الرئيسية || من نحن || || اتصل بنا

 

  

د.سامي الكيلاني  اكاديمي وكاتب فلسطيني

 

 

تحليق عابر لطيور الذاكرة:

تلك القاعة

نص: د. سامي الكيلاني

 

أقف في القاعة 240 في المبنى الذي كان يضم قاعات التدريس لكلية النجاح الوطنية بصفوف المدرسة الثانوية، ومعها معهد النجاح لإعداد المعلمين، كان المبنى أيامها من طابقين قبل أن يضاف إليه طابق ثالث بعد تأسيس جامعة النجاح الوطنية في العام 1977. استضاف المبنى كلية المجتمع التي ورثت بالاسم معهد المعلمين، ثم أصبح يضم قاعات التدريس لكلية التربية التي أصبح اسمها كلية العلوم التربوية وإعداد المعلمين، ثم استضاف كلية الشريعة لسنوات قبل أن ينعم الله عليها بمنحة مالية من متبرعين لترث مبنى المراكز العلمية بعد تجهيزه والذي انتقل إلى الحرم الجامعي الجديد للجامعة، ثم عاد إلى كلية العلوم التربوية مشاركة مع كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية.

هذه القاعة استضافتني مشكورة استضافات لا تعدّ، ربما استضافتني قاعة أو قاعات أخرى أكثر منها من حيث عدد اللقاءات، لست متأكداً من ذلك، ولكنني أجزم أن علاقتي بها امتدت على أكبر عدد من السنوات ولا تستطيع أية قاعة تدريس في الجامعة منافستها في ذلك، ويمكنها كذلك أن تنافس القاعات الأخرى في تنوع المواضيع التي درّستها فيها. دخلتها لأعلم مواضيع في الفيزياء والعلوم العامة، ولأعلم الإحصاء الوصفي والتطبيقي، ولأعلم أساليب تعليم العلوم، ولأعلم مناهج البحث العلمي، وأخيراً لأعلم مساقات في الخدمة الاجتماعية، هذه المهنة التي أصر على تسميتها بالعمل الاجتماعي، لأن هذه المهنة ليست خدمة يقدم فيها طرف إيجابي قادر خدمة لطرف محتاج سلبي، بل مهنة فيها طرفان متشاركين في عملية واحدة تساعد وتمكّن وتغيّر نحو الأفضل. هذا التنوع لم يكن ترفاً ولا رغبة مني في الانتقال من موضوع مللته إلى موضوع أستهويه، فعلاقتي بالفيزياء كانت وما زالت قوية فأنا أراها طريقة للتفكير وليست مجرد قوانين تستبدل رموزها بأرقام، بل مقاربات تجدد نفسها دائماً ولا تؤمن بعائق يمنعها من التفكير في المساحة الممتدة بين الاتساع اللانهائي لكون شاسع ومادة لا ينتهي سبر غورها كلما ظننا أننا امتلكنا ناصية المعرفة عن مكوناتها اكتشفنا أن معرفتنا كانت ناقصة وما زالت مفتوحة للمزيد. لكن هذا التنوع كان نتيجة تأقلم مستمر في مواجهة ظروف ضيّقت عليّ الخيارات، ظروف صنعها احتلال غاشم خربط أوراقي وخططي للمستقبل بإجراءاته القمعية من الاعتقال والإقامة الجبرية، ذلك المستقبل الذي أصبح اليوم ماضياً. يطول الحديث عن هذا التنوع وهذه الخربطة، ولا أقبل أن يكون الحديث والتوسع فيها على حساب علاقتي بالقاعة 240، فهي الطائر الذي حلّق وقدح شرارة الذاكرة، ذاكرة القاعة والحديقة.

وأخيراً أدخلها في محاضرة مساق خدمة المجتمع المحلي على الساعة الثامنة صباحاً وأعود إليها في محاضرة السياسة الاجتماعية على الساعة الواحدة بعد الظهر، أقف أتملى الحديقة التي تقع شمالها في انتظار اكتمال حضور الطلبة أو أثناء انشغال الطلبة في تمرين رياضي أو اجتماعي، هذه الحديقة التي كانت تحيطها أشجار الصنوبر الكثيفة وتتوسطها أشجار أخرى أتذكر منها شجرة خشخاش كم استمتعت بجمال زهورها ورائحة تلك الزهور في الصباح المبكر. سقط عدد من أشجار الصنوبر وبقي عدد قليل منها قرب السور، وأصبحت الحديقة أخيراً أقرب إلى الساحة منها إلى الحديقة. ومع تحولات الحديقة/ الساحة تبدلت الأجيال والوجوه وطريقة الجلوس فيها. راقبت رواد الحديقة/ الساحة في كل تحولاتها الشجرية والإنسانية دون أن أموت هماً، فهذه المراقبة لا تندرج في باب من راقب الناس مات هماً، بل على العكس من ذلك فقد راقبتها فَرِحاً بكل مظهر إنساني مدققاً ببعض تفاصيل التقارب والتباعد وأسس تشكيل مجموعات الجالسين في مجموعات صغيرة. تمنيت لو أنني كنت ألتقط صور هذه الحديقة في كل تحولاتها، ولكنني قررت اليوم أن التقط صورتها الأخيرة وذلك أضعف الوفاء لها. لو أن مهارتي في الرسم توازي قدرة التذكر عندي ودرجة صداقتي للمكان لأضفت رسوماً وافية لتحولاتها، وفاء للمكان، المكان صديقي الوفي، المكان صديقي الصدوق. بداية التقطت صورة للساحة، لكنها لم ترُق لي، أزعجتني، إذ توسطتها سارية وضعت من أجل رفع الأعلام والرايات عليها، عمود عارٍ من أي شيء يقف في وسط الصورة، لقد افترض من مصمم الساحة/ الحديقة أنها ستضم احتفالات يلزمها رفع الأعلام، سارية عارية في وسط الصورة. أظهرتُ امتعاضي وأنا أتأمل الصورة على شاشة الهاتف المحمول. لاحظت أن الطالبات الجالسات في انتظار اكتمال الحضور لبدء المحاضرة يتابعن ما أفعل، حدّثتهن باختصار عن هذه الساحة وما كانت عليه، وعن عدم رضاي عن الصورة، فأرشدتني طالبة من طالباتي إلى الحل، التقاط الصورة من النافذة الخلفية في الغرفة، ففعلت. نعم كانت الصورة دون تشويش السارية، شكرتها ولم أرغب في توضيح الأمر بأنني اعتدت على تأمل الحديقة من هذه النافذة التي تجاور طاولة المعلم/ المدرس/ المحاضر، ولم يسبق أن تأملتها من النافذة الخلفية، وأنني كنت أسير صندوق العادة فأخرجتني من الصندوق.
انتبهت لاكتمال الحضور وأنني تأخرت دقائق عن بدء المحاضرة. ودعت المنظر، لأبدأ المحاضرة الأخيرة في هذه القاعة، قبل دخول مرحلة جديدة، نهاية الخدمة الرسمية لبلوغ سن التقاعد في التعليم العالي، أي في الأول من تشرين الأول بعد بلوغ 65 عاماً، ولكنني سأزور المكان بالتأكيد كلما سنحت الفرصة، فالمكان صديقي، وتبدلات الحديقة/ الساحة تآخت مع تبدلات الأيام التي مرت، أيامي الموزعة على 42 عاماً من العمل في الجامعة.

 

نص

تحليق عابر لطيور الذاكرة

 

د. سامي الكيلاني

 

منجم الذاكرة ما زال ينتظر عمليات التنقيب والاستخراج، منجم كنوزه متنوعة ولكل منها قصته التي تنتظر أن تروى.

مسودات الكتابة الأدبية التي تحمل الولادة الأولى للفكرة والتركيب والتغييرات التي حصلت عليها لولادة النص في صورته النهائية تأخذك إلى تفاصيل ما أحاط بها وقد تتذكر أخوات لها ضاعت، وتتذكر كيف نشرت باسم صريح أو مستعار، تفاصيل صغيرة قد تفتح عليك تفاعلاً متسلسلاً لا تدري أين سيصل بك وحين تصل محطته الأخيرة قد تنسى من أين بدأت، رحلة ممتعة من التداعي. ورسائل السجن الصادرة والواردة، تحمل الواحدة منها فتسحبك الكلمات إلى بحر لا قاع له من الذكريات والمشاعر، تغوص أكثر وأعمق لتلتقط محارات تفتحها لتنفتح عن لآلئ من الفرح الذي اقتنصته من فم وحوش الوجع. رسائل الأصدقاء المحليين والدوليين المتضامنة معك شخصياً ومع نضال شعبك، من الذي كتب هذه الرسالة وأين هو أي هي الآن؟ الأعمال اليدوية التي صُنِعتْ في السجن من مواد لا تخطر على بال من هم خارج الأسوار، ولكن الإرادة تفعل فعلها مع أختها الحاجة، أم الاختراع كما قيل، فتجعل من نواة ثمرة الأفوكادو ومن الحجر تحفاً فنية. بعض قصاصات الجرائد والمجلات التي احتفظت بها، تعرف لماذا احتفظت ببعضها ويلتبس عليك أمر بعضها الآخر فلا تعود تذكر لماذا أضفتها إلى ملف القصاصات، هذه القصاصة مقال في مجلة، مليئة بأخطاء الطباعة وعليها تصحيحات بقلم الرصاص، هل أعدت نشره؟ وأشياء أخرى مثل راديو الترانزستور الصغير هذا الذي امتلكته في فترة الاعتقال قبل الأخيرة، بعد أن حقق إضراب الأسرى في سجون الاحتلال هذا الحق، وحملته معك حين تم نقلك إلى السجن الصحراوي فلم يسمح لك السجانون بإدخاله ووضعوه في كيس الأمانات مع ملابسك التي أخذوها منك وأعطوك بدلاً منها ملابس المعتقل الكريهة، فتحرر معك يوم الإفراج عنك وعن ملابسك، هل يعتب عليك لأنك لم تتركه لرفاقك في السجن يستفيدون منه، فترد عليه بأنك كنت تأمل أن يعبر إلى السجن الصحراوي حيث الحاجة أكثر. آلتيْ التصوير هاتين، الكبيرة والصغيرة، اللتان أحيلتا إلى التقاعد وصارتا دون فائدة بعد عصر الديجتال، ولكنهما عزيزتان معزة الصور التي حصدتها بهما، ولكل صورة قصة تجر معها قصصاً، وكان من حصادها تلك الصورة التي وصلتك في المعتقل فكتبت من وحيها تلك القصيدة الرومانسية الرقيقة، تلك القصيدة التي ضاعت.

المنجم ما زال ينتظر منك أن تحقق وعدك له بالكتابة عن كنوزه، وينافسه في ذلك منجم الذاكرة العقلية الذي يضج أحياناً من ازدحام محتوياته في تنافسها من أجل الطفو على السطح للوصول إلى خانة الذاكرة الفاعلة معرباً عن خوفه من آفة النسيان. المنجم الأول يدّعي الأولوية في حق الحياة كتابة لأنه الأقوى متسلحاً بقوة التوثيق المادي، بينما يدّعي الثاني حق الأولوية لأنه الصامد الذي قد تخور قوى صموده في الانتظار ولأنه يعتبر مخزونه الأكثر حميمية والأكثر شمولاً من أول ذكريات الطفولة حتى الأمس القريب. يتصارعان على حق الأولوية وأنت خائف من الانحياز إلى أحدهما على حساب الآخر، وبالتالي تلجأ إلى حيلة التأجيل، أو الهروب إلى الأمام، كما يقال، بحجة المشاغل الأخرى، أو قلْ بسبب آفة التسويف التي تنصح الآخرين بالشفاء منها، ولكنك تفشل في حالات مثل هذه في معالجة نفسك منها، وبدلاً من الشفاء منها تحاول خداع النفس بتبرير مفاده أنك تفعل ذلك بدافع الأمل بأن توفيهما الحق كاملاً دون أن يعتب أحدهما على تقديم أخيه عليه فيغضب من التأخير ويتهمك بالإهمال. وهناك جانب آخر في هذه الدوامة المؤلمة تتحاشى الإعلان عنه أمام من يطالبك من الأصدقاء بكتابة "مذكرات"، إذ تقف أحياناً عاجزاً عند التفكير بالكتابة عن بعض مخزونات الذاكرة العقلية ويسقط القلم من يدك وتسأل نفسك: هل ستستطيع البوح؟ هل جاء وقت البوح؟ أو هل تستطيع إعطاء تلك التجربة العميقة في النفس، مثلاً، ما تستحقه من الإبداع دون أن تسقط في سرد ضعيف يبقى على سطحها غير قادر على الغوص في أعماقها الغنية؟

قد يضيع حق المنْجَمَيْن في الحياة إن بقيت في حالة الانتظار هذه. إذاً، لا بدّ من البدء والعمل على ما يطفو في اللحظة المناسبة على سطح الذاكرة العقلية، أو عند تصفح وثيقة أو صورة من مخزون الذاكرة المادية الذي تراجع بعض موجوداته، لأنه الأسهل في استثارة الكتابة، أي أن تلجأ للتداعي الحر بعيداً عن التخطيط المسبق. وللحق، ينبغي القول بأن كثيراً من تلك الكنوز في منجم الذاكرة قد خرجت متخفية بدرجة أو بأخرى من التخفّي، في نصوص قصصية أو شعرية أو نصوص مفتوحة سابقة كتبتها، ولكن مثل تلك النصوص كانت مزيجاً من الواقع والخيال. وهكذا تقرر أن تبدأ بعينة عشوائية، عينة صدفة، صدفة التصفح لوثيقة من الوثائق التي خزنتها إلكترونياً بالمسح الضوئي، أو تذكّر التداعي الذي يبدأ بأي مثير فيفتح نافذة الذكرى على حدث أو تجربة، أو صدفة اللقاء بصديق يبدأ الحديث عن حادثة طمرت تحت ركام الأيام فتبدو للوهلة الأولى غريبة، ثم تسري كهرباء التذكر في الأسلاك وتضيء زاوية في الذاكرة كانت الطاقة قد انقطعت عنها طويلاً فأظلمت.

كائنات الذاكرة المادية المحشورة في المغلفات والصناديق، ومثلها كائنات الذاكرة العضوية، تعيش وتتفاعل كالأطفال، مهما اختلفت تقاسيم الوجوه تبقى جميعاً غاية في الجمال، وتبقى بالنسبة لك كائنات حية غالية تسكن غرفها الخاصة في قصر الحنين، أطفال يتجمعون في احتفال الظهور، في حفلة الغناء، في غرفة الصف، في جلسة استماع للحكواتي، ينصتون لصوت المعلم أو الحكواتي، يسمعون السؤال، ما أن ينتهي طرح السؤال أو طرح المهمة حتى ترتفع أصابعهم وتهتز أياديهم بقوة: أنا أستاذ، أنا استاذ! فيحظى أحدهم بفرصة الإجابة الأولى، فرصة الظهور، فرصة التجلي. هكذا تماماً، ستخرج ورقة أو رسالة أو ذكرى لتقدح شرارة الذاكرة بقوة لتحظى بقصب السبق.

وفي مناسبة أخرى يخرجون من غرفهم في قصر الحنين، يدخلون عليك طيوراً محلقة تعبر فضاء خلوة تختليها، يقترب أحدهم منك، ينقر نافذة الهدوء ليفتحها، ينقر نقرة واحدة فيدخل، وإن استعصت يظل ينقر كنقار الخشب حتى يدخل ويحلق مغرداً، فيمتلئ فضاء الخلوة بتفاصيل الحكاية.

 

 

اطلع يا قمرنا وهِلْ

د.سامي الكيلاني

 

تدور الأغنيات في فضاء الزنازين

تنشر العبير،

أريجاً كأزهار الوطن،

يداوي روائح العفن.

تدور الأغنيات في عتم الزنازين شموساً

تزيح ظلمة القيد،

تشع نورها ملء المكان وأبعد.

تدور الأغنيات منعشة،

تقهر السجان، تكسر سيفه

تحيي النفوس،

تُنهِض المتعبين،

تسندهم،

توقد من أجل آلامهم

شموع الأمل.

 

تدور الأغنيات،

- لماذا الأغنيات، وليس الأغاني، يا ولد؟

- جمع مؤنث سالم يا معلمي، لا جمع تكسير

الأغنيات لا تنكسر يا معلّمي،

الأغنيات صبايا بارعات الجمال

عشيقاتٌ، حبيباتٌ،

أميراتٌ من البلور،

طيورٌ من الوجْد النقي،

فراشاتٌ من فرح،

جيادٌ تسابق الريح،

تقطف النصر،

وتحرز كأس السبق،

نُسَيْماتٌ في لهيب الصيف، تهبّ نعمةً في قيظه،

تجفف عن جباه المتعبين العرق

تمسح من عيون الحزانى دمعها.

 

تدور الأغنيات أبياتاً من زجل

غناء شامخاً

"اطلع يا قمرنا وهلْ،

وضوّي الكره الأرضيه

ما خلقنا لنعيش بذلّ،

خلقنا نعيش بحريّه"[1].

تدور الأغنيات هتافاً عالياً

"لا له لا له لا، له لا لا،

والحرية ارواحنا كرماله

ايدي بايدك نبني هالثوره

ونحولها لمسيره كبرى"[2].

تنساب الأغنيات قصائدَ عزمٍ وفخار

"دور يا كلام على كيفك دور،

خلّي بلدنا تعوم في النور

ارم الكلمه ف بطن الظلمه،

تحبل سلمى وتولد نور".[3]

تدور الأغنياتُ نشيداً يهز الصحارى،

تخضرّ من هيامها الرمال

"يا نقب كوني إرادة، كوني مجداً ورياده

كوني سيفاً، كوني درساً، من دروس الانتفاضة"[4]

تدور الأغنيات للبدر،

يُطِلّ البدر، بدرنا، بهياً

نقياً رائقاً، كما نشتهيه،

يبتسم لأغنياتٍ كتبناها،

وأغنياتٍ نغنيها،

نغنّي بصحبة الضياء،

يبتسم لنا القمر،

يكتمل بدراً حبيبُنا القمر،

يكتمل بدراً رفيقنا القمر.

 


 

[1] من أشعار الزجال راجح السلفيتي

[2] من أغاني الثورة

[3] شعر أحمد فؤاد نجم، غناء الشيخ إمام

[4] شعر صلاح عبد ربه

قصة قصيرة

أستاذ أنيس إلى إشعار آخر

د.سامي الكيلاني

 

"إلى أهالي المدينة والمخيمات المجاورة، بأمر من الحاكم العسكري يمنع التجول من الآن وحتى إشعار آخر".

الجملة الممجوجة نفسها، البغيضة، المنذرة بالشؤم وضيق الخلق، تتردد من مكبرات الصوت المحمولة على سيارات الجيش ومن مكبرات الصوت التي على مآذن المساجد، تتردد في تداخل ضجيجي مزعج حتى لا تفهم من كلماتها شيئاً لولا أنك تحفظها عن ظهر قلب، تعرفها بدون الإصغاء إلى كلماتها، يعرفها جلدك، وتعرفها ملابسك وبيجامتك التي تلبسك أياماً وليال متصلة حتى لا تعود تعرف أتلبسها أم تلبسك أم يلبسكما شيء بغيض اللون والرائحة والملمس. تقف في شرفة البيت وتنظر باتجاه أحياء المدينة التي تظهر شمالاً وجنوباً، الصوت مستمر من كل مئذنة، بدل الأذان الموحد ينطلق المنع الموحد، الحبس الموحد، خراب البيت الموحد، الجوع الموحد، الحرمان الموحد، مقارعة الأولاد الموحدة، .... وكل الموحدات التي تجعل الجميع في الهم شرق أو شرك. وهذا الصدى الذي ينعكس عن الجبلين الشمالي والجنوبي فيحوّم في سماء المدينة غراباً يزعق في الخراب، هذا الصدى الذي يزيد الطين بلاّت من كل الألوان والأجناس.

.... إلى إشعار آخر ... إشعار ... إشعار ... آخر ... آخر، المنع إلى إشعار آخر والرفع إلى إشعار آخر. قبل ساعتين كان الصدى يرد "إلى إشعار آخر" أخرى، كانت مفتاحاً ضخماً يفتح قفل الزنزانة الكبيرة التي صارتها المدينة والمخيمات المجاورة، فانطلق الصغير والكبير من أبواب البيوت إلى الشوارع كما تنطلق الطيور الحبيسة عندما تفتح أقفاصها فجأة، الكبار إلى السوق ليزاحموا على أرغفة الخبز وأكياس الخضار نقداً وبعين قوية لمن يحمل الثمن وديناً وبعين كسيرة لمن ينقصه الثمن، وانطلقت السيارات الكبيرة والصغيرة، وبعدها بقليل وصل البائعون من القرى المجاورة ودوابهم محملة بالفقوس واللبن والتين، والصغار ملأوا الشارع، الذي كان مقفراً، نطاً وزعيقاً.

إشعار آخر وإشعار آخر من نوع آخر، تماماً مثل العملات، نفس الأرقام بقيم مختلفة، وأسعار العملات تعلو وتهبط باتجاه واحد هو خراب بيت الفقير، وأنت يا أستاذ أنيس من الفقراء، حتى لو عزيت نفسك بأن الغنى غنى النفس والثقافة والمعرفة فذاك لا يغير من الأمر شيئاً، وأسعار ال "إشعار آخر" هي الأخرى تخرّب البيت والأعصاب، إشعار المنع بثلاثة أيام وهل من مزيد وإشعار الرفع بساعتين على كف عفريت يمكن إلغاؤه لأي سبب، أسعار أل "إشعار آخر" تسير باتجاه واحد: سلب الجميع من حرية مقدسة كان سلبها حراماً، المنع والسجن توأمان يا أستاذ أنيس.

يا ظلام السجن خيم/ إننا نهوى الظلاما/ يا ظلام المنع خيّم/ إننا نهوى الظلاما/ أيها الحراس مهلاً  واسمعوا منا الكلاما/ متعونا بهواء/ كان منعه حراما/ متعونا بفضاء/ كان خنقه حراما

كنت يا أستاذ أنيس قد قررت أن تقضي فسحة ال "إشعار آخر" الرخيص بطريقة جديدة، المنع أصبح روتيناً، البيت أصبح روتيناً، الظلم أصبح روتيناً، منذ فترة وأنت تنتظر الجديد، تجديد يا رب تجديد، حتى ولو كان تجديداً في طريقة القمع، حتى ولو كان تجديداً في خراب البيوت. قررت أن تقتل الرتابة بطريقة جديدة بالتخلي عن هذه الحرية القصيرة، قلت لزوجتك والأطفال: اذهبوا حيث تشاؤون وأنا سأبقى في البيت. قلت سترى الناس من شرفة البيت، سيمر بعض الأصدقاء، ستدعوهم لشرب القهوة ومراقبة الناس معاً، خاصة وأن التموين جيد، في الرفع السابق وفقت بشراء كل ما تريد وفي هذا الرفع لا حاجة لكم إلا ببعض الكماليات، تستطيع زوجتك إحضارها من البقالات القريبة.

انقضت الفسحة دون أن تشعر، تفاجأت بصوت المنع وبال "إشعار آخر" العالي الثمن، شربت الشربة، أحسست بالخازوق الذي نصبته لنفسك، ثلاثة أيام أخرى بين الجدران وفي سجن البيجاما، لن ينتهي المنع قبل مرور الذكرى الوطنية القادمة، هكذا يفكر الذي يمنع، ما دمت قد بدأت المنع فمدده قدر ما تشاء ليشمل كل المناسبات القريبة، يبدو أنهم يطبقون المثل العربي "إن أطعمت أشبع وإن قتلت أوجع" حتى يثبتوا أننا أبناء عمومة حقاً. تخيلت الذي يمنع جنرالاً كبيراً ضخم الجثة على شاشة التلفزيون كتب تحت صورته بالعبرية والعربية "الجنرال منسق شؤون المنع"، تخيلته يصرح بكل هدوء مصطنع: تقديراً منا لمصالح السكان ولقطع الطريق على الذين يقومون بأعمال الشغب، اتخذنا الإجراءات الوقائية اللازمة مثل منع التجول، إن المحرضين على الشغب هم الذين يتحملون مسؤولية الإضرار بمعيشة سكان المناطق.

ثلاثة أيام يا منسق شؤون المنع!

هل تفهم ماذا تعني بالنسبة لي؟

".... يمنع التجول من الآن وحتى إشعار آخر"

ارتدت المآذن وسيارات الجيب التي ينطلق الصوت من مكبراتها وجهاً واحداً، وجه منسق شؤون المنع، لم تنتبه لزوجتك وأطفالك القادمين نحو البيت من طرف الشارع، تحول البيت تحت مطارق الصوت والصدى المتبادلة إلى أنبوب مضغوط كأنبوب معجون الأسنان، كل طرقة تضغط عليه فينطلق المعجون متلوياً من الفتحة الضيقة.

مع كل إشعار آخر تستطيل يا أستاذ أنيس، يخرج رأسك من الشرفة. إشعار آخر خرج الكتفان، إشعار آخر خرج الذراعان، إشعار آخر خرج الوسط، إشعار آخر خرجت الركبتان، أصبحت شريطاً رفيعاً طويلاً يتراقص في الهواء أمام شرفة البيت، تفحصت نفسك جيداً، الحمد لله، ما زالت القدمان على أرض الشرفة، مع كل إشعار آخر تصبح أرفع وأطول، تتلوى شمالاً وجنوباً.

تفاجأت عيناك يا أستاذ أنيس بمنسق شؤون المنع، استدرت نحو الخلف محاولاً التراجع إلى الشرفة، لكن القيود كانت أسبق إلى يديك من: إلى الشرفة، سحبتك أياد غليظة إلى سيارة عسكرية، حاولت مقاومتهم لكن قوة السحب كانت تفوق قوتك مرات عديدة.

قاعة مليئة بالعسكريين من كل الأشكال والألوان، دخل القاضي، سألك القاضي عن اسمك، أجبت وأنت في حالة "يا غافل إلك الله". عدت تفكر: ما الذي يريدونه منك ولماذا سحبوك إلى هنا؟

تحدث القاضي بشيء، ترجمه مترجم يرتدي الملابس العسكرية:

أنت متهم بخرق نظام منع التجول، هل تعترف بالتهمة؟

أجبت: لم أخرق المنع، فأنا ...

لم يدعوك تكمل، تحدث القاضي بشيء وانتظر قليلاً، دخل الضابط الذي رأيته في السيارة العسكرية، وقف على منصة خشبية وأتى بحركة فهمتها يا أستاذ أنيس على أنها قسم، تذكرت المحاكم والقضاء، قلت في نفسك "لا بد أنه يقول: أقسم بالله العظيم أن أقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق"، انفرجت أساريرك، سيزول سوء الفهم الحاصل وستعود إلى بيتك، فهذا هو الحق كل الحق ولا شيء غير الحق.

تحدث الضابط، ترجم المترجم: قبضنا على المتهم خارج بيته أثناء منع التجول.

نزل الضابط عن المنصة، نهض من الجهة المقابلة ضابط آخر، تحدث حديثاً أطول من حديث سابقه، ترجم المترجم: يطالب الادعاء بحبس المتهم شهراً حبساً فعلياً، وثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، وغرامة ألف شيكل.

قلت للمترجم أنك تريد الحديث، نقل رغبتك للقاضي، سمح لك القاضي بالحديث بشرط الإيجاز، قلت: كنت أقف في شرفتي، خرج رأسي من الشرفة تحت ضغط الصوت والصدى، لم أغادر الشرفة.

تحدث القاضي، ترجم المترجم: الإنسان حيث رأسه لا حيث قدميه، الإنسان هو العقل، هل تعترض على إرادة الخالق؟

طار عقلك.

نهض القاضي، انسحب العسكريون الكبار، سحبك جندي ووضع القيود في يديك عند باب القاعة. تمنيت لو أنهم أمهلوك لتقول كلمة أخيرة، "قبل أن تجروني إلى هنا، كنت أفكر بابن الجيران، أكمل السادسة عشرة في السجن، كنت أفكر في أيام المنع الثلاثة القادمة عندما مرّ من أمامي، تحمل السجن وخرج قوياً، حسدته على قوته، ها أنتم تتيحون لي فرصة التجريب".

دفعك الجندي في سيارة عسكرية، كان هناك عدد من الشباب، استقبلك أحدهم "أهلاً أستاذ أنيس"، تعرفت عليه، إنه أحد طلاّبك، عرفت منه أنكم تنتظرون النقل إلى السجن.

 

2 Attachments

 

 

 

قصة قصيرة

حزن الصور

د.سامي الكيلاني

قطارات الصباح تتنوع في ركابها بين رحلة وأخرى حسب ساعات الحركة، في ساعة الذروة الصباحية الأولى يأتي قطار كل عشر دقائق ويرحل مكتظاً بالركاب، معظمهم طلبة المدارس لا يملؤونه بأجسادهم وحقائبهم فحسب، بل وبأصواتهم التي تتداخل كلماتها الفرنسية والإنجليزية مع كلمات متناثرة من العربية ولغات أخرى. أما هذا القطار، قطار الثامنة والربع، فإنه قطار الموظفين، أقل اكتظاظاً وأكثر هدوءاً. تنتظر على الرصيف فيعلنون شيئاً ما بالفرنسية، لا تفهم من الإعلان شيئاً، عبثاً تحاول تعلّمها، صرت تعرف كلمات وعبارات كثيرة عندما تراها على واجهات المحلات أو الإشارات في الشوارع، ولكن أذنك تأبى الدخول في هذه العملية الإدراكية، يبدو أنه لا بد من تعلّم حقيقي على مقاعد الدراسة لكي تتعلم لغة جديدة في هذا العمر. تسأل شاباً يقف بجانبك عن الإعلان، فيوضح أن القطار سيتأخر عن موعده دقيقتين. تضحك في سرك "إني مسامحكم بالدقيقتين وحتى بخمس دقائق، لا داعٍ للاعتذار عن هذا التأخير، دقيقتين، مش بيننا يا جماعة الخير"، وتشكر الشاب على التوضيح المهم.

يصل القطار كما وعد الإعلان، تنتقي مقعداً متأخراً في العربة لتتم قراءة صفحات في الرواية التي بدأتها قبل يومين. تنغمس في القراءة استمتاعاً، لا تدري كيف مرّ الوقت حين تنبهت لوقوف القطار في المحطة الرئيسية في المدينة، المحطة التي تقصدها.
سرب من النمل البشري الطويل يتوجه نحو المخرج عبر الدرج الكهربائي المتحرك، تفتقد التدافع، أليس بين الجميع شخص مستعجل يزيحك جانباً ويظهر أهميته وأن عمله المهم لا يحتمل التأجيل كما يفعلون هناك في بلدك، تفتقد هذا الأمر أحياناً كافتقادك لأبواق السيارات في شوارع المدينة، وافتقادك لعبارات "صباح الخير يا جار، أراك خارجاً مبكراً، إلى أين العزم يا جار؟" ومثيلاتها. تندمج في سرب النمل ويتحرك الدرج الكهربائي ليخرجكم من رصيف المحطة إلى المستوى الأرضي. الجو جيد هذا اليوم كما تقول النشرة الجوية على الشاشة قبالتك، أن يكون الجو هكذا في تشرين الثاني أمر رائع، إنه أفضل وداع لدرجات الحرارة فوق الصفر المئوي قبل أن يقتحم موسم الثلج حياة المدينة. تقرر أن تقطع المسافة إلى الجامعة مشياً في الشارع بدلاً من المضي في مسارك المعتاد في النفق الطويل تحت الأرض الذي يربط محطة القطارات بالمجمع التجاري الذي يؤدي الخروج منه إلى الشارع القصير الموصل لبوابة الجامعة الرئيسية. أعمال الصيانة ما زالت تعرقل سير المشاة والمركبات، لكن لا أحد يطلق بوق سيارته ولا أحد يعصي أمر إشارة المرور أو إشارة الشرطي. الشمس تظهر واضحة من بين العمارات الشاهقة، تتسلل بين الغيوم الخريفية لتلقي أشعتها على الشارع، منظر يستحق التصوير، تقرر أن تلتقط لها صورة لتضعها على صفحة الفيسبوك مع "صباح الخير" تحية لأصدقائك.
تدخل البوابة الرئيسية للحرم الجامعي، تتصبّح بتمثال السيد ماكغل مؤسس الجامعة يمسك بعصاه المغروسة في الأرض بشكل مائل للأمام، ومعتمراً قبعته، مندفعاً كأنه ما زال يمشي على هذه الأرض. فجأة يقفز سنجاب قربك ويلتقط ثمرة جوز بيديه ثم يقف على قدميه ينظر نحوك، ثم ينقلها إلى فمه، لا يمهلك حتى تفتح كاميرا "الموبايل" لتلتقط صورته، يهرب في اللحظة الأخيرة قبل أن تضغط زر التصوير. هكذا هو صنف السناجب، هذه المخلوقات اللطيفة، الواحد منها متحفز دائماً للهرب إن كان يحمل في فمه شيئاً من الطعام كأن البشر سيسرقون طعامه، تُكبِر فيهم هذه الصفة وتتمنى لو أن كل البشر يحافظون على حقوقهم بهذا الشكل، أو يسارع للقفز وتسلق أية شجرة قريبة ليقف على جذعها أو على أحد أغصانها وينظر إليك يتأملك بعينيه الصافيتين متفحصاً نيتك تجاهه وجاهزاً للابتعاد إن شك في نواياك.

جو احتفالي يعمّ المكان، زينة وأعلام موزعة حول الخيمة الكبيرة، السرادق، التي نصبت في ملعب كرة القدم قرب المكتبة الرئيسية تحضيراً للاحتفال بخريجي الفصل المنصرم. قرب الخيمة مجموعات من الخريجين الذين جاؤوا مبكرين، تتأمل المنظر وتعيش لحظة فرحهم كأنك واحد منهم. تتذكر لحظات التخرج التي عشتها وكانت مناسبة للاحتفال بالإنجاز الذي تم دون أن تفكر بالمنتظر من دروب وهموم العمل والحياة، أو بتجاهل متعمد ولو لوقت قصير لذلك التفكير وتلك الهموم، وتتذكر مناسبات التخرج التي حرمت منها وكنت ترغب في المشاركة فيها. سترى اليوم صديقين الذين حضرا من البلاد كما وعدا في رسائلهما الإلكترونية قبل أيام. تغبطهما على المشاركة، فهذه الاحتفالات فرح يستحق السفر من أبعد الأماكن، حتى وإن تطلب الأمر عبور المحيط للوصول إلى هنا ليصعدا المنصة من جهة ويخرجا من الجهة الأخرى برأسين تعلو كلاً منهما قبعة تقول "تخرجنا"، وتهون معه كذلك معاناة عبور جسر الكرامة الخالي من أية كرامة، جسر الأحزان يا فيروز، طارا كل هذه المسافات ليشاركا في هذا الحفل، ستقول لهما ألف مبروك.

خريجة ترتدي "روب" التخرج وتقف مع شاب، حبيبها أو خطيبها أو زوجها أو أخيها، يلتقطان صورة "سيلفي" على خلفية المبنى الرئيسي المواجه للبوابة، وحين تقترب منهما وتحييهما يطلبان منك أن تصورهما على خلفية المبنى الرئيسي فتوافق، يعطيك الشاب الموبايل ويعود ليقف إلى جانبها والبسمة تعلو ثغريهما. تعيد له الموبايل وتسألهما عن رأيهما بالصورة لتطمئن منهما إن كانت اللقطة قد أعجبتهما، فتعبر الصبية عن إعجابها بالصورة وتشكرك. تتذكر صور زمان وانتظار تظهير الصور قبل عصر الديجتال، كم كنت تنتظر لتعرف نتيجة الصور خشية من أنها "احترقت". بعد مسافة قصيرة خريج آخر بروب التخرج الخاص بدرجة الدكتوراه يمشي بأبهة ويمسك بيد فتاة صغيرة، بنت أو حفيدة، المنظر يغري بالتقاط صورة أخرى تستحق التسجيل كصورة الشمس المتسللة من خلف العمارات الشاهقة، ثنائية جميلة ربما ترسلها إلى نشرة الجامعة إن وافق مع عبارات حول الأجيال، تضغط لكنه يتحرك في اللحظة الأخيرة كما فعل السنجاب، فهل يتآمر الناس والسنجاب هذا اليوم على رغبتك في التصوير.

تتأمل منظر الخيمة ومجموعات الخريجين الواقفين في محيطها فتتذكر أنك من بين أربع محطات تخرج في حياتك الدراسية الجامعية لم تشارك إلاّ في حفل تخريج واحد، وحتى هذا الحفل ضاعت صوره التي احتفظت بها، لم تضع بسبب إهمالك، لقد حافظت عليها كتذكار لأيام جميلة، لكنها أصبحت في ملفات المخابرات حين أخذوها جميعاً في الاعتقال الأول في حياتك، وبعد ذلك لم تشارك في أية احتفالات أخرى، حرمتك ظروف كثيرة من المشاركة فيها فلم تحصل على صور للتخرج. تتذكر تلك الصور وتحزن عليها، ولكنك تقرر ألاّ تبالغ في الحزن لأن الحزن صار يلزم لأمور كثيرة أكبر من ذلك. تتذكر الصديقين القادمين للاحتفال واللذين لا بد قد وصلا وينتظرانك في الدائرة، وتقرر أن تأخذ معهما الكثير من الصور وأن تبتسم في كل الصور حنيناً للصور التي ضاعت ونكاية باللذين سرقوها، وكذلك نكاية برقعة الحزن التي تتوسع كل يوم ويبدو أنه ما زال أمامها مساحات للتوسع.

 

قصة قصيرة

خواجا

د.سامي الكيلاني

أخيراً أصبح الصباح بعد الليلة الطويلة، ليلة من السهر الإجباري تخللته فترات قصيرة من إغفاءة الجفون. تساءل "هل شكلت الإغفاءات بمجموعها ساعة أو أقل؟"، وتمنى لو كان في جسمه عدّاد خاص يسجل النوم وزمنه ليعرف كم نام وكم حرم من النوم الذي يعتبر حقاً من حقوق البشر. أسلوب من أساليب تسلية الذات التي يلجأ إليها في مثل هذا المواقف، بدلاً من الإحساس بثقل الوقت البطيء، وعادة يلحقها بعبارة "ضيفه ع الحساب" التي علقت في ذهنه من مسلسل تلفزيوني، الحساب الطويل مع الاحتلال الذي أخذ من عمره سنوات خلف القضبان وغيرها من خلال أشكال مختلفة من الملاحقة والتضييق على حياته. بدأ المحتجزون في قاعة الانتظار في مقر الحكم العسكري "يستيقظون" واحداً تلو الآخر، إذا كان بالإمكان اعتبارهم قد ناموا. منذ مساء أمس بدأت حملة اعتقالات شملته مع عدد من شباب القرية الأصغر منه سناً. أخذوا منهم بطاقات الهوية ووضعوهم في هذه القاعة التي تشكل مدخل بناية الحكم العسكري وتنتهي بدرج يؤدي إلى الطابق الأعلى من البناية، حيث مكاتب ضباط جيش الاحتلال. بدأوا باستدعائهم واحداً واحداً والتحقيق معهم. لم يكن الاستجواب معه استجواباً حقيقياً، وإنما إيصال رسالة مضمونها "أنت المسؤول عن القلاقل في القرية، أنت محرض وستدفع الثمن". انتهت الاستجوابات وتركوهم حوالي منتصف الليل. لم يبق في القاعة غيرهم بعد أن غادر آخر المطلوبين الآخرين القاعة بعد أن أعاد له الجندي المناوب بطاقة هويته.

بقي هو وشباب القرية في القاعة الفارغة من أي شيء سوى مقعدين خشبيين رفيعين طويلين. تحدثوا لبعض الوقت بصوت خافت عن الأسئلة التي وجهت لهم وإجاباتهم، وخرجوا بنتيجة أن الأمر لا يتعدى ترهيب بعد المظاهرات التي اندلعت بالأمس بمناسبة ذكرى يوم الأرض، وأن ليس لدى المخابرات أي شيء عن أي منهم. حاول كل منهم أن يجد طريقته لقضاء الليلة. رغم أن المقعد الخشبي الرفيع لا يناسب النوم أصلاً، إلاّ أن بعضهم حاول التمدد عليه بدلاً من الأرضية الباردة، لكن من يفعل ذلك كان يكتشف حالاً أن البقاء جالساً أو متحركاً أرحم على جسمه من خشب المقعد. تكيّف قليلاً بلفّ نفسه بالسترة الدافئة وجلس على طرف المقعد الخشبي مسنداً ظهره للحائط طمعاً في غفوة قصيرة بين ساعة وأخرى، مجرد محاولة للتعامل مع النعاس الذي يهاجم بقوة. شكر الصدفة التي جعلته يحمل هذه السترة التي تحميه من البرد، خاصة طاقيتها التي حمت رأسه من برد الجدار حين أسنده إليه. كان عندما يتعب من الجلوس على المقعد يذرع القاعة من شرقها لغربها ثم ينوع من شمالها إلى جنوبها، وأثناء ذلك يعطي السترة لأحد الشباب الذي كان يعاني من البرد لأنه اعتقل من الشارع بملابس خفيفة.

 

قرر المحتجزون أن يطالبوا بوجبة فطور كونهم محتجزين منذ الأمس، وتوجه أحدهم إلى الجندي المناوب، حاول هذا تجاهل الطلب إلاّ أن الشاب الذي ذهب ممثلاً عنهم أصر ولم يرهبه تهديد الجندي الذي اضطر أخيراً للقول بأنه سيستشير الضابط. عاد وقال بأنه مسموح لهم الخروج إلى المدينة لتناول الفطور، وأن بطاقات هوياتهم ستبقى محجوزة لدى ضابط المخابرات الذي استجوبهم في الليلة الماضية.

سار باتجاه وسط المدينة مستمتعاً بأجواء الربيع. توجه إلى مطعم شعبي يرتاده عادة، تناول ساندويشة فلافل شهية وشرب كوب شاي. عرّج في طريق العودة على محل لبيع الملابس المستعملة، واشترى سترة أخرى احتياطاً ليستعملها من يحتاجها من الشباب إن استمر احتجازهم ليوم آخر.

بعد عبوره البوابة الرئيسية سمع امرأة تتحدث مع شخص بملابس عسكرية يعمل في الحديقة، ملامحه وكلماته تدل على هويته غير اليهودية، كانت المرأة تتحدث إليه وتناديه "خواجا"، فقال للسيدة على مسمع الجندي بهدف مساعدتها أن هذا ليس "خواجا"، فانتفض الجندي محتجاً ومهدداً "بِحْسِن أكون خواجا". تابع سيره دون أن يستمع لبقية كلماته، وهو يفكر بالعبيد الذين يستمرؤون العبودية ويحاولون التشبه بأسيادهم.

 

 

 

قصة قصيرة

طائر النعاس

د. سامي الكيلاني

جالساً على مقعده في مطار شارل ديغول، محطة بين الشرق البعيد والغرب البعيد قبل عبور الأطلسي. غادره النعاس الذي كان قد تلبّسه منذ بداية الرحلة، فجأة انحسرت موجة النعاس، هكذا دون سابق إنذار، هكذا هي أمور الحياة، تمنى في الطائرة لو أن المسافة بين المقعدين في الدرجة السياحية مثلها مثل تلك التي تفصل بين مقاعد المحظوظين في الدرجة الأولى ليمد رجليه ويغفو قليلاً، كان في انتظار اللحظة التي يصل فيها قاعة الترانزيت ليقتنص طائر النعاس الذي كان يحوم فوق رأسه دون انقطاع، وها هو قد طار بعيداً عن جفنيه، صار بعيداً، بعيداً. جاءته موجة من التذمر "اللعنة على هذا النعاس، حتى أنت يا بروتوس، النعاس ككل الأشياء التي تعرف كيف تغيظنا، حتى التعب لم يستطع استدراج طائر النعاس، فما الذي يريده إذن حتى يحط؟". قرر أن يحتسي فنجان قهوة نكاية بطائر النعاس العنيد "إن كنت عنيداً فأنا أعند منك!". نهض دون تثاقل، أيضاً نكاية بطائر النعاس، واتجه إلى المقهى الصغير الوحيد المفتوح في هذا الصباح الباكر، علامات النعاس والتعب بادية على عاملة المقهى، يبدو أنها تنتظر انتهاء دوامها وتتمنى ألاّ يحضر أحد لشراء شيء من عندها، قامت متكاسلة، لم يقل لها شيئاً سوى " دبل إسبرسو"، حتى أنه لم ينهِ عبارته بِ "لو سمحت" كعادته. ناولته الفنجان وعاد إلى مقعده يحتسي رشفات من القهوة على مهل وكأنه يقول لطائر النعاس "حلّق أبعد ما شئت، لست بحاجتك، أستطيع أن أعيش بدونك ليوم آخر". مع رشفات القهوة عادت إليه تفاصيل الجزء الذي مضى من الرحلة.

***

كان الأمس يوماً طويلاً متعباً للجسد والأعصاب، لا لم يكن اسمه الأمس، إنه يوم مستمر، بعض الأيام طويلة، تعيش أكثر من 24 ساعة، قد يصل طولها إلى 40 ساعة. كان يوماً طويلاً كثيفاً في كل ما احتواه، ركض وركض وركض، كان عليه إنجاز أشياء كثيرة قبل التوجه إلى الجسر لعبوره ومنه إلى المطار. كان كل شيء معلقاً بخيط رفيع من اللايقين. طائر اليقين في كل ترتيبات السفر غادر حياته منذ زمن طويل دون رجعة، لم يعد ينتظره، فقط يتذكره حين يستمع لروايات أصدقائه الدوليين فيتحسر "كل الناس في هذا العالم يذهبون إلى رحلاتهم بعد أن يخططوا وقتهم مع قليل من الاحتياط تحسباً لأزمة السير على الطرق فحسب، إلاّ نحن علينا أن نحتاط من غير تيقّن لكل أنواع الحواجز على الطرق، ولمزاج كل جندي من جنود الاحتلال، جندي مراهق يقرر فجأة أنه سيلعب بأعصابك فيوقف السيارات على الحاجز الذي يغلق ويفتح بأمره، وكل مجندة على مدخل منطقة الجسر يمكنها ترك حافلتك واقفة لساعة، لساعتين دون سبب يمكنك إدراكه أو حتى توقعه".

كان يوماً حافلاً، بدأ بالذهاب إلى مقر شركة السيارات في مدينة أخرى لاستلام السيارة الجديدة وتسليم القديمة، لم يرد أن يؤخر هذا الأمر إلى ما بعد عودته من هذه السفرة، فمن يدري ماذا يمكن أن يحدث، اللايقين سيف مسلط فوق الرقاب. وحين عاد إلى مدينته كانت السيارة التي كان من المفترض أن تحمله إلى الجسر قد غادرت. قال له صاحب مكتب السفر مواسياً ومعتذراً "حاولنا انتظارك، أخّرنا موعد السيارة نصف ساعة فتذمر الركاب الآخرون، اعذرني". شكره واستأجر سيارة خاصة. استمع طيلة الطريق إلى أحاديث السائق المتشعبة في كل شؤون الحياة، لم يصغِ جيداً لكنه لم يتذمر، كان يكتفي بكلمة أو بهز رأسه مجاملة للمتحدث. وفي الطريق من الجانب الآخر من الجسر إلى المطار كان عليه أن يستمع لأحاديث سائق آخر وهو يحلل الوضع السياسي بدءاً بمصيبة عودته مطروداً من الكويت ويشكو ضيق الحال ثم يعرّج للحديث عن شوقه للعودة إلى قريته التي هجّرت منها عائلته وهو طفل ويتمنى رؤيتها قبل أن يرحل عن هذا العالم إلى العالم الآخر. كل ذلك حدث منذ الصباح، تفاصيل كثيرة عاشها دون تركيز تحت وطأة سيف الخوف من عدم الوصول إلى المطار في الوقت المناسب، سيف الخوف الذي كان يخيم عليها جميعاً ويجعله ساكتاً غير اجتماعي على غير عادته مع مثل هذين السائقين والمسافرين معه في حافلات النقل بين طرفي الجسر.

وأخيراً كان في المطار تماماً على الوقت وجلس عند بوابة رحلته، وضع حقيبته الصغيرة بجانبه على المقعد وأسند ظهره إلى ظهر المقعد ومدّ رجليه، أزاح عن كاهله ذلك القلق الذي كان ينتابه بأن تفوته رحلة الطيران.

ضحك وهو يتذكر ملاحظته للعائلة "ليس لنا زمام، لم نحترم العشرة الطويلة مع السيارة القديمة، حتى لم نأخذ لها صورة وداع"، ولكن صغيرته الرائعة قالت إن ذلك لم يفتها، فهي قد قامت بذلك، لقد صورت "بيبا" كما كانت تدعو السيارة تحبباً. أسند ظهره ليستريح خلال الدقائق المتبقية قبل فتح البوابة، لن يزاحم، سيأخذ ما يمكنه من الاسترخاء على هذا المقعد بعد يوم طويل من سباق التتابع بين محطات الأحداث الكبيرة وأخواتها الصغيرات.

***

أنهى فنجان القهوة وقرر أن يشغل نفسه بمراقبة الناس الذين يمرون قربه، ذكوراً وإناثاً، شباباً ومسنين، بيضاً وسمراً وصفراً وسوداً ومن كل الألوان. نساء بشعر متهدل على الأكتاف وأخريات بشعر قصير وغيرهن بشعر مجعد، رجال بشعر مرتب وآخرون بصلعات تلمع، والأهم من كل هؤلاء وأولئك أطفال من كل الألوان. "لا أروع من المواسم الواعدة" قال لنفسه متذكراً أطفاله وكأنهم لم يعبروا مرحلة الطفولة. انفرجت أساريره وهو يرى الصورة التي يحب، طفلة ذات جديلتين مقبلة باتجاهه، راقبها وهي تحاور أمها بحرارة ممسكة بيدها وتسير إلى جانبها، ركز على عينيها، سحره اللون الأزرق الصافي، كانت تشد يد أمها إلى الأسفل بقوة لتجذب انتباهها إلى حديثها بينما الأم منشغلة عنها بحديث عبر هاتفها الخليوي. ودّ لو بإمكانه أن ينهض ويخطف الهاتف من يد الأم ويقول لها "استمعي لصغيرتك، حديثها أهم من ثرثرتك على هذا الهاتف". التقت عينا الطفلة بعينيه اللتين تراقبانها، أصابتها الدهشة أولاً ثم أجابت ابتسامته بابتسامة حين أصبحت قريبة منه. بقيت صورة الابتسامة التي علت شفتيها حين عبرت من جانبه حاضرة في ذهنه، استدار ليلحق ببسمتها لكنها لم تستدر هي الأخرى. خزّن صورة بسمتها وأغمض عينيه.

لم يدرِ كيف عاد طائر النعاس وحطّ في عشه داخل رأسه الذي كان يضطرب قبل قليل بمختلف اللعنات على كل "بروتوس" خاله متجسداً في الأشياء التي دارت في ذهنه. نظر إلى الوقت الظاهر على شاشة المونتر المعلقة مقابله، تيقن أن الموعد على حاله لم يتغيّر، سيبدأ تحميل الركاب بعد أكثر من ساعتين. حضن طائر النعاس وقرر أن يغفو دون خوف من أن تفوته الطائرة.

 

 

 

 

 

قصة قصيرة

قصة قصيرة

هالة أقل

سامي الكيلاني

 

البيت الكبير فارغ إلّا من صدى الأصوات التي لا تبرح سمعه ولا تغادر الفضاء المحيط به. يجلس على الفراش متكئاً على الوسادة الموضوعة فوق مسند صلب ما يجعل الاتكاء عليهما معاً مريحاً جداً بالنسبة له. يجلس مرتاحاً مقتنعاً بأن هذا الفراش وثير جداً، فرشة الصوف المنجّدة حديثاً بوجهها ذي الرسومات الزاهية الألوان، ومقتنع بذلك على الرغم من أنه لم يجرب غيره من فراش البيوت القريبة أو البعيدة. يعتقد بكل جوارحه أنه أفضل فراش في محيط القرية دون أن يسمح لبعض هواجس الغيرة، التي بدأت تراوده أخيراً، أن تخرق هذا الاعتقاد. لكن الهواجس هاجمته اليوم، دفعها بقوة فارتدت إليه ككرة ارتطمت بالحائط. تكاثرت من تلك الكرة كرات كثيرة، شتم الأصل الذي نبتت منه هذه الكرات، شتم أصلها وفصلها، شتم صديقه الذي فجّر بحديثه قبل قليل نافورة الكرات هذه. الحديث الذي نقله الصديق عن أمه التي زارت ذلك البيت في طرف القرية والمحاط بسور عالٍ عندما ذهبت لتعمل لدى أصحابه، أسهب صديقه بوصف تفاصيل العز الذي يعيشه أهل ذلك البيت.
تضايق كثيراً من الكرات التي ترتد من حائط إلى آخر داخل البيت وفي اتجاهات متعددة. أصبح مسكوناً بهاجس الخوف من هذه الكرات، يخاف أن تضربه إحداها في وجهه أو أن تغير مسارها لتضرب الحائط الآخر حيث توجد دائرة كبيرة من الهالة التي تنتشر حول الصورة الكبيرة الموضوعة في إطار محيطه من الخشب العريض الذي كان في يوم من الأيام ذهبي اللون، هالة يراها كلما نظر إلى الصورة كأنها أشعة يخرج كل شعاع منها من الصورة الكبيرة المؤطرة التي يسهب جده في وصف محاسن صاحبها، وجهه المستدير النوراني، فروسيته، وشاربيه اللذين يمتدان بأبهة لمسافة خارج دائرة وجهه، وعينيه اللامعتين كعيني صقر. تكاثرت الكرات فبدأ يحرك يديه في كل الاتجاهات ليدفعها بعيداً، كما يهش الذباب أو موجات حشرات البرغش التي تهاجم الناس في أيام القيظ، تعمل يداه بنشاط ليبعد الكرات التي تتردد في ارتداداتها بين الحائطين ليحمي وجهه، ولكنها أصبحت أكثر خطراً من الذباب والبرغش، إنها الآن كالدبابير التي انطلقت بعد أن استفزها بتحريك عشها بعصاه بتحريض من ذلك الولد نفسه. عدّل من جلسته وخفّض رأسه ليصبح أبعد ما يمكن عن مستوى حركة الكرات. ضربت إحدى الكرات اللوحة فاهتزت اللوحة اهتزازاً قليلاً، فصاح ألماً كأن حجراً أصاب رأسه، ثم تتالت الكرات التي تصيب الصورة المؤطرة فلم يصمد الزجاج الذي يحميها، تهشم وسقط على أرض البيت شظايا كان لاصطدامها بأرض البيت دويّ ملأ أذنيه كأنه انفجار قنبلة، ووصلت بعض الشظايا فراشه. تفقد نفسه، كان كل شيء في جسمه سليماً.
أغمض عينيه وأمسك رأسه بيديه. هدأت الكرات. رفع يديه عن رأسه، فتح عينيه واتجه نحو الحائط ليتفقد الصورة التي أصبحت عارية من زجاجها، فاقترب منها يتفحصها بعين يملؤها الرعب على مصيرها بعد انفجار الزجاج. اقترب ودقق في الصورة، صدمه المنظر، كانت قديمة باهتة الألوان، وكان الوجه مستطيلاً دون محاسن تذكر، وكانت العينان ذابلتان تحت حاجبين أبيضين كثّين وخاليتان من اللمعان الصقريّ.
تراجع إلى الخلف عدة خطوات مصدوماً، فرك عينيه بقوة معتقداً أن العيب فيهما وليس في الصورة، هدّأ من روع نفسه لدقائق بقي فيها مطرقاً ومغمض العينين أملاً في أن يريحهما على أمل أن تعود لهما القدرة على الرؤية السليمة. تقدم مرة أخرى من الصورة بخطوات بطيئة، يملؤه الأمل بأن يعود للصورة ألقها وألاّ يتكرر الرعب الذي أصابه في المرة الأولى. عيناه لم تكذبا في المرة الأولى، الصورة باهتة، والوجه مستطيل وليس باستدارة البدر، والعينان صغيرتان ولا لمعان فيهما، والحائط الذي ظلت الصورة معلقة عليه معتم وليس هناك هالة تحيط بالإطار الذي خسر زجاجه. تراجع مرة أخرى بخطى ثقيلة تحمل جسداً متعباً يعلوه رأس يضج بأمواج متلاطمة من التفكير، الصورة القديمة تحاول الرجوع عبر الأمواج لكنها تغرق، والصورة الجديدة تتقدم كما هي محمولة على موجة تحيط بها علامات استفهام كبيرة، تختفي مع الموجة العابرة لتعود مع موجة جديدة تتقدمها علامات الاستفهام. ألقى نفسه على الفراش الذي تركه، أحس بقساوة الفراش، لم يستطع أن يمد جسده ويتكئ على الوسادة، ترك الفرش واتجه نحو الباب المؤدي إلى فناء البيت.

خرج وجلس تحت شجرة التين الكبيرة في فناء البيت في انتظار أبيه ليسأله بعض الأسئلة، وسرّح نظره في الأفق الغربي مراقباً سرب سنونو يتفنن في عمل تشكيلات في طيرانه على خلفية ضوء شمس الأصيل. أعطاه جو الغروب بعض السكينة، ولكنه ارتجف خوفاً حين رأى للحظة أن رف السنونو تحول إلى كرات تتجه نحوه. نفض رأسه بقوة وصرخ "لا…لا…لا"، استدار وظل يردد لاءات متتالية متصاعدة في شدتها. هدأ وأعاد النظر نحو الغرب، كانت الطيور في السرب واضحة على خلفية الأفق الغربي، لم تعد الطيور مجرّد أجسام سوداء تسبح في الفضاء، رآها طيوراً واضحة بكل التفاصيل، حتى أنه رأى عيني الطائر من هذه الطيور تلمع خلف منقاره، ورأى تفاصيل الجسم الذي ينطلق منه جناحان مفرودان على اتساعهما وفي نهايته ذيل بشعبتين.

سرب السنونو يبتعد وينعطف نحو الجنوب وظل يبتعد حتى اختفى. ظل يستحضر صور تشكيلات طيرانه ويتأملها كأنها ما زالت حاضرة أمامه، تساءل منذ رآها في طفولته عن سر هذه الحركات في أسراب السنونو التي تأتي مرة في السنة ولم يجبه أحد، ولم يجد في الكتب جواباً شافياً عندما كبر.

بعد قليل عاد السرب، ظهر من أقصى الجنوب نقاطاً صغيرة تكبر تدريجياً حتى أصبحت مقابله في الجهة الغربية، أصابته الدهشة "ما هذا؟". كان كل طير في السرب يحمل بمنقاره كرة صغيرة. قام السرب بالطيران بتشكيلاته المعتادة، ثم اقترب باتجاهه حتى أصبح فوقه. بدأت الكرات تتساقط صغيرة ثم تكبر تدريجياً أثناء سقوطها، التصق بالجدار خوفاً من سقوطها على رأسه، عندما وصل بعضها الأرض لاحظ أن سقوطها لم يكن قوياً كما كان يتوقع، مدّ يده وتلقف إحداها قبل أن تصل الأرض، أمسك بها فوجدها كرة ناعمة، لم تكن كما تصورها عندما كانت تملأ فضاء البيت وهشمت زجاج إطار الصورة، تلاشى خوفه منها فأخذ يركض يتلقفها بيده اليمنى دون خوف بينما يمسك بيده اليسرى طرف قميصه الفضفاض جاعلاً منه كيساً يضع فيه الكرات التي يجمعها.

 

 

غريبان وغريب

د.سامي الكيلاني

ما الاسم المناسب الذي يمكن أن تطلقه على هذا اليوم؟

بعد انقطاع عن الدوام في المكتب لليومين السابقين بسبب العاصفة الثلجية التي وصفتها مواقع الطقس بأنها الأسوأ لهذا العام، واستفادتك من هذا الانقطاع لقطع الطريق على رشح والتهاب حلق بسيط كان من الممكن أن يتماديا أكثر لنزلة صدرية لولا هذه الاستراحة التي جلبتها العاصفة. دائماً هناك وجه آخر للأمور، هناك مدخل للتشاؤل يا حبيبي، يا إميل حبيبي. لذلك وصلت المكتب (الغرفة) مملوءاً بحنين إلى الجلوس خلف المكتب (الطاولة) والعمل متنقلاً بين العمل على جهاز الحاسوب الراقد على سطح المكتب، أو "الديسكتوب" قبولاً بالاسم المتداول الذي لا تمانع من استخدامه لأن الأسماء ينبغي أن ترتبط بأصحابها، والعمل على الحاسوب المحمول بالحضن أو "اللابتوب" اعتماداً على قاعدة القبول ذاتها. الأول يحتوي ملفات قديمة أغلبها مراجع منزّلة من الشبكة العنكبوتية بطريقة شرعية حسب قوانين الملكية الفكرية مستفيداً من اشتراك مكتبة الجامعة، ولكن ينبغي الاعتراف بأن بعضها أيضاً نزّلت بطريقة احتيالية على تلك القوانين نكاية بالناشرين الذين يبالغون بثمن النسخ الإلكترونية لمنشوراتهم. تتنقل بين ملف وملف على صفحة اللابتوب فرحاً بهدية سماعات ترتبط بالحاسوب لاسلكياً، أي عبر "البلوتوث" قبولاً بالقاعدة ذاتها، فكم ستكون مضحكة لو ترجمناها إلى "السن الأزرق" وستكون ثقيلة دم  إلى درجة كبيرة، هذه السماعات التي تمكنك من هذا الاستمتاع بالموسيقى أثناء العمل دون أن تكون مربوطاً بجهاز الكمبيوتر بسلك سماعات الأذن كما في السابق، فبها يمكنك أن تتحرك وتتابع غناء فيروز والحب الكبير كبر البحر وبعد السما، ثم تستمع إليها تشكو حبيبها المهمل الذي أهداها وردة فحافظت عليها فأهدته مزهرية لم يحافظ عليها فكسرت، فتضحك متسائلاً "لماذا تحبينه بعد كل هذه الإحباطات يا فيروز"، وتجيب نفسك أن لله في خلقه شؤوناً، خاصة حين يتعلق الأمر بالعشاق منهم. تستمتع بالموسيقى، شاكراً ولدك الذي أهداك هذه السماعات بمناسبة عيد الأب، فتفرح لأنه قد أصبح للأب عيداً كما للأم. تندمج في مراجعة مقال قديم تعمل على تحديثه استفادة من أمورٍ اطلعت عليها من أحد المراجع التي نزلت على قرص حاسوبك حلالاً زلالاً، كما يقال، دون أن تدري كيف يكون الحلال زلالاً. أشياء صغيرة تمسح بيد لطيفة على الروح فتجعلها تسترخي في السماء الكبيرة والبحر الكبير، الفرح بأن للأب عيداً، والفرح بسماعات البلوتوث التي تجعلك حر الحركة على عكس السماعات السلكية التي تربطك بالجهاز إن أردت الاستماع والعمل وتمنعك من التحرك في جو المكتب لتناول كتاب من الرف في الطرف الآخر من المكتب أو إن أردت وصول الباب لتفتحه لطارق يطرقه.

أغلقت الموسيقى القادمة من موقع اليوتيوب مؤقتاً، أي عملت "بوز"، وقصدت المطبخ الصغير لتسخن غداءك في جهاز الميكروويف. وجدته هناك، ملامحه قريبة من ملامحنا، كان حائراً، يبحث في الرفوف عن شيء ما، لم تبادره بالسؤال عمّا يبحث، فالخصوصية هنا في هذا البلد محترمة إلى أبعد درجة وعلى طرف النقيض البعيد من حشريّتكم المعتادة هناك في بلدك، ولكنه بادر الحديث من تلقاء نفسه موضحاً بأنه يبحث عن مناديل أو مناشف ورقية. كانت كلماته بالإنجليزية تدل على أنه "غريب"، انتبهت لوجهه المتعرّق، بحثت معه عن المطلوب في خزائن المطبخ الصغير حيث تكون عادة المناشف الورقية، لم يكن هناك شيء منها. قلت له لديّ منها في المكتب ويمكن أن تعطيه، عدت إلى المكتب وأحضرت مجموعة من المناديل الورقية وناولته إياها. قال لك "أنا تركي، وأنت؟"، أجبت "فلسطيني"، أجاب "ما شاء الله" ثم أتبعها بإنجليزية "تشرفت"، وزاد في التوضيح بأنه على ما يبدو قد أخذ برداً بالأمس وأن هذا العرق ناتج عن حمى بدأ يشعر بها قبل بدء محاضرته، وبأنه لم يرغب الغياب عن المحاضرة، فتمنيت له الصحة والتوفيق. تذكرت أمرئ القيس، أجارتنا إنا غريبان هاهنا/ وكل غريب للغريب نسيب، وقلت له دون أن تسمعه ما قلت، أيها الشاب في عمر ابني كلانا غريبان هنا يا بني وكل غريب للغريب نسيب. وعدك بزيارة قادمة بعد أن أعاد شكره واستأذن للذهاب إلى محاضرته التي بدأت قبل دقائق. شعرت بالسرور وأنت ترى الارتياح على وجهه وتمنيت له من كل قلبك النجاح، واعتبرته صديقاً جديداً تتنظر مروره مرحباً به عندما يشاء.

بعد ذهابه وضعت العلبة البلاستيكية التي تحتوي غداءك في الميكروويف وسخنته، حملتها وعدت إلى المكتب لتناول الغداء، وصوت فيروز "راجعين يا هوى" يطربك مع تلذذك بكل ملعقة تتناولها من الطعام. أنهيت طعامك، وتوجهت إلى دورة المياه القريبة لتغسل يديك وتفرشي أسناك. عدد من الطالبات يقفن قرب باب الدورة بشكل لا يدل على انتظار للدخول، تقترب فتسمع بكاء بصوت عالٍ خلف الباب المغلق، والطالبات في حيرة. تسألهن فيجبن أن زميلة لهن خرجت من المحاضرة فجأة تنشج ودخلت الدورة وأغلقت الباب واستمرت في بكائها منذ أكثر من عشر دقائق. تدق على الباب بلطف وتسألها "أأنت بخير؟ هل تريدين مساعدة؟"، فلم تجب، تعيد الدق على الباب وتعيد السؤال. كفّت عن البكاء، وخلال ثوانٍ فتحت الباب وخرجت وشكرت زميلاتها، وقالت إنها تريد أن ترتاح، فاقترحت عليها أن ترتاح في مكتبك. أسندتها اثنتان من زميلاتها وتوجهت معهما إلى المكتب، جلست على الكرسي وطلبت منكم أن تتركوها لوحدها لتجلس بهدوء. غادرت زميلتاها المكتب، وقمت بمناولتها مناديل ورق كافية لمسح بقايا الدموع، وخرجت.

بعد وقت عدت إلى المكتب، كانت علامات الهدوء ظاهرة على تقاطيع وجهها الذي يشير إلى أنها من دول شرق آسيا. سألتها إن كانت ترغب بالحديث، وإن كان بإمكانك مساعدتها، بعد أن أخبرتها بتخصصك في العمل الاجتماعي، متوقعاً أن الحديث سيريحها إن كانت راغبة فيه، مهما كانت المشكلة التي أوصلتها إلى تلك الحالة من البكاء الشديد. أطرقت لوقت لعدة دقائق ثم تكلمت، شكرتك على المساعدة، وأضافت أنها من أصل صيني ومتبناة منذ طفولتها المبكرة هنا، ولا تعرف والديها ولا تعرف عن ثقافتها شيئاً وتتأزم عندما يسألها أحد عن تلك الثقافة بسبب شكلها، وأضافت أنها تأزمت لأن المحاضرة كانت عن موضوع التبني. استأذنت بالمغادرة بعد أن أكدت لك أنها ارتاحت وأنها ستعبر هذه التجربة الطارئة.

أغلقت جهازيْ الحاسوب، وجلست على المقعد خلف المكتب واستدرت مولياً ظهرك للباب الذي أغلقته الطالبة عندما خرجت بناء على طلبك، وسرحت بنظرك من خلال النافذة، اختفت البيوت والمباني التي على الطرف الآخر من الشارع ولم يبق أمام ناظريك سوى فضاء واسع تملؤه صورة السماء المتلبدة بغيوم داكنة، وكأن الغيوم قد ابتلعت البيوت والمباني وابتلعت معها كل فكرة كنت تفكر بها وأبقت على فكرة واحدة: أي اسم يمكن أن تطلقه على هذا اليوم؟

 

 

 

 

 

ما الذي يسبح في الهواء

د.سامي الكيلاني

 

كتب الشاعر الإيطالي روبرتو بيوميني قصيدة للأطفال عن الكورونا (فيروس كوفيد-19) وترجمت القصيدة لعدة لغات.

وكما يعرّف غوغل به، فإنه "يعيش ويعمل في وطنه إيطاليا، وقد عمل مع الأطفال كمدرس وممثل / فنان مسرحي. ينسب الفضل إلى هذه التجارب لإلهام لغة الشباب في كتبه العديدة. بفضل طريقته الواضحة والمبتكرة في التعامل مع كل نوع من الموضوعات، فإنه يسحر قرائه الصغار".

وهذه القصيدة التي ترجمتها عن الترجمة الإنجليزية مثال على هذا السحر.

ما الذي يسبح في الهواء؟

شعر: Roberto Piumini

ما الذي يسبح في الهواء؟

شيء ما، لا نعرف عنه؟

"لا مدارس بعد اليوم" كان الإجراء

الآن سأخبركم ما الذي يجري.

 

السيد فيروس يلبس تاجاً،

رغم أنه ليس مليكاً

الحديث ينتشر في الأرجاء

بأنه ليس من بني البشر.

 

إنه شيء بالغ السوء

فقط يمكن رؤيته بالمجهر

وقد تراه يبتسم ساخراً بشماتة

إن نظرت إليه عن قرب.

 

إنه شرير متناهٍ في الصغر

مع نقطة ناعمة تعطيه سرعة عالية

إنه وجع حقيقي في العنق

وسامٌّ جداً في الحقيقة!

 

إنه خفيف لا يرى

غازٍ شرسٌ ومتخفٍّ

جاهز دوماً للقتال

من أجل معركة ميكروسكوبية.

 

هدفه أن يهجم عاصفاً على الناس

ناس مثلي ومثلك

ولكننا نستطيع معاً أن ننتصر

إذا انتحينا جميعاً عن طريقه.

 

عندما يبدأ أنفك يحكك

اعطس خلف مرفقك

إنها خدعة ذكية لحجز

هذا الشخص السيء، هذا الرفيق السيء.

 

إن خرجت، فعندما تعود،

اغسل يديك حالاً

هل هما نظيفتان؟ افحصهما مرتين،

لا تعط الفيروس فرصة للرقص!

 

الماء الجاري وكثير من الصابون

افرك وافرك واشطف، لا تتوقف

والفيروس في رمشة عين

سيبحر نزولاً في البالوعة!

 

افحص دوماً إن كان الماما والبابا

يغسلان أيديهما عندما يعودان

وقلْ للرجل الكبير "أحسنت"

وللماما قلْ "واو! واو! واو!".

 

لا تستخدم أصابعك، أبداً بالمرة،

لفرك أنفك أو عينيك أو فمك

لأنها الأماكن الثلاث التي يستوطن فيها الفيروس

ومن هناك سينتشر.

 

لقاء الناس سيبقى مصدراً للفرح

ولكن تأكد أن تحافظ على مسافة

(بالمتر، وليس بالأميال)

ودون سلام بالأيدي، ولكن ببسمة كبيرة.


القبلات والأحضان؟ لا، لا، وكلّا

لا طالما هو موجود

الآن وقتنا لنتغلب عليه،

ونتخيل مستقبلاً مليئاً بالهناء.

 

هناك أناس يلبسون الكمامات

ولكنها ليست تنويعاً في اللباس

وليست من أجل سرقة البنوك

ولا من أجل ضربك.

 

كمامات لطيفة، ناعمة وخفيفة

تنقّي كل نفس نأخذه

وتصيد ذلك السيء الفظيع

حتى لا ينتشر.

 

طالما كان السيد فيروس

يتجول حولي

سأبقى في البيت، لا أخرج

لأتحاشى هذا البوم الشرير.

 

إنه حل رائع،

بما أن المدارس مغلقة الآن

إنه قرار دقيق

لهزيمة هذا الشرير ذي التاج.

 

وماذا عن أصدقائك والناس؟

يمكنك أن تكون معهم بالفعل!

الكثير من الضحكات، والكثير من الأحاديث

مع حاجز للتنقية.

 

المحبة نعطيها ونستقبلها

بنفس المقدار

القبلات والأحضان يجب أن تتوقف

ولكن ما زال بمقدور الكلمات اللطيفة أن تتكاثر.

 

الكلمات هدايا ثمينة نكنزها

بذور نرسلها لأحبابنا

ننشرها في أوقات فراغنا

ولن تؤذي أحداً بالتأكيد.

