحت «فريسة» سهله راح يطاردها بكل غرائزه الدموية ونهمه الذي لا يعرف شبعا.
لقد كان متوقعا أو طبيعيا، أن يتغير الوضع الداخلي الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر، لكن ذلك لم يحصل، وبقيت أحوال «الفلسطينيتين»، فلسطين منظمة التحرير وفلسطين الإسلامية، على ما كانتا عليه، أو أنها صارت أسوأ؛ فغزة، بعد السابع من أكتوبر، تبدو أبعد عن رام الله وأحوال الحركة الأسيرة أخفاها الغبار… لننتظر ونتمنى؛ عسى الأيام تزوّدنا بالأحسن.
جاءت ردات الفعل الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر مجنونة؛ ولم تترك للأسرى فرصة حقيقية لترجمة تداعيات المشهد وتوظيف الراهن الفلسطيني كمؤثر مستجد يستدعيهم لإعادة النظر في واقعهم الذي كان ملتبسا قبل ذلك التاريخ. لقد انهالت الضربات على الأسرى بصورة غير مسبوقة ببشاعتها ووحشيتها وحولت حياتهم إلى جحيم طال جميع مرافق حياتهم، واستهدف مكانة قياداتهم والاعتداء الجسدي الخطير عليهم، وعزلهم المطلق عمّا يجري في الخارج، وتفكيك البنى القيادية الهرمية بينهم، حتى بات التواصل العادي بينهم شبه معدوم. لم تكن مخططات حكام إسرائيل الجدد قبل السابع من اكتوبر مختلفة عن مخططاتهم اليوم؛ لكنهم شعروا، بعد السابع من اكتوبر، بأن السيف قد وقع وبأن فرصتهم صارت ناجزة وممكنة. ولم يتعظ الأسرى الفلسطينيون قبل السابع من أكتوبر من أهوال الفُرقة ومن الاحترابات الداخلية ومن سياسات طأطأة الرأس، ولم يتعظوا بعده؛ فلو فعلوا، لو، لكانت أوضاعهم اليوم مختلفة، ولكان ثرى فلسطين يحتضن جثامين من سقطوا في الأسر، والمرضى لا ينتظرون مصير رفيقهم وليد ومن رحلوا قبله وكان، وكان .. أقول هذا بحسرة وبوجع وبملامة، لا استثني منها أحدا.
كاتب فلسطيني

 

 

حين كذّبت غزة شعار

«معا سننتصر» واحترقت وحدها

جواد بولس

 

شهدت شوارع المدن الإسرائيلية، بعد الإعلان عن تشكيل حكومة نتنياهو الأخيرة، موجات من المظاهرات التي بدأت بحضور شعبي متواضع مدفوع بتوجس بعض شرائح المجتمع الإسرائيلي من هدف الحكومة في تنفيذ مشروع «الإصلاح القضائي»، كما أعلنت عنه حكومة نتنياهو، وقناعة المتظاهرين بأن مخطط أحزاب الحكومة أكبر من ذلك، وسيفضي عمليا، في حالة إنجازه، إلى هدم مؤسسات الدولة السيادية، والإجهاز على سلطة القانون، واستقلالية المنظومة القضائية، بجميع فروعها، وتحييد دور هيئات الرقابة «الدستورية» في تأمين التوازنات الضرورية بين سلطات الحكم الثلاث: الشرعية والتنفيذية والقضائية؛ وحماية حقوق المواطنين الأساسية.
ركزت شعارات المتظاهرين على ضرورة حماية الديمقراطية الإسرائيلية، وحصرت أهدافها، في البدايات، بالتصدي لمخططات التيارات السياسية القومية العنصرية والدينية المتزمتة، لاسيما بعد أن حظيت أحزابها بأكثرية مطلقة داخل الكنيست/ السلطة التشريعية، وباشر قادتها بتنفيذ مخططهم بالاستيلاء على جميع مفاصل الحكم استعدادا لتشييد الدولة اليهودية الجديدة، أو بالحري مملكتهم وفق المفاهيم التوراتية التي تربّوا عليها وآمنوا بها ونالوا من ناخبيهم الثقة والتكليف لتحقيقها.

ومع مرور الوقت بدأت بعض النخب القيادية اليهودية الجديدة تنتبه إلى أن المطالبة بحماية الديمقراطية الإسرائيلية والدفاع عن المنظومة القضائية لن يتحققا إلا إذا تم التعاطي مع المسببات، التي أعطبت ديمقراطيتهم عبر العقود الماضية، وأفضت إلى ولادة التيارات السياسية والدينية المتعصبة والفاشية، وتعاظم قوتها كما حصل؛ فكيف يمكن لديمقراطية حقيقية أن تثبت في عرى احتلال شعب آخر وقمعه؟ وكذلك كيف لها أن تكون حقيقية إذا لم تضمن المساواة لأكثر من خمس مواطني الدولة العرب؟
أذكّر اليوم بهذه التفاصيل لعلاقتها بما يجري داخل إسرائيل في هذه الأيام، وربما لأن البعض قد نسي تداعيات المشهد الإسرائيلي الذي كان، ونسينا كيف تحوّلت مظاهرات الاحتجاج الصغيرة إلى مظاهرات ضخمة تضم مئات الآلاف من المواطنين، وتغزو شوارع المدن الإسرائيلية وميادينها، حتى أصبحت حركة تتمتع بقوة شعبية مؤثرة نجحت بفرض موقفها على حكومة نتنياهو وأجبرته على الإعلان عن تجميد مخطط «الإصلاح القضائي»، تحت شعار رأب الصدع داخل المجتمع اليهودي والتفتيش عن قواسم مشتركة بينهم حيال شكل الدولة اليهودية ونظام الحكم فيها. وقبل مناورة حكومة نتنياهو المذكورة وإعلانها عن تجميد خطتها في الإصلاح، من الجدير أن نتذكر كيف بعد أن كان شعار المحافظة على الديمقراطية يرفع في المظاهرات «عاريا» من أي مضمون حقيقي، أو وهو مقرون بضرورة حماية المنظومتين القضائية والرقابية وحسب، صرنا نسمعه من بعض الخطباء وهو مقرون بتأكيدهم على ضرورة التخلص من الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين، وتأكيدهم، في الوقت نفسه، على أن لا ديمقراطية دون تأمين مساواة كاملة لمواطني الدولة العرب. لقد بدأ الشعار ثلاثي الأضلاع يبرعم، وينطلق وإن كان في حقول من شوك. لن أدّعي اليوم أننا كنا قاب قوس من إقناع المجتمع الإسرائيلي بأن لا ديمقراطية في دولة تشرعن فوقية الجنس اليهودي على سائر مواطنيها غير اليهود؛ أو أن لا ديمقراطية مع احتلال ومع سياسات قمع واضطهاد وعنصرية؛ لكننا، رغم ذلك، كنا نشهد مخاضات تتداعى في سيرورة سياسية اجتماعية متدافعة وجديدة، لو قيض لها أن تستمر لنقلتنا، ربما، إلى فضاءات هي آمن لنا، بالتأكيد، من التي فاضت علينا بعد السابع من أكتوبر. ففي ذلك اليوم «السابع» لم تسترح السماء، كما علمتنا الكتب، بل صبت جام غضبها وحممها على العباد؛ فكان ليل وكان نهار، وزال عصر وحل طوفان، وشنت إسرائيل حرباً فسال دم وساد دمار.
ستة شهور مرت، تغيرت فيها قواميس اللغة وأدوات بديعها وبيانها؛ فكتبَ الرصاص أحرف الديمقراطية طلقة طلقة، وصار الاحتلال كنايات مغروسة في الأجساد، والمساواة تحولت إلى استعارة عن خنجر يتربص بفريسته القادمة؛ أما إسرائيل فلم تعد «دولتنا» التي «تحترمنا وتشك فينا»، بل سجاننا المتأهب بسوطه وبحافلاته. كل ما كان عندنا ولنا قبل السابع من أكتوبر صار أصداء لأحلام وأنات «لبنات جبال» بعيدة. في السابع من أكتوبر رفعت صهيون شعار ربها وأعلنت: «معاً سننتصر» على أعدائنا؛ فكلنا بعد اليوم أبناء صهيون واحد ولا فرق بين نتنياهو وجولان، ولا بين لابيد وابن جبير، وجئولا هي اخت لمايا. ونمنا كالفَراش حول القناديل وسكتنا نعدّ خاءات خيباتنا وننظر نحو غزة وقد كانت فتاة لا تعرف النوم، تطير «وتغطي صدرها العاري بأغنية الوداع وتعد كفيها وتخطئ حين لا تجد الذراع»، ولا تبكي؛ فكيف يبكي من يعيش بين موتين وبحر؟ مرت شهور الذبح حتى سمع المدى صهيل الذباب، وطفح الدم وصار ريقا في حلوق الناس. بعد ستة «دهور» تفوق فيها الوجع على هرم الينابيع، فبدأت قلة من الناس تستعير ضمائرها، وتعيد تفاصيل المشهد قطرة قطرة، وبدأت تعي أن غزة هي الضحية، ويجب على حكومة نتنياهو أن توقف حربها عليها، وتتوقف عن قتل نسائها وأطفالها وأبريائها «فثلثا الاشخاص الذين قتلوا (أكثر من 42 ألف شخص قتلوا في غزة) هم من النساء والأطفال، وهذا أمر لا يغتفر»، هكذا صرح قبل أيام السناتور الأمريكي برني ساندرز، وهو صوت من آلاف مؤلفة من الناس بدأوا يتهمون حكومة إسرائيل ويطالبونها بوقف الحرب فورا.
لم تقتصر موجة التحولات في الرأي العام على الساحات الدولية وحسب، بل بدأنا نشعر بها أيضا داخل إسرائيل، حيث لم يكتف المعارضون بإطلاق التصريحات وبانتقاد حكومتهم. في الأسابيع الأخيرة بدأت تنتظم موجة جديدة من مظاهرات الاحتجاج التي يشارك فيها آلاف المواطنين، يطالبون بالعمل من أجل إرجاع المخطوفين وبضرورة إجراء انتخابات جديدة للكنيست.
قد تكون تداعيات المظاهرة التي جرت يوم الثلاثاء الماضي أمام بيت نتنياهو في شارع غزة في القدس، مؤشرا على احتدام الوضع بين نتنياهو وحكومته من جهة، وجميع القوى الاجتماعية والسياسية، التي وقفت ضده بعد تشكيل حكومته من جهة اخرى. وقد يكون الصدام بين المتظاهرين ورجال الشرطة، الذي جرى على مقربة من منزل رئيس الحكومة، واستدعى حضور رئيس جهاز المخابرات العامة بنفسه إلى الموقع، دليلا على ما سيحصل في القريب العاجل، سواء على مستقبل أواصر الوحدة اليهودية اليهودية التي فرضتها بشكل مصطنع وديماغوجي أحداث السابع من أكتوبر، أو على طريقة تعامل الشرطة مع من سيعارضون حكومتهم.
ما يحدث في الأيام الأخيرة داخل إسرائيل، لاسيما عودة ظاهرة الاحتجاجات إلى الشوارع، هو تطور مهم ولافت؛ وقد يتحول في ظروف مواتية إلى حركة شعبية معارضة شبيهة لتلك التي تراجعت تحت وطأة طوفان السابع من أكتوبر. أعي أن ما يحرك المتظاهرين في الاحتجاجات الأخيرة هي مسألة المخطوفين الإسرائيليين والمطالبة بإعادتهم، واتهام حكومة نتنياهو بهدر أرواحهم على مذبح مصلحته الشخصية وغريزته للبقاء في الحكم، وأعرف أن دوافع بعض القوى المبادرة والمشاركة في تلك الاحتجاجات سياسية، ورغبتهم في إجراء انتخابات جديدة للكنيست هي إسقاط حكومة نتنياهو، ومع ذلك علينا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وفلسطين بشكل عام، ان نتابع هذه التطورات لا كمتفرجين لنا مصلحة بتوسيع الشقاق الذي نجح نتنياهو بطمره تحت شعار «معا سننتصر» فحسب؛ بل كأصحاب مصلحة مباشرة في إعادة الشارع الإسرائيلي إلى مواجهة الأسئلة المصيرية الصحيحة والتوصل إلى الأجوبة الصحيحة المصيرية، من أجلهم ومن أجلنا.
لقد كان السابع من أكتوبر يوم اتحد كل افراد الشعب اليهودي داخل إسرائيل، واتفقوا أن يقضوا بسببه على أهل غزة .. لكن غزة بقيت وستبقى لأهلها النازحين ولجثث أبنائها وحجارتها المشبعة بالدم وبالدموع وباحلام البائسين الباقين. فهل كما كانت غزة «الفريسة» سببا للوفاق التام داخل اسرائيل ستكون غزة الحياة سببا في صحوة الاسرائيلي من خرافاته؟
كاتب فلسطيني

 

 

العرب في إسرائيل… بين

محنة حاضرة ونعمة مشتهاة

جواد بولس

 

سأبدأ مقالتي بقصة كان قد رواها لي المهندس الزراعي الراحل عبد الرحمن النجاب ابن قرية جيبيا من قضاء رام الله، قبيل رحيله عام 2018. كان عبد الرحمن النجاب من أوائل خريجي مدرسة «خضوري» الزراعية، وأحد أبرز الطلائعيين التقدميين في تطوير علم الزراعة في فلسطين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى وفاته عن عمر ناهز الخامسة والتسعين عاما. والقصة تتحدث عن ضابط بريطاني كان مسؤولا في مدرسة «خضوري» زمن الانتداب البريطاني على فلسطين؛ كان يعمل لديه في القسم طبْاخ مصري. بلغ الضابط بان هذا الطباخ كان نماما وثرثارا ويكثر من انتقاد الإنكليز وممارساتهم ضد العرب. استدعى الضابط طباخه وبدل أن يعاقبه قرر نقله إلى سلك الشرطة وراح يعجل في ترقياته، إلى أن بلغ رتبة شاويش، وعندها قرر طرده من العمل. تساءل الناس وتعجبوا من موقف الضابط، فأجابهم: لو طردته وهو يعمل طباخا لوجد بسهولة الفرصة ليعود إلى مهنته كطباخ، أما اليوم فلن يجد من يشغله شاويشا، وفي الوقت نفسه لن يرضى بالعودة للعمل طباخا، فنفسه، بعد أن ذاقت نعمة أن تكون شاويشا، ستأبى أن يعود إلى المطابخ. إنه خبث المستعمرين منذ مئات السنين وعلاقتهم برعاياهم، وابقاؤها متوترة بين محنة حاضرة دوما، ونعمة موهومة ومتأرجحة. فهل تغيرت أحوالنا نحن أهل فلسطين عبر السنين؟ ربما!
نشر قبل يومين نبأ أفاد بأن الجامعة العبرية تراجعت عن قرارها بتعليق عمل البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان، وموافقتها على عودتها لمزاولة مهامها في الجامعة على الفور. وجاء القرار في أعقاب جلسة عقدت يوم الأربعاء الفائت بمشاركتها ومحاميها مع إدارة الجامعة العبرية ممثلة بعميدها البروفيسور تمير شيفير.
لم ينل هذا الخبر في الإعلام العربي الاهتمام الجدير به؛ فإعلانه تم على موجة خافتة وخجولة وعلى طريقة البيانات الثورية المقتضية، علما بأن قضية البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان تحولت في الشهر الماضي إلى قضية رأي عام، ليس داخل إسرائيل وحسب، بل في محافل دولية عديدة.

قد يكون السر وراء هذا التباين بين الضجة الكبيرة، والمباركة التي واكبت عملية فضح موقف الجامعة العبرية في البداية، والكشف، في النهاية، عن هذا الانتصار بوشوشة وادعة، قابعا في التنافر والتوتر الدائمين بين شعورين/ حالتين ما زال المواطن العربي في إسرائيل يعيش تحت وطأتهما وهما: الشعور بالمحنة والرغبة بالنعمة؛ فمعظم المواطنين لا الأكاديميون وحسب يقضون لياليهم وهم يتأرجحون بين تينك المنزلتين، ويتخذون قراراتهم في النهاية، على الأغلب، وفقا لمصالحهم الشخصية. لقد بررت إدارة الجامعة، حينها، قرارها المذكور بحجة إدلاء المحاضرة نادرة شلهوب بتصريحات تحريضية ضد إسرائيل التي ترتكب الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في غزة، وبأنها شككت بالادعاءات الإسرائيلية حول قتل الأطفال واغتصاب النساء، خلال الهجمة التي نفذتها عناصر حركة حماس في السابع من اكتوبر المنصرم. حاولت إدارة الجامعة الدفاع عن قرارها وتمسكت به، مؤكدة أن ما دفعها لاتخاذه ليست تصريحات ورأي نادرة شلهوب حيال الجرائم ضد الإنسانية التي تنسبها لإسرائيل في غزة، ولا رأيها في قضية الإبادة الجماعية، بل إنكارها العلني لقضيتي قتل الأطفال واغتصاب النساء في السابع من أكتوبر وعدم وقوفها مع الضحايا. موقع «كان «بالعبري تطرق لقرار إعادة نادره شلهوب، بخبر نشر مساء الأربعاء الفائت، أكد فيه أن إدارة الجامعة اتخذت هذا القرار بعد «أن أوضحت البروفيسورة أنها كباحثة نسوية نقدية تصدق أقوال جميع الضحايا ولا تشكك باقوالهن، وأوضحت كذلك أنها لم تنكر حقيقة تنفيذ أفعال الاغتصاب كجزء من هجمة حماس»، وعلى ضوء هذا التوضيح فقد تمت إعادتها إلى صفوف الجامعة. بينما نشرت جريدة «هآرتس» في اليوم نفسه خبرا مفاده «أن البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان ستعود للتعليم بعد أن أوضحت أنها لا تشكك بحقيقة وقوع اعتداءات جنسية في هجمة السابع من أكتوبر».
نحن نعرف مدى مصداقية الأخبار التي تنقلها وسائل الإعلام العبرية بشكل عام، لاسيما في هذه الايام، حيث نرى كيف تجندت معظم تلك الوسائل والمنصات الاخبارية كأبواق دعائية رخيصة وخطيرة لنشر الأكاذيب، وللتلفيق وللتغطية على الجرائم التي ترتكب في غزة، وللتحريض على كل من يقف ضد الحرب ويطالب بإيقافها الفوري. ولأننا نعرف هذه الحقيقة، ولأننا بصدد قضية ذات أبعاد وإسقاطات عامة ومهمة كانت استحوذت على اهتمام الرأي العام، كان من الضروري أن نسمع من البروفيسور نادرة شلهوب تفاصيل لقائها مع عميد الجامعة، فما نشر حوله كان تلغرافيا وترك مساحات للتأويل وللغصة. لقد سمعت في البداية خبر إعادة البروفيسورة نائلة شلهوب لعملها، من صديق قابلته مساء الاربعاء الفائت. لاحظت انه كان غاضبا لحظة وصوله إلى لقائنا في أحد مقاهي الناصرة؛ وعندما استفسرت منه عن سبب غضبه أفادني بأن مذيعا في إحدى محطات الراديو العبرية كان يعلن نبأ إعادة المحاضرة العربية إلى عملها في الجامعة العبرية متبجحا، أنها اعتذرت عن أقوالها السابقة وتراجعت عنها أمام عميد الجامعة. وأضاف صديقي: إذا كان هذا الخبر صحيحا فما قامت به يعتبر تراجعا عن موقفها المبدئي المحق، وصفعة في وجوه حملات التضامن والمتضامين، فالقضية وإن كانت في البداية شخصية، تبقى في النهاية قضية عامة. لم نعرف تفاصيل ما حدث في تلك الجلسة، لكننا لاحظنا أن ما نقله موقع «كان» كان شبيها لما نقله بيان صدر باسم البروفيسورة من جهة محاميها، مع وجود بعض الفوارق والنواقص في المعلومات التي أدت إلى نشر روايتين مختلفتين ومتناقضتين. فوفقا للرواية التي نقلتها المواقع العبرية فهمنا أنها تراجعت عن إنكارها لعمليات اغتصاب النساء في السابع من أكتوبر، بطريقة رضيت بها إدارة الجامعة، بينما فهمنا من الرواية الثانية أن ذراع الجامعة قد لوي وأنه تم الانتصار على قرارها الفاشي وذلك لأن البروفيسورة نادرة شلهوب أكدت مواقفها ازاء ما تقترفه إسرائيل في غزة، وطالبت بعدم معاقبة الطلاب الذين آزروها واكدت كذلك أنها «كباحثة نسوية نقدية، على موقفها الأخلاقي والأكاديمي الذي يحرص على قبول روايات النساء ضحايا الاعتداءات الجنسية بغض النظر عن قومية النساء وجنسياته». وهو نص مشابه لما جاء في خبر موقع «كان»، لكن سياقه في وقائع الجلسة بقي غير مؤكد فبقيت الحقيقة أسيرة عند من حضر وشهد الجلسة ورهينة عند من يجيد التأويل ومن يُعمل خياله. فهكذا نحن يا دنيا، نحيا، كعرب في الداخل، بين كر وفر ونمضي نحو غدنا المجهول.
طال النقاش بيننا فعرجنا خلاله على أوضاع الأكاديميين العرب في الدول العربية، وعلى هوامشهم في التعبير عن آرائهم ومعارضة حكامهم المستبدين، وحاولنا أن نضع حدود معادلة حرية المواطن العربي، في إبداء رأيه المعارض لسياسات الحكومة وممارساتها في السياق الإسرائيلي الراهن، والعلاقة بين ضرورة تمسك الفرد بموقفه المبدئي باسم الدفاع عن الرأي وعن حقوق مجتمعه، واختياره للنجاة الشخصية واعتبارها إنجازا ونصرا، ثم عدنا إلى مواجع واقعنا ويقيننا بان هذه الحادثة سوف تنسى سريعا كما نسيت معظم قضايا الضحايا العرب الذين لم ينجحوا في إقناع مؤسساتهم بإعادتهم للعمل بعد أن طردوا، أو لم يرغبوا في السعي وراء إيجاد مخرج توافقي يتيح عودتهم إلى أمكنة عملهم. وضحكنا بوجع على قصة الطباخ المصري وخبث المستعمرين، وقلنا: هكذا نحن يا دنيا، عرب مثل باقي العرب، نعيش بين هاويتين: محنة حاضرة ونعمة مشتهاة ومتأرجحة، فلا يلومن أحد ضحية تفتش عن نجاتها.
كاتب فلسطيني

 

 

جنازة للعدل في حيفا

جواد بولس

 

توفي في الخامس عشر من الشهر الجاري قاضي المحكمة العليا الإسرائيلية المتقاعد سليم جبران ابن مدينة حيفا، وهو القاضي العربي الأول الذي شغل هذا المنصب بين السنوات 2004 ولغاية 2017، علما بأن القاضي الراحل عبد الرحمن الزعبي سبقه إلى هذه المحكمة عندما انتدب في عام 1990 كقاض في المحكمة العليا بتعيين مؤقت لمدة عامين، ثم جاء بعدهما القاضي المتقاعد جورج قرا بين السنوات 2017 ولغاية 2022، ثم تلاه القاضي خالد كبوب الذي ما زال يزاول عمله.
شارك في جنازة القاضي سليم جبران، الأحد الفائت في الكنيسة المارونية في حيفا، المئات من المواطنين والشخصيات العامة العربية واليهودية، برز من بينهم حضور لافت من المحامين والقضاة، لاسيما حضور عدد من قضاة المحكمة العليا السابقين والحاليين. وقام القائم بأعمال رئيس المحكمة العليا، القاضي عوزي فوغلمان، بإلقاء كلمة تأبين قصيرة ذكر فيها محطات من سيرة الراحل المهنية والشخصية، مؤكدا دماثة أخلاق الرجل ودوره في الدفاع عن القيم الإنسانية السامية، وحرصه على تثبيت مبدأي «سيادة القانون والمساواة»، خاصة بحق المواطنين العرب في إسرائيل.
كان تشديد القاضي فوغلمان على مبدأي سيادة القانون والمساواة لافتا؛ وأقترحُ قراءته ليس من باب إيفاء القاضي جبران، كقاض عربي حاول بمفرداته، وبما لديه من هوامش ضيقة الدفاع عنهما، وحسب، بل كرسالة مهمة أطلقها فوغلمان في الفضاء الإسرائيلي الراهن وفي خضم ما يجري من متغيّرات سياسية واجتماعية خطيرة تستهدف تقويض هذين المبدأين والقضاء على دورهما في نظم العلاقة بين المواطن، لاسيما العربي، وممارسات السلطة المركزية ومؤسساتها.

لقد كان وقع كلام القاضي فوغلمان عليّ في الجنازة، فيما يخص مسألة المساواة، عبثيا؛ فقد عبّر فيه دون أن يقصد عن عناصر الأزمة التي عشناها كمواطنين عرب طيلة العقود الماضية من جهة، ومن جهة أخرى عن الأزمة التي تعيشها في هذه الأيام قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي وداخل المنظومة القضائية، ممثلة بالمحكمة العليا التي تدافع عن مكانتها المهددة. فالانقلاب على الجهاز القضائي الذي شرعت به مركبات الحكومة الإسرائيلية الحالية، مبني على أيديولوجيات عنصرية تتبني مبدأ «الفوقية اليهودية» في الدولة اليهودية، وقد استقوت هذه الأيديولوجيات واستقت «شرعيتها» المتنامية بعد الانتخابات الأخيرة خاصة، من قرارات المحكمة العليا نفسها، التي شارك فيها القاضي فوغلمان، وأهمها إجازتهم «لقانون القومية» المنافي لمبدأي العدل في سلطة القانون والمساواة.
لطالما كانت قضية مساواة المواطنين العرب ملتبسة، ليس في قاموس المؤسسة الإسرائيلية وحسب، بل في قاموسنا أيضا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وقد أعاد رحيل القاضي جبران بعض المعقبين والمحللين إلى عالمها الملتبس مرة أخرى، حين تساءلوا حول أهمية التحاق المواطن العربي بسلك القضاء الإسرائيلي ومعنى ومردود ذلك! قد لا يستوعب القارئ العربي العادي مجمل التعقيدات والتحديات التي واجهها الناجون العرب من لعنة التهجير واللجوء، والباقون على أرضهم منذ عام النكبة؛ وقد يجهلون تاريخ نضالات هذه الأقلية ضد سياسات القهر والقمع العنصرية الإسرائيلية، ونجاحها في اجتراح وتكريس مفهوم متوازن لكونها جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه كمواطنين أصلانيين في إسرائيل. إنها معادلة البقاء العسير، وهي الرؤية التي أجبرت المؤسسات الإسرائيلية على تداول مفاهيم جديدة للمساواة وتعديلها عبر السنين. لن أبالغ في قيمة وحجم هذه التحولات الايجابية؛ فعلى الرغم من أهميتها تبقى محدودة من حيث حجمها، ومسقوفة بما تمليه تلك المساواة، بكونها أمّاً لتلك التحولات ومنقوصة في حالة تطبيقها على المواطنين العرب وعرجاء. فإن تكون مواطنا متساويا، وفق المفهوم الاسرائيلي المعدل الجديد، لا يعني بالضرورة أن تكون مواطنا حرا في اختياراتك وقراراتك وآرائك. لن استرسل في مراجعة هذه القضية ولن أخوض في المعايير التي يجب أن تضبط حدود المتاح والجائز والمسموح والمحظور أمام المواطن العربي، الذي يطالب بحقه في المساواة التامة من إسرائيل. لكنني سأحاول تبسيطها ببعض الأمثلة اليومية من حياة المواطن العادي، فأي طالب يتخرج من كليات التربية، ويبدأ ممارسة مهنة التعليم التي يحبها، يحلم طبعا في أن يصبح أكثر من مجرد معلم، كأن يصير مديرا أو مفتشا أو محاضرا في جامعة. ومثله الطبيب في المستشفى الذي يطمح بأن يتقدم في السلم الوظيفي والمكانة العلمية، وأن يعتلي محاضرا، المنصات في العالم، إذا وافق أن يصل إلى هناك باسم دولة إسرائيل وتحت علمها طبعا؛ كذلك المحامي الذي يحلم بأن يصير قاضيا فيُقبل ويكافح كي يرتفع في السلم القضائي حتى يصل إلى المحكمة العليا. بلغة أخرى يمكننا أن نقول: إذا أردنا المساواة، ونحن نستحقها، قد نحصل عليها كسقف يضمنا تحته وقد تحمينا؛ بيد أن البعض قد يضطر أن «يراقصها» على إيقاع كلمات نشيدها القومي، ربما!
تعتبر سيرة القاضي سليم جبران الذاتية شاهدا على نجاحه الشخصي، وعلى قدراته في تذليل العثرات بعد أن عاد «ذاك الطفل الهارب مع عائلته في قارب متأرجح تتلاطمه الامواج، من عالم اللجوء في لبنان إلى شواطئ عكا ليصير بعد خمسين عاما قاضيا في أعلى هيئة قضائية في إسرائيل»، كما صرّح راضيا في خطبة وداع عمله في المحكمة العليا عام 2017؛ لكنها تبقى من دون شك، حكاية أكبر في أبعادها الأخرى، وشاهدا على سيرة قوم كافح أبناؤهم من أجل بقائهم ونيل حقوقهم في المواطنة وعلى رأسها حقهم في المساواة. كان القاضي جبران واعيا لعبء ذاك السقف الثقيل المرفوع فوق رأسه؛ وحاول في أكثر من مناسبة أن يخرج رأسه من تحته، كما حصل معه في عدة قرارات أصدرها، وعندما رفض أن يردد كلمات النشيد الوطني الإسرائيلي في بيت رئيس الدولة، يومها هاجمه الإعلام الإسرائيلي، لكنه أصر على موقفه ودافع عنه قائلا: «إذا غيروا كلمات النشيد القومي في يوم من الأيام، أظن انه لن تكون لديّ، ساعتها، مشكلة في غنائه.. ولكن إذا كانت الدولة تتوقع أن يحترم جميع مواطنيها، وبضمنهم العرب، نشيدها القومي فعلى كلماته أن تحترمهم وتحترم حقوقهم. لا أستطيع أن أردد نشيدا بين كلماته سنجد «نفس يهودي هائمة». لقد كان وقع هذا الكلام على الشارع الإسرائيلي ساحقا، حتى إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اضطر أن يصرح معقبا عليه بالقول «أنا لا أتوقع بأن يقوم مواطن عربي بغناء النشيد القومي». فواجبه كما كان يراه وصرح به أمام زملائه في خطبة وداع الوظيفة هو: «لقد رأيت في وظيفتي كقاض مسؤولية مضاعفة: أن احكم بالعدل بين الاطراف المتخاصمة أمامي؛ وان أسخّر كل طاقاتي لأكون جسرا يقرّب اليهود والعرب في دولة إسرائيل». لم يكتف القاضي سليم بهذا البوح أمام زملائه القضاة، بل واجههم بهاجسه الأهم والأوجع وقال: «إن الادعاءات المتعلقة بمكانة الأقلية العربية في الدولة اختزلها المجتمع العربي بمشاعر من الظلم الشامل. المتوقع من الدولة أن تعمل الكثير كي نصل إلى مساواة المجتمع العربي بشكل حقيقي». قالها وكان مؤمنا بدوره من داخل خانة المواطنة ومنها حاول واجتهد كي يحمي أبناء جلدته من طوفان العنصرية الزاحف، لكنه رحل وهو يشهد طغيان العتمة وانهيار قصور الحكمة والعدل.
كنت مؤمنا في الماضي بضرورة استمرارنا في المطالبة بتعيين قضاة عرب في جهاز محاكم الدولة، مع انني كنت أعي محدودية ما قد يفيدون به مجتمعاتهم، حتى إنني تساءلت قبل سنوات عن معنى أن تكون قاضيا عربيا في إسرائيل، فهل هو عسر أم استحالة؟ أما اليوم، وأنا عائد من الجنازة، وبعد أن سمعت القاضي فوغلمان يؤكد قدسية مديح العدل والقانون والمساواة كما آمن بها زميله سليم جبران، تيقنت بأننا كنا وسنبقى ضحايا لعنصرية الدولة ومحكمتها العليا وبأنهم يريدوننا شهودا على ريائهم وجبنهم. فاليوم في عصر ما بعد العنصرية الناعمة وبعد أن هزم أصحاب الحق أشعر بان ما كان عسيرا صار عجزا ومستحيلا. اشعر واتمنى أن أكون مخطئا.
كاتب فلسطيني

 

 

عرب الداخل… لو

أردنا وعملنا لنجونا

جواد بولس

 

قررت إدارة «الجامعة العبرية» في القدس تعليق عمل البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان في فرعيّ علوم الجريمة والعمل الاجتماعي في الجامعة، بسبب تصريحات كانت قد أطلقتها مؤخرا، شكّكت فيها بالادعاءات الإسرائيلية حول قتل الأطفال واغتصاب النساء، خلال الهجمة التي نفذتها عناصر حماس في السابع من أكتوبر المنصرم، وبسبب تصريحات أخرى قالت فيها إن «الصهيونية حركة إجرامية ويجب محوها وإلغاؤها».
لقد وقع في شهر أكتوبر المنصرم صدام سابق بين إدارة الجامعة العبرية والمحاضرة شلهوب، في أعقاب توقيعها مع آخرين على عريضة أدانت العدوان الإسرائيلي على غزة واتهمت إسرائيل بتنفيذ جرائم حرب وإبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
لم تُقدم إدارة الجامعة في أكتوبر المنصرم على تعليق عمل المحاضرة شلهوب، بل اكتفى رئيس الجامعة وعميدها بتوجيه رسالة تحذير شديدة اللهجة إليها، تضمنت نصيحتهما لها بأن تترك عملها في الجامعة. كانت الرسالة قاسية وهجومية وبأسلوب لا يليق بعلاقة محاضرة وإدارة جامعة تعمّدت أن تكتب: «نحن نأسف ونخجل بأن تحتضن الجامعة العبرية داخلها عضو هيئة تدريسية مثلك. على ضوء مشاعرك، نحن نعتقد أنه من الملائم أن تفكري بترك وظيفتك في الجامعة العبرية في القدس». لقد أثار موقف إدارة الجامعة العبرية في حينه موجة من الاستنكارات المحلية والدولية، لكنه ووجه أيضا بانتقادات شديدة من قبل جهات يمينية اتهمت الإدارة بالضعف وبالهزيمة.

هنالك المئات ممن فقدوا عملهم أو طردوا من جامعاتهم،

أو سجنوا وحكموا ولم نسمع عنهم وعن مأساتهم.. ومن المتوقع أن تزداد وتيرة وحدّة الملاحقات

لم يكن قرار إدارة الجامعة العبرية بتعليق عمل المحاضرة نادرة شلهوب هو الأول من نوعه على مستوى الدولة؛ فمنذ سنوات تنشط في إسرائيل عدة جمعيات يمينية متخصصة بملاحقة المواطنين والجمعيات والمنظمات، العربية بالأساس واليهودية المعارضة لسياسات تلك الجمعيات اليمينية المتطرفة، ولأهداف الأحزاب الفاشية والعنصرية التي ترعاها وتحتضنها. تقوم تلك الجمعيات العنصرية وميليشيات العسس التابعة لها بتنسيق أنشطتها وتوزيعها، وفقا لميادين عمل متخصصة مختلفة؛ فبعضها يتخصص بملاحقة مواقف وتصريحات المحاضرين، العرب واليهود، في الجامعات، وبعضها يعمل بمراقبة أنشطة الطلاب الجامعيين، وأخرى تلاحق الصحافيين ومواقع التواصل الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني، خاصة تلك الناشطة في الدفاع عن حريات المواطنين، وضد سياسات التفرقة العنصرية. لقد بدأت بعض تلك الجمعيات العسسية أنشطتها منذ أكثر من عقد، وقد أشرنا في حينه لخطورتها وما قد تحققه، في ما إذا غض النظر عن نشاطاتها. تعد جمعية «إم ترتسو»، ومعناها إذا أردتم، من أقدم هذه الجمعيات إذ بدأت نشاطها منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وعملت خلالها بشكل حثيث وممنهج ضد المحاضرين والطلاب والمؤسسات التي كانت تتهمهم بمعاداة الصهيونية، وبدعم مقاطعة إسرائيل وتنشر بحقهم تقاريرها وتطالب مؤسسات الدولة باتخاذ الاجراءات بحقهم ومعاقبتهم؛ وقد سجلت «إنجازات» كبيرة في هذا المضمار. ورغم وضوح أهداف تلك الجمعيات وكونها شاهدا على أخطر إفرازات جنوح المجتمع اليهودي نحو الفاشية، والبرهان على نمو قوة محركاتها وتزويدها بوسائل محكمة وقادرة على ملاحقة كل من يعارض مخططاتها، لم يتخذ المجتمع العربي في إسرائيل إجراءاته الكفيلة بمواجهتها والتصدي لها. مرت السنون فأصبحت تلك الجمعيات والأجسام شبكة خانقة تملك قدرات مالية ضخمة وأجهزة إدارية قوية ومهنية ومؤثرة على معظم مؤسسات الدولة ومراكز القوة الرسمية والخاصة: مثل الوزارات والشركات والمدارس والمستشفيات والجامعات والنيابات العامة والمحاكم، وصارت تقاريرها بمثابة لوائح اتهام قاطعة وملزمة للجهة المعنية المطالبة باتخاذ الإجراءات العقابية بحق من ورد اسمه في أحدها.
لقد اشتدت معالم هذه الظاهرة بعد السابع من أكتوبر المنصرم؛ فنتيجة لهول الصدمة داخل المجتمع اليهودي، ولتفشي الأجواء الفاشية بأشكال وأحجام غير مسبوقة، وتحول ظاهرة استعداء جميع المواطنين العرب داخل إسرائيل، إلى موقف صهيوني شرعي ومبرر وشائع، أصبحت جميع أجهزة الرقابة والعسس، أكبر قوة وأكثر تأثيرا وفعالية؛ فبدأنا نلمس في الأشهر الماضية تنامياً في أعداد ضحاياها، مثل المحاضرة نادرة شلهوب، وقبلها ما جرى مع الدكتورة وردة سعدة التي طردت في أواخر شهر أكتوبر المنصرم  من عملها كمحاضرة في «كلية كي» لتأهيل المعلمين في مدينة بئر السبع، بسبب نشرها بعض البوستات ضد الحرب على غزة. هنالك المئات ممن فقدوا عملهم أو طردوا من جامعاتهم، أو سجنوا وحكموا ولم نسمع عنهم وعن مأساتهم. ومن المتوقع أن تزداد وتيرة وحدّة هذه الملاحقات، خاصة إذا لم تجد تلك القوى الفاشية والعنصرية من يواجهها؛ فسوى بيانات الشجب التي تحررها قيادات الأحزاب والحركات السياسية، ونداءات الغضب وتأثيم بعضنا بعضا، وبعض بيانات التضامن مع الضحايا، لاسيما إذا كانت الضحية شخصية عامة مشهورة وذات مكانة مهنية معروفة، سوى هذه الردود، لا توجد أية محاولة جادة لدراسة وتقييم الظاهرة، ووضع أية مخرجات وبرامج عمل مؤثرة تضمن حماية مجتمعاتنا وتوفر للأفراد حواضن واقية ومشاعر الأمان وتخرجهم من حالة الخوف التي يعيشونها يوميا.
يدور هذه الأيام نقاش على نطاق محدود، بين بعض الأكاديميين والمثقفين العرب، حول صور التضامن الممكن اتخاذها مع المحاضرة نادرة شلهوب. يأتي هذا النقاش ومعظم فئات المجتمع العربي في إسرائيل تعيش في حالة عزوف تام، ولا تتفاعل مع تداعيات الحدث؛ فالصمت سيّد في الشارع وبين النخب الأكاديمية والمثقفة والتكنوقراطية، التي سكتت عما حصل مع ضحايا الأشهر الماضية، وتسكت في حالة المحاضرة نادرة شلهوب كيفوركيان، وستسكت أيضا طالما بقيت النار بعيدة عن أحراجهم.
في الواقع يدفع ضحايا سياسة الملاحقات الفاشية والعنصرية ثمن حالتين عبثيتين منتشرتين داخل مجتمعنا العربي في إسرائيل: الحالة الأولى هي عجز مؤسسات وقيادات مجتمعنا عن تشخيص خطورة الظاهرة منذ نشأتها، وعجزهم بالتالي عن مواجهتها أو العمل على حصر أضرارها. والحالة الثانية هي تبسيط الكثيرين لهذه المسألة، واكتفاؤهم في معظم الحالات بتأثيم الأفراد التابعين لشريحة الضحية وتلويمهم أو توبيخهم أو اتهامهم بالعجز والتواطؤ، ومطالبتهم بالتعبير الفعلي عن تضامنهم مع زميلهم /زميلتهم وحثهم على التنحي من وظائفهم أو اتخاذهم لخطوات احتجاجية فعلية. وكي لا أكون مجرد منتقد لأي مجتهد أسدى نصيحة، أو قدّم اقتراحا او عبّر عن رأيه، أقر بأنني لا أملك حلا سحريا لهذه القضية الحارقة التي سيشتد وزرها علينا جميعا. لكنني لا اعتقد بأن مطالبة العاملين في الجامعة العبرية، في الحالة الراهنة مثلا وفي غيرها طبعا بالتنحي من وظائفهم الإدارية هو الفعل النضالي المؤثر والصحيح؛ فالبطولات الفردية أو الفئوية، على أهميتها كإبداء موقف تضامني مع الضحية واحتجاجي على معاقبتها ظلما، لن تنقذ ضحايا المستقبل، وارتجالية ردود الفعل ليست سياسة صائبة، وتحميل عبء هذه المأساة على أكتاف من يتوجهون لوظائفهم ليجدوا خبز كفافهم، قد تكون عملية سهلة لكنها، غير منصفة في واقعنا الراهن الذي تستنكف فيه جميع مركبات المجتمع وقياداته عن تحمل مسؤولياتها النضالية ولا تتقدم الصفوف وتدفع الثمن أولا.
نحن إزاء قضية مركبة ومعقدة وخطيرة؛ وعلينا، أولا، أن نعي ونقر بحجمها وبمخاطرها علينا جميعا، ثم علينا أن نسعى مجتهدين لمواجهتها، كل من موقعه ومعا من خلال مؤسساتنا. وإلى ان ننجح بذلك لا يجوز أن نكتفي، وتشديدي على أن نكتفي، بتلويم تلك الفئات التي تعلمت واجتهدت وترقّت وحظيت بوظيفة تستحقها، سواء في مستشفى، أو مصنع، أو جامعة، أو مدرسة، فهؤلاء جميعا هم «أهل معارف» هذا الزمن. وقصة «أهل المعارف» تعلمتها من الراحلة أمي المعلمة سعاد (وضبط تفاصيلها لاحقا مشكورا الاستاذ عصام عراف)، فعندما كنت طالبا في الجامعة العبرية، وكنت أتناقش مع والديّ المعلمين في الشؤون السياسية، كانت أمي تروي لنا حكاية المعلم الشاعر ناصر العيسى، ابن قرية الرامة الجليلية. في ثلاثينيات/ أربعينيات القرن الماضي أطلق المعلم ناصر عيسى لحيته مثل سائر المعلمين في فلسطين، احتجاجا على سياسات الانتداب البريطاني ضد فلسطين. وفي أحد الأيام دخل صفه بعد أن حلق ذقنه، فبدت على وجوه الطلاب الأسئلة وعلامات الأسف. فهم المعلم موقف طلابه فأجابهم بقصيدة قال فيها: «وقفت أمام مرآتي أناجي / بها وجها كثيف الشعر كاسف، وقلت أيا مليحتي أخبريني/ أأحلق شعر ذقني أم أجازف».  بدأت مرآته تستغرب تردده وتتساءل عن دواعي جبنه وهو الشاعر المقدام صاحب القصائد «الثائرات كالعواصف» فأجابها، وكان ذلك بيت القصيد: «فقلت بلى ولكنني جبان / وإن الجبن في أهل المعارف».
«أهل المعارف» كانوا المدرسين في المدارس الحكوميه أيام الانتداب البريطاني؛ لكنها كانت وبقيت كنية لكل موظف، أو عامل أو طالب رزقه من أي «حكومة انتداب»، إذا لم يجد قيادة ومجتمعا يحمونه ويؤمنون له إلى جانب كرامته الأمن ومعدة مرتاحة ومأوى آمنا.
كاتب فلسطيني

 

 

من تراتيل آذار…

نار الحرية خالدة

جواد بولس

 

يحلّ آذار/ مارس هذا العام ونساء فلسطين ما زلن يعشن في عالمهن الملتبس، رموزا للبطولة وللعفة اللتين تستعيدان تاءيهما الأنثوية حتى يصير الوطن أنثى: أما أو اختا أو زوجة أو شهيدة، أو حبيبة في الأحلام، أو ذبيحة على «موائد شرف» القبيلة.
قد يكون مارس أجمل الشهور في فلسطين، ففيه تطلق الأرض جدائلها، وعلى صدرها ينهد اللوز ويسبح في عيونها القمر. وفيه تستعيد فلسطين سفر تكوينها: جبالا حبلى بالغضب وبالنرجس وبالأمل، ونساء يغزلن على زنودهن أحلامهن ومن خواصرهن يندلق الصبح أحمر كالوجع. هكذا كان منذ أن انزلت السماء سورة المطر، وهكذا يجب أن يكون لولا مشاهد أنهر الدم المتدفق وتبعثر الأشلاء في شوارع غزة، ولولا سهر الأمهات في الضفة الغربية ليطردن شوائب الخوف عن عيون أطفالهن وينتظرن عودة الرجال من عالم مجهول تسكنه العتمة والموت.
تخطف الحرب على غزة ومشاهد ضحاياها أنظار العالم، فتحظى بدهشة البعض وبصمت الكثيرين. وفي خضم هذا المشهد العبثي الدامي، لا يسمع الناس ما يمارسه الاحتلال مع الفلسطينيين الذين لا يقتلون، لاسيما من يسجنون أو يؤخذون رهائن. واليوم ونحن في حضرة نساء فلسطين، أذكر بأن عدد الأسيرات القابعات في سجن «الدامون» القريب من مدينة حيفا بلغ ستين أسيرة معظمهن من سكان الضفة الغربية، علما بأنه لا يتوفر لدى المنظمات الحقوقية الفلسطينية المتخصصة في متابعة شؤون الاسرى الفلسطينيين أية معلومات عن أسيرات غزة، بسبب التعتيم الإسرائيلي التام على قضية أسرى غزة، وبضمنهم الأسيرات.
يبلغ عدد الأسيرات الإداريات 12 أسيرة، بينما هنالك 22 أسيرة من الأمهات، وأسيرتان قاصرتان. ووفقا لعدد من التقارير التي وردت حول وضع الأسيرات، أكدت كلها قساوة الظروف التي يحتجزن فيها، وأنهن تعرضن لحملات من التنكيل والتعذيب ولعمليات تفتيش مذلة، تمت وبعضهن عاريات مع تهديدات بالاعتداءات الجنسية. وجاء في التقارير أن بعضهن ما زلن يلبسن اللباس نفسه منذ يوم اعتقالهن الأول، علما بأنه مرّ على بعضهن أكثر من شهر. وقد شكت بعض الأسيرات من مشاكل صحية، ولكن إدارة السجن ترفض نقلهن إلى المستشفيات، وبدأت تظهر على بعضهن أعراض أمراض نفسية. ومن المعلومات التي وردت على لسان الأسيرات يتضح انهن يعانين من البرد القارس والاكتظاظ وسوء التغذية والتجويع وسياسة القمع اليومي .
ومن اللافت أن مكتب المفوض العام لحقوق الإنسان لدى منظمة الأمم المتحدة نوه في بيان صحافي صادر في التاسع عشر من فبراير/شباط المنصرم إلى تقرير خاص أعدته مجموعة من الخبيرات الأمميات المتخصصات بتقصي الحقائق ضمن ما يسمى «مجلس حقوق الإنسان»، ضمنوه شرحا وافيا حول الاعتداءات الإسرائيلية على النساء والبنات الفلسطينيات، أعربن فيه عن قلقهن بشأن ادعاءات ذات مصداقية حول انتهاكات صارخة ومتواصلة لحقوق الإنسان التي تعرضت لها نساء وفتيات فلسطينيات في قطاع غزة والضفة الغربية. وجاء في التقرير أن نساء وفتيات فلسطينيات تعرضن لعمليات إعدام تعسفي، غالبا مع أفراد أسرهن بمن فيهم الأطفال. لقد عبرت معدات التقرير عن صدمتهن من تقارير رصدت الاستهداف المتعمد والقتل خارج نطاق القضاء لنساء وأطفال فلسطينيين في أماكن لجأوا إليها طلبا للأمان أو أثناء فرارهم. ووفق التقارير أكدت الخبيرات أن بعض النساء كن يحملن قطعا من القماش الأبيض عندما قتلهم الجيش الإسرائيلي أو القوات التابعة له. كما أعربن عن القلق البالغ من الاحتجاز التعسفي لمئات الفلسطينيات وتعرض الكثيرات وفق التقارير، لمعاملة غير إنسانية ومهينة وللضرب وحرمن من الحصول على الفوط الصحية الضرورية أثناء الدورة الشهرية ومن الغذاء والدواء. وأبدت معدات الوثيقة الأسى بشأن تقارير أفادت بتعرض فلسطينيات في الاحتجاز لأشكال متعددة من الاعتداءات الجنسية مثل تعريتهن وتفتيشهن من قبل جنود ذكور في الجيش الإسرائيلي، كما ويدعى أن فلسطينيتين على الأقل اغتصبتا، فيما هددت أخريات بالاغتصاب والعنف الجنسي.

لن أرهق القراء بتفاصيل موجعة جاءت في التقرير المذكور، فوفقا لما قرأناه ووفقا لما تم رصده في التقارير التي أعدتها المؤسسات الفلسطينية بناء على شهادات الأسرى والأسيرات، يمكننا الجزم بأن الأسيرات الفلسطينيات يعانين في السجون الاسرائيلية مثلما يعانيه الأسرى أو حتى أكثر منهم في بعض الجوانب والتفاصيل.
كنت أتمنى لو أستطيع أن أُعرّف، في هذه العجالة، بحالة كل أسيرة وأسيرة سواء القابعات حاليا في العتمة، أو من أوفين ديونهن وخرجن، حرائر، إلى سجونهن الكبيرة، في فلسطين المحتلة؛ فقصة كل واحدة منهن يجب أن تحكى لأمة العرب وللمسلمين وللتاريخ. سأحدثكم عن خالدة الشابة النابلسية التي كبرت في أفياء جبل النار «وطلعت على الريح، وطلعت على الشمس»، ومضت يافعة تنثر غبار فلسطين نجوما وأحلاما وتغني ورفاقها «يا حرية يا زهرة نارية يا طفلة وحشية يا حرية»، ولم يثنها السجن ولا السجان ولا ضياع الشباب وراء القضبان أو على مفارق الانتظار والقلق. خالدة الرطروط جرار، فلسطينية عمرها أكبر من عمر الاحتلال الإسرائيلي بأربعة أعوام؛ اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، في ليلة السادس والعشرين من شهر ديسمبر الماضي، منزلها في مدينة رام الله وألقت القبض عليها بعد تفتيش البيت. لاحقا أصدر قائد الجيش أمر اعتقال إداري بحقها لمدة ستة شهور وزج بها في سجن الدامون الذي يقع على قمة جبل الكرمل. ليست هذه أول مرة تعتقل فيها خالدة جرار؛ فهي منذ اختارت طريقها في مقاومة الاحتلال، أيام الدراسة الجامعية في بيرزيت في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومضت، مع رفيق قلبها ودربها غسان جرار، تبني قصور أحلامهما عرفت كيف تحتمي الفراشة في حضن السنبلة. لقد تناوب الاحتلال في ملاحقتهما فكان يعتقل غسان ويفرج عنه ثم يعتقله ليبعده ثم يفرج عنه، حتى جاء دورها وعلا نجمها وانتخبت في عام 2006 نائبا في المجلس التشريعي الفلسطيني كمندوبة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرزت كناشطة يسارية تدافع من أجل تحرير فلسطين وعن حقوق الأسرى والمرأة الفلسطينية، وكي ترى كريمتيها يافا وسهى نجمتين في سماء فلسطين. سجنت مرات عديدة لدوافع سياسية وكيدية. وأذكر أنها كانت عام 2017 أسيرة في سجون الاحتلال عندما توفي والدها ولم تعطَ فرصة لوداعه، فلم تنكسر وعاشت مع ذكراه ووعده؛ وكانت في عام 2021 أسيرة عندما توفيت ابنتها الشابة سهى إثر نوبة قلبية حادة ولم تسمح لها سلطات الاحتلال بالمشاركة في جنازتها، أو وداع جثمانها. اذكر حينها كتبت عنها ولها: «لقد سمعت خالدة نبأ وفاة ابنتها سهى حين كانت مع رفيقاتها في غرفتها في سجن الدامون، فأمضت ليلتها، هكذا أتخيل، وهي تعصر قلبها قطرات من أسى ولوعة وحنين لا يداوى. أعرف أن خالدة لم تراهن على موقف مصلحة سجون الاحتلال الاسرائيلي إزاء مطالبة محاميها بالسماح لها بحضور جنازة ابنتها، فهي وزوجها غسان أبناء لأجيال فلسطينية خبرت منذ عقود كيف يكون «الشر عاديا» وكيف يكون التاريخ أسود وتكون «تاؤه» مربوطة على قرني محتل ظالم وشرير. فعندها، هكذا تعلما، لا يصح التنبؤ والانتظار، فالشر لا يعرف إلا أن يتمظهر بطبيعته العادية الواحدة البسيطة والواضحة ونتائجه دائما متوقعة وبديهية». قابلت خالدة بعد الإفراج عنها معزيا بابنتها، فوجدتها أمّا تحاول أن تلملم أنفاس الليل في قبضتها لتمسك ببعض من سهاها؛ فنحن، هكذا قال لي غسان على مسمعها: «في النهاية نبقى بشرا نحب حتى آخر الأنفاس ونعشق الفجر وهو يراقص محيّا بناتنا ونذوب حين يغرقونا بالرقة وبالغنج. لقد قصم ظهرنا هذا الرحيل». كانت حزينة فبكت كما يبكي المقاومون عشاق الحرية، وبقيت قوية وواضحة كالسهم.
مرّ عامان منذ رحيل ابنتها والوداع الذي لم يكن، فعاد الاحتلال يمارس «شره العادي». اعتقلوا خالدة مرة أخرى دون سبب حقيقي وزجوا بها في ظروف حياتية أقسى وأخطر مما عرفناه في الماضي. وللمرة الثالثة تفقد خالدة عزيزا على قلبها ففي منتصف فبراير توفي ابن شقيقتها الاسير السابق وديع شحادة بنوبة قلبية، ومرة اخرى كان عليها أن تواجه الفراق وهي خلف القضبان. خالدة اليوم، هكذا أتخيل، رغم عبثية الظروف، تحاول أن تدخل الفرح إلى قلبها وقلوب رفيقاتها الأسيرات وتستحضر معهن طقوس فلسطين الأنثى في آذار.
فخاصرة آذار في فلسطين تبقى نازفة؛ وخيره يأتي كالوعد من وراء جبال الغيم. ينام في عيون النرجس ويصحو ليعلن أن البقاء للحياة وللحب، ومن يضحي ويحب، مثل زهر اللوز، يعرف أن أجمل الحب هو ذاك الذي يكون فكرة أو ذلك الذي يتدفق من غير سبب. فلكنّ، أدعو في آذار وفي كل يوم، بالفرج وبالسلامة وبالفرح، وأعرف أن نار الحرية، كما تعرفن، خالدة ولن تخبو.
كاتب فلسطيني

 

 

انتخابات المجالس المحلية في

اسرائيل بين حربين :

غزة وصناديق الاقتراع

جواد بولس

من المقرر ان تجري انتخابات السلطات البلدية والمحلية في اسرائيل في السابع والعشرين من شهر شباط فبراير الجاري؛ بعد أن تم تأجيلها، بسبب ظروف الحرب على غزة، من تاريخ 31/10/2023 الى الثلاثين من يناير/ كانون الثاني الماضي؛ وتأجيلها، لنفس الاسباب، مرة ثانية وتثبيتها نهائيا يوم الثلاثاء القادم. 

يناهز عدد المواطنين العرب في اسرائيل المليوني شخص؛ وهذا الرقم يشمل مواطني البلدات العربية في الجولان المحتل وكذلك مواطني القدس الشرقية الفلسطينيين، علمًا بأن الأغلبية الساحقة من هاتين الفئتين لا تشارك في الانتخابات البلدية، بالرغم من أن القانون الاسرائيلي يسمح لهم بذلك.  

يعلق بعض المحللين الاسرائيليين أهمية كبيرة على نتائج الانتخابات المحلية المقبلة، وبعضهم يأمل ان تحمل مؤشرًا هامًا حول تحفظ المواطنين في المجتمع اليهودي من حكومة نتنياهو والأحزاب الشريكة بها، خاصة في واقع يتمسك فيه نتنياهو وائتلافه بالحكم ويرفض الالتزام بتعيين موعد محدد لانتخابات الكنيست، في حين تطالب جهات عديدة بضرورة اجرائها بعد ما تعرضت له اسرائيل في السابع من اكتوبر وتداعيات الحرب على غزة وتدهور الاوضاع الأمنية والاقتصادية داخل اسرائيل وزعزعة مكانتها الدولية، كما يدعي هؤلاء. 

يبدو أن رهان معارضي حكومة نتنياهو وشركائه على نتائج الانتخابات سيكون خاسرًا؛ فوفق معظم استطلاعات الرأي تبدي الأكثرية الساحقة من المواطنين الاسرائيليين اليهود تعاطفًا مع العمليات العسكرية وأملا بأن ينجح الجيش "بإلحاق الهزيمة الساحقة بحماس"، ولا يهمهم أن تسبب هذه الهزيمة التي يصرون على تحقيقها حرفيا، قتل المزيد من آلاف المواطنين المدنيين، وبضمنهم الاطفال والنساء، وتحويل المناطق التي اعاد الجيش الاسرائيلي احتلالها الى "أرض يباب" والى أكوام من الركام. 

قد يكون السبب الرئيسي لتشاؤمي مما ستفضي اليه نتائج الانتخابات البلدية بشكل عام، وليس في البلدات اليهودية فحسب ، هو نجاح اقطاب حكومة نتنياهو في السنوات الماضية باشاعة قيم سلوكية جديدة داخل المجتمع الاسرائيلي عامة، وترسيخها، عبر السنين، داخل المجتمعات العربية،  كثقافات مهيمنة في تحديد وشائج العلاقات بين المواطن البسيط العادي أو "الطموح" وبين مؤسسات الدولة وعلى رأسها مؤسسات "الحكم المحلي". فشيوع ظواهر الفساد السلطوي، سواء داخل اروقة السلطة المركزية او السلطة المحلية، وهدم معظم آليات الرقابة والمحاسبة، ووضوح العلاقة بين اصحاب القوة والمال وبين رجالات السلطة، كلها عوامل أدت الى نشوء حالة من النكوص الاجتماعي الخطير والى نشوء انماط من الشخصيات السلبية، مثل شخصية العربيد والبلطجي أو المهزوم أو الانتهازي أو المساوم او المهادن ؛ وأدت كذلك، الى تخلص أكثرية الأفراد من شعورهم بالمسؤولية تجاه مجتمعهم وبلدهم وبحثهم عن فرص لخلاصهم ولسلامة أبناء عائلاتهم، والى لهاث بعضهم، في نفس الوقت، وراء منفعتهم ومكاسبهم حتى لو كان عليهم "ان يبوسوا الكلب من تمه ليأخذوا حاجتهم منه" أو ان "يمشوا الحيط الحيط ويقولوا يا ربي السترة". 

لقد حصلت عملية التفكك في اسرائيل على مراحل، وكانت تداعياتها داخل البلدات العربية واضحة ونتائجها الكارثية ملموسة، لا سيما في حالة المجالس المحلية وانتخاباتها. وقد تزامنت العملية مع خلخلة البنى السياسية الفاعلة داخل مجتمعاتنا واندثار معظمها بشكل تام أو تحوّل ما تبقى منها الى مجرد هياكل لا تستطيع الذود بنجاعة عن مصالح المواطنين، وفي بعض الحالات الى عامل مساعد يقف الى جانب القوى الهدامة والفاسدة ويكون حليفًا لها، أو تحولها الى عثرات في وجه أي تغيير سياسي ايجابي مرغوب أو مرتجى.  

تعاني سلطاتنا المحلية العربية من أوضاع اقتصادية صعبة ومزرية، تقف وراءها بالاساس سياسات حكومات اسرائيل العنصرية المتعاقبة وتمييزها الممنهج ضد مواطنيها العرب، سواء في شح الميزانيات العامة، او في استبعاد مجتمعاتنا من مخططات التطوير والبناء واهمال قضية امن المجتمع وسلامة أفراده. وقد كانت تلك السياسات العنصرية محاور صدام مستديم مع مؤسسات الدولة، أو ميادين للمواجهات البرلمانية والقضائية حينًا أو الشعبية عندما وقفت فيها الجماهير وراء قياداتها السياسية والاجتماعية وطالبت بحقوقها العامة والفردية، واهمها الحق بالعيش بكرامة وبأمن وبحرية وبمساواة. لقد ظل هذا الحال الى ان وقع الانهيار السياسي وبدأ السقوط السريع نحو الهاوية.  

وتعاني سلطاتنا المحلية أيضًا من أوضاع ادارية مختلة، لا يصعب على أي فرد وأية جهة تشخيص معالمها او تحديد مسببيها ولا من المنتفعين من استمرارها. فلن يختلف اثنان على أن المستفيدين مما وصلت اليه احوال مجالسنا المحلية هم من لا يخافون على مستقبل أولادنا ولا يريدون لنا التقدم ولا العيش بكرامة من دون خوف وباستقرار في وطننا. هؤلاء هم من رسموا سياسات التمييز والقمع والعنصرية ونفذوها بحق اهلنا وحقنا؛ وهم من سعوا الى زرع بذور الفساد والافساد داخل مجتمعنا، وهم من قوضوا اسس قلاعنا وهدموها . لكنهم ما كانوا لينجحوا ويحققوا ما حصدوه لولا مساعدة أعوانهم المحليين وزمر المتآمرين معهم والمستفيدين من اشاعة حالات الفوضى والخلل والشك وترسيخها داخل ادارات المجالس ومن ثم نقلها كسلوكيات سائدة على اشكال من العنف والانتهازية والنفعية والفردانية الى داخل مجتمعاتنا.

لقد حصل هذا بعد  انحسار دور الاحزاب والحركات السياسية وغيابها الكامل عن تأدية دور المرشد المركزي والبوصلة في الانتخابات البلدية أو ، على الاقل، دور المؤثر على سيروراتها كما كان لعقود. وحصل ذلك بسبب ضعف منظمات وجمعيات المجتمع المدني، ذات العلاقة في المحافظة على وعي المجتمع ولحمته وسلامته وحقوقه، وانغماس عناصرها في تأدية وظائف مؤسساتهم بروتينية تكنوقراطية هادئة وغير مؤذية او غير متحدية لعناصر الشر المنتشرة داخل مجتمعاتنا. وحصل كذلك بعد ان كثرت ظواهر التدين السياسي المهادن الذرائعي، او الصدامي المتزمت، او الطائفي المفرق، وقلّ دور الدين وقيمه السامية.  

يعاني مجتمعنا من عدة آفات، بيد ان اخطرها هي، من دون شك، ظاهرة تفشي العنف واعمال القتل على انواعه، والتي باتت تهدد استقرار المواطنين وتدفعهم لأعادة حسابات البقاء والرحيل حتى اصبحت قضية "مسقط الرأس" مسألة ملتبسة المعنى والمقصد، فأي مسقط تعنيه وأي رأس تحميه؟

لقد توحدت معظم الأصوات العربية المحلية وحمّلت اجهزة الدولة جميعها وخاصة الشرطة، كامل المسؤولية عن ولادة ظواهر العنف والقتل، وبعضهم اتهم الشرطة بالتواطؤ مع الظاهرة وبغض نظرها عن المتورطين فيها، والا لما وصلت اعداد ضحايا العنف لما وصلت اليه اليوم .

 لا يمكن، وفق قواعد المنطق وامتحان النتائج، الاختلاف مع هذه المشاعر ومساءلة هذا الافتراض؛ لكنني ارى الآن كما رأيت قبل سنوات ان الاكتفاء بهذه الاتهامات وتأكيدها بعد كل جريمة قتل، لم ولا يكفي ولن ينقذ مجتمعنا من استمرار سقوطه في بحور الدم ونحو الهاوية. فقد لاحظ الكثيرون منذ ما يقارب العشرين عامًا اهمية ومكانة المجالس المحلية، وكونها بمثابة "الدجاج البياض، او مناجم الذهب" ونوهوا بدورها المحتمل في تأجيج ظواهر العنف وتسعير شهيات الطامعين بخيرها وبمقدّراتها؛ وحذر هولاء من الاكتفاء باللجوء الى اتهام الشرطة وحسب، اذ انه مهما كان الاتهام صائبًا يجب ألا يعفينا من تحمل مسؤولياتنا في مواجهة ما يصيبنا من آفات، خاصة آفة العنف المستشري بيننا، فكثير من الحق يقع على مؤسسات مجتمعنا ونخبه وقياداته.  

سوف تجري الانتخابات بعد ثلاثة أيام وسنرى كيف ازداد سوء احوال بلداتنا سوءًا، وكيف تمادى العنف طول عنقين وأكثر؛  فكيف لنا ان ننتظر غير هذا الممكن في زمن تجري فيه حربان، واحدة دامية في غزة واخرى نازفة في مجالس بلداتنا وشوارعها، وما قلناه عنها  قبل دهر ما زال اليوم صحيحًا، لأن أي " رئيس ينتخب على ظهر صفقات انتخابية مشبوهة ويمارس بعدئذ رئاسته ستبقى هذه الصفقات نيرًا على رقبته وستمنعه من ان يقف حرا في وجه هذه الممارسات ومن يمارسونها. ورئيس يمارس او يستعين بحاشية من البلطجية قبل وخلال انتخابه لا يحق له ان يشكو البلطجية اذا عاثوا خرابا ورعبا في شوارع بلدته واعتدوا على حرمات اهل البلد. ورئيس يمارس سياسة المحسوبيات والتفرقة "العنصرية " وفق من معه ومن ضده من أبناء بلدته، لا يستطيع ان يدّعي جدية في مقارعة سياسة الشرطة العنصرية. ورئيس يعبث وادارته في موارد مجلسهم ويوزعها وفق مصالحه ومصلحة كتل ائتلافه، لا يستطيع ان يتحدى بأهلية بيكار ومساطر لجان التنظيم الاسرائيلية، اللوائية والقطرية، ولا قرارات وزارت الدولة العنصرية. ورئيس أو نائب يقومان بتقسيم راتبيهما كي يشتريا ذممًا لن يستطيعا ان يشكوا او يستهجنا صمت وتواطؤ الشرطة، واذا تجرأ قد يأتيه من يقول له  :"لقد دفناه سويًا" .  

سوف يشارك ما يقرب من المائة وثلاثين بلدة عربية ومدينة مختلطة في الانتخابات المقبلة. لن نجني عسلا من هذه الانتخابات؛ فالزمن زمن الحربين والشرطة هي الشرطة، بل انها أسوأ. والمجالس ما زالت تعامل كمناجم للفضة وللرصاص، والكراسي ما زالت من جاه ومن خشب، والمواطنون عربًا من قبائل وأحلاف وايلافات يؤمن رجالها بالغيب وبالجيب وبالسيف وبالمقبرة . هكذا كان؛ والآتي سوف يكون أعظم وأخطر !

عندما

خسرت القدس )شرقها(

جواد بولس

 

أصدرت سلطات الاحتلال الاسرائيلي في السادس من شهر أغسطس 2001 أمرا بإغلاق عدد من المؤسسات والجمعيات الفلسطينية، التي كانت تعمل في القدس وتخدم القضية الفلسطينية والمجتمع المقدسي في ميادين مختلفة. ولئن اعتبرنا أن «بيت الشرق» كان أهم هذه المؤسسات التي استهدفتها أوامر الإغلاق الإسرائيلية، فستبقى خطورة القرار الإسرائيلي متجسّدة باستهدافه جميع بنى المجتمع المدني المقدسي ومحركاته، الاجتماعية والسياسية، ذات الهوية الفلسطينية المستقلة عن «سرة» مؤسسات الاحتلال، الوزارية والبلدية، وتأثيرها المباشر.
إلى جانب أمر إغلاق «بيت الشرق»، صدرت أوامر بإغلاق عدد من المؤسسات التي كانت تقدّم الخدمات في ميادين الثقافة والعمران والصحة والسياحة والتربية والتعليم والشباب والرياضة، وكذلك ضد الجمعيات التي كانت تعنى بالدراسات الفلسطينية والتأريخ والتوثيق والإحصاء وجغرافيا المدينة والوطن. لم يكن القرار الإسرائيلي مجرد تعبير عن نزق احتلالي عابر، أو مجرد تجسيد نمطي للشر المطبوع في جينات الاحتلال، أو مجرد خطوة قمعية انتقامية أخرى بحق المدينة وأهلها؛ فقرار حكومة إسرائيل كان يعكس عمق التغيير الذي طرأ على رؤيتها حيال سبل حل النزاع مع الفلسطينيين بشكل عام، وحيال موقفها ازاء مصير القدس ومصير مجتمعها الفلسطيني، بشكل خاص. لقد نجحت إسرائيل بتنفيذ قرارها بسهولة نسبية؛ إذ لم تجد من يقاومه أو يتحدّاه، لا محليّا ولا فلسطينيا ولا عربيا ولا إسلاميا ولا عالميا. لقد مهّد نجاحها في إغلاق تلك المؤسسات إلى ولادة واقع اجتماعي وسياسي جديد في المدينة، وظّفه قادة التيارات الصهيونية اليمينية القومية المتطرفة، والدينية المتزمتة في خدمة مشروعهم لبناء إسرائيلهم الجديدة، حيث القدس قلبها، وهيكلها سدرة المنتهى.

تذكّرت هذه التفاصيل عندما دعتني إحدى مؤسسات البحث والدراسات الإسرائيلية القائمة في القدس الغربية للقاء مجموعة من الشباب الفلسطيني المقدسي، الذين انضموا إلى مشروع ترعاه تلك المؤسسة، وتهدف من ورائه لصقل وبناء شخصية القائد الفلسطيني الجديد. أراد المنظمون أن أحدّث المشاركات والمشاركين، وجميعهم شباب في مقتبل العمر، عن تجربتي في القدس، القدس التي جئتها طالبا جامعيا قبل خمسين عاما، ثم عملت فيها محاميا لأكثر من أربعة عقود، وقدس هذه الأيام. قبل اللقاء بأيام كان قد توفي صديقي توفيق أبو رحمة؛ وهو فلسطيني من مدينة شفا عمرو جاء إلى القدس في مطلع سبعينيات القرن، وشارك مع عدد من الشبان الجليليين في تأسيس «مكتب صلاح الدين» للنشر. سألت الحضور إن كانوا قد سمعوا أو قرأوا عن هذه المؤسسة وعن مؤسسيها، وأشهرهم الصحافي والكاتب إلياس نصرالله الذي اصدر قبل بضعة أعوام كتابا سماه «شهادات على القرن الفلسطيني الأول» وضمّنه فصولا عن القدس التي عاش فيها آباء وأجداد المشاركين أمامي. كان واضحا أنهم لا يعرفون كثيرا عن تلك القدس، ولم يسمعوا «بمكتب صلاح الدين» الذي شكّل نشاطه حينها مشهدا لافتا في الحياة الثقافية والسياسية في القدس، وتحوّل إلى عنوان لطباعة ونشر الأدبيات اليسارية التقدمية المحلية والعربية، التي كانت طباعتها محظورة في تلك الأوقات؛ وإلى ملتقى يلمّ وجوها من أنحاء فلسطين المناضلة ذلك الحين. طرحت أمامهم مجموعة من أسماء أعلام المدينة وقيادات فلسطينية محلية، وعناوين لفصول ومحطات في مسيرة نضال أهل المدينة، وأسماء أسرى عذبتهم إسرائيل في سجونها، فتبين أنهم يجهلون معظم من وما ذكرت، وأنهم في الواقع لا يعرفون كيف حافظ ونجح مجتمعها، قيادات وناسا، بإبقاء شرقها مدينة «فلسطينية الوشم» والهم والصقل. لقد كان أكبرهم أصغر من عمر أوامر إعدام مؤسسات المدينة التي صدرت أول مرة في اغسطس لمدة ستة أشهر، ثم جددتها إسرائيل منذ فبراير 2002 جرعة وراء جرعة طيلة ثلاثة وعشرين عاما والمدينة تمارس غفوتها الطويلة.
اخترت، والحال كما وصفت، أن أبدأ معهم بقصتي مع القدس التي بنت، مع عاشقها الأبدي فيصل الحسيني «بيت الشرق» وانبتت قيادات صانوا شرف المدينة؛ فكل شيء في تلك القدس كان فلسطينيا، كما كنا نشتهي ونريد. كانت روائح أسواقها تتبدل من أحلى إلى أحلى؛ بيد انها كانت تحافظ في كل حالاتها على أصالتها وعنفوانها. كان كل شيء فيها بسيطا كالصبح، وكانت وجوه تجّارها باسمة وسمراءَ كالأرض. جرَحها خنجر الاحتلال وأدماها، لكنها لم تسقط تماما، بل وقفت كفرس الأساطير؛ حتى إذا ما وضعْت سبّابتك على رسغها، كنت تشعر بنبض السماء وتعرف أنها كالأم ستحمي أبناءها دوما وسترضعهم الحب والكرامة. كانت قدسا ومعبدا للعشاق وللثوار وللزاهدين، وكانت تتراكض تحت قناطر حاراتها الظلال حتى تصير تناهيد وياسمينا، ويأوي اليمام تحت قبابها كيما ينام. كانت المدينة تكره الغاصبين والمارقين والدجالين، أغرابا كانوا أم من بنيها، وكانت تحبّ «مسيحها» وتغتسل بنور هلالها. كان «المقدسي» صاحبَ هوية وانتماء، وعطرا يمسد جبينها ويسقي حجارة أسوارها. كانت المدينة الوجع والفرح، وكانت الخيمة وكان في وسطها عماد من صخر لا يفل. قامت إسرائيل مباشرة بعد احتلالها بضمها؛ وخططت لكسرها ولتهجير أهلها؛ فقمعت وأغوت وباعت ونفت واشترت وصادرت وانتهكت وأبعدت وهدمت واعتقلت.. لكن المدينة لم تستسلم؛ لأن أهلها نذروا أن تبقى مدينتهم تاجا فلسطينيا على رأس التاريخ وعروسا تراقص الفجر على صهيل «براقها» وتتعطر بدماء من سار على دروب آمالها وآلامها.
حاصرت إسرائيل القدس وأحاطتها بالحواجز العسكرية من جميع جهات الريح.. كان هدف حصارها إبعادها عن عمقها الفلسطيني وقطع تواصل الفلسطينيين الذين كانوا يؤمّونها عاصمة لأمانيهم وعنوانا لحجيجهم السياسي والديني. لم تغِب مآرب حكومات إسرائيل الخبيثة عن ذهن قيادات المدينة، فقاموا، وعلى رأسهم فيصل الحسيني، ببناء وبتفعيل منظومة كاملة من المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والقانونية، ووضعوا جميع طاقاتها في خدمة المجتمع المقدسي، هادفين إلى توطيد معالم الهوية الجمعية المقدسية الفلسطينية، وإلى تعزيز اللحمة ومشاعر الانتماء ومقومات البقاء. كان «بيت الشرق» عنوان الصمود والبناء ومقاومة سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وتحول، بإصرار وحنكة وحكمة فيصل الحسيني وبدعم القيادة الفلسطينية، وبتلاحم وإسناد أهل المدينة وقيادات جميع الشرائح والنخب الوطنية، إلى رمز وطني معنوي، أقرّت به معظم دول العالم، وإلى عنوان سياسي كبير ومؤثر، وإلى قلعة يجد المواطن الفلسطيني بين جدرانها أمنه ويجدّد لها عهده ويفديها إذا ما استدعت الحاجة إلى ذلك، كما حصل فعلا عندما حاولت حكومة بنيامين نتنياهو عام 1999 إغلاق «بيت الشرق»، فهبّ أهل القدس وتمترسوا مع قائدهم داخل القلعة وحموها بأجسادهم وبعزائمهم، حتى أجبروا الإسرائيلي على التراجع عن قراره.
كانت تلك القدس الصابرة المتكاتفة الهاجسة المتألمة الحالمة النظيفة الجميلة الغزالة النمرة العروس والمقاومة. كانت.. لكنها لم تعد؛ فالقدس ابنة العقد الثالث بعد زمن فيصل ورفاقه صارت تفتش عن قبة تربي تحتها حلما عساه يفيق، ذات يوم، ويصير أملا. في القدس الجديدة صارت الأسواق تبكي أهلها وتهرب الحجارة من غزاتها؛ وفي القدس الضعيفة صار المقدسي المستعدّ «تحفة» قد نجدها تحت قنطرة خائفة وحزينة. وفي القدس المهزومة صار بخور الكنائس، بعد أن حوّلها بعضهم من «بيوت للرب إلى مغائر لصوص»، يحرق في طقوس الباعة والسماسرة والصرافين الذين يملؤون الهياكل والمنابر، وفي القدس التائهة والخائفة صار الدجالون يوقعون صكوك الغفران ويمسكون الرايات ويعلقون نياشين الشرف على صدور (الأسخريوطيين) على صنوفهم. لقد رحل فيصل الحسيني في آخر شهر مايو 2001؛ وبعد أقل من سبعين يوما انقضّت حكومة إسرائيل وأذرعها على «بيت الشرق» وعلى معظم المؤسسات والجمعيات الفلسطينية في القدس وأغلقتها، ثم مضت تنفّذ سياساتها المبرمجة حيال المدينة ومواطنيها. بدأوا فكثفوا زحفهم الاستيطاني وبتقطيع ما تبقى من مدينة عن طريق بناء شبكة شوارع تخدم المستوطنات التي زرعوها في قلبها، وعلى جميع أطرافها. جرى ذلك وقد قررت إسرائيل، بعد هدم المؤسسات واتساع فوهة الفراغ القيادي واختمار عوامل أخرى، «ابتلاع» المجتمع المقدسي وافتراس أفراده. نجحت إسرائيل بتنفيذ مخططها وسجلت تقدما على معظم جبهات المدينة فسقطت المفاصل، وسطت إسرائيل بالكامل تقريبا على قطاعات الصحة والتعليم والسياحة والخدمات والرفاه والبناء، حتى بات المواطن المقدسي عاريا لا سقف وطنيا يحميه، ومهزوما أمام منن الاحتلال وبراثن مؤسساته. هكذا وصلنا إلى القدس الملتبسة، التي خسرت «شرقها» وخواصرها، وخلّت شبابها «يحجّون»، بشكل عادي وطبيعي، إلى «غَربها» كي يتعلموا الرماية في الجامعات العبرية، وفنون القيادة في معاهد الدولة المحتلة، ويعودون إلى مجتمع ما زال يغط في غفوته ولا يعنيه كيف رحل الشرق عن مدينتهم وتاه شبابها.
حدثتهم لأكثر من ساعتين، فاستزادوا، كانوا حزينين ومتحفزين؛ والخلاصة أنهم استوعبوا أن قصة سقوط «البيت» تختزل كل الحكاية، وأنه عندما يموت» الفارس العاشق» سيقصّ الغريب ضفائر عروسته، وعندما يغفو الناطور ستسقط القلعة.

 

 

أفراح فلسطينية

ملفعة بأكفان

جواد بولس

 

 في مطلع شهر يناير الماضي، اتصل بي صديق من لندن وأخبرني أن صديقة لعائلته، تسكن في بريطانيا، طلبت إليه التوجه إليّ لأساعدها في الاستفسار عن مصير والدها، الذي اختفت آثاره في غزة، بعد أن كانت الطائرات الإسرائيلية قد قصفت بيوتهم ودمرتها على من وما كان فيها.
ساد اعتقاد لديها، ولدى من بقي من أبناء عائلتها على قيد الحياة، بأن أباها الذي ناهز الخامسة والسبعين عاما قتل مع أخيه في البيت الذي كانا فيه ساعة قصفته الطائرات، وأن جثمانيهما دفنا تحت الردم، شأنهما شأن آلاف جثامين المواطنين الغزيين. إلا أن اهتمامها بمصير والدها أثير من جديد بعد ان أفاد بعض المواطنين الغزيين، بأنهم رأوا اباها على قيد الحياة وهو محتجز مع مئات المواطنين الغزيين لدى الجيش الإسرائيلي، لكنهم لم يضيفوا أية معلومات أخرى أو بينات تؤكد الخبر. كانت تلك المعلومات مبعثا لبارقة أمل عندها، وفي الوقت نفسه» سببا لقلق جديد؛ فوالدها مصاب بالسرطان وهو بحاجة لتناول جرعات من الدواء؛ إن لم يتناولها، فستصبح حياته في خطر.
قد يشعر البعض بأنني اتناول تفاصيل قصة فلسطينية «عادية» إذا ما وضعناها ضمن المشهد المأساوي الذي عاشه وما زال الفلسطينيون يعيشونه في قطاع غزة تحديدا، وكذلك في الضفة الغربية التي يواجه أهل مدنها وقراها ممارسات عناصر جيش الاحتلال القمعية واعتداءات ميليشيات المستوطنين الدموية، كما نقرأ ونسمع عنها يوميا. أقول «قد» وأنا على قناعة بأن الكثيرين في فلسطين وخارجها يعانون من عوارض حالة إدمان تجعلهم يتلقون تداعيات المشهد المأساوي بصورته العامة ويغفلون التفاصيل، أو إذا صحّ اللجوء في واقعنا إلى كتف المجاز والى ساعد الاستعارة، لقلنا: من كثرة المقابر الجماعية في غزة، فقدت هويات الضحايا علاقتها بالحدث، وصارت المقبرة هيكلا عظميا واحدا؛ وبعد أن فاضت أنهر الدم في شوارع غزة ومن على مرايا العبث، «سالت» مصائب الناس الأخرى وصارت مجرد خربشات على صفحات الحسرة والوجع.

