الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

     

 

 

هل يقدر بزشكيان على إخراج إيران من عزلتها

العودة إلى التفاوض بشأن النووي قرار بيد خامنئي وليس الرئيس.

 

فوز رئيس إصلاحي خطوة اعتبارية مهمة بالنسبة إلى الإيرانيين، لكنها لا تحل المشاكل ولن تفتح الباب أمام كسر عزلة إيران ولا توحي بإعادة التفاوض بشأن الملف النووي الذي هو قرار يعود بالأساس إلى صلاحيات المرشد الأعلى.

 

طهراندعا مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني المنتخب، خلال حملته الانتخابية إلى “علاقات بناءة” مع واشنطن والدول الأوروبية “بغية إخراج إيران من عزلتها”. لكن لا يعرف مدى قدرته على تنفيذ هذا الوعد في ظل سيطرة المتشددين على المؤسسات ووجود المرشد الأعلى الذي يدعم مسار التشدد حيال الغرب ولا يتحمل العودة إلى المفاوضات بشأن الملف النووي.

على الصعيد الداخلي تعهّد بزشكيان برفع القيود المفروضة على الإنترنت، وأعلن معارضته “بالكامل” دوريات شرطة الأخلاق المكلّفة بالتثبت في تقيّد النساء بإلزامية الحجاب. ودعا إلى تمثيل حكومي أوسع نطاقا للنساء وللأقليات الدينية والإثنية، خصوصا الأكراد والبلوش. ووعد بخفض التضخّم الذي يسجّل حاليا نسبة تقارب 40 في المئة. وخلال مناظرة تلفزيونية مع منافسه سعيد جليلي اعتبر بزشكيان أن إيران بحاجة إلى استثمارات أجنبية بـ200 مليار دولار، لافتا إلى أن هذه المبالغ لا يمكن جذبها إلا بإعادة تفعيل العلاقات مع العالم.

وصلاحيات الرئيس في إيران محدودة. فهو مسؤول عن تنفيذ الخطوط العريضة لسياسة يضعها المرشد الأعلى علي خامنئي، المسؤول الأرفع في الجمهورية الإسلامية. وخامنئي هو المرشد الأعلى في إيران منذ 35 عاما. وبصفته رئيسا سيشغل بزشكيان ثاني أرفع منصب في الجمهورية الإسلامية، وسيكون مؤثرا في السياسة الداخلية والخارجية. فهو من يحدد السياسات المالية للبلاد باقتراح مشروع الموازنة وتعيين رئيس المصرف المركزي ووزير الاقتصاد.

ومع ذلك ستكون صلاحياته في ما يتّصل بالشرطة الإيرانية محدودة، وعمليا معدومة في ما يتّصل بالجيش والحرس الثوري، الجيش الأيديولوجي للنظام. وتأتمر القوات المسلّحة الإيرانية مباشرة بأوامر المرشد الأعلى. وتتفاوت مشاعر الإيرانيين حيال فوز بزشكيان، ففي حين يعبّر بعضهم عن سعادته يبدي البعض الآخر تحفظا.

ويقول المهندس أبوالفضل البالغ من العمر 40 عاما "نحن سعداء للغاية بفوز بزشكيان. نحن بحاجة إلى رئيس متعلّم لحل مشاكلنا الاقتصادية". أما راشد (40 عاما) الذي يعمل في صالون حلاقة فقد اعتبر أن فوز بزشكيان "غير ذي أهمية" لأن "الوضع في كل الأحوال سيزداد سوءا".

من جهته يلفت الصحافي والمحلّل السياسي مزيار خسروي إلى أن الرئيس المنتخب “لم يتعهّد بإيجاد حل فوري للمشاكل” في إيران. وفق خسروي صوّت الناس لبزشكيان لأنهم "أدركوا أن مقاربته مبنية على التفاعل مع العالم"، وهو نهج "مختلف تماما عمّا تتّبعه الحكومة الحالية". وحسب المحلّل السياسي مصدّق مصدّق بور يأمل مناصرون لبزشكيان أن "يتمكن من إحداث تغيير إلى الأفضل ومن حل بعض مشاكل البلاد"، خصوصا على الصعيد الاقتصادي.

ويؤكد خبراء أن بزشكيان سيواجه تحديات كبرى في بلاد يدير المحافظون الغالبية الساحقة من مؤسساتها الحكومية. ومجلس الشورى الذي يسيطر عليه المحافظون والمحافظون المتشددون هو أحد هذه المؤسسات. ويقول المحلل السياسي مصدّق بور إن "معالجة قضية الحجاب أو أي قضية أيديولوجية أخرى ليست من مسؤولية الرئيس"، ويشدّد على أنها “قضية من اختصاص الشريعة الإسلامية".

ويؤكد مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ أن بزشكيان سيواجه “معركة شاقة” بغية ضمان “الحقوق الاجتماعية والثقافية في بلاده والانخراط الدبلوماسي مع الخارج". وفي ما يتّصل بالاتفاق حول البرنامح النووي يلفت مصدّق بور إلى أن بزشكيان قد يكون قادرا على “إيجاد حل له في حال كان ذلك ما يريده النظام". ولفت خسروي إلى "وجوب ألا يتوقّع أحد تغييرا جوهريا في مقاربة إيران لملف السياسة الخارجية".

ولقيت الانتخابات متابعة دقيقة في الخارج؛ إذ إنّ إيران، القوّة الوازنة في الشرق الأوسط، هي في قلب الكثير من الأزمات الجيوسياسيّة، من الحرب في غزة إلى الملفّ النووي الذي يُشكّل منذ عدة سنوات مصدر خلاف بين الجمهوريّة الإسلاميّة والغرب. ويمنح فوز بزشكيان في الانتخابات الدول الغربية جرعة أمل في التقدّم على صعيد الملف النووي الحسّاس، إلا أن الرئيس الإصلاحي المُنتخب ليس المقرر الوحيد بشأن هذه القضية التي تثير انقساما في طهران أيضا.

ودعا مسعود بزشكيان (69 عاما)، بدعم من الرئيسين الإيرانيَّين السابقين الإصلاحي محمد خاتمي والمعتدل حسن روحاني، خلال الحملة الانتخابية إلى انفتاح أكبر على الغرب. كما دعا إلى "علاقات بناءة" مع واشنطن والدول الأوروبية بهدف "إخراج إيران من عزلتها". ورأى المتخصّص في الشأن الإيراني في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (إيريس) تييري كوفيل أن مشروع بزشكيان “كان مختلفا تماما عن مشروع المحافظ المتشدد سعيد جليلي”، الذي نفى تأثير العقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني.

وفرض الاتفاق النووي المُبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) قيوداً على نشاط طهران النووي في مقابل رفع عقوبات دولية تؤثر بشدة على اقتصادها. إلا أن الاتفاق انهار بعد انسحاب الولايات المتحدة منه بقرار من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عام 2018، وإعادته فرض عقوبات على إيران.

ثم بدأت إيران تتراجع تدريجيا عن التزاماتها الأساسية المنصوص عليها في الاتفاق. وتنفي طهران سعيها إلى تطوير قنبلة نووية إلا أن برنامجها النووي يتنامى بشدة. وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران هي الدولة الوحيدة غير المالكة سلاحا نوويا التي قامت بتخصيب اليورانيوم حتى نسبة 60 في المئة، بينما تواصل مراكمة مخزونات هذا المعدن المشع.

ومع تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المئة صارت إيران أقرب إلى مستوى 90 في المئة اللازم لصنع القنبلة الذرية، وتجاوزت بكثير نسبة 3.67 في المئة المستخدمة في محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية. ويتفق دبلوماسيون وخبراء غربيون حاليا على أن فوز سعيد جليلي كان سيشل تقدّم المفاوضات حول الملف النووي بشكل أكبر. ويصف دبلوماسيون أوروبيون جليلي بأنه "قاس" و"متعصب تبنى خطابا أيديولوجيا" أثناء المفاوضات.

وفي هذا السياق كشف وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر صالحي لموقع “انتخاب” الإخباري أنه بهدف التوصل إلى إبرام الاتفاق النووي اضطر إلى تجاوز سعيد جليلي، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، لمنعه من عرقلة المحادثات. ودعم علي أكبر صالحي مسعود بزشكيان خلال الحملة. وأكد الخبير في مجموعة الأزمات الدولية علي فايز أن “إحياء الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 لم يعد خيارا واقعيا، إذ تغيّرت الظروف على الأرض بشكل جذري”. وأضاف “ربما مازال الحل الدائم بعيد المنال على المدى القصير”.

واعتبر أن "البرنامج النووي الإيراني أصبح متقدما جدا حاليا، والعقوبات صارمة جدا، والثقة في أدنى مستوياتها، ولم تعد القوى العالمية على الموجة نفسها". ومع ذلك يَعتقد فايز أن إيران قد تميل إلى إعادة إطلاق دبلوماسية بناءة وإبرام "سلسلة من الاتفاقيات من شأنها أن تساعد على تجنب أزمة".

ورأى أن "نهج جليلي الأيديولوجي وغير المرن" كان سيضع إيران والغرب "على مسار من النزاع". غير أن صلاحيات الرئيس في إيران محدودة وخامنئي هو من يحدد الاتجاه الذي ستسير عليه إيران في الملف النووي. وقال الباحث في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية برنارد أوركيد "كان المرشد يقول دائما إنه لا يريد القنبلة الذرية، معتبرا أنها تتعارض مع الإسلام".

لكن في سياق الحرب في غزة أشار دينيس بوشارد، المدير السابق لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية، إلى “تحوّل اللغة” في إيران “نحو عقيدة نووية جديدة” ذات طابع عسكري. وبالتالي قد يجد الرئيس الجديد نفسه أمام تحديات كامنة في جوهر النظام الإيراني وتحديات يفرضها عليه الخارج.

ويمكن أن تشهد الانتخابات الأميركية في نوفمبر عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ما قد يزيد من تشدّد واشنطن. ويدرك الإيرانيون تمامًا أن تخفيف العقوبات يتطلب أولا نقاشات مع واشنطن. وبالتالي فإن بقاء الديمقراطيين في السلطة بالولايات المتحدة أساسي لتحقيق هذه الغاية. أما الأوروبيون الذين تشهد دولهم انتخابات تغيّر مشهدها السياسي، فهامش التحرّك ضيّق لديهم. وقال تييري كوفيل “لقد وضعوا أنفسهم خارج اللعبة إلى حد ما عبر قبولهم بالعقوبات الأميركية” المفروضة على طهران.

المصدر : جريدة (العرب) لندن

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا