الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

جواد بولس كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

 

مقالات سابقة

عندما سألني مرسيل:

كيف استقبلت فلسطين عامها الجديد؟

جواد بولس

 

 كان كالغريب يصحو من ليل جزيرة بعيدة يستقبل عامًا جديدًا بفرح فجر أنيق يذكره بوطن ظل لديه، كما كان، شهوة وحشية وعبيرا منثورا في جنون النايات وفي خضرة الأناشيد؛ بادرني، بلكنته العمشيتية، وسأل، وهو ما زال في فراشه، وشعره المتمرد يشي بتباريح قلقه المزمن: «كيف استقبلت فلسطين عامها الجديد.. وكيف كانت ليلتكم؟».
فاجأني صوت مرسيل خليفة وصعقني بسؤاله؛ فسكتُّ، عساني ألملم أصداء العتمة عن أهدابها، وأعيدها شموسًا لمن «غنى فقرة حب لعينيها.. وأحبها حب القوافل، واحة عشب وماء». حاولت أن أجد وردته في بطن السراب، لكن السماء فوقنا كانت رصاصية، وروائح التيه والغبار تملأ الفضاء وتسد رئتينا. ظلّ هادئا وبسمة مطمئنة نبتت على حافة شفتيه؛ فالموسيقيون الكبار، كالشعراء الكبار، حاذقون بإخفاء مشاعرهم الخاصة عن الناس، وببذرها أشعارا وألحانا على وجه الأرض، التي لولاها، لولا هسيس الحرف وغنج الكمنجات، لبقيت الأرض مجرد تراب وطين، ولما أصبحت عروسًا يحنّ جميع الناس إلى دفء حضنها.
لم ينتظر إجابتي، فهو يعرف كيف يستفز صداقتنا، وكيف لا يحرجها حتى التعب. بدأ يصف كيف قضى ليلة رأس السنة في مدينة «سيدني» الاسترالية، فقال: «أضأنا الشموع، وملأنا البيت بأصص أزهار بديعة. كانت الأبواب مشرّعة على الريح وكانت ليلة حميمة بكل الأصوات والشموع والأزهار الباهرة، وكأننا جئنا من كوكب آخر بالأسود والأبيض، مع نظرات طفولية مشرقة وملونة توزع إشعاعها علينا». حاول أن يكون معي واقعيًا؛ فالخيال ضروري في الفن، لكنه يفسد دور الأمل في الحياة، خاصة إذا تمادى فإنه قد يوصل حامله إلى الجنون. أصغيت إلى حنايا صدره وسمعت في صوته تمرد الحنين، والتوق إلى الخلاص من الحياة على ظهر عود يحمل صاحبه من رصيف ميناء قديم إلى شتاء منفى لا ينتهي.

العتمة بدأت تلفنا، فنحن، وبعد أن نجونا من لعنة تهجير قسري، نعيش واقعًا هو المنفى بعينه

نحن في فلسطين لم نجد عيدنا بعد، ولا حتى صورته في المنافي؛ فالبهجة تصير وفق قوانين الهزيمة ترفًا؛ والغدر، إذا هام القطيع في زمن القهر، صار علامة من علامات «الرجال»؛ والوفاء، في زمن التذلل والرياء، صار نثارًا يفرَّق في أسواق النخاسة والخيانة. كيف تسألني، يا رفيقي، عن عام فلسطين الجديد، وأنت ابن حلمها الزائغ، وذاك الغجري الذي لم ييأس، فحمل فلسطينه فراشة ملونة، وصوته محراثًا من ماس، وأمسك بأثداء الدنيا ولم يبكِ إلا عندما غرقت نجمته وسقط من فوقه القمر.
هل تتذكر، ونحن على مشارف مقام جبران، صاحب النبي، في ضيعة بشرّي، ما قلته لك عن فلسطين، التي أضعناها على قرني مذبح، وخذلناها عندما تنازلت فصائلنا عن «بيض صنائعنا» وتمترسوا، كلا وراء بندقية وخندق؟ وهل تتذكر كيف قلت لك إننا صرنا مثلكم في لبنان، قبائل ونحلاً وأقوامًا تطفئ أحلام أقوام وينهشون أجسادهم؛ فلا بطل يوحّد شعبنا كله، ولا أناشيد تجمعنا، ولا لغة تلمنا، و»شاعرنا» وإن عُدّ علمًا في سماء الكون كله، ترفضه بعض القبائل وتحاربه بالدعاء وبالسيوف؛ والفنون جميعها، وإن لا يهزمها الموت، هي في عرف البعض بضاعة غربية نجسة لا يمارسها سوى الفسَقة والموتورين. لا أريد أن أكون قاسيًا على حلمك، لكنك تعرف كيف إذا صار الوطن مصيدة، والبشر أفاعي، والاصدقاء خناجر تُدق في الظهور، وكيف إذا تحوّلت حواكير طفولتك إلى ميادين لحروب العصابات الخسيسة، وكيف إذا صارت «هياكلك» مراتع للسماسرة ولبائعي الحمام. أعرف كم تحبوننا، نحن الفلسطينيين، بشكل عام، وعرب الجليل والمثلث والنقب على الخصوص، وتُكبرون مسيرة بقائنا في الوطن، رغم أنه بدا مستحيلًا بعد حلول النكبة؛ وأعرف أننا اكتشفنا بعضنا عندما التقينا مرارًا على أرصفة الصداقة الخالصة في بلاد الله الواسعة، واجتمعنا حول قنديل درويش أعطاك روحًا فطيّرتَها موسيقى ونشوة على أجنحة الملائكة؛ ومرّة أخرى حين زرنا لبنانكم قبل بضعة أعوام، فتأكدنا أنكم الأقرب إلى جليلنا، ظهرِ جنوبكم الأصفر؛ وعندما وقفنا في بعلبك على مسرح «باخوس» عرفنا متى وكيف زرع الحب في صدوركم ونبتت البهجة في عروقكم يا أهل لبنان، وعندما زرنا غابة «أرز الرب» فهمنا ما قصده الشاعر يونس الابن حين قال: «مين بيقول السما بعيدة؟ بمدّ إيدي بطالها بإيدي».
ما زلت أذكر حين حضرت في ذلك الصباح باكرًا واصطحبتني لنمضي معًا يومًا كله مرسيل والحنين. بدأنا في زيارة لميناء جبيل ولسوقها، وأخبرتك، ونحن نشرب القهوة مع صديقك الأب جان جبور، عازف العود البارع بشهادتك، أنها تشبه «عكانا» تمامًا؛ فضحكت، وكأنك لا تصدقني، لأنه، كما أفهمتني، لجبيل لا يوجد مثيل! ثم وصلنا إلى عمشيت فأدخلتني إلى حاراتها وشوارعها، وحدثتني عن بداياتك وعن أول الحب وأول الأسئلة الكبيرة، وأول الغصات، وآخر الفرح؛ ثم توجهنا إلى بيتك، وهو بيت العائلة القديم، فرويت لي كيف رحل والدك وأنت منفيّ، فحُرمت من وداعه ومن حضور جنازته. كنا نقف على شرفة البيت التي تطل على التاريخ وعلى حديقتكم الخضراء الجميلة، ووراءها في الأفق البعيد شاطئ عمشيت الأزرق الصافي، وفجأة توقفتَ عن الكلام وبقيتْ الأغصان وحدها تهمس، فنظرتُ إلى وجهك، فلم أجد أي تعبير عليه، إلا بقايا ألم عتيق وعميق وشوق إلى تناهيد الجرود العاشقة. سمعتك تقول بصوت خفيت لطالما عبّرت فيه عن وجعك: «يا خيي لقد قتلوا فينا القدرة على الفرح.. لقد شوّهوا فينا سر الطفولة وأطفأوا بهاء العمر».
اليوم وأنت تسألني عن عام فلسطين الجديد، وعن ليلتنا في رأس السنة، تذكرتك واستحضرت نتفًا من حديثنا عن كيف سرقوا منا ايضًا في فلسطين تلألؤ البهجة وفيض النور، وعندما قرأت ما كتبتَ على صفحتك في نهاية العام المنصرم، أحسستُ بأنني مثلك مسافر في غربة دائمة، وبأنني أشعر مثلك أيضًا بالعطش، فتمنيت لو استطيع أن اخترع لنفسي «لقاء ما في قلب الذاكرة القريبة» ولكن..
الزيت في قناديلنا ينفد، والعتمة بدأت تلفنا، فنحن، وبعد أن نجونا من لعنة تهجير قسري، نعيش واقعًا هو المنفى بعينه، ونحاول مثلك أن نخترع الذكرى كيلا نقف على عتبات اليأس والمستحيل. أعرف كم هو صعب هذا الكلام عليك، هناك في تلك الجزيرة النائية، وأنت تحاول بناء عرائش الأمل من خيوط حرير فجر ناعس، وسلالم موسيقاك، وتقيم للنور مقامات من الحب والجلنار؛ ولكنك، وأنت صاحب الغيم، تعرف أيضا أن «الحياة هي الأشهى لولا طنين النهاية» وأن «الفرح ومضة تبدّد دامسًا غميسًا وتمضي» كما كتبت بحدسك موخرًا رغم إغواءات رمل تلك الجزيرة، وهو ينفذ هناك على الضفاف البعيدة، من أصابع الزمن. صدقني أن الناس في بداية هذا العام في فلسطين فعلوا ما يفعله العرب، اجترّوا حشائش مرابعهم القديمة، وجلسوا يربتون على أكتاف تمائمهم وينتظرون من سينشلهم من بئرهم السحيقة. أما نحن، عرب الداخل، كما تحبون أن تُسمّونا، لم نتمرّد إلا قليلًا، فهنالك بيننا من يريدنا أن نصير مثل كلّ العرب تمامًا، حداة وراء القوافل وأذنابًا على القوافي.. فاهدأ حيث أنت وأهنأ وبجانبك براعم الوعد ونواره، واشعل معهم ليلك حتى تمتلئ صحراؤك نجومًا وواحات من نخيل وعسل؛ وانتظر فلسطينك، مثلنا، بصبر السنابل؛ وشق وحشتك واطلع منها «كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة»؛ فأنت عاشق الحرية، وأنت الغجري الذي من سلالات «باخوس» وسيد النشوة، وأنت أجمل الذكرى وقاهر الندم.
كاتب فلسطيني

 

 

عن زمن اليأس

والعدل بطعم الخل

جواد بولس

كي تكتب ما لا تعيشه يجب أن تكون شاعرًا، أو بائع أساطير في زمن صارت فيه الرصاصة ابنة الواقع الكبرى، واخت المجازات البعيدة. أعتذر من القراء لأنني سأكتب من وحي اليأس، كما تجلّى في ثنايا عام ولّى، وكما أحسه عائدًا في نبض عام يهلّ؛ وللحالمين أترك ما سيقوله قوس قزح لأسوار عكا، وما سيرويه النبيذ للعاصفة.
من قال إننا في غاب، ونحن لا نعيش وفق قوانين الغاب المعروفة، وبدون حكمة الدم في صراعات بقاء نزلائه الضرورية لاستمرار حياتهم، وللمحافظة على توازناتها التراتبية في ذلك العالم اللافوضوي؟ ومن بشّرنا بالفرج القريب، وكل مساء ننام على نوح الحمام في صدورنا ونصحو على زغاريد الخناجر في ساحاتنا وعلى تعب الرايات البيض، وهي تلتف على رقاب عصيّ مرفوعة نحو العبث، ولا تفقه تراتيل المغفرة. عام من عمر الرصاص مضى وأمانينا ما زالت تذبح كل يوم وتكدّس كوابيس في خوابي اليأس والعتمة.
لقد أدمنّا الخوف وألفنا برودة الوحدة والراحة في حضن العجز، فحوّلنا بيوتنا إلى قلاع عافها الدوري الجميل، ورحل عن أبراجها ليفتش عن وطن يحرس زغب صغاره ولا يحترف أهله بقر خواصر الورد، ومطاردة الفرح إذا جنّ على عتبات التاريخ المقدسة.
عام من الخيبات طوي ولا أحد يتذكر وعود سواقيه المنهكة، ولا مَن حاد عن دربه وباع مجنّه من أجل عيون «قبّرة». رحل الشعراء والراقصات بكين، وبقي كل ناج من «قوس آخيله» بطلًا صغيرًا في ملحمة تتداعى فصولها على أنغام رعودنا حين «تفقس» راجفة بعد ومضة برق ساهرة، ثم تخبو في حضن دعاء ومسبحة. عام مضى وما زالت نصاله تتكسر في أجسادنا على النصال؛ ونحن، العرب، لا نجيد إلا السير على دروب الملح والعطش، ونشتري، بعد كل كبوة وفاجعة، تمائم الصمود من «كهاننا وشيوخنا»، ونردّد، بعد كل مذبحة، أحاديثهم عن عزة ضائعة وعن فريضة القتال ذودًا عن شرف القبيلة وعن المقبرة. عام مضى كالسيف وآمالنا كانت للهفة شفارته غمدًا ووسائدنا شظايا من وجع ونثار أحلام بائدة. عام مضى وكأنه راجع إلينا، ونحن لا نسير في النفق ولا نفتش عن نور في نهايته، لأننا نعيش نحن، المواطنين العرب في إسرائيل، في تيه وكأننا على أطراف صحراء رهيبة، يفرقنا سرابها وتعمينا صفرتها الذابلة.
نسير على منحدر خطير، وأنا لا أعرف كيف سننجو من السقوط الكبير في بطن الهاوية؛ لكنني أراهن على أن تكرار التجارب والعودة على ما فعلناه في السنوات الأخيرة، لن يقدّمنا ولا حتى خطوة واحدة صوب واحات الأمان، أو نحو الصارية.
لقد نجح العديد من المتابعين والمعنيين الغيورين بتشخيص معالم أزماتنا العاثرة واقترحوا سبلًا لمواجهتها، حيث أكد بعضهم، وأنا منهم، على ضرورة اجتراح وسائل عمل جديدة وأفكار ثورية تتلاءم وواقعنا المتغيّر، شريطة أن يوازيها، في الوقت نفسه، بناء مؤسسات وأطر تنظيمية حديثة، يجب ان تختلف جوهريًا عن جميع القوالب الحزبية والحركية القديمة المهترئة، أو أن يتم نسف مباني تلك الأطر وتحديثها بشكل جذري وخلاق. مضى العام وبقي كل القديم على رثه فتفاقمت أحوالنا وزادت خسائر مجتمعاتنا، الفردية والجمعيّة، وقد تبيّن اليوم أن كل من تعهدوا أمام الناس على مواجهة المخاطر بأساليب وبأفكار جديدة، لم يبعهم هؤلاء إلا أوهامًا كانوا قد زرعوها ليبنوا عليها جسورًا كي توصلهم إلى مراكزهم ومواقعهم «القيادية» الحالية. سنواجه العام المقبل ونحن نعاني من حالة اللهاث المزمن نفسها، وسنستنزف طاقاتنا بمحاولاتنا إطفاء الحرائق بقليل مما نملك من تراتيل ومن مياه آسنة؛ بينما سيستمر العابثون بأمن حاراتنا وبيوتنا وبسلامة أولادنا في إذكاء أعمال العنف والقتل والعبث، بكل ما بناه أباؤنا وبإحكام أنشوطات المشانق على رقبات هويتنا ووحدتنا ومستقبلنا. وبكلام بسيط آخر، سنستقبل عامًا جديدًا لا يختلف عن الذي ولّى، وسيكون هو أيضًا من نار وخوف وهزائم، وسيستمر فيه قادة مجتمعنا ومؤسساته السياسية والمدنية باجترار قرارتهم التي لن تتعدى كونها ردود أفعال باهتة لا ترقى إلى جسامة المخاطر، ولن تخرج عن المألوف الذي بسببه، هكذا يعتقد هؤلاء، تضمن سلامة مواقعهم وبقاء مؤسساتهم.

خاض المواطنون العرب معاركهم ضد سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة بثبات، وهم مصرون على البقاء في وطنهم

لم ننجح بإيجاد خيارات مواجهة جديدة، فمضينا على الطرقات نفسها، نفتش عن إنصافنا في دولة ما زال أبناؤها، ورثة هارون، ينبشون عظام الحقيقة ويتقاتلون على إرث قايين، ورأس الحكمة المزروعة على أنف خنجره؛ ونسعى وراء عدالة وكأننا أضعناها في حواكيرنا. لم نقتنع، رغم سجل الخسائر الطويل، بأننا نقيم في أرض لم يعرف ترابها معنى واحدًا لعدالة واحدة؛ فمنذ أورثت السماء هذه الأرض للبشر سادت فيها قوانين العدم، وصار القوي هو صاحب الهياكل ومذابحها وصانع العدل في قصورها.
لقد خاض المواطنون العرب معاركهم ضد سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة بثبات، وهم مصرون على البقاء في وطنهم؛ وقاوموا «محفزات» تهجيرهم أو تدجينهم بنجاح لافِت، لامَس، في بعض محطاته، تحقيق المعجزة. لم تستسلم إسرائيل بعد هذه السنوات من المواجهات المتتالية؛ فكانت كل مرة تجرب أساليب قمع جديدة وتستهدف، من ورائها، محو إنجازاتنا وتشويه معالم هويتنا، وتفتيت أواصر وحدتنا وضرب إجماعنا على تعريف ماهية مصلحتنا الفوقية الجامعة؛ ويبدو أنها استهدت مؤخرًا إلى نجاعة وسيلتين جديدتين فتبنتهما وبدأت بتوظيفهما بشراسة غير معهودة من قبل. لم تختلق إسرائيل مصادر توليد العنف داخل مجتمعاتنا؛ لكنها استوعبت أهمية الاستفادة من نشوء بؤر الصراعات الداخلية، وتوالد «الكتائب الضاربة»، على جميع صنوفها ودوافعها، داخل قلاعنا، وفهمت أن استغلال هذا المستجد وتشجيع سطوة عناصره هي أفضل الأسلحة لضرب المجتمع الفلسطيني في إسرائيل ولضعضعته، من خلال افتعال احترابات أهلية نراها في معظم بلداتنا. ومع جنوح مجتمع الأكثرية اليهودية نحو حكم فاشي، بدأت رموز هذا النظام بعملية مسح شامل لمخلّفات النظام السابق، حيث توّجت عملية المسح هذه بإصدار «قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية  للشعب اليهودي»، أو ما يسمى على الشيوع «قانون القومية»، ليشكل هذا القانون في المستقبل حاضنة حصينة وشرعية، في عرف مشرّعيه ومنتخبيهم، لسياسات القمع والتفرقة العنصرية، ووسيلة «قانونية» لضمان أفضلية اليهود على باقي المواطنين العرب، وحرمانهم من المطالبة بالمساواة في حقوقهم الجمعية والفردية، والاكتفاء بالفتات الذي سيحصل عليه كل مواطن عربي «بذكائه» وبقدرته على الانصهار أو التدجّن في هذا الجحيم المستعر. لقد انتهى العام المنصرم بمشاهدتنا لأحداث مسرحية محزنة جرت داخل ما يسمى «قصر العدل»، هي المحكمة العليا الاسرائيلية، فشاهدنا كيف أصغى وناقش أحد عشر قاضيًا، عددًا من الالتماسات التي قدّمتها جهات مختلفة ضد «قانون القومية»، كان من أبرزها، بالنسبة لنا، الالتماس الذي قدمته جمعية «عدالة» باسم المؤسسات القيادية للجماهير العربية.
أتطرق إلى هذه المسألة لأنني على قناعة بأن الناس ستنسى تفاصيلها مع قدوم العام الجديد، وما سيحمله لنا من مآس ودموع؛ وقد نعود إليها فقط عندما سيصدر قرار القضاة الذي لن يختلف، برأيي، عن قرارتهم المجحفة التي صدرت منذ عقود وكانت في مجملها ضد مصالح وحقوق المواطنين العرب.
لقد بدأت مقالتي وكتبت من وحي اليأس وسأنهيها على عتبات «هيكل» ديست في دهاليزه أضلاع العدالة، التي فتش عنها المواطنون العرب، حين كان يحكم الدولة نظام عنصري، ولم يجدوها ؛ فهل سيخرج اليوم من أنيابها العسل، ونحن أمام تشكل نظام مختلف بجوهره عن سابقيه؟ وهل كان قرار القيادات بالتوجه إلى محكمة العدل العليا الاسرائيلية في هذه الظروف صائبًا؟ أم أنه، مثل باقي القرارات، كان مجرد خربشة أخرى على صفحتي اليأس والتيه في صحراء قاحلة نعيش في سرابها؟ وهل سيبقى قرارهم، مثل ما سبقه، «إنجازًا « محفوظًا في سجلات من كانوا صانعيه؟
كاتب فلسطيني

 

 

كان اسمه عيد الميلاد

فلماذا صار اسمه الكريسماس؟

جواد بولس

 

 

من الصعب أن تكتب في أي مسألة عامة، مهما كانت ملحّة ومهمة، وأنت تعيش تباريح ذلك الفرح المبهم، وتداهمك ذكريات صارت في خيالك بلون الغبار. فإن قلت: اليوم عيد ميلاد المسيح، قلت ناصرة الجليل ومهد بيت لحم والقدس، موئل الرجاء والبركة؛ وتخيلت، بشكل تلقائي، كيف يجتمع الناس في ملايين بيوت المعمورة حول مغارة فلسطينية، وفوقهم تتلألأ نجمتها وتغمرهم بالفرح وبالأمل والمحبة.
لم أعِ، قبل ستين شتاءً، معنى أوجاع الانتماء لهوية مركبة من طين ومن ماء ومن نار؛ وقد ولدت في عائلة عشق كبارها تناهيد البنفسج وبحة النايات وتقليب الكستناء في خواصر جمر لا ينام. أذكر زيارتي الأولى للناصرة عندما صحوت في فجر نديّ على أصداء الدهشة، وهي تفرّ من دموع عذراء. لم أفهم وقتها لماذا يولد ثائر كي يثقب سقف السماء ويزرع في صدور الناس معنى جديد للخلاص. بدأت الأسئلة تكبر وأنا كطفل شقي ألعب داخل كهف كان فيه مذود وضيع وأحلام من نور وقش. ثم ضعت، وأنا يافع، على كتف صخرة منحوتة من أرض الخيال، صارت دليل المؤمنين الأصم، على قيامة يعيشون من أجلها، وعلى رجائها يرقدون، مثلما علّمهم «فاديهم» قبل أن يصير ضحية إحدى أشهر مؤامرات التاريخ التي حيكت، منذ ألفي عام، بين أرباب المال وسماسرة الإيمان والسلطان.

هوية فلسطين المسيحية الأصيلة وانتماء بعض أهلها لها، ليس بمعناها الديني الإيماني الضيق، معطيان تاريخيان وضرورة المحافظة عليهما مصلحة وطنية عليا

حُسدت فلسطين وأهلها على هذه النعمة «السماوية» وزوحمت عليها عبر التاريخ؛ لكنني لن أسرد في هذه المقالة ما توالى على أرضها من جيوش وممالك، حتى استقرت أحوالها، في أيامنا، على سلطة فلسطينية لها ما لها من سيادة منقوصة، ونوافذ على العالم كله، وفوقها دولة تمارس احتلالا باطشا يمعن في نبش هياكلها ونسف جغرافيتها، وتحريف وقائع تاريخها، كما عرفته الأمم وآمن به أهلها منذ ألفي عام. كان أهل هذه البلاد أوائل بناة واتباع هذه الديانة، وكان من المفروض أن تصير أجيال المولودين في عائلات من صاروا المسيحيين الشرقيين، وارثي هذه الديانة الشرعيين وأصحاب كنائسها وأوقافها؛ لكنهم أُفشلوا وهزموا حتى وصلت أحوالهم اليوم إلى حالة اللاعودة، حيث مصير بقائهم في دول المشرق العربي، لاسيما في فلسطين الكبيرة، بات محسومًا. لن نخوض في أسباب تلك المأساة – وهي مأساة فلسطينية وطنية بالتحديد – التي ما زالت شرايينها تنزف، وأعداد الفلسطينيين المسيحيين تتناقص بشكل يومي، حتى خلَت منهم كثير من البلدات بشكل كامل، وستلحقها، كما أقدّر، مواقع اخرى قد يبقى فيها ما سميته مرة «محميات طبيعية» سيحافظ عليها كأطلال تدل على ماضي البلاد الدارس.
كانت الحرب على قلب فلسطين شرسة، ومحاولات سرقة «مسيحها» لم تتوقف؛ فكم حاول المستعمرون ذبحها كي تنتعش روما حينًا، أو القسطنطينية احيانًا، وتوالت عليها الحملات المسعورة حتى وصلنا إلى ما فعله الانتدابان، البريطاني والفرنسي، من تمزيق لجغرافيا المنطقة وتطييف لأهلها وتأليبهم على بعض. كان دور إسرائيل حاسمًا في التأثير في مكانة الكنائس المحلية، وترسيم خريطة صلاحياتها، فعملت، بدهاء، على إبقاء جميعها مللاً مستقلة ومتفرقة، وساندت رعاتها الأجانب في سيطرتهم على مقدّراتها، خاصة اليونانيين الذين تلقوا دعمها المطلق، وتسيّدوا بسببها على أكبر كنيسة ورعية عربية أصيلة وعريقة، فتحكموا بعنجهية مستعمر في رقاب عبادها المسالمين، وبحرية تامة في أوقافهم، كما شهدنا خلال السنين. لم تعمل إسرائيل، لأسباب دينية وسياسية واضحة، على تطوير المواقع المسيحية الكثيرة الموجودة داخل حدودها، ولا على تسويقها كمراكز سياحية عصرية، واكتفت بدعم ما يتناسق وسياسات بعض الكنائس الغربية التي تدعم إسرائيل وممارساتها العنصرية؛ وقد نرى بإهمال الناصرة، مدينة البشارة، المتعمد، أكبر دليل على هذا الإجحاف وهذه العنصرية. لم تنفرد إسرائيل بمخططاتها، بل تساوقت معها معظم رئاسات الكنائس المحلية، وشاركتها في لعبة استهدفت المحافظة على مكانة الإكليروسات الأجنبية الحاكمة، وما حصلت عليها من امتيازات؛ وفي الوقت نفسه تهميش مكانة الرعايا العرب وكهنتهم، وإخضاعهم لحالة من الاغتراب والانتماء المشوّه.
لم تقتصر معاناة الفلسطينيين المسيحيين تاريخيًا على مواجهة ذينك العدوّين، الخارجي الاستعماري والإسرائيلي العنصري، بل بدأوا يعيشون، منذ أربعة عقود، تداعيات هواجس وجودية مستجدة، وإرهاصات حالة من التناقضات الحقيقية داخل مجتمعاتهم، بعد تنامي قوة بعض الحركات الإسلامية السياسية، وتغلغل أفكارها الدينية الإقصائية في مفاصل الحياة اليومية، ما دفع بابناء الأقلية المسيحية الأصلانية إلى فقدان الثقة بمستقبل كانت ستحميه وتؤمنه العباءة الفلسطينية الجامعة. وكي لا أُفهم خطأ، فقد بدأت مشكلة المسيحية المشرقية قبل نشوء هذه الحركات الإسلامية، لكنها تفاقمت مع زيادة قوتها، وبسط سيادتها في بعض الدول العربية، وفي قطاع غزة، ونتيجة لتصرفات بعض أجنحتها، وفق مفاهيم عقائدية دلت على رفض قادتها لاحترام مبدأ تكاملية أنساغ المجتمع الواحد، وإصرارها على فرض قوانين الشريعة الإسلامية، وفق تفسيراتها الأصولية، على جميع المواطنين. الشواهد على ما يحدث داخل مجتمعاتنا، سواء كان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو داخل إسرائيل، كثيرة وموجعة ومقلقة؛ ولعل آخرها كان تعميم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الصادر عن حكومة غزة قبل بضعة أيام، وموضوعه، كما جاء في عنوانه: «فعاليات الإدارة العامة للوعظ والإرشاد للحد من التفاعل مع الكريسماس».
قد يكون ما يميز هذا التعميم أنه صادر عن حكومة من المفروض أن تمثل جميع مواطني القطاع، بمن فيهم كمشة المسيحيين الباقية هناك؛ لكنه يبقى في الواقع، من حيث المضامين والرسالة، تعميمًا شائعًا ومألوفًا، فقد سمعنا عن نشر مثله في مواقعنا مرارًا وتكرارًا، ومع قدوم كل عيد ميلاد. لم يبق في غزة إلا اقل من ألف مواطن فلسطيني مسيحي، وهم كعناوين طبيعية لمثل هذه الممارسات والتعميمات، ليسوا بحاجة إلى هذا «التشجيع» كي يهاجروا منها، اذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؛ أما إذا لم يكونوا هم العنوان، كما حاولت وزارة الأوقاف إقناعنا في تأكيد لها نشر في منشور تبريري، صدر بعد قيام زوبعة الاحتجاجات على التعميم المذكور، فعندها سيكون عذرهم أقبح من ذنب. على جميع الأحوال، لم يكن نأي كاتبي ذلك التعميم عن استعمال كلمة «الميلاد» واستبدالها في العنوان بكلمة «الكريسماس» مجرد سهوة عابرة، لأنهم يعرفون بالتأكيد ما يعنيه «الميلاد» لأهل فلسطين وما تشكله المناسبة في هويتها التاريخية والحاضرة والمستقبلية؛ وبما أنهم يفقهون تلك الحقيقة جيدًا فسيكون من الصعب عدم فهم موقفهم كمحاولة لتضييق الهوامش في الحيزات العامةـ وتقييد حريات الأفراد ومحاولة لتشويش معالم تلك الهوية، وذلك تمامًا كما فعلت جهات أجنبية واسرائيلية من قبلهم، وما زالوا يحاولون. لا يمكن إخراج نص التعميم المذكور عن سياقات الخطاب الشائع في أدبيات وفتاوى بعض تلك الحركات، فانتقاء اسم «الكريسماس» وليس «الميلاد» يقصد منه أيضًا إفهام عامة الناس على أن المحتفلين بهذه المناسبة ليسوا «منّا» وهي اصلًا مناسبة غربية دخيلة؛ وهذا في الواقع يضاف إلى تمنع الكثيرين من توظيف مصطلح المسيحيين، أو العرب المسيحيين، وتعمدهم اللجوء إلى تسميات مقصودة مثل الفرنجة أو الصليبيين، أو إلى نعتهم بالنصارى، وهي تسمية لها تفسيراتها العقائدية الملتبسة.
كم تمنينا على جميع قياديينا، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الداخل الإسرائيلي، أن يتنبهوا لهذه المخاطر وأن يقفوا في وجهها بشدة وبوضوح؛ فهوية فلسطين المسيحية الأصيلة وانتماء بعض اهلها لتلك الهوية، ليس بمعناها الديني الإيماني الضيق، هما معطيان تاريخيان راسخان وضرورة المحافظة عليهما هي مصلحة وطنية عليا. وإن قلنا الميلاد قلنا الناصرة والقدس وبيت لحم وجميع أرجاء فلسطين، فلغزة سيبقى أهلها وبحرها وفجرها الأخضر، ولسائر فلسطين الأمل وميلادها ومهدها، ولنا جرعات الخل وأسئلة القلق والشوك، وعبق البدايات وسحر البشارة ومدينتها، التي يجب أن تكون أكبر من عاصمة لجليل مارد، لأنها من أهم مدن العالم، بعد القدس وبيت لحم، تمامًا كما صرح ويصرح بإصرار رئيس بلديتها الحالي، علي سلام، في موقف لافت يحسب له.
كاتب فلسطيني

 

 

سقوط المحكمة

العليا الإسرائيلية الوشيك

جواد بولس

ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي شبيه بمعركة ضارية على ترسيم آخر مناطق النفوذ في غابة جبّارة، وحسم قضية من سيضع ومن سيتحكم بقوانينها. وإن كان الصدام السياسي هو الأبرز في هذه المعركة، فإن هذا لن ينجَز إلا إذا حسمت معه أو قبله، بعض المعارك الأخرى، وأهمها تلك الجارية في أروقة الجهاز القضائي وعلى مصيره، وكذلك تلك الحملات من ملاحقة وإقصاء مفاصل الجهاز البيروقراطي المهني، واستبدالهم بإمّعات ستحني ظهورها لتمكين أسيادها من الركوب على أنفاس المواطنين. ومن لا يوافقني فليقرأ حصاد الدمع والعبث الذي أنجز في أسبوع واحد فقط.
صادقت، يوم الأربعاء الماضي، محكمة عسكرية تختص بمقاضاة جنود الاحتلال، على صفقة كانت قد أبرمت قبل ثلاثة شهور بين النيابة العسكرية الإسرائيلية ومحاميي الجندي، قاتل الشاب أحمد جمال مناصرة، حيث اكتفى قضاة هذه المحكمة الثلاثة بالحكم على الجاني بثلاثة شهور سجن، تستبدل بالعمل لصالح الجمهور، وبثلاثة شهور سجن إضافية مع وقف التنفيذ. لم يسمع القرّاء، على الارجح ، بتفاصيل تلك الجريمة ولا كيف تابعَتها أذرع الأمن وأخرجتها طاحونة «العدل» الإسرائيلية؛ وعلى الأغلب سوف تطوى الحادثة مثل كثيرات سبقتها، وستحفظ في سجلات العهر البشري، بينما ستستمر أنهر الحسرة الفلسطينية بالنضح.
يوم 20/9/2019 ، قرابة الساعة التاسعة مساءً، كان المواطن علاء غياضة، وهو من سكان قرية نحالين الواقعة غرب مدينة بيت لحم، عائدًا بسيارته برفقة زوجته وابنتيهما الصغيرتين من زيارة لأهلها في قرية أرطاس المجاورة؛ وعند وصول العائلة إلى مفرق «النشاش» توقف محرك سيارتهم فجأة، فركنها علاء إلى جانب الطريق، وترجل منها في محاولة لإعادة تشغيلها. ولسوء الحظ، يوجد بالقرب من ذلك الموقع برج مراقبة لجيش الاحتلال؛ فما أن نزل علاء من سيارته، حتى قام أحد الجنود المتمركزين فيه بإطلاق عيار ناري نحوه فأصابه في بطنه، ما أحدث أذى كبيرًا لاعضائه الداخلية.
على اثر إصابة زوجها طلبت ميساء غياضة المساعدة من مجموعة شبان كانوا عائدين، إلى قريتهم، وادي فوكين، من حفل زفاف لصديقهم، ومروا من هناك في تلك اللحظات بسيارتهم الخاصة. توجه الشبان الثلاثة نحو علاء المصاب ونقلوه إلى المستشفى؛ في حين بقي أحمد مناصرة بجانب الزوجة والطفلتين. حاول أحمد تشغيل المحرك إلا أن الجنود استأنفوا إطلاق النار صوب المركبة فاضطر النزول منها لتفادي رصاصهم، لكنهم استمروا بإطلاق النار حتى أصيب في صدره بعدة عيارات أدت إلى موته في مستشفى بيت جالاً بعيد نقله إلى هناك. حاولت عائلة مناصرة أبطال الصفقة التي اعترف بموجبها الجندي بالقتل بالإهمال، وبدون ذكر محاولة قتله لعلاء غياضة. لم تسمع منهم النيابة العسكرية فتوجهوا إلى محكمة العدل العليا وطالبوها بالتدخل للإعلان عن بطلان الصفقة، وتعديل لائحة الاتهام، فوفقًا لجميع الشهادات والمعطيات، فقد نفذ الجنود محاولة قتل وعملية قتل واضحتين. رفضت المحكمة العليا بتاريخ 23/11 الماضي التدخل، بحجة أن التماس العائلة قدم في وقت متأخر، اي بعد تقديم لائحة الاتهام واعتراف الجندي بها وأضافوا: «لا شك أننا بصدد حادثة صعبة كانت نتيجتها تراجيدية، ولا يوجد من يعترض اليوم على أنه تبين، بأثر رجعي، أننا لسنا بصدد عمل إرهابي، انما بصدد غلطة ارتكبها الجندي، حينما فهم انه يواجه محاولة تنفيذ عملية إرهابية».

ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي شبيه بمعركة ضارية على ترسيم آخر مناطق النفوذ وحسم قضية من سيضع ومن سيتحكم بقوانينها

اذن، هكذا أقرت هيئة المحكمة التي تشكلت من قاضيين مستوطنين، نوعم سولبرغ، وياعل فلنر، والقاضي ماني مزوز، بأن ما «جرى» كان مجرد غلطة ليس إلا.
قبل يومين من إصدار المحكمة العسكرية لحكمها المهزلة على الجندي القاتل بمقتضى الصفقة، وربما بتزامن عبثي يختزل كل إحداثيات المأساة التي تتداعى فصولها أمامنا، أعلن القاضي ماني مزوز، عن قراره ترك منصبه في نهاية العام الجاري؛ قبل أربعة أعوام من موعد تقاعده القانوني. فاجأ توقيت إعلان القاضي مزوز الكثيرين، لاسيما وأنه كان القاضي الرابع الذي يعلن عن استقالته المبكرة في أقل من أربعة اعوام؛ فقد سبقه في عام 2016 القاضي تسفي زيلبرطال، ثم تلاه في عام 2018 القاضي يورام دانتسيغر، وقبل مزوز كان قد أعلن نائب رئيسة المحكمة القاضي حنان ملتسر عن استقالته هو ايضًا؛ وجميعهم لا يُعدّون، في القاموس الاسرائيلي، على قضاة المحكمة «المحافظين». لم يعرف تاريخ هذه المحكمة منذ تأسيسها عام 1948 مثل هذه الظاهرة، التي بدأت تراكماتها تقلق بعض الغيورين على شكل نظام الحكم في اسرائيل، وعلى مستقبل الدولة؛ فمكانة المحكمة العليا الإسرائيلية وقضاتها كانت، داخل المجتمع اليهودي برمته، فوق كل الاعتبارات، والمحكمة نفسها سُوّقت في العالم منذ البدايات ككاتدرائية، تخصّبت بين جدرانها قواعد التنوير الصهيوني المدّعَى، وكمعقل حصين يشهد على إصرار قادة إسرائيل على بناء دولة عصرية، يكون فيها القانون وحراسه فوق كل الصراعات السياسية ومنافسات أصحاب المصالح ومراكز القوى على تفرعاتها.
لن نغوص هنا بكيف ومتى ولماذا بدأت معركة اليمين الجديد وانقضاضه على بنى الجهاز القضائي كله، لكنها اشتدت بعد سيطرة ذلك اليمين على البرلمان وعلى الحكومة ومؤسسات الحكم الرئيسية؛ فعندها رأينا بوضوح كيف شرعت قيادات هذا اليمين المنفلت والمتطرف بالعمل على اختراق واحتلال معظم المواقع المؤثرة في مراكز اتخاذ القرارات القضائية، وفي داخل المحاكم. وخير من عبرت عن هذا التحول وقادته كانت وزيرة القضاء السابقة اييليت شاكيد، حين أعلنت، بدون مواربة وبشكل حاسم، على أنها تسعى إلى تغيير الوضع القائم في جهاز القضاء، لاسيما داخل المحكمة العليا التي يجب أن يملأها قضاة «محافظون» يعرفون كيف يدافعون عن الدولة اليهودية وعن مبادئ الصهيونية الأصيلة. لقد قرأنا قبل إعلان القاضي مزوز عن استقالته، عن اجتماع لجنة تعيين القضاة الذي انعقد في الاسبوع الماضي، وعن قراراتها بتعيين واحد وستين قاضية وقاضيا، كان من بينهم ستة مواطنين عرب. هاجمت ممثلتا الكنيست في اللجنة، عضوتا حزب الليكود، أوسنات مارك والوزيرة ميري ريغف، مخرجات الاجتماع المذكور، ولم تعترفا بقانونية قراراته؛ علمًا بأنهما قاطعتاه لأنهما عرفتا بنية أعضاء اللجنة ترقية قاضي محكمة صلح القدس عباس عاصي، وتعيينه قاضيًا في المحكمة المركزية في المدينة، رغم ما يعرف عن شخصيته المعادية للشرطة وللجيش وللمستوطنين، وموقفه «ضد الصهيونية» حسبما جاء على لسانيهما في الصحافة. لن نعرف إذا كانت هنالك علاقة بين استقالة القاضي مزوز وما جرى ويجري في لجنة انتخاب القضاة، أو وراء كواليس المحكمة العليا، التي بدأت تُسمّن بقضاة أيديولوجيين، لا يأتمرون إلا بوصية أربابهم ولا يعنيهم إلا إرضاء ملوكهم وتحقيق مآربهم؛ وهم من أجل ذلك لن يبقوا لمزوز ولأمثاله من القضاة الصهاينة «التقليديين» أي هامش ليبرالي، أو قاعدة قيمية لا تتناسب وعقائدهم الدينية والقومية؛ فكل كنوز «الهيكل الأكبر» ستسخر، باسم القانون والتوراة وعدلها، وستقدم على مذابح «الرب والملك والوطن»؛ وقد يكون القاضي مزوز قد شعر بهزيمة «حلمه» وقرر كمن سبقوه الانسحاب.
سوف نشهد، في المستقبل القريب، استعار المعارك داخل المجتمع الاسرائيلي، حين سيتصارع فلول النظام القديم مع جحافل المملكة الجديدة. إن المواجهة في أوجها ولا يجوز لنا، كمواطنين وكضحايا، أن نبقى على الرصيف من دون أي موقف وعمل؛ فتعيين عشرات القضاة، وفي طليعتهم اربعة قضاة للمحكمة العليا، هي حرب اليمين الاسرائيلي المقبلة، وعليهم أن يظفروا بها ليتمموا مراسيم دفن «الرخاوة الليبرالية الحمقاء» وليُحكموا سلطانهم على البلاد وعلى العباد بدون تأتأة ولا تردد ولا مداهنة. علينا كاقلية، هي أول وأكبر الخاسرين من سقوط جهاز القضاء نهائيًا في ايدي اليمين الجديد، أن نسعى لوضع خطة في مواجهة «النظام الجديد»؛ فهو سيكون مختلفًا بشكل جذري عما سبقه، على الرغم من أن النظام القضائي القديم عاملنا بعنصرية مقيتة ولم ينصفنا بالمطلق.
ما العمل؟ أنا لا أملك حلولًا واضحة للخطر الذي استشعره، ولا أعرف بالتحديد ماذا يجب أن نفعل؛ لكننا لو بادرنا، واخصّ تلك المؤسسات والجمعيات المدنية التي تعمل في هذا القطاع، إلى وضع تصورات مهنية تكون اساسا للحوار وللنقاشات الجدية، فقد نجد بداية الطريق؛ أو ربما نتفق على تشكيل جسم مصغر تناط به مهمة الإعداد ليوم أو أيام دراسية يتفق على محاورها ويشارك فيها فقهاء القانون العرب واليهود والناشطون في هذه القضايا، والمتوافقون على تشخيص المخاطر المحدقة والأكيدة، وعلى ضرورة مجابهتها بالافعال وبالبرامج الحقيقية، حتى لو اختلفت الحوافز أو المخاوف أو الاهداف.
كاتب فلسطيني

 

 

ما المشترك بين عايدة ومنصور؟

جواد بولس

 

لا نستطيع التكهن إذا سيؤدي تصويت البرلمان الإسرائيلي على قانون لحل نفسه، كما جرى يوم الاربعاء الماضي، إلى نجاح التصويت عليه بقراءتين إضافيتين ضروريتين، كي يصبح قانونًا نافذًا وبابًا للذهاب إلى عملية انتخابات جديدة؛ فهنالك احتمال بأن يكون غانتس وحزبه في خضم مناورة سياسية خبيثة، تستهدف الضغط على نتنياهو وحزبه وإجبارهما على تحسين مواقع كاحول – لافان الحزبية، وتعزيز مصالح قادته الشخصية، والبقاء، بعدها، في هذه الحكومة؛ أو أن يتمكن أحد الحزبين من تركيب حكومة جديدة، من ضمن نواب هذه الكنيست؛ فعندها، وفي حالة نجاح أحد هذين الاحتمالين، لن يضطر المواطنون إلى خوض غمار معركة انتخابية والذهاب إلى صناديق الاقتراع للمرة الرابعة في غضون السنتين الأخيرتين .
وحتى نصل إلى نهاية المسرحية، أقترح أن نلتفت إلى بعض ما كشفته أحداثها في الاسابيع الاخيرة، خاصة في ما يتعلق بأداء القائمة المشتركة، التي بدت كالسمكة العالقة في شباك صياد ماكر وماهر؛ وليس أقل، الالتفات إلى أداء مؤسسات الأحزاب والحركات التي تتركب منها القائمة، وفي طليعتها الحركة الإسلامية ونجمها، النائب الدكتور منصور عباس.
من الواضح، وهذا ما قلته في الماضي، إن مواقف النائب عباس تنم عن نهج مدروس ومتكامل؛ ورغم أن البعض قد يحسب مناوراته ظاهرة جديدة، لكنها في الواقع ليست كذلك، فنحن إزاء فكر أيّدته في الماضي وتؤيده الآن مؤسسات الحركة الإسلامية، وتعلنه أمام جمهور ناخبيها وتدافع عنه أمام جميع المواطنين العرب، وتحاول استثماره بين المواطنين اليهود، وفي داخل المؤسسة الحاكمة، وعلى رأسها مكتب رئيس الوزراء نتنياهو. ولولا أن شعار القائمة المشتركة الانتخابي الأبرز والأهم سياسيًا، دعا جميع المواطنين إلى التصويت «من أجل إسقاط نتنياهو» ومنعه من إقامة الحكومة، فسيكون من الصعب لمن ليسوا من أتباع الحركة، مساءلتها على قرارها الأخير الذي ألزم نوابها بالتغيّب، ساعة التصويت، وبالامتناع عن دعم اقتراح إسقاط حكومة نتنياهو، الذي حظي، رغم تغيب النواب الإسلاميين الأربعة، على أكثرية واحد وستين صوتًا .ولأن الحركة الإسلامية نكثت ما أعلنته أمام ناخبي القائمة، فابقاؤها شريكة كاملة، بدون مساءلتها أو ضبط مسار تحركها المستقبلي، سيضر بمصداقية القائمة، كوسيلة نضالية جديرة بالاحترام، وبضرورة هذه الشراكة
وكي لا يساء فهمي، فأنا مع انتقاد قرارات النائب منصور عباس ومواقف حركته، لكنني ارفض التهجم عليهم وتخوينهم، فما يفعلونه سيبقى محسوبًا لهم وعليهم؛ وأدعو، بالمقابل، جميع من حاولوا المس بمصداقيتهم السياسية وتجريحهم، إلى مناقشة مواقفهم المعلنة وإلى العمل، في الوقت نفسه، على تغيير موازين القوى السياسية داخل مجتمعاتنا، وتعزيز أطرها الحزبية والحركية، وإكسابها القوة الكافية لتقف، بندّية متكافئة، مقابل الحركة الإسلامية، أو حتى التفوق عليها، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا. وبكلام آخر فقد كشفت تداعيات الأحداث الأخيرة مدى الثقة الذاتية التي تتصرف بها الحركة الإسلامية وقناعتها برواج خطابها البراغماتي /الذرائعي المكشوف، ليس لكونه انعكاسًا حقيقيًا لمضامين ما تسميه الحركة، بتعميم مقصود، في أدبياتها التوعوية ونشراتها السياسية الحركية ودعاياتها الشعبية، بالثوابت الوطنية وحسب، إنما لتيقنها من ضعف مباني شركائها الفكرية والتنظيمية، نتيجة لما تعانيه أطرهم من ضمور تنظيمي، مثل الحركة العربية للتغيير، أو الاغتراب عن الواقع الحقيقي للمواطنين، مثل حزب التجمع، أو الهرم والتكلس التنظيميين داخل مؤسسات الحزب الشيوعي وتوأمه، الجبهة الديمقراطية للسلام، وما نعرفه من تفشّ للنزاعات الشخصية والمناكفات التي تملأ الجسدين جروحًا، وتنهكهما.
لا تنحصر علامات أزمة الأطر الحزبية والمؤسساتية القيادية الفاعلة بين المواطنين العرب على كيفية إدارة الأزمات المتوالدة بين مركبات القائمة المشتركة، وما اقتضته وتقتضيه هذه التجاذبات المكتومة أو الظاهرة من مراوحة بين صدامات معلنة، كما يحصل الان في قضية التصويت على إسقاط نتنياهو، أو بلجوء بعضهم إلى «نعمة الصمت» أو المسايرة الصاغرة، في مسائل خلافية، سياسية أو اجتماعية، لم ينجحوا بتجسيرها؛ مع أننا شهدنا أن هذا الخيار لم يكن مقبولًا على الحركة الإسلامية ولن يكون مقبولًا إذا كان الموقف المطلوب منها يندرج تحت ما يعتبرونه من الثوابت العقائدية، كما حصل في قضية التصويت على قانون منع إخضاع المثليين للعلاجات القسرية، الذي بسببه تحاسب النائبة توما، أو في معظم القضايا النسوية، أو في قضايا مهمة اخرى.

من الصعب التوقع بأن تبقى القائمة المشتركة ببنيتها الضعيفة، وبتحديات الحركة الإسلامية لطريقة أدائها، خيار الناخبين التقدميين الوحيد

لقد دُعيت النائب عايدة توما سليمان إلى مدينة قلنسوة لإلقاء محاضرة عن العنف ضد النساء، حيث كان من المقرر أن تحل ضيفة على المركز الجماهيري في المدينة يوم الأحد المنصرم. ومع انتشار خبر الدعوة في قلنسوة خرجت عدة فعاليات دينية بمناشدة علنية لحظر دخول النائبة الشيوعية عايدة توما إلى المدينة، مع تأكيد هؤلاء على ضرورة منعها من مخاطبة الأهل في المدينة، وإفساد عقولهم، لأنها دعمت وتدعم حقوق المثليين. لن اتطرق هنا إلى مسألة الإكراه والاعتداء على حريات الغير/ المختلف، وهي من الظواهر المتنامية والمتسيّدة في معظم قرانا ومدننا العربية؛ ولن أسرد، في هذا المقام، كم من النشاطات الاجتماعية، الفنية، المسرحية، الرياضية والأدبية، حوربت وقمعت في قرانا ومدننا، وأهملتها القائمة المشتركة كنوافل هامشية؛ لكنني على قناعة بأن خنوع فعاليات مجتمعنا التقدمية المختلفة ومعظم قياداته السياسية في تلك الحالات، وتراجعهم أمام القوى الرجعية، أدى اليوم لأن تدفع النائبة عايدة سليمان وغيرها فواتير تلك الهزائم . لقد وقف في الماضي قادة الحزب الشيوعي والجبهويون مع قادة القوى الوطنية والتقدمية، وقاوموا الممارسات العنصرية الصهيونية وقمع الدولة بصلابة وبجدارة، لكنهم حافضوا، في الوقت نفسه، على قلاعهم من أي عبث أو تنمر أو فساد أو جنوح داخليين، فحافظوا على قيم مجتمعنا الموحدة، واحترموا حريات وحقوق كل الشرائح والفئات الأصيلة، حتى حفلت كل قرية ومدينة بقصص هؤلاء وبنوادرهم في تحصين الهوية الجامعة، وصيانة الانتماء الوطني والإنساني الحقيقي، ولكن.. بعد رحيل تلك الكوكبة العنيدة والواضحة، صارت المواقف الحزبية تفصّل على مقاسات البعض بانتهازية موجعة، وتنتقى بنخبوية مقيتة وتقر بشللية هدامة، وتمارس بتزمت بغيض، حتى عشنا وشفنا اليوم كيف يصبح منع ناشطة نسوية بارزة، فلسطينية شيوعية ومناضلة ميدانية مثابرة، ممكنًا من قبل ابناء جلدتها، ومتاحًا في مدينة عربية أنجبت الأحرار والشريفات والمناضلين.
لم تتخذ القائمة المشتركة موقفًا ازاء ما واجهته النائبة عايدة توما، لكننا، رغم ذلك، لمسنا في حالتها، بخلاف حالات سبقت، حراكًا لافتًا ضد محاولة قمعها، وقرأنا بيانات حازمة وشاجبة، كانت قد أصدرتها مؤسسات الحزب الشيوعي والجبهة وحزب التجمع وإدارات عدة جمعيات مدنية، حيث عبّر فيها جميعهم وبما لا يقبل الشك، عن معارضتهم للموقف الداعي إلى منع دخول عايدة توما والتحريض عليها بسبب مواقفها وانتماءاتها المعروفة. لم تستسلم قلنسوة، كما حصل في حالات سابقة في مواقع عديدة في البلاد، ومع أن المركز الجماهيري بقي موصدًا، كانت بعض بيوتها الدافئة مفتوحة؛ فاستقبلت الضيفة بحفاوة ومعها عشرات الناشطات والناشطين والقت محاضرتها في بيت الدكتور ثابت أبو راس، وهو الناشط والمناضل من أجل حقوق أبناء شعبه منذ اكثر من أربعين عامًا، والمعروف بمواقفه التقدمية والإنسانية الشجاعة من قبل ولادة عدة حركات وتنظيمات يدعي اليوم بعض ناشطيها اليافعين أنهم يريدون تعليمه وتعليم رفيقاته ورفاقه في الدرب، كيف تكون الثوابت الوطنية.
لقد كشفت الأزمة داخل المشتركة عن بواطن الخلافات الأساسية داخل مجتمعنا، وليس بين جدران القائمة وحسب، وهذا في حد ذاته وجه القضية الحسن، لكنها، وهذا وجه القناع الثاني، أوقفتنا أمام مرايانا الذكية، حيث ظهر في أعاليها سؤال المرحلة الصعب وهو: هل تستطيع هذه الاحزاب والحركات، ببناها الفكرية والتنظيمية القديمة الجديدة، أن تشكل الأداة الصحيحة وتعطي الرد المتوازن لمشكلة وجودنا في دولة ما زالت مؤسساتها لا تعرف إلا أن تعاملنا كغرباء، أو اعداء، أو مستأجرين غير محميين؟ وهل يستطيع قادة تلك الاحزاب والحركات أن يستدلوا على الوصفة الصحيحة، لوقف زحف شركائهم، النائب منصور وحركته، نحو تلك الحقول البعيدة والملغومة؟
من الصعب التكهن حول مستقبل الحكومة الحالية وحول نتائج الانتخابات المقبلة، إذا حصلت؛ ولكن، ليس من الصعب التوقع بان القائمة المشتركة ببنيتها الحالية الضعيفة، وبسبب تحديات الحركة الاسلامية لطريقة أدائها اليوم وفي المستقبل، لن تبقى خيار الناخبين التقدميين، العرب واليهود، الوحيد؛ فأنا وكثيرون مثلي نطالب بمعرفة ماذا يجمع بين فكر عايدة توما المرأة المتحررة والشيوعية، ونصيرة حقوق المستضعفين والمستضعفات، والمسيحية المولد، وابنة الثقافة العالمية، وشريكة في المنصات الشعبية والمظاهرات الكفاحية، وثوابت الحركة الإسلامية العقائدية المعروفة والوطنية الغامضة؟ ونطالب أن نعرف ماذا يجمعها مع من يرفض، بسبب هويتها ومواقفها ومبادئها، أن يدخلها آمنة إلى بلده والى بيته؟ وهل سيحميها زملاؤها وأحزابهم عندما تُعلن حرب عليها؟ فما لم يحمها ويحمي غيرها بيت «المشتركة» فما الداعي لمثل هذه القائمة؟
كاتب فلسطيني

 

 

النائب عن الحركة الإسلامية

منصور عباس ولافتة قف

جواد بولس

 

ما زال مصير القائمة المشتركة غامضًا؛ ولا نستطيع التكهن بما ستفضي إليه المناكفات التي اندلعت، وما زالت تتداعى، بين النائب عن الحركة الإسلامية منصور عباس، وزملائه في الجبهة الديمقراطية وحزب التجمع الوطني.
لم أتفاجأ شخصيًا من هذه المواجهة، خاصة بعد أن شهدنا مقدمات لها حصلت في الأشهر الماضية؛ فحذرت، في حينه، من خطورتها ومن عواقب الاستكانة إلى فرضية وهمية أفادت بأن الوحدة بين الحلفاء الأربعة هي قدَر، وأنها خيارهم الوحيد الممكن، الذي يضمن لجميعهم البقاء في الكنيست والمحافظة على القائمة، التي وصفها الكثيرون، بمجازية شرقية مبالغ بها، على أنها الابنة الشرعية لإرادة الجماهير سننتظر لنرى نهاية الحكاية التي سيؤثر فيها، تمامًا كما أثر في بدايتها، فرمان «السلطان»، وموقفه إزاء مسألة «نسبة الحسم»، فإذا أبقاها عالية، كما هي اليوم، سيضطر الأربعة إلى الاعتدال والعودة إلى «البراغماتية»، وهي في عالم تاهت فيه التعريفات وديست القيم، رشد سياسة العاجزين وترياق الضعفاء المنقذ؛ أما إذا أنزلها، فستفتح أبواب سوق الاحتمالات؛ وقد نرى حينها الحركة الاسلامية منافسة لشركائها، علاوة على شتى أصناف البسطات «الحزبية»، حامضها ومرها، وسنسمع، أيضًا، تغاريد العجب.

«لهم أسلوبهم ولي أسلوبي»

هكذا صرّح الدكتور منصور عباس في إحدى تغريداته الأخيرة، محاولًا الدفاع عن بعض مواقفه الخلافية وتبرير سلوكه، الذي أقر بأنه «تجاوز خطوطًا اعتاد النواب العرب على وضعها في الزاوية»، وسأل، في تلك التغريدة، على سبيل توضيح الفارق بين الأسلوبين: «عندما ينعَتُ أحد الاعضاء رئيس الحكومة بالكذاب، أو يقوم بشتمه، هل يتوقع بعدها أن يوافق رئيس الحكومة على طلباتنا؟ وهل هذا التصرف سيعود على مجتمعنا بشي؟» لم ينتظر النائب عباس ردًا من أحد، بل أردف في الموقع نفسه قائلا: «ذاهب للعمل لخدمة وتعزيز مكانة مجتمعي بشكل فعلي، وليس لتسجيل المواقف، وأنا اعتمد أسلوبًا حضاريًا بالحوار وموضوعيًا بالطرح يخلو من الشعبوية».
لم يكلفني أحد بالدفاع عن «القائمة المشتركة» لكنني كمواطن منحها صوته، وأنجح القائمة والنائب عباس، يحق لي ولغيري أن نسأل: هل هذا هو أسلوبه الحضاري؟ هل يحسب أنه إذا اتهم حلفاءه بالتخلف وبعدم الموضوعية وبالشعبوية، وهكذا يفهم من كلامه، سينجح بتبرير علاقته الملتبسة مع بنيامين نتنياهو؟ وهل بالسلوك المؤدب والخلق الحسن، سيحقق إنجازات لم نحققها خلال مسيرة عقود من الصمود والكفاح البرلماني والميداني؟ على النائب عباس أن يراجع مواقفه الغريبة والمستفزة لقطاعات واسعة من ناخبي القائمة المشتركة، التي توالت في مناسبات عديدة، مثل تصرفه عندما كان يرأس جلسة الكنيست وموافقته على إلغاء التصويت الذي دعا إلى إقامة لجنة تحقيق ضد نتنياهو في قضية الغواصات؛ مرورًا بمخاطبته الحريرية لضباط الشرطة، الذين حضروا جلسة لجنة مكافحة العنف في المجتمع العربي، وموقفه الخطير من قضية انتشار السلاح غير المرخص بين المواطنين العرب وتبريره، غير المباشر، لحيازة النسبة الكبيرة من تلك القطع، إذا لم تكن مخزنة لأغراض إجرامية مباشرة، وبعدها تكرار مواقفه الودودة من بنيامين نتنياهو وتمنّعه من وصف نتنياهو بالعنصري، خاصة عندما سئل عن ذلك مباشرة في لقاء متلفز على قناة «واينت»، أذيع يوم الاربعاء الفائت، فاجاب: «قراري قرار شجاع، ولن أصف أي شخص بالعنصري، لا ضد نتنياهو ولا ضد أي احد آخر، فأنا ملتصق بالحقائق هل توجد عنصرية في اسرائيل؟ توجد هل توجد فجوات بين اليهود والعرب؟ توجد حتى بين اليهود واليهود توجد فجوات، أنا استعرض الامور بصورة موضوعية وأريد أن أعالجها» هكذا بكل بساطة وحزم أجاب ممثل «الحركة الإسلامية» حين سألته مذيعة يهودية: ألا تعتقد أن نتنياهو عنصري؟ ألا يحرض ضد الجماهير العربية؟ فإن كانت هذه شجاعة سياسية فكيف يكون «مسح الجوخ» في السياسة؟

إذا استمر النائب عباس في نهجه، فسيترتب على الشركاء في القائمة المشتركة إيجاد «اللافتات» التي ستقنعنا بالتوجه إلى صناديق الاقتراع وانتخابهم مرة أخرى

لقد صرح النائب عباس، في أكثر من مناسبة، بأنه يمثل، بنهجه وبمواقفه حركته الأم الحركة الإسلامية؛ التي بدورها أعلنت ببيان نشرته بعد اجتماع ضم أعضاء مجلس شورتها وقيادييها، أنها «تثمن عاليًا جهود جميع نوابها في البرلمان لخدمة وتعزيز مكانة مجتمعنا، وعلى رأسهم ابنها البار النائب الدكتور منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة، وبالذات جهوده في الإصلاح ومكافحة الجريمة والعنف في مجتمعنا العربي، وجهوده البارزة لدفع الحكومة لإقرار خطة حكومية شاملة لمكافحة العنف والجريمة»، لم أخلص إلى نتيجة واضحة من لغة البيان، ففي مطلعه، كما قرأنا، أشادوا بجهود النائب منصور عباس، ثم تعمدوا، بعد ذلك، اللجوء إلى صياغات فضفاضة لا غبار عليها سوى أنها عامة وتحمل في طياتها معاني كثيرة وتجيز السير في اتجاهات متناقضة؛ رغم تأكيد الحركة على أنها كما سعت «في السابق وضحّت من اجل تعزيز وحدة القائمة المشتركة، فإنها ستبقى حريصة على الحفاظ على هذا المشروع الوطني»؛ لكنها تشترط لقاءها مع الشركاء، في الوطن والمسيرة والكفاح وفي العمل السياسي عمومًا، بعدم الخلاف «في ثوابتنا الدينية والوطنية»، وما أدرانا ماذا يقصدون بالثوابت الوطنية، خاصة أن النائب منصور يؤكد أن نهجه هو النهج العملي الناجع والوطني القويم!
لم ينه بيان الحركة الإسلامية هذه الأزمة؛ ولم يحقق ذلك إبراهيم صرصور النائب السابق عن الحركة في الكنيست ورئيسها حتى عام 2010، عندما أضاف توضيحه الشخصي لما جرى في اجتماع القيادة المذكور، وكتب يوم الجمعة الفائت: «من أجل أن يكون موقفي واضحًا، هكذا أفهم، موقف الحركة الإسلامية من التطورات السياسية الأخيرة والجدل حولها»، فان الحركة «تحتضن الدكتور منصور عباس تمامًا كما احتضنت قيادات من أبنائها سبقوه في الموقع الحالي، إلا أنها رفعت أمامه «لافتة قف» كما لن تتردد في رفع مثلها أمام أي قيادة من قياداتها، إذا دعت الضرورة لذلك مع التأكيد على أنها لا تشك لحظة في حسن نية الدكتور منصور عباس، لكنها تطمح إلى أن يكون حسن التصرف في كل الأحوال هو الترجمة الصادقة لحسن النية وصدق العزيمة ومضاء الإرادة».

كلام في منتهى الأهمية ولكن..

يبقى الفصل والحقيقة، اذن، عند «حسن التصرف، وصدق العزيمة، ومضاء الإرادة»، فقد استبعد ابراهيم صرصور، كما كتب، أن يعود الدكتور منصور عباس لمثل تصريحاته في الفترة الأخيرة، خصوصًا لأنه «واحد من أكثر القيادات فهمًا لمبادئ الحركة وخطوطها الحمر، وتنفيذًا لتوجهات قيادته»، ورغم ذلك، فما فعله النائب منصور لاحقًا كان معاكسًا لما توقعه، أو ربما تمناه، القيادي الإسلامي المجرب ابراهيم صرور، وذلك حين سئل النائب منصور في لقائه المذكور مع «واينت» ، في ما اذا كان يعتقد بان نتنياهو يعمل لصالح المجتمع العربي، أو لصالح العرب في اسرائيل؟ اجاب، وفقًا لمنهجه المعهود وبأسلوبه الملتوي، قائلًا: «كل حكومة اتخذت قرارات كان بعضها لصالح المجتمع العربي، لكنني أريد لهذه القرارات والمشاريع التي يعلنوها أن تكون حقيقية، وأن تجيب على مشاكل المجتمع العربي؛ هذه وظيفتي»، هكذا، وبعكس ما كانوا وكنا نتوقع منه، نراه مرّة أخرى يدافع بشكل غير مباشر، لكنه مكشوف، عن نتنياهو، ويتمنع عن انتقاد ممارساته العنصرية وهجومه الدائم على المواطنين العرب، وعلى ممثليهم في الكنيست، ولا يواجه محاولاته لنزع شرعية وجودنا والنضال من أجل حقوقنا وانتخاب مؤسساتنا السياسية والمدنية. لم يتراجع النائب منصور عن طريقه الصدامي مع زملائه في القائمة المشتركة؛ ولئن ظهر في البدايات وكأنه يسعى للإطاحة برئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة وحسب، تبين لاحقًا أن «جبهته» القتالية مفتوحة على عرض القائمة كلها، ففي لقائه الأخير، قبل أيام مع القناة 20 اليمينية المقربة من نتنياهو، أعلن، بما يشبه الابتزاز لشركائه، بأن استمرار القائمة المشتركة مشروط «باتباع النهج الذي يمثله وانها ستفقد مبررات وجودها، إذا ما كررت الأخطاء والمواقف نفسها»، وهذا ما دفع زميله في القائمة النائب عن حزب التجمع الديمقراطي، الدكتور امطانس شحادة، اتهامه بالانشقاق عن القائمة، والتأكيد على أن نهج النائب عباس ليس هو نهج شعبنا الذي يريد حقوقه بكرامة وعنفوان أصحاب البلاد.
كل التوقعات جائزة، لكنني لا أعرف ماذا قصد ابراهيم صرصور عندما كشف أن الحركة الاسلامية رفعت في وجه النائب عباس منصور «لافتة قف»؟ ولا أعرف أي لافتة قد ترفع في وجه من لا يتوقف عند خطوط «حركته الحمر، أو لا ينفذ توجهات قيادته»؟ لكنني على قناعة أنه إذا استمر النائب عباس في نهجه، وهذا ربما كان حقه وحق حركته، فسيترتب على الشركاء في القائمة المشتركة إيجاد «اللافتات» الصحيحة التي ستقنعنا، نحن المصوتين، بالتوجه إلى صناديق الاقتراع وانتخابهم مرة اخرى .
*كاتب فلسطيني

 

 

المواطنة… الهوية…

قتل النساء والأمل المفقود

جواد بولس

سأتطرق اليوم لحدثين محليين شغلا بال الناس، وتصدرا عندنا واجهات المواقع الإخبارية والثرثرات الاجتماعية. ورغم كونهما منفصلين تماما، أشعر بوجود رابط وثيق بينهما، وأرى أنهما يعبران، كلٌ بمكوناته، عن وجود الأزمة الخطيرة نفسها التي تعبث في قسمات هويتنا، وتؤثر فينا وعلينا كمواطنين في إسرائيل.
كان الشارع الرئيسي في مدينة عرابة الجليلية مسرحًا لجريمة قتل امرأة عربية جديدة تدعى وفاء عباهرة، طعنت في وضح النهار حتى فارقت الحياة، وتركت على صفحة النسيان خمسة تذكارات صغار سيكبرون على أهداب الحسرة ودروب الضياع.
وقعت الحادثة يوم الاثنين الفائت؛ فبدأت المواقع الاخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي بنشر تفاصيلها، ومعلومات عن الضحية وعن المشتبه في قتلها، الذي كان على ما يبدو طليقها؛ وتوالى الشرح عن فصول في حياتهما، وعن محطات في مسيرة زواجهما وعثراته، حتى الوصول إلى مشهد موتها التراجيدي.
سوف ينشغل الإعلام بعد أيام قليلة بمأساة جديدة، وسينسى الناس اسم وفاء كما نسوا اسماء الأربع عشرة ضحية اللواتي كن قد سقطن قبلها منذ مطلع العام الحالي، أو أسماء عشرات القتلى الرجال الذين أعدموا في شوارع قرانا ومدننا، بعمليات إجرامية تُمارس يوميًا، وبدون روادع على الإطلاق؛ سوف ننسى!
من منا، نحن أحفاد الرمل، بحاجة إلى مسارح الخوف، وإلى قصص الخيال، ومن يريد أن يتذكر سجلات «الوفاء» المستحيل وصور الخواصر المبقورة ؟ وكما في كل مرة ذبحت فيها امرأة عربية على خلفية ما يسمى «شرف العائلة» أو لكونها ذلك «الشيء/المتاع» الذي يملكه بعلها، أو أفراد عائلتها وقبيلتها، تَدافَعَ، هذه المرة أيضًا، عشرات من السياسيين والناشطين/ات الاجتماعيين/ات ومعهم فَراشُ الإلكترونيات الدائم الحومان؛ وأطلق الجميع سهامهم نحو قلب العبث، وأسهبوا في تحليل أسباب وقوع هذه الجريمة، وعددوا قوائم المتهمين بها وبغيرها، بينما حاول بعضهم اقتراح بعض الحلول لمواجهة الظاهرة أو سبلًا للحد من تفشيها.
لم يُتفق، كما في المرات السابقة، على تشخيص أسباب انتشار ظاهرة قتل النساء، ولم يُتوافق على كيف يجب أن تصنف تلك الأسباب، حسب أهميتها وتأثيرها؛ وبقيت المسألة رهينة بين نظريات المؤامرة الصهيونية، واستبداد هوية الصحراء، أو تداعيات مجتمعات الحداثة والاستهلاك. لم أقرأ بيانًا باسم القائمة المشتركة في أعقاب حدوث الجريمة، مع أن أخبار القائمة كانت تملأ الفضاءات، لاسيما بعد انتشار الانتقادات العنيفة بحق النائب منصور عباس، وبعد أن اتهمه شركاؤه في القائمة عن حزب التجمع الوطني، وعن الجبهة الديمقراطية، بالتفرد في اتخاذ قرارات لا يوافقون عليها سياسيًا، وبإطلاقه بعض المواقف الخلافية التي عكست فهمه لطبيعة التواصل مع الحكومة ورئيسها نتنياهو، وموقفه ازاء وسائل التعاون مع مختلف الوزارات، وبالاخص مع وزارة الشرطة ورؤيته الودودة الخاصة لدورهم في مواجهة الجريمة والعنف المستشري في مجتمعاتنا.
لا يمكن ولا يجوز أن نرى بما حصل في قضية النائب منصور عباس، كتعبير عن نزوة شخصية، ولا أرى بما فعله تجليًا لنجومية يسعى وراءها، كما حاول البعض أن يدعي؛ ففي هذه الحالة، وبخلاف لتصرفات نجومية مارسها في الماضي، أو قد يمارسها مستقبلًا، هو أو بعض زملائه، كان تصرفه نابعًا عن إيمان مطلق بصحة طريقه السياسي، الذي يعبر عن طريق حركته الاسلامية، وعن قناعتهم المذهبية الخاصة بمفهوم المواطنة، وبحدود الوسائل المجازة لممارستها. فالنائب منصور عباس يؤمن بضرورة التصرف «الذرائعي» البراغماتي حتى النهاية، لأن تأمين المنافع لابناء المجتمع هو غاية الغايات وهدفه من وراء دعوة رئيس الحكومة وضباط الشرطة لجلسة لجنة مكافحة العنف في الوسط العربي، التي يرأسها باسم القائمة المشتركة، كان كما صرح «تحصيل قرار بخطة حكومية لمكافحة العنف والجريمة، وليس لتسجيل موقف ضد الحكومة أو الشرطة.. فأنا» هكذا أجاب جميع منتقديه «أعي جيدًا الفرق بين التواجد في مظاهرة رفع شعارات، والتواجد في جلسة رسمية لاتخاذ قرار».

لن نعبر إلى ضفة مستقبلنا الآمنة الأخرى إذا لم نتعاط مع الأسئلة الصعبة، ونضع لها الإجابات الصحيحة

لقد رفض النائب منصور جميع التهم والانتقادات الموجه إليه من شركائه، الشيوعيين والقوميين، واتهمهم، بالمقابل، باحتكار سياسة التخوين، التي حسب رأيه لم تبدأ ولن تنتهي بمنصور عباس؛ فالوحدة السياسية عنده وعند حركته لا تعني بالضرورة ما تعنيه لدى سائر مركبات القائمة، وهو لم يخفِ ذلك، حين كتب على صفحته بوضوح، وأكد على أن «ثوابتنا العقائدية والوطنية واضحة، ولم ولن نقدم بها أي تنازلات ولن نساوم عليها» فجميع حركات الإسلام السياسي لا تساوم بأمور الثوابت العقائدية، خاصة في مواجهة حركات معادية لها سياسيًا وعقائديًا. وهذا أيضًا ما يجعل مفهوم «الوطنية» لديهم سائلًا ومتحركًا، ولا يمكن صبه في قالب ثابت. وكما نرى فهو يعرف الوطنية «بان تعمل من اجل شعبك ومجتمعك والا تقوم بتصرفات قد تضر بمصالحه» ولا يقر بكون هذا التعريف فضفاضًا وتضليليًا إلى حد بعيد، وخاليًا من العمق السياسي ويبقي حدود العمل الوطني غير معرفة، بل يمكن مطها حتى تصل إلى حضن «السلطان» أو إلى مسايرة سياساته أو مقايضتها، باسم البراغماتية، خاصة إذا مكنتك تلك «القيادة» العملية من تحصيل بعض المكاسب المنفعية لصالح «شعبك» ومجتمعك . لا يمكن التجسير على هذه الهوة التي حفرت، ولن يسعى النائب منصور إلى ردمها بسهولة؛ فالمواطنة، كما يحاول هو أن يمارسها، ليست هي المواطنة نفسها التي ينادي بها إخوانه في القائمة المشتركة؛ والوطنية التي يعمل هو بهديها، لا تشبه وطنية شركائه على الإطلاق، علاوة على أن هوية النائب منصور تختلف بالتأكيد عن هوية زملائه في القائمة؛ فهو وإخوانه في الحركة الاسلامية سيعرفون انفسهم أولًا وثانيًا وثالثًا كمسلمين لا يساومون، وحقهم طبعًا، ولا يتنازلون عن ثوابتهم ويجاهدون من أجل وطن مشتهى هو دولة الخلافة التي يسعون لإقامتها بدون هوادة أم مهادنة.
كما ستبقى ثوابته الاجتماعية حواجز تبعده عن زملائه في القائمة في عدة قضايا مثلما حصل في مسائل حقوق بعض الجماعات والأفراد والنساء، لاسيما من تعتبرهن العقيدة العاصيات أو الزانيات أو الناشزات أو المتحررات أو الفاجرات أو المتبرجات؛ وما يعد لهن من قصاص وعقاب وحدود. فمكانة النساء وحقوقهن كانت وستبقى محور صدام وارد بين مركبات القائمة، فلا الوطنية تسعفهن، ولا المواطنة تنجيهن ولا الثوابت الهوياتية تشفع لهن. ستبقى جرائم قتلهن باسم ذلك «الشرف المخاطي» في المجتمعات العربية شائعة، كما كانت من أيام العرب الاوائل، وسهلة الممارسة ما بقيت حاضناتها تمتح من عمق آبار ثقافتنا الموروثة منذ قرون، وتتأثر من عناصر هويتنا الاجتماعية المحنطة، وتعشش في عرى حكام خضعوا لسطوة القبائل ولقوة العقائد، ورفضوا تحريم هذا النوع من القتل، وابقوا في قوانين دولهم (ما عدا تونس ولبنان وفلسطين) بنودًا تعفي القاتل باسم «الشرف» من العقاب بشكل تام أو تخفف حكمه بشكل كبير. لقد قتلت وفاء في وسط شارع رئيسي وأمام اعين المارة، وستتحول قريبًا إلى رقم يضاف إلى قوائم الإحصاء، وفي نشرات مؤسسات المجتمع المدني، وسيمضي النائب منصور وحركته برسم معالمهم على طريق مواطنة منقوصة، وستبقى شوارعنا ممالك للعرابيد، وبيوتنا حيّزات هشة ومستباحة، وسينام الناس وهم يلعقون عجزهم مثل القطط، ويدفن بعضهم موتاهم بصمت ويعودون إلى «كهوفهم» بقلوب يدميها الجزع.
لن نعبر إلى ضفة مستقبلنا الآمنة الاخرى إذا لم نتعاط مع الأسئلة الصعبة، ونضع لها الاجابات الصحيحة: فمن نحن؟ هو سؤال الأسئلة، وماذا نريد؟ هو السؤال التالي، وكيف سنصمد وننتصر؟ ثم يأتي بعده، ومن يقود، ومن يقرر في ماذا، هما المحك لانتقاء الطريق والحلفاء وللحذر من المنزلقات والاعداء.
كاتب فلسطيني

 

 

الأسرلة

والتأسرل والعالم المقلوب!

جواد بولس

 

رأينا في المقالة السابقة كيف تعمّدت جميع أجنحة الحركة الصهيونية، وبضمنها نظام إسرائيل القضائي، بمختلف درجات محاكمه، إجهاض إمكانية تشكّل «هوية إسرائيلية» واحدة، لو قيّض لها النمو لصهرت بداخلها، مع مرور السنين، كل المواطنين، اليهود والعرب وغيرهم، الذين عاشوا ويعيشون في الدولة، ولاحتوتهم كأفراد وكمجموعات، وجعلتهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وفق ما تمليه عليهم منظومة القوانين، وتخطه حدودها من حقوق وواجبات، على اختلاف منابعها وأصولها ومرجعياتها، كما هو الحال في معظم الدول الحديثة.
لم تولد تلك الهوية المدنية الجامعة لسبب أساسي وهو، موقف وعنصرية الحركة الصهيونية، التي خططت منذ البدايات لإقامة دولة يهودية خالية من العرب، رغم كونهم سكان البلاد الأصليين.
فشلت الصهيونية بتحقيق مرادها، فقامت إسرائيل وبداخلها بضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين، الذين رفضوا ابتلاع «الطُعم» فنجوا وبقوا، في بيوتهم/حصونهم، تذكاراتٍ نازفة لعمق الفاجعة من جهة، وتحدياتٍ صارخة لقمع وممارسات حكومات صهيونية عنصرية، شرع قادتها، منذ اليوم الاول لإعلان نصرهم، بالتفتيش عن بدائل أشرس، بعد فشل مخطط حركتهم الأم. حُسم مصير الأسرلة؛ مع أنها كحالة متخيّلة، هي عدوة الدولة اليهودية ونقيضها؛ ورغم ذلك، تحوّلت «الأسرلة» على ألسن بعض المواطنين العرب إلى مسبة شعبوية تطلق في جميع الاتجاهات، من دون رقابة حقيقية، أو تكال كمزايدات أو كتعبير عن جهل متسيّد في مجتمعاتنا؛ وكانت تختلط أحيانًا مع تهمة «التأسرل» رغم وجود اختلافات جوهرية بين الحالتين، أو هكذا يجب أن يكون. قد يكون أول من رفع شعار «الأسرلة» بمعنى المساواة المواطنية التامة، هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، فرفاقه الأوائل وضعوا اللبنة الاولى لما أصبح فيما بعد مطلب الجماهير العريضة: «دولة لجميع مواطنيها».
«التأسرل» في المقابل، ورغم استحالة تشكل الأسرلة، هو ممارسة جائزة ، لكنها لا تأخذ في حياتنا شكلًا واحدًا، بل قد تنعكس في عدّة سلوكيات ويعبّر عنها بعدة مضامين ليست جميعها، بالضرورة، سلبية ومرفوضة، كما يحاول البعض إيهامنا.
هنالك خلط بين الحالات التي يسمّونها، هكذا على وجه التعويم والتعميم، بالتأسرل المشبوه؛ وأجزم أن هذا الخلط مقصود، ففي ثناياه يضيع العميل الحقيقي والمُخبر والمفسد والمثبط للعزائم؛ وتختلط حدود الاندماج وممارسات المواطنة وما إلى ذلك من حلقات يصرّ البعض على ضبطها في الحزمة نفسها تحت اسم «التأسرل» ومساواتها بشكل مغرض. صار العميل في لغة العامة مثله مثل من يربح مناقصة لرئاسة مستشفى، أو من أصبح عميدًا في جامعة إسرائيلية، أو رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبيرة، أو مديرًا لعيادات صندوق مرضى «مكابي» أو «مئوحيدت» أو مفتش معارف، أو قاضيًا أو قائدًا لكتيبة في جيش الاحتلال، أو مشاركا في مظاهرة عربية يهودية ضد الفاشية، وضد الاحتلال، أو رئيس بلدية متعاونا، أو كابتن منتخب إسرائيل، أو مضيء شعلة «المجد» الإسرائيلي، أو عاملًا يبني جدار الفصل العنصري، أو مهندسًا في شركة إسرائيلية، تستغل المناجم في نيجيريا؛ ومثلها من حالات لا عد لها ولا حصر، قد يعتبرها البعض وفق قاموس «الفوضى الوطنية» كلها تأسرلًا ؛ والبقية عند من غابوا ونسوا أن يضعوا الحدود ويصححوا الخرائط ويصلحوا البوصلات ويلقوا اليواطر. فهل كل ما ينعت بالتأسرل هو حقًا خروج عن «الصف الوطني» أو وفق بعض «القضاة « يعدّ عمالة أو كفراً؟

الهوية، كما قال محمود درويش: «دفاع عن الذات، إن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماض.»

لن نعالج لماذا ومتى شاعت هذه السهولة في إطلاق الاتهامات للغير المختلف، ومتى ضاع قاموس الكفاح الشعبي ومفرداته؛ لكنني أعرف أن حكومات إسرائيل وأعوانها كانوا من أوائل المستفيدين من هذه البلبلة، وهم من ساهموا في زرع مناخات الالتباس ودق الأسافين، ووسعوا الشروخات وأقاموا، في سبيل تعزيزها «هوائيات» التشويش البشرية، الحركية والحزبية. ليس كل ما يُذمّ كتأسرل يجب أن يكون محظورًا! فبعض حالاته قد تعني الإصرار على ممارسة حقوق المواطنة الإسرائيلية، التي ننادي بها ونناضل من أجل فرضها على الدولة وعلى مؤسساتها، وهو في هذه الحالات فعل محمود؛ وبعضه قد يعني السعي وراء الاندماج في عروق الدولة، ورفض إصرار ساستها العنصريين على إقصائنا واعتبارنا مشاريع تهجير مخزّنة في ادراجهم. والتأسرل، وليس العمالة مثلًا، قد يطلق بالقصد على من يخدم في جيش الاحتلال، أو على من يتبنى الرواية الصهيونية ويقبل بنشرها في وجه رواية شعبه، و«المتأسرل» قد يكون صحافيًا يعمل في تلفزيون «مكان» أو في منصة إعلامية صهيونية أخرى مع أنه ينشر، بإصرار وبجرأة، مواقفه الإنسانية والتقدمية؛ بينما، لا يكون متأسرلًا، بالمقابل، من يعمل في فضائيات العرب، التي تتغنى بإسرائيل، وتخدم حكام تلك الدول المستبدين، ولا تنشر إلا الفتنة والفرقة والعصبية. والتأسرل يمكن أن يكون قبول صانع أفلام فلسطيني، أو فنان محلي لدعم مادي من صندوق إسرائيلي معدّ لدعم مواطني الدولة، ولا يكون منكراً إذا كان المال قطريًا أو تركيًا أو فرنسيًا أو أمريكياً.
إننا نعيش اليوم في عالم مقلوب، حيث يهاجم فيه، مثلًا، النائب منصور عباس، رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، من قبل إخوانه في الحركة الإسلامية الشمالية ومن الشيوعيين والقوميين في الوقت نفسه، وينعت من قبل جميعهم بالمتأسرل والمتصهين، وأنا لا أفهم كيف ومتى توحّدت مصالح تياراتهم على هذه الجبهة؟ وفي الوقت نفسه تطرد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإسرائيلي من صفوفها عضوين يهوديين فاعلين بتهمة مشاركتهما في نشاط لمجموعة اسمها «نقف معًا» علمًا بأن آلاف منتسبيها يناضلون ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن أجل العدالة الاجتماعية والمساواة التامة للمواطنين العرب. إنه عالم مقلوب، لاننا نرى فيه قيادات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذين دعوا في أنظمة حزبهم «إلى إنشاء جبهة يسار يهودية عربية تكون قادرة على أن تقترح لشعبينا برنامجًا مقنعًا من أجل الخروج من الأزمة الراهنة والسير على طريق السلام والمساواة. الحزب الشيوعي الإسرائيلي يسعى إلى عمل مشترك واسع يقوم على قاعدة متفق عليها، مع أحزاب وأوساط وشخصيات ذوي رؤى مختلفة» – يجهضون محاولات توسيع الصفوف من أجل مصلحة «شعبيهم» ويتسابقون، مثل الاخرين، بإطلاق شتائم التأسرل والتصهين والعمالة بحق رفاقهم وقادة من حزبهم وجبهتهم. إنه عالم مقلوب حيث نرى فيه قادة اسلاميين فاخروا مرة بقربهم من خيمة ملك العربية السعودية، لكنهم هجروها ولجأوا إلى عباءة السلطان أردوغان، وفي كلتا الحالتين لم يترددوا بالصاق تهم «التأسرل» والتهكم على قادة القائمة المشتركة المنتخبين من أبناء شعبهم. إنه عالم مقلوب حين نرى رفاقًا شيوعيين بعد أن تخرّجوا من الجامعات الأممية، وعادوا منائر علم إلى اسرائيل، واستوعبوا في شرايينها الصهيونية ودخلوها آمنين وغانمين بنعمة المواطنة، وهم غير متأسرلين، لكنهم يحاربون رفاقهم بتهم المتأسرلين والمتصهينيين والامبرياليين.
ما الأسرلة إذن وما التأسرل ؟
لن نتوصل إلى تعريف واحد تجمع عليه الاحزاب والحركات السياسية بيننا؛ لكنني لم أفهم، كما قلت، كيف يتوحد الشيوعيون الاسرائيليون، عربًا ويهودًا، مع الإسلاميين ومع القوميين على تعريف بعض حالات التأسرل؛ وقد كنت أتخيّل أن هذه الامكانيات مستحيلة؛ وذلك ببساطة لأن الحزب الشيوعي الاسرائيلي آمن ويؤمن، لا عن طريق التكتيك السياسي، بحل الدولتين للشعبين، وبخلاف ما يؤمن به الإسلاميون، مثلًا، الذين لا يقرّون بحق اليهود في إقامة دولة على أي جزء من أرض فلسطين، التي يعتبرونها وقفًا إسلاميًا معدّاً لاستقبال دولة الخلافة الإسلامية عن قريب؛ وكذلك لأن خلاف الشيوعيين مع القوميين، ما زال كما كان قائمًا حول شرعية إسرائيل وكونها تجسيدًا لحق اليهود بتقرير مصيرهم، وما يترتب على هذا الخلاف من شعارات سياسية ووسائل كفاحية. لا أنكر وجود قواسم مشتركة بين هذه التيارات الثلاثة، لكنني أخصّ هنا قضية «التأسرل» ومضامينها كما نواجهها في حياتنا اليومية؛ فهنالك فروق جوهرية ازاءها، إن لم تحدّدها قيادات الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، فستبقى «الفوضى الهوياتية» طاغية، والتيه السياسي مستمراً، وسيبقى كل هاو أو حاو أو مغرض قادرًا على سحب «جوكره» وإطلاق تعريفه لفعل «التأسرل» وكأننا في لعبة ورق عبثية !
لا فراغ في السياسة؛ فإن غبتَ عن موقع سيزرع غيرك فيه؛ وإسرائيل لا تغفو ومثلها من يؤمن أن مشروعه صار قاب قوس وأدنى، وأنّ الفرج يقهقه على أدراج القدر؛ والهوية، إن نسيتم يا رفاق، هي كما قال الدرويش في طباقه: «دفاع عن الذات، ن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماض ..»
كاتب فلسطيني

 

الأسرلة

جواد بولس

 

 «الأسرلة» وصف شاع في السنوات الأخيرة كمذمّة يطلقها البعض في وصف فعل، أو دعوة، أو مبادرة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، بهدف تشويه سمعة الفاعل/الداعي/ المبادر ومهاجمته، ووأد فعله لكونه «غير وطني» ولا يخدم مصالح المواطنين العرب في إسرائيل، كما يراها ويعرّفها ويؤمن بها أولئك المهاجمون والمنتقدون. فما الأسرلة إذن؟
يغيب عن بال معظم المنشغلين في هذه القضية، موقف قادة الحركة الصهيونية والمؤسسة الحاكمة بكل أجنحتها، الذين حسموا هذه المسألة منذ البدايات وأجهضوا إمكانية نشوء حالة «الأسرلة» الرسمية، حين قمعوا كل محاولة فردية أو جمعية للمطالبة بها. قد يكون قضاة المحكمة العليا في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم هم السباقون، و»أبطال» هذه المهمة، فقراراتهم المبكرة والمثابرة حالت عمليًا دون امكانية نشوء «هوية مدنية إسرائيلية» لجميع مواطني الدولة، تشمل بداخلها مركبات ثانوية أخرى مثل الديانة وغيرها.
جاءت قرارات المحاكم الإسرائيلية قبل تشريع قانون القومية بخمسين عامًا، في عدة قضايا، حاول من خلالها بعض المواطنين اليهود وغير اليهود تسجيل أنفسهم في هوياتهم كـ»إسرائيليين» وليس يهودا، إلا أن صهيونية القضاء وعنصريته وتحيّزه، منع قوننة «الأسرلة» لإبقاء اليهود، حسب هذه القرارات، أسياد البلاد، والآخرين ضيوفًا يجلسون على الريح. لقد ثبّت القضاة عبر تلك السنين «إسرائيل» اسماً لدولة كانت وستبقى دولة يهودية لا يسكنها «إسرائيليون» بل يهود، لأنها كما كتبوا في قراراتهم، كيان قام «كدولة يهودية في أرض اسرائيل، وكحق طبيعي للشعب اليهودي، كي يعيش مثل باقي الشعوب في دولته اليهودية السيادية». فلا يوجد انفصام بين اليهود والإسرائيليين، ولن يكون. إذن، ما بين أسرلة مستحيلة وغيرها من الحالات، بعضها مستكره وبعضها طبيعي، تضيع الطاسة وتذوب الفوارق وتنتعش الفطريات.
يساورني شعور بأنّ الغالبية العظمى من المواطنين العرب لا تولي هذه الحالة اهتمامًا جدّيًا، ولا تتوقف عند ما يعنيه حقيقةً مُطلق التقريع؛ فأكثرية الناس تسمع هذه «المسبة» بحق فلان، أو تلك المجموعة المتهمة بذلك الفعل المدان، ويمضون إلى مواقع عملهم، وإلى مصادر أرزاقهم المرتبطة بطبيعة الحال بأسواق الإنتاج والعمل والاستهلاك الإسرائيلية. لا يمكن أن تغطي مقالة أسبوعية واحدة كل جوانب هذه القضية الملتبسة؛ ولذلك سأكتفي اليوم بالتطرق إلى مهاجمة بعض الأفكار السياسية الخارجة عن نطاق المألوف، والانتقاص من محاولات بعض الأشخاص أو المجموعات اقتحام المستقبل بأدوات وبطروحات سياسية جديدة؛ وقد شهدنا الموجة الاخيرة من هذه الهجمات ضد مجموعات من الأشخاص البارزين، والمشهود لهم بانتمائهم الحقيقي لقضايا شعبهم ولمصالح مجتمعاتهم، كان بضمنهم النائب أيمن عودة. بعض من الذاكرة لن يضر.. فعندما كنا طلابًا جامعيين في أواسط سبعينيات القرن الماضي، عشنا مخاضات سياسية ثلاثية الأضلاع؛ كطلاب عرب وقفنا معًا في وجه القوى اليمينية التي كان يقودها في حينه من أصبحوا اليوم وزراء في الدولة كيسرائيل كاتس وتساحي هنجبي وأيفيت ليبرمان وغيرهم، ممن يتحكمون في أجهزة الدولة وسياساتها؛ أما داخليًا فكانت المواجهة محتدمة بين «جبهة الطلاب العرب» وفي طليعتهم وقف رفاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، و»حركة أبناء البلد» التي دأبت على رفع شعارات قومية، وعلى نعت الحزب الشيوعي بالأداة الإسرائيلية وعلى مهاجمة تاريخ نشاطاته قبل إقامة اسرائيل وبعدها.