 

أنت وأنا وكل الناس

يجب أن نبقي العيون مفتوحة

الحل يكمن في الرعاية وبالحذر

وهكذا هذه الآفة ستنكسر.

 

وربما حين ينتهي هذا الأمر

حين نكون قد كسبنا هذه المعركة

ربما سنتعلم كيف نكون أكثر حكمة

سنعرف أن هناك حياة جديدة.

تمت الترجمة العربية عن الترجمة من الإيطالية إلى الإنجليزية لِ: Janet Louise Byrne and Alessandra Valtieri

 

 

قصة قصيرة

يدها الصغيرة

د.سامي الكيلاني

ما زالت تلوّح له بإصرار، وفمها الصغير ما زال مفتوحاً على نداء لم يسمعه، من المؤكد أنها كانت تناديه وترفع صوتها مستغربة من أنه لا يسمعها، أو أنها تتساءل وتسأل أمها لماذا لا يرد عليها. اليد الصغيرة والفم الصغير واضحان في الصورة التي لم تبارح تفكيره في الليلة الماضية، تحتل تفكيره ومخيلته، لكن صورة الوجه كاملاً للصغيرة والأم لا تتشكل بوضوح. الصورة واضحة لليد التي تلوّح وللفم الصغير الذي ينادي، يراها من خلف العصبة السوداء التي تلتف حول رأسه وتغطي العينين. الصورة تستطيع عبور كل أسوار الألم الذي ينطلق من كل أنحاء جسمه ويضرب في رأسه. ألم اليدين المقيدتين للخلف، خاصة ألم الكتفين اللذين يشعر بأنهما سيسقطان من مكانهما. ألم العجز ومفصل الفخذ من الجلوس الإجباري على الكتلة الإسمنتية الباردة في ساحة الشبح في المعتقل العسكري. ألم ليلة كاملة متراكم في كل جزء من جسمه، لكنه ألم فاشل، ألم مهزوم أمام هذه الصور، ألم لا يستطيع أن يغلق نافذة الصورة التي ولدت مجدداً على مصراعيها مع سماع صوت العصافير على الشجرة القريبة خلف غرف التحقيق والزنازين في القسم الخارجي من هذا المعتقل الذي زاره مرات سابقة. إذن إنه الصباح، إذن إنها ليلة كاملة قد انقضت وهو على الكتلة الإسمنتية مجمداً في هذه الليلة الباردة. لا يريد التفكير بما سيحدث بعد هذه الليلة، الاحتمالات متعددة، من الأفضل أن يبقى مع الصورة ويذهب إلى التفكير بيومها القادم. يرى الصغيرة تصحو والأم تحضّرها للذهاب إلى الروضة وستغدق عليها حناناً مضاعفاً تعويضاً عن غيابه، يحبهما ويستمد من حبهما قوة لليوم القادم، لكل الاحتمالات القادمة.

يدها الصغيرة تلوّح بشدة تستجدي تلويحاً يرد عليها. جاءت الطفلة مع الأم لأن المعتقلين في الليل يجمّعون في مقر الحكم العسكري لينقلوا صباحاً إلى المعتقلات، وكان التقدير صحيحاً. رآهما من شباك حافلة السجن على رصيف الشارع المحاذي، أقرب مسافة استطاعتا الوصول إليها، رأته الصغيرة وبدأت تلوّح له وتناديه، يداه مقيدتان خلف الظهر ولا يستطيع الرد على التحية بمثلها، بدأ بهز رأسه، هذا أقصى ما يستطيع فعله، أقصى أمانيه أن يفك صاحب معجزة ما يديه ليرد التحية بأحسن منها. بقيت الصغيرة تلوّح وهو يهز رأسه حتى عبرت الحافلة المنعطف. استمر في هز رأسه وكأنه في طقس روحاني ينادي أو يعاتب أصحاب المعجزات والكرامات الذين لم يتقدم أحد منهم لفك يديه ليرد التحية بأحسن منها، وإن لم يكن لك ممكناً، فهل يمكنهم أن يكبروا صوت غنائه الداخلي ليصل إليها، الصوت الداخلي غير مقيد، لا حاجة لفك قيوده، مجرد عملية تكبير للصوت ونقله إليها لتسمعه، لتسمع غنائه للنشيد الذي يصاحبه في الطريق القصير بمسافته الطويل بألم القيد البلاستيكي الذي يضغط على رسغيه، النشيد الذي تصدح بها حناجر السجناء في كل مناسبة وكل مواجهة مع السجان، ولتسمع تحويره للنشيد من أجلها، من أجل يدها الصغيرة التي لوحت له ولم يستطع أن يرد عليها. تدور الأغنية، يدور النشيد وهو يهز رأسه، يغير الكلمات ليخاطبها، سينكسر اللحن قليلاً: نعم لن نموت، ولكننا/ سنقتلع الموت من أرضنا/ هناك بعيداً بعيد/ سيحملني يا صغيرتي* الجنود/ سيلقون بي في ظلام رهيب ….

تجاوز المقطع الذي كسرته الصغيرة، واستمر يهز رأسه ويكمل النشيد.

-----------------------

*سيحملني يا رفيقي

 

قصة

شمسه والقنديل

د.سامي الكيلاني

أراد الهروب من الغيوم التي تحاصر شمسه منذ الصباح. الصباح الذي دخله مبكراً حاملاً بقايا حلم عاشه وكأنه واقع، حلم نفث فيه كل مكنونات نفسه الغاضبة، لم يصرخ، بل ألقى في وجه المدير الظالم حديثاً منطقياً متسلسلاً وانتصر، انتصر بقوة الحجة، وانتصر بسكوت المدير الذي استطاع الحلم إسكاته، منحه الحلم شجاعة كان بحاجة إليها وكان في غاية السرور بها، لكنه أدرك أن سكوت المدير ليس طبيعياً، كان مفاجئاً فشكّ في الحلم أنه في حلم، استيقظ مضطرباً ولم يستطع العودة إلى النوم. عاش حالة مضاعفة من لوم الذات، لماذا لا يستطيع أن يفعل ذلك في الواقع؟ كان حديثه مقنعاً ومتسلسلاً ويستطيع أن يعيده كاملاً، ولكن في المقابل لا شيء غير الحلم يمكنه أن يغلق فم المدير ليستمع إلى الحديث كاملاً دون مقاطعة. لوم الذات بدأ يكبر في داخله، تحول اللوم إلى غيوم داكنة حاصرت شمس روحه.

قرر أن يلجأ لسماع أغنية، معتقداً أن الغناء كالعادة سيعطيه دفعة إلى الأمام ويخرج شمسه التي حاصرتها الغيوم. خفف من سرعة السيارة بشكل لاإرادي وكأن تشغيل المذياع بحاجة إلى ذلك. انطلقت موسيقى يعرفها، جو فيروزي يتهيأ له، محراب موسيقى مألوفة ينفتح أمامه سيدخله بكل روحانية، الموسيقى تتقدم ببطء، الحوار يكشف هوية المسرحية، مسرحية الليل والقنديل. الصوت الحزين لمنثورة أعاده إلى دائرة الحزن والغضب، مزيج الحزن والغضب زاد طينه بلّة وزاد بلّته طيناً، الصوت الذي يرثي القنديل الحزين الذي لن يضيء لأن الفرح الموعود قد سرقته الكارثة، كارثة اختفاء الغلة التي اؤتمنت عليها منثورة الطيبة. المسرحية يعرفها ويحفظها، لكنه لم يفكر أبعد من الصوت الحزين الذي تخيّله يتردد في الوادي انطلاقاً من الصخرة التي تشرف على الممر. اتجه إلى يمين الشارع وأوقف السيارة، مستسلماً للحزن والقتامة اللذين تكثفا من رثاء القنديل وصوت منثورة "ما كان ظني يشح فيك الزيت"، ردد مع الصوت "ما كان ظني تغيب شمس الروح في هذا الصباح".

استيقظ فيه حرص على السلامة، قرر أن يبقى على حاله وألاّ يعود إلى السفر على الشارع الرئيسي إلاّ بعد أن يحدّث نفسه ويحاورها لينظفها من أدران الحلم التي علقت بروحه، الأدران التي حرمته النوم وشاركته فطور الصباح الذي ازدرده دون الإحساس بطعمه. هنأ نفسه على هذا القرار واعتبره مؤشراً إيجابياً. لم يفكر في احتمال أن يثير وقوفه على يمين الشارع شكوك الجيش أو المستوطنين على هذا المفترق. لم يعرف كم مضى من الوقت على وقوفه وحواره الذاتي عندما انتبه من خلال المرآة لصورة الضوء الأزرق، سيارة شرطة تأتي من بعيد، فكّر أن يتحرك، لكنه تردد فقد تثير حركته المفاجئة شكّهم أكثر. عبرت السيارة من جانبه دون أن تخفف سرعتها أو تتوقف. انتبه إلى صوت الراديو الذي كان قد غاب عنه وهو غارق في تقليب أمور الحلم وهذا الصباح. كانت المسرحية قد وصلت إلى نهايتها المتفائلة، عاد القنديل ليضيء الممر الجبلي بعد أن عادت الغلة المسروقة.

اشرقت شمس روحه بعد أن تحررت من الغيوم التي كانت تحجبها، قرر أن يحافظ على إشراقتها. أرسل رسالة إلكترونية من هاتفه المحمول إلى العمل يعتذر فيها عن الدوام اليوم. أعطى إشارة الاندماج في الشارع وانطلق يدندن مع الموسيقى وهو يرى الشارع بوضوح ثم التف التفافة كاملة عائداً إلى البيت.

 

موعدان

قصة قصيرة

د.سامي الكيلاني

نزل من القطار واتجه نحو مخرج المحطة لينطلق في شوارع المدينة. جاهد بيد واحدة ليرتدي المعطف البلاستيكي الذي سيحميه من مطر كوبنهاغن الصيفي الذي بدأ بالنزول قبل وصول القطار المحطة بدقائق. ذراعه اليسرى معلقة بكتفه ورقبته بواسطة حمالة خاصة، الوضع يذكره بالمرات السابقة التي كسرت فيها ذراعه في طفولته، لكن الحمالات التي كانت تحمل الذراع مثنية من المرفق إلى الرقبة كانت من أي قماش يتوفر في البيت، أما هذه الحمالة فهي من شركة خاصة بصناعة الأدوات الطبية المساعدة، هكذا قال له صاحب المستودع، ضحك يومها "إذن يمكن أن تخدمني مرة أخرى إن كسرت ذراعي؟"، أجابه صاحب المستودع ضاحكاً "هذا إذا حرصت أن تكسر الذراع اليسرى نفسها مرة أخرى، أما إذا كسرت الذراع اليمنى فأنت بحاجة إلى شراء حمالة أخرى، وبعدها اكسر الذراع التي تريد وستكون عندك الحمالة المناسبة".

تناول زهرة قرنفل حمراء ملفوفة بورق السلوفان من بائع أزهار عند مخرج المحطة، حمل الزهرة بكف يده المكسورة ليقدمها للحورية، قال "كثيرون يسعون من أجل حوريات السماء، أكثير عليك أن تقدم وردة لحورية الأرض الوحيدة، لحورية البحر التي خرجت تستريح من الماء فتجمدت صخرة على هذا الشاطئ؟ إنها تستحق ذلك لجمالها ولصمودها على هذا الشاطئ منشغلة بعدّ الأمواج وانتظار المراكب".

سأل سيدة بالغة الجمال رغم عقدها السادس، كما قدّر من بعض التجاعيد في عنقها، عن الطريق من هنا إلى الحورية، فأشارت إلى الاتجاه الذي عليه أن يسلكه، أراد أن يسألها إن كانت بعيدة من هنا ويقدم لها شكراً مطولاً على لطفها يسمح له التأمل لفترة أطول بجمالها، لكنها انشغلت بالرد على هاتفها المحمول الذي رن في الوقت غير المناسب. إذن ليبدأ الاتجاه، وبعد مشي عشر دقائق أخرى سيسأل عن بقية الطريق إلى الحورية، لا يمكن أن تكون قريبة من محطة القطار، الحوريات ينأين بأنفسهن عن الضجيج، عالم البحر الأزرق العميق الذي تحمل الحورية جيناته في كل خلية من جسمها لا يتماشى مع ضجيج القطارات. سأل مرة أخرى عجوزاً عن الاتجاه فأشار له نحو الاتجاه ذاته، وسأله إن كانت المسافة معقولة ويمكن مشيها فهز العجوز رأسه موافقاً.

لو قال لأحد أصدقائه أنه يمشي تحت المطر وبذراع مكسورة تحمل زهرة قرنفل حمراء ليزور حورية من الصخر لسخر منه، لكنه مصمم على الوفاء بالموعد حتى ولو زاد المطر. سأل نفسه إن كان يسعى إلى حورية البحر أم يعيش ذكرى موعد قديم يتمنى أن تكون صاحبته معه في هذه المدينة ليزورا معاً الحورية؟ جميل أن تجرب مرة أخرى بعد هذا العمر السعي إلى موعد غرامي، الحورية التي تنتظره على صخرة هي شريكته في الموعد الغرامي هذه المرة. المطر يزداد غزارة وهو يغذ الخطى نحوها. يستحق الموعد والموعودة هذا المشي تحت المطر. وجود معطف المطر هوّن الأمر عليه، جدد شكره للصديق الدنماركي الذي أعطاه المعطف، لولاه لما كان بإمكانه أن يستمر في السعي نحو هذا الموعد، قال له الصديق الدنماركي "هذا صيف أوروبي لا يؤمن جانبه، خذ هذا المعطف، سينفعك". الطريق أصبح أطول مما توقع والمطر لم يتوقف، لكن عزيمته لم تفتر. أقنع نفسه بأن التعرف على المدينة سيضاف إلى ثمرة الموعد الموعود فاطمأن أكثر أن ما يفعله لا يدخل في باب العبث، ومهما كان فإن الأمر محصور بينه وبين نفسه، هذه النفس الأمارة بالغرائب أحياناً والتي يمتثل لأوامرها طائعاً، خاصة عندما يكون وحيداً ولن يسجل أحدٌ عليه هذه الغرائب. فما العيب إن أمرتك النفس في هذا العمر، مثلاً، أن تتمدد على العشب الأخضر مواجهاً صفحة السماء مصلوباً تحدق بصفحة السماء غير عابئ بمن حولك، أو إن أمرتك بأن تقلّد الأطفال الذين يتدحرجون على العشب من أعلى التلة الصغيرة إلى أسفلها فتطلق لطفولتك الدفينة العنان وتتدحرج مثلهم.

أخيراً ظهرت له الحورية عن بعد، ظهر رأسها من خلف الحديقة الصغيرة في نهاية الرصيف، تذكر أن اسمها الحورية الصغيرة، وها هي صغيرة، ظنها أكبر من ذلك، لكن فرحته بالوصول إلى الموعد لم تنتقص، بقيت صاحبة الموعد وصاحبة الهالة حتى وإن كانت صغيرة. يلتمع جسدها بالبلل، بوده لو يسألها أي البللين ينعشها: بلل المطر أم بلل رذاذ الأمواج التي تضرب الرصيف قربها. تمنى لو كان بإمكانه أن يعدو نحوها فتقوم وتركض نحوه لتعانقه، سيسألها سؤاله عن البلل وسيسألها إن كان رذاذ الموج يحمل لها رسائل الحوريات من عمق البحر، وهل يحيي فيها الرذاذ القادم من البحر حنيناً لأول منزل ويجدد آلام غربتها القسرية عن المنزل الأول وعن رفقة الحوريات اللواتي لم يتحولن مثلها إلى حورية من صخر. تخيلها ستسأله بدورها "هل تستعيد المواعيد التي ضيعتها وتعوضها في مواعيد مع حوريات البحر المصلوبات على الصخور؟".

قرر ألاّ يسألها وألاّ يخرج عن أصول التعامل مع الحوريات تأدباً.

وصلها، تقدم كما ينبغي في حضرة الحوريات، قدم لها زهرة القرنفل الحمراء التي حملها من محطة القطار، قدمها منحنياً كنبلاء العصور الوسطى الرومانسيين أمام سيدات القصور، وتفقد بيده السليمة جسدها الصخري المبتل. مد كف يده السليمة إلى جيب معطفه الداخلي باحثاً عن الخطاب الذي حضّره ليلقيه أمام الحورية، لم يجد الورقة، يبدو أنه نسيها في غرفته في المدينة الشمالية التي جاء منها. ارتجل خطاباً رزيناً بعيداً عن الأسئلة التي راودت النفس الأمارة بالسوء... يا سيدة الصخر والماء المالح، يا رمز المنفيين عن المنزل الأول، هذه زهرة من معجب جاء من الشرق، زهرة من إنسان يعيش تحت آخر احتلال في العالم، أتذكرين الفايكنغ يا سيدتي، أنا متأكد أنك لم تحبي أفعالهم وأنك من تلك الأفعال براء، أنتن معشر الحوريات لطيفات أنيقات لأن صفاء الماء العميق يمنحكن صفاء الروح. على كل يا سيدتي أصبحوا تاريخاً ولم يبق منهم إلاّ تلك القرون التي يلبسها الناس هنا للتسلية. ما ذنبك أنت؟ لقد كنتِ وقتها تحت الماء، أليس كذلك؟ هل سمعتن، معشر الحوريات، بما كان يحدث؟ هل تسمعن عمّا يحدث في هذا العالم؟ هذه زهرة من بلد المسيح، هو صلب مخلّصاً وأنت هنا ثبتوك بعيداً عن وطنك المائي، أنت مخلّصة الحوريات الأخريات، تعلمن منك حذر الوقوع في الشِّباك المنصوبة لهن، فنجون من الأسر عند بني البشر.

أخذ نفساً عميقاً ليفكّر في إكمال خطابه، وتأملها ليرى وقع خطابه عليها.

اضطرب وطار ما تبقى من خطابه الرزين المرتجل، ظهر من وسط الجسد الصخري وجه إنسي، وجه صاحبة الموعد الغرامي القديم الضائع، ثم بدأت بالخروج من الجسد الصخري كما يخرج الجنين حتى اكتملت وهو ينظر إليها معقود اللسان. انحنت الإنسية التي ولدت من الصخر وتناولت زهرة القرنفل من حضن الحورية وحملتها ثم طوقت عنق الحورية واضعة رأسها ملاصقاً لرأس الحورية، اضطرب وانعقد لسانه. أخرج الكاميرا المعلقة برقبته من غلافها ليلتقط صورة لصاحبة الموعد الضائع مع صاحبة الموعد الجديد، أسند الكاميرا بكفه اليسرى وبدأ باليد اليمنى بضبط عدسة الكاميرا.