سأركز على قضية الاعتقالات الوحشية التي تنفذ بحق آلاف المواطنين الفلسطينيين وما يعانونه من ممارسات غير مسبوقة في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، حيث تقوم المؤسسات الفلسطينية المعنية، رغم كثرة المعوقات، برصد الاعتداءات والتجاوزات الإسرائيلية، وبإعداد ما أمكن من التقارير التوثيقية حولها.
نعلم أن حملة قمع الأسرى الفلسطينيين لم تبدأ بعيد السابع من أكتوبر الماضي؛ فحكومة نتنياهو شرعت بسياسة التضييق الخانق على الأسرى منذ توليها السلطة مباشرة، لكنها شددت هجماتها بعد السابع من أكتوبر، وصارت عمليات القمع والاعتداءات الجسدية العنيفة شبه يومية في السجون، ما أدى إلى إصابة عدد من الأسرى وإلى استشهاد بعضهم، كما حصل في حالة الشهيد ثائر أبو عصب الذي ارتقى داخل سجن النقب الصحراوي في شهر نوفمبر الماضي. وكما تبين من التقرير الذي وثق لشهادات بعض الأسرى، الذين كانوا مع الشهيد ثائر في الغرفة نفسها، وتعرضوا مثله للاعتداء الوحشي، فإن عناصر من وحدة تسمى «كيتر» تابعة لما يسمى «مصلحة السجون» دخلوا إلى الغرفة «وكانوا ملثمين ومزودين بالعصي الحديدية ومدججين بالدروع، وانهالوا على جميع من بالغرفة بالضرب المبرح، واستمروا بضرب جميع الأسرى حتى فقد بعضهم الوعي، والجميع كانوا ينزفون. وأصيب الشهيد ثائر ابو عصب بمعظم أنحاء جسمه، خاصة في منطقة الصدر والبطن، وبإصابة مباشرة برأسه. استمر هجوم أفراد الوحدة على الأسرى لمدة ربع ساعة، خرجوا بعدها، إلا أن الأسرى تفاجأوا بعودتهم بعد ثلاث دقائق لينهالوا مجددا بالضرب على الأسير ثائر أبو عصب، وكأنهم كانوا يريدون التأكد من موته. لقد تُرك الأسرى في الغرفة وهم غارقون بالدماء. أبلغ الأسرى السجانين أن الأسير ثائر لا يتحرك. بعد فحصه من قبل الممرضين تم نقله من الغرفة وتبين لاحقا أنه استشهد». لم ينجُ ثائر أبو عصب من حقد أفراد فرقة الموت، التي كادت عصيّهم الحديدية أن تودي كذلك بحياة الأسير نور القاضي، ابن مدينة البيرة، الذي أفرج عنه قبل عشرة أيام، بعد أن أمضى عاما في سجون الاحتلال أسيرا إداريا، وروى شهادته أمام «نادي الأسير الفلسطيني». جاء في بيان «نادي الأسير» أن نور القاضي كان أحد المعتقلين الذين تعرضوا لعمليات تعذيب وتنكيل وضرب مبرح من قبل أفراد وحدة  «كيتر» في سجن النقب، وأن عناصر هذه الوحدة كانوا يغيرون على غرف المعتقلين بصحبة الكلاب البوليسية وكانوا يتعمدون ضرب الأسرى على الرأس والصدر، وكانوا يعرضون الأسرى لعمليات تفتيش وهم عراة. لقد قرأت شهادة نور القاضي وتخيلت كيف استشهد ثائر أبو عصب؛ فتفاصيل الاعتداء عليه، كما وردت في شهادته، رسمت عمليا معالم مسرح الجريمة، التي راح ضحيتها الأسير ثائر أبو عصب. يقول نور القاضي في أحد المقاطع: «أنا مريض منذ عشرة أعوام وقد أجريتُ عملية قلب مفتوح. ثاني يوم ضربوني؛ قلت لهم إني مريض وبحاجة لدواء وعلاج. فكانوا يزيدون الضرب عليّ، ويقولون لي: «موت». بعدها شددوا ضربهم، فكسروا ثلاثة أضلاع في صدري، ورضوض قوية في العمود الفقري. انفتح رأسي، انفتحت يدي، انكسر إصبعي، هجم عليّ الكلب، لما هجم عليّ السجان ليثبتني خبطني في رأسه، وهو لابس حديد ففتح جبيني. تركوني بعدها وطلعوا، أغمي عليّ، لما أغمي عليّ ضربوني لحد ما صحيت، كان مارق حوالي 25 دقيقة ضرب، بعدها طلعوا من عندي. لما طلعوا كنت أنا في النهاية».
لن أرهق القراء بتفاصيل هذه الشهادة المؤلمة، فهي مثل سائر شهادات الأسرى، تؤكد ان ما يجري داخل السجون من اعتداءات يستهدف لا حرمانهم من حقوقهم وسحب مكتسباتهم كحركة ناضلت وضحت من أجل تحقيقها فحسب، إنما بالأساس هي اعتداءات تستهدف حيواتهم وسلامة أجسادهم ونفسياتهم. نحن لا نعرف حقيقة ما يجري في هذه الأيام مع أسرى كثيرين، خاصة مع من اعتقلهم الجيش من غزة، فكثيرون من هؤلاء لم تدرج أسماؤهم على اللوائح الإسرائيلية الرسمية، فأسروا ونقلوا إلى أحد معسكرات الاعتقال، مثل معسكر «سديه تيمان» في الجنوب، وتركوا في ظروف يصعب على الخيال الإنساني الطبيعي تصورها. وهذا ما حصل مع الدكتور الغزي المفقود. وعدت صديقي إلياس بأن أسعى للاستفسار عن الدكتور والد صديقتهم الغزية لعلني مع قليل من الأمل وبعض الحظ أنجح بإخراج الحقيقة من تحت الحطام. بدأت اتصالاتي مع جميع العناوين التي لها علاقة بمسألة اعتقال الفلسطينيين، فكانت أجوبة جميعهم إنني أسال المستحيل؛ لكن بعضهم أرشدني كيف استمر في محاولتي. وبعد ثلاثة أسابيع أفادني أحد المجندين، بأن الدكتور الذي أسأل عنه على قيد الحياة، لكنه طلب مهلة كي يتأكد. نقلت البشرى للندن بحذر وطلبت منهم تأجيل الفرح حتى يتم تأكيد الخبر؛ وهذا ما فعلته بعد ثلاثة أيام. أخبرتهم بكل ما قيل لي وهو إن الدكتور في الأسر وهو مصنف كمحارب غير قانوني، ولا يحق له التواصل مع أية جهة. وأضفت انني لم اهتد بعد إلى مصير أخيه. تصورت كيف طار صديقي وصديقته للحظات، يفعلان ما يفعله أهل البلاد: يرقصان على غيمة تلاعبها الريح وينظران إلى السماء بقلق موجتين غزيتين.
في مطلع فبراير قرأ صديقي نبأ في صحيفة اسرائيلية يفيد بأنه تم الافراج عن 114 فلسطينيا من غزة كانوا محتجزين لدى إسرائيل. قام بإخباري بما قرأ، وتمنى أن يكون صديقه الدكتور بينهم. حاولت الاستفسار من مصدر النبأ عن أسماء من أفرج عنهم، لكن صديقي سبقني وبعث لي برسالة ينقل فيها عن صديقته، أن أباها قد أفرج عنه «وهو موجود عندأاصدقاء له ليس بعيدا عن «كرم أبو سالم» لكن لا يوجد لديه وسيلة للاتصال بأحد، فأبلغ أحد معارفه أن يتصل بابنته.. والشخص الذي اتصل قال إن الدكتور لا يعرف شيئا عن أخيه». شعرت للحظة كيف يكون الفرح في فلسطين أحيانا ملفعا بكفن، وأحسست كأنني أقرأ فصلا من رواية خيالية. صحوت من عدمي بعد أقل من ساعة، حين أرسل لي صديقي من لندن رسالة أخرى كتب فيها: «آسف على الرسالة المتأخرة، فمن الواجب أن أبلغك بأن أخا الدكتور ليس على قيد الحياة؛ فقد نجح الدكتور قبل قليل بالاتصال بزوجته، التي كانت قد سافرت قبل الحرب لزيارة ابنتهما في كندا، وأبلغها أن أخاه قتل في قصف منزله، وقد شاهده مقطعا قبل اعتقاله». قرأت، فطار الفرح وبقي الكفن أمامي. أجبت صديقي بإرسال وجه عبوس من لغة الإيموجي. لم تسعفني لغتي ولا سحر بيانها وتمنيت لو كنت ممن يجيدون الحديث بلغة الكل ويبتعدون عن تهجئة حروف المآسي، أولئك الذين من كثرة القبور يرون فقط المقابر. تمنيت وتخيلت كيف كان فرح صديقتنا الغزية، كأفراح معظم الفلسطينيين، ملفعا بكفن عمها.
كاتب فلسطيني

 

 

قدر بين صمتين:

صمت الحكمة والحالمين،

وصمت العاجزين والغافلين

جواد بولس

لم تكن حكومة إسرائيل بحاجة لعدم اصدار محكمة العدل الدولية في هاغ امرًا يلزمها بوقف حربها على غزة، كي تستمر باعتداءاتها العسكرية الكاسحة التي ما زالت تستهدف البشر والحجر والشجر وكل معالم ومقومات الحياة الآدمية هناك. فالجميع كان على قناعة، وبضمنهم أيضا، كما اعتقد، قضاة المحكمة أنفسهم، بأن لا حكومة اسرائيل ولا قادة جيشها سوف ينصاعون لمثل ذاك الامر، وانهم سيمضون، في جميع الاحوال، في حربهم المدمرة حتى يضمنوا ان قطاع غزة لم يعد مكانًا مناسبًا للعيش المستقر والمستديم، وان اعادة اعماره وتأهيله كوطن للغزيين ومأوى، ستكون مهمة عسيرة جدًا أو كما قيل "أعز من بيض الأنوق". 

وكما كان متوقعًا، لم تتأثر حكومة نتنياهو بقرار المحكمة الدولية؛ بل راح هو ووزراء في حكومته، منذ ساعة صدور الحكم، بالتهجم على المحكمة وعلى قضاتها ونعتهم باللاسامية وبكيل العبارات السوقية بالمؤسسة وبقضاتها بعدائية بارزة. 

لقد تنبهت اعداد كبيرة من داخل المجتمع النخبوي الاسرائيلي لخطورة الادعاء على إسرائيل في محكمة العدل الدولية واتهامها بارتكاب جريمة ابادة شعب؛ وقد علق معظم هؤلاء وصرّحوا بان المشهد بحد ذاته ،كما تابعته المعمورة من هاغ، يعتبر تطورًا خطيرا في تاريخ دولة اسرائيل ويهدد مستقبلها ومناعتها؛ او على الاقل يهدد ما كانت تحظى به من امتياز تاريخي عزز شرعيتها كدولة يهودية طالبت دومًا، رغم ما كانت تمارسه بحق جميع الفلسطينيين، ان يدعمها العالم ويدافع عنها ويحمي شعبها اليهودي لكونه الضحية العرقية الأبرز في التاريخ الاوروبي المعاصر. لم يخفِ معظم اولئك المحللين والمعقبين خوفهم من ان الشرارة الاولى قد اشتعلت في حضن إسرائيل، الذي لم يعد آمنًا، وان تلك الشرارة لن تطفأ سريعًا ولا آجلا، وذلك ليس بسبب انتقال المنظومة الدولية ومؤسساتها الى معسكر المعادين لاسرائيل فجأة، او لاكتشافهم معان ومعايير جديدة للعدل الانساني والقيم الاخلاقية الاساسية، بل لأن حكومات اسرائيل، السابقة والحالية على وجه الخصوص، وقواعد الاحزاب الانتخابية الداعمة لها، مرت بعملية تغوّل سياسي وتطرف خطير بحيث لم يعد باستطاعة حتى من كانوا يعتبرون اصدقاء لاسرائيل، تحمّلها او تبرير افعالها. فاسرائيل الجديدة، المتنمرة والمندفعة على مراكب النار نحو أبواب السماء، والواثقة بحقها ببناء مملكة الرب على "ارضها المقدسة"، صارت في مواقع كثيرة وداخل تجمعات بشرية واسعة، نقيضا لأسس العدل والسلم المتفق عليهم ومقوّضة لبنى التوازن المنشود والذي، رغم هشاشته، حوفظ عليه وكان قائمًا في محيطها الشرق اوسطي، على حساب الفلسطينيين دومًا.  

قد يكون ما عبّرت عنه افتتاحية جريدة هآرتس العبرية في الثلاثين من يناير الماضي مؤشرا على تلك المخاوف المتزايدة، وشاهدا على مواقف بات الكثيرون من اليهود الخائفين على مصير اسرائيلهم يشعرون به.  فتحت عنوان "في الطريق للتطهير العرقي" كتبت الجريدة: "لا يصح عدم الاهتمام بقضيّتي التطهير العرقي والاستيطان في غزة واعتبارهما مجرد عرض "لنجوم روك" سياسيين من المستوطنات، الذين يطلبون لفت الانظار اليهم او الظهور في العناوين. المستوطنون فئة منظمة، وهم اقوياء في العمل السياسي. لقد قاموا منذ بداية الحرب بطرد اعداد كبيرة من الفلسطينيين من داخل مناطق (سي c)  في الضفة الغربية. وهم يقصدون ما يقولونه وسيستغلون ، كلما لاحت لهم الفرصة، نفوذهم السياسي كي ينفذوا "النكبة الثانية" في غزة. انهم يعتقدون ان تهجير معظم المواطنين الغزيين وفق تعليمات الجيش، وهدم معظم البيوت في القطاع ستعطيهم فرصة تاريخية لا تعوض لتطهير القطاع من سكانه. أما نتنياهو الملتصق بكرسيه فلن يصدّهم".  اوردت الصحيفة مضامين المخطط اليميني الاقتلاعي، ثم توجهت الى جميع "الاسرائيليين المؤمنين باحترام حقوق الانسان وبضرورة منع تنفيذ جرائم حرب خطيرة وبضرورة الحياة المشتركة مع الفلسطينيين" وطلبت منهم "ان يتّحدوا ضد هذه المبادرة الكارثية".  من الواضح ان حجم معسكر المتوجسين من سياسات حكومة نتنياهو والمعارضين لها، لا سيما لما تخطط له اجنحتها اليمينية المتطرفة ، آخذ بالاتساع وبالنمو، بيد ان القادرين على التأثير من داخله يشعرون، بسبب استمرار الحرب على غزة،  بعدم القدرة على التعبير ضد الحكومة ولا العمل الميداني المعارض الحقيقي لسياساتها ، خوفًا من وصمهم بالخيانة او بالوقوف الى جانب حركة حماس ومع اعداء اسرائيل، ويؤثرون الصمت وانتظار اللحظة المواتية في المستقبل. 

تستغل حكومة نتنياهو بكل مركباتها مشاعر معارضيها المدفوعة "بمسؤولية الانتماء الصهيوني العالي" فتعمل اولا، على اطالة ايام حربها على غزة وتوسيع مساحات الدمار الشامل فيها، وفي نفس الوقت يضاعف جيشها والمستوطنون، الذين باتوا يعملون في الضفة الغربية كقوة عسكرية مدمجة، اعتداءاتهم الهمجية على المواطنين وعلى القرى والمدن الفلسطينية التي تشهد ايضا حملات اعتقالات واسعه مصحوبة باعمال تنكيل مبرحة غير مسبوقة بوحشيتها بحق الاسرى والمعتقلين. وثانيًا، على الساحة الاسرائيلية الداخلية، يستمر وكلاء هذه الحكومة باتمام مراحل انقلابهم خاصة انجاز السيطرة على جهاز الادارة التكنوقراطي في جميع الوزارات ومعاقل الوظائف السيادية، والامعان في تنفيذ سياسات الحكومة كما نصت عليها خطوطها العريضة ووفق برامج كل وزارة على حدة، واهمها ما يتعلق بشؤون الميزانيات العامة واسواق الانتاج والمرافق الاقتصادية الكبيرة والتحكم بما يجري في الاراضي المحتلة وملاحقة من يعتبرونهم اعداءهم السياسيين؛ واولئك ليسوا من بين المواطنين العرب وحسب، انما مثلهم من بين المواطنين اليهود؛ فعقيدة هذه الحكومة تقول : كل من ليسوا معنا هم اعداؤنا.  

تمتلئ الصحافة الاسرائيلية اخبارًا عن تجاوزات الوزراء وعن اعداد المواطنين الذين وقعوا ضحايا للسياسات الحكومية الجديدة. ولن تتسع هذه العجالة لرصد ما يرد يوميا من اخبار، لكنني ساشير الى حدثين نشر عنهما مؤخرا كعينتين تنذران بالسوء الراهن وبالاسوأ الداهم.  

 الاول يعكس حالة استفحال الملاحقة السياسية للمواطنين العرب ولقياداتهم المنتخبة وغيرها، سواء في الكنيست او في جميع المؤسسات المحلية والمدنية. لقد قررت هيئة الكنيست يوم الاثنين الفائت منع النائب احمد الطيبي من حق الخطاب وابعاده من قاعة الكنيست لمدة اسبوعين ، وذلك على اثر مواقفه ضد احزاب اليمين المتطرف وحرب اسرائيل على غزة. وبالتزامن مع ذلك القرار قررت لجنة الكنيست، في سابقة خطيرة لم تحدث من قبل، تنحية عضو الكنيست عن الجبهة والعربية للتغيير النائب عوفر كسيف، عن عضويته في الكنيست بسبب توقيعه على عريضة أيّد فيها تقديم جنوب افريقيا الدعوى ضد اسرائيل لدى محكمة العدل الدولية. واللافت ان قرار هذه اللجنة جاء بعد ان وقع 87 عضو كنيست صهيوني، من اصل 120 عضو، على طلب تنحيته من عضوية الكنيست.

 لا تكتفي مؤسسات الدولة والحكومة بالملاحقات السياسية، اذ انها تلحقها بملاحقات بوليسية وبممارسات يقوم بها بعض عناصر الشرطة تفوق الخيال. لقد قرأنا مؤخرا عن تفاصيل حالة وصفها الصحفي أوري مسجاف في تقرير وضعه تحت عنوان "شرطة اسرائيل تحولت الى حرس الثورة" وفيه يروي عن ثلاثة من عناصر الشرطة اعتدوا على متظاهر شاب يهودي في احدى المظاهرات المعارضة للحكومة. أمسك الثلاثة بالفتى في المظاهرة وبدأوا يضربونه بقبضاتهم بقوة مفرطة وهو لا يقاومهم. حاولوا خنقة بقلادة كان يتقلدها على عنقه وسحبوه من شعره وضربوه على ظهره فوقع فقاموا بجره وهو ملقى على الشارع. اقترب منه احدهم وهمس في اذنه انه سيغتصبه في الليل وسيعتدي على امه جنسيا. اوقفوه وبدأوا يضربونه مجددا. كانت يداه مكبلتين وراء ظهره. وهو ينزف من فمه ويرجوهم ان يعطوه شربة ماء. اعتقلوه واقتادوه الى محطة الشرطة فبات فيها من دون ان يقدم له علاج. تقدم الفتى بشكوى ضد عناصر الشرطة من دون نتيجة، اذ لم تتخذ اجراءات بحقهم بالرغم من توثيق ما فعلوه بالتصوير وبشهادات من حضروا الحادثة.

 لقد حرفت اخبار الحرب على غزة وتداعيتها انظار الناس عما يحصل من جرائم حرب في الضفة الغربية وعما يتداعى داخل اسرائيل، واضافت التشويشات، التي تبثها  الحكومة وأبواقها عمدا، عن احتمال اندلاع الحرب على الجبهة الشمالية من ارتفاع منسوب القلق بين المواطنين وارتداعهم من اشهار معارضتهم لسياسات الحكومة وتمسك معظم هؤلاء المعارضين اليهود بأمل سقوط الحكومة المرتقب وتعيين موعد قريب لاجراء انتخابات عامة جديدة. وهذه مراهنة عمياء ، فالى ان يصيب النرد ستبقى عقيدة هذه الحكومة هي هي: من ليس معها سيكون اما عبدها او عدوها. 

كانت لكل الصامتين عن افعال الحكومة، عربًا ويهودا، ذرائعهم؛ لكنها، بعد انكشاف ما تضمره حكومة نتنياهو حيال مستقبل فلسطين والفلسطينيين وحيال ما ينوون احرازه داخل اسرائيل، كل تلك الذرائع سقطت. فكل يوم يتقدم التاريخ الى الوراء ويصرخ: من سيضمن اجراء انتخابات قريبا ؟ وان جرت فمن سيضمن انها ستكون نزيهة أو انها ستفرز حكومة افضل من الحكومة القائمة.

كم علّمنا الدم أن التاريخ أحيانا لا يتقدّم الى الأمام بل يعود بأهله الى صحارى الندم وحالك الايام.     

 

     

 

 

هل سيبقى الخوف

سيدا في أماكننا؟

جواد بولس

 

نقلت الصحف الإسرائيلية يوم الأربعاء الفائت تصريحا على لسان هرتسي هليفي، قائد أركان الجيش الإسرائيلي، أعلن فيه «احتمال نشوب حرب في الشمال، صار اليوم أكبر من الماضي، وعندما نضطر سنندفع إلى الأمام بكل القوة». جاءت أقواله خلال اشتراكه في عملية تدريبات واسعة قامت بها قوات جيش الاحتياط على الحدود مع لبنان.
كثرت في الآونة الأخيرة التكهنات حول رغبة الحكومة الإسرائيلية بفتح المواجهة العسكرية مع حزب الله في الأراضي اللبنانية، خاصة بعد فشل هذه الحكومة وجيشها بتحقيق النصر على حماس، رغم مرور مئة وخمسة أيام على بدء الحرب على غزة. ليس هناك إجماع داخل إسرائيل على صحة وضرورة هذه الخطوة ضد لبنان، فكثيرون يعزون هذه الرغبة لدوافع نتنياهو الشخصية، ولتخطيطه لإطالة حالات المواجهات العسكرية التي تساعده في إبطاء إجراءات محاكمته الجنائية، وترجئ، في الوقت ذاته، إمكانية إخضاعه وحكومته للمساءلة حول فشلهم في أحداث السابع من اكتوبر الماضي.
من المؤكد أن نتنياهو وجماعته يقرأون مثلنا انتقادات المحللين والمعقبين اليهود والأجانب، وتساؤلاتهم المتزايدة حول مصير ونجاعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة خاصة، وحول أنها تُنفّذ من دون أهداف سياسية معرّفة ومحدّدة وبأساليب أوقعت أعدادا رهيبة من الضحايا من المدنيين، وتسبّبت بتهجير مئات الآلاف والدمار الكبير؛ وهي الصورة التي أوصلت إسرائيل إلى «محكمة العالم» – وهو أحد الأسماء التي تُطلق على محكمة العدل الدولية في لاهاي – واتهامها بارتكاب جريمة «إبادة شعب» وهي أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية. تجري داخل الرأي العام الإسرائيلي تحوّلات بطيئة، لكنها مهمة ولافتة؛ وهي تحوّلات تكشف عن حركة اصطفافات جديدة بين القوى المعارضة والمؤيدة لسياسات حكومة نتنياهو، وقرارتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. ما زال الغموض في هذه المرحلة سيد الموقف، ولا يمكن لأحد أن يتكهن حول وجهة الرياح السياسية الجديدة، ولا إلى أين ستفضي تداعياتها وتفاعلاتها حاليا. فهناك بدايات لمخاضات فكرية جديدة ونقاشات واعية وجريئة وإعادة حسابات، ما زالت في الهوامش، لكنها تدل على أن حالة الإجماع الصهيوني الجنوني الذي تملّك قلوب وعقول المواطنين اليهود في إسرائيل وعبر بحار وجبال المعمورة، بدأ يتصدع، وأن علامات الانكماش بدأت تظهر عليه، والجَزر يحسر بعض شطآنه. لقد قرأنا مؤخرا عدة منشورات كتبها أكاديميون وإعلاميون وسياسيون وعسكريون في الصحف، وعلى مواقع التواصل، عبّروا فيها عن مواقف تعاكس التيار الذي ساد في فضاءات الدولة؛ وقد نستشف أن كُتّابها استنتجوا أن حالة الهلع التي تملكتهم في السابع من أكتوبر، لن ولا يمكن أن تتداوى، أو تواجه عن طريق التخلص من الفلسطينيين عسكريا، كما آمنوا بعد الصدمة؛ فإسرائيلهم تعيش مئة عام من الحروب ولم تنَم خلالها إلا على خوف ولم تصحُ، هي وجيرانها، إلا على فراش من دم. لا أعرف كيف ستتصرف هذه الأقلية الخائفة والمترددة في بحر الظلمة الذي يلف المجتمع الإسرائيلي ويعميه، وفي دولة احتلال تسيطر عليها حكومة مكوّنة من أحزاب مؤمنة بفوقيتها اليهودية، العرقية والربانية، ويسكنها شعب تؤمن قطاعات واسعة منه بأنهم يقفون في هذا «الزمن المسياني» على عتبة مرحلة خلاصهم الرباني، وأنها ساعتهم للقضاء على «عمليق» هذا العصر، أي على الفلسطينيين. نحن وهذه الأقلية المعارضة اليهودية سنواجه جيوشا من «المؤمنين» تصحو وتنام كل يوم برؤوس مرفوعة إلى الاعلى شاكرين ربهم لأنه خلقهم يهودا وأسيادا في هذه البلاد.

توجد بيني وبين بعض هؤلاء اليهود المعارضين أو المحبطين نقاشات تبدو أحيانا متّزنة وهادئة بينما تتخطى الاتهامات، وتحتدم أحيانا حتى نهدأ لنعود نفتش عن انفاسنا بين حطام الكلام. قرأت قبل أيام في جريدة «هآرتس» مقالة لافتة للمحاضرة في العلوم السياسية والفلسفة إيفا إيلوز بعنوان «ثلاث جبهات، خطر وجودي، وحل واحد»؛ تتحدث فيه عن الخطر الوجودي الذي تواجهه إسرائيل، حسب رأيها، من ثلاث جبهات مختلفة. الأولى، هو الخطر العسكري المتشكل ضدها من ست جهات، (حزب الله، حماس، الضفة الغربية، الحوثيون، إيران، سوريا). الثانية، هو خطر سياسي داخلي يتمثل بثلاثة عناصر؛ أولها، مجموعة أعضاء كنيست متدينين «مسيانيين» يسعون لتنفيذ ترانسفير ضد الفلسطينيين وإخضاع المواطنين العرب داخل إسرائيل إلى نظام يعتمد على فوقية يهودية. وثانيها مجموعة اليهود «الحريديم» التي لا يؤمن اتباعها بالديمقراطية ويعيشون عالة على الدولة؛ وثالثها ما سمته «البيبيزم» أي «النتنياهوية» الذي يتمثل بنظرية سياسية يمينية تؤمن بعبادة الفرد، حيث يستطيع هذا القائد أن «ينوّم الشعب مغناطيسيا» حتى يغضّوا عن أفعاله أنظارهم، رغم أنه لا يعمل لمصلحتهم، ويدفع بدولتهم نحو الهاوية. أما الخطر الوجودي الثالث برأيها فهو الانهيار البنيوي الكامل الحاصل داخل الدولة، وتحلل مبناها الاجتماعي كله. وتقدّم الكاتبة تحليلا مفصلا لهذه العوامل، وتؤكد أن إسرائيل لا- ديمقراطية لن يكتب لها الحياة، «فدون ديمقراطية ودون حلّ سياسي لقضية الاحتلال المستمر، ستبقى إسرائيل دولة عنصرية ومنبوذة ومقاطعة من قبل العالم». ثم تصل في نهاية مقالها إلى ما تقترحه كحل ومخرج لإسرائيل من هذه الأزمة وتقول «تحتاج إسرائيل الآن إلى حركة وسط اشتراكية ديمقراطية واسعة بهدف تجديد الميثاق الاجتماعي بين المواطنين والدولة؛ فبمثل هذه الحركة تستطيع أن تستعيد اسرائيل القوة التي سلبت منها». قرأت وتساءلت أين نحن، المواطنين العرب، من هذه الاجتهادات، رغم أننا، كما تتوقع هي ونتوقع، سنكون أول ضحايا هذه المخاطر الوجودية.
أجابني أحد الأصدقاء اليهود الذين أرسلت لهم المقال قائلا: «اعتقد أننا نقف فعلا على حافة شق عميق. يوم السابع من أكتوبر أدّى إلى قتل شعب. لقد قُتل شعب يحب السلام. شعب لا يعرّف هويته بدينه أو بأصله، إنما عن طريق اختياراته وقيمه. هذا هو الشعب الذي قُتل في السابع من أكتوبر ومن بقي هما شعبان لا يقبل الواحد منهما وجود الآخر، ويفعل كلّ منهما ما يستطيع كي يقمع، أو ربما يقضي على الآخر. هذان الشعبان ليسا شعبينا، أنا وأنت، فنحن ننتمي إلى شعب ثالث قتل فيما يبدو في السابع من أكتوبر، وإذا لم يقتل فمن المؤكد أنه قد أصيب إصابة بالغة». كلام جديد يخرج عن مواطن يهودي صهيوني، يمثل شريحة كاملة، شرع يشعر، مثل آخرين، بأن حكام دولته شركاء في قتل الشعب الذي كنّا كلانا ننتمي إليه! قابلته.. كان محبطا وخائفا من المستقبل الداهم ومن تداعيات هذه الحرب التي قد تتّسع إلى الشمال، كما صرح قائد الأركان، وإلى جبهات أخرى. أفهمني أنه خائف من حالة الكراهية المتنامية التي تغذيها الدوافع الدينية المتطرفة؛ ثم أضاف: «على فكرة، الخوف عندي من انتصار اليهود على العرب، وفي غزة اليوم، ليس أقل من الخوف المعاكس، لا يوجد لي ما أفعله في مجتمع يهودي «مسياني» عنصري. سيكون ذلك أكثر مما أستطيع تحمّله». حدثني كيف ولد في بيت جبوتنسكي/ ليكودي نجا افراده من براثن الكارثة، وكيف آمن بإسرائيل القوية، لكن الأيام ورفضه أن يدمن على الخوف غيّروه، خاصة بعد مئة يوم من الحرب على غزة. سألني عن أحلامي ومخاوفي فحدثته عنها، ووجد أنها من جنس أحلامه، وأن خوفي أكبر من خوفه، وكذلك قلقي على مستقبلنا هنا. كان قلقا حتى الغضب من صعود القوى الدينية المسيانية الصهيونية المتزمتة، وائتلافها مع القوى القومية الراديكالة الفاشية، فهم لا يعرفون إلا لغة القوة ويربّون أتباعهم على مشاعر التفوّق العرقي والديني وعدم قبول الآخر. يخيفه أن القوى اليسارية والعلمانية والتقدمية قد فقدت قوتها داخل المجتمع الإسرائيلي وأن الحيزات العامة باتت تحت سيطرة الغوغائيين والفاشيين. سألني إذا كان خوفه وخوف اليهود أمثاله يهمني أو يعني أي شيء لي فقلت: بلى وقرأت أمامه ما كتبته مرة في مقالة تحدثت فيها عن «حقنا وخوفهم» وأضفت أنني ما زلت أومن بأن مسألة انتشار الخوف بين المواطنين اليهود هي قضية يجب أن تهمنا، وأنّ علينا أن نواجهها كي نحيّدها بجرأة وبنجاعة وبصلابة. وافقنا على أن البداية يجب أن تكون في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفي تبني نهج ديمقراطي صحيح تجاه المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل؛ فمن دون ذلك سيستمر المجتمع اليهودي في تغوّله والمجتمع العربي بالتقهقر والهرولة نحو الهاوية ويتيه شبابه أكثر ويفعلون مثلما يؤمرون أن يفعلوا، فبعضهم سيرفع رأسه لأنه مسلم، وآخر سيفعل المثل لأنه مسيحي وثالث لأنه درزي، في وضع تبخر فيه اليسار وباتت مجتمعاتنا تحيا دون كوابح واقية، وتعاني من حالة انهيار في عالم القيم التي تربينا عليها.
اتفقنا، ونحن أكثر من اثنين، على ضرورة العمل من أجل تغيير الواقع فبدّدنا للحظات خوفنا وتجرّعنا نقطتين من الأمل.
كاتب فلسطيني

 

 

هل يُشرق العدل

 في هاغ أم يَشرق؟

جواد بولس

 

أثار قرار بنيامين نتنياهو بتعيين رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية السابق أهرون باراك، قايا يمثل إسرائيل ضمن هيئة محكمة العدل الدولية، ردود فعل متباينة في الرأي العام الإسرائيلي؛ لاسيّما بعد أن كان باراك يعتبر من جانب معظم وزراء حكومة نتنياهو وأبواقهم في الحركات اليمينية الصهيونية المتدينة، والقومية المتطرفة، أكبر عدو لهم، وأخطر من عمل ضد مصالحهم السياسية من خلال مناصبه الرسمية الكثيرة وأهمها، رئاسة المحكمة العليا في الفترة الممتدة بين عامي 1995- 2006.

ليس من الصعب التكهن ماذا سيكون موقف أهرون باراك حيال الدعوى المرفوعة على دولته؛ فقد وافق على تعيينه كي يدافع عن إسرائيله التي يخشى عليها من الزوال

لم يكن القرار متوقعا؛ وليس أقل منه غرابة كان قبول باراك نفسه لهذا التعيين. وإذا ما تخطينا أثر المفاجأة التي أثارها المشهد في بداياته سنجد، كما أجمع أهل النخبة داخل اسرائيل، من سياسيين وأكاديميين قانونيين وغيرهم، أن قرار نتنياهو يعتبر خطوة ذكية لأبعد الحدود، ليس بسبب ما يحظى به أهرون باراك من مكانة علمية مرموقة في المجتمعات الأكاديمية العالمية، والمحافل القضائية الدولية وحسب، بل لأنه، بقبوله هذه المهمة، سيتحمل مسؤولية إنقاذ إسرائيل وتبرئتها من تهمة اقترافها جرائم حرب والإبادة الجماعية؛ فإذا نجح سيحسب ذلك لصالحه طبعا. بيد أن لنتنياهو سيكون الفضل الأهم، لإنه ترفّع عن كل الخلافات التي كانت مع وعلى باراك، وقرر اختياره الرجل المناسب في الدفاع عن إسرائيل، وإذا فشل سيكون باراك نفسه المسؤول عن فشله، فنتنياهو اختار الأفضل، لكن «العالم» بقي، كما كان، «معاديا لإسرائيل التي كانت وبقيت ضحية هذا العالم المنحاز ضدها بلاساميته المعهودة». لا يوجد متسع في هذه العجالة، للكتابة عن دور المحكمة العليا الإسرائيلية في «تبييض» سلطة إسرائيل على الأراضي المحتلة، وتمكين حكوماتها من تنفيذ ما يسمى «ضم الأراضي الزاحف»، باعتبارها أراضي «مدارة» حينا، أو أراضي «متنازعا عليها» حينا آخر، أو الاكتفاء بوصفها بكلمة «المنطقة»، أو أخيرا بتسميتها مناطق «يهودا والسامرة»، واعتبار ما كانت تقرره حكوماتها ويقوم به جيشها من عمليات عدائية، أعمالا «معقولة» دستوريا، وفق معايير «تضارب المصالح» الخاصة بالمواطنين الإسرائيليين، ومصالح إسرائيل الأمنية وكدولة مسؤولة عن «إدارة» تلك المناطق وحماية مصالح مواطنيها، الذين انتقلوا كمستعمرين بتلك المناطق وتحولوا، بعرف قاموس المحكمة العليا، من معتدين، حسب القوانين الدولية، إلى مستوطنين، فإلى مجرد سكان عاديين أصحاب حقوق ومصالح. ومن دون أن ندخل في جميع التفاصيل ومسؤولية القاضي أهرون باراك، ومن سبقه في رئاسة المحكمة العليا، القاضي مئير شمغار، على مراحل ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي، يمكنني أن أشير إلى إنجازهما الأكبر في تحييد علاقة القوانين والأعراف الدولية بما مارسته إسرائيل وتمارسه كدولة محتلة وإحلال قواعد القضاء الإسرائيلية الإدارية، مثل حجة» المعقولية» و»حجة الأمن» «والنسبية»، بين الفعل والضرر المتوقع منه، وغيرها من المعايير المتبعة لقياس قرارات حكومات الاحتلال وممارساته. لم تغب أهمية دور المحكمة العليا الإسرائيلية حيال ممارسات الاحتلال عن ذهن القاضي باراك، ولا عن تأثيرها على حماية إسرائيل أمام المحافل الدولية، وهو لم يجد حرجا في توضيح هذه المهمة عندما سئل، بعد عامين من تقاعده، عن حق المحكمة العليا بمراقبة ونقد جميع قرارات الحكومة ومؤسساتها. فعندما سئل ما إذا كان موضوع الحصار المفروض على غزة يندرج تحت هذه السلطة (مقابلة مع الصحافي اريه شبيط في جريدة هآرتس بتاريخ 2008/4/9) أجاب: «كل شؤون الضفة وغزة خاضعة لسلطة التقاضي. تستطيع المحكمة مساءلة ونقد الشؤون العسكرية في المناطق. هل يمكن قطع الكهرباء عن غزة، خاضع لمساءلة القضاء. لماذا؟ بسبب وجود قانون دولي. فإذا كانت مسألة قطع الكهرباء عن غزة غير قابلة لمساءلة القضاء عندنا، ستكون قابلة للمساءلة في محكمة هاغ. قائد أركان يقرر قطع الكهرباء عن غزة سيحاكم في هاغ، فهناك تعتبر هذه مخالفة جنائية، ولذلك هذه قضية قابلة للمساءلة عندنا. هكذا في هذه المسألة وهكذا أيضا في مسائل الاستيطان. فإذا أخذت أراض من الفلسطينيين سيكون الأمر خاضعا للمساءلة القضائية هنا. المحكمة لن تقرر كيف يدير الجيش معركته، ولكن إذا وقعت إصابات بين المدنيين، على المحكمة أن تقرر إذا كان استعمال السلاح قد تم وفق القانون الدولي الملزم لإسرائيل. الجيش متخصص بالحرب، بينما المحكمة متخصصة بفحص «نسبية» الإصابات الناتجة عن العملية العسكرية مقابل حقوق الإنسان. نحن نعيش مع إرهاب مستمر، ومع تهديد مستمر وفي وضع قانوني معقد في المناطق؛ ولذلك بنينا أرضية «أكاديمية» تسمح بوجود قدر معقول من حقوق الإنسان لوقت طويل، وكذلك في حالات الأزمات. يمكننا أن نحصل على هذا الإنجاز فقط إذا كانت لدينا محكمة ناشطة، وفقط إذا نجحت المحكمة بالتوصل إلى حالة توازن بين مركبي الأمن، وحقوق الإنسان ضمن القانون، ومن خلال تبني مفهوم يقضي بأن المحكمة، وفقط المحكمة، هي التي تقرر ما هو قابل للتقاضي وما ليس كذلك». هكذا فهم باراك وزملاؤه القضاة دورهم المتواطئ مع الاحتلال وطبقوه على أرض الواقع؛ فهل سيساعده هذا الفهم أمام محكمة العدل الدولية؟
حاول القاضي باراك الابتعاد عن الصحافة، بعد تقاعده، لكنه وافق بعد عام تقريبا من مقابلته المذكورة، على مقابلة الصحافيين، زئيف سيغل وأريئيل بن دور، من جريدة «هآرتس» بتاريخ 2009/5/27، وأدلى أمامهما، بتصريحات من شأنها أن تكشف أكثر عن شخصيته، وبماذا تأثر خلال حياته المهنية. ففي إحدى إجاباته يصف لقاء تم بينه وبين الرئيس الأمريكي كارتر، نقل فيه كارتر لباراك شكوى بلدية بيت لحم من ممارسات الاحتلال، وفي معرض إجاباته يصارح الصحافيين ويقول: «كنت أفكر لسنين عديدة وما زلت أفكر بأن هدم البيوت هو أمر غير صحيح وليس جيدا. ليس علينا أن نتصرف هكذا. لا توجد اية فائدة من وراء هذا العمل. ولكنني شعرت كقاض بأنني لا أملك حرية الرأي في هذه المسألة. من الجائز أنني كنت على خطأ، لكنني شعرت بأنني لا أملك حرية الرأي لأعلن أن السلطة التنفيذية لا تستطيع هدم بيت.. لقد تغيرتُ في هذه المسألة».
لم يكن هذا الاعتراف الوحيد الذي أعرب عنه القاضي باراك في مقابلاته، فمثله أعلن أنهم أخطأوا كقضاة عندما أجازوا اعتقال بعض الفلسطينيين إداريا، مع علمهم بعدم وجود أي خطر أمني منهم، وقرروا إبقاءهم في الأسر فقط لتزويد الطرف الإسرائيلي بورقة ضغط في عمليات تبادل الأسرى، أما عن كونه ناجيا من براثن الكارثة فقال: «لقد أثّرت الكارثة على تفكيري كطفل ابن خمسة أعوام.. كان التأثير باتجاه أهمية إقامة دولة إسرائيل.. من هنا أيضا الأهمية الكبرى لأمن إسرائيل وللصهيونية. كل هذه الأمور تشكل مركبات أساسية في طريقة تفكيري».
بعد هذه المقابلة بأقل من عام التقيت القاضي باراك في جنازة أحد زملائنا من المحامين اليهود. كنا ننتظر، أنا وهو ومحام عربي صديق، وصول موكب الجنازة أرض المقبرة، فاقتربت منا رئيسة المحكمة العليا حينها دوريت بينيش، وبادرتني معاتبة وشاكية عليّ بسبب مضمون مقالة كنت قد نشرتها ووجهتها إليها ولقضاة المحكمة العليا، كرسالة مفتوحة، وطالبتهم فيها بالصحوة وحذرتهم قبل أن يصبحوا هم في القريب ضحايا الفاشية المتنامية داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة. سمعها باراك وقال مبتسما: «اسمعي ما قاله جواد، فمن المهم أن نقرأ صورة ما يجري في البلاد. الخطر على الديمقراطية حقيقي». كان ذلك في مطلع عام 2011 عندما وقف باراك والمحكمة العليا في عين العاصفة وحاول أن يدافع عن سلطة القانون، وعن استقلال القضاء، وعن مكانة المحكمة العليا وعن الديمقراطية. سمعته وحزنت، فكيف لفقيه مثله أن يعتقد أن إسرائيله تستطيع أن تكون ديمقراطية وهي تزرع القمع في عرى الاحتلال؟ مضت السنون ووقع غير المحسوب في السابع من أكتوبر.
ليس من الصعب أن نتكهن ماذا سيكون موقف باراك حيال الدعوى الحالية المرفوعة على دولته؛ فقد وافق على تعيينه كي يدافع عن إسرائيله التي يخشى عليها من الزوال، ولا يريد أن يمس مستقبلها بأذى قاتل. لقد وافق على ذلك وهو يعلم أن بعض الاسرائيليين نصحوه بألا يقبل هذه المهمة، أو على الأقل، إذا قبلها، فإنهم يأملون منه أن يوافق في هاغ بداية على وقف الحرب فورا، كي يكون بعدها للعدالة حديث وموقف وكي تبقى إسرائيله، كما يريد، بيته وبيت أبنائه الآمن.
كاتب فلسطيني

 

 

 

)حجة المعقولية( حد

فاصل بين إسرائيلتين

جواد بولس

 

أصدرت محكمة العدل العليا الإسرائيلية مساء يوم الاثنين الفائت قرارا ألغت بموجبه تعديلا على «قانون أساس القضاء الإسرائيلي»، كانت الكنيست قد أقرته في شهر يوليو المنصرم، منعت بمقتضاه القضاة، خاصة قضاة المحكمة العليا، من التدخل في «معقولية « أي قرار تتخذه الحكومة، أو رئيس الحكومة، أو أي وزير من وزرائها. وكما جاء في التعديل المذكور، يشمل هذا المنع حجب سلطة القضاة عن إمكانية إلغاء أي قرار إداري يتخذه هؤلاء، حتى لو كان في عرف «العدل والقانون» مجحفا، أو حجب سلطتهم بإلزام هؤلاء بتنفيذ أي قرار إداري لم يتخذوه، حتى لو كان عليهم في عرف «العدل والقانون» اتخاذه.
يشكل قرار المحكمة سابقة في تاريخ القضاء الإسرائيلي، لا بسبب تبعاته القانونية المستقبلية، وتأثيره المأمول على توازن القوى بين سلطات الحكم الثلاث في إسرائيل وحسب، بل لدوره المحتمل في عرقلة خطة الانقلاب القضائي، التي باشر بتنفيذها أقطاب حكومة بنيامين نتنياهو بعد الانتخابات الأخيرة مباشرة. أقول عرقلة هذه المساعي وليس إفشالها بالتمام.
في إشارة لأهمية الحدث قررت رئيسة المحكمة القاضية إستر حيوت، عقد جلسة في الثاني عشر من سبتمبر المنصرم، بمشاركة كامل هيئتها وعددهم خمسة عشر قاضيا وقاضية. وقررت نقل وقائع المناقشات على الهواء مباشرة، وإتاحة مشاهدة مجرياتها لكل راغب ومهتم، سواء داخل إسرائيل أو خارجها. وللتذكير بأهمية القضية، علينا أن نرجع إلى تداعيات الأسابيع الأولى من عمل حكومة نتنياهو وعزمها أولا، على ضرورة تقليص دور المحكمة العليا، كسلطة قضائية لها حق مراقبة عمل وقرارات السلطتين، التشريعية والتنفيذية، وثانيا، على تغيير طريقة انتخاب القضاة والتحكم في هوية القضاة المنتخبين، من خلال سيطرة الحكومة على لجنة تعيين القضاة. وفي سبيل تأمين الهدف الأول بادرت الحكومة إلى إدخال التعديل المذكور على «قانون أساس القضاء» فأقرته الكنيست برفقة حملة تهديد واضحة، ادّعت حسبها بعدم وجود سلطة لقضاة المحكمة تخولهم مناقشة تعديل القانون، لأنه يحمل صفة «قانون أساس» ما يضعه فوق سلطة انتقاد المحكمة. قوانين الأساس في إسرائيل، بخلاف القوانين العادية، عبارة عن مجموعة من التشريعات، التي بدأت الكنيست في سنها منذ عام 1958، بهدف تحويلها تدريجيا عبر السنين إلى ما يشبه الدستور الإسرائيلي. لن أشغل القراء بالتفاصيل القضائية الدقيقة حول مكانة هذه القوانين في منظومة التشريعات الإسرائيلية وموقف المحاكم حيالها؛ ولكن يكفي أن نعرف أن العقبة الأولى التي كان على القضاة مواجهتها كانت جوهرية مبدئية، وتمحورت حول السؤال ما إذا كانت المحكمة تملك سلطة تخوّلها مراجعة ونقد القوانين الأساسية، أو أي من بنودها؟ ثم إذا كان موقف المحكمة إيجابيا إزاء هذه المسألة، يأتي دورها لتقرر إجازة التعديل المجرى على قانون أساس القضاء، أو إبطاله. جاء موقف الحكومة والكنيست طبعا حيال المسألتين متوقعا، فنفت وجود سلطة للمحكمة العليا تخولها مراجعة ونقد أي قانون اساس، وكذلك بعدم وجود سلطة للقضاة تمكنهم من مراجعة ونقد التعديل المذكور لأن الكنيست، وهي ممثلة الشعب، أجازته بأغلبية كافية لإضفاء الشرعية عليه. فتدخّل المحكمة وإلغاء قرار السلطة التشريعية يحوّل المحكمة عمليا إلى سلطة عليا تقف فوق الحكومة وفوق الكنيست، وهذا أمر لا يجوز في نظام «ديمقراطي» يعتمد آلية الانتخابات كوسيلة لفرز سلطات الحكم.

الفلسطينيين المواطنون في إسرائيل، أول من سيدفع ثمنا باهظا جراء تحييد دور المحكمة العليا وتجريدها من سلطة مراجعة ونقد معقولية قرارات الحكومة ومؤسساتها

رفضت هيئة المحكمة ادعاءات الحكومة والكنيست وأقر اثنا عشر قاضيا حق المحكمة بمراجعة جميع القوانين ونقدها وبضمنها، بشروط معينة، قوانين الأساس؛ بينما عارض هذا الرأي ثلاثة قضاة. أما بخصوص تعديل القانون فقد قبل ثمانية قضاة الالتماسات المرفوعة ضده، وقرروا إلغاءه وإعادة المكانة والاعتبار لحجة المعقولية كأداة رقابية قضائية يجب أن تخضع لميزانها جميع القرارات الإدارية الحكومية والوزارية والسلطوية، وتخضع لها كذلك نصوص القوانين جميعها. لجأ القضاة في تعليل قرارهم إلى ضرورة المحافظة على مبدأ فصل السلطات في الدولة السليمة، وإبقاء حالة التكامل والتوازن بينها، وقرروا في حالة حرمانهم من نقد القوانين وإلغاء حجة المعقولية، لن تبقى في الدولة أية سلطة تقوم بمهمة الرقابة على قرارات الكنيست والحكومة ومؤسساتها، من اجل حماية المواطن من تعسف أجهزة الدولة، والمحافظة على حقوق المواطنين الأساسية. وحذر القضاة انه في غياب سلطة الرقابة المذكورة سوف تتحول الدولة إلى ديكتاتورية تحكمها الأكثرية بقدرة مطلقة؛ وعليه أشاروا إلى أهمية الحفاظ على سلطة القانون كسلطة عليا يُخشى أن تداس إذا استثمرت الأكثرية المنتخبة قوتها المطلقة في الكنيست، وبدأت بصرفها كقرارات نفعية لا تخضع لأية رقابة، كما كان سيحدث لو نجح أصحاب الانقلاب القضائي بمخططهم.
قد يتساءل البعض عن أهمية كتابتي عن هذا القرار، في زمن لا يرى فيه معظم القراء إسرائيل إلا آلة حرب متوحشة منفلتة، ينفذ جيشها أبشع حرب على الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة أيضا. وقد لا يعني هذا القرار شيئا للبعيدين عن عالمنا، نحن الذين سنبقى في القفص الإسرائيلي بعد انتهاء الحرب على غزة، وأخص أولئك الذين يعيشون في دول العالم الثالث والرابع التي لا تعرف فضاءاتها معنى الديمقراطية البرلمانية الغربية/ الانتخابية، ولا مكانة الحقوق الدستورية الفردية أو الجماعية، أو ليس فيها أي دور للقضاء في الدفاع عن حقوق المواطنين الأساسية أو في إلغاء أي قوانين سلطانية جائرة، أو إرادات ملكية هوائية سامية. قرار المحكمة يهمنا نحن، المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، لأنه قد يؤدي إلى إفشال الانقلاب القضائي الخطير المخطط، ولو مؤقتا؛ فنحن كفلسطينيين مواطنين في إسرائيل، أول من سيدفع ثمنا باهظا جراء تحييد دور المحكمة العليا وتجريدها من سلطة مراجعة ونقد معقولية قرارات الحكومة ومؤسساتها بحقنا، في واقع اسرائيلي جديد سيتحول فيه، كما بدأنا نشعر، التنكيل العلني بنا وملاحقتنا من قبل أجهزة الدولة نهجا «قانونيا» معتمدا، لا مجرد معاناة جراء سياسات حكومية عنصرية كانت تضبطها أحيانا كوابح قضائية هشة، كما كان في زمن الحكومات السابقة قبل صعود اليمين المؤمن بفوقيته اليهودية التوراتية.
لا توجد أية ضمانة أن يوقف هذا القرار الزحف اليميني الأهوج الذي انعكست قوته الخرقاء في نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، بل تنذر معظم المؤشرات السياسية والاجتماعية القائمة، بأن الآتي سيكون علينا أسوأ. مع هذا فقد يتحول القرار، إذا حصلت متغيرات سياسية مستقبلية، إلى ناقوس يدق على أبواب مجتمع يهودي مرهق بدأت قبل السابع من أكتوبر، بعض مكوناته تشعر بالخطر على معاني وجودها في دولة مختلفة عن تلك التي كانوا يحلمون بها. لا توجد ضمادات تقينا من نيران المستقبل، إلا تلك التي نخيطها نحن بمسلاتنا، ولا دروع واقية غير التي نسبكها في محاددنا؛ لكننا نعرف، من تجاربنا، أن التاريخ لن يتوقف عند السابع من أكتوبر، كما أنه لم يبدأ به، ونعرف كذلك أن العدل لم يبدأ مع قرار المحكمة العليا، كما أنه لن ينتهي به، لكنه يبقى قرارا لافتا، رغم محدودية تأثيره المباشر علينا، ففي سطوره سنجد الإسرائيلتين، تلك التي تفتش عن خلاص دنيوي يحيا في ذاكرة الضحية، والثانية موقنة بأن خلاصها مقدر لها لا محالة فهو وعد إلهي لا يقايض ولا يبارز.
القضية، إذن لا تتوقف عند حجة المعقولية وأهميتها في نظام حكم يصر دهاقنته على أنهم يستمدون قوتهم وحقهم مباشرة من الرب، ولا تتوقف عند سلطة «محكمة عدل عليا» لم تنصفنا حين كنا أمامها نحن الضحايا. صحا قضاتها ليجدوا سلطتهم تحت نعال جيوش الرب، فأفاقوا لينهروا غفاة البشر، عساهم ينزلون من شرفة السماء إلى وحل الأرض. القضية مدفونة في هذه التفاصيل جميعها وأكثر؛ فحياتنا، كمواطنين تقف على قرن الزمن، بوجود هذا القرار أفضل لأننا، بخلاف من عاشوا في الزبد أو وفق طبائع الاستبداد، نفتش عن حريتنا في حقول خاننا نواطيرها ذات صيف.
لن يضمن لنا قرار المحكمة وحده مستقبلا واعدا في دولة يغرق مجتمعها في مشاعر الخوف والعنصرية، واعتبارنا أعداء للدولة، لكنه قرار شكّل، في توقيته وحيثياته وتأثيره المحتمل على تداعيات المستقبل، ومضة بارزة في ليل فاحم ثقيل.
يسأل بعض العالم ماذا بعد الحرب في غزة وبعد قرار المحكمة؟ أما غزة وحدها لا تسأل إلا عن قمر يلملم الليل عن عيون أطفالها الخائفة وتعرف ألا بعد ولا قبل، لأن الموت وحده صار في غزة أزلا ورمز «معقولية» هذا العالم المجرم.
كاتب فلسطيني

 

 

ميلاد تحت الركام…

ليس بالدين وحده يحيا البشر

جواد بولس

 

سقطت يوم الثلاثاء الفائت قذيفة صاروخية في منطقة قريبة جدا من مبنى كنيسة قرية أقرث المهجّرة الواقعة في أعالي الجليل الغربي، والقريبة من الحدود اللبنانية. نقلت الأخبار أن الصاروخ الذي أطلق من داخل الأرض اللبنانية أصاب الكنيسة وتسبب بأضرار جسيمة، وان أحد ابناء الكنيسة، الذي تصادف وجوده في ساحاتها، أصيب بشكل خطير. قامت بعض المنصات الإخبارية الاسرائيلية بنقل الخبر بسرعة فائقة وكأنها تريد أن تسجّل نقطة في حربها اعلامية بحق «حزب الله»؛ ففي نهاية المطاف، هكذا ستكون الدعاية، في الحرب كل احتمال جائز الوقوع، إما عمدا، وإما عن طريق الخطأ.

حاولت بعض المجموعات الهامشية الاعتراض على قرار الكنائس المحلية في القرى والمدن العربية باقتصار احتفالات العيد على الطقوس الكنسية الدينية، ولكن، كما كانت بيت لحم أختا لغزة كانت الناصرة أختا لبيت لحم ففشل جميع هؤلاء

بعد ساعات من وقوع الحادثة اتضحت الصورة؛ وتبيّن أن الكنيسة لم تصب بشكل مباشر، بل إن بعض الأضرار وقعت في محيطها الخارجي نتيجة للصدمة الارتدادية التي سببتها القذيفة، وتبين كذلك أن عددا من الجنود، الذين كانوا في الموقع، أصيبوا وأصيب، أيضا، المواطن حنا ناصر، ابن قرية أقرث، المواظب على زيارة بقاياها وكنيستها الصامدة، مرتين في الأسبوع، رغم اجتيازه الثمانين عاما من عمر الوجع. خيّب الموت آمال مهندسي الدعاية الإسرائيلية، فلم يمت حنا المسيحي والكنيسة سلمت ولم تصل، هذه المرة، نيران الصاروخ اللبناني إلى حرج حزب الله وبقيت اسرائيل وحدها في هذه الحرب هدّامة الكنائس. وقعت هذه الحادثة والعالم المسيحي يحتفل بحلول عيد الميلاد، حيث كانت عيون أهل المعمورة كلها متجهة نحو فلسطين، صاحبة هذا العيد، ونحو كنائسها ورعاياها الفلسطينيين المسيحيين. كل الناس يتطلعون نحو كمشة العرب المسيحيين الباقية في وطنها، والبعض يشكك في نظافة مواقفهم. وقفت إسرائيل تنتظر عرسها في ساحات الشقاق، بيد أن بيت لحم بقيت اختا لغزة، واختارت أن تصلي لطفلها، يسوع، وهو تحت الحطام، الذي كان وبقي حطام قيم البشر الفاسدين. لم يكن أي خيار آخر أمام رؤساء الكنائس المقيمين في القدس إلا أن يعلنوا مبكرا عن «إلغاء جميع الفعاليات الاحتفالية المخططة لعيد الميلاد المجيد لهذا العام، واقتصار الاحتفالات على الصلوات والطقوس الكنسية الدينية، في ظل العدوان على غزة والضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر». لا شك بأن هول المشاهد المريعة التي نقلتها شاشات الأخبار، كانت السبب المباشر وراء موقف الكنائس المذكور، لكنني أعتقد أنه إلى جانب الدافع الإنساني المذكور، لم يستطع هؤلاء الرؤساء الكنسيين والبطاركة تغييب دور ومكانة رعايا كنائسهم المسيحيين، رغم أعدادهم القليلة في فلسطين وداخل إسرائيل، فهؤلاء الرعايا هم أصل المسيحية في هذه البلاد وهم من يسبغون الشرعية على مسيحية المستعمرين، فالأصل والفصل كانا وما زالا فلسطينيين.
إنها واحدة من المحطات التاريخية النادرة في العصر الحديث، عصر ما بعد استعمار الكنائس المشرقية من قبل الدول الغربية، التي يضطر فيها رؤساء معظم كنائس المستعمرين في فلسطين إلى اتخاذ قرار متطرف وغير عادي، وفق منطقهم اللاهوتي والتسيّدي السائد، إذ افضى في النهاية إلى التعاطي مع «الميلاد» ومعانيه الموروثة، وهي مقرونة بمعاني الموت والفداء والقيامة. فميلاد المسيح هذا العام تم تحت التراب وبين الركام، وتحديدا في غزة، وهي حالة مجازية فريدة في حياة المؤمنين بالمسيح، الذين طفق بعضهم يسائلون ربهم، لماذا ترك غزة، ولماذا يحجب وجهه عن غزة؟
إنها أسئلة كبيرة لا يستطيع أن يسألها إلا المؤمن الحقيقي، الثائر على طريقة سيده يسوع، ومثل هؤلاء كثر قد ولدوا في فلسطين، وجدت من بينهم القس منذر إسحق، راعي كنيسة الميلاد اللوثرية في بيت لحم. كنت أتمنى أن أنقل لكم خطبته في العيد بمعانيها المؤثرة واللافتة ولما فيها من روح لاهوتية شرقية مسيحية وطنية، يغفلها العالم الغربي، عمدا واستعلاءً؛ ولا تحظى بتقدير العالمين، العربي والإسلامي، جهلاً وعقيدةً.
«نحن غاضبون.. نحن مكسورون» كان عنوان خطبة القس منذر وفيها يقول: «كان ينبغي أن يكون هذا وقت فرح. بدلا من ذلك، نحن في حداد. نحن خائفون»، ثم يصف ما جرى ويجري في غزة من عمليات قتل وتطهير. ثم يوجه غضبه نحو صمت رؤساء دول العالم ويتساءل: «هل يمكن أن يكون هذا مصيرنا في بيت لحم؟». لم يجب على سؤاله رغم منطقه الصحيح، لكنه، وهو يتذكر بكم العالم وصمته إزاء قتل آلاف الأطفال والأبرياء، يعلن عن انزعاجه من «صمت الله» ويخبره كيف أصبحت «في هذين الشهرين الأخيرين مزامير الرثاء رفيقا ثمينا»، وكذلك كيف بحثنا «في آلامنا وحزننا ورثائنا عن الله فوجدناه تحت الأنقاض في غزة». إن يسوع كان ضحية الإمبراطور ولم يزل وصرخ ويصرخ من تحت الركام إلهي أين أنت؟
لا أعرف مَن من بين رؤساء الكنائس والبطاركة مستعد لأن يتكلم بهذا الفهم والغضب والرجاء، وأن يعلن على الملأ إنه «لو ولد يسوع اليوم لكان قد ولد تحت الركام في غزة»، وإنه «عندما نمجد الكبرياء والغنى، يكون يسوع تحت الركام. وعندما نعتمد على القوة والجبروت والسلاح يكون يسوع تحت الركام. وعندما نبرر ونفسر ونضع نظريات لاهوتية عن قصف الأطفال، يكون يسوع تحت الركام.. يسوع تحت الركام، هذا هو مذوده. إنه مع المهمشين والمعذبين والنازحين.. هذا هو الطفل هو أملنا وإلهامنا». هكذا يكون كلام الغضب، كلام الخوف، كلام الأمل، ومن شاء فليكن هذا كلام المسيحي الفلسطيني المؤمن. فلنسأل، كما يسأل كل فلسطيني، مسيحيا كان أم مسلما: هل ممكن أن يكون هذا مصيرنا، في المثلث والنقب والجليل؟ً
بيننا من يحاول إيهامنا بأن مصيرنا كمسيحيبن داخل إسرائيل مؤمّن، وأننا لن نتأذى من أي سياسة حكومية عتيدة. يبقى هذا الكلام مجرد هراء لا أساس له وتدحضه تجربتنا وينفيه واقعنا الحالي. من يحاول بث هذه الادعاءات بين المواطنين والإصرار على أننا كمسيحيين يجب أن نتميز عن سائر أبناء شعبنا، لا يستهدف إلا زرع التفرقة ونشر الفتنة، وذلك كما حصل في بعض المواقع مؤخرا، عندما حاولت بعض المجموعات الهامشية الاعتراض على قرار الكنائس المحلية في القرى والمدن العربية باقتصار احتفالات العيد على الطقوس الكنسية الدينية، ولكن، كما كانت بيت لحم اختا لغزة كانت الناصرة اختا لبيت لحم ففشل جميع هؤلاء.
من الجائز طبعا أن يصيبنا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ما أصابنا من قبلُ، وكما سيصيب بيت لحم أو أكثر. ومن ما زال يراهن على مسيحيته الموالية، أو إسلامه الحسن، أو درزيته الطيّعة، ليقرأ مجددا قوانين الكنيست المشرعة في الأعوام الأخيرة، أو يسمع أقوال الحاخام مئير شموئيلي المنشورة في وسائل الإعلام، وفيها يحرض على الأطباء والصيادلة العرب ويتهمهم بأنهم يقومون بقتل المرضى اليهود عمدا في المستشفيات، أو بتشويههم عمدا، ويتمنى أن «تمحى أسماؤهم» وهو دعاء يهودي لموت فلان. ما يحرك عنصرية هذا الحاخام وتطرفه الخطير هي عقيدته الدينية طبعا؛ وهي المحركات ذاتها التي ستدفع سياسات حكومة إسرائيل بعد انتهاء الحرب على غزة باتجاه مواجهة مواطنيها العرب، ولن يشفع لنا سلوكنا المميز والمتعقل، ولا موقفنا ضد معركة حماس وشجبها وإدانة قتل المدنيين العزل، لن يشفع لنا ذلك فعلينا، ونحن «غاضبون ومكسورون» أن نفتش عن سبل خلاصنا قبل أن نندهش من صمت العالم ونسأل: إلهي أين انت؟
أعجبني إيمان القس منذر إسحق، الثائر المسيحي الفلسطيني، الذي وجد أمله وإلهامه بين الركام في غزة؛ وتمنيت لو أشعر مثله، لكنني لست ممن يؤمنون بأنه بالدين وحده ينجو ابن البشر. فكل إله بمؤمنيه معجب، واسألوا إن اردتم ذاك الحاخام، أو ذلك الشيخ، أو هذا الكاهن وكلهم يدعي في الإيمان، حذقا وورعا. للحظات تخيلت ماذا كان سيحصل لو أصاب الصاروخ اللبناني كنيسة أقرث وهدمها، أو أصاب حنا، حارس الأمل والعهد، وقتله. تساءلت عندها: تحت أي ركام كان سيولد يسوع الذي وجده القس منذر تحت ركام غزة؟ لقد عادت أقرث، القرية المغدورة في عام 1951، بعد قصة الصاروخ اللبناني، إلى حضن النسيان، بينما يرقد أبو ناصر، فارسها العنيد، في المستشفى ويحلم ببيادرها، التي تركها وهو في سن العاشرة، وينثر في الفضاء هواءها المخزن في صدرها آهاتٍ وعطرا. حنا الأقرثي الأصيل يعرف، هكذا أظن، أنه بالدين وحده لا ينجو الإنسان، فهو لم يذهب إلى إقرث المهجّرة كي يفتش عن يسوع تحت أي ركام.. حنا يحمل يسوع في قلبه فكرة، تماما كما يحمل فيه فكرة الوطن والايمان.

 

 

هل واجهت إسرائيل في السابع

من أكتوبر خطرا وجوديا؟

جواد بولس

 

من دون أن ينتبه الكثيرون تحوّل التساؤل أو الهاجس، الذي فرضته الدبلوماسية الأمريكية على الفضاءات السياسية الدولية والإقليمية والمحلية، حيال المرحلة التي ستعقب سقوط حكم حماس في قطاع غزة، إلى الشغل الشاغل بين معظم متابعي تداعيات الحرب، وحديث وسائل الإعلام المركزية في العالم.
لقد عنى فرض هذه المسألة، والحديث عنها في المراحل المبكرة للهجمات الاسرائيلية، إعطاء الضوء الأخضر لحكومة إسرائيل أن تفعل ما تشاء في القطاع، حتى لو اتهمها العالم باقتراف جرائم الحرب، أو بإبادة جماعية لشعب، كما يحصل فعلا في العديد من المنابر والمحافل الدولية. واليوم، مع اقتراب اليوم الثمانين على الحرب، بات واضحا أن ما اعلنته اسرائيل كهدف لحربها على غزة، وهو ضرورة القضاء على حماس، أو على قدرات حماس العسكرية والتنظيمية، لم يكن إلا حجة لحربها الشرسة الشاملة، التي بررتها لها هجمة حماس نفسها في السابع من أكتوبر.
لا أحد يستطيع أن يتكهن متى ستوقف إسرائيل هجومها الدموي؛ فرغم تزايد أعداد الضحايا بين المدنيين، ورغم الدمار الشامل الذي حل بالعديد من مناطق القطاع، لا يوجد في الأفق أي مؤشر على اقتراب انتهاء العدوان؛ بل كل الدلائل تشير إلى أن حكومة إسرائيل مستمرة، وأنها تخطط للبقاء في غزة بشكل أو بآخر. فالحديث داخل أروقة مقربة من الحكومة يدور حول عدة احتمالات، تبدأ من إعادة احتلالها للقطاع عسكريا، أو الانسحاب من معظمه بعد تدميره الشامل، مع احتفاظها بمناطق واسعة ستشكل لحدودها الجنوبية شريطا أمنيا، أو انسحابها العسكري الكامل منه، على أن تضمن فيه تشكيل «سلطة فلسطينية» تدعم «السلام»، شريطة ألا تشكلها «فصائل إرهابية» كحركة حماس، أو كالسلطة الحاكمة في رام الله، كما صرّح مؤخرا رئيس الحكومة نتنياهو. حاول نتنياهو وما زال يحاول تضليل الرأي العام، لاسيما رأي المواطنين في إسرائيل، ليس عن طريق إشغالهم بأخبار إنجازاته العسكرية في غزة وبما سيجري فيها بعد سقوط سلطة حماس وحسب، بل بإمعانه، منذ اللحظة الأولى، في تشبيه الجرائم التي ارتكبتها حماس بحق المدنيين اليهود في السابع من أكتوبر بأحداث الكارثة، وبتشديده على وصف حركة حماس «بالحركة النازية». لم تكن هذه مجرد دعاية عفوية أو تصريحات عارضة مبالغا فيها، فهو، عن سبق إصرار وفهم لما ستفضي إليه هذه السياسة الدعائية، نجح بإشاعة تلك الشعارات التضليلية وترسيخها كحقائق مقبوله في كثير من دول العالم وحكّامها، وبين المواطنين الاسرائيليين. وقد ضمن بذلك أولا، إسكات احتجاجات حركة معارضيه التي اكتسبت حتى السابع من أكتوبر قوة مد جماهيرية متنامية، وأصبحت تشكل تهديدا حقيقيا على استمرار حكمه، وثانيا مهّد لضرب غزة وحرقها كمأوى «للنازيين الجدد» من دون أن يقلق من ردّة فعل دعاة حقوق الإنسان داخل إسرائيل وخارجها، ومن محاذير القوانين الدولية. فمن سيقف مع غزة، سيكون إما خائنا، أو لاساميا، أو نازيا.

نجحت سياسة نتنياهو في بداية الحرب؛ فهبت حكومات العالم والمؤسسات الدولية لنصرة ضحايا الهجمة الحماسية، وعاضدوا إسرائيل وغفروا لها كونها دولة تحتل هؤلاء الفلسطينيين منذ خمسة وخمسين عاما وتحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية؛ بيد أن شعوب دول عديدة، رغم ما تعانيه حكوماتها من عقم سياسي وعقم إنساني، لم تحتمل صراخات هذا الكم من دماء الضحايا الأبرياء ومشاهد أشلاء الأطفال وهي «ترتاح» في أحضان أمهاتهم الهامدة، فهبوا يطالبون إسرائيل بأن توقف هذه الحرب، إذ ليس مقبولا أن تغدو إسرائيل، ضحية ذاك الزمن، كدولة محتلة جلاد الفلسطينيين، ضحية هذا الزمن. لم ينحصر هذا التغيير في الموقف إزاء ما يحصل في غزة خارج حدود إسرائيل، فقد بدأنا مؤخرا نقرأ ونسمع ونشاهد أصواتا يهودية متزايدة تنادي بضرورة وقف الحرب على غزة، ويهاجم أصحابها سياسة نتنياهو ويتهمونه باستخدام دماء ضحايا أكتوبر في دعايته لصالح سياسة حكومته في ترسيخ الاحتلال في الضفة الغربية، وإعادته إلى قطاع غزة؛ ويتهمونه، كذلك، بالتمادي في ردة فعله غير المبررة، حتى إن بعضهم وصف ما يقوم به الجيش الإسرائيلي بجرائم حرب وبتنفيذ عملية إبادة جماعية للفلسطينيين وتهجيرهم القسري للمرة الثالثة منذ عام النكبة مرورا بالنكسة إلى ما يجري بحقهم هذه الأسابيع.
لن آتي على ذكر جميع الشخصيات والمؤسسات اليهودية من داخل إسرائيل وخارجها، التي بدأت تطلق مواقفها المعارضة لسياسة نتنياهو، لكنني سأشير إلى حالتين لافتتين خصّتهما مؤخرا جريدة «هآرتس» العبرية بتقريرين قد يكونان عينتين لظاهرة آخذة بالاتساع، علينا كمواطنين فلسطينيين في إسرائيل أن نتابعها بحرص، وان نجد الفرصة للتواصل مع من يلحق بها، والوسائل لبناء جسور العمل الجبهوي الموحد معهم. كتب التقرير الأول الصحافي عوفر أديرت بتاريخ 14/12/2023 تحت العنوان اللافت «حرب المؤرخين: هل حماس هي النازيون الجدد، وهل الاعتداءات على غزة هي إبادة شعب» حيث جاء في التقرير: «يدور في الأسابيع الأخيرة نقاش قاس بين مؤرخين إسرائيليين حول أسئلة ذات صلة في الحرب في قطاع غزة. ومن بين هذه الأسئلة، مدى مسؤولية إسرائيل عن الحرب، وهل تنفذ إسرائيل ضد الفلسطينيين هناك عملية إبادة شعب؟ وهل يمكن مساواة حماس، ومذبحة السابع من أكتوبر بالكارثة؟». وجاء في التقرير أن الأستاذ عومر بارطوف وهو مؤرخ إسرائيلي مرموق، يعمل حاليا في جامعات الولايات المتحدة كمتخصص في تاريخ النازيين، يقود حملة واسعة، إلى جانب عدد من زملائه المؤرخين ضد ما يجري في غزة، ونشر مؤخرا مع زملائه رسالة مفتوحة عبّروا فيها عن استيائهم وخيبتهم من قياديين سياسيين وشخصيات عامة بارزة، يثيرون ذكرى الكارثة في مسعى لشرح الأزمة الحالية بين غزة وإسرائيل. لقد هاجم وزملاؤه في رسالتهم سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة جلعاد أردان، والرئيس بايدن ورئيس الحكومة نتنياهو بسبب لجوئهم إلى نبش ذكرى الكارثة في سياق أحداث غزة. وطالبت المجموعة بالامتناع عن تشبيه جريمة حماس بالكارثة، وتشبيه حماس بالنازيين، وأضافوا: «إن هذه التصريحات تزيد من التطرف في الخطاب السياسي وتؤدي إلى عدم أنسنة الفلسطينيين وإلى إخراج الأحداث من سياقاتها». وأضافوا: «تستعمل هذه التصريحات في هذا الصراع غير المتكافئ في غزة لتسويغ جرائم الحرب؛ فإذا كانت هذه الحرب بين «أولاد النور وأولاد الظلام» بين المتحضرين والبربريين، بين اليهود والنازيين، عندها ستصبح كل أعمال العنف مبررة بشكل مطلق بحجة منع حدوث كارثة ثانية.. فمثل هذه اللغة تدفع إسرائيل لقتل آلاف الأبرياء ولهدم ممنهج لمدن ومخيمات لاجئين وتحويل أكثرية سكان غزة إلى لاجئين».
إلى جانب هذا التقرير أوردت جريدة «هآرتس»، نقلا عن جريدة «نيويورك تايمز»، قصة عائلة يهودية أمريكية رفضت واحدة من بناتها أن تهاجر مع أبيها وأمها وأخيها من أمريكا إلى إسرائيل معلنة لهم أنها تعتقد بعدم شرعية «إقامة دولة إسرائيل لأنها قامت على فكرة تفوق اليهودية». ويؤكد التقرير اتساع مثل هذا الشرخ، القائم كشرخ بين الأجيال، داخل العائلات اليهودية في أمريكا. اعرف أن أمثال هؤلاء اليهود هم قلة، لكن، نحن بحاجة إلى بعض الأمل؛ إذ لسنا مشروع مهاجرين ولا دولة لنا غير هذه الدولة. والعالم، هذا الكائن السحري، رغم موجات التضامن التي نشهدها منه مع الفلسطينيين مؤخرا، قد يعود إلى عقمه السياسي والأخلاقي وينسى الضحية؛ والاشقاء العرب والمسلمين بحاجة أولا، قبل أن يتذكروا وجودنا، إلى أن يتفقوا على كيف تورد الأبل ومن يك راعيها ومن كبشها ومن الضحية؟ لم يبق معنا، نحن، المواطنين العرب في إسرائيل، بعد أن تخزّقت آذاننا صغارا من دردبات الطبول وهي «تدق على باب مصر» وتنعق باكية على عتبات «بغداد قلعة الأسود»، سوى رشدنا وإصرارنا، وأحرار من العالم وكمشات من يهود أمثال عومر بارطوف، محاضر التاريخ في جامعة براون، وبروفيسور عاموس جولدبرغ مدير معهد أبحاث اليهودية المعاصرة في الجامعة العبرية، والبروفيسور ألون كونفينو، مدير معهد أبحاث الكارثة وإبادة شعب والذكرى في جامعة ماستشوسيتش، والمؤرخ الأمريكي كريستوفر براونينغ، مؤلف كتاب «أشخاص عاديون» وغيرهم مما لا سعة لذكرهم في هذه العجالة. لقد جاء في الرسالة المذكورة، وعلى الملأ، من برأيهم يقترف اليوم جرائم الحرب وإبادة الشعب، ومن يقف في وجه خطر وجودي حقيقي، فعملية «السابع من أكتوبر، لم تشكل خطرا وجوديا على دولة إسرائيل». فلسطين والفلسطينيون وقضيتهم هم من يواجهون خطرا وجوديا. فإلى متى سنظل، نحن وهم، ننام على حافة خوفنا ونصحو على الريح؟
كاتب فلسطيني

 

 

بعد غزة:

من يشفينا من هذا الشلل؟

جواد بولس

هذه ليست مقالة في التاريخ ولا في علم الاجتماع، بل هي كتابة في شؤون الضمير ومتاعبه. منذ السابع من أكتوبر عشت مثل معظم الآباء في مجتمعنا العربي، محنة حقيقية في مواجهة أولادي واضطراري إلى لجم عقولهم وأفواههم ومنعهم عن التعبير جهرا عن آرائهم حيال ما يجري داخل إسرائيل وفي غزة، حتى المقبولة منها والتي كنت موافقا عليها دون تحفظ. لقد كانوا في الواقع يتفوقون عليّ في كل مناقشة بحججهم الموضوعية وبمنطقهم الإنساني السليم، لكنني كنت أنجح دائما في «ترويضهم» عن طريق استعطافهم، موظفا معي حجة الخوف عليهم من ردات فعل «الوحش» الذي في إسرائيل. لست راضيا من حالي فهم أولاد هذا العصر وأخوة «سيري» «وإنستغرام» «وتشات جي بي تي»، وحدودهم هي أحلامهم وشغفهم بالحرية الخالصة الطاهرة النقية، التي ترفض من يعذبها أو يَعقل جنونها؛ أنا مقهور من حالنا لأننا تحولنا، إلى كاتمي أصوات أولادنا في مجتمع كامل وضع على فيه كاتم الصوت الكبير.
تدخل الحرب على غزة يومها الواحد والسبعين؛ وتحافظ الحكومات والشعوب العربية والإسلامية على أنماط ردود أفعالها التي تراوح بين رتابة في إيقاعاتها الهادئة أحيانا، والمحتجة بغضب «مسؤول ومسيطر عليه» عموما، أو الصاخبة فرحا بمباهج النعمة والوفرة التي أغدق الله بها على بعض الدول العربية، فراح أهلها يقيمون بعيدا عن بحور الدم في غزة، طقوس أفراحهم على شواطئ الأحلام وفق حكمة «الخيّام» في رباعياته» واغنم من الحاضر لذاته». إنها عوالم عربية وإسلامية قديمة جديدة تقلع في فضاءات هذا العصر الذي يسيطر عليه، وفق نظرة البعض، «نظام التفاهة». لا أقول ذلك لأننا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، لسنا أبناء هذا العصر ولا نتصرف كأدواته/ مخلوقاته تماما كباقي أشقائنا العرب والمسلمين، «فصمتنا العربي» إزاء ما يحصل في منطقتنا، أكبر دليل على كوننا أبناء هذا الشرق؛ لكنّه، في الوقت نفسه، عارض لتفاقم الأزمة التي عاشها مجتمعنا العربي ويدفع اليوم ثمن فشله في مواجهتها.

لقد تطرقت مؤخرا للدوافع التي أدّت، برأيي، إلى التزام المواطنين العرب في إسرائيل وجميع قياداتهم السياسية والدينية، سياسة الصمت والتململ الموزون. لن أعيد ما كتبته في حينه، لأننا فعلا نمرّ في مرحلة حرجة وخطيرة جدا، نحتاج فيها لهذا «الصمت الراشد» أو ربما إلى هذا الخوف، الذي وصفتُه كأحد علامات نضوجنا وحكمتنا. فنحن، هكذا كتبت، «أحفاد النكبة، ونحب الحياة ومن يحبونها؛ وقد رضعنا العبرة من صدور أمهاتنا ومن دروس آبائنا والأوائل». هذا الكلام الذي كتبته صحيح، خاصة في الأجواء التي سادت إسرائيل ومواقع كثيرة في العالم، بعد هجوم السابع من أكتوبر؛ ولكن الاكتفاء بالاتكاء عليه كتعليل كان ضروريا لتبرير حالة «الشلل المؤقت» ولكنه لم يعد كافيا اليوم، والتوقف عنده والتغاضي عما تخططه حكومة إسرائيل لمستقبلنا داخل أو خارج إسرائيل هو أمر غير مقبول وغير معقول؛ إذ لا بد لمجتمع «يحب الحياة ويحب من يحبونها» أن يفتش عن طرق بديلة تأخذه نحو مستقبله الآمن ليعيش بسلام في وطنه، لا خارجه.  فهل ما زلنا مجتمعا يتمتع بهذه المقومات والقدرات أمام إسرائيل المتحورة والمتغيرة منذ عام النكبة فالنكسة حتى طوفان الأقصى؟
كنت في الحادية عشرة من عمري عندما وقعت حرب حزيران/يونيو 1967. كنت صغيرا على استيعاب ما تعنيه كلمة «النكسة»، وكبيرا مستعدا لامتصاص رحيق النشوة. أذكر أنني وأترابي عشنا أياما من فرح غير اعتيادي؛ كنا نحس به ولا نعرف سببه. كانت أحاديث الكبار حولنا قليلة وحذرة، لكنهم حاولوا أمامنا ممارسة طقوس حياتهم بروتينية طبيعية. لم نشعر كأولاد، بخوف، ولا بأنهم خائفون، لكننا كنا نشعر أنهم كانوا ينتظرون حدوث أمر كبير. حتى عندما اضطر أهلنا، حسب تعليمات الحكومة الإسرائيلية، إلى صبغ زجاج شبابيك بيتنا باللون النيلي، لم نخف، ولا عندما كانوا يتهامسون مع أصحابهم وكأنهم يتكتمون على سر رهيب. أذكر كيف كان أبي يضع راديو الترانزستور على أذنه ويقف بعيدا عنا. كان يبتسم بحذر أحيانا وأحيانا كان يعبس بكشرة مقلقة يبلع معها دخان سيجارته بشفطة واحدة ولا يتحرك. لم أر أبي بعد اليوم السادس للحرب يضع الترانزستور على أذنه، وصار يحب الصمت بلا بهجة في عينيه. فهمنا، من ثقل أنفاسه، عندما كنا نجلس معهم حول مائدة الطعام، أن ما كانوا ينتظرونه لن يأتي. انتهت الحرب فجأة وبسرعة طلقة. وعرفنا أن إسرائيل انتصرت فيها على كل العرب، وأننا صرنا منذئذ أولاد النكسة. لا أذكر أننا شعرنا بالخوف سنتها، ولا أن أهلنا خافوا؛ لكنني أذكر أن أبي وأصحابه فقدوا الشهية على الفرح، وصاروا يتصرفون وكأن حملا كبيرا وضع على صدورهم وأكاليل من شوك على هاماتهم. كانت تلك علامات المهانة والمذلة. كبرنا وصرنا نفهم أكثر ذلك الفرق بين الخيانة، والصمود والدفاع عن الكرامة والوطن. ثم وقعت حرب أكتوبر 1973، فأعادت لوجه أهلنا بعضا من النور، ومحت من قلوبنا آثار غصات دفينة. بعدها حلّ يوم الأرض 1976. انتفض المواطنون العرب دفاعا عن أرضهم وعن هويتهم وكرامتهم، كانت لديهم قيادات سياسية جسورة وحكيمة لا تهادن على ضيم ولا تغامر دفاعا عن وهم. نادوا باسم المسؤولية فهبّ الناس برسم الثقة وبدافع الحرص على مصائر أولادهم. يومها، على أرضنا، تعلمنا الفوارق بين الحرص والخوف وبين الخوف من والخوف على.
لن تكفي هذه العجالة للتوقف عند جميع المحطات التي اصطدمت على سككها قطارات المواطنين العرب بحيطان السياسة الإسرائيلية العنصرية «واسمنتها المسلح».  ففي أكتوبر عام 2000 اندلعت «هبة الأقصى»، فقتلت الشرطة الإسرائيلية 13 مواطنا عربيا من سكان إسرائيل. في أعقاب سقوط هذا العدد من الضحايا بنيران الجيش والشرطة الإسرائيلية، شكلت الحكومة «لجنة القاضي أور»، كشفت اللجنة، وقبلها الأحداث الدامية، عن عدة أسئلة وإشكالات جوهريه ووجودية حول علاقة الدولة بمواطنيها الفلسطينيين وبالعكس، ورغم خطورة الإشكالات، بقيت، للأسف، دون متابعة، لا من قبل مؤسسات الدولة ولا من قبل القيادات والمؤسسات العربية. كان من أهم ما كشفته الأحداث الدامية، أن المؤسسة الإسرائيلية مجتمعة تصرفت كأن إسرائيل موجودة في حالة حرب مع مواطنيها العرب. وتبيّن أن إسرائيل الرسمية تعتبر مواطنيها العرب أعداء فعليين لها، على ما يستبطنه هذا التعريف من سياسات يستوجب اتّباعها بحقهم مستقبلا. في هذا العام بدأ عمليا مسار المواجهة والاصطدام المحتوم بين الدولة، ومواطنيها العرب وهذا ما بدأنا نلمسه لاحقا في عدة مواجهات واعتداءات لأجهزة الأمن الإسرائيلية على المواطنين وعلى ممتلكاتهم، حتى وصلنا لمواجهات مايو 2021 وما خلّفته من هوة سحيقة بين المجتمعين العربي واليهودي. لقد بتنا نتحرك منذ عام 2000 على منزلقين؛ فإسرائيل تنزلق نحو هاوية الفاشية وتعاني من تفكك في بنى أجهزتها ومؤسساتها التاريخية وتنحو نحو «الدولة الفوضى»؛ ونحن، بالمقابل، كنا ننزلق نحو هاويتنا ونعاني من تفكك في معظم البنى القيادية، وخسارة جميع كوابحنا الضابطة. لقد هزمت قيمنا الاجتماعية واستعر العنف ورفعت الجريمة رأسها وتقدم «نظام التفاهة» ليأخذ دوره بيننا وليفرز وكلاءه الذين تمكنوا من إحكام قبضاتهم على مجتمع بات ينام خائفا ويفيق ضعيفا وهو بلا قيادة حقيقية قادرة على مواجهة واقع الدولة الفاشي الجديد من جهة، وقاصرا على مواجهة آفاته الداخلية من جهة ثانية. لقد كنا أحفاد النكبة فعشنا الخوف منها وحيّدناه؛ ثم صرنا أولاد النكسة فعرفنا المذلة.  ثم واجهنا سياسة القمع والاضطهاد الإسرائيلية بأدوات صنعناها محليا وحملناها تحت رايات قياديين أصيلين وغير مستوردين عرفوا كيف يوازنون بين الوطن والوطنية، فكسبوا ثقة أبناء شعبهم وناضلوا معهم فصمدوا. ثم جاء عام 2000 وإسرائيل القديمة تخلع جلدها وتتأهب للقاء وعود ربها، عندها في ذلك العام وبعده تبدلت الحسابات ودخلت علينا محركات جديدة، مستجلبة من عواصم العرب والغرب والعجم، فاختلت المعادلات والموازين وصارت معاني النضال ملتبسة والأفق بعيدا حتى وصلنا إلى «طوفان الأقصى» وإلى حالة يجمع فيها الجميع على أن صمتنا حكمة وخوفنا نضوج وزينة العقل، فلم يعد المنادي ينادي بالجليل ولا يصرخ الشيخ واغزتاه، ولا المفكرون يغيثون. لن أزايد على أحد، فأنا أول من كتب ودافع عن ضرورة أن نعيش كفلسطينيين «بين صمت مثالي وخوف عاقل»، لكنني كتبت بعده أيضا «ماذا بعد الحرب على غزة؟» فأنا أخشى ان تنتهي الحرب على غزة ويتحول «شللنا المؤقت» إلى شلل دائم، وسكوتنا إلى ملجأ.
فماذا بعد غزة في وقت لا السياسة وأحزابها وحركاتها الدينية القائمة قادرة على حمل المسؤولية، ولا من يمثلون «نظام التفاهة» قادرون على إخراجنا من هذا الجحيم. فهل ستأتي النجاة من جهة أصدقاء «سيري» وأبناء هذا العالم الافتراضي؟
ربما …
كاتب فلسطيني

 

 

صفقة برسم الجغرافيا،

الفلسطينية حينًا والاسلامية حينًا

 

جواد بولس

أثارت قضية شمل أسماء بعض المواطنين العرب المحتجزين في سجون إسرائيل ضمن صفقات التبادل مع حركة حماس، نقاشات ساخنة وتباينات في مواقف من تطرقوا اليها. ولقد شارك في ابداء الرأي حول هذه القضية عدة أطراف ومؤسسات، برزت منها، مواقف "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في اسرائيل"، وبعض جمعيات المجتمع المدني، واهمها ما صدر عن "عدالة - المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل" وبعض الحقوقيين والشخصيات العامة  المهتمة  بهذا الشأن .       

لقد ركّز جميع المتحدثين على خاصية الأسرى، لا سيّما الأسيرات اللاتي اعتقلتهن قوات الأمن الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر بشبهات التحريض والاخلال بالنظام، ولم تدنّ في المحاكم الاسرائيلية بعدُ؛ فحذّر مركز عدالة، من خلال تصريحات مديره، المحامي حسن جبارين، جميع الأسرى ونصحهم بكلام حاسم أن يرفضوا فرصة الافراج فهذا أمر: "ممنوع منعا باتا" كما قال وعلّل موقفه بالمخاطر التي ستلحق بهم وبمستقبلهم؛ فاسرائيل، برأيه، قد تقدم على سحب جنسيتهم بمقتضى قوانينها العنصرية، وعلى عقوبات أخرى ستعتمد على مفاهيم قادتها لمسألة "الولاء المواطنية" وما تفرضه على مواطنيها العرب من استحقاقات؛ بينما، أضاف، لن تتعدى فترة حبسهم ، في حالة ادانتهم،  مدة عام فحسب.      ثم انضم محمد بركة ، رئيس لجنة المتابعة، الى التحذير المذكور ، لكنه نصح الأسرى بأن يقوم كل واحد/ة منهم باستشارة محاميه حيال هذه المسألة، مبقيًا لكل واحد/ة منهم حرية الاختيار، بما يعنيه ذلك من تحمّلهم، كل بدوره، مسؤولية قراره. أما الحقوقيون والشخصيات الذين سئلوا عن موقفهم في هذه المسألة فلم يجمعوا على رأي موحد واختلفوا، كما كان متوقعا.  

ليس غريبًا أن يترك هذا المشهد، الذي تداعت تفاصيله في أعقاب قرار حركة حماس، حالة من الالتباس والبلبلة بين المواطنين؛ ومردّ ذلك، ببساطة، الى امتناع القيادات المزمن عن مواجهة القضية الأم رغم اهميتها، ونأيهم عن معالجة أصولها الحقيقية، واكتفائهم بالتوقف، مثل هذه المرة، عند نتائجها العارضة وحصرها في حالة الافراج المقترح عن عدد من الاسرى الذين اعتقلوا بعد تاريخ السابع من اكتوبر. وكأنه لا يوجد في سجون اسرائيل مواطنون أسرى ومدانون من فلسطينيي الداخل من المتوقع أن يشملوا في صفقات تبادل قادمة مع حركة حماس.  

يبدو أن مواجهة هذا الاشكالية وحصرها بالمواقف التي استعرضناها آنفا كان أسهل الخيارات على الجميع، ووفّر لهم بديلا عن تعريفها كمعضلة/ديليما سياسية حقيقية تستوجب، على مستوى المبدأ، مناقشة صحة مطالبة حركة حماس، أو غيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية، الافراج عن أي من المواطنين العرب في إسرائيل، المحتجزين كأسرى أمنيين في سجونها. فلا يكفي وليس من الصحيح تناول هذه القضية وفق معاييرها القانونية كما تناولوها وحسب، تاركين وراءهم فرصًا لتساؤلات عديدة. فهل التمسّك بحقيقة عدم إدانة الأسير/ة يُعدّ سببا كافيا لاتخاذ أي موقف إزاء قرار الافراج ضمن صفقات التبادل ؟ وهل إذا جاء طلب الإفراج، ضمن صفقة تبادل، أسبوعا بعد ادانتهم مثلا، لكان موقف من عارضوه قبل الادانة سيتغير ؟ وهل إذا كانت مدة الحبس المفروضة أصلاً على الأسير المطلوب المحتجز قبل السابع من اكتوبر، مدة قصيرة، او المتوقع فرضها عليه قصيرة، او الفترة المتبقية على الأسرى الذين قضوا فترات متباينة في أسرهم قصيرة ولم يتبق للافراج عنهم الا القليل ، هل في جميع هذه الحالات ستتخذ نفس المواقف؟  

حاولت في الماضي تسليط الضوء على اشكالية تأثر قاموسنا السياسي المحلي ببعض المصطلحات والحالات الوافدة علينا من ساحات المقاومة في فلسطين المحتلة، فتطرقت حينها الى ما درج البعض بيننا على تسميته "بالحركة الوطنية الأسيرة في الداخل". اليوم سأعيد طرح هواجسي حول هذا الموضوع لارتباطه باشكالية الصفقة المذكوره وكي أؤكد مجددا على أننا كمجتمع عربي في إسرائيل نعاني، أكثر من الماضي، من مخاضات معيشتنا في كنف ثنائية وجودية هوياتية ملتبسة أحياناً ومضطربة بالعادة؛ فلسنا متصالحين مع مواطنتنا العرجاء ولا موحدين على وطنية عصماء. 

 من الواضح أن لقضية تضمين أسماء أسرى مواطنين عرب في إسرائيل ضمن صفقات التبادل، أكثر من بُعد وأكثر من عامل وقد يوجد بينهم تنافر وتضارب وصدام.

ففيها البعد الفردي الخاص بكل أسير وأسيرة وما يتبعه من حقوق وواجبات وخيارات يحدّدها الأسير بنفسه وتجاه عائلته ومجتمعه، حتى يصبح هو في هذه الحالة مسؤولًا عن خياراته ومستعدًا لدفع ثمن قراراته منذ لحظة شروعه بالفعل حتى أسره وبعده. وهناك البعد القانوني الذي يتجند أصحابه للدفاع عن حرية الأسير وحماية حقوقه وإسداء النصيحة القانونية له كمواطن إسرائيلي خاضع للقوانين حتى العنصرية منها بطبيعة الحال. وهنالك البعد المجتمعي العام والمصلحة العامة التي قد يغفلها الأسير تماما أو قد لا يعطيها الأولوية في اختياراته، فعندها تصير هذه المسؤولية عهدة في حضن قيادات المجتمع ومؤسساته السياسية والقانونية والمدنية والنخبوية.   

 لا أعتقد أن تغييب النقاش السياسي حول قضية مفهوم وتبعات وجود "حركة اسيرة وطنية" في الداخل، ولا تغييبه عن قضية شمل المواطنين العرب في إسرائيل قيد صفقة مع حماس، قد وقع من أجندات قادة مجتمعنا سهوًا، بل هو دليل عن وجودهم في أزمة وتخبطهم أمام موقف حركة حماس التي يخاطب قادتها أبناء مجتمعنا من فوق رؤوس قيادييه مباشرة.   

لإسرائيل دوافعها في الموافقة على ضم بعض من مواطنيها العرب لصفقة ترعاها حماس؛ ولحركة حماس مصلحة سياسية أن تظهر كراعية لمصالح جميع الفلسطينيين، وبضمنهم المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وذلك وفق فهم الحركة لطبيعة الصراع في منطقتنا ولسعيها، كحركة سياسية إسلامية، الى التخلص من الاحتلال الإسرائيلي وإعتلاء سدة الحكم في دولة أو كيان إسلامي شامل، يعتمد قانون وحدة الجغرافيا الإسلامية.        

 لقد سوّغ معظم من أفتوا بخطورة تبعات شمل الأسيرات في صفقة حماس مواقفهم باللجوء الى قواميس القانون وبالرجوع الى فقه المنافع والأضرار العائدة على الأسرى انفسهم. وعلى النقيض منهم فقد رحّب البعض بقرار حركة  لدوافع إنسانية أو سياسية يمكن اختزالها بشعار "هكذا يكون التعبير عن وحدة الجغرافيا الفلسطينية".

"وحدة الجغرافيا الفلسطينية" شعار لافت يستحق المناقشة الجدية لما يحمله من أبعاد وجودية وتأثير على حاضرنا وعلى مستقبلنا، خاصة في ظل المتغيّرات السياسية الراهنة على الساحتين الاسرائيلية والفلسطينية، وفي ظل غياب دور القيادات التاريخية لمجتمعنا، وبسبب استشراء حالتي الضعف والتشتت داخل الأطر الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني. إن هذه  الوحدة المتخيلة كانت عمليًا وراء اطلاق المصطلح "الحركة الأسيرة في الداخل" وهي بلا شك تسمية ملتبسة، تستوجب التوقف عندها وتفكيك مغازيها. لقد توقفت عندها  في أحد مقالاتي السابقة فكتبت حينها: "تشغلني قضية استعمال وانتشار مصطلح «الحركة الأسيرة الوطنية في الداخل»، وذلك لما تعنيه هذه التسمية وتعكسه من مضمون يتعلق بمكانتنا القانونية، نحن الجماهير العربية في إسرائيل، وما هو تأثير هذه المسألة على مستقبلنا، لا سيما في عصر الحكومة المرتقبة. تحاكي هذه التسمية عمليا نظيرتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث أسس الأسرى الفلسطينيون في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، ما اصطلح على تسميته «الحركة الأسيرة الفلسطينية»... التي كان وما زال افرادها يقاومون من أجل كنس الاحتلال وإزالته عن أراضيهم المحتلة. لا أتصور أن غالبية من يردد هذه التسمية ويطلقها على مجموعة الأسرى من العرب في إسرائيل يعي حقيقة ما تعنيه وما هي انعكاساتها على ذهنيات الناشئة في المجتمع، وما يترتب عليها من مواقف سياسية خاصة بين الأحزاب والحركات التي تتبنى هذه التسمية. لقد لفتت هذه المسألة انتباهي عندما سمعت قائدا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي يتحدث في احد المحافل عن ضرورة وجود «حركة أسيرة وطنية»، تتبوأ مهامها في سبيل التحرير والاستقلال، وتكون مستعدة لدفع أغلى الأثمان والتضحية بالأنفس.لقد ترك حديثة المستمعين في حالة من التباس والبلبلة كانت ولا زالت تحتاج إلى توضيح وإلى حزم، على الأقل من قبل قادة حزبه"  لقد كان هذا صحيحا قبل اربعة اعوام وصار اليوم ملحًا. 

علينا مواجهة هذه المسائل الاشكالية بجدية وبجرأة وبمسؤولية لا عن طريق الارتجال الانفعالي أو ردّات الفعل العارضة أو بالاعتماد على اجتهادات قانونية، هي رهينة لأطرها المؤسساتية ولحريات عملها المحدودة. ولا على حساب معاناة الأسرى وحرّياتهم، وبعد مراعاة مواقف ورغبات عائلاتهم ضمن سائر المعطيات وفي سياقها العام ووفق تعقيدات واقعنا الراهن. فمواطنتنا ووطنيتنا كانتا، منذ انتهاء رحلة الهجيج الاولى، لعنتينا وبركتينا اللتين لا تنفصمان.

يتحدث البعض باسم "وحدة الجغرافيا الفلسطينية" وآخرون باسم "وحدة الجغرافيا الاسلامية" وتبقى الأكثرية صامتة رغم اننا نقف أمام حالات طارئة مفروضة على واقع إسرائيلي مأزوم الى حدّ الانفجار؛ فإذا استمرّ هذا السكوت، ستقف القيادات قريبا، والناس كذلك، أمام معاضل ومواجهات ليس من الصعب تصوّرها ..  

 

 

من لا زيتون له

فلا قبر له ولا وطن

جواد بولس

 

«رَجلٌ وخِشْفٌ في الحديقة يلعبان معا… أقول لصاحبي: من أين جاء ابن الغزال؟ يقول: جاء من السماء.. نام في قبر الغزال.. وصار لي ماضٍ صغيرٌ في المكان: رَجلٌ وخِشْفٌ في الحديقة يرقدان».
محمود درويش إلى سليمان النجّاب.
لم يسمع، على الأغلب، معظم القرّاء باسم القرية الفِلَسطينية الصغيرة «جيبيا»؛ فأسماء القرى في فِلَسطين تجيء دائما كهمزة على لسان الأثير، وترحل كمُضافة إلى أسماء شهداء سقطوا على أراضيها، أو كاسم خرافيّ لمسرح شهد ترابه آثار جريمة اقترفها جند، يعيشون في الخرافة والأساطير، بحقّ السكّان الفِلَسطينيّين الأبرياء والعزلّ. هكذا تحفر الجغرافيا في فِلَسطين، خرائط من نار ولحم وطين؛ وهكذا يتردّد التاريخ صورا من الدهشة تُحشر في صدور الناس، وتنتقل معهم أنّى حملت نعالهم كلّما نفثت «روح حضارة» الغازين نيرانها، وألقتها حمما في وجوه أطفالهم؛ حينها فقط، حينها تصير، مثلا، قرية «حوّارة» كنية للدم ومعنى مستساغا للعبث، وتصبح «ترمسعيّا والساوية وبيتين وقُصْرة» وأخواتها مجرّد مفردات للقهر المعلّق على صفحة الريح، وللخوف الذي له في فِلَسطين ألف ألف وجه، يتكاثر كالعثّ في خوذات الجنود وفي فوّهات بنادق المستوطنين.

المستوطنون نجحوا، بوسائل إرهابية، في إخافة أصحاب الأراضي، حتّى صار الفلّاحون يؤثرون عدم الاقتراب من أراضيهم والتنازل عن حقّهم في قطف زيتونهم

تعرّفنا، عندما كنّا طلّابا يساريّين جامعيّين، في منتصف سبعينيّات القرن المنصرم اسمَ قرية جيبيا لصلتها باسم أحد أبنائها البررة، القائد الشيوعيّ الفِلَسطينيّ الراحل سليمان النجّاب. كنّا نؤمن، في ذلك الزمن النضير، أن أجمل الألوان هو الأحمر؛ فالفجر أحمر والحقّ أحمر والحبّ أحمر والحرّية حمراء. وكنّا نعشق أولئك الذين «سقوا الفولاذ» ولم يخشوا «أعواد المشانق»، فأحببنا الرفاق من أين حلّوا، خصوصا المناضلين منهم، وكان ابن جيبيا واحدا منهم. لقد اعتقلت قوّات الاحتلال الإسرائيليّ سليمان النجّاب سنة 1974، وأبقته وراء القضبان مدّة عام، واجه فيها أعتى صنوف التعذيب والقمع، أسوة بمعظم الأسرى الفِلَسطينيّين، الذين كانوا معه حينها وعوملوا بالقساوة نفسها التي قامت محامية الدفاع عنهم اليهودية الشيوعية  فيليتسيا لانجر بتوثيقها، في كتابها الأوّل «بأمّ عيني». اختير سليمان النجّاب عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير الفِلَسطينية عام 1984، وركّز اهتمامه، بشكل خاصّ في نهاية عام 1987 مع انطلاقة الانتفاضة الأولى، على دعم لجان الدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان. تذكّرت هذا الجزء من تاريخ الأرض ونحن في عزّ موسم قطف ثمار الزيتون وأخباره الثقيلة ترِدُنا من كلّ قرية وناحية. فمن يتابع الأخبار سيكتشف واقعا مستفزّا وخطيرا، وأنّ المستوطنين، بمساندة جيش الاحتلال، نجحوا، بوسائل إرهابية، في إخافة أصحاب الأراضي في قرى فِلَسطينية عديدة، حتّى صار الكثيرون من هؤلاء الفلّاحين يؤثرون عدم الاقتراب من أراضيهم والتنازل عن حقّهم في قطف زيتونهم، متجنبين مواجهة سلاح المستوطنين، الذي أدّى، مؤخّرا، إلى إصابة وقتل بعض من تجرّأ على الاقتراب من أرضه متحديا عربدتهم ونيران بنادقهم. لسنا بصدد ولادة ظاهرة جديدة؛ فمنذ عدّة سنوات ونحن نشهد كيف صعّد المستوطنون، المدعومون من السياسيّين والحاخامات والجيش، هجماتهم على الفلّاحين الفِلَسطينيّين، خصوصا في مواسم قطف الزيتون؛ ونعرف، أيضا، ما هي أهداف مخطّطاتهم، بعد أن أقاموا، في سبيل تحقيقها، مجموعات منتظمة تعمل بأساليب عسكرية وتحترف مطاردة أصحاب الأراضي ميدانيّا وترهيبهم والاعتداء عليهم بشكل يوميّ، وإبعادهم عن أراضيهم والاستيلاء عليها. لم تقتصر هذه الاعتداءات على الفلّاحين خلال مواسم قطف الزيتون، بل كانوا يمارسونها بشراسة مطّردة طيلة أيّام السنة، حتّى نجحوا، أخيرا، في إجبار العديدين، كما سبق، على عدم الاقتراب من أراضيهم، أو هجرتها تماما، تحت تهديد السلاح، كما جرى في بعض المواقع السكّانية، حيث ناهز عدد هؤلاء المهجّرين، مؤخّرا، في الضفّة المحتلّة 1332 مواطنا ومواطنة. لم تتغيّر سياسة الاحتلال الإسرائيليّ التاريخية حِيال المواطنين الفِلَسطينيّين أو الأراضي الفِلَسطينية، وهي في الواقع سياسة جرّبها ومارسها المستعمرون عبر التاريخ، واعتمدت على أساليب الترغيب المعهودة، من جهة، وعلى أصناف التهديد حتّى بالقتل والقتل الفعليّ، من جهة أخرى؛ فكلّ الوسائل، وفق شرعهم، متاحة ومسموحة. ولكنّ تاريخ القمع علّمنا، أنّ مثل هذه السياسات ما كانت لتنجح لولا تضافر عدّة عوامل لصالحها، من أهمّها، في حالتنا الفِلَسطينية، نجاح المحتلّين في زرع مشاعر اليأس والخوف بين المواطنين، وهو خوف من، وخوف على: خوف من بطش نيران المستوطنين في غياب سياسة فِلَسطينية مضادّة منظّمة وممنهجة لحماية الأرض الفِلَسطينية والدفاع عنها، على الأقلّ، وفق الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وخوف البعض على خسارة مكاسبهم في غياب حالة نضالية وطنية شاملة متّفق عليها ضمن رؤية سياسية واضحة وجامعة.
مرّت السنون وتعرّفتُ جيبيا أكثر، كانت قرية صغيرة لا يتعدّى عدد سكّانها مئتي نسمة. لا تعرف أنّها موجودة إلّا إذا صرت وسط بيوتها، فهي من بعيد تبدو كبقايا معبد مخفيّ. وإذا سهوت على سناسلها لالتقاط زفرة من صدرك فستسمع وجع حجارتها المنسيّة، وستحسّ بأنّ البديهة فيها كالطبيعة حاضرة وفِلَسطينية. بيوتها فلّاحية الملامح وجميلة كبيوت العزّ العتيق، تحيطها الهضاب المزروعة بالأحراش وبكروم الزيتون. ليلها ذكّرني، أوّل ما تلحّفته ذات صيف في بيت أصدقاء لنا، بذاك المكان المسحور البعيد الذي كنت أتخيّله وأصلّي أن أجد فيه نجمتي السرمدية. في إحدى غزوات الاحتلال الشيطانية على أراضي القرى الفِلَسطينية قرّر مهندسوه وضع اليد على أراضي عائلة النجّاب وسرقتها، بحجج واهية وبأساليب غير قانونية، قمت بتمثيلهم ودافعت عن حقّهم في الأرض وأثبتناه. تمّ إنقاذ كروم الزيتون وحُرشهم الذي كان سليمان، العاشق الوسيم، يلعب فيه مع ذاك الخِشْف، ابن الغزال، كما علّمنا الدرويش الشاعر، رفيق سليمان. وهو الحُرش الذي يحتضن اليوم ضريح سليمان الذي وافته المنيّة سنة 2001.
الاحتلال لا يتعب إذا لم يجد من يُتعبه، ولا يشبع وحدَه. فجيبيا مثلها مثل باقي أخواتها تواجه منذ سنوات اعتداءات المستوطنين الذين يمنعون الفلّاحين وأصحاب الأراضي من الوصول إلى كرومهم. هذا ما أبلغني به أهل جيبيا قبل عدّة أيّام. فقد أقام بالقرب من أراضيهم بعض المستوطنين مزرعة للبقر، وصاروا يسرّحون أبقارهم للرعي في أراضي أهل جيبيا، ويهدّدون أصحاب الأراضي بالأسلحة ألّا يقتربوا منها. وقد انتشرت أخبار إطلاق النار على فلّاحين آخرين حاولوا الوصول إلى أراضيهم، رغم تهديد المستوطنين واستشهاد بعضهم في قرى كوبر وترمسعيّا والساوية وغيرها، في جميع القرى. إنّها الأخبار التي تنتشر، بسبب الظروف القائمة، في تربة خِصبة، وتولّد الخوف من بطش شلل زعران لا يتردّد أفرادها في استعمال السلاح والقتل ولا يخافون من محاسبة القضاء أو القانون أو الدولة. إنّها حالة «خوف نكبويّة» تكبر على احتمالين: الأوّل، الانفجار، وهو جائز إذا تراكم القهر والذلّ والقتل واشتدّت مشاعر اليأس والعجز. والثاني، التسليم والاضطرار إلى هجرة الزيتون، كما بدأ يحصل في عدّة مواقع. وإذا كانت شجرة الزيتون في موروثنا شجرة مقدّسة فستبقى حياة الفلّاح أقدس!
عندما توجّهت، منذ أيّام، إلى الجهات القانونية المعنيّة في قيادة جيش الاحتلال،  تبيّن من خلال الحديث معهم أنّهم على علم بتفاصيل الأزمة وحدودها في جميع أرجاء الضفّة المحتلّة، وكذلك تبيّن لي أنّهم على اطّلاع على الوضع القائم في مِنطقة جيبيا، وأنّهم يعرفون هُويّة هؤلاء المستوطنين وماهيّة نشاطاتهم. شعرت بالمماطلة، فرغم وعودهم بتمكين أهل جيبيا من الوصول إلى أراضيهم وحمايتهم بشكل تامّ من اعتداءات المستوطنين ما زلت أنتظر تحرّكهم الفعليّ.
الناس في الأراضي المحتلّة، وليس في جيبيا وحدَها، يعيشون في حالة خوف وحسرة، ويحاولون مواجهة اعتداءات الجيش والمستوطنين بعفوية وبارتجالية بدائيّتين، وبيقين أنّه بالحقّ وحدَه، مهما كان نقيّا كالزيت، لن ينجحوا في صدّ عصابات دموية لا تجد من يردّها ولا من يحاسبها، لا في داخل إسرائيل ولا في فِلَسطين ولا في العالم أجمع. لن يضيرنا لو قرأنا أنه منذ بداية هذه السنة تعرّضت الأراضي وتعرّض المواطنون في الضفّة المحتلّة إلى 2007 اعتداءات من قبل المستوطنين، وأنّه منذ بداية عملية «طوفان الأقصى» ارتقى في الضفّة 243 شهيدا، بينما وصل عدد الجرحى إلى 3000 جريح، وتمّ هدم 180 منشأة، ونُفّذت 3260 حالة اعتقال. (المعطيات وفق «مرصد شيرين»).
من يتابع هذه المعطيات ويقف على حقيقة انتشار مشاعر الخوف بين المواطنين قد يفهم لماذا قد يتنازل الناس عن زيتهم وعن زيتونهم، ويفهم مصدر كلّ هذا الصمت السائد في الضفّة رغم فداحة المشاهد الوافدة من ساحة غزّة وهولها.
القضية، إذن، هي قضية وطن، فمن لا أرض له ولا زيتون ولا زيت فلا قبر له ولا وطن.
كاتب فلسطيني

 

لحظة الانفجار باتت وشيكة…

والعرب أول ضحايا سياسة

الاضطهاد الإسرائيلية

جواد بولس

 

يشعر كل مواطن عربي في إسرائيل بارتفاع حاد في حدة التوتر القائم بين المجتمعين وبأن لحظة الانفجار باتت وشيكة، رغم درجة المسؤولية العالية التي رافقت، طيلة الأسابيع الفائتة، ردود فعل المواطنين العرب وقياداتهم وجميع مؤسساتهم الاجتماعية والسياسية، حيث اختاروا طريق الانضباط الطوعي وتحييد تأثير عواطفهم عن تداعيات الأحداث المأساوية الجارية.
لا أعتقد أن المجتمع العربي في إسرائيل منشغل، كما كان يجب أن يكون، في قضية ماذا يمكن أن يحصل لنا في هذه المرحلة، والأخطر من هذه «الغفوة» حالة التنكر لما سنواجهه مباشرة بعد انتهاء هذه المرحلة/الحرب، وخروج الجيوش من غزة ومن سكرتها، وعودتها إلى إسرائيل الكسيرة، وإلى واقعها الحقيقي، الذي ستشكل معالمه الجديدة أصداء وتذبذبات صدمة السابع من أكتوبر، وما سببته من انهيارات فيما كان يعدّ تابوهات حصينة داخل إسرائيل العظمى.
لقد لفت انتباهي استطلاع جديد نشره معهد «اكورد» الإسرائيلي قبل يومين، كنت أتمنى لو تقرأ قياداتنا خلاصاته وتستعين بما جاء فيه من معطيات ونتائج. فمع كل الحذر الذي يجب أن نتوخاه عندما نقرأ مضامين أبحاث واستطلاعات رأي تجريها المعاهد الإسرائيلية، لاسيما في هذه الأوقات الدقيقة والحساسة، سنجده معدا بمهنية واضحة وبالموضوعية المطلوبة ويعكس واقعا نعيشه، ويشعر بعضنا بخطورته التي يؤكدها البحث بأدوات مهنية. وللتوضيح، فمعهد «اكورد»، هو مؤسسة اجتماعية – أكاديمية تعمل في كنف «الجامعة العبرية» عكفت، في السنوات الأخيرة، على إجراء عدد من الاستطلاعات، التي مكنت طواقمه من مقارنة المعطيات الواردة، ومن رصد التغيرات الحاصلة داخل المجتمعات المختلفة في إسرائيل. وقد توصل الباحثون في استطلاعهم الأخير إلى أن «نسبة دعم اليهود لاستعمال العنف ضد العرب، ارتفعت بدرجة حادة جدا بعد السابع من أكتوبر»، وكذلك استنتجوا أن «الصدمة الجماعية التي أصابت المواطنين اليهود ستبقى بمثابة العامل الأساسي في هندسة شكل العلاقات بين المجموعتين لسنين عديدة». ووفقا لنتائج الاستطلاع فإن 90% من مواطني إسرائيل اليهود يتوقعون أن المواجهات العنيفة، كالتي حصلت في شهر مايو عام 2021، أو أشد منها، سوف تنفجر قريبا داخل الدولة، بينما توقع ذلك 70% من المواطنين العرب الذين استُطلعت آراؤهم. كما أكد الاستطلاع، أن منسوب الكراهية بين اليهود تجاه العرب، يزداد بشكل مطرد ومقلق، «وأن مشاعر الخوف الحقيقي، الجمعي والشخصي، تفاقمت داخل المجتمعين، وهي مشاعر تغذيها صدمات الماضي، الكارثة والنكبة». كما حذر معدو الاستطلاع من أن المجتمع اليهودي في إسرائيل يشعر بأنه يمتلك «تصريحا أخلاقيا» قد يجيز لهم قريبا في حالة وجود ما سموه «مواجهة الشر المطلق» إلى عدم التقيد بأي حدود أخلاقية، لاسيما بعد «أن تبنى المجتمعان في إسرائيل حالة الضحية، وصار الانزلاق بعدها نحو العنف سهلا». إنها رؤية آخروية مقلقة للغاية. لم نكن، نحن المواطنين العرب، ربما بحاجة إلى مثل هذا الاستطلاع كي نتعرف على حقيقة واقعنا، فيكفي لو استحضرنا موجات الملاحقات، التي طالت في الأسابيع المنصرمة العشرات من الموظفين والعمال والطلاب العرب بحجج واهية؛ ولكن، هكذا يبدو، كانت تلك البدايات وحسب، وسوف يكون الآتي أعظم وأخطر وأعنف.

سوف نبقى، نحن المواطنين العرب، كما كنا، أول ضحايا سياسة الانتقام والاضطهاد الإسرائيلية، لكننا لن نكون الوحيدين؛ فقد رأينا خلال الشهر الفائت كيف لاحقت قوات الأمن الإسرائيلية عددا من اليهود معارضي سياسة الحكومة. لقد برزت من بين هذه الملاحقات حادثة اعتقال أستاذ التاريخ الدكتور مئير بروخين، المعارض للاحتلال الإسرائيلي وللحرب على غزة. فبعد اعتقاله وجهت إليه تهمة تفيد بأنه «كشف عن قراره بالخيانة»، وتعد هذه مخالفة جنائية تصل عقوبتها إلى عشرة أعوام بالسجن الفعلي. لقد أبقت الشرطة الدكتور بروخين رهن الاعتقال مدة خمسة أيام، ثم أفرجت المحكمة عنه بعدها بشروط مقيدة، من دون تقديم لائحة اتهام بحقه. وخصصت صحيفة «هآرتس» العبرية افتتاحيتها عن قضيته يوم الثلاثاء الفائت فجاء فيها أنه: «لا يجوز أن نخطئ. لقد استعمل بروخين أداة سياسية لنقل رسالة سياسية. إن دافع اعتقاله كان الردع وإسكات كل انتقاد أو حركة احتجاج ضد السياسة الإسرائيلية. لقد دفع بروخين ثمنا شخصيا: فصله من وظيفة التدريس وخمسة أيام في السجن، دون أن يكون لذلك أي مبرر». لقد تزامنت قضية اعتقال الدكتور بروخين مع اعتقال دكتورة علم الآثار يعيل عبادي رييس بتهمة «تشويه ممتلكات» عن طريق رشها الأصباغ على بوابة وسور عضو الكنيست شالوم دنينو في مدينة عومر بالنقب، وكتابتها الرقم 1400 في إشارة إلى عدد الضحايا الإسرائيليين الذين سقطوا في السابع من أكتوبر. أخضعت الدكتورة يعيل إلى التحقيق والترهيب سئلت خلاله عن ميولها السياسية ولمن صوتت في الانتخابات الأخيرة، ثم أفرج عنها بشروط مقيدة، اشتملت على إبقائها رهن الاعتقال المنزلي. لن استعرض في هذه العجالة تفاصيل ملاحقات المواطنين العرب، التي تفوق بكثير حالات ملاحقة المواطنين اليهود، لكن تناولي للمشهد بشقيه، العربي واليهودي، يعكس ما كنا نعرفه قبل أكتوبر، وهو أننا كمواطنين فلسطينيين سوف نبقى عنوان سياسة اضطهاد الفاشية والكراهية العرقية الأول؛ لكن بعض اليهود سيجتمعون معنا في الزنازين نفسها. وقد نلحظ ذلك فيما أشار اليه الباحثون في معهد «اكورد» على أن تاريخ السابع من اكتوبر هو «حدث مؤسس مع قوة تأثير نفسي كبيرة جدا»، وأضافوا: «أن السردية المتشكلة في هذا الوقت حيال نسيج العلاقات بين اليهود والعرب داخل المجتمع الإسرائيلي قد تأخذنا إلى اتجاهين مختلفين: مواجهة داخلية شاملة أو بناء رواية جديدة مع أمل». فكيف سنجد الطريق إلى ذلك الأمل؟ بعض الجواب قد نجده في تجربتنا السياسية وبعضه في الاستطلاع المذكور؛ فبعد السابع من أكتوبر بدأوا في معهد «اكورد»، بفحص سلم العوامل التي من شأنها أن تؤدي إلى خفض دوافع اليهود في تعميم مشاعرهم العدائية تجاه كل العرب، ووجدوا أن العمل اليهودي العربي المشترك هو من أهم تلك العوامل.
لا أعرف في هذا الزمن المجنون كيف يمكن أن ننجح في بناء مثل هذه الشراكة! ربما قد نهتدي إليها بداية في مواقف أقارب بعض الضحايا الذين سقطوا في اعتداء السابع من أكتوبر الدموي، فمن المعروف أن بعض هؤلاء كانوا ناشطين من أجل السلام وضد الاحتلال، وروت قصص بعضهم الصحافية شاني ليطمان في جريدة «هآرتس» (يوم 26/10 ثم مترجمة للعربية يوم 12/11) تحت عنوان «كثيرون أخطأوا، نحن لم نخطئ». تروي الصحافية قصة يعقوبي وبيلها ينون اللذين قتلا بعد أن قصف بيتهم في كيبوتس «نتيف هعسرة» بصاروخ أدى إلى احتراق البيت وإحراقهما داخله، لقد أجاب ابنهما معوز ينون عندما سئل إذا لم يكن غاضبا، وإذا لا يريد معاقبة الذين فعلوا هذا الأمر قائلا: «أنا أفهم الغضب والإحباط، وأفهم الرغبة في الانتقام، لكنني أرى أيضا إلى أين أوصلنا هذا الانتقام خلال المئة سنه الأخيرة. لو جلس هنا الآن مسلح حماس الذي اطلق الصاروخ على منزل والديّ لتحدثت معه. كنت أود أن افهم، كنت أريد أن يراني أبكي». فرغم مصيبته كان معوز الثاكل مقتنعا على أن الحديث مع العدو أجدى من الرصاص، وأن الدموع هي مطر المستقبل الآمن. أما نيطع هايمن الناشطة في «حركة نساء يصنعن السلام» وهي من كيبوتس نير عوز، فأجابت، بعد اختطاف والدتها إلى غزة، وسؤالها إذا كانت تشعر بأنها وناشطين آخرين قد اخطأوا بشأن سكان غزة « كلا كلا على الإطلاق. لقد أخطأ من اعتقد أنهم لا يستحقون الحياة الكريمة، وبأنه يمكننا مواصلة السيطرة على شعب آخر كل هذه السنوات العديدة، دون أن يرتد هذا إلى نحورنا. أشخاص كثيرون أخطأوا نحن لم نخطئ، لو أصغوا لنساء يصنعن السلام عندما صرخن أنه حان الوقت لوضع حد نهائي لهذه المعاناة، وأن الأمر ممكن، لما وصلنا إلى هذا الوضع الذي تجلس فيه والدتي الآن لدى اشخاص هم من الوحوش! لا من بني البشر». هاتان عينتان من تقرير كبير.
أعرف أن أمثال هؤلاء هم قلة في المجتمع اليهودي، لكنني أعرف أيضا أننا معهم سنكون أقوى في وجه من يريدون إحراقنا؛ فنحن في زمن لن ينقذنا فيه «أشقاؤنا» العرب ولن يشفع لنا لا غرب ولا شرق. فمع هؤلاء قد نجد الحل؛ ومن لديه حل آخر فلينطق به الآن، في زمن الخوف. خوفنا اليوم هو حالة إنسانية طبيعية لكنه إذا طال لن يوصلنا إلى نجاتنا، وشعورنا بالمسؤولية هو واجب وحكمة، لكنها قد تصير، إذا استمرت دون عمل، وجه عجزنا الآخر. فلنفتش عن خلاصنا مع من يؤثرون أن يرى عدوهم دمعهم، وبين من عرفوا أن مواصلة السيطرة على شعب آخر سترتد نيرانا إلى نحورهم. قد ننجح.

كاتب فلسطيني

 

ليل غزة نار ودموع…

وليل الفلسطينيين طويل

جواد بولس

 

خلال مؤتمر صحافي عقده وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت يوم الأربعاء الفائت، وفي معرض إجابته على أحد الأسئلة، تطرق إلى مسألة نقل أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة لدى حكومة إسرائيل وقال: «لدولة إسرائيل يوجد دائما، خاصة في هذه الأوقات مصلحة في استقرار الأوضاع في «يهودا والسامرة» (وهو يقصد الضفة الغربية المحتلة)، ولذلك يتوجب علينا نقل الأموال إلى السلطة الفلسطينية كي تضمن عمل جهازها التنفيذي، وعمل أجهزتها التي تساعد، وفق اعتباراتها، على منع الإرهاب».
جاء رده المذكور في أعقاب مطالبة الإدارة الأمريكية بضرورة نقل الأموال فورا للسلطة الفلسطينية، وبعد إعلان وزير المالية سموتريتش ووزراء ونواب آخرين عن معارضتهم لنقلها. لم يأت طلب الإدارة الامريكية من فراغ، ولا بسبب تغيير موقفها السلبي من السلطة الفلسطينية؛ فبالتزامن مع إعلان مطالبتها لإسرائيل بتحرير الأموال، تحدثت الأنباء عن موقف مشابه تتمسك به الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، التي باتت تخشى من انفجار الأوضاع في الضفة المحتلة، ما سيسفر عن فتح جبهة مقاومة ثالثة، إلى جانب الجبهة الجنوبية في غزة، والشمالية في لبنان، وهشاشة الأوضاع داخل إسرائيل وتعقيدات العلاقات مع المواطنين العرب، التي كانت وما زالت مبعثا للقلق الإسرائيلي الدائم.
من يتابع أحوال الناس في الضفة الغربية المحتلة، سيرى أن أوضاعهم المادية المأساوية تشكل، من دون شك، أحد أسباب غضبهم المتعاظم من يوم إلى يوم، خاصة أن الإعسار المادي يترافق مع عدم وجود أي أفق لحل سياسي مقبل، ولا حتى لبداية عملية تفاوضية أيا كانت؛ فالفقر واليأس إذا اجتمعا كانا دوما مهمازَيْ الشعوب في وثباتها نحو الحرية والعيش الكريم. لا اعتقد أن مبعث الخوف الأمريكي من احتمال حدوث الانفجار في الارض المحتلة يقف عند تقاطع شارعي الفقر واليأس السياسي وحسب، فمنذ شهور عديدة دأبت الإدارة الأمريكية، على التعبير عن قلقها من ممارسات المستوطنين تجاه المواطنين الفلسطينيين، وطالبت إسرائيل بتقديم المسؤولين منهم عن تنفيذ الجرائم إلى القضاء ومحاكمتهم، حتى إن إعلامهم سرّب قبل بضعة أيام أن الرئيس بايدن طلب خلال إحدى محادثاته مع نتنياهو منع هجمات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين؛ فالمستوطنون «يزيدون الحرائق نارا»، كما ورد على لسانه؛ وأضافت تلك التسريبات، أن بايدن حذر نتنياهو من أن ارتفاع مستوى التوتر في الضفة الغربية قد يؤدي إلى تصعيد عام سيحول أزمة الحرب في غزة إلى أخطر بدرجات عما هي عليه. وقد جاءت هذه التحذيرات بعد ارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين، الذين قتلوا بنيران المستوطنين، أو عناصر الجيش في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر، وتعديها عتبة المئة شهيد؛ فضلا عن سقوط أعداد كبيرة من الجرحى وتنفيذ عدة عمليات تهجير للسكان من بعض التجمعات السكنية وعمليات تنكيل وحشي بالمواطنين، كانت تمارس بحماية الجيش وتواطؤ عناصره مع الجناة، وتنفّذ أحيانا بمصاحبة الكاميرات لتصويرها ولبثها، من دون خجل وبعنجهية، على الملأ.

أعتقد أن شيوع هذه الظاهرة التي رصدتها الجمعيات المدنية والحقوقية، وبضمنها تلك المهتمة بملف الأسرى الفلسطينيين، دفع بعض الجهات، ومنها الأمريكيون، إلى التدخل في محاولة لمنعها، لكننا نعرف أنهم وغيرهم لن ينجحوا بذلك، فالعنجهية والفاشية لا تعرفان إلا أن تكونا ذاتيهما. فوفقا لتقارير موثقة يتبين أن قوات الاحتلال قامت منذ السابع من اكتوبر باعتقال حوالي 1680 مواطنا من الضفة الغربية. وقد أفاد معتقلون محررون أنهم ضُربوا بقساوة من قبل عناصر الجيش خلال عملية الاعتقالات، وتم تخريب وتدمير محتويات بيوتهم وترهيب أهاليهم. لقد تم الإفراج عن بعضهم بعد التحقيق معهم بينما تم تحويل أكثر من 904 معتقلين منهم للاعتقال الإداري، حيث بلغ مجمل أوامر الاعتقال الإداري الصادرة منذ مطلع شهر اكتوبر 1034 أمرا، في حين بلغ عدد المعتقلين إداريا 2070 معتقلا، يحتجزون في سجون الاحتلال دون تهم ودون مواجهتهم بأية بينات، ومن غير عرضهم على محاكم ملائمة ونزيهة. لقد شملت عمليات الاعتقال كل محافظات الضفة، بينما كانت حصة محافظة الخليل هي الأكبر، فقد وصل عدد المعتقلين منها إلى 500 أسير، ثم تلتها محافظة القدس. وما زالت حملة الاعتقالات جاريه، وقد شملت اعتقال 13 نائبا في المجلس التشريعي المنتخب، و17 صحافيا و49 امرأة. لا يُجلب الأسرى إلى قاعات المحاكم، بل تتم إجراءات تمديد اعتقالهم غيابيا، من خلال عرضهم على شاشات الفيديو، ودون فرصة للقاء محاميهم، إذ منعت إسرائيل زيارة المحامين لجميع الأسرى في سجونها منذ السابع من اكتوبر. لم تأت الشكوى الأمريكية إذن بخصوص همجية تصرفات وممارسات المستوطنين وعناصر الجيش من دون سبب، ولا علامة لحسن سلوك وطيبة قلب لديهم؛ بل لشعور أمريكا أن الضفة تنام على براميل بارود، ولمعرفتهم أن «نيرون» يسكن في رأس كل مستوطن متوسّدا تعاليم يوشع.
لقد شاهدنا مؤخرا مجموعة من أفلام الفيديو التي تظهر مجموعات من جنود جيش الاحتلال، أو مجموعات من المستوطنين وهم يقومون بتعذيب مواطن فلسطيني أو مجموعة مواطنين عزل، إما أثناء اعتقالهم أو احتجازهم، أو خلال اعتراضهم على أي طريق، والاعتداء عليهم وممارستهم لأفعال مهينة للكرامة الإنسانية، مثل تعريتهم وتغطيتهم بعلم إسرائيل أو تغمية عيونهم وإجبارهم على الرقص بعلم إسرائيل وعلى إيقاعات موسيقى الأغاني العبرية، وغيرها من هذه الافعال المشينة الحقيرة، التي أنأى بنفسي عن تفصيلها. يستهدف هؤلاء المجرمون من ممارساتهم اللاإنسانية والوحشية ترهيب المواطنين الفلسطينيين من خلال ممارسة شذوذهم المرضي بدوافع الانتقام الهمجية، والإمعان العنصري بإذلال الفلسطيني الذي يجب أن يبقى عندهم ذليلا حسب وصية التوراة وتعاليم حاخاماتهم. أمريكا وغيرها في العالم يرون هذه المشاهد ويخشون، لاسيما في هذه الظروف، من نتائجها العكسية، فهي قد تفضي إلى حالة انفجار مدوية وخطيرة لا تندرج ضمن حدود التخطيط الأمريكي الحالي الذي يعطي الأولوية لما يجري في غزة وعلى الجبهة الشمالية.
ليس سرا أن الضفة الغربية تعيش حالة من الاحتقان الشديد؛ ولا يستطيع أحد أن يتكهن متى سينفجر بركانها، خاصة إذا ما اشتدت الحرب على غزة وتزايدت علامات ومسببات الحرج والتململ داخل صفوف حركة فتح تحديدا. ففتح اليوم تمر في حالة حرجة وتقف برأيي على مفترق طرق مليء بالألغام، حيث لم يعد استيعاب كوادرها وقيادييها الميدانيين لضرورة المحافظة على خيار عدم الاشتباك مع الاحتلال مفهوما وطبيعيا ومبررا، كما كان طيلة السنوات الماضية، بل بدأ هذا الشعور يتراجع داخل أوساط واسعة في صفوفها وبعضهم يصفونه تخاذلا إذا لم يكن أكثر. قد تحوّل حكومة إسرائيل أموال الفلسطينيين للسلطة في هذه الأيام، فقرصنتها منذ البداية لم تكن إلا عبارة عن عملية «زعرنة» احتلالية واستقواء على الحقوق الفلسطينية؛ لكنني لا اعتقد أن بهذا المال وحده ستهدأ أحوال الضفة كما يتمنى غالانت وبايدن؛ فدون محاربة الفقر المنتشر والمزمن ومعالجة صحيحة لمسألة العمال الفلسطينيين المستجدة بعد السابع من اكتوبر، ودون إحياء الأمل لدى عامة الناس من خلال عرض أفق سياسي تحرري وطني حقيقي، ودون لجم همجية المستوطنين أو التصدي لهم، ومع استمرار ممارسات الجيش القمعية ومسهم بكرامات الإنسان الفلسطيني الأساسية بأساليب حقيرة ومستفزة، ودون تغيير السياسة الرسمية الإسرائيلية الرامية لضرب الحركة الأسيرة وتقويض منجزاتها التاريخية، دون هذه كلها، لا أتصور أن الضفة ستبقى على سكينتها ولا أن تكون كأختها صبرا، تلك «الفتاة النائمة وليل طويل يرصد الأحلام في صبرا، وصبرا نائمة»، وتتقبل المهانات وتودع الشهداء وتزج وراء أقفاص إسمنتية، ويساق شبابها كالقطعان إلى صحارى الأمل. سيدفعون المال للضفة هذه المرة كي تبقى غزة وحدها، فهل ستبقى مدينة الأنفاق والبحر والصبر هي «بقايا الكف في جسد القتيل.. تخاف الليل، تسنده لركبتها، تغطيه بكحل عيونها. وتبكي لتلهيه»؟ وليأذن لي الدرويش.
لا أعرف كيف ستنتهي الحرب على غزة، ولكني أعرف أن ليل غزة من نار ودموع. ولا أعرف كيف سيكون الغد بعد هذا المساء الأصفر؛ ولا أعرف كيف ومتى ستصحو الضفة، أو ربما لن تصحو، بل هي الكرامة ستنتفض لنفسها وترفض أن تبقى بساطير غلاة المستوطنين على رقابها وحملة السيف يسخرون من عريها، وعليه يبولون. ولا أعرف كيف سينام الجليل والبحر والمثلث والنقب، والذئاب تحوم حول خيامنا مسعورة تعوي «وتقضقص عصلا في أسرّتها الردى». فهل سيبقى ليل الفلسطينيين طويلا طويلا. أكتب وأنا لا أعرف كل هذا، لكنني أعرف أنني أكره الحرب وأبكي كل ضحية سقطت هباء وعلى مذابح السماء الرخامية؛ وأعرف أنني أحب الحياة وبلادي والغناء والصباح والقمر.

 

 

الفلسطينيون في إسرائيل…

بين صمت «مثالي» وخوف عاقل

جواد بولس

 

لم يعد أحد في هذه الأيام داخل إسرائيل يتحدث عن الديمقراطية

ولا عمّن حاولوا الانقلاب على نظام حكمها، وأصبح كلام المواطن العربي في إسرائيل ممنوعا

 

«سهير ليالي وياما لفيت وطفت،

 وف ليلة راجع في الضلام شفت،

الخوف.. كأنه كلب سد الطريق،

 وكنت عاوز أقتله، بس خفت!

)عجبي(


صلاح جاهين

 

لم تصحُ إسرائيل بعد من صدمتها المرعبة؛ ففي جميع حروبها السابقة ومعاركها ضد العرب عامة والفلسطينيين على وجه الخصوص، لم تتلقّ مثل هذه الصفعة، لا من حيث مؤثراتها التقنية، ولا نتائجها الكارثية، سواء في عدد الضحايا الذين سقطوا في يوم واحد أو في عدد الأسرى؛ وكذلك بما قوّضته من مسلّمات كان المجتمع الإسرائيلي يعيش في ظلّها آمناً ومؤمناً وضامناً رزقه في الجنتين، تلك التي يتحكم فيها على الأرض، والأخرى التي تنتظر حكم الشعب المختار في السماء.
استحضر معظم المحللين والمعقبين أحداث حرب أكتوبر عام 1973 مع المصريين ليقارنوها بعملية اقتحام الجدار الفاصل بين غزة وإسرائيل في صباح السابع من اكتوبر الفائت، لاسيما من خلال التشديد على عنصرَي إحكام المفاجأة والقدرات العسكرية التي مكنت المصريين في حينه من عبور قناة السويس وخط دفاع «بارليف»، ومكنت عناصر حركة حماس مؤخرا من اقتحام الجدار وتعطيل جميع وسائل الإنذار الإسرائيلية.
لا يخطئ من يجري تلك المقارنة؛ بيد أن الفوارق بين سياقي الحدثين التاريخيين جوهرية وكبيرة، وكذلك هي تداعيات كل حرب منهما وتأثيرها على هندسة العلاقات الاستراتيجية بين الأطراف المشتبكة: أي بين مصر وإسرائيل بعد عام 1973 حين أفضت المفاوضات إلى إنهاء حالة الحرب بين الدولتين، وتوقيع معاهدة سلام بين إسرائيل ومصر؛ بينما قد تفضي غزوة حماس 2023 على إسرائيل إلى حسم طبيعة العلاقة بينها وبين الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، ونقلها من حالة «اللاحرب، اللا سلام» أو «اللااحتلال، اللااستقلال» أو» اللاانفكاك، اللاحصار» وإعادتها إلى مربعها الأول، إلى حالة الصراع الوجودي. مَن تابع ما كتب في الإعلام العبري خلال الأسابيع الثلاثة الماضية لاحظ كيف تنهار بين اليهود الإسرائيليين كل المفاهيم السائدة حول عناصر قوة دولة إسرائيل وبعضها كان في منزلة البديهيات فوق الطبيعية أو العقائد المقدسة؛ ومن بينها ثقة المواطنين العمياء بقدرات أجهزة المخابرات والاستخبارات على جمع المعلومات من كل موقع في العالم، وتحليلها وتوظيفها في الدفاع عن إسرائيل؛ وكذلك ثقتهم بقوة جيشهم وبقدرته على الانتصار في كل الحروب وجهوزيته لسحق جميع الأعداء مهما تعددت جبهات القتال. إن فقدان هذه الثقة أدخل جميع المواطنين اليهود في حالة من الهلع المرضي الشديد، الذي سلبهم القدرة على التفكير بعقلانية وبمنطق إنساني، فقرروا القضاء على عدوّهم غير آبهين إلى أنهم تحولوا إلى روبوتات وحشية لا تتقن غير التدمير والحرق والقتل.

لم يعد أحد في هذه الأيام داخل إسرائيل يتحدث عن الديمقراطية ولا عمّن حاولوا الانقلاب على نظام حكمها، وأصبح كلام المواطن العربي في إسرائيل ممنوعا

لم تسقط هذه المفاهيم الجوهرية، التي بنى عليها المواطن الإسرائيلي عقده الاجتماعي مع الدولة وحسب، بل تبعها إيمان أوساط واسعة من الشعب بأن هجمة حماس عليهم في بيوتهم وقتلهم للمئات، وأسر آخرين، أعادتْهم إلى نقطة الصراع الأولى؛ ولسان حالهم يقول: إما نحن وإما هم. ولا تقتصر هذه القناعة على فئة معينة من بين المواطنين، بل سنجدها منتشرة بين النخب الأكاديمية والعسكريين والسياسيين من جميع الأحزاب، وقطاعات واسعة، إلى جانب الأوساط الشعبوية المعروفة.
لا أعرف كيف ستتطور هذه العقيدة الجديدة، وإلى أين ستفضي من حيث المواجهة مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة؛ فجميع من يدعم اليوم هذا العدوان الدموي المنفلت على المدنيين في غزة، يتبنونها وبطبيعة الحال سوف يعملون وفقها من أجل حماية دولتهم وتأمين أمن مواطنيها اليهود، وليس أمن جميع مواطنيها.
ما أشبه هذه الأيام بتلك الأيام العصيبة. لقد نفذت حماس هجومها بينما كان المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الصراع الحاد بين معسكر يقوده نتنياهو وحزبه وحلفاؤهم من الأحزاب اليمينية والدينية القومية المتزمتة، ومعسكر تقوده جميع التيارات التي عارضت مخطط نتنياهو في القضاء على مؤسسات الدولة التقليدية بما فيها منظومة القضاء، وفي طليعتها المحكمة العليا الإسرائيلية. لم يُدرج شعارا إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وحل الدولتين، ضمن شعارات المحتجين، ولكن، على الرغم من غيابهما عن اليافطات المركزية، حلت محلهما مظاهر ونقاشات لافتة أخرى، لم نكن نراها ولا نسمعها في الماضي لأنها كانت محض تابوهات إسرائيلية لا تمس. سنجد بين تلك النقاشات مثلا النقاش حول مكانة الجيش وحق/واجب أفراده وقادته المشاركين بالاحتجاجات وبعصيان أوامر حكومة نتنياهو؛ أو النقاش حول دور أجهزة الأمن وقادتها وواجبهم في الدفاع عن الديمقراطية ووقوفهم في وجه الديكتاتورية والفاشية؛ أو ازدياد المعارضة العلمانية لمخطط إخضاع الدولة لأحكام الشريعة اليهودية، كما كانت تسعى حكومة نتنياهو، قبل السابع من أكتوبر.
لم يعد أحد في هذه الأيام داخل إسرائيل يتحدث عن الديمقراطية ولا عمّن حاولوا الانقلاب على نظام حكمها، وأصبح كلام المواطن العربي في إسرائيل ممنوعا حتى إذا كان عن نرجسة ذبحها سياف الدهور وهي نائمة في حضن الفجر أو عن فتاة شقية قتلت لأن اسمها كان حرّية. وصار حتى التنفس في الليل مخيفا كهسيس الجان؛ وذرف الدموع يعد من الكبائر والتراتيل محظورة، إلا اذا قيلت في امتداح الكراهية والانتقام، أو خلال الصلاة من أجل «الدولة العظمى» التي لا تقهر كي تستعيد هيبتها وسيفها وهيكلها ومذبحها. ولدت بعد النكبة بثمانية أعوام وسمعت، مثل أبناء جيلي، قصصها من أسلافي. كانت قصصا عن الخوف وعن الفقر، وعن الحقل وعن العزة والمحجر، وكانت عن المعلم وعن العكاز وعن الشيخ والحجر. وعن انتظار عطف السماء الذي لم يصل. وكانت أيضا قصصا عن كرامة التراب وعن رائحة الأرض في ليل كان يغمره الندى. وقصصا عن هزائم وجرح غائر، لكنها انتهت؛ ومضى الذين بقوا في حضنها فربوا زغب الحياة حتى كبرت وصارت ألف صبح وشمس ووصايا ثائر. صرنا شعبا من الفَراش نقف، منذ ولادة الضوء والخوف، على الريح، وننام على كتف نجمة.
أحكي عن النكبة التي كانت وعن تاريخنا الغائب الحاضر، وكيف نجح أهلونا بامتصاص علقمها والعبور على ألغامها خفافا والوصول نحو رأس الحكمة بذكاء نبع؛ أحكي عنها في هذا المقام لأننا اليوم مهددون بنكبة جديدة، فمن يرغب منا «أن يكون مواطنا إسرائيليا، أهلا وسهلا، ومن يريد التعاطف مع غزة فهو مدعو. سأضعهم أنا على متن حافلات تنقلهم إلى هناك الآن». والكلام لمفتش الشرطة العام، الذي استدرك لاحقا وصرّح على الملأ وقال: «سلوك العرب في إسرائيل مثالي. لا يريد أي واحد منهم الاخلال بالنظام العام». كلامه صحيح ودقيق، لكننا في الواقع نواجه مأزقا لم نكن نريده لأنفسنا. فإسرائيل تعتبر حربها مع حماس حربا وجودية مع جميع الفلسطينيين، ومع قسم كبير من المسلمين، وتعتبرنا ضمنا جزءا من هذا المعسكر، وحماس تعتبر حربها على إسرائيل حربا وجودية كذلك. هكذا وجدنا أنفسنا، من دون أن نسأل وضد إرادتنا، في مأزق خطير قد ندفع ثمنه في الأسابيع القريبة المقبلة؛ مع أن البعض بدأ بدفع الثمن واقصد كل من لوحق واعتقل وطرد من عمله من قبل الرقابة الاسرائيلية بسبب كلمة كتبها أو «بوست» نشره أو صورة علقها، حتى لو كانت من سنين ولا علاقة لها بما حدث لاحقا. إنها مرحلة حرجة تمر فيها منطقتنا ونحتاج فيها للصمت إذ قد يكون مثاليا كما وصف، لكن بعضنا يسمونه خوفا وآخرون يسمونه نضوجا وحكمة.
اننا، كما تعلمون، أحفاد النكبة، ونحب الحياة ومن يحبونها؛ وقد رضعنا العبرة من صدور أمهاتنا ومن دروس الأوائل، وان غابت عنكم هذه فاسألوا عنها أصحاب «المتشائل». نحن في مأزق لم نختره أصلا؛ ونغضب على من كانوا السبب لأننا نكره القتل ونحب أطفال العالم أجمع، ولأننا نكره الخوف لكننا نخاف منه تماما كما يشعر كل عاقل.

كاتب فلسطيني

 

 

 

بين طوفانين… البحر

أمامنا وخيال نكبة وراءنا

جواد بولس

 

سيطرت حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي منه قبلها بعامين. أعلنت إسرائيل حصارها للقطاع، الذي يسكنه نحو مليوني فلسطيني، ودأبت على التعامل معه «ككيان معاد»؛ مع حرصها الحذر على ضبط علاقتها مع حركة حماس تحديدا، وسائر فصائل المقاومة الإسلامية في القطاع، وفق معادلات سياسية وأمنية متقلبة، كانت تنعكس أحيانا بمواقف ملتبسة وغير مفهومة؛ وهذه قضية لا تعنينا في هذا المقال.
شهد القطاع المحاصر خلال السنوات الفائتة، وعلى فترات متقطعة سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية، التي راح ضحيتها آلاف الضحايا الفلسطينيين وبضعة عشرات من الإسرائيليين، إضافة إلى الدمار العمراني الهائل الذي كانت تخلفه كل معركة وراءها. ففي نهاية عام 2008 شنت إسرائيل حربا على غزة أطلقت عليها اسم «الرصاص المصبوب»، كان هدفها الإسرائيلي المعلن «إنهاء حكم حركة حماس في القطاع»، والقضاء على المقاومة وعلى قدراتها العسكرية ومنعها من الاعتداء المسلح على العمق الإسرائيلي. استمر العدوان الإسرائيلي نحو ثلاثة أسابيع، قصفت خلالها إسرائيل القطاع بأطنان من المتفجرات، حتى المحرمة منها؛ وردت عليها المقاومة الفلسطينية بإطلاق مئات الصواريخ أصاب بعضها لأول مرة حتى مدينتي أسدود وبئرالسبع.

كانت حصيلة العدوان الإسرائيلي سقوط نحو 1500 شهيد، منهم حوالي 400 طفل، وأكثر من 200 امرأة، إضافة إلى أكثر من خمسة آلاف جريح، وعشرة آلاف منزل مدمر. أما خسائر الجانب الإسرائيلي فكانت عبارة عن مقتل 13 إسرائيليا، من بينهم عشرة جنود وإصابة ما يقرب من 300 جريح. بعد مرور أربعة أعوام على عملية «الرصاص المصبوب»، أعلنت إسرائيل في نوفمبر عام 2012، عن شروعها بمهاجمة قطاع غزة بحملة أطلقت عليها اسم «عامود السحاب». وكان هدفها المعلن، مرة أخرى، تدمير المواقع العسكرية ومخازن الذخيرة التابعة لحركات المقاومة واغتيال قيادييها العسكريين؛ فتمكنوا حينها من اغتيال أحمد الجعبري، قائد كتائب عز الدين القسام. ردت فصائل المقاومة على العدوان برشقات صاروخية وصل بعضها هذه المرة إلى تل أبيب والقدس وغيرها من الأهداف والمواقع العسكرية الإسرائيلية، وسقط خلال هذا العدوان قرابة 190 شهيدا فلسطينيا من بينهم بضعة عشرات من الأطفال والنساء، وقتل بالمقابل جنديان إسرائيليان، وأصيب حوالي مئتي إسرائيلي كانت إصابات معظمهم طفيفة. بعد عامين من عملية «عامود السحاب» شنت إسرائيل، في مطلع شهر يوليو عام 2014 عدوانا جديدا على غزة، وأطلقت عليه اسم «الجرف الصامد». استمر القصف الإسرائيلي على غزة واحدا وخمسين يوما، وأعلنت إسرائيل وقتها أنها نفذت خلاله أكثر من ستين ألف غارة جوية. ردت المقاومة من غزة بإطلاق آلاف الصواريخ وصل بعضها حتى حيفا وتسببت بإيقاف حركة الطيران في مطار بن غوريون. وكما في كل الاعتداءات الإسرائيلية السابقة صرّح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، هذه المرة أيضا، بأن الهدف من وراء العملية العسكرية التي شهدت توغلات برية لجيش الاحتلال داخل القطاع، هو تدمير شبكة الأنفاق التي بنتها حركات المقاومة في غزة تحت الأرض. لقد أسفر هذا العدوان الإسرائيلي عن سقوط ما يقارب 2400 شهيد فلسطيني، إضافة إلى أكثر من عشرة آلاف جريح، بينما قتل خلالها حوالي سبعين جنديا إسرائيليا وأربعة مدنيين، بينما أصيب حوالي 2500 إسرائيلي بين مدنيين وعسكريين. أما في عام 2021 فكانت معركة «حارس الأسوار» التي اندلعت في أعقاب الهجمة الاستيطانية على بيوت الفلسطينيين في حي الشيخ جراح في القدس، وتكثيف اعتداءات المستوطنين على المسجد الأقصى. أطلقت المقاومة الفلسطينية الصواريخ على مواقع متعددة داخل إسرائيل فقتل أكثر من عشرة إسرائيليين بينما سقط حوالي 250 شهيدا فلسطينيا، وأصيب ما يقارب الخمسة آلاف جريح ودمرت عشرات المساكن والأنفاق.
قد يبدو للبعض أن استذكار هذه الأحداث في ظل تداعيات عملية «طوفان الأقصى» هو خطوة غريبة وغير متوقعة؛ فالأكثر طبيعيا ومقبولا ومتوقعا أن يبدأ الكاتب، خاصة الكاتب الفلسطيني، بالحديث عمّا جرى في فجر يوم السبت الفائت، حين صحت إسرائيل، والعالم معها، على مشاهد سقوط عدد من المواقع والبلدات الإسرائيلية، جراء مباغتتها من قبل مجموعات مسلحة فلسطينية، نجحت بشل جميع مجسات المراقبة العسكرية الإسرائيلية واقتحام الجدار الفاصل مع قطاع غزة والهجوم السريع والسيطرة المطبقة على مناطق واسعة في الجنوب الإسرائيلي، وقتل المئات من عناصر قوات الأمن الإسرائيلية والمدنيين، وأسر أعداد كبيرة منهم، والعودة بهم إلى داخل القطاع. من الواضح أن الحديث عن تفرد الحدث وعن الإبداع في تخطيطه وكيفية أحكام تنفيذه وعن النجاح الصارخ في مباغتة واحد من أقوى جيوش العالم المزود بأحدث وسائل الحرب التكنولوجية المتطورة. الحديث عن جميع ذلك، هو الموقف الأسهل والأجدر، خاصة إذا أراد الكاتب أن يتوقف عند إسداء من كانوا وراء هذه العملية حقهم وحسب، من دون أن يتناول تداعيات العملية في المستقبل وتأثيرها على مكانة القضية الفلسطينية، أو مناقشة ما لها حتى لحظة «العبور» وما عليها بعده؛ ومن الطبيعي والبديهي طبعا استحضار جميع ممارسات الاحتلال الإجرامية في حق الفلسطينيين، وما عاناه أهل غزة، خاصة خلال سني الحصار والتجويع وتحويلها إلى سجن كبير؛ فجميع هذه المعطيات هي حقائق صحيحة، ولا يمكن لأي سياسي ولا لفقهاء الحق والقانون في العالم أن يغفلوها، كما فعلوا وما زالوا يفعلون خلال العقود الماضية؛ ومع ذلك ومن باب مناقشة ما حصل بشكل أولي، من المفيد أن نقارن تفاصيل المواجهات السابقة، التي ذكرتها، بمجريات عملية «طوفان الأقصى»، لعلنا نهتدي إلى أين سيأخذنا هذا «الطوفان»، نحن عرب الداخل الإسرائيلي، وليس إلى أين سيأخذ أهل غزة وحسب. لن يكون صعبا تمييز الفوارق القائمة بين الأهداف الإسرائيلية السياسية الحقيقية التي كانت وراء جميع الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع منذ عام 2008، والهوامش التي أتيحت للمقاومة من غزة لممارسة ردود فعل «مقبولة»، نسبيا وسياسيا، وما تلاها من مواقف المجتمع الدولي، وما جرى ويجري في أعقاب عملية «طوفان الأقصى». وبداية، لم يأت الإعلان الإسرائيلي المدعوم من أمريكا وأوروبا وغيرها من الدول، والقاضي بضرورة القضاء على حركة حماس، وبتغيير خريطة القطاع جذريا، مهما سيكلف ذلك من جهد ووقت وعتاد، لم يأت كتصريح تكتيكي لتبرير عملية محدودة الأهداف والنتائج، كما كان يحصل في جميع المواجهات السابقة، بل إنه يأتي كتعبير عن موقف فعلي؛ إذ شرعت إسرائيل بتنفيذه، من خلال عدوان دموي غير مسبوق جار في هذه الأيام على غزة، وقد يكون مقدمة لتغيير الوضع السياسي في الشرق الأوسط. لن يستطيع أحد ان يمحو آثار إنجاز المقاومة الغزية  في السابع من أكتوبر، ولا أن يقلل من أهمية نجاح مباغتة الإسرائيليين في هذا التوقيت بالذات، وفي حالة النكوص العربي والإسلامي المتفشي في منطقتنا وفي العالم، بيد أننا وبسبب هذا الإنجاز لا يجوز لنا عدم التطرق لبعض تجاوزات بعض العناصر الغائرة على العمق الإسرائيلي؛ خاصة بعد أن جند نتنياهو المعلومات الواردة حول عمليات قتل مئات المدنيين، التي نفذتها عناصر المقاومة داخل الأراضي الإسرائيلية، ومنهم الشيوخ النساء والأطفال، وكذلك أسر المئات بمن فيهم المسنات والنساء والأطفال، لصالح حكومته وحولها، بعد هندستها إعلاميا، إلى موقف اضطر جميع الإسرائيليين تقريبا إلى تبنيه علاوة على معظم رؤساء الدول الغربية. لا يمكن لمن يحب المصلحة الفلسطينية أن يبرر هذه الممارسات، وأقصد قتل المدنيين، ويجب رفضها بشكل واضح وحازم؛ ولا يمكن قبول أية محاولات لفحصها وفق قوانين أخلاقيات الحرب، أو تحت طائل الضرورات السياسية، أو غيرها من الاعتبارات، كما لا يجوز تسويغها من خلال مقارنتها بوحشية الممارسات الإسرائيلية وعمليات قتلهم للأطفال وللشيوخ وللنساء الحوامل وللمرضى الفلسطينيين. أعرف أن كلامي هذا سيغضب البعض، أو ربما الكثيرين، خاصة أولئك المنتشين بحلاوة النصر  والمتشفّين بهزيمة الغطرسة الإسرائيلية، التي أوغلت خناجرها في خواصر فلسطين والفلسطينيين منذ عقود طويلة، وتفننت بأساليب إذلالها للذات الفلسطينية؛ أعرف ذلك تماما، لأنني للحظات شعرت مثل الجميع، بغمرة «فرح المقهورين» وتحطيم المستحيل، وتمنيت أن تبقى سكرات ذلك الفجر وسادة لحلمي الندي، لكنها سرعان ما تبددت وتبدلت مع تواتر أخبار القتل العشوائي ومع قصص من نجوا من حلبة رقص عابرة، أو من حضن أم دامٍ أو من عصا تفتش عن شيخها. أكتب بوجع، وأعرف من هي الضحية ومن جلادها؛ ولكن أخبار القتل، كما رسختها، بمبالغات مقصودة، الرواية الإسرائيلية، خدشت صفحة تلك المغامرة، التي كان من المفروض أن يحرص مخططوها، وقد تنبهوا لكل تفاصيلها التقنية الدقيقة، كما شاهدنا، أن تبقى وأن تتقيد بمعايير العمليات العسكرية والنضالية عند شعب يعرف معنى وحشية عدوه ويقاتل بإصرار الضحية الصابرة، ولكن بعدالة إنسانية مطلقة من أجل تحرره. وكأن من خطط للعملية حتى لحظة العبور هو ليس من خطط لما بعدها ولكيفية إنهائها. أكتب بوجع، لأن ما شاع وانتشر أعاد قضية فلسطين، ولو مؤقتا، إلى الوراء سنوات من تعب، وزود المحتل بجرعات من «حليب الضحايا» التي سوف تزيد غطرسته وحشية وعنفوانا. أكتب بوجع، لأن استغلال قصص القتلى والسبي، أعادت إسرائيل إلى حضن سيوفها، وصار غمدها واحدا بعد ان كانوا متفرقين معسكرات عند منحدرات التلال، وخيولهم تستعد لخوض حروب الدولة اليهودية، أو إنقاذها من يهوديتها. أكتب بوجع، لأنهم سيحاولون تعمية عيون «العالم» مجددا بقصص الهتك والبطولة وحرق غزة مرة أخرى، فهم يقتلون ويبكون. أما «العالم» ذلك الكائن الخرافي، فقد بدأت عيونه مؤخرا تقشع غير اللونين الأبيض والأزرق، ويحب نشيد «موطني» وصار ناسه يدقون اسم فلسطين أوشاما على زنود التاريخ والحق، فهل سيعود إلى سباته؟ وأكتب بحذر، لأنني أعرف أن لغزة سيبقى نصرها وطوفانها، ولها البحر يحميها وبر يعرف أهلها شعابه؛ أما نحن، الباقين على أهداب الفجر، فأمامنا الطوفان هادر، ووراءنا عواء الذئاب وخيال نكبة؛ فلا يجوز أن نغمض عيوننا كيلا نسقط في مهاوي الردى، ولا أن تنام قلوبنا؛ وسنبقى نحن عشاق الحرية والأمل أخوة.
كاتب فلسطيني

 

 

من سيحمي الصليب

والمسيحيين في الأراضي المقدسة؟

جواد بولس

 

 

تناقلت وسائل الإعلام المحلية في إسرائيل مؤخرا أخبارا حول انتشار ظاهرة اعتداء بعض المجموعات اليهودية المتدينة على مسيرات الحجاج المسيحيين الذين يأتون إلى القدس من جميع أرجاء العالم، لإقامة شعائر الحج المسيحي الذي يتخلله الطواف في مسار «درب الآلام» وزيارة كنيسة القيامة وغيرها من الأماكن المقدسة عند الطوائف المسيحية المختلفة.
يواجه المسيحيون، لاسيما الفلسطينيون المسيحيون، في «الأراضي المقدسة» منذ عقود طويلة ظاهرة عنصرية اضطهادية، ليس من الصعب التحقق من تاريخها وحجمها، إذ أن قوائم الجرائم والاعتداءات اليهودية المرتكبة بحق الأماكن والرموز المسيحية موثّقة، باليوم وبالساعة، عند معظم الكنائس، ومثلها أيضا قوائم الاعتداءات في مناسبات عديدة، على رجال الدين والحجاج أنفسهم.
لقد ظهرت في شريط الفيديو المذكور مجموعة من اليهود المتدينين، وهم يبصقون باتجاه صليب خشبي كبير كان بعض الحجاج الأجانب يحملونه على أكتافهم ويسيرون به في شوارع البلدة القديمة. لقد كان مشهد الاعتداء مستفزا وغير إنساني بالمطلق، وطويلا حسب معايير الوقت في الإعلام البصري.
ويبدو أن المشاهد التي أظهرها الشريط، وانتشاره الواسع، لا داخل إسرائيل وحسب، قد أحرج المسؤولين الإسرائيليين وربما أحرج، لا أقل منهم، بعض السياسيين الغربيين ورؤساء الكنائس المحلية والعالمية، الذين كانوا يتمنون ألا يصوّر هذا الاعتداء، وألا تنتشر صوره على الملأ، على أمل أن يمر ويُنسى، كما مرت معظم الاعتداءات التي سبقته «بهدوء كنسي» لافت وصمت دبلوماسي عربي وأعجمي غير مفهوم ولا مبرر. لا يمكن تبرير حجم الضجة، التي رافقت موجة الاعتداءات العنصرية الدينية، هذه المرة، بمحتويات الشريط المذكور، أو في عرض المشاهد المستفزة وحسب، فهنالك بعض الجهات الإسرائيلية المعارضة لحكومة نتنياهو، استغلت الحادثة، بانتهازية سياسية معتادة، ووظفتها في التحريض على الحكومة، وفي تأليب الرأي العام عليها في بعض الدول المسيحية الغربية، خاصة داخل الأحزاب التي تعتمد على الصوت المسيحي المعتدل تجاه إسرائيل. لم تغب هذه الصورة عن بال نتنياهو، فبادر إلى شجب الاعتداءات ومعاقبة مرتكبيها.

لا أرغب في مناقشة ما ورد في بيان نتنياهو، الذي أعلن فيه «أن إسرائيل ملتزمة بشكل تام بالمحافظة على حق العبادة المقدس، والحجيج للأماكن المقدسة لجميع الأديان»، واضاف: «أشجب بشكل صارم كل محاولة لإيذاء المصلين، وسوف نتخذ ضد هذه الأفعال خطوات فورية وحازمة». وقد انضم عدد من الوزراء الإسرائيليين وعبروا، مثل رئيس حكومتهم، عن معارضتهم لتلك الاعتداءات، لكنهم لم يلجأوا إلى نصوص نتنياهو الحازمة، بل آثروا البقاء تحت «رحمة» الدبلوماسية، وتعمّدوا أن يداهنوا، من ثناياها، الجناة ومعلميهم؛ وكذلك فعل بعض الحاخامات، لن يفضي شجب بنيامين نتنياهو وغيره إلى تغيير «الوضع القائم» في إسرائيل، الدولة اليهودية؛ ولن ينجح هو وحكومته في منع استباحة الفرق اليهودية المتزمتة لحرمة الأديان غير اليهودية ولرموزها، لم يكن ذلك خيارا ممكنا لديه في السنوات الماضية، وصار اليوم احتمالا مستحيلا بسبب تشريع «قانون القومية اليهودية» الذي اعترف بفوقية الديانة اليهودية، وأتاح عمليا لجميع العناصر اليهودية المتطرفة والفرق والأحزاب الدينية المتزمتة التزوّد بطاقات «شرعية» غير محدودة، وأباح لهم تحويلها إلى أفعال حقيقية، بدأوا بتنفيذها في جميع ميادين الحياة، وبضمنها طبعا ما نشاهده من تصعيد في مظاهر احتقار أصحاب الديانات الأخرى ورموزهم. هكذا يجب أن نرى الواقع الإسرائيلي الجديد وأن نفهم شجب نتنياهو وزملائه في سياقه؛ فالهدف من موقفهم المعلن هو امتصاص «غضب» الجهات التي احتجت على تزايد الاعتداءات ضد المسيحيين وقد كان قداسة البابا في طليعة المحتجين، كما قرأنا في الأخبار، حيث طالب إسرائيل، بطريقته الهادئة، بضرورة اتخاذ خطوات فعلية لوقف تلك الاعتداءات على المسيحيين وحماية الحريات الدينية وحرية العبادة. وكاستجابة للنداءات الدولية أعلنت شرطة إسرائيل بطريقة «مُمسرحة» عن اعتقال خمسة مشتبهين ضالعين بحادثة البصق على الصليب، وعلى المصلين، في خطوة من شأنها أن تظهر جدية الحكومة الإسرائيلية وتقنع العالم بها. لن أفاجأ إذا قامت الشرطة بالإفراج عن المعتقلين الخمسة من دون أن تقدم بحقهم لوائح اتهام، رغم ظهور صورهم في الشريط المذكور، فنتنياهو أضعف من أن يواجه وزراءه المتدينين وأحزابهم التي تضم بين صفوفها الآلاف ممن يؤمنون أن «البصاق» على الرموز المسيحية واهانتها هي «فريضة دينية»، كانوا قد تربوا عليها في معابدهم التوراتية. إنه النتنياهو نفسه الذي لم يقدر، عندما كانت أوضاعه السياسية أقوى مما هي عليه في هذه الأيام، على معاقبة مثل هؤلاء الجناة، وهو اليوم نتنياهو الجريح الذي لن يجرؤ على أن يواجههم ولا أن يعاقبهم. إنه يعرف حدود قوته الحقيقية ويعرف أين هي مصلحته الشخصية، وأين مرافئ نجاته المأمولة، وهو يراهن، في الوقت نفسه وعن تجربة طويلة، على حدود مواجهة «العالم المسيحي» المحتملة لإسرائيل ولشعبها اليهودي ولحكومته. على الأرجح أن تمر موجة الاعتداءات «بسلام» من ناحية إسرائيل كما مرت «بسلام» جميع سابقاتها، وسوف تزداد الإهانات للصليب وللمسيحيين؛ فميليشيات «يوشع» بدأت تشعر، في هذا الزمن التوراتي، بأنهم أصحاب المملكة وبأنها قائمة فعليا حتى لو لم يرها غيرهم، وفي مملكتهم لن ترفع رايات سوى شمعدان هيكلهم الثالث المرتجى ونجمة داود وسيفهم البتار. من كان في القدس في الأسبوع الاخير شاهد بأم عينيه، وأحس على جلده تبعات هذا الواقع التلمودي الجديد. لن يتغير هذا الواقع إلا إذا بدأ العرب، خاصة نحن أصحاب الأرض الأصليين، بتناول هذه المسألة بجرأة وبواقعية غير مداهِنة، وباشرنا في تغيير بعض مفاهيمنا الأساسية العوجاء، حيال ما جرت العامة منا وعلماء الأمة على تسميته، بتعميم سطحي خاطئ ومضر، باسم «العالم المسيحي». علينا أن نخرج من تلك القوقعة، وأن نحاول تفكيك ذلك العالم وفصل عناصره لما فيه مصلحة فلسطين ومستقبلها. ففي الواقع لم يكن، منذ ولادة المسيح وحتى يومنا هذا، «عالم مسيحي» واحد، ولا حتى مسيح واحد. لماذا لا نراجع أنفسنا ونحاول أن نجد الفوارق الجوهرية بين الملل المسيحية والنحل على اختلاف مشاربها في العالم ونستفيد منها؟ إنها مهمة شاقة، لكنها ضرورية وهي تحتاج إلى إقرار وطني واضح وهمّة لإنشاء هيئة من اختصاصيين ومهنيين وتوكيلهم بمهمة القيام بمسح شامل لما نطلق عليه اسم «العالم المسيحي»، عسانا نهتدي بعد ذلك إلى من يقيم من أولئك المسيحيين في «دار الحرب» ومن يقيم في «دار السلم». فهل من الصعب أن نرى وأن نقر بوجود فرق بين دونالد ترامب المسيحي وصليبه، مثلا، وابن القدس المطران منيب يونان المسيحي وصليبه؟ من لا يرى ذلك الفرق لن يستطيع منع إهانة الصليب في القدس ولا منع انقراض المسيحيين في أرض المسيحية الأولى؛ ومن لا يريد أن يرى الفرق القائم اليوم بين الكنيسة الإنجليكانية في جنوب افريقيا وصليبها المتحرر من نظام الأبرتهايد، وأخواتها الإنجليكانيات في العالم وفي فلسطين وصليبهم المكسور والأسير، لن ينجح في كسر «قوس بيلاطس البنطي» الذي ما زال متكئا بحزن على حجارة القدس، ويشهد على ظلم التاريخ وعلى فساد السلطة ونفوذ المصالح. من يراجع التاريخ سيرى أن المسيحية والمسيحيين وصليبهم لم يهانوا في فلسطين من قبل أولئك المتعصبين المتزمتين اليهود وحسب، فقد أهانهم عبر التاريخ من جاؤوها غاصبين باسم مسيح آخر وسرقوا صليبها، وبنوا كنائسهم على أساسات من جماجم، وتخاصموا فصار لكل كتيبة منهم معبد ومسيح ودين. وأهانها كذلك من جاؤوا ليحرروها من حكم أصحاب ذاك الصليب فبنوا أمجادهم على أنهر من دم وعلى فتاوى أصدرها قضاتهم وشيوخهم، فقضت بضرورة إذلال الصليب ومن يؤمنون به؛ وللأسف ما زالت تلك الفتاوى حية بيننا في بعض المواقع وتنبض بالدماء.
والخلاصة: لن تمنع حكومة إسرائيل تكرار الاعتداءات على المسيحيين، وعلى رموزهم وعلى أماكنهم المقدسة. هكذا علمنا التاريخ؛ ومن لا يقرأ التاريخ سوف يبقى لأصحابه عبدا. بالمقابل، من يحاول أن يصنع التاريخ ويمضي «حاملا صليبه» نحو النور، فحتى لو أخطأ، سيحظى لا محالة بالحرية. سوف تمر موجة الاعتداءات الحالية كما مرت جميع سابقاتها، وسوف يعود قداسة البابا إلى صلاته في روما ويدعو من أجل خلاص العالم؛ وسيمضي حكام العالمين العربي والإسلامي في سبلهم وعلى عروشهم، وستكون القدس في صدورهم ليس أكثر من وجع زائد وثقيل. وسيتمسك رؤساء الكنائس في القدس بمطالبتهم بالمحافظة على»الستاتوس كوو»، وهي بدعة أخرجها الاستعمار للإبقاء على سراب اسمه «الوضع القائم» وهو مجرد أغلال تحيط بصدورنا، ورماح مغروزة على أنقاض حقوقنا التي صودرت في حالة «الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية»، ذات يوم وبقيت رهينة عند بطريركها وسينوده وقلة من أعوانه المقربين. لقد شاهدناهم برفقته في الصورة أثناء زيارته الأخيرة لقداسة البابا في الفاتيكان، ولكن هذه لوحدها مسألة أخرى جديرة بالمتابعة.
لقد أدرك قادة إسرائيل وقبلهم قادة الحركة الصهيونية، أن المسالة المسيحية في شرقنا هي قضية معقدة ومركبة ومصيرية لوجودهم، فسعوا ونجحوا في فهم مغاليقها وبحفر قنواتها وبتوثيق مرابطها، وكان إلى جانبهم دهاقنة هذا الزمن العاقر. هكذا كان، ولكن كانت الحكمة وبقيت مدفونة في تراب القدس، مدينة الملائكة الحالمة، التي سوف تشهد يوما قيامتها الجديدة، إن أراد أهلها ذلك.
كاتب فلسطيني

 

 

مقاطعة انتخابات المجالس

المحلية، كفر ياسيف أولا!

جواد بولس

 

من المفروض أن تجري الانتخابات للسلطات المحلية في إسرائيل بتاريخ 31/10/2023 ومن المفروض أن يشارك فيها، بطبيعة الحال، المواطنون العرب حيث سيقومون بانتخاب ممثليهم لرئاسة ولعضوية تلك المجالس في كل مدينة وقرية.
تتميز هذه الانتخابات عن سابقاتها بعدة عوامل وعناصر جوهرية؛ فهي ستجري في ظل نظام قانوني إسرائيلي عنصري متطرف، تقف على رأسه حكومة تحركها عقائدها القومية والدينية المطلقة، ويؤمن معظم عناصرها بفوقيتهم اليهودية العرقية، وبضرورة ممارسة مضامينها وتطبيقها علينا، نحن المواطنين العرب.
وستجري، أيضا، في غياب دور الأطر السياسية العربية المسؤولة والقوية، كتلك التي كانت، قبل تضعضع مكانتها، بمثابة البوصلات التي وجهت ضمائر الناس نحو مصالحهم الصحيحة، المدنية والسياسية، وكانت، كذلك، «اليواطر» التي نجحت بتثبيت هؤلاء الناس وحمايتهم في مرافئ الأمان والسلامة. وستجري، أيضا، في واقع لا يشعر فيه المواطنون بالأمن الشخصي ولا بالأمان المجتمعي، بل تسود بينهم مشاعر الخوف المتزايدة بعد أن تفشت في مدننا وقرانا مظاهر العنف والقتل والفوضى، وغدت المجالس المحلية إحدى أهم محركات ذلك العنف وأكبر مولّداته الخطيرة والواضحة. لا داع لتناول هذه العناصر بالتفصيل، فما يهمنا، في هذه المقالة، هو إمكانية شروع قطاعات شعبية واسعة بمقاطعة الانتخابات المحلية المقبلة. من الصعب في الظروف الحالية أن نتكهن في ما إذا نحن نقف أمام ظاهرة متنامية، أم لا.

لقد أعلن مصعب دخان مرشح الرئاسة في مدينة الناصرة، قبل بضعة أيام عن انسحابه من المعركة الانتخابية، بعد أن كان قد تعرض مؤخرا إلى عملية إطلاق نار مباشرة عليه؛ ومن المعلوم أن إعلان مصعب دخان لم يكن الأول في هذا السياق، فقد أعلن قبله مرشحون آخرون عن انسحابهم من المعركة الانتخابية، مثل إعلان مرشح الرئاسة في قرية كفر ياسيف الدكتور هلال خوري، وإلى جانبه ممثلو خمس قوائم انتخابية. لقد جاء في منشورهم الموجه لأهالي القرية ما يلي: «حفاظًا على اسم كفر ياسيف التاريخي وإرثها الحضاري المشرف، وعلى ضوء الأوضاع الراهنة ورؤيتنا لتداعيات الآفات السائدة في المجتمع وما تشهده قريتنا في الآونة الأخيرة، نعلن وبالنيابة عنا وعن ناخبينا أننا ممتنعون من المشاركة وخوض الدورة الانتخابية المقبلة على صعيد العضوية والرئاسة، وندعو ناخبينا وأهالينا عدم المشاركة والتصويت». ما جرى ويجري في قرية كفر ياسيف الجليلية، وهي مسقط رأسي والمكان الذي ولدت وكبرت فيه أحلامي، يعدّ بلا شك مؤشرا محزنا على حالة الحضيض التي وصل إليها مجتمعنا العربي ككل؛ فكفر ياسيف، لمن لا يعرف، كانت تعدّ في التاريخ الفلسطيني العصري إحدى القلاع الوطنية الحصينة، وأم العلم والثقافة والتنوير؛ وهي «البيت» الذي أحبه الشعراء والأدباء، وقالوا من على منابرها أجمل المعاني والكلام. فهي كما كتب عنها الشاعر محمود درويش، الذي تخرج من مدرستها الثانوية، وعاد اليها، كالعاشقين، ليملأ رئتيه بالزنابق، وليستعيد دفء أيام خوال، قائلا: «في تلك الأيام دلتنا كفر ياسيف على بوصلة الشمال وعلى أول الوعي وعلى أول الطريق وعلى أول الخطوات وعلى السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغرى وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة وعلى أول الكتابة وعلى ما يدلنا أننا جزء من جماعة قومية أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا للعائلة أو القبيلة أو الطائفة» (من مقطوعة «البيت والطريق» التي قرأها في احتفالية خاصة أقيمت له في القرية عام 1999، ثم نشرها في كتابه «حيرة العائد».
لم يكن كلام «الدرويش» عن كفر ياسيف جزافا ولا محض «تشبيب» عارض بفتاته، ولم أخترها أنا كعينة حيّة لفداحة مصاب مجتمعنا العربي ولجسامة فقدنا الجمعي بالصدفة، أو لأنني أحبها فقط؛ فالقرية عرفت دور المؤسسات الاجتماعية والسياسية والتثقيفية منذ قرنين من الزمن؛ ولعبت، في زمن الانتداب وبعد زواله، دورا بارزا في حضانة الثقافة الوطنية والإنسانية، وكانت دفيئة لبلورة معالم الهوية الأصلية للأقلية الباقية في الوطن. لقد تأسس مجلسها المحلي عام 1925، ويعدّ من أوائل المجالس القروية المحلية في فلسطين إن لم يكن أولها؛ وكان له دور في تنظيم حياة أهل القرية وعصرنتها، وفي تنمية الحس الإداري وأهميته في بناء الحياة السليمة، وغير ذلك من قيم الالتزام والتفاني والتكافل. أما مدرستها الثانوية التي تحمل اسم «يني يني» فهي معلم تثقيفي مهم بادر إلى بنائه في مطلع خمسينيات القرن الماضي رئيس مجلسها، يني يني، وسعى إلى تحويلها لقلعة علم ونور وإلى مرجل لبناء الهوية القومية. استوعبت المدرسة الطلاب الوافدين إليها من عشرات القرى الجليلية ومن مدينة عكا، وخرّجت أجيالا وراء أجيال.
لم يكن صراع أبائنا الناجين من النكبة الباقين في الوطن، مع إسرائيل سهلا؛ بيد أن قيادات ذلك الزمن عرفت كيف تواجه مكائد قادة الحركة الصهيونية وسياساتهم العنصرية، واضطهادهم المستمر، فنظموا أنفسهم بدراية وبحكمة حتى نجحوا في أواخر خمسينيات القرن الماضي في تأسيس «الجبهة الشعبية العربية»، كتنظيم شامل غير حزبي يجمع كل القوى والجهات العربية المحلية المناضلة ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية؛ واختير رئيس مجلس كفر ياسيف «يني يني» ليكون رئيسا للجبهة. شكل تأسيس الجبهة حدثًا استثنائيا وطلائعيا ومن قرارتها في عام 1959، على سبيل المثال، كان دعوتها لخوض الانتخابات البلدية من خلال «إقامة قوائم شعبية تمثل القوى العربية المناضلة ضد الاضطهاد القومي». ساهمت «الجبهة الشعبية العربية» وسائر القيادات الشيوعية والقومية، التاريخية التي برز دورها في تلك السنوات، ببناء وعي الناس بهويتهم وبانتمائهم، وبضرورة إنضاج تنظيمهم الجمعي، حتى اختمرت، بعد سنوات من النضال الشعبي العنيد، بين عدد من رؤساء المجالس العربية، فكرة إقامة «اللجنة القطرية للرؤساء» وكان ذلك في مطلع سبعينيات القرن الماضي. لعبت اللجنة القطرية دورا مهما في مأسسة العمل البلدي وفي الدفاع عن مصالح المواطنين والوقوف في وجه سياسات حكومات إسرائيل العنصرية، فكان شعار اللجنة في بداية الطريق «المساواة ولا أقل من المساواة». ثم جاء بعده شعار «بلديات ومجالس خدمات وكرامات»، الذي أصبح الشعار الناظم والعاكس لرؤية قيادات العمل السياسي الشعبي لأكثر من عقدين من الزمن، فوثق المواطنون بقياداتهم والتفوا حولها.
سأقفز عن جميع فصول حكايتنا منذ نهاية التسعينيات وأحداث عام ألفين، كي أعود إلى كفر ياسيف. ففي بداية الستينيات رحل يني يني وانتُخب، رئيسا بديلا له في الموقعين، في المجلس المحلي وفي «الجبهة الشعبية العربية»، علمٌ آخر من أبنائها هو المرحوم فوزي عبدالله خوري، ثم مضت عشر سنوات أخرى من المخاضات والسير نحو العلا، فانتخبت كفر ياسيف رئيسة لمجلسها المحلي السيدة فيوليت خوري وكانت رئيسةً لمجلس كان كل أعضائه رجالا، وأول امرأة تتبوأ هذا المنصب في الشرق الأوسط. كانت فيوليت خوري زوجة فوزي خوري، وكان المرحومان والديّ الدكتور هلال خوري، الذي أعلن وخمسة من رؤساء القوائم عن سحب ترشيحاتهم وعدم المشاركة في الانتخابات، بعد أن ازدادت مظاهر العنف ضد المرشحين، في كفر ياسيف وفي عشرات المواقع الأخرى، وبعد أن أطلقت النيران على بيته وعلى بيوت مرشحين آخرين.

قد نجد في هذه المفارقة لنا عبرة

لم تكن كفر ياسيف، التي جاءها يوما الشاعر راشد حسين وأنشد في ساحة عينها: «اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء»، أول المواقع المصابة بالمكاره والآفات التي حلت في مجتمعنا، ولا أول القلاع التي سقطت؛ لكنها في النهاية أصيبت مثل سائر أخواتها وعانت مثلها من شر الهزائم. عندما بدأت تتصدع جدرانها أهبنا بقيادات مجتمعنا وصرخنا في وجوههم على الملأ وقلنا: إنها كفرياسيفكم/ بيتكم وطريقكم؛ لكنهم لم يسمعوا – فسقطت. واليوم أقول لهم: وإن سقطت أخيرا فلا بد من إنقاذها أولا لأنه اذا نجحتم/نا وأنقذناها من الخراب فقد ننجح في إنقاذ سائر أطراف الوطن، وإذا فشلتم/نا فسيكتب الدم روايتها ولن «يأتها الشعراء» كما وعدها راشد حسين. فمن كفرياسيف، هكذا قال المحمود، وكتب «من كفر ياسيف، من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجمعية والذكرى الشخصية، حيث كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية». قال وصدق؛ فكفر ياسيف أولا كان الشعار، نعم ولكن يجب ألا تبقى وحيدة؛ فإذا كان لا بد من مقاطعة الانتخابات البلدية المقبلة، وهذه مسألة بحاجة إلى دراسة وترتيب فلتكن مقاطعة شاملة ومؤثرة، وموجهة في الأساس ضد سياسات حكومة إسرائيل وللضغط عليها، وليشارك فيها، ليس في كفر ياسيف وحدها، كل من قلوبهم على بلدهم/ بلداتهم، وصرختهم صرخة «جبهة شعبية عربية» لا ترضى بالذل، وهو، كما نعرف، أن وقع من ذوي القربى يكون أظلم وأوجع.
كاتب فلسطيني

 

 

هل ما زالت إسرائيل واحدة؟

جواد بولس

 

يعتبر البعض أن قرار قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية في الالتماسات المقدمة أمامهم ضد قانون إلغاء «حجة المعقولية» سيحسم مصير نظام الحكم في دولة إسرائيل وشكله؛ والقرار بهذا المعنى هو حدث تاريخي سيؤثر في حياة اليهود ومصيرهم. وقارن بعض المعقبين والمحللين بين الأحداث الجارية داخل المجتمعات اليهودية، في إسرائيل وفي العالم، وفترة الإعلان عن إقامة دولة إسرائيل عام 1948.
لقد تم بث مجريات المحكمة مباشرة عبر الفضائيات والإذاعات الإسرائيلية في تعبير واضح من قبل قضاة المحكمة عن أهمية الموضوع وضرورة عرضه مباشرة أمام الشعب على الملأ. من الصعب طبعا التكهن بالقرار الذي سيصدر قريبا، وعلى الأرجح فإن القضاة لن يجتمعوا، بسبب اختلافات مفاهيمهم الاجتماعية وخلفياتهم السياسية ومرجعياتهم الروحية والثقافية، على نتيجة ومخرجات واحدة.
كُتب وسيُكتب الكثير في الإعلام العبري عن مجريات المحكمة، كما شاهدها الجميع يوم الثلاثاء الفائت؛ وهي كما قلنا شكلت حدثا لافتا ومشهدا إسرائيليا مميزا، لكنه، رغم ذلك بقي مشهدا «خاصا»، بمعنى أنه يخصّ المجتمع اليهودي، ولا يعنينا، نحن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. فعلى الرغم من وجود قاض عربي واحد داخل هيئة المحكمة، القاضي خالد كبوب، وعددها خمسة عشر قاضيا، إلا أن روح التقاضي التي سادت في فضاء قاعة المحكمة، وطبيعة هواجس الأطراف، كما عُبّر عنها، دارت كلها في فلك «الدولة اليهودية»؛ ودار الخلاف بين المعسكرين حول أية يهودية ستتحكم في الدولة، تلك التي يسعى أقطاب الحكومة الجديدة إلى ترسيخها والعمل بهديها، أم تلك التقليدية التي صيغت هويتها في عروة الحكومات السابقة، وفي دهاليز المحكمة العليا ذاتها. وأشار بعض النقاد والمحللين إلى أن الصراع بين الرأيين يعكس في الواقع رغبة القوى اليمينية المتدينة الجديدة، تغليب دور اليهودية مع التركيز على البعد الديني للدولة، على دور الصهيونية التقليدية، وبعدها القومي، وهذا ما لن تسمح به مجموعة من القضاة، لكونه انقلابا على المفاهيم المؤسسة للدولة.

لقد وصلت أحوالنا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، إلى حالات عبثية مرهقة؛ وسنضيف إليها في هذه الأيام وضعنا إزاء ما يجري في هذه المحكمة، فبعضنا لا تهمّه المحكمة من أصلها، وبعضنا قد يعلق آمالا على قرار المحكمة المنتظر ويراهن أو يرغب، أن يزودنا القضاة بقارب نجاة وبدروع واقية كي تحمينا من مخططات هذه الحكومة أو غيرها من المقبلات التي سينتخبها شعب، تؤمن أكثريته الساحقة بأننا مواطنون غير مرغوب فينا داخل دولتهم اليهودية. من العبث، برأيي، أن نعوّل على قرار هذه المحكمة، وأن ننسى أنها هي المحكمة ذاتها التي أصدرت قبل عامين فقط قرارها بخصوص «قانون القومية»، الذي كتبت متنه الأساسي رئيستها في حينه والحالية، القاضية إستر حيوت. إنه القانون الذي توّج عملية جنوح المجتمع اليهودي نحو اليمينية المتعصبة والفاشية، وهي العملية التي ما كانت لتنجز لولا رعاية الجهاز القضائي الإسرائيلي لها وتسويغها من قبل محكمته العليا، بمبررات عنصرية أسهمت في تطوير فكر «الفوقية اليهودية»، وأفضت إلى إمكانية صرفها بأشكال عملية كما يطالب بها اليوم قادة الانقلاب على الجهاز القضائي، وفي طليعتهم المحكمة العليا نفسها. أنا شخصيا أشعر بالغضب الشديد على قضاة هذه المحكمة، وعلى رأسهم الرئيسة حيوت وزميلها القاضي يتسحاك عميت، الذين رفضوا مرارا وتكرارا الإصغاء إلى تحذيراتنا من أن حمايتهم المستمرة لسياسة الاضطهاد والقمع التي تمارسها حكومات إسرائيل في حق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، وفي حقنا نحن المواطنين في إسرائيل. إن عدم إخضاعها لأحكام العدل ولحجة المعقولية وقيمة المساواة العرقية، ستفضي حتما إلى ممارسة السياسة نفسها داخل إسرائيل، إذ لا يمكن لأحد أن يوقف نيران العنصرية والقمع على عتبات بيوت العرب، فالنار ستصل حتى عتبات محكمتهم، كما يحصل في هذه الأيام. من المؤسف انهم لم يسمعونا، ومن المحزن أنهم لم يسمعوا زميلهم القاضي جورج قرّا الذي كان قراره في مسألة قانون القومية عبارة عن صوت واحد يصرخ في برية عشرة قضاة تصرفوا كحماة لمبدأ الفوقية اليهودية، التي كانت أمّ كل الموبقات التي مارستها حكومات إسرائيل المتعاقبة داخل الأراضي المحتلة وبحقنا داخل إسرائيل؛ واليوم تريد هذه الحكومة احتكارها وتطوير إنتاجها ومفعولها. لو كنت أستطيع لنصحت القضاة أن يعودوا إلى مراجعة ما كتبوا قبل عامين، حين أجازوا بقرارهم «قانون القومية»، ويقرأوا ما كتبوا وما كتب زميلهم القاضي جورج قرّا، حين استقرأ النتيجة الحتمية التي سيوصل اليها قانون القومية، وهي القضاء على القيم الديمقراطية الإسرائيلية، وتثبيت «الفوقية اليهودية» على ما سيعنيه ذلك حيال وجود المواطنين العرب في الدولة وحقوقهم. في حينه رفض القاضي جورج قرّا تبريرات زملائه العشرة، وأكد محذرا أن القانون سيؤدي عمليا إلى «إخضاع هوية الدولة الديمقراطية، التي في أساسها حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، إلى هويتها اليهودية؛ أي خلق حالة من تفضيل القومية اليهودية وإكساب الهوية اليهودية للدولة صفة الفوقية على هويتها الديمقراطية، وهذا من خلال التغيير القانوني»؛ وأضاف قائلا، إن «المضمون الحقيقي لقانون القومية هو مضمون تمييزي وإقصائي ضد المواطنين غير اليهود، وجلّهم من المواطنين العرب. يخلق قانون القومية حالة تفضيل لقيم الدولة كدولة يهودية على قيمها كدولة ديمقراطية». قال جورج وصدق. لقد مضى عامان على ما كتبه القاضي ابن مدينة يافا، وما توقعه هو وجميع من عارضوا القانون، تحقق ببركة السيدة حيوت وزملائها الذين يحاولون اليوم إنقاذ مؤسستهم «وكرامة المواطن» على حد تعبيرها.
نحن في مأزق كبير ولا نعرف ماذا نعمل وكيف يجب أن نتصرف؛ فوضعنا القانوني داخل إسرائيل يزداد تعقيدا، ومكانتنا كمواطنين محميين جزئيا بمظلة مواطنية، تتراجع وتفقد معظم دروعها وكوابحها الحامية. تتصرف الأغلبية بيننا وفق حكمة أجدادنا الذين روضتهم، عبر مئات السنين، سياط الحكام الأجانب وقصص «أيام السفربلك» وأهازيج «حيّد عن الجيشي يا غبيشي»، وصاروا يكتفون بالعيش بعقيدة «امشي الحيط الحيط وقول يا ربي السترة» أو «نفسي وبعدها الطوفان». أما الآخرون فقد فقدوا الثقة بمؤسسات الدولة ويتهمون إسرائيل كمسؤولة عن جميع مصائبنا، ولا يهتدون ولا يهدون شعبهم إلى البدائل الكفيلة لحماية مجتمعاتنا من سطوة الحكومة وأذرعها، أو من تفشي الجريمة والرذيلة في مواقعنا، أو من سقوط حامياتنا الأخلاقية وحواضنها الاجتماعية والسياسية وغيرها. لن يأتينا الفرج من المحكمة العليا الإسرائيلية؛ لكنني اتمنى ألا تسحقها القوى الظلامية والميليشيات العنصرية والكتائب الفاشية. فنحن على أعتاب حقبة خطيرة للغاية أتوقع أن نشهد فيها جملة تصعيدات على عدة جبهات؛ فالأوضاع في الأراضي المحتلة على حافة الانفجار والأيام المقبلة حبلى باليأس وبالديناميت. إن ازدياد منسوب الجريمة والعنف بيننا في تصاعد حتى بتنا نواجه حالة من «حلة الحكم» والعيش بحالة من الخوف وفقدان مشاعر الأمن الشخصي والمجتمعي. وتتراجع أوضاع المجالس البلدية والمحلية بوتيرة متسارعة، حتى باتت مؤسسة الحكم المحلي كلها تواجه خطرا على وجودها وخللا جوهريا في إمكانيات تأدية مهامها وواجباتها في حماية وخدمة مواطنيها. أما الأحزاب السياسية التقليدية فدخلت إلى غرف الإنعاش ولا أمل في أن تخرج منها سالمة، ومثلها تعاني معظم مؤسساتنا السياسية والمدنية القيادية؛ وأخيرا أتوقع أننا سنشهد حملة من ملاحقة القطاعات المنتجة للفكر وللتعليم والاقتصاد داخل مجتمعاتنا، فلن يكون المعلم أو الموظف محصنا من ملاحقة «الأخ الأكبر» أو عيون السلطان، أما الشركات العربية الكبيرة فلن تُترك لتعمل كمملكات عربية مستقلة، إذ يجب إخضاعها للسيد اليهودي. باختصار سوف نواجه حالة سنطالب فيها أن نقبل العيش تحت مظلة وعصا يهوديتين ترفعهما حكومة تؤمن بفوقية يهودية ربانية، أو إذا رفضنا فإننا سنعاقب. فهل في هذه الحالة سيكفي أن نقول ونردد في كل مناسبة وبعد كل مصيبة «نحمل إسرائيل المسؤولية»؟ هل هذا كاف؟ وهل هذا الشعار لوحده في المشهد الإسرائيلي الحالي صحيح؟ هل إسرائيل اليوم هي فعلا واحدة؟ ألا يتوجب علينا أن نفتش عن إسرائيل الأخرى؟ أو ربما علينا أن نوجدها مهما كانت المهمة صعبة، أو حتى قريبة من المستحيلة.
لن يأتينا الفرج من المحكمة العليا؛ ولا يبدو أن مصيرنا، كمواطنين وأصحاب أرض يشغل، لغاية الآن، بال معظم المتظاهرين ضد حكومة نتنياهو وحلفائه، وعلى الرغم من ذلك لا يجوز لنا ألا نفرق بين المعسكرات الإسرائيلية وأطيافها الواضحة؛ فإسرائيل، التي نعتبرها وحدة عدائية واحدة، تعيش أزمة حقيقية متعددة الأوجه، إحداها هي الأزمة الدستورية، وأهمها حالة الصراع على طبيعة نظام الحكم وعلى مرجعياته، فهل هي التوراة أم وثيقة الاستقلال مثلا؟ والصراع على قيم الدولة الاجتماعية والأخلاقية الأساسية، هل هي الفوقية اليهودية، أم ضرورة تحقيق مساواة المواطنين العرب؟ والصراع على قدسية الخدمة العسكرية في ظل استمرار الاحتلال واضطهاد شعب آخر، هل ستواصل قطاعات يهودية متدينة واسعة، الامتناع عن تأدية تلك الخدمة، أو هل ستستمر الشرائح التي تخدم في جيش الاحتلال تأدية خدمتها؟ إنها في الواقع أكثر من إسرائيل حتى لو ظهرت ضدنا كأنها إسرائيل واحدة..
كاتب فلسطيني

 

 

همسات محام، جليلي

في القدس ومقدسي في الجليل

 

جواد بولس

 

كيف تغيّرت القدس اذا تغيّرت بنظرك؟ وهل تغيرت أوضاعنا عن أوضاعكم التي عشتموها حين جئتم شبابًا اليها ؟ هكذا سألتني أبنتي دانة قبل يومين، في السادس من أيلول /سبتمبر، وإنا أتمم ليلتها السابعة والستين عامًا من عمري، وأصبح، بمقتضى قوانين الدولة، "مواطنًا مسنًا" . لم أكن فرحًا تماما بحلول ذكرى يوم ميلادي ، وهي في عرفنا الاجتماعي مناسبة للفرح، ولا حزينًا تماما ؛ بل كانت أفكاري مشوشة حتى حد الفوضى، ومشاعري مضطربة. منذ أن بلغت الستين بدأت في مثل هذا اليوم أشعر كأن كسلا شديدا يستوطن رأسي؛ وكأن عقلي يدخل في حالة من الشلل المؤقت ولا يدعني استعيد بعضًا من حالي واستحضر فصولاً من تعاريج حياتي الطويلة الماضية. في الحقيقة، لم تكن رحلتي من كفرياسيف، مسقط رأسي الجليليّ الأنيق الى القدس ، عاصمة السماء، بسيطة وعادية. ولم أكن أتخيَل يوم اخترت الدراسة في كلية الحقوق في الجامعة العبرية، أنني سأبقى في القدس وأنني سأعمل فيها محاميًا متخصصًا في الدفاع عن أسرى الحرية الفلسطينيين وعن كثير من المؤسسات الفلسطينية وعن قياداتها . حصل ما حصل وكأنه كان من تدابير القدر، أو ، ربما، هو حظي الذي سخّر لي الظروف قبل ثلاثة وأربعين عامًا، وأتاحها كي أمضي في طريق كان مليئًا  بالتضاريس الصعبة، وبالمحطات التي عرفت على أرصفتها  الشقاء والفرح والرضا . كنت شابا لا يعرف الكلل ولا يهاب عواء الذئاب وكانت سجون الاحتلال تعرفني ويعرفني سكانها، المناضلون الفلسطينيون الذين ضحوا، وما زالوا بضحون، بالغالي في سبيل تحرير أرضهم وحرية شعبهم من نير الاحتلال.  لم أنحز في عملي لفصيل فلسطيني على حساب فصيل آخر،  فكل المضطهدين كانوا إخوتي، وكل السجناء ، على اختلاف انتماءاتهم الوطنية والاسلامية، كانوا أمانات في عهدتي. لن يكفي مقال ولا حتى كتاب واحد للحديث عن تجربتي التي كنت فيها شاهدًا على تداعيات وتقلبات كثيرة ولافتة في مسيرة نضال الشعب الفلسطيني ، بشقيه : نضالنا نحن  الفلسطينيين الباقين في الوطن، ونضال أشقائنا الذين قرّبتهم منا نكسة حزيران في العام 1967، وواجهوا مثلنا اسرائيل، التي من شهوة لا تشبع ورصاص لا يرحم وفحم ودم ، وخبروا، على أجسادهم،  انها ليست كما كان يصفها بعض العرب، مجرد فقاعة واهية وكيانا مزعوما ومؤقتا وخللا في حسابات التاريخ سيسوّى قريبًا . لقد أنهيت دراستي الجامعية وبدأت تدريبي في مكتب المحامية الشيوعية المناضلة فيليتسيا لانغر  وأُجزت محاميًا، لأبدأ بعدها مسيرتي وأنا أعاني من حالة "انشطار نفسية"، اذ كنت، طيلة العقود الخمسة الماضية ،  أعتبر جليليًّا في عيون معظم المقدسيين وفي سائر أرجاء فلسطين ، وأحيانًا جليليّا مسيحيًا في عيون بعضهم، ومقدسيا في عيون الجليليين وبين عرب الداخل؛ أما مؤسسات وجنود الاحتلال فلقد اعتبروني وزملائي المحامين "مخربين" نخدم "مخربين". إنها مفارقة أو ملابسة أنجبها لنا القدر، واضطررنا أن نعيش في كنفها باضطراب هويّاتي دائم، أنا وآلاف "النازحين" الفلسطينيين من عرب الداخل، منذ تركنا قرانا ومدننا في اسرائيل، واستوطنّا / سكنّا القدس ومناطق فلسطينية اخرى ساعين وراء أحلامنا أو رغبة منا بالتأكيد، ونحن الوافدين الى أحضان أشقائنا الفلسطينيين، على هويتنا ، أو من أجل تأمين أرزاقنا بوجود فرص للعمل والتعلم والتقدم رغم وجود الاحتلال، أو ربما بسبب احتياجاته.       

 

 لم أنو اليوم منذ البداية الكتابة في الشأن الفلسطيني العام ولا عن المناسبة الخاصة التي سألتني فيها ابنتي عن شعوري ورغبت أن أستعرض، من أجل الافادة، أمام الحاضرين بعض خلاصات تجربتي المهنية والانسانية بعد أربعة عقود من العمل الحثيث في مواجهة الاحتلال ومؤسساته القضائية.  كنا نجلس في القدس، في مطعم "سيتي ڤيو". وهو مطعم يتربع على أنف "جبل الزيتون" ويطل على البلدة القديمة التي كانت تبدو أمامنا كعروس نائمة وتحلم كما في الاساطير. كان الوقت مساء وفي الجو تهيم النسمات وتلفنا بحريرها المقدسي. استوعبت سؤال أبنتي ومرادها من ورائه وهممت باجابتها الا أن أمها قاطعتني وهي تشير بيدها نحو القدس وتقول : هل هذه هي القدس التي عشقتك وعشقتها أنت ؟ ثم أردفت بلهجة كسيرة وقالت:  تذكّر وأنت اليوم  تطوي 67 عامًا، ماذا تبقى من القدس التي جئتها بعد هزيمة العام 1967 وكانت تلملم جراحها وتقاوم وترفض الاستسلام ويرفض اهلها التدجين أو الانصهار ؟  

حاولت ألا أكتب مرة أخرى عن القدس لأنني كنت قد كتبت عن جراحها بعد رحيل أميرها فيصل الحسيني مرات ومرات، فقلت لجلسائي أن الحديث عن القدس بالنسبة لي في مثل هذه المناسبة يشبه  النبش في جرح ينزف في صدري قيحًا ودما؛ فهي وان كانت المبتدأ في كلام العرب وكانت عند معظم المسلمين الخبر، بقيت الضحية الذبيحة وحرثًا مباحًا لسكك ولمعاول الغاصبين. المشكلة، يا بنيتي، انني وكثيرين مثلي قد أضعنا بعد أربعين عامًا فلسطيننا وقدسنا وقضيتنا. اضعنا القدس وبقي العرب والمسلمون يحررونها في الصلوات ويسجنونها وراء أسوار الوهم وتحت قباب مقدسة، فهم يهتفون لها من على منصات الوهم بينما يعمل المحتل على ابتلاع جغرافيّتها وتحريف تاريخها وتفتيت هوية مجتمعها عن طريق اغراق حاراتها بالوعود وبالتساريح  وبالتصاريح  وبالفضة.

لقد جئت القدس بعد الهزيمة  فوجدت أهلها صابرين يرفضون العيش في مذلة ويصرون على المحافظة على هويتها الفلسطينية الواضحة التقاسيم والمعالم. ودافعت عن الأسرى وبينهم مناضلين مقدسيين كانوا لا ينامون إلا على عهد الكرامة والوفاء لامهم فلسطين، والقسم بولائهم لها واعتبار كل سائر الانتماءات مجرد تفاصيل ثانوية وسطورا هامشية في صفحة الهوية الخلفية .  

فلسطين التي دافعت عن مناضليها لا تشبه فلسطين اليوم، والقدس التي عشقناها لا أجدها؛ وفي الوطن نسمع منذ سنوات أحاديث التيه وضياع الأفق واختلال معاني الثقة وفقدان الأمل.  

أتعبتني فلسطين العارية، والقدس عليلة تنام عميقًا في الصدى بعد أن استبدلت فرسانها وهجرت سواقيها وأطاحت بنواطيرها، فلسطين التي تسألوني عنها تفتش اليوم عن بقايا روحها والقدس تبحث عن ذراعها عساها تجد وريدها. أقول لكم هذا الكلام وفي قلبي غصة لأنني كابن لجيل خدم فلسطين في عصر كان اصرارها وعنادها ورفضها لكل ضيم أعلامًا ترفرف في زاوية ومنحنى، لن أنسى أنني تعلمت على أرضها معاني جديدة للفرح وللوجع وللنصر وللخيبة ؛ وتعلمت منها كيف يكون الوفاء ولمن يجب أن تطلق الأناشيد ولمن تطيّـر الزغازيد  وخبرت في ميادينها كيف تصطاد "العصافير" وتسقط فوق قباب الحق أو داخل أقبية الظلام. وفي فلسطين رأيت متى وكيف تخون نفوس الرجال أضلعها ويصير الواحد مسخ شيطان أو خنجرًا من سم وطين مغروسًا في خواصر الوطن .  

ما أجملها من رحلة فلسطينية وما أتعبها تجربة ؛ حاولت خلالها أن أبقي كفرياسيف، قريتي الجليلية  معشوقتي الأثيرة من دون أن تزاحم القدس، مقلة العين وعاصمة السماء، التي من أزقتها انطلقت، قبل تسرب اليأس الى جدراننا، لمطاردة السراب في محاكم الاحتلال وفي سجونه. عشت بين كفرياسيف والقدس وعلى أكتافهما  هرمت،  وفي تلك المسافة، بين المرفأين، فتشت ووجدت معاني الحياة ونعمة الانتماء. على تلك الدروب صيغت هويتي وعليها تعبت وشاخت. 

ماذا تعلمت خلال عام منصرم وبعد بعض مسيرة ؟ 

تعلمت أن هوية الشعب تكون مثل الشجره فاذا لا يعتني بها أصحابها ولا يحافظون عليها تعبث فيها الرياح فتذبل وتهوي. وتعلمت أن الامل هو مرجل الارادة ومحرك النضال فان فقده الناس تشلّ عقولهم وتموت قلوبهم ويسكن الصمت في حناجرهم. وتعلمت أن شعبًا لا يعرف للحب معاني ولا يمارس من أصنافه إلا حب ما يدخل الجيوب والاجساد ستكون مسيرته نحو الحرية والنور صعبة وعسيرة.  وتعلمت ان شعبا يسعى للتحرر من نير قمع الاحتلال ومن الاستعباد ولا يسكن الوفاء قلوب أبنائه، وأبناؤه ولا يحترمون حقوق المختلف الآخر ولا قدسية الحياة، ستبقى حريته منقوصة ونضاله أعرج . 

لقد تعلمت في السنوات الأخيرة من صوت الرصاص المنفلت في مواقعنا إنه بالفعل قد تساوى بعد اختراع المسدس الجبان مع الشجاع. وتعلمت بعد شيوع مظاهر التفاهة وتكاثر التافهين، كيف مع اختراع الحواسيب وشبكاتها العنكبوتيه تساوى الانسان العالم مع التافه الجهول.            

تحدثت عن القدس التي تربينا في حاراتها وشوارعها وعن فلسطين التي كانت قضية كل واحد منا، وكنت أشعر بالحسرة وبالحنين. خبّرتهم كيف كنا مستعدين لبذل ما نقدر عليه في سبيلها وكانت هي بالمقابل تجازينا بالكرم وبالحنان وبالأمان. كنت أحاول أن أتخيّل ماذا سأفعل بعد بلوغي ال67، وأشعر أن للقدس روحا كانت  تسمعني وأنا أتحدث عنها من بعيد، وأنها مثلي تشعر بالوحدة وبالخذلان،  لكنها ليست مثلي يائسة، لأنها، كما قلت هي عاصمة السماء ومقلة الوطن وقاف الحق الأبدية.

قبل يومين عبرت عتبة عام جديد، وأنا ما زلت ذلك الجليلي في القدس والمقدسي في الجليل؛ عبرتها وسأمضي كي أفتش عن خلي الوفي الذي سيحمي قلبي وظهري اذا ما غفوت ذات يوم سهوا في المكان الخطأ؛ ولأبحث عن الحكمة وراء القضبان عند من يربون الأمل رغم غدر السنين وعتمة الزنازين . سأكمل الطريق، اذ لا طريق آخر عندي، وسأصغي لحدسي فأهمل الساقطين وأرشف ما تبقى لي من رحيق في الدنيا مع الاحبة والأصدقاء.   

 

 

كي لا تسقط قلعة الأحرار…

قلعة الحركة الأسيرة في فلسطين

جواد بولس

 

 سأبدأ مقالتي بتزويد القارئ ببعض المعطيات حول الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي؛ في محاولة مني لتقريب واقع هذه القضية الحارقة إلى القراء وكي لا يبقى الحديث عنهم مجردا ومطلقا.
يقبع في هذه الأيام داخل سجون الاحتلال حوالي (5100) أسير فلسطيني موزعين على ثلاثة وعشرين سجنا ومركز توقيف وتحقيق. من ضمنهم (32) أسيرة تقبعن في سجن الدامون القريب من مدينة حيفا و(165) طفلا وقاصرا موزعين على سجون «مجدو» و»الدامون» و»عوفر»؛ أما فئة من نسميهم «بالأسرى القدامى» فعددهم (22) أسيرا، أقدمهم هو الأسير محمد الطوس المعتقل منذ عام 1985؛ بالإضافة إليه هناك (11) أسيرا من محرري «صفقة الأحرار» وهم الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم مرة ثانية، علما بأنهم كانوا في الأصل قد اعتقلوا قبل اتفاقية أوسلو، وحُرروا ضمن صفقة تبادل في عام (2011)، ثم أعاد الاحتلال اعتقالهم في عام (2014)؛ ويعدّ أبرزهم الأسير نائل البرغوثي، الذي يقضي أطول فترة اعتقال في تاريخ الحركة الأسيرة بواقع دخوله، قبل مدة وجيزة، عامه الـ(43)، قضى منها في السجن بشكل متواصل مدة (34) عاما. ومن بين الأسرى (558) أسيرا محكومين بالسجن مدى الحياة؛ ويبلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة (237) شهيدا منذ عام 1967، بالإضافة إلى مئات الأسرى الذين استشهدوا بعد تحررهم، متأثرين بأمراض أصيبوا بها خلال فترات اعتقالهم. وما زالت إسرائيل تحتجز جثامين (11) أسيرا كورقة للتفاوض حول مصير بعض المفقودين من جنودها. وتفيد المعطيات عن وجود حوالي (700) أسير يعانون من حالات مرضية متفاوتة الخطورة، من بينهم (24) أسيرا ومعتقلا على الأقل مصابين بالسرطان. ويناهز عدد المعتقلين الإداريين الـ(1200) معتقلا، من بينهم ثلاث أسيرات وما يزيد عن (20) طفلا، وهو أكبر عدد أسرى إداريين معتقلين من دون تحقيق ومن دون لوائح اتهام، وبلا محاكمات منذ سني الانتفاضة الثانية؛ كما يبلغ عدد الصحافيين المعتقلين (18) صحافيا.

سأكتفي بهذه النبذة عساها تقرب القارئ إلى واقع يعيشه وعاشه آلاف الفلسطينيين حين قرروا أن يضحوا بالأغلى لديهم في سبيل حرية شعبهم وتحرير وطنهم، وبنوا، عبر الزمن، أعلى صروح الكرامة الوطنية في تاريخ النضالات الفلسطينية، وقلعة عرف قيمتها العدو قبل الصديق كان اسمها وما زال «الحركة الأسيرة الفلسطينية».
لقد كانت قضية الأسرى الفلسطينيين الأمنيين دائما عنوانا مهما لدى السياسيين الإسرائيليين، ومحورا مميزا لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية على أنواعها؛ لكنها تحولّت مؤخرا إلى جبهة صراع أساسية مستهدفة من قبل حكومات اليمين المتطرف. ومن الملاحظ أن الحكومة الجديدة، والتي سبقتها، بدأت تتعامل مع قضية الأسرى الفلسطينيين وفق منحى لافت وصدامي، وبوتيرة متسارعة وأولوية بالاهتمام، حتى غدت قضية الأسرى عنوانا، مثلها مثل قضية تعزيز الاستيطان ومخططات تعميق سياسات الأبرتهايد في جميع الأراضي المحتلة، والإمعان في ترسيخ مفاهيم «قانون القومية» وإسقاطاته العملية على حياة المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل؛ ويبدو أن الحكومة الحالية قررت تحويل قضية الأسرى الفلسطينيين إلى «أزمة قومية وجودية» إسرائيلية يجب معالجتها من جذورها. لم يكن هذا التحوّل الخطير اللافت من قبل الحكومات اليمينية المتطرفة العنصرية عبارة عن نزوة سياسية عابرة، أو مجرد عجرفة فردية لهذا الوزير العنصري الأحمق، أو تنفيسا لرغبة ذاك الوزير الفاشي الحاقد؛ بل هو انقلاب جذري على واقع كان قائما داخل سجون الاحتلال، منذ سنوات طويلة، حيث كانت معالمه وقوانينه الناظمة قد فُرضت وتشكّلت خلال معارك ومواجهات كفاحية خاضتها أجيال من المناضلين والمناضلات الفلسطينيين، بعد أن رفضوا الإذعان لسلطة وسلطان السجان الإسرائيلي ومحاولاته لتحويلهم من مناضلين أصحّاء، ضحوا من أجل حرية شعبهم وتحرير وطنهم من نير الاحتلال، إلى إرهابيين مسلوبي الإرادة والكرامة الشخصية والوطنية. وإذا نظرنا إلى هذه المسألة بعمق، سنجد أن تغيير السياسات الإسرائيلية إزاء مكانة وحقوق الأسرى الفلسطينيين يشكّل في الواقع بعدا مكمّلا ومتداخلا مع عناصر الانقلاب الحاصل داخل نظام الحكم الاسرائيلي، وجزءا من منظومة مفاهيم التيارات الجديدة الصهيونية الدينية الحاكمة، والمتماهية مع مخططاتها ومواقفها إزاء مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة ومكانة الفلسطينيين عليها. فهذه القوى لا تؤمن بحل الدولتين ولا بأي حل سياسي آخر، يضمن للفلسطينيين استقلالهم ونيل حقوقهم الوطنية، أو أيّ جزء منها، كما كان يجسدها ويضفي عليها الشرعية نضال ووجود الحركة الأسيرة؛ ومع صعود قوة هذه التيارات الظلامية بات واضحا أنهم لن يقبلوا باستمرار وجود حركة فلسطينية شرعية متماسكة وموحدة، كانت وما زالت كيانية أفرادها الجمعية تعكس قيم الأمل والكرامة ورفض العيش بمذلة تحت عنجهية المحتل. لقد شاهدت هذه القوى العنصرية المتطرفة كيف تحوّلت الحركة الأسيرة الفلسطينية، وهي داخل معتقلات الاحتلال وبموافقة المسؤولين في السجون والوزارات الإسرائيلية المتعاقبة، إلى رمز يوّحد الشعب ويعزز طموحه وإصراره على البقاء الحر، وشاهدوا كذلك كيف لم تنقطع مكانة هؤلاء المناضلين، ولم يتوقف تأثيرهم في كونهم أسرى وراء القضبان، بل إن معظمهم يستمرون بعد الإفراج عنهم بتمثيل تلك القيم النضالية والمفاهيم الإنسانية داخل مجتمعاتهم المحلية. لقد شاهدوا كل ذلك وانتظروا إلى أن لاحت لهم الفرصة فقرروا تنفيذ خطّتهم: إنها خطّة الحسم والقضاء على الحلم والأمل الفلسطينيين، وهذا لن يتم، وفق ما يؤمن به هؤلاء الظلمة، إلا بالقضاء على الحركة الأسيرة، كما كانت وكما هي اليوم: ضابط نبض الشارع الفلسطيني الوطني وحارسه.
في ظل هذه التحولات يجب على جميع الجهات الفلسطينية، ذات العلاقة بهذه القضية الوطنية الكبرى، إعادة الحسابات والعمل فورا على مواجهة المخططات التي بدأت الحكومات الإسرائيلية، منذ بضع سنوات، بتنفيذها ضد الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، وحققت في مساعيها، لغاية الآن، للأسف، جزءا من أهدافها. لست في معرض التعرض لمخطط مفصل حول ما يجب فعله في وجه الحملة الإسرائيلية المتصاعدة، لكنني على يقين من أن الحركة الاسيرة هي العامل الأهم في هذه المواجهة، وهي صاحبة الخبرة والرأي والحق في إعداد ترتيباتها للحفاظ على تماسكها وقدرتها على تقويض المخطط الإسرائيلي وإفشاله؛ فالأسرى، خاصة القيادات العتيقة والمجربة بينهم، يعرفون أن تبعات كسر إرادتهم أو هزيمتهم في هذه الحرب المستعرة، ستتعدى حدود مواقعهم وراء القضبان وسلب حقوقهم الأساسية ومستحقاتهم الحياتية التي حصّلوها بالعرق وبالدم و»برموش العين»، كما نقول في فلسطين، فتبعات الهزيمة ستتعداهم وستمس أيضا بقوة وبحصانة الشعب كله، وستؤثر، بطبيعة الحال، في جوهر النضال الفلسطيني وشرعيته وعلى استمرار مسيرة التحرر. كلنا نعرف أن الحكومة الإسرائيلية عازمة على تنفيذ مخططاتها المعلنة، وفي طليعتها، كما قلت، قمع الحركة الاسيرة وإلحاق الهزيمة بقياداتها. ولا يجوز لأحد الرهان على إمكانية سقوط أو إسقاط هذه الحكومة، أو على احتمالات مواجهتها من قبل قوى المعارضة الإسرائيلية الناشطة حاليا، فالصراع الدائر داخل إسرائيل لا يرى بمكانة الأسرى الفلسطينيين وبحقوقهم هاجسا يجب الالتفات اليه، وسيكون من الغباء التعويل على أي اسناد محتمل من هذه الجبهة. بالمقابل، وعلى الرغم من جميع العثرات والمعوقات القائمة في المشهد الفلسطيني، من الضرورة البناء على دعم الساحات الفلسطينية وعلى الإسنادات الدولية؛ فعلى الساحة الفلسطينية توجد جاهزية شعبية «فطرية» لدعم الحركة الأسيرة؛ بيد أن هذه الجاهزية لوحدها في الواقع الفلسطيني المنهك والمتداعي، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، لا تكفي؛ وفلسطينيا، تقف مؤسسات السلطة وقياداتها بوضوح وبحزم إلى جانب الحركة الأسيرة وتدعمها بعناد، رغم كل الصعوبات والضغوطات عليها؛ تماما كما يتوقع من بلد يحترم مناضليه. بيد أن أوضاع البلد العامة وتفاقم بعض الصراعات الداخلية شكّلت عناصر مشوّشة على الأداء المرجو. لا يمكن الانتظار، فالآتي قريبا سيكون أخطر وأعنف، ولذلك فهنالك حاجة ملحّة إلى مركزة العمل ومنهجته بمسؤولية وطنية وبعقلانية وبمهنية. إن «هيئة شؤون الأسرى والمحررين» هي عنوان ملائم لقيادة هذه المهمة محليا ودوليا، وإلى جانبها سائر المؤسسات التي ترعى شؤون الأسرى وحقوقهم. إن العمل على مركزة العمل ومنهجيته بعقلانية وبمهنية، سيضمن، من جهة، تحييد الصراعات الفصائلية الداخلية عن هذه المسألة الملحّة والجامعة؛ ومن جهة ثانية سيضمن تجنيد المنافسات الإيجابية الجمعياتية والمؤسساتية لمصلحة إنجاح المجهود العام ونجاعته، عوضا عن تكريس المناكفات التقليدية المنهكة والمهلكة، أو الاستمرار في خوض حروب القبائل والفرسان.
كاتب فلسطيني

 

 

لا دين للظلم ولا لضحاياه

جواد بولس

 

انتشر قبل ثلاثة أيام، في مواقع التواصل الاجتماعي، شريط فيديو لمواطن أمريكي مسلم تعرّض، حسبما يظهر في الشريط الموجود حاليا على موقع يوتيوب، لتفتيش أمني مذلّ من قبل طواقم الأمن الإسرائيلي في مطار بن غوريون. ويظهر في هذا الشريط المواطن وهو بصحبة امرأة تحاول حثه، بصوت عال، للإسراع وتحمّله ذنب تسبّبه بتأخير سفر ثلاثمئة راكب، اضطروا أن ينتظروه داخل الطائرة، حسب أقوالها. في الشريط يظهر وهو يطلب منها ألا تصرخ عليه، لأنه لم يكن هو السبب في ذلك التأخير، ويشدّد على أن عناصر الأمن الإسرائيلي مذنبون، لأنهم أخضعوه للتفتيش لمدة ثلاث ساعات، حتى أنهم أجبروه خلالها أن يخلع جميع ملابسه ليتركوه عاريا أمامهم. ويرى مشاهد ذلك الشريط كيف يدخل المسافر الى بطن الطائرة وهو يعتذر من الركاب ويعلمهم أنه تأخر بسبب احتجازه لدى عناصر أمن المطار وإخضاعه لعملية استجواب وتفتيش، كان يعتذر ويؤكد انهم عرّوه بالكامل، فلا يكترث أحد لذلك على حد تعبيره. ويقول: “لقد عرّوني لأنني مسلم، هذه هي الحقيقة”. ثم نشاهده في لحظة ما وهو يبكي ويجهش ويقول: “هل تعرفون ماذا يعني ان تبقى عاريا.. كل ما أريده أن أعامل كما يجب ولو لمرة واحدة”. من الواضح أن ما مرّ به هذا المواطن الأمريكي المسلم كانت عبارة عن عملية إذلال متعمّدة لا علاقة لها بضرورات التفتيشات الأمنية، وهي كما نعرف، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، ليست محصورة على من هو مسلم ولا في ديانة بعينها؛ إذ واجهها منا المئات من جميع الديانات والملل، مسلمين ومسيحيين ودروز أيضا، وواجهها كذلك الكثير من مسافري الدول الأجنبية الذين زاروا إسرائيل من جميع أصقاع العالم.
تمارس إسرائيل سياسة الاذلال، من خلال عمليات التفتيش الأمني، بأشكال متعددة ومواقع مختلفة، لا في مطار بن غوريون وحسب، وتُعدّ حواجز التفتيش العسكرية المنتشرة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتلك المقامة على حدود أراضي عام 1967، واحدة من أهم وأبرز نقاط التماس التي تشهد على تلك الممارسات المُذلّة المتعمدة بكثافة ودون انقطاع.

بهدوء مهجري توجه قريبنا إلينا، وقال “أعرف أن العجز قاهر،

والإذلال قاتل، وأعرف كذلك أن الظلم باطل، والحق باق والأمل في الغد أقوى من كل الحواجز المحروسة بالسلاح وبالكلاب”

يزورنا من كندا في هذه الأيام ابن خالتنا وزوجته، ومعهما ابنهما وزوجته وطفلهما الرضيع، لخالتي وزوجها خمسة أولاد كانوا من سكان مدينة يافا، في حي العجمي تحديدا. لم تحتمل عائلتهم أجواء المَذلّة التي واجهوها قبيل وبعد حرب يونيو 1967 مباشرة، هي حرب الستة أيام التي لا يحب العرب ذكرها بهذا الاسم، لما يحمله من إهانة “لكبريائهم الحربية”، فهاجرت العائلة كلها إلى كندا. هاجروا وفي قلوبهم غصة وحلم لا ينام اسمه يافا. هذه هي المرة الأولى التي يزورنا بها الابن، وهو عمليا من مواليد الجيل الأول في كندا، برفقة زوجته البرازيلية ورضيعهما. قمنا باصطحاب العائلة وتعريفها على القدس وبيت لحم وبير زيت. وقبل العودة إلى يافا والجليل، زرنا رام الله. في المساء قررت، أنا وزوجتي أن نعود إلى يافا عن طريق عين عريك – نعلين، كي يتعرف ضيوفنا على طبيعة قرى الريف الفلسطيني. كانت الرحلة جميلة ومثرية، وصلنا في نهايتها إلى حاجز الجيش القريب من قرية نعلين أو “حاجز موديعين” حسب قاموس الاحتلال. في الحاجز عدة مسارات كي تستقبل مئات السيارات. كانت الحركة “سالكه”، وهي الكلمة التي نحبها في فلسطين عندما نقترب من الحواجز. دخلنا في أحد المسارات فاستقبلنا في نهايته شاب نحيف؛ مد من بعيد وحرّك أمامي إصبعا نحيفا فتوقفت. سألني من أين أتيت وإلى أين اتجه، فأجبته: “من رام الله وإلى يافا”. طلب بطاقات هوياتنا فأعطيناه وبعد تدقيقها أعادها وأمرنا بالتوجه إلى هناك، وأشار بالاصبع النحيف ذاته إلى سقيفة كبيرة. ففهمت أن رحلتنا مع الفرح قد انتهت، وسيبدأ فصل الشقاء والمذلّة، حاولت أن استفسر عن سبب قراره بينما كانت تمر أمامنا عشرات السيارات، فأشاح بوجهه عنا وتطلع نحو السيارة التي خلفي وأشار بإصبعه نحوها، كانت سيارة قريبي الشاب وزوجته وطفلهما. تقدمت نحو السقيفة، ولحقني، بعد لحظات، قريبي الشاب وزوجته. كنا في حالة سكون وغضب دفين. بعد لحظات توجهت إلينا مجندة من مهاجرات إثيوبيا، كانت متحمسة بشكل لافت وصارمة كالليل، فطلبَت أن أفتح جميع أبواب السيارة وأن نخرج نحن ونخرج جميع الحقائب وأن ندخل الى ذلك المبنى، وكانت تشير بيدها نحو باب لم نعرف ما وراءه. سألتها إذا كانت تنوي تفتيش جميع الحقائب يدويا، فقالت: “أمامكم خياران: إما إن نفتشها يدويا، وإما أن تقوم الكلاب بتفتيشها”، وأشارت نحو مجندة شقراء كانت تجر كلبا أشقر كبيرا. قلت لها اعتقد أن الوضع يلائم أكثر لفحص الكلاب فدعوا الكلاب تنهي المهمة. نظرت نحوي باشمئزاز وقالت: “إذن اتركوا كل شيء وادخلوا إلى هناك”. وإلى جانبنا كانت مجندة أخرى تطالب ابن قريبي وزوجته أن يُخرجوا من سيارتهم جميع الحقائب وكذلك طفلهم، رغم أنه كان يغط في نوم عميق في مقعده الخاص. حاولنا أن نقنعها بأن تشفق على الطفل وتتنازل عن إيقاظه، إلا أنها أصرّت وصرخت بشبه تهديد: “لن أكرر طلبي مرة أخرى”. فهمَت أمه البرازيلية من الإشارات، ما تريده المجندة فنقرت على كتفه نقرتين فصحا، بكى الطفل في البداية ثم تبسم وهدأ، ودخلنا نحن السبعة وراء الباب. كانت الغرفة معدّة للتفتيش وفيها ماكنة لفحص الحقائب، وبوابة لفحص البشر. سمعنا من ورائها صوت فتاة يطلب من كل واحد منا أن يضع جميع ما عليه وفي يديه داخل الماكنة، ثم ندخل بترتيب وبنظام في الباب المغناطيسي. دخلنا تباعا فطلبت من كل واحد منا مرة أخرى بطاقة هويته وهاتفه وقامت بفحصها بجهاز يشبه فرشاة الشعر. ثم توجهت إليّ وطلبت أن أفتح حقيبتي الخاصة، بعد أن مرّرتُها في الماكنة؛ فأخبرتها بأنني محام ولن أقبل أن تفحص الأوراق التي بداخلها. نظرت إليّ مستغربة من “وقاحتي”، لكنني بدوتُ مصرّا، فقبلت بعد مناقشة بسيطة أن تنظر إلى داخل الحقيبة، ثم طلبت مني أن أعيدها إلى فحص مكرر داخل المكن، كأنها كانت تريد الثأر “لكرامتها” ومعاقبتي.
خرجنا من الغرفة فوجدنا الحقائب ملقاة على الأرض والكلاب قد أنهت مهمتها؛ لكننا لم نجد من نكلمه. انتظرنا منهكين وواجمين حتى عادت تلك السمراء ووراءها الفتاة الشقراء تجر كلبها الأشقر. كان يبدو الفرح على وجهيهما. نظرَت إلينا وأعلنت بحركة بهلوانية بكفيها أنهم أنهوا المهمة، وبمقدورنا أن نعيد حقائبنا ونرحل.
كان الحر شديدا وكان الطفل يبكي وكنا نعاني من أعراض مشاعر اليأس ودوس الكرامة. كانت سيارات اليهود والمستوطنين تعبر الحاجز بحرية وبيسر ظاهرين، وكان بعض المجندين/ات يلوحون لهم أحيانا بأياديهم. رحنا نعيد أغراضنا إلى داخل السيارتين بصمت حانق، بينما كانت صدورنا تغلي بالوجع وبالصبر. لاحظت أن زوجة ابن خالتي، الفلسطينية الكندية تبكي بالسر وتحاول أن تخفي بكاءها عنا.
كانت يافا وجهتنا، حيث سيمضي أقربائي بصحبة أصدقائهم بضعة أيام، يعودون بعدها إلى قريتنا، كفر ياسيف الجليلية. “لا بأس، دعوهم يعربدون كما يشاؤون”، هكذا بهدوء مهجري توجه قريبنا إلينا، وطلب مني ألا أغضب، “فصحّتك أهم من سفالتهم” قال، وأضاف: “أعرف أن العجز قاهر، وأعرف أن الإذلال قاتل، لكنني أعرف كذلك أن الظلم باطل، وأن الحق باق وأن الأمل في الغد أقوى من كل الحواجز المحروسة بالسلاح وبالكلاب والمسكونة بالشر وبأصحاب النفوس المعطوبة”.
حاولنا أن ننسى ساعتين من الشقاء والمهانة، وكدنا ننجح لولا بكاء الرضيع المتواصل وصدى أوامر المجندات وطنينها في آذاننا. وصلنا يافا فملأت رائحة البرتقال صدورنا.
لا أعرف من يكون ذلك المواطن الأمريكي المسلم الذي انتشر شريطه قبل يومين على منصات التواصل الاجتماعي، لكنني كنت أتمنى لو يقرأ مقالي هذا، ليعرف، هو ومن يؤمن مثله، أن الشر، مثله مثل كل حالة وإيمان وسلوك، عندما يصبح مطلقا، لا يفرق بين ديانة وديانة ولا بين إنسان وإنسان. الشر في حالتنا هو طبيعة الاحتلال المطبوعة فيه والمطلقة، وهو طبيعة من يولدون في حضن هذا الاحتلال ويترعرعون في فضاءاته، وهو حين يولد يكون خالصا وطبيعيا. كم كنت أتمنى لو يقرأ هذا السائح عمّا نعانيه نحن في فلسطين كل يوم آلاف المرات، وليعرف أنهم عاملوه كما عاملوه ليس لأنه مسلم وحسب، بل لأن طبيعة هؤلاء الأشرار لا تعرف إلا أن تمارس الشر والظلم ضد المسلمين وغيرهم. قد يقرأ البعض ما أكتب هنا فلا يعيره اهتماما، أو قد يسخر منه، ربما لأنه قد عانى مثله، أو أقسى منه على أحد حواجز الاحتلال، أو في أحد المعابر الحدودية الإسرائيلية. عانوا ولم يكتبوا عن تجاربهم ولم ينشروها، لأنهم، كما قلت، قد اعتادوا ممارسة حياتهم اليومية في ظل الشر وفي كنف وكلائه. لقد اعتادوا على مسايرة الشر والظلم ومهادنته حتى الصمت والرضوخ. كم كنت أتمنى أن يعرفوا أن الصمت عن المذلة عبودية، وأن العيش في حضن العجز مذلة، ولا شيء سوف نتركه لأولادنا ولا لجيل ذاك الطفل الرضيع، سوى حفنة من الأمل، وإرادة تصر على مواجهة الظلم والظالمين أو على الأقل فضحه وفضحهم.
*كاتب فلسطيني

 

 

محمود درويش

في حضرة الندم

جواد بولس

 

تُذكّرنا هذه الأيام من شهر آب / أغسطس بالوجع، وتصيبنا الحسرة التي لا تشبه الحسرات المستوطنة أرض فلسطين مذ أعلنت السماء حبها الأثير لها وأمطرتها بالأنبياء وبالشعراء وبالهزائم؛ فذكرى رحيل محمود درويش، عندما تحلّ، توقظ فينا من جديد أسئلة الندم والوفاء والشوق، فهو «بعد الموت لا يطاق».
ماذا لو لم يسافر إلى أمريكا كي يجري العملية هناك، أو لو قرر ألا يجريها بالمرة ليكمل تلاوة تراتيله في الحب والحكمة والأمل حتى انفجار اللغم؟ ماذا لو أطال نومه في ذلك الصباح الماكر وفاته ميعاد الطائرة كي ينجو مصادفة مثلما نجا «لاعب النرد» من حادثة الباص حين تأخر عن رحلته المدرسية لأنه نسي «الوجود وأحواله عندما كنت أقرأ في الليل قصة حب تقمصت دور المؤلف فيها ودور الحبيب – الضحية، فكنت شهيد الهوى في الرواية والحي في حادث السير».
في كل عام منذ رحيله، في مثل هذه الأيام، يعذبني شعور غامر بالندم وتعيد ذاكرتي تفاصيل القلق الذي عاشه محمود بدون انفكاك، فهو لم يكن واثقا بصواب اختياره لإجراء العملية؛ وحتى آخر لحظات مغادرته رام الله كان يكرر السؤال عليّ وعلى سائر أصدقائه القريبين، ما رأيك، أخوض المغامرة أم أنسى وليكن ما يكون؟

لقد فرضت تجربة محمود درويش الأدبية مقاييس إبداعية وجمالية آسرة وطاغية حتى صار اتباعها أو الفكاك منها ورطة

لقد أمضى أيامه الأخيرة في الجليل، وفي صباحه الجليلي الأخير اصطحبته بسيارتي من بيت أخيه أحمد في قرية جديّدة وتوجهنا الى مدينة حيفا. كان هادئا كما يليق بعاشق يتأهب للقاء معشوقته، وأنيقا كياسمينة تلمّ في الصباح فوضى ليلها. فرك كفّيه، وهو على مقعد السيارة بجانبي، وببسمة عريضة كانت تستنفر هواجسه وقلقي سألني: «فكرك لازم أعمل العملية ولا بلاش»؟ ضحكنا بخفة مواربة، فكلانا كان يعرف أن الأمر قد نوقش حتى التعري الكامل وكان قد قُضي، فغدا سوف يترك فلسطين من رام الله ليتوجه الى عمان ومنها الى فرنسا مباشرة ثم الى هيوستن في أمريكا. وصلنا حيفا محطتنا الأولى. قضينا فيها بضع ساعات بصحبة أصدقاء والكرمل. كان محمود ممتلئا فرحا ونشاطا؛ كان يتحدث عن البحر وعن الأدب وعن الثقافة والمثقفين وعن الرواية والحب والأمل، لكنه لم يتحدث عن الرحيل ولا عن الموت. كان يلتهم الوقت وأنفاس الطبيعة، ولو استطاع لأوقف الزمن هناك تحت قبة السماء الزرقاء وفي ظل غابات السرو والصنوبر، لكنه كان يعلم أن لا وقت لنسيان الألم فلقد «كبرنا فجأة والعمر مرّ سريعا».
بعد ساعات من مداعبة الشمس، وقف وفتح يديه واستنشق جرعة كبيرة من الهواء كانت هي زاده لما تبقى من يقين، وودّع حيفاه كما تودّع الطير الأمكنة «نرحم أيامنا، نكتفي بالقليل». مشينا نحو السيارة وركبناها قاصدين رام الله فطلب ألا أسرع وكأنه كان يزرع البحر أسرارا ووعودا ويحمّل أمواجه عتبا وأشواقا.
كان عشاؤنا الأخير في رام الله وكان طويلا حتى ساعات الليل الصغرى. كنا ثلاثة، محمود وأنا وقد انضم إلينا الصديق عماد شقور. لم يكن عشاء عاديا، ولم نرغب بأن ينتهي. كان ليلنا حزينا فرغم رأفة الجو وضحكات الندى ورغم غنج العنب وتهافت الذكريات، كان هناك الصدى، وهو الوفي وصاحب صاحب الصوت وراسم حدود المدى، فمع كل نقرة ليل كانت الريح توشوش في آذاننا ببحة سيد الكلمات وناحِتِها، فتقول: «عندما تريدون الرحيل، ارحلوا.. لكن لا تعودوا، كونوا للرحيل أوفياء، لعلنا نكون أيضا لنسيانكم مخلصين».
واليوم يقلّ المخلصون. فها هي الذكرى تمضي وكأنها خدش طفيف على جسد فلسطيني منهك. قد تكون زحمة الحوادث المأساوية وراء هذا «النسيان غير المخلص» أو هو الرصاص يلعلع في مطارحنا فيقتل فينا الحاجة للوفاء لمن أسقانا في حياته الشهد ووشم على صدورنا صلبان النور، أو ربما هي السليقة المطبوعة في هويتنا الناقصة فهي «ما زالت قيد التأليف» وتعاني من تشوّهات مستفزة حتى الغضب.
لن استرسل في تعداد قائمة الأسباب التي أدت الى هذا النكران المتفشي في أوساط ثقافية أو مؤسساتية أو أكاديمية أو فردية، كان من واجبها، أو على الأقل هكذا كان يتوقع منها، أن تحتفي «بالشاعر»، هكذا بال التعريف، وبتراثه. إن الاحتفاء بقامة بحجم قامة درويش لا يكون من باب حاجة البشر لاحترام قيمة الإبداع، وواجبهم تجاه من يتميز بها والوفاء لكبارهم ولذكراهم، وحسب، بل لضرورة اغتنائهم والاستفادة، فائدة للعقل وللروح طبعا، من تراثهم، وهو في حالة الدرويش تراث فريد وغير مسبوق في العصور الحديثة.
لقد واجه محمود درويش في حياته عداوات شديدة وموجات تحريض ممنهجة أحيانا أو فردية عرضية في أحايين أخرى. وعلى الرغم من أنه كان لا يعير معظمها على الملأ اهتماما مفرطا وكان يهملها على الاغلب، فهو في الحقيقة كان يتضايق منها ويغضب على مفتعليها، وبالأخص حين كان يعرف ما هي حقيقة دوافع معظم من حاولوا الإساءة إليه. كان يزعجه أن بعض مَن قادوا تلك الحملات أو من وقفوا خلفها كانوا يعدّون أنفسهم من المقربين إليه أو حتى من حلقات «أصدقائه»، وكانوا في الواقع يمثلون شريحة واسعة من المرائين والحاسدين من جهة، والمفسدين الاجتماعيين من جهة أخرى. إنهم بخلاف من تعمدوا الإساءة لدرويش لأسباب سياسية أو عقائدية دينية، يُعدّون، وهكذا كان يعتبرهم هو في حياته، أسوأ شريحة من مدّعي الثقافة وأخطرها على تسميم فضاءات الإبداع السليم، وزعزعة روح الشعب حيال عملية الإنتاج الفكري والأدبي، وضرب مشاعر التكاتف في زمن ما زالت فيه فلسطين بحاجة لجميع ضروب التكاتف الذي يجب أن ينتعش، رغم التنافس، ضمن هوامش حرية الإبداع.
لقد شكّلت مسيرة محمود درويش الأدبية ومشروعه الشعري والنثري تجربة فريدة؛ وتحوّلت، خلال مراحل تطورها وارتقائها في سلم الإبداع الإنساني، الى نوع من «التحدي العصي» على سائر المتعاطين بفنون الشعر والأدب. أقول ذلك ليس لأنني ناقد أدبي، بل لأنني عايشت تلك الظاهرة كمتابع يحب الأدب الجميل، وكنت ألاحظ كيف تتعاطى معها جمهرة من المثقفين، العرب والفلسطينيين، خاصة الشعراء منهم والأدباء. فكثيرون حاولوا، عن دراية أو بدونها، تقليد أشعار الدرويش، من حيث الشكل والمضامين، فسقطوا بالتجربة. وآخرون حاولوا الابتعاد عنها حتى الجفاء، فسقطوا هم أيضا بالتجربة. بكلمات أخرى، لقد فرضت تجربة محمود درويش الأدبية مقاييس إبداعية وجمالية آسرة وطاغية حتى صار اتباعها أو الفكاك منها ورطة على الحالتين. من هنا أستطيع أن أتفهم بعض الشعراء والأدباء المصابين «بعقدة الدرويش».  لكنني لا أبرر لبعضهم الانتقال من موقع الغيرة والاجتهاد الى موقع الغيرة والتفتيش عن «مثالب» الشاعر وعثراته كما حاولوا خلال حياته ويحاول بعضهم بعد رحيله.
يزعجني أن اقرأ من حين لآخر «اكتشافات» جديده تنسب لمحمود درويش، سواء عن فعل يُدّعى أنه قام به أو قول قاله. وحين أفتش عن موجبات ذلك لا أجد خيرا في نشرها لا سيما بعد موته، بل الإساءة المتوقعة لاسم محمود درويش ولمكانته التي، بالرغم من جميعها، سيحفظها له التاريخ في سجل الخالدين. قد يقرّ البعض بحق هؤلاء في التعبير والكتابة باسم حرية النشر وحرية الرأي والتدقيق الأكاديمي، وأنا أيضا أقرّ بالحقّين طبعا، لكنني أخشى من نوايا بعض المستفيدين منهما، فليس جميعهم ينتمون لصفوف هذه «المدارس الليبرالية» ولا يؤمنون حقا بهذه الحريات، لذلك علينا التفتيش عن حقيقة دوافعهم. وإذا وضعنا محاولة البعض التعمشق على قامة محمود وتجريحها، أو أولئك الذين يبغون تصغيره كي يجدوا لأنفسهم مكانا في «بانتيون» الشعراء، أو غيرهم ممن يحاولون الاستئثار بخبر صاعق لجلب الانتباه والنظر؛ إذا استبعدنا، جميع هؤلاء، فسيبقى الجزء الذي ينتمي لفرق مكلّفة بتشويه رموز شعبنا وخلق البلبلة حول مكانتهم وحجمهم، التي يتوحد حولها الشعب بكل فئاته وانتماءاته، وتشكّل عمليا أحد مركبات الهوية الجامعة وصمغ الشعوب الناضجة، وفي حالتنا، الهوية الفلسطينية العربية العلمانية الإنسانية الجامعة. هؤلاء يخيفونني ويجب أن نواجههم، فهم يحاولون ليس تشويه الرموز فحسب، بل يفعلون ذلك ضد مؤسساتنا الوطنية والقيادية وقياديّيها التاريخيين أو الحاليين.
في صبيحة اليوم التالي غادر محمود درويش فلسطين ليعود اليها في كفن، وتبقى روحه فيها الى الأبد. وأنا هنا أعيش مع سطوة الندم وأتذكر ما قاله بوجع: «لو كان لي قلبان لم أندم على حب، فإن أخطأت قلت: أسأت يا قلبي الجريح الاختيار وقادني القلب الصحيح الى الينابيع». ما زلت أذكر كيف ودعته حينها ودبّ البرد في الكفّين، ولوّحنا بكفينا وشيء طاف في العينين»، فهل يُغضب كلامي أحدا ؟ فليَغضب!
كاتب فلسطيني

 

 

التطبيع… التباسات فلسطينية…

آمال المثلوثي ونادي الوحدات

جواد بولس

 

ما زالت تداعيات حدثين محليين تلاحقنا، وتثير بيننا مجددا عناصر الالتباس حيال مسألة تحريم التطبيع الثقافي مع إسرائيل؛ فالحدث الأول تمحور حول الانتقادات الشديدة التي رافقت زيارة الفنانة التونسية آمال المثلوثي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإصرارها على إحياء عدة حفلات في مدينتي رام الله والقدس، بينما اضطرت، في النهاية، لإلغاء حفلها في مدينة حيفا، خاضعة لضغوطات بعض الجهات التي تنادي بضرورة مقاطعة إسرائيل ثقافيا.
أما الحدث الثاني فيتعلق بنادي الوحدات الرياضي الأردني، الذي أعلنت إدارته قبل أيام معدودة أن لديها «توجها بعدم المشاركة في مباراة ضد فريق شباب الأهلي الإماراتي في الملحق المؤهل لدوري أبطال آسيا لكرة القدم لوجود شبهة تطبيعية»؛ والمقصود بهذه الشبهة هو مشاركة اللاعب الفلسطيني مؤنس دبور ابن مدينة الناصرة، المحترف حاليا ضمن صفوف النادي الأهلي الإماراتي، حيث سبق له وشارك كلاعب دولي ضمن منتخب إسرائيل. لقد أرجأت إدارة نادي الوحدات حسم قرارها في آخر اجتماع لها، لبحث تفاصيل هذه المسألة «بطريقة فنية وتفصيلية أكثر» كما جاء في الأخبار.

هناك اعتباطية قاسية أحيانا في نشاطات لجان المقاطعة، وملاحقاتهم لبعض الفنانين والأدباء الذين يقررون المجيء لفلسطين للوقوف مع أهلها والتضامن معهم

ما زالت مسألة تحريم التطبيع مع إسرائيل تخضع «لعادات وموروث قبائل العرب»، حيث لن نجد حولها إجماعا عريضا، من شأنه، لو وجد، أن يسهم في تحويلها إلى قضية موحِّدة ومؤثرة؛ ونجد في المقابل، أن بعض الفئات من الناشطين السياسيين الراديكاليين، استغلوا الأوضاع العربية الراهنة وتدهور الحالة السياسية والاجتماعية في معظم الدول العربية والإسلامية، وغياب أو ضعف مكانة الحركات الوطنية المركزية، وشل دور الصفوة والنخب وإخمادها، وعيّنوا أنفسهم أوصياء على وضع المساطر التعريفية لمعاني التطبيع، وقواعد تحريمه، ثم أعطوا لأنفسهم الحق بإصدار صكوك الغفران للناس، أو دمغهم بختم المطبّعين، كما حصل في السنوات الأخيرة، عندما تدخلت هذه الفرق، ولاحق زعماؤها فنانين ومثقفين جاءوا إلى فلسطين للمشاهدة والتعلم وللتضامن. تختص لجان مناهضة التطبيع مع إسرائيل في تحريم التطبيع الثقافي، بينما لا يلاحق القيمون عليها المطبّعين في المجالات والميادين الأخرى، وهي في الواقع الميادين الأخطر والأكثر تأثيرا في مصير فلسطين وفي مصالح شعوب الدول العربية، فأصول تحريم التطبيع بدأت سياسية وتبنتها علنيا أنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية والعالمية الحليفة؛ وهذه المقاطعة السياسية استوجبت بالضرورة، لعقود طويلة، المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، أو الكيان الصهيوني، كما كانوا يدعونه، وكذلك المقاطعة العسكرية والأمنية؛ ثم كانت المقاطعة الثقافية بمثابة تحصيل حاصل، ومثلها مقاطعة مؤسسات المجتمع المدني وجمعياته. لم يعد هذا الواقع قائما؛ وجميعنا يعلم كيف ومتى انخلعت جميع السدود، ومتى سقطت قلاع المقاطعة، علنا أو في السر، حتى أصبح، على ما يبدو، التشبث بالمقاطعة الثقافية هو الخيار اليتيم المتاح والشعار الأسلم لمن يرفعونه ويتشددون بضرورة إنفاذه؛ لأنه، بكل بساطة، يستهدف الأفراد – من فنانين وكتاب وشعراء ومهنيين خاضعين لنقابات قادرة على محاسبتهم كالكفرة وكالمرتدين- ولا يتعاطى مع أنظمة الحكم القوية أو المستبدة، ليست المطبعة مع إسرائيل وحسب، بل المتحالفة معها، ولا يتعاطى كذلك مع أصحاب رؤوس المال المتشابكين مع أقرانهم الإسرائيليين في الأسواق العالمية، أو من خلال الشركات المتعددة الجنسيات، أو عن طريق عالم المصارف، وغيرها من أدوات إدارة شؤون العالم ودوله.
لا اعترض على حق من يعمل على جبهة معارضة التطبيع الثقافي مع إسرائيل، أو يواجه بسببها المحاسبة، كما في حالة اللاعب مؤنس دبور وفريق الوحدات الأردني؛ لكنني، كما كتبت مرارا في الماضي، أوكد مجددا أن هنالك اعتباطية قاسية أحيانا في نشاطات تلك اللجان، وفي ملاحقاتهم لبعض الفنانين والأدباء الذين يقررون المجيء لفلسطين للوقوف مع أهلها والتضامن معهم من على أرض الوجع والنزف؛ فتلك اللجان تعلن أن نضالها موجه من أجل مصلحة فلسطين وأهلها. وإذا كان هذا هو الهدف، فلتكن مصلحة فلسطين وأهلها هي المسطرة التي يجب أن تخضع لها قراراتهم وتقيّم بحسبها مآلاتها. لقد قرأت لوائح لجان المقاطعة وناقشت بعضها في الماضي؛ ومع احترامي لمن وضع نصوصها ومعاييرها، سواء عندنا في الداخل أو في فلسطين المحتلة، أو في تونس، أو في عمان، فهي مليئة بالشعارات أو بالتناقضات، أو بالمعايير الملتبسة والقابلة للتأويل والمساءلة. لن أدخل في التفاصيل الآن، فالتطرق إليها سيدخلنا في متاهات لسنا بحاجة إليها. وبعيدا عن الشعارات والتنظير أنا أومن بأن من يأتي خيامنا مناصرا حقنا دون قيد أو شرط، أو دون مداهنة لإسرائيل ولمؤسساتها، وداعيا على الاحتلال وعلى جلاوزته وزارعا الأمل والجمر في رماد حرائقنا، وماسحا الدمع بشغاف قلبه من عيون أطفالنا، لا يمكن أن نعتبره مطبّعا، وأن نزيله من قواميسنا؛ بل هو مناضل نظيف ونصير للحق، بالقول وبالفعل. هكذا كانت التونسية آمال المثلوثي التي جاءت القدس وفي صدرها أنهار من لهفة وحب، وحملت في يمينها راية فلسطين وصوّبت سبابة يسراها نحو عين العدو، وظللت سماءها بالندى وبالكوفية المرقّطة، وغنّت بحماسة وبشجن كما غنى الإمام: «يا فلسطينية، وانا بدي أسافر حداكو، ناري بايديّ وايديّ تنزل معاكو على راس الحية وتموت شريعة هولاكو..» فاهتز الشيخ والرمح والحجر.
لا أعرف من وضع النصوص الخاصة بتحريم التطبيع الثقافي مع إسرائيل، سواء في تونس أو في فلسطين، لكنني على قناعة، إذا كان الهدف هو مصلحة فلسطين وشعبها فهذا ما حققته آمال التونسية بيننا، فلها من فلسطين وأهلها كل الحب والتبجيل، مع أنني تأسفت لأنها آثرت ألا تحيي حفلها في مدينة حيفا؛ وحيفا، في هذه المقاربة الجميلة، هي أخت للقدس ورام الله، ولكن هذه قصة أخرى قد نعود إليها.
قبل خمسة أعوام نقل على لسان اللاعب محمد صلاح تصريح مفاده أنه سيترك فريقه، ليفربول، اذا تعاقدت إدارته مع اللاعب مؤنس دبور، وكانت حجته وقتها السبب نفسه الذي تطرقت إليه اليوم إدارة نادي الوحدات الأردني. أستطيع طبعا أن اتفهم تساؤلات اللاعب صلاح، إذا فعلا حصلت حينها، وأستطيع أن أتفهم أيضا تردد نادي الوحدات حيال مشاركة اللاعب دبور في منتخب إسرائيل لكرة القدم، ورغبتهم في استيضاح بعض التفاصيل الفنية والتقنية؛ لكنني لن أتفهم موقفهم إذا أفضى في النهاية إلى مقاطعة دبور، أو أي فريق يلعب فيه. لقد كتبت يومها رسالة مفتوحة لمحمد صلاح حاولت أن أبدد فيها شكوكه إزاءنا، نحن المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وإزاء هوية مؤنس دبور الفلسطينية الإسلامية؛ وحاولت كذلك أن أضيء أمامه ما خفي عن علمه، وأن أوضح له ما جهله عن واقعنا المعقد والملتبس. ما قلته في حينه لمحمد صلاح ما زال جيدا اليوم ومناسبا أكثر أمام الأخوة في نادي الوحدات لأنهم أبناء الجرح الفلسطيني، وحراس التغريبة الفلسطينية التي حرسها على الضفة الأم، أهلنا نحن، ويحرسها اليوم نحن الباقون في حلق القدر. تجهل العرب قصتنا، نحن المنزرعون في وطننا، والجهل كان مطبوعا في نفوس أشقائنا، أما أنتم، يا اخوتنا في التراب، فيجب أن تعرفوا فصول الحكاية، كل الحكاية. ولعل النائب في البرلمان الأردني خليل عطية قد ذكّركم بها قبل أيام، حين توجه إليكم من غيرته عليكم وعلى مصلحة القضية ناصحا وقائلا: «’شعرت بالقلق مثل غيري من الحريصين على مسيرة نادي الوحدات، جراء التقارير التي تتحدث عن سيناريو مقاطعة المباريات مع فريق إماراتي بسبب وجود اللاعب الفلسطيني مؤنس دبور. وأربأ بالأخوة والأحبة في نادي الوحدات إثارة شبهات الجمهور بناء على افتراضات تساوي بين الجلاد الصهيوني الإسرائيلي والضحية من أبناء شعبنا الفلسطيني.. إن اللاعب دبور فلسطيني عربي أبا عن جد، ولا يمكن بحال من الأحوال خدمة العدو الإسرائيلي والإساءة لأهلنا من أبناء فلسطين المحتلة عام 1948.. اللاعب مؤنس دبور مثل غيره «نجم فلسطيني» في قلب الكيان، وله سمعة رياضية احترافية طيبة ومواقف وطنية مسجلة ومعروفة، انتهت عند اعتزاله اللعب لصالح فرق العدو ووجوده على رأس فريق عربي شقيق خدمة للمحترفين من أبناء شعبنا الفلسطيني». لقد وضع بيان النائب خليل عطية معظم النقاط على حروفها، وشدد في بيانه الشامل على تعقيدات واقع الشباب الفلسطيني داخل إسرائيل وعلى معضلات التناقض الهوياتي وتجاذباته الدائمة بين المواطنة والوطنية. ما كتبه النائب عطية مهم للغاية وفي توقيت مناسب، بينما من المؤسف والمزعج أن نقرأ موقف بعض المنظرين الذين كتبوا في مسألة التطبيع، وحول حدود مواطنة مؤنس دبور ووطنيته الناقصة بسبب قبوله أن يكون لاعبا في منتخب إسرائيل، وهم بأنفسهم يعملون في جمعيات ومؤسسات ومعاهد دراسات ممولة من جهات تصنّع التطبيع وحليفة لإسرائيل، وبعضهم يعتبرون من أقرب شركائها في التخطيط والتربص بالشعب الفلسطيني وبقضيته. إنهم وكلاء التطبيع غير المباشر وبُناته الخطيرون. عنهم وعن نظرياتهم في التطبيع والتتبيع سأكتب.
لقد تعلمنا في فلسطين، بعد أن أضعنا حلم البرتقال وفككنا ضفائر عذارانا على باب خيمة، أن نكون واقعيين مثل رائحة الزعتر، وأن نصغي دائما لحدسنا، وأن نأخذ حذرنا من المزايدين والمغرضين والمتلفعين بالثقافة المبهرجة. فأهلا بالتونسية والتحية للوحدات.
كاتب فلسطيني

 

 

النووي الإسرائيلي والنبي

إيليا في ظل حكومة توراتية

جواد بولس

 

كنت أحاول الهروب من الكتابة عن مخاطر الفاشية الإسرائيلية بعد أن «إنهرت فشّتي» – كما نقول عندنا في فلسطين في وصف حالة التعب الحافي أو منتهى اليأس – من كثرة ما كتبت عبثا عنها وضدها وكيف علينا أن نواجهها. حاولت حتى جاءتني رسالة من صديق، محرر صحيفة «حيفا» يقول فيها: «نحن في الصحيفة نجري استطلاعا حول الردود على الاعتداءات على دير مار الياس، وهل تشعر بخطر حقيقي وماذا تقترح لحل الأزمة؟»، عندها عرفت أن لا هروب من واقعنا، فكل الطرق في فلسطين تؤدي إلى طاحونة الفاشية؛ وفكّرت أننا جميعنا، لا العرب المسيحيين فقط، كما يفهم من سياق الاستطلاع، في خطر حقيقي. وإذا كان للكنائس وللأديرة أنبياء يحمونها، فمن سيحمي الناس من حماقة متعصب أعمى يمسك في يمناه توراة وفي يسراه يتحكم في ترسانة نووية؟
كما كان متوقعا، نجحت الحكومة الإسرائيلية بتمرير تعديل «قانون أساس القضاء» وتعطيل قدرة استناد المحكمة العليا إلى «حجة المعقولية» في تبريرها لإلغاء قانون حاز أكثرية داخل الكنيست، إذا وجدته المحكمة يتنافى «وأحكام المعقولية»، أو عند أبطالها لمفعول قرار إداري يرونه القضاة «غير معقول».
يتفق جميع معارضي خطة الحكومة المعلنة على أن هذا التشريع في حالة بقائه، كما أقر، سيفضي عمليا إلى إجهاض دور المحكمة العليا في تأدية وظيفتها كسلطة مستقلة تحرص على عدم السماح للسلطتين التنفيذية والتشريعية أحيانا، بالمساس بحقوق المواطنين عامة، أو بحقوق الأقليات أو بعض الفئات التي لا تعدّ على معسكر الأكثرية الحاكمة. «تشليح» هذه الصلاحية من المحكمة العليا سيتيح لهذه الحكومة أن تنفلت وراء أهوائها السياسية، وأن تنفذ مخططاتها دون كوابح قضائية، كانت المحكمة العليا تعتمدها خلال العقود الفائتة في سبيل ضمان التوازن بين قوة الحكومات الكبيرة، لاسيّما في مثل حالة الحكومة الإسرائيلية الراهنة، التي تسندها أكثرية برلمانية يمينية متعصبة مطلقة ومستقرة، وبين ضرورة المحافظة على القيم الإنسانية المجمع عليها عالميا وحقوق المواطنين الأساسية. لست في معرض التطرق إلى جميع عواقب الانقلاب الحاصل داخل إسرائيل، فتأثيره الواضح على جميع مناحي حياة المواطنين في الدولة سيكون ملموسا وكبيرا؛ لكنّه سيكون كارثيا علينا، نحن المواطنين الفلسطينيين، فاقتصاديا سوف تتدهور حالة مجتمعاتنا على المستويين الجمعي والفردي على حد سواء، وسياسيا سوف تضيق جميع الهوامش المتاحة لنا اليوم، أو حتى سوف تسدّ بشكل نهائي وسنشهد موجات من الاعتقالات التعسفية والإدارية. أما مجتمعيا فسوف تتكاثر مظاهر الجريمة والعنف والفقر وستزداد مشاعر الاضطراب والخوف وفقدان الشعور بالأمن وبالسلم المجتمعي. ودينيا سوف تزداد أنشطة «كتائب أليشع» وعنفهم ضد جميع الأغيار والمؤمنين من جميع الديانات غير اليهودية وضد أماكن عباداتهم .لن تنحصر عواقب الانقلاب الجاري داخل المجتمعات الإسرائيلية وحسب؛ فتأثير مفاهيم النظام الجديد حيال الحق اليهودي الرباني والفريضة بتحصيله، مهما كانت الوسائل والنتائج، سيؤثر أيضا في تعاملهم مع قضية مستقبل الشعب الفلسطيني وقياداته، وعلى أدوات إدارة صراعهم مع الفلسطينيين بشكل عام. وستتأثر كذلك معايير وضوابط العلاقات الإسرائيلية مع جميع دول العالم، الصديقة منها أو الحيادية أو المستعداة؛ وهذه مسألة تستوجب المتابعة بانتباه شديد، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يعيشها اليهود في جميع أرجاء العالم. لقد تطرق بعض المسؤولين في الدول الغربية وفي أمريكا ببيانات أشاروا فيها إلى المشهد الإسرائيلي بتعابير عامة، وتمنوا على قادة إسرائيل، من أجل حماية مصالحهم المشتركة، المحافظة على ما يعتبرونه ديمقراطية نظامها، وعدم المساس باستقلالية القضاء الإسرائيلي، وغيرها من الشعارات الفضفاضة والحذرة. لكنهم، لم يخفوا، في الوقت نفسه، خشيتهم من زعزعة الأسس والجسور التي بنيت عليها تلك التحالفات مع إسرائيل واستمرارها، رغم تعاقب الحكومات فيها على الحكم واختلاف تركيبات أحزابها السياسية. بات من الواضح أن تلك الأنظمة الصديقة لإسرائيل بدأت تشعر بأن شيئا مغايرا ومزعجا قد أصاب حليفتهم المدللة بعد الانتخابات الأخيرة، التي أفرزت أحزابا متطرفة ومتعصبة لا يهمها قطع أحبال السرة التي كانت تربطهم بها تاريخيا. لن أسهب في تعقيدات هذه المسألة لكنني أريد أن ألفت النظر إلى جزئية خطيرة واحدة منها يحاولون في إسرائيل، وليس فيها وحسب، أن تبقى في الظل وألا تنعكس في نقاشات الشوارع وبين المتظاهرين ولا على شاشات فضائياتها. إنها قضية «الترسانة النووية الإسرائيلية» ومصيرها إذا تنفّذ فيه وزراء الحكومة الحالية بشكل حر ومطلق. لقد حاول رئيس حكومة إسرائيل الأسبق إيهود باراك، وهو من أشد المعارضين لحكومة نتنياهو الحالية، تسليط الضوء على هذه القضية مرة واحدة قبل مدة قصيرة فغرد على صفحته قائلا: «قد يظهر هذا الأمر بالنسبة لنا كأنه هوس، ولكن في عدة محادثات جرت بين إسرائيليين وجِهات سياسية غربية، ظهرت بينهم حالة قلق عميق من احتمال نجاح المنقلبين على منظومة الحكم وقيام «ديكتاتورية مسيحانية» في قلب الشرق الأوسط، تحت إمرتها سلاح ذري، بينما يتمنى مهووسوها التصادم مع الإسلام وفي مقدمته «هار هبايت» (أي المسجد الأقصى). هذا أمر مرعب في نظر هؤلاء الساسة الغربيين. وهذا لن يحصل». هكذا كتب إيهود باراك بشكل واضح وصريح، ومن مثله يعرف عما يتكلم وأي خطر كارثي يتوقع. نستطيع أن نخمّن لماذا بقيت هذه المسألة طي الكتمان؛ لكنها، برأيي، لن تبقى هكذا ويجب ألا تبقى هكذا إلى أجل غير مسمّى؛ فهل سيأتي من سينتشلها من «هناك» وينقذ المنطقة من فقه قادة قلعة «متسادا» الجديدة.

بات من الواضح أن الأنظمة الصديقة لإسرائيل بدأت تشعر بأن شيئا مغايرا ومزعجا قد أصاب حليفتهم المدللة بعد الانتخابات الأخيرة التي أفرزت أحزابا متطرفة ومتعصبة

هل نحن في خطر؟ إذا كان القصد كمواطنين عرب مسيحيين في إسرائيل، فالجواب نعم؛ لكنّه الخطر نفسه الذي يواجهه كل مواطن فلسطيني يعيش في إسرائيل؛ فمسيحيتك لم ولا ولن تمنحك الحصانة أمام من وفق عقيدته السياسية يراك أولا عدوه القومي، ثم يحسبك، دينيا، مخلوقا خسيسا ومنقوصا، ويتمنى في صلاته ودعائه أن يمحى اسم وذكر مسيحك الآن وإلى الأبد. من يتحرشون بالكنائس ومعلّموهم وحاخاماتهم على قناعة بأن مسيحيتك، مهما كانت وديعة، لن تنقذك من نارهم إذا صفت لهم النار. لم يكن التحرش الأخير بكنيسة مار الياس على الكرمل أول تحرش هناك؛ فقد سبقته تحرشات أخرى ومرّت في النهاية «بود وبسلام». وكانت قبلها اعتداءات على كنائس في عدة مواقع في البلاد تم في بعضها حرق الكنيسة، وأحيانا الاعتداء على الكهنة ومن وجد في المكان. يتحرك جميع المعتدين على الكنائس المسيحية بدوافع عقائدية دينية مدعومة بتعاليم التوراة، وأحيانا يتذرعون بحجج كاذبة أو مختلقة ليبرروا أفعالهم، مثلما ادعوا، لتبرير تحرشهم بكنيسة مار الياس، بوجود قبر، أو مغارة للمدعو أليشع، وهو النبي الذي استخلفه النبي إيليا قبل صعوده إلى السماء بمراكب النار، حسبما ورد في قصص العهد القديم. أنه الادعاء ذاته الذي استخدموه عندما احتلوا قبور منسوبة للأولياء وللصالحين أو مزارات مزعومة للأنبياء من أعالي الجليل حتى رمال النقب، مرورا بجميع أرض فلسطين التاريخية تضاف إليها مطامعهم في عدة مواقع موجودة في المملكة الهاشمية الأردنية.
ما العمل؟ هو السؤال الذي طرحته في عشرات المناسبات وقصدت ما العمل في مواجهة الفاشية والفاشيين، ولكنني لن أتعاطى معه اليوم. أما في ما يخص العمل لإنقاذ المسيحية العربية في فلسطين، فهذه مهمة خيالية ليس إلا. فكما كتبت في الماضي أوكد اليوم أن الفلسطينيين المسيحيين قد هزموا في وطنهم عمليا ولم يعودوا يشكلون كيانا ذا شأن أو وزن، ولا يحسب لهم حساب يتعدى ضرورات البروتوكول أحيانا أو التقليد المتبع أو التعويض بهدف إبقاء أثر لهم يربط هذه الكنائس مع بدايات المسيحية وآبائها الأوائل، الذين حافظوا عليها في مهدها، أرض فلسطين والمشرق العربي. علينا أن نتذكر أن عدد المسيحيين العرب في إسرائيل يناهز المئة وعشرين ألفا موزعين على حوالي سبع عشرة كنيسة، يشكل أتباع الكنيسة الكاثوليكية، صاحبة كنيسة «مار الياس» المعتدى عليها، نصفهم تقريبا. لن أسهب في تشخيص مسببات حالة النكوص وعدم التفاعل المثابر والجدي والحقيقي من أجل حماية الكنائس وممتلكاتها، لكنني على قناعة بأن هذا النكوص هو جزء من الحالة العامة التي يعاني منها المواطنون العرب في إسرائيل، وهي كذلك نتيجة كوننا، نحن المسيحيين المحليين، مستعمرين من رؤساء كنائس أجنبية سرقوا في الماضي مسيحنا ثم استولوا على فضاءاتنا وسادوا فيها في أجواء من الاستعلاء الاستعماري واغترابنا المزمن عنها، وغيابهم حين تقع الواقعة في دهاليز الدبلوماسية ومصالحهم الضيقة. وأخيرا، يجب أن نقرّ بأن الدفاع عن هذه الكنائس والأديرة لا يمكن أن يكون جدّيا ومجديا إذا لم يسبقه ويرافقه دفاع آباء هذه الكنائس وإكليروساتها عن ممتلكاتها وأوقافها وإذا لم يوقفوا التفريط بها وتغييب مصالح الرعايا الحياتية. هل من حل لهذه الأزمة؟ ربما، فعلينا بالفاشية أولا، وليكن النبي إيليا للمؤمنين سندا ومراكبه مملوءة صبرا وحكمة ونورا.
كاتب فلسطيني

 

 

طريقنا الثالث يمر

في (قصبة كركور)

جواد بولس

 

ما زالت الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة بنيامين نتنياهو مستمرة؛ ورغم أنها قد تبدو، للمراقبين من بعيد، كحركة ثابتة النبض والتأثير، إلا أنها في الحقيقة ليست كذلك. فإن عدنا إلى بدايات تلك الاحتجاجات وقارناها مع ما نشاهده هذه الأيام، سنجد الفوارق كثيرة وأهمّها، ما بدأت تتناقله فضاءات تلك الاحتجاجات إزاء مفهوم الديمقراطية، والتفات قطاعات واسعة من القوى المشاركة فيها إلى أبعاد جديدة لحقيقة التغيير المنشود في السياق الإسرائيلي الحالي، واكتشافهم أن الالتصاق بقشرة شعار الديمقراطية وحده لن يحررهم من أهوال نظام الحكم، الذي خرجوا للشوارع ضده. ولكي يسقطوا هذه الحكومة ويعيدوا بناء إسرائيل الديمقراطية لا بدّ لهم من تطوير وسائل نضالية مبتكرة، وسكب مضامين جديدة في عروق مواجهتهم للحكومة وأحزابها.
لا أقول هذا من باب التمني وحسب، بل من قراءتي ومشاهدتي لتداعيات المشهد السياسي الإسرائيلي وما طرأ عليه من تصعيد متبادل بين المعسكرين في الأسابيع الأخيرة. فمن جهة نرى مثابرة مئات آلاف المواطنين اليهود على الاحتجاج وإصرارهم على إسقاط «طغم الفساد والعنصريين والفاشيين والمدانين الجنائيين» ومن جهة أخرى نرى تحشيد الشرطة لعناصرها ولفرق حرس الحدود وكتائب أخرى من أجل قمع المتظاهرين والاعتداء عليهم بعنف، أدى إلى إصابة واعتقال العشرات منهم. ما نراه اليوم في شوارع المدن الإسرائيلية وعلى مفارق الطرق الرئيسية لم نره من قبل، وصور المواجهات وارتفاع منسوب الكراهية بين المعسكرات تنبئ بالآتي، وتمدد المظاهرات لعدة مواقع جديدة وانضمام شرائح وازنة لها، خاصة من سلاح الطيران والقطاع الصحي وغيرهم، ولغة المتظاهرين وشهاداتهم حيال قمع الشرطة لهم وحقدها عليهم، تعيد البعض، بشكل عفوي وطبيعي، لأصول هذا العنف الاسرائيلي ومنابته، وهي الاحتلال والسياسة العنصرية. لم يكن هذا الربط، مع بداية الاحتجاجات، واضحا ومفهوما بشكل ضمني عند أكثرية المحتجّين، بيد أنه تعرّى بالتدريج أمام بعضهم، مع اشتداد المواجهة وسقوط جميع أقنعة الاضطهاد والعنصرية، وتكشف أنياب الفاشية التي لا تقبل حليفا حتى باليهودي الصهيوني، ما دام لا يتوافق مع مخططها ولا يطيع أوامر وعقائد أربابها.

الحديث عن الاحتلال كمستنقع تنمو فيه جميع شرور إسرائيل صار مسموعا في العديد من المنصات والمنابر ولن يضيرنا لو انتبهنا أن بعض من كانوا أعداءنا صاروا قربنا

تمتلئ الصحف العبرية ومنصات التواصل بمقالات الرأي وبالشهادات حول مخاطر حكومة اليمين الحالية، وتزخر بالأخبار التي تنقل الأحداث على حقيقتها، ورغم كثرة هذه المواد سأشرك القراء بخبر ظهر بعنوان بارز لفت انتباهي في جريدة «هآرتس» العبرية يوم الأربعاء الفائت؛ إذ تطرق الخبر لمظاهرة جرت على مفرق «كركور» – وهي مدينة صغيرة تقع بين مدينتي حيفا والخضيره – خلال أحداث ما سمته قيادات الاحتجاج بيوم «الغضب والتشويشات». نقلت الجريدة بالبنط العريض تفاصيل حادثة، قمعت فيها عناصر الشرطة والأمن بالعنف مظاهرة شارك فيها ألفا مواطن يهودي. اختارت الجريدة عنوانا لافتا للخبر أفاد، كما وصفت إحدى المشاركات في المظاهرة، بأن الشرطة «جاءت كي تسيطر على «قصبة» كركور، فاعتقلوا ستة عشر متظاهرا وجرحوا سبعة». سيمر معظم القراء على هذا النبأ دون أن يعيروه اهتماما خاصا، وكنت أنا سأفعل مثلهم لولا خصوصية هذه الأيام، وكيف تجري عملية تشكل مواقف المواطنين في إسرائيل وماذا يؤثر فيهم. لقد استعارت هذه الناشطة من قاموس الاحتلال، سواء عن وعي أو بدافع من عقلها الباطني، تشبيه «القصبة» وأسقطته على بلدتها بكل ما يعكسه ذلك عن حالة تكوين جديدة يمر بها عقلها، ستجعلها تقف في المستقبل القريب على ضفة الصراع الصحيحة وإلى جانب عالم القيم السليمة. إنها تعرف كيف كان «إخوتها في السلاح» يتصرفون ضد المواطنين الفلسطينيين الساكنين في قصبات المدن الفلسطينية، وهي الأحياء القديمة المكتظة بالفقر وبالفلسطينيين، التي يقتحمها الجيش الإسرائيلي بوحشية ويعيث فيها الدمار والدم. وهي تعرف أن تشبيهها لهجوم الشرطة على المتظاهرين اليهود هو غير دقيق وغير صحيح، فشتان بين الثمن المدفوع من قبل الضحايا في الحالتين، لكنها بلجوئها لهذا الكلام أرادت أن تؤكد، لنفسها أولا ولمن يقف معها في الخندق نفسه، أن الشر منبته واحد، وأن العنف أبوه واحد وأن قصّابا في نابلس لن يكون بائع ورد في الخضيرة، أو في صندلة أو في كركور. قد يرغب البعض بتقزيم النبأ، وقد لا يولون الاستعارة، كما وردت على لسان ناشطة بلغة غير مألوفة من قبل، أي رعاية واهتمام، لكنني مقتنع أنها حالة لافتة، رغم صغرها؛ فالأمور الكبيرة قد تبدأ بأفعال صغيرة، خاصة إذا كانت المسألة تتعلق بعملية تغيير شيفرات مسمّة زرعت في ذهون قوم وكانت المسؤولة عن هندسة الاحتلال وحمايته وتزيينه بكل الذرائع والمسوغات. هذه الناشطة ليست وحيدة، فالحديث عن الاحتلال كمستنقع تنمو عليه جميع شرور إسرائيل صار مباحا ومسموعا في العديد من المنصات والمنابر ولن يضيرنا لو تابعنا مناحيه، وانتبهنا إلى أن بعض من كانوا أعداءنا تحوّلوا وصاروا قربنا وسط سيل غاشم. تريد الشرطة من خلال لجوئها إلى القمع والعنف أن تردع هؤلاء المتظاهرين وأن تهزمهم ، وتتمنى أن تئد هذه الولادات وهي في مهودها وقبل أن تتعاظم. وهم، المتظاهرون، هكذا جاء على ألسنتهم في الخبر المذكور، لن يرتدعوا ولن يضعفوا؛ بل على العكس تماما ، فكلما زادت الشرطة عنفها ازدادوا صلابة وإصرارا؛ أو كما صرّحت تلك الناشطة لجريدة «هآرتس» بأنها «غير معتادة على العنف» ثم أضافت، وكأنها تكشف لنا من أين سيأتي الوجع والخوف: «لكن أن ترى كيف بلحظة تتغير عينا الشرطي الجيّدتان ويصبح الشرطي ظالما فهذا أمر مخيف. لقد وجه الشرطي، سائق سيارة رش الماء، خراطيم سيارته نحو الشيوخ والنساء والأطفال عندما كانوا يقفون على الرصيف. كان دفق الماء قويا وكافيا للتسبب بجروح لا تشفى إلا بعد شهور. قلبي ينزف، لأنك في مثل هذا الحادث تستوعب ماذا سيكون هنا غدا، في الصباح». تخاف هذه المرأة اليهودية الصهيونية من الغد، لأنها تعرف أنه إذا تمكنت عناصر هذه الحكومة وجيوشها من هزيمة معارضيها، ستتخلى عن خراطيم الماء التي لن تطفئ نهمها، هي تخاف من الغد وتحارب كيلا يأتي هذا الغد، ومثلها يفعل الكثيرون من جميع قطاعات وشرائح المجتمع الإسرائيلي؛ فأين نحن، المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، مما يحصل، ونحن سنكون أوائل ضحاياه المؤكدين؟
لا أعرف إذا كانت أية جهة بيننا تملك الجواب، أو إذا كانت قادرة ومعنية بايجاد الجواب؛ فمعظم من تطرقوا إلى ما يجري في إسرائيل ومخاطره المباشرة علينا، فعلوا ذلك من باب تشخيص الحالة ومسبباتها ونتائجها، وانتهوا بإجماع إلى ضرورة مواجهة هذه الحالة، لكنهم لم يقترحوا كيف. لقد قرأت حول هذه المسألة مؤخرا مقالين لافتين لاثنين من أكاديميينا المميزين؛ ورغم أهمية ما خلصا إليه وما كتباه حيال عناصر المشهد الاسرائيلي وعلاقة ذلك بنا، نحن المواطنين الفلسطينيين، لم يزودانا بالتفاصيل، وتوقفا عند أول الطريق. في الثلاثين من يونيو الفائت نشر الدكتور رائف زريق مقالا على صفحته بعنوان «احتلال كولونيالي للقانون» وفيه يقدم تحليلا وافيا وعميقا عمّا يجري، وقراءة في طبيعة الحدث الإسرائيلي المتمثل في مسعى نتنياهو لتغيير طابع الدولة. وبعد أن يأتي على ذكر وجود موقفين ازاء المظاهرات التي تجتاح المدن الاسرائيلية، بين معارضين لها ومؤيدين بشروط، يتساءل بدوره فيما إذا يوجد طريق آخر؟ ويجيب على ذلك بالإيجاب فيقول، «وإذا كان اليمين الفاشي يسعى لمصادرة ما تبقى من الحد الأدنى من الحريات والضمانات القانونية، وإذا كان المركز يسعى للحفاظ على الوضع الراهن بما يضمن الاحتلال والاستيطان والفوقية اليهودية، فإن دور الفلسطينيين في إسرائيل هو طرح بديل ثالث يسعى لتغيير الوضع الراهن نحو اليسار، أو نحو مشروع ديمقراطي يربط الشكل بالمضمون ويربط سؤال الديمقراطية بسؤال الاحتلال وسؤال الداخل بسؤال الخارج، فعلى الفلسطينيين أن يتحولوا إلى القطب الديمقراطي الحقيقي في المعادلة». كلام مهم لكنه غير كاف؛ فكيف عليهم أن يفعلوا ذلك؟ ومن سيأخذهم نحو ذلك الطريق الثالث؟ وفي أية ظروف وشروط؟ وتحت أي مظلة؟ وما سيكون زادهم وما وجهة دعائهم؟ العناوين والخطوط العريضة والمبدئية مهمة، لكنها لن تصبح قوارب نجاة، إذا لم ترفق بالتفاصيل فكم مرة قتلتنا التفاصيل. أما كاتب المقال الثاني فهو الدكتور سعيد زيداني الذي نشر على صفحته في السابع من هذا الشهر مقالة بعنوان «فيك الخصام، وأنت الخصم، لا الحكم» استعرض فيها بإسلوبه المميز تفاصيل الحالة الإسرائيلية ووضعنا كمواطنين نعاني في إسرائيل من سياسة الاضطهاد وتفاقم حالات العنف والقتل، حتى وصل إلى خلاصتها فيقول: «يعرف العارفون أن طريق نضالنا من أجل المساواة التام في الحقوق طويل وشاق ومتعرج.. ويتطلب قيادة حكيمة وقادرة على بناء تحالف داخلي، واسع وحاوٍ، وعلى تجنيد الحلفاء/الشركاء دون تحفظ، وكذلك على تحديد أو إعادة تحديد الأهداف والأولويات وطرق ووسائل النضال.. إن الرد المنشود يتطلب بناء هذا التحالف الداخلي تماما كما يتطلب تصعيد النضال الشعبي وبإسناد من الحلفاء الشركاء المعنيين من الطرف الآخر من أجل الدولة المحايدة، دولة جميع مواطنيها، الدولة الملتزمة بمحاربة الجريمة». كلام مهم وجميل لكنه يبقينا أيضا على تخوم التيه ودون خريطة طريق.
انا على اعتقاد ، وفق معطيات الحاضر، أن طريقنا الثالث يمر في «قصبة» كركور .

كاتب فلسطيني

 

ماذا تعني الفاشية بالضبط

لفلسطيني مواطن في إسرائيل؟

جواد بولس

 

ما زالت تداعيات الاحتجاجات الشعبية الإسرائيلية ضد حكومة بنيامين نتنياهو الحالية تحتل مساحات واسعة من نشرات الأخبار على مدار الساعة، وتشغل، في الوقت ذاته، أقلام الخبراء وكتّاب المقالة في معظم المنصات الإعلامية والبحثية والجرائد الرئيسية اليومية. ومهما حاول نتنياهو ومستشاروه اختلاق الأحداث وتسليط الضوء عليها في مساع منهم لتغييب مشاهد الاحتجاجات المستمرة، وإبعاد شعاراتها عن فضاءات الحياة اليومية، وكتم أصوات المعارضين، خاصة أولئك الذين بدأوا يربطون بين تحقيق الديمقراطية واستمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، مهما حاول هو وأعوانه إلا أنهم لم ينجحوا.
من الضروري أن نتابع كيف تتطور حركة الاحتجاج الإسرائيلية، التي ظهرت في بداياتها كحركة عابرة جاءت لتطالب بالمحافظة على ديمقراطية الدولة اليهودية وحسب، ولا تحمل في داخلها عمق حركة احتجاج سياسية صلبة وجدية، وذات نفس كفاحي طويل ومتكيف لمستجدات الأحداث، لا مجرد نزوة ستتلاشى مع الأيام. ورغم بقاء هذا الشعار كمطلب الحركة الأساسي والشائع على ألسنة المعارضين، ورغم عدم تخلص قيادات هذه الحركة من عيوبهم ومواقفهم السياسية السلبية، تجاه ضرورة تمكين المواطنين العرب وقياداتهم من المشاركة في الاحتجاجات، لن نستطيع إغفال أهمية استمرار حالة الاحتجاجات وتأثيرها فيرسم معالم نظام الحكم في اسرائيل ومكانتها في المنطقة، وعلاقتها معنا نحن الفلسطينيين.

منسوب كراهية وعنصرية أتباع الحكومة للمواطنين العرب داخل إسرائيل تضاعف، وأمسى الفرد منا عرضة في حياته اليومية للاعتداء الجسدي عليه

كما علينا كذلك أن ننتبه إلى تلك الأصوات البارزة، التي لم يعد يكفيها العمل بوسائل الاحتجاج نفسها التي مورست مع بداية حركة الاحتجاجات، ومطالبتهم بضرورة البدء في عملية عصيان مدني شامل، معللين نداءهم اللافت بضرورة الدخول إلى مرحلة نضالية شعبية جديدة؛ من دونها ستفشل حركة المعارضة، وستنجح قوى اليمين، القومية والدينية، في إحكام سيطرتها على الدولة، والبدء بتنفيذ مشروعها وفق خطة الحسم المعلنة من قبلهم؛ والحسم في هذا السياق لن يكون ضد الفلسطينيين وحسب، بل ضد كل القوى اليهودية التي عارضتهم وستعارضهم. إنها لغة جديدة وجديرة باهتمامنا، نحن المواطنين الفلسطينين في إسرائيل؛ فرغم أن من أطلقها في البداية هما رئيس الحكومة الأسبق إيهود براك والجنرال يئير جولان، نجد أنها بدأت تستقطب دعم شخصيات اعتبارية أخرى، شرعت تدافع على الملأ عن الفكرة وتفنّد مبرراتها ولماذا يجب، في هذه المرحلة المفصلية، أن تتغلب الضرورات على المحظورات، كما فعل، مثلا، قبل عدة أيام البروفيسور مردخاي كرمنيتسر- وهو شخصية حقوقيه مرموقة ومعروفة في إسرائيل وفي العالم – في مقال طويل نشره في جريدة «هآرتس» العبرية، تطرق فيه إلى قضية شرعية العصيان المدني وضرورة إعلانه في المرحلة الحالية. قد يستبعد الكثيرون، خاصة بين المواطنين العرب، نشوب حالة من العصيان المدني داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، بناء على تاريخ هذا المجتمع ووقوفه دوما موحدا إزاء مسألتي الاحتلال واضطهاد الفلسطينيين، سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو داخل إسرائيل. وقد يكون ذلك الرأي صحيحا، إلا أن أحدا لا يستطيع أن يجزم كيف ستتطور الأحداث خلال الأسابيع المقبلة، وإلى أين مآلاتها، خاصة بعد أن فشلت حكومة نتنياهو بتحقيق ما كانت ترجوه حين بدأت اعتداءها العسكري الوحشي على مخيم جنين واختلاق حالة حرب مصطنعة، سمتها عملية «البيت والحديقة» كانت تتمنى أن تؤدي إلى إخماد حركة المعارضة كما كان يحدث في حالات مشابهة في الماضي؛ فحين كانت تضرب مدافع العسكر كان يصير الشعب اليهودي أبكم، وكل الدولة كانت تجتمع على قلب واحد ورصاصة، لم يحدث ذلك هذه المرة، بل على العكس فإن الاحتجاجات استمرت وبوتيرة أعلى في عدة مدن ومواقع إسرائيلية حيث واكبها أيضا اتهام نتنياهو من قبل الكثيرين من قادة الاحتجاجات والنقاد السياسيين بأنه افتعل هجومه على مخيم جنين لاغراض شخصية ولارضاء حلفائه السياسيين، وهذا ما أعاد البعض إلى تناول قضية الاحتلال في تصريحاتهم وفي مقالاتهم ووصفه كأصل البلاء ومصدر الشر الذي يجب أن يتخلصوا منه كي تضمن إسرائيلهم مستقبلها الآمن وينعم شعبها بالطمأنينة وبالسلم.
من الواضح أن حكومة نتنياهو مصممة على المضي في تنفيذ جميع فصول مخططها، ويبدو أنها ستنجز قريبا خطتها في إكمال منظومة التشريعات المطلوبة لتأمين سيطرة أحزاب الائتلاف الحكومي على مؤسسات الدولة، وتوزيع عائداتها بينهم، وفق تفاهمات يتحكم فيها قانون تبادل المنافع واقتسام الغنائم. ومن الواضح أيضا أن القوى السياسية والاجتماعية المعارضة لهذه الحكومة ومخططها لن تنسحب من ميادين المواجهة بسهولة، بل سمعنا قياداتهم يتوعدون بتصعيد وتائر المواجهة وزخمها، وهذا ما شاهدناه، في الليلتين الفائتتين حين خرجت أعداد ضخمة من المتظاهرين وأغلقوا شوارع رئيسية في عدة مدن رئيسية وتصادموا مع قوات الشرطة التي قامت بتفريقهم بعنف غير مسبوق واعتقلت العديدين منهم. لا أعرف متى سيستعيد المواطنون العرب وزنهم في ما يجري من أحداث داخل الدولة، أو ربما لن يستعيدوه؛ ولا أعرف من سينجيهم من المخاطر الحقيقية المحدقة بهم، ولا نعرف من سيهزم من في هذه المواجهة اليهودية-اليهودية، لكننا نشعر بأن منسوب كراهية وعنصرية أتباع الحكومة وأحزابها للمواطنين العرب داخل إسرائيل قد تضاعف بشكل خطير وحقيقي، حتى أمسى الفرد منا عرضة في حياته اليومية للاعتداء الجسدي عليه، في كل زمان وفي كل مكان. وقد يكون ما حصل معي في حيفا مطلع الاسبوع الجاري مؤشرا للمقبلات ونذيرا لكل واحد منا ومهمازا لمن يؤمنون بأنهم محصنون ضد فيالق الموت الفاشية، وبأننا، العرب، حتما سنكون المنتصرين في حرب اليهود التي نشاهد فصولها ونحن ساهمون على رصيف الأماني.
كنا في زيارة لابننا الساكن في أحد أحياء حيفا الجديدة التي تسكنها عائلات عربية ويهودية وينتمي معظمها للطبقة الوسطى المستقرة ماديا ووظيفيا. اصطحبنا قبل الساعة الثامنة مساء، زوجتي وأنا، أحفادنا الثلاثة لسوبر ماركت الحي لشراء بعض الحاجات والطعام. وقفنا في قسم بيع الأجبان والنقانق، وكنت أحمل حفيدي الأصغر، وعمره عامان. انتظرت بصبر حتى جاء دوري. توجهت للبائعة وبدأت أنقلها فسمعت صوت رجل يصرخ عليّ بالعبرية «يوجد دور». نظرت نحوه وقلت: «صحيح وأنا هنا قبلك» اقترب مني حتى كاد كرشه يلتصق بجسمي. كان ذا ملامح شرقية: أسمر الوجه ويلبس بنطالا قصيرا وصندلا إسرائيليا وكان رأسه شبه أصلع تتوسطه «كيباه» لم أنتبه للونها. حاولت أن أشرح له أنني هنا قبله ولا أتعدى على دوره فقاطعني بنبرة مهددة وقال «على ما يبدو انك لا تفهم، أنا هنا قبلك وسأشتري قبلك». كان يهيء قبضته ويستعد لضربي، لكنه لم يفعل. ربما لأنني ابتعدت عنه قليلا لحماية حفيدي ولأتفادى الصدام معه في هذه الظروف. تراجعت قليلا وقلت له: «لا تصرخ، تفضل خذ دوري» ثم أضفت: «كنت أتمنى أن تربي ابنك على قيم أخرى وليس على العنف والعربدة»، كان ابنه اليافع يقف وراءه ويشاهد كل ما يحصل دون أن يتدخل. ما أن أنهيت جملتي حتى انفجر بوجهي كذئب مسعور، اقترب مني مرّة اخرى وهو يصرخ ويناديني «أنت أيها المخرب تريد أن تعلمني قواعد التربية، أنت تجيد إلقاء القنابل علينا.. يا مخرب، اذهب إلى غزة». فمه كان قريبا من وجهي ولغة جسده تقول بأنه سيضرب. كان يصرخ ويشتم ويهدد وكنت ابتعد عنه بحذر وبهدوء ولا أريد أن أسبب الذعر للأطفال. كان في المكان بعض الزبائن لكنهم وقفوا ولم يتدخلوا. كانت على وجوههم علامات استغراب وخوف. حاولت البائعة اليهودية أن تشرح له أنني كنت عندها قبله، فصرخ عليها بكلمات نابية؛ ثم نظر نحوي وكرر تهديداته لي. ابتعدت عنه ونظرت نحو من كانوا هناك وقلت لهم: «هذه هي الفاشية وهؤلاء قطعانها، سوائب الموت»، وتركنا المكان بهدوء. عدنا إلى البيت سالمين، أو ربما ليس تماما؛ فنحن الكبار كنا مستفَزّين حتى العجز ونتنفس الوجع بصمت. نظرت إلى وجوه أحفادي فكانت صافيه كالبراءة، لكنني خفت أن أنظر في عيونهم، ففي العيون يختبئ الخوف وتمطر الدهشة. رغم الغضب الذي كان يغلي في صدري كنت فرحا لأنني نجحت بالانسحاب راضيا بهزيمتي المعنوية وبعودتنا إلى البيت أحياء وكاملين، فقد كان ممكنا أن يهجم ويعتدي عليّ جسديا.. وممكنا أن يسقط من يدي حفيدي.. وممكنا أن أسقط أنا مصابا.. وممكنا أن يسقط هو وممكنا أن أموت وممكنا أن يموت. عدت فرحا لأنني كنت أنا الذي هناك وليس واحدا من أولادي أو أقربائي الشباب، لأنني أعرف أنهم لم يروضوا مجسات الغضب لديهم، كما فعل المشيب بي.
كنا نلعب مع الأحفاد وكنت أتذكر نقاشاتي مع بعض الأصدقاء حول كيف عرّف المفكرون والعلماء والمثقفون الفاشية ومن هو الفاشي؟ كنت أتمنى لو كان أصدقائي اليوم معي عندما قابلت الفاشية بلحمها وبشحمها، وكاد واحد فاشي أن يصطاد فريسته.. فالفاشية هكذا هي، يمكن أن تكون في كل مكان ومتفشّية وبين الأغنياء والفقراء، على حد سواء، أو بين المتعلمين أو الاغبياء، وأن تظهر في حيّك حيث تسكن مع عائلتك بحب وبروتينية وبطمأنينة. وقد تجدك أو تلاحقك الفاشية وأنت تطعم صغارك تحت دارك أو على ناصية الشارع، أو وأنت تركن سيارتك، أو في الصيدلية وأنت تشتري حبة دواء كي تنام. والفاشي هو مخلوق على شكل إنسان قد يكون أشقر وأزرق العينين ويتحدث بالألمانية أو الفرنسية، أو كائنا شرقيا أسمر يربي كرشه ويتحدث بعضلاته ويصلي بالعبرية لربه ويركع، والعصي والمسدسات إلى جانبه، لزعيمه، وقد يكون الفاشي جارك أو سائق التاكسي أو الطبيب المناوب في عيادة حيك أو المحاضر الذي يعلمك تاريخ أوروبا الحديث. كنت أفكر أن حيفا ما زالت حمراء كما عهدناها، لكنها هكذا يبدو اصبحت بلد التآخي الكاذب. وكنت أحسب أنني اتجول في حي آمن أو «حي معقم» ومنيع لن تخترقه الفيروسات القاتلة، وكنا نحتضن أحفادنا الأطفال الصغار الثلاثة بسعادة، ونمشي بفرح أعمى حتى عثرنا بما كان يخبئه لنا العدم، ونجونا صدفة وتعلمت أكبادنا ماذا تعني الفاشية بالضبط لمواطن عربي في إسرائيل.
كاتب فلسطيني

 

 

 

الاحتلال الإسرائيلي…

يجب أن يعود إلى قاموسنا اليومي

جواد بولس

 

 

 

نقلت مواقع الأخبار الإسرائيلية يوم الأربعاء الفائت تصريحا على لسان قائد أركان جيش الاحتلال هرتسي هليفي، قال فيه: «إنّ ضابطا يرى مواطنا إسرائيليا وهو يهمّ بإلقاء زجاجة حارقة باتجاه بيت فلسطيني ويقف من دون أن يحرك ساكنا، أو يقف على جنب، لن يستطيع أن يكون ضابطا». جاءت هذه الأقوال في خضمّ موجة تصعيد جديدة بين القيادات السياسية والدينية لميليشيات المستوطنين، والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية الرسمية، لاسيما بعد أن وصف ثلاثة من قادة أجهزة المخابرات والشرطة والجيش، اعتداءات المستوطنين على السكان الفلسطينيين وعلى ممتلكاتهم بأنها «أعمال إرهابية وحسب».
لا يمكن فصل هذه المواجهة، التي تغيب تفاصيلها الدقيقة عنا وراء كواليس السياسة الإسرائيلية، عن المعركة الكبرى التي تخوضها التيارات الصهيونية اليمينية المتطرفة والدينية المتزمتة، ضد قوى «حرس الصهيونية القديم»، وترمي من ورائها حسم مكانة الأراضي الفلسطينية كأرض محتلة، أو «مدارة»، وتحويلها إلى أرض إسرائيلية، بالمفهومين القانوني والعملي، ومعالجة ما يترتب على ذلك حيال مستقبل المواطنين الفلسطينيين، حيث ستناط مهمة «السيطرة» الكاملة عليهم بقيادات الحركات الاستيطانية، وإطلاق الأعنّة لميليشياتها للتصرف من أجل إنجاز تلك المهمة بجميع الوسائل الإرهابية، كما شاهدنا عينات منها في السنوات والأسابيع والأيام الأخيرة.

علينا أن نعيد «الاحتلال» إلى لغتنا وإلى أفعالنا وإلى وجداننا وإلى ساحات نضالنا اليومية؛ وعلى أهل فلسطين المحتلة أن يتصرفوا كشعب خاضع للاحتلال لا أكثر ولا أقل

لا يجوز لنا، كفلسطينيين، ألا نولي هذه المواجهة أهمية، وألا نتابع تداعياتها؛ أولا: لأن حدّة الصراع الدائر وعمقه بين أقطاب الحركة الصهيونية ومضامينه تبدو جديدة عمّا ألفناه في العقود السالفة. وهي في بعض تجلياتها خلافات حقيقية وأعمق من مجرد كونها خلافات تكتيكية داخل المعسكر نفسه. فمن أهمّ ما أفرزته هذه المرحلة الحرجة أنها أعادت بعض القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية والشخصيات النخبوية اليهودية/الصهيونية للتفكير مجددا في مسألة الاحتلال، وإعادة ترتيبها له في صدارة المواضيع المختلف عليها إسرائيليا ويهوديا؛ بعد أن كادت تنجح حكومات اليمين الإسرائيلي في تعويم الواقع الفلسطيني المأساوي وخلق انطباع أن الأمور مع الفلسطينيين تجري على ما يرام، حتى أنهم، أي الفلسطينيين، تنازلوا عن حلمهم في التحرر وإقامة دولتهم المستقلة ولا يتكلّمون عن وجود احتلال. وثانيا: لأن الاتفاق بين قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الكبرى والمهمّة، على توصيف ما تقوم به ميليشيات المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، كونه إرهابا كاملا، من شأنه أن يدعم الموقف الفلسطيني في جميع المحافل والمؤسسات الدولية، وأن يعزز حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم وعن ممتلكاتهم، وأن يسهل على حكومات الدول – خاصة تلك التي تقيم علاقات حميمة مع إسرائيل وتقرّ، في الوقت ذاته، بالحقوق الفلسطينية وبعدم شرعية الاستيطان وبضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي – مهمتها في إسناد القضية الفلسطينية وتخليص الشعب الفلسطيني من الغبن التاريخي الذي حل به. وثالثا، لأننا نعلم أن جميع الحكومات الإسرائيلية السابقة، وقبل تعاظم قوة الحركات اليمينية القومية المتطرفة والدينية الصهيونية العنصرية، والتيارات الفاشية، كانت تدعم مشاريع الاستيطان داخل الأراضي الفلسطينية لأسباب تكتيكية وكمخزون استراتيجي يخدم أغراض التفاوض والمقايضات السياسية المستقبلية، وكانت تحرص على التنسيق الكامل مع القيادات العسكرية والأجهزة الأمنية وبتكامل مدروس مع قيادات حركات الاستيطان والتفاهم الهادئ معها. كان الاحتلال مؤقتا، وكان الجيش، بقرة الشعب المقدسة، خارج صراعات السياسيين، وعبارة عن مؤسسة تدافع عن مصلحة الدولة وعن سلامتها، وكان الاستيطان أداة معدّة لخدمة الدبلوماسية عندما تحين ساعتها. هكذا كان لكن ذلك لم يدم؛ فمن يحمل في أحشائه وحشا يلد وحشا ومصير هذا الوحش أن يكبر ويكبر.. هذا ما حدث وهذا ما أوصلنا، جميعا، حتى حافة الهاوية. الاحتلال كان ولم يزل هو بالمختصر كل الحكاية. قد لا يكون الفلسطينيون بحاجة إلى دراسات عن تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم، وما نفذه المحتلون من جرائم بحقّهم طيلة العقود الماضية؛ فأجسادهم كانت أهدافا سانحة لبنادق جنوده ولسياط جلاديه، وأرضهم كانت حرثا باسم ذاك «الجشع المقدس»، ولقمة العيش كانت دوما مغموسة بالعرق وبالوجع وبالدم، ولكن لن يضيرنا لو تعرفنا وتعرفت ضمائر العالم على بعض من تلك الحقائق، التي كشفت في عدة دراسات سابقة ولاحقة مؤخرا، بعد أن ظلت طي الكتمان لعقود طويلة باسم الأمن والمصلحة الوطنية.
فقد نشر يوم الجمعة الفائت الصحافي عوفر أديرت، وهو مسؤول الشؤون التاريخية في جريدة «هآرتس» العبرية، تحقيقا لافتا عن مجموعة وثائق نشرها مؤخرا «مركز طاوب» التابع لجامعة نيويورك، تمحورت جميعها حول مشروع الاستيطان الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتاريخه منذ عام 1967. فلأكثر من خمس سنوات عكف الباحثون في «مركز طاوب» على تجميع حوالي (مليون ونصف المليون) ورقة مأخوذة من (أحد عشر ألف) ملف كانت ضمن أرشيف الدولة وأرشيف الكنيست ومصادر أخرى. أعتقد أنه يترتب على الباحثين الفلسطينيين وفي جميع أنحاء العالم المعنيّين بدراسة تاريخ ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين والأراضي الفلسطينية المحتلة، السعي والتنقيب في تلك الوثائق وإعداد ملفات جديدة حول ما ارتكبه الساسة الإسرائيليون وجيش الاحتلال من جرائم موثقة كما قرأنا. فعلى سبيل المثال يتطرق تقرير «هآرتس» إلى قضية إقامة مستوطنة «جيتيت» على أراضي قرية «عقربة» الفلسطينية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، فحسب ما جاء في الوثائق، حاول جيش الاحتلال «تطفيش» الفلاحين الفلسطينيين عن أراضيهم عن طريق تدمير مزروعاتهم مرة، ومرة عن طريق تدمير آلاتهم الزراعية. وعندما تمسك أصحاب الأرض وأصروا على البقاء في أراضيهم، انتقل قادة الجيش والمسؤولون في الوكالة اليهودية وغيرهم إلى خطة جهنمية أخرى قضت بتسميم الأراضي عن طريق رشها بواسطة الطائرات، بمواد سامة ثم منع السكان بعدها من دخول أراضيهم، كما منعت مواشيهم من الرعي فيها. لقد أفضت تلك الأحابيل في النهاية إلى السيطرة على أراض واسعة وسرقتها من أهل القرية الفلسطينية، وإقامة المستوطنة عليها بمباركة الجيش ودولة الاحتلال؛ وكان قائد المنطقة وقتها الجنرال رحبعام زئيفي. وفي التقرير نقرأ أيضا تفاصيل عن إقامة مستوطنات «معاليه أدوميم» «وسبسطية» وغيرها، وكيف جنّدت حكومة إسرائيل طرقا ملتوية بغية التسريع في إقامتها. وتبقى خلاصة ما وجده معدّو مشروع التوثيق هي أن «الحكومة هي المحرك. كل شيء يمر من خلالها»، أو كما جاء على لسان الرئيس السابق «لمركز طاوب» البروفيسور رون تسفايغ: «إن دراسة المادة تتيح لنا أن نفهم أكثر أن هذا المشروع القومي العملاق، هو ثمرة لمبادرات من قبل حكومات إسرائيل المتعاقبة؛ ليست اليمينية وحسب، بل جميعها». لم تكشف الوثائق عن القرارات التنفيذية التي كانت تسبق إقامة كل مستوطنة وحسب، بل كشفت حرص قادة حكومات إسرائيل السابقة على التكتم والعمل بعيدا عن حركات الاستعراض التي يقوم بها بعض السياسيين بهدف الكسب السياسي. وهذه نقطة مهمة تؤكد أن قادة إسرائيل كانوا يدركون أن الاستيطان هو عمل غير شرعي وأن الاقتراب منه يجب أن ينفذ بحذر وبهدوء وبالخفية، تماما كما يجب أن يتصرف اللصوص ومن يقترفون الجرائم. فالاستيطان في عصر ما قبل «الاحتلال» لم يكن غاية بحدّ ذاته بل مخزونا يستعان به عند الضرورة السياسية وحسب، ولنا بما جرى في سيناء عبرة. وبما إنه تحوّل في عرف «اسرائيل الجديدة» إلى استعراض مستفز ووسيلة لطرد السكان الأصليين من وطنهم، وغاية الغايات وأقدسها، وبما أن ملوك إسرائيل الجديدة عازمون على حسم المعركة على طريقة «يوشع»، علينا بالمقابل، نحن المواطنين الفلسطينيين، أن نعيد «الاحتلال» إلى لغتنا والى أفعالنا وإلى وجداننا وإلى ساحات نضالنا اليومية؛ وعلى أهل فلسطين المحتلة أن يتصرفوا كشعب خاضع للاحتلال لا أكثر ولا أقل.
قبل أيّام قابلت أحد زملائي المحامين الذي كان يعرّف نفسه أنه صهيوني يميني من مؤيدي حزب الليكود التاريخيين، وتناقشنا عن مقالة الصحافي عوفر أديرت. كان نقاشا يبعث على التفاؤل، حيث انتهى بموافقتنا على ضرورة إعادة قضية الاحتلال إلى المجالس والشوارع والساحات والمنصات الإسرائيلية. خلال حديثنا خبرني زميلي أن قريبا له كان من كبار الحقوقيين المرموقين المؤسسين لدولة إسرائيل، وكان مؤيدا متحمسا لتخويل المحكمة العليا الإسرائيلية صلاحيات قضائية في القضايا الإدارية التي تخص حقوق المواطنين الفلسطينيين المحتلين، مع أنها لا تمتلك هذه الصلاحية وفق القانون الإسرائيلي وليس وفق القوانين الدولية طبعا. ثم أضاف معللا موقف قريبه بإنه، كان يعرف أن الاحتلال الإسرائيلي سيكون «وحشا» تماما كما كانت جميع الاحتلالات التي عرفها التاريخ، ولذا توقع أن تقوم المحكمة العليا بترويض ذلك الوحش وإبقائه في قفص المعقولية. أما اليوم بعد أن تجبّر الاحتلال ككل الوحوش وتمرد على مروّضيه فهو متأكد، هكذا صرح زميلي، «أن قريبه يتقلب في قبره من الخيبة» وسكت حزينا. فأضفت قائلا: «أو ربما من كونه أحد آباء هذا الوحش». سمعني وهز رأسه وقال: ربما!
*كاتب فلسطيني

 

مرسيل خليفة يزرع حدائق

الأمل على مسارح عمّان

جواد بولس

 

وقف الفنان مرسيل خليفة على مسرح «الأرينا» في مدينة عمان في شهر أغسطس الفائت وغنّى للقدس. في تلك الليلة، هكذا أذكر، وجه كلامه لشباب القدس ولأهلها قائلًا: «ارتفعوا عن الثرثرة السياسية التافهة واظهروها كما هي في خيانتها»، وأضاف مخاطبا أهل فلسطين الغائبة عن أحلام العرب وقال: «أنتم الوطن بلا علم وبلا نشيد، وجودكم في قلب الموسيقى اعتراف صريح بطقس التحرير». ثم غنّى.. وضج ليل عمّان وامتلأت سماؤها بالشهد وبالندى؛ ومضى مرسيل المنتصب القامة، حاملًا ريشته وعوده والوجع، في طريقه نحو القدس.
لم يمرّ عام حتى عاد مرسيل إلى عمان ليضيء ليلها، هذه المرة، من على مسرح المدرج الروماني الجميل، بالفرح وبالأمل. يضيء ليل أجيال عربية يريد البعض أن تبقى في عتمتها، وتمضي في دروب التيه والضياع. لمحته عندما دخلت ردهة الفندق، كان جالسا على الكنبة بهدوء، الى أن اقتربت منه ورآني فوقف ولغة جسده تحدثني بغضب خفيف؛ وسألني عن سبب تأخري. أخبرته أننا واجهنا «وعكة» على نقطة الحدود، لكنّها انتهت بسلام؛ فتبسّم وكان حزينا مثلما كنت أنا.
تناقلنا بعض الأخبار الخاصة، وتفاصيل ما حدث معنا على الحدود، ثم انتقلنا للحديث عن ترتيبات الحفل، لاسيما حول تفاصيل الفقرة التي سيسلم خلالها جائزة محمود درويش للإبداع عن عام 2023، عن فئة المبدع العربي، كما أعلن عن ذلك خلال الحفل الذي أقيم في قاعة «الجليل» في متحف محمود درويش في مدينة رام الله يوم الثالث عشر من مارس المنصرم. تسلّم الجائزة آنذاك عن مرسيل خليفة مدير عام مؤسسة محمود درويش فتحي البسّ لتعذر وجود مرسيل في رام الله؛ وتم الاتفاق على أن يستلم مرسيل الجائزة شخصيا في الأمسية التي سيحييها على مسرح المدرج الروماني في عمان يوم السابع عشر من يونيو. لم يكن صعبا عليّ أن أرى الفرح الكبير في عينيّ مرسيل وهو يحاول أن «يُخرج» أمامي تفاصيل تلك الفقرة، ويطلب مني الحرص على تنفيذها على المسرح. كان فرحه صافيا وخاليا من أية نبرة عتب؛ فمن أحق منه بنيل جائزة محمود درويش للإبداع؟ لا أعرف لماذا أغفل في السنوات الماضية القيّمون على إعطاء هذه الجائزة اسم المبدع الأصيل الفنان مرسيل خليفة، وكان برأيي وبرأي الكثيرين أوّل الجديرين بنيلها. هذا التساؤل مني ومن كثيرين مثلي، خاصة أنه ينالها هذا العام، كما جاء في مسوّغات لجنة الجائزة لأنه «أغنى التراث الموسيقي والغنائي العربي بإضافات لافتة، كما صدحت موسيقاه وصوته في كل الحواضر العربية والعالمية، وحفر عميقا في ذاكرة الجماهير العربية، وأثّر في وعيها وساهم في تثوير ضمائرها وتشكيلها. علاوة على أنه خص الشعر الفلسطيني بإبداعه، فمحطات مساره الموسيقي مؤثثة بنصوص من هذا الشعر عموما، وبشعر محمود درويش على وجه التعيين.. ولدقة اختياره للكلمة ولمساهمته في التطوير الموسيقي، ولالتزامه الوطني واختياراته الواعية للشعر الإنساني، ولارتباط تراثه بالقضية الفلسطينية، وللثنائية الفريدة التي تحققت بينه وبين درويش». قد تكون كلمات لجنة الجائزة الأخيرة الأكثر وقعا في نفس مرسيل خليفه؛ فلهذه الثنائية/التوأمة الفريدة بينه وبين محمود درويش، مكانة مقدسة في وجدانه. فمرسيل الذي آمن وهو شاب وثائر «بوعود العاصفة» ظل يقاتل ودرويشه «في ساحة البلد مع أحمد العربي» ولا ينام كي يحمي ليل العاشقين عند «سقوط القمر». إنه الفنان المبدع الثابت في زمن المتحوّلين والقيم السائلة.

كانت ليلة من الليالي التي يولد فيها الأمل ليس على ريشة ووتر وحسب، بل يولد من الصخر، ويتناسل بين أجيال ستحفظ وتؤكد أنها «ستصير يوما ما تريد»

أبديت تخوفي أمامه من عدد الحضور والمسرح معروف بسعته الكبيرة وضخامته، لكنه كان واثقا بنجاح أمسيته؛ وعندما سألته من أين يأتي بكل هذا العزم؛ سكت كعادته للحظات، فتكلمت عيناه المتعبتان، ثم همس وهو يمسك يدي بكفه: «هذا هو حدسي. هكذا حدّثني قلبي وهكذا قال لي الحمام». كان محيط المدرج الروماني يعج بالوافدين، وكان المنظمون وعناصر الأمن يوجهون حركة السيارات والناس بهدوء ونظام ملحوظين. دخلنا بسهولة، حسب توجيهات المنظمين. وقفت في صحن المدرج الكبير. كان ورائي المسرح، تنتظر كراسيه صعود مرسيل وفرقته، وأمامي كانت تتشاهق إلى الأعلى صفوف المدرجات بأقواس منفرجة، حتى لامس أبعدها أنف السماء. بدت المقاعد الصخرية، من بعيد، بلون ورق الشجر الذابل في أواخر الخريف، فهي لم تكن صفراء تماما ولا بنية ولا بيضاء. كانت بلون الطين الذي حكت عنه الأساطير، أو ربما هو لون الزمن حين يذهب أصحابه في التراب. رويدا رويدا بدأت الصخور تغير ألوانها حتى أصبحت في غضون نصف ساعة كلوحة مزركشة بخليط ألوان صبغها رسّامون محترفون. امتلأت المدرجات وقدر عدد الحاضرين بأكثر من ثلاثة آلاف شخص، نطق الصخر ودبّت في الهباء حياة. استقبل الجمهور مرسيل وفرقته بهتافات وتصفيق عاليين، وعندما ضرب بريشته عوده علت أصواتهم وبدأوا يغنون معه. اختار أن يبدأ ليلته مع كلمات الشاعر طلال حيدر «بغيبتك نزل الشتي»، وانتقل بعدها إلى مقطع من «يطير الحمام يحط الحمام» لمحمود درويش، ثم غنى له أيضا «في البال أغنية» و»ريتا» و»أحنّ الى خبز أمي». كان الحاضرون واقفين كالسهام، يتراقصون بشجى ظاهر، ويرددون مع مرسيل كل الكلمات، وأحيانا كانوا يغنون لوحدهم. فكلما كان عوده يطن بمطلع أغنية كانت حناجرهم تسبقه بحماس كالذي كان يصيبنا، ولم يزل، من قبل أربعين عاما، أي قبل ولادة معظم الحاضرين بجيل. غنى لسميح القاسم «منتصب القامة» فضجت الأقمار في سماء عمان وصحت حجارة «روما» على غضب هؤلاء العرب؛ وحين أعلن «إني اخترتك يا وطني» جاوبه المدى «حبا وطواعية»، فتذكر التاريخ صاحب الكلام علي فودة، الباقي في الكلمة رغم نار الرصاصة التي قتلته. ثم غنى لوحده «أحن إلى خبز أمي»، فكان صمت وكانت تناهيد وكان حنين وكان فرح، ثم دعي بعد هذه الأغنية مدير عام مؤسسة محمود درويش، فتحي البس، إلى المسرح، فقام بتسليم درع جائزة هذا العام لمرسيل وقرأ على الملأ مسوغات قرار لجنة الجائزة، وأعلن أن مرسيل تبرع بريع جائزته للمؤسسة نفسها، ثم عاد مرسيل للغناء وأنهى الليلة بنشيد الإنشاد، وهو في عرف حماستنا «شدوا الهمة»، فغناه بمصاحبة عاصفة من التصفيق ومشاركة الآلاف بالغناء، لقد تعمّدت أن أنقل للقراء مشاهد من أجواء العرض، لأثبّت صورة إيجابية عن قطاعات واسعة من أجيال هذا الزمن، التي يحاول الكثيرون، عربا «وغَرَبا» وعجما، من صناع الرأي العام المغرض والمخططين لضياع شعوبنا، إقناعنا بأن مثل هذه «الخامات» قد انقرضت ولم تعد موجودة بيننا. وكي أكون صريحا حتى أنا تفاجأت من المشاهد التي رأيتها فآلاف من الشبان والشابات من عدة دول عربية، وبعضهم كانوا يرفعون أعلام دولهم، وقفوا وقفة «هم واحد» وغنوا مع مرسيل أغاني للحرية وللكرامة والغضب، وغنوا للحبيبة وللنبيذ وللوطن، حتى لو كان بالنسبة لبعضهم وطنا متخيلا، أو مشتهى، أو مستحيلا، أو محظورا عليهم.
كان حدس مرسيل صادقا؛ وكانت ليلة من الليالي التي يولد فيها الأمل ليس على ريشة ووتر وحسب، بل يولد من الصخر، ويتجدد في «العيون العسلية» ويكبر في قلوب «دائمة الخضرة ودائمة الثورة»، ويتناسل بين أجيال ستحفظ وتؤكد أنها «ستصير يوما ما تريد». إنها ليلة تنتصر فيها «الهوية» على من يريد أن يوقفها على «نقطة»، تماما كما غنى لنا مرسيل أغنية، «وقفوني عالحدود»، ليزيل آثار «الوعكة» التي أصابتنا على الحدود. وهي ليلة يستعيد فيها المرء نطفة روحه ويصير الحر أخا للحر. فإلى من أعطى أنفاس روحه لتفريح الناس من دون حساب، وزرع في حدائقهم نور الشمس، وإلى من آمن بكرامة الإنسان وبحريته وبالحب، ولم يحتمل مخاتلة التأويل أو تردد المجاز، وإلى صاحب القلق الجميل، النازف على شرفات الوجع، وإلى من يقف على حد ريشة وينام على غنجة وتر، وإلى من يجمع جنون الليل في قفف من أحلام ونغم، وإلى من أقنعتنا حنجرته أن نرفض الموت البليد ونغني للفرح «خلف أجفان العيون الخائفة»، وإلى من علّمنا، منذ خمسين عاما، كيف نرقص على أهداب فجر عبوس وهو يعانق ضجر الليل، إليك يا مرسيل نقول شكرا.
كاتب فلسطيني

 

 

حديث الصحارى…

أول الكرّ خيمة ووحدة

جواد بولس

 

لم تتوقف احتجاجات القوى المعارضة الإسرائيلية لحكومة بنيامين نتنياهو الحالية؛ حيث ما زالت تنظم في كل نهاية أسبوع المظاهرات في ساحات عدة مدن يهودية، بمشاركة عشرات آلاف المواطنين المعارضين لبرامج الحكومة، والمطالبين بالمحافظة على الديمقراطية وعلى استقلالية الجهاز القضائي، والمحذرين من قيام نظام حكم فاشي سيؤدي إلى نهاية الدولة التي آمنوا بها ودافعوا عنها.
ما زلنا نجهل كيف سينتهي هذا الفصل في تاريخنا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، ولا كيف سيكون شكل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ومصيره، خاصة فيما يتعلق بالوضع الديموغرافي هناك؛ لكنني أجزم أننا قادرون على التأثير في مجريات الأحداث، لاسيما في هذه المرحلة المعقدة، التي بات الكثير من الإسرائيليين فيها مقتنعين بأن الإبقاء على شكل الاحتجاج الموجود وروتينيته والتمسك بشعاري الديمقراطية والمحافظة على النظام القضائي القديم، رغم أهميته، لن يوقفوا، في النهاية، زحف القوى اليمينية المتطرفة، ولو كان بطيئا، نحو تحقيق أهدافهم، ولن يمنعهم من الاستيلاء على مرافق الدولة، وشروعهم في تنفيذ «خطة الحسم» التي يريدون منها القضاء على مشروع التحرر الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة؛ من جهة، ومن جهة ثانية، تحديد مكانتنا القانونية، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وفق تراتبية «قانون القومية» الذي وضع اليهود في الدولة في المكانة الأعلى، وتحتهم سيعيش الباقون، غير اليهود.

في مظاهرة الألوف ستقول الجماهير لكل العالم ولإسرائيل: لن نسكت بعد الآن وسندافع عن حقوقنا ومن أجل بقائنا العزيز والحر في وطننا

لقد ضيّعت القيادات العربية كثيرا من الوقت، في حين كان موقف معظمهم الوحيد الواضح يقضي بعدم المشاركة في مظاهرات الاحتجاج اليهودية دون أن يطرحوا للناس بديلا نضاليا عمليا، ولا خطة حقيقية تخاطب عقول المواطنين وتستقطبهم، من أجل الانخراط في مواجهة برامج الحكومة ومخططاتها القمعية ضدهم. لست في معرض مناقشة الحجج التي سيقت في تبرير ضرورة مقاطعة مظاهرات الاحتجاج اليهودية؛ فبعضها كانت، بلا شك، ذرائع سياسية تستدعي المناقشة؛ ولكن تبقى أخطرها تلك التي وصفت الحالة الإسرائيلية الراهنة كحرب يهودية – يهودية ستفضي لا محالة إلى القضاء على دولة إسرائيل، وسيكون النصر جراءها للعرب/ للمسلمين/ للفلسطينيين، بهذا الترتيب حسب هوية المنجم، أو المؤمن، أو المتمني. لم يجرِ أحد دراسة جدّية حول مدى انتشار هذا الموقف بين المواطنين العرب، ولا حول تأثيره الحقيقي على تحييد جاهزية الجماهير وإخماد استعدادهم للنضال، وخلقه لحالة من «العقم الهوياتي»، التي أدّت في الواقع إلى بقائهم في منازلهم أو في العمل، غير مستنفرين ولا يخرجون للشوارع من أجل الدفاع عن حقوقهم وعن بيوتهم وعن مستقبل أولادهم وأحفادهم؛ فإسرائيل باتت لدى هؤلاء ومنظّريهم أوهى من خيوط العنكبوت. كما لم تُعدّ أي جهة عربية، محلية أو خارجية، دراسة جدّية حول صحة هذه المقولة وحقيقة وصول إسرائيل، نتيجة للصدام القائم بين المعسكرين السياسيين الواضحين، «قاب قوس وأدنى» من الانهيار، أو الاندثار، كما يزعمون. ورغم إبداء بعض المحللين السياسيين اليهود والمتخصصين بقضايا الأمن، مخاوفهم من التصدع الحاصل داخل المجتمع الاسرائيلي، نعرف أن إسرائيل، التي تشهد صراع أبنائها الحالي، محكومة ومحصّنة بعدة عوامل قوة ومراكز قوى، عميقة وخفية، مازالت تحافظ على صمتها أو على احتجاجها الهادئ وبعضها محتجب ولم يقل كلمته الأخيرة في تداعيات الأحداث، ولكن يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يجيبنا عليه أصحاب نظرية «خيوط العنكبوت»، هو: كيف سيضمنون لنا أنه في حالة سقوط نظام الحكم الحالي، وفشل حركات المعارضة في صدّ مخططات الحكومة الحالية، سوف تسقط إسرائيل، ولن تولد إسرائيل الجديدة بعدّتها وعتادها وعقيدتها المعلنة على الملأ. كان واضحا أن غياب المؤسسات العربية القيادية المحلية عن مشهد معارضة هذه الحكومة الخطيرة والمتطرفة، ليس طبيعيا ولن يطول، وهذا فعلا ما بدأنا نراه في الآونة الأخيرة، فقد بدأت لجنة المتابعة العليا تأخذ دورها الطليعي في التحرك التدريجي في محاولة منها لاستعادة ثقة الجماهير بها، ودعوتها إلى وقوفهم مجددا إلى جانبها ومعها في أنشطة الاحتجاج والنضال، ليس على صعيد ما سماه اليمين زورا «خطة الإصلاح القضائي» وحسب، بل ربط ذلك بقضية استفحال ظواهر الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي، مع التأكيد طبعا على مصدر الشر الأكبر وهو الاحتلال الإسرائيلي. لقد لبّى آلاف المواطنين نداء لجنة المتابعة ولجنة الرؤساء القطرية، وقادة الأحزاب العربية، وشاركوا في الثالث والعشرين من شهر مايو المنصرم في مسيرة السيارات الكبرى التي أدّت إلى إغلاق بعض الشوارع الرئيسية في البلاد، وشكلت حدثا لافتا ليس داخل المجتمع العربي وحسب، إنما على مستوى الدولة ومواطنيها، ثم جاءت مبادرة لجنة المتابعة لإقامة خيمة اعتصام أمام مكاتب رئيس الحكومة في القدس، مطلع الأسبوع الفائت. استمر الاعتصام ثلاثة أيام ونجحت الخيمة باستقطاب اهتمام جماهيري وإعلامي واسعين، حيث أمّها المئات من المواطنين العرب واليهود، مع بروز واضح لوسائل الإعلام العربية والعبرية والأجنبية. شارك في الاعتصام عشرات من رؤساء المجالس العربية والشخصيات السياسية، وقادة مؤسسات المجتمع المدني، العرب واليهود. انتهى الاعتصام بالخيمة بمؤتمر صحافي كبير أعلن فيه محمد بركة رئيس لجنة المتابعة، أن الخطوة المقبلة ستكون تسيير مظاهرة حاشدة في مدينة حيفا، وقال: «نريدها مظاهرة بمشاركة عشرات الألوف لتكون حدثا مفصليا» وأضاف: «نستطيع القول إننا اليوم أقوى مما كنا عليه من قبل، فحراكات الأسابيع الأخيرة جنّدت مجموعات لا يستهان بها من الناشطين الذين زاروا الخيمة، وأكّدوا التزامهم بأي قرار مستقبلي في هذا الصدد». فهل يكون أول الكرّ وحدة فمسيرة فخيمة؟ ننتظر ونأمل.
لقد شهدت الكنيست خلال الاعتصام في الخيمة، وبمبادرة من كتلة الجبهة والعربية للتغيير، بحثا خاصا حول قضية الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي، بعد أن وقّع أربعون نائبا على طلب يلزم حضور رئيس الحكومة الجلسة. ومع تصاعد عمليات الاحتجاج العربية، وبعد جلسة الكنيست اضطر نتنياهو أن يجتمع لاحقا مع أعضاء الكنيست العرب، الذين قدموا له لائحة مطالب عملية وعرضا سياسيا يشرح خلفية تنامي هذه الظاهرة داخل المجتمعات العربية. من الضروري أن ننتبه إلى أنه إلى جانب أعضاء الكنيست العرب، وقّع على طلب عقد الجلسة الخاصة عشرات النواب اليهود. هكذا فقط تم إلزام نتنياهو، بحضور الجلسة كلها، وإلزامه بالرد على موضوعها في بث حي شاهده المواطنون. قد يستخفّ البعض بهذا التعاون وبدعم بعض أعضاء الكنيست اليهود لمبادرة نواب الجبهة والعربية للتغيير، وقد يقلل آخرون من أهمية حضور عشرات الشخصيات اليهودية ومن بينهم أعضاء كنيست ومديرون وناشطون في جمعيات كبيرة ومحاضرون، ومؤازرتهم لمطالب المواطنين العرب؛ لكنني، وكنت هناك وسمعت مداخلات بعضهم، أشعر بأنهم يؤكدون بحضورهم وبمواقفهم كيف يجب أن يكون النضال ضد سياسات هذه الحكومة وضد مخاطرها. فالنضال اليهودي العربي في ظروفنا الخاصة، هكذا أومن، شرط حيوي وضرورة سياسية لنجاحنا وصمودنا في وجه الفاشية الداهمة.
قد تكون المظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية في الثالث من يونيو الفائت في تل ابيب شاهدا آخر على ضرورة النضال العربي اليهودي المشترك؛ ففي ذكرى مرور ستة وخمسين عاما على حرب يونيو 1967 سار آلاف المتظاهرين اليهود والعرب حاملين شعارات تندد وتطالب بكنس الاحتلال الإسرائيلي، وتؤكد في الوقت ذاته استحالة تحقيق الديمقراطية مع وجود الاحتلال، رددوا كذلك شعارات تطالب بمساواة المواطنين العرب؛ فلا ديمقراطية دون مساواة حقيقية كاملة، وبعضهم كانوا يهتفون «فري بالستاين»، وضد التجند في جيش الاحتلال.
كانوا بضعة آلاف، لكنهم هتفوا وسط تل أبيب بالهتافات السياسية الصحيحة التي نحن بحاجة لترسيخها في هذه المرحلة الحرجة. أعرف يهودا كثيرين، كما قلت في بداية مقالتي، توصلوا إلى نتيجة مفادها أن ما قاموا به كان مهما، لكنه لم يعد يكفي اليوم، فنداءاتهم من أجل الديمقراطية استنفدت تأثيرها، وإن كانت ضرورية في بداية الاحتجاجات كمقدمة لتعطيل تمكين هذه الحكومة الخطيرة من الشروع بمخططاتها، لم تعد كذلك بعد مرور هذه الأشهر. نحن لا نعرف أعداد هؤلاء الصحيحة، لكنهم موجودون بكثرة وفي جميع البلدات والمدن والمواقع، وهم بحاجة إلى من يقودهم أو يرشدهم أو يقف أمامهم ويصوّب هتافهم ضد الاحتلال وضد الفاشية ومن أجل المساواة والديمقراطية. هذه هي مسؤولية القياديين العرب وتنظيماتهم، ومسؤوليتهم في الشروع، اليوم قبل الغد، في بناء جبهة عريضة ضد الاحتلال والفاشية والعنصرية والعنصريين. لقد آمن الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية بهذه المبادئ وعملوا في بعض الحقب التاريخية بهديها، وما حدث لهم في هذه السنين وتقاعسهم في تحمّل المسؤولية الواجبة ليس إلا هجراً لمعتقداتهم التاريخية.
لقد استبشر محمد بركة خيرا، ومعه مجموعة من الخطباء في خيمة الاعتصام في القدس، من الحراكات التي تمت في الأيام الأخيرة، ووقف على الجبهة الأخرى ايمن عودة وامجد شبيطة وصوّبا بوصلة تل أبيب نحو الاحتلال، وستنضم حيفا في مظاهرة الألوف التي ستقول فيها الجماهير من جديد لكل العالم ولإسرائيل: لن نسكت بعد الآن وسندافع عن حقوقنا ومن أجل بقائنا العزيز والحر في وطننا؛ وللقيادات المحلية ستقول الجماهير: نحن بحاجة للمّ شملكم يا قادة والعودة معا إلى مياديننا، فهي هنا، في المثلث والنقب والجليل، وليس، كما يريدها البعض في طهران أو الخليج أو الخليل.
كاتب فلسطيني

 

 

فيصل الحسيني… ذكرى

عطرة في زمن لا وفاء فيه

جواد بولس

 

قبل ثلاثة وعشرين عاما سافر فيصل الحسيني الى دولة الكويت في مهمة، ربما كانت من أصعب المهام التي واجهها في مسيرته الكفاحية السياسية. ذهب إلى هناك وفي صدره قلق خانق وعزم على وصل الوريد بالوريد وأمل أن يعود الدم العربي دفاقا في عروق فلسطين، عساها ترجع، كما كانت، قبل تلك الحرب اللعينة، صك غفران «لعرب أطاعوا رومهم، عرب وباعوا روحهم، عرب وضاعوا» وترجع هي الحلم والوليمة والسهر، وهي المنارة، والمئذنة، والتميمة، والقدر.
طار فيصل على جناحين من إيمان وفضيلة، ونام في ليلته الأخيرة كما تنام الملائكة: بسكون مطبوع على وجهه الوسيم وبسمة خفيفة تحرس شفتيه الجميلتين من العطش. كان رأسه متكئا على وسادة عالية بعض الشيء، وجسمه يملأ الفرشة بهدوء ويداه متشابكتان فوق صدره تحرسان قلبه من العدم. نام ولم يفق. رحل بصمت يليق بالمستحيل، وأخذ معه روح معشوقته الوحيدة. قضى وأورثنا، نحن الباقين في بقايا قدسه، معاني جديدة للخسارة وللحسرة وللحنين وبرهانا على كذبة الفلاسفة والمفكرين الكبيرة إذ قالوا: لكل قائد، مهما علا شأنه، يوجد خليفة وبديل؛ فالشعوب الحرة ولادة والمستقبل بأولئك كفيل.
ما زلت أذكر ذلك الصباح بتفاصيله الدقيقة. لم أصدق في البداية ما سمعته وكنت في طريقي، كما في كل صباح، الى مكتبي في مبنى «بيت الشرق» حيث كنت أعمل لسنين طويلة مع فيصل الحسيني.
أعرف أنني لست وحيدا في تذكر تفاصيل ذلك النهار الأسود، ومشاهد الجنازة التي انطلقت من رام الله نحو القدس. نهر هادر من البشر يسيرون على الأقدام وعلى وجوههم غير الحزن سكنت الدهشة الى جانب الخوف. كانت الدهشة تفتش عن الحكمة في موت الأمل، والخوف كان على مصير «البيت» بعد أن سقط سقفه وعماده. كانت فلسطين تبكي قائدا تفرد في تواضعه وفي صلابته، وحكيما آمن بقوة المنطق وبضرورة العمل الدؤوب اليومي؛ فبمواجهة قضايا الناس اليومية تبنى إرادات المناضلين الصحيحة، وبالتواجد في الميادين ومنها يزهر أمل الناس البسطاء وتُبعث، بعد كل معركة صغيرة كانت أم كبيرة، كرامات المضطهدين، ويقوى إيمانهم بضرورة التضحية من أجل المدينة والوطن. كان فيصل خياطا ماهرا يعرف كيف يحيك الهم اليومي ليصنع منه رداء واقيا للغد، وكيف يرتق خيمة القدس بأكف لا تخشى المخارز ولا الهزائم، وكيف تبقى منيعة.

كان مؤمنا بحاجتنا لقراءة التاريخ، تاريخ قضيتنا، كي نستطيع سبر مغاليق المستقبل، وكي نضع رؤانا المضمونة والسليمة من أجل ضمان تحرر شعبنا واستقلاله وإقامة دولته العصرية

كم نحن بحاجة في فلسطين لمراجعة حياة فيصل الحسيني، ولا أقل منها تداعيات رحيله، وذلك ليس فقط إكراما منا لسيرته اللافتة ولدوره المميز في بناء القدس الفلسطينية العصرية ولاهتمامه في صياغة الهوية المقدسية الواحدة الحرة، بل كي نستفيد وتستفيد المدينة من تجاربه وإرثه النضالي في استعادة مكانتها وفي ترميم لحمة مجتمعها الذي بات يعاني، في غياب قيادة مؤهلة وقادرة على صد الاختراقات الاسرائيلية الحاصلة على عدة جبهات في حياة أهل المدينة، من فقدان المناعة الوطنية والتشظي والانحرافات على أنواعها.
نحن نعرف كيف تتذكر بعض الشعوب تواريخ قادتها وكيف تحفظ المدن الكبيرة سيَر من حافظوا على أسوارها وعلى ينابيعها ودأبوا أن تبقى مياهها رقراقة صافية. أما في فلسطين فأنا أخشى أن البعض، وتحديدا في القدس، لا يعرفون كيف يحمون ذكرى من زرع «القافات» في صدر التاريخ كي تبقى مدينته/هم «قدسا» مضيئة ومشرفة في سماء الغرب والمشرق، ولا يصونون ود من كان يدفع بصدره ترسا كي لا تصاب «عذاراهم» بضيم من مغتصب، وكي لا يقطع سيف جلاد جديلة «المريمية».
في القدس، هكذا هي الدنيا، وعلى ما يبدو كما في سائر حواضر العرب، الوفاء هو قيمة سائلة، لها تاريخ نفاد مثل سائر السلع، وعند البعض قد يصير الوفاء، في أحسن الأحوال، استعارة جميلة معلقة على صدر بيت شعر أو على عجزه، وساكن في الأطلال أو في حكاية كحكاية السموأل بن عادياء.
ثلاثة وعشرون عاما مرت على رحيل من كانت القدس معبودته وكان هو حارسها الأمين، مرت من دون أن تُسمِع المدينة تنهيدة شوق أو تهليلة وجع. تمر الذكرى والقدس في غيبوبة والناس في عجقة أو نعاس وكأنها نهاية العالم. لا يوجد في شوارع المدينة أي شعار أو يافطة أو صورة تذكر برحيل فيصل الحسيني، وكأن المدينة لم تنم على جفونه دهرا وعمرا، حتى السرو على حوافي الطرقات كان كسولا يحاول أن يتفاهم مع الغبار على اقتسام الريح والندى.
حاولت أن أركن سيارتي بجانب مدخل بيت الشرق، الذي ما زال مغلقا بأمر حكومة إسرائيل منذ أكثر من عقدين، ولم أجد مكانا. فرحت، فقد افترضت أن جميع أصحاب تلك السيارات جاؤوا ليشاركوا في وقفة لإضاءة الشموع بذكرى رحيل فيصل الحسيني، كانت قد دعت إليها «اللجنة التحضيرية لإحياء ذكرى رحيل الشهيد فيصل الحسيني».
أوقفت سيارتي في مكان بعيد وقفلت راجعا باتجاه بيت الشرق. كان عدد المشاركين في الحدث قليلا بشكل ملحوظ، يتقدمهم عبد القادر نجل فيصل الحسيني والى جانبه بعض العاملين السابقين الى جانب فيصل في بيت الشرق، كما شارك النائبان أيمن عودة وأحمد الطيبي ووفد عن لجنة المبادرة الدرزية والمطران عطا الله حنا وعدد من الشخصيات المقدسية وممثلون عن القوى الوطنية في المدينة.
في الموقع تواجدت أعداد كبيرة من عناصر الشرطة الإسرائيلية وما يسمى بحرس الحدود الذين هاجموا، مع بداية الوقفة، المعتصمين وقاموا بتمزيق صور فيصل الحسيني التي كان يرفعها بعض المشاركين والمعلقة في المكان. أكد جميع المتحدثين في الاعتصام على أهمية الدور الذي قام به فيصل في بناء الوحدة المقدسية وتمتين لحمة المجتمع المقدسي ورسم عناصر الهوية المقدسية الفلسطينية، كما أكدوا أيضا على نجاحه في بناء معادلة قوة متكافئة مع الاحتلال كانت نتيجتها الفعلية حماية المدينة الشرقية وفرض حالة ردع متبادل مبنية على مقولته «قد لا نستطيع أن ننتصرعليكم ولكننا نستطيع أن نمنعكم من الانتصار علينا أو هزيمتنا».
في الواقع لن يكفي هذا المقال لاستعادة تفاصيل السياسة التي انتهجها فيصل الحسيني في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وفي سبيل المحافظة على هوية المدينة الفلسطينية وفرضها كواقع، ليس فقط على إسرائيل، بل على سائر دول العالم. ولئن كتبت في الماضي عن عناصر كثيرة اعتمدها في معرض تثبيت مكانته كقائد حام للقدس ولمجتمعها ولمؤسساتها ولجميع فصائلها وشرائحها، تذكرت اليوم في حديثي مع عبد القادر الحسيني ثلاثة من معالم نهجه التي اتبعها وحاول أن ينشرها كدعائم للسياسة الفلسطينية ككل.
ففيصل كان مؤمنا بحاجتنا لقراءة التاريخ، تاريخ قضيتنا، كي نستطيع سبر مغاليق المستقبل وكي نضع رؤانا المضمونة والسليمة من أجل ضمان تحرر شعبنا واستقلاله وإقامة دولته العصرية. أما في مواجهته مع الاحتلال، فعلاوة على وعيه بضرورة اكتساب عناصر القوة المتاحة، وإيمانه بأن اختيار وسائل المواجهة الناجعة في الزمان والمكان المعينين هما من أهم عناصر تفادي الهزيمة والفشل. علاوة على ذلك، وتثبيتا له كان يكرر دوما في مواجهاته قولا مفاده «رأسي يمكنك أن تكسره لكنك لن تستطيع أن تحنيه»، على ما تعنيه هذه المقولة من مآلات ومن معان وتبعات عملية نضالية.
عندما أعلن نتنياهو، في العام 1999 حربه على بيت الشرق وأصدر أمره بإغلاق المؤسسة والمبنى، تصدى له فيصل الحسيني وتمترس جسديا في داخله. وتجندت الى جانبه القدس بمعظم مؤسساتها وقواها السياسية والدينية وقيادة منظمة التحرير طبعا. استمر صموده حتى أجبر، في النهاية، حكومة نتنياهو على التراجع عن أمرها، ليس قبل أن يعلن فيصل أمام العالم انه لن يستسلم وأنه سيدافع عن قلعته/ القدس/فلسطين حتى آخر الأمل ففي النهاية، هكذا كان يردد علنا «قيادة بلا بناية أفضل من قيادة بلا شعب». فالشعب الذي تقدمه فيصل بصدره هو الذي حمى بيت الشرق الذي كان قلب القدس وعنوان فلسطين السياسي في تلك السنوات؛ تلك كانت القدس التي ساندت فيصل في زمنها الذهبي. فبعد أن رحل، أصدرت حكومة إسرائيل أمرا جديدا قضى بإغلاقه. واغلق البيت فبدأت القدس تسير في مسيرة تيهها التي لم تنته بعد. لقد أغلقت البناية وبقي الشعب بلا قيادة والمدينة بلا شعب.
كنا نقف كمشة أشخاص، وراءنا شبح لبيت الشرق، وأمامنا عناصر الشرطة الاسرائيلية الذين ما زالوا يخافون من صورة فيصل ومن ذكراه. كنا كمشة توحدهم ذكرى ويجمعهم حنين وكان معنا فيصل الحسيني الذي تنفسه كل واحد منا على طريقته وأرجعه، بعد وقفة قصيرة على رصيف الذكريات، الى مكانه الدافئ بين حنايا الأضلع. تفرقنا وكان معظمنا يهز برأسه، وهي حركة العرب التي يعبرون فيها عن المجهول أو عن العجز والقصور … أو ربما هي الإشارة على أننا كنا نعرف ما المصيبة وما أسبابها، ولكن أحدا فينا لا يملك الحل أو لا يجرؤ، في هذا الزمن العاقر، أن يجاهر به.
كانت الشوارع القريبة من بيت الشرق تعج بالشباب الذين يملؤون المقاهي والمطاعم وبعضهم كان يتأهب لمشاهدة مسرحية «شجرة التين» للفنانة المبدعة رائدة طه، أو عرض للفنان المميز علاء أبو دياب.
وراءنا بقيت المأساة وشبح الأورينت هاوس. كان على جدرانه نقش بحروف باهتة تقول: عشرون عاما مرت فهلا تعلمنا أنه لا يوجد لبعض القادة خليفة أو بديل؟ وهلا اعترفنا أن مدينة ينام أهلها عن حقهم في العيش بكرامة وبهوية أصيلة سوف يأكلها الذئب وسينعق في خرائبها الغراب وسيحكم في شوارعها الغريب؟
إنها المأساة يا أخي…
كاتب فلسطيني

 

 

النائب أيمن عودة من

الجبهة إلى الجبهة سيعود

جواد بولس

 

فاجأ إعلان رئيس قائمة الجبهة/العربية للتغير، النائب أيمن عودة، قراره بعدم الترشح للدورة المقبلة للكنيست، معظم الأوساط الإعلامية والكثيرين من متابعي شؤون السياسة على الساحة الإسرائيلية. ففي بث مصور، بادر أيمن عوده الى نشره مساء الثلاثاء الفائت، قال إنه قرر أن يتخذ «موقفا مسؤولا تجاه شعبنا، تجاه وحدتنا الوطنية، بألا أترشح للمرة القادمة، وأن أسعى بمنهجية معكم جميعا من أجل العمل على بناء أوسع وحدة مبنية على خط وطني كريم». وأضاف في كلمته بأنه سيبقى «نشيطا في هيئات الجبهة» واصفا ذلك بالأمر البديهي.
تناولَت وسائل الإعلام العربية والعبرية، بطبيعة الحال، إعلان النائب أيمن عودة باهتمام بالغ، وكذلك فعل المعقبّون على منصات التواصل، فتراوحت ردودهم بين من أشادوا بالقرار مؤكدين كونه مخالفا «لعرف» القيادات العربية، على طول وعرض الوطن العربي والتصاقهم بالكراسي وعشقهم للمناصب، وبين من تناولوه بدوافع شخصية سطحية أو حزبية عصبية وكأنهم وجدوها فرصة للمناكفة وللشماتة.
قد يكون التوقيت الذي اختاره النائب مفاجئا للكثيرين، خاصة أنه جاء في خضم أوضاع سياسية استثنائية، سواء على ساحة الكنيست نفسها، أو خارجها، في الدولة عموما وداخل مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، لكنني أعتقد أن قراره كان متوقعا ومحتوما لسببين أساسيين، كان من المفروض أن يعرفهما المقربون من أيمن وكذلك مَن تابعوا مسيرته، في السنوات الأخيرة، نحو مواقع القيادة داخل مؤسسات الجبهة الديمقراطية. السبب الأول هو العلاقة المتوترة التي سادت بين المؤسسات القيادية في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، خاصة مع بعض أعضاء المكتب السياسي والى جانبهم بعض قيادات الجبهة الديمقراطية وبين أيمن عودة ، علاقة أنتجت حالات من التشويش المستمر، وخلق مشاهد ملتبسة وتهجمات مهينة بحقه، رافقتها أحيانا قرارات حزبية قيدته بضوابط ثقيلة وألزمته بموانع حدت من حريته في التحرك في مسائل سياسية مفصلية ومن تنفيذ برامجه ورؤاه السياسية، على الرغم من التزامه بمبادئ الحزب والجبهة التاريخية والمعلنة. والثاني، عملية التقهقر التي تشهدها الحالة الحزبية داخل مجتمعاتنا وعزوف الناس عن العمل السياسي ورفضهم الانخراط والتعاون مع نداءات الأحزاب والمؤسسات القيادية وخلق حالة شعبية جدية تأخذ على عاتقها مواجهة الفاشية، من جهة، ومواجهة آفة العنف المستشري في مجتمعاتنا المحلية، من الجهة الأخرى.
لسنوات طوال تبوأت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وعمادها المركزي كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي، مكانة التنظيم الرائد في قيادة نضال الجماهير العربية ضد سياسات الاضطهاد العنصري والقمع التي مارستها حكومات إسرائيل ضد مواطنيها الفلسطينيين. ومنذ مطلع سبعينيات القرن الماضي برز قادة الجبهة الديمقراطية، الشيوعيون وغير الشيوعيين، والى جانبهم قيادات من تنظيمات أخرى، في اجتراح وسائل تنظيم الناس وهندسة خرائط طرقهم في النضال على الجبهتين، الهوياتية القومية، والحقوق المدنية. وكي لا ننسى تلك المناخات عسانا نتذكر بعض الأطر الوحدوية التي بادر اليها في الأساس الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومن بينها لجنة المبادرة الدرزية (1972)، اللجنة القطرية للطلاب الثانويين (1974)، لجنة الدفاع عن الأراضي (1975)، الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين (1975)، لجنة المبادرة الإسلامية (1976)، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (1977) وغيرها من الأطر، القطرية والبلدية، التي لعبت دورا هاما في تحصين المجتمع والدفاع عن مختلف شرائحه، مثل اللجنة القطرية للرؤساء، لجنة المتابعة العليا، حركة النساء الديمقراطيات، ولجان التجار والأكاديميين وغيرها.

لا يجوز ولا يمكن إعفاء النائب أيمن عودة من المسؤولية عن الوضع الذي وصلت إليه الجبهة الديمقراطية في السنوات الأخيرة، فقد كان يُعد في هذه السنوات قائدا واعدا

لست في معرض تحليل الأسباب التي أدت الى اختفاء معظم هذه الأطر أو بقائها مجرد هياكل ضعيفة، ولا أن أستعرض الأسباب التي جعلت مجتمعاتنا المحلية تنأى عن الانخراط في النشاطات السياسية وعن التفاعل مع الأحزاب السياسية الناشطة بيننا، لكننا نأسف على أنه بالرغم من تبخر قوة بعض تلك المؤسسات والأحزاب، واقتراب الأخرى من الاندثار لم تبادر قياداتها الى إعادة النظر في أوضاعها التنظيمية المتكلسة، ولا في برامجها الاجتماعية والسياسية التي لم تعد صالحة لمواجهة واقع الدولة وحالة الناس ومشاكلهم. وقد يكون هذا ما دفع في النهاية بأيمن عوده لاتخاذ قراره المذكور.
من الضروري أن نسمع البيان بانتباه، فما قاله أيمن مهم وما لم يقله مهم أيضا، وذلك لأن موقفه يعكس حالة شائعة يتعاطف معها الكثيرون من أبناء مجتمعنا ومن بينهم أعضاء كثر في الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، فهو لن يترشح للكنيست في الدورة المقبلة ويؤكد في نفس الوقت على أن القضية المركزية «التي سأعمل كل جهدي من أجلها هي المساهمة الجدية والمنهجية من أجل القضية الأكبر، القضية الأم، وهي إنهاء الاحتلال. حيث لا سلام ولا أمن ولا مساواة ولا ديمقراطية ولا علاقة طبيعية بين الشعبين إلا بإنهائه. هنا ستتركز كل جهودي في السنوات المقبلة».
هكذا قال وكأني به ينتقد نفسه أولا ومعه ينتقد معظم اللاعبين السياسيين في ساحاتنا بالقصور، وفي طليعتهم ينتقد جبهته التي، هكذا يجب أن نفهم أقواله، لم تعمل بشكل جدي ومنهجي ضد الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي لم تعمل على سائر الجبهات الهامة. لقد تخلت عمليا قيادات الجبهة عبر السنين عن العمل بهدي المبادئ المؤسسة الراسخة والمعروفة التي جعلت حتى بداية القرن الثالث، من الجبهة القطرية والجبهات البلدية المحلية، وقيادييها ومعهم سائر العناوين الوطنية، مقالع لتنظيم الناس سياسيا، ودفيئات لتربية الهوية الجامعة، ومظلات اجتماعية منيعة حمت المجتمعات وأمنت للمواطنين حالة من السلم الأهلي وفضاءات من الأمن المجتمعي. هكذا يشعر الكثيرون من مؤيدي الجبهة الديمقراطية وأنصارها التقليديين.
ألمح البعض على أن بيان أيمن عودة يتضمن إقراره بعدم نجاعة النضال من داخل الكنيست وضرورة مقاطعة الانتخابات العامة الإسرائيلية، وهذه في رأيي قراءة مخطوءة لكلامه، فعلاوة على تأكيده، في معرض البيان، على تمسكه بضرورة المشاركة في الانتخابات والعمل على إدخال أكبر عدد من النواب للكنيست، كما حصل مع القائمة المشتركة، علاوة على ذلك، يحتسب هو هذا الإنجاز «كلحظة الزهو، المتمثلة بحصولنا على 15 مقعدا والشعور الجماعي بالقوة»، كما يضيف على أن «هذه اللحظة يجب أن تعود وتؤسس للمراحل القادمة». فهو، لمن يمعن في هذه الأمنية والوعد، يتنازل عن مقاعد جبهته الديمقراطية، ليباشر، مع آخرين، عربا ويهودا، ببناء جبهة شعبية أعرض تؤمن وتناضل بخط وطني كريم من أجل انهاء الاحتلال، لأن الاحتلال كان وبقي هو المواجهة الأكبر، المواجهة الأم، اذ لا ديمقراطية ولا مساواة في الحقوق ولا أمن ولا أمان مع الاحتلال.
لا يجوز ولا يمكن إعفاء النائب أيمن عودة من المسؤولية عن الوضع الذي وصلت اليه الجبهة الديمقراطية في السنوات الأخيرة، فقد كان يُعد في هذه السنوات قائدا واعدا ويحظى بدعم كبير بين صفوفها وداخل قواعدها العريضة. لقد شعر، كما كان يعبر مرارا، بقصور مؤسساتها في العمل النضالي الصحيح. لقد تطرق لتصوراته السياسية ورؤاه الاجتماعية، ليس في مسألة مواجهة الفاشية والاحتلال وحسب، بل في مجمل القضايا الاخرى، مثل ضرورة النضال المشترك مع القوى اليهودية، وبناء جبهة عريضة ضد الفاشية، وقضية الدفاع عن الحيزات العامة، ومواجهة ظواهر القتل والعنف، باسبابه المختلفة، وتراجع مكانة الحريات الفردية مثل حرية الإبداع وممارسته في الأماكن العامة، وازدياد مظاهر الإكراه الديني والتراجع في مكانة المرأة وحقها في ممارسة حياتها بحرية، وغيرها من المواضيع التي كانت الجبهة الديمقراطية أول من صاغها وتبناها ودافع عنها بعناد ما زلنا نذكره.
لا أعرف لماذا لم يحسم أيمن عوده مواقفه في معظم تلك العناوين عندما كان يستطيع حسمها من داخل الجبهة. ربما خاف من شق صفوفها فتردد، أو ربما، كان مرد ذلك وفاؤه لمن سبقوه في رسم معالم الطريق وربما كان يؤمن بأنه قادر على استرضاء «الحرس القديم» وإقناعهم بضرورة العمل موحدين من داخل جبهة جديدة ومتجددة وقادرة على استرجاع المقاود الآمنة، لكنه لم ينجح.
لم أكتب المقال دفاعا عن عودة ولا عن خطوته المعلنة، فمآلاتها المستقبلية ما زالت قيد التخمين والترقب، بل أكتب كي أؤكد مرة أخرى على أننا نشهد أفول أدوار الأحزاب السياسية التقليدية ونفاد صلاحيتها، وبضمنها طبعا الجبهة الديمقراطية التي تربيت في حضنها، فإذا لن ينجح مجتمعنا بتخطي هذه المحنة السياسية الكبيرة، سنغرق أكثر في وحول الفاشية وفي دماء عجزنا المتفاقم. لقد وصلنا اليوم الى ما وصلنا اليه فصارت حظوظ بناء الجبهة العريضة ضد الاحتلال وضد الفاشية، التي يحلم فيها كل مناضل وحر وسياسي يؤمن بالواقعية الكفاحية، تتقلص بشكل مقلق، لكننا لن نفقد الأمل.
لقد أصدرت الجبهة الديمقراطية بيانا عقبت فيه على إعلان النائب أيمن عودة، جاء فيه أن «النائب أيمن عودة كان قد أشرك الجهات المخولة بقراره وعدم ترشحه لدورة إضافية، وهو قرار نقدره ونحترمه، كما نحترم الدور الكبير للنائب عودة على مدار عقدين من الزمن في قيادة الجبهة». قرأت البيان ولم أعرف أأبكي أم أضحك؟ لقد تناسوا كيف جلده بعضهم وصلبوه واتهموه بالكبائر وحولوا حياته داخل الجبهة الى جحيم لا يهادن. أأبكي أم أضحك؟ فهكذا يولد الرياء في مطارحنا، وهكذا تهدم صروح آبائنا وهكذا «نجوع ونعرى وقطعا نتقطع.. فلتسمع كل الدنيا فلتسمع».
كاتب فلسطيني

 

 

واقفون على أهداب التاريخ…

من يحمي الديار؟

جواد بولس

لم ينجح الفاشيون في الاستيلاء على أي نظام حكم في دولة ما، إلا بالاستفادة من صمت أكثرية المواطنين في تلك الدولة ولامبالاتهم، أو انغماسهم في شؤون حياتهم اليومية، سواء كانوا كادحين من أجل لقمة العيش، أو مترفين في أحضان الدولة ودلالها ومالها. ولن تختلف الحالة الفاشية الإسرائيلية الحاضرة عمّا جرى في تلك الدول التي تشكّل فيها نظام حكم فاشي عنصري متكامل، أو ديكتاتورية لا تعرف إلا ممارسة سياسات القمع والاضطهاد، خاصة ضد معارضيها، أو ضد من تعتبرهم أعداء الدولة وأمنها.
لقد لاحظنا في الأشهر الأخير تناميا جدّيا في نشاطات المجموعات الفاشية اليهودية واعتداءاتها الدموية، خاصة على المواطنين العرب؛ ولئن شهدنا في الماضي حدوث مثل هذه الجرائم بشكل متفرق، لا بد أن يقلقنا اليوم اتساعها وشيوعها، وكذلك ما اكتسبته من امتيازات مجتمعية ودعم مالي وقانوني سلطوي، سيضاعف من خطورتها وينذر بما ستشكّله في المستقبل القريب علينا، حين ستباشر «عملها» بشكل رسمي كأداة سلطوية موكلة بتنفيذ سياسات الترهيب الحكومية والقمع، وطبعا القتل من دون محاسبة.
لا يستطيع أحد أن يتكهن إلى متى ستحافظ هذه الحكومة على تماسكها، ولا ما هي وجهة المجتمع الإسرائيلي النهائية ازاءها؛ فمن الواضح أننا نواجه فصلا جديدا في حياة جميع أجنحة الحركة الصهيونية؛ والأبرز في هذا المشهد هو حالة العناق غير المسبوق بين الحركات الصهيونية القومية اليمينية، والحركات الدينية الصهيونية على مختلف مشاربها وعقائدها.
ومن دون أن استرسل في مآلات وتداعيات هذه الحالة المتشكّلة، أود أن أشير إلى نقطة واحدة لأهميتها، برأيي. فإسرائيل تعيش، منذ نهاية الانتخابات الأخيرة وتشكيل حكومة نتنياهو الحالية، حالة انقسام، عامودية وأفقية، واضحة بين معسكرين أساسيين؛ يضم المعسكر الأول مناصري حزب الليكود وحلفائه في الحكومة الحالية، بينما يتشكل الثاني من حركة شعبية واسعة تحركها، إلى جانب ناشطين وقياديين من أحزاب المعارضة، قيادات هيئات ومؤسسات وجمعيات مدنية، هبّوا جميعهم معترضين على شرعية برنامج الحكومة المسمى كذبا «برنامج الإصلاحات القضائية».
رفع المعارضون منذ أيام الاحتجاجات الأولى شعار الديمقراطية وضرورة المحافظة عليها كأساس من دونه لن تبقى إسرائيل دولتهم التي عاشوا فيها وقاتلوا من أجلها، بل ستصبح، تحت حكم حكومة نتنياهو، ليفين، روطمان، سموتريتش وابن غفير، دولة ديكتاتورية ثيوقراطية تعتمد سياسة الإكراه الديني والاضطهاد والقمع، ولا مكان للمعارضين فيها. لقد كان واضحا للكثيرين، وضمنهم بعض من قيادات تلك المظاهرات المعارضة للحكومة، أن رفع شعار الديمقراطية لوحده غير كاف وغير صحيح؛ وصرّح بعضهم بأنه من دون إرفاق شعار الديمقراطية بشعاري إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وبتأمين المساواة الكاملة للمواطنين العرب في إسرائيل، لن تتحول حركة المعارضة الحالية إلى مفاعل سياسي قادر على الفوز بحكم مبني على أسس جديدة ومغايرة لتلك التي سادت قبل وصول القوى الحالية إلى الحكومة؛ علما بأن جميع هذه القوى اليمينية، وصلت إلى هذه الحكومة والسيطرة على معظم مرافق الدولة في ظل تلك «الديمقراطية» التي كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تدّعيها، بينما كانت تمارس احتلالها للأرض الفلسطينية وتنفذ سياسات الاضطهاد بحق مواطنيها العرب.

ما زالت أغلبية المتظاهرين ضد الحكومة ومعظم قياداتهم متمسكة بشعار الديمقراطية لوحده، بيد أننا بدأنا مؤخرا نسمع ونشاهد العديد من الأكاديميين والشخصيات النخبوية اليهودية، وهم يعبرون عن ضرورة تبني شعاري «لا للاحتلال ونعم للمساواة»، كجناحين لن تحلق الديمقراطية دونهما. قد يعود الفضل في اتساع هذه الظاهرة إلى مشاركة فرق من العرب واليهود، الشيوعيين والجبهويين وغيرهم، في تلك المظاهرات وإيمانهم بأن مشاركتهم، رغم ما ينقصها من عناصر سياسية نضالية سليمة، هي فعل نضالي لا يوجد مثله، أو بديل عنه في قرانا ومدننا، ويمكن ممارسته بشروطهم، كما فعلوا وهم رافعون شعاراتهم المميزة ونداءاتهم البارزة ضد الاحتلال ومع المساواة والديمقراطية. إن النجاح في إحلال الشعارات الثلاثة وترسيخها كمطالب تنادي بها قطاعات واسعة من المجتمعات اليهودية، من شأنه أن يخلق واقعا جديدا حيال علاقة الحركة الصهيونية، أو أجزاء واسعة من داخلها، بالأرض، وفي فكرة بناء إسرائيل التوراتية الكبرى والتمسك بالاحتلال؛ ومن جهة ثانية حيال مفهوم المساواة التامة في دولة يجب أن تكون لكل مواطنيها، كي تكون دولة ديمقراطية. وبطبيعة الحال فإن نجاح الحركة الشعبية ضد الحكومة الحالية سيضع حدا لزحف الفاشية وتنفيذ قمعها واضطهادها المتوقعين.
أعود للكتابة عن المظاهرات وأهميتها، لأنها الحدث البارز الإيجابي الوحيد الجاري بيننا وفي محيطنا القريب والبعيد؛ ولأن استمرارها، رغم نواقصها وانتقاداتنا لها، يبعث في فضاءاتنا المعتمة بريقا من أمل وإيمان بإمكانية صد الفاشية ومواجهة هذه الحكومة التي في رعايتها وتحت مظلاتها ستمارس ميليشيات «الحرس الوطني» وتفرّعاته الرسميه وغير الرسمية، قمعها بإفراط لم نشهد، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، له مثيلا.
لا يمكن لعاقل بيننا أن يستمر في ممارسة حياته العادية من دون أن يفترض بيقينية قاطعة أن اعتداءات الفاشيين على الشباب العربي، في الأماكن العامة وعلى الطرقات، ستصبح مشاهد عادية وشبه يومية. لقد شاهدنا تسجيلا مصوّرا لعملية قتل الشاب ابن قرية صندلة، ديار العمري، يوم السبت الفائت؛ وشاهدنا كيف رماه قاتل يهودي مأفون بالرصاص وتركه يغرق في دمائه على قارعة الطريق. وعلى الرغم من اعتقال القاتل، وهو من بلدة «جان نير» المجاورة لقرية صندلة، لا نستطيع أن نجزم بأنه سيدان وسينال عقابه؛ فإذا قسنا حالته على سوابق مماثلة حدثت في الماضي، لاسيما عندما كان القتلة من بين صفوف قوات الأمن، فقد يفلت، مثلما أفلتوا، من العقاب. إننا، كمواطنين في دولة عنصرية، نعيش واقعا مخيفا، أمست حيوات أبنائنا فيه في خطر يومي وحقيقي، ففي أسبوع واحد هاجمت فرق يهودية فاشية عددا من الشبان العرب؛ وكان من الملاحظ أن الهجمات نفذت في وضح النهار وفي أماكن عامة ومكشوفة، وقد برز من بينها الاعتداء في إحداها على حارس، من أبناء الطائفة الدرزية، كان يمارس عمله في حراسة مزار يهودي في جبل ميرون قرب مدينة صفد، فهاجمه سبعة رجال يهود واعتدوا عليه بالضرب بقضبان حديدية وركلوه وهو على الأرض وألقوا عليه حاجزا حديديا فأصيب ونقل إلى المستشفى.
أتمنى ألا تنسى هذه الحوادث كما نسيت تلك التي سبقتها؛ فكما قلت في البداية، فإن فطريات الفاشية تتكاثر في سهول النسيان أو على ضفاف الوهم والمبالغة أو في حضن الروتين والعجز. لقد لفت انتباهي بعد مقتل الشاب ديار العمري موقفان؛ الأول، أطلقته «حركة حماس» من غزة، فأقلقني، وتمنيت لو أنها لم تفعل. بعد أن زفت حماس «إلى جماهير شعبنا الفلسطيني العظيم الشهيد الشاب ديار العمري، الذي ارتقى برصاص مستوطن صهيوني، في بلدة صندلة، بمنطقة مرج ابن عامر بالداخل الفلسطيني المحتل»، كما جاء في الأخبار، أضافت الحركة على لسانها: «أن شعبنا البطل لن يمرر جرائم الاحتلال ومستوطنيه بلا رد، وسيصعد مقاومته ردا على جرائم الاحتلال وثأرا على دماء الشهيد عمري وكل أبطال شعبنا وآخرها تلك التي روت ثرى نابلس وطولكرم، فدماء أبناء شعبنا ليست رخيصة وسيدفع العدو الثمن غاليا». لقد أصدرت «حركة حماس» في الماضي بيانات شبيهة لهذا البيان، وطالبت فيها أيضا المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل بتصعيد مقاومتهم والرد على جرائم الاحتلال وتدفيع إسرائيل الثمن غاليا؛ وأذكر أنني كتبت حينها راجيا «حماس» وجميع الفصائل الفلسطينية وغيرها من قوى خارجية أن تعفينا من هذا الحب، وأن يتركونا ندير شؤوننا كما ترتئيها أحزابنا ومؤسساتنا القيادية، وفي طليعتها «لجنة المتابعة العليا»، وكما توجبها مصالحنا، خاصة في هذه الأزمنة العصيبة وشبه المصيرية عندنا. وكما قلت في حينه أقول اليوم: اتركونا نواجه مصائرنا بأنفسنا ومن مواقعنا، فنحن أدرى بشعابنا وبشواطئنا ونعرف، كما عرف أباؤنا، كيف نناضل. كلامكم كما ورد لن يسعفنا، ويخلق بيننا بلبلة والتباسا نحن في غنى عنهما. أحبونا برويّة وبقسط فنحن نحب غزة ونتمنى من أجلها أن تنجحوا أولا برتق أوصال الوطن المقطعة وبعدها بتحرير نابلس وطولكرم وغزة طبعا.
والموقف الثاني، عندما تنادى أعضاء «لجنة المتابعة العليا» للاجتماع في قرية صندلة كخطوة تقر بجلال المصيبة وللتضامن مع أهل الضحية وقرية صندلة المكلومة. وقد صرح رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة بعد الاجتماع وقال: «كان لنا اجتماع في قرية صندلة واتخذنا سلسلة خطوات من بينها تنظيم مسيرة في القرية بعد أن يتشاور أهل القرية في ما بينهم، لكن نحن قطريا بصدد تسيير قافلة سيارات من النقب والشمال مرورا بالمثلث وشارع 6، شمالا وجنوبا، وصولا إلى القدس وإقامة خيمة اعتصام في مدينة القدس. كما نبحث إقامة مظاهرة قطرية كبيرة إلى جانب وقفات ثابتة أسبوعية في العديد من القرى والمدن». لا أعرف إذا كانت تلك الخطوات، في ما إذا نفذت، كافية لمواجهة الحالة المأساوية التي نعيشها، لكنها تبقى مقترحات محلية صادرة عن «لجنة المتابعة العليا» بصفتها الهيئة التي تمثل قضايا الجماهير العربية في إسرائيل، ولها، في علاقاتها معنا، ما لها وعليها ما عليها. ولأنها كذاك فكلي أمل، مثل آلاف المواطنين، أن تنجح «لجنة المتابعة العليا» باجتراح الحلول والردود الكفيلة بحمايتنا وبمواجهة خطر الفاشية والفاشيين، فنحن واقفون على أهداب التاريخ. ولأنها صاحبة الحقل والبيدر كنت أتوقع منها كذلك وأتمنى عليها، أن تردّ على بيان «حركة حماس»؛ فقد عوّدنا الإخوة الفلسطينيون وعوّدناهم بدورنا، مذ خلق النضال، أن ما لغزة ولنابلس يكون لغزة ونابلس، وما لصندلة وللناصرة يبقى لصندلة والناصرة.
كاتب فلسطيني

 

 

خضر عدنان…

من الحياة إلى الحياة

جواد بولس

 

لم أهيّئ نفسي لأكتب عن خضر عدنان بلغة الماضي، ولا أن أستحضر تفاصيل من لقاءاتي الكثيرة معه، كي أرسم معالم شخصيته الفريدة في لحظة غيابه التراجيدي؛ فرغم من وصوله إلى حالة صحية محرجة آمن هو، وتمنيت أنا، مثل كثيرين ممن كانوا على مقربة من تداعيات حالته الصحية، وتطورات قضيته في المحكمة، بأنه، هو ونحن، سوف نجد المخرج الآمن، والحل الذي سوف ينقذه من النهاية المأساوية. كان خضر يعرف أنه يخوض معركته الحالية في معطيات وأجواء فلسطينية وعامة مغايرة عن تلك التي كانت قائمة في جميع مواجهاته السابقة؛ ورغم استيعابه لوجود الفوارق، أصر أن يمضي في طريقه مؤمنا بنصره؛ فهو، هكذا أفهمني في زيارتي له في اليوم الأربعين لإضرابه، لم يتغيّر وبقي هو العنصر المركزي في معادلة الصدام الجاري. فخضر الذي رفض المذلة والضيم، وواجه السجان/ الاحتلال من أجل أن يعيش بحرية وبكرامة، لم يزل هو ذلك الخضر الذي يؤمن بضرورة الاشتباك مع الاحتلال، حتى في أحرج مفارق الحياة وأخطرها.
لقد اتصلت عائلته معي عساني أستطيع أن أساعد، إلى جانب المحامي الذي كان موكلا عنه، في فكفكة تعقيدات قضيته الجارية في المحكمة العسكرية في «سالم» الواقعة بالقرب من مدينة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة. طلبت مني العائلة أن أزوره في عيادة سجن الرملة، وأحاول التفاهم معه حول مصير الملف واحتمالات إنهائه مع نيابة الاحتلال العسكرية. وافقت وقمت بتحديد موعد للزيارة وذهبت إليها بمشاعر مضطربة؛ فأنا أعرف خضرا جيّدا، وسوف يكون صعبا عليّ إقناعه بأن يتنازل عن موقفه بسبب اختلاف الظروف وملابسات قضيته.

«أريد أن أعيش طبعا، فأنا أحب الحياة وأحب عائلتي، لكنني مستعد أن أموت حرا كي أنال تلك الحياة الحرّة وينال شعبي حياته الحرة الكريمة؛ فإما الحرية وإما الحرية»

كنت جالسا خلف الزجاج في غرفة زيارة المحامين، حين أدخلوه من الجهة الثانية، على كرسيه. رآني فتبسم من بعيد، كما في كل مرة، بابتسامة هادئة يخجل منها الفل، وفوقها كان جبينه يفيض حنينا أسمر، وفي وسطه ضوء خافت حزين وقلق. كان محتجزا في غرفة لوحده، يقومون بتفتيشها حتى في ساعات الليل بهدف التشويش عليه وقلقلة راحته. كان يشرب الماء فقط ويرفض إجراء أية فحوصات طبية. كانت تبدو عليه علامات الضعف وكلامه كان بالكاد مسموعا ويخرج من فيه ببطء واضح. بدأت حديثي معه حول صعوبة الظروف العامة لانتقل بعدها للحديث في الخاص وعن مواد لائحة الاتهام الموجهة ضده. أوقفني وطلب، بأدب مطبوع فيه، أن يقول لي جملتين. أخذ نفسا عميقا وقال بحزم: «مطلبي هو الحرية ولا شيء دونها، أفهِمهم أنني لن أرضى بأقل منها، فأنا معتقل سياسي ومكاني بين أهلي وبين شعبي». ثم أضاف بعض الكلمات عن الشهادة وعن استعداده لنيلها وأكّد حبه للحياة واشتياقه لعائلته وللبلد. في لحظة ما أوقفته وطلبت أن يسمعني. ذكّرته ببدايات معرفتنا عام 2012 عندما كان معتقلا إداريا ويخوض اضرابه الشهير عن الطعام. وقتها، في لقائي الأول معه، تفاهمنا واتفقنا على المبادئ والشروط التي يجب أن تتوفر كي ينجح الإضراب وكي أنجح في تحقيق ما يطلبه وهو نيل حريّته. كان أول تلك الشروط قناعة المضرب بحقه وبقدرته على الصمود، حتى لو وقف على حافة الدنيا؛ والشرط الثاني هو نجاحه بإقناع الغريم الإسرائيلي بأنه، كأسير مضرب لا يناور، بل هو مؤمن بخطوته ومستعد لأن يدفع حياته مقابلها. واتفقنا أيضا على أن المطلب الذي من أجله يعلن الإضراب يجب أن يكون قابلا للتنفيذ وليس مطلبا تعجيزيا. والأهم من جميع ذلك اتفقنا على أن تكون رسالة المضرب موجهة لكل شرائح الشعب الفلسطيني ولأحرار العالم، وغير محصورة لصالح الفصيل أو التنظيم الذي ينتمي إليه الأسير، وأن يتصرف المضرب موجها رصيد نضاله وريع نصره عندما يتحقق، في حساب النضال الفلسطيني العام ضد الاحتلال وليس في «خزينة» أي فصيل أو تنظيم أو حزب معين. ناقشت معه، على مدار أكثر من ساعتين، هذه القضايا، وراجعت معه ما سميته في حينه «فرضية العمل الأساسية»، التي بمقتضاها افترضت أن خضرا أو أي أسير مضرب عن الطعام، يدخل إضرابه لأنه يريد أن يعيش، ولأنه يحب الحياة؛ بيد أنه، في الوقت نفسه، يأخذ في حسبانه إمكانية استشهاده؛ ومن الجهة الأخرى، كانت فرضيتي تعتمد على أن الجانب الإسرائيلي لا يريد بدوره أن يموت المضرب عن الطعام، ولكن إذا حصل هذا الأمر في النهاية فسوف يكونون مستعدين لمواجهة الحدث بسيناريو معدّ من قبل، وكي نضمن ألا يحدث هذا، علينا أن نجد المعادلة الصحيحة والدقيقة لتحقيق النصر الذي تستطيع عنجهية الاحتلال هضمه، أو ترغَم على هضمه. تساءلنا فيما إذا حدث خلل على هذه المعادلة في شقها الإسرائيلي.
لم يكن صعبا علينا أن نستعيد جميع تلك التفاصيل ونتذكر مضامينها، فهي كانت أسسا رافقت تجارب خضر في جميع إضراباته السابقة عن الطعام، وهي التي ضمنت انتصاره ونيله حريته بكرامة وبعزة في جميعها، خاصة في إضرابه الكبير عام 2012، الذي اضطرت فيه إسرائيل إلى الموافقه على الإفراج عنه في اليوم السابع والستين عندما كان على وشك أن يفقد وعيه ويدخل في غيبوبة الرحيل، وهو على السرير في مستشفى صفد. لم تكن «المشكلة»، كما برزت في الزيارة، في اقتناع خضر بضرورة تحقق هذه المبادئ وتوفرها في إضرابه الحالي، بل كانت في فهمه لمعنى النضال ضد الاحتلال وقناعته الصارمة بواجب المواطن الفلسطيني رفض الذل والمهانة. فهو يرى أن الفلسطيني الذي لا يقتنع بذلك لن يكون له مبرر إنساني للاستمرار في ممارسة حياته بخنوع روتيني كالعبد، وهو فاقد لحريته الطبيعية ومسلوب الكرامة ذليل. وبلغة أخرى، كما قالها هو: «أريد أن أعيش طبعا، فأنا أحب الحياة وأحب عائلتي، لكنني مستعد أن أموت حرا كي أنال تلك الحياة الحرّة وينال شعبي حياته الحرة الكريمة؛ فإما الحرية وإما الحرية». إنه باختصار الاستعداد للتضحية بالجسد ليذهب حامله محتضنا حريته وكرامته المطلقتين. لقد آمن خضر أنه يقوم بالفعل الصحيح والضروري ضد اعتقاله هذه المرة أيضا؛ فتوجيه لائحة اتهام له لا يغير قناعته، لأنها لائحة سياسية تستهدف إبعاده عن مجتمعه وتحييد دوره السياسي الذي بات يزعجهم. لقد رفض التعاطي مع المحكمة كأنها منصة شرعية، ولأنها غير قادرة على أن تكفل له حق الدفاع النزيه والموضوعي، لاسيما وأنه متهم بالتحريض ضد الاحتلال وبكونه عضوا في الجهاد الإسلامي، وهي اتهامات سياسية وممجوجة، ليس لأنه لم يعترف بها أصلا أثناء التحقيق معه، بل لأنه اعتقل في الماضي على أساس أنه ناشط في تنظيم الجهاد الإسلامي ويحرّض باسمه ضد الاحتلال وضد المحتلين. فهو كما قال، كان قد دفع ثمن هذه الاتهامات قرابة الثمانية أعوام من عمره قضى معظمها في الاعتقال الإداري، مواجها شبهة كونه ناشطا كبيرا في حركة الجهاد الإسلامي؛ فلهذا السبب يصرّ هذه المرة أيضا على كونه صاحب حق وقضية، ويعلن أنه سيستمر في إضرابه حتى يضمن حقه في محاكمة عادلة ونزيهة -والمحكمة العسكرية لا تضمن له ذلك – أو حتى ينال حريته.
قد تكون لغة خضر حيال مفهومَي الحرية والكرامة من جهة والتضحية والشهادة من الجهة الأخرى مستفزة لكثيرين، أو عصية على فهم أكثرية الناس الطبيعيين غير القادرين على تذويتها وتحويلها من ممارسة فكرية وعقلية إلى حالة فعل تقضي بضرورة مقاومة الاحتلال بجوعك، حتى يصبح الجسد هو الأداة الوحيدة في المعركة والقادرة على تحقيق نصرك في الحالتين، والكفيلة بتأمين حريتك في الحالتين أيضا. إنها لغة قد تخيف البعض، وقد تكون غريبة عن قاموس الكفاح الفلسطيني الحديث، الذي خضع عند معظم الفصائل والحركات والأحزاب الفلسطينية في السنوات الأخيرة إلى عمليات تعقيم واستئصال عدة مفاهيم نضالية.
غادرته واعدا إياه أن أطرق باب النيابة العسكرية العامة لأنقل لهم رسالته، والتأكيد على أنه يطلب الإفراج عنه ولا يريد أن يموت، لكنه مستعد أن يمضي نحو ذاك البعيد المطلق إذا لم يترك له إلا هذا الخيار. كان في قلبي وجع، فمعركته/معركتنا هذا المرة مختلفة من الوريد إلى الوريد. لم تبدأ رحلة خضر نحو ذلك البعيد مع أسره هذه المرة؛ فمن يتابع مسيرته في العقد الأخير، لن يجد صعوبة في تشخيص العوامل التي ساعدت على محاصرة تجربته النضالية، خارج السجن وداخله، ومساءلة نهج الإضراب عن الطعام، وزجّه في خانة ملتبسة. ولن يكون الوقوف على الظروف التي أدّت إلى تقويض احتمالات ترسيخها كنهج نضالي من شأنه أن يحرج الاحتلال، صعبا. فهذه مسألة بحاجة إلى مراجعة وتحقيق وتقييم والكتابة عنها وفيها، وإلى أن يتم ذلك أخشى أن مع رحيل خضر عدنان المأساوي والسرعة الغريبة التي «هضمته» فيها فلسطين، على جميع أطيافها السياسية وحركتها الأسيرة، سينتهي فصل آخر من فصول نضالات الحركة الأسيرة الفلسطينية، وهو نضال المِعَد الخاوية.
كان يوم الثلاثاء الفائت قاسيا، ورغم الحسرة لن أقول خسارة على رحيل مناضل مختلف وخلافي بالنسبة للبعض؛ ورجل بادلني الحب بالحب والاحترام بالاحترام، صديق حذرته في الماضي ألا يقبل أن يصير أسطورة أو بطلا في إحداها «فلطالما بقيت كعاب الأبطال عارية وعرضة لإصابة سهام الحقد المسمومة» وتمنيت عليه أن يبقى «نقيا كالنبع، عاديا كالنار، حرا كالريح، وضعيفا كالندى.. وأن يبقى إنسانا لا أقل ولا أكثر». هكذا تمنيت عليه بعد إنهاء إضرابه عام 2015، ولكن كان للنبع حنينه وطباعه، وللنار ذراها وللريح خيالها، وأما الندى فهو كأنفاس الطبيعة باق على خواصر الشرفات وأهداب الفجر ليس في عرابة جنين وحسب، إنما في كل أرض طيبة. فسلام عليك صديقا وإنسانا مميزا ستدوم ذكراه لديّ وستبقى، وفي الأساطير، ربما.
كاتب فلسطيني

 

 

بين «استقلال»

ونكبة أولى وثانية

جواد بولس

 

قد تكون الاحتفالات بما يسمى يوم «استقلال» إسرائيل، كما أقيمت قبل يومين في مواقع ومدن إسرائيلية عديدة، حدثا مفصليا لن يتكرر في السنوات المقبلة بالصيغ نفسها التي شاهدناه عليها، ولا وفق البروتوكولات والمفاهيم التي كانت متّبعة منذ سنوات طويلة، وكانت محطّ إجماع ارتضته جميع شرائح المجتمعات اليهودية وتيّاراتها الاجتماعية والسياسية المحلية وفي أرجاء العالم.
لقد عملت، خلال العقود الماضية، جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ومعها معظم قيادات المؤسسات والهيئات في الدولة، على تحويل جميع مراسم الاحتفالات بيوم «الاستقلال»، وما تسبقه من فعاليات متعلقة بهذه الذكرى، إلى حدث رسمي «ودولاتي»، أي حدث يخص الدولة كونها كيانا تعلو مكانته على مكانة الأحزاب وسائر المؤسسات والهيئات السيادية. لقد كان القصد من وراء تلك السياسة هو تحييد مكانة الجيش الإسرائيلي وأجهزة الدولة الأمنية، ومعهم جميع رموز الدولة، كالعلَم والنشيد الوطني ورئيس الدولة ورؤساء السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والمقابر العسكرية والجنود الذين سقطوا أثناء مشاركتهم في العمليات العسكرية أو الحربية، وعائلاتهم، بتحييدهم عن الصراعات القائمة داخل المجتمع وعدم الزج بهم كطرف في أية مناكفات دائرة بين القيادات السياسية، مهما كان منشؤها أو مرجعياتها.
لقد حافظت إسرائيل، الرسمية والشعبية، على هذه القاعدة بصرامة فاقت كل التوقعات، حتى تحوّلت الاحتفالات بمثل هذه المناسبات/ الأيام، الذكرى والبطولة والاستقلال والغفران وغيرها، إلى أحداث تتوحّد فيها مشاعر معظم يهود العالم، وإلى محطات يقفون عندها كجسد واحد متماسك ويمارسون فيها كشعب عملية تذكّر جماعية للهمّ نفسه وللوجع ذاته، ويستشرفون معا الأمل نفسه والمستقبل نفسه.
هكذا كانت الحال إلى أن نشبت في الآونة الأخيرة المعركة بين معسكر بنيامين نتنياهو وحكومته، ومعارضيهم من مواطنين وأحزاب، والعديد من مراكز القوى الإسرائيلية والعالمية، فبعد الإعلان عن إقامة حكومة نتنياهو وتسمية وزرائها، وبعد أن كشّروا عن أنيابهم الحقيقية وشرعوا بتنفيذ انقلابهم على نظام الحكم في الدولة، تحت ما سموه، كذبا وتمويها، بعملية إصلاح الجهاز القضائي، قررت قطاعات وشرائح واسعة من المواطنين اليهود، من داخل إسرائيل ومن خارجها، التصدّي للمخطط المعلن ومواجهته بإصرار، تعكسه سلسلة المظاهرات الجبارة المقامة أسبوعيا، بمشاركة مئات آلاف المواطنين في ساحات وشوارع المدن الإسرائيلية، بهدف إفشال مخططات الحكومة الفاشية، والعودة إلى نظام حكم ديمقراطي حقيقي. لن أعود للكتابة، في هذه العجالة، حول هذه المظاهرات ولا عن موقع المواطنين العرب فيها، وعن مواقفهم حيالها، فما يهمني اليوم هو تداعيات المشهد الذي أفضت اليه ممارسات حركة المعارضة الواسعة، التي ما زالت تنشط وتتفاعل داخل المجتمعات اليهودية؛ وأدّت، كما شاهدنا في الأيام الماضية، إلى المسّ «بحرمة» مراسم الاحتفالات بهذه «الأيام» التي كانت تحظى بمكانة حصينة؛ خاصة، كما تقدّم، يومي «الاستقلال والذكرى». لقد شاهدنا وسمعنا، ربما للمرة الأولى منذ عشرات السنين، أصواتا كثيرة تستنكر حق هذه الحكومة وتعترض حق وزرائها أو مؤيديها من أعضاء الكنيست المشاركة في إحياء مراسم هذه الاحتفالات الرسمية باسم الحكومة/الدولة ووقوفهم على المنصات كممثلين رسميين لكل المواطنين والشعب. ما رأيناه وسمعناه من أصوات تدّعي عدم شرعية هذه الحكومة وعدم أهلية وزرائها للوقوف على المنصات الرسمية، يعكس عمق التصدّع القائم داخل المجتمع الصهيوني- اليهودي؛ ويعكس، في الوقت ذاته، بروز بدايات تفكك صحة مفاهيم «المقدس»، التي حاول، كما أشرنا سابقا، قادة الحركة الصهيونية على مختلف تياراتها، ترسيخها كأصماغ واقية ومعززة لسياساتهم بشكل عام، خاصة في خدمة ممارساتهم العسكرية والتوسعية. فالإصرار على مقاطعة العديد من الشخصيات اليمينية واعتراض مشاركتهم في الاحتفالات يدلّ على أن المسلّمات التي كانت قائمة حيال قدسية هذه الأيام وما تحمله من رموز ورسائل ومشاعر، لم تعد مقبولة بمعطياتها وبمضامينها السابقة، ولا بكونها مسلّمات تحظى بمكانة منزّهة فوق جميع الاعتبارات وإفرازات الواقع؛ وتفيد كذلك بأن معظم القيم والمفاهيم التي أراد زعماء الحركة الصهيونية حمايتها وحفظها من الانتقاد والاعتراض والمناقشة، ستخضع من الآن فصاعدا للمناقشة وللتحدّي وللرفض أيضا، فالدولة التي تسعى لبنائها حكومة نتنياهو الحالية ليست هي دولة أولئك الذين يتظاهرون ضد الحكومة، وكذلك هو حال العلَم والجهاز القضائي والجيش والأجهزة الأمنية، فكل هذه «الرموز» لم تعد تعكس عند جميع اليهود المعاني نفسها، ولا تؤدّي الوظائف نفسها، ولا تحمل الرسائل الجامعة والموحّدة نفسها.

استمرار حركة المعارضة لحكومة نتنياهو الحالية، مؤشر إيجابي ومهم، لكنه غير كاف لتحديد معالم المستقبل القريب

لا أعرف كيف ستتطور هذه الصراعات التي شهدنا بداياتها مؤخرا؛ فقد تكون الخلافات حول تلك «المفاهيم والقيم المقدسة» بداية لمراجعات معمقة، داخل بعض النخب اليهودية، حول معنى عسكرة المجتمع وتقديس الجيش والموافقة على رفعه فوق كل الاعتبارات مهما فعل جنوده وقادته؛ وبداية لطرح التساؤلات الجدية حول عنجهية المستوطنين وغطرستهم في اضطهاد الفلسطينيين وقمعهم بوحشية سافرة، برضا المجتمع وغضّ بصره، وبدعم واضح من فرق ووحدات جيش الاحتلال، وقد تكون الطريق، مع اتساع رقعة الخلافات، أقصر كي يفهم المتظاهرون ضد ديكتاتورية نتنياهو ومخططات وزرائه، عبثية الاكتفاء بشعار الديمقراطية، وعلى أن المطالبة به لوحده لن تنقذ دولتهم من الدمار، ولذا فلن يستعيدوا حكمها كما يأملون. أقول قد تكون هذه الصراعات بدايات لتغييرات أكثر جذرية ومصيرية من باب التمني، وأعرف أنه من دون استيعاب الذين يحاربون الفاشية ويقفون ويهتفون ضدها، على ان الاحتفالات بيوم «الاستقلال» وتقديس مفاهيمه ومكتسباته على الطريقة القديمة، هو ما أدى في الواقع، عبر السنين، إلى نشوء تلك التيارات السياسية اليمينية والفاشية، ومن دون استيعابهم أن الإصرار فقط على إبعاد رموز الحركات اليمينية المتطرفة والفاشيين عن الاحتفالات لن يحدث التغيير في مسار التاريخ، الذي أوصل إسرائيل الى وضعها الحالي، ومن دون استيعابهم، كذلك، بأن الاحتفال بيوم «استقلالهم» والإصرار على أنه ولد من رحم البطولات وتضحيات من حاربوا في سبيل إقامة إسرائيل، والإمعان في التنكر لحقيقة أن ذلك اليوم هو عمليا يوم نكبة الشعب الذي كان يعيش في وطنه وعلى أرضه، لن يفضي إلى استرجاع إسرائيلهم كدولة ديمقراطية لا تحتل ولا تضطهد شعبا آخر، ولا تحرم خُمس مواطنيها من حق العيش بمساواة وبكرامة وبأمان. نحن نعيش مخاضات حركة تاريخية مقلقة ومخيفة، لا نستطيع اليوم تحديد مصيرها؛ فاستمرار حركة المعارضة لحكومة نتنياهو الحالية، هو مؤشر إيجابي ومهم، لكنه غير كاف لتحديد معالم المستقبل القريب، ليس لأن أكثرية المتظاهرين يطالبون بالديمقراطية كشعار فضفاض وحسب، بل لأنه على الرغم من مرور الوقت، لم تنجح هذه الحركة الشعبية في تطوير قيادات جديدة تؤمن بفلسفة سياسية مغايرة، وتسعى إلى تغيير جذري في مفاهيم الدولة كدولة احتلال تضطهد شعبا آخر، ودولة عنصرية تمارس سياسة التمييز والقمع ضد مواطنيها الفلسطينيين.
يراهن بنيامين نتنياهو وحلفاؤه الحاليون على هزيمة المعارضين لهم؛ ويسعون، بشتى الأساليب والأحابيل والوسائل، من أجل تحقيق هذه النتيجة. وأنا، مثل كثيرين غيري، أتمنى ألا ينجحوا، لكنني أعرف أن من أجل إفشالهم يجب أن يكون لنا، نحن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، دور فعال في حركة المعارضة ومواجهة هذه الحكومة، لاسيما على خلفية الصراعات التي واكبت الاحتفالات بيومي الذكرى و«الاستقلال». فرفع شعار «يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا» وإطلاق مسيرة العودة هما فعلان مهمان من أجل تذكير العالم وقادة وشعب إسرائيل بأن الاحتفاء بتجسيد «استقلالهم» يأتي دوما على حساب نكبة شعبنا؛ ومن جهة ثانية من أجل تعزيز هوية الأجيال الناشئة بيننا وتمتين انتمائها لفلسطينيّتها في هذا الزمن العربي الرديء والفلسطيني الملتبس. وعلى الرغم من أهمية التأكيد على رفع هذا الشعار والقيام بهذه الأنشطة، علينا أن نوقن بأنه من دون المشاركة الحقيقية في مواجهة الحكومة، سنجد أنفسنا قريبا جدا، أمام نظام من طراز جديد سيسعى من أجل «تذويقنا» مرارة نكبة ثانية، كما صرح بعض رموزه المتنفذين.
«يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا» شعار صحيح ولكن ماذا نعمل وسنعمل كيلا يكون يوم انتصار الفاشيين هو يوم نكبتنا المقبلة؟

كاتب فلسطيني

 

في البال قضايا فلسطينية:

سبت النور ويوم الأسير

جواد بولس

 

احتفل الفلسطينيون في السابع عشر من نيسان/أبريل، كما في كل عام، بذكرى «يوم الأسير الفلسطيني»، الذي حلّ هذا العام والشعب الفلسطيني يواجه حالة من تصاعد عدوان الاحتلال الإسرائيلي عليه، وتنفيذ المزيد من الجرائم والانتهاكات الممنهجة، تحت إشراف حكومة بنيامين نتنياهو ووزرائه الجدد.
ووفقا لمصادر مؤسسة «نادي الأسير الفلسطيني» فإنّ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال بلغ أربعة آلاف وتسعمئة أسير/ة، من بينهم (160) طفلا، تقلّ أعمارهم عن (18) عاما و(31) أسيرة، إضافة إلى ما يزيد عن (1000) أسير إداريّ ، بينهم ستة أطفال وأسيرتان هما رغد الفني وروضة أبو عجمية. ويبلغ عدد الأسرى القدامى المعتقلين قبل توقيع اتفاقية أوسلو (23) أسيرا، أقدمهم هو الأسير محمد الطوس المعتقل منذ عام 1985، بالإضافة إلى ذلك فقد أعاد الاحتلال عام 2014 (11) أسيرا من المحررين عام 2011 في صفقة «وفاء الأحرار»، أبرزهم الأسير نائل البرغوثي، الذي يقضي في سجون الاحتلال الاسرائيلي أطول فترة اعتقال في تاريخ الحركة الأسيرة، بواقع ثلاثة وأربعين عاما، قضى منها (34) عاما بشكل متواصل. ومن المعطيات الواردة في التقرير يتضح أن عدد الأسرى الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن المؤبد (مدى الحياة) بلغ (554) أسيرا بينما بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 (236) شهيدا، علما أن سلطات الاحتلال ما زالت تحتجز جثامين (12) منهم وهم: الأسير الشهيد أنيس دولة، الذي استشهد في سجن عسقلان عام 1980، والأسرى الشهداء عزيز عويسات الذي استشهد عام 2018 وفارس بارود ونصار طقاطقة وبسام السايح، الذين استشهدوا عام 2019 وسعدي الغرابلي وكمال أبو وعر اللذان استشهدا عام 2020، والأسير سامي العمور الذي استشهد عام 2021 والأسير داود الزبيدي الذي استشهد عام 2022 ومحمد ماهر تركمان الذي استشهد في مستشفيات الاحتلال، بالإضافة إلى الأسير ناصر أبو حميد، الذي استشهد في كانون الأول/ديسمبر عام 2022، والمعتقل وديع أبو رموز الذي استشهد في مستشفيات الاحتلال في 28 كانون الثاني/يناير 2023.

مخططات الاحتلال الإسرائيلي تهويد مدينة القدس كلّها، وهو لا يحاول إخفاء شهيته على ابتلاعها وتفتيت مجتمعها وضرب هويتها الفلسطينية

من الواضح أنني أتقصّد كتابة هذه التفاصيل محاولا تقريب القارئ إلى واقع وهواجس ومعاناة ما نسميه «الحركة الفلسطينية الأسيرة» وإشعاره بمن وراء هذه التسمية؛ فهذه الحركة هي من «لحم ودم» وهي أرواح تقاوم عتمة الزنازين وقمع السجان، وهي إرادات تصرّ على تجسيد أحلامها وأحلام شعبها بالانعتاق من نير الاحتلال ونيل الحرية وإقامة الدولة. إنها حركة «أسيرة « لإيمانها بأن لا ظلم يدوم، وهي أسيرة بقيود من أمل ومن فرح وعنفوان، تشبه ما حكت عنه العواصف وما سكبته الغيوم. والاحتفال بهذه الذكرى، كما جاء على لسان «لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الوطنية الأسيرة»، ليس مجرد «صور صمّاء وشعارات رنانة، بل يوم لدقّ ناقوس الخطر بأنّ نزْفَ أعمارنا لم يتوقف، فلسنا مجرد أرقام وكشوفات في أدراج المكاتب؛ وخيارنا الوحيد هو الحرية، فعلى من يصله صوتنا أن يسعى من أجل أن ننال حريتنا». قرأت بيان «لجنة الطوارئ» المشار إليه وما جاء فيه من مواقف مهمة ووعود صارمة ونداءات أعلنها الأسرى، بعد يومين من انتشار مشاهد اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلية الوحشية على الكهنة العرب والمؤمنين المسيحيين، الذين ملأوا أزقة القدس ومُنعوا من المشاركة في مراسم فيض نورها على سائر الأمم في يوم سبت النور.
قرأت البيان باهتمام وتعاطف بالغين، وكنت أتمنى ألا ينتهي قبل أن تقوم اللجنة بتضمينه التفاتة أو موقفا من هذه الاعتداءات، التي طالت أفواجا من المواطنين الفلسطينيين العرب المسيحيين وغيرهم، واعتبارها، من قبل قيادات الحركة الأسيرة، جزءا من الاعتداء على فلسطينية القدس، بالضبط كالاعتداء على المصلّين في المسجد الأقصى. قد يكون إغفال البيان لممارسات الاحتلال المدانة مجرد سهوة! وقد يكون عاكسا أو نتاجا لحالة عربية/ إسلامية سائدة، لا في فلسطين وحدها، لا تقبل شراكة مسيحية في القدس، لأن المسيحية عندهم هي «الفرنجة» والمسيحيين هم الصليبيون؛ أو هي الغرب وحكّامه الذين يتآمرون على فلسطين وعلى الإسلام والمسلمين.
كنت أتمنى لو التفتت الحركة الأسيرة وهي ـ كما أقول دائما ـ بوصلة وطنية ثابتة، ومنارة هادية لشواطئ الوطن لا يخبو نورها، وضابط لايقاعات النبض الوطني الفلسطيني الجامع – إلى هذا المشهد، ولو من باب تأكيدها على أن رسالة الأسرى مرسلة إلى «أطياف شعبنا كافة»، كما كتبوا، وحيث أن قضيتهم «قضية جامعة ووحدتهم التي سطروها داخل السجون في مواجهة السجان تتطلب من الكل الفلسطيني إنهاء الانقسام ومواجهة العدو موحدين في كل الساحات، فلا خطوط حمر سوى وصايا الشهداء، ولا صوت يعلو فوق صوت الاشتباك مع الاحتلال، ولا ضرورة تتقدم على حتمية الوحدة الوطنية». أوَلم يكن من باب الصواب اعتبار هذه الاعتداءات على المصلّين المسيحيين ممارسة عدوانية على جزء حي من ابناء الشعب الفلسطيني، وعلى مكانة القدس الفلسطينية، وضرورة تعبيرهم عن رفضها يأتي من باب الحرص على الوحدة الوطنية وتعزيز مشاعر الانتماء لدى المسيحيين الفلسطينيين المستضعفين من الاحتلال تارة، ومن رؤساء كنائسهم الاجانب تارة أخرى؟ وهل لا تعتبر، لدى قادة الحركة الوطنية الأسيرة، الاعتداءات على الأماكن المقدسة المسيحية في القدس وحرمان المواطنين العرب من ممارسة حقهم في الحركة وفي العبادة، شأنا وطنيا فلسطينيا ورافدا من روافد النضال الوطني الفلسطيني وعنصرا في وحدة أطياف الوطن؟
ومنعا لأي التباس أو تدافع المتسائلين حيال الرابط بين القضيتين، سبت النور ويوم الأسير، أؤكد أن الرابط يفرضه نص بيان الأسرى ذاته، لاسيما في بنده الخامس، حيث جاء فيه ما يلي: «سعى عدونا، وما زال يسعى، للاعتداء الغاشم الدائم وبرابط لافت على الأسرى والمسرى، وبفضل الله تعالى نجح الأسرى بصمودهم وصبرهم ومساندة شعبنا في رد العدوان، وتمكنت مقاومتنا الباسلة وقيادة شعبنا من لجم عدوان الاحتلال على الأسرى وعلى مسرى رسول الله».
لا يستطيع عاقل أن يتجاهل مخططات الاحتلال الإسرائيلي تجاه مدينة القدس كلّها وإصراره على تهويدها؛ وهو لا يحاول إخفاء شهيته على ابتلاعها وتفتيت مجتمعها وضرب هويتها الفلسطينية. وقد نجح، في العقدين الأخيرين، في الإجهاز وابتلاع عدة مرافق وقطاعات كانت فلسطينية الانتماء والوشم تماما، ولم تعد. وكمن رافق مراحل انفلات العربدة الإسرائيلية في القدس الشرقية أعرف، مثل كثيرين غيري، أن جهات إسرائيلية عديدة سعت من أجل تغيير عناصر الصراع في وعلى القدس، من خلال تغليبها للبعد الديني وتكريسه كجبهة صدام شبه وحيدة، وحصره في منطقة المسجد الأقصى وما سموه منطقة «الحوض المقدس». لست في معرض تقييم مقاسات النجاح الإسرائيلي، أو فشله على جبهة القدس، لكنهم فعلوا ما فعلوه بعد قيامهم بضبط مدروس وخبيث لعلاقاتهم مع الجهات المسيحية في العالم الغربي، كنسية كانت أو شعبية، وتركيزهم في الوقت نفسه، كجزء من تلك السياسات، على تحييد أهمية المجتمعات الفلسطينية المسيحية المحلية، وإبقائها في حالة اغتراب وجودية مع كنائسها، المرؤوسة، في الغالب، من إكليروسات أجنبية؛ وفي حالة خوف أو تشكك مع أكثرية أبناء المجتمعات نفسها، المسلمين. وهنا في هذه الخانة بالذات يتوجب على من كان في مواقع التأثير والقيادة توخي الحذر، وإبداء الحساسية بدرجات من اليقظة المميزة والمسؤولة. لا أعرف اذا كان عدم التطرق من قبل الحركة الأسيرة لوحشية قمع المواطنين والكهنة، كما شاهدناه في يوم سبت النور، في بيان ربط، في أكثر من موقع، بين مكانة الحركة الأسيرة والمسرى، سهوا أو طبيعيا وعاديا؛ لكنه سيضاف، دون شك، إما بشكل تلقائي وإما من قبل بعض المغرضين، إلى قائمة الشواهد والعوامل التي من شأنها أن تؤثر في مشاعر العداء الطائفي أو اغتراب المواطنين الفلسطينيين المسيحيين عن مجتمعاتهم ، خاصة في عالم عربي لا يعرف معظم مواطنيه أن هناك عربا مسيحيين، وفي فلسطين على وجه الخصوص. أقوم منذ أكثر من أربعة عقود بالدفاع عن مقاتلي الحرية الفلسطينيين، وقد رافقت الحركة الأسيرة في معظم محطاتها، في مجدها وفي ضعفها، في نجاحاتها وفي إخفاقاتها. ولأنني أعرف واقعها عن قرب، كتبت ما كتبت في هذه العجالة؛ لأني أدرك أن فلسطين بحاجة إلى وحدة هذه الحركة، وأعرف، كذلك، أن فلسطين اليوم بحاجة إلى ريادتها وإلى اضطلاعها بدور المنقذ الأمين والقيادة الصحيحة الواعية. مثل هذه القيادة وغيرها يجب أن تعرف أننا إذا قلنا الفلسطينيين قلنا جميع أبنائها مسلمين ومسيحيين؛ وإن قلنا مقدسات القدس قلنا القيامة والأقصى وأخواتهما.
نور ذلك السبت في الإيمان المسيحي هو نور الخلاص والانعتاق والحياة؛ وذكرى يوم الأسير هي فرصة لبعث الأمل والتمسك بالحرية والانعتاق الفلسطيني.
وسيبقى الرابط فلسطين، أسراها ونورها المرتجى.
كاتب فلسطيني

 

 

 

 

وتبقى القدس في

الفصح صرخة المدى

جواد بولس

 

أصدرت ما تسمى «لجنة الستاتيكو الكنسية – القدس» يوم الأربعاء الفائت بيانا تحت عنوان «الاحتفال بسبت النور، أحد أهم الطقوس الدينية في المسيحية»، في أعقاب قيام الشرطة الإسرائيلية بفرض تقييدات تمنع المصلّين المسيحيين، لاسيما أبناء الكنائس المحلية، أي الفلسطينيين المسيحيين، من مشاركتهم في هذا الطقس الديني المهم بالنسبة لهم.
وكما جاء في البيان المذكور، «فإن الاحتفال بطقوس سبت النور، لهي لحظة تربط المؤمنين بنور السيد المسيح.. حيث تجذب هذه الشعائرُ المسيحيين من جميع أنحاء العالم». وكما يتضح من البيان، فإن رؤساء الكنائس المشاركة في إصداره كانوا ينسّقون مع «السلطات القائمة» تنظيم إجراءات هذه الطقوس، إلا أنهم لاحظوا في العام المنصرم إقدام السلطات الإسرائيلية على فرض حواجز مشددة في جميع أنحاء البلدة القديمة، ما جعل من المستحيل على الحجّاج المسيحيين وعلى أبناء الكنائس المحلية الدخول الى باحة كنيسة القيامة، وممارسة حقهم في العبادة. أما هذه السنة، حسبما ورد، فإن محاولة التنسيق باءت بالفشل، حيث «أن السلطات الإسرائيلية تريد أن تفرض قيودا غير مبررة وغير مسبوقة على وصول المؤمنين الى كنيسة القيامة، أكثر بكثير من العام الماضي»؛ وبسبب هذا الموقف الإسرائيلي يؤكد لنا رؤساء بطريركية الروم الأرثوذكس، وحراسة الأراضي المقدسة، وبطريركية الأرمن، أنهم سيواصلون: «الالتزام بالعرف القائم «الستاتيكو»، وستتم إقامة الطقوس كالمعتاد منذ ألفي عام»، ويدعون «كل من يرغب في العبادة معنا للحضور»، ويعلنون بكلمات تدعو للدهشة أنهم يتركون «للسلطات لتتصرف كما تراه وسوف تقوم الكنائس من جانبها بالعبادة بحرية وبسلام».
لا يمكن لعاقل أن يستوعب هذا الكلام «بحرية وبسلام» وبهدوء، خاصة بسبب ما أوحت به نهايته، التي لا يمكن أن تفهم إلا بتخلي رؤساء تلك الكنائس، وفي طليعتهم رؤساء البطريركية الأرثوذكسية، صاحبة الحصة الكبرى في مراسم هذا العيد، عن رعايا كنائسهم من المواطنين الفلسطينيين العرب، وتركهم كضحايا «للسلطات لتتصرف كما تراه». لقد رأينا تلك السلطات كيف تصرفت في السنوات الماضية مع المؤمنين العزّل، عندما كانوا من جانبهم يقومون «بالعبادة بحرية وبسلام»، باسم المحافظة على الوضع القائم، «الستاتيكو». لم يبدأ قمع حرية العبادة في هذا العام، ولا في العام الذي سبقه ولم تتوقف حدوده على عتبات الشرطة الإسرائيلية وحسب؛ فأنا على قناعة، كما كتبت في الماضي وفي المناسبة نفسها، بأن مشكلة المواطنين الفلسطينيين المسيحيين تبدأ مع ما يضمره لهم رؤساء هذه الكنيسة اليونانيون، الذين يتسيّدون على كنيسة القيامة، وعلى أهم الكنائس المسيحية الأخرى في «الأرض المقدسة»، ويبسطون على جميعها سلطتهم المطلقة؛ وتنتهي في مواجهة قمع الشرطة الإسرائيلية التي تنفّذ، مستغلة مواقف تلك الكنائس المهادنة، سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه المؤمنين من أحفاد الغساسنة والمناذرة وغيرهم، بذريعة المحافظة على سلامة الناس وأمنهم.

عيد الفصح عند مسيحيي الشرق، هوعيد مدينة القدس التي كان ترابها مأوى رقاد السيد المسيح، وعنوان قبره الذي يُعتبر القبلة المشتهاة عند جميع المؤمنين من مسيحيي العالم

لن أستعيد، في هذه العجالة، تاريخ هذه العلاقة المأساوية بين أهل البلاد العرب المسيحيين، ومن استعمروا الكنائس وأوقافها بمؤازرة السياسيين وتعاون رجال إكليروس عاجزين وتواطؤ حفنة من أبناء هذه الكنيسة المنتفعين؛ لكنني أؤكد مشاعر الاغتراب القاسية، والمهينة أحيانا، التي تنتاب كل عربي مسيحي حرّ، حين يدخل هذه الكنائس التي يتحكّم فيها كهنة يونانيون، خاصة في كنيستي القيامة (أم الكنائس) والمهد؛ وهذا هو بيت القصيد في هذه الحكاية.
فالقضية في رأيي، أكبر من كونها معركة على ضمان حرية العبادة والحركة للمؤمنين الذين ينتظرون فيض هذا النور، عسى أن يجدوا في تكرار حدوث المعجزة موطئا لآمالهم الضائعة؛ إنها وجه لمعركة بقاء المسيحيين العرب في وطنهم وحفاظهم على «صليب» هويتهم، وحقهم في ممارسة حياتهم الإيمانية بكرامة وبانتماء حر. فعيد الفصح، عند مسيحيي الشرق، يُعدّ من أهم الأعياد، لا بل هو عيد الأعياد الكبير، وموسم التهاليل والفرح العظيم؛ وهو، في البداية وفي النهاية، عيد مدينة القدس التي كان ترابها مأوى رقاد السيد المسيح، وعنوان قبره الذي يُعتبر القبلة المشتهاة عند جميع المؤمنين من مسيحيي العالم. ليالي شرقنا طويلة، «فكليني لهمٍّ يا أميمة ناصبٍ»، هكذا كتبت في الماضي، وكان ليلنا حينها كليل النابغة الذبياني، وأمانينا كالنجميات تراقص أهداب الغيم. لم نحب النابغة أكثر من أترابه من فحول ذلك الزمن، لكنني ما زلت أذكر كيف علّمونا أنه «أشعر الناس إذا رهب»، وأنه «لا يرمي إلا صائبا « فأجاد حين وصف «ليلنا البطيء الكواكب». عدت إلى ما كتبت لأنني أحسست بالخيبة والوجع نفسيهما؛ فالخلاصات في أرضنا السليبة تبقى مثل «بنات الجبال»؛ و»جمعة القدس» تأتينا منذ ألفي عام بفرحها الحزين وبآمالها الكسيرة، وكأننا نعيش في زمن توقف منذ دقّت المسامير في راحتيّ «ابن الإنسان» بعد أن علّقه الرومان، أباطرة ذلك العصر، على خشبة، صاغرين أمام جبروت من تسلّحوا بغضب ربهم وصالوا بمالهم وأمروا فنالوا. لقد كانت أيام الخلّ وما زالت؛ ففتشوا عن الحكمة في هذه الرواية لتجدوا أن أبناء فلسطين يتجرعون اليوم خلّ الطغاة، كما تجرّعه ابنها بعد أن اتهموه بالكفر وبالتمرد، وسجنوه وعذبوه وحاكموه، فمات مصلوبا لتروي دماؤه قحل الزمن ولتبقى كلماته نورا في الأرض وغرسا في قلوب الأنقياء والضعفاء الفقراء ..لم يعترف الاسير، ابن الناصرة، بتهمة التجديف، ورفض يسوع التلحمي رغم تعذيبه، شرعية الوالي الروماني والتعاطي مع «المحكمة». لن أسترسل في تفاصيل «أسبوع الآلام» ونهايته بعيد الفصح المجيد؛ فالمسيح خرج عن طاعة الكهنة اليهود، وكان يعرف بأن الإجراءات بحقه هي مجرد مؤامرة مدبرة من مجموعة كهنة خافوا على سلطتهم ومواقعهم فلفقوا ضده قضية. لقد قضّت تعاليمه مضاجع الكهنة اليهود وأخافهم مشهد الجموع، «رقاق النعال»، التي خرجت لاستقباله، حتى مشارف أورشليم، بالريحان وبالأهازيج وبالسباسب، وهي سعف النخيل في لغة النابغة الذبياني وأهل عصره .لقد آمنّا صغارا بدافع الخوف وغريزته الأقوى حين تواجه المجهول والمطلق؛ فأخذنا من السالفين ما ورثوا ورددوا فصار «هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ولنتهلل به». ثم كبرنا ولم يبقَ في صدورنا غير القلق الأكيد والفرح الإنساني البسيط، فأسكنا «القيامة» في بيضة وأعطيناها للأطفال كي يلهوا ويتفاقسوا بها؛ أمّا إكليل الشوك فحوّلناه كعكا من قمح هذه الأرض فطحنّاه وعجنّاه وحشوناه بالتمور وبالجوز والسكر. وإسفنجة الخل استقوينا عليها بخيال الحالمين فخبزناها، بأجواء كلها إلفة عائلية، معمولا ليؤكل وتمحو حلاوته، ولو ليوم واحد، طعم الخل والعلقم. إنها تحايلات البشر على هشاشة الرمز وعبثية المعنى، وموروثهم المنقول كوسائل إيضاح بدائية لعقول، مهما سمت وتسامت، سيبقى مفهوم القيامة عليها عسيرا أو عصيا.
عيد القدس اليوم كعيد الذبياني؛ فاليوم، في هذه الجمعة الحزينة، تبكي عذارى أورشليم على دروب الآلام، كما بكت قبل ألفي عام، وكما بكت معهن مريم الممتلئة نعمة ونقاء؛ والمحتفلون بالعيد يتمتمون «دستور الإيمان»، كما حفظوه، عن ظهر غيب، ويلجأون إلى سحر المجاز الذي في البيض والكعك والمعمول، ويحتفلون بقيامة سيّدهم .لقد ذهبت روما وبقيت «قوس بيلاطس البنطي» في القدس البهية شاهدة على محاكم الظلم وعلى معاني الفداء؛ وبقيت فلسطين وحفنة أبنائها الصابرين، المحتفلين في الفصح، كما كانت: بحة المدى وصاحبة فجره الدامي، وفي سماء الشرق هي قطرة الندى؛ وإن غفا على جفونها الوعد،، هكذا يؤمنون، فإنها حتما ستصحو ذات نيسان ليحتضن أبناؤها «قاف» القمر وليندلق من خواصر مريماتها نور الأزل.
فكل عيد وجميعكم فوق الأرض.
كاتب فلسطيني

 

تى لم تعد القدس

قلب وعصب القضية؟

جواد بولس

 

أفاقت مدينة القدس صباح يوم الأربعاء الفائت على أخبار الاعتداءات الهمجية التي نفذتها قوات شرطة الاحتلال الإسرائيلي، ووحدات مما يسمى «بحرس الحدود»، ضد حشود المصلين في رحاب المسجد الأقصى. كانت صور تلك الاعتداءات، التي وصلتنا عبر شاشات الهواتف، مستفزة حتى التعب؛ تنذر بما تضمره وتخطط له قيادات جهاز الشرطة والمسؤولون عنهم في الحكومة الإسرائيلية.
من المتوقع أن تشهد الأيام المتبقية من شهر رمضان إجراءات إسرائيلية تصعيدية جديدة، تتساوق من جهة، مع مصالح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الشخصية، ومن جهة أخرى مع مخططات التيارات الدينية المتزمتة، التي يمثلها حزب الصهيونية الدينية وشركاؤه بالرؤى والعقائد؛ فإشعال نقاط التماس في محيط البلدة القديمة، وداخل منطقة المسجد الأقصى تحديدا، سيستخدم من قبل نتنياهو ككاتم صوت موجه نحو المواطنين اليهود المعارضين له داخل إسرائيل وخارجها، خاصة إذا تدهورت الأوضاع على الجبهتين الجنوبية والشمالية في الأيام المقبلة، وكذلك داخل مناطق الضفة الغربية المحتلة.
أما بالنسبة للتيارات الدينية المتزمتة التي تحظى بتمثيل وزاري وازن داخل حكومة نتنياهو، فتأجيج الصراع وحصره بعوامله الدينية وحسب، ودفعه إلى حد المواجهة الساخنة، حتى إن كانت دموية، سيتيح لهم فرصة إبطال ما يسمى «الوضع القائم» (الستاتوس كوو) في القدس، خاصة داخل ما يسمونه منطقة «الحوض المقدس» وتغيير الإجراءات العملية القائمة على أرض الواقع في هذه المواقع، وحصولهم على امتيازات جديدة فيها عن طريق إحياء الأساطير وسعيهم من أجل بناء هيكلهم «الموعود»؛ وهذا ما يصرح به حاخاماتهم المؤثرون وقادتهم السياسيون أمثال سموتريتش وابن غفير وغيرهم. كم كنت أتمنى أن يتفكر أولو الأمر بيننا وتقف قيادتنا عند مسؤولياتها، قبل أن تفلت الأعنّة وتنتقل النيران من القدس إلى وسط مواقعنا. هنالك أسباب عديدة وراء التحوّلات التي جرت، وما زالت جارية على طبيعة الصراع المحتدم في القدس وعليها؛ فهذا الصراع بدأ يتخذ في العقدين الأخيرين صبغة وصيغة الصراع الديني، ويتمحور فيما إذا ستكون القدس عاصمة الخلافة الإسلامية المقبلة لا محالة، أم مهد هيكل إسرائيل الثالث الموعود، لا محالة أيضا. لن تكفي هذه المقاله للحديث عن أسباب ما جرى خلال خمسة عقود مقدسية، ولكن يبقى غياب دور القيادات السياسية الوطنية أهم أسباب سقم الحالة المقدسية، لاسيما بعد رحيل فيصل الحسيني؛ فحين يختلف البشر على تعاليم السماء تضيع الأوطان، فما بالك إذا كان الاختلاف داخل أبناء الشعب الواحد. لم يغب البعد الديني عن واقع الصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي منذ بداياته الأولى؛ بيد أن معظم القيادات الفلسطينية التاريخية، خاصة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها، منذ تأسيسها، حرصوا على أن يبقى الصراع مع الحركة الصهيونية صراعا فلسطينيا وطنيا قائما على فكرة التحرر القومي وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على أرضه وفي وطنه. وقد يكون الراحل فيصل الحسيني أكثر من حافظ على ميراث من سبقوه، وحرص على إبقاء مركّبات هذه المعادلة الوطنية الجامعة، رافضا إيقافها عند عمقها الديني، أو زجها داخل أسوار الحرم المقدسي. لقد طوّر فيصل موقفه الوطني الشامل والحازم والصارم، دون أن يتخلى طبعا عن واجبه، ومعه جميع أهل القدس وجميع الفلسطينيين، بالدفاع عن المسجد الأقصى وعن سائر المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية على حد سواء. لقد أحب فيصل القدس التي كانت في قلبه وفي ذهنه، وصانها بعزيمته وبكل جوارحه ولم يرهنها قربانا على أي مذبح، أو عند عتبات الغيب. أحبها قدسا لا تقبل التأويل ولا الشعوذة، تماما كما كنا نحبها قبل أن نأتيها، نحن الجليليين الصغار، ونزور شوارعها القديمة في الخيال.

غياب دور القيادات السياسية الوطنية أهم أسباب سقم الحالة المقدسية، لاسيما بعد رحيل فيصل الحسيني؛ فحين يختلف البشر على تعاليم السماء تضيع الأوطان

جئت إلى القدس نحو منتصف سبعينيات القرن الماضي لأتعلم في كلية القانون في الجامعة العبرية، سكنت في مساكن الطلبة المعروفة لغاية هذه الأيام بمساكن «ريزنك»، المبنية على أراضي قرية العيساوية المجاورة، المطلة جنوباً على حي وادي الجوز، كانت القدس الشرقية حصاننا الأبيض وبيدر شبابنا. كنا ننزل إليها خفافًا من مساكننا التي على جبل «المشارف» ونغوص في أزقتها التي كانت تألفنا وكنا نحن نربي في أفيائها أحلامنا. كنا نوقف تحت قناطرها الزمن، ونشرب نخوبها بكاسات من عود وبخور. كان ياسمين حاراتها يعلمنا تراتيل آلهة كنا نعرف أنها تحب القدس وتحميها وكانت هي تعيد إلينا أبجديات هوياتنا التائهة في المثلث وفي النقب وفي الجليل. كانت القدس عروسنا نحن لا «عروس عروبتكم». لقد كانت منجلنا ومطرقتنا؛ وأحببناها دفعة واحدة «وبالجملة». قدسنا لم تكن بالنسبة لنا ذات يوم معبدا أو كنيسة أو هيكلا، بل كانت مرفأ الروح ومنبت لفكرة سرمدية. لم أنتبه، ومثلي اتراب ذلك الزمن، أن بعض الناس يحسبون أن للقدس ديناً، وأن لها أكثر من رب وشفيع، إلا وأنا في سنتي الثانية في الجامعة. أذكر أننا نزلنا، مجموعة من الطلاب العرب، في أحد أيام الجمعة من شهر فبراير عام 1976 إلى القدس. دخلنا من باب العامود لنفعل ما كنا نفعله دائما؛ مشينا حتى وصلنا مطعم العم «أبو شكري» الذي كان مطعمه الصغير يعد من أهم معالم السوق وأشهرها، فتناولنا عنده وجبة الحمص الشهية. في طريق عودتنا وقبل وصولنا إلى باب العامود سمعنا خليطًا من أصوات تشبه «الطوشة». كان الشباب يشتمون الجنود بصوت مرتفع ويتوعدون، وكان الجنود يكرون وراءهم ويحاولون اعتقالهم. وعلى مداخل البيوت القديمة وقفَت بعض النسوة يرشدن الشباب على طرق «الهريبة» والنجاة، وكنّ يمطرن الجنود بدعواتهن. ما زلت أذكر إحدى تلك الدعوات التي صوبتها امرأة من على رأس سبابتها نحو أحد الجنود الذي كان يحاول الإمساك بأحد الفتية المشاركين بإلقاء الحجارة، وصرخت عليه بكل أنفاسها: «بجاه النبي يصيبك شي حجر من إيد فدائي بخطيش ويعميلك عينك يا رب». بعد دقائق معدودات وجدنا أنفسنا في منتصف المعركة؛ نكرّ مع المكرّين، ونلقي مثلهم الحجارة ونفرّ مع المختبئين. نجح الجنود في اعتقال سبعة من رفاقي بعد مطاردة ساخنة، ونجحتُ مع آخرين، بفضل إرشادات أولئك النسوة، بالهرب. وصلت مساكن الطلبة سالما ومتعبا. لم تدم فرحتي طويلا، فبعد ليلة واحدة تم اعتقالي من الغرفة. أخذوني إلى معتقل المسكوبية وحققوا معي بتهمة الإخلال بالنظام العام والتظاهر من أجل الأقصى، وإلقاء الحجارة صوب جنود الاحتلال، لكنني أنكرت التهم.
قضينا في المعتقل بضعة أيام. وجهت لنا النيابة لائحة اتهام وأحضرنا أمام قاض في محكمة صلح القدس. توصل محامونا إلى صفقة مع النيابة وافقت النيابة بموجبها على الاكتفاء بالايام التي قضيناها في المعتقل، على أن يدفع كل واحد منا مبلغ ألف ليرة. لقد كان هذا المبلغ بالنسبة لعائلاتنا ولطلبة مثلنا مبلغا كبيرا. وقفنا أمام القاضي فبدأ يطلب من كل واحد منا التقدم نحوه ليقرأ له قرار الحكم، وفق الصفقة التي عرضت عليه. كنت المتهم الرابع حسب مكاني في لائحة الاتهام، فتقدمت وإذ بالقاضي يدفع بوجهه نحوي ويعلمني بأنه لن يقبل الصفقة بخصوصي. كان يخاطبني بالعربية المقدسية الأصلية، فهو يهودي مقدسي، وكانت سبابته مرفوعة في الهواء. حاولت أن أقاطعه لأبلغه انني سأتراجع عن موافقتي على الصفقة، لكن عيون والديّ اللذين كانا يحضران الجلسة كانت ترجوني ألا أفعل؛ فقد أراداني حرا. فسكتّ وأكمل القاضي تعليل موقفه فقال: «أما أنت، يا سيد بولس، فأولا، أنت طالب في كلية القانون وعليك أن تعرف حدودك، وثانيا، وهذا الأهم، أنت مواطن مسيحي فما لك وللأقصى؟ زملاؤك مسلمون وقد نفهم رغبتهم بالدفاع عن مسجدهم، أما أنت المسيحي فمشاغب ومحرض». قال كلامه وقرر أن يحكم عليّ بضعف الغرامة التي فرضها على رفاقي، أي بدفع ألفي ليره. أفرج عن جميعنا في اليوم نفسه بعد أن دفع كل واحد منا غرامته. في الطريق، في ساحة المسكوبية، كانت يد والدي ملقاة على كتفي بهدوء جميل، وكان يطمئنني ألا أقلق بخصوص الغرامة، «فالمصاري بتدبّر وبتضل وسخ إيدين يا يابا»، وراح يوصيني بضرورة الانتباه لنفسي في المرّات المقبلة. شعرت براحة كبرى عندما أشعرني على طريقته، برضاه، وبأنه مثلي يحب القدس «بالجملة»، بكل عتباتها وأزقتها، أو ربما أنا كنت مثله أحبها، لأنها كانت وسادة أحلامنا ولأن جرحها كان غصتنا وكان ليلها صلاتنا، وخاصرتها كخواصرنا نازفة حبا، وقبابها كانت عيون التاريخ الساهرة.
ما زال موقف القاضي حكاية نحكيها بيننا وعلامة فارقة على ذاك المدى؛ نستذكره في كل مرة نلتقي، نحن رفاق ذلك الزمن النظيف، فنضحك بفرح ونقول: ما أهبله من قاض كان ينبش في سراب ويطحن الظلال، وما أجهله من إنسان، كان لا يعرف أن قدسنا هي فكرة جامحة وقطعة من روح لا لعنة أو بركة من سماء؛ إنها الصفحة الاولى في الهوية وكل باقي الكلام باطل وهباء. هكذا كنا وهكذا كان القاضي غريمنا، فدافع عن قدسه اليهودية، بينما كنا نحن عشاقا للحرية، فدافعنا، لا كمسلمين ولا كمسيحيين، عن قدسنا، التي لم تكن مجرد وعد منقوش على حجر ولا عاصمة لخلافة ولا لخلاف، بل كانت هي قلب وعصب القضية، وكانت كالقدر.
كاتب فلسطيني

 

متى لم تعد القدس

قلب وعصب القضية؟

جواد بولس

 

أفاقت مدينة القدس صباح يوم الأربعاء الفائت على أخبار الاعتداءات الهمجية التي نفذتها قوات شرطة الاحتلال الإسرائيلي، ووحدات مما يسمى «بحرس الحدود»، ضد حشود المصلين في رحاب المسجد الأقصى. كانت صور تلك الاعتداءات، التي وصلتنا عبر شاشات الهواتف، مستفزة حتى التعب؛ تنذر بما تضمره وتخطط له قيادات جهاز الشرطة والمسؤولون عنهم في الحكومة الإسرائيلية.
من المتوقع أن تشهد الأيام المتبقية من شهر رمضان إجراءات إسرائيلية تصعيدية جديدة، تتساوق من جهة، مع مصالح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الشخصية، ومن جهة أخرى مع مخططات التيارات الدينية المتزمتة، التي يمثلها حزب الصهيونية الدينية وشركاؤه بالرؤى والعقائد؛ فإشعال نقاط التماس في محيط البلدة القديمة، وداخل منطقة المسجد الأقصى تحديدا، سيستخدم من قبل نتنياهو ككاتم صوت موجه نحو المواطنين اليهود المعارضين له داخل إسرائيل وخارجها، خاصة إذا تدهورت الأوضاع على الجبهتين الجنوبية والشمالية في الأيام المقبلة، وكذلك داخل مناطق الضفة الغربية المحتلة.
أما بالنسبة للتيارات الدينية المتزمتة التي تحظى بتمثيل وزاري وازن داخل حكومة نتنياهو، فتأجيج الصراع وحصره بعوامله الدينية وحسب، ودفعه إلى حد المواجهة الساخنة، حتى إن كانت دموية، سيتيح لهم فرصة إبطال ما يسمى «الوضع القائم» (الستاتوس كوو) في القدس، خاصة داخل ما يسمونه منطقة «الحوض المقدس» وتغيير الإجراءات العملية القائمة على أرض الواقع في هذه المواقع، وحصولهم على امتيازات جديدة فيها عن طريق إحياء الأساطير وسعيهم من أجل بناء هيكلهم «الموعود»؛ وهذا ما يصرح به حاخاماتهم المؤثرون وقادتهم السياسيون أمثال سموتريتش وابن غفير وغيرهم. كم كنت أتمنى أن يتفكر أولو الأمر بيننا وتقف قيادتنا عند مسؤولياتها، قبل أن تفلت الأعنّة وتنتقل النيران من القدس إلى وسط مواقعنا. هنالك أسباب عديدة وراء التحوّلات التي جرت، وما زالت جارية على طبيعة الصراع المحتدم في القدس وعليها؛ فهذا الصراع بدأ يتخذ في العقدين الأخيرين صبغة وصيغة الصراع الديني، ويتمحور فيما إذا ستكون القدس عاصمة الخلافة الإسلامية المقبلة لا محالة، أم مهد هيكل إسرائيل الثالث الموعود، لا محالة أيضا. لن تكفي هذه المقاله للحديث عن أسباب ما جرى خلال خمسة عقود مقدسية، ولكن يبقى غياب دور القيادات السياسية الوطنية أهم أسباب سقم الحالة المقدسية، لاسيما بعد رحيل فيصل الحسيني؛ فحين يختلف البشر على تعاليم السماء تضيع الأوطان، فما بالك إذا كان الاختلاف داخل أبناء الشعب الواحد. لم يغب البعد الديني عن واقع الصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي منذ بداياته الأولى؛ بيد أن معظم القيادات الفلسطينية التاريخية، خاصة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها، منذ تأسيسها، حرصوا على أن يبقى الصراع مع الحركة الصهيونية صراعا فلسطينيا وطنيا قائما على فكرة التحرر القومي وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على أرضه وفي وطنه. وقد يكون الراحل فيصل الحسيني أكثر من حافظ على ميراث من سبقوه، وحرص على إبقاء مركّبات هذه المعادلة الوطنية الجامعة، رافضا إيقافها عند عمقها الديني، أو زجها داخل أسوار الحرم المقدسي. لقد طوّر فيصل موقفه الوطني الشامل والحازم والصارم، دون أن يتخلى طبعا عن واجبه، ومعه جميع أهل القدس وجميع الفلسطينيين، بالدفاع عن المسجد الأقصى وعن سائر المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية على حد سواء. لقد أحب فيصل القدس التي كانت في قلبه وفي ذهنه، وصانها بعزيمته وبكل جوارحه ولم يرهنها قربانا على أي مذبح، أو عند عتبات الغيب. أحبها قدسا لا تقبل التأويل ولا الشعوذة، تماما كما كنا نحبها قبل أن نأتيها، نحن الجليليين الصغار، ونزور شوارعها القديمة في الخيال.

غياب دور القيادات السياسية الوطنية أهم أسباب سقم الحالة المقدسية، لاسيما بعد رحيل فيصل الحسيني؛ فحين يختلف البشر على تعاليم السماء تضيع الأوطان

جئت إلى القدس نحو منتصف سبعينيات القرن الماضي لأتعلم في كلية القانون في الجامعة العبرية، سكنت في مساكن الطلبة المعروفة لغاية هذه الأيام بمساكن «ريزنك»، المبنية على أراضي قرية العيساوية المجاورة، المطلة جنوباً على حي وادي الجوز، كانت القدس الشرقية حصاننا الأبيض وبيدر شبابنا. كنا ننزل إليها خفافًا من مساكننا التي على جبل «المشارف» ونغوص في أزقتها التي كانت تألفنا وكنا نحن نربي في أفيائها أحلامنا. كنا نوقف تحت قناطرها الزمن، ونشرب نخوبها بكاسات من عود وبخور. كان ياسمين حاراتها يعلمنا تراتيل آلهة كنا نعرف أنها تحب القدس وتحميها وكانت هي تعيد إلينا أبجديات هوياتنا التائهة في المثلث وفي النقب وفي الجليل. كانت القدس عروسنا نحن لا «عروس عروبتكم». لقد كانت منجلنا ومطرقتنا؛ وأحببناها دفعة واحدة «وبالجملة». قدسنا لم تكن بالنسبة لنا ذات يوم معبدا أو كنيسة أو هيكلا، بل كانت مرفأ الروح ومنبت لفكرة سرمدية. لم أنتبه، ومثلي اتراب ذلك الزمن، أن بعض الناس يحسبون أن للقدس ديناً، وأن لها أكثر من رب وشفيع، إلا وأنا في سنتي الثانية في الجامعة. أذكر أننا نزلنا، مجموعة من الطلاب العرب، في أحد أيام الجمعة من شهر فبراير عام 1976 إلى القدس. دخلنا من باب العامود لنفعل ما كنا نفعله دائما؛ مشينا حتى وصلنا مطعم العم «أبو شكري» الذي كان مطعمه الصغير يعد من أهم معالم السوق وأشهرها، فتناولنا عنده وجبة الحمص الشهية. في طريق عودتنا وقبل وصولنا إلى باب العامود سمعنا خليطًا من أصوات تشبه «الطوشة». كان الشباب يشتمون الجنود بصوت مرتفع ويتوعدون، وكان الجنود يكرون وراءهم ويحاولون اعتقالهم. وعلى مداخل البيوت القديمة وقفَت بعض النسوة يرشدن الشباب على طرق «الهريبة» والنجاة، وكنّ يمطرن الجنود بدعواتهن. ما زلت أذكر إحدى تلك الدعوات التي صوبتها امرأة من على رأس سبابتها نحو أحد الجنود الذي كان يحاول الإمساك بأحد الفتية المشاركين بإلقاء الحجارة، وصرخت عليه بكل أنفاسها: «بجاه النبي يصيبك شي حجر من إيد فدائي بخطيش ويعميلك عينك يا رب». بعد دقائق معدودات وجدنا أنفسنا في منتصف المعركة؛ نكرّ مع المكرّين، ونلقي مثلهم الحجارة ونفرّ مع المختبئين. نجح الجنود في اعتقال سبعة من رفاقي بعد مطاردة ساخنة، ونجحتُ مع آخرين، بفضل إرشادات أولئك النسوة، بالهرب. وصلت مساكن الطلبة سالما ومتعبا. لم تدم فرحتي طويلا، فبعد ليلة واحدة تم اعتقالي من الغرفة. أخذوني إلى معتقل المسكوبية وحققوا معي بتهمة الإخلال بالنظام العام والتظاهر من أجل الأقصى، وإلقاء الحجارة صوب جنود الاحتلال، لكنني أنكرت التهم.
قضينا في المعتقل بضعة أيام. وجهت لنا النيابة لائحة اتهام وأحضرنا أمام قاض في محكمة صلح القدس. توصل محامونا إلى صفقة مع النيابة وافقت النيابة بموجبها على الاكتفاء بالايام التي قضيناها في المعتقل، على أن يدفع كل واحد منا مبلغ ألف ليرة. لقد كان هذا المبلغ بالنسبة لعائلاتنا ولطلبة مثلنا مبلغا كبيرا. وقفنا أمام القاضي فبدأ يطلب من كل واحد منا التقدم نحوه ليقرأ له قرار الحكم، وفق الصفقة التي عرضت عليه. كنت المتهم الرابع حسب مكاني في لائحة الاتهام، فتقدمت وإذ بالقاضي يدفع بوجهه نحوي ويعلمني بأنه لن يقبل الصفقة بخصوصي. كان يخاطبني بالعربية المقدسية الأصلية، فهو يهودي مقدسي، وكانت سبابته مرفوعة في الهواء. حاولت أن أقاطعه لأبلغه انني سأتراجع عن موافقتي على الصفقة، لكن عيون والديّ اللذين كانا يحضران الجلسة كانت ترجوني ألا أفعل؛ فقد أراداني حرا. فسكتّ وأكمل القاضي تعليل موقفه فقال: «أما أنت، يا سيد بولس، فأولا، أنت طالب في كلية القانون وعليك أن تعرف حدودك، وثانيا، وهذا الأهم، أنت مواطن مسيحي فما لك وللأقصى؟ زملاؤك مسلمون وقد نفهم رغبتهم بالدفاع عن مسجدهم، أما أنت المسيحي فمشاغب ومحرض». قال كلامه وقرر أن يحكم عليّ بضعف الغرامة التي فرضها على رفاقي، أي بدفع ألفي ليره. أفرج عن جميعنا في اليوم نفسه بعد أن دفع كل واحد منا غرامته. في الطريق، في ساحة المسكوبية، كانت يد والدي ملقاة على كتفي بهدوء جميل، وكان يطمئنني ألا أقلق بخصوص الغرامة، «فالمصاري بتدبّر وبتضل وسخ إيدين يا يابا»، وراح يوصيني بضرورة الانتباه لنفسي في المرّات المقبلة. شعرت براحة كبرى عندما أشعرني على طريقته، برضاه، وبأنه مثلي يحب القدس «بالجملة»، بكل عتباتها وأزقتها، أو ربما أنا كنت مثله أحبها، لأنها كانت وسادة أحلامنا ولأن جرحها كان غصتنا وكان ليلها صلاتنا، وخاصرتها كخواصرنا نازفة حبا، وقبابها كانت عيون التاريخ الساهرة.
ما زال موقف القاضي حكاية نحكيها بيننا وعلامة فارقة على ذاك المدى؛ نستذكره في كل مرة نلتقي، نحن رفاق ذلك الزمن النظيف، فنضحك بفرح ونقول: ما أهبله من قاض كان ينبش في سراب ويطحن الظلال، وما أجهله من إنسان، كان لا يعرف أن قدسنا هي فكرة جامحة وقطعة من روح لا لعنة أو بركة من سماء؛ إنها الصفحة الاولى في الهوية وكل باقي الكلام باطل وهباء. هكذا كنا وهكذا كان القاضي غريمنا، فدافع عن قدسه اليهودية، بينما كنا نحن عشاقا للحرية، فدافعنا، لا كمسلمين ولا كمسيحيين، عن قدسنا، التي لم تكن مجرد وعد منقوش على حجر ولا عاصمة لخلافة ولا لخلاف، بل كانت هي قلب وعصب القضية، وكانت كالقدر.
كاتب فلسطيني

 

كي لا ننسى

أسرى الحرية الفلسطينيين

جواد بولس

 

علّق الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الاسرائيلي ، مساء يوم الاربعاء الفائت، اضرابهم عن الطعام، وذلك إثر وقف الاجراءات العقابية والتعسفية التي كان قد بدأ المسؤولون في "سلطة مصلحة السجون الاسرائيلية" باتخاذها في حقهم، وتطبيقها وفق أوامر وزير ألأمن القومي في حكومة بنيامين نتنياهو الوزير ايتمار بن جفير.

لقد كانت مسألة الصدام بين الحركة الفلسطينية الأسيرة وادارة مصلحة السجون أمرًا متوقعًا؛ لا سيما بعد أن أعلن الوزير بن جفير ، منذ اليوم الأول لتوليه منصب وزير الأمن القومي، وهي الوزارة المسؤولة قانونيًا عن سلطة مصلحة السجون في اسرائيل، أنه سيعمل فورًا على تغيير ظروف معيشة الأسرى الفلسطينيين داخل المعتقلات، وأنه لن يتركهم يعيشون بنفس الظروف والشروط التي "ينعمون" بها على حساب الدولة. ووفقًا لأوامر بن جفير، بدأت سجون الاحتلال بتنفيذ سياسة قمع استفزازية جديدة تمثلت باتخاذ مجموعة من الخطوات القمعية مثل تحكم ادارات السجون بكمية المياه التي يستخدمها الأسرى وتقليص مدة الاستحمام بحيث يسمح لجميع الأسرى الاستحمام في ساعة محددة من ساعات النهار؛ حتى انهم وضعوا الاقفال على الحمامات المخصصة للاستحمام في بعض اقسام بعض السجون. ومن ضمن الاجراءات القمعية لوحظت عملية تزويد الأسرى بخبز وبطعام رديئين، ومضاعفة عمليات الاقتحام والتفتيش التي كانت تنفذ أحيانًا بمصاحبة الكلاب البوليسية وبالقاء القنابل الصوتية.  

     

والى جانب الخطوات القمعية بحق الأسرى، شرعت الحكومة الاسرائيلية بسن مجموعة من القوانين التي تستهدف المساس بحقوق الاسرى الاساسية، مثل قانون حرمانهم من تلقي العلاج الطبي واجراء العمليات الطبية داخل السجون، وكذلك مصادقة اللجنة الوزارية التشريعية داخل الحكومة على مقترح قانون يقضي باعدام الأسرى الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات مقاومة ضد الاحتلال خاصة تلك العمليات التي انتهت بالقتل. 

ولّدت سياسة القمع الاسرائيلية الجديدة لدى الأسرى قناعة بأن حكومة اسرائيل الحالية، وعلى خلاف السياسات في الماضي، عازمة على شن حرب شاملة ضد الحركة الفلسطينية الاسيرة، وهي مدفوعة، هذه المرّة، برؤية أيديولوجية عنصرية واضحة ومغايرة عن جميع تجارب الحركة السابقة؛ فاليوم تستهدف هذه الحكومة العنصرية القضاء على جميع منجزات الاسرى الفلسطينيين وتقويض قواعد الصراع بين الأسير وسجّانه والتي كانت تحكمها ضرورات محافظة جميع الأطراف على حالة "الوضع القائم" . فما اعلن عنه بن جفير لا يمكن فهمه الا كقرار بهدم جميع التفاهمات السائدة داخل السجون منذ سنوات طويلة، وتغيير مكانة أسير الحرية الفلسطيني، من مقاوم ضد الاحتلال يتوجب على اسرائيل، كدولة احتلال،  ان تكفل وتؤمن له جميع الحقوق الاساسية وفي طليعتها حقه بالعيش بكرامة وفي ظروف انسانية كاملة، الى مجرد سجين/عدو يحق لسلطات السجن قمعه وحرمانه من العيش في ظروف انسانية. لقد استوعبت الحركة الاسيرة حقيقة ما يستهدفه بن جفير وحكومته، فهو لا يستهدف المس بحقوق الأسرى الحياتية المكتسبة خلال معارك نضالية طويلة خاضتها أفواج المناضلين الفلسطينيين الأوائل ولغاية أيامنا هذه، وحسب،  بل إن قصده الاساسي يتمثل بضرب كيانية الحركة الاسيرة الفلسطينية والغاء شخصيتها الجامعة وما يعنيه هذا الوجود داخل السجون وخارجها؛ فهي عمليًا الجسم الفلسطيني الأبرز الذي حافظ دائمًا على عوامل معادلة الصراع الواضحة التي أبقت الاحتلال دائمًا  كعنوان للتناقض الأساسي وللصراع الوجودي الفلسطيني، وقد حافظت على ذلك حتى عندما التبست المعادلات خارج السجون وداخل أقاليم الوطن. 

 

اكتب مقالتي قبل نشر جميع تفاصيل آخر اللقاءات التي تمت بين قيادات الاضراب والمسؤولين في مصلحة سجون الاحتلال؛ فوفقًا لبيان مقتضب صدر في ساعة متأخرة من ليلة الاربعاء اعلن عن تعليق الاضراب الذي كان مقررا أن تخوضه الحركة الاسيرة مع بداية حلول شهر رمضان. تبقى للتفاصيل أهميتها طبعًا، لكنني أستطيع اليوم أن أهنئ قيادات الحركة الأسيرة على ما حققته لغاية الآن ؛ ففي وحدتهم التي عبروا عنها بجدية وبصرامة واضحتين سجّلوا نصرًا على سجانهم، مع انني أعرف طبعًا أن الأمور تبقى دائمًا محكومة بخواتيمها؛ اذ لا يمكن فهم تراجع ادارة مصلحة سجون الاحتلال عن مواقفها العدائية المعلنة،حتى لو كان ذلك تراجعًا جزئيا أو مؤقتًا،  بعيدًا عن موقف الحركة الاسيرة التي تصرف قادتها، هذا المرة، بحكمة نضالية وحدوية صارمة. فالطرف الاسرائيلي قرأ من دون شك مضمون "ميثاق وعهد قيادة اضراب الحرية والشهادة " الذي وقعة، في الحادي والعشرين من هذا الشهر،  كل من الأسير عمار مرضي ممثلا عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني، والاسير سلامة قطاوي ممثلا عن حركة المقاومة الاسلامية، والاسير زيد بسيسي ممثلا عن حركة الجهاد الاسلامي، والاسير وليد حناتشة ممثلا عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والاسير وجدي جودة ممثلا عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين؛ والأسير باسم خندقجي عن حزب الشعب الفلسطيني، وفيه يعلون باسم جميع الأسرى "نحن الموقعين أدناه ممثلي الحركة الاسيرة، والمستأمنين على قيادة  اضراب الحرية او الشهادة، نعلن أمام الله وضمائرنا وشعبنا والتاريخ اننا نخوض هذه المعركة على قلب رجل واحد ، وسنكون فيها صفاً واحداً وجسماً موحّداً ، وأن يكون وقف هذه المعركة أو تعليقها بقرار جماعي دون تفرد أو انسحاب، وألا يصدر خلال هذه المعركة أي تصرف أو اجراء فردي أو فئوي دون قرار جماعي حسب الأصول، وأن نبذل غاية الجهد لانجاح هذه المعركة بوقف الاجراءات المستهدفة لنا، وتحقيق مطالبنا المتفق عليها من قيادة الاضراب. وعلى هذا نعطي عهدنا وغليظ ميثاقنا ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ويتحمل جزاء نكثه". فمن يقرأ هذا الاصرار، ويسمع عن شروع هؤلاء القادة، ومعهم القادة أحمد سعدات ومروان البرغوثي وغيرهم، يعرف أن الحركة الأسيرة تعالت عن انقساماتها الداخلية وقررت ان تستعيد مجدها ومكانتها كبوصلة في زمن التيه وكضابطة لايقاعات النبض الفلسطيني الوطني خاصة عندما يمرض الجسد وتضعف مجساته الأخرى. لقد كان أول من قرأ أهمية هذا الاعلان ومآلاته المحتملة المسؤلون في ادارة مصلحة سجون الاحتلال.   

 

وكيلا يكون كلامي مجرد أمنيات عابرة، أؤكد على أن أبناء الحركة الأسيرة القابعين اليوم وراء قضبان القمع والقهر، هم أولاد وأحفاد لمناضلين سبقوهم في بناء صروح العزة والكرامة، وقد فعلوا ذلك بالنضال والتضحيات والاضرابات التي حصدت الأرواح والأسى. ففي العام 1970 استشهد الأسير عبدالقادر أبو الفحم في أضراب سجن "عسقلان" وهو أول شهداء الاضراب عن الطعام في سجون الاحتلال. وتلاه اضراب عام 1976 في عسقلان ايضًا حيث استمر لمدة 45 يومًا. ثم كان اضراب سجن نفحة في عام 1980 وفيه استشهد الأسيران راسم حلاوة وعلي الجعفري والتحق بهما الأسيران أنيس دولة واسحق مراغة. ثم عرف سجن "جنيد" اضرابين في عامي  1984 وعام 1987 حيث شارك فيه ثلاثة آلاف اسير ودام لمدة عشرين يومًا. أما في العام 1992 فقد نفذ الأسرى اضرابًا عرف باسم "ام المعارك"، شارك فيه نحو سبعة آلاف أسير واستمر لمدة 19 يوما واستشهد خلاله الأسير حسين عبيدات. لن استرسل برصد سلسلة الاضرابات التي خاضها الأسرى الفلسطينيون، وهي حقًا كثيرة، وشكّلت علامات فارقة سجلها هؤلاء المناضلون على صفحات التاريخ وخلال مسيرة كفاحهم في سبيل الذود عن الكرامة الفلسطينية وعن مكانة الحركة الأسيرة بكونها رأس حربة مغروزة في صدر سياسات القمع والقهر الاسرائيلية، وراية متقدمة في ميادين الاشتباك اليومي مع مصلحة سجون الاحتلال بصفتها ابرز وكالاته الناشطة.   

لا أعرف كيف سيمضي الأسرى بعد هذه المحطة وكيف سيديرون مواجهاتهم القادمة مع سياسات الحكومة الاسرائيلية التي على الأرجح ألا تتراجع عن محاولاتها للنيل من مكانة الحركة الاسيرة وتحييد دورها وقوتها في التأثير على الحالة الفلسطينية العامة خاصة في هذه الأزمان العصيبة التي تعيش فيها  فلسطين حالات من التشظي السياسي والأزمتين الاجتماعية والاقتصادية. والى ان نقف على عتبة المعركة القادمة أتوقع أن أفراد قيادات الحركة الاسيرة، الذين أعرفهم حق معرفة، ادركوا مجددا معنى توحدهم وراء الموقف الواحد وفي خندق كفاحي واحد ؛ فهم في النهاية من سلالة قوم كانوا حتى اذا اختلفوا حول الرؤية والرؤيا، يبقوا موحدين في وجه عدوّهم المؤكد وهو الاحتلال الاسرائيلي وجميع افرازاته البغيضة؛ فليس كالسجون ميادين حقيقية تستصرخ فرسانها، وتصرخ: هذا أوان الشدّ فهيا يا همم ، وليس أولى بمن ضحوا بأغلى ما عندهم أن يعيدوا عربات المجد الفلسطيني الى حلباتها الصحيحة.                   

   

 

 

حاضرنا هو

تاريخنا فمن يصنعه؟

جواد بولس

 

ما زال الرأي السائد في أوساط المواطنين العرب في إسرائيل، يجزم بأن الصراع الدائر داخل المجتمع اليهودي لا يعنينا، نحن المواطنين الفلسطينيين، إلا كونه احترابا بين معسكرين يهوديين عدوّين لنا؛ ولذا، فمن المفضّل أن نبقى خارج حلباته وننتظر نهاياته التي ستكون حتما في صالحنا. هكذا تفترض وتتصرف أكثرية الجماهير العربية، وتمضي في ممارسة شؤون حياتها اليومية بروتينية ساذجة، وكأننا نعيش عل كوكب آخر، لا في إسرائيل.
من السهل، كما قلنا سابقا، أن نعدد الأسباب والدوافع التي يوظفها دعاة مقاطعة المشاركة في الاحتجاجات المستمرة في العديد من المدن والمواقع الإسرائيلية؛ وإن كان بعضها صحيحا، من حيث المنطق والحجة، يبقى واجب علينا أن نرى الصورة بكامل عناصرها، وأن نضع جميع المعطيات والعوامل في كفتي ميزان السياسة، لنقرر ماذا يتوجب علينا عمله كضحايا مباشرين للحكومة الحالية؛ فالتذرع، على سبيل المثال، بمواقف رؤساء أحزاب المعارضة العنصريين وعدم رغبتهم، المستفزة والمقيتة، في مشاركة المواطنين العرب وقياداتهم معهم في الاحتجاجات، يندرج تحت باب الذريعة الناقصة، وهي تقول في حالتنا «أجت منهم لا منا «. فهذه المواقف لا تفيد في مثل هذه الظروف الاستثنائية، خاصة أن الذين يرفعون هذه الرايات بيننا لا يقترحون علينا برامج سياسية جدية بديلة، ولا يبادرون إلى خطوات نضالية مدروسة ومبرمجة تضمن تحشيدا شعبيا رضائيا وقادرا على التأثير الفعّال وعلى المثابرة التي هي من أهم عناصر المرحلة. وكما قلنا ونكرر: لا يصحّ ألا نشارك في تل أبيب، بينما نعجز عن إقناع الجماهير بضرورة انخراطها المستديم والخروج إلى شوارع الطيرة والناصرة وكفرياسيف ورهط.
من المحزن ومن المؤسف أن تكتفي معظم القيادات السياسية العربية والدينية ومعظم النخب المنتجة للفكر والضالعة في صناعة الرأي العام، بتشخيص مخاطر نظام الحكم في إسرائيل، ومواجهة تلك المخاطر باللاعمل، أو بالتنظير وبالشعارات العامة الفضفاضة، التي ما فتئنا نسمع بعضها منذ كنّا أولادا نحب الغبار والريح ودردبات الطبول وهي تدق على أبواب العواصم العربية، وحين كنا لا نفرّق بين الحِلم والحُلم، ولا بين الهُوية والهَوية. ومن الغريب ألا يذوّت جميع من ذكرتهم أعلاه مغازي التداعيات الحاصلة داخل المشهد الإسرائيلي، ولا كيف تولد أمام أعيننا لحظة تاريخية لا يمكن أن نهملها، أو نستخف بها، وألا نتفاعل معها. ولا يجوز لنا ألا ننتبه إلى جملة التصدعات الجارية داخل المجتمع اليهودي، التي لم نشهد لها مثيلا، من حيث سعتها أفقيا وعمقها عاموديا، ولا في أي محطة منذ قيام إسرائيل. لقد عرف المجتمع اليهودي صدامات كانت في بعض تجلياتها عنيفة؛ حرّكت بعضها أحيانا صراعات طبقية، أو في أحيان أخرى، صدامات ثقافية بين اليهود الأشكناز والسفارديم، وهم اليهود الشرقيون، أو خضعت أحيانا لتجاذبات بين العلمانيين والمتدينين؛ بيد أنه في جميع تلك الحالات بقيت الصراعات داخل حضن الدولة، لا صراعا عليها، كما هو وضعنا اليوم؛ ودارت رحى جميعها تحت عقد الحركة الصهيونية والإجماع حول ما تعنيه لكل اليهود الصهاينة، وليس كما هو الحال عليه اليوم؛ وجرت جميعها ضمن إقرار بعدم التعرض لجملة من المحرّمات/التابوهات مثل: الجيش، ومكانة القانون، والمنظومة القضائية، ومفهوم الأمن الوطني الإسرائيلي، وما هي العناصر التي ترسم حدوده وتعرّفه؛ هكذا كان طيلة سبعة عقود كاملة، بينما تحولت اليوم جميع هذه المحرّمات، هي بذاتها، إلى عناوين مستهدفة من قبل أحزاب حكومة إسرائيل الجديدة، التي لا تخفي مآربها وخططها تجاهنا نحن المواطنين الفلسطينيين وعموم الفلسطينيين، في حالة نسفها لتلك التابوهات.
أمور كثيرة تحصل، وليس داخل إسرائيل وحسب، وعلينا الانتباه إليها؛ فمتى قاطع النظام الأمريكي ومعه كبريات المنظمات الصهيونية اليهودية زيارة وزير المالية الإسرائيلية، كما حصل، قبل أيام، خلال زيارة الوزير بتسلئيل سيموتريتش لأمريكا؟ وسيموتريتش ليس الوزير الوحيد الذي أعلنت عدة دول غربية أنها ستقاطعهم، ولن تتعامل معهم بسبب إمعانهم بالقضاء على أسس نظام الحكم القائم، وبسبب مواقفهم تجاهنا كأقلية مواطنة داخل إسرائيل، وأيضا بسبب مواقفهم الدموية وسياساتهم العنصرية والقمعية تجاه ابناء الشعب الفلسطيني. فجهات عديدة في دول العالم بدأت تعارض مضامين السياسة الحكومية الإسرائيلية ومخططاتها تجاه الأرض الفلسطينية وممارساتها بحق الفلسطينيين؛ وقد شكل الاعتداء الفاشي الدموي على حوارة محطة مهمة توقّف عندها قادة العالم، لما حملته من نذائر حول «قدرات» هذه الحكومة. وقد تعكس زيارة الممثل الأمريكي الخاص للشؤون الفلسطينية هادي عمرو، إلى حوارة في يوم 28/2/2023 وجها من إمكانيات التغيير المرغوب والمحتمل في الرأي العام الرسمي والشعبي، وفي بعض المحافل الدولية، خاصة إذا تنبهنا لما قاله هادي عمرو وهو على أرض حوارة؛ فبعد تأكيده «إدانة أعمال العنف العشوائية واسعة النطاق من جانب المستوطنين»، أعلن أنهم في أمريكا يريدون «أن يروا محاسبة كاملة ومقاضاة من خلال القانون للمسؤولين عن هذه الهجمات الشنيعة، وتعويضات لأولئك الذين فقدوا ممتلكاتهم أو تتضرروا بطريقة أخرى». قد يشكك البعض بجدوى هذه التصريحات وبجديتها وبفاعليتها، خاصة أن جميعنا يعرف تاريخ الدعم الأسطوري الذي أمّنته وتؤمّنه أمريكا لإسرائيل على جميع الجبهات، واستمرار دعم احتلالها للأراضي الفلسطينية وتغطيتها المثابرة لجميع موبقاتها بحق الفلسطينيين، وعلى الرغم من ذلك يجب أن تحسب مثل هذه المواقف وفق القواعد التراكمية، وهذه تأتي أكلها مع مرور الزمن، شريطة ملاحقتها؛ والأهم انها تتطلب بذل مجهود كبير من الضحية وعدم الاكتفاء بالبكاء أو الاستجداء أو الدعاء وانتظار الفرج من حيث لا ندري. لا أعرف كم من بيننا تابعوا قوائم المجموعات التي أطلقت نداءاتها المعارضة لمخططات حكومة نتنياهو الجديدة. ومن اللافت أن يكون بين هذه الجماعات جهات أجنبية عديدة. من الضروري أن نتمعن في تلك القوائم وفي أسماء أصحابها، ليس لأنها أعربت عن معارضتها وخشيتها من تقويض أسس الديمقراطية داخل إسرائيل، وتأكيدها على أن مخططات هذه الحكومة ستفضي إلى إنشاء نظام ديكتاتوري مرفوض، وحسب، بل كي نتعرف على كمية التأييد والدعم الذين كانت إسرائيل تحظى بهما في الماضي؛ ونعرف كذلك ما هي الجهات التي كانت تؤمّن لها أحزمة النجاة وأغطية الشرعية، رغم ما كانت حكوماتها السابقة تمارسه.

علينا أن نكون جزءا من صنع التاريخ؛ فخياراتنا ليست محصورة إما بدعم رموز النظام القديم والتصفيق لديمقراطيتهم العرجاء، وإما الوقوف على الحياد وانتظار نهاية حربهم

لقد قام موقع «واي نت» الإسرائيلي في تاريخ 17/2/2023 بنشر تقرير تضمن أسماء مجموعة من الجهات التي وجهت نداءاتها لنتنياهو ولحكومته وطالبتهما بالعدول عن تنفيذ مخططهما، وحذرتهما من مغبة استمرارهما بهما، وما سيلحقه ذلك بمكانة إسرائيل في العالم، وإمكانية رفع غطاء الشرعية عن سياساتها، وسحب أبسطة الدعم الممدودة لها منذ سنوات ولغاية هذه الأيام. وأورد التقرير قائمة جزئية باسماء الجهات المعترضة على المخطط ومنها: عريضة موقعة من (400) عنصر قيادي رفيع المستوى عملوا في أجهزة الأمن على فروعها؛ عريضة موقعة من جميع رؤساء «مجلس الأمن القومي» الإسرائيلي السابقين؛ عريضة تضمنت تواقيع أكبر سبعة عشر مكتب محامين في إسرائيل يعمل فيها (3500) محام؛ عريضة موقعة من (300) عالم اقتصاد من بينهم الفائز بجائزة نوبل دانييل كهنمان؛ عريضة موقعة من قبل (50) مديرا عاما في عدة وزارات، خاصة ذات الطابع المالي والاقتصادي؛ عريضة موقعة من قبل (100) من رؤساء ومسؤولين كبار في شركات الهايتك؛ عريضة موقعة من جميع رؤساء الجامعات الإسرائيلية؛ عريضة موقعة من (185) محاضرا كبيرا في كليات القانون؛ عريضة موقعة من قبل (50) بروفيسورا أمريكيا في القانون، بينهم أحد أهم المنافحين الكبار عن إسرائيل هناك وصديق لنتنياهو، ألان درشوفيتس؛ عريضة موقعة من (240) محاضرا في مادة العلوم السياسية في الجامعات؛ عريضة من (13) فائزا بجائزة نوبل في الاقتصاد؛ عريضة موقعة من (200) عالم يُعدون من بين أشهر العلماء اليهود في العالم، من بينهم تسعة علماء حائزون على جائزة نوبل في العلوم؛ عريضة موقعة من (18) قاضيا ورئيسا سابقين في المحكمة العليا الإسرائيلية وعريضة موقعة من (70) قاضيا في المحكمة العليا الكندية، وغيرهم كثر. قد يقول قائل ما شأننا وهذه القوائم؟ فموقعوها في النهاية يعبرون عن خشيتهم من سقوط نظام حكم دولة مارست العنصرية بحقنا، نحن المواطنين في الدولة، ومارست الاحتلال وبشائعه ضد أبناء شعبنا الفلسطينيين، وهذا طبعا صحيح، ولكن لهؤلاء أقول: إذا كان كل هؤلاء يخافون من طبيعة النظام الجديد ويؤكدون أنهم أن يسندوه لأنه سيكون ذا طابع ديكتاتوري وفاشي، فهل من الصعب أن نتصور حالنا وكيف سيعاملنا هذا النظام نحن في إسرائيل وكيف سيعامل إخواننا الفلسطينيين. قد يكون خوفهم على دولتهم، بينما يجب أن يكون خوفنا من «دولتنا» واستعدادنا لمواجهة سياساتها المقبلة.
نحن أمام لحظة تاريخية، وعلينا أن نكون جزءا من صنع هذا التاريخ؛ فخياراتنا ليست محصورة إما بدعم رموز النظام القديم والتصفيق لديمقراطيتهم العرجاء، وإما الوقوف على الحياد وانتظار نهاية حرب اليهود. إنها لحظة علينا أن نحاول فيها، ونحن قادرون على ذلك، أن نرفع، إلى جانب مطلب تحقيق الديمقراطية، شعاري إنهاء الاحتلال والمساواة التامة لنا، وعلينا أن نقنع هؤلاء اليهود بضرورة تبنيهم لهذه المطالب ـ لقد خصصت جريدة «هآرتس» العبرية افتتاحيتها اللافتة قبل ثلاثة أيام لهذا الموضوع- فمن دون ذلك سيخسرون دولتهم التي لم تكن يوما ديمقراطية، وستقوم هنا دولة فاشية سنكون نحن طبعا أولى ضحاياها، وسيلحقنا جميع من صرخ باسم الديمقراطية.
كاتب فلسطيني

 

 

آذار في فلسطين…

أسيرات وأحلام ودماء

 

جواد بولس

 

يواصل الاحتلال الإسرائيلي اعتقال (29) أسيرة في سجن «الدامون» الواقع على جبال الكرمل قرب حيفا، أقدمهن هي الأسيرة ميسون موسى من مدينة بيت لحم، المعتقلة منذ عام 2015 والمحكومة بالسجن الفعلي لمدة (15) عاما؛ ومن بينهن فتاتان، نفوذ حماد من القدس وزمزم القواسمة من الخليل التي أتمت عامها الثامن عشر قبل عدة آيام فقط. يبلغ عدد الأسيرات المحكومات (15) أسيرة. وحسب المعطيات الواردة من مؤسسة «نادي الأسير الفلسطيني» فإن أعلى الأحكام صدرت بحق الأسيرات شروق دويات وشاتيلا أبو عيادة المحكومتين بالسجن لمدة ستة عشر عاما، وعائشة الأفغاني المحكومة بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاما. ويوجد من بين الأسيرات أسيرة واحدة معتقلة إداريا وهي رغد الفني من طولكرم، وكذلك يوجد بينهن سبع جريحات تعد حالة الأسيرة إسراء الجعابيص أصعبها، كما يوجد بينهن ست أمهات.
لهؤلاء الأسيرات ولمن سبقهن على دروب النضال، ولجميع الأمهات المضحيات، ولسيّدات العطاء والوفاء ولجميع الأسيرات في عقول مجتمعاتهن أقول: قد يكون آذار/مارس أجمل الشهور في فلسطين، ففيه تطلق الأرض جدائلها وعلى صدورها ينهد اللوز ويسبح في عيونها القمر؛ وفيه تشهر فلسطين أنوثتها: جبالا حبلى بالغضب وبالنرجس وبالأمل، ونساء يجدلن على زنودهن أحلامهن ومن خواصرهن تندلق الزغاريد وينطفئ الوجع.

فلسطين، في آذار، تحتفي بنسائها بطقوس وبعقول ملتبسة حتى العبث؛ فالبطولة في هذا الشهر تستعيد تاءها المربوطة وتصير أنثى

فلسطين، في آذار، تحتفي بنسائها بطقوس وبعقول ملتبسة حتى العبث؛ فالبطولة في هذا الشهر تستعيد تاءها المربوطة وتصير أنثى، والدمع ينحسر في أحضان الحسرة، والجميع يردد أن الوطن أم وزوجة وأخت وشهيدة ومناضلة، بيد أن الواقع يبقى في عقول الناس مذكرا والعيب لا أب له، فلسطين، كل فلسطين، تبقى ولّادة للرياحين ولحاملات بيارق الرأفة والحنان، لكنْها تنام، منذ طلوع الدم من «بئره المقدسة»، وهي أسيرة لأحكام «سيّافي الشرف، ومطوّعي الحشمة»، الذين كلما استلوا خنجرا ودقوه في عنق زنبقة، فقط لأنها «طلعت على الريح، طلعت على الشمس» وصلّت في قلبها «يا حريّة يا زهرة نارية يا طفلة وحشية، يا حرية»، يذكروننا من أين أتينا وكيف يصر الرمل، جدنا القديم، أن يثأر لجيناته وأن ينتقم ممن يخرجن من «هيبة» عباءات أسيادهن، وعن طهارة النسب والحسب. لا أتجنى على أحد حين أكتب عن واقع مجتمعاتنا العبثي؛ فلن تخلو قرية أو مدينة في هذا الوطن، من قصص الضحايا اللائي دفعن حيواتهن قرابين على مذابح الجهل والتخلف، أو إن شئتم، دفعنها كفارات باسم قيم سائدة ومسلّمات اجتماعية تجيز هدر دمائهن «دفاعا» عما يسمى شرف العائلة، وثمنا لأحلامهن المحظورة؛ فحتى أحلام البنات في مجتمعاتنا أعباء عليهن أو قاتلة أحيانا. لن ينفعنا إنكار الحقيقة الدامغة، فمهما كان آذارنا في فلسطين أخضر بنكهة الطبيعة، سيّدة البدايات والنهايات، تبقى حكمة الشرف الدموية هي الحكمة السائدة. فآذار ما زال كما كتب ذلك الفتى، الذي حدثتكم عنه قبل عشرة أعوام، حين جلس على شرفته وأخبرنا أنه يحب «من الشهور آذار ولا أبحث عن سبب». فصاحبي هذا كان يحلم، إلى أن جاءته أمه بخبر مقتل بنت جيرانهم «صبرة»، يومها، هكذا أخبرتكم، «لم ينم كما تعوّد. دخل فراشه مبكّرا. تمتم صلاته بسرعة ككاهن قرية «معجوق»، يأكل نصف حروف الكلمات وكأنه يقوم «بتهريبة خطيرة». كان يتحرك في البيت بخفة دوري، وكانت سعادته تتدحرج أمامه كحجلة، تملأ زوايا البيت حيرة وفضولا. حاولت أمّه أن تفهم دواعي هذا الفرح الراقص، لكنّها نالت، في كل مرّة سألته، قبلة شقيّة منه ومداعبة طفولية. شعرت براحة خفيفة وفكرت بصمت وتمتمت «هذا الولد كِبِر»، وكأنها تراه للمرة الأولى وقد شارف على إنهاء تعليمه الثانوي في آذار ذلك العام. أفاق قبل جميع إخوته. أنهى حمّامه وحاول أن يختار ملابس يومه، كانت، في العادة، لا تستغرقه هذه العملية إلّا بضع دقائق، أمّا اليوم فكانت «ورطته» ظاهرة. اختار طقما ووقف أمام المرآة دون أن ينتبه إلى أن عينيه كانتا تضجان بالقلق. اقترب من المرآة وقام برفع كفّه اليمنى بعياقة ومسّد شعره ببطء وتبسّم للرجل الذي قبالته. بدت على وجهه علامات الرضا أو حتى الاعتزاز. رش ما وجده في قارورة عطر كانت في الخزانة ورفع إبطه وحاول أن يشمها، ليتأكد أنه ذلك العاشق الجدير بشمس آذار ذلك النهار، كانت أمه تراقبه من بعيد فتنهدت وتأكدّت أن في بيتها رجلا. أنزلته سيّارة الأجرة في مركز المدينة القريبة من قريته، مشى مسافة قصيرة ووصل إلى المقهى الذي اتفق وحبيبته أن يلتقيها فيه. اختار مقعدا جانبيا وتأكّد أن عطره ما زال فوّاحا وأن قميصه مفتوح من الأعلى ويكشف جزءا من ربيعه. شعر بغربة طفيفة في المكان. كانت معظم الطاولات خالية، إلا من طاولة في الزاوية المقابلة لطاولته كان يجلس إليها رجلان يتهامسان، كانت ملامحهما شرقية، لكنهما كانا يتحدثان بالعبرية. نظر إلى ساعته فاشتد خفقان صدره. رفع عينيه ونظر من خلال الزجاج فرآها تمشي على الرصيف المقابل، واثقة كغزالة. كانت تلبس بنطالا أسود وفوقه يتدلى طرف قميص بلون السماء مفتوح وتحته سترة بيضاء بلون الفل. كان وجهها قمريا على طبيعته. قطعت الشارع فوقعت عيناها مباشرة على عينيه. تبسّمت بحذر فكاد، لولا قحة أحد الجالسين، أن يفقد وعيه. دخلت كفراشة. حيّته ومدّت كفّها نحوه، فأخذها برفق كأنه يكمش حفنة من قوس قزح. تحدثا عن أحلامهما في الليلتين الأخيرتين، وعن كيف لم يناما. ضحكا عندما وصف كل واحد منهما كيف «أكلا» نصف الصلاة قبل النوم. لكنّهما كانا مقتنعين بأن الرب سيغفر لهما لأن «الله محبّة»، ويحب الحب والمحبين والحياة. لم يحاول أن يمسك كفها مرّة أخرى، لكنه كان يستنشق أنفاسها ولا يخرجها. قال لها كم يحبّها ويحب لون عينيها، كان كلامه مقطعا وغير مباشر، لكنّها، في لحظة ما، أغمضت عينيها، لم تطبقهما تماما، ورفعت رأسها برضا وقامت بحركة جعلته يشعر بفقدان توازنه. قضيا في المقصف ساعتين كاملتين. تواعدا على لقاء آخر عندما ستسمح بذلك الظروف.
كانا على باب المقهى عندما اعترض رجل طريق الفتاة طالبا هويّتها. كان ذلك هو الرجل الذي جلس في الزاوية. أفهمها أنه رجل مخابرات إسرائيلي. وأنه يريد أن يتعرّف على هويتيهما. حاول أن يهدئ من روع الفتاة والشاب واعدا إيّاهما بالكتمان، وعدم إخبار عائلتيهما؛ فهو يعرف أن مثل هذه الحادثة، خاصة إذا دعّمت بالصور، من شأنها أن تحدث كارثة وتودي بحياتيهما. «كل ما نريده اليوم»، هكذا «طمأن» هذا المتطفل تينك الزهرتين «أن نسجّل تفاصيلكما وأن نتفق متى ستعودان إلينا لنسوي أمورنا المشتركة، فمكاتبنا قريبة من هنا، وكل شيء سيكون على ما يرام».
لم يتفوّها بأية كلمة، أبرزا بطاقتي الهوّية وحاولا أن يتملّصا من الموقف. لكنه كان وقحا ومتمرّسا في صيد ضحاياه. أصرَّ على تسجيل التفاصيل وبدأ يصعّد من لهجته فشعرا بأنه يحاول تهديدهما. حاولت الفتاة أن تفهمه أنها ليست خائفة وأنها جاءت إلى لقائها برفقة أخيها الذي يحترم علاقتها مع هذا الشاب. حاولت أن تشرح له دناءة ما يقوم به فصار شريرا وهدد باحتجازهما في مقره. في هذه اللحظة، في الوقت المحدد، ظهر أخو الفتاة فتوجّه مباشرة إليهم واحتضن أخته وطرح السلام على رفيقها. عرّف على نفسه وخيّب ظن تلك الشياطين اللعينة. كانوا يسيرون في الشارع، والفتى يشعر بأنه يطير بأجنحة من ورد وأن حبيبته تطير إلى جانبه وتحتهم أبسطة من بساتين خضراء وأسراب فراش. كان يسمع دقات قلبها ويداري خصلات شعرها الذي كان يتطاير على وجهه، ثم.. ضربة، ضربتان فهزة عنيفة على كتفه، فتح عينيه وكان وجه أمّه فوق أنفه، كانت غاضبة كما لم يألفها من قبل. «ماذا بكِ؟ اليوم عطلتي ولا توجد مدرسة فلماذا أفيق مبكّرا؟» سألها محاولا العودة إلى حلمه. بغصّة واضحة في حلقها قالت: «لقد وجدوا «صبره» مقتولة بطعنات خنجر. نعم هي ابنة صاحب الفرن، وقالوا إنها قتلت بسبب «شرف العائلة»، لم أفهم يا أمي من القاتل وليش ولكنها مصيبة.. الله ينجينا وينجيكم يا حبايبي». صحا الفتى مذعورا وجلس على شرفته وكتب: «أحب من الشهور آذار ولا أبحث عن سبب، فأجمل الحب ذلك الذي يكون من غير سبب. آذار شهر التردد والتقلّب؛ ففيه الصفاء كما يحب شجر اللوز، وفيه الغبار كما يعشق السرو». أغمض عينيه عساه يعود إلى الطاولة مع حبيبته، ثم فتحها وكتب: «يصله الشتاء متعبا كثور الحلبات وقد أنهكته سهام «المتادور». آذار في بلادنا كالوعد الغافي وراء جبال الغيم، يصحو ليعلن أن البقاء للحياة وليقهر الظلّام ودعاة الموت؛ ففي آذار، يولد الأمل وتزهر الرياحين». كتب وبدأ ينتظر لقاءهما المقبل.
فلكنّ، في آذار وفي كل يوم، الفرج والسلامة والفرح والحب، والحرية فخذوها و»صَرّْخوا عالعالي، على العالي، اركضوا بالحقالي، على العالي، قولوا للحرية نحنا جينا وافْرحوا، افرحوا، يا ليل يا حب يا دروب يا حجار الحقونا عالشجرة البرية..»
كاتب فلسطيني

 

 

 

قانون الإعدام الإسرائيلي

وأحكام معادلة الردع المتبادل

جواد بولس

 

صادقت الكنيست بالقراءة التمهيدية، يوم الأربعاء الفائت، على قانون يقضي بفرض عقوبة الإعدام على من يرتكب مخالفة القتل «بدافع عنصري وبهدف المسّ بدولة إسرائيل، وببعث الشعب اليهودي في أرضه»؛ وحظي مشروع القانون بأغلبية واضحة وبدعم رئيس الحكومة نتنياهو طبعا.
لقد أشغلت عقوبة الإعدام، كخيار عقابي يجب المحافظة عليه ضمن منظومة التشريعات الإسرائيلية، حكومات إسرائيل منذ تأسيسها؛ وقد خضعت هذه المسألة، قبل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 وبعد الاحتلال أيضا، إلى عدّة تعديلات تمّت على مراحل عديدة، أفضت في النهاية إلى إبقاء هذه العقوبة في بعض التشريعات الخاصة بالمجرمين النازيين، وضمن القوانين العسكرية، وفي بعض مخالفات خيانة الدولة وأمنها.

الذين صوّتوا لصالح قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لم يسمعوا بأسماء قوافل من أقسموا ألا يرضوا بحياة الذل والقهر تحت نير الاحتلال

سأكتفي بهذه المقدمة مؤكدا أن عقوبة «إعدام الإرهابيين»، كما تطالب بها الحكومة الإسرائيلية الحالية، متاحة ضمن القوانين النافذة، إلا أنها لم تستنفد ضد المقاومين الفلسطينيين، بسبب قرار إسرائيلي قديم جديد، عبّرت عنه مؤخرا المستشارة القانونية للحكومة غالي بهاراف ميارا، حين عارضت القانون مشدّدة على أن عقوبة الإعدام ليست رادعة في حالة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
في الواقع، يتسلّح معارضو عقوبة الإعدام بعدة حجج وذرائع، مثل قدسية الحياة، واحتمالات وقوع الخطأ، ومكانة الإنسان وحقه المطلق في الحياة، ومعارضة المجتمع الدولي، خاصة أن تنفيذ العقوبة سيتم بحق الفلسطينيين ولن يشمل الجناة اليهود قتلة الفلسطينيين طبعا، وكون هذه العقوبة أداة لإشاعة أجواء القسوة داخل المجتمعات المحلية. وعلى الرغم من أهمية جميع الذرائع التي تساق ضد عقوبة الإعدام، قد تكون، في السياق الفلسطيني، مسألة الردع التي أشارت إليها المستشارة، من أهمّ وأبرز حجج المعارضين لها. وإذا راجعنا تاريخ الموقف الإسرائيلي المعارض لإعدام المقاومين الفلسطينيين، سنجد أنهم على الأغلب كانوا رؤساء الأجهزة الأمنية والمستشارين القانونيين والسياسيّين المطّلعين على تقارير تلك الأجهزة، ودراساتهم وخلاصاتهم المهنية حيال قضية الردع المتوخى من جهة، وعكسه المحتمل من جهة أخرى، فحسب ما نشر تباعا من مواقف صادرة عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، يستفاد من أن المسؤولين في تلك الأجهزة مقتنعون بأنّ تفعيل عقوبة الإعدام بحق مقاومي الاحتلال الفلسطينيين، لن تردعهم بل ستزيد أولئك المقاومين عندا وقساوة واستعدادا للمقاومة حتى آخر الأنفاس؛ علاوة على تحويلهم إلى قدوات تحتذى من قبل أبناء مجتمعاتهم، وأبطال معلقين كتمائم في صدور الناس، لا مجرد جثث تتهادى على أعواد المشانق، كما يريد مشرّعو القانون المذكور. لقد أصابت المستشارة القانونية كبد الحقيقة؛ فهي، ربما من دون أن تقصد، أشارت إلى ما يعرفه الكثيرون في جميع أرجاء العالم وهو، أن الفلسطينيين صمدوا كل هذه العقود، رغم المؤامرات عليهم، وقبضوا على جمر المقاومة، رغم دموية الاحتلال وقمعه وممارساته التي لم تعرف حدودا، بسبب إدراكهم للسر في بناء معادلات «الردع المتبادل» مع المحتل، التي تولد، بداية، داخل الصدور وتنمو داخلها على شكل إرادات سرمدية، لا يفلّها خوف ولا يثني عزائمها رصاص ولا موت، فتكوّن، حين تكبر، جداول الحياة، وتصبح ما يمكن أن نسميها أنهر الردع الفلسطيني، وتصب في بحور النضال؛ أو بكلمات أخرى مختصرة: إرادة الإنسان الحر صاحب الحق الواقف على ناصية المدى ولا يخشى الردى.
كنت متجها إلى رام الله لحضور اجتماع في نادي الأسير الفلسطيني، ولسماع آخر أخبار الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال. وفي الطريق كان أصحاب قانون الإعدام يتسابقون، عبر موجات الأثير، بالتأكيد على فرحتهم، وعلى قناعتهم بأنهم أحرزوا فوزا ساحقا على الفلسطينيين، وأنّ قانونهم سيمحي أسطورة المناضل الفلسطيني، الذي لا يخشى أعواد المشانق. كنت أسمعهم وأتذكر مئات الأسرى الذين دافعت عنهم في مسيرة بدأت قبل أربعين عاما. كنت أتخيل وجوه أولئك الأسرى الهازئة وهم يستمعون لتلك التصريحات؛ وتذكرت كيف دخل هلال قاعة المحكمة المركزية في الناصرة وجلس على مقعد المتّهمين. وعندما دخل القضاة لم يقف احتراما لهم، كما هو متبع في المحاكم. طلب منه رئيس المحكمة أن يقف، فأجابه بإنه لا يحترمهم ويعتبرهم ممثلين للاحتلال، مجرمين وقتلة. حاول القاضي أن يُسكته كي يقرأ له لائحة الاتهام الخطيرة الموجهة إليه، وفيها أنه قتل جنديين إسرائيليين بالقرب من أحد المفارق القريبة من مدينة جنين. ثم سأله بعد أن انتهى من قراءة اللائحة عن ردّه عليها. قمت كي أقدّم ردّي كمحام للدفاع، فوقف هلال واعتذر مني قائلا: دع عنك أستاذي، فأنا لا أعترف بهذه المحكمة وليحكموا عليّ بما أرادوا. حاول القاضي أن يردعه ويدجّنه فنبّهه إلى أنّ عقوبته قد تصل إلى حكم الإعدام؛ ضحك هلال وردّ على القاضي من دون أن ينتظر رأيا أو نصيحة وقال: ما أغباكم وما أصلفكم! أوتحسبون أنني أخشى حكمكم؟ فنحن في بلادي نموت على طريقتكم كل يوم ألف مرة، واليوم جئتكم كي أموت على طريقتي أنا؛ هي ميتة واحدة، بعدها سأحيا»؛ قال وجلس. عن هلال وصحبه سأحدثكم لاحقا.
لقد دافعت عن آلاف الأسرى الفلسطينيين وكنت شاهدا على مواقف «أهلّة» ملأوا السجون وسماء فلسطين بالعزة وبالكرامة. لا أظن أن أعضاء الكنيست، الذين صوّتوا لصالح قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، قد سمعوا بأسماء قوافل من أقسموا ألا يرضوا بحياة الذل والقهر تحت نير الاحتلال؛ فبعضهم ناضلوا ورحلوا على طريق الملائكة، وآخرون ولدوا وما زالوا يتعاقبون كالصدى وهو ينثال من «لام» الأملللل. أغلب الظن أن من يحلم بالإعدامات كحلّ لمشاكله لم ولا يريد أن يعرف وأن يسمع عن هلال ورفاقه، فلهم مثل ما لجميع الطغاة: شهية النار وذاكرة الرصاص.
وصلت رام الله وكلّي غضب وقلق. انضممت إلى مجموعة من الأسرى المحرّرين كانوا يتحلقون حول طاولة، وأمامهم على الحائط جهاز تلفزيون، راحوا يتنقلون بين فضائياته التي انشغل معظمها بنقل الأخبار حول ما يجري في الكنيست وفي شوارع المدن الإسرائيلية وبمشاهد من غزوة المستوطنين على بلدة «حوّارة». نظرت في وجوههم ولم أجد عليها علامات الدهشة، كانت وجوههم صامتة، مستفَزة وغاضبة، وكانت تعليقاتهم تنطلق من أفواههم مع دفعات دخان السجائر، مقتضبة وساخرة. لقد تباينت آراؤهم حول ما يجري في إسرائيل، فبعضهم أبدى سرورا بأن اليهود يتحاربون مع بعضهم وتمنوا أن يكون فرجنا، بسبب تلك الحرب، قريبا؛ بينما أعادنا صوت إلى ليل «حوارة» وحرائقها وتساءل: من أين تأتي النجاة وما العمل؟ تحدثوا في كل شيء؛ عن غزة الهاربة وعن أحكام الإعدام فيها، وعن سماوات شرقنا حين تفتح فوق عُمان وتغلق فوق رام الله، وعن اجتماع العقبة؛ فعلّق أحدهم قائلا: بعد كل «عقبة» فرج، وما أجملها مفارقة! تحدثوا عن الحواجز وعن القلق، ثم عادوا إلى ما يخصهم كأسرى، فأجمعوا على ما قاله آخر المعقبين، على أن جلاوزة المحتلين: «لا يشبعون وحشية ولا دماء؛ فهذا القانون لن يفيدهم بشيء، بل على العكس تماما. بالموت لن يردعونا. إنهم واهمون، فقد حوّلت وحشيتهم حياتنا إلى جهنم يومي وأباحوا دماءنا بشكل غير مسبوق، فلماذا نهاب مشانقهم وقد ذهبنا نحوها مرارا بصدورنا وبجبهاتنا العالية وعُدنا من دون أن نحظى بفرصة ولادة حقيقية/أبدية». سكت المتحدث ليأخذ نفَسا من سيجارته، فأردف رفيقه بنوع من التهكم الأسود وقال: «وكأنهم بحاجة إلى قانون كي يعدموا أبناء شعبنا.. إن جنودهم وقطعان مستوطنيهم يقتلوننا كل يوم ولا يرحمون أحدا؛ لقد قتلوا الشيخ وأعدموا المرأة ونكّلوا بالشاب وقضوا على الطفل وحرقوا الشجرة.. إنهم بحاجة إلى مثل هذا القانون كي يُشبعوا غرائزهم النهمة، وكي يسكتوا حناجر رعاعهم». لقد كان واضحا لجميع الحاضرين أن سنّ هذا القانون يندرج كخطوة ضمن «مخطط الحسم» الذي تنوي هذه الحكومة تحقيقه، والذي يستهدف تركيع الفلسطينيين وجعلهم يقبلون بالاحتلال كسيادة عليا عليهم. وكان واضحا كذلك أن خطة الحسم لن تتقدم إلى الأمام، إلا إذا هُزمت إرادة المقاومين والأسرى الفلسطينيين؛ فمن لن يرتدع من إمكانية إعدامه، سيعدم أو سيعتقل وسيعيش داخل الأسر الإسرائيلي في ظروف جهنمية مختلفة عمّا هو قائم اليوم. هذا فعليا ما بدأت إدارة «مصلحة السجون الإسرائيلية» بتنفيذه داخل السجون انصياعا لأوامر وزارة الأمن الداخلي وبدعم هذه الحكومة التام. كانت التقارير الواردة من معظم السجون واضحة ومقلقة ومستفزة، فالأزمة مع إدارات السجون تتعقد والمخاطر تزداد. واستشعارا لما هو آت، أعلن قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية عن البدء بتنفيذ خطوات نضالية ستنتهي بإعلان العصيان التام. إنه الدفاع عن كرامة الأسير وعن حقه بالعيش في ظروف إنسانية، وحسب الشروط التي حققتها الحركة في مسيرة نضالية طويلة ومكلفة وقاسية. إنها، مرة اخرى، حرب الإرادات والبقاء وفق شروط معادلة «الردع المتبادل».
كاتب فلسطيني

 

 

خطة الحسم… مفتاح الحرب

بأيادي اليمين الإسرائيلي

جواد بولس

 

 

يبدو أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة عازمة، في أقرب أجل منظور، على إنجاز سن جميع التشريعات التي أعلنت عنها ضمن خطة وزير القضاء يريف ليفين، أو ضمن ما اشتملته الخطوط الأساسية للائتلاف الحكومي. وعلى الأرجح، ألّا تفلح الاحتجاجات الشعبية، رغم زخمها، كما شاهدناها في الأسابيع الأخيرة، في ردع رئيس ووزراء هذه الحكومة، فهم ممعنون بالتقدم نحو «إسقاط القلعة» وإحكام سيطرتهم عليها بالكامل، رغم كل التحذيرات الموجهة لبنيامين نتنياهو من عشرات الجهات السياسية والمؤسسات الأكاديمية والمرافق الاقتصادية والأجهزة الأمنية من داخل إسرائيل ومن عدة دول صديقة لها.
لقد كتبت كثيرا عن الواقع السياسي الجديد الذي سنواجهه، نحن المواطنين الفلسطينيين، وعن الفوارق بين نظام حكم اعتمد قواعد فصل السلطات وسيادة القانون والاعتراف بحريات الفرد الأساسية، وأتاح لنا، رغم سياسات حكوماته المتعاقبة العنصرية والقمعية بحقنا، قلة من هوامش الديمقراطية وممارسة حرياتنا الأساسية، وبين نظام سيهدم جميع تلك القواعد والمسلّمات، وما ترتب عليها من واجبات ومن حقوق، واستبدالها بأنظمة قمع عرقية خالصة.

يعتبر سموتريتش السلام مع الفلسطينيين، مستحيلاً، لأنهم غير مستعدين ولن يكونوا مستعدين لأن يجسّد اليهود حقهم في تقرير مصيرهم على أي قطعة أرض بين النهر والبحر

لن أعدد لوائح الاختلاف بين النظامين السالف والحالي، خاصة في كل ما يتعلق بممارسة حياتنا اليومية كأفراد وكمجتمع؛ ومن المؤسف ألا نستوعب ما ستفضي إليه مجموعة القوانين التي بدأت الكنيست بالتصويت عليها، وكيف ستغيّر تبعاتها مفهوم علاقاتنا مع أجهزة الدولة، كما مارسناها كمواطنين من درجة ثانية، منذ البدايات حتى يومنا هذا، إلى «أغيار» تسري عليهم أحكام التوراة، أو عبيد في دولة هم أسيادها. لا يمكننا أن نقرأ فصول خطة قلب نظام الحكم، التي تسعى الحكومة الجديدة لإنجازها بصورة مجزأة؛ فالسيطرة على منظومة القضاء وفي طليعتها المحكمة العليا، وتحكم الحكومة بتعيين القضاة، مثلا، لا يعني فقط استبدال قضاتها بقضاة موالين للحكومة ووزرائها. ولو وقفت القضية عند هذا الفارق فسيكون الحق ساعتها مع من يدعي أنه لطالما ظُلمنا نحن المواطنين العرب من قرارات قضاة المحكمة العليا خلال العقود الخالية، إذ لطالما وقف هؤلاء، أصحاب النظريات الليبرالية، مع سياسات حكوماتهم العنصرية وبيّضوا صفحاتها وسوّغوا موبقات الاحتلال للأرض الفلسطينية وقمع حقوق الفلسطينيين. علينا أن نقرأ هذه التغييرات معا مع سائر فصول المخطط المرسوم؛ فعلى سبيل المثال إصرارهم على إضافة «فقرة التغلب» من شأنه تزويد الكنيست، التي يتمتعون فيها بأغلبية مطلقة، بقوة فائقة ستمكنهم من تحييد دور المحكمة العليا في مراقبة القوانين وإلغاء إمكانية تدخلها في حالة عدم توافق تلك القوانين مع قيم الحريات الأساسية والمساواة. وكذلك يتوجب علينا أن نفهم لماذا يطالبون بإلغاء «حجة المعقولية» التي تلجأ إليها المحكمة العليا أحيانا خلال تعرضها لقانونية قرارات الحكومة، أو الكنيست، مثلما حصل مؤخرا عندما أبطلت المحكمة العليا قرار تعيين اريه درعي كوزير في حكومة نتنياهو بحجة «عدم معقولية» ذلك التعيين، بعد أن كان قد أدين بتهم فساد، وبكونه تعيينا لا يتماشى مع أحكام العقل السليم. لسنا بحاجة للمرور على جميع فصول خطتهم المعلنة، وما خفي منها وما بان؛ فهدفهم، بالمختصر، هو الاستيلاء على الحكم وهدم جميع أركانه القديمة، وتخويلهم كحكومة «منتخبة من الشعب» أن يحموا الدولة من جميع أعدائها، الخارجيين، ومن في داخلها، وبكل الوسائل التي يرونها كافية وملائمة، وأن ينشروا الأمن في شوارعها، حتى لو اقتضى الأمر بناء وحدات من «الحرس الوطني» الخاص، وإعفاء عناصره من تعقيدات الأنظمة الوضعية ومحاذير القوانين المقيّدة. في سبيل ذلك لن تقف في طريقهم معارضة تتكلم باسم الديمقراطية، ولا ما يسمى «سيادة القانون» أو القيم الإنسانية؛ ولن يعيقهم مستشارون قانونيون حياديون ولا نظام قضائي مهني قوي ومستقل، ولا قضاة يرون، إذا أرادوا أن يعدلوا، ضرورة لتفعيل العقل السليم، أو قضاة قد يعيقون تنفيذ ما يخططون له في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنهم جاؤوا كي يحسموا قضية فلسطين والفلسطينيين، مرة وكما شاء ربهم.
لقد نشر الصحافي المعروف رون بن يشاي يوم الاثنين الفائت مقالا لافتا في موقع «واينت» العبري تحت عنوان «للانقلاب القضائي هدف إضافي: الأبرتهايد». من الجدير قراءة المقال كاملا، لأنه يتحدث عن وثيقة كان قد نشرها الوزير بتسلئيل سموتريتش عام 2017 تحت عنوان «خطة الحسم، مفتاح السلام موجود بأيادي اليمين»، وقصده طبعا حسم الصراع معنا كفلسطينيين، كل الفلسطينيين. واليوم، هكذا يكتب الصحافي بن يشاي: «في هذه الحكومة حاز سموتريتش الوسائل كي يبدأ بتنفيذ خطته، وكي لا تعيقه المحكمة العليا، أراد تحييدها». ثم يضيف: «من الجدير أن يعلم الجمهور أن هدف الانقلاب القضائي، علاوة على ما أعلن، هو وضع الأسس القانونية لخدمة عمليتين سياسيتين من شأنهما تغيير وجه الدولة وتغيير أساليب حياتنا بشكل لا عودة منه. ستضمن العملية الأولى ضمّ كل المناطق الواقعة بين نهر الأردن والبحر، من دون إعطاء حق المواطنة للفلسطينيين؛ والعملية الثانية ستعتمد على سن قانون أساس يتطرق إلى مكانة المواطنين داخل دولة إسرائيل، وتوزيعهم لثلاث فئات حسب معايير تعتمد على المشاركة في المجهود الأمني الاسرائيلي، والمشاركة في سوق الإنتاج والعمل، ودفع الضرائب، حيث سيكون، كما هو متوقع، المواطنون العرب في أسفل السلم. يعتبر سموتريتش أن السلام مع الفلسطينيين، أمر مستحيل، لأن الفلسطينيين غير مستعدين ولن يكونوا مستعدين أن يجسّد اليهود حقهم في تقرير مصيرهم على أي قطعة ارض بين النهر والبحر؛ ولذلك، برأيه، فشلت كل محاولات إحقاق السلام في الماضي. لا يؤمن سموتريتش بحل الدولتين، بل يؤمن بضرورة تغيير الوقائع على الأرض وإتمام ضم المناطق الفلسطينية وتخيير الفلسطينيين بين البقاء في «يهودا والسامرة» ليعيشوا في جيوب سكانية تخضع للسيادة والحكم الإسرائيليين، أو هجرة من لا يرغب منهم بهذا، وعندها ستساعدهم إسرائيل وتسهل عملية هجرتهم؛ أما الخيار الثالث، فسيواجهه من لا يقبل بالخيارين المذكورين، وحينها على الجيش «أن يعرف كيف يهزم الإرهابيين في زمن قصير؛ وقتل من يجب قتله وجمع السلاح حتى الرصاصة الأخيرة وإعادة الأمن لمواطني دولة إسرائيل». فهل لنا بماذا يجري في شوارع جنين ونابلس والقدس حكمة؟
من الضروري أن نتوقف عند هذا الكلام لأهميته ولتأثيره في مستقبلنا وفي مصير الفلسطينيين في الأراضي المحتلة؛ فما نحن بصدده ليس كما يحاول البعض تبسيطه وإفهامنا أن الحرب بين المعسكرين اليهوديين ما هي إلا حرب بين جسمين وفكرين متشابهين حتى التطابق.. فلندعهم ينزفون وننتظر حتى يأتينا «خراجهم».
إشاعة هذه المقولات من قبل شخصيات سياسية قيادية ومؤسسات بحثية عمل بعضهم أو يعمل في كنف الديمقراطية الإسرائيلية العرجاء، وبعضهم كان قد استنجد، من أجل بقائه في الحلبة السياسية، بهوامش هذه الديمقراطية «وبعدل «محكمتها العليا، وتجنّد بعض مراكز الدراسات والأبحاث خدمة لوصايا أو لأجندات سياسية حزبية فئوية، ونشرهم ما يسمى «دراسات تحليلية»، أو «أوراق تقدير موقف» موجهة، وتغييب النقاشات الحرة والمسؤولة بين النخب وشرائح المثقفين والأكاديميين – جميع هذه العوامل أدى إلى انتشار حالة العزوف عن المشاركة في الفعل السياسي الاحتجاجي، لا كمشاركين في مظاهرات اليهود الضخمة التي تشهدها المدن الإسرائيلية وحسب، إنما داخل المدن والقرى العربية نفسها؛ فمن أراد إبعاد العرب عن شوارع تل أبيب، لم يسع لإخراجهم إلى شوارع الطيرة والناصرة ورهط.
نحن، الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، نعاني من أزمة هوياتية حادة، ومن فراغ في أداء دور القيادة المسؤولة؛ بينما يعاني بعض مفكرينا ومثقفينا من كسل فكري شجعته مواطنتهم الإسرائيلية القلقة لكنها المرغوبة، وبعضهم يؤثر الاسترخاء في ظل ترف التهرب من مواجهة معضلاتنا الوجودية. نحن، في الحقيقة، لم نختر بإرادتنا المفاضلة بين نظام حكم يهودي عنصري ونظام حكم يهودي ديني وفاشي عرقي، كما يحاول بعض كتّابنا ومثقفينا التحذير منه، ويطالبوننا بعدم التعاطي مع هذه «العملة» ثنائية الوجهين؛ فنحن لم نختر ذلك. ولكن إذا كان هذا هو واقع الحالة الاسرائيلية اليوم، أيصح أن نقف بلا أي حراك مجدٍ أو فعل سياسي معارض، وأن نكتفي بإعداد التحاليل وإطلاق الأمنيات، كما يفعل كثيرون من أصحاب نظرية الانتظار والتمني أن تطول حرب المعسكرين حتى تنتصر في النهاية قهوتنا وتضحك شرفات منازلنا المحاصرة ؟
كاتب فلسطيني

 

 

غصات: الموت تحت الركام…

والقتل تحت جسر يبرود

جواد بولس

 

ترددت قبل مغادرة بيتي صباحا، لم تسعفني حبة المنوّم التي بدأت ألجأ إليها كلّما شعرت باضطرابات أو بتعب؛ فالليل والقلق كانا صاحبيّ، وصوت المطر يتسلل إلى حجرتي بعناد، كأنفاس غاضبة من السماء، ويجرح السكون. كانت أخبار ومشاهد الزلزال الذي ضرب مناطق مأهولة في سوريا وتركيا تغزو معظم نشرات أخبار الفضائيات في العالم، وشاشة تلفوني تتلقى، كمحطة إنقاذ، أخبارا وأفلاما صوّرها شهود عيان من مواقع الخراب.
لم أستطع مشاهدة بعض تلك المقاطع حتى النهاية، فصور الدمار ومشاهد القتلى، خاصة الأطفال، كانت مخيفة حتى الشلل. أبكاني مشهد لأب كان يقرفص فوق بقايا رصيف شارع وأمامه صف من جثث أطفال صغار، يبدون من بعيد كملائكة صغار نائمين. بينهم كانت طفلته وكان يكلمها، بصوت مخنوق، هوى كنصل على كبدي، ويسألها: لماذا أنتم.. لماذا أنت يا روحي.. كان عجزه يسيح مع دموعه ودهشته والحيرة تفتشان عن الحكمة بين الخرائب والركام، وعن العدل الذبيح على عتبات المعابد والبيوت، وعن المنطق في حصد هذه الأرواح وهي نائمة مطمئنة في بيوتها وبين يديّ الدعاء والصلاة. كان الأب يجهش بحرقة مكتومة حتى نهاه صوت لرجل وقف هناك وطالبه بأن يشكر فطنة وكرم السماء ويحمد حكمتها.
بلع الأب صوته ومدّ من بعيد، ذراعه نحو جسد طفلته وتمتم بضع كلمات سمعت صداها، وكان كله حسرة ووجع.

الانقسام الفلسطيني هو أكبر كوارث الطبيعة المستمرة التي تفتك بمصادر الأمل الفلسطيني.. متى سنعود لنصير شعبا واحدا مستعدا لمواجهة الزلازل والبراكين

لم أعد اتحمل متابعة تلك المشاهد والأخبار، كان ليل القدس ساحرا وفي الفضاء تتطاير «عباءات» من رذاذ رمادي، لم ينضج ثلجه، وتسبح بخفة أطفال يلحقون سرب فراشات تائهة. اتكأت على حافة اليأس وتخيّلت أنني أسمع همس نايات بعيدة تبكي. حاولت، وأنا في طريقي إلى رام الله، إزالة شوائب التشاؤم التي علقت بأهدابي المتعبة؛ وتذكرت ما كان يقوله أبي: «لا تسبوا الطبيعة، ولا تكفروا بها وبجبروتها. إنها أم «بأقنومين»، فهي أم الزلازل والجوائح والبراكين والنهايات، وهي أيضا أم الخير والبركات والبدايات. لا تشتموها»، هكذا كان يقول والدنا، «فلربما تبعث للبشر، عن طريق تلك الكوارث والموت والخرائب تذكارات وإنذارات عساهم يتذكرون أصلهم ويعون جهلهم ويتعظون ويهتدون ولا يتغطرسون ويتعنجهون». كنت وأنا أتذكر أحاديث أبي وأحاول تهدئة غضبي من ليلة كانت كلها عبثا وبؤسا، ابتسم؛ فأبي بعد حصول كل كارثة كان يحاول مداواة خوفنا واستيعاب غضبنا، وكان يربّي في نفوسنا بذور السعادة والفضيلة والأمل. كنا وقتها صغارا فكنا نسمع كلامه ونهدأ ونسكت؛ ولكن عندما كبرنا صرنا نتذكر كلامه فنتبسم ولا نهدأ، ونقرّ بجهلنا الذي كلما عرفنا صار أكبر، وبعجزنا، ونسهر ولا نحلم. كنت قريبا من حاجز «الجيب»، وهي قرية فلسطينية صغيرة كانت القدس تمسك بخاصرتيها، فنصب الاحتلال بينهما سورا عاليا ومدى؛ وكان أمامي طابور من السيارات الداخلة إلى محافظة رام الله. وقف بجانب الحاجز جندي وبيده حاسوب كان يدخل إليه اسماء بعض السائقين عن طريق ما يسمونه بلغة التفتيش والحواجز «الفحص العارض». كنا نتقدم ببطء وعندما صرت قريبا منه أوقف السيارة التي أمامي وتبادل مع سائقها ومن جلس بجانبه، بعض الكلمات. فهمت أنه كان يأمرهما بالعودة والدخول إلى رام الله عن طريق حاجز «قلنديا». حاولا الاستفهام منه عن سبب قراره المفاجئ وإقناعه بتغيير رأيه، لكنه أصر وأمرهما بصرامة حاقدة، وإصبع يده على زناد بندقيته، بالعودة؛ ففعلا. ثم أشار نحوي بيده، بحركة غير المكترث، فتقدمت حتى صرت بمحاذاته. من قريب بدا مثل كل جنود الحواجز، أجسادا كساها الغبار وحشية وشرا، ورؤوسا محشوة كراهية وبنادق. لم يوقفني، كان يضحك، أو هكذا خيّل لي بعد أن مارس سلطانه على فلسطينيين عاديين ومنعهما من عبور حاجزه؛ فأشار لي أن أستمر فقطعت الحاجز ومثلي فعل من كانوا ورائي. وصلت مقرّ نادي الأسير الفلسطيني قبل وصول عائلة الشهيد أحمد الكحلة، التي تسكن قرية «رمون» شرقي مدينة رام الله. قرأت في وسائل الإعلام كيف قتل جندي إسرائيلي أحمد الكحلة وهو في طريقه إلى ورشة عمله في قرية دير سويدان. في صباح الخامس عشر من الشهر الماضي نصبت تحت «جسر قرية يبرود» قوة من جيش الاحتلال حاجزا فجائيا، أو ما يسمّى بلغة الشقاء «حاجزا طيّارا». أمر الجنود جميع سائقي السيارات القادمين من اتجاهيّ الشارع بالتوقف وعدم التحرك. كان معظم السائقين وركاب السيارات في طريقهم إلى أماكن أعمالهم ووظائفهم؛ فانتظروا، مرغمين، طويلا حتى بدأ بعضهم بإطلاق صافرات سياراتهم كخطوة احتجاج ومطالبة بفتح الطريق.
«كنت إلى جانب والدي في السيارة ونحن في طريقنا إلى ورشة عملنا في قرية دير سويدان» هكذا بدأ قصيّ ابن الشهيد يروي لي تفاصيل استشهاد أبيه أمامه. كان يحدثني بصوت خفيت وبهدوء خال من علامات الأسى والألم. كنت أسمع تفاصيل عملية إعدام والده وأمتلئ غضبا. في بدايات عملي في فلسطين المحتلة كان هدوء أهل الشهداء وتقبلهم حقيقة موت أعزائهم بنوع من الرضا والتسليم يغيظني ويدهشني؛ ولكنني بمرور السنين فهمت أن هذه المسألة ليست بتلك البساطة، وهي، في الواقع، حالة أعقد وأعمق مما تظهر عليه، وصرت أستوعب أن أسى وأوجاع هؤلاء الأقرباء على فراق غواليهم تبقى مدفونة عميقا في دمائهم وفي أرواحهم مهما تعمّدوا إخفاءها، إما باسم ما تمليه صفات الرجولة الشرقية، فلا يجوز للرجل عند العرب أن يبكي وأن يحزن بالعلن، وإما بهدي العقيدة الدينية وموروثها في مجتمعاتنا. «علت أصوات صافرات السيارات فبدأ الجنود بالقاء قنابل صوت. واحدة من هذه القنابل وقعت على سقف سيارتنا فاحتج والدي أمام الجندي على إلقاء القنبلة. كنا في السيارة فاقترب منا أحد الجنود وبدأ برش غاز الفلفل علينا، فاصبت بما يشبه العمى. سحبني الجندي بالقوة من داخل السيارة وألقاني إلى جانب الطريق، وقاموا بإخراج أبي وبدأوا بالاعتداء عليه بعنف، بينما كان يدفعهم عن نفسه، إلى أن سمعنا صوت الرصاص. كان هذا الرصاص الذي أعدموا فيه أبي من مسافة الصفر. أوقفني الجندي وأمرني أن أعود إلى بيتي فسألته عن أبي فقال: لقد قتلته». هكذا حكى لي قصي قصة إعدام والده أمامه، وسكت. حاولت إسرائيل أن تتهم الشهيد أحمد بأنه كان يحمل سكينا وقام بالاعتداء على الجنود، لكنها سرعان ما غيّرت روايتها إلى أن أحمد الكحلة حاول أن يخطف سلاح أحد الجنود، الذي «اضطر» إلى إطلاق النار عليه. وبعد أن انفضح كذب الجنود اضطرت إسرائيل إلى أن تعترف بأن احمد الكحلة قتل من دون أن يكون هناك سبب لقتله، وتبين كذلك أن الجنود الذين أقاموا الحاجز يتبعون لكتيبة كان جنود منها قد تورطوا في عمليات اعتداءات دموية وإطلاق النار على الفلسطينيين وممتلكاتهم. حاولت أن استدرج قصيّ إلى خانة أخرى على سلم الصوت، لكنه بقي في سكينته وصلابته مصمما على ضرورة ملاحقة الجنود قانونيا حتى محاكمتهم؛ فوعدته بأنني معه حتى نهاية النفس.
كنا في مقر نادي الأسير الفلسطيني وكانت مشاهد دمار الزلزال في سوريا وتركيا تعرض على شاشة التلفزيون امامنا. كنا ننظر إليها ونتابع حديثنا عن شؤون فلسطين والموت على الحواجز أو داخل السجون وفي الميادين، وماذا يمكن أن نعمل. لم تكن لأحد من الحاضرين أجوبة وحلول؛ فمعظمنا يشعر بسوء الحالة الفلسطينية وبانسداد فرص مواجهة الاحتلال الصحيحة والموجعة. بعضنا تطرق إلى موقف دول العالم وكيف تصرفوا حيال سوريا وعاقبوا شعبها المنكوب، بينما ذهبوا لتقديم المساعدات لتركيا؛ وبعضنا دلف بسرعة نحو الحرب الروسية الأوكرانية وكونها فعليا حربا عالمية ثالثة محدودة الانتشار. ومن روسيا وصلنا السودان عاصمة اللاءات الثلاث الشهيرة التي أطلقها العرب من الخرطوم عام 1967 وأعلنوا: «لا صلح، لا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني قبل أن يعود الحقّ لأصحابه». ضحكنا مثل المجانين، واتفقنا على أن معظم الدول العربية إنما هي مثل الكوارث الطبيعية، يجب ألا نتوقع منها غير الشقاء. هدأنا وعدنا إلى واقعنا الفلسطيني وإلى قضايا الموت والحياة فاتفقنا على أن الانقسام الفلسطيني هو أكبر كوارث الطبيعة المستمرة التي تفتك بمصادر الأمل الفلسطيني. كنا محبطين على حافة الرجاء ونتساءل متى سنعود لنصير شعبا واحدا لا يخشى أفراده الردى، مستعدا لمواجهة «الزلازل والبراكين»، شعبا يقدس الحياة ويعرف أن يذرف الدمع وقت الفرح، وأن يذرفه بلا خجل رجولي، إذا غضبت الطبيعة وخطف «ملائكته» الغضة زلزالٌ لم يمهلها أن تضحك والصبح؛ أو يبكي عندما يسمع قصة كقصة الإعدام على الحاجز. قصة أحمد، رجل فلسطيني عادي كادح صادَق الفجر والازميل والكحلة ومضى وراء لقمة عيش أولاده بعزة وبكرامة؛ أحمد الإنسان البسيط الذي أعدم بوحشية لأنه كان «يموت» على الحياة ويحب تراب بلاده.
كاتب فلسطيني

 

 

 

المظاهرات في تل أبيب حرام…

والمظاهرات عند العرب «يوك» فما العمل؟

جواد بولس

 

كما كان متوقعا، فقد بدأ وزراء الحكومة الإسرائيلية الجديدة بتطبيق تدريجي لمخططاتهم المعلنة؛ ومن المتوقع أن يشعر قريبا الكثيرون من المواطنين، خاصة العرب، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى القطاعات المهنية والشرائح الاجتماعية، بتبعات السياسات الجديدة وبأوزارها.
وعلى الرغم من أن بعض الأفراد بدأوا بدفع ثمن الممارسات الإسرائيلية القمعية الجديدة، سيبقى خطر هذه الحكومة الأكبر كامنا في إصرارها على تقويض المنظومة القضائية، تحت مسمى الإصلاحات الإدارية، وتعزيز قوة وصلاحيات الحكومة وأدوات سيطرتها على نظام الحكم وتزودها بقوانين جديدة سيخضع معظمها لسلطة الشريعة اليهودية، كمصدر أعلى لفصل المقال. هكذا قرأنا وسمعنا في الأيام الأخيرة.

لا شيء يخيف ويقهر أكثر من صمت الضحايا، أو تفاؤلها الموهوم، وهذا حال مجتمعنا العربي، ويبقى غياب دور الهيئات القيادية داخل مجتمعاتنا الأكثر إحباطا

لقد بدأت شرائح واسعة من داخل المجتمع اليهودي بتشخيص رغبات أحزاب الائتلاف الحكومي، وما ستفضي إليه في ما إذا تحققت مخططاتهم، وكيف سيكون وقعها عليهم مباشرة وعلى صورة ومكانة وأمن دولتهم، التي دافعوا عنها وخدموها في العقود الماضية؛ لقد أرادوها دولة «يهودية وديمقراطية»، وآمنوا بضرورة التمسك بصيغة هذا التزاوج، معتقدين أنه قران جائز وصالح ونزيه؛ واليوم نرى أن بعضهم بدأ يعيد النظر بهذه «المسلَّمة» ويقتنع باستحالة تطبيقها، وبأن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتنفس في فضاء تحتله ديانة سُيّست وحُزّبت وجُيّشت وطغت، ولا ديمقراطية تتخثر في خوذات جنود تحتل دولتهم شعبا آخر وأرضه، ويزرعون فيها، جيشا وميليشيات سائبة، القتل والخراب والرعب صباح مساء. لا يستطيع أحد التكهن كيف ستتطور حراكات الاحتجاج الإسرائيلية التي ما زالت تبحث عن طريق سياسي واضح، وقيادات حازمة وقادرة على وضع الحروف الصحيحة واللازمة على يافطات المواجهات المقبلة؛ «فنعم للديمقراطية» هو شعار مهم وضروري، لكنه لا يكفي لترشيد المسار ودفعه نحو الهدف المرتجى، لاسيما إذا استعدنا تاريخ العوامل والظروف التي أدّت إلى تنصيب هذه القوى الخطيرة على سدة الحكم؛ فالانهيار السياسي الذي نشهده داخل المجتمع اليهودي لم يحصل بشكل فجائي؛ وعملية الانزياح تجاه هذا اليمين المتحوّر بنزعتيه الخطيرتين: قوى دينية متزمتة، إلى جانب مجموعات تحمل الفكر الفاشي الواضح، هو نتاج سيرورة طويلة، نامت خلالها هذه الجموع التي نراها اليوم تملأ شوارع تل أبيب وغيرها، أو آمنت بأن إسرائيلهم حصينة من أن تصاب بداء فقدان الإنسانية، وأنه يجوز لجيشها أن يكون «جيش الاحتلال الإسرائيلي» ويدّعي قادته أنهم أبرياء ويخدمون دولتهم الديمقراطية. تدور داخل المجتمعات اليهودية، في إسرائيل وخارجها، نقاشات حادة حول أهمية المشاركة في النشاطات الاحتجاجية ضد الحكومة الجديدة، وحول الشعارات التي يجب أن يتبناها منظمو تلك الاحتجاجات. يتوجب علينا أن نتابع ونصغي لهذه النقاشات، وكيف بدأت تخرج من بينها أصوات عديدة تنبه إلى ضرورة ربط المطالبة بالحفاظ على الديمقراطية، بإنهاء الاحتلال وبتأمين المساواة التامة للمواطنين العرب في إسرائيل؛ فهكذا فقط، راح يفكر البعض، من خلال هذه المعادلة المتكاملة يمكن أن تكون إسرائيل دولة طبيعية وديمقراطية دون زيادات ولا نقصان. ليس كل من يشارك في الاحتجاجات ضد حكومة بنيامين نتنياهو الحالية يعي ضرورة الربط بين تلك المسائل الثلاثة: الديمقراطية، وإنهاء الاحتلال، ومساواة المواطنين العرب؛ بيد أن في مثل هذه التفاعلات الاستثنائية تتحكم قوانين داخلية تبقى احتمالات تحوّلاتها على جميع الاتجاهات واردة، شريطة أن يبقى التمسك بمبدأ الاحتجاج على سياسات الحكومة المعلنة والمضمرة ومعارضتها بحركة شعبية متنامية، هو العنصر الأهم واللاحم في هذا المشهد، حتى لو اختلفت دوافع المشاركين؛ فمنهم من يشارك دفاعا عن دولته كما كان يريدها، ومنهم من لا يريد تشويه صورتها بين الأمم، ومنهم من يخشى على هزيمتها في حرب دينية قريبة، ومنهم من يجزم أن مخططات الحكومة المزمعة، لاسيما حيال مكانة الجهاز القضائي، من شأنها «أن تمس الأمن القومي الإسرائيلي، سواء على المستوى الداخلي، أو على المستوى الخارجي، هذا علاوة على مسها بهوية الدولة الديمقراطية»، كما جاء في مقال مهم بعنوان «استقلال المحاكم والأمن القومي لإسرائيل» نشر مؤخرا في نشرة خاصة تصدر عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب.
لن أعدد قائمة الأشخاص والمعاهد التي كتبت حول ضرورة الربط بين ما يجري، وكون إسرائيل دولة محتلة وعنصرية تجاه مواطنيها العرب؛ لكنني سأشير إلى مقال كتبته قبل أسبوع، في جريدة «هآرتس» العبرية البروفيسورة إيفا ايلوز، وهي اسم لامع في الأكاديمية الإسرائيلية وفي جامعات أخرى، متخصصة في علم الاجتماع. فتحت عنوان «خلاصات من الانتخابات: فقط التسامح غير الصبور ينقذنا»، كتبت عن مفهوم وعلاقة القوة بالممارسة الصهيونية، وعن مكانة الديانة اليهودية في إسرائيل وكيف تعامل معها العلمانيون اليهود، وعن تغييب الاحتلال الإسرائيلي كموضوع مركزي يهدّد صورة إسرائيل كديمقراطية، وعزت ذلك بالأساس لقادة حزب العمل؛ حتى إنها اعتبرت سياستهم سببا في اندثار حزب العمل.
لا شيء يخيف ويقهر في مثل هذه الأوقات مثل صمت الضحايا، أو تفاؤلها الموهوم، وهذا واقع حال مجتمعنا العربي، حيث نجد أن أكثريته تحترف السكوت والكسل، وقلّته تنعم بتفاؤل غيبي أو ساذج. ويبقى غياب دور الهيئات القيادية داخل مجتمعاتنا الأكثر إحباطا واستهجانا. لقد كتب، في هذا الصدد، محمد بركة رئيس «اللجنة العليا لمتابعة قضايا الجماهير العربية» على صفحته مؤخر بأننا «لسنا عبثيين كي لا نرى أهمية هذا الحراك في إسرائيل لضعضعة حكومة الفاشيين بقيادة بنيامين نتنياهو، لكن هذا الحراك ليس كافيا، ويبقى خارج الملعب الأساسي». فهل يفسّر هذا الكلام غياب دعوة الجماهير العربية للمشاركة في احتجاجات تل أبيب؟ ربما جزئيا، ولكن من سيدلّنا إذن، كيف وأين سيكون النضال كافيا؟ كنت أرغب بأن يشارك المواطنون العرب في مظاهرات الاحتجاج إلى جانب عشرات الآلاف من المواطنين اليهود، وأن يؤثّروا في مضامينها وحركتها؛ أو بالتبادل، كنت أرغب بأن نرى مثل هذه المظاهرات في الناصرة وفي سائر مدننا وقرانا وبمشاركة عربية يهودية واسعة ومؤثرة. هذا هو واجب قياداتنا ومؤسساتنا ودورها في مواجهة خطر الحكومة الإسرائيلية، فهل هم قادرون أو راغبون في القيام بمثل هذه المهمة وتحمّل المسؤولية، في حين لم ينجحوا بالتصدي لزحف الفاشية حين كان يجب أن يواجهوها، حتى وصلنا إلى نقطة الحسم التي نقف عندها اليوم. حاول ويحاول الكثيرون بيننا التعاطي مع أسباب هذا القصور والفشل مفترضين أننا كمجتمع نملك مؤسّسات ومفاعيل سياسية واجتماعية ومدنية راغبة وقادرة على أن تقود مجتمعنا، وأن تحافظ على هويته ومناعته وتحميه؛ هكذا كان الافتراض والأمل، لكنّ واقعنا كان أكثر تعقيدا وعجزا عن أداء تلك المهمة؛ فأساس مشكلتنا كان، واليوم صار أوضح، بأننا كمجتمع مارسنا حالة انزلاق خطير ولم نشعر، أو لم نعترف بأننا نفتقد لتلك المؤسسات الواقية الحقيقية، ومضينا نمارس حياتنا بين وهمين: الأول، قبولنا بما هو قائم من أحزاب وحركات سياسية ودينية تقليدية، أدخلتنا إلى دوائر مفرغة، هي بذاتها كانت تولد أسباب فقداننا لمناعاتنا الاجتماعية والسياسية وقدراتنا على التصدي لجميع التحديات الناشئة في علاقاتنا الداخلية، وفي الوقت نفسه، التحديات في علاقاتنا مع المجتمع اليهودي المتغيّر ومؤسسات وقوانين الدولة التي يفرزها ذلك المجتمع. والثاني ما نتج عن تفاقم الحالة الأولى، وهو اقتناع قطاعات واسعة من المواطنين العرب، لأسباب مختلفة، بأن أحضان الدولة أضمن وأربح لهم، فابتعدوا عن مواجع مجتمعاتهم ودخلوا «فقاعة» سرعان ما وجدوها هشة زائلة.
لقد راهن البعض على أن الفرصة أمام هيئاتنا القيادية: «اللجنة العليا» والأحزاب السياسية والحركات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني ومجالسنا المحلية، ما زالت متاحة، وكل ما ينقصها هو بعض الإجراءات التصحيحية داخل هياكلها التنظيمية، إضافة إلى إعادة نظر بعضهم في برامجهم السياسية ومعتقداتهم الناظمة لعلاقاتهم مع الدولة اليهودية. أما أنا فكنت قد وصلت إلى قناعة مفادها بأننا أمام حالة مستعصية تستوجب منا وقفة جديدة لنقرر كيف يمكننا مواجهة خطر الفاشية، واقترحت في حينه التفكير في صياغة عدة بدائل كان من أهمها، العمل الفوري على بناء الجبهة العريضة ضد الفاشية لتضمّ كل القوى العربية واليهودية المستعدة لخوض هذا النضال، حتى لو كان بعضهم يعرّفون أنفسهم كصهيونيين. لم أكن واهما عندما أطلقت ندائي بضرورة الشروع لبناء «الجبهة ضد الفاشية» بأن جميع الأطر السياسية والاجتماعية المهيمنة داخل مجتمعاتنا – رغم شعور الجميع بأننا سنكون أول ضحايا النظام السياسي المتشكل داخل إسرائيل – ستسارع للانضمام إليها، وذلك لمعرفتي أن مجتمعنا العربي يفتقد عمليا إلى مثل تلك الأطر المؤمنة بضرورة ممارسة الديمقراطية كأساس لنظام سياسي يريدون تطبيقه، لو هم حكموا في دولتهم، ولأن بعضهم لا يرون ولا يشعرون بالفاشية خطرا مطلقا تتوجب مواجهته دون قيد أو شرط، لأن بعضهم ببساطة يحمل أفكارا وعقائد لو أطلقت لها الأعنّة، في دولة يحكمونها هم، كانت ستتطابق والفكر الفاشي بتعريفاته العلمية. وبلغة أخرى أقول، وأعرف أنني سأستفز الكثيرين، نحن مجتمع لا نمارس الديمقراطية، مهما تحاورنا على صورها وأشكالها، فهي هجينة على ثقافتنا وموروثنا؛ وبعض تياراتنا المؤثرة يتبنى قيما فاشية، حتى لو لا يسمونها كذلك. إذن ما العمل؟ فإذا كانت المشاركة في حراك تل أبيب غير مرغوبة أو محظورة، أو غير كافية، وإذا استمرت حالة السكون والسكوت على حالتها في مواقعنا، فمن سيحمي معلّمة عربية طردوها بسبب «بوست» كتبته كي تمجد فيه حلمها بالوطن؟ أو من سيحمي طبيبا ابتسم وحيا مريضه الفلسطيني؟ وكيف سيحمي نفسه سائق سيارة من الرصاص إذا لم يقف عند خط من غبار رسمته ثلة قناصة عند مفرق تائه في الرملة أو في ام الحيران؟ وماذا وكيف ومن؟
كاتب فلسطيني

 

 

(صفقة رحافيا) نبكي خاسرين

أملاكا لم نصنها مؤمنين

جواد بولس

 

كشف الإعلام العبري في الأيام الماضية تفاصيل مستفيضة حول صفقتين عقاريتين لافتتين، تشملان مساحات شاسعة من أراضي مدينة القدس ومحيطها، كانت تملكها البطريركية الأرثوذكسية المقدسية. الصفقة الأولى تعرف باسم «صفقة رحافيا» والثانية يسمونها صفقة «تلبيوت هحدشاه» ونحن نسميها أراضي «مار الياس»، وعن هذه الاخيرة سأكتب لاحقا في فرصة أخرى.
من المؤسف حقا أن نضطر للكتابة مجددا حول ممارسات المسؤولين عن هذه الصفقات، من أكليروس يوناني متنفذ قابض على رقبة هذه الكنيسة المشرقية العريقة، ومستشاريهم ومساعديهم من عرب متعاونين ومستفيدين ومتواطئين. ومن الموجع فعلا أن نذكّر بأننا كنا قد حذرنا خلال السنوات الماضية من مغبة السكوت عمّا يجري في أروقة هذه البطريركية، وعن إمعان رؤسائها، البطريرك ورجالاته وأعوانهم، في نهج التفريط و»التخلص» من أملاكها الشاسعة بأساليب مفجعة، وبذرائع واهية لا يمكن قبولها.
لن تكفي هذه المقالة لسرد قائمة الصفقات التي نفّذها، خلال السنين الأخيرة، المسؤولون في البطريركية، وشملت عقارات في مواقع مهمة في مدن طبريا ويافا وقيساريا والقدس، وفي مناطق التماس مع «الخط الأخضر» وغيرها من المواقع، علما بأن معظم تفاصيل صفقات البيع أو الإحكار، التأجير طويل الأمد، التي نفّذت، نشرت بعد إتمام عمليات تسجيلها في الدوائر الإسرائيلية المختصة. تعرف الصفقة التي تصدرت عناوين الأخبار العقارية في الصحافة الإسرائيلية باسم «صفقة رحافيا» وهو اسم منطقة تعدّ من أرقى المناطق السكنية في القدس الغربية، وتقدر مساحتها بحوالي (530) دونما، أقيم عليها ما يقارب الألف مبنى سكني وفنادق ومرافق عامة كثيرة أخرى. قامت البطريركية الأرثوذكسية في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بتأجير هذه الأراضي لصندوق أراضي إسرائيل «الكيرن كييمت» لمدة تسعة وتسعين عاما. من المفترض أن تنتهي مدة هذا الإحكار/التأجير عام 2050، وعلى الرغم من ذلك قام البطريرك ثيوفيلوس وأعوانه في عام 2011 بنقل حقوق الكنيسة بتأجير الأراضي مستقبلا لشركة إسرائيلية اسمها «نيوت كومميوت»، ثم قام بعد خمسة أعوام، ببيع جميع تلك الأراضي لشركة «نايوت كومميوت» مقابل مبلغ إجمالي ذكرت الصحف أنه ناهز المئة وخمسين مليون شاقل فقط لا غير، لا نعرف كيف صرف وعلى ماذا؟ قام العديد من الغيورين على مصير عقارات البطريركية وأوقافها المتوزعة على مساحات شاسعة في البلاد، وفي مواقع استراتيجية مهمة وثمينة في القدس، بالكشف عن نوايا البطريركية بإنجاز عدة صفقات بيع جديدة، وأشاروا من خلال كتابة المقالات أو التواصل مع ذوي الشأن والمصلحة، إلى خطورة تنفيذ هذه الصفقات، كونها حلقة في مسلسل التفريط المستمر، ورغم ذلك تم للبطريركية ما أرادت! لقد كان واضحا لنا ولجميع الجهات أن ثمن أراضي رحافيا أعلى أضعافا مضاعفة مما قبل به مفوضو البطريركية، (تحدثت بعض التخمينات أن قيمة الأراضي وما بني عليها خلال السنوات الماضية قد تقترب من الملياري شاقل)، وأشرنا إلى أنه لا يوجد أي مبرر مقنع وسليم لإتمام الصفقة بهذه الطريقة المستفزة ومن دون حد أدنى من الشفافية، أو لإنجازها ليس وفق شروط السوق والمنطق ومصلحة الكنيسة ورعاياها العرب؛ هذا طبعا مع التأكيد على ضرورة المحافظة على العقارات كجزء من سياسة عدم التفريط بها وبأوقافنا، خاصة في مدينة القدس. مضت ستة أعوام فقط حتى قامت شركة «نيوت كومميوت» بعقد صفقة بيع «أراضي رحافيا» لرجل أعمال يهودي أمريكي يدعى جاري برانط مقابل مبلغ 750 مليون شاقل؛ إضافة لأجزاء من الأرض كانت الشركة قد باعتها بشكل منفرد مقابل مبلغ 95 مليون شاقل، ليصبح مجموع ما قبضته «شركة نايوت» أكبر بخمسة أضعاف على الأقل مما دفعته هي، مقابل صفقة البيع للبطريركية. ويبقى السؤال لماذا باعت البطريركية أصلا؟ وما هي الدوافع لإتمام الصفقة كما تمت ومن هو المستفيد؟

ممارسة المسؤولين في البطريركية وأعوانهم مكشوفة للكثيرين الذين يعرفون الحقائق، لكنهم يؤثرون إغفال نتائجها الكارثية

لم نكن بحاجة إلى قراءة هذه الأرقام كي نتأكد من صحة ما قلناه قبل أكثر من عشرة أعوام، فممارسة المسؤولين في البطريركية وأعوانهم مكشوفة للكثيرين الذين يعرفون الحقائق، لكنهم يؤثرون إغفال نتائجها الكارثية، بينما لا يريد البعض أن يروا الحقائق، إما عن جهل راسخ، أو عن يأس مبرر أو من مصلحة شخصية معروفة للناس؛ وهناك، للأسف، بيننا عرب مسيحيون وغيرهم، معنيون بطمس الحقائق وتشويهها، وبعضهم يفعل ذلك مقابل خمسة من فضة! في البداية عندما نشرت الصحف عن الصفقة بين البطريركية وشركة «نايوت كومميوت»، لم يصدّق البعض أن البطريركية شرعت بعقد صفقات بيع، ولم تعد تكتفي بتوقيع عقود إحكار وإيجارات، فنصحنا هؤلاء أن يتوجهوا إلى دوائر الطابو الإسرائيلية ويستخرجوا مثلنا قيود التسجيل فعساهم عندها يضعون أياديهم داخل الجرح ويؤمنوا كما «آمن توما». يحزنني أن استعيد بعض ما كتبت لهؤلاء حينها وقلت: «من سينقذ القدس وأملاك الكنيسة؟ كل من يرغب في استجماع المعلومات الدقيقة عن هذه الصفقات وعمّا سبقها من صفقات أبرمها هؤلاء في السنوات الأخيرة، لن يجد صعوبة في الحصول عليها، وعلى براهين دامغة بشأنها، فكثير منها كشفته الصحف الإسرائيلية بالمعطيات الوافية، ومعظمه نقل إلى عناية من يجب أن يعرفوا عنه، أمّا نصيحتنا لأحفاد «توما» أولئك الذين يرفضون تصديق أخبار الصفقات، رغم ما يقرأونه ويسمعونه، فسنوجزها بأن يحكّموا عقولهم والمنطق، فليس صعبا التحقق من فداحة الخسائر ورائحة الهزيمة تنبعث من تراب القدس المغتصب، أو من بين المستندات والوثائق الموجودة عند أقلام المحاكم الإسرائيلية، أو في مكاتب تسجيل الأراضي، لأن معظم ملفات تلك الصفقات أودعها المستفيدون هناك لضمان حقوقهم، حسب الأصول والقانون. فكيف نجح وينجح المتورطون بإبرام مزيد من الصفقات ويراكمون الأطيان من جرائها في خزائنهم؟ ستبقى الإجابات حبيسة الحسرة والوجع وآتية من بطن التاريخ أصداء تردد تساؤلها باستهجان: «من فرعنك يا فرعون». سوف ينتظر البعض «توضيحات» رجالات البطريركية بخصوص ما نشر وقرأناه، وسوف يسهب رجالات بلاط البطريركية في شرح ادعاءات أسيادهم وسيلجأون إلى سحر البيان و»المحاسن والاضداد»، أما نحن فسنبقى نهذي ونقول: ما ضر لو أمّنوا الصالحين العرب من رعايا هذه الكنيسة على هذه الأمانات، أكان ساعتها كهاننا العرب بحاجة لفتات موائدهم الشحيحة، أو مدارسنا الأهلية «لبركاتهم»؟ تصوروا لو نجحنا ككمشة عرب مسيحيين بالتحكم أو بالمشاركة بما ملكته هذه الكنيسة من مقدرات.. تصوروا أكان أحدكم يشعر بالاغتراب كما هو الحال اليوم، أو أكان البعض يهاجر أو يفكر بالهجرة من الوطن؟
لا تصدقوهم مهما برروا ولا تصغوا لأبواقهم «ولا تقعوا في الفخ مرة اخرى. «توماكم» آمن بعد أن وضع يده في الخاصرة، فضعوها أنتم أيضا؛ ومسيحكم المطعون في خاصرته وصاكم وهو على الصليب: «طوبى لمن آمنوا ولم يروا»، فكيف لا تؤمنوا وأنتم ترون بأعينكم، يوما بعد يوم، ضياع كنائسكم ونفاد أوقافكم وتيه سفنكم! نبكي على «أم الكنائس» ونسأل من ينقذها من هذه العتمة؟ ومن يحاسب الجناة على أفعالهم؟ وننسى كيف كانت النسوة يلطمن وينُحن على يسوع الحامل صليبه في شوارع القدس، فالتفت إليهن وقال: «لا تبكين عليّ يا بنات أورشليم، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن». فمتى يا «أهل أورشليم» ويا عرب ستصحون ومتى ستكونون شركاء في مسيرة درب الآلام؟ تأكدوا أن العرب المسيحيين الأرثوذوكس لن ينجحوا وحدهم في مواجهة «روما» فهل نحمي معا ما تبقى من حلم شرقي؟
كاتب فلسطيني

 

 

همسات في ليل رام الله

جواد بولس

 

فرحاً كطفل قطعت الطريق من بيتي في القدس إلى مدينة رام الله. هناك في أحد مطاعمها تواعدنا، أنا وثلاثة أصدقاء قدامى، أن نلتقي بعد فراق دام طويلا. أصدقائي محامون فلسطينيون عمل اثنان منهم، عدنان الشعيبي وشاهر العاروري، في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين أمام محاكم الاحتلال الإسرائيلي العسكرية لعدة سنوات، حتى سنة التوقيع على «اتفاقية أوسلو». رافقت عملية توقيع الاتفاقية تساؤلات فلسطينية عديدة؛ كما حملت المبادرة بذور تحقيق الحلم الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وبإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد توقيع الاتفاقية كثيرا من التغييرات كان من بينها هجرة العديد من المحامين العاملين في ميدان القضاء العسكري، وعودتهم إلى مزاولة مهنتهم كمحامين داخل المناطق الفلسطينية المحررة/ المحتلة؛ وكان صديقاي، عدنان وشاهر، من بين هؤلاء المحامين، بينما بقيت أنا في موقعي برفقة زملاء جدد آخرين. أما صديقنا الرابع، المحامي شكري النشاشيبي، فلم يستهوه، منذ البداية، النضال تحت «بنديرة» القضاء العسكري الإسرائيلي، ولم يؤمن بجدواه أصلا، فقرر الابتعاد عن مباذل هذه المحاكم والاكتفاء بالعمل، رجل قانون، في ساحة العدل الفلسطيني ومنظوماته القضائية.
لم نعرف، عندما التقينا، متى ولماذا كانت «القطيعة» بيننا، خاصة منذ لحظة لقائنا الأول وقعنا على أعناق بعضنا بعضا بدفء حميمي مألوف وكأننا لم نفترق طيلة تلك السنين. لقد أجمعنا على أن الظروف التي مرّت على فلسطين كانت هي السبب الذي أبعدنا عن بعضنا؛ هكذا قبلنا الحجة بتعميم مقصود مكّننا، عمليا، ألا نتعاطى بصراحة وبدقة متناهيتين، مع تشخيص الانهيارات التي أصابت فلسطين وأعطبت منظومات قيمها، الوطنية والاجتماعية، كما سادت فيها عندما كنا نركض شبابا على أدراجها بلهفة الصبح وهو يطرد، بعناد الماس، العتمة نحو العدم. تدافعت حكاياتنا كسيل كان حبيسا في صدور الزمن: فضحكنا تارة حتى الدمع، وغصصنا تارات بالدموع. تذكرنا كيف كنا محامين شبابا ندقّ أبواب المحاكم العسكرية بقبضاتنا وبإيماننا بقدسية ما نقوم به، وكيف كنا نزور أسرى الحرية في سجون الاحتلال، كي نقف معهم في وجه الطغيان، ونستمد منهم معنوياتنا ونعود إلى بيوتنا ومكاتبنا طائرين بجناحين من أحلام، حسبنا أنها لن تشيخ، ومن أمل سرمدي حسبنا أنه لن يزول. لم يشغلنا، خلال الجلسة، وجع الفراق إلا من باب الحنين والعودة إلى الفرح الذي سبقه؛ أو للدقة حين استحضرنا فلسطين التي كانت تسكننا وتسكن قلوب أبنائها. فلسطين التي إن كنا ننطق باسمها، كنا ننطق بكل معاني الحرية والنضال والعدالة والأمل والتضحية. فلسطين التي على أرضها خلق «قوس قزح» وزرع، قبل أن تتبدد ألوانه وفصائلها هباء، في حضنها وعاش وادعا آمنا. فلسطين التي وحّدت الفكرة والهمّ والنشيد والعلم. هي تلك الأم التي لم يختلف عليها ومعها أولادها، فكانت بالنسبة لجميعهم، خاصة عند ساعات الحسم والخطر، الصلاة والحلم والمهد واللحد والفردوس والوطن. ليل رام الله يضج بالأضواء وبالسمّار وبالأساطير، وسماؤها ناعسة تغض طرفها عمّن يمارسون أكل «خبزهم الحافي» في الأزقة والمقاهي والميادين؛ فهي، مذ حاصر الاحتلال الإسرائيلي القدس وخنقها كليا، ووهب سائر المدن الفلسطينية الكبيرة «استقلالها الكانتوني»، صارت مدينة الأصداف الهامسة والنبيذ، ومتنفسا لرئات شبابها وللحالمين. لقد انتقلنا فيها، مثل قطيع غزلان جائعة، من حاكورة منسية إلى بستان أخضر يانع، ولم نشعر بأن الوقت يمضي. كان ضروريا أن «أطمئنهم» إنهم لم يخسروا شيئا بابتعادهم عن العمل في المحاكم العسكرية، فهذه المحاكم وصلت في السنوات الأخيرة إلى حضيض لا قاع له ولا مثيل؛ وهي أسوأ بأضعاف المرات عما كانوا يعرفون من قبل. كذلك أوجزت لهم تفاصيل حال الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية، وكيف تحوّلت عمليا هذه القلعة الرمز، منذ تجذر الانقسام بين غزة والضفة الغربية، إلى كائن غير الذي كانوا يعرفونه ويتعاملون معه ويضحّون من أجله. لقد أفهمتهم أن ما كان يوما ناقوس فجر الأحرار، وضابط إيقاع النبض الوطني في شوارع فلسطين ومواقع كثيرة في العالم، صار مرآة محطمة، تعكس وجه الحالة الفلسطينية المتشظية في الخارج وتحمل كل أمراضها وأنّاتها. توقفت عند حافة الليل، وعدت معهم إلى «شراع يرعى ظلنا وحلمنا»، فلملمنا كثيرا من نتف قصصنا التي عشناها في قاعات المحاكم، أو خلال سفرنا لزيارات السجون، مثل رحلاتنا لزيارة خيام سجن «كتسيعوت» (أنصار) المقام على رمال صحراء النقب، أو زياراتنا لسجني «الفارعة» «والظاهرية» سيئي الصيت. كنا كأربعة جنود يلتقون بعد سنوات ويستذكرون أيام كتيبتهم وتفاصيل معاركهم وملذاتهم. كانت قصصنا مليئة بالحسرات وبالألم، لكنها كانت تفيض أيضا بمشاعر الغبطة والفخر. لقد كنا حينها نعي أننا نناضل بحزم ضد احتلال غاشم وواضح، ونقف في وجه ممارساته حتى آخر الأنفاس؛ لكننا كنا نعي كذلك، أن الذي كنا نقوم به بقناعة كاملة ورضا قدسي وبسعادة، هو واجبنا تجاه من يناضلون من أجل حرية شعبهم/نا. هكذا كان يوم كانت فلسطين «قبلة المشرقين» وحين كانت «الأمة ترد الضلال وتحيي الهدى»؛ فأين اليوم منا كل هذا وتلك؟ وعندما جاء دورهم ليطلعوني على ما غاب عني من حياة فلسطين المحررة في عرف «اتفاقية أوسلو»، لم يجدوا إلا الحقيقة يطرحونها أمامي؛ وكانت مرّة. كنت أعرف كثيرا مما وصفوه، فحاولنا، معا، أن نجد بين الضلوع ملاذات آمنة لمستقبل أولادنا، فأخفقنا. لقد نجح الاحتلال باغتصاب اتفاقية أوسلو وطوّعها لمآربه، بعد أن دق خناجره في خواصر منظمة التحرير، من كانت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ويريدونها جسدا ممزقا لا سيقان له ولا سواعد. لقد نجحت إسرائيل بتواطؤ شركائها، ومن بينهم «أشقاؤنا» وأعداؤنا، من الداخل ومن الخارج، بتثبيت الانقسام الفلسطيني الذي بدأ عام 2006 حتى اختلف أبناء فلسطين على مفهوم الفكرة، وعلى معنى الدولة، وأين سيكون الوطن، واختلفوا كذلك على كلمات الدعاء وعلى نبض النشيد وعلى لون العلم. كنا واقعيين مثل «بنات العنب»، فكانت النتيجة التي خلصنا إليها صعبة علينا حتى حدود المتاهة؛ حاولنا أن نجد فلسطيننا الفتية والأبية، التي كنا نمد لمناضليها وأحرارها ، كمحامين وأكثر، أضلعنا كي يعبروا «الجسر في الصبح خفافا» ويحيون؛ فلم نجد منها، في تلك الليلة، إلا بعض أصداء لتناهيد بعيدة ونثار آمال منهكة. فلسطيننا اليوم عابسة كعاصفة، وتائهة كزغاريد أمهات الشهداء، «وتحترف الحزن» كقبر. فمن أبله يراهن على صمت صارخ!
لقد كان الانتقال إلى وصف حالتنا، نحن الفلسطينيين المواطنين داخل اسرائيل، تلقائيا وسهلا؛ فسياسة الاضطهاد والقمع الحكومية في حقنا تتفاقم من يوم إلى يوم، وما يخطط ضدنا، في ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، ينذر بخواتيم كارثية، قد تكون متشابهة من حيث النتائج المحتملة مع ما يخطط لمستقبل الأراضي والمواطنين في المناطق الفلسطينية المحتلة. وعندنا، كما في المناطق المحتلة، نعاني من أزمة على مستوى القيادات بشكل عام وتشتت في وحدة الموقف السياسي، ونعاني كذلك من خلخلة في دور الهيئات التمثيلية، السياسية والمدنية، خاصة داخل الأحزاب والحركات السياسية والدينية التقليدية، وداخل «لجنة المتابعة العليا» المتعبة والضعيفة والمفككة، علما بأنها من المفترض أن تكون عنوان الجماهير العربية السياسي في إسرائيل.ل قد أخافنا هذا التشابه بالبؤس واليأس وبفكرة عدم وجود، في المستقبل المنظور، مخارج وحلول لأزماتنا الوجودية الخطيرة التي وصلنا إليها، سواء داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو داخل إسرائيل. ولكن.. لم يكن كلامنا كله يأسا. كنا نُسمع ليل رام الله همساتنا/أناتنا، ونتذكر كيف كنا أربعة أصدقاء جمعهم حلم وأرض وعاصفة ونبيذ، فافترقوا على محطة قطار، لكنهم بقوا على رصيف الوعد وفي عهدة الصداقة النقية، وبقي محفورا في قلوبهم وشم الوفاء لفلسطين، الذي لا يقدر عليه لا احتلال ولا برق ولا رعد. أربعة عادوا إلى «وطنهم» الذي من حب ومن ذكريات ومن حنين، فالتقوا وكأنهم على وجع الذي هو من «نوع صحي»، كما قال درويشنا «لأنه يذكرنا بأننا مرضى بالأمل».. وعاطفيون».
كاتب فلسطيني

 

 

 

من يتابع قضايا المواطنين

العرب في إسرائيل؟

جواد بولس

 

لقد مرت ثلاثة أسابيع على مصادقة الكنيست الإسرائيلية على حكومة بنيامين نتنياهو، وعلى شروع وزرائها الثلاثين بالعمل، كل وفق حجم حقيبته الوزارية، التي خاطها «الزعيم» بحرفية بهلوانية، محاولا إرضاء أكبر عدد من أتباعه وحلفائه الطامعين في المناصب، وفي مشاركته في صنع التاريخ.
لم تدعنا الحكومة الجديدة ننتظر طويلا، ولا أن نشقى في تكهناتنا حيال وجهتها السياسية العامة، وأهداف برامج عمل وزاراتها الفورية والمستقبلية؛ فمنذ لحظة استلام الوزراء لمناصبهم، شرعوا، كل من موقع سلطته، باستعراض وفائهم لناخبيهم ولكونهم، كما صرحّوا قبيل الانتخابات، حكومة يمينية خالصة، ستسعى إلى تغيير جذري في وضع مؤسسات الدولة، خاصة ما يتعلق بمبنى وصلاحيات المنظومة القضائية على تفرعاتها، وفي مكانة المواطنين العرب، «الذين يجب أن يفهموا من هم أصحاب البيت هنا»، وإن لم يفهموا طوعا فسوف تكون كل الوسائل متاحة في سبيل إقناعهم بهذه الخلاصة. أما على صعيد المناطق المحتلة فجميع الوزراء ملتزمون، كما جاء في الخطوط الأساسية للحكومة، بأن «للشعب اليهودي الحق الحصري، غير القابل للطعن، على جميع أنحاء فلسطين.. وأنه سيتم فرض السيادة على «يهودا والسامرة « مع اختيار الوقت المناسب، ووفقا للحسابات القومية والدبلوماسية المتعلقة بدولة إسرائيل». هكذا سيبقى، كما يبدو، ليل فلسطين طويلا.
ليس من الضروري تحليل ما جاء في وثيقة «الخطوط الاساسية» كي نستشرف مآرب الحكومة الاسرائيلية ومهامها وما تخططه لنا تحديدا؛ إذ يكفي للتيقن من خطورتها أن نتابع قرارات الوزراء المعلنة في الأسابيع الثلاثة الأولى من جهة، ورزمة مشاريع القوانين التي باشرت الكنيست فورا في سنها، من جهة ثانية؛ فجميعها يؤكد أننا نقف على عتبات نظام حكم سياسي جديد لا نعرف كيف وإلى أين ستأخذنا عواصفه، تماما كما أشرنا إليه في الماضي.

نقف! أو ربما معظمنا نائمون

من اللافت أنه على الرغم من مرور هذه الأسابيع، لم نلحظ أي نشاط احتجاجي يذكر داخل مجتمعنا العربي، سواء على المستوى الحزبي، أو الجماهيري، أو من قبل منظمات المجتمع المدني، وهي كثيرة بيننا. والأكثر غرابة هو عجز القيادات السياسية والدينية والاجتماعية البادي للملأ، وصمت التجمعات النخبوية؛ فسوى انتشار بيانات الوعيد وتحذير الحكومة من مغبة سياساتها المتوقعة في حقنا، لم تشهد مياديننا أية مبادرة شعبية جدية، ولا منصاتنا محاولة حقيقية لتناول تداعيات هذه المرحلة السياسية علينا، أو تقييم مخاطرها الوشيكة، وطرح سبل ملموسة لمواجهتها؛ ما عدا قيام البعض بتشخيصها أكاديميا، أو تقريريا على الطريقة النخبوية الحذقة.

لم نلحظ أي نشاط احتجاجي يذكر داخل مجتمعنا العربي، ضد حكومة نتنياهو اليمينية، سواء على المستوى الحزبي، أو الجماهيري، أو منظمات المجتمع المدني

قد يكون هذا الغياب المقلق عارضا لما تعاني منه معظم تلك العناوين، على اختلاف أهداف أنشطتها ومسؤولياتها تجاه مجتمعها وبشكل عام. فمنظمات المجتمع المدني مثلا، تعرف أنها أهداف مباشرة لسياسة الحكومة المقبلة، ويخشى بعضها، بسبب ذلك، القيام بأي «تحرش متسرع» فيها، ويلجأون، بدافع غريزة البقاء، إلى اعتماد سياسة التباطؤ والتحفظ «والتعقل». أما المسؤولية الكبرى عن حالة النكوص والعجز المستحكمين في مجتمعاتنا، فتبقى ملقاة على كاهل المؤسسات القيادية السياسية التمثيلية الأساسية، التي بناها القادة المؤسسون في سبيل أن تقود الجماهير العربية في إسرائيل عند ساعات الحسم لمواجهة سياسات القمع والاضطهاد الفاشيين، التي نتوقع أن تمارسها الحكومة المقبلة. وقفت على رأس هذا الهرم المؤسساتي تاريخيا كل من: «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل» و»اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل»، ومن خلالهما وإلى جانبهما نشطت الأحزاب والحركات السياسية والدينية العربية الفاعلة في مواقعنا، حيث كان لبعضها دور ريادي مميز حفظته دفاتر الأيام وذاكراتنا التي لا تنسى. سوف أعود لاحقا إلى قدرة الأحزاب الأساسية في مواجهة هذه المرحلة، ما لديها وما ليس لديها؛ فضعفها الواضح لا ينعكس في عدم نجاحها بتحريك «الشارع» العربي، كما كان متوقعا في ظل المستجدات السياسية الحالية، وكما كان يحصل في الماضي، وحسب، بل سنجده في ضعف أداء المؤسستين القياديتين الأخريين: «لجنة المتابعة، واللجنة القطرية للرؤساء». فضعف الأحزاب الكبيرة الأساسية أدى، بشكل طبيعي، إلى ضعف باقي المؤسسات، وحتى إلى شلل بعضها شبه التام، كما حصل مع «لجنة المتابعة العليا» التي نلمس اليوم أكثر من أي وقت مضى، غيابها الكامل عن الفعل السياسي المؤثر لصالح المواطنين العرب، وعدم متابعتها وتأثيرها الإيجابي، المتوقع والمنشود، على الرأي العام المحلي والإسرائيلي. أقول هذا مشيرا إلى كونها «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل»، كما يؤكد اسمها الظاهر في رأس الصفحة الأولى من دستورها. من الضروري أن يكتب بموضوعية عن «لجنة المتابعة» أكثر وأكثر؛ فبقاء أدائها على الشكل الحالي ليس من مصلحة المجتمع، وضرورة التفكير في إعادة هيكلتها، وليس عن طريق إجراء انتخابات عامة بين المواطنين العرب، كما يطالب البعض، وإعادة تأهيلها يقع في باب المصلحة المجتمعية العليا.
لست بصدد تعداد الأسباب التي أدخلت هذه المؤسسة القيادية المهمة إلى أزمتها الحرجة؛ فبعض تلك الأسباب يتعلق بتمسك القيّمين على اللجنة وقبولهم تمثيل بعض الأجسام والأحزاب والحركات السياسية المندثرة أو الوهمية غير الموجودة فعليا في الواقع، حيث لا يزيد عدد أعضائها الفعليين عن عدد ممثليها في هيئات اللجنة. وبعض الأسباب الأخرى تستوردها اللجنة من الصراعات بين كوادر الأحزاب مع بعضها، أو الصراعات داخل هيئات الحزب ذاته؛ فجميع تلك الصراعات تتفاعل في أروقة اللجنة وتصيبها بالوهن وتتسبب بإبعاد الناس عنها وبالتوقف عن إيمانهم بدورها وبمصداقيتها. لقد غابت أخبار عمل معظم اللجان المدنية المهنية الاختصاصية المنبثقة عن لجنة المتابعة، وبقيت أخبار «لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة» الناشطة في متابعة «قضايا الحركة الأسيرة في الداخل» هي أبرز الأخبار التي تكاد تذكر بوجود «لجنة المتابعة العليا»؛ وهذه اللجنة، على الرغم من أهمية نشاطها بالنسبة لشرائح معينة في المجتمع، ليست من أهم أولويات شرائح أخرى واسعة من المواطنين.
أعتقد أن قادة المؤسسة السياسية الأهم بين المواطنين العرب في إسرائيل يشعرون بالتآكل الحاصل في مكانتها وبفقدان كثير من مصداقيتها بين المواطنين؛ فهل سيعيدون النظر في أولويات عملهم والتركيز على قضايا وحقوق الجماهير الفلسطينية داخل البلاد، كما جاء في دستور اللجنة، يعني داخل إسرائيل؟ هل فعلا هم قادرون على ذلك؟
لا يغيب عن ذهني أن بعضا من هذا الصمت الرائج بين المواطنين العرب في إسرائيل، وحتى داخل كوادر الأحزاب والحركات الإسلامية، مرده إيمان هؤلاء بأن الحرب الأهلية بين اليهود باتت وشيكة؛ فدعوهم يقتتلون ويسجنون ويقتلون بعضهم بعضا. أنا لست من هذه الفرق، لأنني تعلمت من دروس التاريخ أن نيران مثل تلك الحروب كانت بحاجة إلى حطب خاص ومختلف؛ ونحن، في هذه البلاد، سنكون ذلك الحطب. فحي على العمل وحي على الفلاح.
في المقابل، فرحت لأن كثيرين مثلي لا يؤمنون بنظرية الحرب الاهلية اليهودية الوشيكة، كخيار لخلاصنا من القريب الآتي؛ وكان من بين هؤلاء النائب أيمن عودة الذي شارك كخطيب، في مطلع الأسبوع الجاري، من على منصة مظاهرة الألوف في تل أبيب؛ فعساها تكون الخطوة الجبهوية الأولى في مسيرة الألف خطوة على طريق النضال الضروري. كذلك كانت مبادرة «اللجنة القطرية لرؤساء المجالس العربية» التي بعثت باسم جميع الرؤساء العرب برسالة غاضبة لرئيس الحكومة نتنياهو تحذره فيها من سياسات القمع المخطط لها؛ ودعته، وهذا المهم، إلى عقد جلسة عمل شاملة وتفصيلية، في أقرب وقت ممكن بينه وبين ممثلي اللجنة القطرية كهيئة وحدوية جماعية تمثيلية لجميع رؤساء السلطات العربية في البلاد. فهذه مبادرة لافتة ومهمة وبحاجة إلى متابعة وإصرار. كم قلنا مرارا إن مياديننا يجب أن تبقى هنا في الداخل، على طول البلاد وعرضها؛ وكم أكدنا لهم ولنا: أنهم لوحدهم لا يستطيعون، ونحن لوحدنا غير قادرين.. مهما صرخنا في رام الله أو نابلس أو القدس أو في أحلامنا: «وين وين وين الملايين»…
كاتب فلسطيني

 

 

كريم يونس

كان حرا… صار حرا

جواد بولس

 

بعد أربعين عاما كاملات تحرر أمس الأسير كريم يونس من سجون الاحتلال الإسرائيلي. من المستحيل أن يتخيّل أي إنسان، لم يعش هذه التجربة، مهما اتسع إدراكه، أو اتقد فكره، كيف يشعر كريم في هذه الساعات والأيام؛ وأعتقد أنه حتى هو لا يعرف كيف سيواجه «عالمنا» الذي لا يشبه عالمه، أو كما باح بنفسه، من خلال رسالته الأخيرة التي نشرها مطلع هذا الاسبوع تحت عنوان «سأغادر زنزانتي» قائلا: «سأترك زنزانتي، والرهبة تجتاحني باقتراب عالم لا يشبه عالمي، وها أنا أقترب من لحظة لا بد لي فيها، إلا أن أمرّ على قديم جروحي، وقديم ذكرياتي، لحظة أستطيع فيها أن أبتسم في وجه صورتي القديمة، دون أن أشعر بالندم، أو الخذلان، ودون أن أضطر لأن أبرهن البديهيّ الذي عشته وعايشته على مدار أربعين عاما، علّني أستطيع أن أتأقلم مع مرآتي الجديدة، وأنا عائد لأنشد مع أبناء شعبي في كل مكان نشيد بلادي».
لا أجد مكانا، في لحظات ولادة الأمل الفلسطيني الحاضرة، لاستحضار هواجس المستقبل ولا إثقالاته المحتملة، ولا حاجة لتذكير كريم، وهو يراقص القمر فوق سماء قريته، بقوائم المآسي والأزمات التي تعصف بمجتمعنا، وتهدد هويته ووحدته وآماله؛ فكريم في تحرره، بعد أربعين عاما من الأسر، يرسم على صفحة البشرية، مشهدا ملحميا فريدا تطل من ثناياه كل معاني التضحية والإصرار والفداء والوفاء والأمل، الفلسطينية. قد لا يقدّر البعيدون عن فلسطين المحتلة حقيقة ما أقوله، لكن الفلسطينيين العاديين، الذين أعرف كثيرين منهم، يعيشون منذ شهور فأسابيع فأيام فساعات على نبض الفرح، ويحسبون الوقت، كما يفعل كل الأحرار، وفق ساعات الموت والأمل.

بعد أربعين عاما من الأسر، يرسم كريم على صفحة البشرية، مشهدا ملحميا فريدا تطل من ثناياه معاني التضحية والإصرار والفداء والوفاء والأمل

أربعون عاما عاشها كريم في زنزانته حرا في أعماقه، لا تشغله إلا قضايا البقاء والحرية الكبرى: كيف يحافظ، هو ورفاق الأسر، على أحلامهم من الموت، وكيف لا يتحوّلون، كما يريدهم السجان، إلى مسوخ بشرية بائسة أو إلى مجرد طفيليات سائبة. أربعون عاما عاشها ذاتا ذائبة في جسد منيع، سمّاه التاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، وعرف مثل رفاقه أنهم فقط «عندما تصير الحياة طبيعية سوف يحزنون كالآخرين، لأشياء شخصية». واليوم وقد مضت الأربعون ووقف كريم على عتبة «حياته الطبيعية» مثقلا بشوق سرمدي سمح لنفسه أن يتساءل، على غير عادته ويقول: «سأترك زنزانتي، والأفكار تتزاحم وتتراقص على عتبة ذهني وتشوش عقلي، فأتساءل محتارا على غير عادتي إلى متى يستطيع الأسير أن يحمل جثته على ظهره ويتابع حياته والموت يمشي معه، وكيف لهذه المعاناة والموت البطيء أن يبقيا قدره إلى أمد لا ينتهي، في ظل مستقبل مجهول وأفق مفقود وقلق يزداد مما نشاهد ونرى من تخاذل». هكذا يتساءل المناضلون الأنقياء ولا ينتظرون الجواب من أحد. قبل سبعة أعوام كتبت في أعقاب زيارتي لكريم في سجن «هداريم» مقالا نقلت من خلاله خلاصات زيارتي لمناضل لا يشيخ كالغيم. واليوم وأنا أستذكر تلك الزيارة أعرف أن كريما سوف يجتاز عاصفة الحب الشديدة التي ستحاصره في أيام حريته الأولى بفرح وبصبر وباتزان، وسوف يعرف كيف يتعامل مع مرايا مجتمعه، المحطمة منها والسوية، كذلك بوجع وبحكمة وبإصرار، وسوف يداري جراح قلبه بمصاحبة الندى وشدو العنادل. وسيتعرف بعد حين على حقيقة واقع مجتمعاتنا وأزماته، وعلى ورطاتنا مع سياسات الحكومة الإسرائيلية؛ وأتمنى بعد كل ذلك، ألا يقنط وألا يخذل وألا يشيخ؛ فهو الكريم الحر، كما كتبت في حينه: زيارة للحر كريم يونس: في الصباح كان مزاجي متعكّرا؛ لا أعرف ما السبب، فبعض الأيام، في شرقنا، تولد خالية من شهيّتها للضوء، وتُبقي روحك ثقيلة كظلمة. تركت البيت متجها إلى سجن «هداريم» لأزور الأسير كريم يونس. بعد ساعة وصلت إلى باحة سجن «هداريم»، الذي صار، مع السجون الأخرى الملاصقه له، يشبه قرية صغيرة تذكرنا بمنشأة في أفلام الخيال، حيث يتحرك السجانون في جمع مرافقها وساحاتها كروبوتات استنسخت في المختبر نفسه. لم تكن تلك زيارتي الأولى لسجن «هداريم»، ولكن في كل مرة كنت أقرر فيها زيارة السجن، كنت أكتشف أنني لم أشفَ من رعشة اللقاء الأول، وأن سنين عملي الطويلة لم تساعدني على ترويض قلبي الذي كان يستعيد، في هذه «الرياض»، صباه، سألته، بعد أن تبادلنا ما يقتضيه الحال من أسئلة روتينية وتقارير لازمة، كيف يقضي ساعات يومه، وهو ينهي عامه الثالث والثلاثين في الأسر؟ توقعت كل الأجوبة، إلّا ما أجابني به، فتحوّل سؤالي إلى حوار لم أتمن أجمل وأثرى منه، خاصة بعدما بدأت صباحي برمادية ناعسة وفكر شريد. «إنني أشكو من ضيق الوقت»، قالها بهدوء، ودون أن يشعر بأنه يوقظ مسامات جلدي! ثم أردف وقال: «أتمنى لو كان النهار أطول، فعلاوة على ما أقوم به من تمارين رياضية ضرورية، ودراسة منهجية حثيثة للقب الجامعي الثاني، ألتزم مسؤوليتي، كأمين لمكتبة السجن التي تزود زملائي الأسرى بالكتب وغيرها». توقف حين لاحظ أنني سرحت وغبت عنه. كنت، في الواقع، أحدّث نفسي وأتساءل كيف يمكن للسجان، مهما كان عربيدا وقاهرا، أن يكسر روح هذا الكريم؟ بعد برهة قصيرة عدت إليه مستفسرا، «من أين تأتي يا كريم بهذا الأمل؟». كان لدينا كل الوقت والشهية على الكلام، فمضى يشرح لي عن بداياته، حين اعتقل وهو طالب في السنة الدراسية الثالثة في جامعة بن غوريون، وحكم عليه في مطلع عام 1983 بالسجن المؤبد. وقتها، هكذا فهمت من حديثه الموزون والمتأني، كان فتى يقف على الريح، ويريد أن يطير كنورس نحو جزيرته البعيدة. كان يفتش عن حلم في ما وراء المدى، ويخشى اليوم على ضياع البيت والوسائد. «هل ظل في قلبك مكان للحب؟» سألته، وتابعت: «وما هو أكثر شيء تشتاقه وسيكون أول ما أو من تريد أن تراه أو من تلقاه؟». لم يصبر ولم يتردد. استل جوابه بتلقائية وبدفء عاشق، فقال: «لا أعرف كيف يبدو العالم الخارجي اليوم. سيكون التأقلم صعبا عليّ، ولكنني أشتاق للحرية، لحريتي، وشوقي إليها ورغبتي بالحصول عليها يمداني بكل أسباب رغبتي بالحياة وبالصمود وبقدرة الانتظار»، ثم أضاف، بعذرية قلب مناضل عتيق: «لم أجرّب ذلك الحب، إن كنت تقصده، وللحقيقة لا أعرف إن كان موجودا وكيف يكون؛ لكنني أعرف الحب بمفهومه الأعمق والأشمل وهو ذلك الشيء الذي يملؤني اليوم أكثر من الماضي بالأمل وبالأحلام وبالإصرار». كنت أنظر مباشرة إلى وسط وجهه، وأطابق حركات شفتيه مع كلامه الذي يتساقط في أذني كوشوشات فجر. لاحظت على خديه توردا أنيقا، وفوقهما عند حافة المقلتين كانت كرات بلورية صغيرة تحاول أن تفرّ. لم يتركها تسقط فسألته: «هل تحاول أن تحجب ماء العزة عن خدك؟». كان صريحا؛ فأفهمني أن السجن قد غيّره كثيرا، وأن العالم، من موقعه يبدو مختلفا وقد تغير كثيرا، وأضاف أن الزمن علمه أن يكبت عواطفه، ويحكّم عقله، ثم حكى لي كيف، بعد هذه السنين، صار يفهم معنى «الواقعية» ومعنى «المصلحة الوطنية»، وما الفارق بين النضال المأمول.. النضال الممكن، والنضال الخاسر. وشرح لي بروية لماذا صوّت للقائمة المشتركة في انتخابات الكنيست (عام 2015). تحدثنا حتى نسينا الدنيا.
في طريقي إلى خارج السجن سألني السجان المرافق عن لقائي، وكان يعرف من يكون كريم يونس، فأجبته: «دعني أوجز لك القصة بحكمة تعلمتها اليوم من هذا الحر؛ فهو يؤمن، أنه ما دام الموت ليس خيارا عندك، فإما أن تعيش الحياة بحفاوة وبكرامة، وإما أن تمضي أيامك ذليلا ولاهثا وراء السراب في عالم من عدم ويباب». أصغى السجان لما قلته لكنني شعرت، هكذ بدا عليه، بأنه لم يفهمني مع أنه كان عربيا. حاولت أن أبسّطها له فأوضحت أن كريما أكد لي على ما تعلّمه من حكمة أحرار كبار سبقوه، على أن: «لا أحد يستطيع أن يمتطي ظهرك إلا إذا وجدك منحنيا». قلتها وكنت أسبقه بخطوتين. سمعت غضبه يصرخ في صمت، وأحسست بسهام عينيه تناوش صفحة ظهري. تركته والسجن وكنت مبتسما.
كاتب فلسطيني

 

 

 

رسالة مفتوحة

لقوم لم ولا يقرأون

جواد بولس

 

كما كان متوقعا وبناء على نتائج الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، لم يجد بنيامين نتنياهو صعوبات عسيرة حقيقية في تشكيل حكومته التي، من دون شك، سوف تسعى إلى تنفيذ ما جاء في خطوطها العريضة ووفق جميع الالتزامات التي اشتملت عليها الاتفاقات الثنائية الموقعة بين كل حزب على حدة، ورئيس الحكومة القادم. لن أكتب عن ممارسات الحكومة المقبلة المتوقعة على جميع الجبهات والأصعدة، لكنني أذكّر بأننا نقف على عتبة عهد ظلامي إسرائيلي جديد لا يشبه ما ألفناه طيلة العقود الماضية.
لقد امتلأت الصحافة العبرية ومنصات الإعلام بآراء أعداد كبيرة من المعقبين والمحللين، الذين أبدى معظمهم تخوفا مما ستنتهي إليه العملية السياسية الجارية التي يقودها بنيامين نتنياهو، وإسقاطاتها شبه المؤكدة على تقويض أسس الدولة كما بناها وأرادها مؤسسوها الأوائل.
لن أتطرق إلى مواقف المئات ممن أبدوا مخاوفهم ومواقفهم جهارا ضد الحكومة المقبلة، لكنني سأشير إلى موقف رئيسة المحكمة العليا الإسرائيلية السابقة دوريت بينيش، التي صرّحت به مؤخرا في الصحافة العبرية. سأفعل ذلك لسببين، أوّلهما شخصي، وثانيهما، لأنها تنطق عمليا باسم آخر المعاقل المطلوب «رأسها» والإجهاز عليها من قبل الحكومة المقبلة، وأعني المنظومة القضائية بكل فروعها، وفي مقدمتها المحكمة العليا الإسرائيلية.
وهذا، في الواقع، ما أشارت إليه القاضية بينيش، في مقابلة أجرتها معها يوم الأربعاء المنصرم جريدة «كلكليست» الإسرائيلية، وأعلنت فيها: «إننا، من دون شك، نواجه واقعا مغايرا؛ والمهم ألا نصاب بالذعر، لكن علينا ألا نستسلم». ثم أردفت مؤكدة أن «نظام الحكم الذي كان سائدا بفخر طيلة 75 عاما، يواجه الخطر هذه الأيام. فنحن لسنا إزاء عملية إصلاحات قضائية، كما يقال في تعابير مغرضة، بل نحن أمام تغييرات جذرية في مبنى السلطة والحكم، وفي المفاهيم السياسية والاجتماعية الخاصة بإسرائيل. أنا قلقة جدا. لقد تخطوا الخطوط. إنهم يحطّمون الأطر الأساسية التي بنيت عليها، خلال سنوات طويلة، السلطة ونظام الحكم في إسرائيل. يتوجب علينا أن نستفيق».

يقف الفلسطينيون على عتبة عهد ظلامي إسرائيلي جديد لا يشبه ما ألفوه طيلة العقود الماضية

أتمنى سيدتي أن تستفيقوا، لكنني أخشى من حكاية «الثور الأبيض» أتتذكرينها؟
لست متأكدا من أن أقوال القاضية بينيش ستلفت عناية المواطنين العرب في إسرائيل، على الرغم من كونها تصريحات مقلقة جدا، وتشكّل عيّنة من فيض مخاوف مشابهة، كانت قد أبدتها مئات من الشخصيات الاعتبارية المرموقة اليهودية، التي تمثل شرائح واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، والمنتمين إلى مجالات مهنية مختلفة: سياسية وأكاديمية واقتصادية وعسكرية وأمنية وحقوقية وغيرها، أرى أن عربات النار تسير نحو أهلنا وناسنا وهم يحسبونها طيورا من الجنة، أو أنهم نيام. أمّا بالنسبة لي فهذه الأقوال تذكّرني بقصتي الطويلة والمؤسفة مع الرئيسة السابقة للمحكمة العليا دوريت بينيش وزملائها القضاة. أتذكّرهم اليوم وأشعر مستفَزا وحزينا.
لقد تعودّت منذ سنوات أن أكتب مقالي الأخير في نهاية كل عام ميلادي على شكل رسالة مفتوحة معنونة لشخصية كنت اختارها حسب الظروف ولأهمية مضمونها في ذلك الوقت. كانت رسالتي المفتوحة في نهاية عام 2010 معنونة لرئيسة المحكمة العليا، في حينه، القاضية دوريت بينيش. لقد خاطبتها أثر قيام مكتب الإدارة العامة للمحاكم في إسرائيل بنشر بيان بخصوص قرار حكم أصدرته المحكمة العليا بحق شرطي يهودي كان قد أدين في المحكمة المركزية بقتل شاب عربي. كان إصدار بيان إدارة المحاكم فعلا غير مسبوق ومفاجئا للجميع، وقد جاء كردة فعل تبريرية ودفاعية من قبل جهاز المحاكم ضد حملة تهجمات شعبوية واسعة قادتها منظمات وشخصيات يمينية، واستهدفت قضاة المحكمة العليا بسبب قرار حكمهم في قضية الشرطي، الذي قام بقتل العربي، من دون أن يكون لذلك أي مبرر أو مسوغ، كما جاء في قرار المحكمة. لقد حكمت المحكمة المركزية على الشرطي اليهودي بالسجن الفعلي لمدة خمسة عشر شهرا؛ فقامت نيابة الدولة بتقديم استئناف على الحكم المخفف بشكل غير منطقي، وطالبت بحكم أقسى. قبلت المحكمة العليا استئناف نيابة الدولة، وحكمت على الجاني بالسجن الفعلي لمدة ثلاثين شهرا فقط، كما أوضحت أن الجاني لم يتقيّد بتعليمات إطلاق النار وقام بإطلاق رصاصه من مسافة قريبة جدا، بينما لم يكن في حالة خطر، ولا في حالة تستوجب استعمال السلاح أصلا.. أي أن الحادثة، هكذا يفهم، كانت أقرب إلى كونها جريمة قتل مكتملة؛ وعلى الرغم من ذلك وجدت المحكمة العليا ضرورة لتدافع عن موقفها ولتبرره عن طريق بيان شكّل سابقة وعلامة فارقة في مسيرة تراجعها أمام قوى اليمين وغاراته عليها. استهجنتُ وقتها في رسالتي المفتوحة خطوة المحكمة وقلت: «إن تضطروا لإصدار بيان في مثل هذه القضية هو أمر يشير إلى اهتزاز مكانة المحاكم والقضاء بشكل عام في هذه الدولة. إنها إشارة على ضعفكم ودليل لفهمكم الخاطئ لما يجري منذ أعوام طويلة داخل المجتمع الإسرائيلي وداخل منظومة الحكم. لقد انهارت أسس هذه المنظومة القيمية وتراجعت فيها سلطة القانون لصالح ما نشهده من مظاهر الفساد والعنف، واستقواء قوى الشر التي استوطنت في كثير من مواقع القول والفصل والحكم، وباتت أقرب مما تتصورون للإجهاز عليكم، ولإحكام سيطرتها الكاملة على مقاليد الحكم، بعد أن تمكّنت من السلطتين التنفيذية والتشريعية». وأضفت مخاطبا إياها: «هل تذكرين كم مرة صرخت في آذانكم، وأكدت أني اخاف عليكم لأني أريدكم، أنت وزملاءك القضاة، أقوياء وسدنة لسيادة القانون.. وكم مرة صرخت وأكدت على أنني كمواطن أريدكم أقوياء كي يحتمي المواطن المظلوم بقوة عدلكم؛ وكم مرة أكدت أمامكم أنني، كابن لأقلية قومية، أريدكم أقوياء عساكم تحموننا، ولو مرّة، من ظلم سياف ظالم. هل تذكرين كم مرة عنّفت منكم لأنني تجرأت أن أسمّي ما تفعلونه بحق أبناء شعبي وبنا نحن، المواطنين العرب في إسرائيل، عنصرية وقهرا وظلما؟ إن تبريراتكم، كما نص عليها بيانكم، غير صحيحة وغير موفقة وغير لازمة، فالحقيقة هي أنكم ضعفاء وتخافون؛ وأن بيانكم ما هو إلّا حلقة في مسلسل «قطف رؤوسكم» وفي مسيرة هرولتكم إلى الخلف أمام ذلك «الدب» الكاسر الذي لن يكف عن اللحاق بكم. والحقيقة، سيدتي، هي أن جهازا قضائيا يحتمي بحراس يرافقونه حتى أبواب غرف النوم لن يقوى على مقاومة ظالم أو محاكمة قاتل؛ والحقيقة أيضا أن محكمة لا يميّز قضاتها بين الضحية، وجلادها لن تستطيع في النهاية حماية جلدها، مهما انحنى قضاتها وتراجعوا وبرروا، كما تفعلون في هذه القضية. فإما مواجهة من يهاجمكم أو سوف تهزمون.
سيدتي! «أُكِلت يوم أكل الثور الأبيض» كانت قصة من القصص الشعبية المتوارثة في ثقافتنا، التي كنت أرددها، أحيانا، في مرافعاتي القانونية أمامكم. لم ترغبوا بسماعها ولا بتذويت حكمتها؛ لكنها كانت وستبقى هي حكمتنا، نحن الضحية الحالية، لضحية المستقبل».
هذه مقتطفات من رسالتي في عام 2010؛ ولم تكن رسالتي المفتوحة الوحيدة لقضاة في المحكمة العليا، فمثلها كتبت كثيرا.. ولكن من دون جدوى. لقد مضت اثنتا عشرة سنة على ما كتبت، وعلى حديثنا صدفة حول مضمونها، وبقيت أنا في موقعي، مدافعا عن الحق والعدل والأمل، وبقيتم أنتم في مواقعكم، جنودا عند نظام يقدس العنصرية ويمارسها علينا، وخدما لدولة تحتل شعبا آخر؛ وكقضاة في المحكمة العليا، تسوّغون موبقاته وتفرخون، صغار المحتلين، الذين تكاثروا وكبروا ويطالبون، باسم السماء والقوة والسيف، برؤوسكم وبجلودنا.
لقد قرات نصيحتك بضرورة «ألا نصاب بالذعر وألا نستكين وأن نستفيق»، فكيف ستصحون وعتمة الاحتلال تملأ قلوبكم؟ ولماذا لم تسمعوا حين نبهتكم، قبل دهور، إنهم قريبون أكثر مما تتصورون للإجهاز عليكم، وماذا سيحصل بعد أن يؤكل الثور الأبيض؟
كاتب فلسطيني

 

 

ليلة الميلاد…

ذكريات من طفولة كهل

جواد بولس

 

سيحتفل المسيحيون في منتصف ليلة السبت، على عاداتهم منذ قرابة ألفي عام، بميلاد السيد المسيح في مدينة بيت لحم الفلسطينية؛ وستبدأ وتنتهي الاحتفالات بهذا العيد وفق بروتوكولات «الستاتوس كوو»، وهو بالحقيقة اسم آخر لخدعة سياسية تاريخيه تضمن «حقوق» مجموعة دول أجنبية كانت قد اغتصبت «مسيح فلسطين» وسرقته وفرضت وجودها على حساب حقوق العرب المسيحيين وكنائسهم المشرقية المحلية. لن يختلف مذاق هذا الميلاد عن سالفه إلا بطعم المرارة المتزايدة من عام إلى عام، وبتغييب عذابات أهل البلاد الفلسطينيين المضطهدين والفقراء، الذين ما زالوا ينتظرون خلاصهم من سطوة جنود «قيصر» وزبانيته. من المؤكد أننا لن نسمع في قداس كنيسة المهد صلاة لروح شيرين أبو عاقله ولا تعزية لقلب «الأمعرية» أم الشهيد ناصر أبو حميد، وسائر الأمهات الفلسطينيات.
أعرف أن أيام الميلاد، وأيضا في فلسطين، معدة للفرح الخالص  ولاستحضار المحبة وممارسة العطاء والسمو بالتسامح؛ ولذا سأترك مراسيم الوجع، وأعود إلى عالم شجرة الميلاد وذكريات طفل شارف على بلوغ السبعين، شاهد كيف سرقوا منه ميلاده وشجرته، خازنة الفرح وكاتمة أسرار طفولته.

المسيح لا يسكن شجرة

كانت قريتي، ويسوع فيها، عالما من نور وطمأنينة، فصار العالم أرضا كلها شر، وعمّ الظمأ.. لقد سرقوا منا يسوع

في بيتنا، هكذا أتذكّر، كان الحديث عن شجرة الميلاد يبدأ في منتصف كانون الأول/ديسمبر، عندها كان هَمّ أبينا الحصول على سروة رشيقة ممشوقة، يرتاح رأسها على عنق متشاوف كي يليق بحمل نجمة بيت لحم.
كنا نتحلق حول الشجرة، ويبدأ الكبار بتعليق ما تستوعبه من مجسّمات لنجوم خماسية وكرات زجاجية تطغى عليها ألوان الأحمر القاني والأزرق والأخضر البحريين. كنا، نحن الأولاد، ندور حولهم كصغار النمل ونساعدهم بتثبيت مغارة صغيرة في أسفل الشجرة مصنوعة من خشب أو من جبص ونملؤها، بمذود وبتماثيل فخارية لطفل جميل ووديع، ولبعض المواشي وللمجوس. لقد كنّا صغارا وفي حلّ من إلحاح الأسئلة والتفتيش على ما وراء الشجرة. في المدارس شرحوا لنا ما تعنيه المناسبة، وما ترمز إليه من قيمة وتاريخ. لُقنوا فلَقنوا وغفل معلمونا أن الزمن مُرضع الحكمة والتجارب مِسَنّ. وقتها كنا لا نعرف إلا الفرح المطلق. وعندما كان ينتصف ديسمبر ولا يأتي والداي على ذكر الشجرة كنا نتوجّس ونخشى أننا لن ننصبها، كرمز للعيد وللفرح، فربما نحن في حالة حداد على موت قريب، أو صديق عزيز أو جار. كانت خضرة الشجرة طبيعية كلون الأمل، وعندما كانت تجهز بكل حليها تصير كغابة صغيرة، فيها كنا نودع أحلامنا وأسرارنا. كان نصب شجرة الميلاد في البيوت حدثا عائليا حميميا مجبولا بدفء مختلف نحسّ به مرة في العام، لم تكن شجرتنا قطعة للفرجة ولا نصبا لمزايدات من يروّجون أن الأغلى هو الأحلى. كانت شجرة الميلاد جزءا من ذاكرة طفولتي الباسمة، مع أنها لم تزدني تديّنا ولا إيمانا، بل، هكذا اكتشفت لاحقا، علمتني كيف أترك خيالي يندفع كالأيائل في مراع خضر لا تنتهي، وكيف أفهم لغة الشعراء؛ فعندما كبرت فهمت ما قالته السروة «للدرويش»، ولي حين وقفت أمامها مرة أبكي ضياع فراشة: «انتبه ممّا يقوله لي الغبار». لا أتذكّر متى بدأت أطلب من يسوع أن يحبّني، وأن يبعد عني المرض، وأن يجعل من أحبهم يضحكون في وجهي! كنت طفلا وأتمتم دعائي ثلاث مرّات، وحتى عندما كنت أحسّ بالتعب لم أتنازل عن اداء صلاتي، لكنني، كنت أتلوها بتثاؤب واضح، متأكدا أن يسوع سيفهمها، وهي «مجعلكة» وسيقبلها؛ فمطالبي كانت أبسط من شفاء أبرص.  كنّا نفيق في الصباح على صوت الندى؛ في البيت تنبعث أبخرة بنكهة الدجاج المحشي من طناجر أمي، وتملأ فضاء الحارة برائحة شهية. كانت شوارع القرية، رغم ضيقها، تعج بأسراب مزركشة من عائلات القرية يدلفون لأداء طقوس المعايدة والتزاور. كان يسوع يحب كل القرية. كنا نطمئن له. ننام وعلى جفوننا طيفه يضيء عتمتنا ويحرس قريتنا. أحسسناه موجودا معنا، في بيتنا وفي حاراتنا. لم يسرقه أحد ولم يحجبه شيء عنا. كنا على يقين من أنه إلى جانبنا ويساعدنا وجميع الناس المحتاجين، وأنه يحب أطفال العالم. كان يسوعنا عادلا ومنصفا للمظلومين؛ لم نقلق عليه ولا منه، ولم نخف منه؛ فقد كنّا صغارا وأنقياء. لم ندرك حينها أن يسوعنا، الذي ولد في المذود، سيصير أكثر من مسيح وسيصاحبه «الكبار» ويدّعيه المنافقون والدجالون ويرافقه صيارفة الهياكل الحديثة – كلٌّ وفقا لعملته وفضّته.   عندما هجرتنا الطفولة استوطن الشك عقولنا، وعندما تبدلت البراءة بالوعي، غاب عنا الإيمان الفج؛ في الواقع أنا لا أتذكر متى أضعت يسوعي وتوقفت عن استجدائه. ربما كان ذلك عندما اكتشفت أنه لا يرقّ لعاشق أدمَته سهام الحاقدين والعواذل، أو ربما عندما زرت بيت – لحم ورأيت «مهده» محاصرا وسليبا ومهانا من قبل جند «قيصر»، وسمعت شعبه يصلي من أجل خلاصه دون جدوى، فالغلبة ما زالت من نصيب «الشرير والبرير». لقد كبرنا وضاع يسوعنا. أفتش عنه ولا أجده إلا طفلا ذارعا معي شوارع تلك القرية الوادعة التي كانت قريتي وقريته. أعود وأفتش عنه فأسمع عنه في صلوات حكّام يستعينون به في الصباحات، وفي الليالي تسلخ سياطهم جلود المؤمنين الوادعين. أستجير به مجدّدا، من أجل أبنائه المشردين والفقراء والمظلومين، فأجده يصب بركاته في خوابي أصحاب الفضة والذهب والملايين. كانت قريتي، ويسوع فيها، عالما من نور وطمأنينة، فصار العالم أرضا كلها شر، وعمّ الظمأ. لقد سرقوا منا يسوع؛ فهل يا ترى هي «روما التي سرقت ديننا، مثلما سرقت حنطة الروح، من كل أهرائنا، لم تزل تستبيح الذُرى، هل ترى يا أبتي هل ترى؟». ولروح الشاعر الراحل في زمن كورونا جريس سماوي السلاما.
كنا ننتظر الميلاد بفرح عظيم. ولم يكن عيدا للأولاد فحسب، بل كان عيد الوداعة والأمل والسلام، بحلوله كانت آمال الناس تنطلق كقطعان أحصنة وحشية أفلتت لتعانق المدى. كانت رائحة الشتاء في الهواء بشائر خير وبركة، كنا نأوي لننام على وسائد من شوق وتحتها ملابس العيد وأحذيتنا الجديدة. كانت ليالي الميلاد رحلة من نبيذ وصلاة وحنين، تصير فيها بيوت القرية المتواضعة قصورا تفيض رضا؛ وكأن الملائكة كانت تسجن شياطين الأرض والسماء، وترش على الناس سحُبا من ورد ومسك وعنبر.
كبرنا، لا أذكر تماما متى توقفت عن ممارسة طقوس الصلاة التي كنت أَسيرها وأنا طفل لا يعرف من المشاعر إلّا أطرافها الحادة. كنت كأترابي أمارس الصلاة مثل الفرح العاري، من دون حرج النضوج وإغواءات التبرّج. كنا نفرح ونحزن من غير مراسم، كجداول تبكي شحا بصمت وتدمع على فراق ضفافها. «كانت أنانا» هشّة كجناحي أمنية، تمارس ارتباكات الطفولة وحبها بعفوية قصوى. لقد كان كل ذلك قبل أن يصبح الطفل كهلا ويشهد على سطوة تراتيل الظلام وينام ويصحو على تعاليم الرصاص وعلى مزامير الطغاة. كان ذلك قبل أن تغتال رصاصات الغدر شيرين أبو عاقله وتبعثها إلى العدم «عروسا لا عريس لها»، وكذلك قبل أن ينفطر قلب «الأمعرية» مرة تلو المرة على فقدان فلذات أكبادها وإبعادهم عنها.
غدا ستحل ليلة الميلاد، فيا ليتني أعود طفلا ولو لليلة واحدة، ساعتها قد أجده.. ربما.
كاتب فلسطيني

 

 

ما بين حزب «كل مواطنيها» وشعار

«دولة كل مواطنيها» يكون حلم القائد

جواد بولس

 

نشرت بعض المواقع الإسرائيلية ووسائل التواصل الاجتماعي دعوة لحضور المؤتمر التأسيسي الأول لحزب سيحمل اسم «كل مواطنيها». برز في نص الدعوة الشعار المركزي للحزب الجديد ويقول «شراكة الآن»، ثم تبعته قائمة أسماء بعض المشاركين المركزيين في الاحتفال، حيث ورد اسم رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة بينهم، إلى جانب شخصيات يهودية صهيونية معروفة أمثال أبراهم بورغ (رئيس سابق للكنيست الإسرائيلي والوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية) وموسي راز وجابي لاسكي (نائبين سابقين عن حزب ميرتس في الكنيست الاسرائيلي) والجنرال احتياط في الجيش الإسرائيلي عميرام ليفين، ومعهم أيضا شخصيات عامة عربية ومعروفة مثل البروفيسور فيصل عزايزة والصحافي والكاتب عودة بشارات والسيدة أميمة حامد (ميرتس).
من الواضح أن المضامين السياسية التي يعتمدها المبادرون كأسس لإقامة حزب «كل مواطنيها» ستمثل من يختار أن ينضم إلى صفوفه فقط.
من المفترض أن تستدرج مشاركة النائب التجمعي السابق سامي أبو شحادة في هذا المؤتمر، المنعقد اليوم في مدينة تل أبيب، اهتمام العاملين في الشؤون السياسية بين المواطنين العرب والمحزّبين، وشرائح المثقفين وقادة منظمات المجتمع المدني، لاسيما تلك التي تعمل في مجالات الدراسات والأبحاث وإنتاج المعرفة السياسية والاجتماعية على أنواعها. ولكن يبدو أن جميع هؤلاء ليسوا «معنيين» بالتطرق إلى هذه المسألة ولا حتى لملامستها بشكل مهني وموضوعي؛ وإن سألناهم عن عزوفهم هذا سنجد أن لكل فصيل منهم ذرائعه وعند كل شريحة دواعيها.
ما نشاهده اليوم يؤكد أننا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، نعاني من تفشي ظاهرة مزمنة يصح أن نطلق عليها آفة «خرس القيادات السياسية والنخب الاجتماعية». تنتشر هذه الظاهرة بيننا منذ زمن طويل، ومن الجدير أن نتناولها في المستقبل بشكل أعمق؛ فمخاطرها علينا كانت جسيمة لأنها، في بعض تحوّراتها اللافتة، دفعت المصابين بها إلى ممارسة أدوار من الرياء الاجتماعي المعدي، أو التأتأة أمام ظواهر العنف المستشري، أو النكوص أمام ممارسات الإكراه الديني وسطوة التقاليد المستبدة في حق النساء والفئات المستضعفة، بينما جعلتهم في محطات سياسية مفصلية يكيلون بأكثر من مكيال، ويتصرفون بمداهنة مؤسفة وصلت أحيانا حدّ التواطؤ مع أحداث غير عادية جرت داخل عدة مؤسسات وأحزاب، وبضمنها كانت محطات في تاريخ حزب التجمع نفسه.

كمواطنين عزّل سندفع من جهة، ثمن مواقف قادة آمنوا بالسياسة ولم يتقنوا فنونها، ومن جهة أخرى، مواقف قادة آمنوا بطهارة العدالة والعقيدة ولم يستوعبوا عقمها

وعلى الرغم من حالة التغاضي الشائعة الموصوفة أعلاه، وجدنا أن فئة صغيرة، خرجت عن مألوف الساعة وكتبت عن الحدث وعن ارتداداته المحتملة على حزب التجمع تحديدا، وداخل الفضاءات السياسية بشكل عام؛ لقد كان معظم من كتبوا حول هذه الدعوة من مؤيّدي وناشطي حزب التجمع الديمقراطي ومناصرين، من الوريد إلى الوريد، لزعامة رئيسهم سامي ابو شحادة، فواجهوه بانتقاداتهم، بعد أن فوجئوا بإدراج اسمه، من دون سابق إنذار، في الدعوة المذكورة، وطالبوه بعدم المشاركة في المؤتمر، وبضرورة إعطائهم المبررات التي دعته للإقدام على خطوة تتعارض بشكل قاطع مع معتقداتهم السياسية وموقف حزبهم التاريخي، القاضي بتحريم اللقاءات والتحالف مع أجسام سياسية وشخصيات معروفة بتاريخها وحاضرها الصهيونيين والعسكريين؛ وقد طالبه بعضهم بالاعتذار عن فعلته وأشاروا، من باب الاستنكار طبعا، في حالة انعقاد المؤتمر بحضوره، إلى ضرورة تقديم الاعتذار من الجبهة الديمقراطية للسلام وغيرها من الحركات والأحزاب السياسية التي نادت بضرورة العمل مع جهات يهودية تقدمية، وإذا اقتضت الحاجة في بعض المواقع مع جهات صهيونية يسارية. قرأت ما أتيح لي من تعقيبات نشرت، أثر انتشار صيغة الدعوة، واتفهم غضب قلة من أنصار الحزب، الذين بعد مقاطعتهم للانتخابات في الجولات السابقة عادوا، على شكل فزعة قبلية، للتصويت لحزب التجمع لأنهم آمنوا بتميّز شخصية سامي أبو شحادة الوطنية، وأمانته السياسية وصدقه الحزبي ودفئه الاجتماعي ونجوميته الطبيعية؛ فصدمة هذه الفئة مبررة ودهشتهم من خطوة أبو شحادة مستوعبة، خاصة أنهم لا يرون أي موجب سياسي جديد يستدعي مشاركة قائد حزبهم الوطني نشاطا سياسيا حزبيا إسرائيليا بارزا، حتى لو دعي إليه تحت يافطة كبار الضيوف وحسب.
لست من مصوتي حزب التجمع، وقد اعترضت دوما ع