أحداث يوم الأرض كانت عتبة مهمة لتجذير مفهوم المواطنة الكاملة ووضوحها كرافد للبقاء السليم، وكونها استحقاقًا طبيعيًا لنا

لا أعرف من يذكر اليوم تفاصيل تلك الصدامات، فالمواجهات تعدت رفض «حركة ابناء البلد» لشعارات «الحزب الشيوعي» السياسية ورؤيته للحل، من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولتين لشعبين، بل وصلت إلى حالات من التخوين السافر، والاشتباكات الجسدية العنيفة، إذ أن شعار القوميين في تلك السنوات أكد على أن تحرير القدس سيمر أولا بتحرير جزيرتي «سبتة ومليلة» المغربيتين من براثن الاحتلال الإسباني، وعلى أن حل القضية الفلسطينية لا يكون إلا بالمقاومة، وإقامة دولة ديمقراطية واحدة على جميع أرض فلسطين؛ ومن لا يؤمن بذلك فهو خائن ومفرّط. كانت الأسرلة، إذن، وقتئذ «الوصمة» الكبرى التي ألصقها ناشطون قوميون، أو بعضهم ادّعى القومية، بأهم تنظيم سياسي عمل على بعث روح البقاء والصمود بين الأقلية الفلسطينية، الناجية من مزايدات القوميين، وبعد أن هندس قياديّوه، برؤى حكيمة وكفاحية واقعية، ضفتي نجاتها في الوطن: هوية فلسطينية جامعة، ومواطنة إسرائيلية متساوية بالحقوق. في تلك السنوات لم يكن مصطلح «الأسرلة» شائعًا كمسبة، كما في أيامنا هذه، وقد يكون جديرًا دراسة أسباب ذلك؛ لكنني أجزم أن من بين تفسيرات تلك الحالة، سنجد وضوح تعريف «العمالة» ومضامينها والإجماع شبه البديهي على من يكون العميل أو «الذنب» كما درجت العامة على تسميتهم.
وإلى جانب ذلك سنجد، كذلك، أن عدم نضوج فكرة المواطنة داخل مجتمعاتنا التي واجهت حتى عام 1966 قمع الحكم العسكري الإسرائيلي، لم يدفع المواطنين إلى الاهتمام بماهية «الأسرلة» لاسيما وقد عاش معظمهم تحت رهبة ونفسية النكبة، التي لم يخرجوا منها، إلا إبان أحداث يوم الأرض، الذي من دون شك كان عتبة مهمة لتجذير مفهوم المواطنة الكاملة ووضوحها كرافد للبقاء السليم، علاوة عن كونها استحقاقًا طبيعيًا لنا.
لقد رافق تلك التطورات وعي قيادات ذلك الزمن بضرورة إنشاء شبكة من الأطر المساندة والكفيلة برسم السياسات المرغوبة والضرورية من جهة، وبمواجهة ممارسات الدولة العنصرية من جهة أخرى، فكانت ولادة «اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية والبلديه العربية» ومعها مجموعة من الجمعيات الأهلية والشعبية والنقابية، عناوين مكلفة بمتابعة البعد المدني واستحقاقاته المواطنية، أما «اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية» فجاءت لتداري الرافد القومي، وما يتفرع عنه من ضرورات وموجبات ومهام؛ وبقيت الأحزاب والحركات السياسية المشاركة في الكنيست عناوين لإدارة المعركتين، وفق ما يراه كل حزب وحسب عقائده وأولوياته.
من دون أن نستعرض جميع المحطات السياسية والتحولات الاجتماعية التي مرت بها مجتمعاتنا المحلية بعد تلك المرحلة، من المهم أن نلحظ أن أهم المتغيرات التي طرأت عليها، لم تكن بالزيادة العددية وحسب، بل بنشوء شرائح جديدة وطبقات اجتماعية حديثة، أفضت ولادتها إلى نمو شبكة من المصالح، الفردية والجمعية، مع الدولة، وفرضت، بالتالي، أنماط اشتباك واندماج مع مؤسساتها لم نعهدها من قبل.
استمرت المحاولات لخلق التوازن داخل المعادلة الثنائية، حيث بقيت الجبهة الديمقراطية وأدواتها المجرّبة والعريقة رأس الحربة في هذه المهمة، إلا أنها، لأسباب كثيرة، لم تعد قادرة على أداء هذا الدور، ودخلت مؤسساتها في حالة من التكلس والجمود، وراح بعض قادتها ينافسون زملاءهم من الأحزاب الاخرى في الجري والتودّد لزعماء العرب ولطغاتهم، والتراخي أمام تنامي مدّ حركات الإسلام السياسي، حتى ضاعت بوصلة الجماهير المجرَّبة، واختلّ قاموس المعاني، فلم يعد للعميل تعريف يجمع عليه، ولا كل وطني مأمول، واستحضر كل حاو «إسرائيله» حتى غدت «الأسرلة» هوى وموالا يغنيه كل «ثائر» على هواه.
في ظل «فوضى القيادة» ومع جنوح المجتمع الإسرائيلي إلى يمينيّة عنصرية وفاشية سافرة، وبسبب عوامل خارجية ومحلية أخرى، ازدادت قوة الأصوات المطالبة بعملية الإقصاء الذاتي، ومقاطعة مؤسسات الدولة، فسادت حالة من العدمية الخطيرة، التي أوصلت مجتمعاتنا إلى حالة من «السيلان الهوياتي» والتدحرج نحو قاع الهاوية، وإلى عبثية لم تعد محتملة؛ فصار أهون على بعض المتعاطين بالسياسة، والخائفين على مواقعهم الحزبية، مهاجمة الأنقياء والمجتهدين ورميهم بتهمة الأسرلة حينًا والصهينة أحيانًا، بينما نراهم يصمتون ويخنعون امام العابثين في خيرات بلداتهم والمفتنين والمتطاولين والفاسدين والبلطجيين.
ما الأسرلة إذن، ومن يقرر ما هي وما بينها وبين أحكام المنفعة أو «العثمنة» أو «البلشفة» أو «القطرنة» أو «البوتنة» أو «السعدنة» أو «البشرنة»؟ ومتى تكون مذمومة ومرفوضة، حتى يستحق من يمارسها تهمة الخروج عن الصف الوطني أو المتصهين أو الجاسوس؟
يتبع ..
كاتب فلسطيني

 

صائب… مفارقات

غريبة ومسيرة طويلة

جواد بولس

 

ما زال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، يرقد في مستشفى «هداسا» الإسرائيلي بوضع صحي حرج، لكنه مستقر، حسبما أفادت عائلته مؤخرًا.
وقد أصيب الدكتور صائب عريقات بفيروس كورونا، وبقي تحت المراقبة الطبية المحلية في بيته الكائن في مدينة أريحا، إلى أن تدهورت حالته الصحية بشكل مقلق، ما استوجب نقله إلى مركز طبي فيه ما يلزم من طواقم مؤهلة، ومعدّات ملائمة لتأمين الرعاية الطبية المثلى، لمن خضع مثله قبل ثلاثة أعوام لعملية زرع رئتين في أحد مستشفيات أمريكا.
لم تمرّ هذه الحادثة من دون أن يتناولها بعض الفلسطينيين بانتقاداتهم الشديدة، أو بالتهكم أحياناً أو بالتشفي، أو بالتعبير عن رفضهم لاختيار عائلة عريقات نقل مريضهم إلى مستشفى إسرائيلي، فقد كان أولى بهم، حسب أولئك المعقبين، إبقاءه تحت إشراف أطباء فلسطينيين، أو نقله إلى إحدى الدول العربية، مثل الأردن
في بداية تسعينيات القرن المنصرم، أصيب والدي، وهو في منتصف خمسينه، بسرطان الكبد، كنا نحبه كثيرًا، كأب وكمعلم لنا في المدرسة، وكصديق صدوق عندما كبرنا. خفنا أن نفقده وهو مازال في قمة تألقه وعطائه، فحاولنا أن نجترح المعجزات لننقذه، وتعلقنا بكل تميمة ودعاء، وسعينا وراء كل بارقة أمل وفرصة للنجاة. بعد جهود واستئناس برأي الخبراء، الذين يعملون مع أخينا الطبيب، فهمنا أن أهم قسم لعلاج هذا النوع من السرطان موجود في مستشفى مدينة هانوفر الألمانية؛ تواصل أخونا منذر مع زميله الطبيب الجراح المتخصص هناك، واتفقا على نقل والدنا ليجري العملية عندهم. لن أحدثكم عما عانيناه قبل اتخاذ القرار، ولا كيف تخطينا جميع العثرات؛ فقد قررنا أن نبذل كل ما نستطيع لتأمين الفرصة، مهما كانت ضئيلة، من أجل انقاذ «بطلنا». كانت عمليته معقدة، لكنها تمت بنجاح؛ فاستؤصل الورم وعدنا لنحيا في ظله بضعة أعوام قليلة، قبل أن ينتصر عليه المرض مجدداً ويرحل عنا بسلام.
لقد تعرفت إلى صائب عريقات في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، وكان يعمل محاضراً للعلوم السياسية في جامعة النجاح في مدينة نابلس، ويكتب كلمة تحرير جريدة «القدس» التي ما زالت تملكها اليوم عائلة صاحبها الراحل الصحافي العريق محمود أبو الزلف. كان الاحتلال يرصد جميع ما ينشر باقلام فلسطينية، خاصة إذا كانت مقالات تخاطب عقول النخب الليبرالية في الجامعات الغربية، وفي سائر المحافل والمعاهد الدولية، لاسيما إذا كان يعتمد كتّابها على السردية الفلسطينية الناضجة، واللغة العلمية الحازمة، وتلك التي كانت توثق جرائم الاحتلال وممارساته اليومية بطريقة مهنية. طلب صائب أن يقابلني ذات مساء، وأوضح أنه يريد مني استشارة قانونية؛ واقترح أن نلتقي في مكاتب جريدة «القدس» في شارع علي بن أبي طالب قبل انتقالها إلى مقرها الجديد بجانب مطار القدس في منطقة قلنديا. دخلت غرفة أبي مروان، محمود أبو الزلف، حيث كان يستقبل فيها في الأمسيات الأصدقاء وبعض أعلام القدس، في جلسات كانت تتناثر فيها الطرائف والنوادر الممتعة، وكان عبق التجارب يتطاير من جنباتها؛ وكنا، أنا وصائب حينها، أصغر الحضور سنًا.

لم انتظر طويلًا لافهم سبب استدعائي، فقد كان موضوع حديث لمة ذلك المساء هو، لائحة اتهام قدمتها نيابة الاحتلال الاسرائيلي ضد صائب عريقات لدى المحكمة العسكرية في نابلس بتهمة التحريض والإخلال بالنظام العام. كانت محكمة نابلس العسكرية واحدة من عدة محاكم نشرها الاحتلال في عدة مدن فلسطينية محتلة؛ وكانت تعمل من داخل مبنى قديم أقامه البريطانيون، واستغله جيش الاحتلال مقر حكمهم على تلك المنطقة، وسجنا ومحكمة عسكرية. قرأ القاضي التهمة، فأنكرتُها باسم صائب، محاولا أن أشرح أن المقال، الذي يعتبرونه تحريضاً، هو محض موقف سياسي لأكاديمي، يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، وعليه يجب إغلاق الملف بحق موكلي.
كانت سياسة ترهيب المثقفين في أواسط الثمانينيات في أوجها، كجزء من مخطط شامل للاحتلال، استهدف وجود الحركة الوطنية بشكل عام، وبناء بدائل محلية لها.
دخلنا المحكمة ونحن على قناعة أن نجاحنا في المعركة القانونية سيكون شبه مستحيل؛ فدور المحاكم العسكرية كان قد أعد منذ البدايات، ليضفي على ممارسات الاحتلال شرعية كاذبة، وليسوّغ، بوسائل «قانونية» شبه عسكرية، سياسات الاحتلال وقمعه ضد جميع الفلسطينيين. وكما توقعنا حصل؛ فقد قبل القاضي، بعد سماع الادعاءات ومرافعات الطرفين، طلب ممثل النيابة العسكرية، فأدان صائب بتهمة التحريض، وانتقلنا إلى مرحلة تحديد العقوبة، التي لم تشغل بالنا في البداية، لأن معظم الإدانات المشابهة بقضايا التحريض كانت تنتهي بالحكم بعقوبة السجن لبضعة شهور معدودة، مع وقف التنفيذ على المدان، وبفرض غرامة مالية خفيفة عليه. إلا أن المدعي طلب بشكل مفاجئ تعليق الجلسة لمدة نصف ساعة، كي يجري اتصالاً ضرورياً، حسب ما أدلى به لمحضر الجلسة. استؤنفت المداولات بعدها؛ فوقف المدعي وألقى خطبة قصيرة أكد فيها على سياسة العقوبات المعروفة في مثل هذه القضايا، لكنه اضاف أنهم قرروا في هذه القضية أن يحيدوا عن تلك السياسة ويطالبوا المحكمة بإلقاء عقوبة السجن الفعلي لمدة ستة أشهر بسبب مكانة المتهم وعمله كمحاضر.
لم أصبر حتى نهاية مداخلته، فقاطعته بغضب واضح، وحاولت أن أطلب من القاضي تأجيل الجلسة لموعد آخر، كي نعد مرافعتنا الدفاعية، ونفند ما تحاول النيابة ادعاءه؛ فلم يعطني القاضي فرصة للكلام، وكان يسكتني بعناد مقزز، وبطريقة مستفزة، وأنا، من جانبي، أصر على تسجيل طلبي في المحضر. صارت أجواء القاعة مشحونة فنظرت صوب صائب، الذي بدت على وجهه علامات الدهشة، وعدم استيعاب ما يجري حوله. وفجأة أعلن القاضي أنني متهم بتحقير المحكمة وقام في الثانية نفسها بإدانتي وبفرض غرامة مقدارها ألف وخمسمائة شاقل على أن أدفعها فورًا. أجبته، بدون انتظار، أنني أرفض قراره، ولن ادفع الغرامة بالمطلق. تدخل المدعي العسكري وطلب تأجيل الجلسة بعد أن شعر بأن الامور قد تخطت ما تصوره.
في أحد الفحوصات الدورية التي أجريت في منتصف عام 2000 لرئيس دولة إسرائيل عيزرا فايتسمان في مستشفى رامبام الحيفاوي، تبين أنه بحاجة لتركيب جهاز حديث ومعقد يقوم بتنظيم عمل قلبه، عن طريق إجراء عملية جراحية حساسة ومستعجلة. أُخبر فايتسمان أن من يستطيع إجراء هذه العملية في المستشفى هو طبيب عربي متخصص في هذا المجال؛ لكنه منح، في الوقت نفسه، إمكانية اختيار طبيب بديل من خارج البلاد لو رغب. «أحضروا الطبيب العربي»؛ قال فايتسمان لطاقم مستشاريه، ففي هذه الأمور يجب أن يعود الإنسان إلى أصله الأول ويتصرف بإرادة نقية خالية من كل شائبة، زيدت عليها خلال مسيرة حياته طويلة كانت أم قصيرة.
كان ذلك الطبيب هو أخي منذر، الذي اختار مع زملائه من المستشفى نفسه، مدينة هانوفر الألمانية ملجأ لنجاة والدنا. نجحت عملية فايتسمان؛ فكتبت الصحف أن طبيباً عربيا أنقذ قلب رئيس الدولة؛ وذلك في مفارقة قد أغلقت دائرة عبثية وأبقت للتاريخ مشهداً انسانياً خالياً من أي زوائد أو شوائب.
أعلن قبل عشرة أيام عن وفاة نائب رئيس جهاز المخابرات العامة السابق يتسحاك إيلان عن عمر ناهز الأربعة والستين عامًا، بعد إصابته بفيروس كورونا. هاجر يتسحاك ايلان إلى اسرائيل من جورجيا وتجند عام 1982 لجهاز «الشابك» وتقدم في صفوفه، حتى شغل في منتصف الثمانينيات منصبًا رفيعًا ومسؤولًا في منطقة «يهودا والسامرة»؛ وهي الفترة ذاتها التي اتهم وأدين فيها صائب عريقات بالتحريض والإخلال بالنظام العام. خضع إيلان قبل عام لعملية زراعة رئة، ونقل بعد إصابته بالفيروس إلى مستشفى بيلينسون، حيث فشل الأطباء بإنقاذ حياته. اعتاد صائب أن يروي تفاصيل ما جرى معنا في محكمته كشهادة على عبثية القضاء العسكري، وكان يعيد الحكاية مراراً وتكرارا من باب الدعابة والشهادة على تاريخ علاقتنا الشخصية؛ خاصة بعد أن ترك عالم الأكاديميا ومضى على دروب السياسة الشائكة والمضنية؛ وهي ليست حكايتنا اليوم.
لا أعرف كم ممن تعرضوا لحالته اليوم يعرفون سيرته على حقيقتها؛ لكنني أعرف أن من حقه أن يحيا، وأن إنقاذه واجب حتى لو حصل بأيادي أطباء إسرائيليين؛ وأعرف، أيضا، أن إقحام صائب السياسي من قبل معارضيه في هذه المرحلة هو تجن، فالحياة لمن لا يعرف هي سلسلة مفارقات يهندسها الحظ ويغذيها العطاء ويثبتها الوفاء وتهدمها الشماتة ويحبطها الفشل.
كاتب فلسطيني

 

من يسمع صرخة هذا

«الأخرس» من أجل الحرية

جواد بولس

 

ردت المحكمة العليا الإسرائيلية يوم الثلاثاء المنصرم التماس الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس، ابن قرية سيلة الظهر التابعة لمحافظة جنين، ورفض قضاتها الثلاثة طلب محاميته الإفراج عنه، بسبب تردّي حالته الصحية ووصولها إلى مرحلة تنذر باحتمال موته الفجائي في كل لحظة؛ حسب إفادات الأطباء، الذين يتابعون مسيرة إضرابه عن الطعام، التي بدأها في يوم اعتقاله في السابع والعشرين من تموز/يوليو الماضي، والإعلان عن حبسه إداريًا لمدة أربعة أشهر، من المفروض أن تنتهي في السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
لم يفاجئ القرار كل من يعمل في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، لاسيما من دافعوا عمن خضعوا لتجربة الاعتقال الإداري، وحاولوا طيلة خمسة عقود، الاستجارة بعدل محكمة فُوّضت، عن خبث، بصلاحية استقبال التماسات المتظلمين الفلسطينيين ضد سياسات الاحتلال، وسلّمت عن تخطيط مسبق، مهمة لتسويغ ممارسات الاحتلال ولفها بأوراق من عدل زائف وتسويقها، في رحاب العالم المتحمس لإجارة إسرائيل «الضحية» كبيّنة لكونها دولة منصفة بحق الجميع، حتى بحق ألدّ أعدائها الذين يقاومونها ويعتدون على سلامة شعبها بالكلمة وبالسكين وبالمولوتوف.
كانت هذه في الواقع جولة الأسير الأخرس الثالثة، التي حاول فيها، في أقل من شهر، أن يقنع المحكمة بضرورة الإفراج عنه لأسباب صحية، لكنه لم يحصد في جميعها مبتغاه؛ بل واجه ما واجهه في الماضي إخوانه ممن خاضوا مثله إضرابات طاحنة عن الطعام، ووصلوا، مثله أيضًا إلى حلق القدر، ولم تسعفهم نزاهة المحكمة؛ بل أكد تصرف جميع قضاتها وفاءهم للدور، الذي كان مرسوما لهم، وإنهم فعلًا ذراع الاحتلال الطولى وجنوده «الحكماء» الذين يعرفون كيف يبيعون ظلم احتلالهم للشعب الفلسطيني، حتى لو كان عاريًا، في أسواق «ضمائر الأمم» الفاسدة، ويقلبون الحقائق في مسارح العبث، وينالون إعجاب النخب وفقهاء الشعوب «المتحضرة».
لقد شهدت نضالات الحركة الأسيرة الفلسطينية، على طول مسيرتها، إضرابات قاسية عن الطعام، برزت من بينها، في آخر عقدين، ظاهرة الإضرابات الفردية، حيث وصلت حالات بعض المضربين إلى منطقة الخطر الحقيقي، كما هي حالة ماهر الأخرس في هذه الأيام؛ ورغم ما كان يتوقعه كل صاحب ضمير من قضاة يخدمون في محكمة سميت مجازًا «محكمة العدل العليا» فقد تصرف القضاة بدون حرج أو ضيق، وأوجدوا بدهاء لافت وغير مسبوق، مخرجًا قضائيًا هدفه إسعاف قادة جيش الاحتلال وجهاز المخابرات العامة، حين اخترعوا تقنية «تعليق» نفاذ أمر الاعتقال الإداري الذي كان يواجهه الأسير ساعة وصوله إلى لحظة الصفر؛ فعلقوا أمر اعتقاله، لكنهم قضوا بابقاء المضرب في المستشفى نفسه بصفته مريضًا يخضع للعناية الطبية والمراقبة، إلى أن يرتقي نحو سمائه أو يستعيد عافيته، فعندها يحق للقائد العسكري إحياء أمر الاعتقال مرة أخرى. إنها فذلكة جهنمية أفضت عمليًا إلى إبطال منزلة الفلسطيني، المقاوم بخواء معدته، وحوّلته من أسير حرية إلى مجرد مريض وشبه منتحر بإرادته، علمًا بأنه محجوز في قفص «عدلهم» ولا يملك حق اختيار أطبائه ولا مشفاه.

وحدة الحركة الأسيرة شرط لنجاح نضالات أفرادها الجماعية والفردية، واتفاقهم على آليات نضالهم، سيبقى ضرورة مصيرية ومسؤولية وطنية عالية

حاول القضاة إغواء الأسير الأخرس، وإقناعه بإيقاف إضرابه مقابل الالتزام بعدم تمديد أمر اعتقاله بعد السادس والعشرين من نوفمبر المقبل، وعندما رفض الأسير عرضهم قاموا برد التماسه، بعد أن قام القاضي سولبرغ كاتب القرار، باستعراض حيثيات ما جرى قبل تلك الجلسة، مؤكدًا على أن هيئة سابقة من ثلاثة قضاة كانت قد علقت، في الثالث والعشرين من شهر ايلول/سبتمبر المنصرم، أمر الاعتقال الإداري الصادر بحقه، وابقوه في مشفى «كابلان» في مدينة رحوبوت، كمريض بدون أصفاد. كان قرارهم، كما قلت، متوقعًا، فهذه التقنية صارت في حكم السابقة القضائية الملزمة، ولن يشذ عنها أي قاض من قضاة المحكمة، فما بالكم إذا كان اثنان من هيئتها، التي أصدرت حكمها قبل أيام، مستوطنين يعيشان على أرض فلسطينية محتلة، وشغل ثالثهم منصب مستشار الحكومة القضائي زمن وقوع أحداث اكتوبر من عام 2000 الدامية. شهدنا، بعد صدور القرار، ردود فعل متزنة على الساحة الفلسطينية، فقادة السلطة الفلسطينية وبعض المؤسسات الناشطة في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، وعن حقوق الإنسان شجبت بحرقة قرار المحكمة الإسرائيلية واتهمت القضاة بأنهم يشرّعون عمليًا قتل المواطن الفلسطيني، حتى لو لم يكن متهمًا بأي تهمة، ولم يُدن في محكمة عادية، ونادوا بوجوب وقف سياسة الاعتقالات الإدارية المنافية لجميع المواثيق الدولية؛ بينما ذهب قادة حركة الجهاد الإسلامي، التي ينتمي اليها الأسير ماهر الأخرس، كما جاء في نص أمر الاعتقال الإداري، إلى تهديد اسرائيل بإمطارها بالقذائف، إذا لم تفرج عن الأسير، أو إذا حدث له أي مكروه. وتحرك نواب القائمة المشتركة داخل الساحة الإسرائيلية، وزار بعضهم الأسير في مشفاه متضامنين معه، وشاركوا مع قيادين آخرين، كرئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، في وقفة متواضعة دعت إليها اللجنة امام المستشفى، وفي وقفات أخرى شاركت فيها اعداد من الناشطين والمحتجين. بدأ الاسرى الفلسطينيون في السجون الاسرائيلية باتخاذ بعض الخطوات الاحتجاجية وأعلنوا عن نيتهم تصعيد نضالاتهم حتى يتم الإفراج عن الأسير. في المقابل، طغى صمت الشارع الفلسطيني على المشهد العام وغابت تلك الطفرة الشعبية والعالمية التي شهدناها قبل سنوات، مع بداية
نشوء ظاهرة الإضرابات الفردية، كتلك التي رافقت إضراب الشيخ خضر عدنان، ومن أضربوا بعده مباشرة في تلك التجربة المهمة. يسألني البعض، عن خوف ومرارة، عن مصير ماهر الأخرس، وعن موقفي من ظاهرة الإضرابات الفردية، فأجيب، أن إسرائيل، بمؤسساتها الأمنية والقانونية، ستبقى المسؤولة عن حياة ماهر وعن سلامته، وسنعمل أنا وزملائي بإصرار من أجل الإفراج عنه؛ لكنني مازلت لا استوعب متى سيقرر الفلسطينيون إعادة النظر باستمرارهم في طرق «ضمير» المحكمة العليا الاسرائيلية، فأنا لا أفهم ماذا ينتظر مقاوم يصرخ: إما الحياة بكرامة وبحرية وأما اللاحياة، من قضاة يرونه «مخربًا» وحسب، ويعتبرون احتلالهم لأرضه تحريرًا واستعادة لحق رباني أُعطوه منذ الأزل.
لم اكن يومًا من أصحاب المواقف المطلقة، فقد أكدت سابقًا وأوكد اليوم على أن الاضرابات الفردية هي أداة مشروعة من أدوات النضال والاحتجاج ضد الاحتلال، التي لجأ إليها الأسرى في الماضي والحاضر؛ وهي أداة أن أجيد استعمالها تؤدي حتمًا إلى إحراز نجاحات وإلى تحقيق ما وراءها من مطالب، ولهذا فأنا لست من أنصار نفيها بالمطلق، ولا إجازتها بالمطلق. ستبقى منفعة استعمالها مقيدة بتعريف الهدف والمطلب اللذين من أجلهما يعلن الإضراب، بعد الأخذ بجميع الظروف المحيطة بزمن ومكان إعلانه؛ فكلما كان الهدف محددًا وواضحًا وواقعيًا، ومن الممكن تحقيقه، سيحظى الإضراب الفردي بإجماع أوسع وبمساندة أصلب. ومن المهم أن يكون الإضراب الفردي من أجل هدف يتعدى مصلحة معلنه الضيقة، فيجب الانتباه كي يخدم نجاح ذلك الفرد بإضرابه مصالح مجموعة أو فئة أو مجمل الحركة الأسيرة؛ وكذلك من المهم أن ينأى المضرب عن تسخير خطوته من أجل مصالح فصيله أو حزبه، كما على فصيله أو حزبه السياسي، بالمقابل، ألا يركبا على كتف هذا الأسير وترصيد ريع نضاله في حسابات بعيدة عن مصالح وحدة الحركة الاسيرة ككل.
واكبت عذابات الحركة الأسيرة ونضالاتها على مدار أربعين عامًا، وتيقنت أنها إفراز طبيعي لحالة غير طبيعية، فما دام الاحتلال موجودًا سيبقى من يقاومه وسيبقى أسرى للحرية في السجون الاسرائيلية. لقد علمتنا تجربة البنائين الأوائل، بخسائرها وإنجازاتها، أن وحدة الحركة الأسيرة هي شرط مؤسس لنجاحات نضالات أفرادها الجماعية والفردية، وأن اتفاقهم على آليات نضالهم، وبضمنها الإضرابات الفردية، سيبقى ضرورة مصيرية ومسؤولية وطنية عالية. يختلف البعض على صحة الخطوة ويصر آخرون ألا يسمعوا صراخ هذا «الاخرس»؛ ويسعى غيرهم للاستثمار سياسيًا في شقائه أو على النقيض، تقويض تداعياته؛ لكن الحقيقة تبقى، كما كانت، بعيدة عن جميع مصالح أولئك؛ فماهر وأمثاله يجوعون من أجل الحرية والحياة بكرامة.
كاتب فلسطيني

 

من سيدق الأجراس

على باب جهنم؟

جواد بولس

 

نشرت صحيفة «هآرتس» العبرية، يوم الاثنين المنصرم، نبأ أفاد بأن شرطيا اسرائيليا كان يستقل دورية رسمية مع زميل له، صرخ بمكبر الصوت، حين مرّ بجانب من كانوا يتظاهرون ضد بنيامين نتنياهو، وأعلن بما يشبه التهديد والتحذير: «فقط بيبي». كُشف عن هذه الحادثة بعد أن تم تسجيلها وتصوير سيارة الدورية من قبل أحد المشاركين في المظاهرة، التي دعت إليها منظمة «الأعلام السوداء» وأقيمت في منطقة «كفار فيتكين».
قد تبدو هذه الحادثة للبعض مجرد مزحة عابرة هامشية؛ بينما هي، برأيي، عكس ذلك؛ فسياقها يجب أن يُموضع ويُقرأ على خلفية المشاهد التي تصدّرت نشرات الفضائيات، واستعرضت أخبار اعتداءات قوات الشرطة الإسرائيلية على المتظاهرين المتدينين اليهود، حيث أكّدت مناظر عنف عناصر الشرطة المنفلتين، مرة أخرى، أننا ازاء ظاهرة خطيرة تستوجب التوقف عندها، لأنها تعكس حقيقة وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم الدولة في السنوات المقبلة.
معظم المواطنين العرب لا يعيرون هذه الأخبار «الصغيرة» والمشاهد المستفزة أي اهتمام، كما لم يعيروا، اعتداء هذه الشرطة نفسها، قبل شهر، على المتظاهرين اليهود أمام بيت رئيس الوزراء نتنياهو في شارع بلفور، وكان بينهم العديد من الشخصيات المعروفة بتاريخها الصهيوني البارز مثل، رئيس جهاز الشاباك السابق كرمي جيلون الذي جرح هو وغيره في تلك المظاهرة. لا أعرف متى ستستوعب نخبنا الواعية وقياديونا، أننا نقف على «عتبة جهنم»؛ ولا نملك ذلك الترف، مهما كانت مسبباته، لإغفال ما يحصل، أو لتأجيل مواجهته، أو للشماتة بسببه؛ كما تشعر بعض القطاعات الواسعة بيننا، ولسان حالهم يلهج ويقول: إنهم يأكلون بعضهم، فدعوهم يسيرون نحو حتفهم بأرجلهم. هنالك هوة كبيرة بين ما يجري من تفاعلات سياسية داخل المجتمع اليهودي، وما يوازيها من ركود مقلق يتحكم في فضاءات مجتمعاتنا العربية السياسية وانهيارات في السلوكيات الاجتماعية؛ فبين الأكثرية اليهودية تتنامى وتكتمل مظاهر الفاشية، وفي مواجهتها تتسع حلقات المعارضين، الذين بدأوا يستشعرون بحتمية ذلك التطور الذي سيفضي إلى تشكل نظام ديكتاتوري شبيه بجميع الأنظمة الفاشية السوداء التي عرفها التاريخ، لاسيما في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين.

مناظر عنف عناصر الشرطة الإسرائيلية المنفلتين، تعكس حقيقة وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم الدولة في السنوات المقبلة

أما في المقابل، وعلى الرغم من اقتناع معظم طلائعي النخب العربية، المزودة بأدوات علمية، والمنكشفة على تجارب الشعوب الأخرى، بأن ممارسات النظام الفاشي الجديد، على الصعيدين العام والخاص بنا، ستختلف جوهريا، عمّا عاشه المجتمع الإسرائيلي وعشناه نحن في العقود السبعة الماضية، إلا أن هذه النخب وعلى الرغم من ذلك لم تبادر إلى أي محاولة لمنع وقوع الأسوأ المتوقع، أو للبحث عن وسائل لمقاومته.
سيدّعي الكثيرون، كما أتوقع، أن لا جديد في المشهد الإسرائيلي؛ فهذه الشرطة هي شرطتها القديمة الجديدة، ولطالما شاهدنا عصيها وهي تهوي على رؤوس وأجساد المتظاهرين العرب، وبنادقها تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع، أو حتى الرصاص المطاطي والحي، كما جرى في أحداث يوم الأرض الخالد، أو خلال احتجاجات أكتوبر عام 2000، وفي غيرها من الانفلاتات الشرطية العنصرية القمعية، التي خلّفت وراءها، بين المواطنين العرب، الضحايا والمصابين والأحزان.
لكنني وإن كنت أوافق على صحة هذا الادعاء بمنظوره التاريخي، أؤكد هنا، مرة أخرى، على أن ممارسات عناصر الشرطة الأخيرة، ستبقى علامات فارقة وتاريخية لأنها حملت دلالات خطيرة على طبيعة التحولات التي مرّ بها نظام الحكم في إسرائيل، وبراهين على انتقاله من نظام عنصري يقمع ويضطهد مواطني الدولة العرب، إلى نظام مستبد لا ديمقراطي وفاشي، لا يقبل بأي نوع من المعارضة السياسية حتى لو كانت آتية من داخل المجتمع اليهودي، وتمارسها قطاعات يهودية متدينة – يدعم كبارها عمليا حكومة نتنياهو – أو أجسام وجهات وشخصيات صهيونية بارزة، وصاحبة تاريخ مشهود لها بتضحياتها من أجل بناء «إسرائيل القوية».
من الضروري أن نلاحظ الازدياد في أعداد المعارضين اليهود، وتنوع خلفيات شرائحهم الاجتماعية ومؤهلاتهم العلمية وانتماءاتهم الأيديولوجية، كما كانت معلنة ومعروفة. ومن المفيد أن نسمع أصواتهم وهم يحاولون اختراق جدران السلطة الفولاذية؛ وان نلحظ ما بدأت ترفعه هذه المجموعات من شعارات مناهضة لنظام الحكم، وأي لغة سياسية جديدة اختاروها وجندوها في سبيل ذلك، رغم صهيونيتهم.
سيلجأ الكثيرون من المعلقين والناشطين السياسيين والاجتماعيين العرب، إلى تقزيم تلك الظواهر، من خلال تنقيبهم عن مواضي أولئك الأشخاص، وتسجيل ما اقترفت أيمانهم بحق الفلسطينيين، وبحقنا نحن المواطنين العرب، وهذا أمر طبيعي ومنتظر، ولئن ستبقى تلك التفاصيل والممارسات وصمات عار في سيَرهم الشخصية، فلا يصح سياسيا ومن غير المعقول أن نرفض التوقف عند «توباتهم» كما يصرون على إعلانها والقتال من أجلها، وإصرارهم على إجهاض الزحف الفاشي، ومنع انتصاره النهائي، حتى لو جاءت «صحوتهم» مجزوءة، أو متأخرة، أو ليست وفق طقوسنا؛ ولنا في تجربة الجنرال ماتي بيلد مع «القائمة التقدمية» عبرة وسابقة، وهي ليست الحالة الوحيدة.
من مصلحتنا، نحن المواطنين العرب، متابعة ما يجري في هذه «الجبهة» ومن واجبنا أن نحاول الاستفادة من هذه التفاعلات، وذلك لن يتم ما دامت كل الأطر السياسية والحزبية والحركية المدنية والاسلامية الناشطة بيننا، سواء في الكنيست أو خارجها، متمسكة بتزمت عصبي بأنماط عملها، وببرامجها السياسية، التي كانت نقطة انطلاقها عند حدوث النكبة، ويوم إعلان دولة إسرائيل، وهي غير مستعدة لإجراء أي ليونة سياسية، ولو تكتيكية، تفرضها ظروف الساعة والمخاطر الوجودية المحدقة بمستقبلنا وبمستقبل أولادنا. يساورني شعور بأن هنالك تغييرا جدّيا في مواقف مجموعات يهودية عديدة من المعارضين لسياسات اليمين الفاشي؛ وأشعر بأن دوافع معارضتهم اليوم تختلف عما ألفناه من مواقف ومنطلقات الكثيرين من الصهاينة اليساريين وغيرهم، حين كانت معارضتهم لسياسات القمع بحق الفلسطينيين تحت الاحتلال، وبحقنا كمواطنين مضطهدين، مجرد صرخات «أخلاقية» عابرة صادرة عن انتماء صهيوني ليبرالي هش لابن شعب محتل متجبّر، أو نتيجة لخوفهم الصهيوني على مصير دولتهم. قد أكون مخطئا، لكنني أدعو إلى التوقف عند ما يحصل ودراسته بتمعن جدي ومسؤول، والإصغاء لما يقال من خلال بعض المنابر والمواقع المعارضة؛ فشعار «شرطة نتنياهو تقمع الشعب» أو «سرقوا الدولة» أو تشبيه بعض الممارسات الحكومية، وتعاظم مظاهر الفساد بحكم عائلات الاجرام المنظم، وغيرها من الشعارات المستحدثة، كلها قد تكون بوادر لتغييرات جذرية عند من بدأوا يطلقون تلك الشعارات، ويفتشون عن حلول خارج أطر معتقداتهم الصهيونية التقليدية؛ خاصة بعد أن تحققوا مما أفضت إليه مواقفهم السابقة.
قد تكون هذه مجرد تمنيات أو إرهاصات حقيقية لحالات يجب أن تتابع وترصد وتدرس وتوظف، في سبيل توسيع جبهات مواجهة خطر الفاشية؛ فمن لا يوافقني، عليه أن يعلن عن برنامجه لصد الفاشية والانتصار عليها، وليس بالدعاء وحسب وبالايمان بحتمية المسار التصحيحي للتاريخ، وبشعارات مثل لا يصح إلا الصحيح وما إلى ذلك..
كلنا نعرف خريطة القوى السياسية الناشطة بين المواطنين العرب، ورغم ذلك لا أرى من سيرفع الصارية ومن سيعلق الأشرعة، لكنني على يقين اننا نقف على «باب جهنم» واعرف انه ما لم نتحرك فورا فسيسبقنا «الشيطان»؛ فمشاهد عربدات الشرطة ضد كبار رجال الامن السابقين بسبب معارضتهم لسياسات النظام المستبد، وصور العنف الممارس ضد النساء والشيوخ والشباب والشخصيات اليهودية التي شاركت في تلك الاحتجاجات، ستبقى شواهد على كيف تحوّلت مؤسسات الدولة، وشرطتها في المقدمة، من أجهزة موكلة بخدمة الدولة وحماية مواطنيها اليهود – وتمارس بشكل منهجي سياسة القمع العنصري ضد مواطنيها العرب- إلى أدوات مقادة من قبل مسوخ بشرية، وإلى أذرع مسيّسة تلاحق وتضرب، باسم الحاكم الأوحد، كل معارض وكل محتج على شرعية سلطته وعلى سياساته. لسنا وحيدين هنا، فمن سيدق الأجراس على باب جهنم؟
كاتب فلسطيني

 

 

جمال عبد الناصر…

غصة وذكرى وضريح

جواد بولس

 

كان أيلول/سبتمبر قبل خمسين عامًا شهر البكاء والندم، ففيه دفع الفلسطينيون ثمن دخولهم في إغواءات المغامرة الأولى، وفيه بكت الأمة رحيل من أشعل حلم الوحدة المستحيلة. خمسون عامًا مرّت على وفاة جمال عبد الناصر، والعرب ما زالوا يعيشون على أنوف رماحهم، التي ورثوها من عصور الرمل، وفي فيء عباءاتهم الرثة؛ فما يرضي زيدهم يغضب عمرهم، تماما كما نشهد ونقرأ في هذه الأيام، وكلما كانت تستحضر ذكرى وفاة جمال «حبيب الملايين».
كنا طلابًا في السنة الأولى في مدرسة «يني الثانوية» عندما شاع نبأ موت جمال عبد الناصر. معظم تفاصيل تلك الأيام صارت نثارا في عالم النسيان؛ لكنني مازلت أتذكر كيف تحوّل لون السماء فوق قريتي إلى كحلي، أو أقرب إلى دكنة وجه من مات خنقًا. في الجو ساد صمت رهيب، مازلت أسمع صداه حتى هذه اللحظات. وقفت مع أترابي وأذكر كيف أحسست، ولم أعرف وقتها لماذا، بدهشة مَن انشقت الأرض تحت قدميه فصارت هاويته كالقدر المحتوم.
لم أكن مسيّساً ولا من بيت ناشطين حزبيين؛ فوالداي كانا معلمين ينتميان لجيل آمن بمهنة التعليم ،واعتبروها رسالة مقدسة، فمارسوها لينشئوا أجيالًا حصينة ونقية، ولكي ينقذوا الناجين من لعنة النكبة والتهجير، ويخلصوهم من مشاعر الذل والهزيمة؛ زرعوا فينا، بحنكة الحكماء والصبورين، بذور الكرامة والشغف الكبير للمعرفة وكنز القناعة والاكتفاء، إلا من كل ما يسلب حرياتنا ويجوّف أرواحنا ويعطل عقولنا. علّمونا كيف نكره الظلم والظالمين، وكيف نحب الخير والغير والصالحين؛ ففي ذلك الزمن ذي اللونين عشنا في عالمين وحسب: واحد أسود، يلفه ظلام لعين ويحكمه الأشرار والعابثون، وآخر أبيض من نور مبين ويديره الطيبون والخيرون. لم أكن منظمًا في أي حزب، لكنني كنت ابن والديّ، وفرخًا لجيل احتضنته قرية كانت تزودنا بأشرعة من طيب وريح؛ فكبرنا في حضنها وعلّمتنا، كفر ياسيف الجليلية، كما علّمت من قبلنا مَن جاوروا النسور والقمر، نعمة التمرد على السائد الآسن وعلى طقوس الخنوع؛ ودرّبتنا كما تدرّب الأم صغارها على فنون العيش والبقاء، وعلى الفوارق بين علم البيان وفنون الخطابة، وبين تشييد البنيان وأصول الزرع والحصاد والحطابة. انطلقنا من صفوفنا الخشبية نحو ساحة القرية القريبة، وسرنا، طلابًا وكادحين وفلاحين، وراء «كبارنا» في جنازة لم نكن نعرف وقتها، أن المشيّع فيها ليس «أناناتنا» الفردية والجمعية الثاكلة وحسب، بل، هكذا تبين بعد انجلاء الغيم والغبار، أننا دفنّا، ومعنا معظم العرب «عنقاءنا»، رغم اقتناع البعض بأن ليس كل الأساطير محض خيال!

ضريح عبدالناصر صار شهادة على قساوة القدر الذي أراد ناصر أن يقدمه لأبناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم، فرفضوه

مازالت الذكرى تثير في نفسي ونفوس الكثيرين حنينًا وطربًا دفينين، فبدونهما تصبح الخيبات قواقع لليأس، ويفقد الإنسان «نونه»، ولا يبقى منه إلّا «الأسى» لعنة. ولكن بين تنفس الذكرى كنسمة في حرير الحنين، ومحاولات البعض إقناعنا بأن الناصرية مشروع حي ونابض ومتقدم على خطى ذلك المارد العربي، الذي نمنا على حفاف جفونه الثائرة، يوجد فرق كبير وخلاف يتوجب علينا التوقف عنده، إذا ما أردنا أن نبقى ابناء الحياة، ونعبّد من اجلها السبيلا مهما كان عسيرا. قرأت ما كتبه «الناصريون» وشعرت بجمراتهم المتقدة في صدورهم، وقرأت ايضا لمن يمضغون الناصرية كالقات، ادعاءً ووهماً ومزايدات، وأثارني بعض من يهاجمون الرجل وزمانه، وكأنهم على ميعاد ثأر معه. لجميع من كتب وسيكتب الحق بإبداء رأيه حرًا، ولكن من بين ما قرأت، لفت نظري اعتراف النائب أيمن عودة، كما نشره على صفحته وقال: «لم يؤثر بمشاعري أحد مثل جمال عبد الناصر حتى هذا اليوم، فخمسون عامًا على وفاته وما زال الأكثر حياةً». حاولت أن أفهم قصده من وراء هذا الاعتراف المثير، لكنني تهت في ثناياه، ولم يعفني عبء الالتباس؛ ورغم اقتناعي بان كلام النائب عودة، رغم تأويله المحتمل وأبعاده السياسية الكبيرة، يندرج في باب الحنين، واستذكار موجع لحلم كان قد وئد، سيتيح، كلامه، فرصًا لمن يعارض طروحاته الواردة في سلسلة مقالاته الأخيرة، التي حملت عنوان» نحو منهجية مثابرة لشراكة يهودية عربية مؤثرة»، خاصة إذا ذكرّوه بأهم ما بقي عالقًا في عقول العامة من موروث ناصري، تختزله مقولته المجلجلة «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة». نحن بحاجة إلى وضوح في رؤى القيادات المحلية السياسية، خاصة وفضاءاتنا العامة وشاشات حواسيبنا وهواتفنا، تعج بما يغرق الناس في متاهات وترهات ومزايدات وترددات من كل الجهات والمنابر؛ فمن يقرأ ما كتب عن جمال عبدالناصر، معه وضده، يستنتج أن هنالك بلبلة كبيرة بين المعلقين والمعقبين، وهنالك أيضا قطيعة واضحة بين هذه الأجيال وزمن الناصرية الذهبي؛ ويستنتج أيضًا أن معظم من عبّروا عن مواقفهم، كانوا قد لقنوها أو هندسوها بتأثير تنظيماتهم الحزبية وحركاتهم الدينية والسياسية، ومن دون محاولة ربط مواقفهم بواقعنا الحالي، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أو إجابتهم على السؤال الأهم: ما دور «الناصرية» اليوم وعلاقتها ببرامجنا السياسية وبوسائل نضالنا؟ وكيف يمكن تجنيدها في مواجهة المخططات التي ترسمها حكومة إسرائيل وتنوي تنفيذها بحقنا؟ جميع هذه الأسئلة بالنسبة لي هي أسئلة استنكارية، أما من يحسبها غير ذلك، فعليه رسم الإجابة.
مازلت أذكر كيف بكيت في أول زيارة لي إلى مصر؛ فعندما بدأت مباني القاهرة تضحك أمامنا كلما اقترب التاكسي من مشارفها، شعرت بأنني أدخل الجنة.. أضعت قلبي، كما أضاعه «عزيزها»، وكدت مثله «من بهجة اللقيا ونشوتها، أرى الدُنا أيكةً والدهر بستانا». وأذكر أيضًا أننا طلبنا، قبل الوصول إلى الفندق، أن نزور ضريح الزعيم جمال عبد الناصر. تسمّرت في حضن الهيية المدفونة. حضرتني مشاهد الجنازة التي أقمناها في كفر ياسيف، والأغاني التي حفظناها في «صاحب الصورة» ورددناها في شبابنا، أسوة باغاني العشاق وتباريحهم من حب وجوى؛ وسمعنا صوت نزار قباني يتمتم: «قتلناك يا آخر الانبياء قتلناك».
أكلتنا الحسرة ونحن أمام القبر، الذي يشهد على جهل أمة وعلى ضياع أحلامها، ويبكي على رجل كاد بإيمانه وبعزيمته أن يقبض على شرايين القدر، ويقدم دماءه أزاهير لشعوب أحبها حرة، لكنها نخت تحت أوزار جهلها وعطلها الخنوع، حتى باتت لا تفرق بين أطواق تدمي رقابها ومعاصمها، وأطواق النجاة والنرجس.
أحببنا ناصرنا بعيدًا عن التفاصيل الخاصة في سنوات حكمه، التي بسببها اختلف ويختلف الفرقاء عليه ومعه؛ وسنبقى نحبه كعطر لوردة خالدة، فهو القائد الشجاع الذي أراد أن يصهر المعجزات كي يقهر الأعداء، ويزرع في بلده المستقبل الآمن؛ ولأنه ابن الحتة، المؤنس الأسمر، الذي جاء مؤمنًا بالإنسان العربي وبعزيمته، ومصممًا على بناء دولة عصرية يحكمها القانون وبأدواته، أو كما قال فيه أحمد فؤاد نجم «فلاح قليل الحيا، إذا الكلاب سابت، ولا يطاطيش للعدا، إذا السهام صابت، عمل حاجات معجزة، وحاجات كتير خابت، وعاش ومات وسطنا، على طبعنا ثابت».
زرت بعدها مصر عدة مرات، ولم أعد لزيارة ضريح عبد الناصر؛ فمصر التي زرناها بعد المرة الأولى لم تعد «تلك التي في خاطري»، والضريح صار معلمًا سياحيًا وشهادة على قساوة القدر الذي أراد ناصر أن يقدمه لأبناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم، فرفضوه وبقوا كما كانوا من ايام «مينا لأيام عمرو» ومن أيام عمرو إلى أيام سلطان.. وتبقى الناصرية غصة وبرقة وسرابًا..
كاتب فلسطيني

 

 

 

حاج في دبي ، نعمة ام نقمة

جواد بولس

 

ستبقى زيارة وفد بنك لئومي الاسرائيلي، الى دولة الامارات العربية المتحدة، علامة فارقة وحاضرة في اذهاننا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، كلما جيء على ذكر توقيع اتفاق التطبيع الامارتي؛ وذلك ببساطة لأن من ترأس وفد كبار رجال الاعمال الاسرائيليين كان الفلسطيني/الاسرائيلي الدكتور سامر حاج يحيى، ابن مدينة الطيبة التي في منطقة المثلث، وبصفته الرئيس المنتخب لمجلس ادارة هذه المؤسسة المصرفية الصهيونية العريقة.

 لقد أثار انتخاب الدكتور سامر لمنصبه الهام، قبل أكثر من عام، نقاشًا متواضعًا، سرعان ما انطفأ وطويت صفحته في مشهد يؤكد، مرة أخرى، على أن "المجتمع العربي في اسرائيل" يعيش حالة من "فوضى الهويات" والتيه، حتى لم يعد صعبًا، على من يدقق في واقع الناس وتحرّكاتهم، أن يرى كيف يقفون وقد مسهم اللبس، على ناصيات عدد من المفارق، وبينها طبعًا "المفرق 48"؛ لكنه ليس وحيدًا.

لن تنتهي مناكفاتنا الداخلية عند تخوم دبي ولا في مياه البحرين؛ فهي لم تبدأ أصلًا مع توقيع هذين الاتفاقين ولا بسببهما؛ ولكن رب ضارة نافعة، فقد تقربنا تداعياتهما الى ما طالبتُ به منذ سنوات، وتجبر أولي الامر في مجتمعنا على اعادة حساباتهم بواقعية وبجرأة وبوطنية صادقة، فعساهم يتفقون على مجموعة مساطر  واضحة ومقبولة، سيكون من شأنها أن تهدي المواطن الحائر، اذا ما اشتبك "الفردي" لديه "بالعام"، الى بر الأمان ؛ أو أن تحثهم من أجل وضع خارطة تحدد للمواطنين الأنقياء والعصاميين "حدود الاندماج" في أروقة الدولة، فنحن نعيش في واقع سياسي واجتماعي واقتصادي متحرك بشكل دائم.

لقد كان واضحًا أن إصرارنا المحقّ على نيل كامل حقوقنا المدنية من الدولة، سيفضي تلقائيًا الى نشوء خلافات حادة، خاصة بين من يمارسون مواطنتهم بشكل طبيعي ويومي وعصامي، وبين أولئك الذين يخفون مواقفهم الحقيقية ازاء مكانة الدولة وازاء مؤسساتها، أو من بقوا أسرى لقوالب عقائدهم السياسية التي بنيت على انقاض النكبة؛ فحياتنا، بعد سبعين عامًا من المواجهات والبقاء، أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع مؤسسات الدولة؛ وزيادة عددنا الى ما يقارب المليونين، لم يمد أحفاد المستعمرين الأوائل بمزيد من "الحطابين وسقاة الماء" بل على العكس تمامًا ؛ فقد كبرنا وكبرت انجازاتنا ولم نعد مجرد حفنات من رخويات تخشى لسعة الشمس وغرزة المخرز، ولا عكاكيز تُغمز  بأرجل مخاتير من خشب باعوا ضمائرهم على وليمة منسف. 

لم تغب حتمية حدوث هذا التصادم عن بال قيادات مجتمعنا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فقادة الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، فيما بعد، ومعهم عدة قياديين وطنيين وشخصيات مستقلة وازنة، كانوا يناضلون من أجل نيل حقوق المواطنين العرب ومن اجل مساواتهم التامة في دولة طالبوا أن تكون لكل مواطنيها؛ وبالمقابل كانوا يديرون الصراع على حقوقهم القومية بوسائل لم تفرغ نصف المعادلة المدنية من مضامينها ولم تلغ نجاعتها؛ فهم، من خلال انتقاء الشعارات والبرامج السياسية المناسبة من جهة، وبناء الاطر الحزبية والحركية الملائمة من جهة أخرى، نجحوا باقامة التوازن القيادي الضروري والسليم، فكانت مبادرة بناء "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" ومعها "لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية" و"لجنة متابعة شؤون الجماهير العربية" وغيرها من اطر نقابية وحرفية وطلابية ونسائية - كانت تجارب رائدة وقفت في وجه سياسات اسرائيل واضطرتها الى تغيير بعض ممارساتها العنصرية نحو المواطنين العرب، خاصة فيما يتعلق بسياسة التعليم والتوظيف والاقصاء الجمعي والعشوائي، واستبداله، في بعض القطاعات، بسياسة ايجابية انتقائية استهدفت رعاية بعض الشرائح والنخب ودعم تطورها مدنيًا واقتصاديًا،كما جرى ويجري أمام أعيننا. 

لم يفاجئني صديقي محمد عندما سألني: يعني أما زلت متحمسًا ومباركًا لتبوأ د. سامر حاج يحيى لهذا المنصب؟ وذكّرني بمقالة كتبتها بعد انتخابه رئيسًا للبنك، تناولت فيها بعض تعقيدات حياتنا في اسرائيل وقلت: "يرمينا واقعنا الاسرائيلي في كل يوم بمعضلات هي افرازات طبيعية لحياتنا المركبة؛ وقد تكون رئاسة مواطن عربي لادارة "البنك القومي الاسرائيلي" واحدة من تلك المعضلات". ثم أردفت قائلًا: "انا شخصيًا لا أراها كذلك، ولن اتردد بتهنئة د. حاج يحيى على جميع منجزاته وتفوقه، وآخرها فوزه بالمنصب، وهو منصب رفيع وحساس ومؤثر ولا يشبه ما سبقه من تعيينات."  لم أندم على تهنئتي للدكتور سامر حاج يحيى، فأنا لم اعتبر فوزه "انجازًا تاريخيًا لمجتمعنا العربي"، لكنني، رغم ذلك، اعتبرت أن فوزه بالمنصب "يعدّ تاريخًا، صنعه فرد مميز يستحق أن نبارك له انجازه الشخصي الكبير". لكنني، مع ذلك، اعي وجود اشكال في تصرف الدكتور حاج يحيى الفردي، فاستعماله لحقه الشخصي قد يتناقض وواجبه تجاه مجتمعه، خاصة بعد ان صرح انه عاد الى الطيبة من الغربة كي يضمن مستقبلا افضل لاولاده، ولا أظنه قصد مستقبل اولاده دون مستقبل الآخرين من أولاد مجتمعه.         

لنترك قضية الدكتور حاج يحيى، ولنفكر بعقلية مواطن صالح كدح لسنين طويلة حتى يؤمّن لابنته، وضحى، فرصة لتتعلم الطبابة. أرسلها وراح ينتظر بحرقة لمدة ثمانية أعوام، فعادت اليه طبيبة ناجحة بامتياز ؛ فحلم، وهو يحتضنها، بأن تصبح نطاسية يشار اليها بالبنان، فصارت؛ فطمح بأن ترأس القسم الذي تخصصت، فرأسته؛ فصلى.. فاصبحت علمًا تتسابق عليها المنصات العالمية ، وعضوة في ارقى المنتديات العلمية وسطع نجمها بين الامم؛ فهل نؤنبها ونخوّنها لأنها قبلت أن تجلس على مقعد وأمامها علم دولتها اسرائيل؟ وهل نوبخ أباها لانه لم يحسن تربية ابنته فاسمها العربي يضيء الشاشات ولكن بعده يكتب: عالمة من اسرائيل؟

استطيع أن أغرق القراء بكم هائل من هذه الامثلة، فالمتفوقون من أكاديميين وحرفيين ورياضيين وتقنيين يملأون قرانا والمدن وقد تم استيعاب بعضهم في عدة وزارات ومؤسسات وشركات رائدة، وتبوأوا فيها أعلى المناصب وذلك رغمًا عن كونهم عربًا. فلماذا لم نواجه هذه الحالة في الماضي؟

لم ننتبه في الماضي لوجود هذه الحالة لأنها لم تكن موجودة فعلًا، وذلك بسبب عنصرية الدولة؛ فاسرائيل ومنذ قيامها لم تحتمل أن يمثلها مواطن عربي حتى لو كان فذًا في مجاله وفريد عصره، وقد تحكمت اجهزتها، خاصة جهاز الشاباك، بسياسة قبول الطلاب العرب للجامعات، لا سيما في كليات الطب والهندسة والقانون، فكانت اعداد الطلبة العرب المقبوله في تلك الكليات قليلة ومحدودة وفرص انخراط الخريجين منها في مؤسسات الدولة ضعيفة أو معدومة؛ هذا علاوة على اغلاق عدة كليات جامعية او معاهد تدريسية عليا ونخبوية، مثل معهد فايتسمان، في وجه المواطنين العرب.

اذن "للحقيقة وجهان" واحد نستطيع نحن المواطنين العرب رسم ملامحه والآخر يبقى تحت "رحمة" الدولة، فعندما كانت علاقتنا بالدولة وعلاقتها بنا تراوح بين احتمالين، كانت خياراتنا بسيطة وواضحة، ولكن عندما تعددت الفرص وفتحت الدولة، كما طالبنا، بعض مساماتها أمامنا، صارت الامور اعقد والمعضلات كثيرة؛ وفي غياب حلول لها، اصطدم بها الافراد بانفسهم.

من تفاجأ أو استفز من زيارة الدكتور حاج يحيى لدبي ستميته المفاجاءت القادمة أو سترهقه؛ فقضيتنا لم تولد مع فوز "الحاج" بمنصبه في "بنك لئومي" ولن تنتهي اذا استقال منه او اذا لم يذهب للزيارة أو لم يشارك في غيرها؛ مشكلتنا كبيرة ولا تنحصر في سلوك فرد قيّض له النجاح الشخصي بسبب تفوّقه وتميّزه؛ فنحن نواجه حالة شاذة، تعريها احيانا نجاحات أولئك الاشخاص، وهي قد ولدت من رحم المواطنة نفسها، وكبرت منذ طالبنا باسم المواطنين بتخصيص وظائف تساوي نسبتنا من تعداد سكان الدولة، فحينها استشعرت وجود مشكلة وكتبت: "ماذا نريد ومن يملك تحديد المساطر وتوزيع المماحي والبيكارات؟ اين حدود المسموح وما الممنوع؟ أتريدون حقًا وظائف تساوي نسبة عددنا من سكان الدولة في كل وزارة ودائرة وشركة وجهاز ومحفل ؟ وهل يجب أن نناضل من أجل استعادة كراسينا المسلوبة في شركات الدولة أو في هيئة موانيء اسرائيل ومصلحة الضرائب والجمارك وهيئة البترول والغاز والبورصة وبنوك اسرائيل ؟".

صرخت وضاعت صرختي في واد. لم يرِث أحدٌ جيلَ الكبار وتعاقبت الاجيال من دون رعاة وقادة، وبقيت الاسئلة القديمة عالقة تنتظر الخلاص، فمن يقرر ماذا ؟ ومن يضع قواعد الاشتباك بين الفردي والعام ؟ ومن يرسم حدود الاندماج ؟ 

قد لا يأتينا الفرج قريبًا، ولكن ذلك لا يعفي قامة مثل د. سامر حاج يحيى من ان يبادر كقدوة ويرسي سابقة، فيعمل من اجل مؤسسته باخلاص، ويمثل، في نفس الوقت، قضايا مجتمعه ويدافع عنه من على كل منصة ومنبر.  عليه ان يجد الوسيلة، فاذا فعل هو ذلك وفعل مثله الآخرون فقد تصبح ريوع المواطنة بركة لعامة الناس والمجتمع، لا أرصدة شخصية في حساباتهم الشخصية وحسب.      

 

 


"طوبى لصانعي السلام"

أريد مسيحًا يسعفني

جواد بولس

 

شاهد العالم، مساء الثلاثاء المنصرم، حفل توقيع اتفاقيتي تطبيع العلاقات بين اسرائيل ودويلتي الامارات العربية المتحدة والبحرين، بتدبير ورعاية أمريكية كاملة وصمت داعم، أو همس خفي متواطىء، من قبل معظم حكام الدول العربية الاسلامية، وفي مقدمتها النظامان السعودي والمصري.

يتبارى المعقبون والمحللون في كشف تاريخ العلاقات بين حكام هاتين الدويلتين وبين قادة اسرائيل، وكذلك في شرح الدوافع التي اجازت حصول  هذا الاختراق الحقيقي والمكشوف في جدار التنابذ العربي والاسلامي المعلن منذ بداية الصراع مع "الكيان الصهيوني المارق". ويحاول بعض المتابعين استشراف التطورات السياسية المحتمل حصولها في منطقة الشرق الاوسط، خاصة فيما يتعلّق بمكانة اسرائيل، التي ستصبح، كما هو مخطط، بعد عملية التوقيع في حديقة البيت الأمريكي الأبيض، بمثابة الفخذ الشرعي في قبيلة كبيرة تستعد لمواجهة مطامع وغزوات القبائل الاخرى، لا سيما تلك التي تآلفت مع الفرس، أو، على النقيض، مع ذلك السلطان العثماني الجديد ، أردوغان، وحلفائه من المسلمين.  

يشدد بعض الفلسطينيين على ضعف التواجد الدولي في حفل التوقيع وعلى غياب معظم رؤساء أو مندوبي الدول الوازنه في العالم عنه، ويؤكدون مثلًا على عدم مشاركة الرئيس الروسي بوتين أو من ينوب عنه وكذا الصين واليابان ودول الاتحاد الاوروبي وغيرها من الدول العربية والافريقية والاسيوية. ولئن استُحضرت هذه الاشارة من باب التفاؤل الضروري، فهي ليست برهانًا على "تفاهة ما انجز" ولا مثلبة كبيرة في حقه؛ ذاك لأننا نعرف أن غياب هؤلاء القادة جاء من باب التكتيك المحسوب، أو التصرف وفقًا لقواعد "التقية" الدبلوماسية المحمودة واتّباع "حدس" بوصلات مصالح دولهم الخاصة في لعبة الامم الكبرى.

يندرج معظم ما كتب في اعقاب توقيع الإتفاقين في باب الوصف، ومحاولة القلّة باسقاط تبعاته على مصير العلاقات العربية - الاسرائيلية، ومستقبل القضية الفلسطينية؛ فوصفه كاتفاق يضمن لاسرائيل"سلامًا"مع دول لم تحاربها هو حقيقة ناجزة؛ بيد ان هذه الحقيقة لا تتعارض مع اعتبار الاتفاق، مع كيانين عربيين مسلمين، نصرًا اسرائيليًا هامًا أدّى عمليًا إلى تصدع كبير في "محفظة" المفاهيم الاساسية التي شكّلت، حتى بعد توقيع اتفاقتي كامب ديفيد ووادي عربة، ولأكثر من قرن، مساطر تعريف قواعد الاشتباك بين "العرب والمسلمين" هكذا بالمعنى المطلق والمعوّم، وبين الحركة الصهيونية وابنتها  "اللقيطة اسرائيل". 

ويحاول البعض التخفيف من اهمية هذا الاحدوداب القاتل الذي أصاب ظهر العروبة المكشوف، فيحيلنا الى "نعمة" الانتروبولوجيا الحديثة ويؤكد أن الشعوب، في عصرنا، هي الضمانات لانقاذ الأمّة من هوانها، وهي التي ستثأر ممن خانوها وسترمي بهم الى مزابل التاريخ .. انها مجرد أمنيات بلا رصيد، فمعظم تلك الشعوب التي يعوّل عليها الفقهاء وينتخيها المنظرون ويتغنى بسحرها الشعراء والحالمون، عاشت جل تاريخها تحت قمع المحتلين؛ وتعيشه، منذ جلا عن أوطانها آخر المستعمرين، وهي مسلوبة الحرية، فتنام راضية بكسرة خبز وتفيق خائفة من جزمات حكام مستبدين لم يعرفوا يومًا معنى احترام المواطن ولا قيمة الإنسان وعشقه لأطواق الياسمين.

فعلى أية دولة عربية او إسلامية سنراهن وأمامنا تتوالد في معظمها مجتمعات من صدأ وطين ترهن اراداتها عند جلاوزة وسلاطين، وتطيع، وهي عمياء، أولي الأمر وتتمسح بوعّاظهم اذ سيضمنون لهم قبورًا باردة وجنة حمراء وخمرًا ينساب من بلور الاجاجين؛ فكيف يستطيع من يخشى أن يفقد عبوديته، بناء وطن ؟  

أكتب بلغة اليأس، رغم انني احاول قراءة واقعنا بموضوعية متأنية، بعيدًا عن العواطف، ومنقبًا عن الايجابي في ثنايا ما يحدث حولنا ولنا، نحن الفلسطينيين بشكل عام، وبيننا نحن المواطنين العرب في اسرائيل؛ فعندما سألتني ابنتي عن شعوري وكانت تشاهد، في بيتها من عزلتها الكورونية، وقائع حفل توقيع الاتفاقيتين في البيت الابيض، ارسلت لها صورة رغيف خبز عربي، وحبة بندورا حمراء ضاحكة وصحن مليء بكرات اللبنة المغموسة في زيت الزيتون الجليلي.                 

ضحكت حين فهمت انني لا أشاهد مثلها ما يعرض مباشرة؛ ولكنها ارغمتني بسؤالها على أن أتابع تفاصيل الحدث. 

لم اخطط لمتابعة البث المباشر تحاشيًا لمشاعر القهر والحسرة التي لم تنتابني بشدة، كما توقعت.

كانت لغة جسد ترامب مستفزة كالعادة، وكانت نبرته مستخفة بالجميع ومفرداته تدفعني نحو التفتيش مجددًا عن الحكمة في وصية المسيح حين قال "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون"؛  ثم جاء بنيامين نتياهو وأدى دوره كممثل بارع على مسرح "العبث" بخيلاء طاووس؛ فتلاه حليفاه الجديدان واستنكرا سبب خلاف الأحفاد من قرون، فلا فرق إن كان اسماعيل هو وريث هذه الارض وكانت أمّته خير أمّة اخرجت للناس، أم كان ذلك إسحق وأمّته وريثتها؛ فالكل، في النهاية، أبناء ابراهام وستحميهم طبعًا طائرات الاف 35 وصواريخ التوماهوك.

لم انزعج كما كنت اتوقع مما شاهدت وسمعت، فكتبت لابنتي مجيبًا على سؤالها: "أحاول أن أستوعب الحدث بأدوات تفكير سياسية.. فعاطفيًا ، شعوري بالطبع مثل شعوركم وأساسه مشاعر انسان حر ومهزوم" !

ما ازعجني اكثر من مشاهدة وقائع الحفل كانت ردود فعل كثير من الفلسطينيين ومحاولات بعضهم تحميل القيادات الفلسطينية مسؤولية ما يحدث من انهيارات في الموقفين التاريخيين، العربي والاسلامي، ازاء اسرائيل وما مارسته بحق الفلسطينيين؛ فهذه الاتهامات الفلسطينية هي طعنات في الجسد الفلسطيني وخدمة يقدمها هؤلاء، عن قصد او بدونه، لأعداء فلسطين.

لا أنكر بالطبع حق كل فرد بأن ينتقد أو أن يعارض أو أن يبدي رأيًا مغايرًا بشكل كامل وحر؛ ولكن أن يتخذ الفلسطيني واحدًا من هذه المواقف ويقف عنده فقط ويعفي قادة العرب والمسلمين من تغيير مواقفهم تجاه قضية فلسطين ومن قمع شعوبهم وما يجري في اوطانهم، فهذه ممارسات لحريات تصب ريوعها، في نهاية الطريق، بصالح من يحاولون القضاء على الحلم الفلسطيني ومسح منجزات الشعب وتضحياته التي قدمت منذ مائة عام حتى يومنا هذا. 

لن ادخل في تفاصيل ما سيق من ادعاءات واتهامات ضد القيادات الفلسطينية،  وقد أوافق على بعضها طبعًا، لكنني أؤكد على أننا سنشهد في السنوات القليلة القادمة خارطة عالم جديد؛ وكل من لم يلحظ كيف ومتى بدأت الانهيارات الحقيقية من جهة، والاصطفافات المتشكلة، من جهة أخرى، ولا يعي الآن كيف تغوّل النظام الأمريكي ولا يتورع عن اغتصاب عملائه علنًا، سيبقى خارج حدود الجغرافيا وملقى على أرصفة التاريخ أو في زرائبه.

لن تأتي النجاة للفلسطينيين من جهة أنظمة العرب ولا من جهة الانظمة الاسلامية، ولن تستطيع شعوب هذه الدول، رغم مواقفها الفطرية المساندة لقضية وشعب فلسطين، أن تسعف الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال الاسرائيلي، فهؤلاء هم اصحاب قدرهم وصناع نجاتهم؛ وكي يضمنوا استمرار صمودهم في وجه الاحتلال ومن يحالفونه علنًا، عليهم ان يتوحدوا، وأن يتفقوا على أولويات التقاطع والاستعداء والتحالفات. فبدون تذويتهم لهذه الفريضة سيفقدون اغلى ما عندهم، وهي حفنة الامل الباقية؛ وإن فقدوها سيصبح اتفاق "كوشنر نتنياهو ابو ظبي المنامة"، كما خطط له، حجر الأساس الذي لن يتردد بعض الأشقاء والأخوة، في الدم والدين، أن يبنوا فوقه شاهدا كبيرا ويحفرون  عليه: "هنا دفنت قضية فلسطين".

أعرف أن الكثيرين سيصرخون فورًا : لن يحصل هذا .. وأنا ساصرخ طبعًا مثلهم ولكن.. 

شعور الهزيمة الذي رافقني، هكذا كتبت لابنتي: "جعلني افكر لماذا يصيبني وكيف استطيع تغييره، ليس كفرد بل كواحد من مجموعة تشعر مثلي وتعيش في اسرائيل؟ فبدون إلحاح السؤال وباستمرارنا العيش كمهزومين سنتحول الى عبيد" .

لم يتفق معي الأولاد تمامًا ؛ فهم ينتمون الى جيل يعطي لمصطلحاتنا معاني ومضامين مختلفة؛ فالهزائم عندهم ليست بالضرورة هزائمنا.

مع ذلك وجدتهم يوافقوني عندما كتبت لهم : "فلو فكرنا مليًا بماذا كان يجمعنا قبل ابرام هذا الاتفاق، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، مع البحرينيين والاماراتيين، وماذا تغير علينا اليوم، سنجد اننا ورثنا أوهامًا مقوْلبة وعشنا بظل فرضيات لم تكن موجودة اصلًا. فكروا معي فقد يتحسن عندها شعورنا ونعود الى واقعنا بعقلانية خالية من فائض عواطف قبلية، ونستطيع، من مواقعنا هنا، استشراف مستقبلنا الأفضل" . قلت ووعدتهم أن اكتب في ذلك أكثر.   

 

Attachments area

 

 

ويبقى السؤال كم مرة

ومن قتل يعقوب أبو القيعان؟

جواد بولس

 

 قد تجدون فيها  علاقة بما كتبت وقد لا! ففي كتابه "الفاشية، مقدمة قصيرة جدًا" كتب مؤلفه، كيفن باسمور، ان الفيلسوف والكاتب الاسباني خوسيه أورتيجا جاسيت كان قد عرف الفاشية في العام 1927 هكذا: 

للفاشية ملامح غامضة لانها تحوي أكثر المضامين تضادًا ؛ فهي تؤكد على السلطوية وتؤسس للثورة، تحارب الديمقراطية المعاصرة، ومن ناحية أخرى لا تؤمن بالعودة لأي حكم سابق، ويبدو أنها تقدم نفسها باعتبارها صورة للدولة القوية بينما تستخدم أكثر الوسائل قدرة على تفكيكها؛ وكأن الفاشية فصيل هدام أو جماعة سرية؛ وأيا كانت طريقة تناولنا للفاشية فسنجد أنها تمثل الشيء ونقيضه في الوقت نفسه! 

وبعد ..

ما يجري على الساحة السياسية الداخلية الإسرائيلية يصح كمادة لاعداد واحد من مسلسلات الإثارة التي تنتجها شركة "نيتفلكس" العالمية؛ وتدمج في حلقاتها كثيرًا من وقائع الحياة وبعض الخيال، حيث تبقى خواتيمها، دائمًا، محكومة بما يختاره المؤلف والمخرج وشركة الإنتاج، أي رأس المال المستفيد، وجمهور المتلقين في واقعنا الآدمي "السائل" .

لا يلاحظ الإنسان العادي كمية المعلومات التي تُطيّر في فضاءاته، بل يتلقاها بإدمان ويمتص لحاءاتها على مهل وبخبل احيانًا؛ ولا يُسأل، في هذه الزحمة، مَن وراء هذه الأخبار أو النظريات أو الكشوفات، وما الغاية منها؟ أو من المستفيد ومن المتضرر من نشرها في تلك اللحظة؟ وما الى ذلك من أسئلة تخبيء الاجابات عليها أسرار تفجيرها وتداعياته، لا سيما ما يعتبر منها كسبق اخباري صاخب ولافت، عرف مُورده كيف "يخرجه"بعناية وبدقة وبمهنية كافية لتصطاد فرائسها من الناس وتحقق ما رمت الحبكة "النتفلكسية " إنجازه.

اختار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يزور بلدة بيت شيمش القريبة من أورشليم ليعلن منها، مساء يوم الاثنين المنصرم، في مؤتمر صحفي، يذاع في ساعة ذهبية وفق قاموس الاعلان العصري، تفاصيل قرار الحكومة الاسرائيلية القاضي بإغلاق بعض البلدات المصنفة "بالحمراء" وذلك في معرض الحرب على ازدياد أعداد المصابين بفايروس كورونا وما حصده من أرواح بين المواطنين. 

شاهدنا في ذلك المساء مسرحية أداها ممثل بارع واحد؛ لكنها كانت متكاملة العناصر ومحكمة الأهداف؛ وهي بدون شك ستصبح بعد الكشف عما حصل وراء كواليسها، حدثًا مفصليًا قد يحسم  بواسطته نتنياهو شكل نظام الحكم في الدولة، خاصة إذا مكّنته توابعها، كما يريد هو ويخطط، من التخلص من " اعدائه" في جهازي النيابة العامة والشرطة، وطي صفحة العلاقة التاريخية التي رسمت حدود صلاحيات ذينك الجهازين  مع مؤسسة الحكومة ومع رئيسها في اسرائيل. 

كان نتنياهو يعلم ان عملية كنس جميع "المتمردين" على سلطانه من تلك الاجهزة، لن تكون سهلة، إلا إذا نجح بتقديم الدليل على صحة ما ادعاه، منذ بدأت إجراءات التحقيق معه بشبهات الفساد والرشوة، واصراره على انه ضحية مستهدفة من قبل بعض القوى التي تعارض حكمه ومن وكلاء تلك القوى المزروعة في بعض أجهزة الدولة، وعلى رأسهم المستشار القضائي للحكومة، اڤيحاي مندلبليط، والنائب العام، شاي نيتسان، وقائد الشرطة العام روني الشيخ، والى جانبهم بعض المحققين والاعلاميين المغرضين.

لقد حاول نتنياهو ورجالاته طيلة السنوات الاخيرة ان يزعزعوا مصداقية المحققين، وادعوا أن أولئك يفبركون البيّنات ويحاولون، بالترغيب وبالتهديد، استمالة الشهود ضده؛ ورغم ما بذله، شخصيًا وبمساعدة طواقم كبيرة من الخبراء والمستشارين والإعلاميين والسياسيين، لم ينجح بمسعاه، بل وجد نفسه متهما بعدة تهم جنائية خطيرة في ثلاث لوائح اتهام ما زالت تنتظره في أروقة المحاكم.

لم ولن ييأس نتنياهو من محاولاته التملص من مواجهة القضاء، او مواجهته في ظروف مريحة تؤمّن له النجاة والبقاء على رأس الحكم؛  فهو، السياسي المحنك وابن المؤرخ والتجارب، يعرف ويحس ان "الدولة" صارت قاب لقمة بين فكيه، ولذلك نجده يجند، في سبيل تذليل ما بقي من عقبات في طريق التهامها، ادعاءً يعلن بموجبه انه يحترم القضاء ولا يخشى محاكم اسرائيل؛ لكنه يؤكد، في نفس الوقت، على كونه ضحية مؤامرة حاكتها  نفس المؤسسة ونفس الأشخاص الذين ظلموا "مواطنًا اسرائيليًا" بريئًا وحولوه من ضحية الى إرهابي؛ فيعقوب أبو القيعان ، هكذا يعترف نتنياهو بسهولة، لم يقم بعملية دهس ارهابية كما ادعى ضده قائد الشرطة العام روني الشيخ، ووافقه في ذلك الادعاء المفبرك المدعي العام نيتسان وغيرهما من قادة في تينك المؤسستين. 

لم ينس نتنياهو موضوع مؤتمره الصحفي، لكنه تعمّد، كديماغوغي محترف في اقتناص الفرص وفي استضباع عامة الناس، تحويل المشهد الى منصة قرأ منها لائحة اتهام خطيرة كان قد اعدها ضد اعدائه في نيابة الدولة ووزارة الشرطة فاتهمهم بالتآمر عليه، مؤكدًا على ان التحقيقات ضده كانت "تحقيقات سياسية، وكانت ملوثة منذ بداياتها، واستهدفت حياكة ملفات، حيث كان الهدف من وراءها إسقاط رئيس حكومة من منصبه" ؛ فلقد شاهدنا أمس، هكذا اعلن نتنياهو امام مواطني الدولة، " انهم يفبركون التحقيقات ويقبرون التحقيقات ويتصارعون مع بعضهم من اجل اهداف  سياسية". كم كان الكلام من فمه نزقًا وغريبًا ومستفزًا وكان خاليًا من اي صدق إنساني؛ فما قاله كحقيقة اكتشفها " أمس" فقط، قلناه عن وجع، نحن المواطنين العرب، باسم عشرات الضحايا الذين سقطوا بنيران شرطته هدرًا، وفُبركت بعدها ملفات قاتليهم، وأُغلقت؛ ورفض، هو ومن قبله من ساسة الدولة ومسؤوليها الامنيين، سماع انين دمائهم ونحيب أيتامهم وأمهاتهم وزوجاتهم الثكالى.                     

عن أي أمس تحدث نتنياهو في مؤتمره الصحفي ؟

صانع أمس/مستقبل نتنياهو، في هذه الجولة، كان الصحفي عميت سيغال الذي نشر، في القناة 12 العبرية، يومًا قبل انعقاد مؤتمر نتنياهو الصحفي خبرًا - قنبلة كما وصفه نتنياهو في تغريدة نشرها تعقيبًا مباشرًا على الخبر - ومفاده ان النيابة العامة ومحققين في شرطة اسرائيل قاموا بفبركة ملفات ضد نتنياهو، واسكتوا، فيما بعد، من سعى، من داخل تلك الاجهزة، الى فضح الوقائع على حقيقتها؛  ثم أضاف، سيغال، بذكاء وفي سبيل تعزيز ادعائه المذكور، ان هذه الفبركة لم تكن الأولى، فلقد سبقتها أخريات، كتلك التي رتبتها، نفس العناصر المتورطة ضد نتنياهو، في حادثة قتل المربي يعقوب ابو القيعان، ابن القرية البدوية المهدومة، في مطلع العام 2017، ام الحيران؛ حيث كان لدى الشرطة بينات كافية تثبت ان المربي ابو القيعان وقع ضحية لألاعيب عناصر شرطة اسرائيل، ولم يكن مخربًا ومنفذًا لعملية دهس ارهابية، كما ادعى عليه  قائد الشرطة، روني الشيح، في نفس الليلة، وساند كذبته مباشرة المدعي العام، شاي نيتسان، وذلك بهدف تغطيتهما على جريمة نفذها بعض عناصر الشرطة حين شاركوا في عملية قتل أبو القيعان ولم يسعفوه في الموقع، بل تركوه ينزف حتى فارق الحياة؛ ثم فبركوا البينات كي لا يُكتشفوا وكي لا يوفروا، من خلال اعترافهم بالذنب، مادة للهجوم عليهم من قبل نتنياهو الذي كان في حالة حرب معهم.

لا اعرف كم منكم يعرف من هو الصحفي عميت سيغال، ولا اعرف لماذا قرر  تفجير قنبلته في هذا التوقيت بالذات ؟  لكنه عمليًا زوّد نتنياهو في هذه الفترة الحرجة بمادة سرعان ما حوّلها نتنياهو الى سلاح ما فتيء يستعمله بكل مناسبة ويطالب، بناءً على ما اكتشفه بالأمس فقط، باقامة لجنة تحقيق رسمية تناط بها مهمة اظهار "الحقيقة" والتحقيق مع روني الشيخ وغيره من المسؤولين الكبار.

ويلاحظ ان نتنياهو، الضحية، كان قد كتب مباشرة في تعقيبه على " قنبلة" سيغال:  " مفزع ، الليلة القى سيغال  قنبلة نووية وبرهن  من خلال مراسلات داخلية بين مسؤولين من الشرطة ومسؤولين من النيابة كيف حاكوا لرئيس الحكومة ملفات" . ثم أضاف صورة وكتب عليها "ليحقق مع المحققين، فالليلة أثبت للجميع بأن جميع الملفات ضد رئيس الحكومة نتنياهو مفبركة". 

 لم يذكر نتنياهو  في هذا التعقيب قضية ام الحيران ومقتل المربي يعقوب ابو القيعان بينما حولها  في اليوم التالي الى الحدث الدرامي الاساسي  فاعلن في مؤتمره الصحفي، أنه قد سأل الشيخ ثلاث مرات ليتأكد من طبيعة الحادث وفي جميعها اكد له الشيخ ان عملية الدهس كانت إرهابية.

لقد توقف نتنياهو بعد هذا الكشف هنيهة، وطلب، بحركة ممثل حذق وقبل ان يفصح عن باقي وجعه كضحية، الاعتذار باسمه "على مقتل والد عائلة ابو القيعان، وعلى أنهم قالوا عنه مخربًا. فأمس تبين أنه ليس مخربًا، وامس تبين أن مسؤولين كبار في النيابة العامة والشرطة قد حوّلوه الى مخرب وذلك كي يحموا أنفسهم ويؤذوني .. ".  اقرأوا جيدًا ..فلقد تآمر روني الشيخ وشاي نيتسان وأعلنا عن يعقوب أبو القيعان، قبل ثلاثة أعوام، مخربًا كي يوذيا بنيامين نتنياهو.. فهو أيضا ضحيّتهما تمامًا كما كان ذلك البدوي النبيل ضحية !

هل من عاقل سوي يقبل هذه الحكاية؟  

كل التفاصيل التي كشفت عن ممارسات من فبركوا ملف مقتل ابي القيعان، ومن أخفوا تقارير "الشاباك" التي نفى معدّوها ان ابا القيعان قام بتنفيذ عملية ارهابية، وشهادات من اطلق النار  وغيرها، كلّها تؤكد ما عرفناه وما حاول في تلك الليلة الحمراء ان يصرخ به كثيرون كانوا هناك وبينهم من كاد أن يصبح الضحية الثانية في تلك الليلة، النائب أيمن عودة، الذي اصيب بعيار في رأسه. فما جرى هناك كانت عربدة عصابة مجرمة، غطت على موبقاتها عصابة أخرى مجرمة وجميعهم عملوا وسيعملون في إمرة عصابة أخرى .

فالى من أكبر بنتنياهو اعتذاره، والى من قدّر مهنية الصحفي سيغال، اقول لا تفتشوا عن بارقة أمل لديهم، فالقادم منهم سيكون أفظع .

ويبقى السؤال من قتل يعقوب أبو القيعان؟    


 

عندما يصيب “كوفيد 15”

رئتي القائمة المشتركة

جواد بولس

أين القائمة المشتركة؟ وأين لجنة المتابعة من قضية كورونا؟ سألني صديقي وأخبار  تزايد أعداد المصابين في المدن والقرى العربية تصعقنا من ساعة الى ساعة. لم ينتظر إجابتي، وأردف، هل ستصوت للقائمة المشتركة لو أعادوا انتخابات الكنيست وبقيت القائمة على حالتها اليوم؟
صحونا قبل أيام قليلة على حرب بيانات، لم نشهد مثلها منذ تعرفت فضاءاتنا السياسية على لغة المودة بين الأنداد، وعلى مفردات الشراكة والنضال الموحد بين الأحزاب والحركات السياسية والدينية المتنافسة، التي تؤمن بضرورة الدفاع عن حقوقها السياسية والمدنية بكل الوسائل القانونية، وفي طليعتها خوض الانتخابات للبرلمان الإسرائيلي، كحق وواجب واستحقاق تتيحه حالة مواطنتنا في الدولة؛ فيما تنكره، لأسباب سياسية ودينية بعض القوى العربية؛ وتحارب معظم الأحزاب اليمينية والدينية العنصرية الصهيونية، كونه حقًا دستوريًا لمواطني الدولة العرب، على الضفة الثانية.
لقد تفاقمت الأزمة الحالية عندما لم يكتف النائب عن الحركة الإسلامية الجنوبية، منصور عباس، بالرد على مقابلة أدلى بها القيادي البارز في الحزب الشيوعي الإسرائيلي عصام مخول إلى قناة “مساواة”، بل أقحم، مستهزئًا، في معرض رده، اسم الحزب الشيوعي وتاريخه.
لقد اتهم القيادي الشيوعي عصام مخول النائب الإسلامي منصور عباس “بمقايضة الحقوق بالمصالح واعتماد الصفقات وفتح قنوات سرية مع قيادة الليكود ونتنياهو ومساعديه”، فقام عباس بنفي التهمة ووصف المقابلة  “بالاستعلائية” وأضاف أن مخول “في نهاية المطاف هو عضو في “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” ونحن أبناء لحزب اسمه “الحركة الاسلامية” والفرق واضح..”.
لم تكن تلك مجرد مساجلة عابرة بين حليفين في الإطار السياسي نفسه يصارعان ضد العدو نفسه ومن اجل الهدف نفسه؛ ولا أظن أن هذه “المناطحة” قد انتهت، خاصة بعد أن قرأنا كيف انبرى سكرتير عام الحزب الشيوعي، عادل عامر، للدفاع عن حزبه وعن رفيقه عصام مخول، منتقدًا عضو الكنيست منصور عباس وحركته على اختياره مهاجمة مخول بسبب انتمائه السياسي إلى الحزب الشيوعي وهو يعلم علم اليقين “أن هذا هو التيار المركزي بين جماهيرنا وهو التيار الذي أرسى قواعد العمل السياسي الوطني المبني على النضال والكفاح وليس على المقايضة والمتاجرة..”، وتحداه، بعد ذلك، بشكل مباشر “أن يفند الكثير من التسريبات الإعلامية التي تطرقت في السابق إلى هذا الموضوع وعلاقته بنتان أيشيل وغيره من قادة الليكود”. إنها معركة بين نقيضين لا يجمع بينهما إلا عجز اللحظة والسراب.
لم نخطئ، على ما يبدو، حين قلنا إن أفراحنا، كمواطنين عرب في اسرائيل، هي أفراح صغيرة؛ وهذه كما يعرف المجرّبون تمرّ كنسمة هاربة وتترك على الجبين لهفة وفي الخواصر نارا؛ فبعد نجاح القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست الأخيرة وحصولها على خمسة عشر مقعدًا، توسمنا منها خيرًا، ورأينا بفوزها انعكاسًا لنضوج سياسي لافت كانت قد بَلَغته الجماهير العربية في إسرائيل، قابله “اختمار قيادي” أبدته الأحزاب والحركات السياسية التي تآلفت تحت سقفها وخاضت المعركة بروح نضالية عالية، وبشراكة حقيقية استحقتا منا كل الدعم والإعجاب.
لقد كتبنا في حينه وقلنا: يوجد للقائمة المشتركة قوة سياسية ومعنوية كبيرة، وتوازيها، بطبيعة الحال، مسؤولية عظمى؛ فهل سيعرف أعضاؤها صونها كما يتوقع منهم؟ لم يملك أحد القدرة على الإجابة على هذا التساؤل؛ ولكننا أكدنا، على ضوء تجربة القائمة الفاشلة السابقة، أن شرط بقاء القائمة موحدة يكمن، علاوة على توفر الارادة، بعدم تراجع أي مركّب عن مواقفه التي قدمها عربونا للوحدة وعودته للعمل المنفرد بوحي مصالح حزبه، أو حركته الضيقة، أو بهدي عقيدته ومبادئه. لقد أعطى الناخبون مئات آلاف أصواتهم للقائمة المشتركة، على أمل أن يحافظ قادتها على العهدة وعلى الوعد، وليبقوا قوة موحدة في وجه حمم اليمين التي سقطت وستسقط على رؤوس جميعنا في المستقبل القريب؛ فالرهان على نوايا قطعان قوى اليمين السائبة يعادل انتحارًا، والمراوغات من أجل مكاسب وضيعة جراء حملة دعم لاخواننا، في سوريا أو في اليمن أو في لبنان، ينفرد بها حزب هنا، أو حركة هناك، مثلها مثل محاولات الإقلاع بمناطيد من غبار.
لقد تخطى إنجاز المشتركة تحصيلها العددي، فما حصل على أرض الواقع، كما كتبنا بعد إعلان النتيجة، هو أن الجماهير العربية أجبرت عمليًا جميع الأحزاب والحركات المنضوية تحت خيمة القائمة المشتركة أن تنأى بنفسها وترتقي وتتغيّر مفاهيميًا وأداءً لتكون جديرة بمكانتها المشتهاة وبتكليفها كممثلة لمصالح تلك الجماهير ولتطلعاتها. فكان على تلك القيادات إما أن تنتقل من مرحلة المراهقة السياسية والمغامرات، إلى مرحلة البلوغ والوعي بتحديات حياتنا ومواجهة الالتباس حول مستقبلنا، وأما ان ترتطم نزواتها على خشب الكراسي البرلمانية البالية. لقد ساهم كل مركّب بقسطه من أجل ضمان نجاح التجربة، لكنهم لم يستمروا؛ فعاد بعضهم الى “جلده القديم” وقرّبونا مجددًا من حالة الخيبة والالتباس.
كان على الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي أن يعترفا ويقبلا بقيادة النائب أيمن عودة لتنظيمهما العريق والأبرز؛ فبدون تلك النقلة، الاتفاق على وجود قائد، لن تكون الجبهة جديرة بقيادتها لصدارة القافلة، ولا أن تستعيد ثقة الناس في عدة مواقع ابتعدت عنها قصاصًا وامتعاضًا من تشتت مواقفها السابقة. لقد خطت الجبهة خطوات جدية على هذا الطريق، إلا ان وجود بعض جيوب المقاومة من بقايا الحرس القديم يضعف الجبهة داخل المشتركة، ويعرقل اكتمال المهمة وينتقص من احتمال إعادة تأهيل تنظيم الجبهة وتمكينه لاستعادة دوره المعد لها تاريخيًا. وكانت مرونة الحركة الاسلامية الجنوبية تجاه شركائها، حتى في المسائل الخلافية، دَينًا في حرج النائب منصور عباس وإخوانه؛ ولكنها كانت مهمة مستحيلة؛ فكما صرّح شيوخ الحركة في أكثر من قضية وموقف، لن يستطيع ممثلوها الخروج عن ثوابتها العقائدية، حتى لو كان ثمن تمسكهم تصدع وحدة القائمة المشتركة، مثلما حصل في عدة مواجهات أدت عمليًا الى بعث لغة المناكفات مع الشركاء، وآخرها ما جرى مع رفاق وقادة الحزب الشيوعي.

الجبهة الديمقراطية والحركة الإسلامية التنظيمان الأساسيان بين الناخبين العرب، والخلل في أدائيهما كاف لإفشال تجربة القائمة المشتركة

تعتبر الجبهة الديمقراطية والحركة الاسلامية التنظيمين الأساسيين بين الناخبين العرب، والخلل في أدائيهما كاف لافشال تجربة القائمة المشتركة؛ مع ذلك فقد نضيف اليهما ضعف حزب التجمع، وغياب مؤسساته وانحسار وجوده الشعبي، وعدم نجاح “الحركة العربية للتغير” باستكمال محاولات بناء مؤسساتها الحزبية الجدية والمحافظة عليها.
تصل اسرائيل، في هذه الأيام، إلى آخر محطات تشكل نظامها السياسي الفاشي الجديد؛ فبعد تقويض أسس الدولة الأصلية، وبعد السيطرة على معظم مؤسسات ومرافق الدولة الأساسية، وبعد اكتمال جاهزية انتفاضة الغوغاء النهمة، نشهد كيف تنقض كتائب “القائد الأوحد”، المهوّشة والجائعة، على كبار الموظفين الإداريين وتطاردهم أو تطردهم من معظم الوزارات والوكالات الحكومية، وذلك من أجل إزالة آخر العقبات وتأمين سيطرة الجهاز الجديد على عروق الدولة ومساماتها بالكامل. فمن سيقف في وجه تلك الكتائب؟ ومن سيفشل سياسات الاقتلاع والتهجير والقمع؟ ومن سينظم مجتمعاتنا العربية من جديد؟
لقد آمنا أن نجاح القائمة المشتركة كان علامة واضحة لنضوج شعبي وطني جديد وتجاوب سليم لمجسات مجتمع، استشعرت الخطر وشخصته بدقة، وتهيأت لمواجهته بمسؤولية وجهوزية عاليتين. وكانت ـيضًا انعكاسات مهمة لتذويت واع لمعنى الشراكة الجوهرية الحقة أجراه بشكل معمق كل مركب من مركبات القائمة فاستعادوا بعده وبسببه ثقة الناس التي فقدوها، فهل مازال تشخيصنا صحيحًا؟
اخشى أننا نضيّع الفرصة مرة أخرى؛ وأخشى أن هذه القائمة قد حملت بذور انشقاقها منذ ولادتها، وسيكون علينا، قريبًا، أن نفتش عن وحدة أعمق، وعن وسائل نضالية بديلة ومستحدثة، لكي تتواءم مع طبيعة المتغيرات الحاصلة في الدولة وفي داخل مجتمعنا. وحدة تستشرف احتمالات التجانس الاوسع والممكن في مواقف الشركاء إزاء قضية المساواة على تفرعاتها وجميع منظومات الحقوق، القومية والمدنية، التي نناضل من أجل الحصول عليها أو عدم المساس بها.
يتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

عندما اعتدت شرطة

نتنياهو على رئيس الشاباك

 

جواد بولس

اعتدت قوات الشرطة الاسرائيلية، في العشرين من شهر آب الجاري، على المتظاهرين والمعتصمين أمام بيت رئيس الوزراء الإسرائيلي في شارع بلفور في القدس الغربية، الذين توافدوا محتجين على تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة رغم كونه متهمًا في ثلاثة لوائح اتهام جنائية خطيرة ؛ وقامت بعض عناصر الشرطة وضباطها بشحط وضرب بعض المعتصمين، مثل رئيس الشاباك السابق كرمي چيلون وعدد من ضباط جيش الاحتلال، وفرّقتهم بعنف كي تخلي المكان لصالح مظاهرة أخرى، دعا اليها مؤيدو ننتياهو ونشطاء حزب الليكود، في المكان نفسه.   

قد يبدو الخبر للكثيرين عاديًا، فلطالما شاهدنا عصيّ هذه الشرطة وهي تهوي على رؤوس وأجساد المتظاهرين العرب، وبنادقها تطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع او حتى الرصاص المطاطي والحي، كما جرى في احداث يوم الارض الخالد او خلال احتجاجات اكتوبر في العام 2000 وفي غيرها من الانفلاتات الشرطية العنصرية القمعية التي خلّفت وراءها، بين المواطنين العرب، الضحايا والمصابين والأحزان.

وإن كان ذلك الاعتقاد صحيحًا بالمطلق، ستبقى مشاهد واحداث ذلك المساء فريدة وتاريخية، لانها حملت دلالات خطيرة على طبيعة التحولات التي مر بها نظام الحكم في اسرئيل، وبراهين على انتقاله من نظام عنصري يقمع ويضطهد مواطني الدولة العرب، الى نظام مستبد وغير ديمقراطي وفاشي لا يقبل بأي نوع من المعارضة السياسية حتى لو كانت آتية من داخل المجتمع اليهودي وتمارسها اجسام وجهات وشخصيات صهيونية بارزة وصاحبة تاريخ مشهود في تضحياتها من اجل بناء إسرائيل القوية.

ستبقى مشاهد ضرب الشرطة للرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة، الشاباك، كرمي چيلون واصابته بجروح طفيفة، وصور العنف الممارس على عدد من النساء والشخصيات اليهودية البارزة التي شاركت في تلك الاحتجاجات، ومنظر العقيد بجيش الاحتلال، أمير هاسكل، وهو يجرّ على قارعة الطريق العام أمام أعين العالم، شواهد على كيف تحوّلت شرطة إسرائيل من جهاز موكل بخدمة الدولة وحماية مواطنيها اليهود - ويمارس بشكل منهجي سياسة القمع العنصري ضد مواطنيها العرب - الى مسوخ بشرية والى ذراع مسيّسة تلاحق وتضرب، باسم رئيس الحكومة وحلفائه، كل معارض ومحتج على شرعية سلطته وعلى سياساته التحريضية.

إنها آخر الأقنعة؛ سقطت وتعرّى النظام وظهر بكامل قبحه وشراسته؛ فبعد اليوم سيواجه المواطنون في اسرائيل واقعًا مختلفًا وكيانًا يُقاد من قبل ثلة تؤمن أن غاياتها تجيز لها تسخير جميع الوسائل والاحابيل، ونسف كل القيم الانسانية وتعطيل كل الموجبات القانونية وإلغائها؛ إنها مجموعة عابثة تؤمن أنها والدولة والشعب ثلاثة أقانيم متجسدة في شخص زعيم واحد مفدّى. 

 لم يحدث هذا الانهيار الشامل فجأة؛ فلقد زحفنا على ذلك المنزلق منذ سنوات، وحذرنا منه حين كنا نصفع ونلعق ذلّنا مكابرين، ونصيح: كلنا نفدي الوطن؛ وحين كنا نُنْكَب ولا نرعوي بل نفتش ونغني للملايين، أو لبغدادَ قلعة اسودنا؛ وحين كنا ننتكس فنشكر السماء على لطفها ونمطرها بدعاءاتنا، ونعلن اننا راجعون بقوة السلاح.

ان الاقلية العربية في اسرائيل بحاجة،  الآن أكثر مما مضى، الى اعادة نظر في اساليب نضالاتها ووسائل تنظيمها؛ فبعض الفئات الحزبية والحركات السياسية ما زالت ترفض اعادة حساباتها ورؤية أهم المتغيّرات التي حصلت خلال القرن الماضي، وخلال العقد الأخير، ويصرّ هؤلاء على التمسك بعقائدهم وبمواقفهم الأيديولوجية ورؤاهم السياسية التقليدية؛ فلا يعني مثلًا انهيار الاتحاد السوفياتي أي شيء لبعض الشيوعيين القدامى، ولا تبخر ما كان يسمى "حلف وارسو" ؛ بل يحافظ هؤلاء على ترديد نفس الديباجات الموروثة من العصر الذهبي ويعظّمون شأن قيصر الكرملين الحالي، بوتين، وكأنه رئيس "البوليتبيرو" الذي يقف على رأس"امبراطورية الشمس" التي كانت الصديقة الجبارة لمعظم الشعوب المقهورة.

كان انهيار الحلم الاحمر من أبرز وأهم احداث القرن المنصرم، لكنه لم يكن الخيبة  الوحيدة التي غيّرت مجرى التاريخ، ساعة بدا هذا لصنّاعه الثائرين، كل من اجل حلمه، واعدًا وزاهرًا؛ فسقوط مشروع القومية العربية بمفهومه الناصري، وتعثر المشروع الاسلامي الاخواني، كانا، من دون شك، حدثين اضافيين بارزين ما زالت تذبذباتهما تخض أواصر وخواصر المنطقة وتعبث في استقرار شعوبها.

لا وقت لخداع انفسنا ولا هوامش للمقامرات أو للتحليق بنشوة على روائح الماضي وأحلامه؛ فلن ينجو من أنياب هذه الوحوش الا الشجاع والحكيم واليقظ؛  وشرط هذه النجاة الاول هو اعترافنا بأن اسرائيل الجديدة والقوية والمارقة هي  ليست اسرائيل التي تمسّك مؤسسوها بيهوديتها المقرونة بديمقراطية عرجاء للعرب وكاملة ليهودها؛ فهي اليوم ابنة الظلام واخت للذين أطفأوا الصباح  ورقصوا على جثته وعلى وجع النايات.

يدل كل ما يدور في فلكنا على ان محنتنا سوف تشتد، واننا سنعاني، كمواطنين عرب، في المستقبل القريب، أضعاف ما واجهناه في سبعة عقود عجاف. وحدنا سنبقى؛ لن يبكينا دجلة الغارق في صدى عراقه، وشوقنا لبردى مؤجل الى ان يسترد شامه وتتوحد الاوطان ! وحدنا كنا، فلا الصحراء اسعفتنا ولا سيوف العربان؛ ووحدنا سلمنا ووحدنا سننام كي نحمل عمرنا ونبدده فوق ربوع جليلنا ونغني "ما اجمله بددا" مع "عقل" لبنان.

الرمل في ساعاتنا ينفد، فعلينا ان نحسم أمورنا ونقرر كيف ستكون المواجهة واين  مطارقنا ومن هو السندان ؟ 

من يتعقب عناوين مؤسساتنا القيادية، الموجود بعضها اسميًا وبعضها فعليًا، لن يخطئ في تشخيص قصورها المزمن ومحدودية وسائل نضالاتها ونجاعتها؛ فالقائمة المشتركة، رغم هفوات بعض مركباتها، تجتهد وتعطي ما في وسعها وذلك ضمن ما تتيحه لها الكنيست كمنصة للعمل البرلماني، الذي مهما كان زخمًا ومؤثرًا، يبقى محدودًا وقاصرًا على انتاج مردود سياسي وحراك شعبي كفيل بمواجهة القوى الشعبية اليمينية وغزواتها في الشوارع وعلى جميع الجبهات.

وعلى المدارات المحلية سنجد رؤساء البلديات والمجالس العربية يغرقون في معاركهم اليومية وينهكون في محاولاتهم لتحصيل حقوق بلداتهم من خزينة الدولة، وذلك دون ان تعفيهم مجتمعاتهم من سداد فواتير حملاتهم الانتخابية وصفقاتها التي ضمنت لبعضهم الجلوس على كراسي الرئاسة.

أما عما تعانيه " اللجنة العليا لمتابعة شوون الجماهير العربية"، فلقد كتبنا مرارًا ونوّهنا الى ضرورة إحيائها على اسس جديده ووفق رؤى سياسية مستحدثة تتواءم وطبيعة التغييرات التي عصفت بالمجتمع الاسرائيلي وبمجتمعاتنا المحلية وعلى نطاقات أوسع في منطقتنا والعالم؛ إلا أن الأمر لم يحصل.

وقبل ان استرسل في هذه الجزئية، والوَّم عن غير وجه حق،  سأستعير ما كتبه الشيح كمال خطيب، رئيس "لجنة الحريات" المنبثقة عن اللجنة العليا - وهو بلا شك رجلها الثاني، بعد رئيسها محمد بركة - وذلك في معرض ردّه السجالي على اعلان كان قد نشره الاعلامي المعروف وليد العمري، فأجابه الشيخ على صفحته جازمًا وقال: "إن لجنة الحريات هي واحدة من عشر لجان تتشكل منها لجنة المتابعة التي يراسها السيد محمد بركة، حيث يرأس كل مركب من مركبات المتابعة واحدة من هذه اللجان. هل سمع وليد العمري عن لجنة التخطيط الاستراتيجي وعن لجنة الارض والمسكن؟ وعن لجنة القدس واللجنة الاعلامية؟ لا شك انه لم يسمع والسبب انها معطلة ولم يتم تفعيلها والقيام بدورها.. "

هل يبقى بعد هذا الاعتراف الصريح والخطير كلام؟ فاللجنة، للاسباب التي ذكرها خطيب، ولغيرها، لم تعد عنوانًا جاذبًا للجماهير العريضة، ولا مؤسسة تمثل القواسم المشتركة لمواقف أكثرية الناس؛ ولقد برز ضمور دورها بوضوح بعد ان انحسرت معظم نشاطاتها وبقيت "لجنة الحريات" هي الجسم الوحيد الفاعل باسمها في ميادين ضيقة، في حين اهملت هذه اللجنة دعم سائر الحريات او عارضها رئيسها لاسباب فئوية أو عقائدية لا يخفيها الشيخ بل يعلنها تساوقًا مع مبادئه الشرعية وايمانه الديني.

من سيقود مراكبنا في هذا البحر الهائج ؟ 

سينبري البعض وسيدعون بأن كرمي چيلون والآلاف ممن شاركوا في الاحتجاجات على حكم نتنياهو وضد تحريضه الارعن، يفعلون ذلك لخوفهم على مستقبل دولتهم ولحرصهم على سلامة اسرائيل؛ وبالتالي لا تعني صور عناصر الشرطة وهي تضرب بعنف المتظاهرين اليهود، لهؤلاء شيئًا ولا تعنيهم كذلك حقيقة الاعتداء على رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلي وغيره واصابتهم بجراح واهانتهم على الملأ، بل سيمضي بعضهم وسيهزأون بالحدث وسيواجهونه بشعاراتهم المقاتلة وقناعاتهم الثابتة!

سيدّعي آخرون بأنّ ما جرى لم يكن سوى مسرحية صهيونية خبيثة علينا الحذر منها وفضحها؛ في حين سيلجأ رهط آخر الى تفكيك عناصر المشهد بمساعدة شيفرة المؤامرة وسحر المزايدة وفي حساباتهم الضارب والمضروب سيان وجميعهم "بطيخ صهيوني" ، فليكسر بيبي رأس كرمي، ولنبقى نحن راضين على رصيف العروبة ننتظر الزمن أو نرفع صلواتنا داخل كهوفنا، لأن نصرنا، هكذا تبشر السماء، قريب وزاحف.

لست من أنصار جميع هؤلاء؛ فانا على قناعة بان بما جرى في العشرين من أب هو اعلان عن ولادة حقبة ومعسكرات جديدة، فاما ان نكون، نحن المواطنين العرب، مع ومن حاصدي جناها، أو ان نصير من جناها المحصود.   

 

اتفاقية إسرائيل – أبو ظبي

ونهاية حلم الأمة الواحدة

جواد بولس

 

ما زالت تداعيات خبر الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي تشغل فضاءات الإعلام المحلي والعالمي، وتخلق بغزارتها بلبلة، من المستحيل تحديد معالمها أو رصد مصادرها ومن يقف وراءها أو يشحذها بآرائه المغرضة أو بجهله، اللذين تسمح منصات التواصل الاجتماعي بانتشارهما بتساو «فكري» مستفز ومغلوط.
لقد قيل في الماضي إن اختراع الرصاصة والمسدس ساوى بين الجبان، أو الخسيس، والشجاع. واليوم نقول إن التقدم العلمي والتكنولوجي وما أتاحاه من سهولة باستعمال معظم المنتوجات العصرية الالكترونية وغيرها، ساوى بين «كل عالم وجهول» حتى صار الناس ينامون على سيول من «المعارف» والتحاليل والخلاصات والنصائح «العلمية» ويفيقون، في الصباح، على نقيضها تمامًا.

لقد استهدف قباطنة العالم الجديد تدمير الكيانات العربية بشكل تام وإعادتها إلى تشكلاتها القبلية الأصلية والتحكم بها وبمقدرات البلاد الطبيعية. كما لم يخفوا مخططاتهم، بل طلبوا مساعدة عملائهم من بين قادة العرب فلم يتخلف هؤلاء وتحالفوا على تنفيذ تلك المخططات التي أوصلت، كما نرى، الدول العربية – وبعضها لا يعدّ دولًا بالمعنى الصحيح للكلمة – إلى حالة من «العمى الأبيض» حيث تفوق أوضاع مجتمعاتها البائسة، وانحطاطات قادتها واستبدادهم، أوضاع المدينة الرهيبة التي وصفها الأديب الكبير خوسيه ساراماغو في روايته المثيرة واللافتة «العمى».
كان شرقنا، قبل الاعلان عن اتفاقية الإمارات، غارقًا في جهل وبحر من ظلمة فاحمة، وسيبقى بعدها تائهًا ومهزومًا لزمن طويل آت.
إنها حالة من الفوضى العارمة التي لا يعرف فيها المواطن العربي المسحوق من «يمتح» في بئره الماءَ ومن في أسفلها «يميحه» كي يكون زلالا!

عندما ظهر بنيامين نتنياهو على شاشة التلفزيون وأعلن، بفرح عظيم، نبأ توصله مع صديقه الأمير الإماراتي إلى اتفاقية سلام شاملة، تهافت أصحاب الأقلام والمنابر على وصف الحدث فاعتبر بعضهم أن إعلان الاتفاق حدث هامشي وليس إلا كشفًا عمّا كان قائمًا بينهما في الستر بينما تفهم آخرون المشهد، فالإمارة، بالنسبة لهم، أصغر من «قُمع» وهي لذلك لن تؤثر على مستقبل المنطقة العربية والإسلامية، المشرفة على أحداث جسام سيتوّجها، وفق تكهنات هؤلاء، شتاء عربي زاحف سيغسل قاذورات عصر الخيانات والسقوط.
لا يعنيني جميع ما كتب هؤلاء حول هواجس الأمة العربية أو الإسلامية على الإطلاق فمعظم ما قالوه هو شعارات فضفاضة وكتابات ملتبسة وهشة، كانت إسرائيل قد استفادت منها لعقود طويلة وسخّرتها بحكمة وتسخرها بخبث من أجل إحكام نفوذها في المنطقة وتسويغ قمعها للفلسطينيين، وهم ضحايا ممارساتها واحتلالها المباشرين والوحيدين.
ستبقى القضية الفلسطينية هدف هذه المخططات المباشر والأهم فما قامت به الإمارات يُعدّ خطوة خطيرة لا يجوز الاستهزاء من احتمالات تأثيراتها الممكنة على مستقبل المنطقة، وكل المحاولات لتقزيم الحدث ووسمه بالعادي وبالعابر ستخدم مآرب القيمين عليه، ولذلك سيبقى وجع الفلسطينيين حقيقيًا، وشعورهم بخطورة المؤامرة الرامية إلى تصفية قضيتهم، مبررًا، وخوفهم من محاولات تقويض مشروع تحررهم الوطني وإقامة دولتهم المستقلة، في إطار حل الدولتين المتفق عليه دوليًا – مشروعًا وصحيحًا.

ما قامت به الإمارات يُعدّ خطوة خطيرة لا يجوز الاستهزاء من احتمالات تأثيراتها الممكنة على مستقبل المنطقة

ما زالت محاولات احتواء تداعيات هذه الصفقة أو إجهاض مخرجاتها المبرمجة جارية، ومن سيتصدى لها بشكل صارم وواضح وسيقف في مواجهتها هم قيادات وفصائل منظمة التحرير وأبناء الشعب الفلسطيني الذين عرفوا في الماضي كيف يسقطون المؤامرات ضد حقوقهم ويفشلونها، وإلى جانبهم كمشة من الحلفاء الحقيقيين.
ومن المؤسف حقًا في مثل هذه الظروف العصيبة عدم اصطفاف كل القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية إلى جانب قياداتهم، فالمرحلة حرجة، ومحاصرة منجزات الشعب الفلسطيني تتصاعد من يوم إلى يوم، مما يستدعي التخلي عن جميع مسببات الخلافات الفلسطينية الداخلية وإعادة بناء القلعة الواحدة المتينة، كي نستطيع، بمن في داخلها، مجابهة موجات الضغوطات المتوقعة.
لا أعرف من أين يأتي المتفائلون بصبرهم، ولا لماذا يبشّر من يبشّر العربَ بالفرج القريب، فكل من «يفتي» بالنصر الأكيد يمدّ يديه للسماء نفسها وهي، كما علّمونا، فوق الجميع زرقاء ودودة وجميلة، خاصة ونحن نرى كيف لم يبق للفلسطيني سلاحًا إلا «ذراع» شاعرهم محمود درويش وقطران الوحدة والصمود.
سمعنا في مجمل ما سمعنا من محاولات البعض لتفهم موجبات توقيع الاتفاقية الإماراتية أو تبريرها، رزمة من الادعاءات الواهية وفي طليعتها نجاح إمارة أبو ظبي بإيقاف ضم المناطق الفلسطينية للسيادة الإسرائيلية. لم تنطلِ هذه الحجج على الناس لا سيما على الواعين منهم والشرفاء. ولكن من أخبث ما سيق كتبرير للخطوة الإماراتية كان ادعاء من لجأوا إلى استحضار الاتفاقيات الفلسطينية التي وقعتها منظمة التحرير مع الحكومة الإسرائيلية، وإثباتها كسوابق تجيز لباقي الدول العربية محاكاتها أو تكريرها. ولقد تصرّف من جنّد هذه الذريعة بديماغوجية خطيرة، وهو يعرف عدم صحة المقارنة وضرورة سقوط المقاربة.

لقد أجاب القائد الكبير الراحل فيصل الحسيني على جميع هؤلاء منذ سنوات طويلة، وحذر من الوقوع في هذه المغالطة وهو الذي كان يشعر كيف كان بعض قادة العرب يحلم بالنوم في حضن إسرائيل أو على صدرها، فصرّح، قبل وفاته، حاسمًا: «نحن نقول للدول العربية التي تريد أن تحقق سلمًا أنه من المحظور عليكم أن تعقدوا اتصالًا مع إسرائيل ولا تستخدمونا كمظلة أذا جلسنا نحن مع الإسرائيليين، وتقولوا: الفلسطينيون جلسوا مع إسرائيل فلماذا لا نجلس؟ نحن نجلس مع الإسرائيليين لفك الارتباط ولا نجلس معهم لتمكين هذا الارتباط».
رحل الفيصل ورحلت معه أحلام فلسطينية عديدة فهل ما زال التوقع اليوم أن يتصرف العرب كما طالبهم فيصل قبل عشرين عامًا ممكنًا وللأسباب نفسها التي بررته حينها؟
إنه تساؤل مشروع وضروري، وهو واجب على كل فلسطيني يفتش عن مستقبله الآمن في هذا العالم المتغيّر وضوابطه السائلة، فحتمية التضامن العربي، الذي كان في حكم البداهة المتوقعة، صارت مسألة فيها وجهة نظر وهي في حاجة إلى فحص معمق وتفكيك شامل.
لقد كانت نكسة يونيو/حزيران 1967 أكبر وأقسى الضربات التي أنزلت على دعاة وحدة الأمة العربية، وتلتها هزات عديدة أدت مع السنين إلى زعزعة شروط حالة التضامن المتوقعة بشكل طبيعي ومفهوم.
سيكون اليوم من الصعب، إنْ لم يكن من المستحيل، على من يعتنق العروبة، كفكرة وكفكر، التنكر لانكسار الحلم أو مواجهة واقع بعث القبلية العربية واستعادة القبائل لعصبياتها القديمة واستئنافها لممارسة حروبها الوجودية في معظم «الدول» التي كانت ذات يوم موئل الحلم العروبي وموعدها لإقامة الوطن الواحد الكبير، كما أطلقه جمال عبد الناصر ومن نادوا مثله وغنوا: أمجاد يا عرب امجاد!

إنها قضية أساسية وذات علاقة وثقى بما يجري من تطورات وأحداث أمامنا، فالسؤال: لماذا يتوقع الفلسطينيون اليوم من إمارة أبو ظبي، أو من أي دولة عربية أخرى، تضامن حكامها التلقائي الفوري مع قضيتهم ودعمًا مطلقًا على جميع الجبهات؟ هو سؤال مطروح بشدة وله ما يبرره. فهل عروبة هؤلاء القادة هي الجواب، مثلًا أم كونهم مسلمين، أم بدواعي قيمهم الإنسانية وأخلاقهم المثلى؟
وهل غياب ردة فعل شعوب تلك الدول على مواقف قاداتهم واستنكافهم عن دعم فلسطين يشكل مؤشرًا على حدوث تغيّرات جذرية في تلك الساحات؟ وهل يتوجب على الفلسطينيين، قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا، الانتباه لجميع هذه المؤشرات وإعادة حساباتهم من أجل إنقاذ مستقبل قضيتهم؟
للإجابة على هذه التساؤلات أهمية في تحديد سياسات الفلسطينيين المستقبلية؛ وعندما أقول ذلك لا أستثني مواقف قادة فلسطينيي الداخل الذين آثروا، رغم جسامة الحدث، التزام الحذر والاكتفاء بتعقيبات متواضعة وخجولة، حيث غابت عنها مواقف واضحة وموحدة «للقائمة المشتركة» و»للجنة المتابعة العليا لقضايا الجماهير العربية» وغيرهما.
إنه صمت غير مبرر، ويدلّ على عمق أزمة هذه القيادات وعلى عجزها في مواجهة الواقع الذي ينادي بضرورة إيجاد الحلول والبدائل.
كاتب فلسطيني

 

 

كيف سرق قاضيا المحكمة

العليا دولتهما إسرائيل؟

جواد بولس

أثار قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في العاشر من الشهر الجاري، والقاضي بإلغاء أمر قائد جيش الاحتلال بهدم بيت الأسير الفلسطيني نظمي أبو بكر، زوبعة عنيفة في الأوساط اليمينية الرسمية والشعبية، حيث شارك في تأجيجها عدد من أعضاء الكنيست الاسرائيلي، الذين هاجموا بصورة غير مسبوقة، قضاة المحكمة العليا، وحرّضوا عليهم بشكل مباشر وصريح.
برز في هذا المشهد تصريح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي وصف فيه قرار المحكمة «بالبائس» وطالب، بما يشكل تدخلا خطيرا غير مسبوق في عمل الجهات القضائية، «بضرورة إعادة بحث القضية أمام هيئة موسعة من قضاة المحكمة» وأكد بعد أن اتهم المحكمة بشكل مبطن على أنها تشجع الإرهاب، أنه ما زال يتبنى، كما تبنى في الماضي، سياسة هدم بيوت «الإرهابيين» وأنه لن يتراجع عن ذلك أبدًا.
تواجه المحكمة العليا الإسرائيلية، منذ سنوات، حملة يمينية مسعورة أشرفت على نهايتها أو تكاد؛ وسقوط هذه المؤسسة في براثن النظام السياسي الجديد، الذي تمكنت عناصره من السيطرة على معظم مقاود السلطة، ولم يتبق عليها إلا الاستيلاء على بعض «الثغور» الناشزة، وأهمها مؤسسة المستشار القضائي للحكومة وجهاز المحاكم، وفي طليعته المحكمة العليا، التي كانت رمز ديمقراطية إسرائيل ونزاهتها المدّعتين.
لم أنوِ التطرق مجددًا لمكانة المحكمة العليا الإسرائيلية، ولا لتاريخها الملتبس إزاء حقوق المواطنين العرب في إسرائيل، أو لدورها العنصري في تسويغ سياسات الاحتلال وممارساته ضد الفلسطينيين المنتكسين منذ عام 1967، لكثرة ما كتبت في هذا المضمار، ولصراحتي حين أطلقت قبل سنوات ندائي للأخوة القابعين تحت الاحتلال، بضرورة مقاطعتهم لهذه المحكمة، ومع ذلك ولفداحة الأمر قررت العودة إلى هذه المسألة.
بدأت عملي، في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، كمتدرب في مكتب حنا نقارة، «أبو طوني» شيخ المحامين وأغزرهم ثقافة وصلابة وتمرّدا. رافقته في أواخر غزواته القانونية، وكنت شاهدًا على قناعاته بسقوط الأقنعة وتشخيصه المبكر لفساد منظومة «العدل» الإسرائيلية؛ وهو الذي كمنافح عن الإنسانية في جميع تجلياتها، خبر معنى مقارعة القمع بدون هوادة، وآمن بحتمية انتصار الخشب على المشانق.
وصلنا إلى قاعة المحكمة العليا التي كانت تعمل في الطابق الثالث من عمارة «المسكوبية» في مركز القدس الغربية، قبل انتقالها إلى مقرها الحالي «قصر العدل» الذي تبرعت ببنائه عائلة روتشيلد المعروفة. كان القاضي يوئيل زوسمان هو رئيس هيئة القضاة، فرحب بأبي طوني مبديًا، بشكل واضح، احترامًا له وودًا عتيقًا.

 لا يخفي اليمين الإسرائيلي عزمه السيطرة على المحاكم وملأها بقضاة يمينيين؛ وبدأت الوزيرة السابقة أييلت شاكيد مشروعها المعلن

استعرض أبو طوني تفاصيل قضيته، وأصر على أن استيلاء سلطة أراضي إسرائيل على قطع الأراضي، التي يطالب هو باسم أصحابها بتحريرها وإرجاعها لهم، باطل وغير عادل.
لا اتذكر اليوم تفاصيل تلك القضية بدقة، لكنني لن أنسى كيف وقف مثل السيف، وأصر على حق أولئك الفلاحين باستعادة أراضيهم. حاول القاضي زوسمان أن يقاطعه ليشرح له عن التغييرات التي ادخلها قانون الأراضي الاسرائيلي الجديد، لكن أبا طوني، الذي كان يعرف ذلك ويرفضه، تابع مرافعته بصلابة وبعبرية مَن ولد حينما كانت الارض تتكلم العربية. تبسم القضاة؛ وفي لحظة كان يلتقط فيها أبو طوني انفاسه نجح القاضي زوسمان بأن يقول: «القانون يا ابا طوني، القانون.. فحسب قانون الدولة هذه الأرض ليست لأولئك الفلاحين». ساد الصمت في القاعة. لاحظت أن أبا طوني يحاول ابتلاع كلمات زوسمان، ولا ينتظر أي توضيح. كانت نظارته قد سقطت حتى وقفت عند ارنبة أنفه، أرجع كتفيه إلى الوراء، كمن يريد أن يرمي قرصًا من حديد، وبيده الغاضبة رفع بنطاله حين كانت سبابته الاخرى تشق هواء الغرفة البارد. نظر نحو القضاة بعينيه الجاحظتين وصرخ بعبريته العربية «اذن، هحوق شيلخيم، أفال هصيدك ايتانو» أي القانون لكم ولكن العدل معنا. كررها عدة مرات حتى التصقت حروفها على جدران القاعة.. كان المشهد مستفزًا وحزينًا. كنت أجلس بهدوء مصطنع وانتظر أن يأمرني لأفعل أي شيء. أحسست بكفه تحط على كتفي ويضغط بأصابعه برفق أب. سرت في جسدي حرارة ساحرة ففهمت، عندها، كيف تنقل وصايا الأحرار من جيل إلى جيل، أعلن القاضي عن رفع الجلسة وطلب من ابي طوني أن يدخل عنده إلى الديوان.
لم يهدأ أبو طوني أمام زوسمان، الذي حاول أن يكون لطيفًا، رفض أن يستسلم لقوة القانون الجديد ومنطقه، فدافع عن الحق بشراسة وانهى حديثه بما معناه: اذا كنتم كقضاة ستدافعون عن هذا الظلم، وهذا القمع وعن هذه السرقات، فلن يدوم لكم عرش ولن تستقر سفينتكم بسلام، باطلكم سينسف باطنكم ويدمره. غادر الغرفة وكان مضطربًا وفوّارًا. نظر نحونا، أنا وموكلاه، وقال: «هزُلَتْ.. لم تعد هذه محكمة؛ أسموها ما شئتم، فلسوف تصير مقصلة أو مشنقة».
دخلَت بتاريخ 12/5/2020 قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى قرية يعبد القريبة من مدينة جنين في شمال الضفة الغربية المحتلة، بهدف اعتقال بعض المواطنين في ساعات الليل المتأخرة، بعد سماعه لضجة غريبة في محيط بيته صعد المواطن نظمي أبو بكر إلى سطح بيتهم العائلي المكون من ثلاث طبقات، وقام بإلقاء طوبة من فوق، سقطت على رأس جندي إسرائيلي وقتلته. أصدر قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي، على إثر مقتل الجندي، أمراً يقضي بهدم بيت الأسير نظمي الكائن في الطابق الثالث من بناية تسكن في طابقيها السفليين عائلتا أخويه، بينما يسكن هو وزوجته واولادهما الثمانية، ومنهم سبعة قاصرين، في الطابق المعد للهدم.
التمست العائلات، الزوجة والأولاد والإخوة، أمر منع ضد أمر الهدم المذكور، وادّعت أن القرار سيعاقب عائلات كاملة وسيرمي بأفرادها إلى الشوارع، بدون أن يكون لهم ضلع أو سابق معرفة أو أي مسؤولية عمّا يتّهم به نظمي.
وحين قبلت المحكمة الالتماس، اعتبر البعض قرارها جريئا؛ وسيجنده آخرون كمثال لعدل القضاء الاسرائيلي، أو كذريعة لاستمرار لجوء الفلسطينيين لهذه المحكمة؛ أما أنا، وإن كنت سعيدًا لإنقاذ بيت العائلة من الهدم، لست مطمئنًا، فهذا القرار هو استثناء عن القاعدة الراجحة، التي تثبتها ركامات مئات البيوت التي صادقت على هدمها هذه المحكمة خلال عشرات السنوات الماضية؛ ولست مطمئنا، كذلك، لان مصير هذه المؤسسة، ربما بسبب هذه الاستثناءات ايضًا، قد حسم ويوم سقوطها النهائي بات وشيكًا ومؤكدًا.
لا يخفي اليمين الاسرائيلي عزمه السيطرة على المحاكم وملأها بقضاة يمينيين؛ فقد شرعت الوزيرة السابقة أييلت شاكيد بمشروعها المعلن، وأدخلت عددًا من القضاة الأيديولوجيين إلى أجهزة القضاء، وفي مقدمتها إلى المحكمة العليا. لقد تشكلت هيئة المحكمة في قضية عائلة ابو بكر من ثلاثة قضاة، فقبل اثنان منهم، القاضي جورج قرا، والقاضي ماني مزوز، الالتماس، بفوارق بين مسوغات كل واحد منهما، ورفضا الموافقة على هدم البيت؛ بينما وافقت القاضية يعيل فيلنر على هدمه. وكانت هذه القاضية قد عينت ضمن سياسة التعيينات الجديدة، وتاريخها الشخصي يخبرنا انها كانت من أوائل من شاركوا مع حركة «غوش ايمونيم» مسيرة الاستيطان ومحاولات الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في منطقة سبسطيا وغيرها، في منتصف السبعينيات؛ وهي ليست وحيدة هناك.
لم يعش أبو طوني ليرى كيف تتحقق نبوءته؛ وكان قد مات قبله القاضي زوسمان، بدون أن يستوعب معنى نصيحة ضحية الحاضر لمن يتجبرون بها، بعد أن كانوا يومًا ضحايا في أرض بعيدة.
لقد حذرنا مرارًا، ونحن أولاد أبي طوني، من أن محكمة بررت لعقود سلب حقوق مواطني الدولة العرب وتبرر قمع الفلسطينيين بذرائع كاذبة، ستسقط فريسة بين انياب الذئاب الجائعة. لم يعش ابو طوني ليرى كيف كان حدسه صائبًا؛ فاليوم صرنا أقرب إلى أعواد المشانق التي يهدد بنصبها بعض الساسة لكل من يعارضهم، حتى لو كان مستشارًا قانونيًا سابقًا، وقاضيًا مثل ماني مزوز؛ فهو لم يسلم، وزميله جورج قرا، من تحريض النائب سموطريتش، الذي هدر عمليًا دمهما عندما كتب بصراحة: « يخطّر مزوز وقرا حياة كل واحد وواحدة منكم. حقوق ملكية المخربين وعائلاتهم أهم لديهما من حياتنا جميعا. هذا وضع مريض ومستفز بدرجات عليا، ويستدعي علاجًا جذريًا بمنأى عن القيم المشوهة التي تحاول مجموعة صغيرة غير منتخبة أن تفرضها علينا بالقوة. ببساطة، لقد سرقوا منا الدولة». هكذا عندما يستوحش الباطل. إنها الدولة التي خدمها القاضي زوسمان وزملاؤه وحذر منها حنا نقاره ورفاقه.
كاتب فلسطيني

 

 

عندما تذكر

 الشاعر بيروته

جواد بولس

وتبقى بيروت ذاكرة للوجع؛ وآب، شهر الرماد السماوي، يعود فتنقر اسراب جراده على عتباتنا، ويصحّينا من نسياننا العقيم، كي نبحر، على موج دموعنا، نحو ذلك "المنسيّ بين فراشتين" ونغرق من جديد في "السؤال عن الحقيقة".

صدمتنا بيروت مرّة أخرى، وكذّبت، برعونة ربّة لا ترحم، سراب السذّج وليلك المتفائلين؛ وعرّت، للمرة الألف، شمم الشقائق على سفوح صنين. لقد أعادت "خيمتنا"، في ليلها الأحمر الدامي، للشرق معناه التليد، وذكّرَتنا كيف يولد الغفاة من خراب وكيف الى خراب يعودون.

قد لا يصحّ، ونحن نقف على فوّهات شهقاتنا، إلا الصمت والدعاء في محاريب العجز، وألا نفقد عقولنا أو ايماننا بمن على كل شيء قدير، كما كان يؤمن الراكعون بخشوع في المعابد القريبة من مرفأ الدم، قبل انشطار القمر فوق سماء بيروت الشقية.     

ولكن بعض الحقيقة لا يضير؛ فلبنان لم يولد ولم يعش ككيان سيادي سليم؛ ولم يكن ذات يوم دولة طبيعية، ولا كان يشبه باقي دول العالم الفاشلة. لقد هندسه رعاة العالم في القرن المنصرم، كما يعرف جميع أهله، ليكون مجرد "قوقعة" تشارك معظم طوائفه الدينية في بناء فسيفساء درعها الخارجي، ويعيش في داخلها "مواطفون" ** ، لا مواطنون، كما ينبغي في عصر الدول الحديثة.

لا أعدّ نفسي خبيرًا بتاريخ لبنان، لكنني لا اعتقد انّ تشخيص مأساته بحاجة الى دربة خبراء أو الى دراسات علماء في السياسة وأخواتها.

لم تُتَح لنا، نحن فلسطينيي الداخل، زيارة لبنان إلا مؤخرًا وفي حالات استثنائية جدًّا، لم تعُد متاحة الآن، كتلك التي سنحت لنا قبل ثلاثة اعوام، حين سُمحت لبعض المجموعات الصغيرة زيارته، ومنها مجموعتنا المؤلفة من سبعة أزواج أصدقاء، وذلك تحت عنوان الحجيج أو السياحة الدينية !

لم نصدّق أننا في مطار بيروت. ما زلت أشعر كيف زجرت قلبي وهو يحاول أن يطل من بين أضلعي. كنت أسمع دقاته ولا أنظر نحو هدف محدد، ولا حتى صوب وجوه رفاقي، فعشت في لحظة سرمدية، عطّلت فيها حواسي خوفًا من أن أكتشف انني أعيش حلمًا زهريًا. إنتصف ليل بيروت ونحن على شرفتها؛ فأنهينا معاملات الدخول وركبنا الحافلة وصمت المجموعة ما انفك طاغيًا، وأعيننا تحتضن ليلها بهدوء يليق "بست الدنيا" ؛ وكل منا يستحضر لبنانه؛ فخاصتي كان من أرز ووعد وأماني خبأتُها لعقود في خوابينا وكدّستها في أناشيدنا عقودًا من جلنار، واسراب يمام.

لا أعرف متى سيسمح لي قلبي أن أنبش أمامكم أحلى وشوشات بشرّي/ جبران، أو بحة نايات "أرز الرب"، أو غنجات "زحلة" وهمهمات المجد في "بعلبك".

سأعود، ربما،  بعد استيعاب الغصة الحالية، كي انثر على أرصفة ما تبقى من عمر ، نجومًا كنا قطفناها من "شخروب" بسكنتا، وكي أضوع أزكى العطور من "بساتين الجون" ومن "دير القمر".

لكنني، والمقام اليوم مقام الدهشة والحسرة، ساحدثكم كيف كانت خاصرتي تنزف كلما انتقلنا من حاضرة لبنانية الى حاضرة ثانية ؛ فكل طائفة أو حزب سياسي حصّن مناطق نفوذه وحاصرها بأعلامه وبصور قادته وشهدائه، حتى بات لبنان الذي جئناه ليس اكثر من "هدايا بالعلب" أو آهات تندفها مواويل ابن ضيعة "نيحا" فتطير لتصير "قطعة من سما"، أو تستريح أهازيج فيروزية "تحت جفنات العنب".

لن يخطيء الزائر، مهما كان مدنفا بحب لبنان، ومسحورًا بطبيعته وبجمال بقاعه و"شوفه"، ذلك الواقع المر المستفز ؛ فكل منطقة جغرافية ما زالت تخضع لوال أو لزعيم، وهذا عنده وعند عائلته وطائفته ميليشيا جاهزة للدفاع عنه وعن حاضرته؛ بينما يتواجد جيش لبنان بكسل على بعض الحواجز العسكرية المقامة على مفارق الطرقات الرئيسية، وفي مواقع تفصل عمليًا بين منطقتي نفوذ تابعتين لجهتين مختلفتين أو أكثر.

لم أنس ما شاهدناه في زياراتنا وخوفي من الآتي على لبنان؛ فشعب يحكمه الخوف - هكذا كنت أحدّث أصدقائي - من مآسي حروبه الأهلية، لن يصمد أمام مطامع ومؤمرات الاخسّاء ؛ فبالخوف وحده لا يصان سلم أهلي ولا تبنى الاوطان.

لم نرتوِ من هذه الزيارة، وحرصنا على أن نُبقيَ من كل موقع رشفة في الريق للذكرى وللانتعاش؛ وكانت حصة بيروت هي الاكبر والابقى؛ بيروت التي وجدناها ساهمة، موطن التناقضات والمجازات المستحيلة.

لم نصغِ إلى تنهيداتها، بل تنفسناها جرعًا كاملة، بهدير بحرها المتعب وبقلقها المزمن، فنمنا على زندها الوردي وصحونا على فجرها المتردد. ودّعناها في حافلة من غيم وصلّينا من أجل سلامتها؛ فقد كان الموت، هكذا أحسسنا عندما ابتعدنا عنها، يتربص بقلبها من كل الجنبات.

فاجأتنا قوة الانفجار الذي حصل يوم الثلاثاء في مرفأ بيروت، وافجعتنا اعداد الضحايا البشرية وقيمة الخسائر المادية، حتى ذهب البعض بمقارنة هذا الانفجار بالقنبلة الامريكية اللتي ألقيت على مدينة هيروشيما  اليابانية.

انها مقاربة لافتة تذكرنا عمليًا بأيام الدمار الذي عرفته بيروت في بدايات شهر آب قبل أقل من  أربعة عقود. كم كان واخزا أن نقرأ مجددًا، وفي شهر آب تحديدا، وصف تلك الايام الجهنمية التي رصدها شاعرنا الدرويش في كتابه "ذاكرة للنسيان".

قد يكون من المستحيل ان نتطرق الى المأساة البيروتية من دون ان نستذكر، ونحن في حضرة ذكرى رحيل صاحب قصائد "بيروت" و"مديح الظل العالي "و"احمد الزعتر"، علاقة درويش ببيروت، وذلك لما لها من دلالات ذات علاقة وصواب في ايامنا هذه.

الحقيقة أنني خططت للكتابة عن محمود في ذكرى رحيله التي تصادف غدًا،  لكنّ صراخ العدم الآتي من أشلاء "بيروت التفاحة" لم يترك مجالًا "للقلب ان يضحك.. في عالم يهلك".

نحن نحب بيروت مثلما احبها الدرويش، وليس اكثر؛ فعندما سئل ذات مرة اذا احبها اجاب: " لم انتبه، فنادرا ما تحتاج الى التاكيد من انك في بيروت لانك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان. صوت الرصاص هو الذي يدل على بيروت ، صوت الرصاص أو صراخ الشعارات على الجدران" .

لم نسمع حين زرناها صوت الرصاص، لكننا استشعرنا، من صراخ الأعلام الحزبية في ربوع لبنان، والشعارات على الجدران، ان المدينة في خطر.    

يحاول الكثيرون ان يبحثوا عمّن كان وراء الخراب الحاصل في لبنان وما سبب الانفجار الدامي الاخير !

لا جدوى من التفتيش، فمن مثل شعب  لبنان، ببسطائه وبشرفائه، يعرف الحقيقة.

كل العناوين بقيت محفورة على جدران بيروت منذ العام 1982؛ وامراء الحرب اللبنانية الاهلية ما زالوا يئدون كل بارقة لنجاة بلادهم؛ وما زالت هياكل انظمة الاشقاء العرب قصبًا "وعروشهم قصبُ  .. في كل زاوية حاوٍ ومغتصبُ، يدعو لاندلس إن حوصرت حلبُ " ..

لقد القيت القنبلة الذرية على هيروشيما كي تستسلم اليابان نهائيًا وكي تُطبق دول الحلفاء ملازمها على رقبة النظام العالمي الذي هندسوا ابان الحرب العالمية الثانية.

واليوم، وبعد مرور سبعة عقود، يعكف مهندسو النظام العالمي على هندسة شرق اوسط جديد، حيث على اشلاء بيروت ان تتناثر ليأخذ لبنان الطوائف مكانه على خارطة الدم الجديدة؛ وذلك مثلما حصل مع سائر اشباه الدول، او اذا اردنا، والشيء بالشيء يذكر، كما كتب الشاعر قبل حوالي الأربعة عقود في مجازية هيروشيما العرب: "ستكون سماء بيروت قبة كبيرة من صفيح داكن، الظهيرة المطبقة تنشر رخاوتها في العظام. الافق لوح من الرمادي العادي لا يلونه سوى عبث الطائرات. سماء من هيروشيما.  في وسعي ان اتناول طبشورة واكتب على اللوح ما اشاء من اسماء وتعليقات. اجتذبتني الخاطرة. ماذا اكتب لو صعدت الى سطح بناية عالية: لن يمروا ? كتبوها. نموت ليحيا الوطن ؟ كتبوها. هيروشيما ؟ كتبوها. طاشت الحروف كلها من ذاكرتي ومن اصابعي. نسيت الابجدية.لم اتذكر غير حروف خمسة: ب ي ر و ت" .

ونحن اليوم مثل شاعرنا نتذكر بيروت ونخشى عليها ونتذكر ايضًا حروفًا خمسة اخرى:

م ح م و د ..

** (الرصيد لنصري الصايغ ناحت مصطلح "المواطفون").      

 

في القدس…

في يبوس لا ينام الزمن

جواد بولس

 

نفّذت قوات الأمن الإسرائيلي صباح يوم الأربعاء الفائت حملة تفتيش «لمركز يبوس الثقافي» الكائن في القدس الشرقية، بعد أن اقتحمت في موعد سابق من ذلك الصباح بيت مديرته رانيا الياس، واعتقلوها برفقة زوجها سهيل خوري أحد مؤسسي المركز الأوائل ومدير المعهد الوطني للموسيقى في المدينة. وقد أفرجت الشرطة عنهما بعد فترة تحقيق دامت اثنتي عشرة ساعة، تمحورت، حسب ادعاء الناطقة بلسان شرطة إسرائيل، حول مخالفات إدارية!
سبقت هذا الاعتداء على «مركز يبوس» عدة حملات ضد مؤسسات فلسطينية، لم تكتفِ إسرائيل بتفتيشها وبمصادرة بعض محتوياتها فحسب، بل أمرت بإغلاقها وبتعطيل خدماتها للمواطنين. كان «بيت الشرق» الذي وقف على رأسه الراحل فيصل الحسيني، أهم تلك المؤسسات وقلعتها التي أنذر سقوطُها، في حينه، بالانهيارات المقبلة، وهو ما حصل فعلًا.
لن تتوقف إسرائيل عن ممارسة سياساتها بحق القدس، وبحق مؤسساتها الفلسطينية وبحق مجتمعها، فقد خطط قادتها، مباشرة بعد توقيع اتفاقية «أوسلو» من أجل تقويض»هياكل» المدينة، وهدم بناها السياسية والاجتماعية، وهندسة «قدس» أخرى، خاصة بعد أن شعرت إسرائيل كيف ينشأ في القدس مجتمع مدني سليم، بمنظومة مؤسساته الأهلية والشعبية والنقابية، ويعيش بهوية سياسية جامعة وواضحة، وبعد أن شاهدت كيف أصبحت القدس الشرقية في أعين العالم عنوانًا سياسيًا حقيقيًا، وعاصمة فلسطينية يقصدها سفراء الدول، مساوين بينها وبين القدس الغربية.
شرّعت «الكنيست» في منتصف تسعينيات القرن الماضي «قانون تطبيق اتفاقيات أوسلو» ، حرّمت بموجبه نشاط أي مؤسسة يكون لها أي نوع من العلاقة، مهما كانت تقنية أو رمزية، مع السلطة الوطنية الفلسطينية، أو مع منظمة التحرير، وحظرت بموجبه، أيضًا، عمل أي مقدسي/ة في المؤسسة الأمنية الفلسطينية، فغدا هذا القانون «شمّاعتها» لملاحقة وإغلاق عشرات المؤسسات، وفي مطاردة واعتقال عشرات الناشطين والقياديين المقدسيين، بتهمة ارتباطهم مع السلطة وخدمتها من داخل حدود المدينة.
نجحت سياسة ضرب المؤسسات الفلسطينية وملاحقة الناشطين والكوادر التنظيمية بخلق حالة «سبات وطني» أفضى بدوره، مع مرور السنين، إلى انتشار حالة من العزوف عن الهاجس الوطني العام، وفتح المجال في الوقت نفسه، لنشوء شرائح اجتماعية شعبية جديدة، بدأت مصالحها ترتبط بعناوين اقتصادية مقدسية حديثة الولادة، وبمراكز قوى محلية مؤثرة، وقد ساعدت إسرائيل بهدوء، الغائبة الحاضرة، على بلورة هذه العناوين وعلى تسمينها اقتصاديًا، كي تبرز بقدراتها وكونها بدائل تشغيلية وخدماتية مقبولة ومؤهلة لتصريف شؤون الناس الحياتية اليومية. لن نستطيع شرح جميع تفاصيل تلك التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المقدسي خلال العقدين الفائتين، مع إنه ليس من الصعب على المتتبعين تشخيص معالم المشهد المقدسي الجديد، فإسرائيل صارت حاضرة أكثر في شرايين حياة الناس، الذين طوّروا تلقائيًا علاقات متبادلة مع النخب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجديدة، فالناس يراهنون وبعضهم يأخذون، وأصحاب النفوذ يعطون ويدعمون، وكأنهم بذلك يدافعون عن «قدسهم» بأشكال نضال لا تتطلب بالضرورة دفع ضريبة الصدام المباشر مع الاحتلال، ومع رموزه الفاعلة، ولا إغضاب مؤسساته الناشطة في المدينة بشكل علني، أو من وراء السواتر.
لا أقول إن اللعبة انتهت، ومصير المدينة حسم، لكننا سنخطئ إذا لم نقرّ بأننا أمام عملية تشكل هوية/حالة من الانتماء «الإسراطيني» الملتبس، حيث تتراجع فيه أولوية المركب الفلسطيني، وكونه الحاسم بلا منازع، وتنتصب إلى جانبه شخصية «مقدسية جديدة» ما لم تواجَه فقد تولّد، بعد مخاض عسير، جيلًا من «مقادسة الـ1967».

لا بأس أن نستصرخ ضمير العالم لكننا نعرف يقيناً من خان قضيتنا وعلينا حماية ظهورنا من خناجر أشقائنا ومنهم عرب ومسلمون

لم تعتمد إسرائيل على ضرب المؤسسات، وعلى منع النشاطات وملاحقة الناشطين، كوسائل وحيدة في حربها على المدينة، بل كانت سياسة محاصرتها وإبعادها عن سائر المناطق الفلسطينية، وقطع صلات الفلسطينيين، عبارة عن خطوات متكاملة في خطة خلق القدس الجديدة. كما وظفت إسرائيل رحيل فيصل الحسيني، واستفادت من فشل القيادة الفلسطينية وأهل القدس أنفسهم في إيجاد بديل له، فعاشت المدينة مع بداية هذا القرن ومازالت، حالة من الفراغ القيادي الحقيقي، الذي ولّد انقسامات عامودية وأفقية في المجتمع المقدسي، وإلى تشتت في الرؤية الوطنية السياسية، التي كانت كفيلة بحماية مستقبل المدينة.
استوقفني خلال الايام الماضية تصريحان أصدرتهما عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الدكتورة حنان عشراوي، على خلفية اعتقال محافظ القدس والاعتداء على مركز يبوس، حيث أدانت في كليهما ممارسات إسرائيل الإجرامية وانتهاكاتها المتعددة في القدس المحتلة، ودعت المجتمع الدولي بهيئاته وبمؤسساته ومنظمة «اليونسكو للتدخل من أجل ردع إسرائيل ووضع حدّ لجرائمها المتواصلة ومساءلتها وفرض عقوبات عليها» وأكدت أن «هذه الخطوات تأتي في سياق العدوان على القدس، وتنفيذا ممنهجا لسياسة دولة الاحتلال، القائمة على تصفية الوجود الفلسطيني في العاصمة المحتلة، وتهويدها وطمس الهوية والرواية الفلسطينية» إنه توصيف صحيح وتشخيص دقيق لوضع القدس الحالي، ولكن يبقى السؤال إذن، ما الحل؟
قد يثير الاعتداء على «مركز يبوس» انتباه بعض الجهات الخارجية والمؤسسات الأوروبية، ويدفعهم لاتخاذ موقف شاجب ومندّد بالاعتداء على واحدة من المؤسسات الثقافية، التي من الصعب، حتى على من اعتادوا الصمت، وغضّ أنظارهم عما تمارسه إسرائيل بحق القدس ومؤسساتها وسكانها، تفهّمها أو تبريرها، فيبوس تعمل على إنتاج وتنظيم الفعاليات الثقافية المختلفة وتخاطب احتياجات المجتمع المقدسي الفلسطيني، بمن فيه الفئات المهمشة. لكننا نعرف أن مثل هذا الشجب، حتى إن حصل، فلن يسعف القدس ومستقبلها، ونعرف، كذلك، أن النداءات للمجتمع الدولي، وإن كانت مهمة وضرورية، فستبقى مجرد خرمشة قطة على لوح زجاج، فقبل اقتحام مركز يبوس، قامت إسرائيل يوم الاثنين الفائت، وللمرة السابعة عشرة، بسجن محافظ القدس عدنان غيث، ومعه مسؤول فلسطيني ابن قرية قطنة هو جهاد الفقيه. ورغم هذه الهجمات والاعتداءات والاعتقالات المستمرة، على الأرض والحجر والشجر والبشر، لم نسمع صوت ذلك المجتمع الدولي ولا حتى «تخبيطه» المؤدب على باب التاريخ السخيف.
أصدرت الدكتورة حنان عشراوي قبل ثمانية أعوام بالضبط، بيانًا ثمّنت فيه الموقف الأوروبي، في اعقاب تقرير أوروبي رسمي عدّد حينها خروقات إسرائيل الخطيرة في القدس، وطالبت في بيانها الدولَ الأوروبية بتبنّي خطط ملموسة لمساءلة إسرائيل ومعالجة الخروقات والتصدي لها بوسائل عملية على الأرض.. مضت ثمانية أعوام ولم يسائل أحد إسرائيل، ولم يتصدَ لها بوسائل عملية على الأرض، بل مازالت الخروقات الإسرائيلية مستمرة بوتائر متصاعدة لا تتوقف. لا بأس أن نستصرخ ضمير العالم، وأن نهيب بأوروبا، لكننا سنبقى ابناء الهزيمة ونعرف يقيناً من خان قضيتنا وباعنا بثلاثين من نفط وفضة، فقبل نقر أكتاف اوروبا، علينا حماية ظهورنا من خناجر أشقائنا، ومنهم بعض المسلمين والعرب.
فلماذا نستصرخ أوروبا، هكذا كتبتُ وقتها، وكل يوم تتمايل نجمة داوود من على شرفة أمير أو سلطان مستخلف، وتبكي في القدس عذارى يبوس زمن الخيانة وصمت القبائل العاهر؟ ولماذا ستتصدى أوروبا لإسرائيل ولم تشهد منذ عشرين عامًا حشدًا حقيقيًا واحدًا لسواعد سمراء تطال الغيم كي تحلبه وتقدم لحفاتها دموعاً ومطرا؟ لماذا تتصدى أوروبا لإسرائيل والقدس تعاني ممن تركوها صيدًا خفيفًا ووقفوا يتشدقون في قلب عدسة حمقاء، أو في حلق دعاء مقاتل، أو ناموا على صدر صلاة بعد أن رقصوا في الولائم؟ لا تحسبوا أن القدس/يبوس قد دجّنت ايها العرب، فيبوس، إن شئتم أو لا، هي الاسم الأول الذي اعطي لمدينة القدس نسبة إلى اليبوسيين، وهم قبيلة كنعانية بنت مدينة يبوس الأولى في موقع القدس الحالية.. هكذا كتب من أسسوا «مركز يبوس» بعد أكثر من 5000 سنة، وأضافوا: هنا حيث لا ينام الزمن «ما زال أحفاد اليبوسيين الأوائل يقيمون في القدس الشرقية، ويواصلون إحياء المدينة ثقافيًا وفنيًا». فهم ، رغم أنف الخيبة، ينامون كي يصحوا على وطن.
كاتب فلسطيني

 

 

حروب الطحينة أولًا

وبعدها حروبنا مع كورونا

 

جواد بولس

لم يشفق علينا تموز، ولم يتركنا واقفين على الريح، نعصر قلقنا ونشقى في عتمةٍ أرخاها على أرواحنا مخلوق ميكروسكوبي لعين، فشل جهابذة البشرية بمواجهته ونجحوا فقط بايجاد اسم له؛ فراح «كوفيدهم التاسع عشر» يسخر من جهلنا، ويضرب بموجه الغاضب شواطئنا ويحصد ضحاياه.
لم تتأثر القرى والمدن العربية المحلية بهذا الفيروس مثلما تأثرت به تجمعات سكانية أخرى، مع بدايات انتشاره في العالم وفي إسرائيل، وحافظت معظمها على نسب إصابات هامشية دفعت بعض المتفائلين منا أو المدّعين، إلى الاعتداد بجاهزية مجتمعاتنا الوقائية اللافتة، أو حتى إلى الزعم بأننا نتمتع ببنى جينية فريدة وحصينة؛ في حين بعث الكثيرون نظرية المؤامرة من جديد، فكذّبوا وجود الفيروس وتأثيره القاتل؛ بينما اختلف غيرهم في ما إذا كانت أمريكا هي أم جائحة كورونا أو كانت هي الصين.
سقطت كل تلك الرهانات في أقل من شهرين؛ فمع بداية الموجة الثانية، تكشفت عوراتنا الإنسانية أمام هذا الفيروس، وصرنا مثل باقي البشر هدفًا من أهدافه، حتى سبقت، أحيانًا، بعض قرانا ومدننا سائر المواقع، واحتلت بعدد إصاباتها رأس الهرم الأحمر داخل إسرائيل. واليوم، وبعد أن ثبت بالدليل القاطع أن الخطر الذي نواجهه أكبر من المقامرة على حقيقة وجوده، يُنتظر منا أن نتصرف بمسؤولية كبرى تجاه انفسنا وتجاه المجتمع بأسره. فكل الدلائل تشير إلى إننا على أعتاب حقبة تاريخية عالمية جديدة، لا نعرف كثيرًا عن معالمها الجديدة؛ لكننا، رغم ذلك، بدأنا نشعر كيف يحاول رموز وأركان النظام الجديد في إسرائيل، توظيف تداعيات هذه الجائحة لصالح مشروعهم السياسي، الذي يتطلب نسف أواصر الدولة الحالية، وهدم مؤسساتها، ومن ثم التفرد في حكم سيقف على رأسه ديكتاتور مستبد، محاطًا بأعوان لا يمارسون إلا العنصرية والقمع والفساد، ويطيعون سيّدهم، الحاكم القوي الجبار، بشكل مطلق. نحن مجتمع هش وضعيف ومجزّأ. مصيرنا كمواطنين كان، قبل حلول الجائحة، على كف «كوفيد» وفي مهب الريح، وبحضورها صارت أوضاعنا أخطر وأوعر؛ ورغم ذلك تسير قوافلنا نحو الهاوية، وجمالنا محملة بالعجز وبالجهل وبالانتهازية.

لن يختلف اثنان على توصيف فداحة واقعنا، فالشعب أعزل وقادته إما يحرضون على بعضهم وإما يتأتئون في ساعات المحن

 لن يختلف اثنان على توصيف فداحة واقعنا، فالشعب أعزل إلا من تمائمه وأمله الأعمى، وقادته إما يحرضون على بعضهم، وإما يتأتئون في ساعات المحن، أو يراوحون في بقع الغبار، أو يغفون على زند أمل أجرب، وفي عين دعاء نحاسي.
كثيرون منهم يمالقون عند اشتعال الحروب الصغيرة، التي لا تزرع بيننا إلا البغضاء والفتن، مثل تلك التي دارت رحاها، قبل أيام، على أرض شركة لم تتوقع صاحبتها ماذا سيحصل، حين تبرعت من مالها الخاص لجمعية تدعم المثليين، فقامت الدنيا ولم تهدأ؛ أو تلك الحرب التي أيقظها فرمان عثماني قضى بتحويل كنيسة «أيا صوفيا» إلى جامع، فعدّ هذا الفرمان رمزًا لهزيمة البعض، أو انتصار خليفة هذا الزمن على قيصر، عند آخرين.

حرب الطحينة الخضراء

لا أعرف أصحاب «شركة الأرز» النصراوية، ولا محطات مسيرتهم المهنية، ولا قصة نجاحهم التجارية؛ لكنني انكشفت، مثل الكثيرين، على بعض تفاصيل سيرتهم، بعد أن ثارت الزوبعة حولهم، في أعقاب نشر صحيفة عبرية لخبر أفاد ناقله، بأن أصحاب شركة «طحينة الأرز» قرروا التبرع لإحدى الجمعيات التي تدافع عن حقوق المثليين في إسرائيل، وهو عمل يجعلها أول شركة عربية تجاهر بدعم يخصص لتمويل خط هاتفي، ستستخدمه الجمعية من أجل تلقي شكاوى أفراد هذه الشريحة من المواطنين العرب واليهود. تحولت هذه الواقعة إلى واحدة من أكثر القضايا التي أشعلت بيننا، في زمن كورونا الحالي، معظم المواقع الإخبارية والترفيهية و»صفحات التراشق» الاجتماعي وأحاديث المقاهي والمقاثي؛ حتى تشكّل أمامنا مشهد عبثي أوحى باندلاع حرب أهلية، تجندت فيها كل فيالق «الفسابكة» وكتائب «التواترة» ولعلعت بيارق الأحرار والليبراليين وتُليت الفتاوى والعظات، ودكت حصون الخليعات والفاسقين، فسالت أنهار من «الطحينة الخضراء» وأمطرت الغيوم قيحًا وجرادًا، ورقصت أمامنا الخيبة وغنت على شرفاتنا القروح.
لن أسكب أي قطرة حبر اضافية على جسد هذه المأساة؛ فطريقة تناول الحادثة كانت مفجعة، والمطالبة بمقاطعة «طحينة الأرز» هي شهادة على واقعنا المهزوم والمتشظي، وعلى حقيقة هويتنا الجمعية المشروخة والملتبسة، وانتمائنا المبعثر بين هياكل الجماعات، التي أعلنت موقفها حيال ما قامت به الشركة، ومنه حيال قضية المثليين والحريات بشكل عام. لقد تعرفنا في الماضي إلى معظم المواقف المعلنة في مسألة المثليين، وجميع أصحاب تلك المواقف كرروها هذه المرة ايضًا، ولن يغيّروها في المستقبل، لا من أجل شركة طحينة، يراها البعض مفخرة لمجتمعه، وإنجازًا لأصحابها، ولا من أجل وحدة أقلية مضطهدة، ولا كرمى لشرع يؤمن به غيرهم؛ فمن يؤمن بحرية الأفراد وبممارسة حقوقهم بسلام، سيبقى في موقعه ولن يتزحزح؛ ومن يؤمن، بالمقابل، بأن شرع الرب حرّم المثلية، وحدّ من ممارسة الحقوق الفردية، لن يقنع ولن يبحث في ما اذا كانت هذه حالة جسدية مخلوقة في صاحبها مع نطفته الأولى. فالقضية، اذن، ليست على صحة هذه المواقف المتباينة، التي ستبقى كما هي؛ بل على الحق والواجب باتخاذها من قبل كل فرد أو جماعة أو عدمه، كما لاحظنا هذه المرة ايضًا عندما غابت عن المشهد مواقف بعض المؤسسات المدنية وقادة الأحزاب والحركات السياسية، الذين آثروا بلع ألسنتهم وصمتوا تملقًا وجبنًا وانتهازيةً، أتمنى أن يحاسبوا عليها في محطاتهم العامة المقبلة.
في المقابل عبّر أيمن عوده رئيس «القائمة المشتركة» على صفحته، بدماثة سياسية، عن موقفه من نداءات مقاطعة «طحينة الارز» التي أطلقتها عشرات المواقع والصفحات، وشرعنتها شخصيات اعتبارية كثيرة، فقال، ولم يتطرق إلى حقوق المثليين: «كم من النفاق بمقاطعة طحينة الارز مقابل إبقاء كل الشركات الإسرائيلية من المعتزين بدعم الاستيطان والجيش؟ وكم من العبث اختلاق صراعات، ونحن على شفا وصول شرائح واسعة إلى المرض، أو حتى الموت جراء جائحة كورونا.. أمامنا قضايا مرعبة يجب أن نكون موحدين وقادرين على مواجهتها».
كم كان كلامه دقيقًا وصحيحًا.. ولكن.. لم يشفع لأيمن كلامه المتزن والمتبصر، بل وجد نفسه مهاجمًا بدون رحمة ولا هوادة؛ ومطالبًا، بعد تخطئته، من قبل زميله في القائمة الدكتور منصور عباس بالاعتذار، لأن موقف الحركة الإسلامية واضح من مثليي الجنس، وهو مستمد من الشريعة الإسلامية التي ترفضه. لقد اعلن الدكتور عباس في معرض تعقيبه، أن «القائمة المشتركة هي مشروع وحدوي وطني هدفه زيادة قوتنا وحضورنا السياسي، وهو اجتماع على القواسم المشتركة بين الأحزاب التي تحافظ على خصوصيتها الفكرية داخل المشتركة، ولذلك ففي المواضيع الخلافية كموضوع المثليين، يكون القرار لكل حزب وما يختاره من مبادئه وثوابته وتوجهاته السياسية والاجتماعية والثقافية».
كلام لا غبار عليه، إلا أنني لم أفهم لماذا طالب عباس زميله بالاعتذار ما دام يعترف بأن في «المواضيع الخلافية كموضوع المثليين يكون القرار لكل حزب وما يختاره»؟ ربما بسبب غياب أصوات رفاق النائب أيمن عودة، في الجبهة والحزب، وبسبب انتهازية القيادات اليسارية والعلمانية المنفتحة، التي تؤثر، رغم إيمانها بصحة موقفه السياسي، أن تكبر أرصدتها في بنوك الانتهازية والتملق؛ وربما بسبب إعراض زملاء النائب أيمن في القائمة المشتركة، وتمنعهم عن إبداء رأيهم، لا في قضية المثلية الجنسية، رغم أهميتها، فحسب، ولكن في قضية مكانة الحريات الفردية بشكل عام وحرية المرأة وفي مسألة احترام الرأي الآخر والمحافظة على سلامة الحيزات العامة. يسكت جميع هؤلاء فيضعف صوت أيمن وأمثاله؛ وبالمقابل لا يصمت في كل هذه الحالات من يدين المثلية شرعًا ولن يهادن من يحرّمها، فأولئك لن يعتبروا الرأي المختلف عنهم، في هذه المسألة وفي غيرها، حقًا للآخرين، بل هو ببساطة اعتداء منهم على الدين وحرب على الاسلام؛ تمامًا مثلما عبّر الشيخ كمال الخطيب، الذي يرأس لجنة الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا التي يرأسها محمد بركة، عن هذه الحقيقة، حين شرح على صفحته قصة المثل الشعبي «مش على رمانة ولكن على قلوب مليانة» الذي ينطبق برأيه على هذه الواقعة؛ وقد انهى ملصقه مؤكدًا أن المثل يقال» في كل من يفجُر في الخصومة ويستغل كل فرصة لنفث سمومه وتصويب سهام حقده»؛ وأضاف: «مش على طحينه ولا طحين، ولكن على الاسلام والدين». هكذا بكل حزم ووضوح.
فما دامت القضية ليست على طحينة وعلى طحين، فمن سيكون بحاجة، والحرب هي على الإسلام، لصوت أيمن عودة وأمثاله حتى إذا كان يحذر من «عبث اختلاق صراعات، ونحن على شفا وصول شرائح واسعة إلى المرض، أو حتى الموت، أو الجوع جراء جائحة كورونا»؟ وإذا كانت الحرب على الدين فمن سيهمّه إذا كانت «أمامنا قضايا مرعبة يجب أن نكون موحدين وقادرين على مواجهتها»؟
يتبع..

كاتب فلسطيني

 


 

مبروك عليكم «الستاتيكو»

… وكفكم على الضيعة

جواد بولس

 

طالعتنا المواقع الإخبارية قبل بضعة أيام بنصّ بيان صادر عمّن يسمّون «بطاركة ورؤساء الكنائس في مدينة القدس» حول عقارات باب الخليل، يعلنون في مستهله أنهم يقفون «متّحدين لحماية الوضع القائم «الستاتيكو» التاريخي المتعلق بالأماكن المقدسة وحقوق الكنائس المتعارف عليها دوليًا.. «وينظرون إلى قضية عقارات باب الخليل في القدس» على أنها تهديد حقيقي لتفاهمات الوضع القائم «الستاتيكو».
سأعترف، ربما للمرة الألف، بأنني أشعر بغضب شديد، كلما أقرأ مثل هذه البيانات، التي لا تعني على أرض الواقع شيئًا، وتُثبت، المرة تلو الأخرى، كمية الاستهتار التي يضمرها الموقعون عليها، بعقول الناس السوية. فهي، علاوة على كونها مجرد تسجيل لمواقف متأخرة وباهتة، لا تأثير لها، تساهم عمليًا بتشكيل حالة إعلامية ضبابية، تخفي تفاصيل الحقائق الصحيحة، وتعتم على من كانوا وراء تلك الصفقات وغيرها، كالتي كشفت وثائقها الدقيقة على مدار عشرة أعوام، وتطرقت إلى مجموعة صفقات بيع عقارات وتحكيرات طويلة الأمد، نفذت في عهد البطريرك «ثيوفيلوس» بمساعدة زمرة من المحامين وأعوانهم، وبعض المنتفعين العرب وغيرهم، في مواقع استراتيجية مهمة مثل طبريا ويافا والقدس وغيرها.
قد يكون التعويل على قصر الذاكرة الشعبية، خاصة داخل مجتمعات ترزح تحت ضغوطات سياسية واجتماعية واقتصادية استثنائية، عنصرًا يعتمد عليه البطاركة ورؤساء الكنائس المذكورين، ويدفعهم من حين إلى آخر إلى إصدار مثل هذه البيانات شبه المنسوخة، بتكرار مستفز ومن دون حرج أو تحسس.

لسنا في حاجة لمن يثبت لنا عنصرية القضاء الإسرائيلي تجاه المواطنين العرب الفلسطينيين وحقوقهم في أراضيهم وممتلكاتهم

لقد لجأ هذا الجسم المسمى «البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس» قبل ثلاثة أعوام، إلى إصدار بيان تطرقوا فيه إلى قضية صفقات باب الخليل، واستهلوه حينها بحكمة من سفر «أشعياء» تقول: «تعلموا فعل الخير، أطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم» ثم تابعوا، بنص يشبه ما جاء في بيانهم الحالي، فأعلنوا حينها: «نحن رؤساء الكنائس في القدس نلجأ اليوم إلى إصدار بيان عام، يعبر عن قلقنا بشأن انتهاكات الوضع الراهن (الستاتيكو) الذي يحكم المواقع المقدسة، ويضمن حقوق الكنائس وامتيازاتها». إنني على يقين من أن الموقعين على البيان الحالي، لم ينسوا ما جاء في بيانهم الصادر قبل ثلاثة أعوام، لكنهم، للأسف، يفترضون أو يراهنون على أننا ننسى..
لقد جاء نشر بيانيهما، السابق والحالي، بعد إصدار قرار المحكمة المركزية في القدس، وتثبيتها، في الاثنين، «حقوق» ملكية جمعية «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية لعقاري باب الخليل، فندق الامبريال وفندق البترا، ومعهما مبنى «الأعظمية» القائم في منطقة حساسة من «باب حطة». وقد تغاضوا، في المناسبتين، عن معالجة المسوّغات القانونية التي اعتمدتها المحكمة في قراريها، واكتفوا، بدل التطرق إليها، بالتعبير عن «قلقهم» من الإخلال بما سموه، بشكل ملتبس وبتعميم مقصود، «الستاتيكو» أو الوضع القائم، علمًا بأن هذا الوضع، وهم يعرفون ذلك طبعًا، يتطرق إلى مكانة الأماكن المقدسة، ولا يتطرق إلى أوضاع الأوقاف والعقارات، خاصة إذا ما بيعت بصفقات تجارية بحتة، كما حصل في هذه الحالة. لا أعرف مَن مِن هؤلاء السادة قرأ أوراق هذه القضية منذ بداياتها عام 2005 وتداعياتها لغاية صدور القرار الاخير يوم 2020/6/24، فلو فعلوا لاكتشفوا خيوط المؤامرة الحقيقية، ولعرفوا من هم المتآمرون على عقارات هذه الكنيسة العريقة وعلى وجود المسيحيين العرب في هذه المنطقة، وعندها ربما كانوا سيرفضون التوقيع على مثل هذه البيانات ويعارضون التقاط صورهم الجماعية مع من كان في موقع المسؤولية عمّا جرى.
لقد تمنيت قبل ثلاثة أعوام، لو لم يوقع بعض رؤساء الكنائس على ذلك البيان، وقصدت تحديدًا من يهمهم مستقبل الوجود المسيحي العربي، والمحافظة على أوقاف الوطن، وأشرت حينها إلى أن ما يفعلونه، في مثل هذه الظروف والمعطيات، يعتبر تمويهاً خطيرًا، سواء كان مقصودًا أو غير مقصود، وحرفًا للأنظار عن المؤامرة الحقيقية وعن معاناة أبناء الكنيسة المشرقية العرب، خلال قرون من استعمار أكليروس يوناني مستبد، ويعتبر، كذلك، تسترًا على ممارسات رؤساء هذه الكنيسة الذين تورطوا وما زالوا في عمليات تسريب وبيع عقارات وأوقاف كثيرة وثمينة في عدة مدن ومواقع من شمالي البلاد حتى جنوبها.
مضت ثلاثة أعوام فقط، وها هم يطالعوننا مجددًا ببيان، ألمحوا فيه، كما فعلوا في البيان السابق، إلى عدم نزاهة المحكمة الإسرائيلية، وإلى افتقارها إلى مواصفات العدل. أشعر بأن هذا الادعاء، في هذه القضية تحديدًا، مثل من يقول كلمة حق ويريد بها باطلًا، فأنا ومثلي زملاء كثر، لسنا في حاجة لمن يثبت لنا عنصرية القضاء الإسرائيلي تجاه المواطنين العرب بشكل عام، خاصة عندما ينظر قضاته في تظلمات الفلسطينيين، أو في نزاعاتهم مع الدولة، أو مع وكلائها من جمعيات استيطانية وغيرها، حول حقوقهم في أراضيهم وممتلكاتهم. نحن نعرف ان هذه المحاكم لن تنصف عربيًا يذود عن بقائه في وطنه ويناضل ضد من يخططون لاقتلاعه ولتهجيره، لكن من لا يعرف ذلك، أيها السادة الموقعين على بيان «الستاتيكو» هو، على ما يبدو، زميلكم ثيوفيلوس، الذي تغنّى قبيل الاحتفال بقداس الميلاد- قداس منتصف الليل- في السادس من كانون الثاني/يناير المنصرم وأمام قادة فلسطين وممثلين عن دول أجنبية كثيرة، بانتصاراته القانونية التي يحققها أمام المحاكم الإسرائيلية، وفي معارك لم يشكُ فيها من ظلم القضاة ومن عنصريتهم، بل أكد، أمام من سمعوه في تلك الليلة، على أن عيد الميلاد «يحل هذا العام في الأراضي المقدسة تزامنًا مع النصر القانوني الذي حققته بطريركية الروم الارثوذكس المقدسية في معركة الدفاع عن عقارات باب الخليل في القدس، في إطار معارك متتالية تخوضها «أم الكنائس» للحفاظ على مقدراتها وعلى الوجود المسيحي الأصيل في الاراضي المقدسة وخاصة مدينة القدس التي باركها الله». عن أي انتصارات تحدث وبأي وجود مسيحي أصيل تغنّى؟
يشكل بيان رؤساء كنائس القدس الحالي صفعة للحقيقة، وغطاءً لمن لا يستحق الصفح والمسامحة، ورغم ما فعلوه، سأتوجه إليهم، عسى أن يكون بعضهم معنيًا بالوقوف مع أهل الحق، وفضح أهل الباطل، وأطلب منهم التوجه إلى البطريرك ثيوفيلوس ومطالبته بتزويدهم بقائمة الأملاك التي كانت مسجلة على اسم الكنيسة الارثوذكسية المقدسية عام 1948 ومقابلها قائمة بما بقي منها في سجلات عام 2020، وإذا كان ذلك عسيرًا، لأي سبب، فيكفي أن يزوّدهم بقائمة الأملاك التي كانت على اسم البطركية عام 2005 ومقابلها قائمة الأملاك التي بقيت على اسم البطريركية في هذا العام. لن يعطيكم ذلك، فحاولوا على الأقل أن يكشف لكم أسماء أصحاب الشركات التي سجلت باسمهم بعض هذه الاملاك في الجزر البريطانية، عساكم تطمئنوا وتطمئنونا على أن اوقاف فلسطين ما زالت موجودة بأياد امينة.
وأخيرًا، لقد كتبت الكثير في هذه المسألة، ولن أكرر تفاصيل ما قلنا حول المؤامرة على أملاك الكنيسة وحول الضالعين فيها، فقبل ثلاثة أعوام استقبل النائب العام الفلسطيني شكوى بهذا الخصوص، وفتح في أعقابها ملف تحقيق لم يغلق بعد. لقد استمع النائب العام إلى شهادات عديدة، واستلم وثائق كثيرة، وأبدى اهتمامًا لافتًا بتفاصيلها، خاصة بعد أن تبنت فلسطين بقيادتها وبمؤسساتها الوطنية وباسم جميع فصائلها موقفًا يقر بأن قضية أملاك الكنيسة الارثوذكسية المقدسية هي قضية وطنية تقتضي متابعتها بشكل رسمي ومحاسبة المسؤولين على تسريبها والتفريط بها.
ما زال المتورطون أحرارا وطلقاء ويتصرفون بمقدرات هذه الكنيسة العريقة، وهذه بدون شك، حقيقة مؤلمة وموجعة، لكنني، رغم ذلك، أود باسم الوجع والامل، أن استذكر مرة اخرى موقف نقابة محامي فلسطين، الذي اكد بالتوازي مع فتح الشكوى لدى النائب العام، على انهم يقفون «اليوم امام معركة وطنية بامتياز تتمثل بحماية أرض الوقف الارثوذكسي، واننا في نقابة المحامين نقف صفًا واحدًا مع كل المدافعين عن عروبة فلسطين بأوقافها ومقدساتها وممتلكاتها في وجه المفرطين بها». هذا هو الصوت الحق، وليس صوت من يستجدي حماية شرف «الستاتيكو» الوهمي.
كاتب فلسطيني

 

صوت التاريخ

يجب ان يسمع

 

جواد بولس

 

هاجم بنيامين نتنياهو والمقربون منه، في حملة شرسة غير مسبوقة، المستشار القضائي للحكومة، افيحاي مندلبليط، واتهموه بمحاولة "إلغاء القرار الديمقراطي الذي اتخذه ملايين المواطنين الذين اختاروا نتنياهو في الانتخابات الأخيره". وجاءت هذه الهجمة بعد تسريب اخبار أفادت بأن المستشار القضائي لن يسمح لنتنياهو تسلّم مبلغ عشرة ملايين شاقل، كان سيقدمها صديق له للمساهمة في تمويل اتعاب المحامين الذين سيمثلونه في الملفات الجنائية المفتوحة ضده أمام المحاكم.

شهد صراع نتنياهو ومقربيه وحربهم ضد المستشار القضائي جولات عديدة في الآونة الأخيرة؛ إلا أننا نلاحظ في هذه المواجهة زخمًا تصعيديًا واضحًا، من شأنه أن يفضي الى تداعيات خطيرة، خاصة بعد ان نشر نتنياهو، قبل أيام، تغريدة في حسابه الشخصي صرّح فيها ان "مؤامرة مندلبليط الانقلابية على السلطة قد انكشفت بكل قبحها". انها تهمة مباشرة وواضحة بأن المستشار القضائي للحكومة متورط بتدبير مؤامرة للإطاحة بالنظام القائم. 

قد تكون هذه المواجهة أبرز انعكاسات ما يخطط له، باسم الشعب، نتنياهو واحزاب اليمين الجديد؛ لكنها هي حتمًا علامة حمراء قانية على مؤشر الفاشية ومدى استفحالها شعبيًا داخل المجتمع الاسرائيلي.

فقبل ايام نظمت قوى يمينية مظاهرة ضد الجهاز القضائي في اسرائيل في ساحة متحف تل-ابيب، شارك فيها نشطاء يمينيون وبرلمانيون من حزب الليكود وكان شعارهم المركزي : "الشعب فقط يقرر ، الشعب ضد دكتاتورية القضاء". وتصادف أن تواجد في المكان الصحفي المعروف أمنون أبراموفيتش ومعه طاقم من اخبار القناة 12 الاسرائيلية، جاءوا لتغطية الحدث؛ فحاصرتهم جموع المتظاهرين وحاول البعض الاعتداء عليهم جسديًا، مما استدعى تدخل الشرطة لاخراجهم من هناك تحت حراسة مشددة، ساعة كان "الشعب" يصرخ ويتوعده "ككلب وعدو لاسرائيل".

كما وشاركت في المظاهرة "أسنات مارك" التي كانت نائباً في الكنيست واليها ستعود قريبًا كي تكون مندوبة حزب الليكود في لجنة تعيين القضاة في اسرائيل.

لم تلتفت مارك للحادثة مع ابراموفيتش، ولم تتأثر ، مثلها مثل جميع من تواجدوا هناك، بالاعتداء في ساحة عامة على أحد ابرز الاعلاميين اليهود في اسرائيل، بل آثرت التعليق على مهمتها القادمة فقالت: "الجهاز القضائي بحاجة الى تغيير، واصلاحه يبدأ بانتخاب القضاة؛ لذا فأنا ساهتم بان تقوم اللجنة بتعيينات ملائمة ومهنية من شأنها أن تعيد ثقة الجماهير  بالقضاء".

فمن غير "الشعب" يريد قضاة مدجّنين ؟                      

تمر هذه الحوادث على أرصفة الناس المتعبة دون أن تعني لهم شيئا، وتختمر معظم التحوّلات الاجتماعية والسياسية المفصلية في الدهاليز السلطوية العليا؛ ويجري كل ذلك من دون أن يقلق أو يثور المواطن العادي، الذي تشغله، علاوة على هواجس فايروس الكورونا الضاغطة، متاعب حياته اليومية وجريه وراء لقمة عيشه وتحصين افراد عائلته من آفة العنف المستشري في مواقعنا، خاصة في هذه الايام.    

يعرف قادة اسرائيل هذه الحقيقة ويحاولون، رغم ما نشاهده من حالات دمار وفوضى عندنا وفي منطقتنا، أن يتصرفوا بهدوء وبروتين زاحف نحو تكريس واقع اسرائيلي يخططون، بخبث وبامعان، لتفصيله من معسكرين: الشعب اليهودي وقادته من اليمين النتنياهوتي وحلفائه في جهة، ومقابلهم المواطنون العرب، اعداء الدولة، وكل من يجرؤ على الشكوى أو الاعتراض او الانتقاد او حتى مجرد المساءلة.

رغم النكوص العام، يوجد بيننا من يعرفون أن ما يحدث في الدولة سينتهي قريبًا بولادة حالة سياسية اسرائيلية جديدة لن يستوعب أربابها مسألة وجودنا، نحن المواطنين العرب، بنفس الشروط الحالية ولا وفقًا لمقتضيات منظومة القوانين والقيم النافذة اليوم، رغم عنصريتها وقساوتها. 

كل يوم يمضي من دون محاولة جادّة لصد هؤلاء يقربهم من تحقيق أهدافهم؛ فمن سيهز انفاس السكينة المعششة في كهوفنا، ومن سيضيء عتمة قبونا قبل ما تنتصر "الراءات" على "واواتنا"؟  وما العمل ؟

لقد طرحت هذه الأسئلة مرارًا في الماضي، وأكدت، مثلًا، بعد انتخابات الكنيست الاخيرة، على أن نجاح القائمة المشتركة هو أول الغيث؛ فشراكة مركباتها وأداؤهم الجماعي أعاد لأكثرية المواطنين العرب الثقة بقيادات كانت معاقبة ببطاقات حمراء قانية؛ واعاد للناس ايمانهم بضرورة وأهمية النضال البرلماني.

وأكدت كذلك على أن هذا التغيير لم يحصل الا بعد ان استعاد مفهوم المواطنة وضرورة العمل تحت سقوفه مكانتهما بين قيادات تلك الاحزاب ومصوتيهم.

وأشرت، في نفس الوقت، على وجود إجماع يفيد بأنّ العمل البرلماني، مهما كان موفقًا أو بارزًا، لن يكفي للوقوف في وجه ما سيمضي بتنفيذه النظام الاسرائيلي الجديد؛ فقد تؤدي بعض الاختلافات السياسية الداخلية الاسرائيلية الى تأجيل تنفيذ ضم المناطق الفلسطينية، لكن قضية ابتلاع الارض ستبقى عنوان الاحتلال الاسرائيلي الأول والاخير؛ بينما لا يوجد اختلاف، بالمقابل، داخل هذا اليمين، حول ضرورة الابقاء على جميع القوانين العنصرية، مثل قانون القومية وامثاله. لذا فعلينا ان نفكر كيف نستطيع بث الروح في شعار "لا للاحتلال" وتحديث صياغته باسلوب قادر على تشبيك "السياسي" "بالمواطني" وباسلوب كفيل لتجنيد المواطنين العرب اولًا ، وبالتوازي استهداف المواطنين اليهود، ومنهم الصهيونيين، أصحاب نفس الهواجس والقلق. 

لقد اشرت حينها الى ضرورة التطرق بشكل جدي الى قضية "لجنة المتابعة العليا" وما تواجهه من مشاكل لن تحلّها، برأيي، عملية اجراء انتخابات عامة لهيئاتها او لرئيسها، كما تقترح بعض الجهات؛ ولن ينقذها، كذلك، رصد الميزانيات التشغيلية التي كانت بكل تأكيد ستسعفها، ولكن لن تبرئها بشكل تام .

لقد انشأت اللجنة قبل أربعة عقود في ظروف سياسية محلية وخارجية استثنائية وشكّلت بوجود أطر وقيادات صار بعضها طي التاريخ وبعض من بقي منها لم يعد يحمل نفس المعاني ولا يتبوأ نفس المكانة. لقد ضعضعت هذ التغييرات جسدها  فاختلت بداخله موازين القوى مما أدى إلى حدوث تراجع في مكانتها رغم محاولات رئيسها، محمد بركة، انعاشها.

اتمنى أن ينجحوا ببعث "لجنة متابعة عليا" جديدة، وذلك على امل ان تتحول الى عنوان سياسي شرعي ومؤثر ومقبول كبوصلة يسير على هديها الناس، لكنني أعرف ان ذلك لن يتم الا اذا توافقت مركباتها على مضامينها السياسية وعلى القيم الاجتماعية الجامعة الاساسية، وعلى معنى المواطنة ومستحقاتها علينا اولا ..

وعلى مسار آخر، توفي قبل ايام البروفيسور  زئيف شطيرنهال، وهو أكاديمي اسرائيلي ذو مكانة عالمية، برز في كتاباته عن أصول الفاشية ونشوئها، وله في هذا المضمار  نظريات مازالت محط دراسة وسجال. اشتهر شطيرنهال في العقدين الاخيرين كأحد الاصوات الصهيونية البارزة ضد الاحتلال الاسرائيلي وعنصرية نظام الحكم وممارساته القمعية، وعرف في توصيفاته الدقيقة وقراءاته الصائبة لطبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية في اسرائيل، وحذّر من جنوح القوى اليمينية المهيمنة نحو الفاشية.

كان صوت شطيرنهال واضحًا وحازمًا في هذه المسائل، وحتى عندما حاولوا اغتياله في العام ٢٠٠٨، بوضع عبوة ناسفة على باب بيته، لم يخف ولم يتراجع بل تمسك بمواقفه أكثر واستمر في صراخه الانساني عاليًا. 

لقد ناديت بضرورة التواصل مع هذه الشخصيات ومحاولة تنظيمها في جسم غير حزبي يكون له تأثير ما على الرأي العام المحلي والخارجي؛ولتسهم في عملية التشخيص الصحيح للوضع السياسي القائم وتسخّر خبراتها في إسداء النصائح العملية والعلمية للسياسيين ولجميع من سيقف في وجه العنصرية والابرتهايد والفاشيين.

لم يفت الأوان، فليقم من بيننا من هم أهل للشروع بهذه المبادرة؛ فصوت من درسوا التاريخ  عندنا ووقفوا على موبقات الفاشيين يجب أن يسمع، ودور من تبحروا في علوم السياسة والفلسفة والاجتماع يجب ان يظهر، وهم حتما سيكونون أقوى اذا ضموا اليهم زملاءهم من الأكاديميين الإسرائيليين الذين يقفون ضد الاحتلال ويحاربون الفاشية ويعرفون بأنه اذا لم ينل الشعب الفلسطيني دولته ولم يحظَ المواطنون العرب بحقوقهم، لن يعيش يهود الدولة برغد ولا بسلام.   

صفقة بيع أم خطوة

على طريق التصفية الكبرى؟

 

جواد بولس

 

 

تمنى البعض أن تتحول قضية صفقة بيع مئات الدونمات من أراضي الكنيسة اللاتينية في مدينة الناصرة، إلى ملف يشغل الرأي العام العربي المحلي، وإلى شاغل يستقطب اهتمامًا جماهيريًا واسعًا، أو على الأقل نخبويًا وقياديًا لافتًا، إلا أن ذلك لم يحدث على الاطلاق، فباستثناء فورة احتجاجية عارضة وضامرة أثارها بضع عشرات من رعايا هذه الكنيسة العرب، لم يقترب منها أحد ولم تسترع تفاصيلها غيرة الناس، لاسيما المسيحيون منهم، ولا حتى فضولهم.
تاريخ صفقات بيع أوقاف الكنائس، على اختلاف تسمياتها، في بلادنا طويل ومستفز، وسيبقى نزف هذه «الأرض المقدسة» فوّارًا ومرهقًا، خاصة وجميعنا يعرف من كانوا المتورطين في هذه التسريبات، وهذا التفريط المذهل، سواء من رجالات أكليروس، أو من منتفعين وسماسرة مدنيين ورجالات إدارة تنفذوا في ظلام أروقة تلك الكنائس، ونعرف كذلك من كان المستفيد من هذه البيوعات وفي حسابات من أودعت ريوعها.
لقد حاولت، في الماضي، بعض الجهات والمؤسسات والشخصيات الغيورة، من رعايا معظم الكنائس الكبيرة في البلاد، التصدّي لأولئك العابثين برقبات الأوقاف، وفضح فسادهم، وكشف معاصيهم، لكنهم رغم ما نشروه من حقائق مثبتة وبيّنات دامغة، بحق من كانوا شركاء في تلك الصفقات، فشلوا مرة تلو الأخرى، بإقناع أولي المكانة والقدرة بملاحقة الجناة وبمحاكمتهم. فشلوا وبقوا مع ملفاتهم، أسرى لليأس وللحسرة، وشهودًا على كيف تولد في مطارحنا الهزائم، وكيف يبقر أمام أعينهم الحق ويتسيّد الباطل.
لا أستدعي هذه الغصة إلا لأستنفر مرة أخرى ذلك السؤال الذي يؤرق كل متابع لتفاصيل هذه الملحمة، فلماذا وكيف نجح الجناة ومعاونوهم بالبقاء في مناصبهم، وبالنجاة من المحاسبة ومن العقاب؟
لقد تطرقنا في الماضي لجملة من المسببات التي أفضت إلى تلك الخيبات والكوارث، فمن يتحكم في أملاك معظم هذه الكنائس هم على الغالب أكليروسات غريبة عن البلاد وعن أهلها، ومعظمهم يتصرفون باستعلاء استعماري قبيح تجاه الكهنة العرب أنفسهم، وتجاه أبناء الكنائس «المحليين». يفدون إلينا من دولهم، خدّامًا لمشاريعها ولا تربطهم مع تراب بلادنا وشرقنا أي مشاعر انتماء حقيقية، فلا يعنيهم كونه وطنًا لنا، بل هو عندهم مجرد مكان يؤسسون عليه رواياتهم الدينية الضيقة وحسب. بعضهم يستغل مشاعر المؤمنين البسطاء الصادقين، الذين يرفضون تصديق أي تهمة توجه لرسل الكنيسة «الأطهار»، ويعارضون مساءلتهم بإصرار؛ وآخرون يتحالفون مع عملاء محليين فيشترون ذممهم بالمال أو باقتسام المنافع. لقد أدّت هذه العلاقة المرضيّة إلى ولادة حالة من التنافر والاغتراب المزمنين، بين الكنائس ومن يحميها وبين اتباعها، خاصة بعد أن عزّزها عاملان محليان، لم يكونا أقل خطورة منها، فاعتبار قضية الأوقاف المسيحية، من قبل حكومات الدول العربية، مسألة كنسية خالصة سوّغ، عن جهل أو عن قصد، لأرباب تلك الكنائس إمكانية التصرف المطلق بها، وأجاز لهم فرص تسريبها المعلن، حتى لو تعارضت تلك البيوعات مع مصالح الدول الحقيقية، أو مع مصالح المؤمنين العرب، ومشاعرهم الوطنية؛ ثم تضافرت في العقود الأخيرة تداعيات هذه الحالة، مع تزايد مشاعر الخوف بين السكان المسيحيين العرب، خاصة عندما اعتبرتهم بعض الحركات الإسلامية السياسية المتزمتة الناشئة مثلهم مثل «أعداء الأمة الصليبيين»، فعُدّ كل المسيحيين في الشرق والغرب همّاً، وجميعهم، عند هؤلاء أبناء جزية صاغرون، وللإسلام أعداء.
خوف العرب المسيحيين، المبرر أحيانا وغير المبرر، أو المصنّع في أحايين أخرى، دفع الكثيرين منهم إما إلى الهجرة، أو إلى اللجوء لتلك الكنائس وللاحتماء باثواب كهنتها، الذين انبروا بدورهم يغذّون هذه الظواهر بخبث وبنهج متعمد ومدروس، وفي كلتا الحالتين، الهجرة أو التذلل، لم تعد أملاك الكنائس وأوقافها تعنيهم، ولا الدفاع عنها واجبهم.
لقد قرأنا بيان البطريركية اللاتينية، حول ما دفعها لبيع ثلاثمئة دونم من أراضي مدينة الناصرة، لمستثمر عربي من الجليل، وكان تبريرها المعلن يشبه إلى حد بعيد ما ورد في بيانات معظم الكنائس الأخرى حين استعان رؤساؤها بذريعة وجود ديون كبيرة على كنائسهم، تضطرها لبيع بعض ممتلكاتها لسداد تلك الديون. إنها أعذار تفوق بقبحها ذنوبهم؛ لكنني، رغم ذلك، تساءلت من كان مفترضًا وقادرًا على أن يلاحق رجالات الكنيسة اللاتينية، كهنة أو موظفين إداريين، ومن هم المعنيون بالكشف عن خلفيات هذه الصفقة أو غيرها، ولأجل أي هدف؟ لم يقف في العقود الماضية سوى قلة ضد بيوعات أملاك الكنائس في مواقع أهم من موقع هذه الصفقة، ولن يقفوا اليوم ولا غدًا، فقيادات أحزابنا السياسية والمؤسسات المدنية والحركات الدينية تخلت تاريخيًا عن دورها في هذه القضية الحارقة، ولم تتحرك حين ضاعت الأملاك في مواقع استراتيجية في القدس ويافا وعكا وقيساريا وحيفا وطبريا والناصرة وغيرها. لقد شجعت مواقف هؤلاء القادة رؤساء تلك الكنائس وعملاءهم المحليين على الاستمرار في تسريب العقارات وبيعها، كما نشر مرارا وتكرارا.

جلاء المسيحية العربية عن الشرق قد حسم وحتى لو بقيت بعض آلافهم في فلسطين الكبرى، إلا أنهم لن يشكلوا وزنا اجتماعي ومعنى

بالمقابل لم يستطع العرب المسيحيون، ولن يستطيعوا لوحدهم، أن يمنعوا التفريط بالأوقاف والتصدي للتآمر الخطير عليها، فاذا ما حيّدنا أسباب خوفهم وخيبتهم ودوافع عزوفهم عن الانخراط في مقاومة هذه البيوعات، سنجد أنهم غير قادرين موضوعيًا للقيام بهذه المهمة، وذلك بسبب قلة أعدادهم وتشتت انتماءاتهم الكنسية، فعددهم في إسرائيل لا يتعدى المئة وثلاثين ألف نسمة (وفي فلسطين الخمسين ألف نسمة)؛ وهم موزعون على حوالي خمس عشرة كنيسة، ويسكنون في حوالي عشرين مدينة وقرية، يقع معظمها في شمال إسرائيل، فعلى الرغم مما يقال في صالح التسامح بين الديانات، ومصير الإخوة المشترك تبقى هذه مجرد فقاعات وهمية وزركشات عابرة، فالحقيقة هي، أن العرب المسيحيين في فلسطين، تحولوا إلى مجموعة سكانية هامشية، أو أن شئتم لمجرد حمل زائد على مسرح البلاد المضطرب.
لم تبدأ القضية مع صفقة الناصرة الحالية ولن تنتهي بها، فما يجري في هذه الساحة وقضية تناقص أعداد العرب المسيحيين في منطقتنا هي في الواقع عوارض تشي بوجود حالة مستعصية وخطيرة، عنوانها كان وسيبقى: مصير الوجود المسيحي العربي في فلسطين تحديدًا وفي الشرق عمومًا.
لقد وصلني بالتزامن مع اندلاع قضية بيع الأراضي في الناصرة نداء أطلقه كل من غبطة البطريرك ميشيل صباح، الكنيسة الكاثوليكية/ اللاتينية، ونيافة المطرانين منيب يونان، الكنيسة اللوثرية، ورياح أبو العسل، الكنيسة الإنجيلية؛ يعلنون فيه موقفًا واضحًا من ضرورة التزام إسرائيل بقرارات هيئة الأمم المتحدة، وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي واستعمارها للاراضي الفلسطينية، ويعبّرون عن قلقهم من استمرار معاناة أبناء شعبهم الفلسطيني، ومن الظلم الواقع وغياب العدل عن أرض السلام، ويناشدون العالم بضرورة العمل من أجل إقامة دولة فلسطين المستقلة. إنه نداء مهم ولافت وواضح أطلقه ثلاثة من رجالات الدين الفلسطينيين المسيحيين الأجلاء. وبمقدار كونه مهمًا بما حمل، فهو كذلك لافت بما غاب عنه؛ إذ لم يتطرق البيان إلى قضية بيع الأراضي ولا إلى ما أوردته الكنيسة كذريعة لإبرام الصفقة.
نعرف البطريرك صبّاح إنسانا جريئا ومستقيما وواضحا، واعتقد أن عدم تطرقه في ذلك البيان أو في بيان غيره لقضية الصفقة، ولما سبقها من مظاهر فساد في مشروع البناء في كنيسة عمان، وفي صفقات أخرى، لم يكن إلا من باب حرجه ومشاعره تجاه إدارة كنيسته في روما. إنها مفارقة وقد تكون هامشية، لكنها حتمًا هزة تذكرنا مجددًا، أننا قاب غفوة أو أقرب من النهاية، فجلاء المسيحية العربية عن الشرق قد حسم وحتى لو بقيت بعض آلافهم في فلسطين الكبرى، إلا أن هؤلاء لن يشكلوا أي مركب سكاني ذا وزن اجتماعي ومعنى، بل سيكون بقاؤهم كما قلنا مرة، «كمحميات بشرية طبيعية» ستشهد على جزء من تاريخ المكان الدارس، أو بقاء أفراد ومجموعات صغيرة منهم تستعرض في المستقبل كأحفورات تنطق باسم ما ومن كان هنا.
كاتب فلسطيني

 

 

العنف باق في مجتمعاتنا

جواد بولس

 

اجتمع يوم الأحد الفائت وفد من ممثلي المواطنين العرب مع المستشار القضائي لحكومة اسرائيل، أفيحاي مندلبليت، وذلك لبحث عدة قضايا تتعلق بتقصير الشرطة الاسرائيلية ونيابات الدولة في معالجة ومواجهة ظواهر العنف وحالات القتل المتزايدة في القرى والمدن العربية.

بادر إلى الاجتماع رئيس اللجنة البرلمانية الخاصة لمكافحة العنف في المجتمع العربي النائب منصور عباس، وشارك معه رئيس القائمة المشتركة النائب ايمن عودة، والنائب اسامه السعدي، وثلة من رؤساء البلديات ومجالس القرى العربية، والشيخ كامل ريان رئيس "مركز أمان".

وحث المشاركون المستشار  القضائي وطالبوه بأن يدفع الحكومة باتجاه اقرار خطة عمل واضحة وشاملة وملزمة، على أن يشارك في وضعها نواب من المشتركة ورؤساء مجالس محلية وقيادات أخرى؛ كما واتفقوا  على ضرورة عقد جلسات عمل مستقبلية مع ممثلين عن النيابة العامة للدولة وعن وزارة الامن الداخلي ومع باقي الجهات الحكومية التي لها علاقة بهذه القضية الحارقة وعليها واجب مواجهة الجريمة على تنوّع مصادرها. 

قد لا يراهن الكثيرون على فائدة هذا الاجتماع وبعضهم سيتفّهونه وسينتقدون من بادر اليه ومن شاركوا فيه؛ لكنني، على عكسهم، أراه، رغم مجيئه متأخرًا، خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح وبادرة لنهج عمل سليم؛ فلطالما ناديت منذ سنوات طويلة بضرورة التواصل منهجيًا مع جميع العناوين الحكومية والقضائية، لا سيما مع من يرسم منهم وينفذ الخطط والسياسات تجاه المواطنين العرب وتجاه مؤسساتهم الرسمية والمدنية، مثل المستشار القضائي ووزير الامن الداخلي ورئيس المحكمة العليا وغيرهم من أصحاب هذه المواقع والتأثير .

ليس أمامنا، كمواطنين في اسرائيل، مفرّ؛ فنضالنا من اجل حقوقنا المدنية، بكل الوسائل المتاحة ومن على المنابر وفي جميع الميادين، فرض وواجب؛ بينما تقع، بالتوازي، على عاتق القيادات الجادة، مهمة حماية الناس والذود عن سلامتهم الفردية وضمان الأمان في بلداتهم. ولا يكفي أن نلغي هذه الفرص ونرفض تجريبها، مرارًا، فقط بسبب قناعتنا بان جميع هذه المؤسسات الاسرائيلية عنصرية بشهادات وبامتياز، ولن تسعفنا أو تتعاطى مع مشاكلنا بشكل ايجابي وحقيقي.

 لا للشرطة، لا للعنف، فما الحل؟

 لا يوجد حل لقضية العنف وحالات القتل في واقعنا الحالي؛ فأنا لا أرى من وكيف سيفعل ذلك ! ولذا سننام وسنصحو في حضن حالة "اجتماعية" مستديمة، كالتعلم والزواج أو كالترمل والمرض، وسيبقى القتل رفيق شوارعنا والعنف شرطي مدارسنا ومجالسنا وفراشنا، إلى أن نتغير نحن وتتغير الأحوال. 

قد ينتقد البعض هذا التشاؤم وهذا اليأس، لكنني مقتنع باننا اذا لم نقر بعجز مجتمعنا وقصور مفاعيله السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية، وفشلهم في مواجهة هذه الآفة، ستستمر ارواحنا بالتنفس في بقع الضوء الشاحبة، وسيُحكم من يسمون، مجازًا وخطأ، بخفافيش الظلام قبضاتهم على حناجرنا المرتجفة ويمضون في تسيّدهم على حاراتنا الخائفة.    

لا نقاش حول واجب الدولة ومؤسساتها في محاربة الجريمة المستفحلة بيننا، ولا حول دورها في معاقبة الجناة وضرورة ردعهم، ومسؤوليتها عن معالجة مسببات هذه الظاهرة الخطيرة، ولا جدال انها لم تفعل ذلك عن قصد وتنفيذًا لسياسات عنصرية تستهدف حصانة مجتمعنا وأمن مواطنيه واستقرارهم السلمي؛ بيد أن ذلك، رغم صحته، لا يبرر فشلنا الداخلي في مواجهة ظواهر العنف كما تتداعى في عدة اشكال وفي مواقع تخضع لسيطرتنا بشكل مطلق؛ ولا يبرر ايضًا فشلنا في ايقاف نزيف الدم وتحجيم عدد عمليات القتل التي تحصل مثلًا على خلفية ما يسمى بشرف العائلة، أو بسبب عادات الثأر القبلي البغيضة وما شابهها. 

ستبقى الحكومة الاسرائيلية المسؤولة الأولى والأخيرة، عن كل الجرائم عندنا وخاصة عما تقترفه عصابات الجريمة المنظمة؛ ولكن سيبقى، في نفس الوقت، التساؤل حول دور مؤسساتنا المحلية، مثل المجالس  والبلديات، ضروريًا ومبررًا؛ والتساؤل حول مساهمة ودور المؤسسة التربوية موجعًا؛ والتساؤل حول تأثير المؤسسة الدينية مقلقًا ومستوجبًا.  فاذا فتشنا عن دور هذه المؤسسات سنجده، في أحسن الأحوال، هامشيًا، وفي بعضها سنجد انها تساعد، اما بصمتها واما بفعلها في ترسيخ ظواهر العنف وفي استفحالها.

 لا يكفي مقال لتغطية هذه المسائل بكل تفرعاتها؛ وعليه فسأتناول هنا قضية قتل النساء، على أن نعالج غيرها في مقالات قادمة.  

معهن الحياة اشرف

سيستمر قتل النساء ما دامت معظم عقول الرجال مريضة ومعظم عقول النساء أسيرة؛ فهنيئًا لك يا نهر الشرف الزائف. ها هم الحفّارون يهيّئون لك جداول الدم وطين الهوية البائسة.. وهنيئًا لك يا أيها الموت العاهر، فلك ما لنا ولك الكتائب والمجاهدون: بناة العزة/الوهم وحماة الشرف المخبأ في شقوق أكعابهم/حوافرهم، أسياد التخلف والرياء، كهنة بابل والربع الخالي. أضرب أيها السياف الشرقي حتى البطر أو، يا ليت، حتى التعب!

عن أي شرف تتحدثون ايها القتلة ؟ فكلما ذبحتم زهرة وبقر "مأمور العفة" بطنها، لأنها رفضت تعاليم القبيلة وما عادت تحتمل خرافات الهزيمة، أبكي على ماضٍ مات في الرواية لكنه بقي حيّا في خيام صدوركم؛ وأندب حاضرًا يحمي ذكورًا دسّوا عقولهم بين أرجلهم فسكرت رجولتهم على حافة شواربهم المنتصبة، وصارت اراقة دماء الحرائر عندهم أرخص من "عفطة عنز".

لن نعفي شرطة اسرائيل من مسؤولياتها عن الجرائم بحق النساء، لكننا نعرف أن هذه الفظائع المقترفة في بلداتنا، بمعظمها، هي وليدة ثقافة مجتمعاتنا وميراثها من زمن "هند وليلى". فلا يكفي لوأدها تنديد الرجال بها ولا صراخ بعض النساء ضدها ولا شجب المؤسسات الخجول. علينا أن نقف على مسبباتها الحقيقية ونكشف بجرأة عن مصادرها ومن يغذيها أو يتواطأ من اجل تخثيرها؛ فاذا أردنا أن نصير شعبًا يمقت القتل الرخيص في المفارق، لنبدأ بتعليم أولادنا كيف عليهم أن يحموا  "الغانية والزانية من الضرب المبرح في الشوارع" أو كيف  "يؤذن للمغني أن يرتل آية من {سورة الرحمن} في حفل الزواج المختلط"   

فمن منا لا يعرف أن القصة تبدأ في البيوت وحين تفرح القبيلة بمولودها الذكر وتندب حظ الأنثيين؟ ومن منكم لم يشارك باشعال شمعة الاحتفاء بذكاء طفله وهو يستعرض عاريًا وبحفاوة، نزولًا عند الحاح العائلة، "رجولته الصغيرة" لأنها ضمانة مستقبلهم والشهادة على نقاء الجنس؟

ومن منا، بالمقابل، ينسى زخات الارشاد والتنبيه والتعنيفات إذا ما قفزت بنية، في عمر حبة الطل، وبان، لا سمح الله، طرف فخذها، أو إذا تحركت ولم تحافظ كالكبيرات العفيفات على التصاق الساق بالساق؟ أتتذكرون كيف أصبتم بمشاعر الحرج والعوج وكأن هذه الطفلة المسكينة الغضة كانت على حافة ارتكاب جريمة أو رذيلة.

انه مجتمع مريض حتى التعب، ولا يعرف كباره معنى البراءة ولا الخير في تدليل الطفولة الانثى، فكيف إذا تقمرت خدودهن أو إذا تكعّبت صدورهن أو علت النهود؟ 

المشكلة، بنظري، ليست فقط في ذكورية هذا المجتمع، بل بكون عقول أكثرية ذكوره سقيمة بلوثة تدعهم يحسبون ان الاناث عالات على الحياة وانهن مناجم للقلق، فيجب التخلص منهن اما بالتزويج وإما بالخنجر.

فمهما كابرنا وانكرنا، تبقى الحقيقة مدفونة في بطون المعاجم الضاجة بالمعاني التي تقرّع المرأة وتعيبها؛ فهي عورة وناقصة العقل حتى لو أبلت في دفاعها عن الوطن وذلك لأن الحسناوات، عند العرب، لا يرفعن أحجبتهن إلا إذا غابت الفحول. 

ستبقى اسرائيل ذريعة سهلة ومشجباً يعلق عليه مجتمع عنين متخلف  قصوره وعجزه ورياءه، وستبقى السكاكين مخبأة في صدور ابناء القبيلة وفي دفاتر المدرسة وفي مواعظ المساجد وفي تعاليم الكنيسة.

الداء داؤنا، وهو عربي وشرقي أصيل، حتى اذا أسميناه بخبث وحشي، الشرف؛ وسيبقى وضعنا بائسًا إلى أن يصير شرفنا معلقًا على "كافات" كرامتنا الانسانية وعند اقدام حرّيتنا، وليس، كما يعتبره العرب اليوم، جرحًا في خواصر الحرائر، أو سرًا دفينًا بين سيقانهن.

 

 

بيرني ساندرز نجم مظاهرة

تل أبيب ضد الاحتلال

جواد بولس

 

شهدت ساحة «رابين» في مدينة تل أبيب مساء السبت الماضي، مظاهرة شارك فيها آلاف المواطنين اليهود والعرب، الذين استجابوا لدعوة بادرت إليها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحزب الشيوعي الإسرائيلي، ومعهما حزب ميرتس وعشرات الحركات والجمعيات اليهودية والعربية اليسارية.
ستبقى هذه المظاهرة علامة فارقة ومبشرة في زمن، نجحت فيه عربدة اليمين الإسرائيلي وأعوانه، من مختلف المواقع، بإيهام العالم، ومعه معظم المواطنين اليهود والعرب، بأن جميع المخارج نحو مستقبل مختلف قد سدّت، ولم يبق أمام الفلسطينيين الحالمين إلا قبول واقعهم الأسود ونسيان حل الدولتين، واكتفاء المواطنين العرب في إسرائيل، بالمقابل، بما سيمن عليهم به السلطان وهم صاغرون.
لم يكن حضور آلاف المواطنين اليهود في المظاهرة أمرًا متوقعًا ومفروغًا منه، وهو لذلك يشكّل مؤشرًا مهمًا، ودليلًا على اختمار قناعات جديدة بين أوساط يهودية واسعة، بدأت تفتش عن مستقبل آمن وتسعى للولادة من جديد في عالم نظيف من الاحتلال ومن قاذوراته، وبدون القمع واستعباد الغير وقهره. ما قاله رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عوده، في خطابه الذي تلاه أمام الجموع من خلال شاشة العرض، بسبب تواجده في حجر صحي، وما أضافه زميله النائب الشيوعي عوفر كسيف، يستدعي اهتمام وتوقف الذين ما زالوا، مثلي، مصابين بداء التجدد والشك والأمل، ولا يرون بقوالب عوالمهم السياسية «ألواحًا قدسية» ورثوها من زمن «مينا إلى عصر عمرو، ومن عصر عمرو لعصر جمال». فنحن على مفترق طرق وقد نختار «جادة الأمل» لتأخذنا نحو النجاة، أو نختار «طريق السراب» المطلية بغبار الحق، والمرصوفة بالنوايا الحسنة، فستحملنا نحو الهاوية ولعذاباتها الكاوية.
أعرف أن بعض الجماعات بيننا ستستمر في انتقاد هذا «التمني الساذج» ودليلهم، طبعًا، هو طبيعة الصهيونية العقربية، ومشاهد الساحات الإسرائيلية وهي تفيض عنصرية وجشعًا ودماء، لكنهم، مع ذلك، يتغاضون عن حقيقة واحدة وهي أنهم لا يقدمون للناس حلولا وبدائل. وعندما تسألهم عن ذلك يلوذون بخيمة الصبر وبعدل الزمن، أو يجيبونك أنهم، كمواطنين بسطاء، ليسوا في موقع تقديم النصائح ولا المخارج، فهذه وظيفة القادة ومسؤوليتهم. بعضهم يعارض العمل العربي اليهودي المشترك، بسبب عقيدته الثابتة وإيمانه بأن الحرب المقبلة هي حرب دينية، وفيها سيتولى المجاهدون وجنود السماء مهمة القضاء على إسرائيل، كيان الكفر، وسيتم تنصيب أمير جديد للمؤمنين الذي سيحكم المعمورة، وأن ذلك الفرج قريب، بل بات قاب قوس ودعاء.

السياسي الحاذق هو من يوسع جبهة نضاله ويعززها بالحلفاء المستعدين لمواجهة العدو المشترك

وعلى الضفة الثانية سنجد جماعات ما انفكت تنتظر، بلا يأس ولا كلل، عودة «غودو الشرق» فهو حتمًا سيأتي من جهات «بلاد العرب» قاطبة وينقض على أركان دولة الباطل ويدمرها، ويشيّد للحق دولة لا تغيب الشمس عن جنباتها. أحترم إيمان كل شخص ورأيه، بيد أنني لا أوافقهم، فمن الطبيعي أن يكون في مجتمع عانى ما عاناه الشعب الفلسطيني مثل هذه الاختلافات الفقهية والسياسية، وفي بعض حالاتها قد تثري وتفيد، لكنني لا أرى، في حالتنا، أنه من الطبيعي والمقبول أن تتحول تباينات المواقف السياسية إلى خناجر تستل بسهولة في وجه من دعا إلى هذه المظاهرة، كي يمضي ويناضل بطريقته من أجل حقوقه وإنهاء الاحتلال، الذي يراه شرطًا لنقل المواطنين العرب إلى مرحلة جديدة في صراعهم على مكانتهم وحقوقهم المدنية والقومية داخل إسرائيل. لقد أعادت هذه المظاهرة قضية وجود الاحتلال وممارساته ضد الفلسطينيين من جهة، وتأثيره على إمكانية بقاء المجتمع الإسرائيلي ضمن العائلة الإنسانية من جهة أخرى، إلى فضاءات إسرائيل وإلى شاشات العالم، بعد محاولات ساستها وإمعانهم في تغييبه، والتقدم نحو سيطرة خبيثة على الأرض المحتلة، وإبقاء الفلسطينيين كرعايا في خدمة الأسياد. من المؤسف أن نرى أن إسرائيل ليست الجهة الوحيدة التي تحاول تغييب وجود الاحتلال وموبقاته، فإلى جانبها تعمل حكومات كثيرة في العالم، وفي منطقتنا، وبعضهم يدعي القربى للفلسطينيين والصداقة، ولبعضهم وكلاء محليون.
ليس من المنصف للتاريخ ولا أخلاقيًا أن نغفل ما قيل على منصة تلك المظاهرة وتقزيمه، لمجرد تعريف بعض من قالوه بالصهاينة. فالسياسي الحاذق هو من يوسع جبهة نضاله ويعززها بالحلفاء المستعدين لمواجهة العدو المشترك، وانضمام شخصيات كهوروفيتش رئيس حزب ميرتس، وزميلته في الحزب زاندبرغ، والنائب عن حزب العمل ميراف ميخائيلي، وغيرهم من المتحدثين والمشاركين، إلى صرخة الآلاف ضد الاحتلال، وضد سياسة الضم والأبرتهايد، تعد خطوة بالاتجاه الصحيح وهي جديرة بالمتابعة وبالاستثمار، لأنها قد تصبح بداية لمسيرة جديدة نحو مستقبل مختلف وعادل وآمن. لقد توقعت في الماضي حدوث تغيير داخل بعض جيوب المجتمع الإسرائيلي، وناديت بضرورة السعي وراءهم واستقطابهم لصالح نضالنا وضد الاحتلال الإسرائيلي، حتى لو استمروا بتعريف أنفسهم بالصهاينة، لكنني لم أتوقع أن ينضم إلى منصة عليها تلك الشعارات، مرشح لرئاسة الولايات المتحدة بقامة السناتور الأمريكي، عضو الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز، فمشاركته كانت حدثًا استثنائيًا إيجابيًا ومشجعًا وتعد سابقةً. إنه مشهد مميز، سجل فيه هذا الصديق الأمريكي موقفًا على مسمع العالم، وقال بلغة واضحة ومباشرة لم نألفها من الساسة الأمريكيين: «يُثلج الصدر أن أرى الكثير منكم، عربًا ويهودا، تقفون معًا هذا المساء من اجل السلام والعدالة والديمقراطية، وأريدكم أن تعرفوا أنكم لستم وحدكم فهناك الملايين من الناس في الولايات المتحدة، وفي العالم يدعمون هذه القيم الإنسانية والأساسية».
ليس من الصعب أن يتخيل العاقل كيف شعر قادة إسرائيل وهم يسمعون هذا الكلام من سناتور كاد يدق أبواب البيت الأبيض بقبضتيه الحريريتين، وليس من السهل ولا المنطق أن يتغاضى عاقل وغيور فلسطيني عن أقوال ساندرز، وهو يؤكد على أن «مسؤوليتنا أن نقف ضد القادة المستبدين، وأن نبني مستقبل سلام لكل فلسطيني وكل إسرائيلي»، ويتابع بنون الجماعة «اعتقد أن مستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين متشابك، وان جميع أطفالكم يستحقون العيش في أمن وحرية ومساواة، ولكي يكون ذلك ممكنا، يجب وقف خطة ضم أجزاء من الضفة الغربية، ويجب أن ينتهي الاحتلال.» من له مصلحة في الاعتراض على هذا الكلام؟ وكيف ممكن أن يخدم مثل هذا الكلام حكام إسرائيل؟ ولماذا وكيف يعتبر البعض أن نهج هذا العمل هو مجرد «أسرلة» مرفوضة تخدم سياسة إسرائيل وأهداف قادتها؟ وكيف ولماذا يجزم البعض أن من يصرخ، أو يتمتم في سره، ويطالب بضرورة القضاء على إسرائيل، يخيف قادتها أكثر ممن يطالبون بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وبتحقيق العدالة والمساواة والأمن للعرب أسوة باليهود؟ لا يوجد منطق في ذلك، بل قد تكون الحقيقة معكوسة. لقد أنهى السناتور ساندرز كلامه قائلًا: «أعلم أنه في اليوم الذي نحتفل فيه بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، سيكون ذلك بفضل أمثالكم، المستقبل الوحيد هو مستقبل مشترك».
أنا على يقين بان مثل هذه النشاطات ضرورية، وأن الكلام الذي قيل في المظاهرة على العموم هو الكلام الذي يستفز ويخيف حكام إسرائيل، لأنهم يرون فيه الخطر الأساسي والحقيقي على أحلامهم وعلى مآربهم؛ والأمل يبقى، طبعًا، بأن تكون هذه بداية لبناء جبهة عمل واسعة تناضل لكنس الاحتلال وضد الفاشية داخل إسرائيل.
كاتب فلسطيني

 

 

أهل فلسطين

 بحاجة إلى الأمل

جواد بولس

 

في ذكرى رحيل مقاوم عنيد، زارع الأمل، الصادق الصدوق فيصل الحسيني.
بخلاف من يكتب عن أزمة السلطة الفلسطينية الحالية من مقعد المشاهد البعيد، أو من مدرجات المحللين والمفكرين، يعرف كل مواطن فلسطيني ما طعم المرارة واختلافها، في جميع البدائل التي تطرح عليهم، أو ينصحون بها من قبل أولئك الأصدقاء أو ربما الأخوة الأعداء. وإن كنت لاختار أخطر ما يواجهه الفلسطينيون في هذه المرحلة من مسيرتهم العاثرة، لاخترت فقدانهم لمجسّات «غريزتهم الفطرية الأولى» التي كانت تقودهم، في ساعات المحن المصيرية، بإرادة سليمة غير مكلومة، نحو الدرب نفسه، مهما كان صعبًا وقاسيًا، وفي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، عدوهم اللدود وربما الوحيد. ومن أخطر أعراض فقدان هذه الغريزة هو استمرار الانقسام بين غزة والضفة الغربية المحتلة بين حركة حماس، ومنظمة التحرير الفلسطينية، خاصة تنظيمها الأكبر، حركة فتح.
تعيش فلسطين في هذه السنوات محنتها الكبرى؛ فيدّعي الجميع أنهم يفتشون عمّن يقف وراء المأساة وعن أسبابها؛ ويجتهد كلٌّ من موقعه بتصويب سهامه نحو هذا الفريق أو الآخر؛ مع أنني ألحظ أن الكثيرين يستسيغون اتهام السلطة الفلسطينية، أو قيادات منظمة التحرير، لاسيما قادة ومؤسسات حركة فتح؛ ويغفلون، عمدًا أو نسيانًا، دور حركة حماس ومشاريعها المستقبلية، كعنصر فاعل في تداعيات المنطقة السياسية وعنوان لمخرجاتها المحتملة والمخطط لها.
لن أدافع ولن أتهم أحدا؛ لكنني على قناعة بأن خطاب التيئيس، من جهة، لن ينقذ الشعب من أزمته، وأن لغة التخوين من جهة أخرى، لن تسعف؛ وأن الكيل بمكيالين، على جميع الأحوال، هو شيمة الطغاة والمتجبرين، أو مهنة العابثين والمزايدين.
وفدت إلى القدس الشرقية طالبا في الجامعة العبرية بعد سبع سنين من احتلالها؛ تخرجت بعدها ورحت أعمل محاميا يدافع عن الفلسطينيين، ضحايا ذلك الاحتلال وموبقاته. كنت شاهدًا على أربعة عقود ونصف العقد من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ومحاميًا مدافعًا عن معظم قادتها وناشطي فصائلها. تشرفت بالدفاع عن آلاف الأسرى الفلسطينيين؛ فكل من زج به وراء القضبان صار لي أخًا وحليفًا؛ ولم يستثنني أي حزب أو حركة أو فصيل مقاوم، ولم يفسد اختلاف الرؤى السياسية بيننا، صداقتنا وعلاقتنا المهنية إطلاقًا.
إنها مسيرة جديرة بالتدوين؛ لكنني هنا سأكتب نتفة عن الحقيقة والأمل؛ فأنا ابن الخسائر الذي لم يتوقع عدلًا من محاكم القمع والاحتلال. خسرنا ولم نهزم، بل زرعنا في صدور المناضلين بساتين فجر ووعود، حتى نمنا وناموا على وسائد من رضى وسلام. عشت خيبات كبيرة في مسيرتي المهنية؛ لكنني، هكذا استذكرت وجزمت، قبل أيام في رام الله حين جمعني لقاء عارض مع كمشة رفاق عتق، أن أوجع تلك الخيبات كانت ما تفجر وتداعى من جراء مناكفات الأخوة وصراعاتهم، أمام أعين المحتلين والعملاء. تذكرنا محطات تلو محطات وفرصًا ضاعت، لو تحققت لكانت فلسطين الدولة قاب قطرة ندى وغنجة نرجسة. استعدنا من الحوادث جملة؛ سأحدثكم عن واحدة ما انفكت رغم حدوثها قبل سنوات عديدة تدقني في خاصرتي. لا أفعل ذلك من باب نكش الوجع، إنما بوحي الأماني والعبرة والأمل.
دعاني، بسام الصالحي أمين عام حزب الشعب الفلسطيني، إلى مكاتب الحزب في رام الله. كان بسام صديقي مثله مثل كثيرين من رموز الحركة الطلابية الجامعية الفلسطينية في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؛ فمعهم ناضلنا وعنهم دافعت لاحقًا في محاكم الاحتلال. أخبرني أن بعض القيادات الفلسطينية قد أعدّت مبادرة، تضمنت مقترحًا، تقدم به حزب الشعب الفلسطيني، يقضي بتشكيل «مجلس تأسيسي لدولة فلسطين»، حيث سيتشكل من أعضاء المجلسين، المركزي لمنظمة التحرير والمجلس التشريعي، بهدف تخطي العقبات التي وقفت في وجه المساعي لإعادة بناء منظمة التحرير، وإشراك جميع الفصائل فيها، وبضمنها طبعًا حركة حماس. عرض بسام عليّ ورقة مطبوعة شملت، علاوة على ما ذكر، أفكارًا تستهدف تعزيز استراتيجية سياسية، تستند إلى فرضية وواقع استقلال دولة فلسطين، وإنهاء الاحتلال، إضافة إلى حق العودة، وغيرها من النقاط التي أجمع على صياغتها معظم الفرقاء، ولم يبق إلا عرضها على قادة حماس، وفي طليعتهم نواب الحركة في المجلس التشريعي، الذين كان معظمهم في ذلك الوقت داخل سجون الاحتلال. طلب مني أن ارتب زيارة لنواب حماس في السجن، وأن أعرض واستعرض مع رئيس المجلس التشريعي، الدكتور عزيز دويك، مضمون الورقة، وسماع موقفه منها.
رتبت تلك الزيارة، وأذكر أنها كانت في سجن مجدو. بعد انتهائنا من طقوس السلام والترحاب والاطمئنان، عرضت على الدكتور عزيز مضمون الورقة. قرأناها بروية، فأبدى إيجابية واضحة، أزاء الفكرة والمضمون، لكنه طلب أن يعود بها إلى أخوته النواب ليناقشها معهم، ثم استفسر في ما إذا عرضت الورقة على الرئيس ابو مازن، وإذا كان موافقًا على فكرتها ومضامينها، أخبرته بأن الورقة معدة بموافقة الرئيس.
عدت اليه بعد يومين وأكدت له موافقة الرئيس على الورقة، وانتظرت رده، فجاءني مختلفًا عن موقفه الأول. لم يرفض الدكتور ورفاقه فكرة المبادرة، ولا مضمون الورقة، لكنهم أفادوني بأنهم ليسوا العنوان المخوّل لمناقشتها، بل غزة هي العنوان فعلى المبادرين أن يتوجهوا إليها، حيث سيصدر عنها الموقف. عدت إلى رام الله واخبرت بساماً بما جرى، ففهم أن مصير هذه المبادرة قد قضي، وهكذا حصل. إنها مجرد فرصة واحدة من كثيرات، لكنها تبقى مثالًا يثبت أن المحنة التي يعيش في ثناياها الشعب الفلسطيني، وتبدو غير قابلة للحل هي في الواقع أزمة من صناعة محلية؛ فاذا أراد صنّاعها فكفكتها لاستطاعوا ولأعادوا الأمور إلى شعابها، التي مهما تفرقت يجب أن تؤدي جميعها إلى صدام مع المحتل.

المحنة التي يعيش في ثناياها الشعب الفلسطيني، وتبدو غير قابلة للحل هي في الواقع أزمة من صناعة محلية

لا اكتب كي أفتش عن قتلة الحلم الفلسطيني في بقع الضوء العليلة، ولا عن الخناجر المدفونة في قنابيز العشيرة؛ لكنني أتمنى على جميع من يحترفون الصراخ وتخوين القيادات، خاصة «قيادات رام الله»، ومطالبتهم بحل السلطة وبالرحيل، أن يتروّوا قليلا وأن يعدلوا ويترأفوا بمصير شعب صامد كالسمرة في صفحة تاريخ المحتل الأبيض. للفلسطينيين عمومًا وفي رام الله وغزة، ولأصدقائهم حق الانتقاد والمحاسبة والتساؤل وأكثر؛ بيد أن احتراسهم من المغرضين واجب، وفطنتهم ضرورة وسلاح، وسبرهم لمقاصد ناصحيهم بكلمات حق يراد بها باطل، أو منتقديهم بغيرة مغشوشة، فرض عليهم، وجب عدم أغفاله.
قد يكون من الأسهل، في زمن هذا التيه العربي المقيت، أن تُهاجَم منظمة التحرير الفلسطينية، مع انها ستبقى طبعًا مسؤولة عن مآلات القضية الفلسطينية ومصيرها؛ وقد تصير حفلات التقريع بقيادات «فتح ابو مازن» هي الأطرب ونحن نشهد مواسم الهجرة إلى الصحراء، من دون اعفائهم من حصتهم من المسؤولية عن هذه الحالة؛ وقد يبدو، عند البعض، نداء حل السلطة هو الاوجب، لاسيما وهي سلطة عرجاء ببعض من يعبث بها، ومحاصرة من احتلال بغيض مدلل، رغم جرائمه، من أباطرة العالم «الحر»، ويربت على اكتافه، رغم ادعائهم عكس ذلك، حكام عرب وترك وعجم، فرغم كل ذلك ما هي بدائلكم؟
أعيش في القدس وفي رام الله وأعرف، مثل الكثيرين غيري، مَن سيذود عن عذرائه، فلسطين، مهما غلت التضحيات، ومَن يستعدّ لحماية مهجتها من كل مجرم وعابث وغاصب؛ ونتابع ما يتداعى في مواقعنا وحولنا، وندرك أي بدل مسمومة يخيطونها لأهل البلاد وللصابرين فيها ممن كانوا بحاجة إلى جرعات نور ووعود وعسل. لن أكتب خطبة اليأس ولا كلمات الوداع والتخوين، ولا أفعل ذلك ككهل يستعذب رومانسية مخاتلة أحبها يافعًا فبادلته التحية؛ ولا لأنني لا أصغي لأنين الأزقة في فلسطين المحتلة، وهي تفيض بدماء أبنائها المراقة برصاص مسوخ آدمية، سقى أرواحها الاحتلال بحبر شرائعه القرمزية؛ فأنا، كأبن لجيل تعمد بالخسارة وقهرها، لن أكون مرآة لواقع أخضر وصدئ، ولا ببغاء تردد ما تقوله الريح الصفراء للرمل الذي علمني أن كل من يسكب في الهواء جرعة يأس يطيل عمر الغبار والاحتلال، وكل من يزرع، مثلما فعل المناضلون البناة، البسمة في حلق الظلام ويرش على القباب ظلًا وارفًا، يرث الجنة والحياة.
كاتب فلسطيني

 

 

كما كان يجب أن

 يكون والأسرى أولًا

 

جواد بولس

 

عادت قضية الأسرى الأمنيين الفلسطينيين إلى صدارة الأخبار مجددًا، وذلك في أعقاب دخول تشريع عسكري إسرائيلي جديد إلى حيز التنفيذ في التاسع من أيار الجاري. فوفقًا لتعديل الأمر بشأن تعليمات امن (تعديل رقم 67 )، وسّعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية صلاحياتها في حقها بوضع يدها على ما تسميه " أموال وعوائد الارهاب" التي يتقاضاها أسرى الحرية الفلسطينية من السلطة الفلسطينية؛ واستحدثت، وفقًا لهذا القانون، حالة قد توفّر، وفق تفسيرات إسرائيلية قضائية مغرضة، لبعض الجهات والمنظمات اليمينية التي ما انفكت تلاحق الأسرى والسلطة الفلسطينية منذ سنوات، فرصة ملاحقة ومقاضاة من يعطي ومن يمسك هذه الأموال والعوائد كالبنوك العاملة داخل أراضي السلطة؛ وهي ليست الجهة المهددة الوحيدة بالطبع.

 في كل مرّة ينبش الاحتلال ووكلاؤه هذه المسألة، تتجدد المناكفات داخل المجتمع الفلسطيني ويحتدم النقاش بوتائر مقلقة، في مشهد سجل ويسجل فيه الإسرائيلي انتصاراته خاصة عندما ينجح في تأليب الفلسطينيين على بعضهم أو عندما تشرع فئات منهم بالتهجم على السلطة، أو بالاعتداء على مباني البنوك كما جرى في هذه الجولة الأخيرة. 

لم يبدأ هذا النمط من ملاحقة الأسرى الأمنيين مع إصدار هذا القانون ولن ينتهي به وعنده؛ ولقد قلنا ذلك في الماضي مرارًا وأكدناه مع تشكيل "لجنة أردان" (وزير الأمن الداخلي الأسبق)، وهي التي أقيمت أصلًا من أجل نسف مكتسبات الحركة الأسيرة الفلسطينية وتقويض واقعها المعيشي وضعضعة ما تبقى من قوامها الجامع وتماسكها كجسم منيع يقف بصلابة في وجه سجانها وسياساته القمعية.

لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية، في حينه، مجرد نزوة عابرة؛ ورغم ما اتخذته اللجنة من خطوات في حق الأسرى علينا أن نستوعب أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة سوف تمضي بخطى إضافية لإتمام مهمتها التي ما زالت قيد التنفيذ.

لقد عملت حكومات إسرائيل في السنوات الأخيرة على تجزئة الضفة المحتلة إلى كانتونات يتعايش سكانها مع واقعهم المستجد بسكينة مهيضة، وباكتفاء العاجزين؛ في حين تمضي غزة، بخطى ملتبسة وبالدعاء، نحو حلمها الذي ينام في عيون بحرها المتعب؛ أما منظمة التحرير فلقد أرهقها أبناؤها فشاخت وهي تجاهد كي تحمي من بقوا يعتاشون على أثدائها. 

لا يختلف واقع الحركة الأسيرة الفلسطينية اليوم، موضوعيًا، عن واقعها في زمن البدايات، لكن آباء تلك الحركة استوعبوا، بفطرة المقاومين الأنقياء، أن بناء الجماعة هو الضمانة الأكيدة لحماية أفرادها من خبث سجانيهم، ولبقائهم رمزًا وطنيًا يجسد معنى التحرر ومقاومة الاحتلال؛ فحين قاوموا، برؤية وطنية طليعية وسبّاقة سياسات المحتل واضطهاده، كانوا على يقين أنهم يشكلون عمليًا السد الأول والأخير الذي يجب أن يقف في وجه من كان يسعى بنهم، وهو ما زال منتشيًا بسكرات نصره المظفر، إلى التحكم بأرواحهم وراء القضبان، ولإبقائهم كهلاميات تائهة وكفرائس تحيا بلا أمل بين فكي الخيبة والهزيمة. وفي حين حاول السجان الإسرائيلي تدجينهم ومعاملتهم كمجرمين وكارهابين يعيشون في ظل القانون الاسرائيلي ومننه، تمامًا كما يحاول اليوم، أصروا وتصرفوا على أنهم مناضلون أحرار وأسرى يضحون في سبيل شعبهم وحقه في الاستقلال وبناء دولته المستقلة. 

والاهم في هذه الملحمة المشرفة أنهم فعلوا ذلك بظروف معيشية قاسية وبدون دعم مادي أُسري ولا بوجود سلطة وطنية تضخ أموالًا في حسابات "كانتينا" شهرية وغيرها. لقد قاوموا بجوارحهم وبوحدتهم وكرامتهم وهزموا سجانهم شر هزيمة. 

فلماذا اذن تستقوي حكومات اسرائيل ولا تكف عن محاولاتها للاجهاز على الحركة الاسيرة داخل سجونها وملاحقة اعضائها من الاسرى المحررين؟ 

لقد استشعر القائمون على إعداد المخطط الخاص بضرب مكانة الأسرى الفلسطينيين التاريخية والحالية بروز عدد من المحفزات والمعطيات المستجدة داخل صفوف الأسرى، فعملوا على توظيفها واستغلالها كأسلحة تسهل إتمام مهمتهم المذكورة.

لن أعدد تلك العوامل، فلقد تناولتها مرارًا في السابق، لكنني سأعود وأؤكد على أن الانقسام بين غزة والضفة، بين فتح وبين حماس، كان أخطر هذه العوامل وأقواها على الإطلاق، خاصة بعد أن "استوردت" قيادات الحركة الأسيرة مضامين ذلك الانقسام وقبلت به واقعًا يحدد هوامش معيشتها داخل السجون.

 لقد غيّر هذا الانقسام، وهو ليس الوحيد القائم داخل صفوف الحركة الأسيرة، أبجديات الصمود الفلسطيني ونسف عمليًا ميراثًا نضاليًا ذهبيًا ما زال نثاره يتطاير على جهات الريح ونحن نرقبه بحسرة وبوجع وبخيبة. 

ما زلت أرى أن هذه المسألة بحاجة إلى حل وطني واضح ومتفق عليه، وذلك وفق الثوابت الخاصة بمكانة الحركة الأسيرة وما تعنيه في سياق عملية التحرر الوطني؛ لكنني لست هنا في صدد كتابة تحليل لهذا القانون أو غيره، ولا لأبحث عن حلول على الهواء، فلكل مقام مقال؛ ولكن لا بد من إنصاف الحقيقة والتاريخ، فالجميع يعرف أن السلطة الفلسطينية ملاحقة منذ سنوات من قبل حكومات إسرائيل ودول كثيرة أخرى، وذلك بحجة أنها تدعم الإرهاب وتحتضن الأسرى، وهذا واجبها طبعًا، وتقدم لهم بسخاء وبحق؛ وهي ملاحقة قضائيًا في المحاكم الأجنبية والإسرائيلية حيث "يتجبر" بحقوقها قضاة عنصريون، بعضهم مستوطنون، يقفون ضدها وهم مدفوعون بهواجس عنصرية وبعيدة عن القانون والعدل والنزاهة؛ ورغم هذا وذاك رفضت وترفض جميع القيادات الفلسطينية، رئاسة، وحكومات، ومنظمة، أن تنصاع لتلك التهديدات والابتزازات.

لم يكن موقف القادة مجرد مناورة إنسانية عابرة أو مكابدة ومكايدة، فهم أكثر من يفهم، بقناعة وطنية متجذرة، بان المعركة على موقع الحركة الأسيرة الفلسطينية وما ترمز إليه في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي هي معركة على آخر القلاع التي يجب الدفاع عنها وإنقاذها.

من المنتظر أن تستأنف الحكومة الجديدة ما بدأته حكومة نتنياهو وأردان السابقة، ولن يمضي وقت كبير حتى نشهد حملات غير مسبوقة ستستهدف، كما نعرف، السلطة من جهة وضرب الحركة الأسيرة من جهة أخرى . 

وقد يكون الأسهل على الجميع توجيه جميع السهام إلى السلطة الفلسطينية والى قيادة منظمة التحرير وتحميلهما كعنوانين وحيدين وزر هذه الهجمة الشرسة. لن يكون ذلك كافيًا لرد الهجمة وإفشالها، فبدون تكاتف جميع مفاعيل المجتمع الفلسطيني وفي مقدمتهم الأسرى، وإلى جانبهم جميع الفصائل ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني والأهلي، ووقوفهم إلى جانب السلطة والتفتيش عن حل وطني مقبول، ستبقى الأزمة قائمة ومتفاقمة.  

لقد تمنيت عليكم قبل حين وقلت لكم: أنتم أبناء "الحركة الأسيرة" فلا تتحولوا إلى ضحايا "حركة كسيرة". لقد كُتب سفر خروجكم على جدران الزنازين بالدم وبالدموع، فعلى ماذا تراهنون في هذا الزمن الذي من دخان وشموع؟

اهدموا أسوار الفرقة وغادروا "مواكير" التعصب واستعدوا لمعركة الكرامة والجذور؛ فقريبًا سيلسعكم جمر الحكومة الجديدة. وستبقى زنازينكم أوطانكم فلا ترضوا أن تصير فلسطين وطنًا من سراب. من مثلكم يعرف قراءة أبجديات الندم  وتفكيك شيفرات العدم، لا تجازفوا بذبح الصباح . حطّموا مراياكم، ولا تكونوا كأولئك الجنود الذين قضوا، فتناثر عطرهم على المفارق وحفلت  الشاشات بالأهازيج وبالفرح الأسود.

ستكون الهجمة على كل فلسطين قريبًا شرسة وساحقة؛، وانتم، في هذه الأزمة، رهاننا الأجمل وأصحاب حق ومسؤولية . واجبكم أن تبادروا كي يصير الحل وطنيًا، فخيطوا من مواقعكم خيوط الشمس والزنبق؛ لا تكتفوا بالقعقعة وبالهتاف، فقد تصير كل اليواطر قاصرة؛ قفوا في أول الليل كوقفة عاشق ينتظر الفجر في الخندق، وعيشوا كأبناء البن والقمح ، وكما عاش الذين لم تطعمهم أوسلو حريرًا وندم، وصادقوا الأمل ملفوفًا بالعمل ومغموسًا بالخبز وبالعزة والماء والصبر، فعندها فقط سينثال عليكم وعلى سيدة الأرض ضوء القمر.  

 

 

 

 

تطبيع وفوضى ومكان

جواد بولس

 

أشعلت مسألة مشاركة المواطنين العرب في إسرائيل، وعمل بعضهم في عدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية، لاسيما في راديو وتلفزيون «مكان»، نقاشًا لافتًا، دارت رحاه، بالأساس، على صفحات «التراشق الاجتماعي»؛ فشهدنا، على مدى الاسبوعين الفائتين، حالة من فوضى الضياع وتحليق جيوش «الفيسبوكيين والتواترة»، في عوالم مختلقة أخفى غبارها، الأصفر المثار، حدود المنطق ومعالم المحظور والمتاح.
ستنتهي هذه الجولة؛ وسيعود كل فريق إلى رصيفه العاجي وإلى ندمائه، وسيبقى الجرحى محملقين، بأسى، في ذلك المدى العصي، وعين الصقر رانية، برضى، على جميعهم من فوق ذلك المكان.
بدأت هذه الجولة، مثل سابقاتها، حين أصدرت المجموعة نفسها، التي تطلق على نفسها اسم «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» (
bds 48) بيانًا طويلًا دعت فيه، كما جاء في صفحتها، إلى «مقاطعة تلفزيون مكان – البوق الدعائي للحكومة الإسرائيلية»، في أعقاب شروعه ببث حلقات ترفيهية ساخرة، استهلها معدوها بأغنية عنوانها «البلد بخير» وهو اسم البرنامج كذلك. هنالك خلط واضح بين مقاطعة مستحيلة، كما ينادوننا إليها، والتدقيق في مسألة حرية العمل كموظفين في «المكان»، أو كمشاركين فيه من وراء الميكروفونات أو الكاميرات.
لن أسهب في تاريخ علاقاتنا كمواطنين في إسرائيل مع راديو وتلفزيون «مكان»؛ ولا حاجة للتأكيد على أننا في رحاب من كانوا دومًا «صوت إسرائيل من أورشليم القدس»، أو على أن هذه المنصة قد خلقت أصلًا لتكون بوقًا إعلاميًا رئيسيًا، يروّج لسياسات ولدعاية إسرائيل بين المواطنين العرب، وفي الدول العربية، على حد سواء؛ ولن اختلف مع من يصم هذه الوسيلة بأنها أعدت لتعمل على «كي» ذهنية الإنسان العربي وتشويشها، ولضعضعة بنيته الهوياتية، والعمل على زرع الشكوك في فوائد انتماء ذلك الفرد إلى أمة هلامية كبيرة، أو إلى قادة يفتقدون للشرعية، وغير جديرين بثقة الناس. فكل ذلك كان وما زال بعناوينه الكبيرة صحيحًا؛ ومع هذا وذاك، ففاقد الحواس فقط لن يلاحظ كيف خضعت هذه المؤسسة إلى بضعة تغييرات، أفضت إلى تحول إيجابي طفيف، لكنه مهم، في تعاملها مع بعض قضايا المواطنين العرب.

هنالك خلط واضح بين مقاطعة مستحيلة، وحرية العمل كموظفين أو كمشاركين من وراء الميكروفونات أو الكاميرات

لقد انعكس هذا التحول من خلال استيعاب «المكان» لعدد من المذيعين/ات ومعدّي برامج مؤهلين مهنيًا، وأصحاب معارف مضامينية، ويمتلكون شخصيات مستقلة، إلى حد بعيد، ويتحركون في هوامش واسعة نسبيًا، تتيح لهم فرص التعبير الحر أزاء سياسات الدولة وممارساتها، وبمعاجم أبناء شعبهم نفسها. كما نستطيع أيضًا ملاحظة بعض هذه التغيرات في تنوع البرامج، وما يذاع منها على الهواء مباشرة، وإفساحها المجال لمشاركة شخصيات عربية منوعة وقيادية، كان وجودها على أثير صوت اسرائيل يعدّ من المحاذير المطلقة.
لا أسوق ذلك من باب المديح المفرط أو المغالاة؛ لكنني خبرت هذه الحالة قبل سنوات قليلة، عندما كنت ضيفًا على برنامج «لمن يجرؤ» الذي كانت تقدمه، على الهواء مباشرة الإعلامية سوزان حجار- نجار.
فأذكر كيف جلست أمامها في الاستوديو لمدة ساعة، وتطرقنا لأربعة محاور تناولت مسائل سياسية كانت ملتهبة في حينه؛ أذكر منها قضية تجنيد العرب، خاصة المسيحيين منهم، في جيش الاحتلال، وغيرها من القضايا التي أجبت على جميعها براحة قصوى، وبلغتي نفسها، التي كنت أعتمدها في جميع مقابلاتي مع وسائل الإعلام العربي والعالمي. لقد دُهشتُ بعد انتهاء المقابلة من التأكيد في الاستديو على أننا كنا على الهواء، وأنهم لم يقتطعوا من اللقاء شيئًا؛ فاستوعبت عندها، أن الأثير بقي صوت إسرائيل، لكن إسرائيل صارت، بعد هذه السنين، في مكان ووضع مختلفين، ولم تعد ذلك الكيان «المزعوم» الخائف من كل طير ونسمة، بل دولة كاملة القوام والثقة بالنفس وواعية لحجم قدراتها، فلا تتردد باستيعاب حتى قادة عرب معارضين مهما صرخوا من على أثيرها، وعيّروها بالاحتلال وبعنصريتها؛ فقد تكون «مكان» اليوم منصة نحن بحاجة إليها.
كم أقصينا في الماضي من «المكان» ، فتحول إلى واقع من الصعب مقاطعته وحتى العمل فيه ليس محظورًا، ما دام صاحبه واعياً لانتمائه الصحيح، ويرفض إن يتحول إلى بوق رخيص وذليل، أو إلى عبد يرقص على إيقاع سوط سيده.

فوضى تطبيعنا الثقافي كمواطنين مع إسرائيل

حيّت اللجنة لمقاطعة إسرائيل من الداخل «الرد المبدئي والغاضب» لمجتمعنا الفلسطيني ضد أغنية «البلد بخير»، فالبلد ليست بخير؛ ثم مضت، بعد مطالبتها بمقاطعة التلفزيون في الهجوم على شركة الإنتاج العربية «الأرز» وتخوينها لأنها ساهمت في إنتاج عمل «هابط»، ولأن مشاركتها في الحرب الإسرائيلية على حركة المقاطعة، تتجاوز عمليًا «التطبيع لتصل إلى خدمة المشروع الصهيوني ضد شعبنا» وناشدوا، بسبب ذلك، المجتمع بإدانة هذا العمل. لقد استغل معدو البيان، كلمات بيت واحد من أغنية «البلد بخير»، رغم تأديته غناءً بالروح الساخرة نفسها، التي رافقت غناء جميع الأبيات، واعتبروه حربًا عليهم، وعلى مصير قضية فلسطين. تقول الأغنية، بلغة عامية وبتهكم واضح على حالة الناس، عن حملة المقاطعة: «لما تسمع بي- دي- أس بتصير تنوي متل البس، وبيصحا فيك الوطني حس». وهو نص غير جدير بإشعال حرب ولا حتى مشادة صغيرة.
لن آتي على تفاصيل البيان المليء بديباجات نارية وتخوينية، فلقد تطرق كاتبوه إلى عدة مسائل مبدئية وعالجوها بسطحية وبشعاراتية قد تخدما، بالنهاية وبشكل غير مباشر، سياسات إسرائيل، ومحاولاتها لتوسيع الخلافات بين شرائح الجماهير العربية المختلفة.
خص معدو البيان في هجومهم بعض الممثلين العرب، الذين شاركوا في مسلسل «فوضى» الإسرائيلي الشهير، مع العلم بأن عرضه بدأ، محليًا وعالميًا، منذ عام 2015. لم أكن انا شخصيًا بحاجة لمشاهدة مسلسل «فوضى» كي أتعرف على دور ونشاطات فرق مستعربي جيش الاحتلال في الحرب على الفلسطينيين، ولا كي أتعرف على ظاهرة العملاء الفلسطينيين وعوالمهم. فأنا أعمل، منذ أربعين عامًا، في الدفاع عن أسرى الحرية الفلسطينيين، وعن ضحايا فرق الموت الناشطة في فلسطين المحتلة، وأعرف ما تؤديه لهم جماعات العملاء من خدمات.
ما يهمني هنا هو قضية «تطبيعنا الثقافي» مع إسرائيل، ورغم أننا عالجناها مرارا في الماضي، لكنها، هكذا يبدو، باقية بيننا كأحد جروحنا المفتوحة. فمسلسل «فوضى» ليس إلا حدثًا «ثقافيًا» عابرًا، سينسى بدون أن يترك ندبة جدية على صفحة هويتنا الجمعية؛ والبعض يرى في مشاركة فنان أو اثنين فيه نتاجًا لأزمة هوية جدية يعيشها المواطنون العرب في إسرائيل، أو على الأقل أحد تجلياتها.
ولذلك سأقترح، ونحن نواجه حالات من الفراغ القيادي في عالم تتشكل فيه «الهويات السائلة»، إبقاء قضية مشاركة الفنان، أو المذيع العربي المحلي بعمل اخباري أو ترويجي، عبر إذاعة أو تلفزيون محلي أو قطري أو تركي أو أمريكي، كقضية فردية يتحمل هو مسؤوليتها وعواقبها، مع الإقرار وحفظ حق من ينتقدون أولئك الذين يشاركون في عمليات «التلميع» تلك «البطولات» الاحتلالية، أو ترويج «المآسي» العمالاتية، أو ما يشبهها في حالات أخرى.
كم رجونا أن يحررونا من لعنة التطبيع ومن هذه الهرطقات ومن خيباتها؛ وكتبنا في الماضي القريب عن هذه اللجنة، وقلنا إننا لا نعرف عنها كثيرًا، ولا عن ظروف تأسيسها ومن ينشط في صفوفها، وما هي خلفياتهم، أو حدود تجاربهم، أو من يقف وراءهم؛ ولكن وعلى جميع الأحوال، لا يستطيع أحد أن ينكر حق أعضائها بالتعبير، وحقهم في انتقاء التعابير، حتى لو أساءت للأجواء الأهلية العامة، وللمعايير بالشكل الذي يفعلونه؛ بيد أن صمت وتقاعس وكسل ورياء معظم التيارات السياسية، والمؤسسات والجمعيات واللجان والنخب السياسية والثقافية القائمة، والناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، تبقى هي المشكلة الحارقة والمستفزة؛ فلولا هذا الصمت/ العجز، لما تركت نداءات «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» هي العصا الغليظة الوحيدة المرفوعة في وجه من لا يتساوق، صاغرًا، مع مواقفهم؛ أو من لا يقبل تفسيرهم/تقييمهم لأي نشاط ثقافي قرروا معارضته لأنه لا يتوافق، على الأغلب، مع مبادئهم السياسية الفئوية؛ أو من يرفض ذرائعهم الأيديولوجية الكيديّة، في بعض الأحيان، أو المدفوعة بوقود «ألترا- راديكالي « في أحيان أخرى.
نادينا هي فوضى ولا حياة لمن تنادي.
كاتب فلسطيني

 

 

 

الدروز في إسرائيل…

خطاب جديد

جواد بولس

 

في ظل التداعيات السياسية المتفاعلة على الساحة الإسرائيلية العامة، وبعيدًا عن تأثيراتها الخطيرة في مستقبلنا، نحن الجماهير العربية في إسرائيل، لفت انتباهي انشغال منصات التواصل العربية المحلية بموضوعين هامشيّين نسبيًا، إذا ما قورنا بجلالة الحدث الرئيسي، المتمثل برفض محكمة العدل العليا الإسرائيلية، مساء يوم الأربعاء الماضي، جميع الالتماسات التي قدمت ضد تكليف بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وضد اتفاقية ائتلاف حزبي الليكود وكاحول لافان.
تطرق الحدث الأول إلى مشاركة رئيس مجلس قرية «المغار» المحلي، المحامي فريد غانم، بمظاهرة غير عربية وحدوية، دعا إليها رؤساء سلطات محلية درزية وشركسية احتجاجًا على سياسة الحكومة العنصرية ضد بلداتهم؛ ففريد غانم شخصية معروفة للجميع، بانتمائها السياسي الواضح، وبماضيه النضالي، مذ كان طالبًا جامعيًا ناشطًا في صفوف «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، ومن ثم محرّرًا في جريدة «الاتحاد» الحيفاوية العريقة.
أما قضية تطبيع المواطنين العرب مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، لاسيما راديو وتلفزيون «مكان»، والمشاركة في برامجهما، فهو الموضوع الثاني الذي ألهب مجموعات «الفيسبوكيين والتواترة» وخلق حالة من فوضى الحواس والمصطلحات، حتى باتت حدود المحظور والمتاح في هذه المسألة المرَضية خليطًا عجيبًا، يفتي بشأنه كل «فتى» معجب بحاله، وتوزع بخصوصه صكوك الغفران الوطنية يمينا والتخوين يسارا. لقد أثار الصحافي سليم سلامة بتعليق كتبه على صفحته، جانبًا مهمًا مما سميته أنا مرّة «المسألة الدرزية»، حين سأل صديقه فريد غانم، الذي عمل معه لسنوت طويلة في هيئة تحرير «الاتحاد»، بشكل علني عن مشاركته «في مظاهرة خاصة لرؤساء السلطات المحلية الدرزية والشركسية، مساهمًا في تكريس الانقسام الانعزالي عن «اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية»، ولماذا يقبل المشاركة في مظاهرة تظللها تلك الكمية من الأعلام الزرقاء والبيضاء، في عرض نفاق وتملق وتذلل معيب.
لم ينتظر السائل إجابة صديقه على هذين السؤالين؛ فهو مثل الكثيرين يعلم أن أصول هذه القضية تعود عمليًّا إلى زمن قيام إسرائيل؛ ورغم تعقيداتها المزمنة، وبسبب ما طرأ عليها من تغيّرات اجتماعية وسياسية وما تشهده المجتمعات الدرزية من حراكات توعوية، هنالك ضرورة لمواجهتها بجدية بهدف إعادة اللحمة بين أفراد الشعب الواحد. هنا في هذه المهمة، كما يأمل سليم وغيره، يوجد لفريد غانم ولأمثاله من الشخصيات التقدمية الواعية دور ريادي ومسؤول، ومعهم، بالطبع، يجب أن تقف وتبادر، على الضفة الأخرى، قيادات الجماهير العربية ومؤسّساتها التمثيلية. يختلف شعوري تجاه هذه المظاهرات الاحتجاجية عن شعور من ينتقدها لعدم وحدويتها العربية، ولما قد تكرّسه، شكلًا، من تبعية طائفية أو مظاهر عرقية، وذلك من باب الأمل، ولأنني أنظر إليها كنشاطات غير تقليدية مكمّلة للمظاهرة الكبيرة، التي أقامها المعروفيون في مطلع أغسطس/آب 2018 عندما تظاهر عشرات الآلاف منهم في تل ابيب، لأول مرة في تاريخ الدولة، ضد قانون القومية.
توقّعت في حينه وتمنّيت أن تترك أصداء مقاومة العرب الدروز، لقانون القومية أثرًا لن تمحوه الأيام المقبلة، وشرخًا لن تدمله ترضيات الحكومة وألاعيبها، ولا تمويهات بعض قادتهم ووعودهم الخلّب. مع هذا وذاك، ورغم وضوح معالم الهوّة بين «الحلم» الدرزي وطبيعة الدولة، كما كانت قبل قانون القومية وتأكدت بعده، رأينا أن معظم غير الدروز، الذين تطرقوا لردود فعلهم ظلوا أسرى لمساطر تقييماتهم التقليدية وتعاطيهم النمطي، المبني على ممارسات بعض جيوب الطائفة السلبية، تجاه محن أبناء شعبهم وقضاياه المصيرية، والمعادية لهم، خصوصا تلك التي تجلّت من خلال مواقعهم في الجيش وفي أجهزة الأمن الإسرائيلية.
مازلت مؤمنًا بأن الفرصة لم تفُت بعد، فمعالم «المسألة الدرزية» في إسرائيل باتت أشد وضوحًا، ومحاورها بدأت تتكشف أمام أبناء الطائفة، من يوم إلى يوم، حتى أضحت فرص إرجاعهم إلى حضن شعبهم ناجزة وملحّة، وهي دَينٌ لا في أعناق أبناء الطائفة ونخبها الغيورة فحسب، بل على مؤسسات المجتمع العربي وقياداته النافذة أيضًا.

لابد من رصد مسيرة التغييرات الحاصلة داخل المجتمعات الدرزية في البلاد، ففي طياتها تكمن البشرى

لم تكن «الموسيقى الدرزية» متناغمة وموحّدة، خاصة بعد صدور قانون القومية؛ فرغم طغيان نشوز من نادوا، بانتهازية مستفزة، بضرورة إلغاء القانون، لأنه يميز بين «أخوة السلاح»، أرى أنّ الأكثرية الصامتة، باتت تشعر أكثر بأن المؤسّسة الإسرائيلية الرسمية تعاملهم مثل أخوتهم العرب، وليسوا فئة مدللة صاحبة امتيازات، وأخوة في السلاح، وشركاء في الدم حسب تلك الفرية التي روّجت عقودا طوال. وبخلاف وقفاتهم المطلبية في قضايا عينية ومحددة، مثل هدم بيوت هنا أو هناك، أو مصادرة هذه الأرض أو تلك، برزت ملامح صرخاتهم الوجودية، حتى إن حاول بعضهم إخفاءها أو مغمغمتها وطمسها.
كرّر الكثيرون شماتتهم على ردة فعل أبناء الطائفة العربية الدرزية، لما أبدته الدولة من «جحود» بحق من خدموها طيلة سبعة عقود؛ وتبع آخرون حدسهم فراهنوا على أن قيادات الدولة ستنجح في احتواء الأزمة، وتمرّر بمساعدة بعض القيادات الدرزية التقليدية، صفقة مقايضة جديدة ليبقى القديم على قِدَمه. قد تكون مشاعر جميع المنتقدين مبرّرة، فمواقف قادة الطائفة العربية الدرزية، بعد إقامة إسرائيل أنتجت أسباب ذلك التنابذ، وشكلت أرضًا خصبة لمشاعر عدم الثقة؛ ومع هذا لابد من رصد مسيرة التغييرات الحاصلة داخل المجتمعات الدرزية في البلاد، ففي طياتها تكمن البشرى.
كان الجيش ومصلحة السجون الإسرائيلية، في البدايات، المشغّلَين الرئيسيين لابناء الطائفة، التي تشكلت بالأساس من مجتمعات فقيرة تقليدية ومحافظة. لم يعد الواقع مشابهًا، فنحن نرى كيف تأثر العرب الدروز، كغيرهم من المواطنين العرب بوتائر التطورات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في الدولة، التي أدّت بطبيعة الحال إلى نموّ نخب جديدة، وشرائح وازنة من المثقفين والأكاديميين، ورجال الأعمال، والمهنيين الناشطين في مجتمعات أصبحت أكثر انفتاحًا على مصارع العالم، وأكثر جاهزية للتعاطي مع تحديات العصر، واستعدادًا لمواجهة مخلّفات الماضي، وإصرارًا من أجل السعي وراء أحلام بمستقبل آمن يظلل أبناءه بهوية جامعة واضحة، وغير متشظية أو مشوّهة أو هشّة. فمع احترامي لمبررات مساءلة فريد غانم على وقفته، في ظل ذلك العدد الكبير من الأعلام البيضاء الزرقاء، اقترح، من باب التفاؤل السليم، أن نرى بلون فريد الأحمر، الذي نعرفه، إضافة نوعية على تلك النشاطات وبشرى لمستقبل نسعى وراءه، وعاملاً مستجدّاً على تلك المظاهرات التي ندَر أن رأيناها في الماضي، وإن حصلت لم يكن فيها مكان لفريد غانم ومن مثله.
ما زلتُ أراهن على أن مظاهرة المعروفيين الكبيرة، التي جرت في تل أبيب، كانت بداية لشرخ عميق بين الدولة ومواطنيها الدروز؛ وعسانا نجد تعزيزًا لرهاني، ما نشره فريد غانم على صفحته قبل يومين ودعا فيه، مع زميله رئيس مجلس قرية كفر كما الشركسية، مواطني القريتين للمشاركة الفعالة في تظاهرة على مفترق جولاني»مسكنة» (جرت أمس الخميس) مؤكدًا على أن «هذه التظاهرة وغيرها هي حلقات في سلسلة النشاطات الاحتجاجية التصاعدية ضد سياسة الحكومة، في ما يتعلق بعدم تحويل الأموال وتقليص الميزانيات.. وللمطالبة بتجميد/ إلغاء قانون كامينتس، وقانون القومية والمطالبة بالمساواة في كل المجالات». إنها لغة جديدة في خطاب الطائفة؛ لغة أجيال تزورها الحقيقة في المخادع، ولن يقدر أحد في هذا العصر على تزويرها أو حجبها.
لقد صرخت في الماضي مجموعات صغيرة عربية درزية مؤكدةً: نحن عرب يا عرب، فصدقتهم قلة من العرب ووافقتهم قلة أقل من الدروز؛ أما اليوم فما زال أولئك يصرخون بتلك الصرخة ومعهم تصرخ، من مواقعها، مجموعات جديدة من المثقفين والأكاديميين بصوت مَن أفاقوا على هول الخديعة، ووقع الحقيقة بأنهم ليسوا أكثر من عرب ولا أقل من دروز. أشم رائحة التغيير وأرى قاموسًا جديدًا يعِد ويحرّر، وقناعتي بأنّ صديقنا فريد غانم وأمثاله كثيرون سيرفعون الراية نفسها التي يرفعها ابناء شعبهم.
كاتب فلسطيني

 

 

قضية بين جائحتين:

جهل ونكبة

جواد بولس

 

مرّت الذكرى الثانية والسبعون لنكبة الفلسطينيين في ظروف محلية وعالمية استثنائية، فعلى مستوى المعمورة ما زالت الحكومات والشعوب تتخبط في تداعيات جائحة كورونا وآثارها المحتملة على النظام العالمي، المتشكّل في زمن العولمة، وعلى قوانينها التي كانت، في حسبة الكثيرين، راسخة كوشم على صدر مستقبل الشعوب ومصائرها المحتومة. بينما في إسرائيل ما فتئ الصراع السياسي الداخلي على طبيعة نظام الحكم فيها متأجّجًا، وسيبلغ أوجه، في مطلع الاسبوع المقبل، داخل أروقة المحكمة العليا الإسرائيلية، التي سيحسم أحد عشر قاضيًا من قضاتها مصير حكومة الفساد، المتفق على إقامتها بين بنيامين نتنياهو وبيني غانتس وما سيفضي إليه قرارهم.
لم تفت المناسبة على الفلسطينيين، رغم ذينك الهاجسين المركزيين، من دون استذكار للوجع وإحياء للأمل، فالجرح، رغم مرور السنين، ما زال مفتوحًا، والحلم يأبى إلا أن ينام فوق جبهات الريح: أخضر، ملتبسًا بين الخيام البعيدة، وأبيض باردًا، في شتات ملهوف، وأسود مهيضًا، في عتمة احتلال بغيض، وأحمر حائرًا، يتقلى كالندم، على مفارق الـ 48.
حملت الذكرى، هذه السنة، طعم ورائحة الوباء، ليس بسبب فيروس كورونا وحسب، بل لأن فلسطين، التي في القصائد والدعاء، تواجه عالمًا جديدًا من زبد، يضج بالرياء السياسي، وبالتفاهة وبالعمى. فمأساتها، بعد سبعة عقود من عناق النكبة والمدى، أكبر من قضية عرض مسلسلات هجينة على شاشات العرب والمسلمين، مثل مسلسل «أم هارون»، وأعقد من احتضان محرك غوغل العالمي لعلم إسرائيل، فهذه وغيرها، عوارض جسيمة لما تعاني منه فلسطين داخليًا، وشواهد منذرة للخلل الحاصل في ما كان يسمى، ببداهة مواربة ومغالطة، «مصالح الأمة»، وفي طليعتها القضية الفلسطينية. لا أعرف، في الواقع، ماذا تعني اليوم «النكبة» بالنسبة لزعماء العرب، أو بالنسبة لمواطنيهم البسطاء والمسحوقين، ولا ما هو موقعها في هوية أجيال «الكنتاكي» المتزايده أعدادهم، وكيف تؤثر على جاهزيتهم النفسية «النضالية» الداعمة للصمود الفلسطيني المطلوب. ولكن الأخطر، من ذلك، برأيي، أننا لا نعرف في ما إذا كانت معاني النكبة وتأثيرها، كمحرك للمشروع الوطني الفلسطيني، ستفضي إلى مضامين سياسية، متطابقة بين فئات الشعب الفلسطيني، في جميع مواقع تواجده، وقياداتهم، وما يهمني هنا بالدرجة الأولى، علاقة المواطنين العرب في إسرائيل بهذه الذكرى وما تعنيه لهم، وما هي المؤثرات التي تحدد مواقفهم وتبلور مفاهيمهم ازاءها؟
لم يغب هذا السؤال عن النقاشات المتفاعلة داخل مجتمعاتنا المحلية، بل يشغل منصاتنا ونقاشاتنا، إما من خلال بروز ظاهرة جديدة، أو بسبب تكرار حدث ما، كما حصل هذا العام عندما قبل مواطنان عربيّان مدنيان، كما كان قبل غيرهم في الماضي، المشاركة في إضاءة شعلة «التمجيد والكرامة الإسرائيلية» في الاحتفالات بذكرى إقامة الدولة. فبعد نشر النبأ كتب لي صديق استفزته موافقة هذين الشخصين وتساءل بغضب مبرر «لماذا كان مدى إقبالهما على هذه الفعلة مساويًا لمدى سرعة التغاضي العام (لدى الناس) عن ارتكاب هذه الحماقة، وكأن الأمر عادي؟» ما أصوب السؤال وما أهون وأحرج الإجابة عليه. لم نعد كما كنا، ولا بقيت اسرائيل على حالها. فقد طرأت تحوّلات كبيرة داخل المجتمع العربي في اسرائيل- لن أتطرق هنا لشرحها أو للوقوف على مسبباتها – طالت معظم البنى الاجتماعية والسياسية التي نجت من جائحة النكبة، وبقيت صامدة في وطنها، فنحن نعيش، اليوم، في واقع مغاير ومضطرب وقد يكون من أبرز ملامحه، التي بدأت تظهر في أواخر القرن الماضي، ضياع البوصلة السياسية وتيه الناس في شعاب ووهاد كثيرة، وبالزحف، احيانًا، وراء قادة لا يجمعون على رؤية ولا على رشاد.
فالجواب، إذن، على لماذا «تساوت سرعة تغاضي الناس مع سرعة موافقة الشخصين في يوم النكبة»، يكمن في ثنايا هويات أولئك الناس، وداخل جيوب مصالحهم، وعند أقدام قناعاتهم السياسية والاجتماعية، التي تبلورت، منذ جيلين، بأيدي قادة تحدثوا بألسن مستوردة، وبنوايا غامضة وملتبسة، وساسوا، باسم اجندات غريبة، وعن طريق ردات فعل اعتباطية وجيَشان العواطف واندفاعها.
وقد كتبت في هذا الشان كلامًا ما زال يناسب هذه الذكرى.. فأكثرية المواطنين العرب في إسرائيل لا تعيش في حالة تشكّلُ فيها النكبة عنصرًا حياتيًا ملموسًا، أو هاجسًا ملحًا، يرافقهم خلال مسيرتهم المعيشية ويؤثر على خياراتهم السياسية، فباستثناء من حسبوا كلاجئين أو مهجرين في أوطانهم وذريتهم، سنجد قلة قليلة من المواطنين الذين يعيشون «حالة الانتكاب» ويذوّتون معانيها وتأثيراتها، ويترجمون ذلك إلى مواقف قيمية أو سلوكية أو نفسية أو سياسية.
لا غرابة في ذلك، فبين الجماهير العربية في إسرائيل وأحزابهم وحركاتهم السياسية والدينية، لن نجد إجماعاً على معنى النكبة، وعلى مكانتها، وما كانت مسبباتها، وما ترتب ويترتب على حدوثها من تبعات ومن حقوق. قد يعتبر معظم المواطنين العرب، البالغين والناضجين، أن النكبة، هكذا بمعناها البديهي والمطلق، هي مصدر للحزن وللتشرد وللقهر وللظلم وللخيانة، لكنهم لا «ينتمون» إليها، ولا يعيشونها كعامل مؤثر في مدارات حياتهم، وهي بهذه الحالة، ليست مركبًا حاسمًا في مبنى هوياتهم السياسية، مع إنها قد تكون عاملًا في تأليف نفسيات بعضهم المهزومة. سنجد، إلى جانب هاتين الفئتين بين العرب في إسرائيل من لا يعرف عن النكبة شيئا، أو قد يعرف القليل والسطحي عنها، أو إنهم سمعوا عنها، من مصادر معادية، حقائق مشوهة دفعت بهؤلاء إلى اتخاذ مواقف سلبية ومستفزة ومرفوضة منها، مثلما فعل هذان الشخصان اللذان شاركا في إضاءة الشعلة.

تاريخنا لا يتوقف عن دورانه، ومجتمعاتنا متغيّرة وحيّة، وأصوات ترتفع معبّرة عن مقتها لواقعنا

تاريخنا لا يتوقف عن دورانه، ومجتمعاتنا متغيّرة وحيّة، فكلنا نلاحظ كيف بدأت ترتفع في الآونة الأخيرة أصوات تعبّر عن مقتها لواقعنا وتصرخ من حناجر تائهة وتوّاقة لحليب الغيم، لقد اصطلحوا على تسميتهم بناشطي «الحراكات الشعبية» أو بجنود شبكات التواصل الاجتماعي، ومهما كانت المسميات، يبقى جميع هؤلاء أبناء حالة من»الإفاقة الشبابية» التي ما انفكت تأخذهم بعيدًا وتعيدهم إلى جوف مربعات «الهزيمة الأولى» حيث وضعت النكبة نطفتها فكبرت حتى تكوّنت شخصية العربي الذليلة الكسيرة المنكوبة. إنهم «طفرات» حديثة العهد وشرائح مجتمعية، جديدة وهامشية نسبيًا، ما زالت تبحث عن مراسيها في شوارع المدينة الإسرائيلية، وعلى أرصفة موانئ بعيدة. قد نعتبرهم أبناء التفاهة، أو على النقيض، أبناء الغضب المأزوم وسعاة البرق الماضين نحو الشفق، ولن ينتظروا نصائح الحكماء ولا مواعظ الشيوخ والفقهاء، بعضهم سيمضي في تيهه صوب تلك النيران، والآخرون، وبعد أن اكتشفوا حطام قصص الأجداد وعنّات اللجوء وسكرات الذلّ وعربدات السلطان، سيتمرّدون على الرماد، وسيضيئون مصابيحهم في مسعى لإزاحة العتمة والالتباس، فالفرح، عند العاشقين، يسكن، هكذا علمتهم الوسائد، في غبار السرو وبين نثار النيازك.
لا أعرف من سيجيب «ما النكبة» وكيف جاءت وإلى اين تمضي، لكنني أشعر بأنها كروح السماء في الأرض باقية، ومرآة الملائكة وهم في طريقهم إلى قلوب البشر القاسية. النكبة لعنة من لا يتّعظ من عويل قلبه الدامي والمفطور عند أقدام السيوف المعربدة، وهي للجهلاء مقبرة الضمير وللودعاء الصابرين أم حانية.
كان واضحًا لصديقي أن إسرائيل، وعلى امتداد سنين طويلة، نجحت في تجنيد أشخاص مثل هذين المذكورين، لأهداف سياسية مضرة ومسيئة معروفة للجميع، لكنهم كانوا يشاركون ويتعذرون ولا يجاهرون بفعلتهم، كما يفعلون في هذه الايام. هذا هو «الفرق بين الماضي والحاضر، وهو أبلغ إجمالا لحالنا، فهيبة الوطنيين تتمرغ بالتراب، ولم تعد قادرة على رد من يسيء لشعبه» هكذا كتب الصديق وتأسى!
لن يختلف اثنان على هذا التشخيص الدقيق والصحيح والموجع، ولكننا، هكذا أجبته، يجب أن نتفق أولًا، من يحدد من هم الوطنيون، ووفقًا لأي مساطر ومعايير، وبعدها سيعرف الناس أو غالبيتهم، كيف تصان هيبتهم وكيف لا يضام حق شعبهم.. فالمشكلة أكبر بكثير من سقطة جاهلين أضاعا بوصلتيهما في مقابر الضمائر الغائبة.
كاتب فلسطيني

 

 

 

إسرائيل الجديدة، وتحدياتنا

مع  حكومة الرأسين

جواد بولس

قامت في اسرائيل حكومة جديدة؛ وهي، على النقيض مما تبدو عليه، ستقاد برأس مدبّر واحد، هو بنيامين نتنياهو، ووراءه سيتحرك بيني جانتس، وزملاؤه من حزب كاحول لافان، كمسوخ تنفّذ أدوارها المعدّة في رحلة تحطيم المنارات و"اصنام المعابد" التي هندسها وبناها وحافظ عليها أباء الحركة الصهيونية المؤسسون لدولة تشاوف قادتها، لعقود، بكونها دولة مؤسسات تدار بنظام حكم يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، التنفيذيه، التشريعية، القضائية، وعلى قيم العدالة الاجتماعية والمساواة امام سلطة القانون واحترام حريات المواطنين الجمعية والفردية.            

لن يصحّ، بعد الآن، أن نكرّر ما كنا نقول، على مدار سنوات عديدة، حين كنا نتهجّم على الديمقراطية الاسرائيلية ونبحر في تعداد مثالبها أو نشكو مما كنا نعاني من سياسات قمع وموبقات عنصرية نقيضة في جوهرها لمغازي الديمقراطية، كما كانت تدّعيها تلك الحكومات، ولا تتوافق مع مضامين المواطنة السليمة ووشائجها المتبادلة الضرورية بين الأفراد والجماعات وبين سلطة الدولة الحديثة.

وقبل أن يقفز من امنوا ومارسوا شعائرهم السياسية والعقائدية وكأنهم يعيشون خارج املاءات وحدود المواطنة الاسرائيلية، ليؤكدوا لنا انهم  أفهمونا دوماً ان لا ديمقراطية في اسرائيل، أودّ أن أؤكد بأنني أكتب هنا للمواطنين العرب الذين أقاموا عقدهم مع اسرائيل على أساسين: المواطنة الكاملة، وهويتهم القومية الى جانبها؛ على الرغم من اختلاف رؤى هذه الحركات أو الاحزاب أو الأفراد حول طريقة مزج ذينك العنصرين في حالتنا الفريدة، أو حول نسبة الجُرع الضرورية للمحافظة على بقائنا في البلاد وتقدّمنا نحو مستقبل آمن.

وقبل أن أوضح أكثر ما الفرق بين اسرائيل التي مارست حكوماتها ضدنا، نحن العرب، سياسات القهر والتمييز العنصري، وبين اسرائيل التي نراها تولد بعد  الانتخابات الاخيرة، يجب ان نراجع شروط ما اتفق عليه الخصمان اللذان، كما ظهر، لم يختلفا قبل الانتخابات الا مجازًا ولم يأتلفا بعدها الا مجازًا؛ فالثعلب سيبقى ثعلبًا لكنه أقوى وأخطر والخراف ستكون نحن أولًا، وبعدنا سيلحق كل من لن يركع أمام ما "يريده الشعب"؛ ومن مثل نتنياهو وفي جيبه الخلفي الجوكر/ جانتس يعرفان ما يريد الشعب؟

لن آتي على ذكر تفاصيل الاتفاق بالكامل وذلك رغم اهميتها مجتمعة، ولكن يكفي ان نعرف انهما توصلا الى اتفاق يحظر على الكنيست ان تبحث خلال ستة شهور أي مشروع قانون لن تكون له علاقة بمواجهة جائحة الكورونا؛ وان يحتفظ كل حزب من حزبيهما، بعد الشهور الستة، بحق النقض "الفيتو" على كل مشروع قانون سيعرض على الكنيست من أي جهة كانت، بحيث لم يعُد من صلاحيات الكنيست الطبيعية شيء يذكر. ثم اتفقا على اصدار قانون يحظر على كليهما ترأس الحكومة اذا سقطت حكومة الآخر نتيجة تصويت لحجب الثقة. لقد "فرمل" نتنياهو، بعد هذه الموافقة، قدرة جانتس وحزبه، وسحب من تحتهم أحد أهم اسلحتهم المستقبلية؛ علاوة الى ابطال مفعول حق استعمال "حجب الثقة" كوسيلة نيابية ديمقراطية كانت تشكل عتبة رادعة للحكومات، وتعطي المعارضة حق استعراضها لمواقف سياسية مغايرة ومتحدّيه في ظروف معينة.

لم يقتصر الاتفاق على محاصرة الكنيست وافراغها من دورها الدستوري فحسب، بل سعى نتنياهو الى تمكين حزبه من مضاعفة تأثيره على الجهاز القضائي، خاصة بعد ان اقنع جانتس بعدم اشراك ممثل عن احزاب المعارضة في لجنة تعيين القضاة وتبنّي قرار يقضي بانتخاب اعضاء اللجنة على اساس شخصي، وليس كما كان قائمًا حتى اليوم؛ وذلك بخطوة ستضمن لنتنياهو امكانية التأثير على انتخاب قضاة موالين لسياسته، خاصة في هذه الفترة الحرجة التي  يواجه فيها هو وعدد من زملائه لوائح اتهام خطيرة ستتأثر مصائرها بهويات القضاة وبمن كانوا أولياء نعمهم. 

لن ارهق القراء بتفاصيل اضافية، فهذه الاتفاقية هي بدون شك الشاهد الأبرز الذي ساهم جانتس بعملية دقه فوق قبر نظام الحكم السابق في اسرائيل، وهي كذلك شهادة ميلاد حكم ديكتاتوري يميني عنصري، سيتمتع بصلاحيات مطلقة غير مسبوقة وسيتقدّم نحو اهدافه بدون أي كوابح تشريعية او قضائية أو شعبية قد تعيقه. 

ما العمل ؟

لقد جاءت القائمة المشتركة علينا كأول الغيث؛ فقرار جميع مركباتها للمضيّ معًا بأداء أراح توقعات الناس، أعاد لاكثرية المواطنين العرب الثقة بقيادات كانت معاقبة ببطاقات حمراء قانية؛ وأعاد للناس ايمانهم بضرورة وأهمية النضال البرلماني. لم يحصل هذا التغيير الا بعد ان استعاد مفهوم المواطنة وضرورة العمل تحت سقوفه مكانته بين قيادات تلك الاحزاب ومصوتيهم.

من جهة اخرى، ثمة اجماع بان العمل البرلماني، مهما كان موفقًا أو بارزًا، لن يكفي للوقوف في وجه ما سيباشر بتنفيذه النظام الجديد.  ففي حين يؤكد الاتفاق، بين نتنياهو وجانتس، على حق اسرائيل بضم اراض فلسطينية محتلة الى سيادتها، يتوجب علينا ان نفكر كيف نستطيع بث الروح في شعار "لا للاحتلال" وتحديث صياغته باسلوب قادر على تشبيك "السياسي" "بالمدني" وباسلوب كفيل بتجنيد المواطنين العرب اولًا واستهداف المواطنين اليهود في نفس الوقت وعلى نفس درجة الاهمية، ثانياً.

لقد أكد الاتفاق بين الاثنين، فيما اكّد، على عدم المساس "بقانون القومية" مما يضع مجددًا جميع المواطنين العرب بلا استثناء امام تحدّ جدّي، ومعهم جميع اليهود الذين يعارضون هذا القانون على اختلاف دوافعهم. 

يجب استئناف النضال ضد هذا القانون وضد مخططات هذه الحكومة؛ ولكن لا يمكن ان نفعل ذلك ونحن نسير بهدي نفس المفاهيم السياسية القديمة؛ ولا يمكن ان "نقاوم" سياسة النظام الجديد وأساليبه بنفس الوسائل والشعارات القديمة.

فمع ضرورة المحافظة على القائمة المشتركة وتطوير عملها كنموذج لجسم سياسي يعكس فهمًا مبتكرًا ومتطوّرًا، ونضوجًا سياسيًا متمايزًا ووحدويًا لافتًا، يجب أن نتطرق بشكل مسؤول الى "لجنة المتابعة العليا" وما تواجه من مشاكل، لن يحلّها، برأيي، اجراء انتخابات عامة لهيئاتها او لرئيسها، (وهو منصب سيشغر  في اكتوبر القادم)، كما تقترح بعض الجهات، ولن ينقذها، كذلك، رصد الميزانيات التشغيلية التي كانت بكل تأكيد ستسعفها ولكن لن تبرئها بشكل تام.

لقد حظيت اللجنة في السنوات الأخيرة برئاسة محمد بركة، وهو احد ابرز قادة الجماهير العربية في العقود الاخيرة وأغناهم تجربة فكرية ونضالية، وبرغم محاولاته للاقلاع بها بعيدًا، وما احرزه، في هذا المسعى، من انجازات وذلك من خلال نشاطاته ونجاحه بعقد مؤتمر القدرات البشرية وما افرزه من تفاعلات عديدة هامة أخرى ، بقي تأثير هذه اللجنة محدودًا.

لقد انشأت اللجنة قبل أربعة عقود في ظروف سياسية محلية وخارجية استثنائية، وشُكّلت بوجود أطر وقيادات صار بعضها طي التاريخ وبعض من بقي منها لم يعد يحمل نفس المعاني ولا يتبوأ نفس المكانة. لقد ضعضعت هذ التغييرات جسدها  فاختلت بداخله موازين القوى حتى شهدنا، رغم محاولات رئيسها لانعاشها، تراجعًا في مكانتها. 

إننا في أمس الحاجة الى وجود "لجنة متابعة عليا" أو أي جسم مواز من هذا القبيل، على ان تضم داخل "خبائها" أكبر عدد من الأطر الناشطة بين المواطنين العرب في اسرائيل؛ وذلك على امل ان تتحول الى عنوان سياسي شرعي ومؤثر ومقبول كبوصلة يسير على هديها الناس.

أعير لعدد الأطر المنضوية تحت هذه الخيمة أهمية كبيرة، لكنني مؤمن بأن المضامين السياسية والقيم الاجتماعية المتفق عليها بينهم ستبقى هي العوامل الأهم والضمانات الأكيدة لنجاحها.

لقد مضت على إسرائيل سبعون سنة، وما زال البعض بيننا "يقاومها" من باب كونها باطلًا سيزول؛ ويصرّ، الى جانب ذلك، على ان المواطنة فيها مجرد ترف يمكنهم التفّ عليه، وأهلًا، بعدها، بأي مصير!

من حقهم ان يؤمنوا بما يشاءون ولكن يجب أن يأخذوا بالحسبان امكانية عدم قدرتهم/ملاءمتهم على دخول هذه الخيمة، لانها يجب ان تقوم حتماً على عامودين: أولهما المواطنة وثانيهما هويتنا القومية.

 يتبع .. 

Attachments area

 

 

يوم الجمعة العظيمة…

يوم الأسير الفلسطيني

 

جواد بولس

 

خصّصت فلسطين السابع عشر من نيسان/إبريل مناسبة لتجديد عهدها لأبنائها أسرى الحرية، ولاحتفائها بهم ومعهم بانبعاث الأمل من رحم الذكرى والوجع. إنه «يوم الأسير الفلسطيني»، فيه يُستحضر الثابت في واقع شعب تطغى على لياليه العتمة والالتباس؛ فتستعاد الرؤى، وترفأ من جديد خيوط العلاقة الطبيعية بين الأم الحبيسة وأبنائها الأماجد الأبرار.
في هذا اليوم من كل عام، يؤكد الفلسطينيون، ومعهم جميع أحرار العالم، على أهمية ومكانة «الحركة الأسيرة الفلسطينية»، التي ما زالت ماضية في طريق آلامها الطويل، وصدور أبنائها مدفوعة صوب رماح السجانين، حيث ساحة الاشتباك اليومي الدائم، في أهم موقع من إفرازات الاحتلال الإسرائيلي وابرزها في ممارسة القمع والقهر والظلم: في غرف التحقيق وفي السجون.
تحلّ اليوم هذه الذكرى والمسيحيّون الشرقيون يحتفلون بيوم «الجمعة العظيمة»، يوم دقّت مسامير الحاكم الروماني في راحتيّ أشهر أسير فلسطيني، هو المسيح ابن الناصرة، وهو يدافع عن حقه في التعبير وفي العبادة وفي الحياة. قد نجد حكمة في هذه المصادفة، أو درسًا في مجازها؛ فما زال أبناء فلسطين اليوم يتجرعون خَلّ الطغاة، كما تجرّعه ابنها، وذلك بعد أن اتهموه بالكفر والتمرد، فسجنوه وعذّبوه وحاكموه، وقُتل مصلوبًا لتروي دماؤه قحل الزمن، ولتبقى كلماته نورًا في الأرض وغرسًا في قلوب الضعفاء الفقراء.

«الحركة الأسيرة الفلسطينية» ما زالت ماضية في طريق آلامها الطويل، وصدور أبنائها مدفوعة صوب رماح السجانين

وقف أسير فلسطين الأول، ولم يعترف بشرعية محكمته، ولا بقضاتها اليهود، وقد اتهموه بجناية «التجديف»، فاضطروا إلى نقله إلى بلاط الوالي الروماني ليشرع في مقاضاته بتهمة التمرّد على سلطة قيصر؛ بعد أن تبين للكهنة اليهود أعضاء السنهدرين، أن روما لن تقبل اتهامه بجناية التجديف، لكونها تهمة تخص المفاهيم الشرعية الخاصة بتلك الطائفة اليهودية. لم يعترف يسوع التلحمي بالتهمة ولا بشرعية الوالي الروماني، ورفض، رغم تعذيبه، التعاطي مع «المحكمة».
لن استرسل في سرد تفاصيل أسبوع الآلام ونهايته بعيد الفصح المجيد، فالمسيح خرج عن طاعة الكهنة اليهود، وقاتل من أجل آرائه حتى النهاية، وكان مقتنعًا بأنّ الإجراءات بحقه، كانت مجرد مؤامرة مدبرة من مجموعة كهنة خافوا على مواقعهم فلفقوا ضده قضية؛ في مفارقة طريفة قد تذكّرنا اليوم، وبعد مضي ألفي عام، بمشاهد عاشها أسرى فلسطين، حين واجهوا تهمًا ملفقة، وحوكموا أمام محاكم صورية لا تعرف النزاهة ولا تقوم على أسس العدل والحق الإنسانيين.
اليوم يوم عظيم؛ وهو يوم الأسير الفلسطيني، ففيه وضعوا على هامته إكليلًا من شوك، ليسخروا منه وليتفّهوا مواقفه، ويذلّوه أمام شعبهم وشعبه؛ لكنه وهو المؤمن بحقه وبقضيته، لم يقبل الظلم ولم يركع. نحن في شهر نيسان عريس الأرض في فلسطين، وعندما يحل فيها ينضح الجرح، وفي جوفه تكبر الحرية، ويتداعى المشهد الكبير فيبقى «الأسير» وحده حقيقةً، ويتناثر كل الظلم كالزبد، وتصبح جولة الظالم خربشة على جناح التاريخ. لم يكن بناء الحركة الأسيرة الفلسطينية، ككيان متكامل صلب يحمي أبناءه، ويحتمي بوعيهم وبصمودهم داخل السجون، أمرًا مفروغًا منه، أو حدثًا عرضيًا أو مهمة سهلة، أنجزت ببراعة تحت أعين الاحتلال الإسرائيلي. فالأسرى الفلسطينيون الأوائل تنبهوا، لما كان الاحتلال يخطط لنيله ويتمناه؛ ونجحوا، بعد أن خاضوا أشرس المعارك، بقلب المعادلة رأسًا على عقب؛ ففي حين حاول السجان الإسرائيلي تدجين المقاومين الفلسطينيين ومعاملتهم كمجرمين وإرهابيين، وإجبارهم على قبول سلطة القانون الإسرائيلي، والعيش في نطاق حدودها، أفراداً ضعفاء، أصرّ هؤلاء المناضلون على أنهم «كلّ»، لا مجرد أرقام، وعلى أنهم أسرى حرية وجنود مستعدّون للتضحية في سبيل كنس الاحتلال وبناء دولتهم.
يعيش الأسرى الفلسطينيون هذه الايام ظروفًا مأساوية استثنائية، نتيجة لمخاطر تفشي فيروس كورونا، ويخضعون لإجراءات احترازية قاسية مثل، منعهم من زيارة أهاليهم، ومنعنا، نحن المحامين، أيضًا من زيارتهم، علاوة على تأجيل معظم جلسات محاكمهم، بعد أن قلصت المحاكم العسكرية نشاطاتها إلى الحد الأدنى. في المقابل، وكما لاحظنا، فإنّ قوات الأمن الاسرائيلية مستمرة بتنفيذ الاعتقالات بشكل يومي تقريبًا. قريبًا ستنتهي الأزمة السياسية الحالية، وستباشر حكومة إسرائيلية جديدة أعمالها، وستستأنف، كما نتوقع، جميع الجهات اليمينية التي كانت تطالب بملاحقة الأسرى الفلسطينيين وبمعاملتهم كأرهابيين، بسحب مستحقاتهم والتضييق عليهم وتطبيق سياسة قمعية جديدة في جميع السجون. وستعيد هذه الإجراءات السجون إلى حالة الاحتقان التي عاشتها عشية نشوء الأزمة السياسية وبعدها، مع انتشار جائحة كورونا، وسيواجه الاسرى حالة مستبدّة غير مسبوقة بقساوتها.
لن استبق الأحداث، لكنني على هامش هذه المقالة، في هذه المناسبة العظيمة، أود أن أذكّر قادة الحركة الأسيرة بضرورة العمل الفوري على رأب الصدع، الذي ما زال مستفحلًا في صفوفهم، وبضرورة استعادة لحمتهم ووحدتهم، اللتين سيصعب بدونهما مواجهة السياسات والقرارات الجديدة المتوقعة، كما يستشعرونها هم قبلنا.
ما زالت «أورشليم» حزينة وعذاراها يبكين «عريسها» والحزانى يندبن من بشّرهن بالعزاء؛ وما زال العشارون فيها طغاة وجنودهم يطردون «الأنبياء» ويأسرون أصحاب الحق، ويلاحقون الشرفاء؛ فعيد أهلها اليوم كعيد من عاشوا زمن تلك المحنة وبكوا تحت قبابها، وفرح الناس فيها متواضع ومستقحم، أو مجرد أمنية مؤجلة، أما الأسرى فباقون، رغم ليلهم الذي من شوك، ملح أرض فلسطين وغار تاجها الأعلى.
لن نحتفل هذه السنة بيوم الأسير الفلسطيني على الطريقة التقليدية، فسيّد الموقف فيروس»كورونا» الخبيث، جنّ حتى طغى وحكم واستبدّ. لن تنصب المسارح في ساحات المدن، ولن تتلى الأناشيد في الميادين، ولن تتوالى التراتيل والخطابات من الحناجر، بل ستسكت الطبول وسيغيب البخور ؛ لكنه الفصح سيبقى، رغم الشدائد، عيد الحياة والفداء والتضحية، وعيد الحب المخزّن في القلوب والصفح النبيل، كما أوصى المعلم من على الجبل: «أحبوا أعداءكم وباركوا لاعينكم وأحسنوا لمبغضيكم». قال ذلك ومشى إلى «أورشليم» حيث أكمل رسالته وشرّع الطريق، فما أروعها من طريق، وما أصعبها من وصية وما أعصاها على فهم بني آدم، أبناء الخطيئة والغريزة والغرور.
كان نيسان وسيبقى موعد فلسطين مع الحب ومع الفرح، مهما تأخر القطاف ونامت النواطير؛ وسيظل فيه يوم «الأسير» يومًا عظيمًا حتى لو بقيت السماء رمادية والنجوم عابسة؛ فالمناسبة أكبر من الوقت وأرحب من الأماني؛ والصبر، وإن شاخ، هكذا علمنا الخلّ، سيبقى صليب المؤمنين وغمد الأسى.
فلسطين في الفصح هي بحة المدى وصاحبة فجره الدامي وقطرة الندى؛ وإن غفا على جفونها القصب، حتمًا ستصحو ناياتها ذات نيسان وسيحتضن أبناؤها «قاف» القمر ليندلق من خواصرها نور الأزل. لقد بكت عذارى أورشليم، وبكت معهن من «اصطفيت وطهرت واصطفيت على نساء العالمين» فسالت دموعهن في درب الآلام الذي ما زال الدرب الحزين نفسه، ومأوى للشرفاء والأحرار والفقراء والمساكين؛ فهم الذين سيفرحون ويتهللون بكل يوم أسير وبالحرية وبالخلاص، مهما تحايلت أو طالت السنون.
كاتب فلسطيني

 

 

 

كلمة حق

لفلسطين في زمن المحنة

جواد بولس

 

نقلت المواقع الإخبارية الإسرائيلية، قبل أيام، خبرًا مفاده أن يونتان بن أرتسي، وهو حفيد رئيس الحكومة الأسبق يتسحاك رابين، أثار عاصفة سياسية، بعد أن أطلق تغريدة على «تويتر» تمنى فيها أن يصاب بنيامين نتنياهو بفيروس كورونا، وأن ينهي حياته مريضًا في السجن.
ولم يتأخر ناشطو حزب الليكود بالردّ على تلك التغريدة، حيث اعتبروها تحريضًا أرعن على قتل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فطالبوا بضرورة التحقيق الجنائي مع بن أرتسي.
بعد انتشار النبأ، وقبل تفاقم تداعياته قام بن أرتسي بنشر توضيح جاء فيه أن «من يستغل كارثة إنسانية، مثل وباء كورونا، لأغراضه السياسية يستحق الإصابة بكورونا… إبقَ سليمًا شريطة أن تمتنع عن الكذب، وتتوقف عن اللعب؛ فأنا لا أتمنى أن يمرض أي شخص بكورونا حتى ولا نتنياهو.. أعتذر عن الموضوع».
لقد اخترت أن أبدأ مقالتي بهذه الحادثة لأنها، بالمقاربة، ذات علاقة بالحالة الفلسطينية؛ ولأنها تختزن، رغم هامشيتها في المشهد العام، معالم عدة أزمات/معضلات، تكشّفت عناصرها، بعد أن صُدمت البشرية من هشاشة واقعها المعيش، برتابة روبوتوية، ووفق مسلمات وفرضيات كانت تتحكم بسلوكيات الناس اليومية، فظهرت، بعد وضوح معالم الجائحة الكونية، أنها حالات خاطئة أو ملتبسة.
راحت منصات التواصل الاجتماعي تعج بالنقاشات النظرية، والمناكفات السياسية، وتشكو من مظاهر الإسهال الفيسبوكي؛ ونشط دعاة الأديان، واستحضر أصحاب الأقلام المواقف إزاء دور الدولة وأحكام السلطان؛ كما تطرق الفلاسفة وفقهاء العلوم الاجتماعية والسياسية، منذ ايام افلاطون حتى جهابذة الفكر في هذه الأيام؛ وطفا الجدال حول الثواب والعقاب، وحول الرحمة وأهمية السماء، والفرق بين أصحاب القصور والفقراء.
لم يتفق «أولي الأمر» على رأي واحد بخصوص أساليب مواجهة الفيروس، وكيفية القضاء عليه أو مواجهته بنجاعة؛ فاكتفى بعضهم بمطالبة مواطنيهم بتوخي الحذر، واتباع أساليب وقاية شخصية صارمة، بينما قررت حكومات دول أخرى إعلان حالات الطوارئ، وتحديد حرية حركة المواطنين، إلى جانب إخضاعهم لإجراءات احترازية متشدّدة أخرى. وقد سببت هذه القرارات بلبلة وقلقًا بين الناس، وفجّرت، في جميع انحاء العالم، حوارات ساخنة، تناولت مفهوم الحرية الفردية ومكانتها في زمن الآفات، مقابل الحاجة إلى التكافل العام، والتضامن المجتمعي، والانصياع إلى الأنظمة والقوانين الجديدة؛ وعالجت، كذلك، دور الخوف والعجز البشريين وتأثيرهما، كعنصرين رادعين وناظمين، على ممارسة الحريات داخل الحيز العام، أو استغلالهما، أحيانًا، من قبل بعض الزعماء السياسيين، كوسائل لتعزيز مواقعهم، وخدمة لمآربهم الحزبية والخاصة؛ كما اتهمت تلك التغريدة نتنياهو.

تصرفت القيادة الفلسطينية في أزمة كورونا بمسؤولية وطنية، وكما يليق برغبات شعب ضحى بأرواحه ويصر على التحرر وإقامة دولته المستقلة

أعلنت القيادة الفلسطينية فرض حالة الطوارئ، في المناطق الخاضعة لنفوذ السلطة الفلسطينية، مباشرة مع بداية نشوء الأزمة، وقبل أن تفعل ذلك معظم الدول الأخرى. وانتقدت جماعات عديدة مبررات القرار الفلسطيني المذكور، وشكك البعض بدوافعه، بينما عزته طائفة إلى ضعف الحيلة الفلسطينية، لكونه أسهل القرارات على قيادة عاجزة لا تريد أن تجتهد ولا أن تتعب. من المستحيل، ونحن في ذروة الأزمة، أن نجري تقييمًا شاملًا لفحص صحة القرارات التي اتخذتها مختلف الحكومات في العالم؛ مع أننا نرى بشكل واضح كيف أخفقت حكومات دول «عظيمة» في مواجهة «جنون» الفيروس ونتائجه الكارثية، في حين لم تكبُ الحكومة الفلسطينية، كما تمنى لها اعداؤها أو توقع منها منتقدوها التقليديون.
لم تكن وقفة القيادة الفلسطينية، رئاسة وحكومة، وأداؤهما مفهومين ضمنا؛ فسيادة السلطة الفلسطينية محاصرة بسطوة جيش الاحتلال ونزق الحكومة الاسرائيلية وعنجهيتها، كما لا تملك فلسطين جيشاً نظامياً، وليست لديها قدرات تكنولوجية كافية، كسائر الدول المتقدمة؛ وتعاني ميزانيتها، فوق كل ذلك، من عسر مالي موجع؛ وهو إن كان في الأيام العادية بثقل «إبّالة» فقد زادته هذا الظروف العصيبة «أضغاثًا على أضغاث». وعلى الرغم من جميع تلك المعطيات المعيقة، علينا، ونحن في خضم هذه التجربة الخطيرة، أن ننصف الحكومة الفلسطينية، ونثمّن طريقة أدائها في متابعة واحتواء الأزمة؛ ونجاحها، حتى اليوم، بمنع انتشار الفيروس داخل المناطق الفلسطينية، وبالسيطرة على تداعيات الأمور وضبط سلوك المواطنين في معظم القرى والبلدات والمدن الفلسطينية. لم يكن هذا النجاح ليتحقق لولا التئام عدة مكونات، وتضافر عدة مقومات كان في طليعتها وأهمها اكتساب الحكومة ثقة الأغلبية الساحقة بين الجماهير الفلسطينية؛ ففي استطلاع أجراه معهد (
j m cc ) الموثوق، لصالح مؤسسة «جذور للإنماء الصحي والاجتماعي» تبين أن الناس يدعمون طريقة تعامل الحكومة مع تفشي الوباء، إذ أن نسبة 96% منهم يثقون بطريقة استجابة الحكومة، ونسبة 88% يثقون في نتائج الفحوصات المخبرية للفيروس، بينما تؤيد نسبة 96% قرار الحكومة الفلسطينية فرض حظر تجوال كلي على الضفة الغربية وقطاع غزة. من يحظ بمثل هذه الشعبية والتأييد، لن يخشى دعوة كتلك التي اطلقها حفيد رابين، وتمنى فيها ما تمناه لرئيس حكومته؛ فنتنياهو حاول أن يستثمر الشاشات لأهدافه الخاصة، السياسية والشخصية، وهو لذلك تعمّد، في عدة إطلالات تلفزيونية، تهليع المواطنين، وأصر على استعراض علاقاته الشخصية، كملك لا ينازع، ومن خلال تغييب دور الدولة ومؤسساتها. لقد أفضى هذا التصرف الأرعن إلى إشاعة اجواء سلبية في الإعلام ضده وضد حكومته، والى اشمئزاز قطاعات واسعة من المواطنين وفقدانهم للثقة فيه وفي ما يقرره .وحظيت، بالمقابل، الحكومة الفلسطينية بثقة شعبية عريضة، لتصرفها المتزن وأدائها، رئيسًا ووزراء، كطاقم مهني، يحاول تقديم كل إمكاناته من أجل سلامة جميع المواطنين، بعيدًا عن أي مكاسب سياسية فئوية، أو أهداف شخصية، فكسبوا جراء ذلك مصداقية ودعمًا لدى الناس.
لم تستأثر الحكومة أو رئيسها بصدارة العمل، بل سعوا إلى إنشاء طواقم دعم فنية، وجندوا، مستفيدين من خبراتهم التنظيمية، جميع القطاعات الإدارية والأجهزة الأمنية ومكاتب المحافظين، وكبار موظفي الوزارات، وعملوا على تشبيك جميع هذه الدوائر وربطها تراتبيًا مع خلية طوارئ دائمة الانعقاد والتواصل، مع أصغر المواقع حتى أكبرها. لقد تصرفت القيادة في هذه الأزمة بمسؤولية وطنية عليا، كما يليق برغبات شعب ضحى بأرواحه ويصر على التحرر وعلى إقامة دولته المستقلة؛ ودحضت بذلك مرّة أخرى ادعاءات بعض المفترين، الذين درجوا على اجترار الاتهام المستفز بأن فلسطين خالية من قيادة قادرة على إدارة دولة مستقلة. لن يكتمل المشهد الفلسطيني المشرّف، بدون تسجيل ذلك التكامل بين الحكومة وأذرعها، والقيادات السياسية الفصائلية والميدانية – وبرزت بينهم أطر الشبيبة الفتحاوية – وإلى جانبها مؤسسات المجتمع المدني، وعناوين كثيرة من القطاع الخاص؛ فإنشاء جميع هذه المفاعيل ومعها لجان الطوارئ المحلية يشهد، مرة أخرى، على أن فلسطين ما زالت حبلى بطاقات لا تعرف لليأس محلا ولا تستكين لخوف أو لمذلة.
مرت على الفلسطينيين سنوات عجاف، وما فتئوا يعيشون، في الواقع، على أهدابها؛ وكان من السهل عليّ أن أحصي اليوم مثالبها وخسائرها، لكنني آثرت وأنا ازاء جائحة تواجهها الإنسانية، أن استذكر فلسطين المعطاءة والجميلة، بدون أن أنسى غصة غزة المؤلمة؛ فمن يسمع عن قصص أهل النخوة في الريف، وفي مدن العز الفلسطينية، ويعرف كيف لا يرضى الفلسطيني أن ينام وجاره خائف أو جائع، لن يفتش عن عيوب ذاك القوم ولا عن سقطات قياداته. فلكل مقام مقال، وشعب فلسطين صمد في الماضي حصارات مقيتة، ولم يخرج منها إلا وهو أصلب وأوعى، أو كما قال محمودها، على لسان جميع أبنائها وهم في حالة حصارهم الأسبق: «لم يبق بي موطئ للخسارة، حر أنا قرب حريتي وغدي في يدي.. سوف أدخل عما قليل حياتي، وأولد حرًا بلا أبوين، واختار لاسمي حروفًا من اللازورد..»
كاتب فلسطيني

 

 

 


مستقبلنا في ظل

خارطة سياسية جديدة

جواد بولس

وصفت شخصيات يهودية عديدة قرار  بيني چانتس بشق حزب "كاحول لافان" وبالانضمام، مع حليفة جابي اشكنازي، الى معسكر بنيامين نتنياهو، بالخيانة العظمى؛ وذلك في لحظة تاريخية فريدة فرّط فيها جانتس بجبهة مكونّة من واحد وستين نائبًا في الكنيست الجديدة، كاد تماسكها، لو بقي رغم هشاشته التي نعرفها، أن يفضي إلى فتح كوّة ضيقة في جبهة الفاشية الزاحفة بجنون نحو جميع مراكز السلطة ومؤسسات الدولة جمعاء.

لم يشعر قادة القائمة المشتركة ومصوتوها، بطبيعة الحال، بنفس مشاعر الخيانة نحوهم، فلقد أوصوا على جانتس، عند رئيس الدولة، رغم كونه اختيارًا سيئًا ولعلمهم بأن امتناعهم عن التوصية عليه يعادل فعليًا دعمهم، عند رئيس الدولة، لترشيح نتنياهو؛ وهو، في حالتنا، كان الامكانية المستحيلة والاختيار الأسوأ. 

من أراد التخلص من معسكر نتنياهو وسعى يفتش عن غانتس وحزبه كبديل سياسي جديد، شعر بالخيانة؛ ومن اختار، كالقائمة المشتركة، غانتس وكاحول لافان، كجسر من قش، لم يشعر بالخيانه، بل بالصدمة وبخيية لآماله التي بنيت من خلال علاقات حتمتها الظروف السياسية القائمة ومصالح الطرفين الحزبية؛ وصاغها، الى جانب غانتس، شركاؤه في الحزب الذين طُعنوا في ظهورهم، كما صرحوا بانفسهم.  

بين مشاعر الخيانة والشعور بالخيبة  فوارق شاسعة لا تعكس تباين التوقعات بين مركبات تلك التحالفات الملتبسة وحسب؛ بل تكشف، وهو الاهم، عن وجود طاقات ايجابية دفينة قد يكون لها تبعات سياسية في المستقبل، اذا احسنّا فهمها والوصول اليها واستقطابها نحونا.

كثيرون من المواطنين اليهود شعروا بخيانة غانتس لاحلامهم لأنهم كانوا يتمنون، في الواقع، اسقاط معسكر نتنياهو؛ وفتشوا، من خلال تصويتهم للمعسكر الآخر، الذي اشتمل على القائمة المشتركة، عن بديل سياسي جديد وجدي.

كانت هذه لحظة تلاقت فيها المقاصد، وتشابكت، عن قصد أو بدون قصد، بشكل عملي، أماني من رغبوا في نجاح معسكر من اليهود نادى: "فقط ليس نتنياهو"، وبين شعارنا، نحن المواطنين العرب، وسعينا من اجل اسقاط حكم اليمين.

فنتائج الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة كشفت عن حدوث تغييرات جذرية مقلقة داخل المجتمع اليهودي، وعن وجود طاقات مبشرة داخل المجتمع العربي، لن نخطيء اذا اعتبرنا تلك التغييرات شهادة وفاة لعهد سياسي حزبي بدأ مع قيام الدولة وتطور عبر محطات عديدة، كانت اهمها احداث عام 1977؛ التي عرفت بسنة الانقلاب؛ حين استولى فيها مناحيم بيغين وحزبه، الليكود، لأول مرة منذ ١٩٤٨، على مقاليد الحكم، فوضع عربة النار على سكتها فانطلقت واحرقت ما احرقت في طريقها حتى وصلت الى محطتها الحالية.

لم اوافق ولا اوافق اليوم مع من فرحوا بسبب القضاء الفعلي على بقايا اليسار الصهيوني، كما كان يسمي نفسه، ولا مع من يذكرونا، بنشوة، بأننا كنا نفتش عن قوى يهودية سرابية غير موجودة بالاصل؛ فخلوّ الخارطة الحزبية الاسرائيلية من قوى سياسية تدّعي اليسارية، حتى لو انها لم تجسّد، في أغلب الأحيان، مفاهيم ذلك اليسار السياسي الحقيقي، ينذرنا بالوصول الى خط النهاية وبولادة مجتمع يخزن في داخله قوة تدمير وبطش لا تعرف الحدود ولا الروادع.

لم تكن جميع نتائج الانتخابات سلبية كما ذكرنا؛ فردة فعل المجتمعات العربية كشفت عن نضوجها السياسي، وبرهنت على تحلّيها بمسؤولية عالية وجاهزية لمواجهة المخاطر الجسيمة المحدثة بمصيرنا.

بالمقابل، شكّلت "هذه" القائمة المشتركة عنوانًا سياسيًا لاولئك المواطنين، وتحوّلت، في نفس الوقت،الى ملجأ شرعي وآمن لآلاف من المصوتين اليهود الذين رأوا فيها، لأول مرة، موئلًا لتطلعاتهم السياسية وبيتًا اجتماعيًا مقبولا.

نحن نشهد، اذن، على بدايات تحولات في بعض المفاهيم التقليدية وفي البنيان العاطفي الذي نشأت عليه الاجيال المتعاقبة داخل المجتمع الصهيوني. ومن يلاحق أولئك الذين صوتوا للقائمة المشتركة ويسمع قصصهم سيكتشف انهم تغيروا نفسيًا؛ وذلك بعد اسقاطهم لبعض الموانع التي صقلت مفاهيمهم الصهيونية نحو العرب المُخرجين لديهم من نطاقات الانسانية والشرعية؛ حيث كان مجرد التفكير في التصويت لقوائمهم محرّمًا، والاصطفاف معهم في نفس الخندق السياسي يعتبر خيانة لا يقدم عليها يهودي صهيوني يحب شعبه ودولته وعائلته.

فمن صوّت للقائمة المشتركة أعلن معارضته الفعلية لمظاهر التغوّل السياسي الحاصل عند معظم الحركات والاحزاب السياسية الدينية والصهيونية الحاكمة وفرضهم لقوانينهم الدينية والابرتهادية على المجتمع برمته؛ واعلن كذلك رفضه لمظاهر الفساد السلطوي الذي وصل الى درك خطير ورفضه لممارسات الحكومة القعمية، وليس ضد العرب وحسب.

لقد تنبه قادة القائمة المشتركة الى ضرورة تحوّلهم الى حاضنة سياسية تستوعب مصوتيها العرب، وتستقطب كذلك جموع التائهين اليهود بالرغم من تعريفهم لانفسهم كصهاينة وديموقراطيين.  ومن سبيل ذلك تبنت القائمة خطابًا سياسيًا جديدًا - وضح بشكل خاص في حالة النائب ايمن عودة - كان مبنيًا على الصدق وعلى الواقعية ومستشرفًا للأمل ولا يهادن في الحق، لكنه لا يصنّع الخوف والتخويف ولا يحترف العبثية؛ خطابا كان كفيلًا باقناع آلاف اليهود التائهين بان مستقبلهم مع هذه القائمة، وبأنها محط ثقة لآمالهم ووسيلة لانقاذهم من اليأس ومن الضياع؛ وقد نكون في حضرة واقع جديد في اسرائيل حيث لا يسار فيه ولا يمين ولا وفاق يهودي حول معنى واحد للصهيونية.

قرار آلاف اليهود الصهاينة بدعم القائمة المشتركة من جهة ودعم مئات الآلاف لحزب كاحول لافان، على الرغم من تفاهماته مع القائمة المشتركة، من جهة ثانية، يثبتان ان نواة التغيير موجودة داخل المجتمع الصهيوني اليهودي وان كثيرين منهم مستعدون أن ينضموا الى "حزبي" وان يقفوا  "معي" ضد الاحتلال الاسرائيلي وان يدعموا مطالبي في المساواة الكاملة داخل دولة تحترم جميع مواطنيها وتؤمن بالشراكة الحقيقية بين أكثرية لا يجوز لها ان تمارس قمعها ضد اقلية لا تقبل ان تبقى الضحية.

رغم خشيتي من المستقبل، أشعر بوجود فرصة مؤاتية للعمل السياسي المختلف والذي يجب ان يطرق أبوابًا جديدة ويعتمد خطابا جديدا ويستشرف عتبات عالية لكنها ضرورية.

لن يحصل هذا الا اذا اقررنا بحدوث انقلاب ايجابي خطير في الخارطة السياسية الحزبية في بعض البنى النفسية والاجتماعية اليهودية. 

اعرف ان هنالك فوارق كبيرة في مواقف الفرقاء حول مسألة التعاون السياسي مع القوى اليهودية التي تعرّف نفسها كصهيونية؛ فمنعًا من تحول هذه الجزئية الى عامل في تصديع بناء القائمة، سيكون من الطبيعي ان تتولى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواه مهمة بناء تصور سياسي جديد قد يفضي الى اقامة اطر اجتماعية وسياسية تجمع تحت سقوفها النشطاء الجبهوين والوافدين اليهود الجدد الذين بدأوا بتذويت اهمية وجود هذا النمط من العمل كوسيلة للوصول الى مستقبلهم المشترك الآمن.

ان المهمات المنوطة بالقائمة المشتركة جسيمة والمسؤولية الملقاة على عاتق الجبهة الديمقراطية، في مسألة تطوير العلاقات السياسية داخل المجتمع اليهودي، مصيرية، وجميع هذه المهام لن تتحقق الا اذا تكاملت الرؤى بين الكل/ القائمة المشتركة، وبين مركباتها من الأحزاب والحركات.

سيترك ما سيحدث لنا في الاشهر القريبة آثاره علينا وعلى اولادنا؛ ولن يكون ذلك مقصورًا على تحركات القائمة المشتركة وعلى ادائها فحسب، بل سيتعلق ايضًا بما سيجري داخل سائر مؤسساتنا القيادية، وخاصة داخل لجنة المتابعة العليا؛ لا سيما بعد ان اعلن رئيسها، محمد بركة، انه لن يترشح لمنصبه بعد انتهاء مدة ولايته الحالية في شهر اكتوبر القادم.

يتبع .. 

 

يا قضاة إسرائيل:

لقد أكلتم يوم أطعمتمونا للذئب

جواد بولس

 

تشكك قطاعات إسرائيلية واسعة في مصداقية البيانات التي خاطب فيها بنيامين نتنياهو، ويخاطب مواطني الدولة، حيث دأب ويدأب من خلالها على استعراض تفاصيل أزمة كورونا وتداعياتها محليًا وعالميًا، وإعلانه عن رزمة من التعليمات والنصائح والمحاذير يسديها للناس ويأمرهم بضرورة الالتزام باتّباعها وتنفيذها.
ورغم التشكيك في مصداقية ما يقوله نتنياهو، والقناعة من أن دوافعه في تخويف الناس مصطنعة ومغرضة، مردّها إلى محاولته إنقاذ نفسه من مواجهة القضاء، بعد تقديم ثلاث لوائح اتهام خطيرة بحقه، إلا أنه على الرغم من ذلك، يبقى مؤشر أعداد المصابين بالفيروس البغيض عاملًا حقيقيًا ومفهومًا في إذكاء مشاعر الهلع بين المواطنين، وانصياعهم الذاعن لمعظم تعليمات أنظمة الطوارئ، التي تعلن عنها حكومته، خاصة بعد إقرانها بأعداد المصابين الجدد بيننا، وبزيادة أعداد الضحايا في دول مثل إيطاليا وإسبانيا وغيرها.
على جميع الأحوال، لا يمكن، بسبب حسن حظ نتنياهو السماوي أو المصنّع، وبسبب حنكته في استغلال الكوارث والمحن، أن نغامر في مواجهتنا لمخاطر الفيروس، أو أن نستخفّ بضرورة التصرف أزاءها بكامل المسؤولية الاجتماعية، وبمنتهى الانضباط الأخلاقي، مهما طالت أيام عزلتنا الثقيلة.
لا نعرف متى وكيف ستقضي الدول على هذه الجائحة، ولا كم من الأرواح ستحصد، أو من الدمار المادي ستخلّف وراءها، لكنها ستبقى، من دون ريب، نُدبة على جبين البشرية جمعاء، وستتحول آثارها في إسرائيل، علاوة على ذلك، إلى محطة لا نعرف ما سيأتي بعدها والى أين ستأخذنا؟ فحسبما نشهده في هذه الايام، تمر على الدولة أزمة حكم خطيرة ومصيرية، قد تفضي إلى قيام نظام حكم ديكتاتوري مستبد، والى إسرائيل أخرى، كتلك التي جاء وصفها في الأسفار، تعشق دخان المذابح والنفخ في الأبواق، ويشكر شعبها، في صلاة كل فجر، رب إسرائيل، ملك المعمورة، لأنه خلقهم يهودًا، لا عبيدًا ولا أغيارا. سنواجه قريبًا، نحن المواطنين العرب، بعد سقوط ستائر كورونا، مجتمعًا يهوديًا خائفًا متوحشًا مأزومًا، وسنكون بالنسبة لأكثريته مجرد أحمال زائدة يجب التخلص منها بكل وسيلة وبأي ثمن. إننا نشاهد فصل الرواية الأخير، فالمعركة الجارية على عتبات المحكمة العليا الإسرائيلية هي آخر ما تبقى من مواقع، يحاول أصحاب نظام الدولة القديمة الدفاع عنها والاحتفاظ بها. لكنهم سوف يهزمون في نهاية المطاف، رغم صمودهم يوم الاثنين الماضي، ووقوف خمسة منهم في وجه التنين، وإصدارهم قرارا يلزم المتمرّدين، على بقايا ديمقراطية عرجاء، بضرورة دعوة الكنيست إلى الاجتماع وانتخاب رئيس جديد لها.
لقد صحوا على أنفسهم متأخرين، فقد كانوا، مثل من سبقوهم، شركاء في تصنيع الكارثة واستجلابها إلى مهاجعهم، بعد أن خانوا، لعقود طويلة، تعاليم العدالة الحقة، وجنحوا، مثل سائر العنصريين، فكانوا جنودًا للظلمة وسياطًا بيد القامعين والمضطهِدين. إنهم قضاة المحكمة العليا الذين أغفلوا صراخي، وصراخ زملائي، حين كنا نتوجع ونشكوا أمامهم ونحاول تعليمهم حكمة الضحية الحالية، وهي تذكّر من كانوا ضحية في الماضي وتحذرهم، إن لم يصحوا ويقفوا إلى جانب «الثور الأبيض» فإنهم حتمًا سيؤكلون

رسالة مفتوحة، ثالثة، إلى قضاة المحكمة العليا السابقين والحاليين

لقد وجهت إليكم رسالتي المفتوحة الأولى قبل عشرة أعوام، عبر رئيسة المحكمة العليا القاضية دوريت بينش، وأتبعتها، بعد ستة أعوام، برسالة مفتوحة ثانية، وجهتها لرئيسة المحكمة في حينه القاضية مريام ناؤور. أعمل، كما تعلمون، أمام محكمتكم منذ أربعة عقود، كنت فيها شاهدًا على انحداركم نحو الهاوية. تربعتم على عروشكم الوهمية ونظرتم إلينا بتشاوف السيد على عبيده، وحسبتمونا ثلة من مشاغبين. لم تسمعوني وأنا أنبهكم إلى أننا «الأولون وأنتم اللاحقون» ولم تصدقوني، حين كتبت لكم مؤكدًا: إنني أخاف عليكم، فأنا كإنسان أريدكم، أنتم القضاة، أقوياء وسدنة لصفاء القانون، الذي يحمي الضعيف من سلطان الحاكم المستبد والعاسف. وأكدت أنني كمواطن في الدولة، أريدكم أقوياء، لأحتمي بقوتكم عندما يسلب حقي جورًا.. وأنني، كابن لأقلية قومية في هذه الدولة، أريدكم ترسًا يصدّ عني مخالب تدميني وأنيابًا تجيد القبض على كل مقتل في جسدي. لم أتخلّ طيلة تلك العقود عن محاولاتي لإقناعكم بأنكم تسيرون إلى منزلق خطير، وتوقعت أمامكم بأن المنقلب سينقلب عليكم وعلى كل يهودي سيتجرأ على رفع صوته يومًا، بما لا ينسجم وهتافات «القطيع»، وضجيج تلك الجوقات اليمينية العنصرية الناعقة، وفرقها الضاربة، وكنت أردد على مسامعكم، رغم امتعاضكم من وضوحي، أنهم كالعلقات الطفيلية التي لا تكتفي ولا تشبع. كم مرة عُنّفت، يا سادتي، بسبب «وقاحتي» لأنني طالبت بمساواة حكم المواطن العربي مع حكم اليهودي، فوُصفت من قبلكم بالوقح والمتمادي. وكم مرة رددتم تظلمات شيخ أو امرأة أو فلاح فلسطيني، أتوكم شاكين إرهاب جيشكم أو بطش ميليشيات المستوطنين السائبة، فلم يلقوا إلا إعراضكم، ولم نسمعكم إلا مردّدين فرية الجبناء المداهنين، وتعليلهم بأن أولئك ليسوا سوى كمشة من «الأعشاب الضارة» التي تنمو على هوامش الحياة.

جهاز قضائي لا يميّز بين الضحية الحقيقية وقاتلها، لن يحمي حتى جلده، مهما تراجع أعضاؤه وانحنوا وطأطأوا رؤوسهم

قصتنا، نحن العرب في هذه الديار، مع جهازكم القضائي طويلة وجديرة بأن تستقصى من بداياتها، التي ولدت قبل ولادتي بسنين قليلة، فقد سقطتم عندما تبنّيتم مفاهيم نظرية «الأمن»، تمامًا كما هندسها ووضعها أمامكم جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية، وتجنّدتم من أجل تطبيقها العملي، فطوّعتم كل القيم الإنسانية في خدمتها، ورتقتم بمسلات صدئه تضاريس علاقة دولتكم مع مواطنيها العرب، الذين كانوا في أعينكم، كما في أعين الجنرالات، لا أكثر من أجسام مشبوهة أو ألغام مزروعة على طريق الدولة وبين سكانها اليهود. كنا نصرخ أمامكم، كما صرخ السابقون منا، ونؤكد لكم أن ليس هكذا يقام العدل، ولا هكذا يبنى المستقبل، لكنكم مضيتم في هدي وطنيتكم العمياء وقدّمتم، كما قدم معلموكم، الذرائع الواهية، وجمّلتم الواقع بمساحيق من بارود، فظلمتم سكان البلاد الأصليين المنكوبين، وساهمتم، بعدها، في ترسيخ موبقات احتلالكم ضد الفلسطينيين المنتكسين.
لم تسعفنا، يا سادتي، النداءات ونبوءات الغضب.. فلا نجاة مضمونة لأحد ما دام صوت المسدسات والبساطير يجلجل في ساحاتكم منذرًا: إما خنوعكم واستسلامكم وإما «أعواد المشانق»، أو كما قلت لكم قبل عشرة أعوام: إن قضاة يحتمون بحراس يرافقونهم حتى أبواب غرف نومهم، لن يقووا على مواجهة قتلة عصاة، وجهاز قضائي لا يميّز بين الضحية الحقيقية وقاتلها، لن يحمي حتى جلده، مهما تراجع أعضاؤه وانحنوا وطأطأوا رؤوسهم…
«لقد أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض»، التي قصصتها عليكم في مرافعاتي، ولم تذوتوا مغازيها – ستبقى حكمة الضحية الناجزة المقدَّمة لضحية تنتظر على خط التماس.
لقد أخافني شعور زميلتكم رئيسة المحكمة السابقة مريام ناؤور، حين احتجّت قبل أربعة أعوام في بيت رئيس الدولة، على موقف وزيرة القضاء السابقة شاكيد، ووصفت تصرف الوزيرة تجاهكم كمثل واحد يضع مسدسه على طاولة تفاوض بين طرفين غير أعداء، لقد كنتم أنتم القضاة هذا الطرف الآخر في ذلك المجاز المخيف.
وأخيرا جاء تمرد رئيس الكنيست ادلشتاين، وهو مدعوم من معسكره، على قرار المحكمة العليا، ورفضه دعوة الكنيست وانتخاب بديل له – فاصدرت المحكمة، يوم الأربعاء الماضي، قرارًا جديدًا يخوّل النائب عمير بيرتس إكمال مهمة رئيس الكنيست، ووصفت تصرفات ادلشتاين بأنها «مساس غير مسبوق بسلطة القانون».
لقد كان لجوء القاضية مريام ناؤور، في حينه، إلى استعارة المسدس من باب تطويع البيان، في خطاب حذّر من غضب الايام المقبلة. لكنني أشعر اليوم، ككثيرين في الدولة، بأن هذه المسدسات باتت حقيقية ومحشوة وجاهزة لتقضي على بقايا نظام ينازع أمامنا، فهل لدينا، نحن المواطنين العرب ، فكرة كيف ننجو من ذلك الرصاص؟
كاتب فلسطيني

 

 

شركاء في

القلق حلفاء في العمل

جواد بولس

 

أخرجتني محادثة صديقي حچاي أول أمس من رمادية أجواء العزلة القسرية التي أعيشها في البيت، وأدخلَت إلى قلبي جرعة فرح شفيف.
تعرّفت إلى حچاي قبل خمسة وأربعين عامًا، عندما تزاملنا طالبين في كلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس. قصتي معه طويلة وفيها من التفاصيل ما يثبت كيف يمكن أن يحوّل عدوّان تعاليم الدم الموروثة عن “توراة ملوكهم” إلى بذور أمل واعدة، وإلى قناعة بأنّ مستقبلنا على هذه الأرض ليس سوى احتمالين مقلقين؛ لكننا، إذا أردنا، فنحن قادرون على أن نعيش حياة أقل وجعًا وأكثر سعادة واستقرارًا.
“لقد صوّت يوڤال للقائمة المشتركة، وأعرف أن آخرين من أبناء جيله فعلوا الأمر نفسه”. هكذا أخبرني حچاي بعفوية عن تصويت ابنه في الانتخابات الأخيرة؛ وكنا نتحدث عن محاولات نتنياهو الأخيرة في البقاء ملكًا على شعب من المسوخ البشرية؛ فكان يصف لي خوفه من المستقبل، ويأسه من وجود فرص للتغيير.
لن أسترسل في تفاصيل المحادثة، لكنني سأعود إلى قصتي مع هذه العائلة وإلى محطات علاقتنا الطويلة، التي كشفت لكلينا أن “للحقيقة وجهين”، وأننا نستطيع أن نصبح أصدقاء حقيقيين، حتى يغيّر شاب، سليل عائلة يهودية صهيونية عريقة فخورة، قناعاته السياسية التقليدية، ويختار أن يصبح شريكي وحليفي، ويسعى مثلي وراء مستقبلنا الإنساني المشترك.
يحاول بنيامين نتنياهو استغلال تداعيات أزمة فيروس كورونا ليبقى، في نهاية المطاف، حرًا ورئيس حكومة إسرائيل؛ أو على الأقل شريكًا كاملًا في هذا المنصب، وفي قيادة الدولة في الحقبة التي ستلي هذا الزمن الأصفر البغيض.
لم تنقذ نتائج الانتخابات الأخيرة معسكر بنيامين نتنياهو، كما كان تمنّى وخطط، مستشعرًا بحدسه المتطور، أن المواطنين العرب قد يحرزون إنجازًا انتخابيًا غير مسبوق، سرعان ما سيتحول إلى عثرة كأداء أمام تحقيق أحلامه السوداء، وإلى كاسر أمواج نزواته الأخير. ستبقى مواقف نتنياهو العنصرية تجاهنا، عنصرًا يهمنا بكل تأكيد؛ بيد أن الأخطر منها، في هذه الأيام، هو شغفه المرَضيّ بالتفرّد بالحكم والسلطة، وبإصراره على البقاء واقفًا على رأسها. لقد لاحظ العديدون من أصحاب الرأي والممسكين بالقلم، خلال السنوات القليلة الماضية، مقدار الخطورة الكامنة في تصرفات، وفي شخصية نتنياهو وزبانيته؛ وحذّر بعض هؤلاء من مغبة ما يمكن أن يفعله، وإلى أي وجهة قد يأخذ الدولة، والى أي هاوية سيقود شعبها.

كثيرون من خارج قطيع نتنياهو، بدأوا يستوعبون، أن ما تقوم به الحكومة الانتقالية هو أقرب إلى كونه انقلابًا ومحاولة لسرقة الدولة

جاءت تحذيرات هؤلاء متأخرة؛ فمعظم المتنبهين للخطر “النتنياهوي” كانوا، عمليًا، جزءًا من الإجماع الصهيوني “الحميد”، كما اصطلحت على تسميته الأكثرية اليهودية في الدولة وخارجها. لقد شكّل هذا الإجماع دفيئة لنتنياهو ولحلفائه الحاليين، وسهّل عليهم مهمة التقدم نحو أهدافهم، التي لم تتغير مذ رضعوا، في بيوتهم ونواديهم الحزبية وكنسهم، معنى أن تكون صهيونيًا، وصاحب الأرض التي تنافسك عليها مجموعة من “الأغراب” الأعداء المعتدين، يُدعون عرباً فلسطينيين .يستطيع من يرغب أن يقتفي بيسر طريق هذه الجماعات، كأفراد أو أحزاب أو حركات، نحو “قمم الهاوية”؛ ومن يتعمق قليلًا في تاريخ إسرائيل الحديثة سيهتدي إلى كيفية نجاح هذه القوى الظلامية، باكتساح الساحات ومعظم مرافق الدولة، بعد أن كانت تعتبرها قطاعات واسعة من ذلك الإجماع الوطني الصهيوني، مجرد “طفح خفيف عابر” على صفحة الليل، ولا أكثر من بضعة “أشواك ضارة” تنمو بعشوائية على هضاب السامرة، وداخل هياكل يهودا البعيدة.
لا أعرف إذا كانت أزمة كورونا ستفضي إلى كشف حجم الورم المنتشر في عروق هذه الدولة؛ فكثيرون، من خارج قطيع نتنياهو، بدأوا، في الأيام الاخيرة، يستوعبون، أن ما تقوم به الحكومة الانتقالية هو في الحقيقة أقرب إلى كونه انقلابًا على الحكم ومحاولة لسرقة الدولة. لم تبدأ هذه العملية بعد الانتخابات الاخيرة، فمعسكر نتنياهو يستعدّ الآن لقطف ثمار ما زرع في السنوات الماضية، ولإنزال ضربته القاضية بواسطة شل عمل الكنيست، بشتى الحجج والأحابيل، وبتعطيل دور السلطة القضائية، إلى جانب تخويل أعضاء الحكومة الحالية، باسم محاربة الوباء- الجائحة، تصريف شؤون الناس، بواسطة مجموعة من القوانين وأنظمة الطوارئ، التي ستقوّض مكانة القانون السائد، وتحدّ من حريات الأفراد وتكبل حقوقهم الاساسية. برز رئيس جهاز الشاباك السابق كرمي جيلون كواحد من أشد المنتقدين لسياسات بنيامين نتنياهو، وأوضحهم معارضة لفكر التيار القومي الديني الصهيوني وللمخاطر القاتلة الكامنة في مبادئهم وتعليماتهم. لم يخفِ كرمي جيلون امتعاضه من سياسات نتنياهو، ولا تخوّفه من إمكانية تنفيذ سيناريوهات “ابوكليبسية” كارثية، ستدفع باتجاهها مجموعة التيارات العقائدية الحاكمة.
لقد سمعناه يحذر المرة تلو المرة من هذه الاحتمالات. وجاء آخر تصريحاته في الثاني من مارس الجاري، عندما قابلته صحيفة “هآرتس” ليعبّر مجددًا عن تخوّفه من قدرة هذه الجماعات على جرّ المنطقة إلى حمامات دم مرعبة، لأنها كما أكد، ليست “هوامش، ولا أعشابًا ضارة”؛ وأضاف معترفًا: “لقد أخطأنا حين سميناهم هكذا. فعندما اكتشفت العصابة الإرهابية اليهودية في الضفة كان تعداد هؤلاء 12 الفًا، أما اليوم فعددهم أكثر من نصف مليون. إنهم ينمون على أرضية أيديولوجية واضحة وصارمة وشعبوية.. لا يوجد أحد منهم لم يقرأ كتاب “توراة الملك”*، ولم يجرؤ اي مستشار قانوني على التحقيق مع حاخاماتهم المتطرفين، وبالتالي لم يحاكَم أحد منهم. لقد اخطأنا بذلك أيضًا”.
ورغم أهمية مواقف جيلون المعلنة منذ أكثر من عقدين، لم تولها المؤسسات القيادية العربية والقيّمون عليها اهتمامًا يذكر، بل أغفلوها كما حصل مع مواقف عشرات الشخصيات الاعتبارية والأكاديمية الصهيونية، التي كانت أو مازالت، تتبوّأ مناصب رفيعة وحساسة، في ترسيم سياسات الدولة، أو في إنتاج المعرفة السلطوية والتأثير على الرأي العام فيها. “كل السياسيين عندنا انشغلوا وما انفكوا منشغلين ببقائهم في مراكزهم، لذا فأمامنا الآن خياران: واحد سيئ والثاني أسوأ”! هكذا بصراحة أكد من كان رئيس جهاز المخابرات العامة الإسرائيلية. وعندما سألته الصحيفة، ما إذا كان علينا أن نرفع أيادينا وأن نستسلم، أجابها: “أنا لا أستطيع. ما زلت مؤمنًا بهذه الفكرة الكبيرة، بدولة إسرائيل، وبقدرتها وحاجتها أن تعود إلى “سلامة العقل” وإلى العودة إلى حدود عام 1967، والعمل على بناء مجتمع مختلف وأفضل”.
كان كرمي جيلون من أتراب بنيامين نتنياهو، وجاره في حي رحافيا في القدس الغربية. وهو حين يتذكر تلك الأيام، يستعيد التفاصيل المتعلقة بشخصية نتنياهو، والبيئة التي نشأ فيها، ويستذكر طرفة لافتة حدثت معهما في معسكر عمل للشبيبة، شاركا فيه وهما يافعان، في إحدى إجازاتهما الصيفية؛ فحين جلسا في إحدى الليالي وسأل كل واحد منهما عما سيصيره عندما يكبر، لم يعرف كرمي جيلون أن يختار مهنته، بينما أجاب نتنياهو بحزم وإصرار المؤمنين الدنفين: “سأصير رئيس حكومة” على ما تُضمره هذه الإجابة من معان. بعيدًا عن عواطفنا المفهومة تجاه أفراد تلك الفئة، أو عن ضرورة محاسبتهم، الأخلاقية أو حتى الجنائية، عما جنت أياديهم، ستبقى الحاجة الآنية لاستمالتهم إلى معسكرنا حية وضرورية؛ ولستُ بحاجة لأحد أن يذكرني من كان كرمي جيلون، وماذا فعل خلال حياته المهنية، ولا أن يعرّفني إلى سيرة رئيس الموساد السابق تمير بيدرو، وكثيرين من أمثالهما؛ لكنني أنصح، رغم مواضيهم، أو ربما بسببها، من يفتّشون مثلي عن خلاص ويلهثون وراء مستقبل آمن، أن يقرأوا ما يكتبه هؤلاء وما يفعلونه الآن، فقد نجِدُ بينهم حلفاء أو شركاء في الدرب أو في القلق.
ستبقى هذه إحدى مهام القائمة المشتركة، التي تتحمل اليوم مسؤوليات جسام، خاصة بعد أن فرضت نفسها، على المشهد الإسرائيلي، كعامل سياسي لا يمكن تجاوزه؛ فشعار إسقاط نتنياهو يتعدّى حدود تعريفات اليمين واليسار والوسط، إذ أنه ترجمة لأُمنية كل من يخشى أن يواجه أحفاد ذلك “الملك” الذي توصي “توراته” بضرورة التخلص من جميع الأغيار، إلا إذا هم رضوا أن يبقوا عبيدًا خانعين لعَصاته ولنزواته.
كان صديقي حچاي، مثل كرمي جيلون وإسرائيليين كثر، متشائما في محادثته الاخيرة معي، لكنه غير مستسلم على الإطلاق. لقد اتفقنا أن ننتظر حتى ينتصر العقل على جنون كورونا، لنعود ونلتقي على موائد الفرح والقلق، ونتبع بوصلتنا الصحيحة وحدسنا الأبويّ الطاهر، كما يليق بشركاء في القلق وحلفاء في الأمل وفي العمل.
كاتب فلسطيني

 

 

أيها البرق أوضح ليلنا قليلا

جواد بولس

حاولت أن أهرب إلى دفء الحنين، وإلى حلاوة الذكرى لأنجو، على طريق الفراشات، من قساوة هذه الأيام التي تمر علينا، وتحوّلنا إلى مجرد أجساد قلقة وشبه عاجزة، وهي تحاول عبثًا، احتضان النهارات بشوق الزنابق للهواء.
ليلنا أفحم من ليل الخائفين من نقمة فيروس لعين؛ فنحن، العرب المواطنين في إسرائيل، ننام على نعيق غربان تحلم بأن تجدنا في الصباح جيفًا، وبعضنا يلزم في هذه الأيام بيوته، ليحتمي مثلي، من شر «كورونا» وليحمي غيره من ضعف رئتين شاختا قبل سائر أعضاء الجسد.
ما كان أجمل أن أكتب اليوم، في هذه الذكرى المحمودة، عمن قال، قبل سقوط القمر: «نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا..» لكنني سأرجئ ميعادي معه ومع ذلك الفرح، إلى أن تصفو فضاءاتنا، وتستأنف الحساسين رقصها بين كروم زيتوننا والعنب، وحتى يفيض الخير على الناس وتمتلئ خوابيهم زيتًا وأجاجينهم خمرًا وهدأة بال.
نأمل أن تنتهي أزمة «كورونا» قريبًا، ودعاؤنا أن تمضي خفيفة، وألا تترك وراءها ندبًا وجبالًا من الحسرة والوجع؛ وإلى أن تُزف إلينا تلك البشرى سنقاوم العتمة واليأس «وننفخ في الناي لون البعيد البعيد، ونرسم فوق تراب الممر صهيلا».
فتزامنًا مع تزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا، في جميع أنحاء إسرائيل، ما زالت أزمتها السياسية متفاقمة، حيث تبدو جميع الاحتمالات للخروج منها واردة وبضمنها إمكانية الذهاب إلى جولة انتخابات رابعة.

نالت القائمة المشتركة ثقة جماهيرية واسعة، وهذه تخولها، سياسيًا وأخلاقيًا، رغم أصوات بعض المعارضين

ما يهمنا في هذه العجالة هو تفاعل المواطنين العرب وتصرفهم، ومعهم بضعة آلاف من اليهود الديمقراطيين، الذين اختاروا، هذه المرة، أن يصطفوا مع من سيبقون، على جميع الأحوال، معارضة برلمانية، ستقف ضد سياسات المعسكرين الكبيريين؛ وإن كان أحدهما الليكود وحلفاؤه، مفضوح الرعونة ضد العرب وضد حلفائهم، والآخر كاحول لافان وحلفاؤه، يقترب منهم متوجسًا، بلعثمة وعلى مضض، أو كما قالت العرب من خلال «قصر ذيل يا أزعر». أظهر نتنياهو ومعه بعض المنتفعين المحليين وعكاكيزه، توددًا هزيلًا للناخبين العرب؛ وحاول في غزوة جليلية فاشلة واحدة، أن ينثر في قاعة كانت شبه خالية من الجمهور، وعودهَ الصفراء، وأن يؤلب الناس على القائمة المشتركة.
لقد فشل حزبه ولم يحقق أي إنجاز يذكر بين العرب، وفشلت مثله معظم الأحزاب الصهيونية، التي كنست تقريبًا أو تراجعت قوتها بشكل ملحوظ في معظم التجمعات السكنية العربية، وبين الناخبين العرب في المدن المختلطة. لم يتأخر رد فعل نتنياهو على تلك النتائج المخيّبة، فلبس مباشرة جلده القديم، وأعلن بكل وقاحة وغطرسة، أن لاشرعية لمشاركة نواب القائمة المشتركة في المفاوضات لتركيب الحكومة؛ بعد أن وصفهم وزير خارجيته يسرائيل كاتس «بمخربين في بذلات رسمية». قد تكون صرخة نتنياهو المعهودة، هذه المرة، على قدر وجعه وخسارته الشخصية؛ فهو يعلم أن ارتفاع نسبة التصويت بين العرب، وأنّ ازدياد قوة المشتركة بنائبين، كان الحائل بينه وبين حصول معسكره على أكثرية واضحه في الصناديق. بينما هاجم، على الضفة الأخرى، بعض المواطنين المعارضين العرب، والمقاطعين للانتخابات، أعضاء القائمة المشتركة وطعنوا بأهليتهم وبشرعيتهم في المشاركة بتبعات المشهد السياسي الذي أفضت إليه نتائجها. حق هؤلاء المعارضين بمناقشة ممارسات القائمة، وبرفض مواقف أعضائها محفوظ، ولكنني لا أفهم من أين ينبع مصدر شرعيتهم في تخوينها والتهكم على أعضائها وتقريع بعضهم.
لقد نالت القائمة المشتركة ثقة جماهيرية واسعة، وهذه تخولها، سياسيًا وأخلاقيًا، رغم أصوات بعض المعارضين، متابعة مسؤولياتها التي حمّلها أياها ذلك العقد السياسي/الاجتماعي المبرم بينها وبين ناخبيها، الذين يحتفظون، بالتالي، بحقهم في انتقادها وفي محاسبة أعضائها مستقبلًا في الصناديق. سيكتب على القائمة المشتركة أن تتصدر مهمة المعارضة السياسية للحكومة المقبلة، وسيكون دورها مهمًا وصعبًا؛ لكنه سيفسح لها، في الوقت نفسه، فرصتين قد تصبحان تاريخيتين: الأولى، أن ترسّخ بين الجماهير العربية طراز عمل سياسي وحدوي جديد وناضج، يعتمد على عامل المواطنة كصمغ موحّد بين عدة أطياف سياسية متمايزة، من دون أن يفرط الشركاء بمفاهيمهم الخاصة أزاء مكانة الهوية الجامعة وأهمية المحافظة على الكرامة الوطنية العامة؛ والثاني، أن تأخذ دورها وتتحول إلى عنوان سياسي ديمقراطي بديل، سيلجأ إليه، علاوة على أكثرية المواطنين العرب، جميع المواطنين اليهود الذين يفتشون عن مستقبل لدولتهم، غير مبنيّ على استعمار شعب آخر واضطهاده، وعلى إقصاء خُمس مواطني الدولة، واعتبارهم إما «مخربين أو صراصير»، كما تفكر أكثرية أعضاء هذه الكنيست الحالية.
يبعث إنجاز المشتركة وتأثيره الفعلي القائم على الساحة السياسية الإسرائيلية نسمة من أمل في نفوس الكثيرين من عرب ويهود؛ ورغم مهاجمتها من أكثرية القوى الصهيونية، نجحت في استقطاب آلاف المصوتين اليهود، وباهتمام غير مسبوق في وسائل الإعلام المحلية والعالمية. لقد سمعنا بعض الأصوات اليهودية التي عارضت موقف نتنياهو أزاء شرعية وحق الناخبين العرب، وقد يكون موقف رئيس الدولة، رؤوبن ريفلين، من أبرزها، فهو قد رفض تلك التصريحات وانتقدها على الملأ، بشدة حيث أكد على «عدم وجود أنصاف مواطنين في إسرائيل». لم يكن الرئيس ريفلين وحيدًا بموقفه هذا؛ ففي مقابلة لافتة لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية، أجرتها مع رئيس الموساد السابق، تمير بيدرو، بتاريخ 27/2/2020، قال، بشكل واضح وحازم: «لقد وصلنا إلى حالة يعتبر فيها كل من لا يوافق على أمر ما سياسي خائنًا. هذا أمر رهيب وخطير. فمن غير اللائق اعتماد دعاية اليمين ضد رئيس أركان سابق ومنعه من الجلوس مع العرب لمجرد تصويرهم أعداء للدولة. فأنا أترقب مجيء اليوم الذي ستكون فيه الأقلية العربية جزءًا من الحكم، ولا أريد أن يقول أحد لليهود الأمريكيين، أنتم لا تستطيعون أن تكونوا جزءًا من الإدارة والحكم».
تحمل هذه التصريحات مؤشرات مهمة لا يمكن إغفالها أو التهكم عليها، ليس لمكانة وهوية قائلها فحسب؛ بل لأنها تكمّل، إذا ما وضعت في سياقات ملائمة، مفهوم قضية المواطنة ومعنى المشاركة السياسية في العملية الانتخابية البرلمانية وأهدافها المرجوة في نظام حكم مبني على مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون ومساواة جميع المواطنين أمامه.
أعرف أن إسرائيل اليوم تبتعد عن هذه التعريفات، وتنحو نحو نظام حكم عنصري ذي نزعات فاشية؛ ولأننا نعرف ذلك، علينا تلمس الخيارات المواطنية الديمقراطية الاخرى، والإصرار على إيجادها وتطويرها، وهذا كما يبدو لي دور القائمة المشتركة، بتركيبتها الحالية أو بغيرها، إذا اقتضت الظروف، ومعها سائر المؤسسات المدنية والأهلية، وعلى رأسها اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، ولجنة المتابعة العليا التي، كما قلنا مرارًا، تحتاج إلى إعادة بنائها بما يتلاءم مع هذه الرؤية وهذه الاهداف.
نواجه في هذه الايام محنتين صعبتين، فلنصلِ لنقهر الوباء بما سيؤمّنه العلماء من أمصال ودواء؛ ولنعقل كي نبقى أحياء «داخل القطار»، ولنكتب «أسماءنا حجرًا، أيها البرق، أوضح لنا الليل، أوضح قليلا». فنحن قوم نحب الحياة وسنجد إليها السبيلا.
كاتب فلسطيني

 

 

أفراحنا «المشتركة» كبيرة

جواد بولس

 

ما زالت إسرائيل تواجه أزمتها السياسية بعصبية وفوضى خطيرة، حيث لم تسعفها ثلاث جولات انتخابية خاضها المواطنون في غضون أقل من عام واحد. وقد عبّر بعض المعقبين العرب عن فرحهم بهذه «الجلطة»، وتمنى آخرون ألا تنحلّ العقدة، لأنه هكذا يؤمن هؤلاء، كلما احلولكت السماء فوق تل ابيب، تخضوضر مروج ابن عامر والشاغور، وتضحك الزنابق في تلاع البطوف وفي شعاب الجرمق؛ أما أنا فلا أعرف كيف سيفيدنا، نحن المواطنين العرب، تفاقم هذه الأزمة. إنها قد تفضي، ببعض تداعياتها، إلى تفكك منظومة الحكم التقليدية في الدولة، لتحلّ بدلها مراكز سلطة «عشوائية»، وأدوات إدارة شبه مؤسساتية؛ كتلك التي عرفتها أنظمة حكم ديكتاتورية قمعية، نجح قادتها باستغلال حالة «اللامخرج» ليقفزوا عنها، ويتربعوا على رأس السلطة المطلقة ويتحكموا في رقاب «أعداء دولتهم»؛ وهو ما نراه يتشكّل أمامنا، وقد ينجز نهائيًا في المستقبل القريب.
لا أنوي مناقشة من دعوا إلى مقاطعة الانتخابات، أفرادًا كانوا أم حركات أم مجموعات، ولا أن استدرجهم هنا إلى لعبة السفسطائيين وأسألهم مثلًا، تصوروا لو فعلتم/فعلنا كذا وكذا.. أو تصوروا لو لم تفعلوا/نفعل كذا وكذا.. فالانتخابات صارت من خلفنا ونتائجها معلنة؛ وإسرائيل، شعبًا وأحزابًا ومؤسسات، ماضية رغمًا عن مقاطعتهم، أو ربما بسببها، نحو مواسم الحصاد، ولن يوقفها دعاء العاجزين بأن يصيبها الجذام، ولا تمني الحالمين بأن تضربها أسراب الجراد، ولا اشتعال صدور «الثائرين» بالنبيذ وبالوعيد وبالتصفيق، الذي على قول الحكاية السوداء، لن يرزق القبيلة بالأولاد، ولا بسعاة القدر الفالحين.
لقد كشفت نتائج ثلاث جولات انتخابية متتالية حقيقة واحدة أكيدة بوجهيها؛ أن يهود الدولة ما زالوا يتصارعون داخل «قطار الزمن» كأعداء لا يوحدهم مصير؛ ونحن العرب الناجين من لعنة الغفلة القديمة، بقينا وجه تلك الحقيقة الآخر، كما كنا «ملح الزمن» ودخلنا عنوة بطن القطار، نغني ونزرع ونقاتل على حقنا بالريح والخبز والبقاء؛ ولكن، رغم صدى التجارب، ما فتئت قلة منا تحاول القفز في الهواء وانتظار «جيوش إنقاذ» جديدة على أرصفة الرمل والغبار. لهم ما شاؤوا، ولنا ما تقوله العصافير الباكيات على شرفاتنا، وشفرات المقاصل في صناديق الاقتراع، وفي هسيس الليل البارد، فلا يمكن الاستخفاف بردة فعل الجماهير العربية، كما تجلت بارتفاع نسبة التصويت في معظم تجمعاتها السكنية، وزيادة بارزة بدعمها للقائمة المشتركة؛ وفي الوقت نفسه عزوفها الواضح عن دعم الاحزاب الصهيونية وكنسها في بعض البلدات. لقد تخطى إنجاز المشتركة في هذه الجولة مجرّد تحصيلها العددي وحصولها على خمسة عشر مقعدًا؛ فما حصل على أرض الواقع هو أن الجماهير العربية أجبرت عمليًا جميع الأحزاب والحركات المنضوية تحت خيمة القائمة المشتركة أن تنأى بأنفسها، وترتقي وتتغير مفاهيميًا وأداءً لتكون جديرة بمكانتها المشتهاة، وبتكليفها كممثلة لمصالح تلك الجماهير وتطلعاتها. كان على تلك القيادات إما أن تنتقل من مرحلة المراهقة السياسية والمغامرات إلى مرحلة البلوغ، ووعي تحديات حياتنا ومواجهة الالتباس حول مستقبلنا؛ وإما أن ترتطم نزواتها بخشب الكراسي البرلمانية البالية. إنها علامات واضحة لنضوج وطني جديد، وتجاوب سليم لمجسات مجتمع، استشعرت الخطر وشخّصته بدقة، وتهيأت لمواجهته بمسؤولية وجهوزية عاليتين. وهي أيضًا انعكاسات مهمة لتذويت واع لمعنى الشراكة الجوهرية الحقة، أجراه بشكل معمق كل مركّب من مركبات القائمة، فاستعادوا بعده وبسببه ثقة الناس التي فقدوها.

إنجاز المواطنين العرب في الانتخابات محطة جديدة على طريق منجزاتهم الكبرى التي بدأوها في ملحمة البقاء، وأكملوها بما يلامس المعجزة

فالجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي اعترفا ممارسةً، رغم التردد الذي ما زال قائمًا في بعض الجيوب وبين بعض المحافظين، بقيادة النائب أيمن عودة لتنظيمهم العريق والأبرز؛ وبدون تلك النقلة، الاتفاق على وجود قائد، لما استطاعت الجبهة أن تثبّت قيادتها لصدارة القافلة، ولا أن تستعيد ثقة الناس في عدة مواقع ابتعدت عنها، قصاصًا وامتعاضًا، من تشتت مواقفها السابقة. أما مرونة الحركة الإسلامية، كما نجح النائب منصور عباس أن يترجمها ويفرضها في عدة مسائل خلافية، فقد أدّت إلى إقناع العديدين من معارضي هذه الحركة إلى قبولها شريكة كاملة والعمل من أجل إنجاح مرشحيها المتأخرين في القائمة. وعلى الضفة الأخرى، كان «التحجيم الذاتي» الذي مارسته قيادات في حزب التجمع، عاملًا مهمًا في استقرار معادلة التوازنات الصريحة والصحيحة بين الشركاء، تمامًا كما جرى في صفوف «الحركة العربية للتغيير»، بعد أن كانت تجربتها الصعبة، وتصريحات زعيمها النائب أحمد الطيبي في الجولة الأولى، سببًا للأزمة والانقسام ولغضب الشارع على جميع القيادات.
للقائمة المشتركة قوة سياسية ومعنوية كبيرة، ومعها، بطبيعة الحال، مسؤولية عظمى؛ فهل سيعرف أعضاؤها صونها كما يتوقع منهم؟ لا أحد يملك القدرة على إعطاء الإجابة على هذا السؤال، فشرط ذلك الأول ألا يتراجع كل مركب عن مواقفه التي قدمها عربونا للوحدة؛ خاصة على ضوء تجربة القائمة في الماضي ووجود عدة أعضاء بدون أرصدة سياسية ناضجة، ما قد يشكل عثرة في وجه التناغم المطلوب والتنسيق الناجح؛ علاوة على أن الايام المقبلة ستضع أمام الأحزاب المشكلة للقائمة عراقيل كأداء لن يتخطاها الفرقاء، إذا واجهوها بالروح والمنافسة ومناكفات الماضي نفسها. ويطالب البعض بضرورة وضع أسس فكرية وسياسية للقائمة، إكمالًا لنجاحها الانتخابي وكضمانة لعملها مستقبلًا؛ وأتمنى أن يفعلوا ذلك، لكنني أخشى فشلهم، ولذلك، وكيلا نشهد كيف «ستكسر عصاتهم في أول غزواتهم» اقترح أن يفتشوا عن أحزمة أمان استثنائية، تضمن ألا يصطدموا ببعض عند أول منعطف أو في أول امتحان، وهذه كثيرة وقريبة.
لقد برز دور معظم رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية في دعم القائمة المشتركة وبنداءاتهم العلنية والحاسمة لدعوة الناس ولإخراجهم إلى الصناديق. كانت هذه برأيي من أهم التطورات التي شهدتها هذه المرحلة، وهي لعدة اعتبارات، ظاهرة يتوجب رعايتها ومتابعتها، وتأطير خلاصاتها بهدف تحويلها إلى مفاعيل اجتماعية وسياسية، تنتج ما هو مرجو وطنيًا ومحليًا من هذه المواقع ومن قياداتها. ومن اللافت، في هذه الجزئية، أن نلاحظ وجود بداية لصحوة في بعض البلدات الدرزية والمجالس البدوية، حيث شهدنا زيادة في عدد المصوتين، وبروز بعض الرؤساء والشخصيات الذين دعوا أهالي بلداتهم للتصويت للقائمة المشتركة. كانت نسب التصويت للقائمة المشتركة في معظم البلدات العربية مدعاة للفخر والاعتزاز، وهي في الوقت نفسه، تعبير صادق عن إصرار الناس على العيش بكرامة وعلى استعدادهم لمواجهة ما يحيق بهم من مخاطر، لم تعد مجرد أفكار على ورق أو فذلكات استفزازية يمارسها بعض رموز العنصرية، من أجل أن يكسبوا قطعان المصوتين اليمينيين. ما قام به رؤساء المجالس والبلديات العربية يستوجب العمل على إيجاد الوسائل لضمان استمرار عملية تشبيك مستمر بين قيادات القائمة المشتركة واللجنة القطرية للرؤساء؛ فمن الضروري، برأيي، أن يتم ذلك من خلال إقامة جسم ثنائي يجمع الإطارين، ويعكف على إبقاء حالة تنسيق دائم بينهما، ويضع آليّة للعمل المتكامل المشترك؛ لأن هذا سيخدم مصالح مجتمعنا بشكل عام.
لا يتعارض مقترحي المذكور مع وجود «اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية في إسرائيل»؛ فلهذه دور مختلف، وإن كان أداؤها، في الآونة الأخيرة، ملتبسًا، إلى حد ما، أو غير مقنع. يُعدّ إنجاز المواطنين العرب في هذه الانتخابات محطة جديدة على طريق منجزاتهم الكبرى التي بدأوها في ملحمة البقاء، واكملوها، بما يلامس المعجزة، حين استعادوا قوام أقلية كانت مجرد بقايا لهياكل واهنة لتصير جسدًا شامخًا وجسرًا وطيدًا في شرق يائس وهش. رغم من بخّس أهمية هذه المعركة، ورغم نظرات بعض من وقفوا على السياج وهم ينتظرون وقوع «المقاتلين»، سيبقى آذارنا سفيرًا للشوق وبستانًا للفجر؛ لاننا، كأبائنا، نؤمن بأنه «حين تبدو السماء رمادية، ونرى وردة نتأت فجأة من شقوق جدار، لا نقول: السماء رمادية بل نطيل التفرّس في وردة ونقول لها: يا له من نهار».
كاتب فلسطيني

 

 


نداء آذار : صوتوا

ولا تتركوا قائمتكم وحيدة

جواد بولس

 

لا نعرف ما يخبيء لنا أذار القادم مثقلًا بالتردد وبالنعاس؛ ففيه، كما أخبرنا وليده الشاعر المحمود: "مرّت أمام البنفسج والبندقية خمس بنات. وقفن على باب مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب".

لم يحسم الاسرائيليون، بعد جولتين انتخابيتين طاحنتين، خياراتهم ولم تقع قرعتُهم على أي "متياس"؛ فهل سيفعلون ذلك في الثاني من أذار المقبل ؟

يتوقع المحللون ألا يحدث تغيير لافت على نتائج الانتخابات المقبلة وأن يحافظ الحزبان الكبيران على التوازن في قوتيهما؛ ولذا نرى  كيف تطارد جميع الأحزاب جموع الناخبين كصيادين يلهثون وراء "فرائسهم" الثمينة، ويعرفون أن المعركة قد تحسم  بفوارق أصوات بسيطة جدا.

لا أعرف ماذا يجب أن يحصل، بيننا ولنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، كي يتخلى البعض، ولو من باب فائدة التجريب المسؤول، او بدافع "غريزة البقاء"، عن نداءاتهم النمطية الهرمة الداعية الى مقاطعة الانتخابات.

لقد تطرقنا في الماضي الى هذه المسألة من جميع جوانبها، وسنعود اليوم الى اثارتها مجددًا؛ لا سيما ومنطقتنا تقف على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، سيتم فيها قريبًا الشروع بصرف "صكوك" الادراة الامريكية المعطاة لحكام اسرائيل.

لا أختلف على حق الممتنعين عن التصويت؛ لكنني مقتنع ان ما يمارسونه يضر ، بسبب واقعنا السياسي، بمصالح أهلنا، ويخدم، في المحصلة السياسية العملية، قوة أحزاب اليمين الصهيوني، على جميع أطيافها الايديولوجية والسياسية.

نسمعهم، قبل كل جولة انتخابية، يرددون بيقين ويتلون علينا أيات الأمل المفقود، ويؤكدون، بثقة العاجزين، على أننا لن نصحو، نحن المصوتين العرب، على فجر جديد، بل سيبقى غدنا، بمنأى عن نتائج الانتخابات، كأمسنا، بارداً كالموت ولا يحمل ذرة من بشرى ولا بسمة من ندى للحالمين.

انها لغة الغبار ، يحدثنا بها أصحابها من دوافع عقائدية ويصرّون على أن مشاركة العرب في الانتخابات تعدّ خطيئة، أو، وليس أقل خطورة، اعترافًا بشرعية كيان ما زال في عرفهم، رغم بكاء البيارات في بيسان، باطلًا ومزعومًا.

لا يوجد مسح علمي دقيق لدوافع الجهات الداعية الى مقاطة الانتخابات، لكننا نستطيع، من باب التكهن الحذر، ان نفترض ان الفئة الأولى تلتزم بموقف "الحركة الاسلامية الشمالية" والثانية تنتمي لمجموعات غير المبالين ومعهم، في نفس الخيمة، ضحايا الخيبة من العمل السياسي والعازفين عنه، وبعدهم سنجد أتباع "حركة ابناء البلد"، على تفرعاتها القومية الاخرى، والى جانبهم مجموعات من"الزعلانين" والمحتجين ومدمني الرفض والمزايدين.

تتصرف أعداد كبيرة من الناس، التي تتفاعل مع نداءات المقاطعة، بتبعية ولائية أوتوماتيكية، فتُحجب عنهم فرصة التدقيق بنتائج "اختيارهم".

ولو سبرنا جوهر ندائهم "لا للتصويت" لوجدنا انهم ينشدون معاقبة "القائمة المشتركة" ولا يقاطعون، فعليًا، العملية الانتخابية للكنيست الاسرائيلي، كما يصرحون؛ فعدم المشاركة بالتصويت، ولو بورقة بيضاء ، يصبّ، وفق قانون احتساب الأصوات على الطريقة الاسرائيلية، في صالح الاحزاب الكبيرة التي تفوز بالمراتب الاولى؛ أي أنها، في المحصلة، مقاطعة ذات وجهين: وجه يرضي "أنا" صاحبها؛ ووجه ثان، سنجد له اسمًا في الثالث من أذار ! 

لن افند جميع ادعاءات المقاطعين، لانني، كما قلت، أرى في المقاطعة مضرة مؤكدة؛ لكنني أود التأكيد على أنني لا أصوّت بسبب ايماني الساذج "بكرم" الديمقراطية، ولا لأنني مفتون بمحاسن أعضاء القائمة المشتركة، ولا كي اسقط اليمين بضربتي القاضية، بل ببساطة، سأصوّت، كي اغرس، كما قلت من قبل: "حبتي في صدر القدر مؤمنًا أن قليلًا من الاصرار والعمل خير من نهر تنظير وأجدى من قناطير رومانسية طاهرة ؛ سأزرعها وأنا أردد نصيحة السلف الحكيم، بأضافة "ورقة" من القطران فعساها تسعف الجمل!   

وسأصوّت للقائمة المشتركة لأنني لست كآلاف العرب "المقاطعين" وهم يعيشون في فيء مواطنة اسرائيلية وينأون بأنفسهم طواعية، عن ممارسة حقهم الإنساني والأساسي في التأثير على شكل النظام الذي سيحكمهم، وعلى صورته وقوته.

أنا لن اقاطع الانتخابات لأنني لا أريد أن أؤذي نفسي؛ وأدعو الجميع الى التصويت للقائمة المشتركة؛ فكلما زادت قوتها كقائمة سيكون حجمها اكبر بكثير من حاصل مركباتها وستنقص،بالتالي، قوة أحزاب اليمين الفاشي، وستتراجع امكانياتهم بتحقيق برامجهم السياسية والاجتماعية التي يعلنونها بشكل سافر حازم.

لا ضير إن كررت مرة اخرى بأن من يصر على أن اعتبار جميع اليهود صهاينة مخطيء، ومخطيء كذلك من يؤكد على أن جميع الصهاينة سواسية؛ فهذه التعميمات مرفوضة من الناحية الاخلاقية والسياسية، وهي توازي تمامًا تعميمات العنصريين اليهود ضد العرب او المسلمين او الشيوعين وغيرهم؛ ومرفوضة لأنها تخلق بلبلة كبيرة بين الناخبين العرب وتساعد على اقناع المترددين والمتأرجحين والتائهين منهم بتبني موقف المقاطعة؛ فما دامت كل الأحزاب اليهودية متشابهة اذن، فما الفائدة من التصويت لإحداها  أو من سقوط نظام نتنياهو وحلفائه من غلاة اليمينيين والمتزمتين الدينيين؟ 

يقاطع البعض، هذه المرة، بسبب خشيتهم من موقف القائمة المشتركة ومن امكانية دعمها، بعد الانتخابات، لحزب "كاحول لافان"، في مساعيه لاقامة حكومة اذا كلفه رئيس الدولة بهذه المهمة. انه محض وهم وخيال فيّاض.

لا ضرورة  لاجراء مفاضلة بين حزب كاحول لافان وحزب الليكود كي نستنج ان المشتركة بعيدة عن كليهما؛ فيكفي ان نقرأ ما أعلنه قبل يومين في الاعلام العبري، الجنرال بوغي يعلون، وهو الرجل الثالث في الحزب، كي نعرف كم كان ظن المشككين بموقف المشتركة إثمًا؛ وأن نتيقن بأن التزاوج بين الحزبين مستحيل وحتى الخطبة غير واردة بالحسبان اطلاقًا.

ففي معرض نفيه للاشاعات التي يطلقها بنيامين نتنياهو ضد حزب "كاحول لافان" حول وجود علاقة مع القائمة المشتركة، قال يعلون بالحرف : "تنتشر بيننا ثقافة الكذب؛ فالناس تؤمن أن ثلاثة قادة أركان سيأتلفون/يتفقون مع المشتركة، وهي تدعو الى محاكمتهم كمجرمي حرب". ألم يقطع "بوغي" كلام كل غيور خائف أو مشكك أو مزايد ؟  

كثيرون راجعوا مواقفهم ازاء المقاطعة وغيّروها؛ ولقد لفتت انتباهي، بهذا الخصوص، نصوص الصديق، الأسير السابق امير مخول، التي وصف فيها، بشجاعة وبنبل وبمسؤولية، كيف ولماذا قرر التصويت ودعم القائمة المشتركة  بعد ان كان لسنين عديدة من دعاة مقاطعة الانتخابات.

لقد امضى أمير فترة تسعة أعوام في سجون اسرائيل بسبب ادانته بتهم  امنية؛  ولقد افرج عنه مؤخرًا، فكتب عن تجربته وعن خلاصاتها التي يمكن ان تحتذى،  لأنها أوصلته الى قناعة "ألا ننتظر من سينقذنا من العنصرية الفاشية الزاحفة، بل يجب أن نسعى الى أن نكون أقوياء لدرجة لا يمكن المس بحقوقنا وبوجودنا .. فقوة المشتركة هي جزء ومركب هام في تعزيز حضورنا فوق عنصريتهم.." .

أمير ليس وحيدًا، فانتظار العجائب ترفٌ أجازته الاساطير للحالمين فقط؛ ونحن، كي ننجو، لا نملك "خيط الأميرة أريان" ولا أحد منا يقبض وحيدًا، على ناصية اليقين؛ فعلينا ان نعرف متى وكيف نغفو على خصر زهرة ياسمين، ومتى نصحو قبل قدوم قايين. 

لا نعرف ماذا يخبيء لنا أذار القادم على السنة الرماح؛ فلندعه بسلام، من دون أن تجفله حماقاتنا لأن فيه " تأتي الظلال حريرية، والغزاة بدون ظلال، وتأتي العصافير غامضةً كاعتراف البنات وواضحة كالحقول.."  ولنترك حساباتنا مع قادة غفلوا ، اذا غفلوا،  الى ما بعد ركود الغبار وقبل هبوب العاصفة ونزول أول المطر.    

إسراطينيات

جواد بولس

 

«عنزتان» الصفقة والمثلث

شاركتُ قبل ثلاثة ايام في ندوة عن «صفقة القرن» دعا إليها معهد «فان لير» الذي يعمل في القدس الغربية كمركز للدراسات المتقدمة والحوار الفكري العام؛ أبدى فيها كل واحد من المشاركين رأيه حول محورين أساسيين اقترحهما المنظمون كأطار عام لحصر النقاش ولنجاعته.
فكيف يجب أن تصنف الصفقة، وهل ستضاف قريبًا إلى ما سبقها من وثائق طواها الزمان؟ ورغم رفضها فلسطينيًا، هل ما زالت هنالك فرص لاستخراج ما هو جيّد منها؟ وهل تعكس هذه الوثيقة ميزان القوى العالمي بشكل حقيقي؟ ثم، ما هي السيناريوهات المتوقعة، إذا ما افترضنا أن الوثيقة أرست قواعد لعب جديدة؛ أهمها نسف إمكانية الحل على أساس الدولتين، وفق جميع القرارات الدولية المعترف بها عالميًا؟
لا مجال للتطرق بالتفصيل إلى جميع محاور النقاش، الذي امتد طوال ثلاث ساعات، ولا إلى مادته الغنية؛ لكنني أرغب بمشاركة القراء العرب ببعض ملاحظاتي العامة عن كيف تناول المشاركون، وهم جزء من نخب المثقفين الاسرائيليين، هذه المسألة ومن أي منطلقات وهواجس؛ مع التأكيد على أن المنصة كانت مفتوحة لأي رأي وتحليل، بدون أية ضوابط على حرية التعبير.
انشغل معظم المشاركين اليهود بتفكيك مضامين الوثيقة، وبمحاولات لتفسير دوافعها وأهدافها، وتأكيدهم على متانة العلاقات بين الرئيس ترامب ورئيس الحكومة نتنياهو، وما يمثلانه سياسيًا؛ ومع انهم اختلفوا حول بعض التفاصيل والمفاهيم غير الجوهرية، تبين انهم يتعايشون، بدرجات متفاوتة، مع مضامين الوثيقة، ويعتبرونها بمثابة «الحدث المؤسس» في منطقتنا. وقد تقبلها بعضهم عن رضا وعن قناعة دفينة بجدواها، رغم ما أبدوه من «أسف» صوري على ما سببته من وجع للفلسطينيين؛ وبعضهم عبروا عن استيعابها، على طريقة «المثقفين النخبويين» الذين يهادنون الريح إذا ما حركتها أمامهم آلهة لا ترحم ولا تسامح. لم اتوقع غير ذلك، فإسرائيل اليوم تعيش في قوقعة مُحكمة تصهر جميع من في داخلها؛ تمامًا كما اتضح من أجواء هذه الندوة، التي كان من الممكن أن تكون مختلفة. لقد تبين أن الأكثرية الساحقة من المشاركين ومن الجمهور لا يعترضون مبدئيًا على ما سمي مغالطةً «بالصفقة»، ولم يعبروا عن أي تخوف من تبعاتها في المستقبل؛ حتى عندما حاول أحدهم أن يبدو موضوعيًا وجدناه يمارس «أكاديميته» وفق دور «المستعمر المتنور»، الذي يحترف إسداء المشورة، من عليائه للفلسطينيين، وينصحهم كيف يجب أن يتعاملوا مع الحدث «بحكمة»، إذ قد يستفيدون منه «بشيء ما» في المستقبل!
كنت مشاغبًا على نحو ما ومستفزًا بقدر أكبر؛ فحاولت أن أقلب «عملتهم» إلى وجهها الإسرائيلي حين قلت: إننا نعرف لماذا على الفلسطينيين معارضة هذه الوثيقة/الصفقة، ولماذا عليهم مقاطعة جميع تفاعلاتها وتداعيتها؛ لكنني، تساءلت، لا أعرف ما هو موقفكم الواضح ازاءها؟ أو لماذا سيعارضها المواطن الاسرائيلي المستفيد من دولته القوية، ومما توفره له من رخاء ومن مستوى معيشة مريح؟
الوثيقة هي تتويج لعمليات تتداعى في منطقتنا منذ سنين، والاتفاق على إخراجها، في الوقت والمكان المحددين، جاء لأسباب فنية تخدم نجميها، ترامب ونتنياهو. كانت تفاصيلها مختمرة منذ زمن، فبعد أن تفككت بنى معظم الدول العربية، ودخلت أنظمتها في حيزات منظومات الحراسة الأمنية الاسرائيلية والامريكية، وتحت رحمتها؛ وبعد أن تناثرت المنظومة الإسلامية وتشظت شعوبها إلى ملل ونحل؛ وبعد أن استفحل الفراق بين الفلسطينين وعظمت البغضاء، وثبت نظام الإمارات وطلاق غزة وابتعادها عن حضن رام الله والقدس؛ وبعد أن راهنت القيادات الوطنية، لأكثر من عقدين، على دور أمريكا فقط، وعلى نواياها، لم تعد هنالك موانع من تقطيع ما تبقى من الجسد الفلسطيني وسحقه تمامًا؛ فهذا ما تحاول هذه الوثيقة إنجازه، وهي، بهذا المعنى، ليست أقل من صك استسلام يحاول «امبراطور هذا العصر» املاءه على الفلسطينيين المهزومين، تماما كما تعلمنا من تاريخ الهزائم والانتصارات في حروب الامم.
سيبقى جديد هذه الوثيقة، إذا ما استبعدنا تفاصيلها المتعلقة بالحل الكراكوزي المقترح للفلسطينيين، في أنها أرست مبدأين خطيرين قد يفضيان قريبًا أو لاحقًا، إلى نتائج وخيمة على المنطقة، بما في ذلك على إسرائيل وعلى مواطنيها العرب واليهود.
فاعتراف الإدارة الامريكية بأن مرجعية الحق اليهودي في أرض اسرائيل تعود إلى وعد السماء، كما جاء في التوراة، يقود عمليًا إلى تحويل الصراع في منطقتنا إلى صراع ديني فحسب، وكلنا نعرف ما هي مقاسات الصراعات الدينية، وكيف مقيّض لها أن تنتهي أو ألا تنتهي. وإصرار الإدارة الأمريكية على تحييد دور المواثيق والمنظمات الدولية، وشطب مكانة المجتمع الدولي، وما أرسته الأمم من حقوق للشعوب، وقواعد تحترم القيم الإنسانية العالمية، والانزلاق إلى اعتماد قاعدة واحدة تقر بحق القوة فقط، سيعيد، بشكل طبيعي وتلقائي، أصول الصراع إلى مربعها الأول، ولن يترك للفلسطينيين وللعرب إلا الانسحاب من جميع الاتفاقات، وإلغاء ما كان مقبولا عليهم منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا، وغير ذلك يعني قبولهم بالاستسلام. تشير كل التوقعات إلى سيناريوهات مقلقة جدًا، خاصة في ما يتعلق بمصيرنا، نحن، المواطنين العرب في إسرائيل. فمن المؤكد اننا سنكون من ضمن من سيدفعون فاتورة هذه الرؤى الجهنمية قريبًا، وليس فقط لأننا حظينا «بلفتة» خبيثة في الوثيقة، التي تبنت سياسة إبعادنا بداية من منطقة المثلث، بل لأن وجودنا يشكل لدعاة إسرائيل الكبرى أكبر عائق ملموس في وجه مشروعهم النهائي، وهذا سيستدعي، وفق سياساتهم الاقتلاعية، التخلص وتطهير الأرض منا.
سمعت تصفيقًا خافتًا في القاعة، عندما حضضتهم على أن يصحوا من سكرة عنجهيتهم، وأن يعودوا إلى رشدهم. سألني أحد الحاضرين إن كنت لا اعتقد بأن إدخال فقرة المثلث لم تكن على طريقة تلك «العنزة» التي أدخلت إلى البيت كي تشغل بال أهله الفقراء عن مصائبهم الأخرى. قلت له ربما تكون فكرته مسلية وجائزة، ولكن ليس ونحن، هذه المرة، العنزة، فاليمين لن يتنازل عن أرض المثلث، ولا عن أي أرض غيرها، ولذلك نحن نفهم أن المشروع برمته هو عملية طرد مقنّع بأحبولة مكشوفة تبناها نظام عابث بقيم الإنسان والوطن، وحكومة تعتبرنا في أحسن الأحوال «إسراطينيين».

عندما أراد الشاعر فرنسيس أن يحرق المغني فرنسيس

استمعنا بصوت الشاعر الغنائي اللبناني، نزار فرنسيس، وقرأنا على صفحته، كلامًا هابطًا لا يليق بمن يحترف صناعة الفرح، ويحاول نحت الحروف تماثيل للجمال.
لا أعرف من غرر به ودفعه إلى ذلك المنزلق؛ ولولا ما نكأه هجومه الحاقد من جروح عميقة في جسد قوم يقاومون من أجل بقائهم بكرامة على أرض أجدادهم ويدفعون عنهم، في الوقت نفسه، مظالم «الأشقاء» وخناجر «أقرباء» يتعمدون معاملتهم «كإسراطينيين» – لما تطرقت إلى هذا الموضوع ولا أعرته أدنى اهتمام؛ ولا تناولت الجانب القانوني لمثل هذا التطاول، ولا بأيّ حق يدّعى.
ستبقى الأبعاد الشخصية للأزمة ثانوية وعابرة؛ فالتطاول على الفنان المغني زهير فرنسيس لم ينل من مكانته اللافتة، ولا من تقدير محبيه في البلاد وأبعد، ولن يضيره لو رضي عنه نزار أم لم يرضَ؛ ولكن أغاظني استسهال التهجم على فلسطيني «أسير» لا يستطيع مواجهة القذع بندّية متكافئة ومنصفة، ولا أن يرد على من يهدده بالحرق ويغرقه بأوصاف يندى لها الجبين. لقد شعر كثيرون مثلي بالإهانة من هذا الأسلوب المتعالي والمستفز فأحسسنا، مرة أخرى، كم أنتم، في بلد الطوائف، بعيدون عن عروبتنا الأصيلة والحقة، ومبتذلون في مشاعركم المغناة.
سيبقى زهير فرنسيس وجميع فنانينا ومبدعينا، أحفاد «أبي سلمى»، نقوش وشم على جبال الجليل، وستبقى أصواتهم خضرة على سفوح الكرمل لن تستطيع، مهما حاولت، أن «تعد وأن تحرق اوراقها».
كاتب فلسطيني

 

 

عندما بكت «عدالة»

في المحكمة العليا الإسرائيلية

جواد بولس

 

أجازت «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية في التاسع من الشهر الجاري ترشيح النائبة هبة يزبك ضمن لائحة «القائمة المشتركة» الانتخابية، في الانتخابات المقبلة للكنيست الإسرائيلي، في قرار صاخب ولافت، شارك في صياغته تسعة من أعضائها، حيث اصطف خمسة قضاة منهم لصالحها، في حين عارضهم أربعة، برزت من بينهم رئيسة المحكمة استر حايوت.
تستحق تداعيات هذه القضية مراجعة شاملة ومستفيضة؛ فهي، بنظري، تثير جملة من التساؤلات الخطيرة حول سلوكيات معظم القادة السياسيين الناشطين بيننا، ومعهم عدد من مؤسسات المجتمع المدني وجمعياته «غير الحكومية»؛ وتكشف، في الوقت نفسه، عمق الهوة القائمة بين «الحقيقة الفوقية» الزائغة، وما يستهلكه الناس من بضاعات سياسية تلقّم لهم بنمطية مدجِّنة.
يقدم «عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل» خدمات قانونية جليلة للمجتمع العربي في الدولة؛ وهو يقوم بمهماته وفق استراتيجيات عمل متوافق عليها مع موكليه؛ لكنه يبقى، كما يتضح من اسمه، ذا مكانة عامة مميزة، تمنحه قوة تأثير كبيرة يجب إخضاعها، من حين إلى آخر، للمناقشة الواسعة والتقييم، بمسؤولية ومهنية وموضوعية. قام المركز بتمثيل النائبة هبة يزبك أمام محكمة العدل الإسرائيلية، بعد أن قررت لجنة الانتخابات العامة شطب ترشيحها، بتهم مستفزة مثل دعمها للكفاح المسلح ضد دولة إسرائيل. أرفق المركز بالالتماس تصريحا مشفوعا بقسم النائبة، حاولت فيه دحض التهم الموجهة إليها، بعد أن طالبها المستشار القانوني للدولة بتوضيح مواقفها أزاء مسألة استعمال العنف، والحق في استعمال الكفاح المسلح، وموقفها من قضية قتل الجنود الإسرائيليين. رفض المستشار القانوني للحكومة، بعد اقتناعه بتوضيحات النائبة وتبريراتها، تأييد شطبها من الترشح ضمن القائمة المشتركة، وعبّر عن موقفه الداعم لترشيحها، أمام المحكمة العليا.
استعرض التماس «عدالة» رزمة من الادّعاءت القانونية العامة، ودعّمها بمواقف النائبة التي أوردتها في تصريحها، وأتت فيه على تفنيد «التهم» التي وجهها لها أعضاء الأحزاب اليمينية.
رغم أهمية مناقشة تداعيات القضية وانعكاساتها على حياتنا اليومية، لاسيما على علاقتنا بجهاز القضاء الإسرائيلي، وما يتعلق بأخلاقيات العمل السياسي بيننا، قررت ألا أتعرض لها بالتفصيل في هذه المقالة؛ لأنني، ببساطة، أخشى من تأثير مناقشتها السلبي على»شهية» الناخبين العرب، الضعيفة أصلًا، على الاقتراع، رغم أننا على مسافة عشرين يومًا فقط من موعد الانتخابات. لن يختلف اثنان على أن الجهاز القضائي في إسرائيل، وعلى رأسه المحكمة العليا، عملوا بشكل واضح كأدوات تخدم بمنهجية سياسات الدولة القمعية ضدنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل. ولئن مارست تلك المحاكم، في الماضي، عنصريتها ضدنا بنوع من الخبث والحذر، نجدها، منذ سنوات، تفعل ذلك بسفور وبدون أقنعة، وبلا مساحيق تجميل.
لم أكن أنا شخصيًا بحاجة لقراءة قرار المحكمة، المكون من ثمانين صفحة، كي أخلص إلى أننا نلهث على خطوط النهاية المدوّية؛ أو أننا نختنق، عمليًا، في بطن الحوت، وليس كما جاء في تعقيب «مركز عدالة»، المكتوب بأدب ودبلوماسية حريرية، فحسب؛ إذ صرحوا، بأنه رغم «المصادقة على ترشح النائبة يزبك، بفارق صوت واحد، فإن رأي أقلية القضاة في الحكم القضائي يثير قلقًا شديدًا، إذ أنه لا يكترث بالأسس التي تم تحديدها في سوابق قضائية منذ 20 عامًا، ويضع مستقبل التمثيل السياسي للمواطنين العرب في خطر»!

لمركز «عدالة» مكانة مميزة، تمنحه قوة تأثير كبيرة يجب إخضاعها للمناقشة الواسعة والتقييم، بمسؤولية ومهنية وموضوعية

وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد اعتمدت، في قرار شطبها، على مجموعة «بوستات» كانت قد ألصقتها النائبة يزبك، خلال سنوات سابقة، في مناسبات مختلفة على صفحتها الخاصة؛ ومنها مثلًا ما نشرته بعد اغتيال الأسير المحرر سمير قنطار، وآخر استذكرت فيه روح الشهيدة دلال المغربي. واعتمدت اللجنة كذلك على بعض تصريحاتها الاعلامية التي جرى توظيفها، بوقاحة من قبل اليمين، لتظهر وكأنها تدعم فيها قتل الجنود الاسرائيليين – فتبنتها اللجنة. لن أتطرق إلى حيثيات القضية، كما تقدّم في البداية، لكنني أود أن أؤكد على أن الوضع أخطر بكثير مما تحاول «عدالة» أن تصفه؛ فقرار المحكمة برمته ينذر بالأخطر، وهو يعرّي على الملأ آخر درجات هاويتنا الوشيكة، وليس فقط «مستقبل تمثيلنا السياسي»، كما جاء في بيان مركز عدالة. فالقضية، برأيي، لا تقف عند ما كتبه «قضاة الأقلية»؛ والمصيبة لا تختصر «بمشاعر القلق» التي تحدثوا عنها؛ فمن مثل»عدالة» تعرف الحقيقة، ومن مثل محاميها يستطيع تقدير حجم القرابين التي قدمتها النائبة يزبك، أمام القضاة، على مذابح المبدئية والحق؛ كي لا تنزع الشرعية «عن وجودنا وتاريخنا وسياقاتنا وتجريمها» وذلك كما صرحت هي، بوجع، بعد أن «انصفها» عدل مقصلة إسرائيل المخاتل.
لا أكتب كي أزايد على أحد؛ فقد قلت قبل ثمانية أعوام، عندما شطبوا ترشيح النائبة حنين زعبي، زميلة هبة في حزب التجمع، ثم «أنصفها» «سيف صهيون»، أننا نعيش في حالة « أنوماليا» رهيبة، نكون فيها مجبرين على التماس العدل من «ظبية» الجلاد، وعلى دفع أثمان العاجزين الذين تكون أحلامهم «ورطات» وتصير أصباحهم أكوام سراب. لقد أهبت، منذ سنوات، بفلسطينيي الأراضي المحتلة، أن يقاطعوا المحكمة العليا الإسرائيلية؛ فهم، كشعب يرزح تحت الاحتلال، غير مجبرين إلى اللجوء اليها مثلنا؛ أما نحن، المواطنين في الدولة، فمن حقنا أن نطالبها بالعدالة وبالمساواة وبالعيش بكرامة وبأمان.
تضيق الهوامش أمامنا وتوصد جميع المنافذ؛ ولا يشذ عن ذلك جهاز القضاء وعلى رأسه المحكمة العليا، التي هاجمتها وسكنتها قوى الظلام؛ فيكفي أن نقرأ سير قضاتها الحاليين، لنتنبأ بأحكامهم الأكيدة، تمامًا كما حصل في قضية النائبة يزبك. لن اتطرق إلى تناهيد الوجع، كما نطقت بها الكلمات وتلقفها كل واحد من القضاة التسعة؛ لكنني أعرف أن ما كان صحيحًا قبل 20 عامًا لم يعد صالحًا في زمن الجراد؛ واعرف، كذلك، بعد أن قرأت قرار القضاة، انه لولا اللجوء إلى سحر «الحيلة» ولبسها، لما ابتلع «قضاة الأكثرية»، طوعاً، حبة الوهم، ولما قبلوا أن تتحول دلال المغربي من عروسة الشهيدات، ورمز المقاومة الفلسطينية إلى وسيلة ايضاح استحضرها ذلك «البوست» كرمز مجازي لدور المرأة في يوم عيدها العالمي؛ ولولا الاحتماء في إشراقات التبرير وعبثه، لما قبل حكماء «الاوليمب» أن يُجدل وعد سمير قنطار محرمة بيضاء على عصا رفعت على صفحاتنا الفيسبوكية احتجاجًا ضد الاغتيالات السياسية.
هذا القرار أكثر من مقلق فهو موجع ومستفز. لكن لتيه العرب في اسرائيل أثمان، ولدخولهم إلى «قصر المواطنة» شعاب وحيَل؛ فنحن، هكذا تكلمت ابنة الحكمة الفلسطينية باسم «التقية» في معابد بني صهيون، نؤمن بحق الشعوب أن تعمل من أجل حريتها، ونؤمن أيضًا أن لكل شعب حقه في تقرير مصيره؛ لكننا نفرق، صدقوها أو لا تصدقوها، بين هذا الحق ودعواتنا لتحقيقه عن طريق القتل والعنف الذي لا نرضاه بحق أي شخص، كان من كان؛ سواء كان جنديا ببدلته العسكرية أو بدونها، أو كان مجرد مدني. لقد صدقها خمسة قضاة، وأربعة، لا يحبون السحر، سينتظرون العدل مثلنا في آذار.
كاتب فلسطيني

 

 

بين ترامب وفيلم: "الباباوان"

جواد بولس

 

لم أتوقع عندما اخترت مشاهدة فيلم "البابوان" كم سيكون تأثيره شديدًا علي.

 لست ناقد أفلام ولن أكون؛ لكنني أنصح مَن ما زالوا يعشقون هذا الفن أن يذهبوا لمشاهدته، وأن يصغوا جيدًا للحوارات التي دارت بين بطليه، الممثّلين القديرين: انتوني هوبكنز وجوناثان برايس.

تستعرض أحداث الفيلم، بشفافية لافتة، جملة من السجالات والجدالات التي عصفت بالكنيسة الكاثوليكية بعد وفاة البابا يوحنا بولس الثاني عام 2005 ، وبعد انتخاب الكاردينال المحافظ والمتزمت كنسيًا، جوزف راتسينجر ، خلفًا له، ليصبح فيما يلي البابا بنيديكتوس السادس عشر.

كان فوز البابا بنيديكتوس على منافسه، الكاردينال الارجنتيني خورخي برغوليو، المعروف ببساطته وباعتداله وبابتعاده عن الطقسية المتزمتة، بفارق صوتين فقط؛ حيث كشفت هذه النتيجة، عمليًا، عن وجود أزمة جدية داخل أروقة الفاتيكان، واثبتت لمن لم يقرّ بذلك على أنّ مفهوم المسيحية، كنسيًا وايمانيًا، حتى بين قادة تلك الكنيسة وبين أتباعها ، متفاوت بدرجات كبيرة، قد تصل أحيانًا حد النقيض إلى النقيض.

تستحضر احداث الفيلم محطات هامة من التاريخ ودور "بطلي" الفيلم فيها ؛  ففي السبعينيات من القرن المنصرم حكمت الأرجنتين طغمة عسكرية فاشية، لاحق قادتها الرهبنة اليسوعية التي كان يقف على رأسها الكاردينال برغوليو، والذي فشل، كما يعترف هو أمامنا، بالدفاع عن الشعب وعن زملائه الكهنة، فعاش نادمًا على قصوره ومعذبًا من ضميره الذي لم يغفر له ، ولذا فقد التقى البابا بنديكتوس ليقدّم له استقالته.

ولقد تناقش الرجلان حول مفهوم الخطيئة والغفران، وحول مكانة الكنيسة وعلاقاتها مع الناس والحكام والبسطاء؛ وتحاورا حول معنى السعادة وجدارة افناء الذات، وحول الموسيقى والرقص والحب والغناء.

كان الحوار شيقًا لكن البابا بنديكتوس رفض في نهايته طلب استقالة زميله.

لم يقدّر ابن الارجنتين ما كان وقع تلك المحاورات على قلب وعقل رئيسه؛ الى أن فاجأه هذا الأخير حين أخبره بقرار اعتزاله البابوية وبتصميمه على دعم ترشيحه هو ليصبح البابا الارجنتيني الأول.

تنتهي القصة باستقالة البابا بنديكتوس في بداية العام 2013 - وهو حدث لم يسبق له مثيل إلا قبل ستمائة عام - وبانتخاب مطران البساطة والعفوية والتواضع، الارجنتيني خورخي برغوليو، ليصبح فيما يلي البابا فرنسيس.

لم يحدث هذا إلا بعد ان سمعنا البابا بنديكتوس وهو يعترف بأنه أخطأ فعلاً حين غطى على أفعال زمرة من الكهنة الذين تورطوا في عمليات فساد وفي ممارسة اعمال الفسق الجنسي خاصة مع الاطفال؛ وبعد أن عاد، كبابا مستقيل، الى ممارسة حياته اليومية بانسانية طبيعية في الفاتيكان، كما ترينا نهاية الفيلم.

لا غرابة على الاطلاق بأن أستعير رسائل فيلم سينمائي، شبه وثائقي، وأن ألجأ إلى مَجازاته وأنا أكتب عن هموم فلسطين، خاصة بعد نشر وثيقة ترامب التي اعتبرها بعض المغرضين انها نطقت باسم المسيحية، وهذه من ذلك كله براء؛ فانا لا أكتب هنا دفاعًا عن المسيحية بل من أجل فلسطين ومستقبلها.    

لا مجال في هذه المقالة لوضع قائمة باسماء جميع الكنائس في العالم التي تدعم حقوق الفلسطينيين ويصلي كهنتها واتباعها من أجل ازالة الاحتلال الاسرائيلي؛ ويكفي ان يتابع القراء بهذا الخصوص تاريخ حاضرة الفاتيكان، وهي المؤسسة المسيحية الكبرى في العالم، كي يعرفوا الحقيقة ويعترفوا كما أتمنى، بأهمية تجنيد هذه الجهات لصالح القضية الفلسطينية.

قد تكون زيارة وفد المطارنة الكاثوليك المكوّن من أربعة وثلاثين مطرانًا لفلسطين، بالتزامن تقريبًا مع الاعلان عن وثيقة ترامب، مفارقة حصلت "بترتيب الهي" لتبعث في نفوس الفلسطينيين بعضًا من الأمل ولتظهر لهم آفاقًا يجب الاستثمار فيها؛ ليس فقط كتعويض عما خسرته فلسطين من مواقف تبناها ذوو القربى، بل لتنبيههم أيضًا بوجود عالم آخر  لم يعطَ حقه ولم نستفِد، نحن في فلسطين، من تأثيره الايجابي والعملي كما يجب.

أصدر الوفد بعد زيارته بيانًا سياسيًا هامًا، أشار فيه الى ما شاهده اعضاؤه بأعينهم من ظلم ضد الفلسطينين الذين يعيشون في بؤس صارخ؛فحذروا من خطورة ضياع الأمل الفلسطيني وما قد يفضي اليه هذا الضياع من مآسٍ وحروبات؛ ودعوا حكومات بلادهم وشعوبهم الى العمل من أجل تطبيق القانون الدولي وإلى السير على خطى الكرسي الرسولي في الاعتراف بدولة فلسطين ورفض الدعم المادي والسياسي للمستوطنات الاسرائيلية.

 ومن الجدير في هذا السياق الإشارة الى انه في العالم اليوم يوجد عدد كبير من الكنائس التي أعلنت عن مواقف متقدمة جدًا تجاه القضية الفلسطينية، فعلاوة على تضامن إكليروساتها ورعاياها مع المطالب الفلسطينية بالاستقلال وببناء الدولة، نادوا، كذلك، بضرورة الحجيج الى فلسطين وزيارة الاراضي المحتلة ومشاهدة الظلم عينيًا، لا بل سنجد أن بعض تلك الكنائس قد بادرت الى سحب استثماراتها الماليه من صناديق شركات أو من مشاريع ثبُتت علاقاتها مع المستوطنات.

 

لقد تضمّنت وثيقة ترامب عدة محاور ومواقف منحازة بشكل واضح وكامل لصالح اسرائيل؛ فلم يقبلها الفلسطينيون، لا جملة ولا تفصيلا، وتحفظت منها دول عربية وانتقدتها جهات دولية عديدة وبعضها عارضها بشكل لافت.  

مواقف هذه الادارة كانت معروفة للجميع ودوافعها كذلك؛ فعلاوة على تطابق المصالح السياسية والاقتصادية بين النظامين الأمريكي والاسرائيلي، كانت المفاهيم الايمانية الدينية السائدة بين الاوساط الداعمة لترامب ومجموعته عنصرًا هامًا في تجيير القرارات السياسية الأمريكية، بشكل غير مسبوق، لصالح الرؤى الاسرائيلية الدينية الغيبية والقومية المتطرفة، خاصة في كل ما يتعلق بمسألة الحق الالهي المعطى للشعب اليهودي وسيادته الأبدية على ارض فلسطين.       

قد تكون هذه الجزئية من أبرز ما نضح من خطبة ترامب، فتأكيد الوثيقة على أسبقية الحق اليهودي يعود لمرجعية ذلك الحق التوراتية أو الالهية وبهذا المعنى تكون الوثيقة، في الواقع، قد نقلتنا الى مرحلة جديدة أخضعت فيها الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لقوانين الصراعات الدينية واستبعدت كونه صراعًا سياسيًا، قد يكون أحد أبعاده ذا أنساغ دينية وايمانية. 

لم يتأخر رد المنابر العربية الاسلامية على موقف الادارة الامريكية المذكور، فما أن  انجز ترامب "صفعته" حتى انبرى الخطباء في عواصم العرب بالتأكيد على ان أرض فلسطين هي وقفية اسلامية لا يفرّط فيها، ولا يتنازل عنها لأي كان؛ وهي، بهذا المعنى، حق اسلامي الهي لا يجاريه أي حق آخر .

لقد تطرقنا في الماضي الى الخطورة الكامنة في تبني هذا المنحى وحذرنا مرارًا ان اصرار  بعض العرب على حصر النزاع ببعده الديني فقط وبكونه صراعًا بين حقين الهيّين مدَّعَين، سيضرّ بالمصلحة الوطنية الفلسطينية لأنه يعطي المتطرفين اليهود وحلفاءهم ذريعة لتحقيق مآربهم، خاصة في زمن تميل فيه موازين القوى العالمية لصالحهم، كما هو حال واقعنا في هذه الأيام.

ولقد انتبهت القيادات الوطنية الفلسطينية لهذه المسألة وأصرت، وما زالت تصرّ، على ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو صراع سياسي يقف فيه المعتدون والظالمون من جميع الديانات في خندق واحد، بينما يقف احرار العالم ضدهم في خندق واحد ايضًا. ورفضت وترفض القيادة الوطنية الفلسطينية مواجهة ترامب وحلفائه بسبب مسيحيّته أو لكونه "صليبيًا"، كما ينعته الكثيرون؛ وذلك لان تبرير  عدائيته للفلسطينيين بهويته الدينية هو اجتهاد خاطيء وغير مجدٍ، ولأن المسيحيين في العالم، مثل جميع اتباع الديانات كلها، لهم مواقف سياسية مختلفة؛ ولأنّ الكثيرين منهم يدعمون فلسطين وحق شعبها في العيش بكرامة بدولة حرة مستقلة.

ولنا في حياة الباباوين اعلاه، عبرات وعبر.

يتبع  ..

 

 

مشاهد من

ضياعنا في مثلث ترامب

جواد بولس

 

حاولت ألا أكتب الآن عن صفقة القرن؛ فالصحافة المحلية والعالمية ومعظم المنصات الإعلامية ووسائل التواصل على أنواعها، تفيض، جميعها، بالآراء وتغرق بالتحليلات والتعليقات، التي ترهق القراء والمتابعين.. على قلّتهم المفضوحة.
لم أتمالك نفسي؛ إذ شعرت بحالة من الغضب الإنساني الحقيقي، مثل ملايين المشاهدين، الذين تابعوا إعلان الرئيس الأمريكي واستمعوا إلى لغة جسده وهو يتلو تفاصيل وثيقته بلذة ظاهرة، وبانحياز سافر ومستفز.
لم أصغِ بانتباه في بعض اللحظات إلى المضامين، ولم أدقق في أبعادها السياسية، وفي ما تخفيه الحروف وتلوّنه النوايا؛ فوقع المشهد برمته كان ساحقًا لكل نفس حرّة، ونبر الرئيسين، ترامب ونتنياهو، كان يستحضر رعونة التاريخ الذي كتبته، بمحابر من دم، عنجهيات قادة سطاة لم تعقهم حكمة الندم الخالدة، بأنّ الدهر ذو دول.
أجرى الكثيرون مقاربات لافتة بين هذه الصفقة وبعض المحطات الفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية، وصراعها الطويل مع مطامع الحركة الصهيونية؛ فكان أبرزها تلك التي شبّهت وعد «ترامب» الحالي بوعد «بلفور» الشهير، بوصفه الوعد المشؤوم. لا فرق أن كانت هذه المقارنة صحيحة من الناحية التاريخية والعلمية؛ فهي، لمجرد حضورها بهذه القوة في أذهان بعض النخب وعامة الناس، تشكّل برهانًا قويًا على أننا، كفلسطينيين، ما زلنا رهائن للمخاضات العسيرة نفسها، وضحايا أكيدة لانتكاسات محتملة جديدة؛ وأننا رغم جميع انتصاراتنا الصغيرة أو الكبيرة، الصحيحة أو الوهمية، لم نخرج بعدُ من رحم المأساة، بل قد يكون ما يخفيه لنا هذا الزمن الأرعن من ولائم، أفظع وأوخم. سيُكتب عن هذه الأيام الكثير، وسيختلف المؤرخون والسياسيون حولها، تمامًا كما اختلف الذين قبلهم وتقارع مَن كان يقف خلف «المفتي» ومَن ضده؛ وقد لا تعرف أجيال الغد، بعد وفاة الجنود، من هو المنتصر؛ وستبقى الحقيقة حول فلسطين المشتهاة، كما كانت منذ أكثر من قرن، ذات وجهين، أو كسنونوة تائهة تفتش عن وطن.
حدّقت في تعابير وجه ترامب وهو يستشهد بعدل ربّه وبوعود السماء؛ وفتشت عن وداعة المسيح في كلامه وعن تواضعه، وعن ذلك «الراعي» الذي وقف مع المساكين والفقراء ونافح الطغاة، فلم اجد إلا «بيلاطس»، وأصغيت لكلامه، فلم أجد «ابن الإنسان» هناك، وتيقنت، مجددًا، من أن دين الظالمين واحد، وكذلك ربهم.
لوهلة تمنيت لو كنت أمامه لأتلو على مسامعه ومسامع من حضروا تراتيل الناصرة والقدس وبيت لحم، ولأذكره بما كتب، قبل ألفي عام «لوقا الأنجيلي» عن الفرق بين أنين دمعة قلب كسير، وبريق دموع «العشّارين»؛ فعندما اقترب يسوع الفلسطيني ورأى أورشليم/القدس، بكى عليها وقال: «ليتك اليوم تعرفين مصدر سلامك، لكن ذلك مخفي عن عينيك الآن. ستأتي عليك أيام يبني فيها أعداؤك الحواجز حولك. سيحاصرونك ويضغطون عليك من كل الجهات. سيدمرونك أنت وأهلك، ولن يتركوا حجرًا على حجر داخل أسوارك..».
كانت تلك مجرد أمنية رمادية سكنتني في حالة قهر عبثية؛ فأنا أعرف أن «مسيح» ترامب لا يشبه ذلك «الفادي»، الذي جاء من أجل خلاص البشر، ولوحق وتعذب وبكى، كما أفادنا «لوقا» بنصه الجميل، الذي سيبقى الشاهد على أن «الحجارة» والدول قد تسقط مرّة بعد مرّة؛ ولكنْ «ذو الحق يبقى ويبقى حقه أبدًا.. لا، لست يا ظلم أقوى منهما أبدا»، كما أنشدنا أبو الحكم، شاعر قانا الجليل جريس دبيات.

مشهد التشاؤم

رغم الغضب الذي أظهره الكثيرون ازاء ما شاهدوا في مسرحية البيت الأبيض، وما سمعوه مثلي، اكتفى بعضهم بتتفيه مبسّط للحدث، وبإسداء النصيحة لنا، ألا نعير مضمون الوثيقة أي اهتمام؛ فمصيرها، هكذا أكد لنا «أنبياء السراب»، سيكون حتما «مزبلة التاريخ». في المقابل عبّر غيرهم عن قلقهم الكبير ازاء ما قد تفضي إليه هذه المقترحات، لاسيما وقد استحضرت تفاصيلها، كما قلنا، تداعيات وعد بلفور، الذي أفضى إلى أقامة دولة اسرائيل بعد أقل من ثلاثة عقود على اعلانه؛ هذا علاوة على أن هذه الوثيقة قد أُعدّت، على الطريقة الأمريكية، وحيكت بخبث وبدراية في ظل ترحيب ودعم وتفهم وصمت وتواطؤ دول كثيرة، وبضمنها معظم الدول العربية والإسلامية، وبعض الدول التي كانت تعد حليفة لفلسطين.
حاولت أن أتصرف بنضوج، وألا أظهر غضبي الشديد؛ لكنني لم أنجح بإخفاء قلقي بعدما أحسست بحزن ابنتي، وثورة صاحباتها؛ فقد نشأن في حضن حلم بشّرهن بمستقبل وردي فصحون على «صفعة» أعادتهن إلى عوالم التيه واليأس. اتسمت نقاشاتهن بوعي مطمئن، وحملت كثيرًا من الوجع. أصغيت إليهن ولفت انتباهي إجماعهن على أن من أخطر ما ورد في الوثيقة بالنسبة لنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، هي تلك الفقرة التي تحدثت عن إمكانية التبادل الجغرافي، وتطرقها بوضوح وبالتفصيل إلى إمكانية إتباع مناطق واسعة من «المثلث» إلى سيطرة السيادة الفلسطينية، ما سيعني، على أرض الواقع، سلخ أكثر من ثلاثمئة ألف مواطن عربي عن أشقائهم في الجليل والنقب.
وقد وافقتهن؛ فتضمين هذا الموقف في وثيقة دولية رسمية يحمل مؤشرًا خطيرًا على حصول تغيير جوهري في نظرة «العالم» إلى مكانتنا، وإلى حقنا في البقاء كمواطنين في إسرائيل. فعلى الرغم من أن المقترح لا يؤدي، كما أكد ترامب، وقبله صاحب الاقتراح الاصلي ايفيت ليبرمان، إلى اقتلاع السكان من أراضيهم، يبقى قبول الفكرة، بصورة مبدئية، مؤشرًا مقلقًا على مستقبلنا وعلى مصيرنا. لقد استخف القادة العرب بيننا بايفيت ليبرمان عندما عرض، قبل سنوات قليلة، خطته أزاء منطقة المثلث ومعظمهم أغفلوها؛ وقامت مجموعات واسعة بتقزيمها والاستهزاء منها؛ في حين توعدتها قطاعات كثيرة الضجيج في مواقعنا، ووصفتها بالترّهات التي لا حاجة للحديث عنها. مرّ أقل من عقد على طرح الفكرة في أسواق السياسة العنصرية الاسرائيلية فتحولت، على حين غفلة، إلى جزء مهم من برنامج دولي متكامل، لن تكف امريكا وحلفاؤها عن محاولات تنفيذه كخطوة من مخطط شامل، لترسيم حدود شرق أوسط جديد، ستكون درّته مملكة إسرائيل الكبرى.

علينا، كمواطنين في دولة تستعدينا حكوماتها، أن نبدأ، بجدية وحزم، في تحديث صياغة معادلات وجودنا وعلاقتنا بها بجرأة وإصرار واع

لا أعرف، في ظل هذه المعطيات، وفي كنف نظام دولي يمتهن المقايضات والخاوات، على ماذا يعوّل مبشرونا بالفرج القريب؟ ولا أفهم كيف سنواجه هذه المخاطر المصيرية، التي لم تعد مجرد فذلكات أو هلوسات يطلقها بعض غلاة اليمينيين الإسرائيليين العنصريين؟ فأمريكا اليوم هي الدولة الأقوى في العالم وتتحكم، بالتوافق مع دول قوية أخرى مثل روسيا والصين والهند وأوروبا، وبالعربدة وبالتآمر أيضًا، في مصائر معظم الدول الضعيفة وأشباه الدول؛ ولا استثني من ذلك غالبية الدول العربية والاسلامية والافريقية وغيرها. نعم، فهي تتصرف برعونة الامبراطوريات التي داست على أنف التاريخ قبل أن تصبح رماده، ولأنها كذلك علينا أن نسأل انفسنا، نحن المواطنين في اسرائيل، من سينقذنا وسيفيدنا، وقد أصبحنا هدفًا على رقعة رمايتها؟ وكيف سنواجه حكومة إسرائيلية يجمع الكل على أنها ستكون آية في اليمينية والعنصرية، مدعومة من امريكا ويرقص في احضانها «أشقاؤنا» العرب و»حلفاؤنا» من أتراك وصرب وغجر؟  كم تهكمنا على «شيطنة» ليبرمان حين اقترح على أبناء المثلث الفلسطينيين، أن ينعموا بالسيادة الفلسطينية، مؤكدًا على انهم سيبقون في أرضهم وإسرائيل هي التي ستنقلع عنهم وتنقشع!
سبّب عرض ليبرمان إحراجًا صارخًا لكثير من المواطنين العرب، ولقياداتهم التي تلعثمت، لأنها كانت تتكئ على معادلة مواطنة عاقرة؛ واليوم، بعد هذا الحشد الأمريكي للفكرة، صار إحراجهم عاريًا وقد يصبح قاتلًا؛ فالاكتفاء، كما فعل البعض، بإهمال الفكرة أو برفضها بحجة أن الناس ليست سلعًا يُتلاعب بمصائرها، يعكس وجود أزمة سياسية جدية بينهم، ويكشف عن عورة هؤلاء السياسية وعن قصور حججهم غير المقنعة.
قليل من التشاؤم لن يضر وهو أفيد من تفاؤل كذاب، خاصة إذا كنا في ذروة العاصفة. علينا، كمواطنين في دولة تستعدينا حكوماتها، أن نبدأ، بجدية وبحزم، في تحديث صياغة معادلات وجودنا وعلاقتنا بها؛ شريطة أن نفعل ذلك بجرأة وبإصرار واع، على أن «مواطنتنا» هي سقفنا الحامي والأضمن وهي الكفالة لبقائنا هنا.
فإما أن نصحو من أحلامنا الواهمة، وإما سيكون ما قاله ليبرمان بداية نهايتنا؛ والبقية ستأتي من عند السيّد «بلفور الجديد» ومعه من كنا نسميهم الإمبرياليين والرجعيات العربية وعتاولة الصهاينة الساعين نحو وطن يهودي خال من العرب.. ومن الاغيار.
كاتب فلسطيني

 

 

ماذا بعد

سقطة حزب ميرتس؟

جواد بولس

 

سيتوجه اسرائيليون، في الثاني من آذار/مارس المقبل، إلى صناديق الاقتراع لينتخبوا ممثليهم في الكنيست، وذلك على أمل أن تُمكّن النتائج، هذه المرة، أحد الحزبين الكبيرين، حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو، أو حزب كاحول لافان برئاسة بيني غانتس، من تشكيل الحكومة المقبلة، وهي المهمة التي لم تنجز بعد معركتين انتخابيتين متتاليتين.
من المؤكد أننا سنواجه، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، خلال الفترة التي ستسبق يوم المعركة، القضايا نفسها التي أشغلت منصاتنا، وسنتعرض مجددًا إلى معظم المشاهد التي رافقت تداعيات الجولتين السابقتين.
ستمارس قطاعات معروفة بيننا عاداتها العلنية في تكرار آيات اليأس الموروث بثقة «نبوية» لا تكلّ، وفي المقابل، سيسير إخوتهم نحو ذلك الكرمل «الذي فينا» ليحاولوا، مرة أخرى، رغم رحلتهم الصعبة، أن يمسكوا بضفائره الخضراء ويربّوا، من أجل أبنائنا، على سفوحه المتعبة، بعض الأمل.
كلنا نلاحظ سرعة وخطورة التغييرات الحاصلة داخل المجتمع اليهودي، لكن الكثيرين، رغم ذلك، يتصرفون، للأسف، وكأنهم، وحدهم، ورثة وعد السماء الذي لا يقهر، أو الممسكين، من عهد عاد، برماح الدهر التي لا تكسر. لم يتغيّر الكثير على الخرائط السياسية في هذا العام، بل حافظت المعسكرات الناشطة بيننا، على مواقعها وعلى جنودها، فالداعون للمشاركة في الانتخابات، سيحاولون إقناع الناس بصحة نداءاتهم وسلامة رؤاهم، وسيكون برهانهم على ذلك أنهم أفشلوا، في الواقع، محاولات نتنياهو لبناء واحدة من أخطر الحكومات التي كنا سنواجه نيرانها الحارقة، بينما سيدّعي، في المقابل، المنادون بمقاطعة الانتخابات، بعدم وجود فرق بين يمين ويمين، وبينهم وبين ما يسمى باليسار، فكلهم في الصهيونية همّ وبلاء. لقد شهدنا، رغم المراوحة السياسية في الوسطين اليهودي والعربي بشكل عام، تطورين خطيرين، يصحّ اعتبارهما مؤشرين قاطعين مقلقين على حقيقة وصولنا إلى نهاية المنزلق الخطير، الذي وصفنا ملامحه خلال تكوّنها في السنوات الماضية:
أولهما مطالبة حزب الليكود بشطب ترشيح النائبة العربية من حزب التجمع، هبة يزبك ، بحجة دعمها للإرهاب، وهي وإن لا تعتبر سابقة، إلا أن احتمالات نجاحها هذه المرة تبقى مفتوحة على جميع الجهات، وثانيهما اندماج حزب «ميرتس» مع حزبي «العمل وجيشر» في قائمة واحدة، بعد أن تآمروا على «دفش» ترشيح أبرز ناشطيه، النائب العربي عيساوي فريج، إلى مقعد مهزوز في العشرة الثانية، مما شكّل صفعة مدويًة لجميع من راهن مثلي، رغم مواقف هذا الحزب السلبية في الماضي، على احتمالات ضمه كحليف لبعض نضالاتنا المستقبلية.

في السياسة فرق بين خيبة الأمل الحقيقية والضرورية ، فسياسة بدون بصيص أمل تعادل سياقة قطيع، قد يكون من الغزلان نحو العدم

رغم الغضب على هذه الخطوة، إلا أنني لم أفهم أين المنطق عند من فرحوا لانحراف حزب «ميرتس» وزغردوا بعد جنوحه يميناً؟ ما الفائدة السياسية من وراء ادعاء وتباهي هؤلاء بصحة «نبوءتهم» وتحققها، حسب رأيهم، وثبوت استحالة وجود أي جسم صهيوني «إيجابي» وحليف لنضالاتنا ومطالبنا نحن العرب في إسرائيل؟
يوجد في السياسة فرق بين خيبة الأمل الحقيقية والضرورية والمبررة أحيانًا، وبين الاعتداد بديمومة حالة العجز، والتنبوء بحتمية الفشل، فسياسة بدون بصيص أمل تعادل، في حالتنا، سياقة قطيع، قد يكون من الغزلان، نحو العدم. إيماننا بضرورة خلق حلفاء من بين اليهود لنضالاتنا المحقة، هو واجب ومسؤولية نضالية كبرى، وعلينا ألا نتخلى عنه، حتى إذا ذقنا طعم الخيبة وراء الخيبة، وشعرنا بأن هذه المهمة، بسبب الواقع السياسي المستفز داخل المجتمع اليهودي، صارت عسيرة وأعز «من بيض الأنوق».
قد لا تؤمّن لنا الانتخابات المقبلة إنجازًا وازنًا، وقد نعدم وسائل التصدي الكامل لسياسات الحكومة المقبلة، لكنّ ذلك لن يجرنا لنرضى بإغواءات المستحيل، فعلى من يصفق لاشتداد الظلمة في فضاءاتنا، أن يهدينا إلى دروب النجاة، وعلى من يفرح لانسداد فسحات الأمل أمامنا، أن يأخذنا نحو طاقات الياسمين، لأن الإيمان وحده، بأن الغد قد يكون أحلى، شيء جميل، لكنه سيبقى مجرد شطحات جدة ساذجة وضرب من العبث. لقد رفضت في الماضي نداءات مقاطعة الانتخابات، وأرفض اليوم، بعد خطوة حزب ميرتس، تعليلات من ينادي بها، فاستكانة أي مجموعة سكانية تناضل من أجل بقائها ونيل حقوقها، لحاضر عاقر لا يطرح حلولًا، وقبولهم ذلك الحاضر كواقع أجازته تجارب الشعوب، هو بمثابة استسلام المهزوم لضحكة النرد، أو اللهو على موسيقى هتافات ثوري ساهِمٍ عن مقصلة تسقط بصمت على عنقه.
قد نفشل، بالانتخابات فقط، في مواجهة فرق الذئاب الجائعة، لكننا، من المؤكد، لن ننجو من أنيابها، بالصراخ ولا بانتظار «ظهر الغيب»، أو بالتمني وبالدعاء فحسب، فالأيام، مذ وعت الخليقة، دول، «والدهر قلّب والليالي حبلى» ولكل دولة سماء ولكل دهر فارس وحاكم وجنود.
لم أفرح لأن حزب ميرتس قد تعرّى تمامًا وأظهر للعالم كامل قبحه،، بل زادتني سقطته همًا وهِمّة، فأنا عندما أشعر بالنيران تأكل أحضاني، أحاول أن أطفئها واخوتي، وإذا لم ننجح أسعى لأجد من يساعدنا قبل أن نهلك. لا تخفي أحزاب اليمين برامجها السامة تجاهنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، وهي بذلك لا تبقي أمامنا هوامش للمزايدات والمناورات، ولذلك أدعو كل من يسترسل بوصف وحشية هذه الاحزاب ومآربها، أن يُفهمنا من سيمنع كتائبها/دواسرها من تنفيذ ما جاء في برامجهم الانتخابية المعلنة؟ وكيف يمكن، إذا تخلينا عن ساحة البرلمان، وما تتيحه لنا من هوامش نضالية مواطنية ضيقة، أن نواجه، ونحن على ألف ملة ورأي، مخلوقات نهمة وهي قريبة من إحكام سيطرتها المطلقة على الغابة وفرض قوانينها؟ لقد صرخنا، قبل خمسة عقود بأن «الفاشية لن تمر» فمرّت ولم يبق في حناجرنا سوى الرماد و»بنات الجبال» والأسى.
كبرنا على حلم أبائنا بعرى «الناصر والبنا وعفلق» فكذبت وعودهم وصدق ابن الشام، نزار، لأننا هنا، في الشرق «نبيع الشعارات للاغبياء، ونحشو الجماهير تينًا وقشًا ، ونتركهم يلوكون الهواء». نُكبنا وانتكسنا فتعلّمنا تراتيل السياط فصرنا إلى انفسنا أقرب. صمدنا واشتد عودنا فخافت إسرائيل ودسّت أسافينها في عظامنا حتى بنَت الفاشية أعشاشها على خرائب أحلامنا، وجثمت كالطود على صدورنا المقروحة.
ستبقى مهمة ايجاد الحلفاء بين اليهود صعبة، لكن سيكون صمودنا بدونهم أصعب.
مع ذلك، فانا لا انكر حق من رفع شعاراته، قبل سبعين عامًا، أن يرفعها، رغم تقلب الحقب، اليوم، ولا أنكر عليه إيمانه بأن ما حصل لنا كان مجرد غفوة دهر عابرة، وما إسرائيل إلا كمثل غمامة صيف عابرة، ولا انكر على من يؤمن وينتظر أن ترسل السماء، في ليلة قمراء، حجارتها، لتغدو بعدها «تل أبيب تلة من رماد» وليصير شعبها رذاذًا للعدم، كما جاء في النشيد!
أقول عجبي! فلهم ما شاؤوا ولإسرائيل الرعونة وشهوة البطش، ويبقى واجبنا، نحن ابناء الخوف على مستقبل ملتبس، أن نؤمّن حياة أولادنا، كما أمّن أباؤنا بقاءنا في الوطن، فمن يعجز عن تدبير شؤونه في الغابة لن يسمع ضجيج الوحش ولا بكاء سقوط الشجر. لسنا بحاجة إلى مراجعة تاريخ سبعة عقود، بل يكفي أن نرى ما حصل خلال عقدين من الزمن، لندرك كيف تحولت زمر المأفونين العنصريين، وغلاة الدعاة اليمينيين من شخصيات غير مرغوب بها، على المستويين الرسمي والشعبي، والمرفوضة بعرف القانون وتعريفاته، إلى قادة يتصدرون واجهات الأحزاب وزعماء تتحكم في رقاب السلطة وتنتظر لحظة سقوط القمر.
عندما طالبوا شطب ترشيح النائبة السابقة حنين زعبي، راهنت، في حينه، على أن المحكمة العليا الاسرائيلية ستمنع شطبها، وكتبت «عندما يكون العدل ورطة» في إشارة إلى التناقض العميق بين شعارات حزب التجمع، ولجوء قادته إلى المحكمة الاسرائيلية لطلب عدلها، أما اليوم، فأنا لا أستطيع، في حالة النائبة هبة يزيك، أن أراهن على النتيجة نفسها، ففي هذه السنوات القليلة صار العدل في القدس أقرب إلى حكمة الدم، ذلك الذي شهدته اوروبا بعد سقوط برلين في أنياب برلمان متوحش احتلته قطعان من الشياطين العابثة في انتخابات برلمانية «حرة».
كاتب فلسطيني

 

 

الحرية للأحمدين

قطامش وزهران

جواد بولس

 

وصلت إلى بوابة سجن «عوفر» الإسرائيلي في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف؛ ولم أنتظر في الخارج طويلًا، فاسمي كان مدرجاً أمام السجان الذي أدخلني واستلم بطاقتي مستدعيًا، على الفور، زميلًا له آخر ليصحبني إلى غرفة زيارات الأسرى.
سلمت هاتفي ومفاتيحي ووقفت انتظر في ذلك البهو الصغير الباهت. شعر السجان، مستقبِلي، بحرجي، فحاول أن يكون لطيفًا معي وراح يطرح عليّ بعض الأسئلة العابرة في محاولة منه لتخفيف عبء الوقت. كانت لفتته بسيطة وعفوية؛ فهو يعرف أن المكان منفّر للزائرين مثلي، وأن البقاء فيه، حتى ولو لبضع دقائق، قد يشوّش قدراتهم على التركيز ويعطّل عمل معظم حواسهم.
في الجو برودة خبيثة وصدى ضجيج أبواب الحديد، وهي تفتح وتغلق بشكل هستيري، يغور في الصدر كخنجر، ويسكن زنّ الصافرات الذي يرافقه في الأذنين فتعتاد، بتلقائية مرضيّة، على إزعاجه؛ والأنف يفقد قدرته على تشخيص روائح القهر المكّدسة في زوايا المكان، لأن الهواء هناك أسير ينام بلا ذاكرة ويفيق بلا روح.
كان السجان واقفا وراء الزجاج يفتعل انهماكًا، يوفر عليه تبعات محادثة غير متكافئة. نظر إليّ، فبدا وجهه مألوفًا، وسأل كيف حالك يا سيّد بولس؟
لم ينتظر الرد، بل أردف متسائلًا، مع بعض المزاح الخفيف «ما زهقتش هذا الشغل يا رجل؟ صار لي بسمع اسمك شي عشرين سنة وبعدك رايح جاي على هالسجون».
حاولت أن أصحح «عشرينه» بأربعيني؛ لكنه خرج من «قفصه» وطلب أن أتقدم نحو جهاز التفتيش الكهربائي، فعليّ أن أعبر بين ساقيه بدون أن يصفر. أنهينا هذه المرحلة بسلام؛ فحيّاني وأخبرني أنه يسكن في إحدى القرى المجاورة لقريتي الجليلية، كفر ياسيف. حمّلني سلام الجار للجار، وسلمني إلى سجان شاب، ما زالت آثار المراهقة بادية على جبينه الخجل.
أُحبُّ زياراتي لأسرى الحرية في سجون الاحتلال؛ ولا أتخيّل نفسي محاميا بدونها؛ فهي لي كالأوكسجين وقبلات النخيل للندى، أفتح للأسرى، من خلالها، طاقات صغيرة على دروب الفل والأمل، وأمسح عن ليلهم أنفاس السأم وريق الوجع. في هذه الزيارات، وأنا أجلس وراء الزجاج، قبالة أحمد أو سلامة أو هدى أو عدنان، أمتحن صبا قلبي؛ وأحتضن بعد كل تنهيدة ودمعة، نهد فجر فلسطيني يقطر حبًا ويبشر بالجنى.

أُحبُّ زياراتي لأسرى الحرية في سجون الاحتلال؛ ولا أتخيّل نفسي محاميا بدونها؛ أفتح للأسرى من خلالها، طاقات صغيرة على دروب الفل والأمل

 نسير في الساحة فتظهر لنا أعمال بناء أقسام جديدة في جميع جنباتها. أحاول أن أجهّز نفسي للقاء الأسير أحمد قطامش؛ فلقاء من شارف على السبعين من عمر بلوري، يحتاج إلى صبر فريد وإلى دربة ناضجة وإلى حنان واسع.
أحمد صديق عتيق، تعرّفت إليه في سجن الدامون في منتصف تسعينيات القرن المنصرم، حين اعتقلته قوات الأمن الإسرائيلي للاشتباه بكونه ناشطًا خطيرًا في تنظيم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». اكتفوا بالشبهة، فسجنوه إداريًا لمدة ناهزت ستة أعوام متواصلة، من دون تقديم لائحة اتهام بحقه، أو مواجهته بما لديهم من بيّنات أو إعطائه الفرصة للدفاع عن نفسه امام المحكمة. شاغلت نفسي، وأنا انتظره، بمراجعة تفاصيل ليلتي السابقة: ففي حدود الساعة التاسعة ليلًا، توجهت إلى مستشفى «كاپلان» القريب من مدينة «رحوڤوت»، حيث كان يرقد الأسير أحمد زهران، ابن قرية «دير أبو مشعل»، المضرب عن الطعام منذ شهر أيلول/سبتمبر المنصرم.
يناديه رفاقه «بأبي رسيلة»، هي ابنته الكبرى، وهو معتقل إدارياً منذ عشرة شهور بدون تهمة، بل للاشتباه بأنه ينشط في صفوف تنظيم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» فحسب. أعلن أحمد الاضراب عن الطعام في آذار/ مارس المنصرم، وأوقفه بعد أن وعده سجانوه  بالحرية؛ وحين نكثوا وعدهم، عاد فأضرب مصممًا هذه المرة على نيل حريته أو الموت على صليبها الاحمر.
وصلت برفقة صديق إلى قسم الأمراض الباطنية في المستشفى، كان الصمت يخيّم كالمرض على الممرات المظلمة المشبعة برائحة النوم، فتوجهت مباشرة إلى غرفة، وقف على مدخلها حرّاس من سجون الاحتلال، حيث كان أحمد زهران ينتظرني يقظا كنمر. رآني فتبسم. التقطت نبضه من بعيد وشعرت كيف ولماذا لا تشيخ القلوب المحبّة. جلست بجانبه، على الفرشة، ولاحظت كيف سرق الجوع من وجهه النضرة، فبدا كابن ستين، أي أكبر من عمره بعقدين. فهمت أن مجموع ما أمضاه في سجون الاحتلال يصل إلى خمسة عشر عامًا. كان جسمه ضعيفًا كالرمح وفيه انحناءة جليلة؛ قعد امامي وقبّل جبيني فضممته وانطلقنا إلى حيث كان يشتهي، ومضينا معًا نحو النجوم.. أفقت من الذكريات حين أحضروا أحمد قطامش من قسمه، فصافحته قبل أن يجلسوه خلف الزجاج. نظر إليّ بشموخ لم يغب عن وجهه رغم التعب، ورغم علامات المرارة والمرض. شعرت بغضب يفرّ من صدري وخفت أن يشعر به صديقي فاخفيته بعناء شديد.
ماذا يريد الاحتلال من أحمد قطامش بعد هذه السنين الطويلة من الملاحقات والمضايقات، وبعد ثلاثة عشر عامًا من الاعتقالات الإدارية المتقطعة. كنت أهدس بصمت، ففاجأني، وكأنه كان يسمع تمتمتي، وتساءل، بصوته الهادئ المعهود: ماذا يريدون مني بعد هذا العمر؟ فأنا اليوم ابن سبعين عامًا وقد خبرت كيف يكتب الطغاة تاريخ الدم وعذابات الأمم، وكيف تخدع الأساطير صنّاعها؛ فأمثالي ينامون كي ينسوا وخزات الخيبة والسهر، ويفيقون كي يحلموا بغد بعيد قبل سقوط القمر. ماذا يريدون مني وقد صرت مثل عامود من الغمام، فلا فأسهم ستنفع ولا يأسي سيسكت في صدري هديل الحمام. سمعته بفرح حزين. تحرشت بوجعه وطلبت أن أسمع منه المزيد. وضع أصبعه على صدغه للحظة ثم بدأ يرسم لي، بكفه، خريطة مشاعره وحدود آرائه؛ ففهمت انه يتقبل، بواقعية عاقلة، أوضاع الحركة الأسيرة كما يعيشها الأسرى هذه الأيام، فهي عمليًّا مرآة حقيقية لحياة الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده. وأضاف أنه يعي أننا نعيش في مرحلة تاريخية جديدة، وأن كثيرًا مما بنينا عليه في سنوات المطر قد سقط واندثر؛ فلكل زمان عبيده ورجاله. كان متفائلًا وواقعيًا ويعرف أن العسل الأسود قد يكون أحيانًا مرّا.
لم يخفِ شوقه لمن ترك وراءه في الدار وفي شوارع رام الله المتعبة التي يحبها. حدثني عن ذلك، فبرقت عيناه كعيني طفل وصار صوته كناي يملؤه الحنين والجوى. تحاورنا كما يليق باثنين جمعتهما الأيام على ضفتين، مرة من ورد ومرة من سراب. واتفقنا على أنهم يريدونه، حتى في سبعينه، وراء القضبان، لأنهم، كطغاة، لا يحتملون من يرشّون، مثله، الزهر «أفواهًا على الطرقات» كي تقبّل أقدام الأحرار والمناضلات. وافقني لكنه استطرد متحفظًا وقال: «لكنها الحرية.. تبقى أنفس القيم الانسانية» ثم أضاف، كي لا أسيء فهمه، أنه يربيها بين ضلوعه، كما دأب أن يفعل في كل سجناته السابقة؛ لكنها، هذه المرة، تشاكسه وترفض، في هذا العمر، أن تبقى حبيسة، لأنها كانت وبقيت كنز الشعوب المقهورة، «والطفلة الوحشية» التي لا يخيفها ظلام ولا يقلم أظافرها سجان.
ضحكنا معًا؛ ثم سألني عن زيارتي لمستشفى «كابلان»، وقد سمع عنها في الأخبار؛ فأخبرته أن أحمد زهران قد أوقف إضرابه خلال زيارتي له، وذلك بعد أن وافقت النيابة على أن تقوم أجهزة الاحتلال الاسرائيلي بالتحقيق العادي معه، بعد استعادته لصحته؛ فاذا لم يفضِ ذلك التحقيق إلى أي تهمة ضده فسيتوجب عليهم الإفراج عنه؛ علمًا بأن أمر الاعتقال الاداري الحالي ضده ينتهي في السادس والعشرين من شباط/فبراير المقبل، فارتاح لسماع التفاصيل. ودّعته، بعد أن اتفقنا على أن اعتقاله الحالي لا يختلف عما سبقه، ومثل تلك الاعتقالات، حتمًا سينتهي، ليعود «الأحمدان» ويفرشا الورد أفواهًا على الطرقات كي تقبّل أقدام الأحبة والأحرار.
كاتب فلسطيني

 

 

 

العرب في إسرائيل

والمقاطعة المستحيلة

جواد بولس

 

في أعقاب الهجوم الذي تعرّض له الفنان الأردني/الفلسطيني عزيز مرقة، بعد تقديم عرضه الفني في قرية كفر ياسيف الجليلية في السادس عشر من كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، وبعد اضطراره للاعتذار أمام مهاجميه من ناشطي ما يسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» (BDS 48) وغيرهم من أعضاء حركات المقاطعة – نشرت ابنة كفر ياسيف، الفنانة اللافتة أمل مرقص، على صفحتها تعقيبًا صاخبًا، أنهته بفقرة غاضبة ومغضبة فكتبت: «بكفي قرفتونا! مش هيك بتتحرر فلسطين! ما حدا علّم أبوي وإمي وستي من قبلهم كيف يكونوا وطنيين داخل وطنهم، ولا احتجناكم تشرحوا لنا معنى الصمود بالوطن، لأننا صمدنا أكثر منكم.. ولا احتجنا مشورتكم ليكتب ويبدع توفيق زياد وإميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم وليرسم عبد عابدي وليبدع المخرج رياض مصاروة والآلاف غيرهم».
أحدثت صرخة هذا «الأمل/الوجع» تفاعلًا لافتًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فأيّدها الكثيرون وهاجمها آخرون؛ ولكن مناكفات أكثرية مهاجمي ذلك الإعلان بقيت أسيرة لخلفيات المشاركين الحزبية والسياسية الضيقة، وبعيدة عن سبر روح ذلك الوجع ومناقشة أسبابه.
لا أنوي هنا طرح قضية «صراع الأيديولوجيات» المحلي، رغم أهميتها وتأثيرها على حجب إمكانيات خوض نقاش موضوعي ومثمر بين الفرقاء، لاسيما في قضايا خلافية مهمة. فالمؤسف، في حالتنا، هو كيف تتناول مفاعيل مجتمعنا القيادية والنخبوية قضية حارقة، اختار لها بعضهم اسمًا مغالطًا حين أطلقوا عليها اسم الحركة «لمقاطعة اسرائيل من الداخل». ورغم الأضرار التي تُسبّبها بعض أنشطة هذه المجموعات، التي تدعو إلى المقاطعة على أنواعها، ما زالت مواجهتها أو مناقشتها أو تقييمها يجري بإهمال واضح أو باستخفاف مستفز أو بمزايدات معهودة؛ فحملات مقاطعة الأدباء والمبدعين والفنانين العرب والعالميين، للنشاطات الثقافية بيننا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، تعدّت كل الحدود وتجاوزت المنطق؛ وباتت، في بعض تجلياتها، كالسيل.. ما أغشمه وما أضر منه!
على جميع الأحوال، فإنّ عزيز مرقة لم يأت إلى كفرياسيف مطبّعًا، بل على العكس تماما؛ فهو حين وقف على المسرح قرب ساحة السوق الكفرساوية الشهيرة وحيّا فلسطين، وهو يضم كوفيتها بعفوية ساحرة، روّى حناجر الشباب بحماس وأسقاها حبًا أعاد إلى ربوع الجليل وعد أبائنا الصادق. كان المشهد مؤثرًا ولن تنافسه نداءات المقاطعة ولا ضجيجها؛ فهناك، في بقعة الضوء الجليلية العصية على النسيان، وقفنا، طيلة أربع ليال عامرة، على أهداب النشيد، وتذكرنا سمرة الشاعر راشد حسين، حين رفع قبضته/الجمرة، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، ودفعها نحو صدر الحاكم العسكري الاسرائيلي ورمى بعدها، على الملأ، وعد الأحرار وقال: «اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء؟».
لست متأكدًا كم من الحاضرين يعرفون مثلنا، نحن أبناء ذلك القلق، ماذا يعني فيض الفرح في ساحات البلد؟ ولست متأكدًا كم تعرف أجيال اليوم، مثلنا ومثل ما يعرفه كل من غنّى صغيرًا، كأمل مرقص وأترابها، على بيادر الحرية الحمراء وشرب العزة من عيون ماء تلك القرى الأبيّة، بأن بعض السواعد قد تلاطم المخارز؛ لكنني رغم قطيعة البعض مع ذلك الماضي، على قناعة بأن حضور عزيز مرقة وغناءه بين أهله في الجليل، بخلاف لو غنى في احتفال ترويجي لمؤسسة صهيونية مثلًا، لم يكن تطبيعًا مع الاحتلال؛ وبأنّ صوته بقي نقشًا على صفحة هوية جيل لا تخشى الهرطقات المستوردة ولا السفسطائية المراهقة. اعتذر عزيز مرقة أمام من هاجموه فأحزننا وأبكى النجوم في السماء؛ لأنها، ربما هو لا يعرف، شاهدة على مسيرة جيل يصحو ليقفو أثر جيل «عزيز»، وليغني كما غنى «السالم» «والسميح» «والمحمود» «والراشد»؛ ولتردد معهم الناس «يا كفرياسيف أردتِ لقاءنا، فتوافدت للقائك الشعراءُ».. والمغنّون والفنانات والأدباء. القضية لم تبدأ بزيارة عزيز مرقة ولن تنتهي عندها؛ وكما قلنا في السابق، فقد أدرك، فيما يبدو، من بادر إلى إقامة لجنة المقاطعة المذكورة والناشطة تحديدًا داخل إسرائيل، وجود تعقيدات في خطابها ستمنع حتمًا ترجمته على أرض الواقع. فبعد أن أجازوا للناس العمل في ثلاثة ميادين ملتبسة، كما أوضحنا في مقالتنا السابقة، ورسموا لها حدودًا مائية، تساءلوا كيف يمكن إذن الإسهام في حملة المقاطعة داخل اسرائيل؟

إخضاع المجتمع داخل اسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية محاولة عاقر لا تؤدي إلى إنجازات تصب في صالحنا

أنصح القراء أن يراجعوا مجموعة المعايير التي نشرتها اللجنة، وطالبت الناس الالتزام بها؛ فجميع ما ذكروا يثير، برأيي، ما لا يمكن حصره من التساؤلات والأسئلة، في مقالة ولا في عشر مقالات، ويستدعي، بالتالي، رفضه بشكل قاطع؛ ببساطة، لأن محاولة إخضاع مجتمعنا في داخل اسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية هي محاولة عاقر لا يمكن أن تلد مخارج واقعية مقبولة، ولا أن تؤدي إلى إنجازات تصب في صالحنا، والى خسائر بحق إسرائيل. لا يكفي أن يحظروا علينا كمواطنين في اسرائيل أن «نمثّل الدولة أو مؤسساتها الخاضعة للمقاطعة في المحافل الإقليمية والدولية»، بل عليهم أن يشرحوا لنا كيف يتّسق هذا الحظر ونضالنا للحصول على جميع حقوقنا المدنية، وعلى نصيبنا من الوظائف في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها، وعلى حصصنا المتساوية في مقدرات الدولة ومصادر الدخل فيها؟ إن مجتمعنا يفاخر بتحصيل أبنائه العلمية، ويطالب، بحق، بأن تستوعب مؤسسات الدولة وأسواقها التشغيلية هؤلاء الرواد بأهلية كاملة، وبما يليق مع كفاءاتهم العلمية والمهنية. لقد بلغت نسبة الأكاديميين، بين المليون والنصف مليون عربي في اسرائيل 12.1%، حسب التقرير السنوي الصادر، في نهاية العام المنصرم عن «جمعية الجليل». واذا توقفنا مليًا عند هذا المعطى، سنجد أن آلافًا من بين هؤلاء الأكاديميين يتبوّأون مناصب عليا في عشرات الشركات الكبرى والمعاهد العلمية العليا والمستشفيات والمصانع والمحاكم والمصارف. وعليه، كيف يتوقع واضعو قواعد المقاطعة أن يتصرف العربي رئيس بنك لئومي – «البنك القومي الإسرائيلي» – الأكبر من بين مصارف اسرائيل، إزاء منصبه، خاصة وقد فاز به مؤخرا بعد منافسة شرسة مع عدة مرشحين يهود زاحموه على هذا المنصب؟ وكيف سيمتنع البروفيسور حسام حايك أن يمثّل المعهد التطبيقي للعلوم (التخنيون) في المحافل الدولية، وألا يستعرض إنجازات هذا الصرح العلمي الذي يقف بين طلائعيّيه بعض الاساتذة العرب البارعين؟ خاصة إذا عرفنا أن حسام حايك قد انتخب قبل أيام، بجدارة لا بواسطة تدخل مختار أو عقيد أو وزير أو أمير، من قبل مجلس عام المعهد، كعميد عام لدراسات التأهيل (اللقب الاول) وهو منصب يتضمن المسؤولية على عشرة آلاف طالب وعلى 1500 محاضر.
وكيف كان المواطن العربي، ابن كفر ياسيف، البروفيسور ميخائيل كرينّي، الذي شغل منصب عميد كلية الحقوق في الجامعة العبرية مثلا، سيقاطع تمثيل جامعته الصهيونية في «أنشطة تنظمها وترعاها المؤسسات الصهيونية الدولية في إسرائيل أو في الخارج»؟ وهو لم يكن العميد الوحيد في جامعات الدولة، أو هل يوفر، في رأي لجنة المقاطعة، القضاة العرب العاملون في سلك القضاء الإسرائيلي «غطاءً فلسطينيًا، أي «ورقة توت»، لمن يخالف معايير المقاطعة»؛ وهل ستطالبهم اللجنة بالاستقالة؟ أم أن على اللجنة ملاحقتهم ومطالبتهم بأن يقسموا يمين الولاء لفلسطين أو لآل عثمان أو للشام أو لقطر؟ وكيف سيرفض عشرات رؤساء أقسام التطبيب العرب في مستشفيات الدولة، أن يرأسوا أو «يشاركوا في وفود اسرائيلية (رسمية أو برعاية منظمات صهيونية عالمية) في زيارات دولية» وألا يستعرضوا منجزاتهم العلمية الرائدة في العالم؟ لن استرسل في إعداد هذه القوائم، ففي كل مجال وميدان نضع إصبعنا عليه، سنجد أن الحديث عن «المقاطعة الثقافية» هو ضرب من باب التعجيز وممارسة رومانسية ستغرقنا بشعارات لا طائل تحتها وستخلق بيننا البلبلة وتزرع الفرقة.
وبحسب «جمعية الجليل»، فقد عبّر 82.5% من الأفراد المقيمين في البلدات العربية غير المختلطة عن درجة أعلى من الرضا عن حياتهم في الدولة! وأعتقد أن التمعن فيما يحمله هذا المعطى من مؤشرات، سيمكّن القيادات والمسؤولين من رسم خرائط علاقاتنا المرجوّة، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، مع الدولة؛ وفي المقابل، مع حلفائنا ومع أعدائنا على حد سواء. وإلى أن نصل ذلك الجسر بأمان، لن أقبل بوصلة إلا ما علمتنا اياه كفر ياسيف، التي آوى إلى حضنها، قبل عزيز مرقة، بعقود، العشاق والكادحون والمناضلون والشعراء، بعد أن أحسوا، كما عبّر بالنيابة عنهم حبيبها الدرويش في كتابه «حيرة العايد»، انها «البيت والطريق» وبعد أن دلّتهم في تلك الأيام: « على بوصلة الشمال، على أوّل الوعي، وعلى أوّل الطريق وعلى أوّل الخطوات؛ على السجن الأوّل، وعلى حرياتنا الصغرى، وعلى طموحاتنا الأولى وعلى خياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلّنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا للعائلة أو القبيلة أو الطائفة».
فلا خوف، إذن، على ضياع من يدخلها آمنًا، لأنه سيبقى محصنًا وعصيًّا على أي «تطبيع».
كاتب فلسطيني

 

 

العرب في إسرائيل

 ولعنة التطبيع

جواد بولس

 

انتشرت في بعض القرى والمدن العربية في السنوات الأخيرة، ظاهرة إقامة أسواق عيد الميلاد (كريسماس ماركت) قد تكون أبرزها، منذ سنتين، تلك السوق التي بادر إليها ورعاها المجلس المحلي في قرية كفر ياسيف الجليلية.
وقد شهدت مسارح السوق مشاركة عشرات الفنانين والفنانات العرب المحليين، إلى جانب عدة فرق استعراض مسرحية شهيرة، فتنوعت العروض واستهدفت جميع فئات الأعمار من أطفال وشباب وبالغين.
وعاشت البلدة حالة من الفرح الراقي، خاصة بعد أن استقطبت فعاليات سوقها آلافًا من أهلها، ومن أهل القرى المجاورة، على جميع انتماءاتهم الطائفية وشرائحهم الاجتماعية، ومثلهم عشرات آلاف الوافدين إليها من كل حدب وصوب. نجحت هذه الأسواق، رغم حداثتها، بخلق حالة من التفاعل الاجتماعي العريض المحمود، وتحوّلت إلى مشهد ثقافي حضاري جاذب ومعاكس لحالة السبات والنكوص، التي سادت غالبية تلك البلدات؛ كما شكلت روافع اقتصادية مهمة للمشاركين المباشرين فيها، ولكافة مرافق البلدة على حد سواء. مع ذلك ورغم إيجابياتها الواضحة، واجهت هذه الأنشطة، كما كان متوقعًا، تضييقات وتهجّمات مختلفة، وقفت وراءها قوى عديدة، مختلفة الدوافع والمآرب؛ فرفض بعضهم الفكرة من أصلها وهاجمها، لأسباب عقائدية وسياسية مبطنة؛ في حين انتقدها آخرون أو هاجموا بعض محطاتها بحجج واهية، استفزت منظّمي الحدث، ولم تحظَ بقبول الناس. هذا ما حدث، هذا العام، عندما أصدرت لجنة تسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» (
BDS 48) بيانًا هاجمت فيه، في الثامن عشر من ديسمبر المنصرم، مشاركة الفنان الأردني/ الفلسطيني عزيز مرقة، لأنه «أصرّ على المشاركة في مهرجان «كريسماس ماركت» الذي أقيم في بلدة كفر ياسيف، الواقعة في أراضي 1948 في الفترة الواقعة بين 12-16 ديسمبر 2019 ، حيث تمثل هذه المشاركة خرقًا لمعايير المقاطعة الثقافية، ومعايير زيارة الفنانين/ات والمثقفين/ات العرب، كون المهرجان ينظم برعاية جهات إسرائيلية رسمية، كوزارة الثقافة والرياضة وشركات وبنوك متورطة في الجرائم الإسرائيلية ضد شعبنا الفلسطيني مثل، بنك «مركنتيل» الإسرائيلي المتورط في بناء المستوطنات ودعمها»، كما جاء في بيانها المعلن. وقد أثار هذا البيان موجة ردود فعل غاضبة، لا سيّما بعد أن تبيّن أن مُصدريه لم يتوخوا الدقة فيما نشروا؛ فقد قام بعضهم بتزوير القرائن التي أرفقوها لدعم موقفهم المذكور، مثل فبركتهم المغرضة لصورة الفنان على ملصق دعاية مزيف ؛ إذ تبيّن لاحقا أن أمسية عزيز مرقة قد نظمت بتمويل حصري من المجلس المحلي في كفر ياسيف، وهو مؤسسة عريقة يقف اليوم على رأسها المحامي شادي شويري، وهو شخصية وطنية مشهود لها، ومن دون دعم رعاة إضافيين؛ فالحفل لم يدرج ضمن البرنامج الأصلي المعلن على الملأ، الذي استمر من 12 إلى 15 ديسمبر، وذلك «مراعاة من المنظمين للوضعية الخاصة للفنان» كما جاء في بيان خاص أصدره رئيس المجلس، ردًّا على بيان لجنة المقاطعة.
على جميع الأحوال، وبدون تفنيد التفاصيل ولا التدقيق بمن يقف وراء تلك الحملة ومدى مصداقيتها، فإننا نواجه، مرة أخرى، فصلًا ملتبسًا من رواية مختلف عليها وحولها، حيث تحاول مجموعة صغيرة فرض أجندتها الخاصة على مجتمع كامل، وتسمح لنفسها، باسم وطنية سائلة، بملاحقة فنانين وأدباء ومثقفين، بحجة محاربة التطبيع الثقافي مع دولة الاحتلال، بوسائل قد تصل في بعض الأحيان، بسبب ظروف معيشة هؤلاء الفنانين في دولهم العربية، إلى حد تخويف هؤلاء الفنانين بأساليب تقترب من الابتزاز.

تحاول مجموعة صغيرة فرض أجندتها الخاصة على مجتمع كامل، وتسمح لنفسها، باسم وطنية سائلة، بملاحقة فنانين وأدباء ومثقفين

وقبل أن أمضي في مناقشة هذه المسألة عينيًا، وجب عليّ التوضيح والتأكيد على أنني أتطرق في هذه المقالة لقضية ما يسمى «محاربة التطبيع الثقافي» الذي يتعلق بنشاطاتنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل فقط؛ ولا شأن لها بحملات المقاطعة العالمية أو بما يجري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وقد ناديت، وكثيرون مثلي في الماضي، كما ندعو اليوم، إلى مناقشة هذه القضية بشكل جذري شامل مسؤول؛ لأن التسليم بها، كواقع واضح المضامين والمآلات، لا يخدم مصالحنا العليا كمواطنين في إسرائيل، ولا يضر بمصالح إسرائيل، كما يدّعي أصحاب هذه الدعوات، بل ينفعها ويصبّ في صالحها وصالح دعايتها في كثير من الحالات. لم تغب تلك الإشكالية عن بال من بادروا إلى الإعلان عن تشكيل تلك اللجنة، بل أشاروا لها في وثيقتهم التأسيسية، حينما طرحوا تساؤلا مفاده أن «أول ما يتبادر إلى الذهن لدى قراءة عنوان هذه الوثيقة، أن تطبيقها في داخل دولة إسرائيل أمر مستحيل، فكيف يستطيع الفلسطينيون/ات مواطنو/ات الدولة أن يقاطعوا/يقاطعن ما يدور حولهم/ن من حياة تجارية واقتصادية وثقافية وحياتية يومية؟» ثم يجيبون على تساؤلهم فيقولون: «ليس الأمر كذلك، لأن معايير المقاطعة الخاصة بفلسطينيي الداخل (48) تختلف عنها في أماكن وجود الأجزاء الأخرى من الشعب الفلسطيني (67 والشتات)». لا أعرف الكثير عن هذه اللجنة ولا عن ظروف تأسيسها، أو عمّن ينشط في صفوفها، وما هي خلفيّاتهم أو حدود تجاربهم؛ ولكن على جميع الأحوال، لا يستطيع أحد أن ينكر حق المبادرين للإعلان عن إقامة لجنتهم، وحقهم في انتقاء المعايير بالشكل الذي فعلوه؛ بيد أن صمت وتقاعس وكسل ورياء معظم التيارات السياسية والمؤسسات والجمعيات، واللجان والنخب السياسية والثقافية القائمة والناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، تبقى هي المشكلة الحارقة والمستفزة؛ فلولا هذا الصمت/العجز لما تركت نداءات «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» العصا الغليظة الوحيدة المرفوعة في وجه من لا يتساوق، صاغرًا، مع مواقفهم؛ أو من لا يقبل تفسيرهم/تقييمهم لأي نشاط ثقافي قرروا معارضته، لأنه لا يتوافق، على الأغلب، مع مبادئهم السياسية الفئوية؛ أو من يرفض ذرائعهم الأيديولوجية، الكيديّة في بعض الأحيان، أو المدفوعة بوقود «أولترا- راديكالي» في أحيان أخرى.
لقد أعلنت اللجنة في وثيقتها المذكورة بأنها «وانطلاقًا من خصوصية وضع فلسطينيي 48، تميّز حركة المقاطعة، على سبيل المثال، بين مفهومي حقوق المواطن/ة والتطبيع». ثم جاءت على ذكر ثلاثة تصاريح فقط، يُحدّد بحسبها عرّابو هذه الوثيقة هوامش عمل المواطنين العرب في إسرائيل؛ فلا مانع مثلا «من الحصول على ميزانيات ثقافية وفنية وصحية وغيرها، من الوزارات الحكومية كحق طبيعي للمواطنين كدافعي ضرائب». ثم نقرأ ما يذكّرنا بنصوص «المطوّعين» القوميين، عن وجود أذون لنا بالإبقاء على علاقاتنا اليومية المعتادة، كفلسطينيين من 48، مع اليهود – الإسرائيليين، شريطة أن تبقى تلك العلاقات محصورة في أماكن العمل والدراسة والمشافي والمؤسسات وغيرها؛ فهذه العلاقات، في هذه الأماكن، لا تشكل تطبيعًا؛ كما لا يشكل النضال المشترك مع القوى الإسرائيلية المعادية للصهيونية ضد الاحتلال والابرتهايد تطبيعًا! تثير قائمة التصاريح الضامرة التي أجازتها هذه الوثيقة جملة من التساؤلات؛ فعلاوة على أسلوبها المدّعي المتعالي، فإنها تبث نوعًا من الاستسخاف بحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، وقياداتهم ورموزهم السياسية والثقافية، وعدم احترام إرثهم وهويتهم الوطنية، وتاريخ نضالاتهم وصمودهم، منذ النكبة وحتى يومنا هذا، في وطنهم. علاوة على ذلك، وإذا دققنا في نصوص هذه الوثيقة، سنجد فيها غموضا وتناقضات واضحة، وأنها تتيح فرصا تسمح بتأويلها كيفما اتفق. فعلى سبيل المثال إذا كان استلام الميزانيات الثقافية من الوزارات الحكومية الإسرائيلية مسموحًا، كما جاء في الوثيقة، فلماذا يدعو أصحابها إلى مقاطعة من يشارك في نشاطات ثقافية، سبق و»أجازوا» تمويلها من وزارات حكومية كما تقدّم؛ خاصة إذا لم يكن هنالك خلاف حول فوائد هذه النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية، بل كانت محط إجماع واسع بين المواطنين العرب وبين مؤسساتهم الرائدة في إسرائيل. ثم إذا كانت العلاقات بين العرب واليهود مسموحة في أماكن العمل والدراسة والمشافي والمؤسسات الإسرائيلية، فما مصير العلاقات في جميع المواقع الأخرى، التي تمليها ظروف الحياة المعيشية والضرورات الطبيعية اليومية في إسرائيل؟ هل سيكون الحل في ثنايا كلمة «وغيرها» التي جاءت بعد أسماء المواقع التي أجيزت فيها تلك العلاقات العربية اليهودية؟
وأخيرًا، إذا أجيز النضال اليهودي العربي المشترك ضد الاحتلال، وكان هدف هذه الإجازة الأول والأخير هو مقاومة الاحتلال وكنسه، فلماذا استثنيت منه تلك القوى اليهودية، التي تعرف نفسها بأنها صهيونية، بينما تعلن، في الوقت ذاته، عن وقوفها بشكل حازم ضد الاحتلال وضد سياسة الابرتهايد؟! لا يمكن اعتبار هذه الوثيقة «ألواح الوصايا العشر» فمن الواضح أن الذين رتقوا تفاصيلها قصدوا تفصيلها على مقاساتهم فقط، وتعمدوا توشيتها بخيوط عقائدية لا تجمع الناس تحت سقف القواسم العريضة المشتركة، بل على العكس من ذلك تماما. تساءل دعاة المقاطعة في وثيقتهم، كيف، إذن، يمكن الإسهام في حملة المقاطعة داخل الدولة؟
لقد حاولوا الإجابة بالغموض والتحيّز نفسيهما، وعن ذلك سأكتب لاحقا، لكنني إلى أن أفعل، الأسبوع المقبل، أجزم منذ اليوم بان مطالبة الفنان عزيز مرقة بمقاطعة احتفالات كفر ياسيف كانت مخطئة ومن غير وجه حق؛ ولو استجاب لها عزيز، لكانت إسرائيل، بلا أدنى شك، الرابح الأوحد؛
وعن ذلك وغيره سيتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

خدوش على صفحة

هوية ملتبسة

جواد بولس

لا أكتب هنا مقالة علمية في مسألة الهوية الفلسطينية بكل تعقيداتها وتفرعاتها وما يعتريها من خضّات وتشوّهات محزنة؛ فكل ما في الأمر أنني أضع بعض «الخربشات» على صفحة تعاني، كما نشهد، بعض انكساراتها المؤلمة والمقلقة.

فلسطين تاريخ من الملابسات المزمنة

أشهد منذ سنوات كيف تتغير حياة الفلسطينيين بتسارع أسطوري؛ وأخالهم باتوا يعانون من أعراض فقر دم وطني مزمن، فيهابون، بسببه، سطوة المجهول، ويلجأون بسببه أيضًا، بعد كل هزيمة إلى خيمة الالتباس الوطني، فيحسبونها منقذهم أو قدرهم المحتوم. تجولت خلال أسبوع واحد في عدة مدن وقرى فلسطينية، فأرهقني ما سمعت وأوجعني ما شاهدت فيها. المقلق أن الناس تعيش هذا الواقع بحالة من استسلام طبيعي، ومن دون حيلة أو قدرة على مواجهته. ويعتبر البعض أن الانقسام القائم بين غزة ورام الله هو مصدر الخلل، والمسبب الرئيسي لفقدان التوازن الأهلي ولتمزق الهوية؛ بينما أراه أنا نتيجة حتمية لما سبقه من تطورات، أفقدت معظم الفصائل الوطنية والحركات الدينية أدوارها الطبيعية، وحوّلتها إلى مجرد كائنات هشة تسوّق بضائع منتهية الصلاحيات. يقترب العام من نهايته ولا نعرف، نحن والفلسطينيين أخوتنا، على أي ريح سنقف؛ فالصراعات الداخلية بينهم تحتدم، وتأثيراتها تتداعى ولا تترك أحدًا معافى أو واثقًا بالغد، وتحت أي سقيفة سيكون موعدنا.

يقترب العام من نهايته والصراعات الداخلية تحتدم، وتأثيراتها تتداعى ولا تترك أحدًا معافى أو واثقًا بالغد

 نابلس.. هوية من نار

شهدت جامعة النجاح الفلسطينية، في الحادي عشر من الشهر الجاري، حدثًا أقل ما يقال في تداعياته أنه محرج؛ لكنه أكثر تعقيدًا وعمقًا واستفزازًا. لقد احتضنت الجامعة فعاليات ثقافية متنوعة، دامت ستة عشر يومًا، تحت عنوان، يا للعبث، «مناهضة العنف ضد النساء». من الطبيعي أن تقوم مؤسسة بمكانة وحجم جامعة النجاح بالتحقق من هويات جميع الفرق والفنانين المدعوين للمشاركة في هذا الماراثون الاجتماعي الثقافي، الذي أطلق ربما بلحظة رومانسية، ضد ممارسة العنف بحق النساء في مجتمعنا، ودعمًا لمكانتهن الطبيعية. ولا يعقل أن يبرر عميد كلية الفنون الجميلة الدكتور غاوي غاوي، قرار إدارة الجامعه بإيقاف العرض بالطريقة التي تم بها، لأنه لم «تكن تتوفر لديها المعلومات الكافية عن شكل عرض «عشتار»، ولكل مجتمع خصوصياته وقوانينه وأنظمته التي تتناسب مع عاداته وتقاليده». وحتى لو فوجئت إدارة الجامعة «بشكل العرض»، كما قرأنا، لا تملك هي حق اعتراضه «على الهواء» ولا مخاطبة الحضور بالطريقة المهينة، كما حصل، وذلك حتى لو آمن الدكتور غاوي بأن «هذه الجامعة تحترم نفسها، وهذه الجامعة لها قوانينها… اللي عاجبه عاجبه واللي مش عاجبه ميجيش على الجامعه». رغم ما أثاره هذا الحدث من امتعاضات وانتقادات – شاعت في الأساس ضمن هوامش محصورة، يتابعها ويتأثر بها بعض المعقبّين في وسائل التواصل الاجتماعي – بقيت تفاصيله بعيدة عن هواجس الناس، ولم تستدِر كذلك، مواقف معظم الحركات السياسية الفلسطينية وقيادييها؛ ولم تحرك «دماء» غالبية المؤسسات المدنية المنتشرة في أرجاء فلسطين التاريخية، التي كان من المتوقع ان تتصدر الواجهات وتشجب ما جرى في الجامعة.
فاجأتنا، في المقابل، إدارة الجامعة بإصدارها بيان قالت فيه «إن ما حدث في حفل اختتام فعاليات 16 يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، لا يمثل سياسة الجامعه»، وأضافت أنها شكلت لجنة تحقيق لتقف على جميع الملابسات التي حدثت خلال الحفل. تبقى إذن قضيتنا في فلسطين المحتلة معلّقة الى أن نتعلم فن الوقوف على أنف الملابسات.

كفرياسيف ومشهد الموت

قبل بضعة أعوام توفي أبو العبد، بعد إصابته بمرض عضال لم يمهله طويلًا. كان أديبًا وسيمًا ودمثًا، أحبه أهل القرية وتنافسوا على منادمته، فقد عاش بقلب مفطوم على حليب حب الناس وعلى طيب معاشرة الفقير قبل الغني. بانتشار نبأ وفاته سكن الحزن شوارع القرية، وتعطلت ساحاتها. دقت أجراس الكنيسة موسيقاها الحزينة معلنة بدء طقوس الجنازة. امتلأ صحن الكنيسة بالمشيّعين، وبعضهم حضر من قرى ومدن قريبة وبعيدة.
مشينا وراء النعش المحمول، بالتناوب، على أكتاف بعض أصدقاء الراحل وعلى أكتافنا، نحن أبناء عائلة الفقيد. في منتصف الطريق همس بأذني ابنه الباكي سائلًا عن بعض أصدقاء والده، الذين توقع مشاركتهم في الجنازة. أجبته بهدوء أننا حتما سنجد العم أبا حسين ورفاقه ينتظرون مع آخرين في محيط المقبرة. تقبل العبد جوابي ولم يستزد؛ فهو، على ما يبدو، لم يكن يعرف ولم يشعر، لبعده عن القرية، أن كفرياسيف التي عشقها والده قد استُهدفت وقد نخرها بعض العطب. أصابها الجهل، كما أصاب أخواتها الفلسطينيات ونخختها العملة، وإدمان الناس رائحتها العفنة، فصارت قرية عاجزة عن حماية أهلها، ومجتمعًا متقوقعا يتنفس بدون مناعة، ويقبل القسمة والتشظي، تمامًا كما حصل مثلًا في «مشهد موت» أبي العبد، الذي عمل على إخراجه صاحب فتوى دينية قضت، بدون التباس، بأن تتحول الجنازات في قرانا إلى طائفية.

كفرياسيف، في مشهد الورد

بتزامن مع حادثة «عشتار» في جامعة النجاح، وبعد مضي سنوات على مشهد الموت الجليلي، احتضان قرية كفرياسيف نشاطا ثقافيًا اجتماعيًا اقتصاديًا كبيرًا يرعاه مجلسها المحلي للمرة الثانية تحت اسم «كريسماس ماركت 2019»؛ في إشارة إلى أن البلدة ستستمر «إذا ما استطاع أهلها إلى ذلك سبيلا»، في تنظيم هذه الفعاليات، كما يليق بمواسم الإبداع والفرح، وبقيمتهم الإنسانية المطلقة».
استمرت الاحتفالات أربعة أيام وليال، شاركت فيها قطاعات واسعة وشرائح عديدة من داخل البلدة، إلى جانب عشرات آلاف الزائرين الذين وفدوا إليها من جميع أنحاء البلاد؛ كما اعتلت مسارحها فرق الرقص والتمثيل وعدد من المغنين والمغنيات، فتحول مركز القرية الى مسرح واحد كبير، تتحرك في جنباته الجموع بسعادة وطمأنينة تخلو منها أسواق أوروبا الميلادية، أو ساحات أمريكا أو حتى «مولات» دبي وبيروت التقليدية. لم يفتش الناس الآتون إلى ليالي كفرياسيف عن آلهة ليقاتلوها ولا عن ربات كعشتار وعناة، بل صنعوا من أحلامهم قبابًا وحلقوا منها، بدون أي التباس، نحو شطآن الأمنيات.

ذكريات هوية
ولدت في كفرياسيف في سنة «العدوان الثلاثي»؛ وعشنا فيها أيامًا جميلة وصعبة. اشتهرت قريتي الصغيرة بمكانتها الثقافية الفريدة، وبحب أهلها للعلم وعشقهم للحرية. فتن الكاتب الكبير أميل حبيبي بالقرية وبمناعة سكانها الوطنية، فصرخ من حرقته، في أواخر خمسينيات القرن الماضي ونادى «تكفرسوا يا عرب» وقصد أن يسير العرب في أثر هذه القرية، ويعتنقوا هويتها التقدمية العربية المنيعة الأصيلة. عشقها «شعراء المقاومة»، كما وصفهم لاحقًا غسان كنفاني، فأطلقوا حناجرهم في سمائها سهامًا ضد الخوف، ورتقوا لنا، في وقت مبكر، عباءتنا الوطنية، ورسموا في صدورنا معالم هويتنا السياسية. كبرت قبل فتاوى الشقاق الطائفي، وعلى هدي تعاليم حكمائها؛ فكان مولانا عقلنا، الذي أفهمنا أن التسامي بالعطاء، وأن الدفاع عن منارتنا واجب، شريطة ألا نحرم الآخرين حقهم في الدفاع عن منارتهم أيضًا.
غادرت القرية في منتصف السبعينيات لألتحق بالجامعة العبرية، وسكنت القدس، فاستقبلتني مثلما تستقبل المدن الجريحة  «غرباءها الآخرين». كانت علاقتنا متوترة في الخفاء، وتشبه كثيرًا علاقة الأب مع ابنه المتبنى، حيث تنقصها دومًا صراحة الروح للروح وتفصل بين وريديهما خاصرة ضامرة تنغزها أنياب ذلك الالتباس الفلسطيني القاهر الفتاك.
كتبت مجرد خربشات، غير مرتبة، من فيض وجع ونحن نستقبل أيام ميلاد الطفل الفلسطيني الأسمر الذي دفع حياته في مشهد ملتبس تاركًا لبعض العالم يقينًا ولآخرين كل أنواع الغضب والملابسات. فكل ميلاد وانتم ونحن فوقها لا في باطنها.
كاتب فلسطيني

 

 

جامعة بيرزيت تبدد الحلم

جواد بولس

 

لا تُبقي أخبار منطقتنا الكبيرة، فرصة لعامة الناس كي يتابعوا تفاصيل الأحداث اليومية المتداعية في مواقعهم؛ حتى لو شكّلت تلك الأحداث عمليًا عوارض لأمراض خطيرة تتفشى في أجساد المجتمعات، أو نذائر على اقتراب التسونامي الهدّام من آخر شواطئهم الآمنة.
يعيش الإسرائيليون منذ شهور تبعات فشل إقامة الحكومة، بعد جولتَي انتخابات مثيرتين؛ ويتأهبون للذهاب، في مطلع مارس/آذار المقبل، إلى جولة انتخابية ثالثة قد تفضي نتائجها إلى تأسيس مرحلة سياسية جديدة لا نعرف إلى أين ستأخذ الدولة، ومعها سائر منطقة الشرق الأوسط؛ ولا كيف ستؤثر علينا، نحن المواطنين العرب في الداخل، أو على مستقبل الفلسطينيين المتواجدين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعلى مصيرهم في ظل حل الدولتين أو باحتمال وأده، كما تشير بعض الدلائل الحالية.
ورغم أن المناطق الفلسطينية المحتلة ستتأثر، بدون شك، بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وبهوية الحكومة المقبلة، إلا أن الحياة في هذه المناطق مستمرة بأشكالها المعقدة والمتناقضة والمحيّرة في أغلب الأحيان. يتحدثون، في الأراضي المحتلة، عن احتمال إجراء انتخابات فلسطينية عامة، ويراها البعض قريبة، بينما أراها أنا شبه مستحيلة؛ فمن يتابع ما تفعله حركة حماس في قطاع غزة، ويقرأ عن تفاصيل مفاوضات وفدها المتواجد في مصر، يشعر بأن «أحاديث السرايا» ليست «كأحاديث القرايا»؛ ومن يعش مثلنا، في رام الله وجاراتها، يعرف أن فكرة إجراء الانتخابات ما زالت غير ناضجة داخل صفوف حركة فتح، ويعرف، كذلك، أن الحالة السياسية الفلسطينية غير مختمرة. لا توجد في الواقع جماعات ضغط وازنة معنية بتغيير الواقع، أو مؤهلة لإحداث التأثير الحقيقي والتسبب بإجراء الانتخابات على ما قد تؤدي إليه من عواقب أو تحققه من مكاسب، حسب من سيكون الرابح ومن المهزوم.
لجأتُ إلى هذه المقدمة كي أعالج نبأً فلسطينيًا محليًا نشر، رغم أهميته، بشكل هامشي. ومع أن الخبر لم يشغل إلا مساحة «إنشين» في المواقع الإخبارية الفلسطينية، إلا أنه هزّني وأغضبني وأعادني إلى تاريخ ناصع عاشته فلسطين قبل بضعة عقود. في الماضي، عندما كان للاحتلال الإسرائيلي «رونق» وكان وجوده يشكل تناقضًا أساسيًا وصداميًا مع الوجود الفلسطيني، كان نشر خبر عن إغلاق حرم جامعة بير زيت يسبّب أزمة دولية، ويحرك جوًا من التضامن داخل بعض الجيوب العاقلة الإسرائيلية الصغيرة، ويؤدي بالاساس، إلى ردود فعل شعبية وفصائلية فلسطينية كانت تتطور، كما حصل مرارًا، إلى صدامات مع قوات الاحتلال. لكننا نعيش اليوم في زمن «الخوف العادي» والوهم؛ فننام في رام الله، على أحاديث الهدنة الحماسية؛ وفي غزة يفيقون على قصص التنسيق الأمني الضفوية، حتى صار عالم الفلسطيني مقلوبًا ؛ فيحاول الناس الإقلاع عن أحلامهم، ويمشي الناجون من لعنتَي الانتماء والانحراف ورؤوسهم إلى الوراء، فلا يعرفون اسم بير زيت إلا لأنه يشبه اسم ذلك الإبريق، بطل الحكاية الشعبية الشهيرة، الذي كانت أمهاتنا يملأنه لنا، قبل المنام، زيتًا وعبثًا فلا يشبع ولا يطفح إلا عندما كنا نصاب بالنعاس وننام.
كنت في عملي في رام الله عندما اتصل بي صديق عتيق، وسألني مستهجنا إذا كان ما قرأه في أحد المواقع الفلسطينية صحيحًا. لم أسمع بالخبر الذي أفاد، كما قرأ صديقي، بأن» إدارة جامعة بير زيت تقرر إخلاء الجامعة على وجه السرعة وإغلاقها أمام طلابها». اتصلت مباشرة مع أحد طلاب الجامعة، فأكد لي أن الخبر صحيح وان إغلاق الجامعة، جاء في اعقاب قرار اتخذه مجلس إدارتها في اجتماع طارئ عقد في يوم نشر النبأ، يوم الأربعاء الماضي، بحجة «قيام مجموعة من الطلبة بتحطيم وتكسير مدخل الجامعة الغربي»، كما جاء في الخبر. «ولممارستهم عملا يخالف أنظمة وقوانين الجامعة وقرارات إدارتها، ولما لهذا العمل من تداعيات على سلامة الطلبة والعاملين ومجتمع الجامعة».

قد تصبح بير زيت ضحية الواقع الفلسطيني المأزوم ومزايدات اليساريين وسبات «الثوريين» وأوهام الإسلاميين

شعرت بغربة تصفعني؛ رغم انني عشت، في المدينة، كالدوري، مقيمًا على أهدابها المتعبة. فهمت أن إدارة الجامعة ترفض مظاهر العسكرة، مثل مسيرات الملثمين المدججين، بما يشبه الأسلحة داخل الحرم، بينما تصر بعض الكتل الطلابية على ممارستها، رغم انهم يعرفون أن الاحتلال قد يستغلها لضرب الجامعة وإغلاقها. أحسست بأنني فقدت لغتي، وأن المفردات التي عشت على موسيقاها قد انقرضت. لم تعد رام الله اليوم شبيهة بتلك، صاحبة الأشجار والبيوت الأنيقة؛ التي كنا ندخل قلبها الدفئ لنصل إلى قرية بير زيت الجميلة والواثقة، ولكي نودع، في حضنها، بعضًا من أحلامنا الفتية. لم تكن جامعة بير زيت، بالنسبة لأبناء جيلي مجرد مؤسسة تعليمية فلسطينية، يأتيها الذين لم يحالفهم الحظ بالحصول على فيزا أجنبية ومنحة للدراسة خارج الوطن؛ أو ملجأ لأولئك الذين منع الاحتلال سفرهم فدخلوها من باب الرحمة أو على سبيل «أضعف الإيمان». كنا، في سبعينيات القرن الماضي، طلبة في جامعات إسرائيل، وكانت هي أكثر من معهد عالٍ للتدريس، وأكبر من صرح نقف على «صاريته» لنقارع بها عنجهية الاحتلال، ونعرّي تبجح دولته التي تدّعي أنها مهد للحريات الأكاديمية. أتيناها حجاجًا لنتزود بأطعمة الفراديس، ولنهتدي بنورها وهو ينثال من سمائها الزرقاء، حاملًا على أمواجه عطرها الساحر، فكانت عروقنا تتجرعه وجبات من كرامة ووطنية صافية. كم كنت أرغب أن أُحدثكم عن «بير زيتي» التي تعرفت فيها على أجمل الرفاق، ومعا، في أفيائها، خبرنا كيف يمكن أن تصير الأماني أوتادًا والقصائد رماحًا والقبضات سهامًا من ماس.
قرأت، وأنا أعدّ مقالتي، أن إدارة جامعة بير زيت أعلنت عن استئناف التدريس كالمعتاد في الجامعة، «من أجل منح الفرصة للحوار بين إدارة الجامعة والطلبة». لم أفرح لهذا النبأ، لأنني أشعر وأعرف، مثل كثيرين يتعاطون مرارة الواقع الفلسطيني، بأن المعركة التي وقعت بين إدارة الجامعة وقسم من طلابها كانت بمثابة الطعنة التي سددها بعض «الأخوة الأعداء» في خاصرة أمهم فلسطين. الموجع أن ما حدث يعتبر مشهداً عاديًا سيمر مثلما مرّت مئات المناكفات والمشادات والاحتكاكات والاعتقالات والاعتداءات الفلسطينية الفلسطينية، وسيندمل مع الجراح التي نكأها عميقًا في قلب الأمل الفلسطيني. تسير بير زيت في طريق صعب قد تفقد في نهايته امتيازها كصرح مدّ ويمدّ طلابه بالعلم وبالمناعة الوطنية؛ فالجامعة تواجه الأنواء من كل الجهات ومن داخلها ايضًا، وقد تصبح ضحية الواقع الفلسطيني المأزوم ومزايدات اليساريين وسبات «الثوريين» وأوهام الاسلاميين؛ فمعظم الناس والتنظيمات والفصائل والحركات والمؤسسات يمارسون الرياضة الوطنية في فلسطين المحتلة، وهم يلتقطون الأنفاس بين اللقمة والنقمة.
كانت بير زيت عقل فلسطين الراجح، وهويتها المشتهاة، وسيفها المشهر أبدًا في وجه الاحتلال وعساكره؛ لكنها هي ابنة فلسطين الجريحة التي لا تستطيع أن تصمد وحيدة في عالم «القواقع» المتفطرش، والمنفلشة رموزه ببركة الاحتلال ووفقًا لهندسته. لقد قرأت معظم البيانات الصادرة عن جميع فرقاء الأزمة، وأدركت أن قضية فلسطين تعيش كوابيسها، وتعاني جامعتها الأشهر قصة ذلك الإبريق ولعنة العبث العدمي واختلاط المفاهيم؛ فحتى اللغة التي بات الاطراف يستعملونها في مخاطبة بعضهم، صارت هجينة وغريبة عن ماضيها وعني. وهنت فلسطين حين أعدمت نخبها «العقل»، وحين خاطت لجثمانه كفنًا من ريح ومن سراب؛ وستسقط بير زيت لأن فيها من يعبث بالقدر، ومن لا يستطيع أن يحدد من هو العدو ومن الصديق والحليف.
ينشغل الإسرائيليون بقضاياهم الكبيرة ويتركوننا، نحن المواطنين العرب، نغرق في دمائنا، وفي اقتتالنا على امتلاك السماء؛ وينشغل الفلسطينيون برحيل غزة وبلهاث رام الله، فتمضي البلاد ومعها الجامعة نحو ذلك المجهول.
سأستمر في حبي لرام الله محاولًا ألا يدميني شوكها، وألا تهزمني حواجزها؛ وسأدخل قلبها المتعب كي أعود، كما كنا نفعل، إلى تلك القرية الوادعة، وأنبش فيها مقابر الذكريات، فعساني، مثل من يشتاقون معي إلى طلوع فجر بنفسجي، أجد بقايا مستقبل منسي وعطر عشيقة كان اسمها حرية وأثرًا للفراشات.
كاتب فلسطيني

 

 

التعليم العربي:

بين برجي بابل وبيزا

جواد بولس

 

أُعلنت مؤخرا نتائج الامتحان الدولي لتقييم الطلبة الثانويين، المعروف عالميًا باسم «بيزا»، وظهر، مرة أخرى، تدنّي مستوى التحصيل العلمي للطلاب في المدارس العربية، قياسًا بالمدارس اليهودية؛ كما أثبتت النتائج وجود تراجع في مستوى تحصيلهم، بالمقارنة مع تحصيلهم في السنوات السابقة.
حظي الخبر، كما كان متوقعًا، بردود الأفعال التقليدية نفسها التي نسمعها ونشاهدها في مثل هذه الحالات المحرجة؛ فالمحافل الواسعة والمؤسسات العامة الناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، عاشت يومها بشكل طبيعي وكأنّ الخبر لا يعنيها ولا يتعلق بمصائر أولادها ومستقبلهم؛ بينما سارعت، في المقابل، بعض الجهات القريبة من موضوع التربية والتعليم إلى ترحيل المشكلة بشكل أوتوماتيكي، وإلى تحميل المسؤولية عنها للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، التي سعت، بسياساتها العنصرية، لخلق هذه الفجوة، وما زالت تسعى للإبقاء عليها؛ فالتمييز الحكومي المتعمّد في رصد الميزانيات وإهمال قطاع التعليم عند العرب أدّيا إلى هذا التخلف، وإلى تجفيف عقول طلابنا وانحرافاتها. أمّا وزارة التربية الإسرائيلية، ومعها بعض المسؤولين الحكوميين الكبار، فعبّروا بدورهم عن عدم رضاهم من النتائج التي فاجأتهم، كما صرحوا، لأنهم قاموا برصد ميزانيات ضخمة، على حد تعبيرهم، في سبيل تحسين ظروف سلك التعليم العربي، ورفع مستوى التربية في المدارس العربية؛ أو كما أعلن، على سبيل المثال، وزير التربية والتعليم رافي بيرتس حين قال: «بالنسبة للوضع في المجتمع العربي، فإنّ الأمر يلزمنا بإجراء فحص عميق وجذري. لقد استثمرت وزارة التربية الكثير من الموارد والميزانيات في المجتمع العربي، وهذه المعطيات لا تتلاءم مع حجم الاستثمار». لقد خلص الفرقاء، رغم الاختلافات العميقة بينهم، إلى ضرورة تشكيل لجنة فحص/ تحقيق خاصة بهذا الموضوع، كي تدرس الوضع على حقيقته وتقف على أسباب ذلك التخلف والفشل.
لن يختلف اثنان على أن النتائج المعلنة تعكس واقعًا تربويًا محليًا مريضًا؛ فنحن، المواطنين العرب، نعيش تبعات ذلك التقهقر، وندفع أثمانه الباهظة في حياتنا اليومية؛ فمع نشوء أجيال جديدة من الجهلة والمشوهين تربويًا تتضرر هوياتنا الجامعة وتعيش مجتمعاتنا حالة من الانكسارات الذاتية والتشتت، وكذلك تضرب مناعاتنا السياسية والاجتماعية، فيشيع الخوف وتهرم روح الانتماء السليمة، وتقصر الطرق إلى عوالم العنف والجريمة وتنتشر الرذائل والمخدرات. لا اختلف مع من يرون بجميع الحكومات الاسرائيلية عنوانًا لهذه القضية/ المأساة، لكنني، مع ذلك، أرفض أن نكتفي بهذا التشخيص، وأن نبرئ أنفسنا مما يحصل لنا وبيننا؛ فأنا وأترابي تعلمنا، قبل خمسين عامًا، في مدارس متواضعة جدا، لم تعرف ساحاتها إلا الغبار في الصيف والوحل في الشتاء؛ لم نملك سيارات ولا درّاجات ولا هواتف خليوية. كانت غرف تدريسنا عارية من جميع كماليات هذا العصر، لكنها كانت ملآى بأنفاس معلمين آمنوا بقدسية رسالتهم وبمسؤوليتهم لبناء أجيال صُبّت أرواحها في قوالب من الكرامة الوطنية، ودُجّجت بالثقة والتوق للمعرفة وبالرغبة الإنسانية الفطرية لاكتساب العلم، والمضي نحو شق صدور المستقبل والانطلاق حيث لا يوجد مستحيل.
لقد كنا أولاد حاراتنا وحماة بلداتنا، حيث لم يفرقنا جامع ولا خطبة شيخ، ولم تبعدنا كنيسة ولا عظة كاهن. لقد كانت أفراحنا صغيرة وبسيطة لكنها كانت مواسم عز وبهجة، بينما كانت أتراحنا غصات تجمع وتؤلف. كان المال وسيلة ضرورية للحياة وللفرح الطييعي القنوع، لكنه لم يتحول ابداً إلى حالة من «الهوس» أو إلى خناجر تقتل الطيبة وتغتال المروءة في نفوسنا. تعلّمنا ونير الحكم العسكري البغيض جاثم على عقولنا؛ لأن إسرائيل الفتية أتقنت، كما تتقن اليوم، الشراسة وباقي فنون العنصرية. بقي أباؤنا في الوطن فخذلوا حلم الصهاينة الأوائل. خطط قادة إسرائيل لرحيل من عصا أوامر السيف ولم يرضَ الخيانة؛ أما الذين رفضوا وبقوا، فليعيشوا كعبيد في حضن الأسياد أو كسيقان قصب كسيحة وسقاة في مزارع العنجهية والقمع.

مع نشوء أجيال جديدة من الجهلة والمشوهين تربويًا تتضرر هوياتنا الجامعة وتعيش مجتمعاتنا حالة من الانكسارات الذاتية والتشتت

كبرنا كقصائد مزروعة في السماء ونشأنا، رغم الشحة والشقاء وهجر «الأشقاء» ومزايداتهم، أحرارًا نعرف كيف نحمي فراشاتنا من لسعات البرد، وكيف نصلّي للورد كي يزهر أحمر وكيف يذكّرنا بخدود نحلاتنا فنسكر.
لماذا تتذرعون إذن وتحتمون مع كل هزيمة بظل ذلك الشبح البعيد القريب؟ ولماذا تتنصلون من الفشل وتتهربون من عجزكم وتبكون على دم غد وئيد؟ فجميعنا نعرف كم كانت وما زالت إسرائيل ظالمة وعنصرية ومقيتة، لكنها، رغم كل ذلك، فشلت في تبديد إصرارنا، وفي تحويلنا إلى فتات من ريح؛ فكبرنا، أوفياء لوصية الصبر والسرو والطين، وركضنا حفاة نحو الشمس، وقفزنا بين زخات الجراد كعنادل على بيادر الأجداد. لم تحبّنا إسرائيل في يوم من الأيام وحين أبكتنا سقينا كرومنا بالدمع وبتناهيد الأمهات الكادحات. لم نهزم إلا عندما تخلينا عن وصية الأباء الذين تخرجوا من مدارس العزة والقهر وخرجوا نبهاء من شرايين النكبة، وفهموا وأفهمونا أن بالعلم وباحترام العقل يصمد الإنسان ويسعد.
كم تغويني خدعة الاستطراد، لكنني على قناعة أن مشكلتنا لم تبدأ بنشر نتائج امتحانات «بيزا» ولا بدلائلها، ولا بما تنذر منه أو تفضي إليه؛ فمصيبتنا كبيرة ولا أرى لها في الأفق حلاً ولا مخرجاً وشيكاً؛ ولا أعرف، أصلًا، من قادر عندنا ومن معنيّ بفحصها بأمانة وباستقامة وبمهنية لا تدين للجبن ولا للرياء، وبعدها فلنسع إلى الحرب والقتال. لم أكن، في الحقيقة، على دراية بتفاصيل وبتاريخ امتحان «البيزا» المذكور، إلا أن تداعيات نشر نتائجه الأخيرة شدّتني. مع كثير من الحذر، أعلن أنني غير متأكد من كونه وسيلة تقييم بريئة وملائمة لأوضاع طلابنا ومدارسنا ونظام تعليمنا الحالي. لقد بدأت فكرته كمشروع استجلائي بادرت اليه بعض الدول، مثل استراليا، بهدف فحص قضية « تنوّر» الطلاب، ابناء الخامسة عشرة، في ثلاثة مجالات تعليمية: التنوّر القرائي (في لغة الأم) والتنور في موضوع الرياضيات وأخيرًا، التنور في العلوم. كان الهدف من فحص مسألة التنوّر هذه، التي تحتاج بحد ذاتها إلى مزيد من التوضيح والشرح في حالتنا، الكشف عما اكتسبه الطلاب من مهارات معرفية سيحتاجونها في حياتهم عندما يبلغون سن الرشد. لن أسهب فالتفاصيل كثيرة؛ لكنني على قناعة بأن السواد الأعظم من المواطنين العرب لا يعرفون شيئًا عن هذا الامتحان ولا عن تاريخه، منذ أطلق قبل زهاء عقدين، أو من أشرف ويشرف عليه، وما هي أهدافه وكيف ومن يعمل على تطبيق خلاصاته، وما إلى ذلك من أسئلة تضعنا أمام تساؤل جوهري حول غاياته المنشودة ومدى مطابقتها لأجهزتنا التربوية والتعليمية المحلية. فالسؤال المركزي يبقى، برأيي، هل وكيف تفيدنا هذه التجربة، ومن هو المكلف باستقصاء نتائجها ومتابعة مخرجاتها، خاصة ونحن نقرأ عن اتساع الفجوة، من عام إلى عام، بين الطلاب العرب والطلاب اليهود وباقي طلاب الدول المشاركة في التجربة.
لسنا بحاجة إلى روما ولا إلى قيصرها، ولا إلى «كاميرا» جديدة كي تصوّر لنا أوضاع البؤس في مدارسنا، وكي تذكرنا بسقوط الخيمة وبانتحار العقل؛ لأننا ببساطة نحصد ما نزرع، فالعرب الحكيمة حذرت جميع الغارقين في دماء الحياة وفي طيّباتها أنهم «هوسى والزمان أهوس»، وأهل الكهف لم يسمعوا اصلًا ببيزا ولا ببرجها المائل.
كاتب فلسطيني

 

 

سامي أبو دياك

وموت أمنية فلسطينية

جواد بولس

 

بدأنا نراجع تفاصيل الالتماس الذي قدمته الوحدة القانونية في «هيئة شؤون الأسرى والمحررين»، باسم الأسير سامي أبو دياك؛ بعد أن «بشّرتنا» سكرتارية «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية، صباح الاثنين الفائت، بقبول الطلب، وتقديم موعد الجلسة وتعيينها في الثاني من ديسمبر/كانون الأول المقبل، بدلا من موعدها الأصلي الذي كان مقررا في السادس من يناير/كانون الثاني المقبل.
قرأنا، مرّة أخرى، تداعيات القضية، وتحققنا من دقة الوقائع التي أوردناها؛ وتمنّينا أن يصمد جسد الأسير أبو دياك أسبوعا إضافيًا، كيما نمضي إلى معركتنا مع طواحين الهواء الإسرائيلية؛ فعسانا ننجح، باسم الوجع، بإقناع هيئة المحكمة بالإفراج عن أسير فلسطيني أكله المرض، ويعيش أيامه الأخيرة على أمل أن «ينعم» بالموت في حضن والدته وفي أرجاء بيته وتراب قريته.
ولد سامي قبل ثمانية وثلاثين عامًا في قرية «سيلة الظهر»، ففتح عينيه على صباح عبوس، لا يعرف طعم اكتمال الفرح. نشأ في بلدة فلسطينية تجيد كسائر أخواتها، لغة الغبار؛ ومشى مثل أترابه، نحو ماض لصيق كظل لشبح غد رمادي كسيح.
هو ابن لجيل تربى، بفطرة الفوضى، على قيم شوّهها الاحتلال، وعلى حالة كل ما فيها «سائل» وملتبس؛ فلا معنى للحب ولا لصفائه إلا إذا واجه نقيضه الدامي، ولا قيمة للحياة إلا إذا تحققت على عتبات الموت.. موتك أو موت نقيضك.
كان في الثانية والعشرين من عمره عندما قرر دفع حصته في الذود عن شرف الوطن؛ فقتل ثلاثة من عرب  «باعوا روحهم وضاعوا»، حسبما جاء في لائحة اتهامه، وحُكم، في أعقاب ذلك، في محكمة الاحتلال العسكرية لثلاثة مؤبدات وأكثر.
كبر في السجن، كما تكبر الأيائل في الأسر؛ عالمهم مدىً من مجازات واخزة، وأيّامهم مجرد انكسارات لأضواء خافتة تبعثها بقايا أرواحهم الحزينة. كان سامي يتغطى بنتف من فجر أبيض، ويتنفس تحتها كما يفعل دود القز، فيفيق كل يوم محلقًا على شيفرة ضوء ساحر وبعيد.
لم يواجه سامي الأسير عبء السؤال وحيرة الشك، ولم تشغله هواجس العدل الآدمي ولا غضب السماء؛ فالتفكير الرويّ، وانت في حلق اليأس، ترفٌ لا يجيده إلا الفلاسفة والشياطين، لاسيّما إذا كنت مثله، تعيش على أهداب ثورة تقاوم النعاس والخبل.
بدأت صحته تتراجع بشكل ملحوظ عام 2015؛ وبعد عدة فحوصات وجد الأطباء انسدادًا في أمعائه فأخضعوه لعملية، أوهمتهم بأن حالته في تحسن؛ لكنهم اكتشفوا بعد الانتهاء من الاجراءات المخبرية انه مصاب بسرطان الأمعاء، وأن القدر قد قرر، هذه المرّة، أن يتدخل وكأن قضاء الاحتلال كان مجرد طعنة في الهواء.
بعد إعلامنا بسوء وضعه الصحي قمنا، طاقم المحامين، بتقديم طلب للإفراج المبكر عنه لأسباب مرضية وخسرنا، كما كنا نتوقع، الجولة الأولى فعاودنا المطالبة بعد عامين. وزودنا اللجنة المتخصصة بمجموعة تقارير أعدّها الاطباء الذين كانوا يعالجونه في المستشفيات الإسرائيلية، وكذلك بعض الاخصائيين الخارجيين الذين توجهنا إليهم، ففحصوه وقرروا أن وضعه قد وصل إلى مرحلة حرجة، وأن مرض السرطان قد انتشر في عدة أعضاء داخلية من جسده.
استمعت اللجنة لادعاءات المحامين وقرأت التقارير الطبية التي قدمت أمامها؛ لكنها، رغم قناعتها بأنه مصاب بالسرطان، وبأن احتمالات علاجه وشفائه معدومة، رفضت الإفراج عنه بتبنّيها ذرائع نصّتها أياديهم المجبولة من جبص وطين.
وهن جسد سامي بشكل ملحوظ حتى بدا لنا في الزيارات الأخيرة كالظل؛ فقررنا تقديم طلب إفراج جديد، إلا ان لجنة الإفراجات رفضت التعاطي معه بالمطلق، بمقتضى تعليمات قانون «مكافحة الإرهاب» الذي كانت الكنيست قد صادقت عليه عام 2018 وحظر بموجبه على لجنة الإفراجات التعاطي مع طلبات إفراج عن الأسرى المحكومين بالسجن المؤبد، على خلفية ضلوعهم في عمليات قتل «إرهابية».

الظلم أعمى والأمل باقٍ كنطفة ستكبر حتمًا هناك عند حفاف الغيب، حيث سأكون شبحًا يقضّ ليل الظالمين

حاولنا التوجه مرة أخرى لتلك اللجنة بادعاء أن ليس للقانون أثر رجعيّ، فقضية الأسير سامي كانت منظورة أمامهم قبل صدور ذلك القانون، إلا ان أعضاءها رفضوا حتى مجرد استلام الطلب. لم يتبقّ أمامنا إلا تقديم طلب عفو من قائد جيش الاحتلال؛ فأمنية الأسير، الذي باتت أيامه معدودة، هي أن يموت في حضن والدته وبين أهله.
قدمنا الطلب وانتظرنا أكثر من شهر؛ إلا أننا لم نتلقّ أي رد أو إشعار عليه، فاضطررنا إلى تقديم التماس لمحكمة «العدل» العليا الاسرائيلية. قدمنا الالتماس في أوسط أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، وعلمنا بان سكرتارية المحكمة عينت موعدا للجلسة يوم السادس من يناير 2020 المقبل. شعرنا بمهانة وبخيبة أمل؛ فإرجاء موعد الجلسة لأكثر من شهرين، فيه رسالة واضحة للملأ، مفادها: وما ضر أن يموت الفلسطيني وتموت معه الأماني، ولماذا لا تبكي أمه وهي تدفن في حضنها غصة!
لم نرضَ بقرارهم، فطالبنا بتقديم موعد الجلسة محذرين من أن جميع الشواهد تؤكد أن الملتمس، سامي أبو دياك، يعاني من وضع صحي حرج؛ وأنه، في الواقع، يترنح على شرفة العمر، ويستعدّ لرحلته المقبلة إلى قلب العدم. فرحنا عندما استلمنا قرار تقديم الجلسة وخشينا، في الوقت نفسه، لعنة القدر.
قضيت ليلتي وأنا أتمرن على أوقع وأبلغ المرافعات التي عليّ أن ألقيها، بعد عدة أيام، على مسامع القضاة الثلاثة. حرت في غابة من النصوص والخيارات وجرّبت أمام مرآتي خطبة المحارب: «لم آتيكم لأنني مؤمن بعدلكم»، قلت، «فلطالما كنتم الذراع الطولى التي حملت بطش الاحتلال وأذلّت به شعب المقهورين، وأوقعته على أفئدة الأمهات وعلى مهج اليتامى الفلسطينيين. أنا هنا لأصرخ في آذانكم عساني أستحضر طائر البرق من ركام التاريخ ليأتي ويرقص أمامكم رقصة الموت، فتروا، ساعتها، كيف يذوي الحنين هناك في الغرف الباردة، وتزهر شقائقَ حمراء في قلوب أجيال لم تولد بعد، وينتشر عطره آمالا «سامية» على هضاب جنين. احكموا كما شئتم، فالارض عارية والسماء حبلى والبقية أبدية عند من يحمي الندى من عبث السيافين».
كانت خطبة نارية قاسية، لجأتُ بعدها إلى حيلة المراوغ فأضفت: «جئتكم باسم الأمّهات الباكيات اللائي لا يرجون من الحياة سوى ضمة أخيرة لارواح أبنائهم الذابلة.  لا تحدثوني عن قوانينكم الجائرة ولا عن من نصَّ، في غابر الأزمان، إن العين بالعين وإنّ السن بالسن؛ ولا تأخذوني إلى بستان آدم وجنته العاثرة، ولا إلى حكمة الدم في لحم قايين، فكل ما أريده منكم هو أن تدعوا ساميًا يموت بعيدًا عن عيونكم الضاحكة».
لم أشعر متى أغمضت عينيّ ولا متى نمت على الكنبة. أفقت في ساعة مبكرة من صباح ثلاثاء سوداء قاهرة، فسمعت أن سامي قد سلم الروح ورحل. تملكني حزن شديد؛ وتذكرت مسيرة الهزائم الطويلة التي ما فتئتُ أخطو على دروبها منذ أربعة عقود، ولم ألق عليها إلا قصاصات ورق صفراء وعليها اسماء ناس وماس.
لم أجد ما سأقول للقضاة الذين كانوا سينتظرونني على شوك، سوى وصية شاب أسمر كان قد وُلد في حقول البارود، وعاش وهو يتقلى في قهر ومن غضب؛ فصرخ، قبل الرحيل، وقال: «لا تدعوا الشماتة، يا اخوتي، تذيب صدروكم؛ فالظلم أعمى والأمل باقٍ كنطفة ستكبر حتمًا هناك عند حفاف الغيب، حيث سأكون شبحًا يقضّ ليل الظالمين، ونجمة تضيء لأمي ليل دموعها، وتمسح العتم عن روابي خلاني».
كاتب فلسطيني

 

 

القدس مدينة

 الحجارة الباكية

جواد بولس

 

أغارت عناصر من قوى الأمن الإسرائيلية، قبل أيام، على عدد من المؤسسات المقدسية؛ ثم أعلنت، بعد تفتيشها ومصادرة بعض محتوياتها، عن إغلاقها، وذلك بمقتضى أمر صادر عن وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، وفقًا لصلاحياته حسب ما يسمى بقانون تطبيق الاتفاق الانتقالي في الضفة الغربية وقطاع غزة (تحديد نشاطات) لعام 1994.
من بين ضحايا هذه «الغارة»، التي لن تكون الأخيرة في المدينة، كان مبنى مستأجر في حي «الصوانة» من قبل شركة «الأرز للإنتاج الفني»، وهي شركة تقدم خدمات تقنية لفضائية تلفزيون فلسطين الرسمية؛ ومكاتب مديرية التربية والتعليم؛ ومدرسة دار الأيتام الإسلامية التي تعمل تحت إدارة ومظلة دائرة أوقاف القدس، التي تم اعتقال مديرها سمير جبريل.
سينسى العالم بعد أيام ما حصل، فهذه الهجمة لن تُحدث ردود فعل مأساوية، محلية أو عالمية؛ كما لن تستثير مشاهدُ الجنود الإسرائيليين، وهم يقتحمون المباني ويعبثون في محتوياتها، هممَ «الثوّار» أو سهام فيالق المنافقين؛ ولن تجِد إسرائيل، بالتالي، نفسها مجبرة على إعادة حساباتها وسياساتها تجاه القدس الشرقية، وتجاه سكانها، رغم ما ستسمعه من بيانات شجب وتنديد قاسية ومن أناشيد الغضب والوعيد. لقد حذرنا، منذ سنوات، من تأثير ممارسات إسرائيل في القدس المحتلة، وقلنا إن المدينة تخضع لعملية اغتصاب بشعة، وإنها تقف على حافة الضياع. قد يقول قائل بأن مطامع وسياسات إسرائيل، أزاء القدس، لم تختلف طيلة العقود الماضية؛ فمنذ لحظة احتلالها الأولى عام 1967، أعلنت حكومة إسرائيل ضمّها كعاصمة أبدية لها؛ لكننا، في الوقت نفسه، نعرف أنها، رغم محاولاتها الدؤوبة لابتلاع المدينة، لم تنجح عمليًا في تحويلها إلى مدينة واحدة؛ وبقيت القدس الشرقية، على الأقل حتى مطلع الألفية الثالثة، فلسطينية النبض بدون رتوش، وعالمية الأبواب والقباب بدون خدوش.
ونعرف، كذلك، أن أهلها ومجتمعها وقفوا وراء قادتهم الأوفياء كالطود متماسكين في وجه العواصف، وواجهوا، وهم موحدون حول هوية وطنية واضحة جامعة، كل هجمات إسرائيل على مدينتهم؛ فصمدوا لأنهم كانوا يتنفسون معًا أنسام الحرية الحمراء، ويعرفون مَن هو العدو ومَن الصديق، ويبحرون صوب شاطئ الأمل، برايات وبيارق موحدين. لم يترك «العالم» القدس تقاتل لوحدها، فأحاطوها بحضن دب جائع. مدّ الأعداء إلى نحرها الرماح فنزفت كالعروس على مهل؛ وغز «الأشقاء» في خواصرها خناجرهم، فبكى على جيدها الياسمين؛ نامت عذراء الشرق، مخدّرة من أدعية بعض وعاظ السلاطين، وأفاقت مذعورة على طرطقة فضة «يهودا» وعلى صراخ باعة الحمام وتعاويذ النخاسين.

عرف القائمون على تنفيذ وإنجاح المشروع الصهيوني الكبير بأن الطريق إلى النصر سيصبح سهلًا بعد تشظية الوجود الجمعي المقدسي الفلسطيني

تلقف قادة إسرائيل هدية السماء بفرح وبخبث عظيمين، وأحسوا وهم أحفاد يوشع وقابيل، أنهم يمسكون بقرون «أطلس» وبأن الزمن صار تحت أقدامهم تبرًا ورمادًا، فبدأوا ينهشون أضراعها ويتقدمون في شرايينها على وقع الحديد والمزامير. لا وقت، في هذه المقالة، لعد المقاصل ولإحصاء الوعود ولتسمية جميع «خضراوات الدمن»؛ فنحن نعيش عصر العجز العربي، ونشاهد، منذ اكتشفت المنابر سحر الكذب والرياء، هزائم العرب؛ ونرى كيف تدفع قدسنا أمامهم «لبيلاطس» جزيتها فيتقاسمها مع جميع خلانه من غيلان المال والدم، وأمراء الشهوة والنار. علمت إسرائيل أن فوزها بالجغرافيا والتراب فقط لن يحوّلها إلى «أميرة» الشرق، ولا الى جارة للقمر، ولا إلى «سيدة» الأحلام والنحاس؛ فسعت بمثابرة ثعلب وبمراوغة ذئبة، إلى تقطيع أوردة أمل المقدسيين، وإلى تشتيت لحمتهم الوطنية والسيطرة على بواطن يأسهم وإلى الدخول عميقًا في جيوبهم والاستيطان في صدورهم.
لم تنجح في مساعيها، رغم البطش والرش، إلا بعد رحيل فارس القدس الوفي فيصل الحسيني، عندما قامت مباشرة بعد وفاته بإنزال ضربتها الماحقة الأولى، حين أعلن وزير أمنها الداخلي في شهر أغسطس/آب من سنة 2001 عن اغلاق «بيت الشرق»، وعدة مؤسسات فلسطينية مؤثرة ومهمة، كان من بينها «الغرفة التجارية الصناعية العربية» و»المجلس الأعلى للسياحة» و»مركز القدس للتخطيط» و»مركز تطوير المشاريع الصغيرة» و»مركز أبحاث الأراضي» و»نادي الأسير الفلسطيني» وغيرها من المؤسسات المدنية التي كانت تقدم خدماتها المتنوعة لأهل القدس وللفلسطينيين عمومًا. لم تقم إسرائيل بإغلاق تلك المؤسسات صدفة، وبدون غاية استراتيجية مدروسة؛ فساساتها أولئك الذين يخططون معاركها، استهدفوا كسر عامودها الفقري، وحدة المجتمع المقدسي، وهويته الفلسطينية الجمعية، التي شكلت في الواقع، العقبة الرئيسية في وجه تمرير مخططات إسرائيل فيها، وأفشلت تفريغ المدينة من سكانها العرب، وتوحيد شطري المدينة وإخفاء حقيقة كونها مدينتين مختلفتين ومشطورتين بحراب الاحتلال. لقد عرف القائمون على تنفيذ وإنجاح المشروع الصهيوني الكبير بأن الطريق الى «نون» النصر سيصبح سهلًا بعد تشظية الوجود الجمعي المقدسي الفلسطيني، وأن هذا لن يتحقق الا إذا استطاعت إسرائيل القضاء على منظومة عمل المجتمع المدني ومؤسساته الناشطة في القدس، بشكل مستقل وتقدم خدماتها للناس بعيدًا عن وزارات الاحتلال وعن بلديته.
كانت هذه الجمعيات والمراكز على أنواعها تفرز ما يشبه الصمغ الوطني داخل المجتمع المقدسي وتمتّن، من خلال نشاطاتها وعلاقاتها المباشرة، أواصر الهوية الفلسطينية الواحدة، وتنمّي روح الانتماء الكلّي والترابط العضوي بين الأفراد، وبعضهم، وبينهم وبين مؤسساتهم؛ فعمليًا لم تتوقف أهمية ما كانت تقدّمه هذه المؤسسات على الدعم المادي والمعنوي، لانها شكّلت مظلة واقية، رسمت تحتها خرائط الأمل الشعبي ونمّت مشاعر الإيمان بالمصير المشترك، فصار للصمود في المدينة معنى، ولحياتهم فيها هدف سامٍ وقناعة بأنهم ماضون على طريق التخلص من الاحتلال والحصول على الاستقلال في دولتهم المستقلة. لم يكن «بيت الشرق» مجرد مؤسسة أهلية اجتماعية مدنية عادية، أو رمزًا سياسيًا فلسطينيًا هامشيًا، بل شكّل طيلة سنوات وجوده «ضدًا» للوجود الإسرائيلي، ودليلًا قاطعًا، أقر به البعيد قبل الداني، على أن القدس الشرقية هي مدينة فلسطينية تستطيع أن تدير جميع شؤونها كعاصمة لدولة فلسطين العتيدة. لقد تحول «البيت» مع السنين، بجهود الفيصل ومعه ثلة من القادة والشخصيات المقدسية الوفية والمنتمية، إلى قبلة القضية الوطنية، وإلى الخيمة الجامعة والمظلة الواقية، التي وفرت للمقدسيين بوصلة للاسترشاد وللنضال الوطني السليم ، وسببًا للانتماء النقي ومثالًا للتضحية والعطاء.
لم يحمِ الفلسطينيون «بيتهم» كما حماه فيصل ورفاقه ومقدسيو ذلك الزمن؛ فبعد نجاح الاحتلال الإسرائيلي بإغلاقه وإغلاق عدد من المؤسسات المؤثرة معه، غدت مهمة القضاء على ما تبقى من جمعيات ومراكز فلسطينية، سياسية واجتماعية مدنية، عملية سهلة، كما رأينا خلال العقدين الأخيرين، وكما شاهدنا في الأسبوع الأخير.
تغلق إسرائيل المؤسسات الفلسطينية بمقتضى قانون شرّعته بعد اتفاقيات أوسلو، وحظرت فيه ممارسة أي نشاط فلسطيني في المدينة ذي علاقة اياً كانت مع السلطة الفلسطينية ووزاراتها، أو مع منظمة التحرير ودوائرها. لا أعتقد أن المشكلة تتوقف عند عتبات هذا القانون، بل المصيبة بمن خنعوا لسياط هذا القانون، فإسرائيل تتصرف بعنجهية فرعونية مفرطة، لأنها تعرف أن المدينة منهكة، ولا يوجد من هو قادر أو معنيّ بشكل حقيقي بصدها. لقد خلق فيصل وجيله ميزان ردع متبادل مع الاسرائيليين، فأجبرهم على احترامه وعلى التصرف وفقًا لقوانينه؛ وعاش مؤمنًا بحق شعبه بدولة مستقلة في حدود يونيو/حزيران 1967 فلم يزايد ولم ينتظر الخلاص المدعوم بالوهم والدولار؛ ولم يكتفِ بالدعاء حتى تهبط طيور الرعد والنار لإنقاذ المدينة، بل خاض جميع معاركه من أجل الكرامة والصمود اليومي، لأنه كان يعرف أن من لن يناضل في سبيل «مدينته» وهو حر كالعواصف والجبال، سيبكيها يومًا وهو عبد…
كاتب فلسطيني

 

 

مواطنون

بين صاروخين

 

جواد بولس

 

تتكرر سيناريوهات العبث في فلسطين وتتشابه مشاهد الفصول الدموية حتى التعب.
تتبدل أسماء الضحايا في شوارعها، وتبقى غزة مفردة رديفة للوجع وللقهر. لم تشِخ ذاكرة الرمل على شواطئها الذهبية، ولم تهزم الريح موجها العنيد. لم يترك القدر لأهلها خيارًا إلا البقاء عند تخوم الأمل الأزرق، فينامون على موسيقى الفجر ورعد القذائف ولا يخافون عزيف الجن.
قبل أيام أفاقت غزة على صوت الموت، وعلى نثار الملح ينقر على خدود الغد. بعد دقائق من انتشار نبأ اغتيال إسرائيل للقائد في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا، وقتل عدد من أفراد أسرته معه، غرقت فضاءاتها بسيل من أقلام المحللين والمعلّقين والمفكرين، الذين أسهبوا في تحليل الحدث، وفي وصف خلفياته، واقتفاء غايات ودوافع بنيامين نتنياهو الشخصية من ورائه؛ فأجمع معظم هؤلاء على أنه اختار التوقيت الأمثل في محاولة جديدة منه للتملص من مواجهة القضاء ومحاكمته، من خلال تفعيل الضغوطات على جميع الأحزاب الصهيونية، خاصة على حزب «الأزرق والأبيض»، وإجبار رئيسه، الجنرال غانتس، باسم حالة طوارئ مختلقة ووهمية، على قبول خيار حكومة الوحدة الوطنية، وفقًا لما طرحه رئيس الدولة رؤبين ريفلن .
وقد زعم بعض الإعلاميين الإسرائيليين، بأن قرار اغتيال القائد الجهادي أبو العطا كان قد اختمر في عقل نتنياهو ليلة العاشر من سبتمبر/أيلول الماضي؛ بعد أن أجبره حراسه على قطع خطبته الانتخابية التي كان يلقيها أمام مئات من داعميه في مدينة أسدود الجنوبية. لقد تزامنت خطبته مع سقوط عدة رشقات صاروخية أطلقت من جهة غزة نحو مدينتي أسدود وعسقلان المتجاورتين، وأدّت تلك الهجمات إلى فتح الملاجئ وإلى احتماء المواطنين فيها. كانت صور بنيامين نتنياهو التي بثت على جميع شاشات الفضائيات الإسرائيلية، وهو يُدفع ويبتعد بهرولة عن المنصة، ومناظر انفراط الحفل وهروب الحاضرين، مهينة له وجارحة لأناه المنفوخة، ومناقضة لصورة «السوبرمان» التي عمل على ترسيخها منذ سنوات، وحاول تسويقها لعامة الناس ورعاعها. لا شك أن هذه الحادثة أثّرت في قرار نتنياهو أو ربما قد حسمته.

نسمع كل يوم ما تكرره معظم الفصائل الفلسطينية، حين يؤكد قادتها على أن عدوهم واحد، بينما نراهم يتصرفون، وكأنهم عشرون «قبيلة»

في الحقيقة لا تعنيني دوافع نتنياهو فهي كثيرة وموجودة عنده أصلًا. كما لا تهمني المسوغات التي استعرضها قادة الأجهزة الأمنية أمام حكومتهم، وأقنعتهم بضرورة تنفيذ عمليات الاغتيال، واستعدادهم لإدارة جولة من المناوشات الدامية الجديدة على حساب أهل غزة؛ فأنا مستفَزّ بالأساس من مواقف دول «شقيقة» عربية وإسلامية بدأت تتدخل وتتلاعب في شعاب غزة؛ ومن مواقف حكومات وفصائل وتنظيمات محلية وشرق – أوسطية وعالمية، آثرت الصمت أو اكتفت، في أحسن الأحوال، بإصدار بيانات شجب خجولة؛ علمًا بأنها لو أرادت لكانت تستطيع التأثير على إسرائيل، أو مناصرة أهل غزة بشكل حقيقي وفعلي.
نسمع كل يوم ما تكرره معظم الفصائل الفلسطينية، حين يؤكد قادتها على أن عدوهم واحد، بينما نراهم يتصرفون، خاصة في وقت المحن، وكأنهم عشرون «قبيلة» وظل لمستحيل. لن تفيدنا المكابرة ولا الإنكار؛ ففي كل عام يمر، تبتعد غزة عن القدس ورام الله. وقد يستهجن البعض ما أقول، لكنني مقتنع به تماما؛ فرغم تشابه الاعتداءات الإسرائيلية بظواهرها وانعكاساتها، وبلون الدم الغزّي المسفوك، لم تستهدف إسرائيل «العدو» نفسه في جميع غزواتها، ولم توصل الرسائل نفسها، ونراها قد حققت بعد كل «حركشة» إنجازًا مغايرًا ؛ ففي هذه المرّة، مثلًا، تعمّدت إسرائيل، بشكل رئيسي، إيصال رسائلها لمن يقف خلف «حركة الجهاد الإسلامي»، وهذا ما قد يفسّر صمت كثير من الدول الإسلامية، التي ترى إيران الصفوية عدوّها؛ ويفسر ايضًا صمت بعض الحركات والفصائل الإسلامية وشيوخها، التي تستظلّ بعباءة السلطان، وتدعم حلمه باستعادة دولة الخلافة الكبيرة.
لن استرسل في شرح هذه الأبعاد السياسية الكبرى، ولن أراجع ما قال قادة الفصائل بعد كل معركة، وبعد نشر قوائم الشهداء والجرحى، وإحصاء الخسائر، ولن أرهقكم بمن غيّبوا عن «بوستاتهم» قضية غزة، أو شرّحوها وفق اهوائهم الفئوية؛ فأنا أعرف مثلكم بأن هذه الجولة ستنتهي قريبًا، وليس من الصعب التكهن بذلك، وأعرف أن جميع الأطراف والفرقاء سيعلنون مباشرةً، بعد انتهاء «المعركة»، عن انتصارهم فيها وعن سحقهم لآمال ومخططات عدوهم؛ فاسرائيل ستتبجح بأنها نجحت في تلقين كتائب الجهاد ومن وراءها درسًا؛ وبأنها علّمت غزة كيف عليها أن «تتواضع»، وأن تعرّف حدودها، وألا تتحرش بأمن اسرائيل وتعتدي على سلامة مواطنيها؛ وستعلن، في المقابل، جميع الفصائل في غزة وفي طليعتها «حركة الجهاد» على أنها صمدت في وجه العدوان وأفشلت مآرب اسرائيل، بل إن صواريخ الجهاد نجحت بتقويض حالة الاستقرار الداخلية، وخلخلة مشاعر الأمن العام والفردي الإسرائيلي.
أما أنا فسأكرر، بعيدًا عن حسابات الدم المهدور، ما أكده علم السياسة، وما قلناه بعد مواجهات الماضي الموجعة، بأن اسرائيل لم ولن تنتصر في عدوانها المارق على غزة، لأن الطرف القوي عسكريًا، إن لم يقضِ على عدوه الضعيف عسكريًا، لن يُعدَّ منتصرًا؛ وفي المقابل، إذا لم يستسلم الطرف الضعيف عسكريًا ولم يمحق سياسيًا، فهو الذي يُعدّ منتصرًا وفق فقه التاريخ وفي أحلام البسطاء. ويبقى ذلك الانتصار موهومًا أو على الاقل منقوصًا؛ إذ قلنا بعد انتهاء الجولات السابقة، إن «انتصار» الغزّيّين في المعركة، لن يصير حقيقيًا إذا لم يُفضِ إلى إعادة اللحمة والهواء لرئتي فلسطين/ الوطن؛ ولا يصحّ اليوم إلا أن نؤكد مجددًا، آسفين على ذلك، مع فارق مؤلم ومستجد، وهو أن حكام غزة سمحوا خلال الأعوام الماضية بتحويل أرض القطاع إلى ساحة تتنازعها الدول الكبيرة، وبعض الدول الصغيرة الشقيقة الحليفة لتلك الدول؛ وهم بهذه الحالة رهنوا مصائر أهلهم لتلك المصالح الغريبة وأخضعوها لجهات تعمل بدوافع خارجية، وذلك كما ظهر في التحركات الأخيرة التي قادتها، هذه المرة، حركة الجهاد الاسلامي.
ما حدث في غزة يُبعد مساعي الوحدة الفلسطينية، ويجهض فرصة إجراء الانتخابات التي كانت أصلًا محاولة عسيرة ومتعثرة؛ لكنه، فوق كل ذلك، ألحق وسيلحق أضرارا جسيمة فيما حققه المواطنون العرب خلال معركة الانتخابات الاخيرة للكنيست. ورغم قناعتنا بأن حزب الجنرالات، أزرق وأبيض، كان بعيدًا عن تحقيق طموحاتنا السياسية، إلا أن نجاحه في وجه نتنياهو تعدى أهمية كونه جزئية انتخابية هامشية وضيقة، وذلك لأننا اعتبرنا أن فشل نتنياهو ومعسكره قد يتحول إلى بداية مسيرة نحو الافضل، أو على الأقل، انجازًا قد يوقف زحف اليمين والفاشية نحو نظام حكم كارثي على وجودنا وعلى مستقبلنا في الدولة. أما اليوم فنحن نرى كيف جنّد نتنياهو سقوط هذه الصواريخ على المدن الاسرائيلية؛ ونجح، بسبب ذلك، بتمتين موقعه السياسي؛ وبالمضي، بخطى حثيثة، نحو اكتساب شرعيته من جديد وشرعية حكم اليمين المستبد، واستعادة مكانته كقائد لا يستغنى عنه، على ما قد تعنيه عودته إلى رأس هرم السلطة وتبعاتها علينا.
كم قلنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، إننا نقف مع وجع غزة، ونقول اليوم، رغم إننا بين نيران صاروخين، كما قال ابنها معين بسيسو لعينيها «حينما أرسف بالأسوار في كل مساء، ولَكَم مرّ مساء مساء، ويحوم الليل كطائر في منقاره خيط ضياء، لنجوم لا أراها في السماء، يفرد القلب جناحيه بعيدا ويطير لبساتينك يا غزتي الخضراء في ليل الجحيم».
فنحن مع غزة عندما تتوجع..ولكن، يا ترى، من معنا؟
كاتب فلسطيني

 

 

 

خيمة الإصرار والأمل

جواد بولس

أنهى نوّاب القائمة المشتركة يوم الثلاثاء الفائت إضرابهم عن الطعام، وأزالوا خيمة الاعتصام التي نصبوها لمدة ثلاثة أيام كاملة أمام مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.
زرت خيمتهم متضامنًا، أسوة بعشرات الوفود والشخصيات التي سافرت على طريق الندى، من شمال البلاد وجنوبها، لتعبّر عن موقفها ضد الجريمة والعنف المتفشّيين في القرى والمدن العربية، أو ربما لتسعف ضمائرها من عذابات الانتظار على «سين» اليأس ومن آهات التيه في دهاليز العجز.
أخطأ كل الذين هاجموا الخيمة وسكّانها؛ وأنا لا أعني من يحترفون التشهير محتمين برداء «وطنية» عذراء عارية وأبدية فحسب، بل أقصد أولئك الذين يدّعون أحقية القيادة ويحاولون اكتسابها عن طريق تقزيم كل خطوة، أو قرار يتخذه قادة القائمة المشتركة، حتى لو انضمت إليه، كما في هذه الحالة، لجنة متابعة شؤون الجماهير العربية في إسرائيل واللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية والبلدية العربية في البلاد. أمضيت في الخيمة بضع ساعات ذكّرتني كيف كنا ونحن طلّاب جامعيون نتظاهر في ذلك الموقع، ونقطع الطرقات، على موكب رئيس الحكومة مرة، وعلى وزير المالية مرّات، محتجين على قرار حكومي عنصري بحقنا، نحن المواطنين العرب، أو ضد ضريبة مستحدثة كنا، نحن الطلاب وأهلنا الكادحين وإخوتنا فقراء الشعب، ضحاياها.
كل من دخل الخيمة شعر بدفء خفيف ومريح، وأحسّوا مثلي، بأنه ليس القلق وحده يجمعنا بل هنالك شيء ما جميل ينتظرنا على منحدرات الأمل المفقود، وأن هذا «الشيء» قد يقودنا نحو وجهة الخلاص التي ما زالت بعيدة.
كان المضربون عن الطعام يستقبلون الوافدين مثل أصحاب العرس؛ يتحركون بنشاط متثاقل وبطفولة بشوشة وصادقة؛ كان بعضهم يهزأ من جوعه ويستذكر القساوة في إغواء التفاح؛ ورغم قلة الخبرة في ممارسة طقوس النضال المختلط والموحد، حرصوا جميعًا على أن يعايشوا تاريخية اللحظة بعفوية طموحة وبحدس سليم، فأوحوا للضيوف بأنهم، رغم اختلاف منابع الهم والرؤى، يكوّنون رهطًا متجانسًا، وأنهم مصممون، رغم مشاكسات الماضي وحداثة التجربة، على المضيّ برويّة وحذر، في فج الضباب، والسير في طريق عساه يقودهم، رغم المشقة والظلمة، نحو تحقيق ذواتهم وايقاف نزيف الدم السائل من شرايين مجتمعنا.
لم تتحوّل الخيمة إلى مزار شعبي يضج بألوف الزائرين، لكنها أصبحت عنوانًا يصعب اغفاله أو غض النظر عن وجوده، ونجحت، بالتالي، في استقطاب عدد من رؤساء المجالس والبلديات العربية، وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والى جانبهم، عدد من أعضاء الكنيست اليهود من أحزاب مختلفة، الذين جاءوا، في ما يشكل سابقة لافتة ومرضية، ليعبّروا عن تضامنهم ووقوفهم ضد سياسة الحكومة وفشلها في مواجهة عصابات الإجرام الناشطة داخل مجتمعنا العربي، وضد إهمالها في معالجة ظواهر العنف وملاحقة العابثين بالقانون وبالسلم الأهلي. كان حضور وسائل الإعلام المحلية والعبرية والدولية بارزًا ومهمًا؛ وشكّلت إشارات تضامن السائقين والعابرين اليهود من أمام الخيمة «لفتة» إيجابية مدّت الحاضرين بوجبة من التفاؤل، وعززت قناعتهم بأهمية خطوتهم ونجاحها النسبي في جذب عناصر جديدة من الرأي العام، وتجنيدهم لصالح قضايا المواطنين العرب، وضد السياسات العنصرية الحكومية بحقهم.
قد نسميها «خيمة الإصرار» على الحياة بكرامة وبدون خوف ووجع، وهي رغم صغر حجمها، توسطت وواجهت، بمجازية غير مقصودة، مكتب رئيس الحكومة، ومبنى المحكمة العليا الإسرائيلية، وهما السلطتان المسؤولتان، مع ثالثة الأثافي الكنيست، على تعاسة المواطنين العرب وعلى معاناتهم الطويلة والدائمة. كان مبنى المحكمة وراءنا، لكن أطياف قضاتها سكنت الخيمة فأشغلتنا مواقفهم المستفزة على الاغلب والملتبسة أحيانًا، خاصة عندما عبّر بعض الحاضرين عن ارتياحهم من قرار تلك المحكمة الصادر في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، والقاضي بإلزام المستشار القانوني للحكومة بتقديم لائحة اتهام ضد الشرطي، الذي قتلت رصاصته الشاب خير الدين حمدان ابن قرية كفركنا الجليلية عام 2014.

«محكمة العدل العليا الإسرائيلية» لم تعد عنوانًا لتظلمات المواطنين العرب، بعد حشوها المتعمّد بقضاة يمينيين معروفين بمواقفهم السياسية المنحازة

لم يقرأ معظم الناس تفاصيل ذلك القرار، ولم يربطوا بينه وبين قرار المحكمة نفسها، الذي أجاز، قبل أيام، ترحيل الناشط الحقوقي عمر شاكر، بذريعة تأييده لمقاطعة جميع إفرازات الاحتلال الإسرائيلي وممارساته غير الشرعية. حاولتُ وبعض الحقوقيين الذين تواجدوا في الخيمة أن اشرح بأن الصدفة فقط أفضت إلى «انتصار» الدم العربي على رعونة السياف ومحكمته العليا، ونصحت السامعين بالانتظار لنرى كيف ومتى سيدفع ذلك الشرطي القاتل جزاءه، فالأمور، هكذا علمنا القهر، تحكمها خواتيمها وتبقى أماني المظلومين منابت للورد أو للخيبات أحيانًا.
«عندما يستعمل شرطي قوة قاتلة يتطلب الصالح العام تحقيقًا قضائيًا»، هكذا كتب قاضيان، أحدهما عربي، من أصل ثلاثة في تبرير قرارهما المذكور. لم يوافقهما القاضي الثالث، نوعم سولبرغ، وهو مستوطن في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فلو ترك الأمر له لقضى بعدم وجود ضرورة لفتح ملف القضية، بعد أن أغلقها المستشار القانوني للحكومة. إنه قاض يميني وأيديولوجي لا يخفي مواقفه السياسية، بل يلجأ اليها، سرّاً وعلانية، في تبرير قراراته المسيّسة، مثلما فعل، مع زميليه، في قضية عمر شاكر الذي كان يمثل ويعمل من رام الله باسم منظمة «هيومان رايتس ووتش» وهي واحدة من أكبر المنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان في العالم. لقد كتبتُ وأكدتُ في الماضي على أن «محكمة العدل العليا الإسرائيلية» لم تعد عنوانًا لتظلماتنا، نحن المواطنين العرب، ولا ملجأ لضحايا قمع الاحتلال وممارساته الوحشية اليومية؛ فهذه المحكمة/المؤسسة فقدت مصداقيتها منذ سنوات لكنها تعرّت مؤخرًا بشكل سافر وذلك بعد حشوها المتعمّد بقضاة يمينيين معروفين بمواقفهم السياسية المنحازة.
لم تخفِ وزيرة القضاء السابقة اييلت شاكيد، ولا من سبقها، مخططاتها من أجل السيطرة على جهاز المحاكم الإسرائيلي وفي طليعته «المحكمة العليا»؛ فقد صرّحت، في أكثر من مناسبة وعلى الملأ، بأنها تسعى بإمعان لتغيير موازين القوى لصالح اليمين، عن طريق إدخال قضاة موالين، مثل نوعم سولبرغ وشريكته في قرار عمر شاكر، القاضية يعيل فيلنر، وهما ليسا الوحيدين. يسكن القاضي سولبرغ في إحدى مستوطنات «جوش عتصيون»، على ما تستدعيه وتعنيه هذه الحقيقة من تبعات ومفاهيم؛ ولا تسكن زميلته القاضية فيلنر في إحدى المستوطنات، لكنها بدأت حياتها العامة عام 1977 كناشطة في محاولة الاستيطان الأولى التي قادتها وبادرت إليها حركة «غوش ايمونيم» الدينية اليمينية الشهيرة، في منطقة سبسطية القريبة من مدينة نابلس.
أسوق هذه المعلومات كي أقنع من ما زالوا يؤمنون بأن المحكمة العليا الإسرائيلية لم تنه عملية انحرافها الكامل عن طريق العدل النسبي والمنقوص الذي طبقته في تعاملها مع قضايانا وقضايا إخوتنا الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967؛ وكي أوكد على أن القرار بقضية المرحوم خير الدين حمدان لم يكن إلا محض صدفة. كنت واضحًا أمام من سمعوني في الخيمة، فنحن نواجه ظواهر الإجرام والعنف في بلداتنا، لكننا نعيش في واقع دولة معظم مؤسساتها تستعدينا وتهملنا، فمعركتنا كبيرة ومتعددة الجبهات.
كانت الخيمة عنوانًا للأمل وبرقةً في عتمة تزداد فحمتها، إنها البداية، هكذا أجمع القادة المضربون، ودعوة لمن لا يدمنون مهنة اليأس والتيئيس لينضموا بخطى صغيرة وواثقة على درب طويل يجمعنا، فجميعنا يعرف كيف قد تكون نهايته.
كاتب فلسطيني

 

 

لنصلِّ من

أجل لبنان وفلسطين

جواد بولس

 

فاجأت الاحتجاجات الشعبية، التي ما زالت تتفاعل في معظم المناطق اللبنانية، وفاقت توقعات جميع المراقبين والمحللين ومتعاطي «كار» السياسة محليًا وعالميًا. وبعيدًا عمّا ستفضي إليه من نتائج وتبعات، فقد فجّرت مشاهد الميادين الثائرة ينابيع أحلامنا بعد أن وصلنا، نحن العرب أهل الشرق، إلى حافة العطش والضياع في عتمة اليأس وركام الأمل.
قد نختلف حول كثير من التفاصيل التي نشاهدها أو نجهلها، لكننا يجب أن نتفق على أن تلك الحشود قد أطلقت قبضاتها وحناجرها سيوفًا لتهوي وتقطع حبال المشانق التي لفها أرباب الطوائف اللبنانية على أعناق شعب سالت دماء أبنائه على مذابح سياسيين جشعين، قاموا باختطاف الدولة والاحتفاظ بها كرهينة خدمة لمصالحهم ولفسادهم ولكسبهم غير المشروع.
لقد هتفت الجموع ضد الفساد والفاسدين، وضد الطائفية ومن ربّاها لتصبح قوقعتهم السحرية، فيتقاتل في أحشائها ابناء الوطن الواحد، ويعيش على سطحها جميع الساسة المتوحدين على دين الدولار ومنافع الإقطاع البغيض.
كانت الحرية عنوان تلك الميادين، ومحرّكًا لعودة الوعي إلى مكانته الإنسانية ولأخذ دوره في بناء المجتمع المدني السليم، والدولة الوسيطة المنصفة الحامية.
شدّتنا شاشات الفضائيات وتفاعلت معها شرائح الناس، فتفاوتت ردود الفعل بيننا، وتضاربت الأماني، لأننا في النهاية، كسائر العرب نولّي علينا سادة من طينتنا، ونحتكم لأمراء من طوائفنا المحلية ووجهاء من قبائلنا. ففي حين كان عرش الاستبداد في لبنان يترنّح، وكان نور العقل يفج حلكة الجهل والتجهيل، كنا نمارس، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، من مواقعنا، طقوس الظلام ذاته، وكانت فئات بيننا تطعن خاصرة حرّيتنا في وضح النهار، وتدوس على زنابقها في «ساحة البلد». لم يمض وقت طويل على قضية منع  ظهور الفنان تامر نفار على مسرح مدينة أم الفحم، حتى تكرر المشهد معه في قرية كابول الجليلية حين أُعلن، قبل أيام، عن إلغاء عرض فني كان سيقدمه تامر ضمن أمسية خيرية مخصصة لصالح جمعية مرضى السرطان.

عندما يحاصر التهديد والنيران مسارح البلد وفنانينها وساحاتها، لا يحق له التذمر من جور سلطان أجنبي، ولا الشكوى من بطش عدو غاشم

مضت القصة من دون أن تستثير أي ردود فعل حقيقية وجدّية؛ فباستثناء ندرة من بيانات الشجب الخجولة، لم نسمع صوت «المجتمع الحر»، ولا خرير الأحزاب أو ضجيج النخب المثقفة أو هزيم الطلائع الفيسبوكية الثائرة، كما سمعناها يوم خرجوا شاهرين بوستاتهم في وجه الوزيرة العنصرية ريغف، بعد أن أصدرت عدة قرارات قمع عنصرية بحق مسارح وفنانين عرب، وألغت عروضهم، أو حجبت عنهم الميزانيات الحكومية بتهمة عدم ولائهم للدولة.
لن نحصل على حقوقنا، نحن العرب في إسرائيل، ما دمنا نتصرف بهذه العقلية الهزيلة والمزيّفة وما دمنا نعيش بفيء ازدواجية معايير معيبة ومشينة؛ فمن يواجه الوزيرة العنصرية ريغف بصلابة ويدافع عن حقه في التعبير الحر، وفي الإبداع وفي الرقص وفي التمثيل، ويصمت، في الوقت نفسه، وهو عاجز أو مداهن أو خائف أو منتفع، عندما تضرب مطرقة الظلّام فنانًا كتامر نفار، أو غيره؛ أو عندما يحاصر التهديد والنيران مسارح البلد وفنانينها وساحاتها، لا يحق له التذمر من جور سلطان أجنبي، ولا الشكوى من بطش عدو غاشم.
كم قلنا ان للحرية سماء فسيحة واحدة وأن لها أرضا تقبّل نعال من يدقها بأرجل من نور وبهامات وضّاءة مكللة بالكرامة، وبألسن حرة ذربة، لا تحيد عن درب الحق ولا تمالق جائر.
لقد عرفنا، في حينه، أن مجلس بلدية أم الفحم كان وراء قرار منع عرض تامر نفار؛ وسمعنا، في حينه أيضًا، حجج البلدية في ذلك ولم نقبلها؛ بيد أنّ القضية تطوّرت بعد تدخل محكمة حيفا المركزية وإصدار قاضيها الاسرائيلي لأمر يلزم، باسم حرية التعبير، بلدية أم الفحم بإتاحة العرض كما كان مقررًا، ولكن رفض تامر نافر أن يظهر تحت «عباءة» هذا القرار الاسرائيلي، فانتهت الحادثة بصورة تجمع الفرقاء المتخاصمين، وهم متصالحون وباسمون.
أما قصتنا في كابول فمختلفة أكثر وأعقد؛ ففي ردّ على إلغاء فقرة الفنان تامر نفار قال رئيس المجلس المحلي: «إن المجلس المحلي لم يتدخل جملة وتفصيلا في أي برنامج ثقافي يقوم بتنظيمه المركز الجماهيري في كابول» وأضاف موضّحًا وآسفًا  لأحد المواقع الاخبارية: «إن الحوار دار بين الأهالي عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومعارض، الامر الذي أدى الى إلغاء الأمسية الفنية الخاصة بتامر نفار». قد لا نعرف حقيقة ما حصل، مثلما عرفنا تفاصيل ما حدث في أم الفحم، ولن نعلم من تدخل وفرض هذه النتيجة، لكننا نعرف بيقين أن الواقع يحمل في طياته «مؤشرًا مقلقًا»، وذلك كما وصف عضو ادارة المركز الجماهيري في كابول، وأكّد على أن: «تكرار مثل هذا المنع يعبر عن عقلية قمعية خطيرة تهدد بإخراس أصوات مختلفة قد يكون لها أثر سلبي على جيل الشباب».
لسنا في لبنان، ولكن ستقتلنا سياسة الإعراض المنتشرة بيننا وسيدمينا إدمان مؤسساتنا القيادية على دفن رؤوسها في صدر الخوف وفي حضن المنفعة؛ وسيقضي إسكات محركات المجتمع المدني وتواطؤ بعضها على منجزاتنا المكتسبة؛ فقد وصلنا اجتماعيًا إلى القعر ولن نخرج منه إلا إذا صرنا أحرارًا.
ولأولئك الذين نسوا طعم الحرية ننصحهم بمتابعة الشاشات اللبنانية، حيث ينتشر الأمل؛ فالحرية، وإن تمظهرت أحيانًا بأقنعة ملتبسة، تعشق دومًا صخب النشيد وتنطلق على أجنحة النغم، فيمشي الى جانبها الاستقرار على أرجل من فرح ومن حب. لقد حملت إلينا الاشرطة مشاهد من وحدة غير مألوفة في تاريخ لبنان الحديث، ونقلت بعض عدسات المصورين لقطات لمجموعات تغني وترقص وتستعرض أجسادها بخلاعة لا تناسب جسامة الحدث.
بعضنا ضحك على ما شاهد، وتندر آخرون على جينات الشعب اللبناني وخصصوصيته في عشق الحياة ومراقصة القمر؛ لكنني، رغم سيل التعقيبات، فتنت وكثيرون عندما شاهدنا شيخا لبنانيا جليلا وسمعناه ، في تسجيل شاع وانتشر، يحذّر من مواقف مَن حاولوا تسخيف ما يحصل في شرايين لبنان بسبب بعض مظاهر الرقص والخلاعة والغناء؛ فتساءل مستهجنًا بحق، أهذا كل ما يهمكم مما تشاهدون؟ ألا تهم مظاهر الوحدة اللبنانية الجبارة التي لم يعرفها لبنان منذ أكثر من ثلاثين سنة؟ لقد تعرفت الناس أخيرًا على بعضها فصار الشيعي قادرًا على دخول طرابلس والخروج منها سالمًا والعكس ايضًا صحيح.
يحاول اللبنانيون الخروج من قطعان أرباب الطوائف، ليحاربوا الطائفية والفساد؛ فحيّى الشيخ الجموع وخص قطاعات الشباب الذين سبقوا «جميع المشايخ ورجال الدين المحزبين إلى حالة الوعي»؛ فبدون هذا الوعي سيكون الدمار وتُفقد الحرية وتداس الكرامات.
سنصلي من أجل لبنان؛ ونتساءل من سيرفع عندنا هذه الراية ويصرخ كما أهاب هذا الشيخ وأكّد: «أنتم يا أركان المجتمع المدني بكل مركباته حتى بملحديكم، أنتم الاحرار. لديكم، كملحدين، مشكلة مع ربكم ولكنكم احرار» .
الحرية يجب أن تمتدح .. فمن يهب بلادنا، فلسطين، عقلا يأخذنا إلى ذلك الشاطئ القريب الآمن، ولسانا لا يسكت في وجه سلطان ظالم ولا يتردد أمام أخ عابث وقامع.
لنصلي من أجل لبنان..
ومن أجل فلسطين.
كاتب فلسطيني

 

 

العظماء لا يموتون

جواد بولس

لا للرثاء أكتب، بل لأتشرف بعطر ذكراه ؛ فالعظماء لا يُرْثَون لأنهم دموع الأزل الباقية.

كان اسم بسام الشكعة، بالنسبة لأبناء جيلي، يعني حرية فلسطين الحمراء؛ وكان صوته صهيل المدى، إن جلجل لا يتركك تائهًا في مساحات الحيرة، وإن قضى لا يبقيك متسكّعًا في حضن ذلك الالتباس الحافي.

عرفته قائدًا عروبيًّا واثقًا بالفجر حتى عندما كان الآخرون يلتحفون العتمة ويخشون حفيف الشجر وهسيس الليل. وعشت، لسنوات، قريبًا منه فوجدته نبعًا صافيًا حرًّا، وانسانًا لا يخشى في قول كلمة الحق سيفًا؛ وفارسًا يرقّ قلبه لكل من قصده شاكيًا من سطوة الأيام والأنام.

كنت ، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، نشيطًا في الحركة الطلابية الجامعية وبدأت من موقعي أتعرّف على جيل القيادات الفلسطينية في وقت مبكر ؛ ثم صرت متدربًا فمحاميًا في مكتب المحامية الشيوعية التقدمية فيليتسيا لانجر ، حيث التقيت بكبار قادة فلسطين في ذلك الزمن، وفي طليعتهم صاحب الابتسامة الهادئة والجبين العريض بسام الشكعة.

حاول أعداء فلسطين، وعلى رأسهم الاحتلال الاسرائيلي، أن يضعضعوا مكانته القيادية وأن ينالوا من تأثيره السياسي بجميع الوسائل والأحابيل والطرق؛ فلجأوا بخبث، في البدايات، إلى افتعال وتأجيج الصراعات العائلية النابلسية المحلية، لكنهم فشلوا وبقي بسّام رقمًا صعبًا وعلمًا حاضرًا في كل واقعة وحدث، واسمًا وازنًا على كل منصة ومنبر .

لم يخفِ بسام انتماءه السياسي العروبي القومي الناصع، فاستغلّ الوشاة والمغرضون صدقه وأشاعوا أن ولاءه أولًا لسوريا ولبعثها، على حساب فلسطين وشعبها؛ إلا أنه لم يلتفت إلى تلك السفاهات، ومضى على طريق النضال كما تشهد حياته الزاخرة بالتضحيات الجسيمات.

قالوا عنه أنه ارستقراطي وابن لعائلة مترفة ؛ فلم يكترث لذلك أيضًا، بل وقف في وجه العاصفة وتصدّر الميادين؛  وأقام مع رفاق الدرب  "لجنة التوجيه الوطني" التي شكلت دعامةً لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني ووتدًا ثبّت دور منظمة التحرير الفلسطينية وما عنته من وحدانية تمثيل الشعب وأهداف كفاحه الوطنية.

عرف أعداء فلسطين أهمية قائد مثل بسام الشكعة وقوة تأثيره الشعبي، وبعد أن فشلوا في إسكاته وفي ثنيه عن مواصلة الكفاح ضد الاحتلال وضد أعوانه، حاولوا منع الناس من التواصل معه، فنصبوا على باب بيته في نابلس حاجزًا عسكريًا، كانت مسؤولية جنوده التنكيد على من يدخل لزيارته ومن يخرج منها. أرادوا ترهيب الزائرين فكانوا يسجلون أسماءهم وتفاصيلهم الخاصة حتى يلاحقوههم. لقد فشلوا مرة أخرى ولم يحققوا اهدافهم بل على العكس تمامًا، فأعداد الزوّار، رغم التنكيل، كانت تتزايد، وبقيت دار بسام عنوانًا للأحرار وللناس وبقي صاحبها "أبًا للنضال" .

شكّل بسام الشكعة، مع ثلة من القادة الوطنيين الفلسطينيين، حالة متميّزة في تاريخ الكفاح الفلسطيني دامت لسنوات طويلة ؛ كنت أنا شاهدًا على جزء مما كانت تعنيه تلك التجربة الفريدة حين اعتُمدت، في بداية ثمانينيات القرن الماضي، من قبله ومن قبل رفيق دربه، الراحل الكبير وحيد حمد الله، رئيس بلدية عنبتا، لأكون محاميًا للدفاع عن أصحاب الأراضي التي صادرها الاحتلال بحجة أنها "أراضي دولة".

تابعت معهما عشرات القضايا وشاهدت بأم عيني كيف كانا ينتفضان اذا سمعا بأمر مصادرة جديدة أو بخيانة صاحب أرض ضعفت ذمته فسرّب أرضه للمستوطنين. لم تكن الخيانة، في ذلك العصر، عنده وعند أترابه ، القادة الوطنيين، مسألة فيها وجهة نظر .

لقد كانوا قادة أوفياء، فشكّلوا مظلّةً وطنية واقية وحصنًا منيعًا حموا تحت سقفه من كان يلجأ اليهم، وعلّقوا على جدرانه سورًا أفادت كيف تكون التضحية سموًّا والعطاء فريضة والوفاء للوطن عربونًا للخلاص.

لقد عرفته معلّما سياسيًا فذًا يستعين بعقله في الشدائد؛ وخبِرْتُهُ صديقًا وفيًا يعطي من قلبه نبضة ومن عروقه وردة كما فعل عندما تجشم عناء السفر الى بلدتي ليشارك في فرحي.

كان العرق يتصبب من جبين ضيفي العزيز  وهو يمشي ببطء متكئًا على عكازتيه وبرفقته، أم نضال ، شريكته في الكفاح وفي العناء وفي الأمل. عاتبته على المجيء وقد كان عائدًا من جولة العلاج في فرنسا.  ضمّني إلى صدره فشعرت انني أملك الدنيا. 

لا أعرف ماذا تعرف أجيال اليوم عن تلك الملاحم التي سطرها جيل تحدّى، بكبرياء الأحرار ، "جنازير دبابة الفاتحين" وغطرسة الرصاص، فوصل بارودها إلى عتبات بيوتهم.

يبكيني جهل "أجيال اليوم" وقطيعتهم عن ذلك التاريخ الناصع من حياة شعبنا؛ ويقلقني فقدانهم لجهات الريح وليواطر الأمل؛ فلقد ضحّى بسام الشكعة، وأمثاله، من أجل استقلال فلسطين والعيش في ربوعها بكرامة، وقاوم بصلابة لم تلن؛ وحتى عندما قطع بارود الفاشيين ساقيه، مضى ماشيًا نحو الشمس بقامة من نور وبعزم من نار.

لقد عرفته انسانًا وقائدًا وصديقًا، فلسطينيًا روى بدمائه تراب الوطن/ نابلس التي أحبها وعاش فيها وسيبقى؛  فالعظماء يرحلون، لكنّهم لا يموتون لأنهم دموع السماء الزكية الأزلية.

 

Attachments area

 

 

ليل هبة البارد والطويل

جواد بولس

 

لم أحمل لها بشارةً، لكنني وعدتها بزيّارتها قريبًا في سجنها، ووعد المحامي للأسير الأمني أمانة يجب أن توفى مهما كانت الظروف. وصلت بوابة معتقل الجلمة في ساعات الظهيرة ، كانت شمس الجليل قريبة من رأس جبل الكرمل، وكان الحَرّ على الأرض شديدًا. عرّفت عن نفسي فأدخلتني السجّانة إلى غرفة الاستقبال وطلبَت، بأدب، أن أنتظر لأنها أخبرت المسؤولين بوجودي، وهم يفحصون مع الجهات المسؤولة إذا كانت لدي موافقة لزيارة الأسيرة هبة اللبدي.
غرفة الانتظار ضيقة. يوجد فيها كنبتان وجهاز كهربائي يضخ الماء البارد والساخن، لكنني لم أتشجع على استعماله رغم شعوري بالعطش. كنت لوحدي. لم أشعر بالضجر، فشاشة هاتفي الذكي كانت جليستي الظريفة، بينما أبقاني ضجيج أبواب الحديد، وهي تفتح وتغلق بغضب وبوتيرة لافتة، في حالة تأهب مستمر وقلق. توجهت، بعد نصف ساعة من الانتظار، إلى السجانة مستوضحًا عن أي جديد، فأخبرتني بوجود موافقة على زيارتي، ولكنها تنتظر وصول السجان الذي سيرافقني إلى داخل المعتقل لأنه يتناول وجبة غذائه.
أعرف غرفة الزيارة في معتقل الجلمة جيّدًا، فهي تشبه كشك هاتف عمومي قديم يتسع لشخص واحد. يجلس فيها المحامي على كرسي وأمامه فاصل زجاجي سميك متعب للنظر ، ثم يتلوه فراغ ينتهي بشباك مقطع بمربعات حديدية صغيرة ستجلس من ورائها الأسيرة. على يميني هاتف سأتواصل بواسطته مع موكلتي، وورائي باب حديدي يذكرني بأبواب خزنات البنوك القديمة، أو بقصص الأقبية التي قرأنا عنها في روايات الإثارة الشهيرة.
حاولت أن استغل وقت انتظاري بترتيب ما سأقول لهبة، وكيف سأعيد إليها الثقة والأمل، خاصة بعد شعوري عندما قابلتها قبل أيام في قاعة محكمة عوفر، بأنها تائهة ولا تعرف ماذا يحصل معها وكيف ستخرج من هذا النفق المظلم. لم يكن معي سوى بضع أوراق نشرنا فيها شهادتها حول ظروف اعتقالها، كنت أقرأ التفاصيل وأشعر بما عانته بعد أن جاءت تحمل أملًا، فعاشت كابوسًا بشعًا لم ينته بعد. كانت هبة اللبدي في طريقها من عمان إلى فلسطين، برفقة أمها وخالتها، لحضور زفاف قريبتها عندما اعتقلتها قوات الأمن الاسرائيلية، في العشرين من أغسطس الماضي، على نقطة الحدود مع الأردن، حين وصلت جسر الملك حسين في الساعة التاسعة صباحًا، وكانت تحلم بقضاء خمسة أيام من الفرح في أحضان عائلتها. فصلوها عن أمها وأدخلوها إلى غرفة جانبية وقاموا بتفتيشها وهي شبه عارية، بعد أن رفضت إنزال ملابسها الداخلية. عصبوا عينيها وقيّدوا رجليها ويديها ونقلوها إلى معسكر جيش قريب. أبقوها في الشمس لمدة نصف ساعه ثم أدخلوها إلى غرفة فيها مجندتان. فتشوها مرّة أخرى وسألوها عن صحتها. كانت هبة مضطرّة لقضاء حاجة خصوصية، لكن الجندية رفضت إبقاءها وحدها، وأصرّت أن ترافقها، فدخلت معها غرفة المرحاض الضيقة. شعرت هبة بحرج شديد وعانت، وهي تمر بظرف صحي طارئ، من انتهاك بشع لخصوصيتها.

وعدتني أن ترجع إلى زنزانتها لتحلم بالزنابق، ووعدتها أن نبقى معها

نقلوها إلى معتقل المسكوبية ثم إلى معتقل بيتح – تكفا الذي وصلته بحدود الساعة الثامنة مساءً. كانت منهكة جدًا وتعاني من تبعات حالتها الصحية. لم تسترح في زنزانتها سوى نصف ساعة، جاءوا بعدها وأخذوها لجولة التحقيق الأولى، التي استمرت حتى ساعات فجر اليوم التالي. قضت على هذه الحالة مدة ستة عشر يوما من دون أن تقابل محاميها. كانت معظم جلسات التحقيق معها تمتدّ إلى ساعات طويلة وتتمّ وهي مقيّدة ومربوطة إلى كرسي مثبّت في الأرض. كادت تفقد وعيها أكثر من مرة لولا نوبات الآلام في ظهرها وصراخ المحققين الذين كانوا يحيطونها بكراسيهم القريبة ويتعمدون ملامسة رجليها. كانوا يستفزونها بالشتائم ويتفّون عليها ويصفونها بنعوت مهينة ويهددونها باعتقال اختها وامها، وبابقائها في الزنازين حتى تتعفن.
لقد مارسوا ضدها كل ضروب التحقيق، فحتى لعبة المحقق الجيد والمحقق السيئ جربوها، وتركوها، أكثر من مرة، في زنزانة صغيرة قذرة ومليئة بالحشرات، حيث كانت تصحو أحيانًا والصراصير والنمل على ملابسها. كانت حيطان الزنزانة إسمنتية وخشنة والفرشة رقيقة وبدون غطاء ووسادة، والضوء مشتعل طيلة الأربع والعشرين ساعة، والتهوية معدومة والرطوبة غير محتملة. كان الحمّام كالقبر والأكل ليس كأكل البشر، وكل وسائل التعذيب والقهر كانت مجازة في سبيل إكراهها على التوقيع على الاعتراف والإدانة.
لم تعترف رغم قساوة التحقيق، فنقلت من هناك إلى سجن مجدّو وبعده إلى معتقل الجلمة، ثم أعادوها إلى زنازين بيتح – تكفا، حيث أكملت فيها مدة خمسة وثلاثين يومًا من دون أن يحصل محققوها على أي أثبات يورطها في أي جرم كان أو مخالفة أمنية. أصدروا ضدها، في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي، أمر اعتقال إداري لمدة خمسة شهور ، بذريعة أنها تشكل خطرًا على أمن المنطقة وعلى سلامة الجمهور. فوجئت هبة بهذا القرار، فأعلنت بعد يومين منه اضرابًا كاملًا عن الطعام محتجة على استمرار اعتقالها ومطالبة بالافراج عنها وبإعادتها إلى موطنها الاردن.
لم أشعر بأن سجانًا كان يقف ورائي حين كنت أراجع التفاصيل وانتظر قدومها. فجأة سألني، فتوقفت عن متابعة باقي فصول قصة العذاب: هل تتذكرني؟ وأردف، قبل أن يسمع ردي السلبي، بأنه يعرفني منذ أكثر من ربع قرن حين كان يرافق الأسرى الفلسطينيين من وإلى المحاكم العسكرية. أأشفق عليك؟ قلت له بما يشبه الدعابة، فأنت، على ما يبدو، محكوم أكثر من أسراك بالمؤبد، لأنك تنام في بيتك وتحلم بالسجن وبطرطقة أبوابه الحديدية ووقع المفاتيح على الأقفال، بينما ينام الأسرى الفلسطينيون ويحلمون بالحرية، ويشعرون بدفء فراش امهاتهم وبحنان زوجاتهم. رأيت في عينيه وميضًا يشبه نوبة الغضب، أو ربما إشارة النعم. لم يجبني فقد تراجع وأغلق عليّ الباب لأبدأ زيارتي لهبة.
أدخلتها سجّانة شقراء، بدت غير ودودة، وأقعدتها على الكرسي وراء ذلك الشباك الحديدي المقطّع. كانت يداها مقيدتين وفي يمناها زجاجة ماء بلاستيكية. طلبتُ فك قيدها قبل بداية اللقاء، فعادت السجانة وأفهمتني بلهجة عاتبة انها تعرف وظيفتها.. وفكت القيد. باشرتني هبة بابتسامة بعثت في نفسي طمأنينة، واخبرتني انها ما زالت مضربة عن الطعام وترفض أن يفحصها أي طبيب. صار صوتها أخفض وفيه مسحة حزن وغصة، فهي قلقة وتريد أن تعود إلى أحضان عائلتها والوطن. كانت رغم الوجع في صوتها صلبةً وسخرت من معذبيها، فحتى عندما أخبرتني انها لم تستحم منذ حوالي الاسبوعين ضحكت كما تضحك الفراشات.
أخبرتها أننا ما زلنا ننتظر قرار قاضي محكمة عوفر العسكرية في طلب النيابة بتثبيت امر اعتقالها إداريًا لمدة خمسة شهور بحجة انها تشكل خطرًا على أمن المنطقة. لقد حضرت هبة الجلسة التي انعقدت في الاسبوع الماضي وسمعت كيف أحرج محامي الدفاع ممثلَ النيابة حين سأله، إذا كان السبب في استمرار سجنها هو خطورتها على أمن المنطقة، فلماذا لا يطلق سراحها لتعود إلى وطنها الاردن حيث لن تشكل خطرًا عليكم؟ لم يتلقّ القاضي إجابة واضحة، فأمر بضرورة حضور من ينوب عن جهاز المخابرات العامة عساه يزوّد المحكمة بردّ شاف على هذه المسألة.
سمعتني بهدوء. حاولت أن أطمئنها فأعلمتها بأن تفاصيل قصتها نشرت بشكل واسع، وأن الاخبار أفادت بأن الاردن يطالب، بشكل رسمي وحازم، بالافراج عنها، ونحن نتوقع أن يحصل ذلك قريبًا. وعدتني أن ترجع إلى زنزانتها لتحلم بالزنابق، ووعدتها أن نبقى معها وبأنني سأطالب الآن إدارة المعتقل بنقلها كي تستحم في حمام لا يوجد فيه رقابة كاميرات كما يوجد لديها. طبعتُ كفي على الزجاج مودّعًا ففعلت مثلي وتواعدنا أن نلتقي قريبًا. قابلت مدير المعتقل وشكوته سوء حالتها، فأمر، بدون تردد، أن تنقل إلى «حمّام آمن».. وملائم. شعرت بحمامة تحط على كتفي .عدت مسرعًا إلى القدس كي أصل إلى بيتي قبل البدء بإغلاق الطرقات، كما يفعلون في كل يوم غفران فيُذيقون أهل القدس الشرقية طعم العيش في الجيتوات..
وهذه قصة أخرى.
كاتب فلسطيني

 

 

خوف ورياء وقتل

جواد بولس

 

في حادثة دامية بين مجموعتين من سكان قرية مجد الكروم الجليلية، يوم الثلاثاء المنصرم، قتل شقيقان وجرح آخرون ما زالوا يتلقون العلاج في أحد المستشفيات الإسرائيلية. قد تكون هذه الجريمة تدبيرًا ساخرًا من أحابيل القدر، أو نقرة من مهمازه الأزلي على خاصرتنا الضعيفة الدامية، فلقد وقعت الحادثة البشعة بالتزامن مع الفعاليات الشعبية، التي أعلنتها بعض البلدات العربية، احتفاءً بذكرى مرور تسعة عشر عامًا على «هبة أكتوبر» التي قتلت فيها شرطة إسرائيل، في اكتوبر/تشرين الأول عام 2000، ثلاثة عشر مواطنًا عربيًا.
كانت ردود فعل الشرطة على المظاهرات التي انطلقت في عدة مدن وقرى عربية، احتجاجًا على دخول شارون إلى المسجد الأقصى، واستفزازه الذي أدّى إلى تفجير انتفاضة القدس والأقصى، وحشية واجرامية، حتى إنها أجبرت، في حينه، المؤسسة الحاكمة على إقامة لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا ثيودور أور، فصارت اللجنة تعرف باسمه. حظيت توصيات اللجنة بقليل من الاهتمام ومن المتابعة، ثم أهملت رغم أهميتها، شأنها شأن كثير من الوثائق ذات العلاقة بواقعنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل.
وقد كُتب الكثير عن تلك الأيام السوداء، وعن تداعياتها الخطيرة، ثم مرت السنون ولم نعد إليها إلا من باب استحضار الذكرى السنوية والتأكيد فيها مجددًا على ما أجمع عليه معظم المحلّلين والمفكرين والمثقفين بيننا، حين وصفوا، وقتها، ما قامت به قوات الأمن كشارة لإعلان حرب سافرة، تستعدي فيها الدولة عرقيًا خُمس مواطنيها من العرب. لا يختلف عاقلان على صحة هذا التوصيف، الذي كان صحيحًا في حينه ولم يزل، فشرطة إسرائيل نفّذت خلال العقود الماضية ضد الأقلية العربية سياسات الحكومات المتعاقبة العنصرية والقامعة، وطوّرت اتجاههم، من جهتها، مفاهيم منهجية، صارت في السنوات الأخيرة أكثر تطرفًا ودموية، ولكن اكتفاءنا، بالمقابل، بترديد هذا التشخيص من على كل منصة، ومع سقوط كل قتيل بنيران بعضنا، فيه قرينة على عجز مجتمعنا عن مواجهة الأسئلة الصعبة، أو ربما على استسلامه أمام حكم السكين وقضائه، وفي الوقت نفسه فيه دلالة على ضعف القيادات وبعض النخب الفاشلة في تأدية أدوارها الحقيقية، وفي حماية الناس وتأمين سلامتهم وأمنهم الفردي.
لقد احتضن تراب الوطن، منذ أحداث اكتوبر عام 2000، جثامين ما يقارب الألف وأربعمئة رجل وامرأة، كانوا قد ولدوا وتربوا على أحلامه/أوهامه، ولكنهم قتلوا بخناجر ورصاص أشقاء لهم كبروا، مثلهم، في أحشائه. كان سبتمبر/أيلول الأخير من خوفه أشد أصفرارًا، وناحبًا من كمية النزف، ففيه لوحده أردى أبناء مجتمعنا «المعطاء» أرواح ثلاثة عشر من بنيه وبناته الطيبين، في ما قد يعتبر تخاطرًا حزينًا أو مستفزًا يحاكي عدد قتلى ذلك الأكتوبر المجيد.
تقاس الأمور بخواتيمها، أو في قاموس الشقاء بعدد الضحايا المزهقة أرواحها، وهذا ما يدفعني، اليوم، إلى أن أطرح مرّة أخرى، تساؤلي المرهِق والملحّ، من أين وكيف سيأتينا الفرج والنجاة، ما دمنا نعلق على «صدر بيتنا» بقداسة مخدوشة شعارنا «لا للعنف لا للقتل ولا للجريمة» ونكمله «بعجز» وشعار «لا للشرطة اللعينة»؟
عشرون عامًا مرت وأكتوبر ما زال بضحاياه «مجيدًا» كأيلول وباقي فصول الندم.

إذا كان دور الشرطة في الأزمة الحالية وجهًا للهزيمة، فإن فقدان مجتمعاتنا لمعظم مظلاته الاجتماعية والسياسية الذاتية الواقية، يعدّ وجهها الثاني

كان هذا الأسبوع ثقيلًا علينا. غزت أخبار رصاصه القاتل في القرى والمدن العربية المواقع الاخبارية وخلقت جوًا من الرعب المستفز. دعت، في أعقاب موجة القتل الاخيرة، لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل، إلى عقد اجتماع طارئ في قرية مجد الكروم المكلومة، وأعلنت في أعقابه الإضراب العام في جميع مرافق الحياة في مواقعنا العربية. أخطأ من انتقد قرار الإضراب هذه المرّة، فنحن بحاجة إلى موقف قيادي صارم، يستجلب حوله التفافًا سياسيا شعبيا واضحا، ويكشف للملأ قوة الوحدة التي بدونها لن ينجح المجتمع بتحجيم ظاهرة العنف ومواجهة حالات القتل المنفلت. من الواضح أن الاكتفاء بخطوة الإضراب لوحدها لن يحقق ما نرجو وما ننتظر، بل سيعيدنا إلى مواجهة الاسئلة الوجودية الحقيقية الصعبة. لقد تطرق الكثيرون في الماضي إلى جذور ظاهرة العنف، وشخّصوا أسباب تفشيها في مجتمعنا، على اختلاف وتنوّع مصادرها، وعلى الرغم من كثرة المؤتمرات التي عقدت، والدراسات التي أنجزت، لم ينجُ المجتمع من مخلفات ظواهر العنف ومن حالات القتل المتزايدة.
إذن، ليست مشكلتنا في تشخيص حالتنا أو في اكتشاف ما أدّى إلى ولادتها وانتشارها، فمجتمعنا صغير وعدد قرانا ومدننا العربية محدود، والكل منا يعرف، كما تعرف الشرطة، ما يجري في كل حارة وشارع وقبو، لكننا مجتمع مأزوم ومشلول لأنه مصاب بداءي الخوف والرياء. لقد دفع غياب الشرطة عن ساحات الجريمة وإهمالها المتعمد وعدم ملاحقتها للجناة، شرائح كثيرة من المجتمع إلى العزوف عن الشؤون العامة، وإلى عدم الاكتراث بما يجري في الحيزات الرحبة ومن ثم إلى التجائهم نحو العيش بفردانية، زودتهم بشعور موهوم من الأمان الفردي.
واذا كان دور الشرطة في الأزمة الحالية وجهًا للهزيمة، فإن فقدان مجتمعاتنا لمعظم مظلاته الاجتماعية والسياسية الذاتية الواقية، يعدّ، بلا شك، وجهها الثاني. وإذا كان الخوف سيّد العجز المستشري بيننا، فالمداهنات الاجتماعية والسياسية لبعض آباء ومولدي مفاعيل العنف ومنابته القاتلة تعدّ، بدورها، مفقسته الدافئة. لن ننجح في الخروج من أزمتنا الخانقة اذا استمررنا في معالجتها بالأساليب الفاشلة نفسها. ولن يكون من الصعب ابتكار وسائل دفاعية وهجومية جديدة، إذا عقدت القيادات الصادقة عزمها على فعل ذلك، أما أنا فسأساهم ههنا بتقديم مقترحين، على أمل أن يساعدا ذوي الشأن على التقدم إلى الامام ولو خطوة واحدة.
*الأول ، تشكيل مجلس طوارئ أعلى، على ألا يكون بين أعضائه سياسيون فاعلون في أحزابهم وفي مواقعهم الفصائلية. يكلف هذا المجلس بوضع خطة للتواصل مع جميع مؤسسات الدولة وفي طليعتها وزارتا الأمن الداخلي والقضاء، بهدف إجبارهم/ إقناعهم على القيام بواجباتهم تجاه حماية أمن المواطن وسلامة المجتمع. كما يجب الاتفاق والتوافق على ضمان طريقة للتواصل الصحي بين هذا المجلس وباقي المؤسسات القيادية في مجتمعنا.
*والثاني ، تشكيل طاقم من الخبراء والفنّيين، بدون الكشف عن أسمائهم، وتكليفهم بوضع خريطة مفصلة لبؤر العنف الناشطة بيننا، ومصادره وارفاقها بمقترحات عملية غير تقليدية لمواجهتها.
لسنا أول مجتمع يواجه هذه الظواهر ويعاني من نتائجها، فقد جربتها قبلنا أمم أخرى واضطرت إلى معالجتها بوسائل استثنائية، أملتها أجواء الخوف السائد واحتمالات الانتقام الفردي، وأملاها كذلك تقيّد الأطر السياسية القيادية التقليدية الفاعلة في أحزمتها الهوياتية المتخثرة، وتخبطها في التناقضات القائمة بين مصلحة المجتمع المدنية الآنية وسلامته وآماله السياسية المستقبلية.
كاتب فلسطيني

 

 

العرب في

 إسرائيل بين نارين

جواد بولس

 

تتوالى الأخبار علينا كزخات الماء في غابات المطر؛ فما أن انتهت القوائم من مقابلة رئيس الدولة، حتى انشغلنا بخروج حزب التجمع عن موقف حلفائه في القائمة المشتركة، وامتناعه عن ترشيح غانتس لتركيب الحكومة المقبلة. دارت النقاشات وتباينت الآراء، فحذّر البعض من إرساء سابقة ستجيز لكل حزب أن يخرج في المستقبل عن إجماع رفاقه، ما سيضعف الوحدة ويضعضع متانتها، وذهب آخرون إلى أن الخطوة كانت محكمة وتمّت بالتنسيق مع حزب كاحول- لافان، ثم أعلنت لجنة الانتخابات العامة النتائج النهائية، فربح حزب الليكود مقعدًا على حساب حزب يهدوات هتوراه.
وفي المقابل بموازاة ذلك كلّه لم تنقطع أخبار سقوط القتلى في قرانا، حتى وصل عددهم إلى ثمانية في أربعة أيام فقط. إننا نعيش في عالمين؛ تبني شاشات التلفزيون والحواسيب أوّلهما بينما نواجه الثاني في جميع لحظات حياتنا وفي كل خطوة نخطوها. لم تنتبه جمانة حينما كانت تفتش مع صديقتها على زاوية آمنة في أحد المقاهي الشهيرة في المركز التجاري الكبير، للرجل الذي كان يجلس إلى الطاولة المجاورة وراءهما. سمعهما تتحدثان بالعربية فقام عن كرسيه واقترب كثيرًا وسألها بلهجة عدائية «هل أنت مع القائمة المشتركة؟». كان رجلًا في الخمسينيات من عمره يلبس بنطالًا قصيرًا لونه أزرق مخططًا بالأبيض وفوقه سترة بلون صدأ النحاس؛ لاحظت، عندما رفع يده في وجهها، أن ساعده مطوّق بساعة رياضية لون حزامها أصفر، وقريبًا منها كان خنصره يختنق بخاتم بارز يشبه خواتم سماسرة القمار والرهانات الكبار.
«هل يزعجك انني مع القائمة المشتركة؟» سألته جمانة. لم يدعها تكمل جملتها وراح يصرخ في وجهها ويشتمها ويطالبها بأن تترك إسرائيل وتعود إلى غزة؛ «عودي إلى هناك على جمل فأنتم لا يليق بكم إلا الجمال». كان شرسًا ومخيفًا وحين استقام ودفع صدره إلى الأمام، بدا لها لون وجهه كالنبيذ الرديء الذي يميل إلى حمرة قانية تخفي سمرة هي لون وجنتيه الشرقيتين الأصلي. بدأت جمانة وصديقتها تتحركان نحو باب المقهى وهو يلحق بهما. ربما كان في عقده السادس، شعره أبيض خفيف يغطي جانبي رأسه وعيناه مدورتان كعيني ذئب جائع. «إذهب أنت من حيث جئت» أجابته بثقة صاحب البيت. غضب حتى صار كلامه أكثر حدة. نظرت جمانة نحو امرأة سألتها عما يحدث فحاول أن يضربها من الخلف ولكن صديقتها مدّت ذراعها وصدته. أنهت جمانة قصتها الموجعة، حين كانت الشاشات تنشر خبرًا عاجلًا عن تكليف رئيس الدولة ريفلن لنتنياهو بتركيب الحكومة.

كان المناخ السياسي مقلقًا وخطيرًا وبسببه اختارت الأحزاب والحركات السياسية أن تتبنى نهجًا نضاليًا وحدويًا

لم يكن الخبر أمرًا مفاجئًا أو قرارًا غريبًا؛ فبعد أن تبيّن أن الناخبين الإسرائيليين لم يحسموا خياراتهم بشكل قاطع، وبعد أن اتضح أن صناديق الاقتراع أنتجت واقعًا سياسيًا معقدًا وملتبسًا، وبعد أن استرجع نتنياهو هوامش واسعة تساعده على المناورة وتتيح له فرصًا لاستعادة مكانته، كالرجل القوي القادر على قيادة معسكر اليمين العنصري والفاشي، بعد كل ذلك فقد صار محتملًا أن نفيق لنجد أنفسنا، نحن المواطنين العرب، واقفين في محطة القطار السريع نفسها التي كنا على رصيفها قبل السابع عشر من سبتمبر/أيلول الجاري. بدأنا نناقش تداعيات الخبر وفي الجو شعور من الخيية أو ربما الخوف؛ لقد أحسست، هكذا قلت لأصدقائنا، ساعة أعلن الفرقاء عن بناء القائمة المشتركة من جديد، أن جميع من سعى في سبيل إنجاح المهمة كان مدفوعا بوازع من ضميره الوطني وبشعوره /خوفه من فداحة الهزيمة الكبرى التي كان سيمنى بها مجتمعنا، لو خضنا الانتخابات ونحن على حالة التشرذم التي كانت سائدة، وفي أجواء الاقتتال الفصائلي التي خاضتها معسكرات حزبية هرمة، وجنود كانوا يبيتون على حافة اليأس والتيه. فهل سيذهب كل ذلك سدى؟
لم يخفِ نتنياهو وحلفاؤه، في السنوات الأخيرة، شروطهم المستفزة لقبولنا كمواطنين في الدولة؛ ولم يتركوا لأي عاقل منا أي فسحة للوقوع في الخطأ أو للمغامرة بنزق؛ ففِرق الموت، التي أنعشها تحريضه وتحريض حلفائه، أنجزت رحلات صيدها جهارة، ولاحقت فرائسها في الشوارع، وفي الحدائق العامة وفي الشطآن، وفي المراكز التجارية؛ ولم توفر، على الجبهات الأخرى، كتائب الأمر بالطاعة وفرض الولاء جهدًا في محاصرتنا في الكنيست وفي الوزارات وفي المحاكم و»قراقيشها» .
كان المناخ السياسي مقلقًا وخطيرًا وبسببه اختارت الأحزاب والحركات السياسية أن تتبنى نهجًا نضاليًا وحدويًا، فاصطفوا جماعةً وراء شعار الحملة الانتخابية الأبرز والأهم وهو، «إسقاط نتنياهو ومعسكره والتصدي لنهجهم»، مؤثرين السير في طريق ضيق يجمعهم بدل أن يتمترسوا آحادا في خنادق الوهم الوسيعة، أو التحليق على أجنحة رعودهم المهيضة. أجمعنا على أن ما أحرزته القائمة المشتركة يعد إنجازًا ، خاصة إذا تخيلنا بدائله وتأثيرها على مستقبلنا. تحاول بعض الجماعات التي قاطعت الانتخابات أو بعض الناقدين والمحللين تحميل القائمة المشتركة المسؤولية عن نتائجها، وفي هذا تجنٍّ وتنكر للمكاسب التي تحققت، حتى لو اعتبرناها متواضعة؛ ويهاجم البعض المشتركة متهكمًا على وحدتها الهشة، أو شامتًا أو مزايدًا على موقفها بعد الانتخابات. أما المؤسف أنهم يفعلون ذلك وهم واقفون على الضفة، ويصفقون للسيل رغم انه يجرف نبتهم ويهد قبابهم؛ فنحن لم نسمع من جميع من تفّه تجربة المشتركة الأخيرة، كيف عساهم أن يسعفونا، إذا تمكن الجراد الفاشي واستوطن على رقبة الدولة، وما إذا جاءت جحافله لتستتوبنا، نحن العرب، أو لتأمرنا بطاعتهم أو بدفع الجزية للدولة اليهودية، إما عن رضا، وإما ونحن صاغرون؛ أو إذا رفضنا، كيف سنقاتلهم وبأي وسائل؟ لم يقل أحد أن إسقاط نتنياهو ونهجه قد يفضي إلى دحر اليمين الإسرائيلي أو اختفائه، ولم يدّع طرف بأن حزب «كاحول- لافان» ورئيسه غانتس هم زهرات من مشاتل اليسار.
كان واجبنا ولم يزل أن نتصدى للطرف الأسوأ وأن نحاول صد الأخطر؛ ومن لا يرى في معسكر نتنياهو انه أخطر الخطرين، فهو إما غاف أو حالم ينظر للواقع بعين من زجاج أو من سراب، ومن يستخفّ بما يُعدّونه لنا فليقرأ كيف نجحت كتائب الموت السوداء، في بناء أمجادها في برلين من جماجم ناس حالمة، ومن نوايا أناس قامروا على طيبة غيب شيمتُه الغدر. لم تكن القضية بالنسبة لنا ولن تكون أي اليمينين حليفنا؛ فأمامنا كل الجهات عدم، والواقع كالسيف مشهر، إما في حلوقنا أو في أيادينا؛ ولا خلاص لنا ولا خُلاصات إلا في تعاليم الندى للعطش أو في رقص الديوك، أو في العشق على طريق النحل والصدى. كان إغواء الصلاة في الشرق مذ سحرت عشتار صدر الفجر وأرقصت مزامير داوود خواصر العذارى، ومذ أغشت عصا موسى عيون المدى.
الأحلام جميلة لكنها لن تحصل بلا نوم، والنوم في مواقعنا عسير بدون هدأة البال والاستقرار؛ والأشجار تموت واقفة لكنها أبرك وأفيد وهي خضراء ماوية؛ فلا وقت لدينا للمزايدات ولا لليأس؛ ومن يرى الفاشية غيمة عابرة، فليقنع ويكتف بلعنها من شرفته ولينتظر حبر القمر؛ ومن يراها نزوة عربيد ثمل، فليحاول إغراقها بالبصاق أو فليدع عليها بالبرص. نحن بين نارين، نار أعدائنا ونارنا، وستكون نجاتنا ممكنة إذا أطعنا عقولنا وتخلينا عن مداعبة القدر.
اتصل مئات الأصدقاء، يهودًا وعربًا، بجمانة وبنا ليعبروا عن تضامنهم وعن شجبهم للاعتداء عليها وعلى صديقتها. بعضهم حثنا على تقديم شكوى لدى الشرطة مع أن معظمهم أكدوا أنها لن تفيد. كان مريحًا أن نشعر بوجود الأصدقاء والحلفاء بين ركام الحطام، وجميلًا أن نسمع إنهم يحبوننا وإنهم يشعرون مثلنا كضحايا يجب أن تنتفض إزاء فكي وحش لاحق جمانة في المقهى، لا لأنها عربية فحسب، بل ولأنها صوتت للقائمة المشتركة.
كاتب فلسطيني

 

 

خلاصات أولية

من معركة لم تحسم

جواد بولس

 

 انتهت المعركة الانتخابية الإسرائيلية وظهرت خريطة الأحزاب الفائزة بها، وكذلك قائمة النواب الذين سيمارسون أدوارهم على مسرح السلطة التشريعية، التي ستتولى، بعد إعلان لجنة الانتخابات المركزية عن النتائج النهائية، تنفيذ مهامها الجسيمة، وفي طليعتها تحديد شكل نظام الحكم في الدولة. كذلك فإنها ستحدد علاقات مؤسساتها السيادية مع جميع المواطنين، وبضمنهم نحن المواطنين العرب، لاسيما بعد أن كنا، لسنوات طوال، حطبًا يُحرق على مذابح عنصرية جشعة خُصبت فيروساتها في دهاليز الكنيست، وأطلقت من على منابرها لتبعث نيرانًا قاتلة في الشوارع وفي فضاءات الدولة.
قد تُعد الكتابة، عن معركة لم يركد غبارها بعد، مغامرة عجِلة أو اندفاعًا يستبق العواقب؛ لكنني سأتطرق في هذه المقالة إلى بعض الخلاصات الأولية التي تكشفت معالمها مباشرة بعد صدور النتائج شبه النهائية. وأرى الحديث عنها ممكنًا لأنه لا يرتكز على دقة الأرقام، وعلى مؤشراتها، وأراه ضروريًا لتفنيد مقولات روجها البعض حين أصروا على إقناعنا بأن مهمة التصدي للفاشيين باتت قضية مستحيلة، وبأن محاولاتنا للدفاع عن حقوقنا ونيلها بهذه الأساليب المستهلكة، يشبه جرينا وراء السراب، أو إدماننا على تعاطي الوهم.
حاول الكثيرون تثبيط عزائم الناخبين العرب بحجة أن معسكر نتنياهو عصي على الكسر وأنه يمثل «حالة سياسية ناجزة» لا فائدة من مواجهتها عن طريق «اللعبة البرلمانية» فاقترحوا علينا مقاطعتها من دون أن يعطونا أي بدائل كفاحية عملية لمواجهة مخاطر تلك الحالة السياسية العضال. وبمنأى عما ستفضي إليه نتائج صناديق الاقتراع النهائية، وعلى من سيلقي رئيس الدولة ريفلن مهمة تركيب الحكومة المقبلة، وما سيحصل بعدها، بوسعنا اليوم أن نعلن أن المواطنين العرب ومعهم بعض القوى اليهودية قادرون على إفشال أو على الأقل إعاقة زحف الأحزاب اليمينية الفاشية التي يقودها بنيامين نتنياهو. لقد توقع نتنياهو وحلفاؤه فوزهم الساحق وحصولهم على أكثرية مطلقة تخولهم تركيب حكومة يمينية خالصة، تقف على ساقيها، الديني المتزمت والقومي العنصري ذي النزعات الفاشية الواضحة؛ لكنهم فشلوا بتحقيق ذلك، ويواجهون صعوبات جمة في استعادة سلطتهم المطلقة على سدة الحكم. ويشعر نتنياهو، في الوقت نفسه، بأن احتمالات مقاضاته وحبسه صارت أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

المواطنون العرب ومعهم بعض القوى اليهودية قادرون على إفشال أو على الأقل إعاقة زحف الأحزاب اليمينية الفاشية

هذه واحدة من خلاصات ما حدث في السابع عشر من سبتمبر/أيلول الجاري، وهي حقيقة واضحة، حتى لو أنكرها الذين نادوا إلى مقاطعة الانتخابات؛ فالأحزاب والحركات السياسية العربية، ومعها عدة قوى يهودية، قادرة على صد نتنياهو وعلى عرقلة مخططاته العنصرية الجهنمية؛ ولو آمنوا بذلك منذ لحظة الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات وذوتوا هذه القدرة وعملوا بهديها، لحصلوا على نتائج مغايرة بشكل أفضل، ولتوفرت إمكانيات أكبر للتأثير على مجريات الأحداث وولادة خريطة حزبية سياسية جديدة داخل إسرائيل. لذا فإن جميع الأحزاب مطالبة بإجراء تقييم لمواقفها ونشرها على الملأ؛ فهذا حق للمواطن وحاجة لضمان سلامة العمل في المستقبل.

هل فعلا لا يمكن اختراق الشارع اليهودي؟

لقد ساد في السنوات الأخيرة شعور بأن «الشارع/المجتمع اليهودي» أغلق جميع الأبواب في وجهنا، نحن المواطنين العرب، ويرفض الاستماع إلى مطالبنا والتعاطي مع شكاوينا مهما كانت أساسية ومحقة. هنالك ضرورة لدراسة هذه الفرضية والتحقق من صحتها والوقوف على أسبابها، وفي مقدمتها بلا شك سياسة التحريض الأرعن التي قادها بنيامين نتنياهو نفسه، ومعه أعضاء حزبه والى جانبهم حلفاؤهم من أحزاب وحركات اليمين الفاشي. رغم اتساع ظاهرة استعداء المواطنين اليهود للمواطنين العرب في اسرائيل، شعرنا خلال معركة الانتخابات الأخيرة بوجود بوادر لصدوع في ذلك الجدار الفولاذي؛ فبعد إعادة تشكيل القائمة المشتركة، وانضباط قادتها وسلوكهم بشكل ناضج ومسؤول، وبعد أن نجحوا باستعادة ثقة قطاعات واسعة من الناس بهم وبها، وتحولها إلى عنوان سياسي مقبول لتمثيلهم في الكنيست، شعرنا بحصول تغيير طفيف تجاه شرعية مطالب المواطنين العرب، وتجاه حقوقهم المسلوبة. لقد خلق الالتفاف الجماهيري حول القائمة المشتركة واقعًا سياسيًا جديدًا سرعان ما فرض نفسه، رغم قصر الوقت، على عدة قطاعات وشرائح يهودية صهيونية، حتى اضطرت بعض الشخصيات القيادية والنخبوية والإعلامية أن تتطرق إلى مسألة الوجود العربي داخل الدولة، بمنطلقات إيجابية غير مسبوقة وأن توليه التفاتة، وصلت احيانًا حد «مجاملتنا» ولو بشكل خجول أو مضطرب، كما جاء على لسان النائب جانتس، رئيس حزب كاحول لافان.
قد يستخف البعض بهذه الأصوات ويقلل من أهميتها أو يسخر من صغر أحجامها وتأثيرها؛ لكنني، على عكسهم، أعلق آمالًا عليهم وأطالب القيادات بضرورة التواصل مع جميعهم؛ فمن يرفض التمترس وراء جدار الكراهية العمياء، ومن يصر على الخروج من حظيرة القطيع، ويتوقف عن ممارسة حرفة شيطنة العرب واستعدائهم، هو حليفي وعليّ أن أستميله إلى جانب قضيتي، إذ قد يصبح رفيق دربي. لقد ساهم خطاب رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة في استجلاب كثير من المواقف المساندة، وفي صحوة وتغير جهات كانت معادية لنا؛ وهنالك ترقب لما سيفعله وكيف سيطور مواقفه في هذه القضية المهمة، خاصة بعد أن أثبتت قطاعات واسعة من الجماهير العربية وفاءها، إذا وجدت عنوانًا أهلًا له؛ وأثبتت أنها مع قادة أكفاء وخطاب سياسي جريء وسليم، لا تعرف المستحيل ويمكنها اختراق الفولاذ وهدم جدران القمع والحقد والعنصرية.

لنفرح ولكن..

يحق لنا أن نفرح ولو قليلًا فهذا حقنا؛ على أن نتذكر اننا، رغم ما أنجزناه، ما زلنا نواجه في «غرفة الانعاش» المخاطر والأعداء؛ وسواء عاد نتنياهو إلى الحكومة أو لم يعد، سيبقى طريقنا نحو بر الأمان طويلًا وعسيرًا. لقد كانت معركتنا محلية ودارت رحاها حول من سيحكمنا أو يشاركنا أو يطردنا، ولم يكن شأنها صفقة القرن، كما قالوا، ولا همها أي هاجس دخيل أو علم بعيد؛ تصرفنا كمجتمع عاقل وحكيم فنجحنا، رغم جميع المعوقات والعثرات، باستعادة توازننا؛ الذي لن يدوم طويلًا إذا لم تباشر فورًا قيادات القائمة المشتركة وجميع من ساهم في هذه المعركة، في وضع خطة طوارئ تضمن المحافظة على ما اكتسب. علينا أن نتفق على من هم أعداؤنا كي نصل إلى حلفائنا وإلى أصدقائنا، فبدون استخلاص العبر، سنعود إلى بطن العدم؛ وما أشطرنا في ممارسة الخسارة والندم. ستكون مهمتهم صعبة ومعقدة، ولكن بدون أن يتفقوا على قواسم مشتركة تمنع اقتتالهم على كل صغيرة وكبيرة، سيصطدمون قريبًا بعشرات الحواجز والحفر، وسنشاهد مجددًا فصولًا جديدة من سيرة الخيبة والخسارة.
لن تتغير الدولة في تعاملها معنا بضربة نرد واحدة، وقد يكون ما أحرزناه في هذه الانتخابات نصرًا صغيرًا، كان من الممكن أن نجعله كبيرًا لولا نسبة المقاطعين بيننا.
ليس من الحكمة أن ننتظر حتى قدوم معركة الانتخابات المقبلة لنواجه مرة أخرى نداءات المقاطعة؛ فالعمل وفق برنامج مدروس لمواجهتها والتقليل من تأثيرها هو أمر الساعة؛ لأننا نعلم أن لهذه المسألة تداعيات تتعدى قضية المشاركة في الانتخابات.
يتبع..

 

 

الانتخابات في إسرائيل،

يوم الحسم، نداء الواجب

جواد بولس

 

 في السابع عشر من أيلول الجاري سيحسم ملايين المواطنين الاسرائيليين، يهودًا وعربًا، نتيجة الانتخابات العامة، وسيختارون من سيمثلهم في الكنيست القادمة وكيف ستبدو دولة اسرائيل في العقد القادم. وسنصحو، نحن المواطنين العرب، على فجر جديد، يسعى بعضنا لأن يكون مختلفًا، كي يصحبنا نحو كروم الأمل ؛ بينما ، في المقابل، يرى الكثيرون بيننا على أن نهارنا سيبقى باردًا كالموت، لا يحمل ذرة من بشرى ولا بسمة ندى للحالمين.

انها نبوءة الغضب، ينقلها إلينا أولئك الذين ينادون بمقاطعة الانتخابات عن قناعة عقائدية، ويصرّون على أن المشاركة بها تعدّ خطيئة من الكبائر ؛ ويدعو اليها، عن مبدئية هرمة، من يحسبون المشاركة بها اعترافًا بشرعية كيان ما زال في عرفهم، رغم ضياع الحصان، باطلًا ومزعومًا.

"لا تشاركوا أيّها العرب" يعلو ضجيج من يؤمن ألا فائدة نجنيها من هذه اللعبة الاسرائيلية الداخلية التي لن تغيّر نتائجها، مهما كانت، من مرارة واقعنا ؛ فحتى لو سقط بنيامين نتنياهو وحزبه، فلن ترزقنا الصناديق بأحسن منه، لأنه، وفقًا لجميع هذه المدارس، كل اليهود هم صهاينة وكل الصهاينة أعداء أو "جراثيم"- حسب أحد أوصافهم المُستحدثة - وسواسية في الجريمة. وإن وجدنا بينهم "غزالًا" أحمر يدعى "كسيف"  فهو الاستثناء الدال على رواج وثبات القاعدة.

لا تشاركوا أيها المسلمون وأيها العرب" هكذا يهيب نداء الذين يؤثرون تأبط الأماني وهي ترقص على حد الظبات، أو أولئك الذين ينتظرون تفتح الوردة على شرفة دارهم من دون أن يزرعوها في التراب من قبل.

أنا ساغرس، بعد أيام ، حبتي في صدر القدر مؤمنًا أن قليلًا من الاصرار والعمل خير من نهر تنظير وأجدى من قناطير رومانسية طاهرة ؛ سأزرعها وأنا أردد نصيحة السلف الحكيم، بأضافة "ورقة" من القطران فعساها تسعف الجمل !

كانت تلك مقدمة ضرورية لأوضح موقفي من مقاطعة آلاف من  العرب الذين يعيشون في فيء مواطنة اسرائيلية وينأون بأنفسهم طواعية، مدفوعين بعقيدة او بمبدأ او بقناعة انعدام الجدوى، عن ممارسة حقهم الإنساني والأساسي في التأثير على شكل النظام الذي سيحكمهم، وعلى صورته وقوته ؛ مع ذلك فلقد قلت مرارًا انهم يمارسون حقهم  بالمقاطعة وانني لا أكتب هنا ولم أكتب من قبل كي أقنعهم بضرورة التصويت، وذلك رغم اختلافي معهم ورؤيتي بأن مواقفهم تسهل على القوى الفاشية الاسرائيلية تنفيذ مآربها وموبقاتها، لا ضدنا نحن العرب فحسب، بل بحق كل يهودي وصهيوني لا يقف معهم في نفس خنادق الدم؛ فشاهدوا حجم ما تبذله قوى اليمين المستوحش من أجل ثني الناخبين العرب أو تقليص أعدادهم او ترهيبهم او استمالتهم أو تحييدهم بجميع الوسائل والبدع، وفي نفس الوقت محاربتهم  وتخوينهم "لأعدائهم" من اليهود.

لن اقاطع الانتخابات، وأدعو الجميع الى التصويت للقائمة المشتركة مؤكدًا أن كلما زادت قوتها، تنقص قوة أحزاب اليمين الفاشي، وتتراجع امكانياته بتحقيق برامجه السياسية والاجتماعية التي يعلنها نتنياهو وحلفاؤه بشكل سافر. هؤلاء  يوضحون لنا وللعالم أنهم عازمون على "مط" حدود اسرئيل حتى يزنرها النهر والبحر من الخاصرتين، ثم يسقفون دولتهم بأسفار التوراة حتى تصبح مصدر التشريع والالهام السلطاني الأكبر، على ما سيتبع ذلك من استحقاقات حياتية ويومية شرحها لنا في الآشهر الأخيرة عدد من الحاخامين القياديين، مبيّنين حكم الاغيار الغرباء، مثلنا، في دولة يهودية ومصائرهم المترنحة بين الموت الزؤام أو العبودية الخالصة.

يخطيء من يصر على أن اعتبار جميع اليهود صهاينة، ويخطيء كذلك من يؤكد على أن جميع الصهاينة سواسية؛ فهذه التعميمات مرفوضة من الناحية الاخلاقية والسياسية، وهي توازي تمامًا تعميمات العنصريين اليهود ضد العرب او المسلمين او الشيوعين وغيرهم؛ ومرفوضة لأنها تخلق بلبلة كبيرة  بين الناخبين العرب وتساعد على اقناع المترددين والمتأرجحين والتائهين منهم بتبني موقف المقاطعة؛  فما دامت كل الأحزاب اليهودية متشابهة اذن ما الفائدة من التصويت لأحداها وماذا اذا سقط نظام نتنياهو وحلفاؤه من غلاة اليمينيين والمتزمتين الدينيين ؟

وإذا كان جميع  اليهود صهاينة وكل الصهاينة متشابهين، فما الفرق اذن بين سموطريتش وجانتس وزاندبرغ وكسيف ؟ ولماذا لا نقاطع؟  أو لماذا، على النقيض، لا يصوت عشرات آلاف العرب لحزب "كاحول لافان" أو لليبرمان؟ فكلهم في الصناديق "بلاء".

لم يدحض قادة المشتركة بشكل قاطع تلك الدعايات ولم يتصدوا لها صراحةً،  فباستثناء صوت رئيس القائمة النائب ايمن عودة الجريء والقاطع، كان صمتهم كالرصاص أطلقوه على سيقانهم؛ فبدون مواجهة هذه المسائل بشكل حازم وحاسم ستخسر القائمة آلاف المصوتين، ومثلهم من الممتنعين ، وقد يكتشفون ذلك بعد فوات الأوان.

ستحتاج الجماهير العربية، بعد انتهاء الانتخابات، الى أكبر عدد من الحلفاء اليهود والصهاينة، خاصة اذا نجح غلاة اليمينين والمتزمتين المتدينين باقامة الحكومة؛ أمٌا اذا لم ينجحوا فستتسع آفاق تأثير القائمة المشتركة بشكل كبير وستصبح امكانيات تأثيرها على سيرورة العمل السياسي في الدولة واقعية أكثر من أي وقت مضى.

علينا ان نقر بوجود فوارق سياسية واجتماعية كبيرة بين الأحزاب الصهيونية وحتى بين الشخصيات القيادية في داخلها ؛ فعندما يصرح،  بني بيغن ودان ماريدور ودان تيخون، مثلًا، وهم ثلاثة رموز بارزة في تاريخ حزب الليكود، وأعمدة تاريخية في الحياة العامة الاسرائيلية، عن رفضهم التصويت لنتنياهو ولحزب الليكود، لا يمكننا إغفال هذا المنعطف والاستخفاف بمعانيه، خاصة اذا فهمنا انهم يخشون على مصير نظام الحكم الديمقراطي في دولتهم.

قد يقول قائل ان ديمقراطيتهم ليست ديمقراطيتنا، وأن تاريخهم كقادة يمينيين تقليديين ما زال ينبض، وأنهم كانوا شركاء بما نفذه ذلك اليمين في حقنا وحق ابناء شعبنا الفلسطيني، فكل هذا صحيح لكنني  لن استخف بما قالوا، فاذا خاف هؤلاء من الآتي فما عسانا ان نفعل؟  وكيف نتصرف؟ نفتش عن حلفاء ونوجدهم.

اعرف ان كثيرين لن يوافقوني الرأي وبعضهم قد يشرع بحفلة تطبيل وتزمير لن أعيرها أي اهتمام؛  لأنني أفضل التحديق في واقعنا ومحاولة قراءة حاضر هؤلاء القادة على ان اكتفي بنبش مواضيهم.

الشيء بالشيء يذكر وفي التاريخ لنا عبر ، فقد يفيدنا ان نتذكر قفزة الجنرال ماتي بيلد المثيرة والكبيرة عندما تحول من بطل في حروب اسرائيل الى حليف مؤسس "للحركة التقدمية" وشريك فيها مع اهم الشخصيات القيادية القومية  العربية التي نشطت  بيننا.

لقد دعوت أولًا إلى ضرورة المشاركة في التصويت والى دعم القائمة المشتركة تحديدًا بلا تحفظ ولا تردد ؛ لكنني أعرف أن البعض لن يصوت للقائمة المشتركة بسبب وجود حساسية لها أو لأحد مركباتها، فالامل من هؤلاء ان يصوتوا لحزب ميرتس، الذي يبقى، رغم مواقفه السلبية في بعض المحطات التاريخية، أفضل الأحزاب وأقربها إلى العديد من قضايانا الأساسية وقضايا شعبنا الفلسطيني حيث برز في الدفاع عنها وتبناها نوابه في الكنيست، وكان ابرزهم في السنوات الأخيرة النائب عيساوي فريج. ادعو للتصويت لهم وليس لغيرهم من  الأحزاب العربية الصغيرة لأنها من المؤكد لن تعبر عتبة الحسم.

أعرف ان انضمام الجنرال ايهود باراك لحزب ميرتس سبب خيبة أمل كبيرة في صفوف كثيرين من داعميه العرب واليهود على حد سواء؛ فرغم اعتذاره الشهير من الجماهير العربية ستبقى شخصيته الدموية نازفة في أذهان كل أحرار العالم ومحفورة بالرصاص على شواهد ضحاياه العرب ؛ ولكن ، مع ذلك ورغم المرارة، فأنني اعتقد أن انضمامه، في هذه الظروف السياسية الخطيرة والعاصفة، لحزب ميرتس يعكس حصول تحول ايجابي لافت في مفاهيمه السياسية وأرى في اختياره الطوعي مقدار ربح لما يمثله حزب ميرتس في الخارطة السياسية الإسرائيلية ولجميع القضايا التي يتبناها ويدافع عنها.

ستبقى خطوته خلافية ومحطًا للشك والريبة، وسيبقى هو شخصية مرفوضة، وبحق، من قبل معظم المواطنين العرب؛ بينما قد يعرّف يهود كثر خطوته بالمثيرة ويعتبروها "تنازلًا" جديًا من قبل شخصية يمينية صقرية قررت الهجرة من مواقعها في بقاع الدم والانتقال الى السكن على سفوح الندم. والقول سيبقى قيد الشك والرهان على المجهول فقط .

التصويت للقائمة المشتركة واجب وحصولها على أكبر عدد من المقاعد فيه قوة للناس ومصدر للثقة بمستقبل أفضل سيصير مشرقًا اذا استخلص قادتها العبر ولن يعودوا الى قوالبهم السالفة؛ فنحن لن نغفر لهم ولن ننسى، وحسابنا معهم سيبدأ بعد ركود الغبار وقبل هبوب العاصفة ونزول أول المطر.

 

 

 

 

 

انتخابات

الكنيست، خطاب العقل

 

جواد بولس

 

من المتوقع ألّا يكفّ بنيامين نتنياهو عن محاولاته لتوسيع دوائر الدعم لحزبه، ولا عن إصراره على تذليل جميع العقبات التي يرى أن من شأنها أن تفشل فوز معسكره في الانتخابات المقبلة.

لم تبدأ مسيرة الجنوح اليميني العنصري في اسرائيل ووصولها إلى حالة الاختمار الفيروسي الخطير ، مع بداية طريق بنيامين نتنياهو السياسية؛ لكنه بدون شك أحد أهم وأبرز السياسيين الصهاينة الذين سعوا بإمعان إلى ترسيخ دولة تتماهى حدودها مع ما وعدت به السماء أنبياء بني اسرائيل، وتتحرّك في فضاءاتها، بشهوة وبشوق، أرواح ابنائها اليهود الأمينين. 

لقد كانت دوافع نتنياهو في المعارك الانتخابية السابقة قومية نهمة وعنصرية حتى حدود الدم؛ وكانت تستهدف إحكام سيطرة اليمين الفاشي المنفلت، على جميع مفاصل النظام ونقلها من كيان يدّعي أنه ديمقراطي ويهودي إلى دولة تفاخر بكونها يهودية نقية، لا يتستر قادتها وراء أي حجاب من الديبلوماسية الزائفة ولا تتلوّى مؤسساتها على وقع نايات "مجتمع دولي" افتراضي أضاع بقايا ضميره في صحاري العهر البعيدة. 

ومن المؤكد أن مطامعه، في الانتخابات المقبلة، لن تتغير. فنصر أحزاب اليمين العنصري هو غايته ؛ وإشباع نرجسيته وأناه المنفوختين سيبقى، كما كان ، بمثابة تحصيل الحاصل وانجازه الشخصي المبهر ؛ لكنه، مع ذلك ، يعرف، كما نعرف نحن أيضا، بأن تداعيات المعركة المقبلة، بخلاف سابقاتها، ستحسم مصيره الشخصي بالمعنى الدقيق، وليس مصير مستقبله السياسي فحسب؛ فمسألة فوز حزبه وحلفائه في الانتخابات وتكليفهم له، بعد انتهائها في الثامن عشر من ايلول/سبتمبر الجاري، بمهمة تركيب الحكومة الجديدة ونجاحه في ذلك، سينقذه من مواجهة الاتهامات الجنائية الخطيرة التي إذا ما أدين بها سيسجن وسينهي مسيرته السياسية كمجرم وراء  القضبان.

لن يتورّع نتنياهو من القيام بكل ما يخطر على بالنا وما يغيب عنه؛ فما زلنا نشهد ما يفعله في الأيام الأخيرة وما يعد به وكيف يسعى لاستقطاب القادة اليمينيين وضمان أصوات أتباعهم؛ وكيف يعلن يوميًا، بدون خجل أو وجل، عما سيدفعه لهم من عوائد مادية أو سياسية، آملًا، بسبب ذلك، أن يضمن تربّعه، مرّة أخرى، على كرسي رئاسة الحكومة، وإلّا فبديل ذلك، كما قلنا، سيكون جلوسه، بصحبة الحسرة، على "برش" معدّ لكبار الرؤساء المدانين بالجرائم، حيث لن يجد سيجار ًا ولا شامبانيا، بل نوبات من التنهد وموجات من الوجع.

كان لا بد من هذه المقدمة لتوضيح حجم الخطر الذي سنواجهه، نحن المواطنين العرب، في حالة نجاح معسكر نتنياهو واستئثاره بمقابض السلطة؛  فهو وجميع من معه يعلنون، بلا تأتأة وبشكل لا يقبل التأويل، أن مرحلة تدجيننا، كغرباء عرب في ديارهم، قد انتهت، وعلينا، بعد تشريع قانون القومية وأشقائه، أن نقبل باليهود أسيادًا لنا وأن نحتفي نحن، من أجل مصلحتنا، بدور وبمكانة العبيد.

قد يظنّ البعض أنني أبالغ عندما أكتب عن فظائع النظام المقبلة، أو أنني أشجّع على تهليع وتيئيس الناس؛ لكنني أهيب بمن يجيدون فهم المقروء أن يراجعوا مجددًا جميع تلك القوانين التي شرّعتها الكنيست في السنوات الأخيرة، راجيًا ممن شعروا وتحققوا من خطورتها عدم المراهنة على اعتبارها مجرد نزوات من حبر ستنسى في خزائن الرحمة الاسرائيلية أو داخل ثنايا التاريخ ؛ وأدعو، في نفس الوقت، جميع من أصيبوا بداء التعب واستقراف السياسة، أو بلعنة الكسل والخيبة، أو بعارض فتور المشاعر والأحاسيس، أن يعدلوا عن قرارهم بمقاطعة الانتخابات.

يجب الإصغاء جيّدًا لشراسة مواقف زعماء اليمين وأفعال رسلهم، الحاليين منهم في الحكومة أو القادمين؛ فمن يسمع عظات أبائهم الروحيين وفتاوى كهنتهم المتزمتين، سيتيقن أننا، كمواطنين عرب، لا نملك هوامش للتمنّي الواهم وليس لدينا فرص للمقامرات وللمزايدات وللعبث ؛ فنتياهو جريح نازف وهو بحاجة حرجة ، كي يضمن بقاءه في مقام المواطن الأول، لجميع أولئك الراقصين على الهضاب الساخنة أو يتدافعون في حملات صيد العرب كما نراها في شوارع القدس أو في ساحات العفولة وفي صفد.

سيسمح لهم نتنياهو وحزبه أن يشفوا غليلهم على حساب شراييننا نحن المواطنين العرب، لأنه، إن لم يكن مثلهم، فهو يعرف انه بدونهم وبدون بطشهم، سيصير غبارًا على سفوح الماضي وشظايا ذكرى وطيف ذليل.

 

ماذا فعل  لنا أعضاء الكنيست العرب !

يتذرع بعض مقاطعي الانتخابات بعدم أهمية التمثيل النيابي العربي في الكنيست، فيتخذون بظل هذه المغالطة موقفًا عدميًا يبقيهم يوم الانتخابات في البيوت أو يخرجهم للاستجمام في أحد الشطآن،  أو لرحلة شواء، مستغلين يوم العطلة، بصحبة اليأس والنرجيلة. 

لن أعدّد كل الأسباب التي ساعدت على انتشار  هذه المقولة وتحوّلها الى أحد أهم العوامل في تبني قطاعات واسعة من المواطنين العرب لموقف مقاطعة الانتخابات بعد أن مارسوها لدورات عديدة.

عملت أجهزة الدولة الموكلة على نشر هذه الفرية بذكاء لافت، ونجحت بترسيخها في جيوب سكانية عديدة فتبنتها قطاعات واسعة حتى ضاعت "طاسة"  الحقيقة بين داع للمقاطعة عن عمالة وعن إغراض، وبين مضلَّل أو مؤمن بها عن جهالة أو عن يأس أو عن "مجاكرة" أو عن احتجاج ؛ وعلى جميع الأحوال فلقد ربحت ماكنة الدعاية الصهيونية، من جراء ذلك، معركة هامة؛ وسجلنا، نحن المواطنين العرب، بالمقابل، هزيمة جديدة في سجل هزائمنا الطويل.

لقد ساهمت قيادات الاحزاب والحركات السياسية والدينية في رواج ذلك الشعار؛ ففي حين كانت ماكنات الاعلام الحكومية الاسرائيلية وأبواقها المحلية تراكم تأثيرها شعبيًا، كانت القيادات العربية غارقة في صراعاتها الداخلية أو تلهث، مستنزَفة، في سباقاتها على مسارات الولاءات الملتبسة، في مشهد ساعد على إبعاد الناس عن تلك الحلبات المزعجة.

 لقد عاشت مجتمعاتنا حالة من العجز السياسي ومن عقم القيادات؛ وأما اليوم، وبعد اعادة تركيب القائمة المشتركة وبسبب ظواهر اخرى، كلي أمل أننا في طريقنا للخروج من ذلك المأزق القاتل.

 لن أكتب هنا في اسباب ذلك الترهل والضعف، لأن مقصدي، ونحن أمام مرحلة مفصلية، هو اقناع هذا الفريق من المقاطعين بضرورة مشاركتهم في التصويت المقبل، لأنني ارى بوجود النواب العرب في الكنيست ومعهم من يدعم قضايانا الأساسية وحقوق الشعب الفلسطيني، ضرورة بديهية تمارسها ومارستها معظم الأقليات التي تناضل من أجل بقائها في وطنها وحصولها على حقوقها المدنية؛ ويكفينا أن نرى، كبرهان على صحة ما قلت، كيف تسعى احزاب اليمين بكل طاقاتها وخدعها وتحاول إقصاء الأحزاب والحركات السياسية العربية عن الكنيست، وكذلك تحاول تخفيض نسبة المصوتين العرب او سرقة ضعاف النفوس والمنتفعين لصالحها.

لقد فشلت الاحزاب العربية في السنوات السابقة بصدّ تلك الدعاية الخبيثة وبصدّ غيرها من الدعايات التي أثّرت سلبًا على روح الجماهير وأدّت الى عزوفها والى تنامي نداءات المقاطعة بشكل طردي ومقلق؛ أما اليوم فيجب، فيما تبقى من وقت، العمل المبرمج والصارم على محاورة أوسع القطاعات المتكاسلة واقناعها على أن اهمية مشاركتها لا تتوقف فقط على أهمية وجود أكبر  عدد من النواب العرب وحلفائهم الحقيقيين، بل لأنها أيضًا تعدّ فعلًا ضروريًا من واجب الانسان الحرّ والواعي ممارسته؛  وهي كذلك تعتبر استجابة لحاجة وجودية يمليها العقل من اجل تحقيق ذات كل فرد فاعل في تحديد صورة وشكل المجتمع الذي سيعيش فيه.

أدعو اذن الناس للتصويت واحترم، في نفس الوقت، حق من ينادي بالمقاطعة لأسباب مبدئية او عقائدية. احترم حقهم لكنني لا أوافقهم على نتيجته لانني أشعر بأن مقاطعتهم تسهل على قوى اليمين الفاشية تنفيذ مآربها وموبقاتها.

 حول هذه المسألة وحول موقف من يدّعي بأن كل اليهود صهاينة وبأنّ كل الصهاينة سواسية سوف أكتب لاحقًا، فهل حقًا علينا ان نتعامل مع سموطريتش وأشكاله مثل تعاملنا مع نيتسان هوروفتس، رئيس حزب ميرتس، ورفاقه؟

يتبع .. 

    

 

القائمة المشتركة، خطاب التفاؤل

جواد بولس

 

تتزايد في الآونة الأخيرة الدلائل على خروج القائمة المشتركة من أزمتها القاسية ونجاحها النسبي بتخطي تبعات خسارتها لثقة الناس وعودتها كعنوان شرعيّ مقبول وموحّد جدير بأصوات الناخبين العرب، رغم اختلاف منابتهم السياسية والعقائدية وتباين أطياف أحلامهم المنشودة.

لا طائل اليوم في التدقيق بأسباب تلك الأزمة ولا في سبر أغوار هذه التحوّلات الايجابية، الذاتية أو الموضوعية؛ لكنني أجزم بأن مواقف قيادات القائمة المشتركة، في بعض المحطات المفصلية وتمترس كوادر أحزابهم من خلفها وخوضها لصراعات "قبلية" دامية، كانت من أهم أسباب توليد تلك الأزمة؛ وستكون، إذا تغيّرت وتحسّنت، من أهم أسباب نجاتها من السقوط المدوّي ومن الاندثار الحتمي الوشيك، كما كان متوقعًا لها في الأشهر الماضية.

رغم بوادر الانقلاب الحميد الذي تشهد عليه بعض ساحات بلداتنا، لاحظنا مؤخرًا أن بعض قيّاديي القائمة المشتركة لم يذوّتوا، بعد، خلاصات فشل المحاولة السابقة؛ وما زالوا يجيزون لأنفسهم ، رغم ثبوت حقيقة ضمور أحجامهم الانتخابية، أن يتصرفوا وفق دوافع ذلك الماضي التناحري ومساطره السقيمة، ويخاطرون بإفشال محاولات انقاذ التجربة المنبعثة، وبإعادة الرأي العام إلى مربع الاشمئزاز المعلن وفقدان الثقة. ولقد برزت عوارض هذا النهج، بشكل واضح ومقلق، بعد مقابلة النائب أيمن عودة لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية وردود فعل عدد من القيادات عليها.

سيُفرح استئناف المناكفات بين مركبات القائمة المشتركة جميع الأحزاب اليمينية الصهيونية وسيقوّي، في نفس الوقت، نداءات الداعين الى مقاطعة الانتخابات ؛ بينما، بالمقابل، سيساهم الوفاق الحقيقي بينهم في احياء رغبات من فقدوا شهواتهم السياسية وفي استعادتهم إلى "الأحضان العامة" كعناصر اجتماعية ناشطة ومؤثرة في الاتجاهات الصحيحة.

لا يملك قادة المشتركة متسعًا من الوقت لمزيد من التجارب ومن الرهانات الفارهة، فالانتخابات ستجرى في السابع عشر من أيلول/سبتمبر المقبل، وكي لا يسقطوا في أول امتحان "بسيخو-وطني"، قادم لا محالة، سيكون من الحكمة أن يحصّنوا مبادرتهم الحالية ببرنامج يضمّنوه توافقاتهم الأساسية في ميادين العمل السياسية والاجتماعية والثقافية ؛ خاصة بعد أن خبروا طبيعة الحُفر التي أفشلتهم في تلك المسيرة حين كانوا معًا ولم يكونوا، فتناكفوا، كالديوك السكرى، على حفافها حتى وقعوا وأوقعونا فيها.

لن يتحمّل مؤيدوهم خديعة انتخابية جديدة، ولن يغفروا لهم مجرد اكتفائهم بالتوافق على ترتيب مقاعدهم النيابية، بينما لم يكاشفوا الناس بحقيقة التكتيم على اختلافاتهم على المضامين السياسية الرئيسية وحول برامج عملهم "المشترك" في المستقبل؛ فمن الأجدر والانصاف، في هذه الحاله، ان يعلنوا للملأ، قبل موعد الانتخابات، عن سعة تلك المسافات التي بينهم كيما يعرف كل مصوت لقائمتهم المشتركة انه يدعم، عمليًا، مرشحي حزبه وليتوقع ، بعدها، عودة حروب الألسن في "برج بابل" هذا العصر

وبعيدًا عن تلك الهواجس والنصائح، فإنني سأدعم القائمة المشاركة في التصويت وأرى في نجاحها انجازًا من شأنه أن يخدم مصالح المواطنين العرب في اسرائيل ويتيح لهم منصّات ستساهم في مقارعة نوابها لوكلاء تيارات اليمين الفاشي على أجناسهم، وتمنحهم فرصة استغلال تلك المنابر كروافع لفضح موبقات الحكومة والتصدي لسياستها أو على الاقل تحجيمها وإعاقتها بقدر المستطاع والمتاح.

أنني اعتبر  أن عملية اقناع مقاطعي التصويت يجب أن تتصدر اجندات جميع نشطاء الأحزاب والحركات والمؤسسات الداعمة للقائمة المشتركة، ومهمة ثني المقاطعين يجب أن تبقى طارئة وملحّة، خاصة بين من ابتعدوا وهجروا الصناديق  كتعبير عن امتعاضهم من ممارسات قادة أو أنصاف قادة  الأحزاب والحركات السياسية والدينية، أو احتجاجًا منهم على مواقفهم القطرية وتلك التي مارسوها على المستوى البلدي والمحلي.

لقد استغلت عناصر كثيرة أجواء الغضب الشعبية التي سببتها تلك السلوكيات ونجحت في استثمارها  وتطويرها الى درجات وصلت حد المطالبة بخلع الشرعية عن تلك القيادات وعن أطرها التنظيمية؛ فنجاح المشتركة، في هذا السياق، سيضمن إفشال هذه المحاولات البائسة؛ مع اننا، للتنويه وللتأكيد ، يجب أن نميّز  بين ما خططت له جهات حكومية وصهيونية يمينية معادية ومعروفة، وأعوانهم من بين العرب، وبين مواقف فئات وشرائح عربية رفعت شعارات مناوئة للقائمة ومحرّضة على قياداتها حيث كان بعضها مدفوعًا بمشاعر نقدية سليمة وصادقة أو بحسن النوايا وبالغيرة الشعبية الطيبة.

رؤساء المجالس والبلديات جناح من أثنين

وعلى صعيد آخر فأنني على قناعة بأن دور رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية سيكون، في هذه المعركة، مفصليا وذلك رغم الصدوع التي ضربت هذا القطاع الهام من أبناء شعبنا في العقدين الآخيرين.

فقد عبّر عن هذا الأمل النائب أيمن عوده حين كتب، في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، على صفحته وقال  "بعد مهرجان كفر ياسيف أشعر بالتفاؤل. بهذه الانتخابات نحن مليون مصوّت يا نتنياهو. شعبنا سيفعلها "

لقد جاء هذا التصريح بعد نجاح مهرجان افتتاح المعركة الانتخابية في قرية كفر ياسيف الجليلية وهي تستعيد مع المحامي شادي شويري، رئيس مجلسها الجديد، ومع القائمة المشتركة، أيام  تلك القرية / القلعة التي كانت "شوارعها بلا أسماء"، وكانت تظلل شعراء الحرية الحمراء يأتونها  "وهم سجناء" ، كما صدح في ساحتها الشاعر راشد حسين، وتنتظر عودتهم "وهم طلقاء".

وبعد كفر ياسيف شدّت انتباهي زيارة النائب أيمن عوده لمدينة الطيبة؛ فعلاوة على استقباله بحفاوة من قبل أهلها رحب به رئيس بلديتها المحامي شعاع منصور وأعلن على الملأ وبحزم: " كلنا جنود من أجل المشتركة" وأضاف تعهده بالعمل على اخراج الناس للتصويت لها.

انها بشائر تستدعي الرعاية الواعية والملاحقة ؛ فطائر الرعد لن يحلق في سماواتنا من جديد الا بجناحيه الأصيلين: تمثيل سياسي واع ومشرّف في الكنيست، وقيادات محلية تعيش وتعمل بهدي ما زرعه آباء جيل البقاء والنقاء حين علمونا أن لا  "خدمات بدون كرامات ".

وأخيرًا، لا بد من همسة في آذان من أساءوا تقدير مخاطر  ما يتداعى في مواقعنا وأخطأوا قراءة خوارط الدم النافر والغبار المتناثر في شوارعنا؛ فكل عمل وحدوي يتأهب لمواجهة معركة شرسة من نظام حكم لا يخفي مخططاته القمعية والاقتلاعية تجاه مواطني الدولة العرب، يلزمه بوصلة سياسية مسؤولة تتخلص من نزعات المقامره ومن ترهات المزايدة ومن فذلكات الارتجال؛ وكل اصرار على محاربة العنف المتفشي في بلداتنا  والانتصار عليه، بحاجة الى قائد عنيد، ذكي، صارم، ليّن ، لبق، مثقف ، قلق، أديب، مجرب، متواضع وقادر على ركوب الريح وعلى احتضان الورد وعلى اجتراح الوعد وعناق القمر .

يتبع..

 

 

 

تقول الحياة:

يبقى الغناء أدوم وأنبل

جواد بولس

 

ألغت بلدية أم الفحم حفل الفنان تامر نفار، الذي كان مقررًا أمس في المركز الجماهيري على خشبة مسرح وسينماتك المدينة، بعد أن أكتشف رئيس وأغلبية أعضاء المجلس البلدي «أنّ مضامين أغنيات الفنان بعيدة كل البعد عن الجانب الديني والأخلاقي والتربوي والثقافي المتعارف عليه في أم الفحم؛ ولاحتوائها عبارات ومصطلحات وأفكار لا تتلاءم ولا تتناسب مع قاموسنا الثقافي والحضاري والمجتمعي، على أقل تقدير»، حسبما جاء في بيانهم الذي تناقلته الأخبار والمواقع.
كانت شبكات التواصل الاجتماعي أبرز الساحات التي شهدت معارك بين من انتقد وشجب ورفض القرار، ومن دافع عنه؛ وقد اتسمت لغة بعض المعقّبين، كما بات دارجًا «ومألوفًا» في مثل هذه المشاهد، بالعنف والبذاءة والتقريع، فجاءت بعيدة عن آداب الحوار «الثقافي والحضاري والتربوي» المُجدي كما هو جدير بأقلية مضطهدة، تنام جائحة على سياسات قمعها وسلب حقوقها، وتصحو ناعقة على ضحايا سقطت برصاصها فتلعق دماء خناجرها.
مواقفي في قضايا الحرّيات معلنة ومعروفة، وقد دافعت عنها مرارًا وجهارا، ولم ألُذ بالصمت تقيّة ولا أتخذت الجبن يومًا ياطرًا ولا مرسى؛ وعليه فإنني، اليوم، كما كنت في أمسي، أقف مع حق المغني في الغناء، حرًا بلا قيود؛ وأستطيع، بالمقابل، أن أتفهم كل فرد من مجتمعنا لا يحب غناء تامر، أو ينتقد أسلوبه ورسالته، أو يقاطع حفلاته ولا يشارك فيها؛ لكنني أعرف، كما يعرف الكثيرون أننا بعيدون عن هذه المعادلة الإنسانية الحضارية بُعد قايين عن هابيل؛ فالقضية بيننا وعندنا أعمق وأعقد، وهي لم تبدأ مع أغنية «سلام يا صاحبي» ولن تنتهي مع «راجع عالبيت»، حتى إذا تراجعت بلدية أم الفحم عن قرارها أو أُرغمت بالقضاء بالتراجع، واستطاع «ابن مفرق الـ 48» أن يجنّ على المسرح كحصان وحشي.

الحرية هي القيمة العليا، وهي لا تتجزأ، والحق في الحياة مقدس واحترام الآخر المختلف هو أساس العدل

لم يفاجئني قرار بلدية ام الفحم، وكما قلت مرة، فإنّ قادة الحركات الإسلامية السياسية، ومن يدور في أفلاكهم هم أناس متصالحون مع ذواتهم لا يهادنون بعقائدهم، بل يفاخرون بها على كل منبر، واذا تمكنوا من موقع للقرار نهم يعملون بهدي عقيدتهم، ويسعون لتحقيق أهدافهم بدون مواربات ولايهامات. المشكلة، بهذا المعنى، ليست عندهم بل لدى من لم يحمِ قلاعه حتى وهو يراها تهوي برجًا بعد قنطرة، ولدى من بوّر حقوله وهجر دروبها ليتيه في أحضان العجز. لا أعرف كيف ستتصرف مؤسساتنا القيادية ومعظم جمعيات المجتمع المدني، أزاء القرار الذي اتخذته بلدية أم الفحم، رغم مساسه بمكانة «الحيّز العام» بمفهومه المدني الواسع، وتنكره لحقوق مئات المواطنين الفحماويين، الذين اختاروا حضور الحفل واشتروا سلفاً جميع بطاقاته، ورغم قمعه لحقوق فنان موهوب يشكل وفرقته «دام» حالة مسرحية إبداعية لافتة، تشهد عليها جماهيريته المثبتة في ميادين بلداتنا من أقصى الشمال وحتى الجنوب. معظم تلك الهيئات، وأخص منها هنا «اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية» و»القائمة المشتركة» و»اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية» تعاني من إشكاليات بنيوية عسيرة ومتأصّلة ستمنعها من اتخاذ مواقف صريحة معارضة لقرار بلدية أم الفحم؛ لن ننتظر المفاجآت لأننا خبرنا، في عدة سوابق شبيهة، صمت أو مداهنة تلك الأحزاب والحركات، وتنكرها للدفاع عن الحريات الفردية والفئوية المسلوبة في بلداتنا؛ فكيف ننسى كم مسرحية منعت لأن بطلتها كانت أنثى؟ أو كم مهرجان رقص عورض لكونه فعالية «مختلطة» ورجسًا، أو أيام رياضية «فاضحة» ألغيت.. وغيرها وغيرها.
هل ننتظر على همزة الأمل؟
رغم تشاؤمي لا أعرف لماذا يساورني شعور بأننا مقبلون على عاصفة قد تلد بيننا صحوة ستقودنا إلى ربيع حقيقي. لن يحدث هذا قبل معركة الانتخابات المقبلة في السابع العشر من سبتمبر/أيلول المقبل؛ لكننا، رغم غبارها، نستطيع أن نرى البراعم تزهر في حواكير جديدة، وأن نسمع الضجيج يسيل من أقلام بدأ أصحابها يشعرون بفداحة الخسائر، وبذل الهزائم ويخشون من فقدان «ساحات بلداتنا» ومن سحق مناعاتنا التي حافظت علينا كأقلية، حين عرفنا كيف نصمد كيف نصون قيم الحرية والتعددية والكرامة الوطنية؛ وكيف نحترم الرأي المغاير، ونربي أبناءنا على أصول التعايش مع الآخر المختلف، ولماذا يجب أن يفصلوا بين ما للأرض وللتراب وما للغيب وللسماء.
لم تقبل كل هيئات أم الفحم السياسية والاجتماعية بقرار البلدية، فأصدرت عدة جهات بياناتها المندّده والمعارضة والمدافعة عن فضاء البلد وعن حرية الفكر والتعبير عن الرأي، تمامًا كما هو متوقع من مجتمع يتفانى أعضاؤه من أجل بقائه حرًا وصامدًا في وجه سياسة القمع والتشريد والتدجين. إلى جانب التحرك الفحماوي كان محمد بركة من أوائل من أصدروا بيانًا ضد قرار البلدية، قال فيه « تامر نفار فنان ملتزم بشعبه وبقضية شعبه وهو يحمل أسلوبه الفني الخاص به… من يريد ان يحضر عرضه فليحضر، ومن لا يريد فهذا حقه، أما منع العرض فهذا غير مقبول.. لا يليق ببلدية أم الفحم أن تقف في مربع الحظر نفسه مع ميري ريغف التي قادت وتقود حملة تحريض لشطب تامر نفار بسبب مواقفه السياسية الوطنية». إنه بيان مهم رغم كونه تصريحًا شخصيا، لن يصدر مثله عن لجنة المتابعة العليا، التي يرأسها محمد بركة، لأننا نعرف أن في داخلها جهات متوافقة مع قرار إلغاء الحفل، فهذا الموقف هو أضعف الإيمان عندهم.
لا تنفرد لجنة المتابعة العليا بهذه الإشكالية المكتومة، التي، على ما يبدو، لا مفر من مواجهتها وتفكيكها، ولكن ليس على حساب سلامة المجتمع وحصانته، ولا على حساب حقوق الأفراد والتحكم في مجاري الهواء وحبسه عن رئات الناس، كما كان الوضع في السنوات الماضية. لم تشفع لمحمد بركه مكانته القيادية، ولا شراكته في اللجنة العليا مع حلفاء من أصدروا القرار في بلدية ام الفحم؛ فقد هاجمته جموع المعقّبين بشراسة وزجَره بعضهم بألا يتدخل كغريب في شؤون بلدهم، ولم يوفروا في حقه مذمة ولا شتيمة ولا تجريحا.
ما أشبه اليوم بالأمس، فقد شهدنا في وقائع سابقة مثل هذه التهجمات، أو حتى هدر دم من تجرأ وعبّر عن إيمان ومعتقد بأن عقله هو مولاه الأكيد، وأن الحرية هي القيمة العليا، وأنها لا تتجزأ، وأن الحق في الحياة مقدس واحترام الآخر المختلف هو أساس العدل. ما أبعد الأمس.. فبيان محمد بركة لم يكن وحيدًا؛ بعده صدرت بيانات أخرى، كان أبرزها بيان «الجبهة الديمقراطية» و»الحزب الشيوعي»، الذي دافعا فيه، بلغة فائقة الكياسة والدبلوماسية، عن حق الفنان تامر نفار بالغناء، ورفضا فيه قرار البلدية وتمنيا على رئيسها الغاءه. لقد قالوا قولهم ومضوا، فهل ستفعل مثلهم القائمة المشتركة وسائر القيادات؟ أم ستترك مصائرنا أسيرة لأهواء إسرائيل ولعدل محاكمها وقضائها؟
ننتظر..
كاتب فلسطيني

 

 

حين وقف مرسيل ومحمود

على مسرح جرش

جواد بولس

كنت متعبًا وأقاوم، في ردهة الفندق التي لا تعرف طعم الن