 

 

 

 

 

 

 

أذّن يا خطيب

د. سامي الكيلاني

تسكننا الذكريات في رمضان،

ككل الذكريات وأكثر،
ذكريات الزمان الذي مضى،

ذكريات المكان الذي غادرناه

أو غادرنا، لا فرقُ،

البعد واحد،

والوجد واحد،

وإن تماهى في غير صور،

في دمعة حرّى،

أو تلويحة اليدين للغريب،
يعود في الزمان صداه،

يرنّ في مدرسة الزمان كالجرس،

يرسم المكان بالطباشير، على حائطٍ، لوحة لا تزول،

تنادينا، ترافقنا أنّى ارتحلنا،

تسكن الروح شمعة لا تنطفئ،
تداعب طيشنا الحلو،

ما زالت تداعبنا، تنادينا،
ننتظر معاً بصبر قد عيل صبره صوت الأذان،
نراقب المؤذن،

يصعد المئذنة،
"وذن يا خطيب قبل الشمس تغيب"،

نرددها،

لا نعي لها معنىً،

تمرة في اليد تنتظر،

أو لقمة شهية في انتظار الغروب.


يسكننا الحنين إلى الزمان الذي طار دون أن ننتبه،

تمهل يا زمان حتى نشرب من جدول الحياة

جرعة ماء تكفي المسير،

يسكننا الحنين في حضن المكان،

نعيش، نزرع، نصلّي،

نسامر الجيران،

نصوم الحرّ والبرد بصبر راسخٍ، 
يسكننا الحنين جارحاً في المكان،

فكيف إذ يغادر الفؤاد رحم المكان،

أي حنين بارح يلفّ الروح والجسد،

عباءة من خيوط الشمس وخضرة الربوع؟
تأسرنا الأمنيات والشوق فجأة، ننادي:

يا بساط الريح،

يا معجزة الزمان،

أين أنت؟

طِرْ بنا بلمح البصر،

لنحلّ في جنة الربوع،
ألا منحتنا يا بساط الخير فسحة في الزمان وفي المكان،
نعود لسهرة في بيوت زيّنتها طيبة لا تنتهي،

سهرة في ظلال الشهر لا تنسى،
سهرة من الأذكار والحلوى… وصوت جدٍّ خاشع نديٍّ رخيم

يستوحش الرحيل،

نردد من بعده
"لا أوحش الله منك يا رمضان"،

ألا حملتنا يا بساط وأنزلتنا في جمعة الخلاّن،
في حضرة الزوار،

نحتسي قهوة من دلّة تدور،

نسلّم على صانعات الكعك بالتمر المشتهى،

وندرك صلاة العشاء في البيت الكبير،

ألا أعدتنا يا بساط الخير والكرامات،

أطفالاً في حضرة الأمهات والجدات نصغي للحكايات،

ننتصر لعيون "جبينة" النائحة،

ونضحك من أعمال "نص نصيص"،

وننتشي فرحاً بانتصارات الشاطر حسن.

ألا جدتَ علينا يا بساطُ

ببعض الفرح.

 

 

 

مقعدان

قصة قصيرة

د. سامي الكيلاني

الشمس ما زالت في الأفق الغربي الشمالي، يمكن اعتبارها شمس الغروب لأنها تميل نحو الغروب. شمس تودع الجالسين على مقاعد الحديقة الصغيرة التي تجاور الميناء، أو يودعونها ليلتحق يوم جديد بالزمن الماضي راحلاً من الحاضر، بعد ساعات سيسمى الأمس، وسيتساوى مع ما سبقه من أيام. تتذكر رباعيات الخيام "قد تساوى في الثرى راحل غداً وماضٍ من ألوف السنين"، والأيام مثل البشر يتم وداعها بما تحمل. الوقت يصلح لسماع أم كلثوم في هذا المكان وفي هذا الوقت، لو بإمكانك أن تسمعها الآن وهنا فربما ستكون أول من استمع لأم كلثوم في هذه البقعة من العالم، لا تستطيع أن تستمع لها من الهاتف المحمول لأن الشبكة ضعيفة. وحتى لو أردت أن ترددها بصوتك لتحقيق هذا السبق بأن تكون أول من يُسمِع فضاء هذه البقعة من الكرة الأرضية غناء عربياً ولأم كلثوم، فإنه من غير المناسب أن تصدح بها بصوتك، فلا صوتك يصلح للغناء ولا من يسمعك من المارة القلائل سيرحمك من تهمة الهوس أو خدش الذائقة العامة. رغم أن الشمس تعتبر في مرحلة الميلان نحو الغروب إلاّ أن حرارتها ما زالت مزعجة، فلتبحث عن مقعد ظليل ولكن قريباً من الماء، فلا تريد أن تخسر النظر إلى هذا اللون الأزرق اللازوردي الموشى بانعكاس الشعاع عليه وكأنه ريشة تتحرك مع المويجات التي تحركها نسائم خفيفة دون أن تلحق أذىً بصفاء صفحة الماء الرائقة، وفي الوقت ذاته لا تريد الجلوس تحت هذه الشمس.

هناك مقعدان وقعا في ظل مبنى نادي القوارب المجاور يحققان الشرط الذي تريد، ولكنهما غير متيسريْن، مقعد تحتله صبية منشغلة بشيء ما بين حقيبتها ودفتر صغير على المقعد، تزجر نفسك على الإساءة للصبية بكلمة احتلال، فما ذنبها لتحمل هذه الصفة اللعينة، لعلها تفتش عن قلم لتكتب خواطرها عن هذا المشهد، ولعلها تريد أن تخرج الموبايل لتلتقط صورة للمشهد، ولعلها، ولعلها، وماذا يعنيك في الأمر، ألا تريد أن تودع هذا الفضول الذي يسري في دمك؟ دع الناس وشؤونهم. أما المقعد الآخر فيجلس عليه، جيد ها أنت قد تفاديت الكلمة اللعينة، زوج من المسنين مندمجين في حديث خافت ودي، ربما يتذكران أيام الشباب، وربما يتجادلان في أمر ما، وهذه طريقتهما في الجدل وحتى في النزاع، وربما، وربما. وربما، وربما. لا تشغل نفسك بافتراضات تنبع من حشرية ينبغي أن تستأصلها، هنا لا أحد يتدخل بالآخر، هل تعرف اسم جارك في الطابق ذاته، جارك الباب على الباب؟ دعك من لعل وربما وأخواتهما. تمرّ بجانبهما، تسترق النظر لترى تعابير وجهيهما، كان الوجهان رائقين تماماً، إذن ليسا في جدالٍ حامي الوطيس، إذن غارقان في حديث الذكريات الجميل. ها أنت تعود مرة أخرى إلى حشريّتك، تتخيل نفسك تقترب منهما "مساء الخير يا حاج، جلسة جميلة، كيف الحال؟"، فيدعوانك للجلوس وتتعرف عليهما ويتعرفان عليك، ويعرف كل منكما جذور عائلة الطرف الآخر، ومن أين جاء وإلى أين يذهب؟  تمرّ دون أن يلتفتا لاقترابك منهما، كنت تود على الأقل لو أنهما التفتا، كنت ستلقي عليهما تحية مناسبة تعبيراً عن إعجابك بمشهدهما هذا.

تشغل نفسك بالمشي ومراقبة المكان، المشي والنظر إلى تفاصيل الأشياء وسيلة مناسبة لانتظار أن يشغر أحد المقعدين. الميناء الصغير شبه مقفر من رواده من أبناء البلدة، طلائع السياح وزوار الصيف من الخارج لم تصل بعد على ما يبدو. تتفحص السفينتين الصغيرتين الراسيتين على يمين الرصيف، الأولى من النمط القديم الذي يحركه دولاب يبدو أنه يعمل بالهواء المضغوط في براميل محملة على مؤخرة السفينة، سفينة صغيرة بطابقين، واضح أنها سياحية، كراسي وطاولات وكاونتر للطعام والشراب، يمكن القول إنها سفينة نهرية كالتي تشاهد في أفلام التاريخ الأمريكي. السفينة الأخرى أكبر وربما تكون للنقل والسياحة. وفي نهاية الرصيف عند المطعم الصغير، تلحظ اسمه الإنجليزي الذي يعني مكان الأكل، إنه Eatery وليس Restaurant. بالقرب من مبنى المطعم طفلة تحمل صنارة بسيطة لصيد السمك، مجرد عصا وفي آخرها خيط ينتهي بخطاف صغير. لا بد أنها ابنة العائلة التي تجلس على شرفة المطعم المقابلة للماء. رفعت الطفلة العصا للأعلى وصاحت بانفعال حين رأت في طرف الخيط سمكة صغيرة تتحرك بقوة. نزل أفراد العائلة جميعاً من مقاعدهم في المطعم، وصاروا في حلقة تشاور حيوية، تقف قريباً تراقبهم بفضول. يبدو أنهم قرروا ضرورة إعادة السمكة إلى الماء، لأن لا فائدة منها، فينصب التشاور على كيفية تخليص السمكة من الخطاف بسلام قبل أن تلفظ أنفاسها وإرسالها إلى الماء، صارت الطفلة مركز الحدث وكأن السمكة ابنتها، والجميع يطمئنها ويطلب منها ألاّ تقلق، ينجح الأب بتخليص السمكة ويعطيها للطفلة لترسلها إلى الماء، تقترب من الماء وتنزل السمكة في الماء وتنتظر ومعها العائلة، ثم يحتفلون بصوت واحد، لقد عادت السمكة إلى عالمها وحريتها.

رغم مرور الزمن في مراقبة تفاصيل الميناء، إلاّ أن الفتاة التي وضعت عينك على مقعدها لم تتركه كما تمنيت، ولم يفعل ذلك العجوزان. تختار مقعداً بعيداً عن الماء، تجلس وتخرج الرواية التي بدأت بقراءتها أمس. تتوقف عن القراءة، بقد أن قطعت عدداً جيداً من الصفحات، تطوي الكتاب وتعيده إلى الحقيبة الصغيرة، بينما صور بعض شخصيات الرواية تتبادل مع صورة الصبية والعجوزين، ثم تخلي الصور جميعها المكان لتحتله صورة العائلة التي كانت منعقدة في تشاور حيوي لتساعد الطفلة في مشروعها الكبير في إعادة السمكة سالمة إلى مياهها. صورة حوار الأهل الحيوي واحترامهم لرغبة الطفلة ولطفهم تستدعي أفكار المقارنة، فتحاول أن تقصيها، لكنها تتسلل، (أب يجذب ما تحمله الطفلة ويطلب منها التوقف عن هذا الدلع، فما هذه إلاّ مجرد سمكة صغيرة لا تستحق التفكير، ويشد السمكة بقوة من الخطاف ويلقيها إلى أي مكان ويأمر الطفلة الباكية أن تعود لتجلس مع العائلة، فتطيع وهي تنشج وتمسح دموعها). تقصي أفكار المقارنة، وتقرر أن تخفف من عمل المقارنات في كل صغيرة وكبيرة لأنها تعكّر عليك الاستمتاع والانغماس في كل ما هو هادئ وجميل.

شمس الغروب هبطت وتوارى نصفها، وبقي النصف الآخر عائماً في بحر الشفق الذي يتشكل في الأفق الغربي. المقعدان فارغان، تتساءل "متى غادروا؟" لم تلاحظ مغادرة الصبية والعجوزين. تجلس على مقعد العجوزين تتأمل انعكاس الشفق على صفحة الماء، تلتقط صورة للمشهد وتقرر البقاء لنصف ساعة أخرى لتعوض نفسك عن الفرصة التي خسرتها، وتفكر لو أن الحياة قادرة بهذه البساطة على تعويض الخسارات. تقرر أن تغلق أي باب يؤدي إلى المقارنة التي ستحرمك من تشرُّب كل جزئية من هذا الهدوء والجمال وترك نفسك في وضع انعدام الوزن بالتخلص من همومك وتعطيل كل مصادر التنغيص التي تطاردك.

 

 

 

قصة قصيرة

ضوء القصيدة

د.سامي الكيلاني

في الطريق إلى العمل قاد السيارة بهدوء وانتباه حتى لا يتشتت تفكيره عن حركة السير، انتبه بشكل خاص للمركبات خلفه ليعطيها إمكانية التجاوز حتى لا يفرغوا نزقهم بإطلاق الأبواق وربما رمي الشتائم من النوافذ. استيقظ منذ الصباح بنفسية متلبدة بغيوم لم يعهدها منذ فترة طويلة، ولكنها صارت تأتيه في الآونة الأخيرة، حاول التعايش معها حين تحلّ دون سابق إنذار بإطفاء كل مستقبلات التوتر والاستفزاز ونجح، لحسن حظه، في إبقائها غيوماً دون أن تتحول إلى مطر أسود. تأتيه قبيل الاستيقاظ فيستيقظ متكدراً دون أن يدري لذلك سبباً. الغيوم التي تلف روحه تتآخى اليوم مع غيوم داكنة متلبدة في الجو غطت على شروق الشمس الذي كان من الممكن أن يساعده في التخفيف من وطأة الغيوم الداخلية. لم تمتد يده إلى مفتاح راديو السيارة خشية أن تتآخى أخبار الصباح من محطة الإذاعة المحلية مع غيوم الجو والغيوم التي تلبدت فوق صباحه الخاص.

وصل العمل، وأوقف السيارة في كراج المؤسسة، مشى بحذر حتى لا يراه الحارس ويبدأ معه حديثاً ما عن آخر الأخبار أو عن مشاكله الشخصية كعادته، والتي كان يقابلها كعادته هو بالإنصات والتفهم وتقديم نصيحة مناسبة إن أمكنه ذلك، أو بمجرد التضامن ب"الله يعين". ولم يعرّج على الكافتيريا لأخذ كوب القهوة الصباحي، خاضعاً لصوت داخله يقول "ليس لك إلاّ أن تصل المكتب وتغلق الباب وتعمل أي شيء حتى تغادر الغيوم روحك، وإن كنت محظوظاً تغادر غيوم السماء فتخرج إلى الكافتيريا القريبة وتكافئ نفسك بقطعة كعك مع كوب القهوة".

دخل المكتب، امتدت يده إلى مفتاح الطاقة الرئيسي لجهاز الحاسوب، لم يعمل بعد أن ضغطه، انتبه أن الضوء الأحمر في وصلة الكهرباء التي تغذي الجهاز ليس مضاء، إذن القاطع الذي يغذي الخط بحاجة إلى رفع، لقد نزل لسبب ما، يتكرر ذلك. لم يسمح لهذه الإضافة إن تكثف الغيوم الداخلية، كان على وشك أن يقول الكلمة السيئة التي تقفز إلى طرف لسانه عادة في مثل هذه الحالة، ولكنه استبدلها ب "تيك إت إيزي يا ولد". خرج من المكتب إلى الردهة ثم إلى الزاوية التي فيها صندوق القواطع، فعلاً القاطع في حالة نزول، رفعه وعاد إلى المكتب، أضاءت شاشة الحاسوب. ذهب إلى الشبكة العنكبوتية ودخل إلى البريد الإلكتروني ليتفقد بريده، أدخل كلمة المرور بهدوء حتى لا يخطئ. مسح عدة رسائل من الرسائل المزعجة، مسحها ثم ذهب إلى ملف الرسائل التافهة، هكذا يحب أن يترجم كلمة "جنك ميل" في قائمة مجلدات الرسائل، تنبه إلى وجود رسالة مختلفة، جيد أنه لم يمسحها بالجملة، الحاسوب ليس موضع ثقة مطلقة في تصنيفاته، أحياناً يرسل إلى هذا المجلد رسائل جيدة. كانت رسالة من صديقه الشاعر، قصيدة جديدة، شده العنوان، فتحها وبدأ بقراءتها، تتحدث عن احتفالات الطبيعة والضياء، انفرجت أساريره قليلاً وتعدّلت نفسيته بعض الشيء. بدأت غيوم الروح تتبدد، أعاد قراءة القصيدة بتمعن في جمالية النص، فبدأت غيوم الروح تنقشع. أسند ظهره لظهر الكرسي واسترخى وأخذ نفساً عميقاً. شعر بالضوء المنتشر من القصيدة يتغلغل كيانه. انتبه أنه لم يفتح ستائر المكتب، ما أن فتحها حتى تدفق من خلالها نور مضاعف قادم من انعكاس الشمس المشرقة على زجاج العمارة المقابلة.

اعتدل في كرسيه واستدار معطياً طاولة الحاسوب ظهره، وأخذ نفساً عميقاً أصبح بعده مستعداً ليوم عمل واعد. شكر الضوء الذي ولد من القصيدة والذي جلب معه النور القادم من النافذة الغربية في هذا الصباح، وشكر قوانين الانعكاس التي جعلت ضوء الشروق يأتي من الغرب.

عاد ليواجه شاشة الحاسوب بروح مختلفة، الروح التي تفتح الباب للتداعيات والتفاعل مع الأشياء الصغيرة، الروح التي يطلقها على سجيتها حين تبتهج. شكر قوانين الانعكاس مرة أخرى، فتذكر أستاذ الفيزياء في المدرسة الثانوية ودروس موضوع الضوء. كانوا يتندرون بطريقة لفظ الأستاذ لمصطلح "شدة الاستضاءة" التي يلفظها وهو منسجم في الشرح بصوته الجهوري "شستضاءة" ولذلك سموه "أستاذ شستضاءة". عاد إلى الرسالة الإلكترونية التي تحتوي القصيدة، ضغط علامة الرد وكتب لصديقه "لقد أعجبتني القصيدة، رائعة، ولكن لدي سؤال: هل تتذكر الأستاذ شستضاءة؟" وأتبعها بهاءات متعددة.

فتح أحد الملفات الموجودة على مكتبه وبدأ بقراءة المحتوى، وضعه جانباً وقرر أن يخرج لإحضار القهوة. طلب القهوة التي يحب وكان محظوظاً بوجود كعكة الجبن في الكافتيريا. حمل كوب القهوة وقطعة الكعك وعاد إلى المكتب.

أزاح الملفات جانباً وقرر أن يعطي نفسه ربع ساعة للاستمتاع بالقهوة والكعك. انتبه للوميض على شاشة الحاسوب، بريد إلكتروني جديد. فتح الرسالة، كانت من صديقه الشاعر "صباح الخير يا حارس الذكريات. طبعاً أتذكره، وقد التقيته قبل سنة، يبدو عليه الكبر، كدت أقول له أستاذ شستضاءة، ما زال رغم تقدم السن بحيويته. بالمناسبة، أقترح أن نلتقي في محادثة ماسنجر هذا المساء، في جعبتي أحاديث كثيرة. سلام".

 

 

 

 

قصة قصيرة

ما تخافيش

د. سامي الكيلاني

كانت السهرة العائلية بمنتهى الروعة، صقلت نفسيته ونقّتها من الشوائب التي جمّعتها الأيام في ثنايا الروح، كانت رائقة جداً، لم تحصل منذ مدة طويلة. سهرة ذكّرته بأيام الطفولة في البيت القديم. كانت العائلة تقضي الأمسيات الشتوية حول كانون النار يتسامرون بمختلف الأحاديث، ينتقلون من سماع حكاية إلى شؤون الطقس والأرض، ومنها إلى زواج فلان وخطبة ابن الجيران، وهو منصت مفتوح الأذنين مغلق الفم إلاّ عندما ترتفع درجة التشويق والدهشة من ثنايا الحكاية التي كان يرويها أحد الكبار فيطرح سؤالاً أو يضحك دون أن يردعه أحد، أما عندما تكون الأحاديث عن شؤون الحارة وناسها فالمجازفة بالتدخل أو الاستفسار ستكون نتيجتها الإسكات والتحذير من التدخل مرة أخرى في أحاديث الكبار، إن لم يصل الأمر إلى التوبيخ والطرد من الجلسة. سنوات طويلة مرت على تلك السهرات، سنوات أسوأ ما فيها عقود من الحياة تحت الاحتلال. منذ بداية السهرة ضحكوا من القلب على النكات التي يجيدها الأخ الأصغر، وضحكت الأم ضحكاً لم يره منها منذ زمن، كان وجهها خالياً من الحزن الذي يرتسم عادة على تقاطيع وجهها متداخلاً مع خطوط التجاعيد ومع النظرة الساكنة التي انطفأ فيها ذلك البريق الذي يبان في الصورة المعلقة على الحائط للعائلة أثناء طفولته. كان فرحها مصدر فرح عظيم له، دفع بالحديث إلى ذكريات الطفولة لاستعادة صفاء تلك الأيام ورغبة في رؤية ضحكتها التي اصطادها في هذه السهرة، وتراجع قبل أن يتفوه بالفكرة التي طرأت على باله، ’كم كانت تلك الأيام جميلة رغم صعوبة الحياة، كم كانت جميلة لأنه لم يكن هناك احتلال‘، لجم نفسه حتى لا يعكر صفو فرحها.

بحث في قنوات التلفزيون عن شيء يمكن أن يساهم في استمرار هذا الجو، لا شيء أروع من أن يرى ضحكتها بعد كل الذي مرّ عليها في السنوات الأخيرة، الفقدان واعتقالات الأبناء، وزيارات السجون. توقف عند قناة تبث مسرحية "سك على بناتك" الكوميدية لفؤاد المهندس، ضحكوا ضحكاً حتى أوجعتهم بطونهم على مشاهد المسرحية.

قبل أن تنتهي السهرة، خبا الفرح الذي كان يعلو وجهها فجأة، قالت بقلق" ضحكنا كثير الليلة، الله يستر شو ممكن يحصل هذي الليلة". بكلماتها عادت بعض الشوائب لتظهر على الروح، فحاول أن يبعدها ويبقي الصفاء الذي حصدته أجواء الليلة. ذهب إلى فراشه بعد أن حاول أن يطمئنها "إن شاء الله خير يا حجة".

استيقظ على صوت آليات في الشارع، الأذن التي أصبحت حساسة لأخفت الأصوات في الليل التقطت الصوت، نهض سريعاً، أشعل النور الخفيف في الصالون، رآها عند النافذة تسترق النظر باتجاه الشارع من خلال الستارة المسدلة، شاهد سيارتين عسكريتين تقفان في طرف الشارع بعيداً عن مدخل البيت وجنوداً يتحركون. بدأ الطرق الشديد على الباب، اتجه نحو الباب وفتحه، فاندفعوا إلى الداخل، ضابط المخابرات الذي اعتقله في أكثر من مرة كان على رأسهم، طلب بطاقة هويته، ثم بدأوا بتفتيش البيت. كانت تراقب ما يحدث صامتة. اقتربت منه "ولا يهمك يمّا، أنت رجل، خليك قوي".

انتهى التفتيش، أخذوا بعض الكتب، واقتادوه خارج البيت، وضعوا القيود في يديه، تبعتهم ووقفت في الباب تردد "الله معك"، ثم لحقت بهم إلى الشارع غير عابئة بكلام الضابط الذي يصرخ عليها ويطالبها بالعودة إلى البيت.

صورتها وهي تقف وسط الظلام كأنها تمثال من الصخر لا يتحرك، وصوتها يخترق هدوء الليل "الله معك، أودعتك للي ما يخون الودايع". الصورة ما زالت مرسومة في رأسه المعصوب بشدة بقطعة القماش التي تغطي عينيه، وصوتها ما زال يتردد على مسمعه مع مسحة الألم التي تحاول إخفاءها، الصورة والصوت رافقاه وهو ملقى على أرض السيارة العسكرية بين أرجل الجند.

هدأ صوتها في أذنيه وهم ينزلونه من السيارة، اقتاده أحدهم، شعر بأنه يدخل مبنى من الدرجات التي صعدها. هدأ الصوت كأنه استجاب لرجائه، يريد أن يلتقط أية كلمة من هنا وكل همسة من هناك يتبادلها الجنود ليعرف أين هو أو ما الأمر، أهو اعتقال للتحقيق أم اعتقال "احترازي" كما يدعون هذه الاعتقالات التي تجري في المناسبات وعندما يشعر المحتلون أن هناك تحركاً محتملاً. عندما أوقفوه في الزاوية وخلعوا العصبة عن عينيه، عرف المكان، إنه مقر الحكم العسكري. الجندي المناوب على مكتب "الأحوال" يتثاءب، لا أمل في التقاط كلمة أو التسمّع على طرف حديث هاتفي. القناة في ذهنه انفتحت مرة أخرى على صورتها وصوتها، تخيّلها ما زالت تقف في وسط الشارع تملأ الفضاء بقامتها المرسومة على خلفية الظلام المضاء ببعض النور المتسرب من شباك الطابق العلوي لبيت الجيران الذين ربما كانوا يختلسون النظر إلى ما يجري.

الصورة التي بقيت إلى جانب الصوت قبل أن يعصبوا عينيه ويلقوه في أرضية السيارة صارت الحرز الذي سيحميه من كل سوء ينتظره، ركز على الصورة والصوت اللذين انتصرا على الوحدة في بهو المدخل ومن ثم غطيا على الغناء النشاز للجندي المناوب، غناء لم يفهم من كلماته أية مفردة رغم رصيده من الكلمات العبرية التي التقطها من حياة الاعتقالات المتكررة. بادلها الصوت بالصوت: لا تخافي أنت معي أخفيك في صدري كي لا يطردوك من هنا.

استعداداً للقادم أزاح كل الأفكار التي كانت تدور في رأسه، وأبقى على "خليك قوي" التي كانت تتردد بصوتها مجدولة مع مقطع من قصيدة أحمد فؤاد نجم التي تستدعيها ذاكرته عند كل اعتقال، ’وانتهى الحلم الجميل… وابتدا الهم الثقيل‘ وأتبعها ’ما تخافيش، ما تخافيش‘.

 

 

 

 

قصة قصيرة

ثلثي المشاهدة

د.سامي الكيلاني

جلس على برشه قبل موعد العدد المسائي، في هذا الوقت تكشف الصحراء في هذا المعتقل العسكري الصحراوي عن جمالها، سماء صافية وشمس الأصيل ترسل أشعتها، يتلون الشفق بالبرتقالي على خلفية السماء الصافية، لكن الجمال الذي يتلوه، السماء المرصعة بالنجوم تغتاله أضواء الكشافات المحيطة، مرة واحدة ظفر بذلك الجمال حين انقطعت الكهرباء فجأة وانطفأت الكشافات، كم كان منظر السماء رائعاً، خاصة مع الهدوء الذي خيّم على الخيام، يبدو أن الدهشة وجمال المنظر قد جعل الجميع يصمتون ويحدقون في صفحة السماء التي تزينت بقناديل النجوم، لم يدم الأمر يومها لأكثر من دقيقتين. تذكر تلك الأيام التي كان فيها طليقاً، كان يحب السفر، تذكر رحلاته القصيرة أيام الدراسة الجامعية مع ثلة من زملائه، وتلك الليلة حين خيموا في المدينة الساحلية، لم تكن السماء بذلك الجمال لأن أضواء المدينة كانت تنتشر في الأفق. ليته خيّم يوماً في الصحراء ليتذوق هذا الجمال دون منغصات الاعتقال ودون الكشافات المبهرة التي تملأ أضواؤها الفضاء.

هذا الوقت بعد الجلسة المسائية للرفاق في خيمته وقت مفتوح للانفراد بالنفس، وكأن هناك اتفاقاً غير مكتوب أن يخلو كلٌّ إلى نفسه ويسرح في عالمه الخاص الذي يستحضره من ماضيه، ومن صور العائلة، ومن ذكريات المدينة أو القرية أو المخيم. المدخنون يدخنون سجائرهم التي وفروها من السجائر القليلة التي يحصلون عليها من إدارة المعتقل، والبعض يرتشف معها بعض القهوة التي وضعها جانباً من قهوة الصباح. أما هو فلا يدخن، يتبرع بحصته من السجائر للمدخنين النهمين ويحاول أن يكون عادلاً في ذلك. يستغل هذا الوقت كما يستغل وقت الصباح الباكر للقراءة إن وجد كتاباً أو لكتابة خاطرة أو قصيدة أو قصة قصيرة أو مقالاً ليوزع على الرفاق في هذا القسم والأقسام الأخرى. لكنه سيكون هذا المساء مشغولاً، ولن يخلو مع نفسه طويلاً. عليه أن ينسخ نسخة أخرى من مقال اليوم لأن الرفيق الذي قذف الرسالة بين القسمين خانته يده فقصرت القذيفة وسقط الكيس الذي يحمل الرسالة، مربوطة إلى حجر، بين الأسلاك الفاصلة بين القسمين. كيس بلاستيكي وحجر يحملان المادة المكتوبة ويطيران بها فوق الأسلاك التي تفصل قسمه عن القسم المجاور، وستعبر منه إلى الأقسام الأخرى. مهمة الإرسال تسند لذوي العضلات والمتدربين على رمي الحجارة. عاد الرفيق الرامي إلى الخيمة بخجل ليقول بأن رميته قد قصرت وأن الرسالة سقطت عند طرف سور الأسلاك الشائكة المحيط بالقسم المجاور. هوّن الأمر عليه حتى لا يشعر بالذنب "لا شيء مهم في الرسالة، مجرد تحليل سياسي، سأعيد نسخها، ونحاول مرة أخرى". اقترح عليه الرفيق أن ينسخها بدلاً منه، فمازحه ليخرجه من حالة الشعور بالذنب "ومن سيحلل خطك اللي مثل خرابيش الجاج".

لم يكد ينتهي من نسخ المقال حتى جاءه أحد الرفاق يطلب منه أن يساعده في كتابة رسالة إلى خطيبته، "أنا أقول لك أفكاري وأنت تكتبها بعبارات جميلة وبخطك الجميل". ابتسم في وجهه موافقاً. فكّر، الخط الجميل مصيبة على صاحبه، مهارة تتعب صاحبها في السجن، يلزم لكتابة الرسائل ولاستنساخ الدفاتر التثقيفية والتعاميم، كما الرسم، الكل يريدون من صديقه الرسام أن يزين لهم رسائلهم، لكن الرسام أصبح يرسم رسوماً محدودة في زاوية الرسالة وينهيها بسرعة، يحفظها عن ظهر قلب، أما هو فماذا يفعل؟ جلس صاحب الرسالة إلى جانبه، كانت أفكاره قليلة، فكتب بخط كبير ليملأ أكبر مساحة في صفحة الرسالة، وسلمه إياها. عاد في ذاكرته إلى أيام طفولته حين كان يتفنن في كتابة الرسائل لنساء الحي اللواتي يقصدنه ليكتب لأبنائهن المغتربين، كنّ يطلبن من أبنائهن أن يستمروا بالمراسلة ويؤكدن لهم "أن الرسالة ثلثين المشاهدة". كان يبدأ الرسالة بعبارة "سلام سليم أرق من النسيم على قلب العليل" ويتبعها بعبارة "إن سألتم عنا فنحن بخير ولا ينقصنا سوى مشاهدة أنواركم البهيّة"، ثم ما تريد الأم قوله. وبعد أن يتم الرسالة يقرؤها على مسمع صاحبتها ليستمتع بإطرائها ودعواتها.

بعد أن أنهى رسالة الرفيق إلى خطيبته، قرر أن يكتب الجزء الأخير من رسالته الأسبوعية، غداً سيجمعون الرسائل لإرسالها. الرسالة في ظل الحرمان من الزيارة تشكل تعويضاً مهماً، ضحك وأكد لنفسه أيضاً "فعلاً، الرسالة ثلثي المشاهدة". قرر هذه المرة أن يكتب في الجزء المتبقي من صفحة الرسالة لصغيرته. طلب من صديقه الرسام أن يرسم له شيئاً بعد أن استطاع هو أن يرسم فراشة صغيرة، فرسم الصديق صورة لحنظلة وهو يحمل زهرتين. كتب لها

"حبيبة بابا، سلامات لك ولماما، إن شاء الله إنك مبسوطة وبتروحي على الروضة دائماً، انبسطت كثير على الكلمات اللي كتبتها بخطك في رسالة ماما، ظلي اكتبي. هاي صورة ولد اسمه حنظلة رسمها صديقي الرسام، هذا حنظلة ولد فقير وشاطر كثير، وهاي الفراشة حلوة وتحب الأزهار، تطير في الربيع من زهرة لزهرة، أنت كذلك فراشة حلوة، فراشة شاطرة، لما بكتب لك كأني بشوفك، وأنت لما تقرأي الرسالة كأنك بتشوفيني، مش هيك؟ باي باي، وهاي بوستين، ثلاث من بابا".

على الوجه الآخر من الرسالة كتب اسمه ورقمه الاعتقالي 16093، كما تقضي تعليمات السجان، وطواها.

 

 

 

قصة قصيرة

انثروا الطيبة

الدكتور سامي الكيلاني

 

يوم مشمس، نعم، ولكن النشرة الجوية على شاشة التلفزيون تقول بأن هذه الشمس مخادعة، درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر وستصبح على جلده، كما يقول الرقم الآخر على الشاشة، سبع عشرة درجة مئوية بسبب تأثير الرياح. تذكر زميله الذي وصل المدينة ونزل عند أصدقائه، عندما رأى الشمس ساطعة في السماء ارتدى قميصاً بكم قصير ليخرج ويستمتع بهذه الشمس، وعند الباب رأته سيدة البيت، فتعجبت مما تراه، وقبل أن تتمكن من إيقافه أو تحذيره كان قد خرج من باب البيت، أغلقت الباب خلفه ووقفت تنتظر، ما أن وصل طرف الشارع أمام البيت حتى ارتد كمن لسعته أفعى، رن جرس الباب وبدأ بطرقه بشدة، تباطأت في فتحه، فتحت له الباب، كان أفراد الأسرة في الصالون، انفجروا ضاحكين، وصارت قصته تروى في كل مناسبة. مضى على ذلك الحادث ثلاث سنوات. صديقه هذا عاد قبل أيام من زيارة للوطن يحمل معه هدية له من والدته، وسيحضر هذا اليوم من المدينة التي انتقل إليها ليلتقيه ويسلمه الهدية، اتفقا أن يلتقيا في محطة الحافلات الرئيسية حيث سيصل بعد ساعة ونصف.

أعد قهوة الصباح في الغلاية الكبيرة من البن المتبقي، لم يقتصد في استعمال البن لأن هدية الوالدة لا بد أن تحتوي كمية جيدة من البن. تخيل والدته حين تذهب إلى المحمص الذي تتعامل معه منذ سنوات وتطلب منه كيلوغرام من البن بنسبة الثلث محروقة، وأن يوزع الكمية على أربعة أكياس وأن يحكم إغلاقها وتشميعها كالعادة للسفر. اجتاحته مشاعر الحنين لها وللبيت، طالت غيبته هذه المرة، أخذته الحياة هنا، دراسة وعمل. انتبه لفوران القهوة قبل أن تنسكب، رفعها عن النار واتجه إلى الكرسي الموضوع قرب النافذة، وأعطى نفسه حقها في الاستمتاع باحتساء فنجانين قبل أن ينطلق إلى لقاء صديقه.

بمجرد خروجه من باب العمارة شعر بشدة البرد على وجهه، هذه المشكلة التي لا حل لها في مواجهة هذا البرد، خاصة البرودة الزائدة الناجمة عن الريح، أجزاء الجسم الأخرى يمكن حمايتها جيداً وإن تسلل إليها البرد فإنه يكون محتملاً. الريح والبرد أنزلا دموعه، فقرر التراجع عن خطته بأن يسير كامل المسافة حتى موقف الحافلات في الهواء الطلق. "أي هواء طلق هذا؟" حدث نفسه، وقرر أن يجزئ المسافة، يمشي نحو المجمع التجاري (المول) الضخم القريب ويدخل من بابه الجنوبي ويقضي بعض الوقت فيه ثم يخرج من الباب الشمالي، ويسير المسافة القصيرة المتبقية إلى الموقف. غطى ما يمكن تغطيته من وجهه وغذّ السير محاذراً الانزلاق على الثلج المتراكم. دلف المدخل واستقبلته دفقة هواء دافئ شعر بها تزيح طبقة من البرد العالق على وجهه، خلع المعطف الثقيل والطاقية وتفقد الوقت، يمكنه قضاء ثلث ساعة هنا في الدفء ويخرج بعدها ليصل الموقف مع موعد وصول صديقه.

