الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

·         كاتب  وصحفي  وناشرعراقي مؤسس  (دار بابيلون – براغ)  مؤسس ومدير مركز الجواهري في براغ

 

عن مآثـر ومبادئ الامام الحسين،

في بعض قصيد الجواهري، ونثره

رواء الجصاني

  * لم يقتصر ما بين الجواهـري والإمام الحسيـن على ما فاضت به الفريدتان الشعريتان: (عاشوراء) و(آمنت بالحسين) وغيرهما، بل تعداها إلى نثــر رصين بيّن في معناه ومبناه، وفي ما اراد التأشير اليه وحوله من مغازٍ جلى، علانية مع سبق الاصرار..

* وقصيدة “عاشوراء” المنظومة والمنشورة عام 1935 كانت بثمانية وستين بيتاً، استعرض في الجواهري، ووثق خلالها العديد من الاحداث التاريخية، الثورية والماساوية في ان واحد ، وبالاسماء المقرونة بالاوصاف التي تليق – بحسب رؤاه- بالمضحين من اجل المبادئ، من جهة، وبمعارضيهم، بل ومحاربيهم وقتلتهم، من جهة ثانية

 

هيَ النفسُ تأبى أن تُذَلّ وتُقهَرا… ترَى الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا
وتخـتارُ محموداً من الذِكرِ خالداً…على العيش مذمومَ المَغَـبّـة مُنكَرا


* واذ جاءت “عاشوراء” في زمانها، والجواهري انذاك في عقده الثالث وحسب، مباشِرة في المعاني والتصريح، واقرب للتوثيق التاريخي، هدر الشاعر الخالد بعد ذلك باثني عشر عاماً، بعصماء “امنت بالحسين” التى فاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الخوالد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

 

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ … تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ
ورعياً ليومـك يوم “الطفـوف” … وسـقياً لأرضك من مصرع
تعـاليت من مُفـزع للحتـوف … وبـورك قبـرك مـن مَفزع


* لقد سبق ان أرخنا للقصيدتين في كتابات سابقة، نشرناها في فترات زمنية متفاوتة، وفي وسائل اعلام عديدة .. ثم، وفي مسارات بحثنا في اصدارات ونثريات الجواهري، وصحفه، راحت امامنا مادة جديدة تعنى بذات الموضوع، ونعني به مآثر الامام الحسين، واستلهامات الجواهري الخالد منها وعنها… ومن ذلك ما نشرته جريدته "الجهاد" في عددها 128 بتاريخ 30/ أيلول/1952 مقالا افتتاحيا بتوقيع الجواهري تحت عنوان: “تضحيات الحسين صورة لم يخلق إطارها بعد”… ومما جاء فيه:

ومع هذا كله فستظل تضحية البطل الحسين بن علي، سيدة التضحيات، وسيظل هو بحق وجدارة سيد الشهداء. نقول ذلك غير مغالين. ونقول – ولا نغالي أيضاً- أن تضحية الحسين دوت بذكراها في كل بقاع الدنيا أياً كان جنسها ودينها… وإنها لكانت اليوم كذلك، لو أردنا لها نحن المسلمين أن تتحرر من هذا الإطار الديني الضيق، الذي يراد حصرها فيه، بل لو كتب لهذا الدين الاسلامي نفسه على الأقل أن يتحرر هو من بدعه وشوائبه ومن زيغ فئة غير قليلة من المتظاهرين باحتضانه، والمتزيين بزي النافحين عنه، وأن نتخلص من سوس التفرقة والتعصب والتضليل مما أضاع له كل رونق وكل أثر ومما أفقد ما يصطبغ به من التضحيات الجسام رونقها…”


* اخيرا، وفي سياق تأرخاتنا لقصائد الجواهري، وعنها، نوثق بان مآثر الامام الحسين، وجلال مواقفه ومبادئه، تكرر في عديد اخر من قصائد الشاعر العظيم ومنها:

- في قصيدة “تحية الوزير” عام 1927 وجاء فيها :حبّ “الحسين” الذي لاقاه مغترباً، من الشآم، وما لاقاه محتربا

 - وكذلك في قصيدة “ناغيت لبنانا” عام 1947 حين قال: وحنت عليك ذؤابة رعت "الحسين" و”جعفراً” و”عقيلا

- وايضا في قصيدة “يا آبن الهواشم” تحية للملك حسين،عام 1992 وقد ضُمنتا بضعة ابيات من قصيدة “ناغيت لبنانا”عام 1947المشار لها قبل سطور، ومن بينها :

شدت عروقك من كرائم هاشم ٍ، بيضٌ نميّنَ “خديجة” وبتولا

وحنت عليك من الجدود ذؤابةٌ، رعت “الحسين” و” جعفراً” و “عقيلا”..

------------------------------------------------------
مع تحيات مركز الجواهري

 www.jawahiri.net

 

ربـع قرن على رحيل

الجواهري العظيم ...

رواء الجصاني

 

يموتُ الخالدونَ بكل فــجٍ، ويستعصي على الموتِ الخلودُ


قبل خمسة وعشرين عاماُ، وفي صبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء :

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احـد مشافي العاصمة السورية - دمشق، عن عمر يناهز المئة عام"..

    وهكذا يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم :

المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد..

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان "حزباً" بذاته، يخوض المعارك شعراً وفكراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراقُ لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

- وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام" و"الجهـــاد" و"الثبات" .. ورفيقاتهن الأخريات...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة :
لثورة الفكر تاريخٌ يحدثنا، بأن ألفَ مسيح دونها صلبا..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء
والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب

مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"!..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "المقصورة" و"زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر"و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار ... وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماسْ"". كما انه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..


-
 رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة طبعاً لا تطبعا، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره "ميتونَ على ما استفرغوا جمدوا.."

-  وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى " لغير الشعر من وثـنِ " ... فبات الشعراء يقيسون

قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

- انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - حقا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلكٌ يدوي..... وعندَ منعمٍ قصرٌ مشيدُ

يموتً الخالدونَ بكل فـج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلود

ترى هل صدق بما زعم ؟؟!!... التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر،
ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

-------------------------------------------------------* رواء الجصاني 2022.7.27

 

 

 

بمناسبة الاعلان عن قرب

افتتاحه متحفا، ومركزا ثقافيا...

هذا هـــو "بيـت الجواهــري"

الأول والأخير في العراق

 

رواء الجصاني

 

    * من بين ابرز الفعاليات المتميزة لاحياء الذكرى 25 لرحيل الجواهري، التي تصادف في 2022.7.27 اعلنت امانة العاصمة العراقية - بغداد مؤخرا (حزيران 2022) التوجه لافتتاح بيت الشاعر الخالد، نواة متحفٍ لاثاره، وتراثه، ومركزا ثقافيا وطنيا، وعسى ان يكون الامر جدياً هذه المرة، اذ سبق ان قامت الامانة، بل واعلنت، مرات سابقات عن"وعود" و"مواعيد" عديدة عن ذلك الشأن، ولكن لم يتم الالتزام بالمواعيد والوعود، لاسباب تنسجم مع الحال العراقية، المعروفة، ولا نزيد !!..    

  *  وهذا والموعد الجديد يأتي  بعد نحو احد عشر عاما مرت على  اطلاق كتابات ومطالبات وحملات اعلامية داخل البلاد وخارجها، بادر اليها مركز "الجواهري" في براغ، وتابعها، ليعلن بعدها أمين العاصمة الاسبق، صابر العيساوي، عام 2011  قراراً باستملاك بيت الشاعر العظيم في بغــداد، الواقع في منطقة القادسية / حي الصحفيين، بهدف منع بيعه تجارياَ، ودثره.. وعوض ذلك العمل على تحويله ارثاً ثقافياً ووطنياً، وتحويله إلى متحف يضم ما تبقى من مقتنيات وآثار شاعر الأمتين، العراقية والعربية، التي تناهبتها الأحداث، والمغتربات، وآخرهما تعترابه في العاصمتين التشيكية والسوريـة: براغ ودمشق...

    *  وبعيداً عما نشر بهذا السياق، في وسائل الاعلام العراقية، والعربية، من مقالات وتصريحات واستكتابات متنوعة ومتباينة، لنا عنها، وحولها، كثير من التساؤلات والتوضيحات المؤجلة لحين قريب كما نتمنى ... نقول بعيداً عن ذلك: ان البيت المعني هو الوحيد، ولنقل: الأول والأخير، الذى تملكه الجواهري في العراق، عبارة عن مبنى اعتيادي تبلغ مساحته مع حديقته:  540 متراً مربعاً، ، شيّــد على قطعة من الأراضي التي وزعتها الدولة، ذات زمان، على الصحفيين ... وقد انجزت اعمال بنائه أواخر العام 1971 بشكل متواضع، وغُطيت نفقاته بين تمويل ذاتي، وقرض من البنك العقاري، وديون شخصية... وقد سكنه الجواهري وهو رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين آنذاك، منتقلاً إليه من الدار التي استأجرها له نجله "فلاح" أواخر العام 1968 في حيّ الداوودي، عند عودة شاعر البلاد العراقية إليها، بعد "سبع عجاف" قضاها اضطراراً في اغترابه الأول إلى بـراغ، بدءاً من عام 1961 حين "لم تكفل له الأوطان دارا"...

  *  وبيت "ابن الفراتين" الذي نتحدث عنه ليس سوى بناء تقليدي كما اسلفنا، يضم ثلاث غرف نوم، وواحدة للاستقبال، وأخرى للجلوس، مع المرافق الضرورية... وقد شهد طوال عقد السبعينات الماضية أحداثاً ووقائع وتفاصيل متشابكة لمديات بعيدة في الشؤون والشجون الوطنية والثقافية والشعرية وما إليها، وما بينها...

* وذلكم البيت، ونكرر انه الأول والأخير، والوحيد، على ما ندري ونؤكد بيقين، تملّكه الجواهري، بعد ترحال وإقامة واغتراب، وتغرب، وهو لا يحمل معه غير "منقار وأجنحة" على مدى نصف قرن ... وفي ليالي ذلك البيت، ونهاراته، أينعت العبقرية الشعرية قصائد ومطولات عديدة،  فيها ومنها الانساني، والوطني والاجتماعي والوجداني، ولافكاك بينها من التداخل والتلازم مع الهموم والانشغالات الفكرية والسياسية والاجتماعية وما إليها...

   * وعلى مدى السنوات العشر – تقريباً – وللفترة (1971-1980) تحديدا، التي عاشها الرمز العراقي في بيته الذي نعني، عصفت بالبلاد وأهلها محنٌ هنا، ومآسٍ هناك، تحت سلطة الحزب الواحد فالعشيرة، فالعائلة فالفرد... وقد كان الجواهري يعيش تلك الأجواء الأليمة، بكل صبر، وان تغلفت أحياناً ببراقع، وترقيع، تفاءلَ بها البعض، غير القليل، بآمال وتمنيات ولحد المبالغة في أحايين عديدة...

* وبهذه الحال كان ذلك البيت ذاته – لا غير – مزار أطياف ونخب سياسية متباينة الرؤى والمسؤوليات، وحتى الوفاء احياناً، فبعضها صادق أمين، وآخر متزلف متدثر بألف زيٍ وزيّ، ولكنها كانت جميعاً، في حضرة الجواهري – على ما نشهد - دعاة تآلف ومحبة، وان راحت احياناً في الأقوال وحسب...

* كما ان البيت الذي نعنى، بات ملتقى للنخب الفكرية والثقافية والشعرية، من كل النحل والرتب، تؤم مقام الجواهري: مودة وتلمذة وتباهياً، دعوا عنكمو الآخرين الذين كانوا يريدون صكوك الغفران. وكم يطول التعداد، ويعرض، ويعلو، لمن زار، وأحـبَّ، وتبارك بزيارة أو لقاء أو حديث مع الشاعر الرمز...

* وإضافة لكل ما تقدم، شهد ذلك "البيت" التاريخي منح الجواهري جائزة "لوتس" عام 1975 وولادة أول جمع وتدوين لتراثه الشعري في مجموعة هي الاولى من نوعها حتى اواخر السبعينات، ونعني بها الأجزاء السبعة (1973-1980) التي أشرف عليها، مع حفظ الالقاب: مهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر وابراهيم السامرائي ورشيد بكتاش... كما راحت تترى من البيت ذاته مختارات الجواهري لعيون الشعر العربي، أواسط السبعينات لتنشرها صحيفة الجمهورية البغدادية بمتابعة محمد حسين الأعرجي ... ذلكم إلى جانب ما شهده – البيت- من مقابلات وحوارات تاريخية مع الجواهري ومن أهمها على ما نزعم الحواران التي انجزهما محمد الجزائري عام 1975 وحسن العلوي عام 1979...

* ومن ذلك البيت الذي نوثق له، وعنه، كانت انطلاقات الجواهري لعواصم عربية وعالمية عديدة: رئيساً لوفود أدباء العراق في مؤتمرات ومشاركات رسمية، أو ضيفاً أول على فعاليات ومهرجانات عديدة: شعرية وثقافية وغيرها، ومنها في دمشق وتونس وصوفيا وموسكو والدوحة والكويت وابي ظبي وعديد سواها، اضافة الى براغ التي بقيّت "جنة الخلـد" عنده ... ذلك الى جانب " فراره " من البلاد لفترات متفاوتة الى القاهرة والرباط واثينا،... مخاصماً وغاضباً ومغاضباً، مسؤولين وحساد وحاقدين، بل وحتى محبين "علهّم كانوا حيارى في مفترق الطرق" ..

   * وفي ذلك البيت الذي نعني، اينعت روائع جواهرية، ومقطوعــــات وجدانيـــة ووطنية واجتماعية عديدة، نحصر منها : مطولة "حبيبتي" عن زوجته آمنة... مناجاة "يا فرحة العمر" عن شقيقتـــه نبيهة ... مقطوعة "ابا مهند" إلى نديمه مهدي المخزومي ...  بائية "إلى وفود المشرقين" في تجمع عالمي ببغداد...  دالية "أزح عن صدرك الزبدا" المجلجلة في احتفاء اقيم له في النجف...  " فتى الفتيان" عن صديقه "المتنبي" في مهرجان مهيب ببغداد ... ولامية  "أم الربيعين" خلال احتفال تكريمي خاص به في جامعة الموصل ...

   * كما، في ذلك "البيت " ايضاً لا غيره " نُظمت " قصائد مجاملة، كان بعضها استجابة لمناشدات – كنا شهود عيان على بعضها – وذلك من شخصيات وطنية، لكي يلقي شاعر البلاد، ورمزها العظيم، بثقله، ويحاول تأخير انقضاض سلطات البعث - ولو لبعض الوقت - على الأحزاب والقوى الوطنية "المتحالفة" معها أو "المعارضة"... ومعلوم طبعاً ما جرى خلال عقد السبعينات الماضية من عسف وقمع وارهاب شمل الالاف، ومن بينهم ً نجل الجواهري "كفاح" اعتقالاً وتعذيباً، وكذلك ابنته الوسطى "خيال" احتجازاً وتخويفاً... ثم، ومن ذلك البيت الذي نؤرخ له، لجأ الجواهري إلى الاغتراب مجدداً، غضباً، وموقفاً من سياسات وتوجهات السلطات الحاكمة، فغادر إلى براغ أولاً مطلع العام 1980 ثم ليتناصف الاقامة بينها ودمشق منذ عام 1983 وحتى رحيله عام 1997…

* ثم دعونا نوثق بايجاز مما توفر لنا سريعا بهذا السياق، فننقل عن " أميرة " ابنة الجواهري الكبرى في حديث خاص معنا في دمشق (آيار / مايو 2000) : ان والدها لم يفكر يوماً بتملك بيت، طيلة أربعين عاماً تقريباً وحتى عام 1971... وكان التنقل في بيوت الايجار ( في الحيدرخانه، الجعيفر، الاعظمية، الكرادة ... وغيرها من مناطق بغداد) سمة مميزة تنسجم ومزاجه المتمرد والكاره للرتابة.... وقد توفرت له فرص للتملك إلا انه "ضيعها" غير آسف عليها"..

* وفي الموضوع ذاته يقول حسن العلوي في كتابه "الجواهري رؤية غير سياسية" الصادر عام 1995: في العام 1979 اصطحبت معي الى بيت الجواهري بعثة صحفية لقضاء يوم كامل على غير موعد معه فسجلت عدسة المصور الفنان الراحل "محمد علي حسن" زوايا لم تكن مخفية على عيون زائريه... ودخل حتى غرفتي النوم والمطبخ ... ولم يجد مكتبة، لكنه وجد رفوفاً. ولم يجد مطبخاً ولكنه وجد قدرين من الألمنيوم القديم... كما ولم تكن للجواهري غرفة نوم مستقلة، وكان يضع ملابس الشتاء في حقيبة تحت سريره، ويعلق على الحائط ملابس الصيف. ويفعل العكس في الشتاء....

* كما نشير بهذا الصدد لما نشره فوزي كريم (الشرق الأوسط اللندنية 4/11/1991) في موضوع مسهب عن الجواهري في السبعينات، نقتطع منه: "كان بيت الجواهري متواضعاً، كنا نقتحمه احياناً آخر الليل، أنا وسعدي يوسف، مدفوعين بأكثر من هاجس شيطاني، قراءة لبيت مثلاً: "الحمد للتاريخ حين تحولت …تلك المرافه فاستحلن متاعبا" او عبارة واحدة "با نبتة البلوى" يخاطب بها جياع الشعب. أو كلمة "تقحم" او "خسئوا".. وكان الجواهري يستقبلنا دون ترحاب معظم الأحيان قائلاً : "الساعة الواحدة يا جماعة. ويتأمل ساعته ونحن نبصبص تحت الطاولة. لا تخلو طاولة الشاعر في الليل. كنا نعرف ولكن من يجرؤ في ساعة كهذه أن يسأل. ونسترضي ابا فرات، نقول: "أنت تعرف محبتنا " ونغني له طربين من شعره... فيستجيب ..."

* اخيرا نختتم الحديث متمنين، وطامحين - مثلما هي حال كل المتنورين- فنقول: ان اكتمال المرام  ليس بوضع لبنته الاولى، اي حفل  افتتاح "بيت الجواهري" وحسب، ولكن في انجاز الهدف الطموح، من خلال توفير المتطلبات الناقصة، وتهيئة الاجواء المطلوبة لمثل هذا الاثر الوطني، ثم - ولعل ذلك يأتي اولاً- : حسن التنظيم والادارة، وحرص المعنيين من الذين يتحملون المسؤولية عن هذا المنجز، المميز، وصيانته وادامته، في عاصمة لعراق جديد، اؤمل ومرتجى !!-------  رواء الجصاني رئيس مركز "الجواهري" للثقافة والتوثيق

---------------------------------------------------------------------------------

الصورتان المرفقتان: الاولى لبيت الجواهري في السبعينات، والثانية عشية افتتاح البيت أثرا وطنيا، ممقرر ان يكون بتاريخ 2022.7.27

 

 

 

 

الجواهــري يغضب من  بغــداد،

ويغاضب بعض أهلها !!!

  رواء الجصاني

 

... وهذه هي عصماء أخرى من قصائد الجواهري الوجدانية، الثائرة على النفس والمجتمع، والمقاييس السائدة في البلاد، نظمها خريف عام 1962... وقد ضمها، كاملة ولأول مرة، ديوان "بريد الغربة" الصادر في براغ، بدعم من اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي الذي ترأسها الشاعر العظيم فور تشكيلها بعد انقلاب شباط الدموي عام 1963... وقد جاء مطلعها جواهرياً كالعادة في فيضه الجامح، مما جعل الكتاب يقرأ من عنوانه ، موسوما "يـا غـريـب الــدار":

 

من لِهَمٍّ لا يُجارى ، ولآهاتٍ حَيارى

ولمطويٍّ على الجمرِ سِراراً وجِهارا...

مَنْ لناءٍ عاف أهلاً وصِحاباً ، وديارا

تَخِذَ الغربة دارا إذ رأى الذلَّ إسارا

إذ رأى العيشَ مداراةَ زنيمٍ لا يُدارى

 

... وفي مختلف مقاطع القصيدة التي تجاوزت أبياتها المئة والعشرين، يهدر الجواهري متباهياً بمواقفه التنويرية، مبرزاً سمات وقيماً تبناها، ولم يخشَ ما يترتب عليها من أذى المعوزين والظلاميين، بل وراح يكررها في عديد كثير من شعره... إلا انه هنا شدد على الشموخ والاصرار، ولعله أراد بذلك مقدمة لما سيلي من مواقف وحقائق:

 

ياغريبَ الدار لم يُخْلِ من البهجةِ دارا...

تأخذ النشوةَ منه ثم تنساهُ السُكارى

يا أخا الفطرةِ مجبولا على الخيرِ انفطارا...

يا سَبوحاً عانق الموجةَ مَدّاً وآنحسارا

لم يُغازلْ ساحلاً منها ولا خافَ القرارا

يا دجيَّ العيشِ إن يَخْبُ دجى الناس ِ ، أنارا...

 

ثم يعود الشاعر الكبير ليكتب ما يظنهُ يروض النفس، لتجاوز "الهضيمة" التي يشعر بها وحتى من الأقربين، خاصة وهو صاحب المآثر والمنابر، محملاً الذات جزءاً مما يعاني منه، بعد أن اختار نهج الثورة والتجديد، معيباً المهادنة والمساومة:

 

يا غريبَ الدارِ وجهاً ولساناً ، واقتدارا...

لا تُشِعْ في النفسِ خُذلاناً وحَوِّلهُ انتصارا...

أنتَ شِئتَ البؤسَ نُعمى ورُبى الجنَّاتِ نارا

شئتَ كيما تمنحَ الثورةَ رُوحاً أنْ تثارا...

عبَّدوا دربَك نَهْجاً فتعمَّدْتَ العِثارا

وتصوَّرت الرجولاتِ على الضُرِّ اقتصارا...

يا غريبَ الدار مَنسياً وقد شعَّ ادِّكارا

ذنبهُ أنْ كان لا يُلقي على النفسِ سِتارا

إنَّه عاش ابتكارا ويعيشون اجترارا

 

ولكي يعزز بالوقائع ما يشكو ويتهضم منه، وما يعيبه على أصحاب القرار وغيرهم، يبدأ الجواهري المباشرة في التصريح، غير مبالغ... فبعد كل عطائه الوطني والابداعي على مدى عقود، يعيش الرمز الوطني، المغترب بكل صعوباته وأرقه، صاباً جام الغضب على بلاد لم يستطع أن يمتلك فيها حتى "حويشة" بينما يتنعم الرائبون، والمنحنون..

ثم يعود الشاعر لينوّه إلى حكم التاريخ اللاحق، وعلى الآتي من الأحداث، بل ومتنبئاً بها... نقول متنبئاً، وقد صدق بما قال وأوحى، وذلك هو أمامنا، العراق وما عاشه من مآس ٍ حد التميز:

 

يا غريبَ الدارِ لم تَكْفَلْ له الأوطانُ دارا

يا "لبغدادَ" من التاريخِ هُزءاً واحتقارا

عندما يرفع عن ضيمٍ أنالتهُ السِتارا

حلأَّتْهُ ومَرَت للوغدِ أخلافاً غِزارا

واصطفت بُوماً وأجْلَتْ عن ضِفافَيها كَنارا...

يا لأجنادِ السفالاتِ انحطاطاً وانحدارا

وجدت فرصتَها في ضَيْعةِ القَوم الغَيارى

 

... ولكي يهدأ من ذلك الغضب العارم، يروح الجواهري في الأبيات التالية حانقاً، محملاً زعامات ثقافية وسياسية، مسؤولية ما أحاق به من ظلم واجحاف... وهو يمثل هنا بالتأكيد نموذجاً للعشرات، بل المئات من المبدعين والمناضلين وغيرهم، ممن اضطروا للاغتراب، أو اختيار المنفى اضطراراً... ثم يتطوع بعدها الشاعر الرمز ليوزع صفات ٍ يعتقدها بحق الذين تسببوا في تلك الأوضاع وما آلت إليه، بل وليبقي من ميسمه في جباههم وشماً "خالداً" يعيرون به جيلاً بعد جيل:

 

يا غريبَ الدارِ يا من ضَرَبَ البِيدَ قِمارا...

ليس عاراً أنْ تَوَلِّي من مسفّينَ فِرارا

دَعْ مَباءاتٍ وأجلافاً وبيئينَ تِجارا

جافِهِمْ كالنَسرِ إذ يأنَفُ دِيداناً صِغارا

خلقةٌ صُبَّتْ على الفَجرةِ دعها والفِجارا

ونفوس جُبلت طينتُها خِزياً وعارا

خَلِّها يستلُّ منها الحقدُ صُلْباً وفَقارا...

أنت لا تقدر أن تزرعَ في العُور احورارا...

 

... وأخيراً، وإذ يحين "مسك" الختام والايجاز لكل ما سبق وأشير إليه من وقائع ورؤى، يكتب الجواهري "معاتباً" "أصدقاء" ظنهم، و"أدباء" و"مثقفين" أحبهم ولكنهم تجافوا، خوفاً أو تنصلاً... أو لأنهم "حيارى" حتى في أمورهم ذاتها، مما جعله يسعى حتى لأن يختلق الأعذار لهم:

 

يا غريبَ الدارِ في قافلةٍ سارت وسارا

لمصيرٍ واحدٍ ثم تناست أين صارا

سامحِ القومَ انتصافاً واختلِق منك اعتذارا

علّهم مِثلَكَ في مُفتَرقِ الدربِ حَيارى

سِرْ واياهم على دربِ المشقاتِ سِفارا

فاذا ما عاصفُ الدهرِ بكم ألوَى وجارا

فكن الأوثقَ عهداً وكُن الأوفى ذِمارا

--------------------------------

مع تحيات مركز الجواهري

 للثقافة والتوثيق/ أيار 2022...

     www.jawahiri.net

 

 

الجــواهري .. في

مواقف ومحطات سياسية

* رواء الجصاني

جهد كثير من الباحثين والمعنيين بتاريخ محمد مهدي الجواهري (1898-1997) وحياته، للوقوف عند توثيقاته لأحداث العراق، والأمة، والانسانية شعراً، دون تركيز واسع في هذا السياق على مشاركاته المباشرة في الفعاليات والأنشطة السياسية، برغم تأكيدنا بأن لا يمكن فصل قصيد الشاعر الخالد عن تلك المواقف والرؤى والاراء السياسية، التي تواترت طوال ثمانية عقود ..

  ... وتعود أولى مشاركات الجواهري الوطنية حين قام وهو فتى، في لصق وتوزيع المنشورات على جدران وأبواب مرقد الامام علي ابن ابي طالب في النجف اثناء حصارها عام 1917. ومن ثم في قصائده المباشرة عن الثورة العربية ضد العثمانيين، وبعدها في ثورة العشرين، وعنها، وحتى انتقاله إلى بغداد وانضمامه فترة من الوقت لديوان ملك العراق، الأول، فيصل بن الحسين، وذلك أواخر عشرينات القرن الماضي، وهي عشرينات الجواهري في آن..

   ثم يترك الجواهري البلاط الملكي منتقلاً للصحافة، ليمارس عبرها التنوير والتثوير والدخول في المعترك السياسي المباشر دون حدود. وهكذا راحت مقالاته في صحفه الخاصة (الفرات، الجهاد، الرأي العام..) او في الصحف الاخرى، دعوا عنكم قصائده، تاتي أُكلها في احداث البلاد السياسية والوطنية وأطرها المختلفة، ومنها انحيازه لانقلاب بكر صدقي، ثم انقلابه عليه أواسط الثلاثينات، وفي معمعان احداث آيار/ مايس 1941  التي اضطر بسببها للخروج من العراق فترة قصيرة. ليعود بعدها فيشارك بفاعلية وحماس في تأسيس حزب الاتحاد الوطني عام 1946 مع عبد الفتاح ابراهيم وناظم الزهاوي، ونخبة من مثقفي ذلكم الزمان، وليستقيل منه بعد فترة وجيزة بسبب اختلاف الرؤى والمواقف..

   وفي هذا السياق يهـمّ الجواهري ان يدخل في مضمار النشاط البرلماني فيترشح في الانتخابات التشريعية عام 1946 ويفشل فيها، ثم يترشح ثانية ليدخل مجلس النواب مرة أولى، وأخيرة، عام 1947 وليستقيل منه بعيّـد ما اصطلح عليه "وثبة كانون" عام 1948 منحازاً للجماهير، ورحاب التنوير، وقد تحمل ما تحمل جراء ذلك..

    وبعد فترة انكفاء سياسية قصيرة، بحسب ما وثقه الجواهري ذلك، للتاريخ، عام 1953 استنهض الشاعر الرمز، النفس تالياً ليخوض غمار السياسية المباشرة مجدداً، وليضطر لطلب اللجوء السياسي في سوريا عام 1956 ويعود منها عشية حركة/ ثورة الرابع عشر من تموز 1958 فيشارك في أحداثها، ليس شعراً وحسب، بل وفي خضم نجاحاتها وتداعياتها، ومنها رئاسته لأبرز موقعيّن ثقافيين في البلاد في آن واحد، ونعني بهما اتحاد الأدباء، ونقابة الصحفيين. ولم يكتف بذلك بل دخل ضمن أبرز طالبي تأسيس الحزب الجمهوري عام 1960 والذي لم تجــزه الحكومة..

   وبسبب مواقفه السياسية ومقالاته، فضلا عن قصائده- طبعا- تعرّض الجواهري من جديد لمضايقات السلطة الجمهورية، وزعيمها عبد الكريم قاسم مباشرة، وصلت التحريض عليه، وتهديد حياته، ولحد اعتقاله، ولو لساعات... فقرر من جديد ، بعد مصر وايران وسوريا، الابتعاد من البلاد، إلى مغترب جديد، في براغ عام 1961..

   وهناك، لم يكف الجواهري عن دأبه الوطني، وليس بالشعر فقط .. فكان بيته ومقامه في العاصمة التشيكية، مزار الزعماء والمسؤولين السياسيين العراقيين بشكل رئيس : لقاءات واستشارات وتبادل آراء، بل واستشفاف نبوءات بحسب أحاديثه الخاصة للمقربين. ثم، وإلى المعترك مباشرة حين ترأس اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي بعيّـد الانقلاب الدموي البعثي في شباط 1963 والتي ضمت جمعا متميزا من مثقفين وسياسيين وطنيين، وشيوعيين، من بينهم: نزيهة الدلمي  وفيصل السامر وجلال الطالباني وذو النون ايوب ومحمود صبري.. 

   وفي خريف عام 1968 يعود الجواهري للبلاد متفائلاً، كما هي حال الكثير من الأحزاب والقوى السياسية والزعماء والأفراد... وجُددت له رئاسة اتحاد الأدباء، وعضوية الهيئة العليا لمجلس السلم والتضامن العراقيين، ومعروف ما ترتب على ذلك من انشغالات ثقافية وسياسية وغيرها، مثل المشاركات العديدة في ندوات ومؤتمرات واحتفالات عقدت ونظمت في الكثير من العواصم والمدن العربية والاجنبية..

   وإذ تتأزم الأوضاع في أواخر السبعينات الماضية الى مديات بلا حدود، في البلاد العراقية، فتشمل الاعتقالات والعسف حتى بعض افراد عائلته، يشدّ الجواهري الرحال، وإلى براغ مرة أخرى، وكذلك دمشق الشام،  حيث واصل اهتماماته الوطنية والتي تراوحت في صمت مدوي رأى فيه موقفا، او في قصائد واحاديث واراء مباشرة من أحداث البلاد وتداعيات سياسات النظام الدكتاتوري الذي كشف كل أوراقه، وممارساته المدمرة، ومن أشدها الحرب مع ايران، وغزوه دولة الكويت... ولعل أبرز مواقف الجواهري المناهضة بهذا الشأن مشاركته في مؤتمر المعارضة العراقية في بيروت عام 1991 فكان، بحسب مشاركين يعّتـد بهم: فصيلاً وطنيا سابعاً، بمفرده، إلى جانب الفصائل القومية والاسلامية والديمقراطية الستة التي شاركت في ذلك المؤتمر. وهكذا دامت المواقف والقصائد والمشاركات، دون حدود، وحتى لفترة قصيرة قبيل رحيله الى الخلود، عام 1997.

    أخيراً لابد من الاشارة أيضاً في هذه التأرخة السريعة، الموجزة والمحدودة كما هو واضح،  إلى أن الجواهري لم يحصر مواقفه ومشاركاته السياسية في بلاده وحسب، بل انشغل ووثق – بالشعر على الأقل – للاحداث والشؤون العربية، بأتراحها وأفراحها،  في قصائد متفردة تتحدث بنفسها عن نفسها، وكذلك للكثير من المناسبات والمنعطفات الانسانية والدولية.. وكل ذلك يتطلب دراسات وتأرخات اضافية اخرى، الى جانب ما جاء به العديد من البحوث الاكاديمية، والمتابعات، والمنشورة في كثيـر من وسائل الاعلام، المقرؤة والمرأية والمسموعة..

-----------------------------------* رواء الجصاني: براغ اوائل آيار/ مايو 2022

*هوامش ومصادر:

1/ ديوان الجواهري، طبعة بغداد عام 2021 بستة اجزاء

2/ جزأا مؤلف " ذكرياتي" للجواهري عامي 1989-1990

3/ كتاب " الجواهري.. بعيون حميمة" لـرواء الجصاني / بغداد براغ عام 2016

4/ شهادات ووثائق خاصة

 

 

 

عشرون عاما على اطلاق

مركز الجواهــري للثقافة والتوثيق

- رواء الجصاني(*)

 

    في هذه الايام، نحتفي مع المحبين والمتابعين والاصدقاء بالذكرى السنوية العشرين لتأسيس مركز الجواهــري، للثقافة والتوثيق، الذي اطلقه رسميا في براغ بتاريخ 2002.4.17  الدكتور الاديب محمد حسين الاعرجي، والمستعرب التشيكي البارز، يارومير هايسكي، ورئيس تحرير "بابيلون" للاعلام، رواء الجصاني..

    لقد جاء اطلاق المركز، منظمة مدنية، في براغ تحديدا، وذلك لدواع عديدة من اهمها ان الشاعر الخالد عاش في هذه المدينة الزاهية نحو ثلاثين منها (1961-1991) وقد كتب – من جملة ماكتب، وابدع فيها-  نحو 15 قصيدة حول براغ وعنها وعن طبيعتها واهلها وسحرها وثقافتها.. وهي التي اطالت الشوط من عمره، بحسب قصيده..

  واذ لسنا هنا - في هذه السطور المعدودات- بصدد حصر النشاطات التي نهض  بها المركز، متنوعة الاشكال والمضامين،  دعونا نشير سريعا الى ان من بينها العشرات من الفعاليات الثقافية والاصدارات، والمشاركات المختلفة، وضمن الامكانيات المتاحة للعصبة التي تطوعت، والى اليوم، بادارة المركز والنهوض - بقدر ما استطاعت - في اتمام ما تحقق.. كما دعونا نتوقف - وسريعا ايضا- عند الابرز من تلك الفعاليات، وأولها السعي لتوثيق تراث الشاعر الخالد، واصداراته واوراقه الخاصة، وصوره، وما كتب عنه وحوله من مؤلفات وبحوث ودراسات وسوى ذلك من مشابهات..  كما لا يفوتنا هنا الا ان نشير الى حالتين آخريتين، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، ونعني بهما: 

اولا/  تقديم مشروع النشيد الوطني العراقي الجديد، عام 2009 من ابيات الشاعر الخالد، الذي استقطب اهتماما كبيرا من الاوساط المعنية، الثقافية والسياسية وغيرها، ومطلعه: "سلامٌ على هضباتِ العراقٍ وشطيّهِ والجرفِ والمنحنى".. والذي تطوعت لتلحينه وتوزيعه، موسيقيا، نخبة من الفنانين المميزين..

ثانيا/ اطلاق حملة اعلامية واسعة عام 2011 لمنع البيع التجاري لبيت الجواهري الاول والاخير في العراق، اثمرت عن قيام امانة العاصمة - بغداد باستملاك البيت، وبهدف تحويله الى معلم تاريخي، وقد انجزت خطوات كثيرة بذلك الاتجاه، وعسى ان لا تطول المدة اكثر مما مضى لاتمام المطلوب..

  لقد أطلق مركز الجواهري، وأ نطلق، وما برح الى اليوم، معتمدا على مجهودات فردية وحسب، ولعل ذلك ما يمكن التفاخر به، بحق، في لجة "مراكز" و"منظمات مدنية" عديدة، لها ما لها من امكانيات مادية ومالية واسعة.. ومن هنا يأتي التفاخر الاضافي بما حققه المركز من نشاطات وفعاليات نوعية مميزة كما نزعم، ويزعم معنا العشرات من المواكبين الذين اطلعوا عن قرب وعن بعد، بل وزاروا المركز، او شاركوا وتابعوا فعالياته بهذا القدر او ذلك ..

  اخيرا، لا بــد لنا بهذه المناسبة من تجديد الشكر والتقدير لكل من عاضد مركز الجواهري، معنويا، وكل الاصدقاء والمتابعين والاحباء الذين قدروا هذه "المغامرة" التي خضناها منذ عشرين عاما بالتمام والكمال، وعسى ان نتمكن من المواصلة على طريق التنوير، واشاعة الثقافة الانسانية ..

------------------------------------------------------------

(*) رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

 

 

من وصايا الجواهري الكبير

لطلبـــة وشبـــاب العــــــراق

* رواء الجصاني

*حتى قبل قصيدته الميمية الشهيرة في المؤتمر التأسيسي لاتحاد الطلبة العام، مؤتمر "السباع" عام 1948(1) كان للطلبة والشبيبة موقعهم الزاهي، والأثير، في العديد من قصائد الجواهري الكبير ... وهكذا استمرت الحال، وعلى مدى عقود شعره الثمانية المعطاء...

*وفي التالي، وبمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لتأسيس اتحاد الطلبة العراقي العام، التي تصادف في الرابع عشر من نيسان الجاري، نقتبس مقتطفات موجزة من قصيدة متفردة، ألقاها الشاعر الخالد بتاريخ السادس عشر من شباط 1959 في قاعة سينما الخيام، ببغداد،، خلال المهرجان الطلابي الذي حضرته وفود من مختلف أنحاء العالم، بمناسبة انعقاد المؤتمر "الثاني" للاتحاد، وقد نشرت كاملة في جريدة "الرأي العام"، العدد 91 (17 شباط 1959) وضمتها بعد ذلك بطون دواوينه بطبعاتها المتعددة:

 

أز ِف َ الموعدُ والوعدُ يعـِـنُّ/ والغدُ الحلوُ لأهليه يَـحـِـنُّ

والغدُ الحلوُ بكم يُشرق وجهٌ/ من لدنـْـه، وبكم تضحك ُ سـِـنّ

والغدُ الحلوُ بنوه أنتمُ/ فاذا كان لكم صُلْبٌ فنحن

فخرُنا أنـّـا كشفناه لكمْ/ واكتشافُ الغد ِ للأجيال ِ فنّ

***

يا شبابَ الغد ِ إنـّـا فتية ٌ/ مثلكُم فرَّقنا في العُمـْـر سنّ

لم يزلْ في جانـِـحيْـنا خافق ٌ/ لصُروف ِ الدَّهر ثَبت ٌ مطمئنّ

لا تلومونا لأنـَّـنا لم نكنْ/ مثلـَـكمْ فيما تـُـجَـنـّـون نـُـجـَـنّ...

عبقرٌ واد ٍ نزلنا سفحـَـهُ/ شـَـتوة ً فهو أصم ُّ لا يـَـر ِنّ (2)

ونزلتم ْ فتلقـَّـاكـُـمْ به/ الربيع ُ الغض ُّ والروض ُ الأغنّ..

البديعُ البدعُ أن يلحـَـقـَـكُمْ

في مضامير ِ الصِّبا عـَـوْدٌ مُسـِـنّ (3)

* * *

يا شباب َ الغد ِ: هذا وطن ٌ/ كـُـلـُّـه ُ فضل ٌ وألطاف ٌ ومَنّ

ليس ندري من خفايا سـِـحْره ِ/ غيرَ أطياف ٍ وأحلام ٍ تـُـظنّ

عجب ٌ هذا الثـَّـرى تألفـُـه ُ/ وإلى أتفه ِ ما فيه تـَـحـِـنّ

تصطلي العـُـمـْـرَ جحيماً عندَه/ وهو فيما تعـِـدُ الجنـَّـة ُ عدْن..

فاستمنـّـوه بما تـُـعطونه/ من دم ٍ ... إنَّ الحمى لا يـُـسـْـتـَـمـَـنّ

* * *

يا شبابَ الغد ِ أنتم فكرة ٌ/ يـَـعذُبُ اللفظُ بها إمـّـا تـَـعـِـنّ..

كُلـُّـكمْ يا فتية َ الحيّ يدٌ/ واليدُ اليُسرى إلى اليُمنى تـَـحـِـنّ

كنياطِ القلبِ أنتم بعضُها/ إذ يَئنُّ البعضُ يشكو ويئنّ..

* * *

يا شبابَ الغد ٍ كونوا شـِـرعةً/ للعلا والبأس ِ واللطف ِ تـُـسـَـنّ

سالموا ما اسطعتمُ حتى إذا/ شنـَّـها حرباً أخو بغي ٍ فشـُـنـّوا

وآبدأوا الخيرَ سباقاً بينكم/ فاذا بُودئتمُ الشرَّ فثـنـّـوا

* * *

إجمـِـعوا أمرَكُمُ فالدهرُ جمرٌ/ ودمٌ لا خمرةٌ تجبى ودَنّ

يعمل الجيلُ لجيل ٍ بعده/ ولقرن بعده يتعب قرن..

ريثما ينتظمُ الكونَ غـدٌ/ يطرُدُ الفجرُ به ليلاً يعنّ

يطرُدُ البؤسَ به رفقٌ وعدل/ والحزازات ِ مصافاةٌ وأمن

ـــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

(1) ومطلعها: يوم الشهيد تحيةٌ وسلامُ/ بك والنضال تؤرخ الاعوام

(2) عبقر: واد جميل..

(3) العَود: الجمل المسن. ويراد به هنا الشيخوخة..

** الصورة للجواهري في احدى المناسبات الوطنية، ببغداد في زمن الجمهورية الاولى 1963/1958

 

 

 

بادية هاني فحص تتذكر:

محمد حسن الامين، ولمحات عن الجواهري

رواء الجصاني

بمناسبة الذكرى الأولى على وفاة العلامة السيد محمد حسن الأمين، كتبت الصحافية بادية (هاني) فحص عبر حسابها على فيسبوك مادة استذكارية، في التالي مقتطفات منها:
“على شرفة بيتنا الواسعة في كيفون، كانت شمس المغيب ضيفة مجالسنا، كنا ننتظر انحدارها التدريجي نحو البحر، لنستدرج بعضنا بعضا إلى مجلس الشعر... ولا يكتمل المشهد، إلا بوصول السيد (محمد حسن الأمين) كان السيد كما الشعر، زين مجلسنا، ننتظر مجيئه في نهاية الأسبوع، لنقرأ عليه ما حفظناه من قصائد لشعراء يفضلهم كأبي، ننهي نوبتنا الشعرية بسرعة، ثم نجلس متلهفين، لنصغي إليه، كيف تنقلب القصيدة أكثر مهابة وجلالا، بصوته...

  … كان السيد شاعرا، كتب أعذب الشعر، وكان شاعرا أكثر، بطريقة تفاعله مع القصيدة، كان يلقيها بيديه وقلبه وعينيه، بنبرة تضفي عليها بعدا حسيا، تزدحم فيه الإشارات، وتتسع الرؤية، وتعلو وتهبط موجات الصوت كأنها تتنقل فوق سلم موسيقي، وتنتشر رائحة الفصاحة، فيغمغم الجالسون: الله الله... في الأسفل، تلمع بيروت الغارقة في وحول الحرب الأهلية، مثل قصيدة يتيمة، والبحر يضحك لها ولنا، وفوق، على الشرفة الجبلية، تتوهج عينا السيد، مع قصيدة للمتنبي على البحر الطويل، وأخرى بالعامية لسعيد عقل، وثالثة من جواهر الجواهري..

  ... كنت أنا الطفلة الدانية من الثماني سنوات من عمرها، على خصام مع الجواهري – شيء غارق في السوريالية - كان أبي مصرا أن يحببني به، وأنا كنت صغيرة جدا على تذوق شعره، فأدخلني إصراره في خصام معه أيضا، وكان السيد محامي الصلحة… في ذلك اليوم، تجهزنا لإلقاء قصائدنا، كان عليّ أن ألقي قصيدة “فلسطين الدامية” لخصمي (الجواهري)… كنت قد أوهمت أبي بأني حفظتها، لكنني لم أفعل، وحفظت قصيدة أخرى، لشاعر مجهول، لم أعد أذكر اسمه، عثرت عليها في بريد القراء، في واحدة من المجلات الكثيرة المنتشرة في بيتنا… وقفت وكلي ثقة باختياري وألقيتها، وما زلت أغيبها حتى اليوم…

   ...أنهيت القصيدة، والصمت مخيم على الجالسين، لا ثناء، لا أحسنت، الكلمة المرافقة دوما لمجلس الشعر، ثم، انفجر الجميع بالضحك، حتى هطلت دموعهم. إلا السيد، لمحت عينيه تبتسمان لي، وأنا أوشك أن أبكي، فهدأ روعي، ثم أدناني منه وربت على كتفي وقال لي: “أحسنت يا حلوتي…أعجبني اختيارك، أريد منك في المرة القادمة، أن تحفظي “يا دجلة الخير” وهي لخصمك أيضا - الجواهري” ثم ألقاها أمامي بطريقته السحرية، فأدمعت وأدمع… مولاي الحلو، كما لاذ الشاعر بدجلة، ألوذ بهذه الذكرى، من ظمأ الشوق وقسوة الفراق. مولاي، يا جميل الصوت والروح والقلب والمحيا، تحية لك في ذكرى رحيلك الأولى، خسارتك لا يعوضها شعر ولا عمر…”

 

 

 

 

 

الجواهـــري في البصرة،

ومع اهلها ومثقفيها

رواء الجصاني

    خلال مراجعة موضوع توثيقي نشرته مؤخرا، موسوم "مع الجواهري في حواضر ومدن العراق" فاضت الذاكرة عجولا  ببعض صور ولقطات واسماء عن محطات في "مقامة" الشاعر الكبير في البصرة وعنها وحولها، تصلح لموضوع توثيقي منفصل، يؤرخ لعدد من الشؤون، ويؤشر دلالات معبرة، وبأتجاهات مختلفة..

   والمبتدأ انه كان يصف فيحاء العراق في مجالسه الخاصة والعامة بأنها " البصرة وكفى" .. وفي هذا الاطار ننقل عن الباحث  الاردني المميز. د. يوسف بكار:  "أن الجواهري الذي زار محافظات العراق زيارات «خطف» – كما يقول – بدأت منذ أيام التدريس فيها وأيام الصحف التي أصدرها، وكانت تربطه علاقة قويّة بها. وقد استهوته من بين مدن العراق اثنتان: البصرة والحلّة. وكان يقول في منفاه الدمشقي: ( لو قدّر لي أن أعود إلى العراق لما اخترت غير البصرة أسكن فيها… بعدها الحِلّة، لأن البصرة «كلّ شيء فيها، ما يوجد فيها لا يوجد في غيرها، إنّها تختلف عن العراق كلّه، إن أهلها معروفون بشيمتهم وكرمهم وطيبتهم… وباختصار " أموت على البصرة") ..أما الحلّة، فلأن «موقعها جميل. قريبة من بغداد، وناسها منفتحون، بل إنها قريبة من النجف، وقد  درّست فيها بين عام 1930 وحتّى عام 1932" (1)

* اصدقاء مميزون

     تحدّثنا "ذكريات" الجواهري، وديوانه ومجالسه عن علاقات شخصية عديدة كانت تربطه مع "البصراويين" مثقفين وشخصيات عامة وغيرهم، ومنهم اصدقاء ومعارف مميّزون، وقد اورد او اشار لاسماء بعضهم في قصائده، وكتاباته واحاديثه ومن اقدمهم الكاتب والشخصية المرموقة عبد الرزاق الناصرى، الذي توطدت علاقتهما الشخصية بشكل وثيق اواخر عشرينات واوائل ثلاثينات القرن الماضي في بغداد، واستمرت حين انتقل – الناصري- للاقامة والعمل في البصرة، ليزوره الجواهري هناك.. ثم تتحقق زيارات اخرى لتلك المدينة الفيحاء، بعد ان اصبح السيد جواد الجصاني، النجفي، صديقه، ثم صهره لاحقا(2) مديرا لمعارف اللواء (محافظة) البصرة، في الفترة 1951-1952. 

    وبعد اغتراب - لجوء الجواهري الى براغ عام 1961 راح الاديب، والسياسي والشخصية البصرية المعروفة، موسى اسد الكريم ( ابو عمران) من اقرب اصدقاء وندماء الشاعر الكبير، ولعل ابياته الاربعة على صفحة ديوانه الذي اهداه اليه توضح بعض تلكم العلاقة، ومطلعها: يا أبا عمران والدنيا ضباب وسرابُ (3) .

   وفي حقبة براغ ايضا توطدت العلاقات الصداقية والشخصية، والعائلية، مع ابن البصرة البارز، المؤرخ والوزير والسفير، فيصل السامر، الذي اقام في براغ لاجئا وناشطا سياسيا بعد انقلاب البعث الدموي في شباط 1963. وقد اشار له الجواهري في قصيدته الشهيرة"بائعة السمك" المنظومة عام 1965 ومطلعها: "وذات غداة وقد أوغلت بنا شهوة الجائع الحائر" ..

     وفي عودة لمؤلفه "ذكرياتي" يوثق الجواهري انه انتقل من بغداد مدرساً في ثانوية البصرة في النصف الاول من ثلاثينات القرن الماضي، وسكن في مركز المدينة، لعدة اشهر فقط، لينقل منها الى الحلة، جزاء نظمه قصيدة أعتبرت سياسية/ مناهضة، وهو في دائرة حكومية، ثم ليستقيل من التعليم كله، ويتفرغ للشعر اولا، وللصحافة التي عشقها، موردا لتغطية متطلبات الحياة .. كما شهدت البصرة مطلع الاربعينات محطة جواهرية اخرى، وهي عودته عبرها الى العراق من ايران، عن طريق الاهواز، حيث كان قد استقر في طهران مع عائلته أشهر قليلة، بعد احداث مايس عام 1941 احترازا من تداعيات ما عرف – ويعرف-  بحركة رشيد عالي الكيلاني..

 

* مواقف وقصائد لشعراء بصريين مميزين

   بحسب المتنبي العظيم فأن "عداوة الشعراء بئـس المقتنى" ولكن الحال تلك لم تنطبق على مواقف ورؤى شعراء بصريين متألقين من الجواهري.. ومؤكد ان المطلوب الان ان نوثق بشواهد ملموسة على ما نزعم به. ومن بين ما متوفر عندنا : ما كان يكنّه بدر شاكر السياب للجواهري، ووصفه بــ " أعظم شاعر في ختام النهج التفعيلي للشعر العربي" (4) .. مع الاشارة الى ان (بدراً) تعاون في تحرير بعض صحف الجواهري مطالع الخمسينات الماضية (5).

   اما الشاعر سعدي يوسف فكانت علاقته أطول زمنــا، واوثق، مع الجواهري، ليس ثقافيا وحسب، بل واجتماعيا ايضا، وقد رثاه بقصيـــدة وكتابات عديدة بعد رحيله عام 1997. الى جانب اصداره مؤلَفــاً حمل عنوان "محمد مهدي الجواهري" ضم قراءات مختارة من ديوان الشاعر الخالد (6).  

   وكذلك كانت الحال مع الشاعر عبد الكريم كاصد، اذ ثمة علاقة اليفة بينه والجواهري وخاصة في دمشق الشام خلال عقــد الثمانينات الفائت، وقد ساعد في مراجعة مؤلفه "ذكرياتي" الصادر في جزأين عامي 1988-1990 . وثمة كتابة اخرى بعنوان "الجواهري .. بين المعري وعبد الكريم كاصد" تؤشر لبعض تلكم العلاقة (7).

    كما من بين ما تجدر الاشارة له ايضا بهذا التوثيق التاريخي موقف معبر للشاعر البصري المعروف، جواد الحطاب في قصيدة " نص في رثاء الجواهري"  افتتح بها دورة مهرجان "المربــــد"  عام 2019 وكان قد نظمها بعد رحيل االشاعر الخالد عام 1997 ونشرتها عدة صحف عربية في حينها (8) .

    اما الشاعر والفنان محمد سعيد الصكار، بصري العيش والهوى،  فله اكثر من موقف وشعر وذكريات مع الجواهري وعنه، منشور بعضها في كتابه "اخوانيات الصكار" الصادر عن دار المدى في دمشق عام 2001 وكلها محبة وتبجيل للعبقرية والعطاء.. دعوا عنكم لوحته ذائعة الصيت، وبأكثر من شكل ابداعي، حين  خط فيها ورسم وأوحى من، ولبيت الجواهري الشهير "أنا العراقُ لساني قلبه ودمي فراتهُ وكياني منه أشطارُ"..

  

كتابات وبحوث ودراسات

   لقد كان من المفترض، بل والمهم ايضا، ان نوثق في سياق هذه "المقامة"  بشكل اوسع، مواقف وكتابات المثقفين البصريين – وما اكثرهم وأجلهم- عن الجواهري، تأرخة وبحوثا ودراسات وغيرها، ولكن البعد عن الذوات المعنيين، وعن المصادر ذات الصلة، حال دون التمكن من اتمام الأمر بالشكل المطلوب.. وبرغم ذلك  دعونا نشير على سبيل المثال لا الحصر الى آثار الاديبين، والناقدين البصريين النافذين، ياسين النصيّر، ومحمد الجزائري عن الجواهري الخالد، وهي عديدة وعلى امتداد سنوات، بل وعقود.. ومن بينها – على سبيل المثال-  مساهمة النصيّـر المتميزة بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الجواهري (تموز 2017) ومما جاء فيها أنه أول من اطلق عليه وصف " النهر العراقي الثالث" .. اما لمحمد الجزائري فنوثق لحواره الثري مع الجواهري، عام 1975 الذي نشرته صحيفة "الجمهورية" البغدادية بشكل بارز ..

  ... ونوثق ايضا لاطروحة دكتوراه موسومة بـ "لغة شعر الجواهري" أتممها الباحث على ناصر غالب في جامعة البصرة عام  1995. ودراسة د. صدام فهد الاسدي الموسومة "الغربة والحنين الى الوطن في شعر الجواهري" . كما نشير لما ادلى به الشاعر كاظم الحجاج في تصريح خاص بأنه يحفظ نصف شعر الجواهرى (9) . وكذلك الى ما كتبه الاستاذ جاسم المطير في الذكرى العشرين لرحيل الجواهري .. وللبحث الموسوم " دلالات الرثاء في شعر الجواهــــري" للباحث اسماعـــيل عوض رشيد المنشور في مجلة اداب البصرة عام 2013 . و" بنية الأفعال في قصيدة (أزح عن صدرك الزبد) الجواهري، للباحث صيوان خضير خلف، المنشور مجلة أبحاث البصرة للعلوم الإنسانية، بتاريخ 2011.6.30.

 

* وللفنانين البصريين شواهدهم وشهاداتهم..

   والبداية التي ننطلق منها بهذا المحور، هي للفنان التشكيلي فيصل لعيبي، صاحب التخطيطات الباهرة للجواهري، بالاسود والابيض، في الثمانينات الماضية،  وكذلك "البورتريه" المجود والمعبر للشاعر العظيم، بالالوان عام 1996 .. كما نعرج من التشكيل الى الموسيقى والغناء فنوثق لما انجزه الفنان حميد البصري من لحن جميل لبعض مقاطع قصيدة الجواهري الشهيرة "يا دجلة الخير" .. وكذلك لأداء المطرب المميز فؤاد سالم وهو ينشــد للجواهري، ومن ابيات "دجلة الخير" ايضا .. كما لا يمكن ان ننسى دور الفنان عبد الستار البصري في تجسيد شخصية الجواهري في مسلسل "كبرياء العراق" ذي السبع حلقات من اخراج انور الحمداني وانتاج قناة السومرية عام 2011.

  

* ابن الفراتين في " مربد البصرة "

اما الحدث الابرز بين البصرة والجواهري، فذلك الذي حدث عام 1969 خلال الدورة الاولى مهرجان "المربد" الشعري، حين هرعت جموع بصرية حاشدة، الى محطة "المعقل"  لأستقبال شاعر الوطن القادم اليهم من بغداد بالقطار. وقد تكرر الحشد الجماهير الكثيف حين كان يلقي قصيدة جديدة - ذاع صيتها بشكل كبير لاحقا-  امام حضور المهرجان والمشاركين فيه (10) وجاء مطلعها: ..

يا "ابن الفراتين" قد أصغى لك البلدُ، زَعْماً بأنك فيه الصادحُ الغَرِدُ..

ما بين جنبيكَ نبعٌ لا قَرارَ له، من المطامح يستسقي ويَرتفد..

كأن نفسَك بُقيا أنفسٍ شَقيت، وكلّ ذنبِ ذويها أنهم وُجِدوا

وأنهم حلبوا الأيام أضرعها، حتى إذا محضتهم دَرّها زَهَدوا

 

* الابن على سر ابيـه

   والابن هنا نجل الجواهري الثاني، الكاتب والفنان التشكيلي، الدكتور "فلاح" الذي عشق البصرة فأنتقل اليها طبيبا متخصصاً بالأشعة في مستشفاها المركزي، اواخر الستينات الماضية، ولنحو سبعة اعوام، ويتزوج من بصرية جليلة (11) وليتميز هناك بصلاته الاجتماعية، والثقافية الوطيدة، وبمحبته لاهل المدينة الفيحاء، ومحبتهم له، وليكتب عنها الكثير من الذكريات الجميلة قسم  منها منشور وموثق في كتبه، كما في موقع "ايلاف" الالكتروني، ومنذ اعوام ..

    كما نوثق هنا ايضا بشكل سريع  لعلاقات الجواهري الصداقية والاجتماعية مع وجوه وشخصيات، رسمية وعامة في البصرة خلال تواجده فيها، او خارجها، ومن بينها التي وردت في احاديثه الخاصة، ومجالسه وجزأي ذكرياتـه، وهم من بيوتات وعوائل وعشائر كريمة مثل : النقيب، أل باش عيان، أل زينل (12)  وكذلك السعدون، والذكير، وبركات، والسعد (13)  .

 

* أخيـرا...

    نؤكد مرة اخرى- كما هي عادتنا في توثيقات عديدة عن الجواهري - بأن المادة هذه ليست سوى محاولة تأشير وحسب، وعناوين، قد تسهل امام الباحثين، مشاريع تفيد وتوسع محطات عن الشاعر الخالد، ليس في جوانبها الشخصية والذاتية فقط،  بل لأحداث ووقائع ثقافية وسياسية، عراقية بشكل رئيس، وعسى ان يكون زعمنا هذا في محله، معتذرين سلفا اذا ما فاتتنا سهوا الاشارة الى اسماء وشخصيات عامة ذات صلة بـ "الجواهري والبصرة" وعسى ان يصحح لنا، ويضيف المتابعون والباحثون ما عندهم لاستكمال هذه الكتابة التوثيقية ...

------------------------------------------------------------------------------------------

** هوامش واحالات:

1/ بغداد في ذاكرة الجواهري - صحيفة الرأي http://alrai.com/article/567106.html

2/ وهو زوج (نبيهة) شقيقة الجواهرى، وانجبا" كاظم ورجاء ولواء ونداء وصفاء.. ورواء، كاتب هذا التوثيق.

3/ والابيات منشورة في كتاب د. محمد حسين الاعرجي (دار المدى – دمشق 2002) ونصها:

"يا أبا عمران والدنيا ضبابٌ وسرابُ / وأحاديث كذابٌ، واباطيلُ سحابُ / واحدٌ منهنّ ما ضُمّنهُ هذا الكتابُ / لكَ يُهدى، وكلانا في الأباطيل سَحابُ"

4/ بدر شاكر السياب : دراسة فنية وفكرية / حسن توفيق / اصدار  المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1979.

5/ "الجزء الاول من "ذكرياتي" للجواهري/ دمشق 1988 - ص 485.

6/ دار المدى – دمشق 2001 .

7/ صفحة 126 من  كتاب" الجواهري.. بعيــــون حميمة" لرواء الجصاني ، اصدار بابيلون – براغ / بغداد عام 2016.

8/ ومما جاء فيها: "لم اربّ من قبل حماما، لا اشعل ؛ لا ابيض ؛ لا اصفر ؛ لا رماديا..

من اجلك – انت فقط – ذهبت لسوق الغزل، واشتريت مائة طير زاجل، (بعدد سنواتك يا نَسرَ لُبَد) واطلقتها ؛ باتجاه مقبرة الغرباء".

9/ في حديث شخصي مع الشاعر نقله لنا د. محمد معارج الحجاج (حزيران 2021) والذي زودنا ايضا بعناوين بعض البحوث والدراسات المنشورة في اصدارات جامعة البصرة.

10/ اضافة للمنشور في اصدارات عديدة حول الامر، وثق لنا عن الأمر السيد خالد العلي (تموز2021) نقلا عن شهود عيان كانوا من ضمن الذين عايشوا ذلك الحدث.

11/  وهي التدريسية " ولدان " من اسرة احمد حقي ال ابراهيم الكريمة، وانجبا ثلاثة ابناء هم: زهراء وفرزدق وعمار .

12/ ومنهم المحامي المعروف يوسف زينل (ابا القاسم) الذي جاء ذكره في بيت قصيدة الجواهري الموسومة "ابا زيدون" عام 1962 ونصه" ألا ابلغ أبا القاسم انا نعصر الخمرا/ وانا نقرأ الغيّب، وانا ننفثُ السحرا".

13/ ومن عشيرة  "السعد" الكريمة، الشخصية العسكرية الوطنية غضبان مردان، الذي تزوج أخوه "سامي" من ابنة الجواهري "خيال" اواسط الستينات، وانجبا أبنتين : آمال وميادة.

 

 

ملاحظة: الصورتان المرفقتان:

-  الاولى للجواهري في القرنة، ضمن احدى فعاليات مهرجان المربد عام 1969.. والثانية - - - للجواهري في الثلاثينات

 

 

 

 

الجواهـري.. قصائد ومقامات،

في حواضر ومدن العراق

 

رواء الجصاني

 

      لا يُحسب ديوان محمد مهدي الجواهري (1899-1997) حافظة قصائد وشعر وحسب، بل راح سجلا لوقائع واجواء تغطي نحو سبعة عقود من الحياة الشخصية، والسيرة الذاتية، الى جانب من  (بل وبتشابك مع) تاريخ البلاد العراقية الحديث، بأتراحه وأفراحه، الثقافية والاجتماعية والسياسية، وما يتفرع عنها من محاور واتجاهات .. 

     وحين نوثق في هذه الكتابة عن قصائد و "مقامات" الجواهري في حواضر ومدن العراق، انما يصحب ذلك العديد من المؤشرات الحاضرة وضوحاً او ضمناً، برغم اننا لم نفصل الا قليلا في الحصر والتعداد والتأشير. وبخلافه  فأن الأمر يتطلب  تفاصيل كثيرة تسبق نظم ونشر القصيدة، ومناسبتها ومكانها وزمانها وما الى ذلك، وهذا ما يحتاج لمساحات كتابة واسعة، وجهدا اوسع، ليس في غاية وهدف هذا التوثيق، الان على الاقل. ومع ذلك فلربما ستوفر بضعة خلاصات في الخاتمة ما يفيد على تلكم الطريق..

 

1/ بيـن النجـف وبغـداد

   في النجف، مدينة الفقه والادب، ولـد الجواهري ونشأ ويفـعَ، وتمترس، على مدى ربع قرن، لينطلق منها الى بغداد.. وقد بقـيّ افتخاره  بـ "نجفيته" يرافقه تاريخا وزيارات وذكريات، موثقا لمدينته ومتحدثا عنها في مختلف مراحل حياته. وعلى ما ندري فأن زيارته الاخيرة الى النجف كانت عــام 1975 خلال حضوره احتفاء نظمته على شرفه جمعية الرابطة الادبية بمناسبة منحه جائزة "لوتـس" الدولية لادباء اسيا وافريقيا . والقى هناك - من بين ابرز ما القى-  ابيات من دالية شهيرة بعنوان "ازح عن صدرك الزبدا" وكانت جديدة لم تكتمل بعد .. اما في مفتتح الاحتفاء فقد القى  بعض شكر عجول للمضيفين والحاضرين الذي جاء عددهم سابقة في كثرته وتنوعه، كما تحدث اكثر من شاهد عيـان:

 مقــــامي بينكمْ شكرُ، ويومي عندكمْ عمـرُ..

سيصلحُ فيكمُ الشـّعرُ، إذا لـم يصلح ِالعذرُ

..  كما من المناسب ان نشير هنا ايضا الى "الكوفة" - وهي شقيقة النجف، وتتكامل معها- وكم تغنى بها الجواهري شعرا ونثرا، ومن بينها داليته العصماءعام 1969 والموسومة : (يا آبن الفراتين) حين قال مخاطبا المتنبي "صديقه" و"جاره" و" لصق داره" كما كان يصفه مرات عديدة، حين يتطرق لذكره:

أنا ابن "كوفتك" الحمراء لي طنبٌ، بها، وإن طاحَ من أركانها عمدُ

جوار كوخك لا ماءٌ ولا شجرٌ، ولصق روحـك لا مالٌ، ولا صفـدُ

ولا شكاةٌ أيشكو السيفُ منجردا، لا يخلق السيف إلا وهو منجردُ

    

  ... اما بغـداد - مدينة الجواهري التالية بعد النجف - حيث أقام فيها وثبت وانتشر وتمكن، منذ اواخر العشرينات الماضية، خائضا فيها غمار الوظيفة والصحافة والسياسة، وقبل كل هذا وذلك: الشعر والشعر، وعلى امتداد عقود. وكان اخر حضور له في بغداد مطلع العام 1980 ليغادر- بعد اشتداد الوضع في البلاد مآسيا وارهابا وعسفا، في ظل السلطة البعثية الحاكمة-  وليغترب منذ ذلك الحين الى الخارج، متناصفا بـراغ، ودمشق الذي رحل فيها الى عالم الخلود  بتاريخ 1997.7.27 ..

   اما ما كتبه شعرا عن بغداد، فكثير كثير فـ " لها الله ما أبهى، ودجلة حولها، تلفُّ كما التفَّ السوارُ على الزند" .. وقد ضم الديوان العامر في حب بغداد، خمس مغنيّات، ونحو 30  ذكـر لها في قصائد مختلفة، بين التغزل بها والتأمل فيها، والسعي لأستنهاضها. (1)

 

2/ سامراء.. وساعة مع البحتري، عام 1929

   يتردد الجواهري، ويتنقل كما هو عهده، الى هذه المدينة والبلدة العراقية او تلك، تغييرا في الاجواء، واستكشافا واستلهاما، وبدون حدود . ومن بين اوائل تلك الاماكن والمدن كانت سامراء التي كتب عنها عام 1929 عينية وصفية بعنوان (ساعة مع البحتري في سامراء).. ثم  اوحت له المدينة العريقة، بعد زيارة أخرى لها عام 1932  فقال عنها في مطولة بسبعة وسبعين بيتاً:

خُلدّتِ سامراءُ، لم أوصلكِ من، فضلٍ، حشدتِ عليّ غير قليلهِ

يا فرحة القلب الذي لم تتركي، أثراً للاعج همه ودخيله

ولقد غلوتِ فكم بقلبي خاطرٌ، عجزت معاني الشعر عن تمثيلهِ

 

3/ في الرستمية.. وعن القرية العراقية،عام 1932

   لاسباب خاصة وشخصية، يتوسط الجواهري عند اصدقاء له  في وزارة المعارف عام 1936 طالبا نقله من مدرس في النجف، الى دار المعلمين الريفية في ضاحية (الرستمية) على حدود بغداد العاصمة، وهي منطقة مزهرة خضراء، وقد نظم هناك خلال فترة عمله قصيدة وصفية جاء فيها:

كم فـي الطبيعة من مَعنى يُـضـيّعُـهُ، على القراطيس نقصٌ في التعابيرِ

هنـا الطـبيـعـة نـاجتني مـعبّـرَةً، عن حسنها بأغـاريـد العصافير

وبالحفيف من الأشـجار منطلـقـاً، عَبْرَ النسيمِ وفـي نفح الأزاهيـرِ

 

.. كما نشير - للتوثيق ايضا-  الى ان  الجواهري كان قد نشر في العام ذاته (1932) بائية، وصفية، عن بعض ملامح الريف في قرى، وبلدات فراتيــة، عراقية، زارها سريعا حينا، اوقضى فيها بضعة ايام وليال، ومن ابياتها:

للقُـريّــــات عـالَمٌ مُسـتـقـلّ، هو عن عالَمٍ سواه غريــبُ

يتساوى غروبُهم وركودُ النفس منهم وفجرُهم والهُبوب

كطيور السماءِ همّهُمُ الأوحدُ زرعٌ يـرعَـوْنــــه وحبـوبٌ

 

4/ في الحلــة ،عام  1935

   تعود علاقة الجواهري بالحلة واهلها منذ فتوته وشبابه: زيارات وعلاقات، ومدرسا في معاهد تعليمها، خلال النصف الاول من ثلاثينات القرن الماضي، اضافة  لوشائج صداقة  مع اعيانها وشخصياتها الثقافية، ولسنوات مديدة.. وفي عام 1935 يخص الحلة شعرا، حين نظم شبابها  حفلاً تكريمياً له، فيرد لهم التحية بأجمل منها، جاءت في قصيدة بأكثر من خمسين بيتاً، شملت ايضا بعض تنوير، ووقفات تأريخية موجزة:

أبناءَ بابلَ للاشعار عندكمُ ، عمارة لم يشيّد مثلها بان

ودولةٌ برجال الشعر زاهرةٌ ، معمورةٌ بمقاطيع واوزان..

هنا مَشَى الفـذُّ "بانيبالُ" مُزدَهياً، في موكِبٍ بغُواةِ الفنِ مُزدان..

من هاهنا كان تحضيرٌ لأنظمةٍ، في المشرِقَينِ وتمهيدٌ لأديان..

هنا "حمورابِ" سنَّ العدلَ معتمداً، به على حفظِ أفرادٍ وعمران

 

5/ "بنـت أرسطاليس" فـي مدينة "الحــيّ" عام1947

    كثيرا ما كان الجواهري يشير في الحوارات التي أجريت معه، انه كثيرا ما  يغتنم هذه المناسبة او تلك لبث الشعر، شكوى او تنويرا، او تأكيدا على هذا الموقف وغيره ..  وهكذا جاءت فرصة افتتاح اول ثانوية في مدينة (الحي) بمحافظة واسط ( لواء الكوت حينها) عام 1947 فيدعى لتلك المناسبة، مع وجوه وشخصيات سياسية واجتماعية رفيعة، ويلقي دالية مطولة شملت شؤونا ورؤى ثقافية وتنويرية وسواها.. ومن ابياتها :

يابنتَ (رِسطاليسَ) لُحتِ (بواسطٍ) فَنزَلت "حيّــاً"  بالصبابة حاشدا

خَصِبَ الشُعور وستَحمَدين مولّهاً، من أهله، ومُغازِلاً، ومُراوِدا..

وأذلّ خلقِ اللهِ في بَلـــَدٍ طغت، فيه الرزايا من يكونُ محايدا

 

6/ كربلاء.. و "امنت بالحسين" عام1947

   من اشهر ما يُوثق عن الجواهري وكربلاء، عصماؤه: "امنت بالحسين" عام 1947 التي فاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في فرائد جواهرية عديدة (2) وان اختلفت في الصور والاستعارة. وقد القيت تلكم العينية المبهرة في الصحن الحسيني، في المدينة المقدسة، احياء لذكرى مأثرة الطّف، بحضور جمع من الشخصيات البارزة، وحشد من الجموع، وجاء مطلعها:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ … تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ

ورعياً ليومـك يوم"الطفـوف"… وسـقياً لأرضك من مصرع

تعـاليتَ من مُفـزع للحتـوفِ … وبـورك قبـرك مـن مَفزع

 

7/ في (علي الغربي) عام 1955

    مخاصما وغاضبا، ومهضوما، يلجأ الجواهري عام 1955 الى فضاء ريفي  في اطراف مدينة (علي الغربي) بمحافظة ميسان (لواء العمارة في حينها) لـ "يمتهن" الزراعة هذه المرة، بعد انشغالاته الاخرى في الشعر والوظيفة الحكومية، والصحافة والسياسة وغيرهن عديد .. وقد اوحت له الطبيعة، واحدى الاستضافات الحميمة، والاجواء الانسانية،  نونية مطولة بمئة وتسعة ابيات (وجدانية - وصفية، فلسفية) موسومة بـ " أم عـوف" ومن ابياتها: 

جِئنا مغانيكِ نُسّاكاً يُبرّحهمْ، لُقيا حبيبٍ أقاموا حُـبّـه دينا

ولاءَمتنا شِعابٌ منكِ طاهرةٌ، كما تضمّ المحاريبُ المصلّينا

لم ألفِ أحفلَ منها وهي مُوحشةٌ، بالمؤنساتِ.. ولا أزهى ميادينا

ولا أدقّ بيانـاً مِن مجاهلِـهـا، ولا أرقّ لمـا توحيـه تبيّينا

 

8/ في "مربد" البصرة، عام 1969

   و"البصرة، البصرة، وكفى" بحسب ايجاز الجواهري في وصف ثغـر العراق، خلال مجالسه.. زارها وتردد عليها، وعمل فيها في الثلاثينات الماضية مدرسا في ثانوياتها أشهرا قليلة. وله في تلكم الفيحاء علاقات وصداقات متعددة مع مثقفين وشخصيات بارزة من اهل المدينة او المقيمين فيها.. اما الحدث الابرز بين البصرة والجواهري، فذلك الذي حدث عام 1969 خلال الدورة الاولى مهرجان "المربد" الشعري، حين هرعت جموع بصرواية حاشدة لأستقبال شاعر الوطن القادم اليها من بغداد بالقطار. وقد تكرر الحشد الجماهير الكثيف حين كان يلقي قصيدة جديدة -ذاع صيتها لاحقا-  امام حضور المهرجان والمشاركين فيه، وجاء مطلعها: ..

يا "ابن الفراتيّن" قد أصغى لك البلدُ، زَعْماً بأنك فيه الصادحُ الغَرِدُ..

ما بين جنبيكَ نبعٌ لا قَرارَ له، من المطامح يستسقي ويَرتفد..

كأن نفسَك بُقيا أنفسٍ شَقيت، وكلّ ذنبِ ذويها أنهم وُجِدوا

وأنهم حلبوا الأيام أضرعها، حتى إذا محضتهم دَرّها زَهَدوا

 

9/ في ربوع كردستان وعنها.. بدءا من عام 1963

   كان الجواهري منسجما مع الذات حين انحاز دائما، ودون مواربة، في حبه الكرد، واهل كردستان عموما، ودعم طموحاتهم، وحقوقهم المشروعة.. اما ايجاز ذلك الحب والانحياز فلا نرى أنه يحتاج لمزيد من الدلالة والاضافة والشرح اذا ما اقتبسنا بضعة ابيات وحسب، من ميميته المطولة الفريدة عام 1963 الموسومة " كردستان... موطن الابطال"  ذات المئة والثمانية ابيات،ومنها :

قلبي لكردستان يُهدى والـــفم، ولقد يجود بأصـغـريـه الـمـعـُـدم..

تلكم هدية مستمــيــت مـــغـرم انا بالمـضـحى والضـحـيـة مــغـرم..

نفسي الـفـداءُ لـعـبـقـريَّ ثائر يـهـبُ الـحـياة كـأنـَّـه لا يفهـَـمُ

سـلـَّـم على الجـبـل الأشــم وأهلـِـه ولأ نت تــعــرف عـن بــنـيه من هـُم

 

   كما نوثق هنا ايضا ان الشاعر الكبير كان قد كتب قصيدة عام 1961 بمناسبة استذكار الشاعر الكردي الشهير (فائق بي كآسٍ) وترجمة اسمه بالعربية " بلا أحد، الغريب" وجاء مطلع تلك القصيدة:

أخي (بي كه سٍ) والمنايا رَصَدْ، وها نحنُ عاريّـةٌ تُسـترَدْ

أخي (بي كه س) يا سراجاً خَبَا، ويا كوكباً في دجىً يُفتقد..

(بلا أحدٍ).. سُنّةَ العبقريّ، يعي الناسَ.. إذ لا يعيهِ أحــد

(بلا أحدٍ) غـيرَ خُضرِ الجبال، ووحيِ الخيال، وصمتِ الأبد

 

.. ومما نضيفه في هذا السرد، ان الجواهري قد شارك في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي في مهرجان احتفاء واستذكار للشاعر الكردي الكبير (بيره مرد) وذلك في السليمانية على رأس وفد من الادباء العراقيين البارزين، قدموا من بغداد للمشاركة في تلك الفعالية (3)..

 

10/ في الموصل- ام الربيعين عام 1980

   تستقبل جامعة الموصل الجواهري ضيف شرف على مهرجانها السنوي، مطلع عام 1980 وتعد له برنامجا يستقيم مع مكانة الشاعر الكبير والاحتفاء به، وبحضور ومشاركة اعلام بارزين من الاكاديميين واساتذة اللغة والادب (4) .. ومما شمله برنامج الزيارة جولة حرة وسط الموصل، استقبل به الجواهري بترحاب وحفاوة بالغة من قبل بنات وابناء المدينة العريقة.. ومن ابيات قصيدته في حفل الافتتاح:

"أم الربيعين" يا من فُقت حسنهما، بثالث من شبابٍ مُشرق خَضلِ

واعٍ تلقفُ من وحي الوعاة لهُ، ما شاء من سيّرٍ جُلى، ومن مثل..

أمُ الثغور التي ناغى ملاعبها، رأد الضُحى إذ رُبوع الشرق في الطفل

يا موصل العرق من شرقٍ تمد به،  للغرب حبلا بعرق منهُ متصلِ

 

    أخيــرا .. ثمة الكثير من المدن والبلدات العراقية التي زارها الجواهري الكبير، بدعوات رسمية، او اجتماعية، او عائلية، ولم نوثق لها في هذه الكتابة التي اردنا ان يكون الشعر ذا صلة بها، بذلك  القدر او هذا. ومن بين تلكم المدن : الناصرية (وعمل فيها مدرسا لفترة قصيرة، اواسط الثلاثينات الماضية) ثم الديوانية، بعقوبة، الكوت، هيـت.. 

    كما ندعي ايضا ضرورة التوكيد مرة ثانية بأن ما جاءت به الفقرات السابقة  ليس سوى مواجيز عن "مقامات" الجواهري، وقصائده، في جمع من حواضر العراق ومدنه. ونكرر ما سبقت الاشارة اليه بأن هناك لكل مقام وقصيدة تفاصيل واحداث مرافقة، توضح وترسخ حقيقة ما "زعـمَ" به الجواهري ذات يوم من عام 1957 وكان لاجئا سياسيا في سوريا، حيــن قال مختتما قصيدته  "في ذكرى المالكي" ذات المئة والثمانية والثلاثين بيتا :

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته، وكياني منه أشطارُ

 

احالات وهوامش -------------------------------------------------------------------------

* ملاحظة وتوكيد: جميع ما تم التوثيق له في هذا البحث، اعتمد بالأساس على ديوان الجواهري، وجزأي ذكرياته، اضافة الى معايشات ومعلومات، ووثائق شخصية للكاتب.

** لم تتوقف هذه المادة التوثيقية الاشارة او التأشير لعلاقات الجواهري، وصلاته،  مع العشرات  من الشخصيات العامة والوجوه السياسية والاجتماعية والادبية، في الحواضر والمدن التي زارها او اقام فيها، وذلك تجنبا  للأطالة،  وعلى ان يسعى الكاتب الى توثيق أخر، معني بتلكم العلاقات والصلاة، في فترة قادمة.

 1/ تفاصيل في بحث موسوم (بغداد في ذاكرة الجواهري - صحيفة الرأي) للاستاذ يوسف بكّار منشور على شبكة الانترنيت   http://alrai.com/article/567106.html

2/ ومن بينهــا، مثــلا، قصائده عن "الوثبـــة" العراقيـة عام 1948 ولامية "سواستبــول" عــام 1942 وقصيدة "سلاما .. الى اطياف الشهداء الخالدين" عام 1963" وبائية "الفداء والدم" عام 1968 وغيرهن عديد عديد..

3/ اصطحب الجواهري معه في زيارة السليمانية: زوجته آمنة، وأخته نبيهة..

4/ ترافق الجواهري في الطريق من بغداد الى الموصل،  مع صاحبيه : د. مهدي المخزومي، ود. على جواد الطاهر..

 

 

 

عراقيون من هذا الزمان (*)

27/ كفـاح الجواهــري

رواء الجصاني

     وصاحبنا الذي نوثق له، دكتوراه في هندسة النفط،  وعمره اليوم ثمانون عاما بالتمام والكمال، وهو النجل الرابع للجواهري الخالد. غادر العراق عام 1959  بعد ان امضى سنة دراسية كاملة في كلية العلوم ببغداد، ليلتحق بزمالة دراسية الى الاتحاد السوفياتي، وفي باكو تحديدا، عاصمة اذربيجان، واكمل فيها على مدى عشرة اعوام الدراسة الجامعية والعليا..، وليتزوج هناك من زميلة دراسته (آنيــا)  وليعودا بعدها سوية الى العراق مع ابنتهما (ناديا) (1) الى العراق عام 1970..

       كان من الطبيعي ان ينخرط  - كفاح-  في العمل الوطني والسياسي، منذ فتوته وشبابه، وهو ابن ذلكم الرمز العراقي الكبير. وهكذا بدأ النشاط في صفوف اتحاد الطلبة العام داخل العراق، وواصله في الخارج، من خلال رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفياتي .. وكذلك ضمن مهام وأطـر الحزب الشيوعي العراقي، ولعقــود..

    وفي بغداد التي عاد اليها عام 1970 كما اسلفنا، مارس التدريس الجامعي، والنشاط بحيوية حزبيا وسياسيا ، كما في هيئات نقابتي المهندسين، والمعلمين، الاختصاصية، ثم ليلاحق ويعتقل ويعذب في اقبية السلطات الامنية عام 1980 اثناء حملات الارهاب والعسف التي شنها النظام  الدكتاتوري، مما اضطره  للخروج من العراق، الى الجزائر اولا، ثم سوريا، وحتى قيام العهد الجديد عام 2003 ..

   تعيّن صاحبنا في العاصمة الجزائرية في مجال اختصاصه، واستقر هناك لنحو 5 اعوام مواصلا نشاطه السياسي المعارض، وبارزا في تقديم ما استطاع من مساعدات للعراقيين اللائذين بالجزائر والغربة بديلاً، ولو مؤقتا، بعد  الملاحقات االارهابية في بلادهم لكل المعارضين – بل وكل غير المنتمين، او الصفقين – للحزب البعثي الحاكم..

     ومنذ اواسط الثمانينات استقر كفاح في سوريا، بين حمص، استاذا في كلية الهندسة بجامعتها(2) وبين دمشق حيث الاقامة شبه الدائمة.. ومستمرا في النهج الذي اختطه سياسيا معارضا للدكتاتورية والقمع، ومتطلعا لعراق ديمقراطي مزهر. وعلى تلكم الطريق قدم ما استطاع دون كلل، وسواء كالتزامات تنظيمية عليه، او بتطــوع ذاتي، خاصة وقد كانت سوريا محطة ومستقرا لمئات بل الاف العراقيين، ومن مختلف النحل والملل السياسية والفكرية وغيرها..

   وفي دمشق الشام ايضا تكلف وتكفل صاحبنا بشؤون الوالد العظيم، وعلى مدى سنوات، وحتى حيان الرحيل في تموز 1997.. ومن بين مانوثق له هنا على سبيل المثال لا الحصر، مرافقته  للجواهري، خلال النصف الاول من التسعينات الماضية  في زياراته الرسمية الى ابي ظبي، والقاهرة، وعمّان، والسعودية، وكذلك بيروت حيث انعقاد مؤتمر المعارضة العراقية الجامع عام 1991 ..

   اما بعد الرحيل فقد نهض صاحبنا، ومنفردا في الغالب الاعم، بمهام العناية، ودعم مساعي حفظ التاريخ الثري للوالد العظيم، ومن ابرزها - كما نشهد- متابعة انجاز  الطبعة، الانيقة، شبه الكاملة للديوان الشعري العامر في بيروت، عام 2000 بخمسة اجزاء، التي اخرجها الفنان النافذ عباس الكاظم. وكذلك مشاركته – اي كفاح -  المتميزة في فعاليتي مئوية الجواهري، الحافلتين، في كل من اربيل والسليمانية، عام 2000 التي نسقها الاستاذ فخري كريم، وعداهما كثير كثيـر(3)..

     وبعد عام 2003 وانهيار النظام الدموي في العراق، عاد كفاح الى بغداد مواصلا نشاطاته والتزاماته السياسية، وكذلك المدنية، ومن ابرزها مهامه في  "منظمة أمل" الانسانية، التي كان من مؤسيسها في دمشق مطلع التسعينات.... دعوا عنكم استمراره وانشغالاته بشؤون الحفاظ على تراث الشاعر الخالد، واشاعته، بالتنسيق والتعاون مع محبيه وعارفي عبقريته ومناراته العراقية والعربية والانسانية.. ومن بينها اعداده واصداره موسوعة "الجواهري صحفيا" بثلاثة اجزاء عام 2015. اما آخرها فكانت مساهمته في متابعة اصدار طبعة مزيدة ومنقحة بستة اجزاء، لديوان الجواهري في بغداد قبل اسابيع قليلة، والتي اشرف على اتمامها وزير الثقافة  د. ناظم حسن، وعملت عليها شخصيات اكاديمية، قديرة، وجليلة. ذلكم  فضلا عن شؤون – وشجون – تحويل بيت الجواهري  في بغداد لمتحف ومركز ثقافي عام، والذي لا يعرف احد ســرّ - ولربما اسرار- تأخر اتمامه  لأكثر عقد من الزمان، ومنذ عام 2011 تحديدا، حين اطلق كاتب هذه السطور، الدعوة لتلك المبادرة..

    هكذا اذن وصلنا الى نهاية التوثيق عن كفاح محمد مهدي الجواهري، ولربما سائل يسأل عن كيفية توفر كل هذه المعلومات والمحطات والوقائع، ودون العودة لصاحب الشأن ذاته، فنقول: انها بعض شهادات عيان، ومشاركة مباشرة في قسم من الاحداث التي تم التطرق اليها في السابق من الفقرات، وبعض آخر انجازات ثنائية، لعل من اهمه اصدارنا سوية  مؤلف "الجواهري.. قصائد وتاريخ ومواقف" عام 2013 .. ذلكم فضلا عن صداقة تمتد لعقود، وخاصة في بغداد وبراغ ودمشق.. كما صلة عائلية وثيقة بين أبن خال، وأبن عمة !!. (4)

   ------------------------------ * رواء الجصاني/ براغ- اواخر تموز 2021

  (*)  تحاول هذه التوثيقات التي تأتي في حلقات متتابعة، منذ ثلاثة اعوام ، ان تلقي اضواء غير متداولة، أو خلاصات وأنطباعات شخصية، تراكمت لسنوات، بل وعقود عديدة، وبشكل رئيس عن شخصيات عراقية لم تأخذ حقها في التأرخة المناسبة، بحسب مزاعم الكاتب.. وكانت الحلقة الاولى عن علي جواد الراعي، والثانية عن وليد حميد شلتاغ، والثالثة عن حميد مجيد موسى والرابعة عن خالد العلي، والخامسة عن عبد الحميد برتـو، والسادسة عن موفق فتوحي، والسابعة عن عبد الاله النعيمي، والثامنة عن شيرزاد القاضي، والتاسعة عن ابراهيم خلف المشهداني، والعاشرة عن عدنان الاعسم، والحادية عشرة عن جبار عبد الرضا سعيد، والثانية عشرة عن فيصل لعيبــي، والثالثة عشرة عن محمد عنوز، والرابعة عشرة عن هادي رجب الحافظ،، والخامسة عشرة عن صادق الصايغ، والسادسة عشرة عن صلاح زنكنه، والسابعة عشرة عن عباس الكاظم، والثامنة عشرة عن هادي راضي، والتاسعة عشرة عن ناظم الجواهري، والعشرون عن ليث الحمداني، والحادية والعشرون عن مهند البراك، والثانية والعشرون عن عبد الرزاق الصافي، والثالثة والعشرون عن كمال شاكر، والرابعة والعشرون عن حسون قاسم زنكنة، والخامسة والعشرون عن قيس الصراف، والسادسة والعشرون عن محمد الاسدي... وجميعها  كُتبت دون معرفة اصحابها، ولم يكن لهم اي اطلاع على ما أحتوته من تفاصيل، وقد نشرت كلها في العديد من وسائل الاعلام..

* احالات وتفاصيل:

1/ تزوجت ناديا من جمال محمد علي الجواهري عام 1989 وانجبا: ديانا وسمير.

2/ الفّ المُوثقُ له، خلال عمله الجامعي كتبا وبحوثا في مجال اختصاصه، اتم اعتماد  بعضها ضمن المناهج الدراسية، والتطبيقية..

3/ تابع – كفاح-  اتمام تمثال الجواهري الخالد بنسختين، للفنان الباهر سليم عبد الله، ونقلهما من ايطاليا الى كل من اربيل والسليمانية، ، وقد أزيح الستار عنهما هناك خلال الفعاليتين آنفتي الذكر.

4/ للجواهري شقيقة وحيدة، اسمها نبيهة، وهي مدللته، والاسرة كلها، تزوجت من السيد جواد الجصاني، النجفي، في النصف الاول من الثلاثينات الماضية، ولهما  ستة ابناء... آخرهم كاتب هذا التوثيق.

 

 

 

مع الجـواهري في

عواصم ومدن العالم

رواء الجصاني

   لا يبدو ان هناك منتهى للكتابة والتوثيق عن الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري (1899-1997) منجزا، وحياةً، برغم احدى وعشرين اطروحة دكتوراه، وثلاث عشرة رسالة ماجستير، أجيزت عنه، ونحو ستين كتابا ومؤلفا رصينا، ومئات من الدراسات والمقالات والاستذكارات، دعوا عنكم اللوحات والصور والتخطيطات الفنية .. وكل تلك الارقام هي في الحدود الدنيا، ونعني ما هو مرصود وموثق لدينا الى الان.

    نشير الى ذلك في بدء هذه التأرخة، واضحة العنوان على ما نتوقع، والتي تأتي بعد ما نشرناه في محور مشابه، على النطاق (الجغرافي) العربي، واستقطب اهتماما ملحوظا، مما شجعنا لنستمر في تثنية الامر ليكون على النطاق العالمي هذه المرة (1).. 

   وانطلاقة الجواهري العالمية - الانسانية، شعرا واغترابا، واحاسيس واعجابا، أومشاركة  في مؤتمرات وفعاليات ومناسبات ثقافية وغيرها، بدأت وهو في مطلع عشريناته، واستمرت لنحو سبعة عقود، واخرها - كما سنرى في الاستطرادات اللاحقة - عام 1995 وهو السادسة والتسعين من العمر، اي قبل رحيله الى الخلود بنحو عامين ليس إلا.. وجميع تلكم المشاركات كانت، أو كادت، بـ"أخف ما لــمّ من زاد أخو سفرِ" على حــدّ تعبيره، صدقاً، بعيدا عن البهرجات أو المبالغات. اما الغايات من وراء تلكم الأسفار، المعلن منها أو غير المعلن، فكانت الاضطرار والاغتراب القسري، والتمرد احيانا، وعشق التغيير وشغف الاطلاع واستشفاف الافاق، احيانا اخرى.. وبأختصار: حب الحياة والجمال والتنور، والتنوير. وهكذا وبهدف التوثيق الأوضح سنلاحق ونرصد "سياحة" الجواهري، واشعاره، في العديد من مدن وعواصم الدنيا، بحسب تسلسلها الزمني، برغم ان هناك اسبقيات واهميات تختلف في بعضها عن البعض الآخر:

 

1/ في طهـران عام 1924

    كانت الزيارة الاولى للجواهري الى ايران عام 1924 وهي ايضا  اولى سفرياته الى خارج العراق .. ثم اضطر للذهاب اليها  ثانية عام 1941 احترازا من تطورات الاوضاع السياسية في البلاد العراقية بعــد احداث ما كان - وما زال- يعرف بحركة مايس.. اما الزيارة الاخيرة الى ايران فكانت عام 1992 تلبية لدعوة رسمية رفيعة، استقبله خلالها المرشد الاعلى في الجمهورية السيد على خامنئي.  ولم تقتصر تلك الزيارات على العاصمة طهران، بل شملت مدنا ومناطق عديدة في البلاد الايرانية..

   ومما يرصد عن شعر الجواهري في ايران او عنها، بعض وصفياته، وحنينه، خلال زيارته الاولى، ومنها في قصيدة "الاحاديث شجون" :

جَدّدي ريـحَ الصّبـا عهد الصّبـا، وأعيدي فالأحاديث شُجُونُ..

جدّدي كيف اطّراحي فارساً، ولمرأى وَطَني كيفَ الحنينُ...

جددي ذكر بلادي إنني، بهواها أبـدَ الدهر رهيـــــنُ

انا لي دينان: دين جامعٌ،وعراقي وغرامي فيه دينُ

 

 2/ وفي باريس عام 1946

    يصل الشاعر الكبير العاصمة الفرنسية باريس في طريقه الى بولندا عام 1946 للمشاركة في مؤتمر حاشد، اول من نوعه لمثقفي العالم، كما ستبيّنه الفقرات اللاحقة .. ثم يعود لها عام 1948 ليقيم في رحابها فترة امتدت بضعة اشهر، يكتب خلالها  بانوراما "أنيتا" ذائعة الصيت، بأربعة فصول، أثـر واقعة حب عنيفة.

   كما يحدث ان يزور باريس من جديد عام 1963 قادما اليها من مغتربه في براغ، رئيسا لوفد "اللجنة العليا لحركة الدفاع عن الشعب العراقي" ضد الارهاب والقمع التي تأسست بعد الانقلاب البعثي، الدموي، الاول في شباط 1963.. اما آخرعهده في باريس فكان عام 1984 حيث  اجرى فيها – قادما اليها من مغتربه في دمشق- عملية جراحية دقيقة لعينيه، برعاية رسمية سورية..(2).

  اما ما نوثقه هنا عن شعـره " الفرنسي" او عن فرنسا، فهو من قصيدته "باريس" المنشورة مقتطفات منها عام  1948:

تعاليتِ " باريسُ" أمَّ النضالْ، وأمَ الجمال، وأمَّ النغـمْ

تَذوَّبَ فوقَ الشِفاهِ الألَم، وسال الفؤادُ على كلِّ فــم

تَضيعُ الحرارةُ بينَ الوصالْ، وبين التّنائي وبين الملالْ

كأنّكِ شمسُك بينَ الجبال، تغازلُ حينت لوحُ القِمَمْ

 

3/ وفي وارسو عام 1946

  كان اول " المقامة" الجواهرية في بولندا بعيّد انتهاء حرب القرن الماضي، العالمية الثانية، حين دُعي الشاعر الكبير للمشاركة في مؤتمر عالمي للمثقفين من اجل السلام عقد عام 1946 بمدينة " فروتسواف" غرب بولندا، وقد كان العربي الوحيد فيه، الى جانب شخصيات عالمية لامعة من ابرزها، الرسام الفرنسي الشهير بابلو بيكاسو. وقد جاءت الدعوة للجواهري باعتباره ناشطا وطنيا مميّزا، وداعية للسلام والحرية، كما تؤكد ذلك قصائده وكتاباته، ومواقفه خلال وبعد حرب القرن الماضي، العالمية الثانية... (3).

   وبحسب الجزء الثاني من ذكريات الشاعر الخالد، فأنه زار "فرصوفيا- وارسو" ثانية عام 1963 اي بعد 15 عاما من اول زيارة لها. ويؤرخ ديوانه العامرعن الامر، شعراً، حين القى هناك رائعته متعددة القافية، امام مؤتمر للطلبة العراقيين، وجاء في مفتتحها:

(فـرصـوفيـا): يـا نجمـةً تَـلالا،

تُـغـازلُ السُـهـوبَ والتّـلالا

                                  و تَسـكُب الرقّـةَ والـدّلالا

فوقَ الشفاهِ الظامئاتِ، الحامياتِ الحانيه..

  اما الزيارة الثالثة للجواهري فكانت عام 1985 حين لبّى دعوة رسمية  للمشاركة في احتفال نظم في العاصمة البولندية – وارسو، بمناسبة الذكرى اليوبيلية الاربعين لمؤتمر المثقفين العالمي، سابق الذكر .

 

4/ في لندن عام 1947

  وردت (بريطانيا) ولندنها  في شعر الجواهري، في عدد من قصائده قبل ان يزورها بسنوات عديدة، وشملت، من بين ما شملت، انتقادات لسياساتها في العراق  خلال العهد الملكي. اما زيارته الاولى لها فكانت عام 1947 ضمن وفد صحفي، وثمة الكثير من التفاصيل عن ذلك وردت في الجزء الثاني من ذكرياته، واهمها اللقاء هناك مع الضابط العسكري عبد الكريم قاسم، والذي تزعم لاحقا كما هو معروف حركة 14 تموز 1958 التي اسست الجمهورية العراقية الاولى .. وقد كتب من وحي تلك الزيارة مقاطع شعرية قصيرة ومن بينها :

مَلِلتُ مُقاميَ في لندنا، مُقامَ العَذارى بدور الزِنـا

مُقام المسيح بدارِ اليَهودِ، مُقام العذابِ، مُقام الضَنى

وفي موقف مناقض للبيتين السابقين اعلاه، ولأنه أُعجب خلال الزيارة بـحسناء "لندنية" كما يبدو، راح يكتب عنها بضعة ابيات غزل، ومنها: 

يا " جينُ " لطفُ الخمر، أنّكِ كنتِ ماثلةً حِيالي..

ما شاءَ فليكتبْ عليَّ، الدهرُ، إنّي لا أُبالي

إذ كان خَصْرُكِ في اليمينِ، وكان كأسي في الشِّمال

    كما يزور لندن بضعة ايام عام 1963 ضمن نشاطات تضامنية – سياسية،  بوصفه رئيسا للجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، التي تأسست في براغ بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963.. كما  نزلها – لندن-  منتصف السبعينات الماضية، فترة قصيرة، لتطبيب عينيه، ليزورها بعد ذلك للمرة الاخيرة عام 1991 ويقضي فيها بضعة اسابيع بدعوة شخصية، فُجـع خلالها بوفاة زوجته (آمنة) هناك مطلع عام 1992 ..

 

5/ وفي موسكو عام 1959

  انحاز الجواهري منذ وقت مبكر من حياته الى جانب القيّم والسياسات والمبادئ التى تتحدث وتؤمن بالتحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة، ومناهضة الاستعمار بمختلف اشكاله.. وهكذا راح منتصرا الى الحلفاء ضد المانيا الهتلرية خلال الحرب العالمية الثانية، في القرن الماضي، وقد ابرز ذلك شعرا، ومنه في تمجيد انتصارات وتضحيات الاتحاد السوفياتي السابق. ومن  ذلك ما جاء في قصيدتيه: عن معركة "سواستبول" عام 1942.. وعن معركة "ستالينغراد" الشهيرة عام 1943 ومن ابياتها:

نضّــتْ الروحَ وهزته لواءا، وكسته وأكتستْ منه الدماءا

واستمدت من الهِ الحقل والبيت والمصنع عزما ومضاءا..

يا (تولستوي) ولم تذهب سدى، ثورة الفكر ولم تذهب هباءا

هكذا الفكرة تزكو ثمرا، ان زكت غرسا وان طابت نماءا

   اما زيارته الاولى للأتحاد السوفياتي  فكانت لعاصمته - موسكو عام 1959 رئيسا لوفد من الادباء العراقيين .. تلتها مشاركات في فعاليات ومؤتمرات اخرى، ومنها ما وثق لها  شعرا بقصيدة (اطفالي واطفال العالم) التي القاها خلال مشاركته في فعالية دولية من اجل السلام ونزع السلاح عام 1962..  ووفق ما توفر من توثيقات نسجل ان زيارات الجواهري  "السوفياتية" لم تكن للعاصمة موسكو وحسب، بل شملت مدنا عديدة  مثل لنينغراد (بطرسبورغ حاليا) وسمرقند، وغيرهما ..

 

6/ وفي بــراغ منذ عام 1960

 .. والحديث عن علاقة  الجواهري ببراغ لا يشبه باية حال الحديث عن زياراته، وقصائده عن عواصم ومدن العالم.  فقد اقام في تلك المدينة التي اطلق عليها وصف "مزهر الخلد"  ثلاثة عقود، بشكل دائم او متقطع (1961-1991) لاجئا ومغتربا وعاشقا و"مستوطنا" وكتب فيها وعنها العديد من القصائد والمقطوعات.  كما نظم وهو في ربوعها فرائد كثيرة ليس مجال حصرها كاملا في هذا التوثيق، ومن بينها مثلا: "دجلة الخير" و"لغة الثياب" و"فتى الفتيان" و" يا آبن الثمانين" وسوى ذلك كثير ومتنوع ..(4)

  أما عن براغ تحديدا، واهلها وطبيعتها ومجتمعها، فلعلنا نستطيع ان نوجزعن ذلك فنشير الى قصيدته المعنونة "براغ" عام 1968 ومن مطلعها :

أطلتِ الشوطَ من عمري، أطـــالَ اللهُ مـــن عُــمـركْ

ولا بُــلــغــتُ بــــالــشــرِّ، ولا بــالسوءِ مــــن خَبرك

حـسوتُ الخمرَ من نهَرك، وذُقـــت الحلو مــن ثَمرك

وغنت لـــي صوادحُــــك النشاوى من ندى سحرك

الا يــــا مــزهـــــر الخلد، تــغـنــى الدهرُ في وتَركْ

 

7/ وفي ميونيخ عام 1963

   يحضر الجواهري بناء على دعوة رسمية، الجلسة الافتتاحية  لمؤتمر الطلبة الاكراد في اوربا، الذي انعقد في مدينة (ميونيخ) الالمانية، صيف عام 1963 ليلقي هناك مطولة جديدة، سياسية في اطارها العام، مع التصريح بمواقفه الصميمية في دعم نضالات الشعب الكردي من اجل نيل حقوقه المشروعة.. وقوبل حضور الشاعر الكبير، وقصيدته، بأحتفاء مهيب من المجتمعين، والمشاركين، وأولهم المسؤول الكردي البارز جلال الطالباني، الذي تسنم  كما هو معروف رئاسة جمهورية العراق بعد فترة من سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 .. وجاء مفتتح قصيدته خلال المؤتمر، والموسومة " كردستان... موطن الابطال": 

قلبي لكردستان يُهدى والفـمُ، ولقد يجود بأصغريه المعدمُ...

تلكم هدية مستميت مغرمٍ، انا بالضحية والمضحي مغرم..

سلّم على الجبل الأشم وأهله، ولأنتَ تعرف عن بنيه من هـمُ..

سلّم على الجبل الأشم وعنده من أبجديات الضحايا معجمُ

 

8/ في صوفيا عام 1968 .. وفارنا عام 1973

   وفي "مقامة" الجواهري البلغارية ثمة مدينتان، الاولى هي العاصمة صوفيا، التي احتضنت المهرجان التاسع لشبيبة وطلبة العالم، صيف عام 1968 وكان الشاعر الكبير ضيفا رسميا لحضور افتتاح المهرجان، وفعالياته البارزة، من بين نخبة الوجوه والشخصيات العربية والعالمية الرائدة والشهيرة في مجالاتها..

  اما المدينة الثانية فهي "فارنا" التي زارها  عام 1973 وكان مدعوا  لزيارة ثقافية رسمية الى بلغاريا، شمل برنامجها زيارة تلك المدينة السياحية الشهيرة، للراحة والاستجمام، وكان حينها رئيساً لاتحاد الادباء والكتاب في العراق، وقد نظم عن تلك الزيارة، وعن بعض "ملهماتها"  قصيدة عنوانها (يومان على فارنا) جاءت بثلاثة وستين بيتا، ومنها: 

أشرقَ الفجر فوق "فـرنا" فأضفت فوقه سحرها الجميل فأضفى

وأستطاب الرمل الندي بساطاً، فمشى ناعم الخطى يتكفا

معجبا يمسح الدجى منه عطفا، ويهز الصبح المنوّر عِطفا

 

9/ في اثينــا خلال السبعينات

  حطّ الجواهري ركابه في النصف الثاني من السبعينات الماضية، في أثينا، مستأجراً شقيّقةً متواضعة، وكان من أهم ما فيها من مغريات محاذاتها لساحل البحر المتوسط مباشرة، وذلك هو الأحب لدى الشاعر العظيم، التوّاق والطامح لمزيد من الإيحاء...

  ... ومن يعرف الجواهري عن قرب، يعرف انه عاشق أبدي للأنهر والبحار، سواحل وتدفقاً وضفافاً، مثل "رافدي" العراق، و"نيل" القاهرة، و"بردى" دمشق، و"فلتافا" براغ.. وغيرها من السواحل والضفاف، اللواتي كتب عنها ووثق لها في ديوانه العامر، روائع وصفت واستلهمت وأوحت بما لا يُزاحم على ما نظن...

  وفي "مَقامة" الجواهري، اليونانية،  وفي اثينا تحديدا،  نؤشر إلى ان اقامته هناك لم تكن إلا لفترات قصيرة ومتقطعة، اغتراباً عن الأحداث، وركوناً إلى النفس، وتمعناً في ما يزخر به فكر الشاعر الكبير: فلسفة في الحياة والمشاغل الانسانية العامة.. وهناك في اثينا، وعلى ساحلها، ولدت قصيدته الباهرة "سجا البحر" عام 1977 وجاء مطلعها:

سجا البحر وانداحت ضفافٌ ندية ولوّح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجةٍ لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل

وسدت كوىً ظلت تسدّ خصاصها عيون ضباء أو عيون مطافل ِ

 

10/ عواصم ومدن اخرى .. وخلاصات

   ثمة مدن وعواصم في بلدان اخرى، خارج ما اسلفت له السطور السابقات، زارها الشاعر الخالد لأغراض شتى، سياحية أو شخصية. وفي بعضها حط الركاب لأكثر من مرة، ومنها:  برلين الالمانية في الستينات، والعاصمة الاسبانية - مدريد عام 1974 ليومين او ثلاثة، ونيويورك مطلع الثمانينات، والعاصمة النمساوية- فيينا في ثمانينات القرن الماضي، والعاصمة المجرية – بودابست، وخاصة بين اواخر عام 1990 ومطالع عام 1991...

    ولم يوثق الشاعر الكبير عن  المدن والعواصم المسماة في الفقرة السابقة،  لا شعرا ولا نثرا.. مع استذكارات جميلة عن بعضها في مجالس خاصة. وقد كانت زياراته لها  لفترات قصيرة، بل لبضعة ايام وليالي احيانا، وقد أثرنا – مع ذلك - التوثيق لها بايجاز في سعي لأستكمال هذا البحث الموجز .. ونقول موجزا ونعني ذلك تماما اذ هناك الكثير من الدلالات، والمؤشرات التي يمكن التطرق اليها، مستقاة من قصائد وزيارات الجواهري، وما رافقها من شؤون وتفاصيل واحداث مهمة بهذا القدر او الشكل اوذلك ..

   كما من المناسب ان نشير ايضا الى ان الكثير من زيارات الجواهري، ومشاركاته في الفعاليات والمؤتمرات الثقافية والسياسية العالمية، الرسمية والمدنية، شهد احتفاءات ولقاءات خاصة وعامة من المحبين والاصدقاء، عراقيين وعربا واجانب، ممن كانوا يحرصون على ان يلتقوا شاعرهم الذي تعدى حدود المعهود، على أبسط وصف، وان يتعرفوا عليه عن قرب، فخرا واعتزازا وتباهيا.. وبالمقابل كان يحرص من جانبه ان لا يبخل - جهد ما استطاع - في اتمام تلك اللقاءات، بل والاهتمام بها، وفرحه لها، وهو المؤمن، روحا وشخصا ومنهجا، بما قاله عام 1965: "حببت الناس كل الناسْ. من أظلم كالفحــمِ ومن أشرقَ كالماس" !!..

**رواء الجصاني / براغ في نيسان2021 .

--- هوامش وإحالات ---------------------------------------------------------------------

 ** المصادر: ديوان الجواهري، كتاب "ذكرياتي" للشاعر الخالد، بجزأين.. اضافة الى وثائق ومعلومات خاصة وشخصية.

1/ لمزيد من التفاصيل:  مادة منشورة لنا في مواقع اعلامية عديدة، على الانترنيت بعنوان الجــواهري" شعـرٌ وزيارات، واحتفاءات حميمة، في أربعة عشـر  بلـدا عربيا".

2/ لمزيد من التفاصيل عن "المقامة" الفرنسية:  كتابنا " الجواهري .. بعيون حميمة" الصادرعام 2016 في بغداد وبراغ.

3/ لمزيد من التفاصيل:  مادة منشورة لنا على الانترنيت، ومواقع اعلامية عديدة، بعنوان "الجواهري: قصيدة… وثلاث زيارات لبولندا " .

4/ لمزيد من التفاصيل: كتابنا "الجواهري .. اصداء وظلال السبعينات" الصادر عام 2001 .. وتأرخات اخرى ذات صلة منشورة لنا على الانترنيت.

 

هؤلاء المبدعون، والمثقفون،

نشروا في مجلة "البديــل" وكتبوا اليها

رواء الجصاني

  بات من المتفــق عليه، وبالاجماع على ما نعتقد، بأن  من اهم وابرز ما يميّز الاصدارات الدورية  هو اسماء كتابها، والناشرين فيها.. وهكذا نقيس الأمر على مجلة "البديـل" التي صدرت منبرا نابضا لـ "رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين الديمقراطيين" (الرابطة، لاحقا) التي عقدت مؤتمرها التأسيسي في بيروت اوخر كانون الثاني 1980 وضمت في صفوفها عشرات من المبدعيــن، من مختلف الاختصاصات والاهتمامات، الذين أضطرتهم اعتقالات وملاحقة السلطة البعثية الحاكمة في العراق، وارهابها للفرار – المؤقت على الاقل-  بسبب مواقفهم وآرائهم، ونشاطاتهم الهادفة للتنوير، والرافضة للقمع الممنهج، وأمتهان الحقوق والحريات الانسانية في بلادهم (1)..

    استمر مركز "الرابطة" وتشيكلاتها  باصدار مجلة "البديل"  التي راحت وعلى مدى سنوات 1980-1991 صوتاً ثقافيا تنويرياً هادفا،  ليس عراقيا وحسب، بل وعربياً، كما سيتبيّن ذلك من الأستعراض اللاحق للأسماء اللامعة التي نشرت في لمجلة مساهمات متنوعة: مواقف سياسية، وكتابات فكرية، وبحوثاً ودراسات قصيرة، عنتْ بالعديد من الرواهن الملحة آنذاك ..

    لقد جاءت اعداد "البديل" غنية متطلعة، مع التفاوت طبعا، بين محتويات الاعداد الاولى، والاخيرة، ليس في عدد الصفحات والمشاركات وحسب، ولكن ايضا في نوعيات المواد المنشورة، مما يؤشر – بهذا القدر او ذلك-  لبعض تراجع في الحماسة لـ"البديل" وبدءا من اواخر الثمانينات، لاسباب موضوعية من بينها توزع الكتاب والفنانين والصحفيين العراقيين في المزيد من المنافي، واستمرار تعقّـد الاوضاع في البلاد، والتغيرات العالمية بعد انهيار الانظمة "الاشتراكية" في بلدان شرق اوربا، وانحسار فعاليات التضامن العربي والانساني .. اما الاسباب الذاتية فمن اهمها – كما نظن-  اختلاف وارتباك الاراء والرؤى، والقنوط والتماحك والمناكدات والتشابكات في مواقف الاعضاء من هيكلية "الرابطة" عموما، ومن مسيرتها، والتجاذبات بشأنها ..

   وفي عودة لثلاثة عشر عددا متوفر عندنا من مجلة "البديل" من اصل سبعة عشر(2) يمكن توثيق مساهمات سياسية وثقافية وابداعية لجمع كبير نسبيا من المبدعين والمثقفين، منهم العراقيون، بحسب حروف الهجاء، مع حفظ المكانات والمواقع: ابراهيم احمد، ابراهيم الحريري، برهان شاوي، ثابت المشاهدي، جبار ياسين، جمشيد الحيدري، جنان جاسم حلاوي، جواد بشارة، خالد بابان، زهير الجزائري، زهير ياسيـــن شلبية، سالمة صالح، سعدي المالح، سعود الناصري، سلام ابراهيم، سمير سالم داود، شاكر الانباري، شاكر لعيبي، شمران الياسري، صالح كاظم، صلاح الحمداني، ضياء مجيد، عادل العامل، عارف ولي، عامر بدر حسون، عرفان عبدي، على احمد محمود، على كامل، غائب طعمة فرمان، فاضل الربيعي، فاضل السلطاني، فاطمة المحسن، فاضل سوداني، فالح عبد الجبار، فيصل لعيبي، قاسم الساعدي، قاسم حول، كاظم حبيب، كامل شيــاع، كريم دحام، كريم عبد، مجيد الراضي، محمد حسين هيثم، محمود البياتي، محمود صبري، مصطفى عبود، مفيد الجزائري، ممتاز كريدي، منعم الفقير، موسى السيد، نائل الحيالي، نجم والي، هـــادي العلوي..

     اما الشعراء الذين نَشروا في اعداد مجلة "البديل" موضع هذا التوثيق فهم: أنور الغساني، حميد الخاقاني، حميد العقابي، جليل حيدر، سعدي يوسف، شوقي عبد الامير، شيركو بي كه س، صادق الصائغ، رعد مشتت، رفيق صابر، عبد الكريم كاصد، عواد ناصر، فائز الزبيدى، فائز العراقي، فاضل العزاوي، كامل الركابي، كريم عبــد، محمد سعيد الصكار، مخلص خليل، مصطفى عبد الله، مهدي محمد علي،  نبيل ياسين، هاشم شفيق.

    كما كان هناك جمع كبير اخر من المبدعين والمثقفين العرب (او من البلدان العربية) الذين كتبوا، للبديل، وفيها، وهم، وايضا بحسب حروف الهجاء، مع حفظ الالقاب والمكانات:  ادونيس، اسماعيل حسن حسو، الياس خوري، براء الخطيب، حميد المازن، حيدر حيدر، حيان السمان، جورج ابراهيم،  خلدون زيبو، خيري الذهبي، زكريا شريفي، سعد الله ونوس، سعيد حوراني، شوقي بغدادي، صالح علماني، صبحي دسوقي، عبد الله طاهر، عبد الرحمن بسيسو، عبد الرحمن منيف، عبد المعين الملوحي، على الجندي، علي عبد العال، غالب هلسا، غالية قباني، غسان زقطان، فواز طرابلسي، فيصل دراج، محمد بنيس، محمد دكروب، محمد عزيز ظاظا، ممدوح عدوان مها بكر، نيروز مالك،  يمني العيد..

    لقد تنوعت المشاركات المنشورة في اعداد مجلة البديل، وتداخلت بين الشأن السياسي والثقافي، والمواضيع الفكرية، والتوثيقات التاريخية، والمقابلات، والنصوص والكتابات الابداعية، والتخطيطات التشكيلية، والترجمات  وسواها. (3)  الى جانب تغطية وتوثيق نشاطات الفروع في مختلف المدن والعواصم العربية والاوربية وغيرها، وحيثما كان هناك مبدعون ومثقفون وكتاب وفنانـــون وصحفيون عراقيون، ديمقراطيـــون، يقيمون او يعملون أو يــدرسون.. 

     ان التوقف عند اسماء المشاركين في الكتابة لمجلة "البديل" والنشر فيها، المشار لهم في ما سبق من سطور - وجمعٌ منهم له اكثر من مساهمة بل ومساهمات -  نقول: ان لذلك التوقف والتوثيق اكثر من مؤشر ومغزى، ولا سيما حين يتبيّن التنوع، وما يحمله اصحابه  من آراء  ومواقف ومفاهيم محتلفة، وربما متقاطعة حتى، حول مهمات المثقفين، وادوارهم التنويرية والسياسية، والاطر التي يجب على منظماتهم تبنيها، وسبل متابعتها، وشفافيتها وما الى ذلك. وقد حملت بعض اعداد "البديل"  مناقشات وتصورات جدية، وملموسة، حول تلكم الشؤون..  

    وبرغم الاعلان والتوجه والسعي بأن تكون "البديل" مجلة فصلية الصدور، الا ان واقع المنفى، وظروف التحرير، واسباب اخرى حالت عدة مرات دون التمكن من الالتزام بمواعيد صدورها، الفصلي كما هو مقرر.. وهكذا لم يصدر منها غير 15 عددا في 10 اعوام. مع تباعد الفترة الزمنية بين عدد وآخر لعدة شهور احيانا، برغم الجهود المبذولة..

   ان كل الحديث اعلاه عن "البديل" ليس بأحتسابها مجلة فقط، بل انه يؤشر ويشير الى  جملة مجطات في تاريخ ومسيرة  تلك "الرابطة" الثقافية العراقية في المنفى وبلدان الأغتراب الأضطراري، وغيره، والتي لعبت دورها المناسب والممكن في ما هدفت اليه (4).. ومن الطبيعي انه كان من الافضل لو جاءت هذه التأرخة بشمولية اكبر، وتفاصيل اكثر، مثل  تبويب المواد المنشورة بحسب محاورها، وتسلسلها الزمني، واماكن اقامة الكتاب والمساهمين، بل وحتى فهرسة المواد المنشورة وتبوبيبها. وعسى ان يسمح الوقت، وتتوفر الظروف لأتمام ذلك في فترة قريبة قادمة،الا اذا سبقنا الأنشطون في ذلك المنحى، والمسعى ..

   ختاما وبرغم التصور بأن موادا عديدة  ضمتها صفحات "البديل" قد أعيد نشرها في العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 ولكن بقيّت هناك في ذات الوقت مساهمات وكتابات ذات اهمية تاريخية، وجدلية، من المهم ان تتصدى لأعادة نشرها مؤسسات معنية، ولربما أولها الاتحاد العام للادباء والكتّاب في العراق، لأنه الاقرب واقعا للرابطة، ولمجلتها "البديل" . ومع كل التقدير للانشغالات برواهن أخرى، غير ان في التراث - كما هو معروف-  تجارب لا غنى عنها، وذلك ما يدفع للتأكيد على اهمية اعادة النشر، وعلى الاقل للمساهمات الأكثر تميزا، وما أكثرها في المجلة التي نعني: "البديل" ..  

* هوامش واحالات: ----------------------------------------------------------------

1/ أطلقت الرابطة بأسم  "رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديقراطيين العراقيين" في مؤتمرها التأسيسي ببيروت عام 1980 وبعد عشرة اعوام، وفي المؤتمر العام الثالث للرابطة (برلين 1990) تم تغيير الاسم الى "رابطة المثقفين العراقيين الديمقراطيين"..

2/ ثمة عددان ناقصان في هذا الاستعراض، هما : السادس والحادي عشر. كما ان العدد الاخير  جاء مزدوجا وحمل الرقمين ( 16- 17) وصدر عام 1991 دون تثبيت شهر الاصدار. اما العدد الرابع فهو عدد مفترض، كان جاهزا للصدور صيف عام 1982 وقد أحتسب شهيدا بعد احتراقه خلال الغزو الاسرائيلي للبنان في ذات الفترة ..

3/ غالبية اعداد المجلة كانت بنحو 180 صفحة، من القطع المتوسط، وبحروف صغيرة في الاعداد الاولى خاصة،  بينما  صدرت اعداد اخرى بحدود 140 صفحة..

4/ وهنا دعوة اضافية للرواد والمؤسسين، خاصة،  بأتجاه السعي لتوثيق محطات عن مسيرة "الرابطة" ونشاطاتها، والادوار التى لعبتها في التأطير والتحريك، ونشر الثقافة الوطنية المضادة للـ"ثقافة" البعثية..

 

 

 

شعــر الجواهــــري،

في اربعٍ وثلاثين اطروحة

دكتوراه، ورسالة ماجستيـــر

- رواء الجصاني

   تفوق اهمية التوثيق والارشفة، كما الفهرسة، حدود المتلقين والمتابعين لتبرز حالاً ضرورية امام الباحثين والاكاديميين، لا غنى عنها بالنسبة لهم وهم يتجهون لأتمام دراساتهم وبحوثهم ذات الصلة.. وقد عنينا منذ سنوات للتركيز على هذا المجال في ما يخص شاعر العربية الكبير، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) وسواء ما يخص شؤونه الحياتية، او منجزه الشعري، والوطني والعربي والانساني، وغير ذلك من محاور ومجالات عاشها، وأبدع فيها على مدى ثمانية عقود. (1)

    وعلى تلك الطريق، نتابع في هذا التوثيق الجديد مهمةً انجزنا منها مسودتها الاولى قبل اعوام، بقدر ما توفر في حينها من معلومات ومصادر. ثم ظهرت لاحقا اضافات عديدة تطلب اعتمادها في مسعى لأكمال هذه المهمة، توثيقا من جهة، واستخلاصا لبعض الموشرات من جهة ثانية. مع اليقين بأن ما سيرد ليس رصداً  كاملا، وان ثمة جهدا آخر يجب ان يبذل لأستكمال المطلوب.

   وفي ضوء عنوان هذه الكتابة، وقبل ان ندرج حصرا لما توفر من معطيات عن اطروحات الدكتوراه، ورسائل الماجستير، عن الجواهري،  دعونا نتوقف عند بعض الخلاصات التي يمكن الاشارة العجول لها، والمستقاة من بحثنا المعني .. ومنها ان هناك تنوعاً وتعددية  في الجامعات التي منحت تلكم الشهادات الاكاديمية، اذ توزعت على عشر جامعات في تسعة  بلدان عربية هي، وباعتماد ترتيب الأقدمية الزمنية لمنح الشهادات : مصر، سوريا، اليمن، فلسطين، السودان، الجزائر، ليبيا، لبنان.. والاردن، اضافة الى ايران.

    اما في العراق، وطن الشاعر، وموئله، فثمة تسع جامعات اجازت تلك الدرجات العلمية، توزعت، اضافة الى العاصمة بغــداد، على سبع محافظات، وهي - بحسب ترتيب الاقدمية الزمنية في منح تلك الشهادات- كل من جامعات: البصرة، الكوفة، بابل، القادسية، اربيل، الانبار.. وواسط.

   ومن  الاشارات والخلاصات العجول الاخرى التي يمكن ايرادها في هذا التوثيق هي ملاحظة التنوع في محاور اطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير، وعناوينها، اذ توزعت على مناح واتجاهات لغوية، واسلوبية، وفنون ادبية، وصور فنية، وجوانب ابداعية، وشعرية، ومواقف وطنية وقومية.. وغيرها، في منجزه الشعري الثري والحافل، وفي نحو 450 قصيدة ومقطوعة شعرية، يصل تعداد ابياتها الى ما يقرب من 25 الف بيت وبيت. (2)

  اما الحصر والتعداد والفهرسة لما سبقت الاشارة اليه فهي على الحال التالية، موزعة على قسمين: 

 

الاول/ أطروحــات الدكتـــوراه

1/ الاتجاهات الموضوعية والفنية في شعر الجواهري، اطروحة  دكتوراه اتممها: جميل عبد الغني محمد (جامعة الأزهــر/ مصر- 1994).

2/ لغة شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: على ناصر غالب (جامعة البصرة / العراق – 1995).

3/ الصورة الفنية في شعر الجواهـــــري، اطروحة  دكتوراه اتممها: طارق عمـر عريفي (جامعة دمشـق- 2004).

4/ خصائص الاسلوب في شعر الجـــواهري- المطولات انموذجا، اطروحة دكتوراه اتممتها:  ساهرة عدنان وهيب العنبكي (الجامعة المستنصرية/ بغداد – 2007).

5/ شعريــــة النص عنـد الجواهـــري اطروحة دكتـوراه اتممها: علي عزيـز الزهيـــــري (جامعة بغــداد - 2007).

6/ الصــورة الشعرية عند الجواهـــري، اطروحــة دكتوراه اتممتها: رفـــل حسن الطائي (الجامعة المستنصرية/ بغداد - 2007).

7/ خصائص الأسلوب في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: فوزي علي صويلح (جامعة صنعــاء - 2007).

8/ البنيـــة الايقاعية في شعــر الجواهـــري، اطروحة دكتــوراه اتممها: عبد نور عمران (جامعة الكوفــة / العراق - 2008).

9/ جدليات الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممتهــا: وسام على الخالدي (جامعة الكوفة/ العراق - 2008)

10/ خصائص الاسلوب في شعر الجواهري 1920-1980، اطروحة دكتوراه، اتممها:  فارس عزيز مسلم (جامعة الكوفة/ العراق 2008) .

11/ دراسة نحوية دلالية في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: صالح عبد العظيم (جامعة القاهـرة - 2009).

12/ حروف المعاني المختصة بالأسماء في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه، اتممها: حسين الفتلي (جامعة بابل/ العراق- 2009) .

13/ صورة العــــراق في شعــر الجواهــــري، اطروحة دكتوراه، اتممها: احمد الذهــــب (جامعة السودان العالمية - 2010).

14/ التوليد الدلالي في ديوان الشاعر محمد مهدي الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممتها: مليكة خـذيري (جامعة باتنه / الجزائر 2012).

15/ الغربة والحنين في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه، اتممتها نجلاء محسن رضا (الاكاديمية الليبية مدرسة اللغات - 2012).

16/ الحقول المعجمية ودلالاتها في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: ميلود قناني (جامعة تلمسان/ الجزائر – 2014).

17/  مصادر ثقافة الجواهـــري من خلال شعره، اطروحة دكتوراه اتممتها: جوان عبد القادر (جامعة القاهـرة - 2015).

18/ الجهود النقدية حول شعر الجــــواهري، اطروحة دكتوراه اتممتها: وجــدان يحيى الكفائي ( جامعة القادسية/ العراق – 2015 ).

19/ شعرية التناص في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: الطيب بوترعه ( جامعة وهران / الجزائر- 2017).

20/  صدى القضية الفلسطينية في شعر الجواهــري، اطروحة دكتوراه اتممها: عبد الرسول الهايي (جامعة طهـران – 2017).

21/ الملوكيــات في شعـر الجواهــري، اطروحة دكتوراه  اتممهـــا: ستار جبـــر حسيــن (جامعة الكوفة - 2017).

 

ثانيا/ رسائل الماجستير

1/ الرثاء في شعــر الجواهــــــري، رسالـــة ماجستيــــر اتممها: سلمان صبــار باني (جامعة الكوفة/ العراق - 1997).

2/ التمرد والخضــوع في شعر الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: نواف قاسم سنجاري (جامعة صلاح الدين في اربيل/ العراق - 2001)  .

3/ خصائــص الأسلوب في شعر الجواهــــري، رسالة ماجستير اتممتها: سهام قنبر علي (جامعة دمشــق- 2002).

4/ محمد مهدي الجواهري ودوره السياسي في العراق حتى 1997، رسالة ماجستير اتممها: عباس غلام حسين (الجامعة المستنصرية/ العراق 2006).

5/ ملامح الحس القومــي في شعر الجواهري، رسالة ماجستير، اتممها: سعد صابر الدليمي (جامعة الانبـار/ العراق - 2009).

6/ البُعد النقدي في منجز الجواهري، رسالة ماجستير، اتممها: وسام حسين العبيدي

(جامعة بابل/ العراق- 2010 ).

7/  البنية الإيقاعية في شعر الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: مقداد محمد شكر قاسم (جامعة اربيـل/ العراق - 2011).

8/ هجائيـــات الجـــواهـــري، رسالــة ماجستـــيــر اتممهــا: عــــادل ناجــح البصيصــي (جامعة الكوفـة/ العراق - 2011).

9/ المفارقة في الادب العربـــي الحديث: محمد مهدي الجواهري أنموذجا، رسالة ماجستير        اتممتها: منتهى حسن محمد علي (جامعة بغداد - 2013).

10/ روابط الجملة الاسمية في شعر الوصف والمديح عند الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: جهاد عزات حسين زكارتة ( جامعة النجاح الوطنية في نابلس - فلسطين 2015).

11/ شخصيـــة الجواهــــــري من شعره، رسالة ماجستيــــر اتممتها: عتاب مطيــر خضر (جامعة واسـط/ العراق - 2015).

12/ الغربة والحنين في شعر الجواهـــري، رسالة ماجستير، اتممتها: هبة محمد مصطفى (الجامعة اللبنانية - 2017).

13/ البنية الصوتية ودلالتها في ديوان "بريد الغربة" للجواهري، رسالة ماجستير، اتممها الباحث: صفاء راشد خليفة (جامعة "فيلادلفيا" / الاردن – 2020).

---------------------------------------

  ختاما نقول بأن ثمة قناعة  تسودنا بأن كل ما تقدم الحديث عنه يبقى في طــــور الاستكمال، بحساب ان هنالك اطروحات ورسائل ماجستيــر لم نتمكن من الوصول اليها، اما بسبب عدم اعادة طباعتها ككتب ومؤلفات، او عدم النشر عنها في مواقع الجامعات والمؤسسات ذات الصلة. ونأمل، بل ونعمل، بذلك التوجه لأستكشاف وتوثيق المتبقي. (3)     

    اما الشأن الاخر الذي نوده في ختام هذا البحث فهو الاعتراف بأنه كان من المحبذ لو جرى ايضا توثيق اسماء الاساتذة المشرفين على تلك الاطروحات والرسائل الجامعية، واسماء رؤساء واعضاء اللجان التي تولت مهام المناقشة والاجازة.. كما نظن ايضا بأنه كان من المفيد - لمزيد من التوثيق - تحديد الدرجة العلمية التقييمية لذلك العمل الاكاديمي، ونعني به ثبتٌ بالدرجة التي تم منحها ( الامتياز، او الجيد جدا، او الجيد، او المقبول) وذلك بالتأكيد تقييم اضافي للجهد البحثي والدراسي للذوات منجزي اطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير سابقة الذكر ..

* هوامش واحالات :------------------------------------------------------------------

1/ اول قصيدة منشورة للجواهري كانت عام 1921 والاخيرة عام 1994

2/ الارقام بالاعتماد على ديوان الجواهري (خمسة اجزاء) طبعة بيسان/ بيروت 2000 .

3/ نغتنم فرصة نشر هذا التوثيق لندعو كل المعنيين الافاضل لتقديم اية مع

 

الجــواهري.. شعـرٌ وزيارات

، واحتفاءات حميمة

في أربعة عشـر  بلـدا عربيا

رواء الجصاني

 

       لماذا ساد ذلك الاهتمام العربي الرسمي والثقافي، الاستثنائي على ما نحسب، بالشاعر محمد مهدي الجواهري، على مدى ستة عقود، وللفترة من اواسط ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى اواسط العقد التاسع منه تحديدا؟!.. وفي  بلدان جمهورية الانظمة، وكذلك ملكيــة، وغيرهما..

   سؤالٌ نعرف أن الاجابة عليه معروفة، ولكننا نريد ان نوثق من خلال ذلك  بعض محطات ومؤشرات، كما خلاصات عن ذلك الشاعر، الذي أستضيف وحلّ واقام في اربعة عشر بلدا عربيا هي، بحسب الترتيب الزمني لاول زيارة: سوريا، لبنان، فلسطين، مصر، الكويت، تونس، المغرب، الامارات، قطـر، الجزائر، اليمن، ليبيـا، الاردن.. والسعودية..

    يقيناً ان ثمة الكثير من التفاصيل والوقائع التي رافقت زيارات الجواهري، لتلكم البلدان الاربعة عشر، وسواء كانت استضافة رسمية، او مشاركة في هذه الفعالية أو تلك المناسبة، وغيرها.. ولكن هدف هذا التوثيق ليس سوى مؤشرات، ورؤوس اقلام ، وحسب، مع الاستدراك للتنويه الى اننا وثقنا في فترات سابقة لتفاصيل بعض "مقامات" الجواهري ذات العلاقة (1) وسنؤكد على بعضها مجددا في تناولنا التالي:

 

1/ في سوريا

    تعود اولى زيارات الجواهري لسوريا الى منتصف الثلاثينات الماضية في رحلات سياحة واصطياف.. وحتى عام 1944 حين شارك ممثلا للعراق في مهرجان ذكرى "ابي العلاء المعري" والقى خلاله رائيته الشهيرة.  ثم لاجئا سياسيا خلال عامي 1956-1957 ثم مشاركا في مؤتمر الادباء العرب الثامن عام 1971 وبعدها مقيما، بضيافة الرئيس حافظ الاسد لنحو خمسة عشر عاما ولحين رحيله الى الخلود عام 1997 حين وُريّ الثرى في متربة السيدة "زينب" عند ضواحي العاصمة دمشق.. وكان قد منح اواسط عام 1995 وسام الاستقلال  السوري الرفيع..  

   اما قصائده التي كتبها عن دمشق وسوريا، فكثيرة ومتعددة، وأولاها عام 1921 .. كما  من ابرزها تلك التي نظمها عام 1979 والقاها في حفل تكريمي أقيم على شرفه، مخاطبا دمشق، ومن ابياتهــا :

دمشقُ عشتك ريعاناً وخافقة، ولمةً والعيــــون السود، والأرقا

وأنتِ لم تبرحي في النفسِ عالقة، دمي ولحميّ والأنفاس والرمقا

 

 

2/ وفي لبنان ..

   وعلى غرار سوريا، كان لبنان من اوائل البلدان العربية التي زارها الجواهري، مصطافا، اواسط الثلاثينات الماضية، ومن ثم تتالت لاحقا  المشاركات والزيارات الرسمية، ومنها عام 1950 في تأبين رئيس الوزراء اللبناني عبد الحميد كرامي، ثم في تكريم الاخطل الصغير عام 1961 .. ومن قصائده في حب لبنان واهله، جاء في لاميته المطولة عام 1947 :

ناغيـّــت لبناناً بشعريّ جيلا، وضفرتـــه لجبينه اكليلا..

وحسان لبنان منحتُ، قصائدى، فسحبنهنَ كدلّهن ذيولا

 

3/ وفلسطين

   في عام 1945 يزور الجواهري مدينة (يافـا) الفلسطينية تلبية لدعوة ثقافية رسمية،  ويلقي هناك خلال احتفال احتفائي اقيم له بالمناسبة قصيدة جديدة، ومن ابياتها:

بيافا يومَ حـط بها الركابُ، تمطر عارضٌ ودجا سحاب

"فلسطينٌ" ونعــمَ الأم هذي، بناتكِ كلها خودٌ كعــابُ

     وبهدف المزيد من التوثيق نشير الى ان للشاعر الكبير، ومنذ عشرينات القرن الماضي،  قصائد ومواقف ثرة حول فلسطين، وقضية الصراع العربي –الاسرائلي. وهناك اكثر من دراسة وتوثيق وتأرخة لكتاب ومثقفين عراقيين وعرب عن "فلسطينيات" الجواهري، منشور العديد منها على شبكة الانترنيت ..

  

4/ في مصـر

 كانت اول زيارة للجواهري الى مصر عام 1951 للمشاركة في مؤتمر ثقافي نظمته جامعة الدول العربية في القاهرة، وقد أعلن د. طه حسين، وزير التعليم في حينها، بأن الجواهري هو ضيف رسمي على البلاد... وجاء مطلع قصيدته  الرائية الشهيرة، خلال المؤتمر ذي الصلة:

يا مصرُ تستبقُ الدهورُ، وتعثرٌ، والنيل يزخر والمسلة تزهــرُ

وبنوكِ والتاريخ في قصبيهما، يتسابقان فيصهرونَ، ويصهرُ

     ثم تبيّن لنا الوقائع ايضا ان الجواهري قد دعيّ رسميا عام 1971 للمشاركة في الاحتفال التأبيني المهيب للزعيم جمال عبد الناصر في الذكرى السنوية الاولى لرحيله. وقد القى هناك فريدة جديدة تليق بالراحل الكبير.. اما الزيارة الرسمية الاخرى للجواهري فكانت للمشاركة في مئوية مجلة"الهلال" عام 1992 وقد القى خلالها ايضا قصيدة بالمناسبة.

 

5/ وفي الكويـت

  زار الجواهري الكويت عام 1959 للمشاركة في مؤتمر الادباء العرب، مترئسا وفد العراق الى المؤتمر... وفي كانون الاول 1979 يتوجه الجواهري مرة جديدة  لزيارة الكويت، وبرفقته زوجته آمنة، تلبية لدعوة ثقافية، شمل برنامجها امسية حاشدة القى فيها مختارات من شعره القديم / الجديد، مع تحية شعرية، من ابياتها:

يميناً ان لي نفساً تغنى، بكم حباً وتستهوى وتصبــى

سأحفظُ عهدكم لأجدّ عهدا، وأرهن عندكم لأعودَ قلبا

 

6/ وتونــس

شارك الجواهري، رئيسا لوفد العراق الى المؤتمر التاسع لاتحاد الأدباء والكتاب العرب عام  1973  في العاصمة التونسية. ولقد كان من "رصيده" الشعري اللافت هناك قصيدته عام 1943 وجاء فيها:

سقى تونساً ما يدفــعُ الخطب انها، بخضرتها تكفي الذي يدفعُ الجدبــــا

وحيّا القبابَ البيض روحٌ كأهلها، رقيق الحواشي يمسحُ الماء والعشبا

 

7/ وفي المغــرب

لبى الجواهري عام 1974 دعوة رسمية رفيعة الى المغرب، ثم قبل بعدها  استضافة ملكية رفيعة في مدينة "طنجة " الساحلية لعدة اشهر، وكتب عنها مقطوعة شعرية جميلة، ومنها:

 لله دركِّ "طنــجُ" من وطــــنٍ، وقفَ الدلالُ عليه والغنـــجُ..

مرجٌ من "البحرين" فوقهما، ضوءُ النجوم يرفّ والسرجُ

    كما كتب الجواهري هناك والقى لامية غاضبة، الى جانب مقطوعات اخرى. وقد شهد برنامج الزيارة تكريمه بوشاح (الكفاية الفكرية) الرفيع، برسم العاهل المغربي الملك الحسن الثاني.

 

8/ والامارات

  كانت الزيارة الاولى لدولة الامارات العربية عام 1979 تلبية لدعوة رسمية من وزارة الثقافة والاعلام، وقد القى خلال  حفل مهيب أقيم على شرفه في العاصمة (أبي ظبي) دالية جديدة، سياسية بارعة، ومما جاء فيها، مخاطبا الحضور الحاشد في الامسية:

أ فتيّانَ الخليـــجِ وربّ ذكرى، تعــــادُ ولا يمـــلّ المستعيدُ

بكم والصفـوة الواعين تاهت، بأجمل واحة قفراء بيــــــدُ

  ثم تلت تلك الزيارة زيارة ثانية الى الامارات، ودبي تحديدا عام 1992 ليتسلم  هناك ( جائزة "سلطان العويس" للأنجاز الثقافي والأدبي) في اجواء احتفائية فخمة.

 

9/ وفي قطــر

في اوائل عام 1980 قام الجواهري بزيارة الى  العاصمة  القطــرية – الدوحة،  تلبية لدعوة من وزارة الاعلام، استغرقت عدة ايام، وكان من ابرز برنامج الزيارة تنظيم حفل مهيب احتفاء بالشاعر الكبير القى خلاله مقاطع مختارة من قصائده، الاجتماعية والوجدانية والسياسية..

 

10/  والجزائـر

    وفي خواتم العام 1980 يقوم الجواهري بزيارة شخصية الى الجزائر، حيث كان نجله الاصغر، كفــاح يعمل هناك . وخلال اقامته في الجزائر نظمت له عدة امسيات مع نخب اكاديمة وثقافية:  جزائرية، وعراقية، ومن ابرز الذين وقفوا على شؤونه خلال الزيارة محمد حسين الاعرجي الذي كان استاذا في كلية الاداب بالعاصمة..

... ونظن بأن من المناسب في هذا المقام ان نشير  الى ان  الجواهري نظم قصيدة عام 1956 تأييدا لنضال الجزائر، وجاء فيها:

جزائــرُ يا كوكبَ المشرقين، دجا الشرقُ من كربةٍ، فأطلعي

ويا عقـبَ العربِ المغربين، اعيدى صدى "عقبةٍ" تسمعي..

 

11/ واليمــن

   يلبي الجواهري عام 1982 دعوة رسمية الى  عدن- عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية، في حينها، ومن ضمن برنامج الزيارة تنظيم حفل جماهيري حاشد  أقيم على شرف الشاعر الكبير القى فيه، إلى جانب مختارات من قصائده، عصماء جديدة، بعنوان "الغضب الخلاق"  نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها، انطلاق رحلته الى اليمن، من براغ- موطن الثلج، كما أسماها فقال:

من موطنِ الثلج زحافــــاً الى عدنِ، تسري بي الريــحُ في مهــــرٍ بلا رســنِ ..

من موطن الثلج من خضرِ العيون به، لموطن السحر، من سمـراء "ذي يزنِ"

 

12/ وفي ليبيـــا

    وفي عام 1987  يلبي الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا،  قضى خلالها أياماً في طرابلس، ومثلها  في مدن ليبية أخرى، بضيافة زعامات ثقافية وحكومية آثرت الاحتفاء بالشاعر العظيم، ومنجزه الشعري والادبي الفخم.. وقد منح خلال الزيارة وساما رسمياً رفيعا، كما نظمت له امسيات ولقاءات عديدة، خاصة وعامة، استقبله في احداها زعيم البلاد حينئذ: معمر القذافي.. ومما يذكر في هذا السياق ان الجواهري كان قد نظم قصيدة عن ليبيا، ليلة القصف الامريكي على طرابلس الغرب عام 1986 ومن ابياتها:

يا امتي يا عصبةَ الأممِ، لا تغضبي- يا ثلجُ- من ضرمي ..

                         في ليبيا حمـــمٌ، وعندهـــمُ، ما شاءت الشهواتُ من حممِ

 

13/ والاردن

   يقوم الجواهري في النصف الثاني من عام 1992 بتلبية دعوة رسمية رفيعة من الاردن، بضيافة عاهله الملك الحسين بن طلال، الذي رسمَ بتقليده وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى .. وقد القى هناك في حفل مهيب اقيم في عمان، لامية فريدة، تـمّ لاحقاً تلحينها وغنائها في سيمفونية باهرة، ومن ابياتها:

يا ابنَ الهواشمِ من قريشٍ أسلفوا، جيلاً بمدرجة الفخار، فجيلا..

يُدني البعيد من القريب سماحةً،  ويؤلفُ الميئـــوس والمأمولا...

 

 14/ والسعوديـة

  يلبي الجواهري دعوة رسمية الى الرياض،  بمناسبة الدورة السنوية لمهرجان "الجنادرية" الثقافي عام 1995 برعاية الأمير، ولي العهد السعودي آنذاك  (ثم الملك لاحقا) عبد الله بن عبد العزيز، الذي أبرز أهتمامه الاسثنائي بالشاعر الكبير، وأستقبله بشكل منفرد، مع نجله كفاح،. الى جانب الاهتمام اللافت به من نخب ومجالس ادبية، في الرياض وكذلك في جــدّة.

 

خلاصات ومؤشرات ..

1/ هكذا كانت اذن بعض محطات الجواهري في اربعة عشر بلدا عربيا. اما البلدان الاخرى التي لم تسنح الفرصة لزيارتها، فهناك العديد من الوقائع والاحداث التي (قد) تعوض عن ذلك، مثل لقاءاته مع نخبة شعراء وكتاب وشخصيات عامة اخرى من تلك البلدان، في المؤتمرات والفعاليات التي ضمتهم والجواهري. ويدور الحديث هنا عن  عمان والبحرين وموريتانيا.. والسودان بشكل خاص. ونذكر هنا للتوثيق ان اطروحة دكتوراه موسومة " صورة العراق في شعر الجواهري"  اتممها: الباحث احمد الذهب في الخرطوم/ جامعة السودان العالمية في عام 2010..

2/ وعلى ذكر اطروحات الدكتوراه، ورسائل الماجستير، التي منحتها جامعات عربية مرموقة لباحثين ودارسين عن شعر ومنجز الجواهري، وحياته، نشير الى ان هناك، على الاقل: تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير. (2)

3/ ومما لا شك فيه فان استضافات البلدان العربية للجواهري، ومشاركاته في ندواتها ومناسباتها المتنوعة، حتمت ان تتكون، وتتوطد، علاقات احترام وتقدير، وصداقات مميزة مع مثقفي تلك البلدان وشخصياتها العامة، ومن بينهم على سبيل المثال لا للحصر، الاساتذة  والذوات الافاضل – مع حفظ الالقاب والمواقع: بدوي الجبـل وعمر ابو ريشة، ونجاح العطار، ونبيه رشيدات، وصابر فلحوط، في سوريا. بشارة الخوري -الاخطل الصغير،  والياس ابو شبكة، وسعيد عقل وحسين مروة وكريم مروة، في لبنان. طه حسين ويوسف ادريس ومحمود امين العالم، في مصر. والحاج محمد أبا حنيني، في المغرب. واحمد السقاف في الكويت.. وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر كما اشرنا.

4/ ان من المهم الاشارة في هذا التوثيق التنويه الى انه قد ترافق - الى جانب ما سبق التطرق اليه اعلاه-  الكثير من الاهتمامات الثقافية والسياسية، الرسمية والخاصة، بالشاعر الخالد، كالندوات والمقابلات التفزيونية والحوارات وغيرها، هي موثقة في العشرات من الاصدارات والصحف والمجلات، ووسائل الاعلام الاخرى..

5/ كما ينبغي التوثيق ايضا الى وقوع  بعض "منغصات" و" تداعيات" خلال عدد من الزيارات  الجواهرية سابقة الذكر في هذه التأرخة، وهي بحد ذاتها تحتاج لمادة، أومتابعة، أخرى عسى ان نتمكن من انجازها في فترة لاحقة.. 

    

اخيــرا ..

     لا نزيد كثيرا فنجهد القراء والمتابعين، ونكتفي بالقول ان ما تم حصره، وتوثيقه، يسند ويعمق ما جاءت به دراسات ومقالات وبحوث عربية  عن الجواهري تناولت  جمعاً من مواقف وثوابت  الشاعر العظيم، ورؤاه لكثير من قضايا وشؤون- كما شجون- البلدان العربية وشعوبها، على طريق التنوير والتوعية والدفاع المشروع، مثل القضية الفلسطينية، والتطلع الى الوحدة والتحرر، والارتقاء والنهوض الاجتماعي .. وفي الديوان العامــر ثمة جمع كبير من قصائد الشاعر الكبير عن تلكم الشؤون والشجـــون وما ترتب بسببهما، وعليهما، فضلا عن منجـــزه الثقافي والادبي والصحفي ذي الصلة.. وما من غرابة هناك في كل ما تقــدم من ايجازات، وبحسب ما يؤكده مختصون وباحثون أجلاء، أن الجواهري تعدى عراقيته الى فضاءات أمته، بل والأنسانية: ولعاً وقناعة "بكل الناس من أشرق كالشمسِ، ومن اظلم كالماسْ" ودفاعاً عنهم وتنويراً لهم على امتداد ثمانية عقود من العطاء ... * رواء الجصاني شباط/ 2021..

** احالات وهوامش -----------------------------------------------------------------

* المصادر : من ديوان الجواهري/ طبعة بيروت عام 2000 ومن جزأي ذكرياته/ دمشق 1989-1990.. ومن ارشيف ووثائق الجواهري الخاصة..

1/ ثمة تفاصيل عن شؤون و"مقامات" الجواهري في عدد من البلدان العربية مثل سوريا، لبنان، اليمن، مصر المغرب... احتواها كتابنا "الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر في بغداد وبراغ عام 2016.. وقسم منها مازال منشورا في مواقع عديدة على  شبكة الانترنيت . 

2/ للمزيد ثمة مادة بعنوان "الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير" منشورة على شبكة الانترنيت منذ عام 2019 ..

 

 

*مابين السيـرة والذكريــات*

الجواهــري في سنوات التسعين

(1990-1997)

رواء الجصاني

     على تخوم تسعينات القرن الماضي، وفي خضمها، حفلت محطات الشاعر الخالد، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) بالكثير والجديد من الشعر والرؤى والمواقف، مثلما كانت الحال عليه في عقود حياته الثمانية السالفة، خاصة وان البلاد العراقية كانت تشهد أوضاعا مأساوية وشجونا لا تحصى، في ظل سلطة انهكت البلاد، وانهكتها: الحروب الخارجية والقمع الداخلي، والحصار الاقتصادي، كما هو معروف.

     لقد كانت بدايات التسعينات الماضية، وعشيّتها، اواخر الثمانينات، سنوات مثقلة بالهموم الشخصية، اضافة الى العامة، عند الجواهري، خاصة وهو في التسعين من عمره. وهكذا راح يزداد مفرطاً بالقلق والمشاعر والتصورات والتشابكات من التداعيات ذات الصلة، وانعكس كل ذلك في كثرة تنقلاته بين دمشق وبراغ، وكذلك بودابست لفترات قليلة، ثم لعواصم عربية اخرى عديدة، كما سنرى في الفقرات والمحطات التالية في هذه التأرخة ..

1/  في بــراغ

   كما جاء في السابق من التوثيقات، دامت اقامة الجواهري في براغ منذ عام 1983 حتى صيف 1991 بالتناصف مع دمشق. وقد شهد في  براغ  ما عاشته البلاد التشيكية من احداث بالغة التميّز ونعني بذلك انهيار النظام الشمولي الحاكم، كما في بلدان شرق اوربا عموما، اواخر عام 1989 وبدايات عام 1990 وكان من الطبيعي ان ينشغل ذلكم الشاعر الانساني بما حدث من تداعيات لأنظمة كان يرى فيها أمثلة للأرتقاء، وتوفير الأمن والازدهار لشعوبها، وذلك ما سجله قصيداً ومواقف وقناعات على مدى عقود مديدة..(1)    

    وفي العموم لم تكن هناك احداث او وقائع غير تقليدية، خلال اقامة الشاعر الكبير ببراغ في تلك الفترة. بينما زاد  قلقه المتعاظم من تطورات الاحداث في بلاده، وخاصة بعد غزو النظام العراقي  للكويت في آب 1990.. وقد راح الشيخ الجليل  يقلل من زياراته واقامته في براغ، لصالح مستقره الآخر، اي دمشق الشام، وللعمر هنا دوره وتأثيره في ذلك كما بدا واقعيا..

2/ بودابست على الطريق

  بدأ  الجواهري عام 1990 يتردد على العاصمة المجرية – بودابست، باهتمام صاحب دار"صحارى" للنشر، د. عبد الحميــد برتو، وعنايته، مع عصبة محبة، كان الأولان فيهـا: الشاعر نبيل ياسين، والسينمائي أنتشال هادي..

     وطوال ذلك التردد على بودابست الذي استمر حتى اوائل 1991 وبرغم وصفه  للمدينة بأنها  جميلة، ومشرقة وتنبض بالحياة، ألا ان الجواهري لم يكتب عنها ولا بيت شعر واحد، خلافا للعديد من العواصم والمدن التي زارها او اقام فيها خلال العقود السابقة مثل باريس ووارشو وفارنا وأثينا، على سبيل المثال...  ولعل ابرز حدث ثقافي للجواهري في بودابست، انه وافق هناك على المشروع الذي عرضه الفنان العراقي القدير، المقيم في لندن، ضياء العزاوي، وقد نُــفّذ لاحقا، ونعني بذلك أصدار ألبوم أنيق، محدود التوزيع، وبحجم كبير، وورق ممتاز، واخراج متميز، شمل لوحات فنية أُستوحيت من بعض قصائد الشاعر العظيم ...

3/ مشاركة في مؤتمر للمعارضة العراقية ببيروت

    في ربيع 1991 يشارك الجواهري في مؤتمر عام انعقد في بيروت، لقوى وشخصيات عراقية، من جميع الاطياف السياسية الديمقراطية والقومية والدينية، المعارضة - بأشكال ومواقف وطرق مختلفة- نظام بغداد،. وقد سجل حضور الشاعر العظيم  تلك الفعالية التاريخية – بحسب شهود ومشاركين- أكثر من مؤشر مهم  وبارز، استمرارا للمواقف الجواهرية الوطنية والسياسية المعهودة، طوال حياته المديدة.. ومن المهم الاشارة هنا - بحسب متابعين ثقاة - الى ان الشاعر الكبير كان له دور مهم في دمشق، خلال الايام القليلة التي سبقت انعقاد ذلك  المؤتمر، بهدف  تقريب وجهات النظر، بين ممثلي عدد من اطراف المعارضة، الكردية خصوصا، لنبذ التناحر، والاحتراب الداخلي، وتخفيف التأزم في العلاقات بينها، والتركيز على المهام الوطنية للخلاص من الحال العراقية المأساوية التي تسببت بها دكتاتورية النظام، وحروبه الداخلية والخارجية.

4/  "أمونة" ترحــل في لنـدن..

  يلبي  الجواهري اواخر عام 1991  دعوة من "ديوان الكوفة" الثقافي الفكري، في لندن، ويشارك هناك في عدد من الفعاليات التي نظمت بالمناسبة، وكذلك في احتفاءات اخرى عديدة من لدن مثقفين ونخب عراقية وعربية بارزة .. وبعد تلك الدعوة قبلَ الشيخ الجليل استضافةً شخصية من رجل الاعمال العراقي، حمدي نجيب، استمرت فترة وجيزة، وحتى مطلع عام 1992 لقضاء اسابيع  من الراحة والاستجمام. وفي تلك الاثناء تعرضت عقيلته "امونة – آمنة"  التي كانت تزوره لبضعة ايام  في لندن، لحالة صحية طارئة  تسببت بوفاتها بتاريخ 1992.1.8. وقد بعثت الرئاسة السورية طائرة خاصة لنقل الجواهري، وجثمان فقيدته، وعدد من ابنائهما، والمرافقين والاصدقاء، الى دمشق..

   ووفق مطلعين من أهل البيت فأن تشييعـــاُ لافتاً نُظـم لفقيدة الاسرة الجواهرية، وكان في مقدمته زوجها- الجواهري- الذي كان وقعُ الحادث عليه مؤلما جدا، وهو بذلك العمر. وقد القى بتاريخ 1992.1.11عند مواراة عقيلته الثرى بمتربة السيدة "زينب"  ضواحي دمشق ابيات شعر مؤثرة، وبدايتها:

ها نحنُ" امونة " ننأى ونفترقٌ، والليّـــلُ يمكــثُ والتسهيد والحــرقُ ..

       ما أروحَ المــوتَ، بل ما كان أبغَضَه، لديّ إذ أنتِ مني الروح والرمقُ

   ومثلما كان التشييع لافتا، كانت مراسم ووقائع المواساة لافتة ايضا، ومن ابرزها  قيام الرئيس السوري حافظ الاسد، شخصيا، بزيارة خاصة الى دارة الشاعر الكبير في دمشق لمواساته، والعائلة، بذلك المصاب، ولنحو ساعة ونصف ..

5/ جائزة "العويـس" تمنح للجواهـري

    بأقتراح الهيئة المشرفة على جائزة (سلطان العويس) الاماراتية، الشهيرة، تَرشح الجواهري لنسخة استثنائية منها سميّت ( جائزة "سلطان العويس" للأنجاز الثقافي والأدبي) تم استحداثها وفق معايير خاصة، لتُعنى بالشاعر العظيم، ومنجزه الثري . وبعد امتناع وتمنع، وافق الشاعر الخالد على الترشيح، وهكذا منحت عام 1991 وليتسلمها في (دبـيّ) ربيع عام 1992 وبرفقته نجله كفاح (2). وكان صاحب الجائزة، سلطان العويس، في مقدمة الحاضرين للأحتفاء بالجواهري الكبير، في اجتماع مهيب، تتقدمه نخب ثقافية ورسمية وجمهور كبير من المحبين والضيوف. وقد شكر الجواهري صاحب الجائزة بابيات شعر بالمناسبة، كان مطلعها:

من الاماراتِ عن شطآن (شارقةٍ) على الخليج تعالى صاعدا قمــرُ

يدور في فلك الآدابِ محورهُ، فتى "عويسٍ" وأخدانٌ له غـــــررُ

 اما مبلغ الجائزة وقدره مئة الف دولار فقد كان الجواهري قد قرر في وقت سابق توزيعه، بأجمعه، مباشرة على بناته وابنائه، وعلى الفور، وذلك ما حصل..

6/ زيارة الى ايـــران

 في سعي لتغيير الاجواء، ومحاولة التهرب من الارق والقلق المتزايدين، وبخاصة بعد رحيل زوجته"أمونة" يُستضاف الجواهري خلال النصف الاول من عام 1992 في الجمهورية الايرانية، بدعوة رسمية من اعلى المقامات فيها، ولفترة مفتوحة. وهكذا يغادر الى طهران، ويقيم هناك، مع بعض زيارات قصيرة، لمدن ايرانية اخرى من اهمها (شيراز) . ويبدو ان ذلكم التغيير المكاني والجغرافي، في طهران، لم يكن ليخفف من تعـب، وارهاق الشيخ الجليل، وأرقه، فعاد من ايران، بعد اسابيع قليلة الى مستقره الدمشقي..

   ومن ابرز ما شهده  برنامج  الزيارة، الرسمي، لقاء شخصي حميم مع السيد علي خامنئي، المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية، الحافظ  للكثير من قصيد الجواهري.. وقد  كتب له  الشاعر الكبير ابيات شكر، سجلها على الصفحة الأولى من كتابه ( ذكرياتي) واهداها له ومن بينها:

لَكَ في السّلم مِنبَرٌ لايُجارى، لكَ في الحرب مِضرَب لا يُفلّ

لــكَ أهــلٌ فَوقَ الذّرى وَمَحَلُ، لـــكَ بَعـدَ المكرُمات، وَقَبلُ

   وينقل السيد نجاح، النجل الثالث للجواهري، والذي بقي معه في ايران،  لمدة شهرين،  ان والده كان متعبا خلال الزيارة، ولم يكن برنامجه حيوياً، وكان يقضي اغلب وقته  مستقراً في دار الضيافة التي خصصت له، ولم يلتق سوى عدد قليل، ومحدود، من الكثيرين الذين كانوا يودون اللقاء مع الشيخ الجليل، أو زيارته..

7/  في القاهرة، بمناسبة مئوية "الهلال"

     قد يكون عام 1992 استثنائيا للجواهري، وهو في عامه الرابع والتسعين، في تلبية الدعوات التي وجهت اليه في في بلدان عديدة كما سبق ان وثقنا، وسنوثق.. ومنها هذه المرة الى القاهرة  للمشاركة في الاحتفائية المئوية  لمجلة "الهلال" الشهيرة، التي شهدت فعاليات عديدة متميزة، ومن بينها استقبال الرئيس المصري محمد حسني مبارك لعدد محدود من ابرز  الضيوف والمشاركين، وأولهم الجواهري الكبير، الذي كان قد نظم قصيدة بالمناسبة، والقاها في دار الاوبرا بالقاهرة بتاريخ 1992.9.18 ومن ابياتها:

يا "هـــلالَ" الفكرِ في العيـــدِ السعيدِ، هكذا ظـــل مضيئاُ الف عيــدِ

"مئـة" منكَ، ولي "تسعــــــون" منها، داعيات لكَ بالعمر المديــدِ

   وبعد انتهاء ايام الدعوة الرسمية الى القاهرة، يبقى الشيخ الجليل فيها اياماَ اخرى وبشكل شخصي، عُـنيّ  به خلالها واحد من شباب الاسرة المقربين، هو السيد  نصير محمد علي الجواهري، الذي قَـدمَ الى هناك من دمشق لهذا الغرض. وقد كان في بال الشاعر الكبير ان يستقر في مصر فترة اطول، ولكنه تردد بشأن الفكرة، ثم عافها، ليعود الى دمشق..

8/  دعـوة الى الاردن

يقوم الجواهري في النصف الثاني من عام 1992 بتلبية دعوة رسمية رفيعة من الاردن، بضيافة عاهله الملك الحسين بن طلال، الذي رسمَ بتقليده وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى .. وقد القى هناك في حفل تكريمي اقيم في عمان، لامية فريدة، تـمّ لاحقاً تلحينها وغنائها في سيمفونية باهرة، ومن ابياتها:

يا ابن الهواشمِ من قريشٍ أسلفوا، جيلاً بمدرجة الفخار، فجيلا..

يُدني البعيد من القريب سماحةً،  ويؤلف الميئـــوس والمأمولا...

   ومن جملة الاحتفاءات بتلك اللامية الجواهرية تجدر الاشارة الى ان عشرات من الشعراء الاردنيين، عارضوها، واشادوا  بها، وتم حصر ذلك وتوثيقه، ثم طباعته في كتاب صدر عام 1993 بعنوان (الجواهري في عمان "اللامية ومعارضاتها") للاستاذ حمودة زلـوم ..

9/  مشاركة في مهرجان "الجنادرية" السعودي

   يلبي الجواهري دعوة الى الرياض،  بمناسبة الدورة السنوية لمهرجان "الجنادرية" الثقافي عام 1995 برعاية الأمير، ولي العهد السعودي آنذاك  (ثم الملك لاحقا) عبد الله بن عبد العزيز، الذي أبرز أهتمامه الاسثنائي بالشاعر الكبير، وأستقبله بشكل منفرد، مع نجله كفاح (3). الى جانب الاهتمام اللافت والمتميز به من نخب ومجالس ادبية، في الرياض وكذلك جدة. وقد رافقه في الزيارة ايضا: ابنته السيدة خيـال، وزوجها السيد صباح المندلاوي.

    وبحسب متابعتنا فأن زيارة الجواهري الى السعودية  جاءت لاول مرة، وقد استكمل بها ضيافات وزيارات 14 بلدا عربيا، من المحيط الى الخليج : سوريا ولبنان والاردن وفلسطين  والسعودية والكويت والامارات وقطر واليمن ومصر وتونس وليبيا والجزائر والمغرب..

10/ ضغط وترغيـب لـ "أسترداد" الجواهـري الى بغــداد

   بالتزامن مع زيارة السعودية - التي كان النظام العراقي على خلاف شديد معها منذ غزوه الكويت عام 1990 - نشر المسؤول السابق في وزارة الاعلام العراقية، نوري المرسومي، مقالة ببغداد  طالب فيها بسحب الجنسية العراقية عن الجواهري لمشاركته في مهرجان "الجنادرية" السعودي مما اثار عاصفة ادانة واسعة لتلك المطالبة، من السياسيين والمثقفين العراقيين المعارضين في الخارج، وجمع من المثقفين والكتاب العرب، ليضطر بعدها  ممثلون عن النظام ان ينشروا ما يعني ان تلك المطالبة بسحب الجنسية عن الجواهري لا تمثل موقفا رسميا، وان ما حدث جاء ضمن حرية التعبير الشخصي!. وكان ذلك تبريرا لا يمكن تصديقه، بحكم ان السلطة العراقية كانت معروفة للجميع بأستبدادها، وهيمنتها على كل الحريات العامة والخاصة.  وقد ترفّع الشاعر الكبيـر عن ان يرد على مثل تلك الحالة، أسوة بمواقفه في العديد من الحالات المشابهة، التي لا تستحق- واصحابها، والواقفين وراءها – المنازلة، بحسب تعبيره..(4)   

     وارتباطا بما حملته الفقرة السابقة من مؤشرات، ينبغي التوقف بهذا السياق الى ان بقاء الجواهري خارج العراق، مقيما في براغ ودمشق، منذ 1980  وحتلى رحيله الى الخلود عام 1997  كان يمثل موقفاً واضحا تجاه سياسات وممارسات نظام البعث الحاكم في العراق، الداخلية والخارجية. وقد فشلت محاولات عديدة، سياسية ودبلوماسية، وغيرها، وخاصة في الاعوام الاولى من التسعينات الماضية، لكي يعود الشاعر الكبير الى بغداد. ومن بين اوضح تلكم المحاولات، سعي النظام العراقي - عبر عدد من سياسييه ودبلوماسييه - أنتهاز نكبة الجواهري برحيل زوجته (آمنة) في لندن عام 1992 لأعلان استعداد بغداد للتكفل بنقـل، واستقبال الشاعر الخالد، وجثمان عقيلته، وترتيب تشييعها ومواراتها الثرى بشكل رسمي في العراق، بدلا عن سوريــا ..

     ومن المحاولات المباشرة  الاخرى ان الشاعر رعد بندر، رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق، الذي كانت السلطة البعثيـة الحاكمة قد هيّمنت عليه تماما، ،قد قام مع عدد من زملائه، الموالين،  بزيارة الجواهري في دمشق، عام 1993 لينقلوا  له رغبة مسؤولين فاعلين  في النظام باطلاق  جائزة  ثقافية وادبية، كبرى، بأسم "الجواهري".. وقد كانت تلك المحاولة مساومة واضحة، لأن  من بين متطلبات اعلان واطلاق تلك "الجائزة" وجوب ان يكون الجواهري في بغداد، ومنحها له اولا..!

11/  وفي دمشــق

   لقد بقيت العاصمة السورية - دمشق، في الفترة التي نوثق لها (1990-1997) المستقر الاول للجواهري، الذي لم تكلّ الشخصيات السياسية والثقافية العراقية والسورية والعربية من زيارته، واللقاء به، والتداول معه. كما كانت – دمشق-  منطلقه الى البلدان التي تم الحديث عنها في السطور السابقات، وليعود اليها، وحتى تاريخ رحيله.. ولقد اتمم فيها الشاعر العظيم  خلال تلك الفترة، توثيقا تاريخيا فريدا، و طوال ساعتين تقريبا، مسجلاً بالصوت والصورة، مختارات من قصائده الوجدانية  والسياسية وعداها.. وقد سبق ذلك صدور الجزء الثاني من "الجمهرة" في العيون من الشعر العربي، بقسمين، العهد الاسلامي والاموي، والذي اشرف عليه وحققه د. عدنان درويش، مع مقدمة كتبها الجواهري بنحو عشرين صفحة شملت تقييمات وتوضيحات وغيرها، وفي نهايتها شكـرٌ للباحث " السيد الهادي العلوي" على ما قدمه من جهد في اتمام العمل، و"للشاب اللبيب النابه، جمال محمد على الجواهري" لما بذله  من مساع فنية وطباعية بذلك الشأن.. (5)

    وضمن توثيق اهم المحطات التسعينية للشاعر الكبير، من المهم  ان نشير هنا ايضا الى اقامة حفل مهيب في دمشق اواسط عام 1995 بمناسبة منح الجواهري وسام الاستقلال  السوري الرفيع، بحضور ومشاركة جمع من المثقفين والسياسيين المميزين، وحشد جماهيري كبيــر لم تتسع له  قاعة "مكتبة الاسد" وسط دمشق، حيث اقيم فيها الاحتفاء.. كما نوثق ايضا بان تلك السنوات التسعينية شهدت الكثير من الحوارات التلفزيونية، والمقابلات الصحفية تناول محطات عن حياة الشاعر الكبير، وبعض آرائه  في الشعر والادب والسياسة وغيرها ..

 12/ لماذ لم يصدر الجزء الثالث من ذكريات الجواهري؟!

    في اوائل عام 1991  صدر في دمشق الجزء الثاني من مذكرات الجواهري، التي ينتهى الى عام 1969 وعلى ان يليه جزء ثالث واخير ليغطي السنوات التاليات، كما سبق القول. ولكن ذلك لم يحدث لاسباب يحددها الشاعر الكبير في اجابة على سؤال للسيدة  فادية الزعبي مندوبة صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 24/6/1993 فيقول:

     "الجزء الثالث من مذكراتي ربما يكون اهم الاجزاء، وذلك من جراء تابع الاحداث وأهميتها بالنسبة لي على الأقل. اضافة الى تراكم السنين عليّ أكثر فأكثر. وأعتقد ان هذين السببين هما العائق والمبرر لتأخر صدور هذا الجزء". ويواصل "وعندما قلت "تتابع الأحداث" أقصد في المقدمة موقفي منها كمسؤول عما يقول، وبخاصة الأحداث التي تهم العراق، والتي يفترض ان أنطلق منها. ومع هذا فقد تحين الساعة التي تفرض عليّ أن أقول ما يجب قوله. وبهذا أكون قد ارحت ضميري".

    اما عن استعداده لذلك الجزء فيجيب الجواهري "أنا بعيد عن العراق، وبعيد عن كثير من الوسائل والمواد المعينة كالمراجع والمعلومات. ولكن ذاكرتي القوية والعجيبة تكاد تكون كافية، وأقول العجيبة وأنا غير متناس انني في التسعينات من عمري. ولكن – كما قلت – ان تأخر اصدار الجزء الثالث مردّه التهيّب والتردد، لأن عندي من أسباب التعب ما فيه الكفاية، وأعتقد انني في غنى عن متاعب أخرى قد تتأتى من مواجهة الكثير من الناس بما لا يحبون من هذا الموقف أو ذاك وهذا التشخيص أو غيره.

    ويضيف حول الموضوع ذاته:"... ان بواعث ترددي في اصدار الجزء الثالث يعود لذكرياتي عن الأحداث والوقائع المتعلقة بالدور والشخصيات المعنية. وهذا لا يعني ألا يصل الجزء الثالث الى أيدي الناس، بل على العكس، فبطبيعتي، ومزاجي الخاص، وكوني من الذين يكونون أكثر رضى عن أنفسهم، وعن ضميرهم عندما يكونون أكثر تحدياً، وتشخيصاً، بل دفعاً لثمن باهظ عما يقولون ويوثقون، يجعلني أتلهف الى اليوم الذي يتيح لي الحظ أن أقول ما أريد قوله، خاصة في هذه المواقف الحاسمة التي يراد منها – وعلى أساليب عديدة وبغيضة في أكثرها – ان يكون هناك عراق جديد، وأنا قبل كل شيء عراقي، وحصتي من العراق، وفي العراق، وعن العراق، حصة كبيرة يعرفها كل عراقي، بل وكل عربي".

13/ ويحيــن الرحيل ..

   بعد مسيرة دامت أزيّد من سبعة عقود من الشعر والعطاء الانساني، وعن عمر الثامنة والتسعين، وأثــر معاناة صحية استمرت عدة اشهر، يحين موعد رحيل الجواهري الى الخلود، في دمشق فجر الاحد 1997.7.27 وينتشر الخبر المؤسي عراقيا وعربيا بأوسع ما يكون، ويقام تشييع مهيب ، سيّارا وراجلاً،  للفقيد الجليل، رسميا وشعبيا، وليستقر في راحته الابدية عند متربة السيدة "زينــب" في ضواحي العاصمة السورية، مكتوبة على ضريحه ابيات جواهرية ومنها:

"أنا العراق لساني قلبهُ، ودمي، فراتهُ، وكياني منه أشطارُ"

و " حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني، يا دجلةَ الخير يا ام البساتينِ"

 14/ خاتمـة وخلاصات ...

    برغم ان الامر واضح على ما ندرك، ولكن دعونا نؤكد – مع ذلك – الى ان ما تقدم من توثيق جاء مواجيز وحسب، وفي الثنايا العديد من التفاصيل والوقائع والشروح، قـد يسجل عنها ولها معنيون ومتابعون وشهود عيان، بهدف استكمال ما فاتنا، او ما لم ننتبه اليه.. كما ان لنا بالذات آراء وتفاسير، ورؤى، بشأن العديد من الوقائع والاحداث، ولكن تجنبنا الخوض فيها، وذلك توخياً لأن يكون التوثيق، أقرب للسيرة والتأرخة منها للتحليل..

   وفي هذا السياق لا بدّ من الاشارة الى ان السيد  كفاح، النجل الرابع للجواهري، واصغر ابنائه، قد ساعد بملاحظاته، ومعلوماته، في انجاز هذه التأرخة، لا سيما وانه كان المعتمد الاول للشاعر الكبير، ومقيما معه في نفس الدار الدمشقية، في سنوات التسعين خاصة، وقد رافقه في مشاركاته وزياراته الى لبنان والامارات ومصر والاردن والسعودية. كما يتوجب الشكر ايضا للسيد نجاح، الابن الثالث للجواهري، لما وثقه  لنا من تواريخ ومعلومات، وخاصة عن زيارة والده الى ايران ..

       وبالمناسبة نجد ضرورة التنبيه مجددا بانه يستمر بين حين وآخر نشـر كتابات مختلفة عن الجواهري، مرة على شكل ذكريات معه، واخرى تفسيرات واجتهادات، وغير ذلك.. وقد لاحظنا – وما نزال – ان قسماً من تلك الكتابات لا تمت للواقع بصلة، واخـر مجتزأ دون صدق، أو انه مليئ بالمبالغات التي يريد اصحابها تمرير موقف هنا، وآخر هناك، شخصي أو عام، مجافٍ للحقيقة، وبدون اية مسؤولية، او مصادر توثــق، او تؤرخ، او تشير.. ومما يؤسف اليه بهذا السياق ان يعيد البعض نشر تلك "الذكريات" او "الاقاصيص" او "الكتابات" - عن قصد أو جهل، او محاول نيّل – ولتصبح لاحقا وبكل أسف - وكأنها واقع وتاريخ وحقائق، يجري تداولها بكل تبسيط، واستغفال.......* رواء الجصاني / كانون الثاني 2021

---- هوامش واحالات -------------------------------------------------

** من المهم التوضيح بأن جميع التفاصيل والوقائع الوارده في هذه التأرخة، والتي لم يُشــر الى مصادرها، هي من يوميات وشهادات عيان للكاتب، ومعلومات موثقة من الشاعر العظيم، واوراقه المحفوظة في مركز الجواهري في براغ..

1/ القصائد ذات العلاقة تضمها الطبعات الكاملة لديوان الجواهري العامر..

2/ ثمة مادة تعنى بهذا الموضوع كتبها الصحفي والكاتب عدنان حسين بعنوان "موقف مشهود للجواهري"  وذلك في ملحق "عراقيون" الذي اصدرته مؤسسة "المدى" للثقافة والفنون بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الشاعر الكبير بتاريخ 2017.7.27..

3/ نشر الاعلامي والكاتب محمد رضا نصر الله، على موقع (صبرة) الالكتروني بتاريخ 2021.1.22 مادة بعنوان "ماهي علاقتي بإسقاط الجنسية العراقية عن الجواهري..؟" وجاء فيها ان الشاعر الخالد حظي خلال زيارته الرياض " بتقدير خاص من الملك عبد الله بن عبد العزيز - ولي العهد في حينها- الذي أعتنى به من بين كل المدعوين العرب... " وبشكل استثنائي، وحتى ان الملك كسر البروتكول، في ذلك الاهتمام .. ونرى من الضرورة  ان نثبت هنا الى ان هناك العديد من التفاصيل والتواريخ الغير الدقيقة قد جاءت بها مادة الاستاذ نصر الله، ذات الصلة، ومنها حول قضية "اسقاط" الجنسية عن الجواهري، وسنوات خروجه الاولى الى براغ، وتسميته الدكتور كفاح، الذي رافق والده في الزيارة الى السعودية، بأسم فرات..

4/ قال  الجواهري في جواب على سؤال ذي صلة، في حوار اجراه معه الكاتب والصحفي، عامر بدر حسون نشرته صحيفة الشرق الاوسط اللندنية عام 1995: "اجد نفسي مترفعا بمعنى الكلمة عن منازلة هؤلاء لانهم اقل شأنا من ان اذكرهم بالاسم.. لقد وقفت امام نوري السعيد وقلت له بغضب: ياغدار! .. فماذا تظن انه فعل؟ لقد زمّ شفتيه ولم ينبس ببنت شفة وركب سيارته ومضى! .. اما هؤلاء فهم اقل شانا، ولا اجد فيهم من يستحق المنازلة!

5/ هكذا جاء الشكر لـ (هادي العلوي) ولـ (جمال محمد علي الجواهري) في السطور الاخيرة من  مقدمة الشاعر الخالد للجزء الثاني من كتابه  "الجمهرة" الصادر في دمشق 1990 عن وزارة الثقافة السورية.

 

*مابين السيـرة والذكريــات*

الجواهــري في سنوات الثمانين

(1980-1989)

رواء الجصاني

   بقيّت ثمانينات شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) دون توثيق ملموس، باستثناء بعض اللقطات المتناثرة، هنا وهناك.. وكان قد أصدر في دمشق مجلدا بجزأين، عامي 1989 و1990 وبعنوان (ذكرياتي) شمل  تأرخة مواجيز ومحطات عن بعض سيرته وحياته المديدة: الشعرية والسياسية والاجتماعية والانسانية، من الولادة وحتى عام 1969 وعلى اساس ان يليهما جزء ثالث ليغطى السنوات اللاحقة. ولكن ذلك لم يحدث وحتى رحيله في دمشق بتاريخ 1997.7.27  بل انه لم يركن لذلك اصلا، لاسباب ودوافع يطول ويعرض التكهن والتوثيق بشأنها.

    ولأن الحال هكذا، شئنا في هذا التوثيق والبحث ان نساهم في المسعى على طريق تارخة تلك الفترة (1969-1997)  بخلاصات ومحطات موجزة كما نظن، اذ ثمة في ما يقارب ثلاثة عقود، الكثير الكثير الذي يتطلب  التوقف عنده، وخاصة انها شهدت احداثا ووقائع، بل وعواصف، عراقية وعربية ودولية، عاشها الجواهرى، وعايشها عن قرب، بل وفي صميمها،  بالموقف او الشعر او الرؤى، ما طفح منها، وما خفي وربما كان أعظم.. وذلك ما نأمل ان يتوقف عنده  توثيقنا هذا للفترة من 1980 الى 1989  الى جانب سابقه المنشور قبل فترة وجيزة، الذي خـصّ الاعوام 1970-1979 .(1)

أن أهمية هذا التوثيق لبعض سجل الجواهري تتعاظم لسبب تزامن ثمانيناته مع ثمانينات القرن العشرين تماماً، حين شهدت البلاد العراقية أحداثاً وشؤوناً وشجوناً بالغة الاستثناء كما يثبت المؤرخون، وخاصة حرب النظام الدكتاتوري مع إيران في مطلع العقد، وغزوه الكويت في نهايته، وما ترتب على ذلك من مآسٍ ودمار وكوارث، جنبا لجنب مع سياسة الاضطهاد والعسف الحرب الداخلية ..   

 

اولاً:  شؤون وشجون سياسية 

   لقد أرخت وقائع تلكم الفترة  (1980-1989) شيوع الارهاب، ولمديات قصوى في العراق، ليطال حتى بيت الشاعر، وشمل احتجاز ابنته الوسطى (خيال) لعدة ساعات في احدى دوائر الامن، واعتقال وتعذيب أصغر أبنائه (كفاح) لعدة أيام، إضافة لايذاء وتهجير العديد من أفراد الأسرة الجواهرية. وقد أكد ذلك قناعات جديدة بشأن الطريق التي صممت على انتهاجها قيادات حزب البعث الحاكم آنذاك، باصرار، كما أكدت السنوات اللاحقة. 

   ومع ازدياد أوضاع البلاد العراقية تدهوراً في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وسقوط الأوهام والمراهنات على امكانية ابعاد النظام الحاكم من اعتماد الارهاب والقمع طريقاً وحيداً لبسط الهيمنة والنفوذ، عند ذلك تأصل قرار الجواهري في اتخاذ الغربة موقفاً احتجاجياً ذا أكثر من مغزى. وكانت تلبيته لدعوة جامعة الموصل، واستضافته من قبل رئاستها ونخبة اكاديمية  جليلة، في احتفال جماهيري ثقافي حاشد (شباط 1980) بمثابة توديع للعراق، بل وهو كذلك فعلاً، اذ غادره بعد تلك الفعالية بأيام ليس ألا ..

    وفي خلاصات عن رواهن تلكم الفترة، تبيّـن نونية الجواهري الغاضبة الى الزعيم الكردي – العراقي، جلال طالباني، عام 1980 آراء ورؤى معبرة تجاه العراق نظاماً ومعارضة، ومجتمعا.. كانت القصيدة بعنوان "ماذا أغني؟ "وقد راح مستهلها، بصيغة اخوانية ومن ثم انطلقت بما عـنّ للشاعر في حينها، وجاش في حناياه ووجدانه، ولربما كان توصيفه للواقع، وتنبؤاته عن المستقبل، بمثابة "برنامج"عمل سياسي ووطني جامع. كما ان هناك  قصائد عديدة اخرى، في سنوات العقد الثمانيني، تصبّ جميعها في تقييم الاوضاع في العراق، ومنها قصيدة "بغــداد  الرائية عام 1980 وبائيّة  "برئت من الزحوف" المنظومة عام 1985 ..

 

ثانيا:  في براغ.. اقامةً وشعرا

    الى براغ، مغتربه القديم – الجديد، يعود الجواهري ربيع عام  1980 ليقيم في "شقيّقة" مؤجرة لا تتعدى مساحتها الستين متراً مربعاً أو تكاد، منشغلاً بالشعر والوطن وما بينهما، باحثاً عن استقرار ما، عارفاً سلفاً أن ذلك وهماً بعيد المنال لمن مثله.  وهكذا تعود تلك "الشُقيّقة" في ثمانينات القرن الماضي، كعهدها  في ستيناته وسبعيناته، مزاراً وملتقىً لشخصيات وطنية وسياسية معارضة، ولنخب وشخصيات عراقية وعربية، تستمع لآراء الجواهري، واستشرافاته..

    كما تشهد تلك "الشقيّقة" ولادة العديد  من القصائد الوجدانية والسياسية، وغيرها، جاء أغلبها موثقاً لنظرته وآرائه في رواهن الأحداث والوقائع العراقية والعربية السائدة آنذاك، وان اتخذت الحوارات والمخاطبة الذاتية إطاراً لها، ومن بين جديده في تلك الفترة، وكان غالباً ما يعبر بهذا الصدد "ان جلَّ قديمي جديد أيضاً"  قصيدته الشــهيرة "يا ابن الثمانين" ليبث فيها هموماً وشجوناً وبعض غضب ومرارة من الوطن و"أصحاب" و"زعاماتٍ من كثرِ ما اعتلفتْ بها مسٌ من الحبلِ" على حد وصفه. كما نوّه فيها لتجاوزات "متطاولين" حاولوا هزّ دوحه، وحذّر أن يسيّر فيهم "الأمثال" خالدات! وقد نشرت تلك القصيدة لأول مرة صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 19/2/1982.

   ومن الطبيعي، والبلدان العربية شهدت ما شهدته، في تلك الفترة التي نوثق لها، ان يشارك الجواهري بالرأي والكلمة والحرف، متابعا ومحرضا ومنورا، ومنه ما جاءت به ميميته بتاريخ 1983.7.5  ومطلعها: أأبا مهند والجراح فـمً، وعلى الشفاه من الجراحِ دمُ. وفي ختامها: أأبا مهند شرّ من حكموا، ما كان لولا ذلّ من حُكموا/ ماذا على الراعي اذا أغتصبت عنـزٌ، ولم تتمرد الغنــمُ.  وهي رد على رسالة في  قصيدة  بعث بها اليه نقيب الصحفيين السوريين، صابر فلحوط، وكنّاه فيها بـ "أبي مهند" فظن الكثيرون بأن المقصود هو العلامة مهدي المخزومي، أوضحنا ذلكم اللبس  في كتابة سابقة. (2)

وللتوثيق ايضا، نشير الى ان للجواهري، نظم في الأعوام الخمسة الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي قصائد أخرى عديدة  اختلفت محاورها، كما ورؤاها، وتنوعت بين دالية "عهد المروءة" في مناجاة براغ عام 1985 وميمية " عشرون بلفور في عشرين عاصمة" السياسية عام 1986 ورثائــية حزينة مؤثرة لشقيقته الوحيدة "نبيهة"  التي  ألقاها وهو ينتحبُ في دمشق خلال تشييع ومراسم مواراتها  الثرى هناك عام 1987..

 

ثالثا: في دمشق الشام

    في مطالع الثمانينات تجدد الجهات الرسمية السورية، وعلى ارفع المستويات دعوتها للجواهري، باستضافة مؤقتة أو دائمة، وبالشكل الذي يراه مناسباً، والصورة التي يريد. وهكذا يقرر الشاعر الكبير قبول الدعوة، بكل ما يترتب عليها من تداعيات سياسية، فيسري إلى دمشق مع عقيلته، عام 1983 وحتى تاريخ رحيله الى الخلود في 1997.7.27 وموراته الثرى في تربتها، حتى اليوم. وقد ابقى براغ "مستقراً" آخــر، يتقاسمه مع "مستقره" الجديد...

     لقد كان هناك احتفاء واسع ورفيع من القيادات السورية، والرئيس حافظ الاسد شخصيا، بالجواهري طوال  اقامته في دمشق.. كما راح مستقره محط زيارات ولقاءات للنخب والشخصيات السياسية والثقافية السورية والعربية، فضلاً عن العراقية الوطنية والديمقراطية. كما كان يحضر – ولو قليلا - بعض الفعاليات العامة  التي اقيم بعضها على شرفه، ومن ابرزها في مدينة  اللاذقية عام 1983 وفي اسبوع الثقافة العراقية (دمشق- 1986) الى جانب فعاليات محدودة اخرى. (3)

 

رابعا:  لواعج ومواجهات ..

  امتدادا لطبيعته الثائرة، وتمرده الجامح، خاض الجواهري مواجهات " ادبيــة" وسياسية، مع مثقفين ورسميين حكوميين ومعارضين، وغيرهم، خلال عقد الثمانينات.. وقد حملت تفاعلات، وانفعالات في قصائد وردود غاضبة، لم يبقِ في عدد منها ولم يــذرْ، ومن بينها:-

* مواجهة د. عبد الله الجبوري، ردا على مؤلفه المعنون " الجواهري ونقد جوهرته" الذي اعيد نشره وتوزيعه مطلع الثمانينات، وكان تقييم الجواهري له بأنه كتاب " مدفوع الاجر!" موغل في الادعاء والأساءة، فكتـب حول الامر بائية هجائية، عنوانها "عبدةُ .. " ومطلعها:

 " أ عبدةُ يا آبنة الطربِ، ويا معسولة الشنبِ/ ويا معزولة النصفين مبتعدٍ ومقتربِ" ..

* ردُ نثري عنيف للجواهري على ما نشرته صحيفة " تشرين" الرسمية السورية بتاريخ  1987.7.18 حين تطاول فيها، وبأسفاف،  محرر جهول كما بدا، فتحملت الصحيفة وزر ما كتب، ولتنشر اعتذارا بالغا، في مقدمة للــرد الجواهري الجامح، وقد أقتنع بقبول الاعتذار، فألغى شبه قرار اتخذه  بأن يترك دمشق ومضيّفيه، غاضبا.  (4)

* تصدٍ غضوب لما نشره محرر الصفحات الثقافية في مجلة "فلسطين الثورة" الفلسطينية، السيد سليم بركات، ضد الجواهري، في النصف الثاني من الثمانينات،  فما كان من الشاعر الا ان  يكتب رداً على ذلك في عتاب ساخن الى  الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، نشرته صحيفة (السفير) اللبنانية، في موقع بارز، ثم حصل التصالح بعد توضيحات واعتذار مسؤولين فلسطينيين بارزين بشأن ذلك..(5)

 

خامسا / سفرات وزيارات ..

     ربما يكون عقد الثمانين الأكثر بين عقود حياة الجواهري سفراتٍ وزيارات، رسمية وخاصة، وما بينهما.. وفي مختلف عواصم ومدن العالم: من امريكا الى اسيا الى اوربا الى افريقيا، كما تبين الخلاصات التي ستأتي في السطور اللاحقة...

1/ في الدوحة والجزائر ونيويورك

   في ربيع عام 1980 يزور الجواهري العاصمة القطرية – الدوحة، لبضعة ايام، بدعوة ثقافية رسمية كان من ابرز فقرات برنامجها حفل ترحيبي القى خلاله الشاعر الضيف مقاطع مختلفة من قصائده، الاجتماعية والوجدانية والسياسية ..

      وفي اواخر العام ذاته، اي 1980 يزور الجواهري الجزائر العاصمة لفترة قصيرة حيث كان نجله كفاح يعمل هناك استاذا جامعيا في اختصاصه، بعد اضطر الى ترك العراق أثر اعتقاله وتعرضه للتعذيب لاسباب سياسية عام 1979 واستمرار ملاحقته امنيا..

    كما يقوم الجواهري صيف عام 1981 بزيارة شخصية، قصيرة، وبرفقته زوجته آمنة، الى نيويورك، حيث تقيم ابنتهما الصغرى – ظلال مع عائلتها. مع اهمية الأشارة هنا الى انه سبق وتغاضى عن دعوة رسمية وجهت له اواخر السبعينات من مكتبة (الكونغرس) ولم يقم بتلبيتها..

2/ وفــي عــدن

   يقوم الجواهري عام 1982 بزيارة رسمية الى  عدن- عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية في حينها، وليُحتفى به هناك بصورة بالغة  بحسب شهود عيان. ومن ضمن برنامج الزيارة حفل جماهيري حاشد  أقيم على شرف الشاعر الكبير القى فيه، إلى جانب مختارات من قصائده، نونية عصماء، بعنوان "الغضب الخلاق"  نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها، انطلاق رحلته الى اليمن، من براغ، موطن الثلج كما أسماها فقال:

من موطن الثلج زحافاً الى عدنِ/ تسري بي الريح في مهر بلا رسنِ ..

من موطن الثلج من خضر العيون به/ لموطن السحر، من سمراء ذي يزنِ

   ولعل من المناسب ان نسجل هنا، ولمزيد من التأرخة والتوثيق ان الرئيس اليمني الجنوبي حينذاك، علي ناصر محمد، ادام علاقات وطيدة مع الجواهري، وعلى مدى أكثر من ربع قرن، ومن بينها لقاء في براغ اواسط الثمانينات، وبعدها  في دمشق الشام، حين كان الرجلان يستقران هناك، ضيفين سياسيين مكرمين، ولسنوات عديدة...(6)

3/ ووارسو

    تلقى الجواهري عام 1986 دعوة رسمية لزيارة بولنـدا، وحضور مؤتمر عالمي، جديد، للمثقفين، من اجل السلام، في  وارسو، بمشاركة نحو 200 كاتب وعالم ومفكر وأديب اجنبي، من نحو 50 بلدا، اضافة لزهاء 200 آخرين من اقرانهم البولنديين، وقد لبى الشاعر تلك الدعوة بعد تمنع وتردد، وكان - في تلك المشاركة الجديدة في المؤتمر الجديد- واحدا من قلة سبق ان شاركت في المؤتمر العالمي، الاول، للمثقفين دفاعا عن السلم في العالم، الذي انعقد عام 1948 في مدينة (فروتسواف) البولندية. (7)

4/ وليبيـــا

     وفي عام 1987  يلبي الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا،  قضى خلالها أياماً في طرابلس، ومثلها  في مدن ليبية أخرى، بضيافة زعامات ثقافية وحكومية آثرت الاحتفاء بالشاعر العظيم، ومنجزه الشعري والادبي الفخم.. وقد منح خلال الزيارة وساما رسميا رفيعا، كما نظمت له امسيات ولقاءات عديدة، خاصة وعامة، استقبله في احدها الزعيم الليبي حينئذ معمر القذافي. وقد ابدى الشاعر الكبير خلال الزيارة موافقته على اعادة طباعة ديوانه هناك، ولكن ذلك لم يحصل، ولم تجــرِ متابعة الامر..

5/ في باريس وبودابست

     لكي تكتمل الصورة التوثيقية عن زيارات الجواهري وسفراته خلال العقد الثمانيني الفائت، نشير الى انه اقام في باريس، مع زوجته آمنة،  لفترة وجيزة عام 1984 لعلاج نظره الذي تضرر بسبب الجهد الفائق الذي بذله منكباً على اتمام منجزه الفخم  "الجمهرة" وقد اجريت له  عملية دقيقة لعينيه، نجحت في ترميم بعض الأضرار، ولكن النتائج النهائية كانت أن يفقد قدرته على القراءة والكتابة بنسبة كبيرة، وبشكل دائم... كما قام الجواهري اواخر الثمانينات بزيارة شخصية الى العاصمة المجرية – بودابست، حيث اعتنى به هناك العديد من المحبين والاصدقاء، وليقضي اياما معهم، ويعود منها الى براغ..

 

سادسا: نشــرٌ واصــدارات

   شهد عقد الثمانينات اصدارات عديدة للجواهري، وعنه، ومنها الجزء السابع – الاخير- من طبعة بغداد التي ابتدأت عام  1973. وقد ضم ذلك الجزء  بضعة قصائد او مقطوعات لم تنشر، وكذلك ما فات نشره في الاجزاء السابقة ..

  كما صدرت في النصف الاول من الثمانينات طبعة جديدة من ديوان الجواهري العامر، وذلك عن ( دار العودة- بيروت)  بأربعة اجزاء، اساسها طبعة بغداد سابقة الذكر.. ثم غضب الجواهري على مسؤولي تلك "الدار" لإخلالها  بالاتفاق المبرم معها، فتتصرف بدون وجه حق بالحقوق والالتزامات ..

    وفي مطلع عام 1986 صدر عن (دار طلاس- دمشق)  مؤلف  "مختارات الجواهري في العيون من أشعاره" بنحو سبعمئة صفحة من القطع الكبير، اشرف على اصداره د. عبد الحسين شعبان، بتمهيد من  الشاعر الكبير، تلته مقدمة وزيرة الثقافة والارشاد القومي السورية، نجاح العطار، تحت عنوان "في رحاب الشعر" .. 

   وفي مجالات النشر عن الجواهري في الثمانينات، والتي تعددت في وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، نوثق  الى تسع حلقات متتابعة  تحدث فيها الشاعر عن ذكرياته الى مندوبة مجلة (المجلة)  اللندنية، الكاتبة اللبنانية هدى المّــر، عام 1982..  كما نشير كذلك الى كتاب الاستاذ حسن العلوي عام 1986  الموسوم "الجواهري .. ديوان العصر" ذلك  فضلا عما  نشره الصحفي البريطاني البارز (ديفيد هيرست) في صحيفة (هيرالد تربيون) الشهيرة  اوائل الثمانينات الماضية، وترشيحـه الجواهري كأنسب رئيس بديل لجمهورية العراق.. (8)

    وما دمنا نتحدث عن الاصدارات والنشر، لا يفوتنا هنا التنويه الى ان الشاعر الكبير قد ولعَ لأن يشرف على تأسيس دار جديدة للنشر والطباعة في دمشق، عام 1988، تتخصص بدواوينه ومؤلفاته  بشكل رئيس، وتمت اجازتها بأسم"الرافدين" وتكلف بمتابعتها نجله (كفاح) الذي كان مقيما في العاصمة السورية.  وقد عرض الامر على صاحب هذه التأرخة لأدارتها، ولكن ظروف اقامته في براغ، والتزاماته السياسية حينئذ، لم توفر له امكانية تحمل تلك المسؤولية التي رغبَ بها كثيرا.. وقد كانت باكورة دار الرافدين، اصدار  الجزء الاول من "ذكرياتي" للجواهري عام 1989  ..

 

سابعا / طبعة متميزة من الديوان

     صدر في عام 1984 عن وزارة الثقافة السورية الجزء الخامس- الجزء ، من ديوان الجواهري، وقد كان جزؤه الاول قد اصدرته عام 1979 .. وهي طبعة  فريدة ، واولى من نوعها كما ندري،  لأنها اعتمدت نشر القصائد وترتيب تسلسلها  ليس زمنيا كما هو معتاد، ولكن وفق احرف المعجم (الابجدية العربية) التي جائت بها القوافي.. وبلغ عدد صفحات الاجزاء الخمس ثلاثة  الاف صفحة من القطع الكبير، وبالحرف الصغير، نسبيا. اما اساسها فهي طبعة بغداد في السبعينات الماضية، ذات السبعة اجزاء، مع اضافات لبعض قصائد، وشروح لأخرى، وتشكيل وتدقيق وتصحيح.. وقد عُنيّ بالاشراف على اصدار الديوان وفهارسه: د. عدنان درويش (9).

 

ثامنا: الجمهرة ..

     حرص الجواهري وهو في منتصف تسعيناته، أن يجهد بكل مثابرة لأغناء المكتبة العربية بمنجز ثقافي وشعري نادر بفخامة محتواه، وذلكم هو موسوعة "الجمهرة" التي بعشرة اجزاء، يضم مختارات لمئات الشعراء العرب، ومن مختلف العصور، تتولى اصدارها وزارة الثقافة السورية. وقد انشغل بها الشيخ الجليل عامي 1983-1984 في دمشق الشام، وليشرف على تنقيحها وفهرستها وترتيبها لاحقاً د. عدنان درويش، ليصدر الجزء الأول منها عام 1986 مكرسا  للعصر الجاهلي بنحو تسعمئة صفحة من القطع الكبير...

   وفي جمهرته، لم يكتف الجواهري  باختيارات "العيون الشعرية" وحسب، بل وأوجز سطوراً عن حياة أصحابها الذين ضمتهم الموسوعة، وقد كان للفحول من الشعراء حصتهم الأميز في هذا المجال. وقد سبق كل ذلك ليكتب في المقدمة  مناقشة مهمة تنتصر للشعر الجاهلي، وفي حوالي  40 صفحة وصفحة، اثارت اهتماما بالغا عند المختصين والمتلقين على حد سواء، وقد نشرها الاستاذ فخري كريم، منفردةً في اصدارات مؤسسته - دار المدى. اما مصادر"جمهرة" الجواهـري فكانت من بينها  "الأغاني" و"العقد الفريد" و"خزانة الأدب" و"الفضليات" و"حماسة ابي تمام" ومختارات "البحتري" و"البارودي" و"ادونيس" و"هادي العلوي" وغيرها، فضلاً عن دواوين العشرات من الشعراء المعنيين، ثم لتتم الاستذكارات، فالاقتباسات فالتصحيح فالتنقيح والترتيب، فالطبع.. (10)

 

تاسعا:  "ذكرياتي"

   صدر في عام 1989 الجزء الأول من "ذكرياتي" للجواهري، وأعقبه الجزء الثاني عام 1990 وتجاوز عدد صفحات الجزأين  ألف صفحة من القطع الكبير. وقد كان  الشاعر قد بدأ  في أوائل الثمانينات الماضية كتابة رؤوس أقلام ومواجيز وخلاصات استهلك فيها عشرات الصفحات.  وبعد فترة لم تطل، استعاض الجواهري عن ذلك الخيار بآخر، وهو توثيق الذكريات بأشرطة فيديو، بلغ عددها أكثر من عشرين شريطاً، سُرق بعضها، وتلف قسم آخر بسبب سوء الحفظ...

 لقد ترافق مع تسجيل الذكريات على أشرطة الفيديو اياها، تسجيل أشرطة كاسيت صوتية في نفس الآن والمكان، ببراغ أعوام 1984-1986... ثم قامت بعدها نخبة شبابية من متطوعين عراقيين في دمشق عام 1988 بتفريغ تلك الأشرطة التي بلغت نحو ثمانين ساعة، على الورق، ثم لتقرأ المسودات بشكل أولي، وتدقق ثانية، بمشاركة مباشرة من كاتب هذه التأرخة... ثم لتطبع من جديد، وليعمل عليها بجهود بارزة، وغيرها، أكثر من باحث وكاتب واعلامي، ولا سيما الافاضل: هادي العلوي وفالح عبد الجبار وعبد الكريم كاصد وزهير الجزائري. وكذلك خلدون جاويد وهاني الخيّـر، لفترة قصيرة، ولتوضع بعدها أمام الجواهري، فيعيد، ويصحح ويحذف ويوجز، ويوسع، وبالاعتماد على ذاكرته وحسب، وهو ابن تسعين عاما. ثم ليصدر بعد ذلك جزءا "ذكرياتي" على الشكل الذي صدرا به...

لقد كان مبدأ كتابة "الذكريات" موضع تردد كبير، أصلاً، لدى الجواهري. فمثل ذلك الأمر قد يعني، من جملة ما يعني، ان المرء قد وصل الى نهاية المطاف في العطاء. ولاشك فان مثل هذه الحال لم تكن لتخطر في بال الشاعر العظيم، وان كان على أعتاب التسعين... وذلك ما كان بالفعل، إذ ثمة قصائد ومواقف عديدة قد تجلى بها، وتجلت عنده، ولنحو سبع سنوات تاليات...

وبمثلما افصحت عنه مقدمتا جزأي " ذكرياتي " راحت التفاصيل والايجازات واستعراض المواقف، بصراحة ومباشرة لمديات بعيدة. واشهد هنا أيضاً كم كان الجواهري معجباً باسلوب ومضامين ذكريات للأدباء البارزين مثل:  البرتو مورافيا، وارنست همنغواي، وسلفادور الليندي، وميله للاستفاده منها اسلوباً، لولا الاختلاف في وعيّ وثقافة متلقي اولئك المشاهير، ومجتمعاتهم، عن متلقي ومجتمعات "ذكريات" الجواهري. (11)

 

عاشراً: خاتمــة

    يقينا بان ما جاء في هذه الكتابة لا يغطي سوى لمحات ومحطات عن  الشاعر العظيم في عقد الثمانينات- وهي ثمانينياته العمرية في آن واحد-  وذلــك في رحاب الشعر والسياسة الثقافة والحياة، وهي تفتح - كما نظن - ابوابا وآفاقا ومسارات للباحثين والنقاد الذين يريدون  تناول هذه الفترة دراسة وتوثيقا. كما انها توفر خلاصات ومؤشرات للقراء عموما، وخاصة الشغوفين بحب الجواهري ومتابعة آثاره. ذلك فضلا عن كونها – اي هذه التأرخة- تسجل جوانب من مسيرة البلاد العراقية وتطوراتها، وتداعياتها السياسية والثقافية والاجتماعية، في عقد زمني ملئ بالاحداث والشؤون التي انعكست على الاوضاع العامة في حينها، وكذلك على الوقائع والتطورات اللاحقة. ولا شك بان كل ذلك سيتوضح ويُبان أكثر فأكثر في تفاصيـــل الجزء القادم لما نتوجه اليه وهـو تأرخة وتوثيق "تسعينات الجواهري"  ثم، "خلاصات عما بعد الرحيـــل"......  * رواء الجصاني / كانون الاول 2020

إحالات وهوامش وتوضيحات ------------------------------------------

* من المهم كما نرى التوضيح بأن جميع التفاصيل والوقائع الوارده في هذه التأرخة، والتي لم يُشــر الى مصادرها، هي شهادات عيان للكاتب، ومعلومات موثقة من الشاعر العظيم.

1/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: " الجواهـري في سنوات السبعين (1970-1979).. مابين السيـرة والذكريـات" .

2/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: من هوأبا مهند" الذي خاطبه الجـواهـري  في ميميّـته الغاضبة عام 1983 ؟!.

3/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2013 بعنوان: "مع الجواهري في دمشق" .

4/ للمزيد من الشؤون ذات الصلة عن هذا الموضوع،  كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2018  بعنوان: "الجواهري: لكي لا نعيّر باننا قوم ينكرون الجميل، ويكفرون بالنعم".

5/ للمزيد من الشؤون ذات الصلة عن هذا الموضوع،  كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2014  بعنوان: "مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! الحلقة 3".

6/ المزيد من التفاصيل عن زيارة اليمن،  في الفصل السادس من كتابنا " الجواهري بعيون حميمة" بغداد 2016.

7 / للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2016 بعنوان: "الجواهري في عواصم ومدن الدنيا.. قصيدة وثلاث زيارات لبولندا" .

8/ المزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع،  منشورعلى الانترنيت عام 2017  لعبد الاله النعيمي تحت عنوان: "الجواهري.. وفي الليلة الظلماء يُفتقد البـدر" .

9/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: " طبعة فريدة لديوان الجـواهري، بحسب أحرف الابجدية العربية" .

10/ المزيد حول "الجمهرة" على الصفحة 696 من كتاب " الجواهري.. قصائد وتاريخ ورؤى" لكفاح الجواهري، ورواء الجصاني (دمشق- بغداد) 2012.

11/  للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2011 بعنوان: " ذكريات وشهادات حول ذكريات الجواهري" .

 

طبعة فريدة لديوان الجـواهري،

بحسب أحرف الابجدية العربية

- رواء الجصاني

    اتممت وزارة الثقافة السورية اصدارالجزء الأخير- الجزء الخامس، من ديوان الجواهري، عام 1984 وقد كان جزؤه الاول قد اصدرته عام 1979 ..  وهي طبعة  فريدة ، واولى من نوعها كما ندري،  لأنها اعتمدت نشر القصائد وترتيب تسلسلها  ليس زمنيا كما هو معتاد، ولكن وفق احرف المعجم (الابجدية العربية) التي جائت بها القوافي..

     شمل الجزء الاول: مداخلة - دراسة عن الجواهري بعنوان "في رحاب الشعر" لوزيرة الثقافة د. نجاح العطــار، ثم مقدمة بسبعين  صفحة  لتوثيق- سرد تاريخي، كتبه  د. على جواد الطاهر، عن صديقه، الشاعر العظيم، اواسط السبعينات الماضية، موسوم بـ " من المولد حتى  النشر في الجرائد". وبعده تعريف موجز عن الطبعة، ونثرية الشاعر الشهيرة" على قارعة الطريق" توالت القصائد تترى.  وفي الاجزاء الثلاثة اللاحقة: الثاني وصدر عام 1980 والثالث عام 1981 واالرابع عام 1982 استمر حصر جميع القصائد وترتبيها، منذ  عام 1921 وحتى عام 1980.

     اما الجزء الخامس- الأخير، فقد شمل، وفق للمنشور على  صفحة الغلاف:  (الرباعيات- المرسلات- الملحقات- الفهارس) .. وجاءت الفهارس المشار لها اربعة: اولها ثبتٌ اضافي، بحسب التسلسل الزمني لقصائد الديوان العامر. وثانيها: فهرس الاعلام الواردة اسماؤهم في القصائد ، والثالث للأماكن التي تم ذكرها في الديوان.اما الفهرس الرابع، والاخير، فهو حصر وتوثيق بأسماء "الاقوام والجماعات والأسر" التي اشار لها الجواهري، وعنها، في اشعاره..

    لقد جاءت الطبعة الفريدة التي نعنى بها في هذه الكتابة بـثلاثة الاف صفحة من القطع المتوسط، وبالحرف الصغير(نسبيا) وتوزعت على خمسة اجزاء كما سبق القول. اما اساسها فهي طبعة بغداد في السبعينات الماضية، ذات السبعة اجزاء، مع اضافات لبعض قصائد وشروح لأخرى، وتشكيل وتدقيق وتصحيح.

    أخيرا وفي ختام هذا التعريف الموجز تجدر الاشارة ايضا الى ان ما يزيد من اهمية هذه الطبعة الدمشقية الفريدة، فضلا عن تميّزها بالتسلسل الابجدي، هو ان الجواهري اطلع على مسودات ما قبل النشر، وتدخل هنا وهناك مضيفا وموضحا، وربما حاذفا ايضا !! . وقد عني بالاشراف على اصدار الديوان، بأجزائه الخمسة، وفهرساته: د. عدنان درويش. وهي طبعة نافذة من الاسواق منذ اكثرمن ثلاثة عقود على ما تابعنا ذلك، وكانت بخمسة الاف نسخة وفقا للمثبت على الصفحة الاخيرة من المجموعة.

------------------------------------------------* رواء الجصاني- تشرين الثاني 2020

 

الجواهــري  في سنوات السبعين

(1970-1979)

مابين السيـرة والذكريــات

رواء الجصاني

    في مؤلف صدر في دمشق بجزأين، عامي 1989 و1990  وبعنوان (ذكرياتي) وثــق محمد مهدي الجواهري المعروف، والمعرف، بشاعر العرب الاكبر (1899-1997) مواجيز ومحطات عن بعض سيرة حياته المديدة: الشعرية والسياسية والاجتماعية والانسانية، من الولادة وحتى عام 1969 وعلى اساس ان يصدر لاحقا جزء ثالث ليغطى السنوات اللاحقة.. ولكن ذلك لم يحدث وحتى رحيله في دمشق بتاريخ 1997.7.27 .. بل ولم يعمل – الجواهري- بذلك الاتجاه اصلا، لاسباب ودوافع يطول ويعرض التكهن والتوثيق بشأنها.

  ولأن الحال هكذا، شئنا في هذا التوثيق والبحث ان نساهم في المسعى على طريق تارخة الفترة من 1969 حين توقف الجواهري عن سرد ذكرياته ذات الجزأين المشار لهما اعلاه، وحتى تاريخ الرحيل في تموز / يوليو 1997 وبخلاصات ومحطات موجزة كما نظن، اذ ثمة في تلك الفترة المعنية، اي ما يقارب ثلاثة عقود، الكثير الكثير الذي يتطلب  التوقف عنده وخاصة انها – اي العقود الثلاثة-  شهدت احداثا ووقائع، بل وعواصف، عراقية وعربية ودولية، عاشها الجواهرى، وعايشها عن قرب، بل وفي صميم الصميم، ولا نبالغ. وسواء كان ذلك بالموقف او الشعر او الرؤى، ما طفح منها، وما خفي وربما كان أعظم..

   وقبيل الدخول في الحقبة السبعينية، ثمة ما يجب التوثيق له عن الجواهري في عام 1969 ما بين السياسة والشعر، وبحسب الديوان العامر، قصيدته الدالية، ومطلعها "ياآبن الفراتيّن قد أصغى لك البلدُ، زعما بأنك فيه الصادح الغردُ" التي القى قسما منها في مهرجان الشعر ببغداد في نيسان/ ابريل، وهو اول فعالية مهمة يشارك فيها بعد عودته الى بغداد من مغتربه البراغي، اواخر عام 1968 . وقد جاءت  "أبيات القصيد"  لتتداول وتوثق، وتصول وتجول،  حول شؤون عديدة مثل الموقف من الشعر العمودي، والرد بقسوة على شخصيات حاولت ان تطال من قمته آنذاك – اي الجواهري- بحسب رأيه. كما شملت ابياتها مواقف ورؤى سياسية عامة، فضلا عن تأرخة لبعض المحطات التاريخية .. 

  

 

1/ شؤون وطنية وسياسية

    تميّزت سبعينات القرن العشرين ، وهي سبعينات الجواهري في آن، بأحداث جمة ذات صلة مباشرة بالشاعر والوطن... فقبيل ابتداء ذلك العقد "التاريخي" بفترة وجيزة، كانت العودة إلى البلاد بعد سبعة أعوام من الغربة... وبعيّد انتهاء العقد ذاته، وبأسابيع قليلة، عاد الجواهري إلى الاغتراب مرة تالية وأخيرة.. وقد استمر الشاعر في تلك السنوات العشر، كما في عقود حياته السابقة في تبني الانحياز الى الناس في تطلعاتهم وعطاءاتهم من اجل العيش الكريم والحرية والارتقاء، ضد التخلف والعسف والظلم الاجتماعي والسياسي.. 

ومثلما تفاءل كثير من أبناء البلاد وشخصياتها الثقافية والسياسية، وغيرها، في السبعينات الماضية، ومطلعها، ونصفها الاول خصوصاً، تفاءل الجواهري بأن يشهد العراق استقراراً ونهوضاً، يريح  فيه الركاب "من أين ومن عثر" بعد "جيلين" من المتاعب والأخطار والتضحيات... ولكن ذلك التفاؤل سرعان ما خبت جذوته، فأخذ الشاعر ينبه من بوادر انهيار البلاد وسيادة الظلام والحروب والعنف، واستمر محذراً دون أن ينجح في أن يسمع حيا .

  أن التأرخة للجواهري، وعنه، في تلك السنوات السبعينية ذات تفاصيل واسعة، ومتشابكة شعريا ووطنيا وما بينهما لحدود كبيرة، ولا شك بأن انجاز ذلك  يتطلب المزيد من الدقة والتوثيق، وسواء لما ورد في قصيده، او ما عبر عنه في اللقاءات والحوارات، الى جانب مايمكن ان يدلي به معاصرون أمينون، وبعض أهل بيته الذين واكبوا وعايشوا تلك الفترة. ومن هنا سنتمهل في التوثيق لهذه الجوانب - حاليا على الاقل- مع بعض اشارات موجزة تبين-  ولو بحدود ما-  شيئا عما قد  يفيد في القاء الضوء عن مواقف الجواهري عن العراق السياسي في السبعينينات. ولعل من ابرز ما يؤرخ لذلك قصائده ذاتها، ومنها:

1/ قصيدة "طيف تحدر .. يوم الشمال.. يوم السلام" في آذار / مارس 1970 بمناسبة  الاعلان على " احلال السلام في ربوع كردستان، واقرار الحقوق القومية للشعب الكردي في العراق، وفي المقدمة منها الحكم الذاتي" بحسب ديوان الجواهري..

2/ قصيدة "يوم التأميم" وقد  نظمها الجواهري بمناسبة تأميم النفط في العراق خلال حزيران/ يونيو 1972.

3/ قصيدة "تحية الى وفود المشرقين" والقاها نهاية اذار/ مارس 1974 بمناسبة انعقاد مؤتمر عالمي ببغداد، رعته منظمة تضامن الشعوب الافرو- اسيوية.

4/ قصيدة "أبا الشعر.. تغنّ بتموز " السياسية الداعية الى وحدة الصفوف، وتجاوز الخلافات من اجل بناء الوطن وسعادة ابنائه، ونشرت بتاريخ 1978.7.22.

5/ قصيدة "دمشق.. جبهة المجد"  القاها خلال زيارته دمشق اواخر العام 1978 دمشق وكان قد صدر في تلك الفترة اعلان الميثاق الوحدوي العراقي- السوري.

 

2/ بــراغ تنافس بغداد 

لم يرح الجواهري ركابه، كما وعد في قصيـدة العودة الى العراق عام 1969 وبقي حتى سنوات عشر تالية يروح لبغداد  ويعود الى منها براغ  حيث شقته – او شقيّقته كما كان يصطلح عليها – والى اجوائه الخاصة التي تعود عليها وألفها منذ عام 1961. وفي ضوء تلك الاقامة في العاصمتين العراقية والتشيكية، كان الجواهري مطمئناً ومسروراً، حيث البديل قائم وان تعددت واختلفت الظروف. وبقيّ يحسب الحساب لهذا الواقع بكل جدية. وقد بذل منتهى الحرص لتجاوز أي اجراء او قصور قد يؤدي لفقدانه مثل ذلك الامتياز، أي حق الاقامة الدائمة في براغ.

كان البرنامج اليومي لحياة الجواهري في مستقره البراغي خلال عقد السبعينات تقليدياً الى حدود بعيدة. ومن بعضه اعداد طعامه بشكل شخصي والتمشي، وسماع الاخبار من الاذاعات المختلفة، دون التلفزيون الذي لم يكن على ود ٍ معه، على أقل وصف، وطيلة حياته. فضلاً عن القراءة طبعاً، وارتياد مقاه ٍ محددة من أبرزها "سلافيا" المطل على نهر الفلتافا البراغي و"سلوفنسكي دوم"  الذي كتب فيه مملحة "الميني جوب" ومقهى "اوبسني دوم" الذي كان يسميه بـ "الحضرة". وكذلك صالونا فندقي "يالطا" و"الكــرون" الشهيرين في مركز العاصمة. اما وجبات الطعام، وخاصة في فترة الغداء، فكان يتناولها في البيت بشكل عام، وعند الضرورة في المطاعم والحانات الشعبية والبسيطة، ووقوفاً بعض الأحيان... كما كان يشارك حضوراً أو شعراً في عدد من الأمسيات والفعاليات الرسمية أو الاحتفائية العربية والعراقية التي تقام بهذه المناسبة الوطنية او الاجتماعية أو تلك.

ويشير نجاح، النجل الثالث للجواهري، والمقيم في براغ منذ عام 1960 الى ان معارف والده وأصدقاءه المقربين في براغ خلال السبعينات، بعد ان عاد من عاد منهم الى العراق، كانوا محدودين جداً، وفي مقدمتهم الراحل موسى اسد، الذي كان عاشقاً للجواهري شاعراً وانساناً وصديقاً، وعدد من الممثلين السياسيين العراقيين والعرب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية واتحاد النقابات العالمي واتحاد الطلاب العالمي والذين كانوا يتغيّرون بين فترة وأخرى وأولهم آرا خاجودور وعادل حبة ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ. ويضيـــف نجاح: " لقد كان الوالد يميل الى مداراة نفسه بنفسه، ويركن في الغالب الى اصدقاء محدودين، وحتى الى واحد فقط، في بعض الاحيان، وبما ينسجم ومزاجه. وكان يعتمد في تلك الفترة عليّ، وعلى ابن اخته رجاء الجصاني، في انجاز ما لا يستطيع انجازه منفرداً، كمعاملات السفر والترحال ومتطلبات الاقامة وغيرها من الشؤون الشخصية".

واستناداً لاستذكارات الجواهري، فان زيارات وسفرات المثقفين والشعراء والسياسيين العراقيين والعرب، الشخصية والرسمية الى براغ لا تكتمل ما لم "يداهمونني في البيت او المقهى سواء شئت ذلك أم كرهت" حسب تصريحاته. وفي عودة لبعض الارشيف المتوفر نجد العديد مما يوثق اشارات الجواهري بهذا الخصوص، وثمة رسائل وقصائد وشهادات تؤرخ لبعض ذلك. وعلى سبيل المثال تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة في ذكريات لها منشورة في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 4/9/1996 " كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال السبعينات. لم يتغيّر الجواهري، ظل ذلك الرشيق، الأنيق، الوسيم، الظريف، الصعب. وبقيت أنا تلك المعجبة السعيدة لأنها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوماً مجلسه".

ولربما من المناسب هنا، رداً على تقولات البعض من جهة، ولتوثيق الاحداث والوقائع، وذلك هو الأهم، ان نشير الى ان مستقر الجواهري البراغي خلال السبعينات لم يكن سوى شقة اعتيادية الموقع والبناء والأثاث، في منطقة براغ السادسة، حيّ (بيترشيني)  تتكون من غرفتي نوم، وصالون استقبال متواضع، ومطبخ ومرافق صحية، وتقع في عمارة تقليدية، وأثاثها أكثر من بسيط ... ولكن تلك الشقة التي قضى فيها الجواهري زهاء ثلاثة عقود، نظم فيها العديد من قصائده البارزة وحدد فيها مواقفه الأهم. كما ان تلك الشقة الصغيرة المتواضعة – لا غيرها – شهدت لقاءات واستضافات الجواهري لعشرات المفكرين الأدباء والمثقفين والمسؤولين السياسيين والرسميين العراقيين والعرب، وحتى بعض الأجانب.

 

3/ في رثاء عبد الناصر

في رحاب الشعر شهدت سبعينات القرن العشرين ولادة أزيد من خمسين قصيدة ومقطوعة نظمها الشاعر الكبير في السياسة والفكر والحياة، والجمال والحب، ومن بين السياسية المهمة منها، بمناسبة  الذكرى السنوية الاولى لرحيل الزعيم العربي والمصري جمال عبد الناصر التي صادفت عام 1971 ومطلعها: "أكبرت يومك ان يكون رثاءَ / الخالدون عرفتهم احياءَ" القاها في القاهرة ضمن فعالية الاستذكار الخاص بالمناسبة، وهي الزيارة الجواهرية الاولى الى مصر بعد عشرين عاما تماما، شهدت العديد من الخلافات والاختلافات، ومواقف تقييمية، وتضامنية، وغيرها سواء في قصائد شعرية او كتابات ولقاءات وغيرها.. وشملت "ابيات" القصيد في هذه المطولة الجواهرية التي بلغت 132 بيتاً شؤونا عامة وخاصة، ومواقف وأراء عن تاريخ ورواهن سياسية وثقافية، فضلا عما يليق بالمناسبة طبعا..

 

4/ رئاسة جديدة لاتحاد الادباء.. وخصومات !!

اعيد تشكيل اتحاد الأدباء في العراق عام 1970  وانتخب الجواهري رئيسا للهيئة الادارية التي ضمت الى جانبه شفيق الكمالي وحميد سعيد والفريد سمعان وغانم الدباغ..وكانت رئاسته للاتحاد هذه المرة  بشكل رمزي، مقارنة برئاسته الأولى عام 1959... وقد ترأس  وفود العراق في أكثر من فعالية ثقافية عربية وعالمية ومنها مؤتمر الأدباء والكتاب العرب الثامن (دمشق 1971) والمؤتمر التاسع (تونس 1973) فضلاً عن بعض فعاليات مجلس السلم العالمي الذي كان الجواهري ضمن مؤسسيه في أربعينات القرن العشرين..

ويبدو ان  هذه الوقائع، والمكانة المرموقة اثارت غيظ  عدد من الشعراء  وألادباء العرب والعراقيين، وقد نوه الشاعر الكبير الى تلك المواقف المناوئة، وردّ عليها،  في قصائد ومطولات  ومنها داليته "أزح عن صدرك الزبدا، ودعه يبث ما وجدا" عام 1974 ... ورائيته  "آليت ابرد حر جمري، واديل من أمرٍ بخمرِ" " عام 1975.. وسيرد المزيد عن تينك  القصيدتين لاحقا في هذا التوثيق..

   واذا ما كانت اعلاه ردود الجواهري شعريا على ما رأى بأنه خصام مفتعل، واثارات هنا وهناك، وخاصة حول الحداثة في الشعر، وانتهاء عصر القصيدة الكلاسيكية، فثمة كثير من رؤى ومواقف ثبتها حول الامر من خلال مقابلات ولقاءات اجريت معه، ومنها  حوار اجراه معه سامي مهدي، منشور في العدد الثاني من مجلة المثقف العربي ( حزيران/يونيو لعام 1971) قال فيه – الجواهري- ردا  على سؤال " حول رأيه بواقع الحركة الشعرية في الوطن العربي”:  "يمرّ الشعر العربي في مرحلة حرجة، ذلك ان فراغاً مخيفاً يحدث اليوم، وقد بات من الصعب ان يُملأ الفراغ الذي يتركه الشعراء الذين يشغلون الناس. ومع انني لا أنكر ان هناك أجيالاً تتمخض وتبحث لها عن طريق، الا ان الذي يذهب لا يعوض بسهولة، بخاصة وان العصر يتطور كثيراً وبأسرع مما نلحق به حتى على مستوى الشعر. على ان هذا الفراغ يبدو أكبر في العراق مع انه بلد الشعر، ذلك لأن العبقريات نادرة ويصعب تعويضها بحكم طبيعة الحياة”.

   كما يضيف الجواهري الى اجابته السابقة " وبرغم ما قلته فانني لست متشائماً، ولكنني متألم فحسب، فثمة في العراق من يركض قبل ان يتعلم المشي، وثمة حوارات يضيع فيها الوقت ولا يعلم الناس عم تدور. اما بالنسبة لي فاني ان ذهبت سأترك فراغاً كبيراً لن يعوض الى أمد طويل جدا. أقول هذا وأنا زاهد في الدنيا. وأما بالنسبة لحركة الشعر الحر فانها وبدون ظلم للحقيقة، لن تسدّ الفراغ، وذلك لعدم تبلورها. ان الموجود والمستمر من هذه الحركة أثبت انه لا يسد فراغاً. ومقياسنا في ذلك ان الشعر الحـر لم يدخل البيوت بعد ولم يُستشهد به. بمعنى انه لم يتخذ له بعد مكانة الشعر. واما بالنسبة للحركة التالية فهي أقل تبلوراً من سابقتها ولا يصح الحكم عليها منذ الآن".

 

5/ اول بيت غـير مؤجــر !

وعلى الصعيد الشخصي، يمكن أن نشير الى  أن شاعر الوطن قد امتلك – لأول مرة في حياته - وهو في سبعينات العمر داراً بناها بالاقتراض في حي القادسية بكرخ بغداد، حصل على ارضها من نقابة الصحفيين العراقيين أسوة بعديد اخر من منتسبي النقابة.. وقد انجز بشكل متواضع تشييد البيت أواخر العام 1971 وغُطيت نفقات البناء بين تمويل ذاتي، وقروض، وديون شخصية. وهو  بيت تقليدي يضم ثلاث غرف نوم، وغرفة استقبال وأخرى للجلوس، مع المرافق الضرورية... وقد شهد – اليت ذاته- طوال عقد السبعينات الماضية أحداثاً ووقائع وتفاصيل متشابكة لمديات بعيدة في الشؤون والشجون الوطنية والثقافية والشعرية وما إليها، وما بينها.

    وبحسب ما ندري بيقين، فأن ذلكم البيت، هو الأول والأخير، والوحيد الذي  تملّكه الجواهري، ملكاً صرفاً بعد ترحال وإقامة واغتراب، وتغرب، وهو لا يحمل معه غير "منقار وأجنحة" على مدى نصف قرن... وفي ليالي ذلك البيت، ونهاراته، أينعت عبقريته قصائد ومطولات عديدة،  ومنها الانساني، والوطني والاجتماعي والعائلي، ولافكاك بينها من التداخل والتلازم مع الهموم والانشغالات الفكرية والسياسية والاجتماعية وما إليها.. وبهذه الحال كان ذلك البيت ذاته – لا غير – مزار أطياف ونخب سياسية متباينة الرؤى والمسؤوليات، وحتى الوفاء احياناً !.. ويواصل الجواهري: بعضها صادق أمين، وآخر متزلف متدثر بألف زيٍ وزيّ، ولكنها كانت جميعاً دعاة تآلف ومحبة، وان راحت احياناً في الأقوال وحسب...

     كما كان البيت الذي نعنى ، ملتقى للنخب الفكرية والثقافية والشعرية، من كل النحل والرتب، تؤم مقام الجواهري: مودة وتلمذة وتباهياً، دعوا عنكمو الآخرين الذين كانوا يريدون صكوك الغفران. وكم يطول التعداد، ويعرض، ويعلو، لمن زار، وأحبَّ، وتبارك بزيارة أو لقاء أو حديث مع الشاعر الرمز... وفي الموضوع ذاته يقول حسن العلوي في كتابه "الجواهري رؤية غير سياسية" الصادر عام 1995في دمشق : اصطحبت معي الى بيت الجواهري عام 1979  بعثة صحفية لقضاء يوم كامل على غير موعد معه فسجلت عدسة المصور الفنان الراحل "محمد علي حسن" زوايا لم تكن مخفية على عيون زائريه... ودخل حتى غرفتي النوم والمطبخ ... ولم يجد مكتبة، لكنه وجد رفوفاً. ولم يجد مطبخاً ولكنه وجد قدرين من الألمنيوم القديم... كما ولم تكن للجواهري غرفة نوم مستقلة ، وكان يضع ملابس الشتاء في حقيبة تحت سريره، ويعلق على الحائط ملابس الصيف. ويفعل العكس في الشتاء....

     كما  نشير بهذا الصدد لما نشره فوزي كريم (الشرق الأوسط اللندنية- 4/11/1991) في موضوع مسهب نقتطع منه: "كان بيت الجواهري متواضعاً، كنا نقتحمه احياناً آخر الليل، أنا وسعدي يوسف مدفوعين بأكثر من هاجس شيطاني ، قراءة لبيت مثلاً: الحمد للتاريخ حين تحولت …تلك المرافه فاستحلن متاعبا او عبارة واحدة "با نبتة البلوى" يخاطب بها جياع الشعب. أو كلمة "تقحم" او "خسئوا". وكان الجواهري يستقبلنا دون ترحاب معظم الأحيان قائلاً : "الساعة الواحدة يا جماعة. ويتأمل ساعته ونحن نبصبص تحت الطاولة. لا تخلو طاولة الشاعر في الليل. كنا نعرف ولكن من يجرؤ في ساعة كهذه أن يسأل. ونسترضي ابا فرات، نقول: "أنت تعرف محبتنا " ونغني له طربين من شعره... فيستجيب ..."

 

6/ دعــوة مغربيـــة.. وتحامل، وردود

    يُدعى الجواهري الى المغرب اواسط العام 1974 ويحظى بحفاوة ورعاية بالغتين، بما في ذلك ضيافة ملكية متعددة الأوجه، فضلاً عن منحه وسام الكفاية الفكرية الاعلى في البلاد. ويردّ الجواهري على ذلك بقصيدة شكر للعاهل المغربي حينئذ، الحسن الثاني، تعبيراً عن الثناء للاهتمام والتقدير غير المسبوق الذي لقيه، ككبير للشعراء العرب. ويثير ذلكم الأمر عدداً من والكتاب والسياسيين العراقيين والعرب. تارة تحت حجة مواقف الحكم المغربي من القضايا العربية آنذاك، ومرة عن موضوعة العلاقة بين السياسة والثقافة، وتارة في اثارة نعرات الخلاف بين الكلاسيكية والحداثة، وما شابه ذلك. ولعل ما يفيد الاشارة بهذا السياق الى مقال كتبه الناقد المصري غالي شكري حول الجواهري بعنوان "سقوط آخر العمالقة"... والمقال يقرأ من عنوانه كما يقال!..

وبحسب الجواهري فقد تسوّقَ من تلك القضية مثقف، وقيل شاعر، وسياسي عراقي تخبأ تحــت اسم "حمدان القرمطي"  فــأرعد وأزبد في محافله "الثوريــة" الحقيقيــة او المدعاة، وكذلك في الصحافة "ذات العلاقة!" حول ابيات تحية وشكر للمُكرمين  المغاربة. وقد مرت اعوام واعوام ولم يمتلك ذلك "الثوري" الجرأة لأن يكشف اسمه، مع اجتهادات هنا وهناك حوله... وقد كال ما عنده من السباب الرخيص، البعيد عن السياسة والثقافة اللتين تلبس لباسهما، وعلى مرأى حتى من المحبين الذين لم يفتحوا فاها..  

  وفي " تحية... ونفثة غاضبة..." وهو عنوان قصيدة الجواهري التي القاها في الحفلة التكريمية التي اقامتها على شرفه وزارة الدولة المغربية للشؤون الثقافية، برعاية وزيرها الحاج محمد باحنين، على مسرح محمد الخامس في الرباط، مساء اليوم العشرين من ايلول / سبتمبر عام 1974 يبتدئ الشاعر الردّ على "دعاة ذلك الاستغلال والانتهاز تحت شعارات مزيفة" بحسب ما يوثقه الديوان العامر. ويجيء مطلع القصيدة التي تقارب ابياتها التسعين:

سماحاً إن شكا قلمي كلالا، وإن لم يُحسنِ الشعرُ المقالا

وإن راحت تُعاصيني القوافـي بحيثُ الفضلُ يُرْتَجَلُ ارتجالا

وتتواصل القصيدة في اداء اكثر من غرض: التحية المطلوبة رداً لجميل المكرمين، واعجاباً بجمال البلد، ومحبة لمواطنيه، وبثاً للشكوى وتأرخة لبعض المعاناة، ثم لتصل بعد ذلك الى "بيت القصيد" وهو اكثر من بيت كما سنرى:

وقلتُ لحاقدينَ عليّ غيظاً لأني لا أُحبّ الاحتيالا

هَبُوا كلّ القوافِلِ فـي حِماكُمْ فلا تَهْزَوا بمن يَحْدُو الجِمالا

ولا تَدَعُوا الخصامَ يجوزُ حدّاً بحيثُ يعودُ رُخْصاً وابتِذالا

وما أنا طالبٌ مالاً لأني هنالِكَ تاركٌ مالاً وآلا

ولا جاهاً، فعندي منه إرثٌ تليدٌ لا كجاهِهِمُ انتِحالا

     وفي سياق التأرخة ذاتها نثبت هنا ان الجواهري قد خيّب "ظنون" وربما "تمنيّات" حاسديه ومتربصيه، فلم يُقـم في المغرب سوى بضعة اشهر، رغم كل الامتيازات التي قدمت له، وأبرزها ضيافة رسمية لفترة غير محدودة.. كما  تجدر الاشارة أيضاً الى ان العراق الرسمي، وقد كان آنذاك مناقضاً للسياسة المغربية، قد "زَعَلَ" على الجواهري، وان بدون ضجة، أو اعلان صريح.

   وحتى بعد سنوات عدة، لم يتردد الجواهري في الدفاع عن موقفه من هذه القضية،  ازاء النهازين كما يحب ان يسميهم. ومن ذلك  في حوار مسجل للكاتبة والصحفية اللبنانية، اعتدال رافع، في دمشق خلال الثمانينات الماضية فقال "اما القصيدة التي انشدتها في المغرب فقد كانت رداً على الحفاوة والتكريم الذي لقيته اثناء وجودي هناك... وعندما طلبوا مني ان تغنى تلك الابيات اعتذرت... لست نادماً على هذه القصيـــدة لانني شاعر، واذا كنت قد ألقيت كلمة بدلاً منها، معنى هذا انني استخف وأهين من كرموني، لأنني كنـــت دائماً وأبداً منسجماً مع نفسي، ولا احسن الكذب والنفـــاق. كان ذلك موقفاً مني ورداً على التكريم والوسام الذي خصوني به".. وجاء في موقع آخر من الحوار "لقد استغل العاوون هذه القصائد ليشهروا بنباحهم... في الماضي كانوا يقولون الجواهري شيوعي، وأيضاً مداح؟ كيف يجتمع النقيضان، ويلتقي الضد بالضد؟ هل لكي يفترسوا رمزاً... أنا حصتي ارذل ما في اليمين انني شيوعي، وأقصى ما في اليسار بأنني مداح.. المُسف يجب الا يُسف عندما يتعرض للنقد. يكتب الذي ليّ، والذي عليّ".

     وهنا، لعل من المناسب ان نضيف اشارة اخيرة بخصوص الفترة المغربية – ان جازت الاستعارة – في حياة الجواهري فنقول : ان الحاج محمد باحنين وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية بعث بتاريخ 21/1/1975 رسالة شخصية، لا ارق منها، الى الشاعر العظيم - محفوظة لدى مركز الجواهري في براغ - يؤكد فيها دعوة رسمية للمشاركة في مهرجان تخليد الذكرى الألفية لولادة شاعر الاندلس، ابي الوليد احمد بن زيدون.. ويقرر الجواهري الاعتذار عن تلبية الدعوة ، ولربما لكي لا يعطي فرصة جديدة للمتربصين... وقبيل ارسال جواب الاعتذار بأيام ألغي الاحتفال لأسباب سياسية مغربية، و"كفى الله المؤمنين شر القتال"...

 

7/ جائزة اللوتس.. وقصيدة !

     من قصائد الجواهري السبعينية المتميزة  دالية " أرحْ عن صدركَ الزبدا" التي القى قسما منها بمدينة النجف العراقية، عام 1975 في حفل مهيب اقامته له هناك الرابطة الادبية، بمناسبة منحه جائزة( لوتس) من اتحاد كتاب اسيا- افريقيا، ومقره القاهرة آنذاك (1) . وقد كان حضور الاحتفاء بالشاعر لافتاً، لم تشهد له مثيلا، لسنوات وسنوات، بحسب مشاركين  ومتابعين.. وفي فترة لاحقة، اضاف الشاعر  لقصيدته أبيات أخريات ، ليتجاوز العدد مئة بيت وبيت، وتكتمل فتنشرها مجلة "الديار" اللبنانية في آذار/ مارس 1976  وقدمت لها: " في هذه القصيدة نرى الشاعر ينتقد عصره المليء بالزيف والخداع، وهو يسمو متعالياً بكبرياء الشاعر. ناهيك عن كبرياء محمد مهدي الجواهري. انها ضرب من الطموح الى تجاوز النفس والآخرين، في محاولة اختراق للمستحيل..".

   ولعل أول ما تجدر الاشارة اليه ان الجواهري القى القصيدة المعنية في مدينته – النجف، التي يزورها لأول مرة بعد أزيد من اربعة عشر عاماً، على الاقل. فقد رحل الى المغترب البراغي منذ العام 1961 ولم يعد الى بلاده حتى اواخر العام 1968.  وكما يظهر من من ابيات القصيدة ، فأن كل الحوار والمخاطبة فيها كان مع الذات، وهي طريقة طالما لجأ اليها الجواهري في قصائد عديدة، ليوصل الفكرة وبـيت القصيد، بل لنقل ابياته.. وجاء المطلع:

أزحْ عن صدرك الزبدا ، ودعه يبث ما وَجدا ...
ولا تكبت فمن حقب ذممتَ الصبر والجلدا
أأنت تخاف من أحدٍ، أأنت مصانعٌ أحدا ؟!
أتخشى الناس، أشجعهم يخافك مغضباً حردا
ولا يعلوك خيرهم ، ولست بخيرهم أبدا
ولكن كاشف نفساً ، تقيمُ بنفسها الأودا ...

  وفي اطار استعراضه لبعض سيرته ومساره الوطني والشعري، يوحي ويشي الجواهري لغير العارفين به، الى ما كان متاحاً امامه، من فرص ومجالات، عافها اختيارا، ليستبدلها بالتمرد، والثورة: الشخصية والاجتماعية والثقافية والسياسية، جمعاً متشابكــاً يصعب التمييــز فيه، مؤكداً " تركتَ وراءك الدنيا، وزخرفها وما وعدا / ورحت وانت ذو سعة ، تجيع الآهل والولدا".

   وعن رؤاه وفلسفته ونهجه في الحياة، يوثق الجواهري شعرا: قيماً ومفاهيم راسخة، معتزاً بها، ثابتاً عليها، عزوفاً عن تغييرها برغم ما أودت به، وما تأذى بسببها .. كما يوضح في ذات الآن، وبكل صراحة وأقتناع، تناقضاته التي" تميّـز" بها:

ظللتَ تصارع الأسدا، تريد المجد والصفدا

وتطمعُ تجمع القمرين فخرهما اذا أنفردا...

عجيبٌ أمرك الرجراج لا جنفاً ولا صددا

تضيق بعيشة رغدٍ، وتهوى العيشة الرغدا..

وتخشى الزهدَ تعشقهُ، وتعشق كل من زهدا

ولا تقوى مصامدةً، وتعبدُ كل من صمدا

ويدنو مطمحٌ عجبٌ، فتطلب مطمحاً بَعدا

     ثم يعود الشاعر تالياً، وفي مقطع أو ابيات لاحقة، فيشير ويصف الذين عانى منهم، متصديا لتطاولهم، وخاصة في سنوات ما بعد عودته من مغتربه، براغ، ذي الاعوام السبعة. وهو – اي الجواهري هنا – يستكمل ما عاناه منهم، ومن عناهم في قصائد سابقة، وخاصة قصيدته الشهيرة ( ياآبن الفراتين) عام 1969:

أزحْ عن صدرك الزبدا، وهلهل مشرقا غردا
وخلْ "البومَ" ناعبة ، تقيء الحقد والحسدا
مخنثةً فان ولدت ، على "سقط" فلن تلدا…

ألا انبيكَ عن نكد ٍ، تُهوّن عنده النكدا

بمجتمع تثير به، ذئاب الغابة الأسدا

خفافيش تبص دجىً، وتشكو السحرة الرمدا

ويعمي الضوء مقلتها، فتضرب حوله رصدا

  وبعد ذلكم التمهيد تحـلّ المواجهة، ويروح الشاعر يشخص تحديدا، واحدا أو أكثر، وإن اراد التعميم، وثمة تكهنات – بل وربما معلومات مؤكدة- عن أولئك، ولكن لن نشير لهم هنا، مسايرةً لترفع الجواهري عن ذكـر الاسماء المهجوين، وتلك هي حالة ثابتة عامة عنده، في كل قصائده مع أستثنائين أو ثلاثة .

وصلف ٍ مبرق ختلاً ، فان يـرَ نُهزةَ رعدا
يزورك جنح داجية ، يُزير الشوق والكمدا
فان آدتك جانحة، اعان عليك واطردا ..
وآخر يشتم الجمهور، لفَّ عليك واحتشدا...
يعدُّ الشعر أعذبه، اذا لم يجتذب احدا..

  وعلى طريق توثيق سيرته الذاتية ايضا، ترميزاً وشعرا، يروح الشاعر مفتخراً بمحطات من مواقفه الوطنية، ومواقفه أثناء التحركات الجماهيرية عام 1948 التي أصطلحَ عليها بـ"وثبة كانون" واستشهد فيها شقيقه الاصغر، جعفر الجواهري . كما يستطرد ليشيع مفاهيمه في تجاوز الصغار، فيخاطب نفسه، ويستثيرها: ..

أبا "الوثبات" ما تركتْ ، بجرد الخيل مطردا
يضجُ الرافدان ، بها، ويحكي "النيلُ" عن "بردى"
ويهتف مشرق الدنيا، بمغربها اذا قصدا:
ترفعْ فوق هامهمُ، وطـرْ عن ارضهم صعدا
ودع فرسان "مطحنة" خواء تفرغ الصددا...

   ويعود الجواهري في مقطع تالٍ، فيذكر من جديد بانتقاده، بل وغضبه العارم،  على تلك الجهة المقصودة، ومنها – كما اسلفنا- اشخاص محددون من الشعراء والادباء والنقاد، فيشكو منهم، معتمراَ الصراحة والوضوح، ويكشف عنهم، ويحرض ضد مواقفهم ودروبهم، وابتعادهم عن الانتصار للحقوق والواجبات، ويقيس ذلك على نفسه، فاللغة العربية أنتهكت، وهي أم الضاد، وكذلك "ربّ الضاد" زاعما بأنه يمثله (2)..

وغافين ابتنوا طنباً، ثووا في ظله عمدا
رضوا بالعلم مرتفقاً ، وبالاداب متسدا…
يرون الحق مهتضَماً، وقول الحق مضطهدا
وام "الضاد" قد هتكتْ، وربُّ "الضاد" قد جُلدا
ولا يعنون - ما سلموا - بأية طعنة نفدا
بهم عوزٌ إلى مددٍ ، وانت تريدهم مددا…

 

8/ في المَقامة اليونانيــة

   ما بين براغ التي أطالت الشوط من عمره... وبغداد "دجلة الخير" والأزمات والمرارة في آن، حطّ الجواهري ركابه في النصف الثاني من السبعينات الماضية، في أثينا، مستأجراً "شقيّقةً" متواضعة دون حدود، ولكن أهم ما عندها من مغريات وقوعها على ساحل البحر مباشرة، وذلك الأحب عنده، وهو التوّاق والطامح لمزيد من الإيحاء، كما في لاميته عام 1977 وجاء مطلعها:

سجا البحر وانداحت ضفافٌ ندية ولوح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجة لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل...

وما حمل "الاصباح" شرقاً إلى الضحى من الورق النَديان أشهى الرسائل

  وفي "مَقامة" الجواهري اليونانية نؤشر إلى ان وجوده  في أثينا لم يكن إلا لفترات قصيرة ومتقطعة، اغتراباً عن الأحداث، وركوناً إلى النفس، وتمعناً في ما يمتليء به فكر الشاعر: فلسفة في الحياة ووقائعها، والمشاغل الانسانية العامة . ثم انقطع أمـد تلك الإقامة لأسباب مالية، ليس إلا، إذ لم يستطع شاعر الأمة العراقية أن يوفر إيجار الشقة الزهيد، بينما كانت البلاد تتراكم فيها ثروات الفورة النفطية آنذاك، والبقية معروفة على ما نظن...

 

 9/ اول طبعة "شبه" كاملة للديوان

  شهدت سنوات السبعين الماضية، ولأول، صدور المجموعة "شبه" الكاملة لديوانه، بسبعة أجزاء تعدت (2650) صفحة من القطع الكبير، وبإشراف نخبة مـن رجـالات الأدب واللغة: د. مهدي المخزومي، ود. علي جواد الطاهر، ود. ابراهيم السامرائي، وأ. رشيد بكتاش. وكان حريصا على مراجعة مسوداتها بشكل دؤوب، وحريص كما تشهد بذلك مراسلاته الى اللجنة المشرفة على الديوان الذي صدر الجزء السابع، والاخير منه عام 1980  وقد اصبحت تلك الطبعة مرجعا لاحقا لطبعة دمشق ذات الاجزاء الخمسة، في الثمانينات، وطبعة بيروت، الاكثر شمولية عام 2000... ولعل من المفيد ان نشير الى ان  الفترة (1969-1979) صدرت للجواهري عدة مجاميع شعرية من أهمها:

1-  الجزء الثاني من المجموعة الشعرية الكاملة – دار الطليعة / بيروت- 1969 وكان الجزء الأول من تلك الطبعة قد صدر عن الدار ذاتها عام 1968.

2- بريد العــودة – مجموعة من قصائد الجواهري- مطبعة دار المعارف / بغداد 1969.

3- ايها الأرق: - قصيدة طويلــة نشرتها وزارة الاعلام العراقية- مطبعة الأديب / بغداد- 1971.

4- خلجـات: مجموعة من أشعار الجواهري عن وزارة الاعلام- مطبعة الأديب بغداد – 1971.

 

10/ زيارتان الى الكويت والامارات

    في كانون الاول/ يناير 1979 يتوجه الجواهري لزيارة الكويت، وبرفقته زوجته آمنة،   تلبية لدعوة ثقافية، شمل برنامجها امسية حاشدة القى فيها مختارات من شعره القديم / الجديد، وافتتحه بابيات تحية للمضيفين. كما غطى الزيارة تلفزيون الكويت والعديد من وسائل الاعلام الاخرى، ومن بينها صحيفة القبس التي كتبت  في العدد 2409 الصادر في 1 شباط/ فبراير 1979 عن الأمسية تقول: "قبل حضور الجواهري الى الكويت كنا نتساءل: هل فقد الشعر جمهوره؟ وبعد أمسية ابن الفرات وأبي فرات" تبين ان الجمهور كان موجوداً.. لكن الشعر كان غائباً". وأضافت "القبس": "قاعة رابطة الأدباء التي قلما تمتليء مقاعدها، اكتظت أمس حتى البهو الخارجي، وكان عدد الواقفين يتعادل مع عدد الجالسين"  ترفرف فوق رؤوسهم جميعاً هيبة الشعر الأصيل، التي تجسدها شاعرية فذة أعادت أجواء عظمة الشعر العباسي في العهد الذهبي للحرف المنغم".

    وقدم الجواهري في الامسية، رئيس "رابطة الأدباء" أحمد السقاف بكلمة جاء  فيها: "لعلكم توافقونني الرأي أن الشاعر العربي الكبير "محمد مهدي الجواهري" غني عن التعريف، فشهرته العربية والعالمية قد فاقت الآفاق، وجهاده الصلب في سبيل أمته العربية جعله يحتل مكانة خاصة في قلوب الملايين من أبناء هذه الأمة". وأضاف: "لقد عرف الجواهري شاعراً ثائراً على الاستعمار وعلى الظلم والاضطهاد، ولقد وقف بصدق الى جانب الشعوب المناضلة في سبيل الحرية والعدالة، فكان، بذلك، صوتاً حراً جريئاً ترتجف له قلوب المستعمرين. لقد حفظ الشباب قصائد الجواهري، وتغنوا بها في مسيراتهم الوطنية، لكونها شعراً أصيلاً يمجد التضحية والفداء في سبيل الوطن، ويرفض الخنوع والذل والاستسلام. ان الجواهري زوبعة في دنيا الشعر، لا تضاهيها إلا زوبعة الشعر العباسي".

     وفي عام 1979 ايضا  يلبي الجواهري دعوة الى (ابو ظبي) من وزارة الاعلام والثقافة في دولة الامارات، ورافقه فيها نجله البكر: فرات، ليلقى هناك وامام حضور كثيف، نوعا وكما، مقاطع عديدة من اشعاره، وافتتحها بقصيدة جديدة  عنوانها "أفتيان الخليــج"  شملـت الكثير من المواقف والرؤى السياسية حول العديد من القضايا الساخنة التي كانت تسود المنطقة العربية في ذلكم الوقت. وكان مطلعها : أعيذك ان يعاصيك القصيدُ، وان ينبو على فمك النشيــد.. وان تعرو لسانكَ تمتماتٌ وان يتفرط العقد الفريــدُ".

  

11/ عشيّة العودة للأغتراب عن العراق

      في اواخر عقد السبعينات الماضية تزداد الاوضاع الداخلية في العراق ضراوة في ظل النظام الشمولي لحزب البعث، وينتشر العنف والارهاب ليطال الالاف (ومن بينهم بنت الجواهري – خيال، التي احتجزت لعدة ساعات في مقر أمني، ونجلـه – كفاح، الذى اعتقل وعذب على مدى اسابيع، في النصف الاول من عام 1979) . ويتنبئ الشاعر بأن القادم اسوأ، وذلك ما حصل بالفعل في السنوات اللاحقة ... وهكذا يقرر الجواهري الاغتراب، موقفَ غضب  ولو صامتا، ولم يكن مطلع العام 1980 يحلّ حتى يشد الرحال الى  براغ مجددا، وهو الاخير عن العراق، وحتى رحيله الى الخلود في دمشق الشام بتاريخ 1997.7.27..

 

* المصادر ----------------------------------------------------

1/ اجزاء ديوان الجواهري / بيروت 2000 عن دار بيسان .

2/ كتاب (اصداء وظلال السبعينات ) لرواء الجصاني/ براغ 2001 عن دار بابيلون .

3/ كتاب ( الجواهري .. قصائــد وتاريخ ومواقف) لكفاح الجواهري  ورواء الجصاني/ دمشق عام 2012 عن دار سندبـــاد .

4/ كتاب ( الجواهري بعيون حميمة) لرواء الجصاني/ عام 2016 عن مركز الجواهري- براغ.

5/ معايشات واحاديث، وشهادات شخصية للكاتب في بغداد وبراغ ودمشق .

 

* هوامش واحالات ----------------------------------------------------------------

(1) جائزة "لوتس" السنوية الدولية للآداب، اطلقها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا عام 1969 وممن مُنحت لهم ايضا، من العرب: الكاتب المصري: يوسف السباعي، والروائي الفلسطيني: غسان كنفاني.

(2) لربما كان الجواهري يريد ان يشير هنا الى ما أطلقه عليه الشاعر العراقي البارز، معروف الرصافي، من لقب أفخـم، حين كتب له عام 1941: "أقولُ لربّ الشعرِ (مهدي الجواهري) .. الى كم تناغي بالقوافي السواحرِ".

 

 

من بينهم الزهاوي المتنبـي والمعــري والرصافي ...

شعراء في قصيـد الجواهري العامر(1/3)

* رواء الجصاني

    تعددت وتنوعت شؤون التوثيق، والتقصي، والدراسات حول المنجز الشعري لمحمد مهدي الجواهري (1899-1997) في مجالات اللغة والاسلوب، والاغراض والمناسبات، دعوا عنكم شؤون حياته الشخصية والعامة ومفاهيمه ورؤاه، ومنابعه الفكرية والثقافية، وسوى ذلك كثير كثير، غطته وناقشته وقيّمته اطاريح دكتوراه ورسائل الماجستير، عديدة، ومئات المؤلفات والكتب والمقالات (1)

   ومن التوثيقات والبحوث الغير المطروقة على ما ندعي، هذه الكتابة  التي  تعنى بما حواه ديوانه الثري ذو الخمسة والعشرين الف بيت تقريبا، من قصائد، وقطع شعرية تتطرق، وتشير  الى، وتتحدث عن  نحو اربعين شاعرا عراقيا وعربيا واجنبيا، بمناسبات مختلفة، بين تكريم  استشهاد واستعارة هنا،  وتخليد ورثاء، وأشارة هناك،  وعلى مدى أزيد من سبعة عقود امتدت للفترة (1921-1994) تحديدا (2) .

  ولأن الهدف الذى نتوخاه في هذه الكتابة هو التوثيق والتقصي وحسب، وليس للتأرخة المفصلة، فسنكتفي ببعض التواريخ والدلالات الموجزة، مما يسهل على المهتمين الوصول الى كامل القصيدة او القطعة الشعرية، او الابيات – بل وربما البيت الواحد – التى  تشمل شعراء مميزين كما نجتهد، تطرقت اليهم قصائد الجواهري، مرتبة  أولاها زمنيا، مع حفظ المكانات والالقاب.. ذلك بالاضافة الى اشارات عجول لاسماء كريمة اخرى، علّها  تفيد من يرغب بمزيد من المعلومات..

   واستدراكا لما سبقت اليه الفقرة الآنفة، وبعيدا عن الأسهاب والتفاصيل، لربما من المفيد ان نؤشر في هذا السياق الى ان الكثير والمتنوع من المدلولات يمكن استنباطها من اشارات الجواهري، ومخاطباته، لذلك الجمع من الشعراء، وتبجيله لبعضهم، ورثائه لبعض آخر، وغير ذلك من اشكال واغراض. ونظن بأن من المهم في هذا الشأن حسبان الزمان والمكان التي قيلت فيه القصيدة او تطرقت له الابيات، ومكانة ذلكم الشاعر وغيره عند الجواهري، والبواطن في مثل تلكم الاشارة أو الاستشهاد او الاستذكار...

   كما تجدر الاشارة ايضا الى ان الجواهري، وكعادته،  قد خلط  قصائده أو ابياته الشعرية التى نعنى بها في هذا الاستقصاء: الخاص بالعام في عدد منها، وربط ماضيا بحاضر، وراهناً  بمستقبل، وفلسفة بواقع في عدد آخر. فضلا عن لجوئه في قسم آخر الى اتخاذ تلكم القصائد او الابيات منافذ للوصول الى غايات بعينها ارتضاها الشاعر او اراد أشاعتها..

     أخيرا، وقبيل الدخول الى صلب التوثيق ، نرى اهمية في التوكيد هنا بأن هذا الجزء الاول، الذي سيليه جزءان آخران، يشمل ثلاثة  شاعرا من المعنيين الذي نوثق لهم، وعنهم، ووفق التسلسل الزمني لنشر القصائد الجواهرية ذات العلاقة، وهم: 1- فائق بيكس. 2- محمد صالح بحر العلوم. 3- بشار آبن برد. 4- موسى الجنابي.  5- مظفر النواب . 6- شاذل طاقة . 7-جبران خليل جبران. 8- النابغة الذبياني. 9- عمر الخيام. الى جانب الموثق عنهم ادناه:    

 

1/ جميل صدقي الزهاوي: في قصيدة "جائزة الشعور" عام 1927:

قمْ يا "جميلُ" فحامني، يا حامي الادب العراقي

- وكذلك في قصيدة"جربيني" عام 1929:

عن يساري اعمى المعرة، و"الشيخ الزهاوي" عن يميني

- وايضا في قصيدة "الزهاوي" عام 1936:

على رغم انف الموت ذكرك خالدُ، ترن بسمع الدهر منك القصائدُ

 

2/ المتنبي، احمد، ابو الطيب – ابو محسد، في قصيدة "المحرّقة" عام 1931:

او "المتنبي" حين قال تذمراً، افيقا خُمارُ الهمّ بغضيّ الخمرا

- وايضا في قصيدة "احمد شوقي" عام 1932:

قرون مضت لم يَسدّ العراقُ، من "المتنبي" مكاناً شغـرْ

ـ وكذلك في قصيدة "الشاعر الجبار" عام 1935:

وُلد الالمعي فالنجم واحمْ، باهت من سُطوع هذا المزاحمْ

ـ وفي "المقصورة" الشهيرة مخاطبا نفسه، عام 1947:

وبـ"المتنبي" ان البلاء، اذا جــدّ  يعلم اني الفتى

- وكذلك في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفقٌ بكل صبيغة ٍ، متورد ِ..

بالبحتري، أبي السلاسل لمّعـاً، بالعبقري "ابي محسد" أحمدِ

بمذل "كافورٍ" عجيبة دهرهِ، ومعز آل الأرمني، و"مخلّدِ"

- وايضاً في قصيدة "كما يستكلبُ الذيبُ" الوجدانية – السياسية عام 1953:

تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهمُ ، ضوء القمر المنبوح ِ، مسكوبُ...

وقبلَ الف ٍ عوى الفٌ فما انتقصت "ابا محسد" بالشَتم الاعاريبُ

ـ وكذلك قصيدة "في ذكرى المالكي" الرثائية السياسية عام 1957:

وإذ "ابو الطيّبُ" الشرّيد في حلب ٍ، نجم تُضاء به الافلاك سيّـارُ

ـ وايضا في "رباعيات" - مقطوعة "حكم التاريخ" عام 1960:

سيسبُ الدهر والتاريخ من أغرى بسبي ..

يا لويل المجتلي كلباً لسبّ المتنبي

ـ وكذلك في قصيدة "لبنان يا خمري وطيبي" التكريمية – السياسية عام 1961

والمخاطب في البيت، الشاعر اللبناني بشارة الخوري:

جئتَ العراق فعاش فيك عهود "احمد" و"الحبيبِ"

- وايضاً في قصيدة "أبا الفرسان" الوجدانية عام 1967:

"أبا الفرسان" ان عُقت ديارٌ ، عقدتُ بها شبابي بالمشيب ِ

فلا عجبٌ فقبلي ضقنَ ذرعاً ، بخير الناس ِ "أحمد" و"الحبيب"

ـ وكذلك في قصيدة "يا ابن الفراتين" الوجدانية- التنويرية عام 1969:

"أبا محسد" دنيا رحت تمخضها، فما تلقفُ إلا ما نفى الزبّدُ

ـ وقصيدة "آليت" عام 1975:

أكبرتني ان اختشي وغداً، وان أُعنى بغـِرّ

وضربت لي امثولة ً، بـ"أبي محسد" و"المعري"

ـ وايضا في قصيدة "فتى الفتيان" التنويرية عام 1977:

تحدى الموتَ وأختزل الزمانا، فتى لوى من الدهر ِ العنانا

- وفي قصيدة "بغداد" السياسية، عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربية، وتفردت "آشور" بالآثار

عشرون قرناً وهي تسحب خلفها، بدمٍ، ذيول مواكب الاحرارِ

بـ"ابن المقفع" و"آبن قدوسٍ" وبـ"الحلاج" والموحى له "بشار"

بـ"ابي محسد" وهي تقطع صلبه، لم يُدرَ عار مثل هذا العارِ

 

  3/ معروف الرصافي: في قصيدة "الى الرصافي" عام 1944:

تمرستَ بـ"الاولى" فكنتَ المغامرا، وفكرتَ بـ"الاخرى" فكنت المجاهرا

- وفي قصيدة "معروف الرصافي" الرثائية - التنويرية عام 1951:

لاقيتُ ربكَ بالضمير ِ ، وانرت واجبة القبور ِ

"معروفُ" نمْ فوق التراب، فلستَ من اهل الحرير ِ

ـ وكذلك في قصيدة "الرصافي" الاستذكارية عام 1959:

لغزُ الحياة وحيّرة الالباب ِ ان يستحيل الفكرُ محض ترابِ

 

4/ المعــري، احمد- ابو العلاء، في قصيدة "بين قطرين" عام 1924:

الا مبلغ عني "المعري" احمداً، ليسمعه والشعرُ كالريح جوالُ

- وكذلك في قصيدة "جربيني" عام 1929:

عن يساري اعمى المعرة و"الشيخ" الزهاوي عن يميني

- وايضا في قصيدة "ابو العلاء" عام 1944:

قف بالمعرة وامسحْ خدها التربا، واستوحْ من طوق الدنيا بما وهبا

- وكذلك في قصيدة "احييك طه" عام 1944:

وجدد لنا عهد "المعري" انه، قضى، وهوى بغداد يُلذعه لذعا

- وفي قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعـدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صيغة ٍ، متورد ِ..

بأبن المعرة، ترتمي جمراتهُ، بأمض من عنتِ الزمان، وأحقدِ

- وفي قصيدة "لبنان يا خمري وطيبي" التكريمية – السياسية عام 1961:

و"ابو العلاء" على بناتِ الماء تُحدى بالخبوبِ

- وايضا في قصيدة "آليّت" الوجدانية التنويرية عام 1975:

اكبرتني ان اختشي، وغْـداً، وأن أُعنى بغّــرّ

وضربت لي امثولةً، بـ"أبي محسد" و"المعري"

-------------------------------------------------------------------* يتبع القسم الثاني

1/  وثقنا بعض تلك الاطاريح ورسائل الماجستر في توثيقنا الموسوم " الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير" والمنشور عام 2019 بذلك العنوان على شبكة الانترنيت وصحف ووسائل اعلام اخرى عديدة .

2/  لمزيد من التفاصيل، ثمة استقصاء وبحث موسع، للكاتب،  موسوم بـ " مشاهير وشخصيات وأسماء في شعر الجواهري" منشور عام 2017 بذلك العنوان على شبكة الانترنيت وصحف ووسائل اعلام اخرى عديدة .

 الجواهري والامام الحسين،

بعيداً عن "طلاء القرون" و"ستر الخداع"

رواء الجصاني

* ها نحن نستعيد مرة اخرى في قراءة قديمة – جديدة، عينية الجواهري، الجدلية- الفريدة، في شموخ واباء الامام الحسين، وثورته وتضحياته، مستذكرين في هذا المنحى ما كان الشاعر الخالد يقوله في مجالس وحوارات كثيرة، عن قصائده،: ان كل قديمه جديد، وما احرى بتلكم العينية ان تكون مثالا على ما نشير اليه

* وكما نوهنا، فقديم الجواهري، الجديد، الذي نوثق عنه في السطور التاليات: عصماء"امنت بالحسين"التى هدر بها الشاعر الخالد عام 1947 وفاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ … تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ
ورعياً ليومـك يوم"الطفـوف"… وسـقياً لأرضك من مصرع
تعـاليتَ من مُفـزع للحتـوفِ … وبـورك قبـرك مـن مَفزع

* وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الجواهرى أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط"كاللبن الخاثر"وغيرهم من اللاجئين"لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ”...

* ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في"آمنت بالحسين"مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة في تبجيل “الواهبين النفس"فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يرى صاحب"آمنت بالحسين" ..

* وفي مقاطع تالية من تلكم العصماء، القديمة – الجديدة، يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و”نهجه النير"الذي بات"عظة الطامحين العظام "لاولئك"اللاهين عن غدهم"والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة.. كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم"الطفوف"و”الملهم المبدع"الثابت أمام"سنابك خيل الطغاة"دون خوف أو رهبة… وبهدف أن يُبدل"جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع”…

شممتُ ثـراك فهب النسيم … نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ
وطفت بقبرك طوفَ الخيال … بصومعـة المُلهـم المبدع
تعـاليت من صاعق يلتظي … فـان تـدجُ داجية يلمـعِ

* ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و”يمحص"الأمر دون أن يرتهب من"الرواة"أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون"تزويق"أو مبالغات… وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو"أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع"…

تعاليتَ من"فَلَك"قُطْرهُ… يدورُ على المِحوَرِ الأوسعِ
فيا ابنَ"البتولِ"وحَسْبي بها…. ضَماناً على كل ما أدّعي
ويا ابنَ التي لم يَضَعْ مِثلُها … كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويا ابنَ البطينِ بلا بِطنةٍ ….. ويا بنَ الفتى الحاسرِ الأنْزَع

* ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي"نوّر"من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها:"سلام على مثقل بالحديد – 1951"و”بور سعيد – 1956″ و”كردستان – موطن الأبطال- 1962″ والى"اطياف الشهداء الخالدين- 1963″ و”فلسطين الفداء والدم – 1970"فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948

تمثلـتُ يومـك في خاطـري … ورددت"صـوتك"في مسـمعي
ومحصـت أمـرك لم"ارتهب"… بنقـل"الرواة"ولـم أخــدع
ولما ازحـت طـلاء"القرون"… وسـتر الخـداع عن المخـدع
وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ … بـأعـظــمَ منهـا ولا أروعِ

* وللاستزادة، نقول أن قصيدة"امنت بالحسين"المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بماء الذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة ومأثرة "الطــف.

------------------------------------------------------رواء الجصاني/ اب- اوغسطس2020

 

الجواهري في لبنان، وعنه:

إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

رواء الجصاني

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، تم نسبها للجواهري، وهي ليست كذلك، مطلقا، مع الاحترام للناظم والناشر والناقل، والمتداول..

ولمزيد من الأحاطة والتعريف، ببعض محطات الجواهري في لبنان، وقصائده عنه، ننشر ادناه مقتطفات ضافية من نصٍ ضمه الفصل السادس في كتابنا " الجواهري... بعيون حميمة"  الصادر في براغ وبغداد وبيروت عام 2016:

* قد يحق لنا أن نجتهد، فنصيب، حين نقول ان الجواهري قد أوجز حبه للبنان وبيروته وجمال طبيعته، وحسانه اللواتي يفضن رقةً ودلالاً وغنجاً، وذلك في آخر قصائده ذات الصلة، عام 1961 حين قال:

لبنانُ يا خمري وطيبي، لا لامستكَ يدُ الخطوب ِ

لبنانُ يا غرفَ الجنان ِ الناضحات ِ بكل طيب ِ

لبنانُ يا وطني اذا حُلئتُ عن وطني الحبيبِ

*.. وتعود اولى قصائد الجواهري عن تلك البلاد التي عشقها بكل عنف، إلى مطالع الشباب، وإلى عام 1922 تحديداً حينما نظم نونيته "لبنان في العراق" لتليها كثيرات أخريات ومن بينها في الثلاثينات الماضية: "وادي العرائش" و"شاغور حمانا"... وفي الأربعينات "بنت بيروت" و"اخي الياس"...

 * ومن بين قصائد الحصة اللبنانية في ديوان الجواهري، تبرز بائية "ناغيت لبناناً" التي نظمت عام 1947 بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس بشارة الخوري إلى العراق... وقد تشابكت فيها، وكما هي الحال شبه الدائمة في خوالد الشاعر الكبير، شؤونٌ وشجون عديدة، خاصة وعامة، ومطلعها:

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا، وظفرته لجبينه اكليلا..

* ثم يعود الشاعر في القصيدة ذاتها، ليجول في محاور متداخلة ومنها، وطنية هذه المرة، فراح يخاطب الضيف المحتفى، الرئيس بشارة الخوري:

يا شيخ لبنانَ الاشم فوارعاً، وشمائلاً، ومناعة ً، وقبيلا

مثلته في كلهنَّ فلم يرد، بسواك عنكَ، ولن يريد بديلا

ان العراق وقد نزلت ربوعه، ليعد ساكنه لديك نزيلا

*  وعلى الرغم من هذه العجالة في الكتابة عن لبنانيات الجواهري، لا يمكن الا ان نتوقف، ولو سريعا، عند رائيته الشهيرة عام 1950 والتي القيت في بيروت خلال حفل تأبيني مهيب وحاشد للشخصية الوطنية البارزة عبد الحميد كرامي، وقد كان من عواقب القصيدة، وتداعياتها، ان طلبت السلطات اللبنانية الرسمية من الشاعر الكبير، الخروج من البلاد خلال ثمان ٍ وأربعين ساعة لخطورته "الشعرية" على أمن البلاد!! ومن أبيات تلكم القصيدة الباهرة:

باق ٍ وأعمارُ الطغاة ِ قصارُ، من سفر ِ مجدكِ عاطرٌ موارُ

عبدَ الحميد ِ وكلُ مجد ٍ كاذب، ان لم يُصن للشعب فيه ذمارُ

المجد ان يحميكَ مجدك وحده في الناس، لا شُرَط ٌ ولا انصارُ

* وما دمنا في اروقة مقامة الجواهري اللبنانية واصدائها، نوثق بأننا حملنا اوائل العام 2011 "منقاراً وأجنحة" أخف ما لمَّ من زاد ٍ اخو سفر، لنعبر الحدود إلى بيروت، راحلين إليها من دمشق التي ودعتنا فيها "ناديا"، حفيدة الشاعر العظيم، وقد راحت – شاءت أم أبت – اخر ركيزة للعائلة الجواهرية المستقرة في بلاد الشام، حينئذٍ على الأقل... وهي التى حظيت – ولربما وحدها من الأحفاد - على ما نعلم – بقصيدة نادرة، ومعبرة من الشاعر العظيم عام 1988، ومن ابياتها:

يا ناديا الزهر الندي... يا قطعة ً من كبدي

*  واذ نتجاوز الحدود السورية بمسافة قصيرة، مع احباء واصدقاء تلوح امامنا فضاءات لبنان، وصورة جنانه التي رسمها، ولونها الجواهري بأكثر من قصيدة، ومنذ العشرينات: سهولاً وجبالاً وبحراً ومجتمعاً وناسا، دعوا عنكم الوقائع الثقافية والسياسية وما إليها، وبينها... ومن الشواهد على ما نقول فرائده التي جاءت في سطور سابقات من هذه الكتابة.

* ثم نستريح قليلاً في محطة أولى عند "الروشة" وسط بيروت، والتي طالما حدثنا الجواهري عن حبه لها، ولمقاهيها التى تداعبها بافتتان وتغازلها بعشق، موجات البحر المتوسط، الساحر والهادر في آن، وهو ذاته البحر الذي ناجاه الشاعر الخالد، وان من موقع آخر، حين كان على سواحله في أثينا عام 1977:

سجا البحر وانداحت رمالٌ ندية ولوح رضراض الحصى والجنادلِ

وفكت عرى عن موجة لصق موجة تماسك فيما بينها كالسلاسل

 *  وفي وسط بيروت عاشقة الفرح والمزدانة به برغم كل الآلام، نستذكر، ونحن بين اللبنانيات الساحرات جمالاً وغنجاً، ما كتبه عنهن الجواهري، عام 1947:

ناغيتُ لبناناً بشعري جيلا، وظفرته لجبينه اكليلا

وحسان لبنان منحت قصائدي، فسحبنهنّ كدلهنَّ ذيولا

أهديتهن عيونهنّ نوافذاً، كعيونهن اذا رميّن قتيلا

ورجعت ادراجي اجر غنيمة من بنت بيروت جوى وغليلا

*  ولعلّ واحدة ممن عناهن القصيد السابق عن الفاتنات، تلكم السيدة التي تزوجها الجواهري أواسط الأربعينات، من عائلة "بيضون" اللبنانية - السورية الكريمة... وقد كتب نجل الشاعر، فلاح، في بعض ذكرياته المنشورة عام 2009 عن علاقة ابيه، الخمسيني، او يكاد انذاك، بعروسته الشابة:

"لم أرَ والدي، ولا في أي يوم في بيتنا بمثل هذا المرح والانطلاق، فوجهه اما ضاحك أو مبتسم أو على الأقل ينضح بالرضى... مليء بالحيوية والنشاط... يعبث كثيراً مداعباً أو ممازحاً... ولم يترك تلك "الحورية " وحدها إلا ما ندر..."

* اخيرا نوثق ان اخر زيارة للجواهري الى بيروت كانت عام 1991 للمشاركة في مؤتمر تاريخي عقدته ستة فصائل عراقية معارضة للدكتاتورية والحرب والارهاب، وقد كان الشاعر العظيم، ووحده، فصيلا اضافيا، سابعا، بين المجتمعين، بحسب رموز سياسية بارزة شاركت في ذلكم المؤتمر...ثم، عاد الشاعر الخالد لعاصمة السحر والجمال مرات ومرات، منذ رحيله عام 1997 والى اليوم: حفلا تابينيا، وقل احتفائيا، وكتابات وبحوثا وذكريات، من شعراء وادباء ومبدعين ومؤرخين، وكذلك ديوانا كاملا بخمسة اجزاء اخرجه الفنان عباس الكاظم عام 2000....

* ولأن الشيء بالشيء يذكر كما يقال، نشير هنا الى ان ثمة ثلاث طبعات لديوان الجواهري قد صدرت في لبنان خلال الأعوام 1967 و1982 و2000 على التوالي... كما ونضيف ان حفلاً تأبينياً مهيباً قد احتضنته بيروت خريف العام 1997 في اربعينية الشاعر الخالد، وشارك فيه جمع بارز من شعراء ومفكري وأدباء البلاد، وفي مقدمتهم: سعيد عقل ومحمد دكروب ومحمد حسن الامين وجوزيف حرب وحبيب صادق إلى جانب مبدعين عراقيين وعرب آخرين عديدين..

* رواء الجصاني

 

الجواهــري ... ربع قـرن من

اللواعج، والتصدي (1961-1985)

* رواء الجصاني

أحسبُ بأن الرؤية التي تقول بأن أذى وايذاء المثقفين والمبدعين في اوطانهم مؤشرٌ سوء لا يفحمُ على واقع وحال السطة الحاكمة، ومسار تلكم الاوطان، بل ومقياس لما هو كائن، وسيكون.. وأذا ما آمنا بذلك، فكيف ستؤول اليه الامور حين يُضطهد ويهضم، ويعاني رمز البلاد الثقافي، وأهم عناوينها الأبداعية، ونعني بذلك محمد مهدي الجواهـري (1899-1997) ... مع اهمية الاضافة هنا الى الأدوار التي يتطوع لها، أو يكلف بها، وعاظ واتباع السلاطين، وصحفهم وكتبتهم ومرتزقتهم، وكذلك الحسّاد والمتربصون، وأشباههم وهم ليسوا قليلين كما نعلم، وكما يعلمنا الشاعر الخالد نفسه، في قصائده طوال ربع قرن ..

    قلنا ربع قرن ونحدد ذلك بالفترة التي جاءت في عنوان هذه التأرخة (1961-1985) وهي فترة "حفلت" بها البلاد العراقية، خلال عهودها المتعددة، باللاديمقراطية والعسف والعنف، وبالانقلابات الدموية، والارهاب، والحروب الداخلية والخارجية، بكل تفرد و"تميّز" وتنوع، مقارنة باوضاع بلدان عربية ومجاورة، وغيرها مما عُرف بـ" العالم الثالث" بشكل رئيس. ودعونا الآن نوثق، ونؤرخ ما زعمنا به، وما ثبته الابداع الجواهري، ومنجزه الشعري، وفي تسلسل زمني، لربع قـرن ..

 

* في رافديه بلا نصيبِ

مع تعاظم رفعة ومكانة الجواهري، عطاء ووطنية، وانتشار وترسخ رؤاه التنويرية ومنظومته الفكرية، تعاظمت لواعجه من الجحود والاسفاف، ومن مواقف وتجاوزات "النخب" الثقافية والسياسية المتعصبة والمدعية، في العراق وخارجه... مما اضطره لشدّ الرحال مغترباً عام 1961 إلى براغ هذه المرة، متوقفاً في بيروت ليشارك في مهرجان تكريم الشاعر الكبير بشارة الخوري ببائية فريدة لم يدع مناسبتها تفوت إلا وكشف بعض ما تعرض إليه في العراق الجمهوري "الجديد" آنذاك، ومن بين ذلك اعتقاله "لأسباب سياسية وثقافية" وان ليوم واحد، برغم رئاسته لاتحاد الأدباء، وتزعمه لنقابة الصحفيين في البلاد، فقال مخاطباً المحتفى به:

أبشارة وبايما شكوى اهزك ياحبيبي...
هل صكَّ سمعك انني ، من رافديّ بلا نصيب ِ
في كربة وأن الفتى الممراح، فراج الكروب ِ
وزعتُ جسمي في الجسوم، ومهجتي بين القلوبِ

 

* أوَ صقرٌ طريدة لغرابٍ؟!..

  وفي براغ التي وصلها حديثاً، وفي احتفال أممي مهيب يلقي الجواهري قصيدة جديدة يبارك فيها نضالات طلبة وشبيبة العالم من أجل التحرر والديمقراطية... ثم يشكو لهم ما أصابه من عقوق في بلاده، وبأمثلة ووقائع مباشرة، كما يبثهم بعض لواعج الغربة التي يعيـش، والتي حسبها البعض مراداً، واستجماما لا مثيل له:

يا شباب الدنى وأنتم قضاتي ، في شكاة وأنتم شهودي
أنا في عزة ٍ هنا ، غير أني ، في فؤادي ينز جرح الشريد ِ
لي عتاب على بلادي شديد ، وعلى الأقربين جد شديد ِ
أوَ صقرٌ طريدة لغراب؟! ونبيغ ضحية لبليد ؟!...
يا لبغداد حين ينتصف التاريخ من كل ناكر وجحود ...
بخلتْ ان تفيء الظلّ منه ، وحنتْ فوق كل وغد ٍ وغيدِ

 

* عادى المعاجم وغــدُ يستهين بها

... وإذ تطول الغربة، فتتراكم المعاناة من الجحود، يصدح الجواهري عام 1962 برائعته الشهيرة "دجلة الخير"، التي وثقت للبلاد مجتمعاً وتأريخاً وواقعاً، ومن بين ذلك ما يعني الشاعر العظيم، ويعاني منه:

جبْ أربعَ النقد واسأل عن ملامحها ، فهل ترى من نبيغ ٍ غير مطعون ِ ...
عادى المعاجمَ وغدٌ يستهينُ بها ، يحصي بها "ابجديات" ويعدوني
شُلتْ يداك وخاست ريشة غفلتْ ، عن البلابل في رسم السعادينِ

 

* ومنغولٍ من التتار وغـدٌ..

وفي عام 1967، وحيث يعيش الشاعر العظيم هموم وشجون الاغتراب الاضطراري، يصدر احد "المفكرين" البارزين من وجهة نظر البعض، والمشكوك في عروبته وأصله وصلاح أفكاره، من وجهة نظر آخرين، يُصدر مذكراتٍ عن تاريخه في العراق، أعاد فيها سموماً طائفية خبيثة كان قد تقيّح بها منذ نصف قرن، ذلك "المفكر" نفسه، ضد الجواهري، الذي تصدى مواجهاً المعنيين بكل عنفوان، فقال:

سهرتُ وطال شوقي للعراق ، وهل يدنو بعيدٌ باشتياق ِ ...
احبتي الذين بمن امني ، بلقياهم اهونُّ ما ألاقي ...
ابثكم شكاة اتقيها ، فتصرعني وتمسكُ من خناقي
اغمزاً في قناتي من عُداة ٍ ، تناهشني ، وصمتاً من رفاقي ...

ثم تثور القصيدة فينال ذلك المتجاوز، وربعه، ما يستحقون من أوصاف، مبرزة "بعض" الحقيقة لا كلها، وإذ نمتنع حالياً عن التصريح باسم المعني، نشير إلى أنه يعد أحد رموز الطائفية المقيتة التي جرى تأجيجها أوائل القرن الماضي، ومنذ بدايات الحكم الوطني في العراق تحديداً... وما أشبه الليلة بالبارحة:

ومنغول ٍ من التاتار" وغْد ٍ ، تراضع والوغادةُ من فواق ِ
إلى "يمن" إلى "حلب" تسمى ، إلى "مصر" إلى درب الزقاق ِ
وكل ضاق بالملصوق ذرعاً ، وأيٌ فيه مدعاة التصاق ؟
أوجه القرد ، أم خلق البغايا ، أم النعرات ، أم نذر ِ الشقاق؟
أم النسب المؤثل بالمخازي ، أم الحسب المسلسل في رباق ِ
ولما حمت الأقدار ألقت ، به جيف البطون إلى العراق ِ ...
ليجمع حوله سفلاً تلاقى ، كما التقت الخفاف على الطراق ِ ...
"زنامى" يعطفون على زنيم ، كما عطف الجناس على الطباق ...
وما برح العراق محك صبر ٍ ، يطاق بأرضه ، غير المطاق
كأن غرائب الدنيا تنادت ، على وعد لديه بالتلاقي

 

* ..ومن خَتل ٍ رُميتُ وما خَتلتُ

... وخلال عام 1972 يعود عدد من تجار الوطنية والثقافة ليغمز من قناة الجواهري، بأنه يفضل المغترب البراغي على بلاده، فيوسمهم الشاعر العظيم في جباههم، وبما هم أهل له كما يرى، خاصة وان بعضهم ممن تساقوا معه ، وتساقىَ معهم المودة، وذلك ما آلمه بشكل مضاعف:

تقوّل ما يشاء خبيثُ طبع ، بُلوتُ طباعه حتى مللتُ
بأني حُوَّل ان اعوزتني ، على الملاّت اعذار ، احلتُ
معاذ الله ... والخلق المصفى ، وحرة طينة ٍ منها جُبلتُ
ولكني وجدت الودَّ سوقاً ، يراد بها تجاراً فاعتزلتُ
فمن خَتل ٍ رُميتُ وما خَتلت ، وعن جبن خُذلت ، فما خَذلت
خبرتُ الناس والأيام حتى يدايّ كليلتان بما نخلتُ ...

 

* ومساومين على الحروف كأنها تنزيل ذكر

ويعود الشاعر الكبير عام 1975 مدافعاً عن الذات والمواقف ضد أحد المتطاولين، العرب هذه المرة، بزعم ان الجواهري "قد سقط" في "مساوئ" المديح لزعماء وغيرهم، فردّ عليه – وأضرابه- برائية قالت مقدمتها انها "نُظمت، اثر تحرش بعض الكتاب المأجورين" ومما جاء فيها:

آليتُ ابرد حرّ جمري ، وأديلُ من امر بخمر ِ ...
اليت امضي بالعيون سواحراً ، نفثات سحري ...
وأصب في الأنفاس من خضر الربى نفحات عطري ...
آليت امتحنُ الرجولة ، يوم ملحمة وعُسر ِ ...
ومساومين على الحروف كأنها تنزيل ذكر ...
شتان أمركمُ وأمري ، أنا ذا أنوء بثقل وزري ...
شاخ الجواد ولم تزل تعتامه صبوات مهر ِ
طلق العنان فان كبا ، نفض العنان وراح يجري ...
سبحان من جمع النقائض فيّ من خير وشر ِ
عندي كفاف حمامة ٍ ... فإذا استثرت فجوع نمر ...

... وتسترسل القصيدة لتتحدث عن ذلك "المثقف" العربي، والذي يظهر اسمه تورية بين الأبيات التالية:

ومخنث ٍ لم يحتسب ، في ثيّب ٍ خيطت وبكر ِ
أقعى ... وقاد ضميره ، ملآن من رجس ٍ وعُهر ...
غال ٍ ، كأرخص ما تكون أجور غير ذوات طهر ِ
لم يُعل ِ قدري مدحه ، وبذمه لم يُدن ِ قدري ...
من ذا يخلص امة ً ، أُخذت على طوع ِ وقسر ِ
من نفسها ، من آمر ٍ فيها ، ومن خَدم ٍ لأمر
مثل الموالي شرفت نسباً إلى "مضر ٍ" و"فهر"
يتملكون رقابهم ، ملك الجزور ليوم نحـر ِ

 

* فرميّت في قعر الجحيم سلاحي

وإذ يحل عام 1977 يحـاول بعـض متنطعي السـياسة والأدب تجـاوز قـامـة الجواهـري وبأنـه لـم يعـد يخوض المعارك "الوطنية" ويتخذ السكوت موقفاً! فيلجمهم مخاطباً وموضحا مبادئ ومنتقدا وقائع واحداث :

قالوا سكتَّ وأنت أفظعُ ملهبٍ وعي الجموع لزندها ، قداح ِ ...
فعلام أُبدل وكر نسر ٍ جامح ٍ حرد ٍ بعش البلبل الصداح ...
فأجبتهم: أنا ذاك حيث تشابكت هام الفوارس تحت غاب ِ جناحي
لكن وجدت سلاحهم في عطلةٍ فرميّت في قعر الجحيم سلاحي

 

* ... وكظم الغيظ غيظٌ

   وفي عام 1980 يكتب نقيب الصحفيين السوريين صابر فلحوط "أبو عمر" رسالة في قصيدة، أو قصيدة في رسالة، موجهة للجواهري يسأله فيها أن يقول شيئاً في الأوضاع العربية السائدة، وما آلت – وما برحت بتقديرنا الى اليوم- فجاءت ميمية شاملة، وفيها أبيات غاضبة، منها:

"أبا عمر ٍ " وكظم الغيظ غيظٌ وحسٌ مرهف داء عقامُ
أقول وقد برمت بدار ذل ٍشريعتها تساوم او تسام
صميم الضيم ان تمسي وتضحي وانت ترى ملاييناً تضام

وأفظعُ منه أن يُلوى فيعيا بنجدة صارخ حتى الكلامُ

 

* ولن انوح على موتى بلا ثمن

ويتسلم الجواهري عام 1980 رسالة من صديقه، الشخصية السياسية والوطنية العراقية - الكردية البارزة جلال طالباني، حملت الكثير من العواطف والذكريات والتساؤلات، مع تمنيات بأن يعلو "غناء" الجواهري في نضالات الشعب... فردّ الشاعر العظيم بقصيدة أطرتها الاخوانيات، ولكنها بيّنت حرصاً، وتحريضاً بالغ الشدة والقساوة، والتأكيد على أهمية الوحدة النضالية في مقارعة الارهاب السائد في البلاد آنذاك، وانتقاص الفرقة والاحتراب بين القوى الوطنية العراقية، وما آلت اليه، ثم تضاعفت لاحقا، وكأني بالجواهري الخالد يتنبأ بها وبوقائعها اللاحقة، وربما الى اليوم... ومما جاء فيها:

... من ذا اغني أأشتاتاً موزعةعلى التمزق ِ والثارات والمحن ِ
أم صابرين على ضيم ٍ ومسكنة ٍصبر الحمار على مرأى من الأُتن
أم "الطلائع" مزعومين شفهم وجدَ التجار بسوق الربح والغبن ِ ...
فلن أغني بأعراس مهلهلة ٍولن انوح على موتى بلا ثمن ِ

 

* يخشى اللصوص فيذبح العسسا

ومن جديد "تعوي" ذئاب في العراق عام 1984 على الجواهري، وهو في غربته فيتصدى لهم في قصيدة عنونها إلى صديقه صلاح خالص، مذكراً – عسى ان تنفع الذكرى!- ومن أبياتها التي تتحدث عن بعض الهموم بصراحة، ودون حاجة لمزيد من الشروح:

... عوت الذئاب عليَّ ناهزة  فرصاً تثير الذئب مفترسا
ينهشن من لحمي وكل دم ٍ فيه لخير الناس قد حبسا
من كل داج ٍ لا يحب سنى ً للصبح يطمس ليله التعسا ...
"أصلاح" أنا رهن مجتمع ٍ يخشى اللصوص فيذبح العسسا ...
يُزهى بفارسه اذا افترسا وبضوء نجم ساطع طمسا

 

* برئت من الزحوف مجعجعات

وفي عام 1985، وتحت عنوان "برئت من الزحوف" يكتب الجواهري مقطوعة جديدة وفيها الكثير الكثير من مكنونات العتاب والشجون، والانتقادات، لبلاده ومجتمعه، وجماهير محبيه بالذات، والتناقضات والأزدواجية، الفردية – الشخصية، أو المجتمعية العامة-، نستل منها الأبيات التالية:

وسائلة ٍ أأنت تسبُ جهرا ، ألست محج شبان ٍ وشيب ِ
ألست خليفة الأدب المصفى ، ألست منارة البلد ِ السليب ...
أقول لها ألا اكفيك عبئاً ، ألا انبيك بالعجب العجيب
لقد هجت اللواعج كامنات ٍ ، وقد نغرت بالجرح الرغيب
برئت من الزحوف مجعجعات ٍ ، تخلف سكتة الموت الرهيب
مباحٌ عندهنّ دمي لذئب ٍ ، ولا أسدٌ يبيح دماً لذيب ...
أينهضُ مقدمي ستين ألفاً ، ينط بها البعيد على الغريب ِ
تـُـلقـف ما أصوغ لها وقوفاً ، تصيخ إلى صدى الحرف ِ الذهيب
ويُعمل أن امسح عنه طفلٌ ، كما مسح المسيح على الصليب
وانبذ بالعراء بلا نصير ٍ ، نبيل أو اديب ٍ أو اريب؟

 

* وأخيرا..

... نصل إلى خاتمة هذه الخلاصات  التي، وثقت لبعض لواعج ومواجهات الجواهري العظيم على مدى ربع قرن، من العطاء والشعر والمواقف الوطنية والخصومات السياسية.. وأستبق هنا  ملاحظات متوقعة بضرورة تفاصيل هنا، وإيجاز هناك، وسواء في القصائد التي جرى التوقف عندها، أو غيرها، مثل "ديوانيّ": "يانديمي" و"مرحباً أيها الأرق" وميمية "قلبي لكردستان" وبائية "عبدة الجبورية" وعينية "صاحِ قلها ولا تخف" دعوا عنكمُ الوجدانيات والاخوانيات، وما بينها من غزليات وعائليات وفي جميعها على ما نظن "لواعج" و"مواجهات" عديدة، وان تنوعت صورها وأغراضها... بل ثمة نواحٍ، وزوايا ومجالات أخرى عديدة كان ينبغي التوقف عندها، أو الاشارة إليها على الاقل..

 مجلة "البديـل"... مراجعة

وتوثيق، ومؤشرات

رواء الجصاني

 

     قبل اربعة عقود بالتمام، انطلقت رابطةٌ جامعة للمثقفين العراقيين الديمقراطيين ( المنفيين/ المغتربين) في الخارج، ضمت شعراء وكتابا وفنانين وصحفيين، متنوعين من مختلف الاختصاصات والاهتمامات، وقد كانت بيروت هي العاصمة التي أثمرت فيها جهود مكثفة لذلك الغرض، لتحتضن لاحقا المؤتمر التأسيسي الذي انبثق منه ذلكم الاطار، وليصبح منبرا لجموع العاملين في حقلي الابداع والثقافة، العراقية، الذين أضطرتهم اعتقالات وملاحقة السلطة البعثية الغاشمة، وارهابها للفرار – المؤت على الاقل-  بسبب مواقفهم وآرائهم، ونشاطاتهم الهادفة للتنوير، والرافضة للقمع وأمتهان الحقوق والحريات الانسانية في بلادهم (1)..

    ومن المهم ان نشير هنا الى ان هذه الكتابة ليست تأرخة لنشوء ومسيرة الرابطة، برغم ضرورة  ذلك.. وعسى ان ينبري المعنيون، ومن المؤسسين خاصة، للخوض في هذا المضمار لما له من أهمية بالغة – كما نحسب - في توثيق جهود وعطاءات مخلصة وحميمة، لعبت أدوارا مهمة في التأطير والتحريك، ونشر الثقافة الوطنية المضادة للـ"ثقافة" البعثية. قلت ليس من مهمة هذه الكتابة التأرخة لذلك الشأن، بل هي- وكما يثبت العنوان- تسعى لتوثيق أعداد مجلة "البديل" التي صدرت عن "الرابطة" مع الاشارة الى ان هذا السعي لا بدّ  وأن يتداخل مع مجمل التأرخة لانطلاقة ومسيرة ذلك الأطار الثقافي الحيوي والمثابر ، بل انه في صميم تلك المسيرة.

    لقد كان الافضل بالطبع  لو غَطت هذه الكتابة كل اعداد "البديل" .. ولكن المتوفر تحت اليد احدَ عشر عددا  فقط ، من مجموع خمسة عشر (2) . مع التنبيه الى ان هناك عددا  رُقمَّ بالرابع، وقد عُــدّ "شهيدا"  لأحتراق مواده وتصميماته في مقر الرابطة ببيروت اثناء الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وذلك ما يشير اليه العدد اللاحق، اي الخامس- وهو الرابع واقعياً- من المجلة التي انتقل موقع تحريرها وطباعتها  بعد ذلك الى العاصمة السورية – دمشق، وتوزيعها من هناك الى مدن وعواصم العالم ..

  لقد راحت مجلة "البديـل" وعلى مدى سنوات صدورها (1980-1991 )صوتاً ثقافيا هادفا، ومنبرا تنويرياً،  ليس عراقيا وحسب، بل وعربياً، كما سيتبين ذلك من خلال الأستعراض اللاحق لأسماء ثقافية عربية بارزة كتبت للمجلة التي تنوعت موادها: مواقف سياسية، وكتابات فكرية، وبحوثاً ودراسات قصيرة، عنتْ بالعديد من الرواهن الملحة آنذاك. كما ضمت نتاجات ابداعية كالشعر والسرد والقصة والنقود، والتراجم والتخطيطات وغيرها. ذلك فضلا عن توثيق نشاطات فروع الرابطة التي انتشرت في العديد من عواصم ومدن العالم، وحيثما كان هناك مبدعون ومثقفون وكتاب وفنانون وصحفيون عراقيون، ديمقراطيون، يقيمون او يعملون أو يدرسون. 

    ان هذه الكتابة لا تأتي فهرسة للاعداد، ولا تتجه نحو ذلك، وبرغم ذلك سأتوقف – استثناءً- لاظهار بعض المؤشرات، وبشئ من التفصيل، عند العدد الاول من المجلة، الصادر اوائل العام 1980 وقد جاءت افتتاحيته على الصفحة الخامسة بعنوان  "لماذا البديل؟" وحملت توقيع هيأة التحرير، مع ملاحظة على الصفحة الرابعة، التعريفية، بأن "اعضاء الرابطة هم هيأة تحريرها ومراسلوها" .. وقد اسهبت الافتتاحية بعرض توجهات الرابطة، واسباب انطلاق مجلتها "البديل" والمسارات التى تهدف لها، وأسس ارتكازاتها .. وضمت صفحات العدد التي قاربت المئة والثمانين(3) العديد من المواضيع الكتابات ومن بينها  للذوات: ادونيس، محمود صبري، الياس خوري، فيصل دراج، مصطفى عبود، فالح عبد الجبار.. اما  القصائد والقصص والنصوص فكانت للمبدعين، وبحسب حروف الهجاء: ابراهيم احمد، رعد مشتت، سعدي يوسف، شوقي عبد الامير، فائز الزبيدى، فاضل العزاوي، فاضل الربيعي، عواد ناصر، مخلص خليل، موسى السيد، هاشم شفيق..

   واضافة لتلك المشاركات التى اشرت لها في الفقرة السابقة، احتوت صفحات العدد الاول رسائل ثقافية من فروع، واعضاء الرابطة من عواصم مختلفة، وهنّ بحسب تسلسل صفحات نشرها، من: بيروت، روما، براغ، دمشق، برلين الشرقية، باريس. ومن بين ما احتوته تلكم الرسائل: نشاطات وتراجم، واخبار العلاقات، وفعاليات التضامن..

  وهكذا راحت الاعداد اللاحقة غنية متطلعة، مع التفاوت طبعا، ليس في عدد الصفحات والمشاركات والمساهمين، وحسب، ولكن في مستويات المواد المنشورة، وتنوعها، مما قد يؤشر – بهذا القدر او ذلك- عن بعض التراجع في الحماسة لـ"البديل" وبدءا من اواخر الثمانينات، ولاسباب موضوعية من بينها توزع الكتاب والفنانين والصحفيين العراقيين في المزيد من المنافي، واستمرار تعقد الاوضاع في البلاد، والتغيرات العالمية بعد انهيار الانظمة "الاشتراكية"  في بلدان شرق اوربا، وانحسار التضامن العربي والاممي .. اما الاسباب الذاتية فمن اهمها بتقديري اختلاف وارتباك الاراء والرؤى، والتماحك والمناكدات والتشابكات في مواقف الاعضاء من "الرابطة" عموما، ومن مسيرتها، والتجاذبات بشأنها ..

   وفي عودة لأعداد مجلة "البديل" التي بأيدينا، يمكن توثيق مساهمات سياسية وثقافية وابداعية لكمٍ كبير من المثقفين - الى جانب منْ ذُكرت اسمائهم في الفقرات السابقة- ومنهم العراقيون الذوات، مع حفظ المكانات: ممتاز كريدي، عرفان عبدي، شاكر لعيبي، مفيد الجزائري، صالح كاظم، زهير الجزائري، شمران الياسري، غائب طعمة فرمان، محمود البياتي، منعم الفقير، كاظم حبيب، نائل الحيالي، كريم دحام، ، فاضل السلطاني، سعدي المالح، قاسم الساعدي، قاسم حول، مجيد الراضي، كريـــم عبد، عادل العامل، سمير سالم داود، ابراهيم الحريري، فاطمة المحسن، خالد بابان، جنان جاسم حلاوي، زهير ياسيـــن شلبية، سالمة صالح، ضياء مجيد، جمشيد الحيدري، ثابت المشاهدي، جواد بشارة، ابراهيم الحريري، عادل العامل، فاضل سوداني،هـــادي العلوي، نجم والي، صلاح الحمداني، عارف ولي، ممتاز كريدي، كامل شيــاع، سعود الناصري، شاكر الانباري، سلام ابراهيم، محمد حسين هيثم، على كامل..

     اما الشعراء الذين نَشروا، أو نُشر لهم، او عنهم (قصائد وغيرها) فهم: الجواهري، جليل حيدر، صادق الصائغ، محمد سعيد الصكار، نبيل ياسين، عبد الكريم كاصد، شيركو بي كه س، مهدي محمد علي، فائز العراقي، مصطفى عبد الله، أنور الغساني، رفيق صابر، كريم عبد، كامل الركابي، حميد العقابي، اضافة للذين وردت اسماؤهم في الفقرة اعلاه التي وثقت للعدد الاول من المجلة.

    ثم هناك كم كبير اخر من المثقفين العرب (او من البلدان العربية) الذين كتبوا، للبديل، وعنها، وهم الى جانب ادونيس، والياس خوري وفيصل دراج، الذين سبق وان اشرت لاسمائهم، الذوات: يمني السعيد، حيدر حيدر، فواز طرابلسي، عبد الرحمن بسيسو، صالح علماني، محمد كروب، شوقي بغدادي، على الجندي، علي عبد العال، حميد المازن، محمد عزيز ظاظا، محمد بنيس، براء الخطيب،  جورج ابراهيم، نيروز مالك،  ممدوح عدوان، غالب هلسا، صبحي دسوقي، اسماعيل حسن حسو، عبد الله طاهر، زكريا شريفي، خلدون زيبو، عبد المعين الملوحي، سعيد حوراني، عبد الرحمن منيف، سعد الله ونوس، يمني العيد، خيري الذهبي، فيصل دراج، محمد دكروب، مها بكر، غالية قباني..

    لقد تنوعت المشاركات المنشورة في اعداد مجلة البديل، كما سبق القول، وتداخلت بين الشأن السياسي والثقافي، والمواضيع الفكرية برغم محدوديتها، والتوثيقات التاريخية، والمقابلات، والنصوص والكتابات الابداعية، والتخطيطات التشكيلية، والندوات، الى جانب مواد مترجمة، وتغطيات لنشاطات الفروع والاعضاء، والفعاليات ذات الصلة .. كما وثقت "البديل" قوائم باسماء العديد من المثقفين والمشتغلين بالشأن الثقافي والاعلامي، الذين طاردهم نظام البعث العراقي، واجهزتها الامنية و"الثقافية" :  اعتقالاتٍ وتعذيباً وسجناً وقتلاً، وخاصة في اواخر السبعينات، حتى مطالع الثمانينات الماضية (4).  وقد  وثقت المجلة ايضاً  قوائم باسماء مئات من المؤلفين والمثقفين العراقيين والعرب الذين منع النظام الدكتاتوري تداول مؤلفاتهم، وكذلك دور نشر عديدة عدّها النظام واجهزته "الثقافية" معادية له (5).

   ان التوقف عند اسماء المشاركين في الكتابة لمجلة البديل، والنشر فيها، والمشار لهم في ما سبق من سطور - وجمعٌ منهم له اكثر من مساهمة بل ومساهمات-  اقول: ان لذلك التوقف والتوثيق اكثر من مؤشر ومغزى، ولا سيما حين يتبيّن التنوع، وما يحمله اصحابه  من آراء  ومواقف ومفاهيم متباينة، حول مهمات المثقفين، التنويرية والسياسية، والادوار التي يجب على منظماتهم وأطرهم تبنيها، وسبل متابعتها، وشفافيتها وما الى ذلك. وقد حملت بعض اعداد "البديل"  مناقشات وتصورات جدية، وملموسة، حول تلكم الشؤون..   

    وبرغم الاعلان بأن تكون "البديل" مجلة فصلية الصدور، الا ان واقع المنفى، وظروف التحرير، واسباب اخرى حالت دون التمكن من الالتزام بمواعيد الصدور.. وهكذا لم تستطع سوى ان تكون دورية (15 عددا في 10 اعوام) مع تباعد الفترة الزمنية بين عدد وآخر لشهور وشهور احيانا، برغم الجهود المبذولة، وخاصة من الجهات الداعمة، وخاصة في الحزب الشيوعي العراقي، وبشكل أخص المسؤول القيادي في الحزب، فخري كريم، الذي لم يكن سراً تحمله مهماتٍ وأدواراً رئيسة في دعم تشكيل "الرابطة" واطلاق نشاطاتها الاساسية، والابرز منها، مجلتها - البديل.  

   ان كل الحديث اعلاه عن "البديل" ليس بأحتسابها مجلة فقط، بل انه يشمل، من جملة ما يشمل، الحديث عن بعض تاريخ ومسيرة  رابطة المثقفين العراقيين الديمقراطيين، في المنفى وبلدان الأغتراب الأضطراري، وغيره، والتي لعبت دورها المناسب والممكن في ما هدفت اليه. وأظن ان هناك جوانب عديدة بهذا السياق،  ينبغي الحديث عنها – كما سبقت الاشارة- من قبل نشطاء "الرابطة" وقيادييها الاساسيين، والتوقف عند محطات ومراحل التأسيس والانطلاق، ثم المراوحة، والتراجع، وبما يرتبط طبعا بالظروف الموضوعية – دعوا عنكم الذاتية - في كل تلك المراحل..  

     اخيرا، وبرغم اعتقادي بأن العديد مما نشرته "البديل" قد أعيد نشره في العراق بعد 20013 بهذا الشكل أو ذلك، غير ان هناك في ذات الوقت مساهمات وكتابات ذات اهمية تاريخية، وجدلية، من المهم ان تتصدى لأعادة نشرها، مؤسسات معنية، ولربما أولها الاتحاد العام للادباء والكتّاب في العراق، لأنه الاقرب واقعا للرابطة، ولمجلتها "البديل". ومع كل التقدير لأنشغالاته برواهن أخرى، غير ان في التراث - كما هو معروف-  تجارب لا غنى عنها، وذلك ما يدفع للتأكيد على موضوعة اعادة النشر، وعلى الاقل للمساهمات الأكثر اهمية، وما أكثرها في المجلة التي نعني: "البديل" ..  -----------------------------* براغ / اوائل آب 2019

* هوامش واحالات: ----------------------------------------------------------------

1/ أطلقت بأسم "رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديقراطيين العراقيين" .. وبعد عشرة اعوام، وفي المؤتمر العام الثالث للرابطة (برلين 1990) تم تغيير الاسم الى "رابطة المثقفين العراقيين الديمقراطيين"..

2/ ثمة اربعة اعداد ناقصة في هذا الاستعراض هي (6- 10-11-14) اما الاخير(كما أحسب) فكان مزدوجا وحمل الرقمين ( 16- 17) صدر عام 1991 ودون تثبيت شهر الاصدار ..

3/ غالبية اعداد المجلة كانت بنحو 180 صفحة، وبحروف صغيرة في الاعداد الاولى خاصة،  بينما  صدرت اعداد اخرى بحدود 140 صفحة..

4/  نُشرت في العدد الاول – اوائل عام 1980..

5/ نُشرت في العدد السابع- تشرين الثاني 1983..

 

 

اثنان وعشرونَ عاماً

على رحيلِ الجواهري الخالد*

* رواء الجصاني


حببتُ الناسَ كلَ الناسْ.. من أظلمَ كالفحمِ ومن اشرق كالماسْ

 

    قبل أثنين وعشرين عاماُ، وفي صبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء :

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احـد مشافي العاصمة السورية - دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام"..

... وهكذا يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم :

- المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد.. 

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان "حزباً" بذاته، يخوض المعارك شعراً وفكراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراقُ لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

- وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام" و"الجهـــاد" و"الثبات" ... ورفيقاتهن الأخريات ...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة :
"لثورة الفكر تاريخٌ يحدثنا، بأن ألفَ مسيح دونها صلبا"..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء

والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب

مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"!..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "المقصورة" و"زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر" و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...
- وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".
- كما انه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..
- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره "ميتونَ على ما استفرغوا جمدوا" ..
- وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى "لغير الشعر من وثنِ " ... فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

- انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - حقا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلكٌ يدوي..... وعندَ منعمٍِ قصرٌ مشيدُ

يموتً الخالدونَ بكل فـج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلود

ترى هل صدق بما زعم ؟؟!!... التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر،

ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

----------------------------------------

مركز الجواهري 2019.7.27

www.jawahiri.net

 

/من بينهم نزار قباني وفوزي كريم ومحمود درويش/

ومحبةُ الشعراء خيّـرُ

المقتنى / الجواهري مثالا

رواء الجصاني

   نشرتُ قبل فترة وجيزة مادة توثيقية عن أثنين وعشرين شاعرا نظموا شعرا للجواهري (1898-1997) وعنه، ووعدتّ بأن الحقها بواحدة اخرى- وها هي بأيدي القراء - توثق لمواضيع نقدية، واستذكارية وعداها، كتبها شعراء عراقيين وعربا، عن الشاعر الخالد، على مدى عقود مديدة، قبل رحيله، وبعده .. دعوا عنكم ما كتبه غير الشعراء، والذي يعـدّ بالمئات: دراسات ومقالات وذكريات وسوى ذلك  ..

  وحريٌ ان اقول في البدء بأن ما سيلي من اشارات وتوثيقات لم تأتِ غيّر أمثلة وحسب، ومن الذاكرة بشكل رئيس، مع بعض ما يتوفر تحت اليد من الارشيف العامر. ولربما هناك من المتابعين والمهتمين فيقومون بمزيد من التوثيق، ويقدمون بجهدهم ذاك ما يفيد الباحث والمتلقي على حد سواء، ويوفر اضاءات اضافية لذلك العراقي الرمز، والذي شغل القرن العشرين على الاقل، وما برح ..

  ولعلّ ثمة ما يدور في خلد القارئ عن دافع هذا التوثيق الجديد، فأجدد القول-  كما كتبت في المرة السابقة، تحت عنوان "شعراء نظموا عن لجواهري، وله" : ان هذه  "حلقة" اضافية لسلسة ما كتبتُ بصدده منذ اعوام، وحتى الفترة القريبة الماضية، وأعني السعي للردّ بهذا الشكل أو غيره، على ما أزعمه تطاولاً  يـروح اصحابه بين الفينة والاخرى للردح به وتحت لبوس هنا، وآخر هناك، وبهدف مقصود هو محاولة النيل من شاعر الامتين العراقية والعربية في القرن العشرين على الاقل "... واضيف: ان من دوافع هذه الكتابة ايضا محاولة لمحاكاة "مقلوبة" لما رآه أو حكم به  المتنبي الخالد شعراً، ونصه " وعداوةُ الشعراء، بؤسُ المقتنى".. فأقول – ربما (و"محبة الشعراء، "خيـر"ُ المقتنى)..

    وأعود الى العنوان الذي نحن فيه فأشير – مثلا- الى ان ما جادت به الذاكرة عن كتابة الشاعر فوزي كريم حول الشاعر الخالد بعنوان "من الغربة وحتى وعي الغربة" وذلك عام 1969(1) وكذلك ما نشره على صفحة كاملة في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بتاريخ 1991.11.4 وشمل ذكريات وتوثيق ورؤى عن الشاعر الخالد. اما في نهاية عام 1968 (او اوائل 1969) فهناك للشاعر صادق الصائغ حديث وحوار طويلاً مع الجواهري وعنه، اجراه في براغ،  ونشرته (مجلة الف باء) البغدادية..

    ومما انوه اليه في هذا التوثيق، ذلك الحوار المطول الذي اجراه الشاعر سامي مهدي، ونشره في عدد حزيران 1971 لمجلة (المثقف العربي) .. مما جاء في التقديم للحوار  "كنت قد قدرت ان لقائي بالجواهري سيستغرق ساعة او اكثر قليلا. وانه سيكون جافاً أو حتى مملاً، ولكنه استغرق أربع ساعات، وكان متعة عظيمة لي"...

     كما  اشير ايضا الى ماكتبته الشاعرة لميعة عباس عمارة، في صحيفة الشرق الاوسط  اللندنية بتاريخ 1996.9.4 عن ذكريات لها مع الجواهري وجاء فيها " كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال سبيعنات (القرن العشرين) ولم يتغير.. ظل ذلك الرشيق الانيق الوسيم، الظريف الصعب، وبقيت انا تلك المعجبة السعيدة لانها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوما مجلسه".

    وفي السياق نفسه دعونا نوثق لما ما كتبه الشاعر ابراهيم الخياط،  في متابعة حول العلاقات العامة عند الجواهري، نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 2018.6.19 ووسائل اعلام اخرى.. ومما جاء في مقدمة المادة: "ان (شاعر العرب الأكبر)  لقب استحقه الجواهري بجدارة في وقت مبكر من حياته الشعرية ، وارتضاه له العرب .. فرغم ان الساحة العربية كانت مليئة بالشعراء الكبار في عصره ، لكنه حصل على هذا اللقب عن موهبة تامة وإجماع مطلق..."

     ومما هو جدير بالتوثيق هنا ما كتبه شعراء كثيرون بعيـّد رحيل الجواهري في دمشق الشام بتاريخ 1997.7.27 ومن بينهم: الشاعر السوري أدونيس، ومما كتبه:" لم يكن الجواهري مجرد إفصاح عن الذات وانما كان الى ذلك، وربما قبله في احيان كثيرة، إفصاحا عن أفكار ومثل مشتركة".. اما الشاعر، السوري، ايضا نزار قباني، فقد نشر بالمناسبة ذاتها مادة حميمة ومما جاء في سطورها: ".. والعظيم الآخر - الى جانب المتنبي-  محمد مهدي الجواهري، الذي مات يتيما في أشتات دون ان يجد نخلة عراقية واحدة "بين الرصافة والجسر" ترضعه حليبها، أو تغمره بظفائرها"... كما نوثق ايضا  لما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في وداع الجواهري الخالد: " لم يكن شعر الجواهري وحده يُغرينا، لكن مزاجه، وشخصه وحياته". وقد نشرت جميع تلك الكتابات والمواقف في صحف ومجلات عديدة (2).

      ومما نؤرخ له في هذه المادة التوثيقية: الدراسة التي كتبها الشاعر المصري فاروق شوشة والتي نشرتها مجلة (العربي) الكويتية بعددها الصادر في شباط 2004 ومما جاء في التقديم: "لـم ينجُ شاعر عراقي معاصر من التأثير الطاغي لشعر الجواهري. ذلك الشعر الذي يشبه نهرا هادرا يجرف في طريقه كل شئ، ويلقي بفيض من خصوبته وطميّه في كل ارض على ضفتيه، فيمتد من حوله ظل باسق وخضرة لا نهائية، فيها خصوبة العراق"...

     ثم نوثق ايضا لمن كتبَ بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الشاعر الخالد، التي صادفت في 2017.7.27 ومن بينهم: الشاعر حميد الخاقاني تحت عنوان " الجواهري، مدخلي الى معبد الشعر" والشاعر رياض النعماني بعنوان: "انه عاش ابتكاراً ويعيشون أجترارا".. والشاعر عواد ناصر، بعنوان: " اسهاماتي المتواضعة في ذكرى استاذنا الجواهري" . اما الشاعر الكردي فوزي الاتروشي فقد كتب، وبالمناسبة ذاتها مادة حملت عنوان "الجواهري، ديوان وطن" (3) .

    أخيرا نجدد القول الذي اوردناه في فقرات سابقة، بأن هذا التوثيق عُني بكتابات الشعراء، وحسب، وثمة توثيقات اخرى لنا عن الاجلاء – من غير الشعراء- الذين كتبوا للجواهري وحوله نشرتها العديد من الصحف، وكذلك وسائل الاعلام على شبكة الانترنيت (4).. الى جانب نحو خمسين كتابا عن الشاعر الخالد- على الاقل-  تضمهما مكتبة مركز الجواهري في بــراغ..

* هوامش وإحالات ----------------------------------------------------------------

1/ صدرت ضمن مطبوع، بأشراف هادي العلوي وحمل عنوان "محمد مهدي الجواهري-دراسات نقدية" انجز في مطبعة (النعمان) النجفية..

2/ نشرتها مجلة (الطريق) اللبنانية بملف خاص في عددها السادس لسنة 1997 . وكذلك  مجلة (الثقافة الجديدة) العراقية بعددها رقم  279  الصادر في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997.. الى جانب وسائل اعلام عراقية وعربية عديدة اخرى.

3/ ضم تلكم الكتابات، الى جانب نحو خمسين أخرى، لأكاديميين ومبدعين وسياسيين وغيرهم، إصدار توثيقي نُشــر خلال تموز 2017 عن مركز (الجواهري) في براغ، وأعادت نشره صحف ووسائل اعلام عديدة ..

4/ ومنها بعنوان (الجواهـري في تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير)..

   

  

 

 

 

من بينهم الرصافي وسعيد عقل والبياتي

شعراء نظموا عن الجواهـري، وله

رواء الجصاني

 

    إذا ما كان ثمة واقع موثق لمقولة المتنبي "وعداوة الشعراء بئس المقتنى" ففي المقابل ما يربكها، ولربما ما ينفيها، حين نوثق في هذه الكتابة عن شعراء متميزين ومميّزين نظموا  قصائد عن الجواهري، وله، وفيها ما فيها – كما ستأتي به السطور اللاحقات - من وفاء للعبقرية والريادة، وأعتراف بالفضل والفخر بالمنجز، والتباهي بالوطنية. دعوا عنكم عشرات الكتابات والمقالات الأخرى، غير الشعرية، وطوال عقود وعقود (1).

     وبرغم ان القصائد التي نعنيها واضحة في المفردات والمباني والمعاني، والمناسبات، أقول ان هناك ما يستحق لأن نؤشر اليه أبتغاء المزيد من المرجو والمؤمل من هذه الكتابة،.. ومما نلفتُ اليه هو ان ماسيّلي من مقتطفات وابيات، قد  جاءت لشعراء قديرين على أقل وصف، في الغالب الاعم. كما انهم متنوعو المدارس والمشارب، والانتماءات، والاجيال والاعمار، ومن بلدان مختلفة، بل وحتى جنسيات مختلفة، وفي ذلكم ما يؤشر للكثير..

   وأضيف لما تقدم ان المكتوب جاء في فترات متعاقبة، أمتد لعقود طوال، وربما حتى قبل ان يصبح الجواهري ما أصبح عليه من شهرة ورموزية فكرية وادبية ووطنية، ومكانيتين عربية وعالمية .. وأزيد في القول فأنوه الى ان بعض الذي سيأتي قد كتب في حياة الشاعر العظيم، والبعض الآخر كتب ونشر ما بعد الرحيل الى الخلود في 1997.7.27 ويستمر الى اليوم..

   ولعلي اهدف ايضا – بل تلك هي الحقيقة – ان يأتي هذا التوثيق "حلقة" اضافية لسلسة ما كتبتُ بصدده منذ اعوام، وحتى الفترة القريبة الماضي. وأعني السعي للردّ بهذا الشكل أو غيره، على ما أزعمه تطاولاً  يروح اصحابه بين الفينة والاخرى للردح به وتحت لبوس هنا، وآخر هناك، وبهدف مقصود هو محاولة النيل من شاعر الامتين العراقية والعربية في القرن العشرين على الاقل .

   وارتباطا بالفقرة السالفة، لا بدّ لي أن أشكر (شاعراً) و(اكاديمياً) بالذات، حفزني بشكل غير مباشر لأن أسرّع بأنجاز هذا التوثيق، وذلك بعد ان نشر "يتيمة" من عدة كلمات، وبدون مناسبة، أو نقد "اكاديمي" أو توثيقي، كرر فيها الذمّ المكرور بأن للجواهري مديح هنا أو هناك لمسؤولين أو سياسيين أو رسميين، وكأن ذلكم الشاعر الاكاديمي قد اكتشف القمر قبل الف عام!. وقد تمعنت في الامر ولم أخلص سوى الى ان الدافع  لذلك واحدٌ لا غير، وهو محاولة الوصول الى الاضواء، وان كانت معتمة . ولقد كنت أحسب - ولحين  نشر "يتيمة القرن الحادي والعشرين!" - بأن صاحبنا ليس بحاجة الى مثل تلكم "الاضواء" وقد خاب التصور والحساب.

   أخيرا وقبل الوصول الى تفاصيل التوثيق المعني نؤكد  بان هناك قصائد أخرى كتبها شعراء أجلاء، ومنهم: الفلسطيني توفيق زيّاد، والسوري صابر فلحوط، واللبناني محمد حسن الامين.. والعراقيون: أبراهيم السامرائي، وبلند الحيدري، وعبد الامير الحصيري، ولم نتمكن من فرزها – حاليا - في ارشيف مركز الجواهري العامر ببراغ، ونعدُ بأن نفرد لها ملحقا بهذه الكتابة. كما نجد هنا فرصة لدعوة نوجهها للمتابعين، وذوي العلاقة، لكي يتكرموا بأضافاتهم، وما لديهم من نصوص ذات صلة (2).

  وفي التالي خلاصات مما حمله العنوان الرئيس "شعراء نظموا عن الجواهري، وله " موزعة على مرحلتين: الاولى، ما قبل الرحيل، والثانية مابعده، اي بعد 1997.7.27 مع حفظ الالقاب والمواقع والمكانات. ولربما كان من الأصح اضافة معلومات محددة عن الشاعر والمناسبة، وبنشر كامل القصيدة لا الاكتفاء بابيات قليلة منها، وعسى ان يجهد نجباء في اتمام ذلك التوسيــع :

اولاً: حتى رحيل الجواهري عام 1979 مرتبة بحسب تواريخ نظمها

---------------------------------------------------------

 

1/ معروف الرصافي:  

أقول لربِّ الشعر مَهدي الجواهري/ إلى كم تناغي بالقوافي السواحرِ

فترسلَها غُرًّا هواتفَ بالعُلى / يُزَوَّدُ منها سمعَه كلُّ شاعِرِ..

* ولــه ايضا:

بك الشعر لا بي اصبح اليوم زاهرا / وقد كنتُ قبلَ اليومِ مثلَكَ شاعرا

فأنت الذي ألقتْ مقاليدَ أمرِها / إليه القوافي شُرَّداً و نوافرا..

(ديوان الجواهري، قصائد الاربعينات / طبعة بغداد ذات السبعة اجزاء، في السبعينات الماضية)

 

2 سميح القاســم:

مهلاً فديتَ "ابا الفرات" فانت بالحسناء أحرى

اغريّتها شعراً .. واغرتها شؤون منك اخرى ...

سحر ٌ – لعمري – ما صنعت / وكان بعض القول سحرا..

(نظمت عام 1973 وتضمنتها اوراق الجواهري الشخصية، المحفوظة في ارشيفه ببراغ)

 

3 زاهد محمد زهدي:

ملءُ العيونِ وأنتَ مغتربُ / ناءٍ و(دجلةُ) منك تقتربُ

وتكادُ شطئانُ (الفراتِ) إذا /  ذَكروكَ عندَ ضِفافها تُثِبُ

(الرافدانِ) وأنتَ صوتُهما /  وإليهما بالحبَ تنتسبُ..

(نظمت عام 1985 ونشرت في كتاب "الجواهري، صناجة الشعر العربي في القرن العشرين" لزاهد محمد زهدي/ دار القلم – بيروت 1999)

 

4/ محمد سعيد الصكار:

على الرحبِ مفروشٌ لك الدربُ / والقلبُ، وفي سَعَة ٍ خطو لأيقاعه نصبو

فكل حنايانا بيوتٌ وكلنا / ندامى وانت الخمر والشعر والحبُ

فعرّج وفرّج غربة عصفت بنا /  فقد طالما أزرى بغربتنا الغربُ..

(نظمت عام 1991)

* وله ايضا في موساة لجواهري بوفاة زوجته عام 1992:

يا منْ تمرّس بالجلّى وروّضها / فكان رغم ضواريها له الغلّبُ

صبراً على آخر البلوى فإنّ لها / شوطاً وقد بلغتْ مضمارها النُّوبُ

واسلم لنا ألقاً يهدي مواكبنا / لخير ما يرتجي شعبٌ وينتخبُ..

(كتاب "اخوانيات الصكار، ومجاسه الادبية" لمحمد سعيد الصكار/ دار المدى 2001)

 

5/ عبد الوهاب البياتي:

في سنوات الضوء والبؤسِ/ وجدت في مرآته نفسي

خرجت من معطفه يافعا / لأحملَ الشمس الى الشمس

قلتُ له يا أبتي ها هنا / يعتنق السهمان في القوسِ..

ماذا اسميك وأنت المدى / وطائر العاصفة القدسي

(كتبها البياتي بمناسبة عيد ميلاد الجواهري الخامس والتسعين عام 1995. ونشرتها مجلة الطريق اللبنانية، العدد السادس/1997)

 

ثانيا: ما بعد الرحيل في 1997.7.27 مرتبة بحسب حروف الهجاء

------------------------------------------------------------

1/ بلقيس حسن:

أبا الشعراء مذ عشرين حولاً / وذكركَ في النفوسِ نما وقرّا

ونشكو من ضياع في المنافي / ونحسو الدمع والآهات حرّى

تكالبت الرداءة في زمانٍ يكسّرُ فيه عظم الشعر كسرا ..

(نظمت عام 2017 ونشرت في كراس خاص اصدره مركز الجواهري في براغ تحت عنوان "استذكار الجواهري.. تباه بالوطن والشعر والتنوير" براغ 2017)

 

2/ حسب الشيخ جعفر:
قيل: الفراتان ماتا في العراق، فهل
ابقت لنا الضفة الزوراء من أحدِ؟ ..

(نشرتها اصدارات عراقية اواخر التسعينات الماضية)

 

3/ جواد الحطاب:

لم اربّ من قبل حماماً

لا اشعل ؛ لا ابيض ؛ لا اصفر ؛ لا رماديا

من اجلك – انت فقط – ذهبت لسوق الغزل

واشتريت مائة طير زاجل

 بعدد سنواتك يا نَسرَ لُبَد ، واطلقتها ؛ باتجاه مقبرة الغرباء..

(نظمت بعد رحيل الجواهري عام 1997 ونشرت في وسائل اعلام عديدة، وأفتتح الشاعر بها فعاليات دورة مهرجان "المربد" عام 2019)

 

4/ جوزف حرب:

الشمس نامت حيث أنت تنام/ ومشت لتحرس نعشك الأيامُ

ما الغيم مطوي كأن هذا المسا / قد نكست ببلاطه الاعلام

والحبر أسود لا لنكتب إنما / لبست عليك سوادها الأقلام..

(مجلة الطريق اللبنانية، العدد السادس/1997)

 

5/ سعدي يوسف:

من مَشفى الشام الى النجمة، ومن النجمة حتى بغدادْ

دربكَ مكتنزٌ بالأوراد، وقميصك هذا القطن

سترفعه حتى دجلة كوكبة الأحفاد..

(مجلة الثقافة الجديدة / العدد279  في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997/1997)

 

 

6/ سعيـد عقـل:
بالمجدِ زانوكَ بالنهرين بالحُشدِ / أنا بشعرٍ مطلِ الستةِ العمدِ
جواهريّ العلى الطاغي على قلمي / على ضريحك ورداً بعثرته يدي..

(مجلة الطريق اللبنانية، العدد السادس/1997)

 

7/  عبد الاله الياسري:
تباً لأرض لم تضم رفاته / وبـه الرمـال بكـل أرضٍ تحلمُ
لابد من يوم تصيح بفجره / ديـك، ويبعـث من قبـور نوّمُ
وتزاح عن شمس العراق سحابة / طالت، وطال بها الزمان المظلمُ..

(نشرتها وسائل اعلام عديدة اواخر التسعينات الماضية)

 

8/ شيركو بيكه س:

انه الجواهري ذاكرة الشارع، ونافورة الصوتِ،

ويوميات الزنزانة في زمن المشانق

انه الجواهري: جرس يعلق نفسه في عنق الظلام لكي يدق للشروق

وصباحات البلاد. انه الجواهري: خبز الشعر...

(مجلة الثقافة الجديدة / العدد279  في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997)

 

9 عبد الرزاق عبد الواحد

لا الشعِّرَ أبكيهِ ، لا الأبداعَ، لا الأدبا / أبكي العراق، وأبكي أمَّتي العرَبا

أبكي على كلِّ شمسٍ أهدروا دمَها / وبعدَما فقدوها أسرجوا الحطبا

أبكي على وطنٍ يبقى الأديبُ بهِ / ليس الغريب، ولكنْ أهلهُ غُربا..

(منشورة في وسائل اعلام عديدة)

 

10/ عبد الكريم كاصد

انبيك اني بدار ليس يسكنها / الا الحثالة من مكذوبة النسبِ ...
انبيك ان بغاث الطير قد نطقت / وان جل خيول القوم من قصب ...
لله كيف استحال المرتجا اجلاً / وكيف أضحت فتاتٌ غاية الارب

وكيف ان غراباً ناعباً هرماً / اضحى يقال له " صناجة العرب "...

( من قصيدة " كلاسيك الى الجواهري" في مجموعة الشاعر " قفا نبكي" المنشورة عام 2002)

 

 

11/غازي عبد الرحمن القصيبي:
كانت حياتك عبرة .. لو أننا / عشنا كما عشتَ الحياة محاربا

ورضيت ألا أن تكون مهادناً / وأبيت ... إلا أن تكون مشاغبا
باق ٍ وأعمارُ الطغاة قصيرةً / شعرٌ ضمنت له الخلود الصاخبا..

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عديدة)

 

12/  فاضل عبد عباس:
بكت دجلةُ، وانحنت نخلةٌ ترتوي من يديكْ  /وظهر الفراتِ تقوسَ حزناً عليكْ
ونحن هنا – كلما خاننا النطق – نهفو إليكْ / وكل العصافير تنهل من شاطئيك
انت ارضعتنا لغة العشقِ، اورثتنا شعلة، البستنا الكبرياءْ
وعلمتنا ان اربعةً من حروف الهجاءْ /هي البدء والانتهاءْ: عراقٌ ... عراقْ

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عديدة)

 

13/ لميعة عباس عمارة:

تحديتّ إلا الموت حسبُ تحديا / تلاشيت والطغيانُ مازال طاغيا

وكنت ضراما في يباس حياتنا / إذا قلت أشعلت الفضاء قوافيا

تبعناك حتى حتفنا ما خذلتنا / وكنت لنا نجماً ورمزاً وفاديا

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عديدة)

 

14/ محمد حسين الياسين:

يا ومضةً ولدت يوماً على جبل / كل النجوم بها حبلى من الأزلِ

فأي إرث من الأضواء منتشرٍ / مجمّع في وريف الضوء مختزل

 كل ابن أنثى فمن صلبٍ  سوى / ألقٍ كما أتى مريماً عيسى بلا رجلِ

(القاها الشاعرالياسين في مهرجان الجواهري الثامن / بغداد 2011)

 

15/ محمد جواد الغبان:

أترى لواءُ الشِعرِ بعدَكَ يخفقُ / ويجيءُ مَنْ يسمو به، ويُحلِّقُ

أترى الرياضُ المقفراتُ ستزدهي / وتعودُ تنفحُ بالأريج ، وتَعبَقُ

أترى النوادي الموحشات عِراصُها / تغدو بعودة أهلِها تتألَّقُ

(نشرها الشاعر في كتابه الموسوم" الجواهري، فارس حلبة الأدب" الصادر عن دار المدى/ بغداد عام 2006)

 

 

16/ مهدي محمد علي:

خرجْتُ بما بالعيون يُرى/ وسرتُ بما لا يُرى في الحشى

وغرَّبْتُ دون الذي في المدى/ وعانيتُ قَطْراً كشمس الضحى

وقارَبْتُ شمساً كقطر الندى/ ولكنها دون بلّ الصدى

(مجلة الثقافة الجديدة / العدد279  في تشرين الثاني/ كانون الاول 1997)

 

17/  نبيـل ياسيـن:
مَنْ يا ترى استطاعَ أن يرسم مثل هذه الخطى
سواه ... ويملأ القلب الوحيد بالشجنْ
منْ يا ترى استطاع أن يصعد في سفح الحياة
مارداً ... لكي يموت خارج الوطن؟

(نظمت بعيّد رحيل الجواهري، ونشرتها وسائل اعلام عربية عديدة)

 

* هوامش وإحالات  ------------------------------------------------------

1/ نعدّ لموضوع آخر بعنوان"شعراء كتبوا عن الجواهري وله" كالدراسات والتأرخة والنقد، وليس قصائد شعرية.

2/ كتبَ أزيّد من عشرين شاعرا اردنيا قصائد تحية، وتقدير للجواهري الكبير- بعد القاء  قصيدته الشهيرة (اسعف فمي) المهداة للعاهل الاردني الملك حسين عام 1992 – جمعت في كتاب بعنوان "الجواهري في عمان" اصدره حمودة زلوم، عام 1993. 

 الجواهـــري مثالاً...

أيضاً، عن مواقف السكوتِ و التصـدي

رواء الجصاني

    ثمة رأيان  متضادان في المواقف من التجاوز والتطاول، وخاصة بعد تكاثرها "الأميبي" حتى، وانتشارها اللامسؤول، عبر وسائل الاتصالات والنشر  المفتوحة للجميع، وأزدياد "التباري" المتهافت يوماُ بعد يوم في (الكتابات) و(التقييمات) تحت ما سميّ – ويسمى- حرية الرأي والتعبير، وكأن ذلك يعني أشاعة الاحقاد والسباب الذي يؤشر مستوياتِ الوعي المجتمعي، دعوا عنكم الفردي– الشخصي..

     قلت انهما رأيان متضادانِ في الموقف مما يُنشر، وممن يَـنشرُ، تلكم الكتابات. أحدهم يدعوا للتجاهل وعدم الرد او التعليق، ومن منطلق عدم إعلاء قيمة المكتوب والكاتب، تيّمناً ببيت شعر قديم يقول" كبرتَ عن المديحِ فقلتُ أهجو، كأنك ما كبرتَ عن الهجاءِ" .. أما الرأي الثاني فيرى في الصمت،  والوقوف على التلّ، والتجاهل: مشاركةً، وربما ايغالاً في تزييف الحقائق، ولحد أن تصبح الأساءة أو الزيف أمراً واقعاً يصعبُ محوه – بتقادم الأزمنةِ-  من الذاكرة الجمعية.  

   وأول المعنيين هنا بطبيعة الحال هم المثقفون والمتابعون على ما يفترض. وما علينا بغيرهم الذين يصفقون، أو يشاركون في التعليق والنقاش دون ان يدروا، ولو كانوا قد عرفوا فالمصيبة أدهى كما هو شائع القول... أما أسباب توسع مثل تلكم الكتابات الحقود، أو المشوهة وغير الموثقة، فهي عديدة ومتنوعة، لعلي اجازف بالقول ان ابرزها يتمثل  بالشهوة الجامحة للشهرة والأنتشار. وما أسهل ان يكون المرء شعبوياً تضج كتاباته باللغـو ليرتفع الرصيد الهافت، خلواً من اي ثقل معنوي حقيقي،  الى جانب كل ما يترتب على ذلك من انعاكاسات وتداعيات خلاف المؤمل والمرتجى . 

   ومن المؤكد اننا لا نعني ما يخبرنا به التاريخ ومنذ منذ  قرونٍ عن جدالات وخصومات الشعراء والمفكرين والأدباء، بل وتنابزهم، التي جاء الكثير منها خلاصاتٍ لترسيخ المعرفة العامة، وتحفيز ذوي العطاء، وتنشيط الذاكرة واشاعة الوعي .. ولأن الشعر ديوان العرب، فذلكم هو حافل امامنا ومنذ عشرات، بل ومئات السنين، بما يصلح شاهداً على ما ندعيه، وبشكل خاص: التباهي والتفاخر بالعطاء الروحي والانساني، والتسابق لأعلاء الشأن من جهة، والحطّ،، وبقسوة، من قدر ومكانة الاخرين الذين ينهاضونهم، حواراً او أحتكاماً، والى مرحلة الهجاء اللاذع.  ومما تلمّ به الذاكرة قول: المتنبي وهو ينالُ من منافسه ابي فراس الحمداني، في حضرة سيف الدولة، كما تقول احدى الشروحات:  أعيذها نظرات منكَ صادقةً/ ان تحسب الشحمَ فيمن شحمه ورمُ .. كما ذلك هو جرير ينالُ من غريمه الفرزدق، فيقول: زعمً الفرزدق أن سيقتلَ (مربعاً).. أبشر بطول سلامة يا (مربعُ) . وتتوالى النماذج والمشابهات..

   وفي الجانب الآخر نشير الى حالات السمو عن الرد، وتجاهل المقابل، بل والأستنكاف من ذلك، ودليلنا شعراً ايضا ماقاله الطرماحُ بن حكيم الطائي "لقد زادني حباً بنفسي أنني/ بغيض الى كلِ امرئ غير طائلِ.. وأني شقيُ باللئامِ ولا تَرى شقياً بهم الا كريم الشمائلِ" .. وكذلك  ما ينقل عن الامام الشافعي: يخاطبني السفيه بكل قبح / فأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مجيبا/ يزيدُ سفاهَة فأَزيدُ حِلماً /كعودٍ زادهُ الإِحراقُ طيبا..

الجواهري مثالا..

  وفي هذا المحور نبدأ متسائلين أولاً: هل هناك مقابل في القرن العشرين، على الأقل، شاعرا كان، أو مفكرا أو عبقريا، عانى بمثل مثل ما عاناه الجواهري (1989-1997) من أيذاء وتجاوز، وأبتذالات من بني وطنه وأمته؟!. نشكُ في ذلـك، وعسى أن يقارن ويضيف المتابعون الأجلاء، أو يُخطئون. نقول ذلك غير ناسيـــن، بالمقابل، ست عشرة اطروحة دكتوراه، واحدى عشرة رسالة ماجستيـر أجيزت عنه – الجواهري- من جامعات عراقية وعربية، من تلمسان الجزائرية، وحتى صنعاء اليمنية، مرورا بجامعتي الازهر والقاهرة المصريتين، وأربيل والكوفة والبصرة العراقيات (1).

.. لقد بدأ مسلسل التطاول عن الجواهري منذ بدايات حياته الشعرية، وهو يثبتُّ ذلك شعراً، ومن بينه اواسط العشرينات الماضية، اي قبل قرن كامل تقريبا، حين كتب: أنْ انكرتني أناسُ ضاع بينهم قدري، فمن علمّ الحداد بـ (الذهب) .. وكذلك ما قاله، وهو يتكئ على بيت شعر قديم: "ولو أني بليتُ بهاشميٍ/ خؤولته بنو (عبد المدانِ).. لهانَ علي ما ألقى ولكن/ هلمّوا وأنظروا بمن أبتلاني".

     ثم، وبمرور الزمن، ومع ثبات وثبوت عبقرية الجواهري، ودوره التنويري، الشعري والفكري، الوطني والعربي والأنساني يزداد التجاوز ومحاولات التطاول، من جهلاء ومتفقيهين على حد سواء، وبدوافــــع تتباين بين حسدٍ وغيـــرةٍ حيناً، وسياسية وتخلفٍ حيناً آخر. ونقول من جديد: ما علينا بـالنكرات و(الأصفار) بحسب وصفه لهم عام 1969 حين ردّ عليهم هادراً  "ما ضرّ من آمنت دنيا بفكرتهِ، إن ضِيفَ صفرٌ الى أصفار من جحدوا".

   وفي عودة للتساؤل التي اورده عنوان هذه الكتابة (السكوت التصدي) نقول ان الجواهري كان يتنقل بين ذينك النقيضيّن. ويبدو ان الأمر يعتمد عنده على الظرفين الزماني والمكاني، وحساباته عن الدوافع والأغراض، وغير ذلك، مما يحدو به لأن ينحى ذلك أالمنحى أو خلافه. فمرة يزعمُ حال السكوتَ، بل ويدافع عنهأ، رائياً فيه الموقف الأفضل. وفي التأكيد على ذلك نلجأ لاشعاره ذاتها، ومن بينها  قوله عام1927"سكتُّ حتى شكتني غرّ أشعاري/ واليوم أنطق حراً غير مهذارِ.. في ذمة الشعر ما ألقى وأعظمه أني أغنّي لأصنامٍ وأحجارِ" . وكذلك عام 1944 "وكن بالصمت أبلغ منك نطقاً/ وأورى في محاججة زنادا / فان الموت اقصر قيد باعٍ/ بان يغتال فكراً واعتقادا". وأيضا ما جاء في قصيدته عام 1949 " فلقد سكتُ مخاطباً إذ لم أجدْ/ من يستحقُ صدى الشكاة مخاطبا" . وثمة شواهد ومواقف أخرى وكلّها تشيع الدعوة للسكوت، والترفع عن تطاول هنا، وآخر هناك .. كما سمواً عما يراها صغائر وترّهات . ولكن هل استمر الشاعر في ذلك الأتجاه؟! وهل ثبتَ على ما اشاعه ودافع عنه؟!. قصيدُ الشاعر ذاته يجيبُ في شواهد عديدة الى نقيض ذلك، وبأكثر من مناسبة، وزمن وعهد.

     لم يصمتْ الجواهري، بل استهجن وصخبَ، وهدر بكل عنفوان، وأطاح – شعرا وتحدياً- بمواقف "المتحرشين" كما يسميهم، وبدوافع مختلفة، سياسيين ومثقفين وغيرهم، عراقيين وعربا، وأعاريب. بل – ووفق حساباته- مأجورين ومتصيدين وحاسدين وشامتين وعداهم. وقبل ان نوثق بشأن ما تقدم،  وبأمثلة ليس إلا، نشير الى ان بعض لواعج الشاعر حدت به الى مواجهة المجتمع قاطبة في بعض الأحيان، الذي أنجب أولئك المتطاولين، ومن بين ذلك - ومثلاً ايضا وليس حصراً- ما قاله عام 1984مخاطبا صديقه صلاح خالص "أصلاحُ أنا رهنُ مجتمعٍ/ يخشى اللصوص فيذبح العسسا/ يُزهى بفارسهِ أذا أفترسا/ وبضوء نجمٍ ساطعٍ طمسا". وكذلك عام 1985 حين قال " برئتُ من الزحوفِ وأن تلاقتْ/ تسدّ عليّ منعطفِ الدروبِ ..  أأنبذُ بالعراء بلا نصيٍرٍ/ نبيلٍ أو أديبٍ أو أريبِ .. فيا لمؤلهٍ فيها غريبٍ/ ويا لتعاسةِ البلد العجيبِ " وهكذا الحال في ابيات ومقاطع قصائد أخرى عديدة .. ودعونا ننتقل الآن لهدير الشاعر في غضباته "الفئوية" التي أسلفنا ذكرها قبل سطور قليلة .

   قلنا ان الجواهري، وفي كثير من الأحيان ضمّن قصائده: عتابا وهضيمة وغضبا، وتصدياً،  لمواقف وكتابات تداعى لها  أشخاص عديدون، ومن بينهم "مأجورون" بحسب توصيفاته، وأرائه.. وكان ردّه عليهم قاسياً، وأكثر بكثير وأزيّد شدة – في الاجمال- من ردوده وتصديه لكتابات "منتقديه" ومخالفيه المثقفين والسياسيين... ولا بدّ من الأستشهاد هنا ببعض ذلك لمزيد من التوثيق، ومثالنا ما قاله قي رباعياته (1959-1960): "سيسب الدهر والتاريخُ من أغرى بسبي/ لا أولى سبوا فهم عبدانُ عبدان لربِّ/ يا لويل المشتلي كلباً لسبِّ المتنبي/ عرضُ (كافورٍ) تهرّى وله مليونِ كلبِ "..

  أما عن امثلتنا – والشعرية كالعادة- على تصدي الجواهري لتجاوزات السياسيين، وأعوانهم، وفي عهود مختلفة، ومواجهاته لهم، طوال عقود، نشير الى ما قاله عام 1953"عدا عليّ كما يستكلبُ الذيبُ/ قومٌ ببغداد أنماطٌ أعاجيبً".. وكذلك بيته الشهير في قصيدة (هاشم الوتري) عام 1949 الذي يقول فيه: "أنا حتفهم ألجُ البيوت عليهمُ/ أغري الوليد بشتمهم والحاجبا".. وايضا في "المقصورة"  الاربعينية ذائعة الصيت " بماذا يخوفني الأرذلون، وممَّ تخاف صلالُ الفلا" ..

  اما المثقفون الذين حسبهم متجاوزين، شعراء وكتاباُ وصحفيين وسواهم، فلهم قسطهم من ثورات الجواهري ومواجهاته اللاهبة لتطاولهم، والرد على مروجي أراجيف، وكذلك الذين يدعمونها تحت عباءة حرية الرأي والنقد، والتقييم، وتبادل الاراء وغيرها من مشابهات. ونوثق في هذا السياق نماذج ملموسة - تفي الغرض كما نظنّ - لاستشهادات من قصائد الشاعر ذاتها، ومنها عام 1963 مهضوما من التجاوزات ضده، وعليه وهو في الغربة "وتفرج المتفيهون فلا دمٌ/ يغلي ولا قلمُ يذود ولا فـمُ... لم تنفقئ خجلا عيونٌ أبصرت/ وجهَ الكريم بكفِ وغدٍ تلطـــمُ". وكذلك عام 1975 حين قال مستنكرا السكوت على ما يحيق به من تطاولات " وأم الضاد قد هُتكتْ/ وربّ "الضادِ قد جُلدا.. بهم عوزٌ الى مددٍ/ وأنت تريدهم مددا" . وكذلك ما جاء في قصيدة  "المقصورة" سابقة الذكـر "ومنتحلينَ سِماتِ الأديبِ/ يظنّونها جُبَباً تُرتدى... ولاهِينَ عن جِدِّهم بالفراغِ/ زوايا المقاهي لهم مُنتدى".  وهكذا تروح العشرات من الابيات الجواهرية، في العشرات من قصائده تردّ وتتصدى وتردع، وتهدف للتنوير الجمعي وإن بدت شأنا خاصاً. ومثلما أشرنا فأن كل ما سبق ليس سوى  نماذج وحسب، وفي الديوان العامر ما يضاعف من مثل تلكم المواقف والمواجهات، وكشف الزيف والادعاء وما اليهما. ولعلّ من الجدير ذكره هنا أن المعنيين بالأبيات والاوصاف والمواقف الواردة فيها لم ينبسوا ولا بكلمة واحدة- في الغالب الأعم- ولربما كانوا أذكياء هنا ليكتفوا بما تلقوه من ردود تكشف معايبَ، وتبيّن خبائثَ، بحسب قناعات الجواهري، على الأقل. كما يجب ان نتوقف هنا أيضا للتوكيد بأن الشاعر الخالد كان يميّز ويفرق بين النقد الهادف البناء، المبني على القدرة والمعرفة، وحتى في تفسير المواقف الشخصية ودوافعها، من جهة، وبين التطاولات والمزاعم والاباطيل، السائبة أو المغرضة، أو المتاجر بها، من جهة أخرى.

    وفي مجال الأستدراك ايضا، والتوضيح، للقارئ – غير اللبيب خاصةً - الذي قد يتصور ان الجواهري لم يبقِ أحداً، سياسياً كان أم مثقفا أو كاتباً، وغيرهم، إلا وناله في اشعاره وقصائده... نوثق بأن مثل ذلك الأستنتاج لا يقوم على أسس رصينة وبالمطلق. نقول ذلك وفي الذاكرة والديوان العامر، وفي جزأي "ذكرياتي" للجواهري ذاته، العشرات من الابيات والمقاطع الاخوانية، والتقديرية لرموز سياسية وثقافية بارزة، عراقيا وعربيا. ولمن يطلب المزيد نوثق وعلى عجالة فان من بين تلكم الشخصيات السياسية، مع حفظ المواقع والالقاب: جلال طالباني، عبد المحسن السعدون، عبد الوهاب مرجان، سعد صالح جريو، مصطفى بارزاني، عبد اللطيف الشواف، يوسف سلمان يوسف، وصفي طاهـر... ومن الشعراء والشخصيات الثقافية، وايضا مع حفظ الالقاب والمكانات: الرصافي، ألياس ابو شبكة، بشارة الخوري، سلطان العويس، على جواد الطاهر، فيصل السامر، مهدي المخزومي، طه حسيـن، يوسف ادريس.. وعشرات آخرون.

      أخيرا، وبرغم أننا لن ننقطع – كما يبدو- عن مثل هذه الكتابات والتأرخة، طالما كان هناك متصيدون، وطالبو شهرة، وسياسيون ومثقفون على الضفة الأخرى مما يقف الجواهري. أقول   برغم ذلك فأن البعض قد يتساءل عن دوافع هذه الكتابة  الجديدة  الآن بالذات، فأردّ بأن الفترة القريبة الماضية - ولنقل اسابيع قليلة- شهدت تقولات وتطاولات جديدة في توقيتها، ولكنها مكرورة في فحواها عن الجواهري الكبير، والتي عنتها – وتعنيها الشواهد التي اتيّنا بها في متن هذه الكتابة، ومنها عن قصائد مديحه، فضلا عن ادعاءات بعض الكتاب، و"المؤرخين" في تخيّل أو زعم هذا التوثيق وخلافه، ولربما نعود لتفاصيل أكثر بهذا المنحى (2)...

--------------------------------------------------

1/ نشرنا في الانترنيت، ومواقع اعلامية عديدة قبل ايام قليلة، ثبتاً بعناوين الاطاريح ورسائل الماجستير واسماء اصحابها، والجامعات التي اجازتها...

2/ كتبنا ونشرنا اكثر من موضوعة ذات صلة، في الفترة القريبة الماضية، لعلها تسهم في توضيح المزيد لمن يتوخى الاستفاضة..

 

الجواهـري في تسع اطروحات

دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير

رواء الجصاني

 

    منذ تأسيسه في نيسـان عام 2002 حرص مركز الجواهري في براغ، على  توثيق العشرات من المواضيع والمحاور والكتابات عن شاعر الأمتين العرقية والعربية، وفي مقدمتها ما أجيز عنه من اطروحات دكتوراه ورسائل ماجستير، في جامعات عراقية وعربية رصينة.  وكان ذلك السعي يهدف لغايتين رئيسيتين بالأساس:  الاولى هي توفير المعلومات والمصادر للباحثين ذوي الاختصاص، والثانية للتأرخة الأشمل، لذلك العبقري الذي "ملأ الدنيا وشغل الناس" تنويرا في الشعر والفكر والحياة، وفي القرن العشرين تحديدا، بحسب زعمنا على الاقل .

      ومما يلفت الانتباه، او يتطلب لفته اليه، تنوع الجامعات التي اجازت – وفق رصدنا ومتابعتنا الى اليوم: تسع اطروحات دكتوراه، وثماني رسائل ماجستير، لباحثين متعددي الجنسيات، وتوزعت في العديد من العواصم والمدن العراقية والعربية، الامر الذي يؤشر - في تأكيد أضافي - ضخامة تراث الجواهري، وذيوع اسمه وعبقريته وشعره، ومجالات ابداعه، فضلا عما نهض به من مهمات وطنية وسياسية وصحفية وغيرها.

      ويقينا بأن ما سيلي في السطور التالية من ادراج لما بحثنا عنه، واحصيناه، وتابعناه بهذا المجال، ليس متكاملا . ولكن قد يفتح هذا التوثيق الباب لذوي الشأن اولا، ويحرضهم - كما الباحثين والمتابعين- لأكمال "الجرد" حول ما كتب عن الشاعر المجيد، وفي كل ذلك على ما نزعم: بعض توثيق للعطاء، ووفاء للعبقرية. كما انه الأمر يعني في ذات الآن، الأعنزاز بدورالباحثين الذين جهدوا في اتمام دراساتهم المثابرة، والتي تكللت بحصولهم على الالقاب العلمية التي يستحقونها.. اما السجل الذي نوثقه فهو كالتالي، وقد أعتمدنا في ترتيبه التاريخ الزمني:

الاتجاهات الموضوعية والفنية في شعر الجواهري، اطروحــة دكتوراه، اتممها: جميل عبد الغني محمد علي (جامعة الأزهر- 1994).

التمرد والخضوع في شعر الجواهري رسالة ماجستير اتممها: نواف قاسم سنجاري (جامعة صلاح الدين/ اربيل- 2001)  .

خصائص الأسلوب في شعر الجواهري رسالة ماجستير اتممتها: سهام قنبر علي (جامعة دمشق- 2002).

      4- الصورة الفنية في شعر الجواهري، اطروحة  دكتوراه اتممها: طارق عمر عريفي (جامعة دمشق- 2004).

5 - شعرية النص عند الجواهري اطروحة دكتوراه اتممها: علي الزهيري (جامعة بغداد- 2007)

6- خصائص الأسلوب في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: فوزي علي صويلح (جامعة صنعاء- 2008).

7- دراسة نحوية دلالية في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: صالح عبد العظيم (جامعة القاهرة- 2009).

8- ملامح الحس القومي في شعر الجواهري،  رسالة ماجستير، اتممها: سعد صابر الدليمي (جامعة الانبار- 2009).

9- صورة العراق في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه، اتممها: احمد الذهب (جامعة السودان العالمية 2010).

10- البنية الإيقاعية في شعر الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: مقداد محمد شكر قاسم (جامعة اربيل- 2011).

11- هجائيات الجواهري، رسالة ماجستير اتممها: عادل ناجح المكصوصي (جامعة الكوفة- 2011)

12- المفارقــة فــي الادب العربي الحديــث: محمــد مهدي الجواهري أنموذجا، رسالة ماجستير، اتممتها: منتهى حسن محمد علي (جامعة بغداد- 2013).

13- شخصية الجواهري من شعره، رسالة ماجستير اتممتها: عتاب مطير خضر (جامعة واسط - 2015).

14- مصادر ثقافة الجواهري من خلال شعره، اطروحة دكتوراه اتممتها: جوان عبد القادر عبد الله (جامعة القاهرة- 2015).

15- صدى القضية الفلسطينية في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه اتممها: عبد الرسول الهايي (جامعة طهران – 2017).

16- الغربة والحنيـــــــن في شعــــر محمد مهدي الجواهري، رسالة ماجستير، اتممتها: هبة محمد مصطفى (الجامعة اللبنانية - 2017).

17- الملوكيات في شعر الجواهري، اطروحة دكتوراه  اتممها: ستار جبر حسين (جامعة الكوفة- 2017).

   ختاما دعونا نعبر عن الشكر وألاعتزاز، ، فنقول بأن ثلاثة على الاقل من الباحثين الاجلاء اعلاه قد اشاروا في خلاصات ابحاثهم عند مناقشتها امام اللجان المشرفة، الى ما قدمه مركز الجواهري، وكاتب هذه السطور تحديدا، من مساعدات ملموسة في توفير بعض مصادر، ومراجعة عدد من الشؤون ذات الصلة، وغيرها، وذلك خلال فترة تفرغهم الدراسي، الذي تكلل بالتحصيل المتميز. والمعنيون الافاضل هم: د. جوان عبد القادر عبد الله، ود. عبد الرسول الهايي، والماجستير، هبة محمد مصطفى، مع التمنيات لهم بمزيد من التألق في مجالات اختصاصهم الجديرة بكل تقدير ...

-------------------------------------* رواء الجصاني: اواسط نيسان 2019

 

أزيّـد من خمسين كتاباً

ومؤلَفاً عن الجواهري الخالد

* رواء الجصاني(1)

 

     ضمن الجهود الحثيثة، الراهنة، التي تنهض بها أمانة العاصمة بغداد، وبأشراف مباشر من أمينها، السيدة ذكرى علوش، لأكمال متطلبات تجهيز وأفتتاح "بيت الجواهري" بمنطقة القادسية/ اليرموك، متحفاً ومركزا ثقافيا في بغـداد، وثقتُ - لذلك الغرض-  أزيد من خمسين مؤلفاً مطبوعاً، بين دراسات وبحوث، ادبية وأكاديمية، وذكريات وغيرها، لكي تزدان جدران "البيت" المنتظر بصور اغلفتها، الى جانب صور اخرى شخصية وعامة للرمز الوطني  والثقافي الكبير، وكذلك ما يتوفر من حاجات، وأصول كتاباته، والهدايا والاوسمة التي مُنحت له، وغير ذلك من مقتنيات، يسعى "كفــاح" نجل الشاعر الخالد الى جمعها، من الأسرة، مضيفا لها ما يتيسر عنده شخصيا..

     ووفقاً لما نتابع الآن، فأن من المفترض أن يكون "بيت الجواهري" متاحاً  امام الضيوف والزوار، والجمهور، في غضون الاسابيع القليلة القادمة.. متباهين من جديد بأن مركزنا - مركز الجواهري في براغ- كان السبّاق، في أنقاذ "البيت" وهو الاول والاخير الذي يتملكه الشاعر الخالد في العراق طوال حياته التي أمتدت – كما هو معروف -  لنحو مئة عام (1899-1997)... فبعد أن كاد ذلك "العقار!" معروضاً للبيع تجارياً، أشعنا حملة واسعة عام 2011  تكللت بالنجاح، فقامت أمانة العاصمة بشرائه من الورثة، وأستملكته لتحوله الى مقام وتراث تاريخي، حضاري، تفتخر به الاجيال القادمة، لشاعر البلاد، والأمتين العربية، والعراقية، ورمزهما الثقافي في القرن العشرين، على الأقــل .

    وفي عودة لتوثيق الكتب والمؤلفات التي  بحوزتنا في المكتبة الشخصية، ومركز الجواهري ببراغ، وقبل البدء بتعدادها، لا بدّ من التنويه الى ان تسلسلها جاء وفقاً لما هو مرتب في رفوف المكتبة العامرة، مع حفظ الالقاب، والاهمية، للمضامين، والمؤلفين العراقين والعرب. كما ننوه ايضاً بأن الافضل – طبعاً- لو كان قد جرى استكمال متطلبات التوثيق لتلكم الكتب والمؤلفات، بأضافة سنة الاصدار، وكتابة موجز او لمحة سريعة عن كل واحد منها، وأضافة دار النشر التي لم يظهر عدد منها في القائمة المدرجة، وذلك ما نعدّ ان نستكمله في القريب:

1/ الجواهري، مجمع الاضداد – سليمان جبران

2/ لغة الشعر عند الجواهري – د. علي ناصر غالب

3/ الجواهري، دراسة ووثائق – د. محمد حسين الاعرجي/ دار المدى

4/ الجواهري – يوسف شنوت الزبيدي – دار دجلة

5/ الجواهري.. وعي على ذكرياتي – د. فلاح الجواهري/ المدى

6/ دراسات ادبية في شعر الجواهري – د. جليل حسن محمد / دار دجلة

7/ مع الجواهري.. الحدث والذات والقصيدة – زهير الجزائري/ جامعة الكوفة

8/ الجواهري صناجة الشعر العربي في القرن العشرين - د. زاهد محمد زهدي/ دار القلم

9/ البنية الايقاعية في شعر الجواهري – مقداد محمد شكر قاسم / دار دجلة

10/ الجواهري: شعر المفارقة وهاوية الشاعر – د. محمد الكواز / وزارة الثقافة العراقية

11/ الجواهري.. بعيون حميمة – رواء الجصاني/ دارا: بابيلون، وميزوبوتاميــا 

12/ الجواهري: رؤية غير سياسية – حسن العلوي

13/ شعرية النص عند الجواهري – د. علي عزيز صالح / دار الكتب العلمية

14/ الجواهري صحفياً – د. كفاح الجواهري/ مكتبة عدنان

15/ الجواهري، شاعر وناثر – مهدي شاكر العبيدي

16/ الجواهري بلسانه، وبقلمي – سليم البصون/ ميزوبوتاميا

17/ الجواهري النهر الثالث – د. خيال الجواهري

18/ حوارات مع الجواهري – محمد صالح عبد الرضا / وزارة الثقافة العراقية

19/ جواهري العراق .. عراق الجواهري – د. محمد جواد رضا

20/ محمد مهدي الجواهري – سليم طه التكريتي/ دار الريس

21/ تحليلات عروضية لشعر الجواهري – عبد الحميد الرشودي

22/ الجواهري قصائد وتاريخ ومواقف – كفاح الجواهري ورواء الجصاني

23/ الجواهري ناقداً – وسام حسين العبيدي

24/ الجواهري اصداء وظلال السبعينات – رواء الجصاني/ دار بابيلون

25/ تشكيلات اسلوبية في انموذجيات جواهرية – د. فليح الركابي

26/ الجواهري دراسات نقدية - اشراف هادي العلوي

27/ الغربة في شعر الجواهري – احمد المصعب / وزارة الثقافة العراقية

28/ الجواهري سيرة قرن – خيال الجواهري

29/ الجواهري جدل الشعر والحياة- عبد الحسين شعبان

30/ من معجم الجواهري – د. سعيد جاسم الزبيدي/ كنوز المعرفة

31/ الجواهري ديوان العصر – حسن العلوي

32/ الفارس والحلبة – عبد الجبار داود البصري

33/ الجواهري الليالي والكتب – صباح المندلاوي

34/ الجواهري شاعر على العصر (ما نُشر في جريدة الحياة) اعداد عزيز الزيادي

35/ الجواهري ايقاعات ورؤى – مركز الجواهري/ دار بابيلون

36/ الجواهري هذا المغني لنور الشمس – عبد الأمير شمخي الشلاه/ دار المدى

37/ استذكار الجواهري تباهٍ بالوطن والشعر والتنوير – مركز الجواهري/ دار بابيلون

38/ هجائيات الجواهري – عادل ناجح البصيصي / جامعة الكوفة

39/ جمهورية الجواهري – د. عقيل مهدي – مكتبة عدنان

40/ الجواهري فارس حلبة الادب – محمد جواد الغبان –/ دار المدى

41/ الجواهري شاعر من القرن العشرين – د. جليل العطية / منشورات الجمل

42/ محمد مهدي الجواهري- سعدي يوسف/ دار المدى

43/ الجواهري في عمان : اللامية ومعارضاتها – حمودة زلوم / وزارة الثقافة الاردنية

44/ البنية الايقاعية في شعر الجواهري – مقداد محمد شكر قاسم / دار دجلة

45 / كردستان في ضمير الجواهري- د. وريا عمر امين/ جامعة جهان- اربيل

46/ انماط الصراع والتطور الابداعي في شعر الجواهري – د. جلال مهدي / مكتبة عدنان

47/ الجواهري حياته وشعره – يوسف عطا الطريفي / دار الاهلية

48/ شعر الجواهري دراسة بلاغية اسلوبية – حسن محمد سعيد الحيالي

49/ في رحاب الجواهري- صباح المندلاوي/ دار علاء الدين

50/ الجواهري.. عامان على الرحيل- رواء الجصاني/ بابيلون

51/ الجواهري في جامعة الموصل – كلمات ومختارات / جامعية الموصل

52/ حوارات مع الجواهري- محمد صالح عبد الرضا/ وزارة الثقافة العراقية

53/ الجواهري وسمفونية الرحيل – د. خيال الجواهري

54/ مشاهير وشخصيات وأسماء في قصيد الجواهري – رواء الجصاني

   وهنا لا تفوتنا الأشارة ايضا الى ان كل ما تم توثيقه اعلاه لا يشمل الموجود من دواوين الشاعر الخالد، ومؤلفاته الخاصة، التي تزهو بها مكتبتنا الشخصية، ورفوف مركز الجواهري في براغ، وتتعدى الخمسة والعشرين مطبوعا، سنقوم بتوثيقها لـ (بيت الجواهري) ببغداد، كما للتاريخ والباحثين، والاجيال، ثروةً عراقية شعرية وثقافية وسياسية قلّ نظيرها (2).

    أخيرا، نودّ التوثيق ايضاً  الى ان هناك نحو عشرين أطروحة دكتوراه، ورسالة ماجستير، كُتبت وأجيزت عن الجواهري الخالد، من جامعات عواصم ومدن عراقية وعربية عديدة، لم تجرِ طباعتها، أو أنها جاهزة للطبع، ومنها جامعات: بغداد والقاهرة والخرطوم والكوفة والبصرة واربيل وصنعاء وبيروت... وغيرها. وقد سبق أن نشرنا حولها، أو أشرنا للعديد منها في الاعوام القليلة الماضية(3) ولنا عودة جديدة للحديث عنها، في توثيقات قادمة...

    ----------------------------------------------- * رواء الجصاني اوائل نيسان/ 2019

ملاحظات وإحالات:

1/ مدير مركز الجواهري، ورئيس تحرير مؤسسة "بابيلون" للأعلام/ براغ.

2/ لعلّ من المناسب هنا دعوة الجميع، مثقفين وأدباء ومعنيين، لتزويدنا بما لديهم من عناوين لكتب ومؤلفات عن الشاعر الخالد، وصور اغلفتها، ونبذ موجزة عنها، بهدف التوثيق لها.

3/ منشور عنها ايضا في كتابنا "الجواهري... بعيون حميمة" الصادر عام 2016.

 

 

 

عراقياتٌ من هذا الزمان،

في ذاكرة سياسي عتيـق

رواء الجصاني

 

   .. ويحين موعد الحديث عن ذكريات ومحطات شخصية حول "عراقيات من هذا الزمان" ولا بـدَّ ان يأتي حديثا متميزاً عن توثيقاتك الاخيرة – ايها الرجل- والتي كانت بعشرين حلقة وحلقة،  وعنونتها "عراقيون من هذا الزمان".. والتميّز هنا أحلى بالطبعِ وما في ذلك من نقاش، أذ أنت ستكتب وتوثق لمن"زنَّ الحياةَ بوعدهنَّ، وشننها بوعيدهنَّ" بحسب الجواهري الخالد، شعراً غنياً، وتجربة غناء!.

والبدايةُ تساؤلات

    تنهمر عليك - ايها الرجل البادئ في استعادة، واستذكار مسار نصف قرن- تساؤلات دون مدى عما تبتغيه من هذه السطور ؟ ولمن تكتبها ؟ وماذا يهم الناس ان جاءت بهذا الشكل أو غيره؟.... وتجيب: ان بعضها للتاريخ العازف عن التزوير، وقسماً منها للواتي لم يأخذن حقهن امام ما قدمنّ من عطاء وجهد نبيليّن. كما انها قد تفيد السائرات والسائرين على طريق حبّ الناس والبلاد، الطامحين الى الارتقاء والسعادة.. ولا تنسَ انها – هذه التأرخة- تأتي ايضاً وايضاً للتباهي، فالمرء يعرفُ باصدقائه، ويعرّفُ بهم، كما تؤمن أبداً بذلك الشعار او الحكمة. وهكذا "فأعقلها، وتوكل" كما شائع بين الناس...

نبيهـة وبلقيـس

   ولتحترسْ، وأعبرْ مرحلتي الصبا والفتوة ففيهما ما "قد" لا يصلح للكتابة في سياق ما خططتَ له من محطات ومسارات وحدود، برغم ان هناك صلات وصلٍ وربط وما بينهما.. وعسى أن تجد لهذه "المحظورات" اليوم، فرصاً اخرى وبعناوين أخرى، ربما تصلح للنشر حينذاك!. ثم أبتدئ، وتوقفْ بزهوٍ عند أيقونتيّن تركتا فيك، وعندك، ذكريات وعبراً وقيماً انسانية قدرها الآخرون قبل ان تقدرها انتَ ايها الرجل . الاولى طبعاً هي الامُ، نبيهة الجواهري، زوجة السيد جواد العريضي، الحسيني، الملقب بالجصاني، وشقيقة الشاعر الأكبر، التي عشت معها، وعاشت معك – حياةً - لثمانية وثلاثين عاما، منذ ولدتَك عام 1949 وحتى رحيلها عام 1987. أما الايقونة الثانية فهي بلقيس عبد الرحمن، ارملة الشهيد البطل وصفي طاهر، أم زوجتك نسرين، والتي عشتَ معها ثلاثين عاما، نحو عشرين منها في بيت واحد، في براغ، وحتى رحيلها عن عالمنا عام 2001.

زميلات زاهيـات

    .. وتتذكر ايها الموثقُ، والساردُ، بدايات الدراسة  في جامعة بغداد، وفي معهد الهندسة العالي تحديدا، عام 1967 حين التقيتَ في الصفوف والقاعات والنشاطات الاجتماعية والسياسية، وعلى مدى ثلاثة اعوام بجميلات في عمر الزهور، انيقات بواهـر، بعضهن نشطَ  في مجالات العمل الجماهيري، الديمقراطي والوطني، والاجتماعي، ورحنّ يباريّن أقرانهن الشباب في بعض الاحيان.. وأقدحْ ذاكرتك ايها الرجل، وأختبرها وسجلْ ان من بينهن: أزهار وآلاء  وخولة وسراب وسهام وكواكب وليلى ومعتبر ومنى وهناء وهيفاء... وورود أخريات من عاطرات الخلق والأخلاق، من بغداد والبصرة والموصل، ومدن العراق الاخرى.

جامعيات مناضلات

    ثم يشتدُّ عودك ايها الرجل في العمل السياسي، وتتكلف، وتتكفل، منذ عام 1969 وحتى عام 1978 وبأشكال متنوعة، بمتابعة هيئات ديقراطية اتحادية (نسبة لأتحاد الطلبة العام)  وتشكيلات حزبية شيوعية، في مختلف كليات ومعاهد بغداد، ومنها بشكل رئيس: الادارة والاقتصاد، والقانون والسياسة، والاداب واكاديمية الفنون، والزراعة، والطب البيطري، وجامعة التكنولوجيا.. ولا شكّ أنك لن تنسى هنا نشيطات بواسق كنّ ما كنَّ في الشجاعة والرقي الثقافي والحرص الوطني، طموحاتٍ للأمل من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن، وتحملنّ ما تحملن في سبيل ذلك، أمتشقنَّ الكتب الدراسية بيد، والمناشير والادبيات السياسية بيدٍ أخرى، فجمعن المجد من اطرافه، ومنهن: انعام وآشتي ورجاء وسراب وسوسن وسناء ولمى وملاك، ورفيقاتهن الأخريات.... وقد التقيت بالعديد منهنّ لاحقا في عواصم العالم المختلفة، ومنها في دمشق وبراغ وصوفيا وموسكو وعدن، بعد الاضطرار للخروج من البلاد اواخر السبعينات، حين كشرّ البعثيون الماجنون عن أنيابهم، فلاحقوا واضطهدوا وعذبوا وسفحـوا .. وقد كنّ – ولم يزل عديد منهن- مستمرات في تلكم النشاطات السياسية منها، والجماهيرية والعامة، ولربما تقاسمنَ أو سلمنَّ "الراية" للأبناء وحتى الاحفاد!..

شهيدات شاهقات

      وإذا جاز لك أن تنسى في زحمة العمر - وما أوسعها- فلا يجوز لك - ايها الرجل السياسي المتقاعد، والحامل جذوة الذكريات - ان تنسى باذخات العطاء والروح، الشهيدات الخالدات: زهور اللامي وشذا البراك ورمزية جدوع، اللواتي كنّ يضوعنّ عطاءً في اجتماعاتكم السياسية والحزبية والاجتماعية، ورحنَ وفياتٍ أمينات، صبورات على الأذى، شاهقات في تضحياتهن الجلى للمبادئ القيم والمبادئ التي آمنّ بها، وهل ثمة أغلى من أن يجود المرء بحياته على تلكم الطريق؟!.

على " طريق الشعب" وفيها

  ما زلت في بغداد ايها الرجل، فلم تحن الساعة البعثية اللئيمة بعـد، فتذكر أذن كيف كانت جريدة الحزب الشيوعي "طريق الشعب" عامرةً تزهو بمحررات وشغيلة، زاملتهن ورافقتهنّ لأزيد من خمسة اعوام (1973-1978) وهنّ ينشطن في المهمات المكلفات بها، بل ويزدنّ دون حساب الوقت أو التعب، فالهدف اسمى، والحلم بهيّ ، والطموح بلا منتهى، ودونما خشية من الغدر البعثي المتوقع والقادم.. تذكرالرائدات، والواثبات: أميرة مهدي ورجاء الزنبوري وسعاد خيري وسعاد الجزائري وسلوى الجلبي وسلوى زكو وسهام الظاهر وفاطمة المحسن وعفيفة لعيبي ومنى سعيد..

وفي المغترب/ المنفى

   وتقودك الايام والظروف لما أنت لم تخطط  له ايها الرجل، فتصل براغ، وها أنت مستقر فيها  منذ اربعة عقود بالكمال والتمام.. وطوال تلك الفترة، ومن خلال متطلبات مهام وطنية وفعاليات سياسية وثقافية واجتماعية، ألتقيتَ وزاملت ورافقت وتعرفتَ على باسقات عديدات، طالبات ومقيمات وعاملات، متنوعات كتنوع الازهار الربيعية، حافلاتٍ بكل جميل وجميل. ولا شكَ ان ثمة علاقات متميزة سادت مع البعض منهنّ بحكم المشاركة في الهيئات السياسية والحزبية والديمقراطية، مثل الراحلات الجليلات : نزيهة الدليمي  وبشرى برتو ، وروناك علي، ونضال وصفي طاهر.. والعزيزات : أيسر شوقي وخيال الجواهري وساجدة علوان وساهرة محسن، وشروق العبايجي وصنوبر عبد الكريم وفاتن الجراح وكفاح اسعد خضر وعميدة مصري، وعواطف جبـو، ومها الناصر ووَسن عبد الهادي، وعديد آخر ممن تحملن مسؤوليات في هيئات منظمات ديمقراطية (جمعية الطلبة، رابطةالمرأة، جمعية الطلبة الاكراد، والمنتدى العراقي ) أو تشكيلات سياسية..

    وفي براغ ايضا، لا تنسَ انكَ تعرفتً - ايها الرجل الموثق -  على (شقائق نعمان) أخريات نشطن طلابياً وسياسيا ومنهنّ من تركنّ دراستهنّ والتحقن بنضالات الحزب الشيوعي العراقي داخل البلاد، وفي كردستانها بشكل رئيس، ضمن فصائل مسلحة لمقارعة الديكتاوتورية والارهاب، خلال الثمانينات الماضية، مثل ايمان وجمانة وسندس وعائدة ولمياء ونضال وهند .. ومنهنّ ايضا (أيسر) و(وسن) اللتين مرّت الاشارة لهما في سطور سابقات..

   وما دمت في براغ فلا تنسَ - ايها الرجل- نسوة عراقيات عريقات كرّمنكَ بمعرفتهن، شغيلة، واعلاميات وزوجات اصدقاء اعزاء، ومنهن : فائزة وزاهرة و ونيكار وياسمين ويسار.. ثم تالياً: سميرة وفريال وفيروز وميسون.. دعْ عنك الدبلوماسيات اللواتي حللنّ في براغ ضمن بعثات السفارة العراقية، ما بعد الاطاحة بنظام الارهاب البعثي عام 2003 ومن بينهنَّ: امال وأحلام، وآلاء، وكردستان ونغــم ونـور ...

وفي عواصم الدنيا

     لهذا الشأن السياسي والطلابي، أو لتلك الحالة الاجتماعية وسواها، تنقلت ايها الرجل الساردُ، في مختلف عواصم ومدن الدنيا، ومنها في دمشق وعدن وكوبنهاغن وديترويت والجزائر ولندن وبيونغ يانغ، بالأضافة الى براغ طبعاً، فالتقيت وتعرفت – ايها الباحث عن التوثيق والتأرخة- على عراقيات ما برح بعضهن يواصلن العطاء والنشاط الوطني والاجتماعي، وبقيّن ويبقيّن في الذاكرة السياسية والاجتماعية وممن اقاموا أو رحلوا: انعام العبايجي وأنباء جاوي وايمان سلام عادل، وبدور زكي، وبثينة شريف وذلفاء الخفاجي، ورجاء كمال الدين، ورجاء الدوغجي وسعاد البياتي وسلمى جبو، وسهام الجواهري، وشوقية العطار وفائزة الجواهري، وفخرية عبد الكريم (زينب)  ولهيب الراوي وناهدة الرماح، وهناء ادور، ومي الاوقاتي.. وزاهيات عديدات أخريات..

والذكريات صدى السنين ..

   ها أنت تختتم الاستذكارات العجول – ايها الرجل- ولكنك لن تستطع ان تختتم المحبة، وما رسخ في الاعماق من ذكريات تتدفق شلالات عذبة من تلقاء ذاتها. مرات بفرح لا مدى له، واحياناً بأحزان مرةٍ على من رحلوا عن دنيانا الكذوب ..

   ولعل العديد سيسأل وماذا عن نسرين وصفي طاهر؟ الانسانة والسياسية الدؤوب، أذ لا ذكر لها، ولا أشارة  في هذه المحطات الوجدانية والتوثيقية. والجواب حاضـرٌ، بل وزاخرٌ ايضاً، وهو ان نصف قرن من الزمالة والصداقة والحب والرفقة الزوجية والحياتية والنضالية والاجتماعية، لا تستوعبها مثل هذه الوقفات، ولكن لها توثيقات تطول وتطول، وعسى ان تكون قيّدَ القراءة في قادم الايام القريبة ..

   وعلى امل توثيق ذكريات لاحقة، لصدى السنين، الدفاق  الجميل، أعتذر ايها الرجل عما لم تسعفك به الذاكرة من اسماء "عراقيات من هذا الزمان" ولا شكّ فأنهنّ سيسامحنّكَ عن ذلك، لأنهنّ يعرفنّ مسبقاً بأن لا قصد مما كان سوى السهو، وحسب ... فهنَّ، ومن سبقت الاشارة اليهنّ، كنّ واحاتِ يانعات زدنَّ الدنيا بهجة وعطاءات وتجارب انسانية، كمْ تعلمت منها، وكمْ أفتخرتَ بها، وما برحتْ...  

-------------------------------------------------- بـراغ / اوائل نيسان 2019

  

بضع ملاحظات حول

"عراقيون من هذا الزمان"

رواء الجصاني

   بعد الجولة الاولى من توثيقات (عراقيون من هذا الزمان) التي شملت محطات واستذكارات شخصية لعشرين صديقاً، هذه جردة سريعة حولها، مع توضيحات وتنبيهات ربما تعطى صورة اكثر شفافية لما اردتُ فكتبتُ، برغم ان هناك في بعض الحلقات، ولأكثر من مرة،  ما يفيد تلك الغاية. ولا بدّ اولاً من الاشارة الى سروري البالغ لما حظيت به تلك التوثيقات من اهتمام بصور واشكال شتى ...

    والشخصيات العشرون التي تمت الكتابة عنها خلال الاسابيع القليلة الماضية هم، وبالتسلسل التي جاءت به: 1/ علي جواد الراعي، 2/ وليد حميد شلتاغ، 3/ حميد مجيد موسى، 4/ خالد العلي، 5/ عبد الحميد برتـو، 6/ موفق فتوحي، 7/ عبد الاله النعيمي، 8/ شيرزاد القاضي، 9/ ابراهيم خلف المشهداني، 10 عدنان الاعسم، 11/ جبار عبد الرضا سعيد، 12/ فيصل لعيبــي، 13/ محمد عنوز، 14/ هادي رجب الحافظ،، 15/ صادق الصايغ، 16/ صلاح زنكنه، 17/ عباس الكاظم، 18/ هادي راضي، 19/ ناظم الجواهري، 20/ ليث الحمداني... وكل الحلقات كُتبت دون معرفة اصحابها، ولم يكن لهم اي اطلاع على ما أحتوته من تفاصيل، ونشرت جميعها في العديد من وسائل الاعلام..

    ومما يهم ان اشير له ايضا ان التسلسل قد جاء تلقائياً، وبحسب ما جادت به الذكرة، ودون اي اعتبار آخـر.. وكل الشخصيات المعنية كما هو واضح – ومع ذلك انوه اليه هنا – هي ممن لا تشغل الآن اية مهمة او منصب وغيره، سوى تميّزها بالروح الانسانية كما ادعي شخصيا على الاقل. وقد عمدتُ لذلك الاختيار أحترازا من احتمالات تنطع هنا أو تقوّل هناك، مع تأكيدى بأن ثمة شخصيات عزيزة أخرى لي معها - ولها معي - وشائج وصداقات وذكريات، جديرة بالتوثيق والتأرخة، ولكن قد أجلت الحديث عنها لفترات قادمة،  والى حين زوال الاسباب !.

    ومن الجوانب الاخرى التي شجعتني على الخوض بهذا المضمار – او المغامرة بحسب تعبير احد الاصدقاء- تصورى، بأن الاعزاء الذين كتبت لهم وعنهم، لم يأخذوا حقهم في التأرخة، أو ان الاضواء لم تسلط عليهم وعطاءاتهم العامة، السياسية والابداعية وغيرها، بشكل مناسب، يرغم تجاربهم الحياتية التي تؤشر لقيم ومواقف ما أشد الحاجة اليها في يومنا لمعاصر، والعراق يمرّ بما يمر فيه، خاصة وأن الغالبية منهم لم يدونوا ذكرياتهم وسيرهم حتى الان.

    ومن الملاحظات والتعقيبات التي اباح بها متابعون محترمون أني لم اتطرق لجمع كريم آخر، وكان ردي بأن هناك كتابات اخرى عنيّت بأحباء عديدين، ونشرت في وسائل اعلام مختلفة، وكذلك في كتابي: الاول "الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر عام 2016 في بغداد، والثاني "تاريخ وشهادات ورؤى" الصادر هذا العام 2019  .. ومن بين اولاء الاعزاء: عبد الرضا علي، عبد الكريم كاصد وعواد ناصر يحيى بابان "جيان" وجمع كريم آخر.. اما الراحلون الاحبة فثمة ستٌ واربعون كتابة او ايجازا لهم وعنهم، ووعن العلاقة معهم، جلّها في كتابي الثاني المشار له اعلاه، وهم : 1/ آرا خاجودور، 2/ أسعد خضر اربيلي، 3/ بشرى برتو، 4/ تالي المالكي، 5/ ثابت حبيب العاني- ابو حسان، 6/ حسين العامل، 7/ جمعة الحلفي، 8/ جميل منير العاني، 9/ خالد يوسف متي، 10/ زكي خيري، 11/ زهير عمران، 12/ سامي العتابي، 13/ سعدون علاء لدين البياتي، 14/ سعود الناصري، 15/ شذى البراك، 16/ شمران الياسري- ابو كاطع، 17/ صالح دكلة- ابو سعد، 18/ صالح محسن الجزائري، 19/ صفاء الحافظ، 20/ صفاء الجصاني، 21/ عادل الربيعي، 22/ عادل مصري- ابو سرود، 23/ عادل وصفي، 24/ عامر عبد الله، 25/ عباس عبيدش، 26/عزيز سباهي، 27/ عزيز محمد، 28/ علي حسن- ابو حيدر، 29/ غانم حمدون، 30/ فائق بطي، 31/ فائزة باقر الجواهري، 32/ فالح عبد الجبار، 33/ فرات الجواهري، 34/ محمد حسين الاعرجي، 35/ محمد سعيد الصكار، 36/ محمود البياتي، 37/ محمود صبري 38/ مصطفى الدوغجي، 39/ مصطفى عبود، 40/مدي الحافظ، 41/ مؤيد نعمة، 42/ هادي العلوي، 43/ وصفي طاهــر، 44/  نزار ناجي – ابو ليلى،  45/ نضال الليثي، 46/ نضال وصفي طاهر.

     ومن المؤكد - كما اخطط وأسعى - ان هناك في الفترة القادمة جولة جديدة، وربما أكثر، في السير على ما تمت كتابته، لتضاف الى الباقات السابقة، باقات أخرى من المعارف والاصدقاء والاحباء، دعو عنكم الصديقات والزميلات والرفيقات ممن "زنَّ الحياة بوعدهنَّ، وشننها بوعيدهنَّ" وكم أتمنى ان لا أقصرّ في الاتيان بجميل الذكريات والتأرخة بذلك المسار برغم بعض تعقيداته، وأعني مراعاة بعض ظروف، وربما بضعة اسرار ايضا!!..

     وبحسب ملاحظات بعض الأعزاء فأن ثمة ايجازات في التوثيقات والاستذكارات التي نعني بها هنا، كما هناك تركيز على الجوانب الجميلة فقط... ومع أني أشرت لأكثر من مرة بأن المقصود والهدف ليس كتابة سير ذاتية، أكرر مرة اخرى لمزيد من التوضيح بأن جميع المنشور جاء بشكل أو آخر بقدر ما توفر لي من مشاهدات مباشرة، أو علاقة بتلك الشاكلة وغيرها. مع التنويه مجددا بأن كل ما تم توثيقه جاء وفق الذاكرة، ودون اي تداول مع الاحبة الذين تمت الكتابة لهم وعنهم.

    أخيراً، وايضا حول ما تستهدفه هذه الاستذكارات والتوثيقات، أشيـر الى انها جاءت للتعبير عن بعض وفاء، وتأرخة موجزة لكثير من العطاءات التي لا اجد تفسيرا مناسبا لتركها الى المستقبل، دون ان تكون شهادات عيان ليضيف لها اصحابها ما يعتقدون بأهميته، ويصححون ويزيدون وينقصون، وخاصة ان ثمة الكثير مما ينشر هنا وهناك بات مليئا بغير الدقة على اقل وصف، الى جانب استقاء المعلومات التاريخية من غير مصادرها، مما يشوه بعضها عمداً، او بدون قصد.

     اما على الجانب الشخصي فلن أتردد في القول هنا ان هذه الاستذكارات والوقفات التاريخية تأتي ايضا لأشهار علاقات وصداقات شيئت لي مع مناضلين وشخصيات وطنية وعامة، كما محبة وتعارف مع غيرهم، وفي كل ذلك وهذا: رصيد حياتي، ومعنوي، هو كل ما توفر لي في العالم المادي وعلى مدى اكثر من نصف قرن، اي بعد مرحلة الصبا والفتوة الجميلتين. وليست بجديدة على الكثيرين حكمة أو مقولة " ان الانسان يُعرف من اصدقائه" وها أنذا سائر على تلكم الطريق! .

          ------------------------------------------------ * براغ/ آواخر آذار 2019

 

  

 

 

ستة وخمسون عاما على

كارثة شباط الاسود في العراق

رواء الجصاني

 

هل ساعد الزعيم عبد الكريم قاسم على نجاح الانقلاب البعثي الفاشي عام 1963؟!

رواء الجصاني

-------------------------------------------------------------
    ليس بالضرورة ان تكون قراءة التاريخ، وتوثيقه، دعوة للثأر او الاثارة دائماً، ولكن ذلك قد يكون بهدف التنبيه والتأشيرعلى الاقل، لكل الذين لا يعون، او الذين لا يريدون ان يستفيدوا من تجارب ووقائع الحياة، واحداثها، بحسب الجواهري الخالد، في بيته المدوي: 

ومن لم يتعـظْ لغـدٍ، بامسٍ، وان كان الذكيّ، هو البليدُ

    ولا ندري - بل وربما ندري، ونتعمد خلاف ذلك! - كم نحتاج، وسنحتاج، اليوم لفهم وتبني تلكم الحكمة الجواهرية في عراقنا المعاصر، وثمة مخلصون و"طيبون" وغيرهم ممن يدعون - بدون ضوابط - للتسامح ونسيان الماضي، ولربما انهم ما برحوا مأخوذين بذلك الشعار الشهير: عفا الله عما سلف، الذي تبناه زعيم الجمهورية الاولى، عبد الكريم قاسم، طوال تفرده بالسلطة، حتى راح من عفا عنهم يسوقونه اولاً، مع ابطال نجباء، الى محرقة البعث الاولى، يوم الثامن من شباط عام 1963 الذي نكتب هذه السطور بمناسبة ذكراه السنوية السادسة والخمسين التي تمر هذه الايام..

    وان كانت الغرابة لا تثيرنا كثيرا حين يتحدث العامة عن "ضرورات التسامح" و"أهميات الالفة" و"حسنات النسيان" ... دعوا عنكم الغفران . ألا ان الغرابة تثيرنا وبلا حدود حين يتحدث بذلك الاتجاه، سياسيون ومثقفون، ديمقراطيون – أو هكذا ينبغي- بطيبة مرة، وعن قصدية مبتغاة، لمرات ومرات، وبدعاوى "الوطنية" وشعارات مكرورة مثل: "الاهم قبل المهم" و"العدو الاشمل" و" المؤامرة ضد الامة" ... و ما الى ذلك من مشابهات ومزايدات، لسنا في حال التصدى لها في هذه الكتابة على الاقل .

     وبذلك الاتجاه الذي تعمدته السطور السابقات، اي للوقاية والاحتراز من الطيبة الزائدة، نسعى هنا لتحفيز الذاكرة - وذلك اوسط الايمان - من خلال اجتزاء شهادات تاريخية وثقتها بلقيس عبد الرحمن، زوجة الشهيد العميد، وصفي طاهر، احد ابرز اقطاب ثورة / حركة الرابع عشر من تموز عام 1958 التي اطلقت الجمهورية العراقية الاولى، وحتى اغتيالها في الانقلاب البعثي الاول في شباط الاسود عام 1963 (*).

 

*عشية الانقلاب المشؤوم 

    تكتب بلقيس، زوجة وصفي طاهر، وهي شاهدة عيان ما نصه: "بتاريخ الأربعاء 6/2/1963 اتصل الزعيم عبد الكريم قاسم هاتفياً بوصفي طاهر، ليلا، وطلب حضوره الى مقره بوزارة الدفاع، فأسرع ليرتدي ملابسه، ويتوجه الى هناك على الفور، وبقي الى صباح اليوم التالي - الخميس 7/2/1963. وحينما عاد، قال لي: "لقد اطلعني الزعيم على قائمة بأسماء الضباط الذين يدبرون مؤامرة ضد الثورة، واكثرهم من البعثيين"...

    وقد أجابه - وصفي: "وماذا تريدني ان اعمل وانا ليس لي غير مسدسي؟! سأنزل الى الشارع مع الشعب واقاتل"... فردّ عليه قاسم: "لا تتكلم هكذا؟ فأنا سأسحق المتآمرين، ولن ادع اية مؤامرة تمر". فقال له وصفي: "ليكن في علمك ان المعادين للثورة من الرجعيين وغيرهم، التفوا حول البعثيين، ومعهم اذناب الاستعمار، والقوة كلها سلمتها لهم، في ذات الوقت الذي جرى فيه ابعاد المخلصين من الضباط، وحتى الجنود، عن المراكز المهمة، وانا - وصفي - وغيري من محبيك، نتوقع كل ساعة ان تحدث مؤامرة، ولكنها ستكون هذه المرة حالة كبيرة لا نعرف نتيجتها، وربما تنجح، وعندها سينتقمون من كل مؤيديك والجمهورية".

... اما  الزعيم فقد اجابه: "اطمئن، الجمهورية قوية والشعب قوي، وسوف ترى كيف سأقضي على المتآمرين". فقال له وصفي: "انت المسؤول عن سلامة البلاد والشعب، ويجب ان تأخذ حذرك، ولا تصدق لاحقاً كلام المنافقين""...

*صبيحة اليوم الاسود

   وتستمر "بلقيس" في ذكرياتها المخطوطة، فتقول: "في صبيحة يوم الانقلاب المشؤوم (الجمعة 8 شباط 1963) كنا نشاهد التلفزيون على الفطور، فاتصلت بنا احدى الصديقات لتنقل لنا بأن خبراً يُذاع من مأذنة جامع المأمون، غرب بغداد، التي تسكن قريباً منه، يقول بان هناك ثورة ضد الزعيم عبد الكريم قاسم... فأرتدى وصفي ملابسه فوراً، ليخرج الى حيث يقيم الزعيم، وكان معه 90 ديناراً أعطاها لي. ولما وصل الى هناك اتصل بنا وقال لا تبقوا في البيت، لأن المتآمرين هجموا على بيت العقيد فاضل عباس المهداوي (رئيس محكمة الشعب). وقد ذهبنا فعلاً الى بيت اقربائنا... وفي اتصاله الهاتفي الأخير معي، قال لي: نحاول السيطرة، وكوني شجاعة".

* الانقلابيون يستولون على السلطة

    في صفحات عديدة من ذكرياتها، تكتب بلقيس عبد الرحمن، خلاصات عديدة عن الانقلاب المشؤوم في ساعاته الاولى ومنه: "حين وصل وصفي الى بيت عبد الكريم قاسم، وكان قريباً من بيتنا، اتصلوا في الهاتف بمعسكر الرشيد، وطلب منهم الزعيم ان يخمدوا الفتنة، ولكنهم كانوا يسخرون منه ويشتمونه... وقال وصفي لعبد الكريم – بحسب شهود عيان - هذه نتيجة أخطائك وهذا ما كنا نتوقعه، فأجابه: "ليس الآن وقت ملامة يا وصفي، تعالوا معي الى وزارة الدفاع لنرى، ونتصل بالقطعات العسكرية الاخرى"، وهكذا ذهبوا جميعاً الى هناك، وقد كان في مقر الوزارة نفسها معادون، الى جانب الضباط والمراتب المخلصين هناك...

     وتضيف بلقيس: "كان وصفي قد أبعد العسكريين المعادين للجمهورية من كتائب الدروع، وعيّن المؤيدين بدلهم، احترازاً مما قد يحدث. فقد كان المتآمرون قبل ان يقوموا بأي شيء، يحسبون لقطعات الدروع الف حساب، لذلك اوهموا عبد الكريم قاسم بان وصفي، ومؤيديه، ومعه الحزب الشيوعي، سيقومون بانقلاب عسكري ضده، ويتسلمون الحكم. وقد صدقهم، بل راح يشكّ حتى بوصفي، فكلّف أجهزة الامن بمراقبته".

     وفي سياق ذي صلة، تنقل بلقيس أيضا، عن وصفي طاهر ان العميد الطيار جلال الأوقاتي، قائد القوة الجوية، كان مراقباً أيضاً بحسب اوامر الزعيم قاسم، لأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي، ومن قبل قيام ثورة 14 تموز. وقد استقال من الخدمة العسكرية في العهد الملكي، وفي اول يوم من الثورة عيّنه عبد الكريم قائداً للقوة الجوية، باقتراح من وصفي، وقد كانا أصدقاء، ويحملان أفكاراً ديمقراطية، ولذلك فان المتآمرين وقبل ان يقوموا بأية خطوة ساعة انطلاق تحركهم في 8 شباط 1963، نفذوا عملية اغتيال جلال الأوقاتي، وقد كانت تلك ساعة الصفر للانقلاب المشؤوم"...

* توثيقات عن الساعات الأخيرة

    مثلما كانت هناك العشرات من "الشهادات" و"الاجتهادات" و"التوثيقات" بشأن تأرخة شؤون التهيئة لثورة 14 تموز 1958 وتنفيذها، ومسيرتها، ومن ثم الاجهاز عليها في 8 شباط 1963... ظهرت "شهادات" و"اجتهادات" و"توثيقات" بشأن مصرع وصفي طاهر واستشهاده، مدافعاً عن قناعاته ومبادئه...

    وتكتب بلقيس في ذكرياتها – مذكراتها التي تركتها مخطوطة قبل رحيلها عام 2001: علمت بعد شهور من انقلاب شباط الاسود، ومن احد العسكريين المرافقين واسمه نعيم سعيد، بأن وصفي طاهر ذهب مع عبد الكريم قاسم الى مقر وزارة الدفاع في باب المعظم، وكان يعاتبه بشدة ويقول له، "هذا ما حذرتك منه"، وكان الأخير يردّ: "ليس وقت هكذا حديث الآن". وحينما اشتد القصف على الوزارة، وكان وصفي يتصدى للانقلابيين، طلب من مرافقه وسائقه، ان يخلّصا نفسيهما ويتركاه لوحده، فهو سيدافع عن الثورة الى اخر قطرة من دمه، وذلك ما كان بالفعل.
    وبعد بضعة عقود، وفي 2007 تحديداً، يُعرض برنامج تلفزيوني ببغداد، بمناسبة الذكرى السنوية للانقلاب الفاشي، ويتحدث فيه أحد آخر عسكريين اثنين بقيا مع وصفي طاهر حتى اللحظات الأخيرة، وهو مرافقه الشخصي نعيم سعيد، فيؤكد أن وصفي طاهر طلب منه، وكذلك من سائقه فيصل عذاب، وكانوا جميعا في مقرات وزارة الدفاع يقاومون الانقلابيين، طلب منهما ان يسلما نفسيهما، بعد وضوح النتيجة، ونفاد الذخيرة، قائلاً لهما انه هو المطلوب أساسا من الانقلابيين، وحينما استدارا، وبعد ذلك بلحظات، سمعا صوت طلق ناري، انهى بها وصفي طاهر حياته.
     وهكذا يتخذ وصفي طاهر القرار، كما قرر، وأفصح عن ذلك، أمام زوجته، وأمام عبد الكريم قاسم بالذات، في أوقات سابقة، بأنه سيقاوم أية محاولة لاسقاط الثورة، وسيحتفظ بآخر طلقة لنفسه... وبحسب المتحدث، نعيم، في البرنامج التلفزيوني الذي جرت الاشارة اليه في السطور السابقة، فانه، وفيصل، مددا وصفي طاهر، واغمضا عينيه، وقاما بتسليم نفسيهما للانقلابيين. ومن المعروف والموثّق، كيف عرض تلفزيون بغداد، الذي سيطر عليه انقلابيو 8 شباط جثة وصفي طاهر، وبأسلوب حاقد ولئيم، لا لشيء إلا لاحباط عزائم المواطنين، المقاومين للانقلاب في حينها، وكذلك لطمأنة أنفسهم من الرعب الذي كان يحيط بهم من قيادات الثورة التموزية.

-------------------------------------------

 (*) شهادات بلقيس عبد الرحمن مستلة من مؤلًف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق" – كتابة وتوثيق: رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر عام 2015 بطبعتين عن: بابيلون للثقافة والاعلام - براغ، ودار الرواد المزدهرة – بغداد .

 

هوامش وملاحظات

عن بعض مؤلفات السيـر الشخصية، والمذكرات

.. وعن بعض كتابها، وكتبتها!

رواء الجصاني

..وللانشغالات (بل والابتلاءات) اشكال وانواع متعددة، وواحد منها (داء) القراءة الذي يبدو بأن لا علاج له، وخاصة أذا ما أستفحل، وأمتد لعقود، كما هي الحال التي نعيش.. وأبتلاؤنا الأشد كما ندعي، متابعة الاحداث التاريخية، العراقية خصوصا، عبر كتب السيرة والذكريات والاستذكارات، للمؤلفين أعينهم، أو لمن يكتب و"يؤلف" عن الاخرين ولهم.. وهكذا تعج المكتبة الشخصية بنحو مئة مؤلَف ومؤلف عن ذلكم الشأن، وغالبيتها لسياسيين ومثقفين عراقيين عاصروا الاحداث منذ بدء قيام البلاد العراقية الجديدة، ونعني في مطالع القرن الماضي والى اليوم ..

   والهوامش والملاحظات التي سترد في الفقرات اللاحقة لا تعنى بالاسلوبية، ولا شكلية الكتابة، فلتلك احاديث اخرى تطول وتتسع، وهي من اختصاص النقاد والمنتقدين ذوي الباع بفنون الكتابات والسرد، ولسنا من بينهم بالتأكيد.. وبمعنى ان ما سيجري التطرق اليه، وحوله ذو صلة بالمضامين والمعلومات الواردة في الكتب والمؤلفات المعنية بالمذكرات والسير الشخصية، والذكريات والتأرخة العامة..   

     وبحكم ما شيئ ان اكون معاصرا له، ومعنيا به بهذا القدر أو ذلك في جوانب عديدة من شؤون- وكذلك شجون - سياسية وثقافية وغيرهما، وبخاصة خلال العقود الخمسة الأخيرة المليئة بالأحداث والوقائع والتشابكات، فقد تراكمت الملاحظات والتقييمات حول ما نُشر – ويُنشر- حول العديد والكثير مما دعونا نسميه كتب وكتابات السيرة والذكريات وما بينها .. لعل من أبرزها:

1- قيام بعض كتاب و"كتبة" سيراتهم الشخصية، او عن الاخرين- ولربما بهدف "تضخيم" صفحات المنجز –  باللجوء الى خلط الأمور، وبتداخل مفضوح احيانا، في الحديث عن تفاصيل بديهية أو معروفة بشكل كبير، وبلا اية ضرورة، ثم يذهب (المؤلفون!) بعد الاسهاب الممل فيشيرون عبورا ومرورا بـ"سيرتهم" أو علاقتهم بالحدث المعني، بكلمات او جمل قصيرة طارئة.

2- طفوح ظاهرة الـ ( نا) واشاعة الايجابيات، مقابل إغفال المعاكس، وحتى ان تطلب الامر القفز على احداث معروفة، أو شبه موثقة، مما يضع الكاتب/ المؤلف في حرج لا ضرورة له. وهنا لا نقصد باية حال غمط حقوق المؤلفين، والكتاب في الحديث عن أدوارهم ومواقفهم، والتوثيق لها، في شؤون الحياة العامة خصوصا  ..

3- اجتزاء الوقائع، ومحاولة استغفال المتلقي غير المتابع، بل وحتى تزوير المعلومة كاملة، بهدف تمرير ما يدور في ذهن الكاتب من مشاعر او رغبات، أو تصفية حسابات شخصية، ثقافية مرة، وسياسية مرة، وحتى اجتماعية في حالات أخرى.. وكم جرى "التدرع" بتقديم شخصية معروفة للمؤلف المعني، وسواء كان ذلكم التقديم قد جاء إقتناعاً أو مجاملة، أو تلاقي النيّات والاراء.

4- محاولة اعتماد نظرة احادية للحدث والتوثيق، مراعاةً للانتماء السياسي او القومي وغيرهما، وتجاوزا للموضوعية والتاريخ العزوف عن النسيان. وقليل ما رأينا، في العشرات من الكتب الصادرة، توثيق وجهات نظر مقابلةـ انتقادية وغيرها.. والأستثناءات هنا تثبت القاعدة، سيّما لدى الكبار الواثقين من الخطى والعطاء.

5- شيوع المجاملات الصداقية والوجدانية، والعلاقات الشخصية في اختيار التوثيق او الحدث في الكتابة.. وفي غمار ذلك يسود، أو يجري نسيان أو تناسي مواقف سابقة للكاتب نفسه، مخالفة وربما متشددة حول، وضد، نفس الشخصية التي يجري مجاملتها لاحقا لهذا السبب أو ذاك..   

6- اسناد مواقف وتقييمات لراحلين، او عاجزين عن الرد والتوضيح لما يُنسب اليهم، مما يضعف من صدقية الحدث او الواقع المؤرخ له.. وكل ذلك  لكي يمرر الكاتب او "المؤرخ" غاياتٍ ما، يعتقد بيسر مرورها ما دام الذين يُسند اليهم غير متمكنين من الدفاع أو الرد، كما سبق القول.

7- مراعاة بعض الكتاب (والكتبة) لأمزجة الناشرين، وأصحاب المواقع الاعلامية، ومواقفهم من الاحداث والسيرات الذاتية، والوقائع التاريخية. ومن دوافع ذلك: الرغبة في النشر والانتشار وحتى لو كان على حساب الضمير والامانة والمسؤولية الشخصية .  

8- والشأن نفسه في الفقرة السابقة يتكرر، ولكنه يأتي هذه المرة مراعاة لأولي الامر من سياسيين  ورسميين ومسؤولين وظيفيين وعداهم، وما أبشع ما ساد في العقود والسنوات الأخيرة في عراقنا العجيب، من مثل هكذا أوضاع وظروف.

9- ولعل ما يزيد الطين بلّة كما يقال، مساهمة العديد من "النقاد" والاعلاميين في الترويج لمؤلفات اصدقاء ومعارف، وذوي علاقات، على اساس (التخادم) احيانا، أوالتعامل بالمثل احيانا اخرى، وفي كلتا الحالتين يكون الأمر على حساب التاريخ والمسؤولية المهنية ... فكم أهملت مؤلفات قيمة بشهادة المعنيين، بينما راحت كتابات اخرى " تُـلمع" حتى تفقد بريقها، خلافاً لما يُراد !.

10- أهمال التحقق المعلوماتي، وتجاوز التدقيق والبحث، اما عجزاً، أو بهدف العجالة لأصدار المؤلف والكتاب، ولا موقع هنا للنوعية، حين يكون الكمُّ هو الهدف وإن كان غير معلن، ولكن الكتاب يُبان من عنوانه كما هو شائع ومعروف ..

11- رهان عدد من "المؤلفين" و "الكتاب" على اخلاق القراء والمتلقين - وربما كسلهم احيانا -  في عدم التكذيب، أو توضيح الملتبس، المقصود وغيره، مما شجع ويشجع في مثل ذلك الغيّ، والتمادى فيه دون حساب..  

12- ووفق الفقرة السابقة ايضا، يقوم البعض ممن نتحدث عنهم- كتابا ومؤلفين-  بالهان على أن المقصودين في التشويه أو التزوير، وحتى التطاول عليهم،  يترفعون، قيماُ وقناعات، في الرد على الاسفاف والادعاءات، ولربما ايضا رغبة في عدم إعلاء شأن المتجاوزين والذين يتمنى العديد منهم - كما نزعم – ان يَسمع أو يقرأ حتى تكذيب أفتراءاته،ودحرها،  ليزداد الكتاب انتشارا كما يسعى مؤلفه، ويبغي..

13- ولعل من المفيد ان نؤشر اليه هنا ايضا لدوافع الأتجار في كتابة السير والتأرخة، بما يخدم مرحلة وظرف محدد، ويزيد من أنتشار المطبوع ذي الصلة. فيبدأ التلفيق والانتحال ولا ينتهي عند حدود سوى الايفاء بالجهد المبذول حسب المدفوع من اجور، ماديا أو جزاء مقابل الخدمة المؤداة ..

14- وفي سياق المحددات لما آل اليه الوضع، نجد اهمية في الأشارة الى دور المؤسسات الرسمية، وقياداتها، والمهيمنين على السلطة ومنذ عقود، في التزوير العلني للتاريخ والاحداث، في سياقات مدروسة ومخطط لها، وبقوة غاشمة حتى! .

15- ولعل ما تم الحديث عنه من هوامش وملاحظات على كتب السير الشخصية، والتأرخات، يشمل ولحدود بعيدة: الحوارات التلفزيونية والاذاعية – والصحفية طبعا-  في أطر التساؤلات والحوارات المباشرة، وبعدها الاجابات المجتزأة والمرسلة على عواهنها بلا حسيب أو رقيب.

16- وارتباطا بالنقطة السابقة نشير الى إستغفال عدد من "رجال" العراق و"مثقفيه" للمحاورين الشباب، أو غير المهيئين لمثل تلكم الحوارات التاريخية، وغير القادرين على توثيق الاحداث، بل وغير العارفين بها اصلا بعض الاحيان.

 

   ان للعديد من الملاحظات والنقاط والمزاعم اعلاه، بل سنقول جميعها ولا نتردد، أمثلة وتفاصيل مباشرة وملموسة. ولكن لأننا نكتب هنا عن ظاهرة / ظواهرعامة بحسب قراءاتنا، فسنكتفي بما جرى تأشيره، وكم نتمنى ان يُتاح الوقت وتسمح الظروف ان نتناول، وبالتوثيق المحدد، مؤلفات سيّر شخصية، و"شهادات" وكتابات تأريخية، مع معرفتنا مسبقا بما سيتسبب به ذلك من خسارة صداقات، وإثارة بغضاء، وسجالات وما الى ذلك، ولا ندري هل سنكون شجعاناً في خوض ذلك الغمار، أم لا ؟!!.. 

---------------------------------------- براغ: اوائل كانون الثاني 2019

 

 

الجواهــــري ... وأرا خاجــادور

علاقات حميمة ... ودلائـل

... وشؤون اخرى

رواء الجصانـي*

    ازعم بأن الكثير، وحتى من بين المتابعين، لا يعرف سوى القليل القليل عن العلاقة بين الجواهري الخالد، والمناضل الوطني، آرا خاجاودر، والتي نسعى لتوثيق البعض منها في هذه المناسبة الاستذكارية، ولو في عجالة، وعلى شاكلة مؤشرات وحسب ..

    ولربماالأكثر من ذلك، سيتفاجأ البعض، أصلا، ان تكون، بل وتسود، رويدا رويدا، فتتأصل مثل تلكم العلاقة الوطيدة، الانسانية قبل غيرها.. اذ الجواهري بعيد عن اي تنظيم سياسي، والحزبي منه بشكل رئيس، منغمرا في عوالم الابداع والفكر.. وآرا،  بعيد عن الشعر والادب، منغمسا في مهام النضال الحزبي والوطني، مُبرزاً فيه.. 

   ولكن الانسجام الشخصي، والوجداني، والاغتراب الاضطرارى، وفي براغ خاصة، جمع بين الرجليـن أكثر فأكثر: ذلك القائد في مرابع الشعر والفكر، وريادته، وذلك القائد في العمل النضالي، والحزبي، وعراقته.. وكم اميل هنا للانحياز الى من يرى بأن العلاقات الانسانية هي الاخلص والاسمى عن غيرها من اشكال العلاقات السياسية والاجتماعية، وحتى الاسرية، في بعض تجلياتها، وسواها عديد عديد.

     ورائدانا المقصودان : الجواهري و آرا، لربما ارادا بعض استراحات هنا او هناك من انشغالاتهما، وما اشقها، فراحا يلتقيان، ويتسامران، بعيدا عن عوالمهما المزمنة، ويتآلفان، ويأتمن احدهما الاخر على ما جمع ويجمع بينهما من ارتياحات وتآلف... وهكذا امتدت تلكم الحال لنحو خمسة عقود، في براغ أولا، وسنوات منها في الشام ... وقد دامت دون حدود، لحين الرحيل عن عالم اللاخلود.. أو ليست العلاقات الانسانية هى الارقى، كما سبق القول.. ؟!.

     مؤكدٌ  اني  مطالب الان ان اسرد، لأوثق .. ولأن الوقت محدود والمناسبة محددة، سأكتفي بنموذجين وحسب، وازعم من جديد، بأن فيهما ما يدل ويؤشر ويؤرخ لما أبحــتُ به، ومالم ابحْ عنه متنوع ومديد ...

    الحدث / الواقعة الاولى منشورة في كتاب " الجواهري .. بعيون حميمة" الصادر عام 2016 وفيه - تحت عنوان "مملّحة"  لـ :آرا خاجودور، وكاظم حبيب، مايلي:

  " لاسباب يطول الحديث، بشأنها، سادت لدى الجواهري عام 1988 رغبة جامحة في ان يغيّر شقته في براغ، التى كان قد قضى بها اكثر من ربع قرن. وقد حاول شخصياً، ولم يفلح، فلجأ الى المسؤول الشيوعي العراقي الاول في براغ آنذاك، كاظم حبيب- أبو سامر، لكي يسهل له ذلك عبر الجهات التشيكية ذات الصلة.

  وأذ يتأخر كاظم – بظن الجواهري- عن تلبية طلبه، عاد الشاعر الخالد الى صديقه الاخر، آرا خاجادور، أبو طارق، وكان معنياً بشكل رئيس بشؤون العلاقات السياسية والحزبية الشيوعية العراقية - التشيكية، ليتدخل في حلّ الامر.... ثم، لتحريك الموضوع، وعلى اساس انه شعر اخواني(!) يكتب الجواهري قصيدة يخاطب بها كلا الرجلين، ويحثهما بشكل تحريضي، وتنافسي، للتعجيل بتمكينه من تبديل شقته باخرى، وهي قضية ليست سهلة في حينها.

   وأذ لا تحضرني ابيات القصيدة الان، المحفوظة لدينا في الارشيف العامر، أتذكر من بينها: "يا ابا سامرِ كنْ شفيعي لكي ابدلُ الدار، دارا"... ثم يهدده- أن تباطأ- باللجوء الى "آرا" والذي هـو "ابٌ لكل الغيارى". وهكذا تستمر المناورة الجواهرية، وتنجحُ، وتتغير الدار".

انتهى النص المنشور في الكتاب...

والان هذه هي بعض ابيات من تلكم القصيدة، وأثبتُ  ان ( ارا – ابا طارق ) قد نجح في تحقيق ما اراده الجواهري، ففاز بالرهان على (كاظم – ابي سامر):

... يا ابن ودي, ولست مبدلَ ودٍ، كنْ شفيعي أن أبدلَ الدار دارا
وتعجلْ أمري لتخلد في التاريخ زهوا، وعزة وافتخارا
يا "ابا سامرٍ" فُـز بالرهانِ، وشمرْ لِسباق في حومةٍ لا تُجارى
أو..  فهذه أنشودةُ، تتغنى بـ"أبي طارق" المبجلِ "آرا"
يا أبا طارقٍ وسُميّت "آرا" .. أنّ "آرا" أبٌ لكل الغيارى
كان "سامٌ" وكان "آرا" قديماً، والحضارات تستدانُ لـ"آرا"
يا بنَ ودي ولستُ مبدلَ ودٍ، كن شفيعي لأبدلَ الدار دارا

أترى ثمة احتياج، أو حاجة لتفسير وتفصيل، لما عبقت به تلكم الابيات الانسانية الفواحة؟!..

--------------------------

  اما الواقعة/ الحدث الثاني، الذي أريد التوثيق له فهو مشاركة أرا خاجادور، قبل اشهر قليلة، فقط، في كتاب اصدره مركز الجواهري في براغ، بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد التي صادفت في السابع والعشرين من تموز الفائت . وقد ضم الكتاب ذكريات وانطباعات ومواقفَ مع الجواهري وعنه، ساهم فيها اربعون مبدعا وسياسيا ومثقفا مميزا - ودعوا عنكم اولئك الذين ظنّوا، فضنوا.. !!!- .. ومما جاء في مساهمة آرا في ذلكم الكتاب، وكانت بعنوان: "وداع بغداد والغربة" اقتبس منها:

.." كان الجواهري خلال كل حياته منحازاً بقوة للفقراء والكادحين، ومعبراً عن حقوقهم ومظالمهم وطموحاتهم. في أيام الوثبة كانت قصيدة أخي جعفر؛ شهيد الوثبة، بالنسبة لنا قوة دفع معنوي لا يدانى، وكم من المرات إلتقيتُ الجواهري، وسمعتُ وتحسست إصراره على دعم الفقراء من أبناء الشعب العراقي، وكم كانت جميلة ومنسجمة جلساتنا بمشاركة الشهيدين سلام عادل وجمال الحيدري وغيرهما...".

ويستمر آرا خاجودور فيقول: "لا يمكن لحيز محدود أن يعبر عن علاقات دامت نحو خمسة عقود، شملت لحظات عذبة، وفترات مديدة إنطوت على مصاعب جمة، في بغداد المنبت، وبراغ الفسحة المزهرة، وفي دمشق الشعر والسياسة والوجوه الإجتماعية المبدعة في مختلف أوجه النشاط الإنساني"... انتهى النص..

وبعد الاقتباس اعلاه، دعوني أتساءل من جديد، أثمة حاجة أو احتياج لشرح ما سبق من سطور، معبرة وان أوجزت؟!.

ترى هل للحديث صلة ؟ ... اقول نعم، ولعل قوادم الايام تسعف لكي نوثق عن بعض علاقات شخصية وسياسية، مع ارا خاجودور، منها في بغداد، اواسط السبعينات الماضية، حين كان الرجل معنيا بالعمل النقابي والمهني، وكنت، اشغل وقتئذ عضوية مكتب العمال المركزي للحزب، وطبيعي ان تكون هناك صلات وشؤون ..

وأخرى، اي تلكم الذكريات والشؤون، راحت تترى حين عاث بنا الجراد، فتوجهت قبلتنا الى المغتربات، وبراغ تحديدا، ليكون هناك اكثر من تكليف، وصلة والتزام سياسي وتنظيمي مع الراحل المجيد، خلال توليه مهامه القيادية المركزية المتعددة: التنظيمية وفي مجال العلاقات الدولية... وغيرها. وكنت ذا صلة بالعديد من تلك المهام والمسؤوليات، في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي، وفي تمثيل اتحاد الطلبة العراقي العام، لدى سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. ... وهنا أتوقف عن الكلام المباح، وغير المباح منه كثير ايضا، ولربما يحين ظرف آخر ليكون الكلامُ كلهُ مباحا !!! ...

-----------------------------------------------------------------

كلمة رواء الجصاني، مدير مركز الجواهري للثقافة والتوثيق، القيت في حفل تأبيني حميم، اقيم في العاصمة التشيكية براغ مساء الثلاثاء: 2018.1.23 بمناسبة اربعينية الفقيد الكبير: آرا خاجودور، وبحضور بعض عائلته، ونخبة من الشخصيات الثقافية والسياسية العراقية والعربية ..

 

 

 

رسالة ماجستير

"الغربة والحنين في شعر

محمّد مهديّ الجواهريّ"

 

رواء الجصاني

 

من المصادفات الجميلة في هذا الزمن الرتيب، البكّاء، وبالتزامن مع السنويـــة العشرين لرحيل الشاعر العراقي – العربي الخالد، دافعت الباحثة اللبنانية: هبة محمد مصطفى، قبل فترة وجيزة، عن رسالتها للماجستير الموسومة " الغربة والحنين في شعر محمد مهدي الجواهري" ولتجاز بدرجة جيد، من اللجنة الاكاديمية في كلية الاداب والعلوم الانسانية / الجامعة اللبنانية بيروت. (*)

وقالت "هبة" عن دوافع اختيارها  لهذهِ الدّراسةِ، وللعنوانِ: " هو حبُّ الإطلاعِ وتعرّفِ حياةِ شاعرٍ لفتَ إنتباهي منذُ بدايةِ قراءَتِي لشعرِهِ وحياتِهِ، وقد سعيتُ جاهدةً إلى اكتشافِ ملامحِ تلكَ الشّخصيّةِ العملاقةِ الّتي لُقِّبَ صاحبُها بشاعرِ العربِ الأكبرِ، كما أنَّه حصلَ على لقبٍ شعريٍّ مميّزٍ وهو متنبي العصر. وهذا ما ولّدَ الإعجابَ في نفسي أكثر، ولقد تاثّرْتُ كثيرًا  بحياتِهِ وغربتِهِ وحنينِهِ".

* اما عن اهمية الدراسة، واهدافها، فقالت الباحثة:

"ان الاهمية تكمن في ان تعرّفِ  بشاعرٍ عملاقٍ صاحبِ مخزونٍ شعريٍّ لايزالُ حتَّى اليومِ يُعدُّ من النّوادرِ، اِلتَحمَ شعرُهُ بالأحداثِ العنيفةِ مدًّا وجزرا،ً ثباتًا وتقلّبًا، وأصبحَتْ قصائدُهُ المواكبةُ لها مناراتٍ تضيءُ لعشاقِ الشعرِ والوطنيّةِ والقوميّةِ معًا، الشّعرُ في أنموذجِهِ العالي الّذي تتردّدَ من خلالِهِ أصداءُ شعراءِ العربيةِ الكبارِ: المعرّيُ والمتنبي وأبو تمام والبحتري والشريف الرّضي وغيرُهم من أصحابِ القاماتِ الكبرى، يحاذيهِمُ الجواهريُّ ولا يتخلّفُ عنهم، بل يتجاوزُهم بمذاقِ العصر وفتنةِ المغايَرَةِ والقدرةِ الفذّةِ على إبداعِ الصّورةِ الشّعريةِ في منمنماتِها، وتنويعاتِها الإيقاعيّة"... اما اهداف الدراسة - البحث فهي:

هدف الكشف عن دورِ الغربةِ وما ولّدتهُ من حنينٍ لدى الشّاعر، وكيف عبَّر عن ذلك في شعرِه.

اِستكشافِ أبرزِ محطّاتِ حياتِهِ في الوطنِ والغربةِ والهجرةِ القسريّةِ الّتي أنَّ منها، حيثُ كان الحنينُ المُشعِلَ لثوراتِ النّفس، ما جعله سيّدًا للحرف ، يغوصُ في كنفِه مُبحرًا في عالمِ الشعرِ، شاعرًا صلبًا يقفُ جبّارًا عنيدًا يتحدّى كلَّ الصّعابِ على الرَّغم مما يعتوِرُه من مشاعرَ متناقضةٍ أحيانًا.

 

وتستمر الباحثة في التعريف برسالتها فتقول:

تناولتُ في رسالتي ( الغربة والحنين في شعر محمّد مهديّ الجواهريّ).. وقد وجدْتُ عالمَ الجواهريِّ عالمًا شعريًّا بامتياز، حتّى أنَّ الحياةَ عندَهُ كانَتْ تُعادُل العيشَ بوضعٍ شعريٍّ، وهي إنْ خلَت أصبحتْ جحيمًا.

   إنّ الجهدَ المبذولَ في دراسةِ شعرِ محمّدٍ مهديٍّ الجواهريّ وإقامةِ الرّكائزَ البحثيّةَ، حتّمَتْ عليَّ توزيعَ الرّسالةِ بينَ مقدّمةٍ ومدخلٍ وفصلين وخاتمة . تُشكِّل المقدّمةُ مدخلًا عامًّا  للرّسالةِ، يعرضُ بشكلٍ موجزٍ البحثَ وموضوعَ الرّسالةِ، وهي تحتوي على نقاطٍ لا بُدَّ منها، للتعريف بالشّاعرِ وأسبابُ اختيار الموضوع، والمنهجُ المتّبعُ في الدّراسةِ وصولًا إلى عَرْضِ مضمونِ فصولِها.

   أمّا المدخلُ فَقَدْ تَناولَ سيرةَ حياةِ الجواهريِّ، ومراحلَ حياتِهِ، كما تناولَ عَرضًا لمخزونِهِ الشّعريِّ والثّقافيِّ، ومؤلّفاتِهِ الشّعريّةِ.

   وفي الفصلِ الأوّلِ تمَّ عرضُ موضوعِ أهميّةِ الوطنِ وأيضًا أزمةِ المواطنةِ الّتي عاشَها الشّاعرُ. أمّا الفصلُ الثّاني فقد تناولَ موضوعَ الغربةِ والحنينِ في شعرِ الجواهريّ، فعرّفَ عناصرَ الغربةِ، ومظاهرَ الحنينِ الّتي تناولَها الشّاعرُ في قصائِدِه. وقد أَنْهيتُ الرّسالةَ بخاتمةٍ عامَّةٍ عن موضوع الرسالة.

 

واخيرا، وعن النّتائجُ الّتي حققَتْها الرّسالةُ، اضافت الباحثة هبة محمد مصطفى: .

تناولت هذه الدّراسةُ موضوعَ الغربةِ والحنينِ في شعرِ الجواهريِّ وكشَفَتْ عن أزمةِ الشّاعرِ الحقيقيّةِ، وأسبابِها وعناصرِها الّتي ساهَمَت في إشعالِ روحِ التّمرّدِ والثّورةِ في حياتِهِ. كما أظهرَتْ السّمةَ الّتي ميَّزَتْ شعرَ الجواهريِّ وهي القدرةُ على التّمرّدِ والتّحديِّ، وتجلَّى ذلكَ في كثيرٍ من القصائد، وقد عبّر ذلك عن جماليّةِ  الإبداعِ لدى الشّاعرِ،  فقد أبرزَت الحماسَ والزّخمَ في الأحداثِ  في قالبٍ شعريٍّ جميلٍ  يحملُ اللوحاتِ الدّراميّةَ بأسلوبٍ مؤثِّرٍ.

 لقد توصّلَتْ الدّراسةُ أيضًا  إلى الكشفِ عن مدى تأثرِ الشّاعرِ بواقعِهِ، وعن كيفيّةِ توظيفِهِ للشّعرِ في خدمةِ وطنِهِ، وفي الّتعبيرِ العميقِ عن واقعِهِ المؤلم، فكانَ الجواهريُّ لكلِّ ذلك لسانًا ناطقًا بأحلام العراق وأشجانِهِ وانكساراتِهِ، وقد كلَّفَتْهُ هذه الوظيفةُ - التي ارتضاها لنفسِهِ - حريَّتَهُ، ومستقرَّهُ في وطنِهِ، وأهلِهِ، وكلَّفَتْهُ غربةً ومنفى، وكلَّفته جنسيِّتَهُ العراقيةَ التي نُزعتْ منه، وكلّفتهُ أنْ مات بعيدًا عن دِجلةَ والفُراتِ، وكلَّفته أنَّ كَفنَه لم يُنسجْ من شراعِ القاربِ الّذي رآه على صفحةِ دِجلةَ.

 لقد أضاءَتْ هذه الرّسالةُ على  حياةِ شاعرٍ شَغَلَ التّاريخَ، فهو عاشَ غريبًا بكلِّ ما أوتيَ من معنى للغربةِ .. فهو الشّاعرُ الّذي جمعَ بين دفاتِ شعرِهِ حبًّا منقطعَ النظيرِ لوطنٍ عانى ويلاتِ الظلمِ ولايزالُ، وقد شكّلَ شعرُهُ وثيقةً تاريخيّةً  وحقلًا واسعًا للأبحاثِ والدّراساتِ ستحملُ الكثيرَ من الموضوعاتِ  والمضامين العميقةِ .

  وختامًا أرجو من خلالِ هذهِ الدّراسةِ أن أكونَ قد أجبتُ عن كلِّ الأسئلةِ التي تَضمّنتْها خطةُ البحث، محقّقةً الأهدافَ المرجوةَ. كما أتمنى أن تكونَ قد فتحَتْ آفاقًا واسعةً وجديدةً حولَ موضوعِ الغربةِ والحنينِ في شعرِ الجواهريِّ، وأن تكونَ بذرةً لدراساتٍ أخرى تفيدَ المكتبةَ الجامعيّة والعربيّة بشيءٍ جديدٍ.

-----------------------------

(*) تشكلت، اللجنة الاكاديمية التي اجازت الرسالة – الدراسة من د. هند اديب، رئيساً ود. دلال عباس، مشرفةً، ود. رامز يزيك، عضواً، وذلك بتاريخ 30/6/2017 .

 

 

عراقيون.. في قصيد

الجواهري العامر

رواء الجصاني

1

 يصدر عن مركز الجواهري للثقافة والتوثيق خلال الفترة القريبة القادمة، بحث- توثيق، اعده رواء الجصاني، يشمل اسماء مشاهير وشخصيات، ووجوه، وغيرهم، من العراقيين والعرب والاجانب وعداهم ، قدماء ومعاصرين، وردت في شعر المواهري العامر، المنشور في ديوانه بشكل رئيس .. وسواء جاء ذلك الوارد مدحا او هجاء، او في تلك المناسبة وسواها.. وفي التالي القسم الاول من قسمين يشملهما الفصل الاول لذلك البحث – التوثيق/ مع تحيات مركز الجواهري:

 

- اولا: شخصيات ومشاهير

1/ "شيخ الشريعة".. رجل الدين الشيعي الشهير في زمانه، في النجف، بقصيدة

 "رثاء شيخ الشريعة" عام 1921:

 "ابا حسنٍ" في الصدر مني سريرةٌ، سألتها حتى تباحُ سرائرهْ

 

2/ محمد تقي الشيرازي، الفقيه ، في قصيدة "ثورة العراق" عام 1921:

"محمدٌ" ومعجزٌ ، مثلك يا "محمدُ"

 

3/ ابراهيم الجصاني، الفقيه والعالم الديني- وفيها تورية لأسمي ابنيّه:

 جواد، ومحمد، في قصيدة "خلّ النديم" عام 1922:

نسبٌ زهت بابي "الجواد" فروعه، والى "محمد" ينتمين عروقهُ

 

4/ هارون الرشيد، الخليفة العباسي، في قصيدة "امين الريحاني" عام 1922:

نام "الرشيدُ" عن العراق وما درى، عن مصرهِ "فرعون" ذو الاوتادِ

- وكذلك  في قصيدة "ذكرى دمشق الجميلة" عام  1926:

مضى "فرعون" لم تفقدهُ مصرُ، ولا "هارون" جنّ له العراقُ

- وكذلك في قصيدة "بغداد على الغرق" عام 1927:

 احقاً أن "ام الخير" منها، بعاصمة "الرشيد" احاط شـرُّ

-  وكذلك في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفقٌ بكل صبيغةٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبد" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

- وايضا في قصيدة "دجلة الخير" عام 1962:

يا مستجم "النؤاسي" الذي لبست به الحضارة ثوباً وشي "هارونِ"

ـ وكذلك في قصيدة "يادارة المجد" السياسية في براغ عام 1963، وفيها يخاطب بغداد:

يا دارة المجد ودار السلام، بغداد يا عقد فريد النظامْ..

وعهد "هارون" وفي ملكه، تُنقل الشمس، ويرعى الغمامْ

 

5/ على كاشف الغطاء، العلامة النجفي، في قصيدة "أمنن علي" الاخوانية عام 1924:

مولاي كم لك في العدى، يوم سبقتَ به، أغـرُّ..

أنا غرس نعمتك الذي، انطقني، فالقول سكرُ

 

6/ فيصل بن الحسين، ملك العراق الاول، في قصيـدة

 "تذكــر العهود" عام 1924 :

مليكُ العراق وكم حجرةٍ ، يضيقُ بامثالها القادحُ

- وكذلك في قصيدة  "من لندن الى بغداد" عام 1927:

حياك ربك من ساعٍ بسراء، يلقي الوفود بوجهٍ منه وضاءِ

- وكذلك في قصيدة "الى جنيف" عام 1931:

لله درك من خبير بارعٍ، يزن الامور بحكمة وصوابِ

- وكذلك في قصيدة "بشرى جنيف" عام 1931:

لا احابيك سيدي وأراني، لست في حاجة الى التعريفِ

 

42/ جعفر الجواهري (محمد – حمد) شهيد وثبة كانون العراقية، شقيق الشاعر الأصغر،

في قصيدة "على حدود فارس" عام 1924:

الله يرعى "حمداً" انه، غادرني ذكراه رهن السباقْ

 - وكذلك في قصيدة "أخي جعفر" الرثائية – الوطنية عام 1948:

أخي "جعفراً" يا رُواء الربيع، الى عفنٍ باردٍ يَسلمُ

ـ وكذلك في قصيدة "يوم الشهيد" عام 1948:

أأخيّ : لو سمع النداء رَغامُ ، ولو استجاب الى الصريخ حِمامُ

- وايضا في قصيدة "دجلة الخير" الوطنية عام 1962.. كما توضح حاشية البيتين التاليين:

ويا ضجيعي كرى اعمى يلفهما، لفّ الحبيبين في مطمورة ٍ دونِ

بنوة ً وأخاء حلف ذي ولع، لو تسلمان، وان الموت يطويني

- وكذلك في قصيدة، "اليك أخي جعفر" في براغ عام 1968:

دبت عليك زواحفُ الاعوام ِ ، وبرئت من جرح ٍ ، وجُرحي دامي

 

7/ مهدي الخالصي، من زعماء ثورة العشرين، في قصيدة: "الى الخالصي" عام 1925:

كان صليبَ العود في دينه، وكان في آرائه أصلبا

- وكذلك في ذكرى رحيله الاولى، بقصيدة "في ذكرى الخالصي" عام 1926:

الله ما هذا الجلال، حياته، ترنيمةٌ، ومماته تبجيلُ

 

8/ حسن الجواهري، الفقيه والعالم،  نجل صاحب الجواهر، في قصيدة

 "الى روح العلامة الجواهري" الرثائية عام 1926:

حلفتُ لقد كنت عفّ اللسانِ، وعف اليدين، وعف النظرْ

 

9/ جواد الجواهري، الفقيه، والشخصية الاجتماعية، في قصيدة:

"الى روح العلامة الجواهري" عام 1926:

"ابا حسن" يا"جواد" الندى، اذا المحلُ عـمَّ، وصنو المطرْ

- وايضا في قصيدة "يا بدر داجته الخطوب" الرثائية عام 1936:

والان تفتقد البلاد مُحنكاً، يُحتاج في التنفيذ والتشريعِ

 

11/ جميل صدقي الزهاوي، الشاعر، في قصيدة "جائزة الشعور" عام 1927:

قمْ يا "جميلُ" فحامني، يا حامي الادب العراقي

- وكذلك في قصيدة"جربيني" عام 1929:

عن يساري اعمى المعرة، و"الشيخ" الزهاوي عن يميني

 

12/ عبد المهدي المنتفكي، وزير المعارف، في قصيدة "تحية الوزير" عام 1927:

حيّ الوزير وحي العلم والادبا، وحيّ من انصف التاريخ والكتبا

 

13/ غازي، نجل فيصل بن الحسين، ملك العراق الاول، في قصيدة"غازي" عام 1927:

قدومكَ "غازي" يَزين الاوان، وكم قادم زانه آنهُ

 

14/ "عمر" و"بكر" أخوان صُرعا اثناء الانتخابات النيابية في العراق، في قصيدة :

"ضحايا الانتداب" عام 1928:

سل "الاخوين" معتنقين غابا، لاية غاية طَويا الشبابا

16/ عبد المحسن السعدون - ابو علي، السياسي العراقي، وتسنم مهاماً عديدة منها رئاسة الوزراء، والمجلس النيابي، في قصيدة "الى السعدون" عام 1929:

انهض فُديت "أبا علي" وارتجلْ، بين الجموع قد استتم المجمعُ

- وكذلك في قصيدة "المجلس المفجوع" الرثائية عام 1929:

هذا القصيد "ابا عليّ" كله، حزنٌ وكل سطوره اوصابُ

- وكذلك في قصيدة  "في الاربعين" عام 1929:

زانَ العروبة هذا المفرد العلمُ، وقد تُخلد في افرادها الاممُ

- وكذلك  بقصيدة "في اربعين السعدون" عام 1929:

ميتة هذا الشهم قد بينتْ، للقوم انّا غير ما يُدعونْ

 

17/ المتنبي، احمد، ابو الطيب – ابو محسد، الشاعر، في قصيدة "المحرّقة" عام 1931:

او "المتنبي" حين قال تذمراً، افيقا خُمارُ الهمّ بغضيّ الخمرا

- وايضا في قصيدة "احمد شوقي" عام 1932:

قرون مضت لم يَسدّ العراقُ، من "المتنبي" مكاناً شغر

ـ وكذلك في قصيدة "الشاعر الجبار" عام 1935:

وُلد الالمعي فالنجم واحمْ، باهت من سُطوع هذا المزاحمْ

ـ وكذلك في "المقصورة" الشهيرة مخاطبا نفسه، عام 1947:

وبـ"المتنبي" ان البلاء، اذا جــدّ  يعلم اني الفتى

- وكذلك في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفقٌ بكل صبيغة ٍ، متورد ِ..

بالبحتري، أبي السلاسل لمّعـاً، بالعبقري "ابي محسد" أحمدِ

بمذل "كافورٍ" عجيبة دهرهِ، ومعز آل الأرمني، و"مخلّدِ"

- وايضاً في قصيدة "كما يستكلبُ الذيبُ" الوجدانية – السياسية عام 1953:

تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهمُ ، ضوء القمر المنبوح ِ، مسكوبُ...

وقبلَ الف ٍ عوى الفٌ فما انتقصت "ابا محسد" بالشَتم الاعاريبُ

ـ وكذلك بقصيدة "في ذكرى المالكي" الرثائية السياسية عام 1957:

وإذ "ابو الطيّبُ" الشرّيد في حلب ٍ، نجم تُضاء به الافلاك سيّـارُ

ـ وكذلك في "رباعيات" - مقطوعة "حكم التاريخ" عام 1960:

سيسبُ الدهر والتاريخ من أغرى بسبي ..

يا لويل المجتلي كلباً لسبّ المتنبي

ـ وكذلك في قصيدة "لبنان يا خمري وطيبي" التكريمية – السياسية عام 1961

والمخاطب في البيت، الشاعر اللبناني بشارة الخوري:

جئتَ العراق فعاش فيك عهود "احمد" و"الحبيبِ"

- وايضاً في قصيدة "أبا الفرسان" الوجدانية عام 1967:

"أبا الفرسان" ان عُقت ديارٌ ، عقدتُ بها شبابي بالمشيب ِ

فلا عجبٌ فقبلي ضقنَ ذرعا ، بخير الناس ِ "أحمد" و"الحبيب"

ـ وكذلك في قصيدة "يا ابن الفراتين" الوجدانية- التنويرية عام 1969:

"أبا محسد" دنيا رحت تمخضها، فما تلقفُ إلا ما نفى الزبّدُ

ـ وكذلك في قصيدة "آليت" عام 1975:

أكبرتني ان اختشي وغداً، وان أُعنى بغـِرّ

وضربت لي امثولة ً، بأبي محسد و"المعري"

ـ وايضا في قصيدة "فتى الفتيان" التنويرية عام 1977:

تحدى الموتَ وأختزل الزمانا، فتى لوى من الدهر ِ العنانا

- وفي قصيدة "بغداد" السياسية، عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربية، وتفردت "آشور" بالآثار

عشرون قرناً وهي تسحب خلفها، بدمٍ، ذيول مواكب الاحرارِ

بـ"ابن المقفع" و"آبن قدوسٍ" وبـ"الحلاج" والموحى له "بشار"

بـ"ابي محسد" وهي تقطع صلبه، لم يُدرَ عار مثل هذا العارِ

 

18/ عبد الرزاق الناصري الشاعر والصحفي، صديق الجواهري، اشير له في الهامش

 بانه المقصود في البيت التالي، في قصيدة "النزغة، او ليلة من ليالي الشباب" عام 1929:

ومعي صاحبٌ تفرست فيه، كل خير فلم تخني الفراسهْ

 

19/ مزاحم الباجه جي - ابو عدنان،  السياسي العراقي، في قصيدة

 "الباجه جي في نظر الخصوم" عام 1930:

يا ابا "عدنان" هذي فرصةُ ، لفؤاد بالاذى محتقنِ

- وكذلك في قصيدة "الى الباجه جي "في نكبته" عام 1933:

وقد عَلِمَ الاقوام أنّ "مزاحماً" من الشعبِ مخدوم، وللشعب خادمُ

 

20/ آشور بانيبال، الملك  الاشوري البابلي، في قصيدة "تحية الحلة" عام 1935:

هنا مشى الفذ ّ "بانيبال" مُزدهياً، في موكبٍ بغواةِ الفنّ مزدانِ

- وايضا في قصيدة "بغداد" السياسية - براغ عام 1980:

لا درّ درك من ربوع ديار، قرب المزار بها كبعد مزارِ...

هوت الحضارة فوقها عربيةً، وتفردت "آشور" بالآثار

 

21/ حامورابي، (حام) سادس ملوك البابلييــن القدامى، قبل الميلاد، في قصيدة

"تحية الحلة" عام 1935:

هنا "حاموراب" سنّ العدل معتمداً، به على حفظ افرادٍ وعمرانِ ِ

 - وكذلك  في قصيـدة "نامي جيــاع الشعب نامي" السياسية عـــام 1951:

نامي جياع الشعب نامي ، حرستك آلهة الطعام ِ

نامي كعهدك بالكرى، وبلطفه ِ من عهد "حام ِ "

 

22/ رفائيل بطي، الصحفي والكاتب، في قصيدة "المازني وداغر" عام 1936:

"رُفائيلُ" داركَ قد أشرفت، بـ"أسعد داغر"، والمازني

 

23/ جميل صدقي الزهاوي، الشاعر، في قصيدة "الزهاوي" عام 1936:

على رغم انف الموت ذكرك خالدُ، ترن بسمع الدهر منك القصائدُ

 

25/ حكمت سليمان، السياسي، في قصيدة "تحرك اللحدُ" عام 1936:

وأنت يابن "سليمان" الذي لهجتْ، بما جَسرتَ عليه، البدوُ والحضرُ

 

26/ ياسين الهاشمي، السياسي، في قصيدة "ذكرى الهاشمي" عام 1938:

"ياسينُ" ان هضيمةً ما ذقتهُ غدراً، ولم تـكُ قبلُ بالمهضوم ِ

 

27/ معروف الرصافي، الشاعر، في قصيدة "الى الرصافي" عام 1944:

تمرستُ بـ"الاولى" فكنتَ المغامرا، وفكرتَ بـ"الاخرى" فكنت المجاهرا

- وفي قصيدة "معروف الرصافي" الرثائية - التنويرية عام 1951:

لاقيتُ ربكَ بالضمير ِ ، وانرت واجبة القبور ِ

"معروفُ" نمْ فوق التراب، فلستَ من اهل الحرير ِ

ـ وكذلك في قصيدة "الرصافي" الاستذكارية عام 1959:

لغزُ الحياة وحيّرة الالباب ِ ان يستحيل الفكرُ محض ترابِ

 

28/ ارشد العمري، السياسي العراقي، في قصيدة "طرطرا" عام 1944:

صالحه كـ"صالح".. عامرة كـ"العمري"

- وكذلك في قصيدة "أرشد العمري" عام 1946:

 تركوا البلاد وأمرهنّه، لخيالِ مسعورٍ بجنّه

-  وايضاً في قصيدة "التعويذة العمرية" الساخرة عام 1954:

عوذت وجهكَ بالقمرْ ، وبما أضاءَ وما آزدهرْ

 

29/ صالح جبر، السياسي، في قصيدة "طرطرا" عام 1945:

صالحة كـ"صالح" .. عامرة كـ"العمري"

 

30/ صلاح الدين الايوبي، القائد الكوردي، مؤسس الدولة الايوبية، في قصيدة:

 "ذكرى وعد بلفور" عام 1945:

"ووادي التيه" إن لم يأوِ "موسى".. فقد آوى "الصليب" على" صلاحِ"

-  وكذلك " في قصيدة "ناغيت لبناناً" عام 1947:

وثرى "صلاح الدين" ديسَ وأنعلتْ، منه جيوش الواغلين خيولا

-  وكذلك في قصيدة "فلسطين" السياسية عام 1948:

وروحٌ من "صلاح الدين" هَبتْ، من الاحداث ِ مقلقة الوِسادِ

- وفي قصيدة "فـــي ذكرى المالكي" السياسيـــة عــــام 1957:

جلالها عن "بني مروان" مألُكةٌ، وصمتها عن "صلاح الدينِ" اخبارُ

- وايضاً في قصيدة "ذكرى عبد الناصر السياسية " في القاهرة عام 1970:

أتـرى "صلاح الدين" كان محمقاً، إذ يستشيط حميةً وإباءَ

- وفي قصيدة "أفتيان الخليج" - ابو ظبي عام 1979:

"صلاح الدين" كان يَفتُّ خبزاً، وكان ينامُ أرضاً والجنود..

وها هو عنده فلكٌ يدوي، وعند منعم ٍ قصرٌ مشيدُ

 

31/ نوري السعيد، السياسي العراقي، في قصيدة "المصير المحتوم" الهجائية - بغـــداد

عــــام 1952:

أيا "آبن َ سعيد" يلهبُ الناس سوطهُ، ويحلفُ فيهم ان يخط المصايرا

لقد كنتُ أرجو ان ترى لك عبرة ً بمن رامها قبلاً ، فزار المقابرا

 

32/ معبد، المغني القديم، في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صيغة ٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبدِ" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

 

33/ الخليـــع، الحسين بن الضحــــاك، الشاعر، في قصيدة "اطياف بغداد"

التنويرية عـــــام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ ...

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صبيغةٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبدِ" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

 

34/ المهتدي، من الخلفاء العباسيين، في قصيدة "اطياف بغداد" التنويرية عام 1953:

فأعدْ على بغداد ظِلّ غمامة، باللطف تنضحُ والندى والسؤددِ..

تتمازج الألوان فيها عن سنا، شفق بكل صبيغة ٍ، متورد ِ

عن بأس "هارون" ورقة "معبدِ" وهو "الخليعُ" بها، ونسك "المهتدي"

 

35/ سنحاريب، ملك الامبراطورية الاشورية الحديثة، في قصيدة "يا دارة المجد" الوطنية - براغ عام 1963:

يا دارة المجد ودار السلام، بغداد يا عقداً فريد النظامْ

يا أم نهرين استفاضا دماً، ونعمة، من عهد سام، وحام

من عهد "سنحاريب" اذ نينوى، يتوج الحكمة منها النظامْ

 

36/  محمد جعفر ابو التمن، ابو عزيز، السياسي والشخصية الوطنية، في قصيدة "ذكرى ابو التمن" عام 1946:

أ"أبا عزيز" كنت تُذكي جذوتي، ويلّذُ سمعك منطقي وجواري

 

37/ بلاسم الياسين، احد شيوخ القبائل العراقية، في قصيدة "يابنت رسطاليس" عام 1947:

ايهٍ "بلاسمُ" والمفاخرُ جمة، احرزت منهنَّ الطريف التالدا

 

38/ عبد الاله بن علي، الوصي على عرش العراق، في قصيدة "ناغيت لبناناً" عام 1947:

"عبد الاله" وليس عاباً أن أرى، عِظمَ المقامِ مطوّلاً ، فأطيلا

 

39/ فيصل ، الثاني، ملك العراق، في قصيدة "ناغيت لبناناً" عام 1947:

يرجو العراق بظلّ راية "فيصلٍ " ان يرتقي بكما الذرى، ويطولا

 

 

40/ قيس الالوسي، شهيـــــد وثبة كانون العراقية، في قصيــــدة "الشهيد قيس" الرثائية – الوطنية عام 1948:

يا "قيسُ" : يا لُطفَ الربيع ، ووقد رونقهِ، الشبوب ِ

 

41/ هاشم الوتري، الطبيب الشهير، صديق الشاعر، في قصيدة "هاشم الوتري" التكريمية - السياسية عام 1949:

مجّدت فيك مشاعراً ومَواهبا ، وقضيت فرضاً للنوابغ واجبا..

لا بدّ "هاشم" والزمان كما ترى، يجري مع الصفو الزلال شوائبا..

لا بد عائدة الى عشاقها، تلك العهود وآن حُسبن ذواهبا

 

42/ ام عوف، راعية في قرية في قصيدة "ام عوف" الوجدانية – التنويرية عام 1955:

يا "أم عوف" عجيبات ليالينا، يُدنينَ اهواءنا القصوى، ويُقصينا...

يا "أم عوف" أدالَ الدهر دولتنا، وعاد غمزاً بنا ما كان يزهونا

 

43/ عبـــد الكريم قاسم، زعيم الجمهورية العراقيـــــة الأولى، في قصيدة "جيش العـراق" الوطنية عام 1958:

"عبدُ الكريمِ" وفي العراق خصاصة ليد ٍ وقد كنت الكريم المحسنا

ـ وكذلك في قصيدة "باسم الشعب" الوطنية عام 1958:

عبد الكريم وربّ فرد باسمه، عن كُنهِ نهضةِ امةٍ ايضاحُ

ـ وكذلك في قصيدة "أزف الموعد" الوطنية عام 1959:

و"زعيماً" يشمخ الجيـل به، واليه في الرزايا يُطمأنُ

ـ وكذلك في قصيدة "المستنصرية" الوطنية عام 1960:

و"ياربّ تموز" نزلت بليلهِ، على السحَرِ الريان ناراً تلهّبُ

 

44/ بي كه س، الشاعر الكوردي في قصيدة "بي كه س" الرثائية- الوجدانية عام 1961:

أخي "بي كه سٍ" والمنايا رَصَدْ، وها نحنُ عاريةً تستردُّ

 

45/ مصطفى بارزاني، الزعيم الكوردي العراقي، في قصيدة "كوردستان.. يا موطن الأبطال" السياسية عام 1962:

بآسم الامين "المصطفى" من أمة، بحياته عند التخاصم تقسمُ

ـ وكذلك في قصيدة قصيدة "طيف تحدر" السياسية، بمناسبة الاتفاقية الحكومية مع القوى الكوردية في بغداد عام 1970.. والبيت ادناه يخاطب الرئيس العراقي احمد حسن البكر، و"صقر الشمال" ايحاء للزعيم مصطفى برزاني :

جاذبت من "صقر الشمال" وانه، بالعزّ أمنع من مَطارِ عقابِ

 

46/ سلام عادل – حسين احمد الرضي، زعيم الحزب الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

سلاماً وما أنا راع ٍ ذماماً إذا لم اسلم عليكم لماما

سلاماً ضريحٌ يشيع السلاما، يعانق فيه "جمالٌ" "سلاما"

 

47/ جمال الحيدري،الزعيم  الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

سلاماً وما أنا راع ٍ ذماماً إذا لم اسلم عليكم لماما

سلاماً ضريحٌ يشيع السلاما، يعانق فيه "جمالٌ" "سلاما"

 

48/ عبد الرحيم شريف – ابو رائد، المسؤول الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميد

سيقدمه "رائدٌ" إذ يرود، ويخلف فيها اباه "سعيدُ"

 

49/ عبد الجبار وهبي- ابو سعيد، المسؤول الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف

الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميد

سيقدمه "رائدٌ" إذ يرود، ويخلف فيها اباه "سعيدُ"

 

50/  محمد حسين ابو العيس، القائد الشيوعي العراقي، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ ..

 و"سافرة" ستربِّ النسورا، توفي أبا "العيس" فيهم نذورا

 

51/ سافرة جميل حافظ، السياسية والاعلامية، زوجة الزعيم الشيوعي – الشهيد محمد حسين ابو العيس، في قصيدة" الى اطياف الشهداء الخالدين" الوطنية في براغ عام 1963:

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ...

و"سافرة" ستربِّ النسورا، توفي أبا "العيس" فيهم نذورا

 

52/ محمد صالح بحر العلوم- ابو ناظم، الشاعر في قصيدة "يا أبا ناظم" وكان سجيناً في العراق، براغ عام 1965:

يا "أبا ناظم ٍ" وسجنك سجني، وأنا منك مثلما أنت مني...

أ شداةٌ مشردون بلا وكـنّ، وخُرسُ الطيور تأوى لوكنِّ

 

53/ صالح مهدي عماش، أبو هدى، السياسي والمسؤول العراقي، في قصيدة "رسالة مملحة" التنويرية - براغ 1969:

أ"أبا هدى" شوق يُلح ولاعج يُذكي الشغافا

يصفيك محض وداده، حرٌ يُصافي إذ يُصافى

ـ وكذلك في قصيدة "مهلاً" التنويرية في براغ عام 1969:

مهلاً أخي "عماش" قد أوجفت في الدربّ اعتسافا

انا ربّ "حطين ٍ" و"يافا" أنا صاحب القلب ِ المعافى

 

54/ احمد حسن البكر، رئيس جمهورية العراق- الشيخ الرئيس، كما يوضح هامش البيت أدناه، في قصيدة "طيف تحدر" السياسية، بمناسبة الاتفاقية الحكومية مع القوى الكوردية في بغداد عام 1970:

يا أيها الشيخ الرئيس تحيةً، هي في صميم الودّ والاعجابِ

ـ وكذلك في قصيدة "سلمت ثورةٌ، وبورك عيد" السياسية، في بغداد عام 1974:

وسلاماً للأصيد البكر، تلاقت على خطاة الصيدُ

ـ وكذلك في قصيدة "محمد البكر" يرثي فيها "محمد" ابن الرئيــــس العراقي احمد حسن البكر، بغداد عام 1978:

تعجل بشرَ طلعتك الافولُ، وغال شبابك الموعودُ، غولٌ...

أبثك يا "ابن احمد" هدهداتٍ، بهنّ يسامر الخلّ الخليلُ

ـ وكذلك في قصيدة "أبا الشعــر" السياسيــــة، وأبو هيثم هنا هو الرئيس البكر، وكانت محاولة من الشاعر لحقن الدماء في العراق، بغداد عام 1978:

"ابا هيثم" يا موسع الناس حلمه، أفاء عليهم