مشى على مهله، يتوقف أمام بعض الواجهات دون هدف. ووصل الفسحة الكبيرة التي تتوسط صفوف المحلات في الجناح الجنوبي من المول. طاولة مغطاة بغطاء ملون مزركش تتدلى منها أشرطة ملونة، وعليها مجموعة من السلال الصغيرة الملونة المليئة بقطع صغيرة متنوعة من الشوكلاتة والسكاكر الملفوفة بأوراق وقطع سولوفان ملونة. تقف إلى جانب الطاولة سيدة خمسينية كما قدّر وشابة عشرينية. السيدة الخمسينية تدعو المارة لتضيفهم مما على الطاولة وتعرض عليهم كتابة كلمة أو جملة قصيرة على قصاصات ملونة على أشكال دوائر ومربعات ومثلثات يتدلى من كل قصاصة خيطاً، بعض من كانوا حول الطاولة كتبوا كلمات وعلقوا القصاصات على هيكل خشبي يشبه شجرة، لتتدلى الأوراق على أغصان الشجرة. الشابة العشرينية منشغلة بالكتابة على لوح أسود محمول على قائمتين، تحمل بيدها صندوقاً صغيراً فيه طباشير بيضاء وملونة، وعلى الوجه المقابل للوح كلمات وعبارات مكتوبة داخل إطارات مشكلة في جزء من مساحة اللوح، محت بعضها وعدّلت عليه. وقف يراقب حركاتها واندماجها في عملها، انتبهت له، بعد أن أنجزت آخر عبارة ورفعت يدها عن اللوح، سألته إن كانت العبارات تعجبه. اقترب منها ومن اللوح يتفحص الكلمات والعبارات، وكأنه يجري فحصاً قبل أن يصدر حكمه، ثم نظر في وجهها المبتسم ورفع قبضته وإبهامه إلى أعلى مثنياً على عملها ومضيفاً "عمل رائع، عبارات رائعة، شكراً". اتسعت بسمتها وتقدمت من الطاولة ودعته ليضيّف نفسه، تناول قطعة سكاكر وشكرها. تحرك نحو اللوح ليرى الوجه الآخر، كانت هناك خطوط وأشكال مرسومة بالطباشير الملونة دون كتابة، سألها "ماذا ستكتبين على هذه الجهة من اللوح"، ردت بضحكة خفيفة "كن صبوراً، وستعرف عندما أفرغ من ذلك". هز رأسه "جيد، ليكن، سأذهب وأعود لأرى، سأخمن وآمل أن يكون تخميني صحيحاً أو معقولاً"، تصفح العبارات المكتوبة بالأبيض على الوجه الآخر للوح عسى أن يخمن ماذا سيكون على الوجه الملون، عبارات: أنت رائع، سلام، كن طيباً، أنت محبوب، احترام، اللطف جميل، كن مُلهِماً، ومجموعة من القلوب المتداخلة والوجوه المبتسمة. قال لها: رائع، سأخمن وأعطيك الجواب حين أعود. سألته "ألا تريد أن تكتب على ورقة وتعلقها على الشجرة؟"، رد "سأفعل ذلك عندما أعود ومعي تخميني عمّا ستكتبين على الجهة الأخرى من اللوح"، ردت "أوكي، دعنا نرى".

انتبه للوقت، كأنه قد صمم الأمر بحساب دقيق، انقضت فسحة الثلث ساعة. سارع نحو المدخل الشمالي للمجمع التجاري. عند المدخل أعاد ارتداء المعطف الثلجي ووضع الطاقية على رأسه وخرج ليضرب وجهه الهواء الثلجي، لكن بقايا الدفء خففت من أثره. قطع الشارع ودخل مبنى محطة الحافلات، واتجه إلى الرصيف الذي ستقف عنده الحافلة التي تقل صديقه. وصلت الحافلة في الوقت المعلن، استقبل صديقه ودلفا سريعاً إلى المبنى. انهمرت أسئلته عن البلد وعن العائلة والأصدقاء، استوقفه صديقه "دعني أتنفس، لنجلس في مكان قريب وسأحدثك، خذ الأمانة أولاً" وناوله الحقيبة التي يحملها. رد محتجاً "لماذا في مكان قريب، سنذهب إلى البيت ونشرب قهوة ونأكل معاً، أنا لم أفطر حتى الآن". اعتذر صديقه بأن عليه العودة سريعاً في الموعد القادم بعد ساعة، فاقترح بدلاً من ذلك أن يجلسا في أحد محلات الوجبات السريعة في المول لشرب القهوة وتناول فطور خفيف.

ما أن دخلا المول حتى توقف وفتح الحقيبة، علّق صديقه "مستعجل، ما عندك صبر؟"، أجاب ضاحكاً "طبعاً"، ووقف في الزاوية وأخرج ثلاث علب من الحقيبة، فتح الأولى "الله! يسلم إيديك يا أمي، القهوة المطلوبة"، ثم فتح الثانية "واو، زعتر"، ثم بدأ بفتح الثالثة المغلقة بإحكام بواسطة طبقة من البلاستيك فوقها شريط لاصق طولاً وعرضا عدة مرات "وكمان معمول، يا سلام". انتبه لصديقه الذي كان يراقبه مندهشاً، رد على اندهاشه "مستغرب؟ بطلع لك، إنت رحت وزرت أهلك والبلاد، نيالك. بعد الفطور نشرب قهوة ومعها حبة معمول بدل المافن".

ودّع صديقه عند المدخل الشمالي للمول، بعد أن شدد الأخير رفضه أن يوصله إلى الموقف في هذا البرد "ما في داعي، في الإجازة القادمة سأزورك وأقضي عندك يومين"، رد "إذا هيك، ماشي الحال، اتفقنا". حمل الحقيبة بيد والمعطف الشتوي باليد الأخرى ومشى باتجاه المدخل الجنوبي للمول ليعرّج على المعرض الصغير حيث سينقل تخمينه للصبية. راودته نفسه أن يغش، أن يقترب بحيث يرى ما كتبت بالألوان على الجهة الأخرى من اللوح ومن ثم سيغير الجواب الذي اختاره، سيغير فيه قليلاً ليكون قريباً مما كتبت، لكنه زجر نفسه قبل الاقتراب من المكان واتخذ اتجاهاً يضمن منه ألاّ يرى الوجه الملون للوح. وصل، كانت السيدة الخمسينية لوحدها عند طاولة المعروضات، وقف يتأمل العبارات مرة أخرى ليمضي بعض الوقت عسى أن تعود الشابة إن كانت قد ذهبت لأمر ما. بادرته السيدة الخمسينية "أهلاً، ها قد عدت، زميلتي اضطرت للمغادرة، اتفقتما على أن تخمن ما سيكتب على الوجه الآخر للوح، أليس كذلك". هز رأسه موافقاً وسأل "هل ستعود قريباً"، أجابته "لا، للأسف، لن تعود لبقية اليوم، ممكن غداً، يمكنك أن تخبرني تخمينك". فكّر لوقت قصير، كان يرغب أن يراها وأن يخبرها بتخمينه وينتظر "برافو" من فمها وعينيها، لكنه قرر أن ينقل التخمين للسيدة الخمسينية، قال "أعتقد العبارة ستكون: حبٌّ وسلام في الأرض"، شكرته السيدة الخمسينية "شكراً، عبارة جميلة، لكنها تقليدية، أليس كذلك؟ الآن انظر على الوجه الآخر للوح. وقف يتأمل العبارة والرسومات الملونة حولها "انثروا الطيبة مثل الكونفتي"، عاد إلى السيدة "من فضلك، وما الكونفتي؟"، أجابته "أوراق ملونة أو قطع سكاكر ملونة ننثرها تعبيراً عن الفرح". أجاب "شكراً، وفي بلادنا يا سيدتي ننثر بتلات الأزهار أو قطع السكاكر في الفرح، وأحياناً ننثر حب الرز على رؤوس الناس احتراماً وتقديراً". اقترحت عليه أن يكتب عبارته على ورقة ويعلقها على الشجرة الخشبية التي زادت الأوراق المعلقة عليها عمّا كانت عليه في المرة السابقة، اختار ورقة على شكل دائرة بلون لازوردي ولكنه لم يكتب العبارة، كتب كلمتي حنان وأمومة بخط كبير يملأ مساحة الورقة وعلقها. دعته مرة أخرى ليضيّف نفسه، أخذ قطعة سكاكر من كل لون، وشكرها. مضى نحو المدخل الجنوبي للمول يفكر بالشابة التي لم تنتظر جوابه، خاطبها "ليتك بقيت ووجدتك لتنثري طيبتك نظرات وابتسامات، فنحن نقول في ثقافتنا: تبسمك في وجه أخيك صدقة، والصدقة طيبة".

ارتدى المعطف الثلجي، ووضع الطاقية على رأسه وخرج من المدخل الجنوبي للمول، صفعته الريح، كانت باردة جداً، أبرد مما كانت عليه قبل دخوله المدخل الشمالي.

 

قصة قصيرة

عصير ليمون

د.سامي الكيلاني


تبتلعه الفقاعة، وتتعلق في الفضاء فوق المعسكر، يصبح المعسكر المعتقل غارقاً في سكون يلفه كما تلف الفقاعة ساكنها، شعر أن هذا المكان يمتص روحه في هذه الساعة بغض النظر عن أي اسم يحمله، معتقل النقب الصحراوي، معتقل كتسعوت بلغة السجان، معتقل أنصار 3 بلغة المعتقلين. سكون يتبعه اختفاء تدريجي لكل شيء، فقاعة أخرى تمتص تدريجياً الخيام والساحة وسياج الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والجنود المدججين بالسلاح حول ساحة الخيام، وتلتهم حتى أعمدة الكشافات الضوئية. كل شيء خارج الفقاعة يصبح كتلة من اللاشيء يلفها السكون. يسكن الفقاعة طافياً في فضائها، أمواج ترفعه عالياً ليحلّق على جناح الأمل والتفاؤل لحظة، ثم تأتي أمواج أقوى تلقيه في أغوار من التشاؤم.

تتملكه هذه الحالة مع اقتراب موعد انتهاء فترة الاعتقال الإداري، هل سيخرج من هنا أم سيجددون اعتقاله لفترة أخرى؟ وماذا يكلفهم التجديد أكثر من توقيع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، كل يحتاجه الأمر قلب أسود حاقد وتوقيع على أمر جديد. نفض عن نفسه موجة القلق والتشاؤم التي هاجمته، وما أن لاحت له خيالات الصورة الأخرى حتى تمسك بها بقوة، ألقى نفسه في مياه التفاؤل. انفتحت الصورة البهية المأمولة، تمسك بها، عمل كل ما باستطاعته ليبقى فيها. يرى نفسه حراً يمارس يعانق زوجته وأطفاله، يغذي الصورة بتفاصيل، يمارس هوايته بالاستيقاظ مبكراً يوم العطلة الأسبوعية والانطلاق لإحضار الفطور التقليدي، يمشي في شوارع البلدة القديمة ويتسوق من محلاتها، ويستنشق الروائح التي تملأ أجواءها، تختلط الرائحة المنبعثة من حانوت العطار مع رائحة الخضروات الطازجة والنعناع من بسطة الخضار المجاورة، برائحة الخبز الطازج من الفرن المقابل. يعود بسيارته التي تركها عند مدخل البلدة القديمة إلى البيت ويجلسون حول مائدة الفطور.

تنغلق الصفحة، ينتعش الأمل بعدم تجديد الاعتقال الإداري لفترة أخرى. تضيق المسافة بينه وبين الأحباب، المسافة الكبيرة بالجغرافيا والتي تزداد في بعدها بمنع الزيارة عنه، تلك المسافة تتقلص، تصبح في تلك اللحظة صغيرة أمام الصور التي تفتحت في ذهنه حية للزوجة والأطفال. انفجرت الفقاعة، خرج من تحليقه في ذلك العالم الجميل ليسمع الأصوات التي تملأ المكان حوله. خيمته تضج بالنقاش الجديّ بين بعض الرفاق في الزاوية الجنوبية من الخيمة، وتضج بضحك متواصل من مجموعة أخرى في الزاوية الشمالية من نكتة أطلقها الأرنب، هكذا ينادي سكان الخيمة عبد الرحيم، ورغم إلحاحهم عليه يظل يؤجل وعده لهم بأن يخبرهم عن سبب هذا اللقب الذي يُعرَف به أكثر من اسمه.

عاد إلى عالم الواقع، الساعة الحادية عشرة، ساعة اشتداد الحر ووصول الأرواح الحناجر من شدة هذا الحر الذي لا تحمي الخيام ساكنيها منه أو من أخيه البرد ليلاً، لكن الجو هذا اليوم رحيم نسبياً، تمر غمامة تحجب الشمس أو تخفف وطأها، وتهب نسمات منعشة وكأن المكان ليس من الصحراء. أنعشته النسمات، ولكنها لم تستطع أن تخلق عنده رغبة في عمل شيء، لا يرغب في الحديث مع أحد، ولا الانضمام إلى النقاش الجاري في الزاوية الجنوبية رغم رغبته في الرد على مغالطات إبراهيم الذي يفتي في الفكر الماركسي كما يفتي الشيوخ في الأمور الدينية. قبل يومين كان الجو أسوأ من هذا بدرجات، كان "ثقيل الدم" بكل ما تعنيه الكلمة، ورغم ذلك كان يتمتع بحيوية ونشاط أفضل منهما الآن. أقنع نفسه بأن الواحد يستيقظ أحياناً كسولاً مصاباً بملل لا يدري سببه وأن ذلك سيزول بالتأكيد. كانت هذه الفكرة البسيطة بوابة العودة إلى التفكير بشيء مفيد، كانت بوابة الخروج من الآثار التي صنعها التحليق في الفقاعة. قرر أن يجعل بوابة الخروج تفضي إلى بوابة ستساعده على إنهاء هذه الحالة، قرر أن يكتب لها رسالة يشرح فيها وضعه منذ الصباح، إنه بحاجة إلى قلب محب يستوعب ما سيخرج من قلبه المتعب. تناول نموذج الرسالة الفارغ الذي توزعه إدارة المعتقل على المعتقلين بمقدار. تناول القلم الرصاص وتناول قطعة الخشب التي يستعملها كمسطرة ليسطّر صفحة الرسالة حتى تستوعب أكبر كمية من الكلمات، وحتى تكون رسالته مرتبة، هو يحب الترتيب وهي تحبه أكثر.


كتب "كل الحب والأشواق، وأحر القبلات عبر هذه المسافة الكبيرة الصغيرة التي تفصلني عنكم. آمل أن تكونوا بخير".

توقف وهو يرى جمله قصيرة متقطعة، لا بد أن هذا سيقلقها، ستفهم أنه ليس على ما يرام، تنفس بعمق وقرر أن يخرج نفسه نهائياً من هذا الوضع، قرر أن يتحدث إليها، الحديث الدافئ حتى لو كان على صفحة رسالة، قد تصل بعد خروجه، كفيل بذلك. استأنف الكتابة.

"استيقظت هذا الصباح كسولاً يسيطر عليّ الملل، وقعت أسير سرحان أخذني بعيداً وكان تأثيره سيئاً عليّ إذ جاء على خلفية هذه البداية، حاولت أن أشغل نفسي بشيء، قرأت صفحات قليلة من رواية ثم تركتها، سيطر عليّ الملل، رزحت تحت ثقل الروتين، أشعر بحاجة للتغيير، بحاجة لشيء يشدني من هذه الحالة، لست ضد السرحان، ولكن حين يأتي على خلفية مثل هذه فإنه يكون متعباً، أما حين يأتي على خلفية الأمل والتفاؤل فإنه يكون فواراً بالألوان الزاهية، يكون منعشاً مثل كأس عصير الليمون الذي تصنعينه لي واستمتع به حين أعود إلى البيت من يوم عمل طويل ومتعب، أشربه وأسترخي، الله، الله على ذلك الكأس كم أشتاق إليه".

شعر أن الحديث عن عصير الليمون البارد وعن العودة إلى البيت بعد العمل قد وسّع بابه المنشود للخروج من وضعه. اندمج أكثر ولاحظ أن عباراته صارت أرشق وأكثر حيوية. استقبل نسمة جاءت من طرف الخيمة الشمالي المرفوع حتى المنتصف، استقبلها بترحاب. توقف قليلاً عن الكتابة، وقرر أن يتصفح الصور والرسائل التي تجمعت لديه منذ أن أصبح وصول الرسائل التي تحتوي الصور ممكناً، بعد فترة طويلة من الحرمان من هذه النعمة. أخرج الصور وألقى على الوجوه التي يشتاق للقائها تحية الصباح، تواصل مع الصور، تواصل معها ومع الأطفال. قرأ للمرة التي لا يعرف تعدادها مقاطع من الرسائل، وعاد ليكتب.

"المهم، قلت لنفسي أن أفضل السبل لمحاربة هذا الملل وقهره هو أن أصبّح عليكم، أخرجت الصور، وصبّحت عليكم، صبّحت عليك وأنت تظهرين في الصور وكأنك لا تقصدين الظهور، وكأن الصور للأولاد ولا تعنيك، يجب أن تستعدي للصورة، تعلمي من هذه البنت الماهرة التي تعرف كيف تستعد للصورة عند الأزهار وعند النافورة، بنتنا ستصبح فنانة، أما الصغير فصوره رائعة، وأروعها صورته مع تلك الضحكة المشرقة وصورته وهو يصفق بيديه وقدميه. فعلت الصور فعلها، وقرأت بعض الرسائل ففعلت هي الأخرى فعلها. اللقاء معكم في الصور والرسائل ومن خلال كتابة هذه الرسالة بدّد الملل، بدأت أشعر بذلك، كأنني شربت من يدك عصير الليمون الطازج المميز. الشباب في الخيمة يقتلون الملل بلعب طاولة الزهر أو الدومينو، بالنسبة لي القراءة أفضل الطرق لكن ليس لديّ ما أقرأه الآن. أشعر بأنني بحاجة إلى الجلوس مع الشباب والمشاركة في النقاش الدائر. أنا الآن أفضل. سأعود للكتابة، ما زال في الرسالة الكثير من الحيز. وما زال لدي الكثير لأكتبه، قد يتطور الأمر إلى قصيدة جديدة. إلى اللقاء مع قبلاتي، قبّلي الأطفال عني".

طوى الرسالة بحرص ووضعها في الكتاب، اتجه نحو حلقة النقاش في الجهة الجنوبية من الخيمة واقترح عليهم الانضمام إلى مجموعة الجهة الشمالية "يكفي نقاشاً، خلونا نضحك وننبسط".

 

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا