الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

*صبحي حديدي باحث وكاتب سوري مقيم في فرنسا يكتب في جريدة ( القدس العربي)

 

مقالات سابقة

آل مبارك بعد رفعت الأسد:

القضاء الأوروبي والمعضلة الكافكاوية

صبحي حديدي

 

قد تكون الفوارق عديدة، في الكمّ كما في النوع، بين نجاح مجرم حرب مثل رفعت الأسد في مغادرة الأراضي الفرنسية وكأنه سائح طيب بريء نظيف اليد، رغم مساءلات قضائية جدّية وملموسة كانت تفترض التحفظ عليه ومنعه من السفر؛ وبين نجاح تماسيح فساد وأبناء استبداد مثل جمال وعلاء مبارك، في تبرئة ساحتهما من كلّ سوء أمام القضاء الأوروبي، مؤخراً. والأرجح أنّ القواسم المشتركة بين الملفين ليست أية نظرية مؤامرة حول فساد القضاء في الحالتين، أو تواطؤ القضاة مع أجهزة سياسية وأمنية عليا في فرنسا أو سويسرا أو الاتحاد الأوروبي؛ فالمنطق، وحيثيات وقائع مختلفة مترامية الأطراف والمحتويات، تحثّ على استبعاد فرضيات كهذه، من دون أن تنفيها قطعياً غنيّ عن القول.
وقد يتوفر قاضٍ فرنسي يساجل (بعد أن يشترط إغفال اسمه، بالطبع) أنّ الأسد كان بالفعل قيد المحاكمة في قضايا عديدة، لكنّ أياً منها لم يقترن بإجراء قانوني يمنعه من مغادرة فرنسا، أو يصادر جواز سفره مثلاً (والنكتة، هنا، أن يحمل جواز سفر واحداً يتيماً، وهو شقيق حافظ الأسد وعمّ بشار الأسد والقائد السابق لوحدات «سرايا الدفاع» الأشدّ بطشاً، وأحد أكثر مرتكبي مجزرة حماة 1982 دموية وهمجية وتعطشاً للدماء). وليس مستبعداً أن يتوفر قاضٍ سويسري يتذرّع بأنّ ما امتلكه المدعي العام الفدرالي السويسري من وثائق وأدلة لم تكن تكفي لإدانة سوزان وجمال وعلاء مبارك؛ وليس مبدأ استغلال النفوذ، الصريح الواضح المتوفر لدى أسرة حسني مبارك، وثيقة في ذاتها لأنّ أيّ حكم قضائي استناداً إليها لن يصمد أمام أبسط طعن أو استئناف.
كلا القاضيَيْن هلى حقّ بالمعنى القانوني، يتوجب القول، وليس لقاضٍ أوروبي أن يحكم اعتماداً على ضمير تلقائي يدفعه إلى اليقين بأنّ أمثال رفعت وجمال وعلاء يستحقون الإدانة؛ وليس له، على قدم المساواة، أن يستنبط أو يبتكر أو حتى يخترع أيّ عدد من الوثائق والأدلة التي قد تساعده في تحكيم ذلك الضمير والنطق بالإدانة. وهذه بامتياز حال كافكاوية، نسبة إلى فرانز كافكا وعمله الشهير «المحاكمة» حيث دهاليز المحاكم وأقواسها ليست أقلّ من متاهات عويصة، تخصّ المصير والوجود قبل القوانين والحدود. وما خلا تلك السراديب الكافكاوية، ما الذي حال دون صدور قرار من القضاء الفرنسي يمنع الأسد من السفر، أو حجب عن المدعي العام السويسري الحقّ في إلزام الحكومة المصرية بتوفير أيّ وكلّ وثيقة يحتاجها القاضي لإدانة آل مبارك؟
وفي تنزيه القضاء الفرنسي من التواطؤ أو الخضوع لسلطات سياسية أو أمنية، يُشار إلى أنّ المحكمة أخذت بما كان قد أوصى به ممثلو الادعاء العام بحقّ الأسد، في الاتهامات بغسل الأموال المنظم والاحتيال الضريبي والكسب غير المشروع واختلاس أموال الدولة السورية وبناء إمبراطورية عقارية في فرنسا قيمتها نحو 90 مليون يورو، فحُكم عليه بالسجن أربع سنوات، وسداد غرامة بقيمة 10 ملايين يورو. في المقابل، ليس أقلّ نزاهة الافتراض بأنّ القضاة الذين أصدروا الحكم كانوا على جهل، في كثير أو قليل، بما توفّر لعموم المواطنين الفرنسيين من معلومات متاحة علانية، وردت في كتب ومذكرات منشورة.
نعرف، كما القضاة عرفوا، أنّ 36 سنة من إقامة الأسد في كنف القوانين والأنظمة الأوروبية، بين سويسرا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا ولوكسمبورغ، بدأت من علاقة وطيدة مع الأجهزة الأمنية في فرنسا بصفة خاصة، وهذه باشرت التنسيق معه منذ الأيام الأولى التي أعقبت وصوله إلى سويسرا، حين زاره في جنيف فرنسوا دوغروسوفر «رجل الظلّ» والمهمات الخاصة في قصر الإليزيه، موفداً خاصاً من الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتيران، حاملاً دعوة للانتقال إلى فرنسا والإقامة فيها. المحطة التالية كانت تقليده وسام الشرف برتبة فارس (بسبب «تقديم خدمات إلى الأمّة»!) على نقيض من يقين الاستخبارات الفرنسية بأنه كان على صلة بقرار اغتيال السفير الفرنسي في بيروت لوي دولامار، خريف 1981.

المؤسسة العسكرية التي تحكم مصر منذ سنة 1952 يمكن أن تقدّم مشيراً ما، قابعاً اليوم في الظلّ، ينتظر ساعة الانقضاض. وليس مستبعداً أن يكون آل مبارك على مبعدة منظورة من هذه النقلة، إذا لم يكونوا في قلبها، وبعض صنّاعها

فهل كانت تلك الملابسات، إذا جازت تسميتها هكذا، كافية للامتناع عن إصدار قرار قضائي بالتحفظ عليه ومنعه من مغادرة الأراضي الفرنسية؟ بالمعنى الكافكاوي يمكن للإجابة أن تعتمد هذا الاعتبار، ويمكن لها ألا تعتمد أيّ اعتبار؛ إذْ الأصل في المعادلة أنّ الأسد غادر مثل أيّ زائر سائح نظيف اليد بريء الساحة.
عالية التماثل، أياً كانت الاختلافات والتمايزات، ظلت علاقات آل مبارك الاقتصادية والمالية والاستثمارية والمصرفية مع أوروبا والولايات المتحدة وجُزُر الأمان الضريبي هنا وهناك في العالم؛ لأنها إنما تبدأ من موقع الأب حسني مبارك في رئاسة مصر، بما تعنيه عربياً وإسرائيلياً وإقليمياً ودولياً، وتمرّ استطراداً بما كانت الديمقراطيات الغربية، وما تزال، تفرده للطغاة وساسة الاستبداد والفساد، تحت مسمى «الحفاظ على الاستقرار»؛ وليس لها أن تنتهي عند المغانم التي تكسبها جراء هذه «الصداقة» مصارفُ وصناعات سلاح واستثمارات ذات عيار ثقيل في أوروبا. فهل من عرق جبين جمال وعلاء أنهما يستردان اليوم مبلغ 400 مليون فرنك سويسري (429 مليون دولار) كان الادعاء العام السويسري قد جمدها؟
وهذه، وسواها، عناصر تتكئ أصلاً على حقيقة أنّ انقلاب عبد الفتاح السيسي ليس معادياً لآل مبارك، ولا للفساد والاستبداد استطراداً؛ ولهذا فالمحاكمة الوحيدة التي خسرها آل مبارك كانت قضية القصور الرئاسية، وتلك تمت في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي. ولم يكن عسيراً على أجهزة السيسي، لو شاءت إلحاق الأذى بآل مبارك، أن ترسل إلى القضاء السويسري والمحكمة العامة الأوروبية ملفات شركة «العاشر من رمضان للإنشاءات» التي كان جهاز الكسب غير المشروع المصري يحقق فيها، ويسندها بلاغ رسمي من النائب العام وتقرير من الجهاز المركزي للمحاسبات. صحيح أنّ القضاء المصري نظر في الملف، غير أنّ إحالته إلى قضاء أوروبي كان من المتوقع أن يتخذ وجهة أخرى أكثر جدّية ورصانة.
وإذا كان مستقبل رفعت الأسد في سوريا لا ينذر بالكثير، ما خلا المزيد من الاستثمارات في أعمال المافيا ذاتها التي كدّست ثرواته داخل سوريا وخارجها؛ فإنّ مستقبل جمال مبارك في حياة مصر لا يبدو بالضآلة ذاتها، خاصة بعد استقباله من رئيس الإمارات محمد بن زايد تحت ذريعة تقديم العزاء. وقد يؤخذ في الاعتبار أيضاً واقع النوستالجيا إلى عهد مبارك لدى بعض أبناء مصر، سواء على سبيل التذمر من نظام السيسي أو ضمن انحياز بعض شرائح الطبقة الوسطى إلى منظومة سالفة اختلطت فيها برامج جمال عبد الناصر وأنور السادات ومبارك نفسه. وكما خال بعض المصريين أنّ السيسي هو المهرب من الإخوان المسلمين، قد يقع أولئك أنفسهم، ومعهم فئات جديدة، في الاستيهام ذاته: الفرار من السيسي بالرجوع إلى آل مبارك!
ولأنّ المؤسسة العسكرية هي التي تحكم مصر منذ سنة 1952، ولم تُكسر هذه القاعدة جوهرياً حتى خلال الفترة القصيرة التي شهدت رئاسة محمد مرسي؛ فإنّها، مثلما قدّمت محمد نجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك ومحمد حسين طنطاوي والسيسي، يمكن أن تقدّم مشيراً ما، قابعاً اليوم في الظلّ، ينتظر ساعة الانقضاض عبر انقلاب يسوق الذرائع ذاتها التي اعتُمدت، أو تمّ تلفيق بعضها، خلال مليونيات تموز (يوليو) 2013. وليس مستبعداً أن يكون آل مبارك على مبعدة منظورة من هذه النقلة، إذا لم يكونوا في قلبها، وبعض صنّاعها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

الأسد في طهران: مأساة

الشنكليش وملهاة المعكرونة

صبحي حديدي

 

توجّب الاستماع إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده سعيد خطيب زادة، الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، وقراءة تقرير صحيفة Tehran Times بالإنكليزية؛ كي تُتاح للمرء فرصة أفضل للوقوف على تصريحات رئيس النظام السوري بشار الأسد خلال لقائه مع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي؛ ضمن برنامج الزيارة الأخيرة الخاطفة، غير المعلن عنها مسبقاً، التي قام بها الأسد إلى طهران مؤخراً. بين «الدرّ الثمين» الذي نطق به الأخير هذا المثال الأوّل: «مقاومة إيران وموقفها الثابت على امتداد العقود الأربعة الأخيرة في المسائل الإقليمية، وخاصة مسألة فلسطين، أظهرت لشعوب المنطقة قاطبة أن الدرب الذي سلكته إيران هو الدرب الصحيح المستند إلى المبادئ». «درّة» ثانية سارت هكذا: «يعتقد بعض الناس أنّ دعم إيران لجبهة المقاومة يعني الدعم بالسلاح. لكنّ المساندة والمساعدة الأشدّ أهمية هي نفخ روح المقاومة في المنطقة ومواصلة القيام بهذا». وأمّا النموذج الثالث، التالي، فلعلّه صاحب السبق في الضلال والتضليل وإضافة الإهانة إلى جراح الملايين من أبناء سوريا وفلسطين وإيران في آن معاً: «الدمار الذي أحدثته الحرب يمكن إعادة بنائه، ولكن لو دُمّرت الأسس والمبادئ فهذه لا يمكن إعادة بنائها. ومقاومة الأمّة الإيرانية على أساس الركائز والمبادئ التي أقامها الإمام الخميني، وتواصلت مع جهود سيادتكم، تعبّد الطريق إلى انتصارات الأمّة الإيرانية وشعوب المنطقة، خاصة الشعب الفلسطيني».
المرشد الأعلى، من جانبه، لم يفوّت الفرصة لممارسة الطراز الخاصّ به من تنافخ لا يتوسل سوى التضليل، فأثنى على الدور الشخصي الذي لعبه الأسد لضمان «انتصار سوريا في الحرب الدولية» التي شُنّت عليها؛ بحيث بات «رئيس البلد وشعب سوريا محطّ تشريف حقيقي في أنظار أمم المنطقة». وإذْ غمز من قناة «رؤساء بعض البلدان المجاورة الذين يتلقون مع قادة النظام الصهيوني ويحتسون القهوة معهم» تناسى خامنئي أنّ الأسد الجالس إلى يساره احتسى القهوة مع أحد هؤلاء، محمد بن زايد، قبل أسابيع معدودات فقط؛ ولا يغيّر من الحال أنّ الفناجين الإماراتية قُدّمت في مرآب، وليس في قصر منيف. وضمن إطراء «الشهيد» قاسم سليماني، حرص خامنئي على ربط سلال النفوذ الإيراني، وحروب طهران الأسبق والأوسع في المنطقة، فاستذكر أنّ «حماس الشهيد في سوريا لم يختلف عن نهجه خلال ثماني سنوات من دفاع إيران المقدس» في إشارة إلى الحرب العراقية -الإيرانية.
وخلال المؤتمر الصحافي المشار إليه أعلاه، لم يُطرح على خطيب زادة أيّ سؤال يخصّ الـ«معكرونة غيت» أو الفضيحة التي باتت تُنسب إلى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، على خلفية الارتفاع الخرافي في أسعار الأكلة الشعبية الإيرانية، والارتفاع المماثل في أسعار الخبز؛ بتأثير أوّل مباشر هو خفض الدعم الحكومي عن الدقيق المستورد، الذي لا علاقة له بما تشيعه السلطة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد الغزو الروسي في أوكرانيا. انتقاد سياسات رئيسي في هذا الملف جاء من جهات متعددة الأغراض والمواقع، كما في رأي عبد الناصر همتي الرئيس السابق للبنك المركزي ومنافس رئيسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، الذي اعتبر أن خطط الرئيس لن تخفف أي عبء عن ذوي الدخل المحدود؛ أو الانتقاد، اللافت تماماً، الذي خرج به قائد وحدة الفضاء الإلكتروني لمنظمة الباسيج الاستخباراتية (مالكة الاسم الرسمي»قوّات تعبئة الفقراء والمستضعفين») الذي اتهم رئيسي بالانشغال عن قضايا الشعب والتفرّغ لتفكيك شبكات التهريب التابعة للرئيس السابق حسن روحاني!

خامنئي لم يفاتح ضيفه/ تابعه الأسد حول الـ«معكرونة غيت» مثلاً بعد أن حدّثه عن قهوة الصهاينة، لا لشيء إلا لأنّ الأسد آت وهو محمّل بمئات الفضائح الغذائية والمعاشية التي تطحن حياة السوريين اليومية

والصلات الوثيقة بين مشكلات الشعب الإيراني المعيشية وسياسة التدخل الإيراني المباشر في سوريا، بما تنطوي عليه من تبعات اقتصادية في المقام الأوّل؛ ليست البتة جديدة، وهي تحتلّ مكانة الصدارة في أحاديث الإيرانيين اليومية، لأنها في الآن ذاته تحظى بموقع متقدّم في برامج الساسة قبل آيات الله. والأمر يمكن أن يبدأ من القلق على مصير النظام السوري، ويمرّ إلى ضرورات مساندة «حزب الله» المتورط في قتال مباشر مع نظام الأسد، ولا ينتهي عند مباركة الحملات المحمومة والهستيرية الداعية إلى تطويع الإيرانيين للذهاب إلى سوريا والدفاع عن المقامات الشيعية هناك. وأياً كان المبتدأ والمنتهى، فإنّ عناصر مثل رغيف الخبز اليومي الإيراني، على شاكلة ربطة المعكرونة هذه الأيام، يصعب أن تغيب عن هذا المشهد من جهة أولى؛ ويندر، من جهة ثانية، أنها لا تخلّف عواقب حساسة وجسيمة وبعيدة الأثر.
وليست بعيدة في الزمن مواقف الرئيس الأسبق الإصلاحي محمد خاتمي في التحذير من «تشويه أفكار الإمام الخميني» واتهام السلطات الايرانية بـ«تصدير» العنف الى بلدان أخرى (في غمز من مفهوم «تصدير الثورة» الشهير)؛ وكذلك اقتراح تأويل مضادّ للمعنى الذي قصده الإمام الخميني من المصطلح: «هل نحمل السلاح ونتسبب بانفجارات في بلدان أخرى؟ هل نشكّل مجموعات للقيام بعمليات تخريب في بلدان أخرى؟ الإمام كان يعارض بشدّة أعمال الإرهاب ويدعو في المقابل إلى نموذج يقوم على وضع اقتصادي جيد، واحترام البشر، ومجتمع يتجه الى الرخاء وتحسين ظروف الجميع». يومذاك كانت ردود الفعل الرسمية، أو شبه الرسمية، قد بلغت شأو الدعوة إلى «محاسبة» خاتمي على تصريحاته «غير الوطنية» التي «لا ينجم عنها سوى تلطيخ سمعة الجمهورية الإسلامية وتأكيد اتهامات لا أساس لها يطلقها الاستكبار العالمي» كما قالت صحيفة «كيهان» الناطقة باسم المرشد الأعلى.
وذات يوم غير بعيد بدوره اشتدّ التأزّم بين الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وعدد من كبار البرلمانيين المحافظين، على خلفية سياساته الاقتصادية، وازدياد معدّلات التضخم، وانخفاض قيمة الريال الإيراني؛ فانقلب إلى تجاذبات عقائدية تمسّ بعض أقدس مبادئ الفقه الشيعي، فوضعت نجاد في مواجهة مع بعض آيات الله وحجج الإسلام، حول أقواله بأنّ «يد الله سوف تظهر وترفع الظلم عن العالم» وأنّ «أعداء إيران يعلمون أنّ عودة المهدي الغائب حتمية». يومها اعتبر حجّة الإسلام علي أصغري أنّ «من الأفضل لأحمدي نجاد الاهتمام بمشاكل المجتمع مثل التضخم»؛ وتهكم حجة الإسلام غلام رضا مصباحي هكذا» «إذا كان نجاد يريد أن يقول إنّ الإمام الغائب يدعم قرارات الحكومة (…) فمن المؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلاء المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء» التي ترتكبها الحكومة!
إيران اليوم أسوأ من إيران البارحة على هذه الأصعدة المعاشية اليومية، ولم يكن منتظراً من خامنئي أن يفاتح ضيفه/ تابعه الأسد حول الـ»معكرونة غيت» مثلاً بعد أن حدّثه عن قهوة الصهاينة؛ لا لشيء إلا لأنّ الأسد آت وهو محمّل بمئات الفضائح الغذائية والمعاشية التي تطحن حياة السوريين اليومية، وقد تندرج في تسميات مثل الـ» البطاقة الذكية غيت» أو الـ»سكّر غيت» أو الـ»أوكتان غيت» أو… «الشنكليش غيت».
وللقارئ الذي لم يسمع به بعد، مضى زمن انطبقت خلاله على أقراص الشنكليش صفة «طعام الفقراء» قبل أن يصبح امتياز «الأكابر»؛ لأنّ سعر الكيلوغرام الواحد كان، في سنة 2010 فقط، لا يتجاوز 350 ليرة سورية، وهو اليوم لا يقلّ عن 11 ألف، وثمة مَن يروّج لأصناف فاخرة منه بقيمة 18 ألف ليرة.
هذا محض نموذج واحد على الوضعية «المشرّفة» للبلد، كما تفاخر بها خامنئي أثناء استقبال الأسد؛ ومع الاعتذار من عنوان قصيدة محمود درويش الشهيرة، فإنّ حال المضيف ومضيفه أقرب إلى تشخيص مأساة الشنكليش وملهاة المعكرونة؛ وما كذّبوا تكذيبا!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

مجزرة

«التضامن» والمثقف العطّار

صبحي حديدي

 

كشفت الانتفاضة السورية، آذار (مارس) 2011، الكثير من سوءات المثقف السوري؛ أي سلسلة الأفعال والأقوال التي تندرج في أبواب الخيانة والانتهاز والتضليل والتواطؤ والتستر والعمالة، وغيرها كثير متعدد متشعب. وإذْ تبدأ هذه السطور من صاحب العلاقة، النموذج السوري، فلأنّ الإنصاف يقتضي الابتداء من أهل البيت أنفسهم، وليس البتة على أساس المبدأ القائل بأنّ أهل مكة أدرى بشعابها، لأنّ «الشعاب» هنا أشدّ جلاءً وبروزاً ورسوخاً من أن تخطئها أيّ عين غير متعامية. والتشوّهات، كي تستقرّ هذه السطور على توصيف الحدّ الأدنى، لحقت بالمثقف السوري على خلفية الانتفاضة، لكنها تواصلت وتكاثرت وتعاظمت؛ كلما اتضح جانب مشرق أو مظلم في سيرورة تلك الانتفاضة، وكلما اختلطت مأساة بمهزلة (في صفّ مدّعي تمثيل «المعارضة»، تحديداً)، وكلما اتضح جانب مضيء وصانع أمل في حياة السوريين أو افتُضحت مجزرة وجريمة حرب…

«شطارة» التخفي اثناء الاصطفاف المكين على هامش قطبَيْ العزلة والانحياز، بدل انتزاع موقف نقدي وسيط بينهما، جدير بالمثقف الذي لا يليق به أن يكون واحداً من اثنين: صانع إجماع كاذب، أو بائع كليشيهات وحقائق مسبقة الصنع، حسب تعبير ادوارد سعيد

شاعر سوري (واجتناب الأسماء، هنا، ليس له من دافع آخر سوى التشديد على النموذج التمثيلي النمطي وليس الشخص الفرد المنفرد)، تباكى على الحرية والعذاب الإنساني والشقاء اليسوعي طوال سنوات وسنوات، ومجموعة شعرية إثر أخرى؛ لكنه أعلن اللجوء إلى مسدس كلما ذُكر له مثقف منحاز للانتفاضة، ونعى الديمقراطية بعد أن أشبعها قدحاً وذمّاً. القلّة التي لم يفاجئها موقفه هذا تذكرت أنه امتدح وجود النظام السوري العسكري في لبنان، واعتبر خروجه/ إخراجه بمثابة مهانة للكرامة الوطنية السورية؛ كما استذكرت أنه امتدح التدخّل العسكري الروسي لصالح النظام، بل أطرى شخص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحثّه على اعتماد قاعدة «إضربْ، لا ترحم أعداءك». القلّة إياها وجدت ما يشفع لغياب الدهشة إزاء مواقف كهذه أنّ الشاعر ذاته توجّه بالمناشدة التالية للجيش الروسي في أوكرانيا: إذا كان الإمبرياليون يتهمونكم بارتكاب المجازر، فخير لكم أن… ترتكبوا المزيد منها!
مأساوي، في جانب آخر من المشهد البائس، أن تلك التشوهات انقلبت إلى ما يشبه قواسم مشتركة تجمع شرائح واسعة من مثقفي العرب؛ من المحيط الهادر حتى الخليج الثائر، طبقاً للشعار الشهير الذي ساد خلال خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، ثمّ باد كما يليق به وبطراز العقوبة التي ينزلها التاريخ بنماذجه. وقد يحزن المرء إزاء «ممانع» من لبنان، أو «عمّالي» من تونس، أو «نسوية» من الأردن، أو «ناصري» من مصر، أو «بوتفليقيّ» من الجزائر… يقف في صفّ النظام السوري؛ متعامياً عن كلّ مجزرة بدم بارد أو ببرميل متفجر أو بقذيفة كيميائية، بذريعة أنّ النظام «ممانع» و»مقاوم» و»أنتي إمبرالية». لكنّ الحزن إياه ينقلب إلى خيبة أمل وإحباط وفجيعة حين ينخرط في صفّ النظام هذا النموذج «اليساري» أو ذاك «الإسلامي» من أبناء فلسطين، تحت الذريعة ذاتها؛ التي تتجاسر على وقاحة نسيان جرائم آل الأسد في تل الزعتر ومخيم اليرموك.
شاعر فلسطيني (إذْ من اللافت أنهم، غالباً، شعراء!)، طليعي يكتب قصيدة النثر ولا يعجبه عجب، أقام الدنيا ولم يقعدها (محقاً، بالطبع، فهذا أمر آخر) لأنّ أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية اعتقلته بضع ساعات من داخل اعتصام في إحدى ساحات رام الله؛ يساري المحتد، لكنه اليوم مفتون بشخصية يحيى السنوار البطولية، مبتدئاً من مستوى خطابات الأخير التي ترعب دولة الاحتلال. لا يلوح أنّ الشاعر إياه قد سمع بمجزرة حي التضامن، أو بلغه واحد على الأقل من تفاصيلها الرهيبة يفيد بوجود فلسطينيين من مخيم اليرموك ضمن الضحايا؛ بحيث يبدي الأسف مثلاً، وليس الاستنكار أو الإدانة، لأنّ النظام «المقاوِم» الذي يشبّح له منذ 11 سنة ارتكب تلك الجريمة الوحشية البربرية النكراء.
شاعرنا السوري وشاعرنا الفلسطيني، وأشباههما في طول العالم العربي وعرضه، هما أوضح النماذج على حال قديمة، لكنها دائبة التجدد والتحديث، تختصر التنازل الطوعي (الانتهازي بالضرورة) عن واجب التمثيل بوصفه أحد أبرز مسؤوليات المثقف؛ والتحلل من عبء الالتزام بصوت مميز، يسهل ضبطه متلبساً بهذه «الجناية» الفكرية – السياسية أو تلك؛ وتسطيح الموقف بوسيلة تفتيته الى عشرات «الاجتهادات»، المشروطة بخضوعها جميعاً للدرجة صفر من التجانس الفكري والوضوح الأخلاقي. كلا الشاعرَين «عطّار» لا يبيع سوى أرباع الحقائق في هذه الضيعة – المنبر، وأنصاف الحقائق في تلك البلدة – المؤسسة؛ ولكنها في النموذجين ليست الأرباع والأنصاف المرشحة لتأسيس حقيقة واحدة من جهة، أو لتعريض العطار إلى أي مساءلة في حلّه وترحاله بين القرى والبلدات من جهة ثانية.
الحال ذاتها تفرّخ نسقاً من تمويه العطارة بحيث تبدو الخيانة مظهراً مشرّفاً للتغريد خارج السرب والانشقاق والرفض والاحتجاج؛ خاصة وأنّ الخيانة هنا ليست من طراز «شبه قسري» اعتبر ميشيل فوكو أنّ المثقف يمارسه وهو يرابط وسط شبكة معقدة من السلطات والأنظمة والقوى. إنها، في مثال شاعريَنا بصفة خاصة، «شطارة» التخفي اثناء الاصطفاف المكين على هامش قطبَيْ العزلة والانحياز، بدل انتزاع موقف نقدي وسيط بينهما، جدير بالمثقف الذي لا يليق به أن يكون واحداً من اثنين: صانع إجماع كاذب، أو بائع كليشيهات وحقائق مسبقة الصنع، حسب تعبير ادوارد سعيد.
وليس عجيباً أنّ العطّار، لغةً، ليس بائع العطر فقط، بل كذلك حوّاج التوابل، والتاجر المتاجر في كلّ ما هبّ ودبّ!

 

 

 

الحرب الباردة:

من برقية X إلى طائرة  )يوم القيامة(

صبحي حديدي

 

علائم أواخر الثمانينيات ومطالع التسعينيات من القرن المنصرم كانت تؤكد طيّ صفحة الحرب الباردة بين المعسكرين «الرأسمالي» و»الاشتراكي»، ولا تُستخدم أهلّة الاقتباس لحضر المفردتين السالفتين إلا لأنّ معدّلات النسبية، أو حتى انعدام التناسب المنطقي، كانت وتظلّ قرينة التوصيفات المختلفة لكلّ ما هو رأسمالي أو اشتراكي. غير أنّ حقبة «النظام الدولي الجديد» التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، تصادت سريعاً مع نظرية مواطنه الأمريكي فرنسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ».
على الخرائط وفي الوقائع الفعلية يشير ميل غرتوف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بورتلاند ورئيس تحرير فصلية «المنظور الآسيوي»، إلى هذه السلسلة، على سبيل الأمثلة الأبرز ليس أكثر: توحيد ألمانيا، انهيار الاتحاد السوفييتي، التنسيبات الجديدة إلى الحلف الأطلسي، ربيع الديمقراطية في بولندا وهنغاريا، استقلال أوكرانيا، إزالة الأسلحة النووية من أوروبا الشرقية (بما في ذلك أوكرانيا، للتذكير المفيد!)، اعتناق البيريسترويكا والغلاسنسوت في روسيا، إدخال العولمة إلى أجزاء واسعة من «المعسكر الاشتراكي» المتفكك مع ضمّ بعضها إلى الاتحاد الأوروبي… ألم تكن هذه، وسواها الكثير، لائحة كافية لتشييع مواضعات الحرب الباردة إلى سلال مهملات التاريخ؟
ليس تماماً، أو ليس بعد، أو الأحرى القول أيضاً: حتى إشعار آخر يطول أو يقصر؛ إذْ أنّ واقعة واحدة، فاصلة وفارقة مع ذلك، مثل الاجتياح الروسي في أوكرانيا، بدت كافية لتذكير الغافلين بأنّ تلك الحرب الباردة (التي لم تقع أصلاً، للتذكير الأكثر فائدة!) لا تعود من جديد بين موسكو وكلّ من واشنطن والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي على الأرض الأوكرانية، فحسب؛ بل الأرجح، والجليّ يوماً بعد يوم، أنها لم تنتهِ أصلاً كي يُقال إنها تُستأنف من جديد. وبعض ما يسعى إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من بناء قطب «شرقي» خاضع لهيمنة موسكو، مقابل قطب «غربي» تقوده واشنطن وأوروبا الأطلسية؛ لا تتردد أصداؤه في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم وجورجيا وروسيا البيضاء وبلاد الشيشان (أو حتى لدى تابع قزم مثل نظام بشار الأسد، أو عمليات ميليشيات «فاغنر» هنا وهناك في أفريقيا والشرق الأوسط)، فقط؛ بل يتوجب أيضاً تعقُّب طراز آخر من أصدائه في ابتداء تفكيك «الحياد» التاريخي الذي اتسمت به فنلندا والدانمرك والسويد، مثلاً.

لا نتذكّر ما تردد من خرافات حول طيّ الحرب الباردة، بقدر ما نستفيق مجدداً على استقطابات متخمة بمزاعم التكنولوجيا والعلم والليبرالية والاقتصاد الحرّ، لكنها أيضاً مختنقة بمشاهد الحروب والمجازر والأهوال والفظائع

وكلّ هذا إذا أجاز المراقب لنفسه أن يضرب صفحاً عن صعود الصين كعملاق منشطر الجسد بين أقصى الرأسمالية من حيث المحتوى وأدنى الاشتراكية من حيث الشكل، مقابل انحطاط النظام السياسي في روسيا إلى مستويات أوتوقراطية وأوليغارشية قصوى، وصعود الإسلام السياسي وتفرّعه إلى طوائف ومذاهب وتيارات حاكمة متسلطة تارة أو جهادية متشددة وإرهابية تارة أخرى. أو، أيضاً، إذا شاء المراقب إياه، أو حتى إذا استسهل، وضع انتفاضات العالم العربي جانباً، وإهمال تبعاتها المختلفة التي لا تبدأ من السياسة والاقتصاد ولا تنتهي عند الاجتماع والثقافة وتكريس تعاقدات القوى العظمى السابقة مع أنظمة الاستبداد وقد ارتدت لبوس الثورات المضادة. ولا يصحّ، هنا، أن تُنسى الأدوار التي يمكن أن تلعبها قوى آسيوية وازنة مثل الهند والباكستان وماليزيا وسنغافورة وأندونيسيا في إعادة ترتيب الانحيازات القديمة والاصطفافات الجيو -سياسية والجيو – اقتصادية المتجددة أو المستحدثة؛ على خلفية كبرى بالغة الحساسية هي إطلالة الصين على عواقب، لكن أيضاً: على مغانم ومكاسب ومزايا؛ استئناف حرب باردة لم تضع أوزارها، لأنها لم تنشب أصلاً.
ذلك لأنّ الحرب الباردة هي في المقام الأوّل «حرب المخيّلة» حسب تعبير ماري كالدور، الباحثة البريطانية المرموقة المختصة بالعلاقات الدولية وسياسات التسلّح؛ لأنّ فريقَي تلك الحرب، التي ظلّت افتراضية كما هو معروف، لم يكونا بصدد التحضير لمواجهة عسكرية فعلية تردع الطرف الخصم؛ واكتفيا بالترويج لها على نطاق المخيّلة، وعن طريق تضخيم الإحساس بأنها استمرار للحرب العالمية الثانية التي لم تنتهِ بعد، حتى إذا كانت قد وضعت أوزارها. ولهذا فإنّ عشرات المفردات، المستلّة من قاموس تلك الحرب الباردة المتخيَّلة، ما فتئت تجري على ألسنة وأقلام ساسة وكتّاب كثر، في الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً؛ وليس بالضرورة لأنهم من رعيل المحافظين الجدد. الاجتياح الروسي الراهن في أوكرانيا يحدّث معجمها في مستوى الخطاب، لكنه أيضاً يحرّك سعارها القديم إلى السلاح والتسلّح، فيستخدم الجيش الروسي الأسلحة الـ231 الجديدة التي جرّبها ضدّ الشعب السوري منذ خريف 2015؛ ولا يتردد بوتين في إصدار الامر بتحليق «الكرملين الطائر»، أو طائرة «يوم القيامة»، أو الـ»إليوشن إيل -96-400 إم» في سماء موسكو.
واستطراداً، حول تلك الحرب ومواضعاتها، تُستعاد تلك «البرقية الطويلة» التي أرسلها إلى واشنطن، شباط (فبراير) 1946، جورج كينان القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية في موسكو؛ والتي ستدخل التاريخ بوصفها التبشير الإيديولوجي الأوّل بحرب باردة سوف «تنشب»، في ميادين المخيّلة دائماً، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. بعد البرقية، سوف يكتب كينان المقال الشهير في مجلة «فوريين أفيرز»، بتوقيع
X، فيستحق عليه لقب «نبيّ الحرب الباردة» بلا منازع. وفي البرقية، كما في المقال، ساجل كينان بأنّ الولايات المتحدة لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي إزاء ما سيجرّه خراب أوروبا الاقتصادي من خراب إيديولوجي؛ وهذا سوف يكون في صالح الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، وسيقلب الانتصارات العسكرية الأمريكية إلى هزائم عقائدية للقِيَم الرأسمالية.
لكن المحتوى البراغماتي لم يكن يدور حول ملء البطون الجائعة، بقدر ما كان يستعجل تطويق الانهيار الوشيك في أوروبا، والسيطرة على تعطش الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين إلى ملء فراغ القوّة هنا وهناك، واستخدام سلاح المعدة الخاوية لضبط الأرواح الهائمة والعقول التي تفسّر الخراب. وكان كينان يريد للولايات المتحدة أن تتولى زمام «العالم الحر»، وتقبض بالتالي على أعنّة العالم بأسره خارج الملكوت الشيوعي؛ عن طريق استخدام كيس الطحين، الذي سوف يكمل العمل الذي قامت به الدبابة والقاذفة أثناء سنوات الحرب وتحرير أوروبا. ذلك التنظير تلاقى مع انعطافة نوعية في السياسة الخارجية الأمريكية، مثّلتها «عقيدة ترومان»؛ مثلما تقاطع، إيجابياً، مع التطبيق العسكري الأوّل لتلك الانعطافة (التدخل في اليونان وتركيا).
وحين انهار جدار برلين، وبدأت «جحافل» الحرب الباردة المتخيَّلة تجرجر أذيالها صوب مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية عويصة، وليدة الواقع الفعلي هذه المرّة، وليس الخيال؛ تقاطر، وتكاثر، المبشرون بأنّ انتصار القِيَم الغربية ساعة سقوط الجدار، هو في الآن ذاته انتصار لليوتوبيا الوحيدة المتبقية في حوزة الإنسانية، اليوتوبيا العليا والقصوى والأخيرة على هيئة «خاتم البشر» الذي بشّر به فوكوياما؛ واليوتوبيا التي يُراد لنا أن نسلّم بخلوّها، تماماً وأبداً، من الأزمات والهزّات والتشوّهات. كأنّ التاريخ لم يعرف فترات الركود الرأسمالية الطاحنة، وكأنّ اقتصاديات السوق الحرّ لم تشهد آلام العيش اليوميّ في كنف سياسات مفقِرة وظالمة، وكأنّ دروس أرباب رأس المال الجدد، على غرار إيلون ماسك أو جيف بيزوس أو سوندار بيشاي، ليسوا السلف الأشدّ توحشاً في عكس الشعار الرأسمالي المقدس «دعه يمر»، دعه يعمل» إلى «لا يمرّ إلا إذا عمل هنا».
ومن برقية السيد
X إلى «الكرملين الطائر»، إذا اكتفى المرء بهذَين النظيرَين، لا نتذكّر ما تردد من خرافات حول طيّ الحرب الباردة، بقدر ما نستفيق مجدداً على أمثولة فاضحة لاستقطابات متخمة بمزاعم التكنولوجيا والعلم والليبرالية والاقتصاد الحرّ، لكنها أيضاً مختنقة بمشاهد الحروب والمجازر والأهوال والفظائع؛ «شرقاً» و»غرباً» على حدّ سواء.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

ما بعد “تويتر” إيلون ماسك:

أيّ “ما قبل”؟

صبحي حديدي

 

قد يساجل البعض بأنّ الآثار السلبية (وثمة مَن يتحدث عن العواقب الكارثية) الناجمة عن استيلاء الملياردير الأمريكي إيلون ماسك على منصّة “تويتر” لن تتضح على المدى القريب والمباشر؛ ومن الخير، استطراداً، انتظار مفاعيل هذا التحوّل في مؤشرات أخرى فاعلة مثل البورصات ومصارف الإقراض الكبرى (خاصة تلك التي أكملت التغطية المالية لصفقة الـ44 مليارا التي تكفل ماسك بسدادها ثمناً للمنصّة). هنالك وجاهة، وإنْ بدت نسبية من حيث المبدأ، خلف هذه المساجلة؛ التي لا تلغي في المقابل تقديرات أخرى تحرص على وضع الواقعة ضمن سلسلة نظائر فارقة، أقرب إلى منعطفات كبرى، في حياة النظام الرأسمالي المعاصر إجمالاً، واقتصاد السوق والليبرالية الهوجاء بصفة خاصة.
وبمعزل عن مآزق اهتزاز العلاقات التعاقدية بين مواطن العالم المعاصر، في مغارب الأرض ومشارقها، مع شركات كونية كبرى على غرار “يوتيوب” و”أمازون” و”غوغل” و”أبل”، أو حيث تتجلى عصبة الـ
PayPal Mafia في فاشية رقمية تجمع أمثال ماسك مع دافيد ساكس (Geni) ورايد هوفمان (LinkedIn) وبريمال شاه (Kiva) ورولوف بوتا (Sequoia)؛ هنالك ما هو أدهى وأعمق على صعيد مؤسسات رأسمالية عتيقة نافذة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقيات الـ GATT ومنظمة التجارة الدولية. الطرفة السوداء هنا أنّ هذه، وما يتماثل معها أو يتكامل ضمن أعرافها، ما تزال قائمة وفق الوظائف ذاتها التي سنّها لها حكماء الاقتصاد الرأسمالي قبل سبعة عقود ونيف، بل هي اليوم أعلى شراسة وأشدّ جبروتاً ونفوذاً؛ لأنّ روحية اتفاقيات بريتون وودز، حيث انعقد مؤتمر النقد الدولي سنة 1944 وأنشأ هذه المؤسسات، هي ذاتها التي تتعرّض اليوم لارتجاج بنيوي عميق، يبرّر تلك التوصيفات الكابوسية للمآزق الراهنة، في أنها أشبه بـ 11/9 أو بيرل هاربور على صعيد البورصات والأسواق.
وفي إسار هذا المشهد بمعطياته كافة، ما بان منها علانية وما احتجب لأسباب لا صلة لها بالخشية من الإعلان، لسنا نفتقد منظّراً هنا، أو متفلسفاً هناك، يطالبنا بأن نعيش حقبة ما بعد سقوط منصّة “تويتر” في قبضة ماسك؛ تماماً كما طولبنا بأن نعيش ما بعد انهيار مصارف “وول ستريت” وبورصاته، وما بعد هزّات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وما بعد الحرب الباردة، وما بعد الحداثة، وما بعد المجتمع الصناعي، وما بعد الإيديولوجيا، وما بعد التاريخ، وما بعد السياسة… كأنما بات من النافل الحديث عن أيّ سابق على الـ”ما قبل”، أو كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما استغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير “دراما الهوية الغربية”: يريدون من العالم أن يخلع أرديته واحدة تلو الأخرى، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلى تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية، فضلاً عن الأصوليات والعصبيات والهمجيات.

“ما بعد” استيلاء ماسك على “تويتر”، غير البعيدة عن أن تكون المنصّة الأهمّ والأخطر ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، لا يصحّ أن يُجرّد، أو يُسلخ حرفياً، عن الـ”ما قبل” في ظواهر التأزّم الرأسمالي، ما شابهها أو تماثل معها أو دانى عواقبها

ولكن إذا توجّب، بالفعل، أن نعيش في أحقاب الـ”ما بعد”، المتغايرة المتتابعة هذه، فلماذا يتوجّب ألا تكون هذه حقبة التبدّلات الكبرى التي تطرأ، أيضاً، على ملفّات لاح أنها استقرّت أو رسخت أو “انتصرت” نهائياً؛ مثل بداهة العولمة، وحتمية اقتصاد السوق، وقدرية انكماش العالم إلى محض “سيليكون فالي”؟ ولماذا لا تكون حقبة ما بعد انهيارات “وول ستريت”، أسوة بشقيقتها ما بعد 11 أيلول، نذيراً باقتراب مراحل الـ “ما بعد” في هذه الأقانيم التي يتغنّى بها الغرب كلّ يوم: العولمة، اقتصاد السوق، العالم في هيئة قرية صغيرة؟
ألا يبدو التبشير هذا أشبه بصيغة مستحدثة، ولكن على عجل وخفّة وضحالة، لليوتوبيا العليا والقصوى والأخيرة التي اتخذت هيئة “خاتم البشر” كما بشّر به فرنسيس فوكوياما (قبل أن يتراجع ويعدّل ويطوي…)؛ حيث لا أزمات ولا هزّات ولا انكسارات؟ ألا يلوح عندهم، أو كما يريدوننا أن نبصر، وكأنّ التاريخ لم يعرف فترات الركود الرأسمالية الطاحنة، أو كأنّ اقتصاد السوق الحرّ في إنكلترا (مهد ولادة هذا الاقتصاد، وميدان تطبيقه الأوّل) لم يشهد شظف العيش اليوميّ في إسار سياسات مُفقِرة وظالمة اجتماعياً، من اللورد بالمرستون وصولاً إلى مارغريت ثاتشر؟
وفي حقبة غير بعيدة، حين تبدّت أولى مظاهر التأزم في الاقتصاد اليوناني، كانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية سبّاقة إلى كشف النقاب عن تواطؤ كبرى بيوتات المال الأمريكية، وعلى رأسها مصرف “غولدمان ساكس”، في صناعة الأزمة. فعلى امتداد عقد كامل، وبالأحرى منذ دخول اليونان في منطقة اليورو، أغدقت تلك البيوتات قروضاً سخية على حكومات أثينا المتعاقبة، وكانت تموّه عمليات الإقراض تحت بنود شتى ومسمّيات مختلفة، تسمح في المقام الأوّل بالتملّص من القيود التي كان الاتحاد الأوروبي قد فرضها على سقوف التضخم الحكومي.
وتلك، على مأساوية عواقبها بالنسبة إلى المواطن اليوناني، كانت فرصة لاكتشاف جديد حول معضلات النظام الرأسمالي، ممثلاً في فرعه الأبرز الأمريكي: أنّ مجموعة “غولدمان ساكس” ليست قصة نجاح رأسمالية باهرة تعود إلى سنة 1869 فحسب، بل هي “أخطبوط عملاق يمتصّ الدماء” في تعبير مجلة “رولنغ ستون”. وعلى نقيض المبدأ الشهير “دعه يمرّ، دعه يعمل”، بوصفه أحد أكثر أقانيم اقتصاد السوق قدسية وعراقة، كانت المجموعة تعتمد مبدأ النقيض الأقرب إلى هذا الشعار “لا تدعه يعمل، إلا إذا مرّ من هنا”؛ أي من تعاملات الزبائن مع مصارف المجموعة. الأمر الذي لم يوقف، في كلّ حال، العزف المديد على نغمة انتصار اقتصاد السوق، والتنظير المكرّر المملّ حول عبقرية النظام الرأسمالي.
قبلها، في حقبة غير بعيدة بدورها، نشبت معركة قانونية ضدّ قصة نجاح رأسمالية ليست أقلّ بريقاً، بل لعلّها أكثر كونية وانضواء في حاضنة العولمة؛ أي قضية وزارة العدل الأمريكية (ومن ورائها أكثر من عشرين ولاية، وعشرات شركات الكومبيوتر الصغيرة والكبيرة) من جهة أولى، ضدّ الملياردير الأمريكي بيل غيتس وشركة “ميكروسوفت” العملاقة من جهة ثانية. وفي الجوهر الأعمق من تلك المواجهة الضارية، كان مبدأ “دعه يمرّ، دعه يعمل” يتعرّض للمساءلة والمراجعة، ليس في ميدان التنظير الفلسفي او الاقتصادي كما جرت العادة، وإنما في خضمّ السوق، وفي ظلّ قوانين العرض والطلب دون سواها.
وتلك، من جانب آخر، معركة أطلقت شرعية التذكير بأنّ هذا الطراز من المواجهات سوف يشكّل بصمة الأيام القادمة من أزمنة الرأسمالية الكونية، وأطوار العولمة، وحصيلة إغلاق “قرن أمريكي” وافتتاح آخر لا كما حلم الفرقاء الكبار الذين صنعوا منعرجات الماضي. كان ثمة، غنيّ عن القول، الكثير من المغزى في أن تهبّ الرأسمالية ضدّ واحد من خيرة أبنائها البرَرة، غيتس؛ وضدّ واحدة من كبريات معجزاتها، “ميكروسوفت”؛ كي نقتبس تشخيص أسبوعية الـ”إيكونوميست” العليمة بأسرار الآلة الرأسمالية.
وهكذا فإنّ “ما بعد” استيلاء ماسك على “تويتر”، غير البعيدة عن أن تكون المنصّة الأهمّ والأخطر ضمن وسائل التواصل الاجتماعي على أصعدة سياسية واقتصادية وفكرية، لا يصحّ أن يُجرّد، أو يُسلخ حرفياً، عن الـ”ما قبل” في ظواهر التأزّم سالفة الذكر، وفي الكثير سواها، شابهها أو تماثل معها أو دانى عواقبها. وإذا كانت البورصات “فاتيكان اقتصاد السوق” حسب تعبير الاقتصادي الأمريكي المعروف كنيث غالبرايث، فإنها بدرجات أعلى بمثابة متحف الذاكرة الرأسمالية، ومستقرّ الأفراح والأتراح، الأرباح والخسائر، والدموع التي تنهمر حزناً أو تفيض غبطة.
وها هنا ميدان ما بعد “تويتر” الذي في قبضة ماسك، لا لأيّ اعتبار آخر يسبق حقيقة أنّ البورصة هي ميدان الـ”ما قبل”؛ أو، ببساطة أكثر: حلبة المعترك… من قبل ومن بعد!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

لوبين والنظام السوري:

مَنْ كان منهم بلا خطيئة؟

صبحي حديدي

 

صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية، وليدة حركة 1968 والتي كان جان – بول سارتر ثاني مؤسسيها صحبة سيرج جولي سنة 1973، والتقدمية اليسارية بصفة إجمالية؛ نشرت قبل أيام غلافاً تركيبياً يحمل صورة مارين لوبين مرشحة أقصى اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، تحيط لها صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس النظام السوري بشار الأسد والرئيس الهنغاري فكتور أوربان، وسار العنوان هكذا: “العالم حسب مارين لوبين”. وفي حدود ما أُتيح لهذه السطور أن ترصد، كان ذلك الغلاف بمثابة الإعلان الأوضح في أية وسيلة إعلامية فرنسية بصدد العلاقات، الوطيدة القديمة المتجددة؛ بين اليمين الفرنسي المعتدل أو المتشدد من جهة، والنظام السوري من جهة ثانية.
قبل “ليبيراسيون” كان موقع “ميديابارت” الإخباري المستقلّ قد نشر تقريراً مفصلاً عن منظمة “أنقذوا مسيحيي الشرق” الفرنسية، التي تقدّم أشكال دعم مختلفة إلى ميليشيات موالية للنظام وتعلن هوية دينية مسيحية في مدن وبلدات مثل محردة والسقيلبية؛ وسبق لمنظمات حقوقية محلية وعالمية أن وثّقت ارتكاب تلك الميليشيات جرائم حرب موصوفة وأعمال سلب ونهب و”تعفيش” وتهجير في ريف محافظة حماة على نحو خاص. التقرير شدّد، من جانب آخر، على أنّ وزارة الدفاع الفرنسية منحت المنظمة صفة “مؤسسة شريكة في الدفاع الوطني” منذ شباط (فبراير) 2017؛ وأنّ ممثليها يتمتعون، استطراداً، بصلاحيات اعتبارية فعالة حتى إذا كانت غير رسمية أو غير مباشرة.
ومؤخراً، خلال مؤتمر صحافي عرضت فيه الخطوط العريضة للسياسة الخارجية في حال انتخابها رئيسة للجمهورية، أعلنت لوبين أنها أسفت لقطع فرنسا العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري، وهذا “أعمانا في ميدان مكافحة الإرهاب الإسلامي، وربما في لحظة كانت الأخطر التي تمرّ بها البلاد”. تيري مارياني، مستشارها الإقليمي والعضو في البرلمان الأوروبي، زار النظام السوري 6 مرّات بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا ربيع 2011؛ ورافقه رهط من رجالات حزب لوبين، ولم يكن عجيباً أن يكون في عدادهم نيكولا باي الذي لن يطول الوقت حتى تصدّر موقعاً قيادياً في حزب “الاسترداد” اليميني العنصري المتطرف الذي أسسه إريك زيمور مؤخراً.

تفاصيل كثيرة تحضّ على استعادة القول المأثور الشهير: مَن كان منهم بلا خطيئة، في صفوف اليمين الجمهوري مثل اليمين المتطرف والعنصري، فليرجمْ لوبين وحزبها بأوّل حجر

وخلال المناظرة التقليدية التي تسبق الانتخابات عادة، والتي جمعت لوبين مع الرئيس الفرنسي المرشح إمانويل ماكرون، كان الأخير هو الوحيد الذي نطق بمفردة “سوريا” مرّة واحدة على مدار 170 دقيقة؛ وليس بصدد جرائم حرب النظام كما قد يتبادر إلى الذهن، بل في ملفّ انتقاد مواقف لوبين المتعاطفة مع بوتين وما ترتكبه جيوشه في أكثر من مكان. وهذا محض تفصيل أوّل بين تفاصيل شتى كثيرة (موقف اليساري الراديكالي جان – لوك ميلنشون المصادق على الدور الروسي في سوريا، مثلاً، ولهذا مقام آخر بالطبع)، تحضّ على استعادة القول المأثور الشهير: مَن كان منهم بلا خطيئة، في صفوف اليمين الجمهوري مثل اليمين المتطرف والعنصري، فليرجمْ لوبين وحزبها بأوّل حجر!
وهكذا، كان الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، المنتمي إلى الديغولية، هو “الرائد” على نطاق الاتحاد الأوروبي في تدشين سياسة حوار مع النظام السوري صيف سنة 2008، من خلال مشروع “الاتحاد المتوسطي”، الذي وُلد ميتاً في الأصل، ولم يكترث أحد حتى بدفنه! آنذاك برّر ساركوزي دعوة الأسد (وكان عندئذ، مثلما كان في البدء ويظلّ حتى ساعة سقوطه، دكتاتوراً ابن دكتاتور)، بالقول إنّ سوريا بلد متوسطي، وليس ثمة سبب واحد يبرّر عدم دعوتها إلى القمة المتوسطية، غير المكرّسة لمناقشة احترام أو انتهاك حقوق الإنسان على ضفاف المتوسط. ذاك كان منطقاً صورياً سليماً تماماً، وبموجب اعتباراته الشكلانية كان استبعاد سوريا من هذه القمة هو الذي سيشكّل القرار الشاذّ غير الطبيعي. ومن جانب ثانٍ، مَنْ الذي كان سيعيب على ساركوزي دعوة الأسد إلى منصّة الاحتفال بالثورة الفرنسية، يوم العيد الوطني لفرنسا، ما دام الحابل اختلط يومها بالنابل على تلك المنصة: ديمقراطيات غربية، ودكتاتوريات شرقية أو أفريقية، جنباً إلى جنب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي… “واحة الديمقراطية” في الشرق الأوسط؟
لهذا فإنّ النداء الذي وجهته إلى ساركوزي، يومئذ، ثماني منظمات حقوق إنسان دولية (بينها العفو الدولية، وميدل إيست واتش، والاتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان، والشبكة الأورو – متوسطية، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب…)؛ ظلّ حبراً على ورق بصدد مطلب الفقرة الأولى: “تناشدكم منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذه الرسالة إيلاء اهتمام لوضع حقوق الإنسان في ذلك البلد في إطار محادثاتكم” مع الأسد. وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر (حامل كيس الرزّ بوصفه أيقونة الغوث الدولي، وصاحب نظرية التدخّل الإنساني في الشؤون السيادية للدول، و”غير المبتهج شخصياً” بزيارة الأسد إلى باريس) تكفّل بهذا الأمر، كما قيل؛ ودسّ في جيب وليد المعلّم، وزير خارجية النظام، لائحة بأسماء حفنة من المعتقلين السياسيين السوريين الذين ستبتهج فرنسا بإطلاق سراحهم!
لكنّ ساركوزي لم يكن أوّل رئيس فرنسي يراقص طغاة الشرق الأوسط، سواء في العقود الأخيرة من عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا؛ أم في عقودها الوسطى؛ إذْ كانت أوّل زيارة يقوم بها حافظ الأسد قد تمّت في عهد فاليري جيسكار – ديستان، سنة 1976، بعد أشهر قليلة على دخول قوّات النظام السوري إلى لبنان. هذا إذا اعتبر المرء الأنشطة الدبلوماسية في تلك الأحقاب بمثابة تمرينات مبكّرة، واستطلاعية، على ما ستسميه التنظيرات الديغولية “السياسة العربية لفرنسا”. الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، الديغولي بدوره، أعلن مقاطعة احتفالات فرنسا بالعيد الوطني لأنّ الأسد سوف يكون على المنصّة، بدعوة من ساركوزي؛ متناسياً أنه، هو نفسه شيراك الأمس القريب: الذي دعا الأسد الابن (ولم يكن الأخير يشغل آنذاك أيّ منصب رسمي، ما عدا رئاسة “الجمعية المعلوماتية السورية”!) إلى قصر الإليزيه، بترتيب مباشر من رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري… قتيل النظام السوري، وهنا وجه آخر للمفارقة.
ماكرون، الرئيس الحالي، لا يختلف عن أسلافه أهل اليمين بخصوص الموقف من النظام السوري، إلا بمقدار اختلاف يمين ليبرالي وسطي اعتاد الإمساك بالعصا من المنتصف؛ من دون حاجة حتى إلى التلويح بها، أو جعلها تهشّ على شيء أو على أحد. خلال الحملة الانتخابية لرئاسيات 2017، ثمّ بعد أيام قليلة أعقبت انتخابه، سارت أقوال ماكرون هكذا: “خطوطي واضحة. محاربة مطلقة لكل المجموعات الإرهابية، إنهم هم أعداؤنا، هذا أوّلاً. نحن بحاجة لتعاون الجميع من أجل استئصالهم، وخصوصا تعاون روسيا”؛ ثمّ: “لم أقل إنّ إزاحة الأسد تشكل شرطا مسبقا لكل شيء”، وذلك لأنّ “الأسد عدوّ للشعب السوري ولكن ليس عدواً لفرنسا”. وكان في وسع لوبين، خلال المناظرة الأخيرة، أن تذكّره بأنّ مواقفه هذه كانت أقرب إلى المصادقة على خيارات بوتين والتدخل العسكري الروسي في سوريا لصالح النظام.
إريك شوفالييه، آخر سفير فرنسي في دمشق والمندوب الفرنسي السامي لدى تابعيات “المعارضة” السورية في إسطنبول لاحقاً والسفير في العراق حالياً، قد يكون حامل قصب السبق ضمن مساحة المواقف الفرنسية من النظام السوري بعد انتفاضة 2011؛ إذْ لم يقرّب رامي مخلوف وتماسيح فساد أخرى فحسب، بل مال إلى ترجيح تفسير النظام حول “العصابات المسلحة” وطالب “بإعطاء الأسد وقتاً”، ولم يستبعد وجود “أياد أجنبية” خلف تظاهرات الاحتجاج. يتوجب، استطراداً، أن يُستبعد تماماً، ورؤساؤه ورعاته، من رهط حَمَلة الحجارة في وجه مارين لوبين؛ فالخطيئة هنا سابقة وسبّاقة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

القدس:

حمّى الاستيهام الصهيوني

صبحي حديدي

 

في صيف 1967 كان الجنرال الإسرائيلي عوزي ناركيس، قائد المنطقة الوسطى والوحدات التي استولت على القدس القديمة، قد وافق على إجراء حوار مع صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية، اقترن بشرط غريب غير مألوف: ألا يُنشر الحوار إلا بعد وفاة جميع الأشخاص المذكورين فيه، بما في ذلك الجنرال نفسه. الأمر الذي التزمت به الصحيفة، نظراً للمعلومات «الديناميتية» التي تضمنها وكان الكشف عنها كفيلاً بإحراج أصحاب العلاقة، وفي عدادهم قادة الجيش الإسرائيلي وكبار مسؤولي الاحتلال، فنشرت الحوار بعد وفاة ناركيس سنة 1997.
في ذلك الحوار يروي ناركيس أنه، بعد ساعات معدودات أعقبت دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى القدس القديمة، في حزيران (يونيو) عام 1967؛ هرع إليه كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي آنذاك، شلومو غورين، كي يحثه على إصدار أمرَين: الأوّل هو تدمير قبّة الصخرة، والثاني هو تقويض المسجد الأقصى. وحسب ناركيس، دار الحوار التالي يوم 7 حزيران (يونيو) 1967 في ساحة المسجد الأقصى:
ــ الحاخام غورين: الآن هو الوقت المناسب لوضع 100 كغ من الموادّ الناسفة، وتدمير مسجد عمر، وتخليصنا منه مرّة وإلى الأبد.
ــ الجنرال ناركيس: كفّ أيها الحاخام!
ــ ولكن يا عوزي اسمك سوف يدخل التاريخ من أوسع أبوابه!
ــ اسمي دخل لتوّه في كتب التاريخ الخاصة بأورشليم.
ــ أنت لا تدرك المغزى الهائل لهذا الفعل. هذه فرصة يتوجب اغتنامها الآن بالذات. غداً سوف تفوت الفرصة نهائياً.
وتقول بقية الحكاية إنّ الحوار تناهى إلى أسماع الجنرال موشيه ديان، وزير الدفاع آنذاك، ولكنه لم يتخذ أيّ إجراء رادع بحقّ الحاخام، بل بالعكس: سمح له أن يلقي خطبة نارية أمام عدد كبير من الضباط، قال فيها بالحرف: «إنها لمأساة أن تكون إسرائيل قد تلكأت في تدمير مسجد عمر».
تلك واحدة من عشرات الوقائع التي تثبت وتعيد تثبيت الاستيهام الصهيوني المَرَضي بصدد الأقصى وقبّة الصخرة، لأنّ الجنرال نفسه الذي لم يأخذ بنصيحة الحاخام كان يحدّث ضميره هكذا، طوال الاشتباكات والمعارك التي سبقت سقوط القدس تحت الاحتلال: لن نكرر خطأ 1948، ويتوجب أن نحتلّ البلدة القديمة. وهو أقرّ، صراحة ومن دون حرج يخصّ الأشخاص الأحياء، أنه «أورشليميّ الولادة»، ويعزّ عليه ألا يدخل قلب القدس فاتحاً؛ ومن هنا كان حرصه على التواجد، في صورة واحدة شهيرة، مع موشيه ديان وإسحق رابين على مداخل المدينة العتيقة.

شحنة الفانتازيا عالية في الوجدان اليهودي بحيث يلوح أنّ الأسس العقلية والنفسية للدولة اليهودية سوف تنهار أو تتآكل إذا قامت دولة فلسطينية واتخذت، بالتالي، صيغة فانتازيا موازية للفانتازيا اليهودية

هوس قطعان المستوطنين والجماعات اليهودية المتطرفة وحاخامات «السنهدرين الجديد» على إقامة طقس القرابين في باحة المسجد الأقصى، أو حتى داخل الحرم كما قد تذهب المخيّلة الهستيرية، ليس سوى أحدث وقائع الفانتازيا الشائهة تلك؛ وهذا المسّ المقدسي كان ويظلّ ديدن شرائح واسعة في مجتمع الاحتلال، هي الغالبية القصوى عملياً: الديني المتشدد مع العلماني المعتدل، واليميني المستنير مع اليساري الليبرالي، وعمدة مدينة ليكودي صقري مثل إيهود أولمرت، أو سلفه الليبرالي الحمائمي تيدي كوليك، والحبل على الجرار عند أمثال أوري ليوبينسكي (الذي دعا إلى هدم المسجد الأقصى!) وصولاً إلى نير بركات (الذي اقترح على الفلسطينيين أن تكون رام الله عاصمتهم، ثمّ تكرّم وتنازل فوافق أن تُسمّى «القدس الشمالية»!)…
لا تختلف الحال كثيراً عند مواطن أمريكي، لكنه يهودي ويحمل الجنسية الإسرائيلية، مثل رجل الأعمال إرفنغ موسكوفيتز، الملياردير الذي تتكدّس ملايينه عبر آلات القمار؛ الذي زار القدس بهدف واحد وحيد، صريح فاضح ولا حرج في إعلانه، هو تقديم «الكفارة التوراتية». وفي داخل النفق الحاسموني الشهير، وعلى مرمى حجر من المجارير الهيرودية، أعلن موسكوفيتز التبرّع بملايين إضافية لشراء المزيد من الأراضي والبيوت الفلسطينية؛ وقال: «السيطرة اليهودية على أورشليم، على الهيكل والحائط الغربي، أهمّ من السلام. واليهود على مرّ العصور لم يصلّوا من أجل السلام مع العرب، بل من أجل بسط السيطرة اليهودية على أورشليم».
والحال أنّ بعض الفضل في الربط المعمّق بين الدولة والهوس والفانتازيا يعود إلى البريطانية جاكلين روز، الناقدة والأكاديمية اللامعة التي تشتغل منذ سنوات على الأسس النفسية للخطابات النسوية وما بعد الاستعمارية في الرواية والشعر؛ وهي يهودية أيضاً، وتنتمي إلى صفّ الأقلية التي تعترف بهذا القدر أو ذاك من حقوق الشعب الفلسطيني، وتعترض على هذا التفسير أو ذاك لمفهوم دولة إسرائيل بالمعاني الحقوقية والتاريخية والسياسية والأسطورية. وكتابها «دول الفانتازيا» ينهض على سؤال مشروع وشجاع: ما هو دور الفانتازيا في قيام الأمم وتأسيس الدول؟ هل ينبثق الاعتراض الإسرائيلي الجوهري على الدولة الفلسطينية من حقيقة خضوع الوجدان الجمعي اليهودي إلى فانتازيا الدولة اليهودية بالذات؟
دولة الاحتلال، المدججة بالاستيطان والعنصرية والفلسفات الصهيونية، لا تستطيع منح الفلسطينيين الحقّ في إقامة دولة مستقلة، ليس بسبب خطر وشيك داهم أو بعيد قادم، فحسب؛ بل لأنّ شحنة الفانتازيا المناهضة لهذه الإمكانية عالية في الوجدان اليهودي، بحيث يلوح أنّ الأسس العقلية والنفسية للدولة اليهودية سوف تنهار أو تتآكل إذا قامت دولة فلسطينية واتخذت، بالتالي، صيغة فانتازيا موازية للفانتازيا اليهودية.
وأمّا في القدس المحتلة، فالهوس والهستيريا والسعار والجنون هي مرادفات إضافية عليها تقتات حمّى الاستيهام.

 

 

باكستان التأزّم: ديمقراطية

ناقصة واستقرار غائب

صبحي حديدي

 

رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان دخل تاريخ البلد السياسي الحديث والمعاصر من زاوية فريدة، وبالتالي منفردة: ليس لأنه لم يكمل ولايته، فتلك كانت حال 18 رئيس حكومة لاقوا المصير ذاته قبله، بل لأنه كان الأوّل الذي أُقصي عن المنصب نتيجة تصويت بسحب الثقة في البرلمان. وإذا كان هذا الفارق بمثابة تنويع واحد على سلسلة مظاهر تؤكد غياب الاستقرار في الحياة السياسية، لأسباب شتى بالطبع؛ فإنه في الآن ذاته مؤشر جديد على اعتلال الديمقراطية الباكستانية من حيث النقصان بادئ ذي بدء، لأنّ التصويت على حجب الثقة استوجب تدخّل السلطة القضائية متمثلة في المحكمة العليا، التي أعادت إلى السلطة التشريعية صلاحية كانت السلطة التنفيذية قد عطلتها متمثلة في رئيس برلمان موالٍ لرئيس الحكومة رفض عقد الجلسة أساساً.
وفي أعقاب الإطاحة بحكومة خان نشرت مؤسسة “غالوب” استطلاعاً للرأي أفاد بأنّ 57% من المشاركين في الاستفتاء كانوا سعداء برحيل خان، مقابل43% في صفّ الساخطين؛ والفريق الأوّل أقام رأيه على أساس تقصير الحكومة في ميادين الاقتصاد والتضخم والغلاء وهبوط قيمة العملة المحلية، وأمّا الفريق الثاني فقد اعتنق رواية خان القائلة بأنّ الولايات المتحدة تآمرت عليه بسبب مواقفه الاستقلالية واعتمدت سيناريو “تغيير النظام” واستمالت بعض أعضاء حزبه من البرلمانيين الذين انشقوا عنه وصوتوا ضده في البرلمان. والمنطق السليم يمكن أن يقود إلى التصديق على أنّ مزيجاً من الموقفين يكمن في خلفية المصير الذي انتهى إليه لاعب الكريكيت السابق، الآتي إلى السياسة من خارج سلالاتها الحاكمة التقليدية التي تمتدّ من بوتو إلى آل شريف… العائلة التي ينحدر منها رئيس الوزراء البديل شهباز شريف.
ولأصحاب الرأي الأوّل أن يسوقوا عشرات الحجج ضدّ رئيس الوزراء السابق، ولهم أن يبدأوا من عبارته الشهيرة بأنه يفضّل الموت على التعامل مع صندوق النقد الدولي (الأمر الذي حنث فيه، بعد أشهر قلائل)؛ أو تعهده القاطع بعدم تأهيل أيّ من الساسة الفاسدين الذين باتت لوائح أسمائهم على كل شفة ولسان (وقد لجأ سريعاً إلى التعاون مع بعضهم، بل قرّب مَن كان بينهم على رأس اللائحة). أصحاب الرأي الثاني يمكن أن يساجلوا هكذا: أليس الرجل أوّل رئيس حكومة باكستاني يقول لا للإدارة الأمريكية، في ملفات مثل “الحملة على الإرهاب” واستهداف النشطاء عبر الطائرات المسيّرة؛ ويذكّر البيت الأبيض بأنّ الباكستان ليست عبداً عند أمريكا، إلى درجة أنّ مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب ووسط آسيا دونالد لو ألمح إلى تغيير النظام خلال محادثة غير رسمية مع دبلوماسي باكستاني سابق؟
استقطابان على هذه الشاكلة ليسا سوى صيغة تعكس ثنائيات تناقض أخرى من نوع التوتر بين المدنيين والعسكر، وبين التقليديين والحداثيين، وبين توترات الطبقة والمدينة والريف والجندر والمؤسسات الدستورية المختلفة، وما يترتب على هذا كلّه من اصطفافات سياسية واجتماعية ودينية وقبائلية وثقافية. والبلد لا يستأثر بهذا المشهد المضطرم، إذْ لعله سمة غالبة في الكثير من مجتمعات شرق آسيا، غير أنّ خصوصية الباكستان التاريخية والإثنية أو حتى اللسانية كانت عاملاً حاسماً في تصعيد قوّة نفوذ باتت الكبرى في البلد، أي ائتلاف مؤسسة الجيش والاستخبارات الذي يحكم ضمناً على نحو يتجاوز أحياناً الصيغة الشائعة حول الدولة العميقة.

خصوصية الباكستان التاريخية والإثنية أو حتى اللسانية كانت عاملاً حاسماً في تصعيد قوّة نفوذ باتت الكبرى في البلد، أي ائتلاف مؤسسة الجيش والاستخبارات الذي يحكم ضمناً على نحو يتجاوز أحياناً الصيغة الشائعة حول الدولة العميقة

وكان انقلاب الجنرال برويز مشرف أواخر عام 1999 بمثابة أحدث التمرينات على تدخّل الجيش السافر في الحياة السياسية، ضمن تزامن غير مفاجئ مع هزّة 11/9 والغزو الأمريكي لأفغانستان، ومهزلة الانتخابات التشريعية خريف العام التالي، والتصالح المذهل مع المقاربة الجيو – ستراتيجية التي اعتمدتها الولايات المتحدة بصدد التعامل مع ذلك الشطر الفريد من شبه القارّة الهندية، حيث تمتزج التجارب الديمقراطية بالتجارب النووية، والنزاع الهندي – الباكستاني بالنزاعات الإثنية والدينية والثقافية. وقد يقتضي الإنصاف التذكير بأنّ الجنرال مشرّف كان قد تعشّى برئيس الوزراء نواز شريف، بعد أن ظنّ الأخير أنه يستطيع تناول العسكر لقمة سائغة على مائدة الغداء. ولقد تبيّن سريعاً أنّ الجيش منحاز إلى العشاء العسكري أكثر من الغداء المدني، وأنّ المؤسسة الأمنية (هذه التي اعتمد عليها شريف في قمع الصحافة والأحزاب المعارضة والشارع العريض، وكانت بمثابة سيف مسلط على عنق المؤسسات المدنية)، ليست قادرة على تنفيذ مناورة مضادّة لهجوم الجيش. تلك تقنيات تنفيذ سلسة، بل إنّ جدواها كانت مدهشة بالفعل لأنّ طلقة واحدة لم تُطلق دفاعاً عن حكومة شريف.
من جانب آخر لا يقلّ أهمية، كانت البساطة في مفردات “السياسة” التي استخدمها العسكر ناجمة عن حقيقة كراهية الشارع لحكومة شريف، إلى جانب عشرات الحقائق الأخرى ذات الصلة بالفساد والتقصير والتسلّط والمحسوبية العائلية والقبائلية، فضلاً عن حقيقة كبرى حديثة العهد هي تعريض المؤسسة العسكرية (وربما الوجدان الباكستاني القومي والشعبوي بصفة عامّة) إلى مهانة انسحاب الجيش والميليشيات من سفوح هيملايا لصالح الهند… تحت ضغط أمريكي! وكان طبيعياً أن تهيمن البساطة ذاتها على خطاب مشرّف حين استتبع الانقلاب العسكري بما لزمه من تتمات مدنية ودستورية: حلّ البرلمان ومجلس الشيوخ والمجالس المحلية، إعفاء الرئيس محمد رفيق ترار من مهامّه (بطريقة تخلو تماماً من اللياقة واللباقة!)، وتنصيب الجنرال نفسه رئيساً وقائداً للجيش وزعيماً مطلق الصلاحيات، قبل استفتاء الشعب على بقائه رئيساً للبلاد بصلاحيات خرافية، وفتح صناديق الاقتراع أمام تزوير جديد لإرادة الشعب.
ذلك مشهد لم ينطوِ على غياب “السياسة” عن مجتمع يبسّط العسكر علاقاته ومعادلاته وتوازناته، فمن المعروف أنّ لعبة تبادل السلطة بين “حزب الشعب” وبنازير بوتو من جهة، و”حزب الرابطة الإسلامية” ونواز شريف من جهة ثانية، كانت قد تحوّلت إلى لعبة كراسٍ موسيقية: لا تذهب الأولى إلا لكي يأتي الثاني، ثم لا يذهب الثاني إلا لكي تأتي الأولى! شروط الفساد والتردي الاقتصادي وسوء المعيشة هي التي كانت تمنح شريف فرصة الانقضاض على حكومة بوتو، والشروط ذاتها تماماً كانت تمنح الأخيرة فرصة تقويض حكومة الأوّل، وهكذا…
بهذا المعنى كان قدوم خان من مضمار الكريكيت إلى معترك السياسة في سنة 1996 بمثابة اختراق للمعادلة، بدأ مع صعود حزبه “حركة الإنصاف” في انتخابات 2011، ثمّ تكلل في سنة 2018 مع نجاحه في تشكيل تحالف حاكم ضمن له موقع رئاسة الحكومة؛ في غمرة قبول لا يخفى من المؤسستين العسكرية والأمنية. ورغم أنّ حكومته أدخلت إصلاحات تلبي حاجة ماسة في برامج الرعاية الاجتماعية والبيئة، وكانت خططه في مواجهة جائحة كوفيد-19 مضرب مثل في الكفاءة؛ إلا أنه، في المقابل، ضيّق على الحريات المدنية والصحافية، وزعم الاستقلال عن السياسة الأمريكية ولكنه في الآن ذاته تقرّب من روسيا والصين وسكت عن مظالم أقلية الإيغور.
وليس من الواضح أنّ قائد الجيش الجنرال قمر جاويد باجوا ينتمي اليوم إلى صفّ السعداء بقرار البرلمان الإطاحة بحكومة خان أو الساخطين عليه، غير أنّ الأرجح منطقياً أنّ الجنرالات الذين ساندوا لاعب الكريكت المنقلب إلى سياسي شعبي وشعبوي، انفضوا عنه حين باتت مشكلات البلد الاقتصادية والمعيشية أشدّ تعقيداً وإلحاحاً من أن تديم شهور العسل مع “حركة الإنصاف” وزعيمه.
.. أو أن تضع خاتمة سعيدة لتأزّم البلد الدائم، بين ديمقراطية ناقصة واستقرار غائب.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

تحريم التعذيب في سوريا:

صفاقة الأسد وتعدّد الاقتداء

صبحي حديدي

 

إذا لم ينتزع امرؤ عقله من مكانه ويضعه على الكفّ، كما يقول المثل السائر في توصيف الغرائب والعجائب، فلن يكون يسيراً تصديق القانون رقم 16 تاريخ 29/3/2022 الذي أصدره رأس النظام السوري بشار الأسد؛ حول تجريم التعذيب، ومعاقبة مرتكبه بلائحة عقوبات تبدأ من 3 سنوات وتنتهي بالإعدام. وإذا جاز، من حيث المبدأ، انتظار أيّ سلوك من نظام همجي السياسات وحشي الأدوات إجراميّ النشأة والتاريخ ولا حدود لسعاره في اقتفاء النجاة وحفظ البقاء؛ فإنّ هذه الخطوة كفيلة بنقل مدارات السلطة إلى مستوى من الصفاقة غير مسبوق، سواء على صعيد 52 سنة من حكم آل الأسد، أو حتى على صعيد التواريخ التي دوّنتها الإنسانية للعهود البربرية.
فإذا صدّق المرء ذاته، صاحب العقل الملقى على الكفّ، إحصائيات الأمم المتحدة أو منظمة “العفو الدولية” أو منظمة “هيومان رايتس ووتش”، أو العشرات سواها؛ فإنّ الفترة ما بعد 2011 شهدت إعدامات صورية لأكثر من 13000 مواطن سوري في سجون ومعتقلات النظام، وأنّ 75000 آخرين اعتُقلوا وباتوا في عداد المفقودين. وإذا صحّ، منطقياً، أنّ الغالبية الساحقة من هؤلاء تعرضوا لأشكال شتى من التعذيب؛ فإنّ موادّ قانون الأسد يتوجب أن تعاقب (بالسجن 3 أو 6 أو 8 سنوات، أو المؤبد، أو الإعدام) قرابة 80,000 على الأقلّ من سجاني وعناصر أجهزة الأمن العاملة في عشرات السجون والمعتقلات في سوريا، والمتورطة حكماً في صنوف التعذيب المختلفة. هذا إذا استبعد المرء الفظائع التي كشفتها صور التعذيب المسرّبة من المصوّر العسكري المعروف باسم “قيصر”، وبلغت أكثر من 55,000 معتقل/ قتيل.
ومنذ سنة 2013 كانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد أصدرت تقريراً مفصلاً عن أنماط الاحتجاز والتعذيب، التي كان مواطنون سوريون قد خضعوا لها في مختلف مقارّ ومعتقلات استخبارات النظام السوري (أمن الدولة، المخابرات العسكرية، مخابرات القوى الجوية، الأمن السياسي، والأمن الجنائي). وفي خلاصات التقرير جاء أنّ “الأنماط الممنهجة للمعاملة السيئة والتعذيب” التي وثقتها المنظمة، “تشير إلى وجود سياسة انتهجتها الدولة، تتلخص في تعذيب وإساءة معاملة الأفراد، ومن ثمّ فهي ترقى لكونها جريمة ضدّ الإنسانية”. واتكاءً على معلومات متقاطعة، جُمعت من أفراد معتقلين نُقلوا إلى أكثر من 17 فرعاً أمنياً مختلفاً، كتبت المنظمة إلى مجلس الأمن الدولي، باسم الحكومة السويسرية وبالنيابة عن 57 دولة (بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا والنمسا وبلجيكا وفنلندا واليونان والنروج والبرتغال وهنغاريا وأستراليا واليابان…)؛ تطالب بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما “يعطي الزخم للجهود الدولية الرامية إلى وقف الانتهاكات الجسيمة المرتكبة”. كذلك ألحّت المنظمة على “انضمام الدول الأخرى إلى هذه الدعوة، من أجل دفع أعضاء مجلس الأمن المترددين إلى إدراك ضرورة الاهتمام بقضية المحاسبة على وجه السرعة”.
غير أنّ الرسالة تلك سقطت على آذان صمّاء وأعين عمياء داخل المجلس، وظلّت الدول الغائبة عن اللائحة مترددة في التوقيع، أو رافضة للفكرة من الأساس. المرء يفهم بسهولة أسباب امتناع دولتين مثل روسيا والصين، لانّ ركائز حقوق الإنسان وحرية التعبير في البلدين قائمة على بيوت من زجاج، ولا تشجّع كثيراً على رشق أجهزة الأسد بالحجارة؛ هذا فضلاً عن مواقف موسكو وبكين المعطِّلة، إجمالاً، لأيّ قرار أممي حول النظام السوري. ولكن… ماذا عن الولايات المتحدة، “راعية حقوق الإنسان” كما يحلو لساستها أن يرددوا كلما رنّ ناقوس؟ هنا أيضاً كان سبب الامتناع هو بيت الزجاج ذاته، حتى إذا اختلفت أحجام الحجارة التي يمكن أن تهزّ أركانه، وتباينت مقادير الانتهاكات، وتنوعت أنساق التعذيب (إذْ أنها ليست، البتة، نسقاً واحداً متماثلاً) هنا وهناك، حيث تنشط أجهزة العمّ سام الأمنية.

إذا لم يكن أوباما هو قدوة الأسد في تحريم التعذيب قانوناً والسكوت عنه أو ممارسته فعلياً، فإنّ قدوة أخرى يمكن للنظام السوري أن يستمدها من موسكو في تعذيب النشطاء الشيشان على وجه الخصوص وإنكار الممارسات كلما رنّ ناقوس

وكان الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قد ماطل طويلاً، حتى مغادرة البيت الأبيض، في الوفاء بواحد من أبرز وعوده الانتخابية، حول إصدار إذن رئاسي بنشر ما يُسمّى اليوم “مذكرات التعذيب” الصادرة عن كبار مسؤولي وزارة العدل والبنتاغون في الإدارة السابقة. وإذا جاز أن تُسجّل باسم أوباما خطوات إيجابية، مثل حظر التعذيب رسمياً (على الأراضي الأمريكية فقط، كما يتوجب التذكير دائماً!)، وإصدار الأمر بإغلاق معتقل غوانتانامو منذ الولاية الرئاسية الأولى (ثمّ التلكؤ في التنفيذ، حتى النهاية)؛ فإنّ سياسات البيت الأبيض الأخرى، وعلى رأسها اغتيالات الأفراد عبر الطائرات من دون طيار، والسكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان هنا وهناك في العالم، والتراخي في محاسبة مجرمي الحرب، وتشجيع البعض منهم عن طريق رسم “خطوط حمراء” زائفة… كلّ هذه تجعل واشنطن قدوة حسنة، ومثالاً يُحتذى، وذريعة في ممارسة التعذيب.
وفي سنة 2004 نشر صحافي التحقيقات الأمريكي سيمور هيرش تحقيقاً على الموقع الإلكتروني لمجلة “نيويوركر”، أوضح فيه أنّ ما نُشر من صور تعذيب وتحقير وإهانة الموقوفين العراقيين في معتقل أبو غريب لم يكن سوى دفعة أولى حول ما خفي وكان أعظم وأدهى، وأبشع وأشنع. وأثبت هيرش أنّ الإدارة الأمريكية كانت تعرف، في ضوء التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول واقع السجون العراقية في ظلّ الاحتلال الأمريكي. وقال تاغوبا إنّ الجيش الأمريكي ارتكب أعمال تعذيب “إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة”، سرد بعضها هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين بالاغتصاب، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم.
فإذا لم يكن أوباما هو قدوة الأسد في تحريم التعذيب قانوناً والسكوت عنه أو ممارسته فعلياً، فإنّ قدوة أخرى حسنة يمكن للنظام السوري أن يستمدها من موسكو، في تعذيب النشطاء الشيشان على وجه الخصوص وإنكار الممارسات كلما رنّ ناقوس هنا أيضاً؛ بل شنّ حملات هجومية منتظمة ضدّ منظمات حقوقية مشهود لها بترصّد الحقائق، أو ضدّ لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة. التقارير الحقوقية وثّقت طرائق روسية في التعذيب تبدأ من الضرب والصعق الكهربائي وتسميات “الفيل” و”السنونو” و”المغلّف” و”صلب المسيح”؛ وليس عجيباً أنها تتصادى مع 72 طريقة تعذيب شاعت في معتقلات النظام السوري، تحت مسميات مثل “الكرسي الألماني” و”بساط الريح” و”الغسالةّ و”الشبح”…
وقد يتساءل متسائل، مولع بالتَمَنْطُق الأجوف غالباً: ولكن لماذا يصدر الأسد قانوناً مثل هذا، إذا كانت “الجهات المختصة” لن تلتزم به؛ وهنا أيضاً فإنّ اعتصار إجابة ما، من أيّ طراز، قد يستدعي نقل العقل مجدداً إلى الكفّ، قبيل التذكير بأنّ هذا النظام/ المزرعة لا دستور يحكمه ولا قانون يسري فيه، وليس ذرّ الرماد في العيون واستغفال عقول الناس عن طريق القوانين الخلبية والمراسيم التهريجية سوى التكتيك الأكثر شيوعاً في تحويل الأباطيل الكاذبة إلى مكاسب أكثر كذباً. فمنذا الذي، في وزارة عدل النظام أو على صعيد قضاته ومحاكمه، سوف يجرؤ على استدعاء عريف عامل في أيّ من عشرات الأجهزة الأمنية؛ وهذه هي الرتبة الدنيا، فما بالك بالألوية والعمداء والعقداء…؟
الأجدى قد يكون الأخذ في الاعتبار طبائع الاقتداء، أمريكية كانت أم روسية أم كورية شمالية أم بريطانية أم فرنسية، التي دفعت الأسد إلى إصدار هذا القانون اليوم؛ ولا خلاف، من حيث المبدأ أيضاً، في أن يكون سياق إقليمي أو دولي قد حثّه على اتخاذ الخطوة، أو زُيّنت له محاسنها… المسرحية منها، في المقام الأوّل.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

تحريم التعذيب في سوريا:

صفاقة الأسد وتعدّد الاقتداء

صبحي حديدي

 

إذا لم ينتزع امرؤ عقله من مكانه ويضعه على الكفّ، كما يقول المثل السائر في توصيف الغرائب والعجائب، فلن يكون يسيراً تصديق القانون رقم 16 تاريخ 29/3/2022 الذي أصدره رأس النظام السوري بشار الأسد؛ حول تجريم التعذيب، ومعاقبة مرتكبه بلائحة عقوبات تبدأ من 3 سنوات وتنتهي بالإعدام. وإذا جاز، من حيث المبدأ، انتظار أيّ سلوك من نظام همجي السياسات وحشي الأدوات إجراميّ النشأة والتاريخ ولا حدود لسعاره في اقتفاء النجاة وحفظ البقاء؛ فإنّ هذه الخطوة كفيلة بنقل مدارات السلطة إلى مستوى من الصفاقة غير مسبوق، سواء على صعيد 52 سنة من حكم آل الأسد، أو حتى على صعيد التواريخ التي دوّنتها الإنسانية للعهود البربرية.
فإذا صدّق المرء ذاته، صاحب العقل الملقى على الكفّ، إحصائيات الأمم المتحدة أو منظمة “العفو الدولية” أو منظمة “هيومان رايتس ووتش”، أو العشرات سواها؛ فإنّ الفترة ما بعد 2011 شهدت إعدامات صورية لأكثر من 13000 مواطن سوري في سجون ومعتقلات النظام، وأنّ 75000 آخرين اعتُقلوا وباتوا في عداد المفقودين. وإذا صحّ، منطقياً، أنّ الغالبية الساحقة من هؤلاء تعرضوا لأشكال شتى من التعذيب؛ فإنّ موادّ قانون الأسد يتوجب أن تعاقب (بالسجن 3 أو 6 أو 8 سنوات، أو المؤبد، أو الإعدام) قرابة 80,000 على الأقلّ من سجاني وعناصر أجهزة الأمن العاملة في عشرات السجون والمعتقلات في سوريا، والمتورطة حكماً في صنوف التعذيب المختلفة. هذا إذا استبعد المرء الفظائع التي كشفتها صور التعذيب المسرّبة من المصوّر العسكري المعروف باسم “قيصر”، وبلغت أكثر من 55,000 معتقل/ قتيل.
ومنذ سنة 2013 كانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد أصدرت تقريراً مفصلاً عن أنماط الاحتجاز والتعذيب، التي كان مواطنون سوريون قد خضعوا لها في مختلف مقارّ ومعتقلات استخبارات النظام السوري (أمن الدولة، المخابرات العسكرية، مخابرات القوى الجوية، الأمن السياسي، والأمن الجنائي). وفي خلاصات التقرير جاء أنّ “الأنماط الممنهجة للمعاملة السيئة والتعذيب” التي وثقتها المنظمة، “تشير إلى وجود سياسة انتهجتها الدولة، تتلخص في تعذيب وإساءة معاملة الأفراد، ومن ثمّ فهي ترقى لكونها جريمة ضدّ الإنسانية”. واتكاءً على معلومات متقاطعة، جُمعت من أفراد معتقلين نُقلوا إلى أكثر من 17 فرعاً أمنياً مختلفاً، كتبت المنظمة إلى مجلس الأمن الدولي، باسم الحكومة السويسرية وبالنيابة عن 57 دولة (بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا والنمسا وبلجيكا وفنلندا واليونان والنروج والبرتغال وهنغاريا وأستراليا واليابان…)؛ تطالب بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما “يعطي الزخم للجهود الدولية الرامية إلى وقف الانتهاكات الجسيمة المرتكبة”. كذلك ألحّت المنظمة على “انضمام الدول الأخرى إلى هذه الدعوة، من أجل دفع أعضاء مجلس الأمن المترددين إلى إدراك ضرورة الاهتمام بقضية المحاسبة على وجه السرعة”.
غير أنّ الرسالة تلك سقطت على آذان صمّاء وأعين عمياء داخل المجلس، وظلّت الدول الغائبة عن اللائحة مترددة في التوقيع، أو رافضة للفكرة من الأساس. المرء يفهم بسهولة أسباب امتناع دولتين مثل روسيا والصين، لانّ ركائز حقوق الإنسان وحرية التعبير في البلدين قائمة على بيوت من زجاج، ولا تشجّع كثيراً على رشق أجهزة الأسد بالحجارة؛ هذا فضلاً عن مواقف موسكو وبكين المعطِّلة، إجمالاً، لأيّ قرار أممي حول النظام السوري. ولكن… ماذا عن الولايات المتحدة، “راعية حقوق الإنسان” كما يحلو لساستها أن يرددوا كلما رنّ ناقوس؟ هنا أيضاً كان سبب الامتناع هو بيت الزجاج ذاته، حتى إذا اختلفت أحجام الحجارة التي يمكن أن تهزّ أركانه، وتباينت مقادير الانتهاكات، وتنوعت أنساق التعذيب (إذْ أنها ليست، البتة، نسقاً واحداً متماثلاً) هنا وهناك، حيث تنشط أجهزة العمّ سام الأمنية.

إذا لم يكن أوباما هو قدوة الأسد في تحريم التعذيب قانوناً والسكوت عنه أو ممارسته فعلياً، فإنّ قدوة أخرى يمكن للنظام السوري أن يستمدها من موسكو في تعذيب النشطاء الشيشان على وجه الخصوص وإنكار الممارسات كلما رنّ ناقوس

وكان الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قد ماطل طويلاً، حتى مغادرة البيت الأبيض، في الوفاء بواحد من أبرز وعوده الانتخابية، حول إصدار إذن رئاسي بنشر ما يُسمّى اليوم “مذكرات التعذيب” الصادرة عن كبار مسؤولي وزارة العدل والبنتاغون في الإدارة السابقة. وإذا جاز أن تُسجّل باسم أوباما خطوات إيجابية، مثل حظر التعذيب رسمياً (على الأراضي الأمريكية فقط، كما يتوجب التذكير دائماً!)، وإصدار الأمر بإغلاق معتقل غوانتانامو منذ الولاية الرئاسية الأولى (ثمّ التلكؤ في التنفيذ، حتى النهاية)؛ فإنّ سياسات البيت الأبيض الأخرى، وعلى رأسها اغتيالات الأفراد عبر الطائرات من دون طيار، والسكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان هنا وهناك في العالم، والتراخي في محاسبة مجرمي الحرب، وتشجيع البعض منهم عن طريق رسم “خطوط حمراء” زائفة… كلّ هذه تجعل واشنطن قدوة حسنة، ومثالاً يُحتذى، وذريعة في ممارسة التعذيب.
وفي سنة 2004 نشر صحافي التحقيقات الأمريكي سيمور هيرش تحقيقاً على الموقع الإلكتروني لمجلة “نيويوركر”، أوضح فيه أنّ ما نُشر من صور تعذيب وتحقير وإهانة الموقوفين العراقيين في معتقل أبو غريب لم يكن سوى دفعة أولى حول ما خفي وكان أعظم وأدهى، وأبشع وأشنع. وأثبت هيرش أنّ الإدارة الأمريكية كانت تعرف، في ضوء التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول واقع السجون العراقية في ظلّ الاحتلال الأمريكي. وقال تاغوبا إنّ الجيش الأمريكي ارتكب أعمال تعذيب “إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة”، سرد بعضها هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين بالاغتصاب، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم.
فإذا لم يكن أوباما هو قدوة الأسد في تحريم التعذيب قانوناً والسكوت عنه أو ممارسته فعلياً، فإنّ قدوة أخرى حسنة يمكن للنظام السوري أن يستمدها من موسكو، في تعذيب النشطاء الشيشان على وجه الخصوص وإنكار الممارسات كلما رنّ ناقوس هنا أيضاً؛ بل شنّ حملات هجومية منتظمة ضدّ منظمات حقوقية مشهود لها بترصّد الحقائق، أو ضدّ لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة. التقارير الحقوقية وثّقت طرائق روسية في التعذيب تبدأ من الضرب والصعق الكهربائي وتسميات “الفيل” و”السنونو” و”المغلّف” و”صلب المسيح”؛ وليس عجيباً أنها تتصادى مع 72 طريقة تعذيب شاعت في معتقلات النظام السوري، تحت مسميات مثل “الكرسي الألماني” و”بساط الريح” و”الغسالةّ و”الشبح”…
وقد يتساءل متسائل، مولع بالتَمَنْطُق الأجوف غالباً: ولكن لماذا يصدر الأسد قانوناً مثل هذا، إذا كانت “الجهات المختصة” لن تلتزم به؛ وهنا أيضاً فإنّ اعتصار إجابة ما، من أيّ طراز، قد يستدعي نقل العقل مجدداً إلى الكفّ، قبيل التذكير بأنّ هذا النظام/ المزرعة لا دستور يحكمه ولا قانون يسري فيه، وليس ذرّ الرماد في العيون واستغفال عقول الناس عن طريق القوانين الخلبية والمراسيم التهريجية سوى التكتيك الأكثر شيوعاً في تحويل الأباطيل الكاذبة إلى مكاسب أكثر كذباً. فمنذا الذي، في وزارة عدل النظام أو على صعيد قضاته ومحاكمه، سوف يجرؤ على استدعاء عريف عامل في أيّ من عشرات الأجهزة الأمنية؛ وهذه هي الرتبة الدنيا، فما بالك بالألوية والعمداء والعقداء…؟
الأجدى قد يكون الأخذ في الاعتبار طبائع الاقتداء، أمريكية كانت أم روسية أم كورية شمالية أم بريطانية أم فرنسية، التي دفعت الأسد إلى إصدار هذا القانون اليوم؛ ولا خلاف، من حيث المبدأ أيضاً، في أن يكون سياق إقليمي أو دولي قد حثّه على اتخاذ الخطوة، أو زُيّنت له محاسنها… المسرحية منها، في المقام الأوّل.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

مادلين أولبرايت: مستقر

مستحَق في سلة مهملات التاريخ

صبحي حديدي

 

في قسط غير ضئيل من الذاكرة العربية عن حصار العراق، سنوات التسعينيات من القرن الماضي وقبيل الاجتياح الأمريكي للبلد، ثمة تلك العبارة الشهيرة التي أطلقتها مادلين أولبرايت (1938-2022)، وكانت يومها مندوبة دائمة للولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، حول وفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار، والعدد هذا أكبر من ضحايا قنبلة هيروشيما: “أعتقد أن الخيار صعب للغاية، ولكننا نعتقد أن الثمن مستحق”. قسط غير قليل من الذاكرة السورية، في المقابل، حفظ زيارة أولبرايت، وكانت يومها وزيرة الخارجية، لتعزية بشار الأسد بوفاة والده شكلاً، ولتثبيت مساندة واشنطن لتوريثه السلطة مضموناً. لكن قارئ 2500 كلمة من مادة الرثاء التي كرستها صحيفة “واشنطن بوست” في مناسبة رحيل أولبرايت، لن يجد أي ذكر للعبارة الأولى الرجيمة؛ ولن يعثر، أيضاً، على أية إشارة إلى مباركة الولايات المتحدة تكريس وريث في نظام استبداد وفساد وإرهاب.
وإذا صح أن المعلومة الأكثر جاذبية هي تلك التي تقول إن أولبرايت كانت أول امرأة تشغل حقيبة الخارجية في الولايات المتحدة، فإن تتمة المعلومة قد لا تجذب إلا ضحايا سياسات الولايات المتحدة في الغزو والهيمنة والإخضاع، أو منتقدي تلك السياسات هنا وهناك في العالم: أن أولبرايت كانت الأكثر توقاً (وشهوة، كما يتوجب القول) إلى استخدام القوة العسكرية في خدمة السياسات، أو بالأحرى تطويعها. وذات يوم، حين تحفظ كولن باول رئيس هيئة الأركان المشتركة على إرسال قوات أمريكية إلى البوسنة، سارعت أولبرايت إلى توبيخه هكذا: ما جدوى هذه القوة العظمى إذا لم نستخدمها؟ وخلال خطبة توديع منصبها في وزارة الخارجية، بحضور خَلَفها باول نفسه، لم تتورع أولبرايت عن القول إن التاريخ أثبت صواب رأيها وخطأ رأي باول، بصدد استخدام القوة العسكرية الأمريكية في عمليات التدخل الخارجية. وفي مذكراته اللاحقة سوف يروي باول أن قشعريرة أصابته لدى سماعها، وكادت شرايينه أن تتصلب!
هذا تفصيل لا يهمله كاتب مرثية أولبرايت في الـ”واشنطن بوست”، بل لعله كان أكثر انجذاباً إلى تفصيل آخر، عجيب صعب التصديق، هو حكاية اكتشاف أولبرايت أنها يهودية الأصل، وذلك بعد أن بلغت من العمر… 59 سنة، فقط لا غير! كانت الصحيفة تجري معها حواراً، في سنة 1997، حين أعلمها المحاوِر أن أسرتها يهودية، لكنها اهتدت إلى الكاثوليكية بعد الفرار من تشيكوسلوفاكيا إلى لندن خلال الحرب العالمية الثانية؛ فكان أن “فوجئت” أولبرايت بهذه المعلومة، زاعمة أن أهلها لم يخبروها، وأنها لم تكترث بإجراء أي أبحاث حول تاريخ أسرتها. ولم يكن الخبثاء وحدهم هم الذين شككوا في هذه “البراءة”، الصاعقة في زيفها وتكاذبها؛ إذْ كيف يعقل لسيدة تحمل شهادة الدكتوراه في القانون الأهلي والحكم منذ سنة 1976، واشتغلت مع أمثال زبغنيو بريجنسكي، وعملت في إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، وكانت وراء تشجيع بيل كلنتون على الترشح للرئاسة الأولى… كيف لها، حقاً، أن تغفل عن “نَكْوَشة” بسيطة في تاريخ أسرتها، رغم معرفتها أن بعض أفراد الأسرة، وهي شخصياً، نجوا من الهولوكوست بفضل “أعجوبة ربانية”؟
كتابها في “الفاشية: تحذير”، الذي صدر سنة 2018، لا يذكر من فاشية النظام السوري سوى بعض العتب على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأنه “وضع ثقله الهائل إلى جانب بشار الأسد، الطاغية الذي تلطخت يداه بدماء آلاف كثيرة”؛ لكن أولبرايت تتجاهل، تماماً، زيارة التعزية والاجتماع مع الوريث للتصديق على نهج التوريث وتأكيد التعاقد ذاته مع الابن، بعد أبيه. ولا يتضمن الكتاب الإشارة إلى أي بُعد فاشي خلف عشرات المجازر التي ارتكبها آل الأسد، الأب قبل الابن، منذ أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات، ثم على وجه التحديد بعد 2011 مع انطلاق الانتفاضة الشعبية. الفاشية عندها تبدأ من أدولف هتلر أولاً، بالطبع، ولكن بصفة شبه حصرية أيضاً في الواقع؛ وانطلاقاً، كذلك، من ذاكرة الطفولة التشيكية، مسقط رأس الطفلة ماري آنا كوربولوفا التي ستهاجر مع ذويها إلى بريطانيا ثم الولايات المتحدة سنة 1948.

كما اعتبرت أولبرايت أن قتل نصف مليون طفل عراقي ثمن مستحَق، فإن طريقها إلى سلة مهملات التاريخ ليس معبداً مضموناً فحسب؛ بل هو مآل مستحَق، ولعله الأجر الأدنى أيضاً

غير أن العالم على اتساعه كان ساحة اشتغال نظريات أولبرايت في بسط الهيمنة الأمريكية، ومن موقعها في وزارة الخارجية كانت قد أنذرت قادة الاتحاد الأوروبي ألا ينسوا، وهم يعملون على توسيع رقعة الاتحاد، أن أمريكا أنقذت أوروبا من غائلة الجوع عبر “خطة مارشال”، وحفظت أمنها طوال الحرب الباردة من خلال الحلف الأطلسي. وبالتالي، ليس من الوارد، في التقدير الأمريكي، أن أوروبا الغربية (الرأسمالية، الحرة، المعافاة نسبياً بسبب من جميل الولايات المتحدة…) يمكن أن تزدهر أكثر من ازدهار الولايات المتحدة نفسها، وأن توحد صفوفها بالانتقاص من مبدأ الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي! وأما خارج أوروبا، حيث العوالم الثانية أو الثالثة، فإن “ذاكرة أمتنا طويلة، وسطوتنا واسعة”، صرحت أولبرايت في أول تعليق لها على انفجارَي السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، صيف 1998، قبل أن تعلن تخصيص مكافأة المليوني دولار لمن يدل على هوية الجناة.
وفي ذلك التصريح الشهير امتزجت نبرة التهديد والوعيد بأطروحات فلسفية حول الأسباب الكبرى التي تجعل الأمريكي المعاصر رائداً للديمقراطية والحرية والتسامح، وقائداً للعالم الخير ضد العوالم الشريرة، وهدفاً للإرهاب والإرهابيين. غير أن أولبرايت أثارت سؤالاً بريئاً في مظهره، لكنه أوحى بالكثير من السذاجة المعلَنة: “لماذا يحدث هذا الأمر الرهيب لعدد من الناس كانوا يقومون بعمل خير للغاية”؟ ولقد أجابت بنفسها، هكذا: “لعلهم تعرضوا للهجوم لأنهم يقومون بعمل خير للغاية. ربما أُفردوا لأنهم يمثلون بلداً هو الأعظم عالمياً في الدفاع عن الحرية والعدالة والقانون. ربما لأننا نمثل قِيَم التسامح والانفتاح والتعددية، التي تنهض الآن في كل جزء من أجزاء العالم. ربما لأننا أقوياء، ولأننا نستخدم قوتنا لحل النزاعات التي يريد البعض الإبقاء عليها إلى الأبد”.
ولا تكتمل حصتنا، نحن العرب، من عربدة أولبرايت الدبلوماسية والعسكرية من دون التوقف عند موقفها المتعنت إزاء إعادة ترشيح بطرس بطرس غالي لولاية ثانية في الأمانة العامة للأمم المتحدة؛ وقبل ذلك حول صلاحيات مجلس الأمن الدولي، حين قالت عن غالي: “أليس من المضحك أن يعتقد أنه قادر على استخدام الفيتو ضد سياسات الولايات المتحدة”؟ وفي كتابه “طريق مصر إلى القدس: قصة دبلوماسي عن الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط”، 1997، يروي غالي أنه مُني بأقدار متتالية لم تضعه في وجه الأصوليين (كما تمنى: “في مطلع القرن أقدم متطرفون مصريون على اغتيال جدي [رئيس وزراء مصر آنذاك] لأنه تساهل مع الاستعمار البريطاني؛ ولو أنني كنت إلى جانب السادات يوم مصرعه، لكان المنطق يقتضي أن أخر إلى جانبه برصاص المتطرفين أنفسهم، حتى ولو اختلفت التواريخ وتباعدت الأزمنة”)؛ بل أمام بشر أقرب إلى الأرباب وأبطال الأساطير: السادات، بوصفه فرعون مصر والعقل الوحيد البراغماتي في العالم العربي؛ أو جورج بوش الأب، وريث الملك آرثر في عصور ما بعد الحرب الباردة؛ أو أولبرايت، في هيئة ميدوزا معاصرة تحيل خصمها إلى تمثال حجري…
وكما اعتبرت أولبرايت أن قتل نصف مليون طفل عراقي ثمن مستحق، فإن طريقها إلى سلة مهملات التاريخ ليس معبداً مضموناً فحسب؛ بل هو مآل مستحَق، ولعله الأجر الأدنى أيضاً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

صدّام حفتر وبشار حافظ:

لا استثناء للقاعدة

صبحي حديدي

 

هذا مسار عجيب، أو غير مألوف على الأقلّ، لطائرة ركاب ليبية: إقلاع من مطار دبي، وهبوط في مطار بن غوريون استغرق 90 دقيقة، وإقلاع إلى القاهرة بعدئذ؛ حسب وسائل إعلام إسرائيلية، بينها «هآرتس»، نشرت النبأ مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. غير أنّ العجب سرعان ما يتبدد، فيحلّ محلّه يقينُ العاديّ والمألوف والمتكرر إذا عُلم أنّ الشخصية التي استقلّت الطائرة كان صدّام خليفة حفتر، نجل المشير الليبي الانقلابي والقائد المعيّن ذاتياً في ما يًسمى «الجيش الوطني». وأيّ عجب، استطراداً، في أن يهرع هذا النجل إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، متوسلاً الدعم (في شتى أشكاله، كما للمرء أن ينتظر) لمطامع والده في خوض انتخابات الرئاسة الليبية؛ مقابل الوعد بالتطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية مع الاحتلال، وأصناف أخرى من المغريات والارتماءات تحت القدم الإسرائيلية.
وكان الليبيون، ومعهم كلّ معنيّ بالشأن الليبي يراقب المشهد من منظار مبسّط أو عفوي أو ساذج أيضاً، قد اكتشفوا هذا الفتى الصدّام في سنة 2016، حين ظهر فجأة خلال حفل تخريج ضباط ليبيين شهدته كلية الأمير هاشم للعمليات الخاصة في الأردن، وكان يتقلد رتبة نقيب، ويجلس إلى يمين اللواء عبد الرزاق الناظوري رئيس الأركان العامة لجيش حفتر. أبناء ليبيا تذكروا، أغلب الظنّ، أنجال العقيد معمّر القذافي من أصحاب الرتب العسكرية الموزّعة شذر مذر؛ وأمّا أبناء سوريا، فالأرجح أنهم تذكروا ترفيعات بشار الأسد: التخرّج من الكلية الحربية برتبة نقيب (القوانين العسكرية تخرّج الطالب الضابط برتبة ملازم)؛ وبعد شهرين فقط رُفّع إلى رتبة رائد، رغم أنّ القوانين تنصّ على خدمة لا تقلّ عن أربع سنوات قبل الترفيع إلى رتبة عليا جديدة؛ ولم يمض عام آخر حتى رُفّع الرائد إلى عقيد، من دون المرور برتبة مقدّم؛ وفي حزيران (يونيو) 2000، بعد ساعات أعقبت موت أبيه، رُفّع العقيد إلى رتبة فريق أوّل، وقائد عامّ للجيش والقوات المسلحة؛ قبيل ترشيحه لرئاسة الجمهورية، بعد اجتماع ما يُسمى «مجلس الشعب» وتعديل الدستور بما يتيح للوريث أن يتجاوز عقبة سنّ الـ40 كشرط للترشيح.
وفي خضمّ الاستعصاء الجديد الذي أعقب لجوء برلمان طبرق إلى تعيين فتحي باشاغا رئيساً للحكومة وتشبث عبد الحميد الدبيبة بالمنصب ذاته، الأمر الذي يزجّ ليبيا في أتون تصارع سياسي وعسكري وميليشياتي لا تُستبعد عنه أشدّ السيناريوهات دموية؛ مَن الذي يبرز على الساحة، فيرافق رئيس البرلمان عقيلة صالح في اجتماعاته مع رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري؟ الصدّام حفتر دون سواه، بالنيابة عن أبيه كما قد يقول قائل للوهلة الأولى، ولكن بالأصالة عن نفسه أيضاً وكما تعلّمت شعوب عربية عديدة من التجارب المريرة لتوريث الأبناء، في سوريا والعراق ومصر واليمن طبقاً للأمثلة الأبرز على الأقلّ. وكان في وسع حفتر الأب أن يتواصل مع الاحتلال الإسرائيلي عبر عشرات الأقنية المتاحة، مكتومة كانت أم معلَنة، إلا أنّ الحرص على إيفاد حفتر الابن يدشّن في الآن ذاته سيرورة تصعيد الفتى لوراثة أبيه؛ وأية بوّابة خير من تل أبيب لإضفاء اللمعان السياسي على النجوم المعدنية التي تكلل كتفَيْ الضابط الصدّام!
لا استثناء، إذن، لقاعدة توريث استبدادية سبق أن صعّدت، أو سعت إلى تصعيد، أمثال جمال حسني مبارك، باسل وبشار حافظ الأسد، سيف الإسلام معمّر القذافي، عدي صدّام حسين، أحمد علي عبد الله صالح… وفي هذه النماذج لا يحدث أن يوافق شنّ طبقة، بين المورّث والوريث، بل يثبت الفرع أنه أكثر من الأصل فساداً واستبداداً ودموية وتبعية وانحطاطاً؛ ولعلّ القاعدة هنا تكمن، وهكذا تتكرر.

 

استذكار اجتياح العراق

ويتامى “النظام الدولي” البائد

 

صبحي حديدي

 

تقول النكتة السوداء، لأنها إذْ تُضحك فهي أيضاً تبعث على الكرب، إنّ أحد أقطاب “النظام الدولي الجديد”، الذي ترعرع مع جورج بوش الأب قبيل عمليات “درع الصحراء” و”عاصفة الصحراء”، ثمّ انقرض لأنه لم يكن بالجديد ولا بالنظام أصلاً؛ سُئل عن العلاقة الأكثر سوريالية بين الغزو الأمريكي/ البريطاني للعراق سنة 2003، والغزو الروسي لأوكرانيا هذه الأيام، فأجاب: غزونا العراق للاشتباه في وجود أسلحة دمار شامل، ونمتنع عن التدخل في أوكرانيا لأنّ روسيا تمتلك ترسانة هائلة من تلك الأسلحة. وبمعزل عن التنكيت، المفيد تماماً في حالات كهذه، لن تعدم معلقاً عربياً كان مع “النظام الدولي الجديد” من رأسه حتى أخمص قدميه، لكنه اليوم يلوم الولايات المتحدة، والغرب عموماً من خلفها، لأنها لا تردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بما يكفي؛ أو لأنها (وهنا بعض ذرى التنكيت الأسود التلقائي!) إنما تخون “القِيَم” التي نهضت عليها فلسفة التدخل الإيجابي لصالح الديمقراطية وحقوق الإنسان على امتداد العالم. وأمّا ذروة السخف، الذي لا يضحك البتة هذه المرّة، فإنّ المعلّق الهمام إياه لن يستعيد أحداً أكثر من إدوارد سعيد، ليعلّق على كتفَيْ الأخير مسؤولية “شحن” الشعوب بالضغينة ضدّ الغرب عبر بوابات نقد الاستشراق!
وللمرء أن يدع أمثال هذا النموذج يواصل تيهه أمام مآلات العالم ما بعد 1990، ثمّ ما بعد اندثار نظريات نهاية التاريخ وصعود إنسان اقتصاد السوق الأخير، وما بعد 11/9 والكوارث التي انتهت إليها ردود أمريكا في أفغانستان والعراق؛ فالتوقف عند اجترار الماضي على سبيل مضغ الحاضر عند هؤلاء لا يجدي فتيلاً، حتى حين يقترب السجال من المأساة الأوكرانية الراهنة، بعد أن مرّ على مآسٍ أخرى في سوريا وفلسطين المحتلة واليمن وليبيا… للمرء، في المقابل، أن يتوقف عند التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ضمن سياق ما يجري راهناً في أوكرانيا؛ وخاصة إقراره بأنه “قد يكون أخطأ” في قرار غزو العراق وأفغانستان، ولكنه بالطبع أصرّ على أنه “كان الأمر الصحيح” الذي يتوجب القيام به. وبين “أخطأ” و”الصحيح”، لا يجدي فتيلاً هنا أيضاً البحث عن الحلقة المفقودة، أو المضيّعة بالأحرى؛ خاصة وأنّ بلير كان يتحدث صحبة أسقف كانتربري جستن ولبي، وأضاف التالي بالحرف: “سواء كنتَ على حقّ أم لا مسألة أخرى. في تلك القرارات الكبرى فعلياً، فإنك لا تعرف ماهية كلّ المكوّنات المختلفة، وعليك في النهاية أن تتبع غريزتك”.

مزيج من عناصر التشابه والتنافر فرض طرازاً بسيطاً من منطق ابتدائي يدفع بلير إلى الإقرار بخطأ في العراق من جهة أولى، والإعراب من جهة ثانية عن حماس مشبوب في ذمّ اجتياح أوكرانيا

في السياق أيضاً، يتوجب أن يُضاف لقب “سير” إلى اسم بلير لأنّ الملكة منحته الوسام الأرفع للفارس الأنبل في الرباط، كما يتوجب التذكير بأنّ أعداد الموقعين على عريضة شعبية تطالب بسحب الوسام منه، بسبب “جرائم الحرب” التي ارتكبها في العراق، تجاوزت الـ500,000 خلال أيام قليلة أعقبت إعلان لوائح الأوسمة. وجاء في العريضة أنّ بلير “ألحق ضرراً لا يمكن إصلاحه، بدستور المملكة المتحدة وبالنسيج المباشر لمجتمع البلاد”، و”كان مسؤولاً بصفة شخصية عن التسبب في وفاة أعداد لا حصر لها من المدنيين الأبرياء ورجال الجيش”؛ وبدل تكريمه بهذا الوسام الأرفع، يتوجب أن “يُحاسَب على جرائم الحرب” لأنه “الأقلّ استحقاقاً لأي تكريم عام، لاسيما إذا منحته الملكة”. ومن غير الجائز، إذْ لا يتقبل التاريخ، إغفال إصرار بلير على صحة قراره بزجّ بريطانيا في غزو العراق، بل لقد أعلن مراراً وتكراراً أنه سيفعلها مرّة ثانية إذا اقتضى الأمر، ولن يكون في أيّ حال “تابع أمريكا” كما يتهمه خصومه. ذلك من منطلق إيمانه بأنّ “الولايات المتحدة وأوروبا يجب أن تعملا سوياً في خلق العالم الجديد”، وأخشى ما يخشاه أن “تعود الولايات المتحدة إلى سياسة العزلة والتقوقع”، وأن “تترك أوروبا وحدها لمجابهة الإرهاب والفقر والأوبئة الكونية”…
ومراراً، أيضاً، تفاخر بلير بأنه كان سيشارك واشنطن في الإطاحة بنظام صدّام حسين حتى من دون الحاجة إلى تأكيد وجود أسلحة الدمار الشامل، وبلغ به الصلف حدّ التصريح علانية بأنّ عدم العثور على تلك الأسلحة كان تفصيلاً “فنّياً” محضاً؛ وأمّا “الصورة الأهمّ” في المشروع بأسره، أي الغزو والاحتلال وقلب النظام، فإنها كانت ثقته القصوى بصواب قراراته، ومشروعيتها وأخلاقيتها. وبالفعل، فقد زاود بلير على الأمريكيين أنفسهم في تصعيد الحرب النفسية، خصوصاً حين نشرت حكومته ما أسمتها “تقارير سرية خطيرة” عن وجود ترسانة عراقية مرعبة: صواريخ سكود سليمة مصانة، وأطنان (نعم، أطنان!) من المواد الكيماوية الجاهزة للتحوّل إلى أسلحة كفيلة بإبادة “سكان الأرض بأكملهم”، كما جاء في النصّ الحرفي حينذاك. وقبل الانخراط التامّ في صفوف الفيالق الأمريكية الغازية للعراق، لم يترك بلير فرصة تفوته للإعراب عن متانة التوافق الأنغلو ـ أمريكي الذي جمعه مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ثمّ خَلَفه جورج بوش الابن. ولم يكن بلير سعيداً بتكديس المدائح على كلينتون فحسب، بل تعيّن أيضاً أن يسكت عن فضائح الأخير الجنسية؛ مراهناً على رئيس مثخن بالجراح، مقامراً بخيانة مدوّنة السلوك التي بشّر بها بلير نفسه طويلاً، خاصة بصدد القِيَم العائلية وتجسيد المعجزة الأخلاقية للبريطاني النيو ـ فكتوري السائر على سبيل ثالث بين اليمين واليسار!
اليوم يقول إنّ “الهجوم على أوكرانيا، وهذه ديمقراطية مسالمة انتُخب رئيسها في انتخابات نزيهة وحرّة، لا تبرير له كلياً، والمملكة المتحدة وحلفاؤنا كانوا على صواب حين رأوا فيه اعتداء علينا جميعاً، وعلى قِيَمنا”؛ ثمّ يمجّد “شجاعة الشعب الأوكراني”، ويطالب أن يستمدّ الغرب “الدروس الأعرض مما وقع”. وحين يطلق هذه التصريحات فإنّ الآلاف من رافضي منحه الوسام الأرفع يذكّرونه بموقفه في سنة 2014 حين اندلع أوّل اللهيب الأمريكي/ الأطلسي مع روسيا حول أوكرانيا، واعتبر بلير أنّ “على الفريق الأوّل وضع الخلافات جانباً”، والتركيز على “تنامي ظاهرة الإسلام المتشدد” في الشرق الأوسط وباكستان وأفغانستان وشمال أفريقيا، لأنها تمثل “تهديداً كبيراً للأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين”. ولقد ختم بنصيحة ورجاء: “مهما كانت المشاكل الأخرى التي تلقي بثقلها علينا، ومهما كانت خلافاتنا، علينا ان نكون جاهزين لبذل الجهود والتعاون مع الشرق خصوصاً روسيا والصين”. نعم، “مهما كانت” إذن، بما في ذلك ضمّ شبه جزيرة القرم وغزو أوكرانيا، أو إذا صغّرت الصين عقلها وحذت حذو الكرملين فضمّت تايوان أو اجتاحتها؛ فلا خطر، في المقابل، يعادل ظاهرة “الإسلام المتشدد”.
ولقد كُتب الكثير في باب المقارنة بين العراق وأوكرانيا، وتلمّس البعضُ الفوارق العديدة بين الملفّين، وانزلق البعضُ إلى مطابقات سطحية قاصرة؛ غير أنّ مزيجاً من عناصر التشابه والتنافر فرض طرازاً بسيطاً من منطق ابتدائي يدفع بلير إلى الإقرار بخطأ في العراق من جهة أولى، والإعراب من جهة ثانية عن حماس مشبوب في ذمّ اجتياح أوكرانيا. وهو ذات الطراز الذي يحثّ على استدعاء النكتة السوداء سالفة الذكر، ثمّ توسيع نطاقها لتشمل المقارنات بين لاجئ سوري أو أفغاني أو أفريقي حالك البشرة داكن العينين، وآخر أوكراني أبيض البشرة أزرق العينين. ولا عجب، والحال هذه، أن تلتقي أفكار بلير، أحد أبرز أشباح “النظام الدولي الجديد”، مع يتامى ذلك النظام البائد لجهة ترحيل الخيبة إلى تنظيرات المحافظين الجدد في أمريكا وأوروبا تارة، أو تارة أخرى معاكسة إلى… إدوارد سعيد، دون سواه!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

سُحُب يلتسين

التي تمطر في أوكرانيا

 

صبحي حديدي

 

ليس من الإنصاف، بل لعله أقرب إلى الإجحاف، أن تُلقى على عاتق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كامل إشكالية روسيا المعاصرة، سواء على أصعدة داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية وإعلامية؛ أو على صعيد الطموحات الجيو – سياسية التي باتت تأخذ صفة تدخل عسكري تارة، أو إلحاق وضمّ واستتباع تارة أخرى. إنه، ليس من ريب كبير، الأكثر تحمّلاً لمسؤوليات قرارات الكرملين في هذه الملفات، والأعلى استعداداً لمجابهة العواقب الوخيمة خلف مغامرات جامحة على شاكلة ما فعل في جورجيا وشبه جزيرة القرم وأوكرانيا راهناً؛ لكنه أشبه بزارع به مسّ، مصاب بخلائط جنون العظمة وشهوة الهيمنة والتماهي المَرَضي مع القياصرة، أورثه آخرون بذار ما يخال أنه يحصد زرعه تباعاً.
وأغلب الظنّ أنّ تاريخ روسيا، وبالتالي تاريخ العالم إبان وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، لم يحفظ للرئيس الروسي الأسبق الروسي بوريس يلتسين (1931-2007) تلك الصورة الأيقونية الشهيرة (في آب/ أغسطس من العام 1991)، أمام البرلمان الروسي، حين امتطى دبابة تابعة لجنرالات الجيش الأحمر الذين أعلنوا الانقلاب على ميخائيل غورباتشيف، قبل أن يفشل انقلابهم على نحو تراجيكوميدي. وليس، غالباً أيضاً، تلك الصورة الأيقونية الأخرى (في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1993) حين أمر – باعتباره الرئيس، هذه المرّة، وبعد استدراج ولاء وزارة الداخلية والجيش الروسي – بقصف مبنى البرلمان الروسي ذاته لفضّ نزاع دستوري مع النوّاب المعارضين، على نحو غير بعيد عن الروحية ذاتها: المأساة/ المهزلة.
ما حفظه التاريخ أكثر، بدليل ملفات غوغل وغالبية محركات البحث، هو شريط الفيديو القصير الذي يلتقط الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون عاجزاً عن كتم موجة من الضحك الهستيري انتابته بعد سماع تعليق من يلتسين الواقف إلى جانبه، في نيويورك، خريف 1995. لم يكن المشهد مهيناً ومذلاً وهابطاً، بالنسبة إلى رئيس يتوجب أنه يمثّل القوة الكونية الأعظم الثانية، فحسب؛ بل كان نمط تفضيح أقصى لطبيعة بذور التحريض الشعبوي التي سوف يعتمدها بوتين، ربيبه وخليفته لاحقاً، بصدد إحياء نوستالجيا الإمبراطورية. وقبل بوتين كان هذا المخمور المتهتك، يلتسين، هو الآمر بغزو بلاد الشيشان عسكرياً، وإخضاعها، و«ضرورة قتل الكلاب المسعورة» هناك.
وهذه السطور ليست البتة صيغة مواربة من الحنين إلى النظام السوفييتي؛ بل قد يكون مشروعاً التذكير بأنّ صاحبها ينتمي إلى تيار النقد العميق لماركسية سوفييتية قاصرة وشائهة وستالينية، ولطراز من الاشتراكية استولد موضوعياً سلسلة العناصر التي حتّمت اندثاره. غير أنّ الليبرالية الروسية، الحولاء بدورها والأسوأ تشوّهاً وتسطحاً، كانت ولاّدة صعود حكم الأفراد القلائل المقرّبين من يلتسين، القابضين على زمام الأمور في السياسة الداخلية والأمن والاقتصاد، وأصحاب المصلحة الكبرى في هندسة مستقبل روسيا على نحو آمن خالٍ من العواصف «الديمقراطية».
وقبل الحلقة الضيّقة التي يحيط بوتين نفسه بها، كان يكفي المرء أن يستعرض لائحة أفراد «العائلة» هذه كي يدرك حجم تأثيرها في عقل سيّد الكرملين، الذاهل الذاهب أبعد فأبعد نحو خريف البطريرك: تاتيانا داشنكو (ابنة يلتسين)، ألكسندر فولوشين (رئيس أركان الكرملين)، بوريس بريزوفسكي ورومان أبراموفيتش (أبرز شيوخ المال والأعمال والمصارف). هؤلاء كانوا «القطط السمان» في التعبير الشائع، أو «الأوليغارشية الجديدة» في التعبير الروسي الخاصّ، وكانوا يملكون مفاتيح الجبروت الكبرى: من شركات النفط والصحف اليومية وأقنية التلفزة، إلى مصانع التعدين والأغذية ومؤسسات الاستيراد والتصدير، وصولاً إلى الأهمّ والأخطر: المصارف الخاصّة.
وإذا صحّ أنّ شخصية بوتين حمّالة تعقيدات وعُقُد وعقائد أبعد، بكثير ربما، مما يصحّ أن يُحمّل على شخص يلتسين؛ إلا أنّ علوم الجدل، في حدودها الدنيا، لا تسمح بإغفال تلك الحقيقة البيّنة: سُحُب الأخير هي بعض، غير قليل، من هذه التي تمطر اليوم في أوكرانيا.

 

 

أجيال السلاح الروسي:

اختبار في سوريا

 وتحديث في أوكرانيا

صبحي حديدي

 

في تموز (يوليو) 2021 زار وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو مصنعاً للحوّامات في روستفيرتول، وتفاخر بأنّ الجيش الروسي اختبر في سوريا أكثر من 320 نمطاً من الأسلحة، وقال بالحرف: “إحدى هذه الحوّامات التي ترونها اليوم هي نتاج العملية السورية”. قبله، ولكن في حزيران (يونيو) 2018، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد سبق شويغو في تثمين الفوائد التي قدّمها الميدان السوري على سبيل اختبار الأسلحة الروسية: فرصة “لا تُقدّر بثمن”، قال بوتين، مشدداً على أنّ استخدام السلاح في ساحات القتال الفعلية لا يعادل أيّ طراز من التدريبات أو المناورات. وقبل أيام من انطلاق الزحف العسكري الروسي نحو عمق أوكرانيا، أشرف شويغو على مناورات روسية بحرية في المياه السورية، وبعض القطع المشاركة توجّب أن تتحرّك بالفعل نحو البحر الأسود للانخراط في العمليات القتالية الفعلية ضدّ أوكرانيا.
هنالك اعتبارات، لا عدّ لها ولا حصر ربما، تؤكد الفوارق الحاسمة بين التدخل العسكري الروسي في سوريا، والاجتياح العسكري الروسي الراهن في أوكرانيا؛ وتلك اعتبارات تتجاوز الأبعاد التاريخية والجيو-سياسية والأمنية والثقافية، ثمّ النفسية والذاتية عند بوتين شخصياً، إلى الفوارق بين شخص الرئيس الأوكراني المنتخب فولوديمير زيلينسكي (على علاته، غير القليلة كما يتوجب القول)؛ ومجرم الحرب الصغير التابع بشار الأسد، وبطانة الاستبداد والفساد، في سوريا. غير أنّ واحداً من جوانب التقاطع، أو التطابق بدرجة عالية، هي حكاية اختبار الأسلحة الروسية الحديثة، عالية التكنولوجيا، “فوق الصوتية” كما في الرطانة العسكرية، المحاذية لأسلحة التدمير الشامل في أجيالها الكلاسيكية والمحدّثة؛ والتي، على وجه الدقة، كانت وتظل موضوعاً للتفاخر لدى كبار الجنرالات الروس، وعند بوتين شخصياً.
وليس الأمر أنّ الجيش الروسي، في عهد بوريس يلتسين قبل بوتين، لم يمتلك الفرصة أو الميادين لاختبار أجيال السلاح الروسي الجديدة فعلياً؛ فقد كانت تجارب شيشنيا وجورجيا وشبه جزيرة القرم قد تكفلت ببعض هوامش التجريب، وأسفرت عن إدخال بعض التغييرات، التي ظلت مع ذلك محدودة. فارق الميدان السوري تمثّل، أوّلاً، في ضعف الخصم أو حتى عدم وجوده عملياً أحياناً؛ الأمر الذي أتاح المزج بين اشتراطات الاستخدام القتالي الميداني والنيران الحيّة، ومقتضيات الاختبار الآمن الذي يقارب المناورة في بعض الحالات. صحيح أنّ مقاتلات تركية (إف-15 أمريكية الصنع) تمكنت من إسقاط مقاتلة سوخوي-24 روسية في سماء سوريا، خريف 2015 بعد أسابيع قليلة على التدخل الروسي، إلا أنّ الواقعة لم تندرج في سياق اختبار أداء الطائرة الروسية، كما أنّ هذه المقاتلة لم تكن في عداد الصنوف الجديدة الذي عكف الجيش الروسي على تجريبها في سوريا.

الأسلحة الروسية التي تُستخدم في سوريا إنما تجرّبها موسكو تحت احتماليات فريدة من الاحتكاك مع صنوف الأسلحة الأطلسية المختلفة، والأسلحة الإيرانية، وكذلك المقاتلات الإسرائيلية

جانب ثانٍ يسبغ أهمية خاصة على حقول الاختبار السورية، لعلها استثنائية وفريدة أصلاً، هو أنّ الأسلحة الروسية التي تُستخدم في سوريا (في سماء الساحل تحديداً، ومناطق حمص وحلب وإدلب بصفة خاصة) إنما تجرّبها موسكو تحت احتماليات الاحتكاك مع صنوف الأسلحة الأطلسية المختلفة، مباشرة عبر التحالف أو الجيش التركي في الشمال، من جهة أولى؛ والأسلحة الإيرانية، الصاروخية والمضادّة للدروع أوّلاً، من جهة ثانية؛ وكذلك المقاتلات الإسرائيلية التي تقوم بعمليات قصف شبه منتظمة في مختلف المناطق السورية، من جهة ثالثة. هذه حال تمنح سيرورات الاختبار الروسية قيمة خاصة يندر أن تتوفر في الصيغة الميدانية المباشرة، لأنها أيضاً تدور في إطار ثلاثة أصناف من ترجيح المواجهة: 1) مع خصم (متَّفَق معه ضمناً) هو التحالف والسلاح الأطلسي؛ و2) شريك/ صديق ميدانياً (لا تغيب عنه المنافسة وبعض الخلاف)، هو السلاح الإيراني؛ و3) حليف غير مباشر (وأطلسي غير معلَن رسمياً)، هو السلاح الإسرائيلي.
وحال التشابك هذه، التي وحّدت سلسلة من المصالح المتطابقة تحت مظلات عجيبة من الاختلافات الشكلية والسياسية والتحالفية، أتاحت للولايات المتحدة والحلف الأطلسي وغالبية الحكومات الغربية أن تسكت عن اختبارات أكثر من 320 سلاحاً روسياً جديداً، جرى تجريبها تباعاً في سوريا منذ ابتداء التدخل الروسي خريف 2015. وقد يكون صحيحاً أنّ السكوت ذاك اقترن، عند مَن امتلك الوسيلة، بمراقبة لصيقة لنتائج التشغيل الروسي لجديد هذه الحوّامة أو تلك الطائرة المسيّرة؛ لكنّ أياً من المراقبين، عن كثب أو عن بُعد، لم يتخذ من إجراءات الحدّ الأدنى بصدد واحد من أقذر الخيارات في الصناعات العسكرية: التجريب الحيّ على البشر المدنيين، في المشافي والمدارس والمخابز والأسواق الشعبية. حينذاك سكتت واشنطن وبروكسيل ولندن وباريس وبرلين، هذه العواصم إياها التي تجأر اليوم بالصراخ (وبعض النحيب كذلك!) احتجاجاً على الاجتياح الروسي في أوكرانيا، وعلى… تطبيق ما اختُبر ضدّ أطفال ونساء وشيوخ سوريا، ولكن في كييف وخاركيف وماريوبول…
وخلال دورة 2007 لمؤتمر ميونخ الشهير حول قضايا الأمن والدفاع، أصاخ المندوبون السمع، والكثير منهم صفّق، خلال خطبة بوتين التي لا تقلّ شهرة؛ ومن غرائب الصدف أنّ ذكراها الـ15 تمرّ هذه الأيام تحديداً، على وقع قذائف الجيش الروسي وعذابات الشعب الأوكراني. وكيف يُنسى تركيز الرئيس الروسي على القول بأنّ مشكلة الأمن الدولي أقرب صلة إلى واقع الاقتصاد العالمي ومشكلات الفقر والحوار بين الحضارات، منها إلى الاستقرار السياسي أو العسكري؛ أو الامتناع عن اقتباس لينين أو ستالين أو الإمبراطورة كاترين، كما فعل مؤخراً في خطبة الزحف على أوكرانيا، والعودة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق فرنكلين روزفلت، بصدد الحرب العالمية الثانية: “أينما يُنتهك السلام، فإنّ العالم كلّه يقع تحت التهديد”. الغرب صفّق، لكنه تنبّه أيضاً إلى المرارة الدفينة في رثاء بوتين للاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، وهجاء تمدّد الحلف الأطلسي نحو رومانيا وبلغاريا، والتلويح بأنّ الآلة العسكرية الروسية في تطوّر حثيث.
ولقد عقد بوتين اجتماعاً دراماتيكياً مع أركان القيادة العسكرية الروسية، وأبلغ العالم بأنّ روسيا سوف تنشر في الأعوام القليلة القادمة أنظمة صواريخ نووية جديدة متفوّقة على كلّ ما تمتلكه القوى النووية الأخرى في العالم أجمع. وفي تصريحات ساخنة قال إنّ بلاده لن تكتفي بالأبحاث النووية والاختبارات الناجحة للأنظمة الجديدة، بل هي ستتسلّح بها فعلياً خلال السنوات القليلة القادمة: “أنا واثق أنّ هذه التطوّرات والأنظمة غير متوفرة لدى الدول النووية الأخرى، ولن تكون متوفرة في المستقبل القريب”. وفي الخلفية كان ثمة تصريح جورج روبرتسون، الأمين العام الأسبق للأطلسي، بأنّ الحلف بات يضمّ دولاً تمتدّ مساحتها من فانكوفر في كندا إلى فلاديفوستوك شرق روسيا. وفي خلفية ثالثة كان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن قد اعتبر أنّ الحرب الباردة انتهت الآن فقط، مع صدور “إعلان روما” الذي تضمّن تشكيل المنتدى الأمني الجديد، بعضوية دول حلف شمال الأطلسي الـ19، بالإضافة إلى روسيا: أيّ أنها لم تنتهِ على يد جورج بوش الأب والرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، بل جورج بوش الابن ونظيره فلاديمير بوتين!
وما يشعله بوتين اليوم في أوكرانيا قد لا يكون جولة أولى في الحرب الباردة الثانية، لكنه ليس البتة بعيداً عن التطبيق العملي لحذافير عديدة في خطبة ميونخ 2007، لجهة كسر نظام القطب الواحد واستئناف الإمبراطورية الروسية بوسائل الغزو العسكرية ذاتها التي انتبذها بوتين قبل 15 سنة؛ مع فارق حاسم: لقد اختبر في سوريا، وها أنه اليوم يحدّث ويستحدث في أوكرانيا… ليس أقل”!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

بين جنون العظمة وصَغار النفس:

قواسم بوتين والأسد

صبحي حديدي

 

في توصيف حرب الاجتياح والإلغاء والإلحاق التي يشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضدّ أوكرانيا الشعب والبلد والتاريخ، يصعب أغلب الظنّ العثور على اختزال أكثر ضحالة وركاكة وتعبيراً عن الذيلية والتذلل أكثر من تصريحات رأس النظام السوري بشار الأسد. ومجرم الحرب هذا، سليل عائلة فاسدة مفسدة طائفية تحكم سوريا منذ 52 سنة بأشدّ صنوف الاستبداد وحشية وهمجية وتجرّداً من كلّ وأيّ رادع، هو نفسه الذي هاتف بوتين كي يطمئنه إلى أنّ بربرية الجيش الروسي في أوكرانيا هي «تصحيح للتاريخ وإعادة للتوازن إلى العالم الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفيتي». ليس هذا فقط، بل إنّ «مواجهة روسيا لتوسّع الناتو هو حقّ لأنه أصبح خطراً شاملاً على العالم»، وتوجّب أن يختم المهووس بالتفلسف الأجوف هكذا: «الهستيريا الغربية تأتي من أجل إبقاء التاريخ في المكان الخاطئ».
والأسد هذا هو، نفسه، الذي يواصل تراث أبيه في اغتصاب سوريا وتخريبها وتدمير بُناها الوطنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والديمغرافية، ويتمرّغ في إسار احتلال من دولتين أطلسيتين (الولايات المتحدة وتركيا)، وثالثة بمثابة مخفر أمامي أطلسي (دولة الاحتلال الإسرائيلي)، إلى جانب روسيا بوتين إياه، وإيران آيات الله مباشرة أو عبر «حزب الله» وشتى المرتزقة والميليشيات المذهبية. ورغم حرص الكرملين على الإيضاح بأنّ اتصال الأسد جاء بمبادرة منه، وليس من بوتين؛ فإنّ إعلام النظام، صحبة هذه أو تلك من الأقنية «الممانعة»، حرص على التشديد بأنّ سيّد الكرملين «تشاور» مع الأسد قبيل الشروع في اجتياح أوكرانيا.
وهذه حال تذكّر بمسخرة أخرى، من الجانب الروسي هذه المرّة، بصدد العلاقة مع رأس النظام السوري؛ ساعة انقلاب الأخير إلى وحش أعزل، مطلع العام 2012. يومذاك بادر فاليري غانيتشيف، رئيس «اتحاد كتّاب روسيا»، إلى منح الأسد جائزة «أحد أهم رجال الحقل السياسي والاجتماعي والحكومي»، وذلك بسبب «صموده في مقاومة الهيمنة الغربية في محاولة إملاء إرادة مستعمري عالمنا الحالي على الشعب السوري». وقال الرئيس العتيد، في خطبة تسليم الجائزة إلى سفير النظام في موسكو: «توجد مجموعات متضررة من مقاومة الهيمنة تحاول استثارة الشارع، ونرى ازدواجية المعايير في التعاطي مع الأحداث في المنطقة»؛ مشدداً على أنّ «سوريا كإحدى أروع التشكيلات الاجتماعية، تتعرض لهجمات همجية لتفتيتها تحت اسم ثورة».‏
وهكذا فإنّ غانيتشيف لم يسمع بمقتل الآلاف وبينهم أطفال ورضّع، والتمثيل بالجثث، واغتصاب الصبايا والنساء، وممارسة أبشع صنوف التعذيب، واعتقال عشرات الآلاف، وتحويل المدارس والملاعب والساحات العامة وعربات القطارات وحاويات السفن إلى سجون. ولم تبلغه أخبار حصار القرى والبلدات والمدن، واستهدافها بأسلحة ثقيلة شتى، من المدفعية وراجمة الصواريخ، إلى الحوّامة والقاذفة المقاتلة. وتلك الانتفاضة الشعبية في سوريا ليست من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة والمستقبل الأفضل، بل هي «هجمة شرسة»، فقط، تستهدف الأسد «الذي يلاقي تطلعات شعبه».
وأبعد من مبدأ الطيور التي على أشكالها تقع، إذ شتان بين آمر غازٍ نووي النواجذ مثل بوتين، وتابع صاغر مهين كيميائي الحقد براميلي الضغينة مثل الأسد؛ ثمة، هنا، طراز لافت من التكامل المَرَضي بين جنون العظمة ونوستالجيا الإمبراطورية عند الأوّل، وجنون صَغار النفس وهوس التشبث بالسلطة عند الثاني. وفي تدابير الأحكام الجيو – سياسية، وما يتحكّم في مسارات هذا أو ذاك من كبار الأباطرة وصغار الطغاة؛ لا تصحّ الاستهانة بالبواطن الخافية طيّ أباطيل بوتين حول محاربة النازية في أوكرانيا، أو تخرصات الأسد حول تصحيح التاريخ.
الجاهز للتهديد بالأزرار النووية في تبرير اجتياح بلد وإلغاء شعب، أو المستعدّ لقصف بلدات وقرى بقذائف إبادة جماعية كيميائية وجرثومية، ليسا في نهاية المطاف بحاجة إلى وقوع الشكل على الشكل، ويكفي سجود الثاني أمام الأوّل كي تتضح الصلات، ويُعثر على القواسم المشتركة.

 

من العراق إلى أوكرانيا:

سكوت ريتر

وذاكرة الأباطيل الأمريكية

صبحي حديدي

 

مَن يتذكّر سكوت ريتر، المفتش الأشهر عن أسلحة الدمار الشامل في العراق؛ والفاضح الأكبر لأكاذيب الإدارة الأمريكية حول الملفّ، وكيف صارت مهاداً لاجتياح العراق وصناعة «عاصفة الصحراء» وعواقبها الكارثية؛ والمُراجِع الأبرز للذات أوّلاً، ثمّ لسنوات وسنوات من صناعة الأباطيل والأضاليل بصدد العراق وإيران فالشرق الأوسط طولاً وعرضاً، مقابل السكوت عن كلّ هذه الملفات حين تتصل بدولة الاحتلال الإسرائيلي؟ أو، في صياغات أخرى لفحوى الأسئلة إياها: لماذا يصحّ استذكار ريتر في هذه الأيام بالذات: مفاوضات فيينا المتعثرة، حول البرنامج النووي الإيراني؛ والاستعصاءات المتعاقبة بصدد استحقاقات دستورية، مركزية وهيكلية، في العراق؛ والتسخين على جبهة أوكرانيا بين أمريكا والحلف الأطلسي من جهة، وروسيا (بانخراط غير تامّ، حتى الساعة، مع الصين) من جهة ثانية؟
سبب أوّل يسوّغ هذه العودة إلى ريتر، هو سلسلة شهادات بليغة بقدر ما هي إشكالية، حول هذه الملفات وسواها؛ دوّنها الرجل في مناسبات عديدة، لعلّ أشدّها وضوحاً من حيث التوثيق تلك الفصول الشاهدة في عدد من مؤلفاته ذات الصلة: «نهاية اللعبة: حلّ مشكلة العراق ـ مرّة وإلى الأبد» 1999؛ «سرّي عراق: القصّة المكتومة عن مؤامرة الاستخبارات الأمريكية» 2005؛ و«هدف إيران: الحقيقة عن خطط الحكومة الأمريكية لتغيير النظام» 2006؛ وكذلك الكتاب الأحدث والأوسع نطاقاً «الملك العقرب: اعتناق أمريكا الانتحاري للأسلحة النووية من روزفلت إلى ترامب» 2020. سبب ثانٍ هو أنّ ريتر اتخذ، بعد إنهاء مهامه في تفتيش العراق واضمحلال الشخصية التي قُدّم بها في الإعلام الأمريكي وتمزج بين رامبو المارينز وشرلوك هولمز التحقيق، مال عموماً إلى معارضة غالبية سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه الشرق الأوسط. وبالطبع، لم تتجرّد معارضاته من نزوع التغريد خارج السرب على مبدأ خالفْ تُعرف، وكذلك محاولة الاقتداء بنجوم التحقيق الصحافي (سيمور هيرش في المثال الأبرز، والموقف من الهجمات الكيميائية التي استهدفت الغوطة وخان شيخون في سوريا).
حزمة ثالثة من الأسباب هي أنّ ما يقوله ريتر اليوم عن أجواء الحرب المتصاعدة على الجبهة الأوكرانية تحمل الكثير من المغزى، وتقترح العديد من التأويلات، حول طبائع التسخين من جانب الإدارة الأمريكية تحديداً؛ وما إذا كان النسق العام يعيد إنتاج مناخات مماثلة لجأ إلى تصنيعها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب سنة 1990، والرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن سنة 2003، قبيل غزو العراق في الحالتين. المرء هنا، في أخذ مقترحات ريتر على محمل التصديق أو التشكيك، يتوجب أن يتجاوز شخصية المفتش الرامبوي/ الهولمزوي، إلى الموظف (رفيع المسؤوليات أحياناً) الذي عمل ضابطاً في المارينز خلال 7 سنوات، ومفتشاً في الاتحاد السوفييتي خلال تطبيق معاهدة القوات النووية متوسطة المدى
INFK سنوات 1991-1998، وعضواً في أركان الجنرال نورمان شوارزكوف أثناء حرب الخليج. وبهذا المعنى يجوز فيه اعتماد النصح العتيق الصائب: إسألْ مَن كان بها خبيراً، في تفاصيل عديدة ليس أقلها أهمية حكاية تلفيق المخاطر وتصنيع الأوهام وتضخيم المخاوف في التهيئة للحرب.
وهكذا، بادر جون راشيل، مدير «مشروع عوائد السلام» الأمريكي، إلى إجراء حوار مسهب مع ريتر، مؤخراً، وطرح عليه عدداً من الأسئلة التي تغطي الراهن في العلاقات الدولية وموقع الولايات المتحدة وأمراض الديمقراطية الأمريكية؛ ولكنها الأسئلة التي تذهب أبعد من هذه المحاور إلى العديد من الجوانب الجوهرية التي طبعت، وما تزال، النظام السياسي العالمي الراهن والموروث معاً، ومعادلات القوى العظمى على أصعدة شاملة. الهاجس الأول كان «ساعة القيامة» النووية، وهل يتوجب أن تدقّ قبل 100 ثانية كما يقول العلماء؛ حيث أجاب ريتر بأنّ العقيدة العسكرية الأمريكية لا تفترض خيار استخدام الأسلحة النووية بقدر ما تعتبره فعلاً منفصلاً أعلى، أو أبعد، من المهمة العسكرية الموضوعة قيد التنفيذ؛ وهذا لا يعني أنّ خطر نزاع نووي ليس فعلياً، أو أنّ على العالم ألا يقلق.

أياً كانت مغامرات بوتين وسياساته الإمبراطورية وعربدته الراهنة في سوريا والقرم وليبيا ومالي ومدغشقر وفنزويلا والموزامبيق، أو المقبلة في تخوم أوكرانيا… كم من سكوت ريتر تحتاج الإنسانية في سبيل افتضاح الأباطيل الأمريكية؟

بذلك فإنّ الحديث عن ضبط «ساعة القيامة» ليس مهماً، لأنه إذا اتُخذ قرار استخدام الأسلحة النووية فهذا يعني أننا فشلنا، وأننا في الساعة صفر، وبالتالي لن تكون المهلة أكثر من ثانية واحدة قبيل اندثار البشرية. والأرجح أنّ نبرة التهويل الدرامي في تشخيص ريتر لا تنطلق من فراغ، قياساً على ذهنية الرجل ومحاكمته لموازين القوى العظمى وعتادها النووي تحديداً؛ لأنه في إجابة تالية حول علاقات الشدّ والجذب بين أمريكا وروسيا والصين، مثلاً، يرى أنّ الثلاثة انخرطوا مراراً في تنويعات على «اللعبة الكبرى» ذاتها، التي تعتمد الجبروت العسكري وسيلة لاكتساب السيطرة على، وتأمين، الأهداف التي تدخل تحت تصنيف المصالح القومية العليا.
ويسأل راشيل عن عنصر الإفساد الذي طرأ على فترة علاقات الوفاق بين واشنطن وموسكو في أعقاب بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف، فيساجل ريتر بأنّ الولايات المتحدة لم تساند غورباتشوف عملياً، بل قد تكون أسهمت في تقويض مشروعه، لأنه أرادت أن تتحوّل السلطة هناك على غرار بوريس يلتسين الضعيف، أو دمتري مدفيديف (الذي كان المفضّل عند الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، مثلاً). فكان أن جوبهت بطموحات فلاديمير بوتين إلى روسيا قوّة عظمى متجددة، وإمبراطورية محاصِصة صانعة للقطبية، وهيمنة تمزج بين مافيا المال والأعمال والغاز والنفط وبين ضمّ جزيرة القرم وغزو سوريا ونشر ميليشيات «فاغنر» حيثما اقتضت شروط «اللعبة الكبرى» ذاتها. وخلاصة القول، في أعمال الشدّ والجذب، هي التالية حسب ريتر: «الجشع يحبّ الفراغ، والبشر باتوا جشعين أكثر فأكثر، وهذا أحد وجوه القول إنك إذا لم تنشر قوّة كافية للدفاع عن نفسك، فإنّ سواك سوف يستفيد من هذه الفرصة»؛ ولا جديد، بالطبع، في ما يستذكره من أنّ أمريكا وروسيا والصين، بعد فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، استخدمت الجبروت العسكري لحيازة مكاسب جيو ـ سياسية على حساب الآخرين.
والحال أنّ الوقفة الراهنة عند استنتاجات ريتر تبيح استذكار نظائرها لدى الرجل نفسه، ساعة استقال من المهامّ الرامبوية/ الهولمزوية، وأعلن جملة أباطيل كانت من تصنيع إدارات أمريكية متعاقبة بعد قبل «عاصفة الصحراء» وبعدها، في التمهيد لغزو البلد: 1) لا توجد رابطة بين صدام حسين و«القاعدة»؛ 2) إمكانيات العراق الكيميائية والبيولوجية والنووية دُمّرت في السنوات التي أعقبت حرب الخليج؛ 3) المراقبة عن طريق الأقمار الصناعية كانت، وتبقى، قادرة على كشف أيّ مراكز جديدة لإنتاج الأسلحة في العراق؛ 4) الحصار منع العراق من الحصول على المواد المكوّنة لصنع الأسلحة؛ 5) فرض مبدأ «تغيير النظام» بالقوّة لن يجلب الديمقراطية للعراق؛ و6) عواقب حرب أمريكا على العراق خطيرة للغاية على الشرق الأوسط بأسره.
وفي كلّ حال، وكما اتضح لاحقاً بأقصى جلاء، كانت إدارة بوش الابن عازمة على غزو العراق، عاد المفتشون أم لم يعودوا، وجرى تجريد البلد من السلاح أم لا. كان سيد البيت الأبيض في حاجة إلى تلك المغامرة العسكرية لأسباب ذاتية تخصّ إنقاذ رئاسته الأولى ومنحها المضمون الذي شرعت تبحث عنه بعد مهزلة إعادة عدّ الأصوات في فلوريدا، وبالتالي صناعة ـ وليس فقط تقوية ـ حظوظه للفوز بولاية ثانية. فما الذي اتضح من خطأ في تقديرات ريتر تلك؟ وأياً كانت مغامرات بوتين وسياساته الإمبراطورية وعربدته الراهنة في سوريا والقرم وليبيا ومالي ومدغشقر وفنزويلا والموزامبيق، أو المقبلة في تخوم أوكرانيا… كم من سكوت ريتر تحتاج الإنسانية في سبيل افتضاح الأباطيل الأمريكية؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

أوكرانيا: مجازفات النووي

بين أحماض وصواريخ

صبحي حديدي

 

التصعيد الدرامي الذي يكتنف ملفّ التأزّم في أوكرانيا بين الولايات المتحدة والحلف الأطلسي وأوروبا من جهة، وروسيا وشخص سيّد الكرملين فلاديمير بوتين من جهة ثانية، والارتدادات الفرعية في الصين وأسواق الغاز من جهة ثالثة؛ لم يكن ينقصه سوى تسريبات قصر الإليزيه الأخيرة، حول امتناع الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون عن الخضوع لفحص فيروس كورونا في موسكو قبيل لقائه مع بوتين، خشية أن يسرق الكرملين معطيات حمضه النووي. صحيح أن التسريب يستهدف، بين ما يستهدف، تبديد بعض أجواء التهكم التي أطلقتها طاولة الاجتماع، الطويلة المتطاولة الغريبة المضحكة، بين الزعيمين؛ إلا أنّ من الصحيح أيضاً أن تكون سلسلة رسائل، سياسية قبل تلك البصرية والبروتوكولية، وراء اختيار قطعة الأثاث الفريدة تلك.
ثمة، بادئ ذي بدء، تباعد في محتوى الوساطة التي جاء ماكرون آملاً في إنجازها، سواء لجهة الهوّة الفاغرة بين مواقف الاتحاد الأوروبي الذي تتولى فرنسا رئاسته الدورية حالياً، ومواقف روسيا؛ أو، ليس أقلّ مغزى بالطبع، بين مواقف ماكرون/ فرنسا مع قسط غير قليل من مواقف دول الاتحاد الأوروبي إزاء الملف الأوكراني. ويندر، ثالثاً، أن يجازف أحد بالتفاؤل حول عناصر التطابق أو التنافر في قراءة الإليزيه أمام قراءة البيت الأبيض حيال الملفّ إياه، إذا وضع المرء جانباً حقائق تقييم باريس لدراما التهويل التي تعتمدها واشنطن، بشراكة غير مفاجئة مع لندن، لجهة تأكيد الغزو الروسي في أوكرانيا.
وإذا جاز الافتراض بأنّ للكرملين مصلحة غير ضئيلة في صبّ الزيت على نيران التهويل الأمريكي بصدد الغزو الروسي، أو أنّ تسعير هذا السيناريو تحديداً يدغدغ الجوانب «الحربجية» في شخصية بوتين وعلى نحو ذاتيّ وسيكولوجي في المقام الأوّل؛ فإنّ للعبة، بما تنطوي عليه من أخطار عضّ الأصابع المتبادل، حدودها القصوى التي لا تسمح بالكثير من اللهو. ثمة مجازفات نووية الطابع، لا تبدأ من نشر الصواريخ المدججة بالرؤوس إياها ولا تنتهي عند المناورات الحساسة التي يجريها الروس بأسلحة لا تُجرّب حتى ضمن عمليات روسيا العسكرية في سوريا؛ ورغم كل الاحتياطات التي تُتخذ حين يكون الخيار النووي على المحك، فإنّ الحذر لا يُنجي دائماً من… القدر!
وليست متجردة كثيراً من القيمة، والمغزى، ما تسرّبه إلى وسائل الإعلام وكالاتُ الاستخبار الأمريكية المختلفة حول مخاطر من نوع آخر مختلف، لا يخطر على بال أبناء البشر العاديين متواضعي العلم والمعلومات في هذا المضمار: أنّ الإفراط في التهويل، والإيحاء بأنّ المعطيات الاستخبارية الأمريكية تبيح القول باحتمال غزو روسي وشيك، قد يقلب السحر على الساحر إذا لم يقع الغزو فعلياً (وهذا أمر وارد ومرجّح بالطبع)، ويقزّم ما توحي به أجهزة التجسس الأمريكية من سطوة كبيرة ومكانة عالية ويد طولى. في المقابل، ليس في وسع بوتين أن يشعل الكثير من النيران في نفوس أبناء روسيا حول الكبرياء القومية ونوستالجيا القوّة العظمى وأنموذج ضمّ جزيرة القرم، فضلاً عن التبختر هنا وهناك في طول العالم وعرضه، وإفساد خطط أمريكا والغرب مباشرة أو عن طريق مرتزقة «فاغنر»… ثمّ الاضطرار إلى التراجع، أياً كانت مظاهره، بما يعنيه ذلك من انسحاب خارج اللعبة، أو حتى خسرانها.
جدير بالاستذكار هنا، وفي كلّ نسق مماثل من التأزّم، أنّ الضحية الأولى لن تسقط في صفوف الوحدات الروسية المنتشرة على الحدود مع أوكرانيا، ولا في صفوف أفواج الحلف الأطلسي أو الفرقة 82 الأمريكية الشهيرة؛ إذْ سيكون المواطن الأوكراني، حتى ذاك الموالي لروسيا أو نصير الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو، هو وقود أيّ انتقال للحال من التصعيد الدرامي الحالي إلى خيارات أخرى ذات صبغة عسكرية.
وليس هذا المآل سوى واحد من أكثر دروس التاريخ صحّة وقسوة، في آن.

 

فيسبوك الزراعة وغوغل المبيدات:

العملاق الرقمي وقوت البشر

صبحي حديدي

 

قد يُفاجأ البعض، أو الكثيرون ربما، إزاء معطى يقول إنّ نطاق العولمة الكونية في قطاع الزراعة وإنتاج الأغذية والتخضير وما يرتبط بها من توفير مؤشرات مناخية وبيئية وتحليلية، إنما باتت أسيرة احتكار خمسة عمالقة، مُعولَمين تماماً كما يتوجب القول، لا تخطر أسماؤهم على البال بسهولة حين يتصل الأمر بالحقول الزراعية السالفة. هؤلاء هم: ميكروسوفت، ألفابيت (أي غوغل) أبل، أمازون، وميتا (أي فيسبوك وملحقاته)؛ مكوّنات المركّب المالي/ الرقمي الذي يسيطر، في ميادين الزراعة إلى جانب قطاعات أخرى كثيرة، على سياسات الحكومات كما يتمّ فرضها مباشرة أو عبر وساطات البنك المركزي الأوروبي ECB، والاحتياطي الفدرالي الأمريكي، وعمالقة شركاء آخرين أمثال فانغارد وبلاكروك (اللذين يمتلكان أصولاً مختلفة تفوق ما يمتلكه الـECB والفدرالي مجتمعين!).
فوق هذا وذاك، تقول أحدث التقارير النقدية (التي، للإيضاح المفيد، لا يكتبها دائماً أخصائيون ينظرون خلفهم بغضب إلى اقتصاد السوق أو توحّش العولمة أو تطورات النظام الرأسمالي العالمي المعاصر)؛ إنّ سياسات المفوضية الأوروبية، وليس في مسائل الزراعة وتشجيع المبيدات والمنتجات الكيميائية فقط، باتت خادمة مباشرة لاستثمارات العمالقة الخمسة وشركائهم. وفي بلد/ شبه قارّة، مثل الهند تبسط ولمورت وأمازون سيطرتها على قطاع البيع الإلكتروني بالمفرّق، تؤازرها في استثمارات مباشرة شركات أدوية وكيميائيات مثل باير وكورتيفا وكارجيل، والحكومة من جانبها تسهم في سيرورة الشراكة عن طريق توفير معطيات الإنتاج وخطط التحكم والبرمجيات التي تفيد العمالقة في تحديد مَن يحتاج ماذا وأين وكيف. وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي أصدرت منظمة «أوروبا أصدقاء الأرض» تقريراً قاتماً حول تأثير مجموعات الضغط العاملة لصالح العمالقة في الدفع باتجاه إبطال علامات الفحص والتدقيق الهادفة إلى ضمان الأمن الغذائي للمستهلك، وأشار التقرير إلى أنّ تلك المجموعات أنفقت 36 مليون يورو في هذا السبيل، وعقدت 182 اجتماعاً مع كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي.
المرء، مع ذلك وسواه كثير من الوقائع الصارخة، يندر أن يعثر في مؤتمرات منظمة الأغذية والزراعة، الـ
FAO، على سجال فعلي وفعّال حول انحطاط الزراعة، سياسة واقتصاداً وثقافة، بفعل تأثيرات العمالقة على أصعدة عديدة ومتكاثرة. ويكتسب هذا الغياب بُعداً أكثر خطورة حين تُعقد مؤتمرات المنظمة لتغطية أوضاع مناطق واسعة شاسعة، مثل الدورة الـ36 التي احتضنتها العاصمة العراقية بغداد قبل أيام. النطاق هنا يُدعى «الشرق الأدنى وشمال أفريقيا» حسب رطانة الأمم المتحدة؛ ودُعيت إلى أعماله الدول التالية: أفغانستان، الجزائر، أذربيجان، البحرين، قبرص، جيبوتي، مصر، إيران، العراق، الأردن، الكويت، قرغيزستان، لبنان، ليبيا، مالطا، موريتانيا، المغرب، عُمان، باكستان، قطر، المملكة العربية السعودية، الصومال، السودان، سوريا، تونس، تركمانستان، الإمارات العربية المتحدة، تركيا، واليمن. وأمّا الشعار فإنه لا يقلّ طموحاً عن أعداد الدول الغفيرة هذه: «التعافي ومعاودة التشغيل: الابتكار من أجل نظم غذائية زراعية أفضل وأكثر اخضراراً وأكثر قدرة على الصمود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة».

تحدّث ضيوف عن سباق ضدّ عقارب الساعة لتدارك الإيقاع المتسارع للمجاعة الشاملة القادمة، وحسد قطط العالم المتقدّم وكلابه على ما تنعم به من تسامح حكومي وشعبي إزاء ميزانيات أغذيتها، وناح واشتكى وتباكى

وإذْ يواصل عمالقة أمثال ميكروسوفت وغوغل وأبل وأمازون وفيسبوك تحويل قوت البشر إلى «بزنس» هابط إلى أدنى أصعدة التوحش، لا يُعنى باعتبار آخر يسبق تكديس مليارات الأرباح، تواصل منظمة الأمم المتحدة اجترار اللغة الخشبية العتيقة ذاتها، التي تتكرر في كلّ مؤتمر ومنتدى؛ فلا تسلم من البلاغة الجوفاء حتى تلك الملتقيات التي تُعقد في قلب أوروبا، على غرار المؤتمر السنوي الذي تستضيفه برلين. وخلال مشاركته في هذا المؤتمر (ولكن عبر الفيديو فقط!) اعترف المدير العام للـFAO شو دونيو بأنّ ما يقارب 95٪ من الإنتاج الغذائي العالمي يعتمد على التربة، هذه التي «يعاني ثلثها أصلاً من التدهور» وتتعرّض كلّ يوم لأخطار جسيمة بسبب «الممارسات الزراعية غير المستدامة، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية». كذلك هتف دونيو: «قلب مسار تدهور التربة أمر شديد الأهمية إذا أردنا إطعام سكان العالم الذين يزداد عددهم، وحماية التنوع البيولوجي، والمساعدة في التصدي لأزمة المناخ التي تعصف بالكوكب».
وغنيّ عن القول إنّ كلام الرجل، وتوصيات مؤتمراته وموائده المستديرة وتقاريره، في واد لا صلة تجمعه بالوديان التي فيها ينشط العمالقة ومن داخلها يحتكرون قوت البشر وموارد الأرض الزراعية. ومؤتمر بغداد، مثل مؤتمر برلين الذي سبقه، لا يقطع خطوة واحدة إضافية على الدرب الذي اقترحه «إعلان المنتدى الدولي حول الزراعة الإيكولوجية» الذي انعقد مطلع 2015 في سيلينغي (مالي) على هامش المنتدى العالمي للسيادة الغذائية؛ ونطق باسم منظمات وحركات دولية مختلفة تمثّل صغار منتجي أغذية ومستهلكين، ومزارعين، وتجمعات وشعوب أصلية (في عدادها الصيادون والقاطفون) ومزارعين أسريّين، وعمّال ريفيين، ومربّين ورعاة، وبحارة حرفيّين وسكّان مناطق حضريّة. جميعهم ينتجون ما يقارب الـ70٪ من الأغذية التي تستهلكها البشرية، وكانوا بذلك أكبر المستثمرين في الزراعة على نطاق العالم، وأكبر مصدر للشغل وسبل العيش.
هنا، في ترجمة «شبكة شمال أفريقيا للسيادة الغذائية» فقرة ثمينة من ذلك الإعلان الفريد: «قطعت شعوبنا وقطاعاتنا ومنظماتنا وتجمعاتنا شوطاً كبيراً في تحديد مفهوم السيادة الغذائية باعتبارها راية للنضال التضامني من أجل العدالة وإطاراً أوسع للزراعة الإيكولوجية. تطورت نظم إنتاج أجدادنا على مدى آلاف السنين، وسُمّيت زراعة إيكولوجية خلال السنوات الثلاثين إلى الأربعين الماضية. الزراعة الإيكولوجية، كما نفهمها، تشمل ممارسات ناجحة وإنتاجاً عالي الجودةِ؛ فهي تنطوي على علاقات متجذّرة بين المزارعين في مناطقنا، في مراكز التدريب لدينا، وهياكلنا النظرية والتقنية والسياسية التي تطورت في مناطقنا (…) يولّد تنوّع أشكال الإنتاج الغذائي على مستوى المستَغلات الصغيرة، والتي تستخدم المسارات الإيكولوجية، معارف محلية ويعزز العدالة الاجتماعية، كما يكفل تألق الثقافة والهوية ويعزز الحيوية الاقتصادية للمناطق الريفية. يدافع صغار المنتجين عن كرامتنا عندما نختار الإنتاج وفق الزراعة الإيكولوجية».
ولم يكن الإعلان في حاجة إلى استبصار الهيمنة الراهنة التي يمارسها العمالقة الرقميون، فالقسط الأعظم من المشكلات والعلل التي يواجهها قوت الأرض بسبب أنساق تلك الهيمنة كانت قائمة لتوها، آخذة في التكوّن التدريجي والمنهجي، ماضية على طريق الاستقرار كقاعدة وليس كاستثناء. كانت شركات الصناعات الغذائية، مثلما هي اليوم، تنتج الأطعمة التي تسمّمنا، وتدمّر خصوبة التربة، وتلوّث المياه، وتجتث أشجار الغابات، وتفسد شطآن الصيد، وتسرق بذور المزارعين لإعادة بيعها بأثمان باهظة أو لإعادة إنتاجها طبقاً لتعديلات كيميائية ملوِّثة… كل هذا عدا عن آثار «اتفاقات التجارة الحرّة والاستثمار وآليات تسوية النزاعات بين المستثمرين والدول، والحلول الخاطئة مثل أسواق الكربون والسَّلعنة المتزايدة للأراضي والغذاء» حيث لا تؤدي هذه إلا «إلى تفاقم هذه الأزمات» كما يقول الإعلان.
وفي قمّة روما 1996 كان جاك ضيوف، المدير العام الأسبق للـ
FAO، قد قرع نواقيس الخطر، في كلّ فقرة من فقرات خطاب طويل كان من الممكن أن يحسده عليه توماس مالتوس، القسّ والمنظّر الأشدّ تشاؤماً حول مآلات أغذية البشر. ولقد تحدّث ضيوف عن سباق ضدّ عقارب الساعة لتدارك الإيقاع المتسارع للمجاعة الشاملة القادمة، وحسد قطط العالم المتقدّم وكلابه على ما تنعم به من تسامح حكومي وشعبي إزاء ميزانيات أغذيتها، وناح واشتكى وتباكى. ولكنه تأتأ طويلاً بصدد الاتهامات الصارخة المشروعة التي أشار إليها وسردها تقرير المؤتمر الموازي للمنظمات غير الحكومية، الذي انعقد على هيئة مؤتمر مضادّ، وطرح حزمة أسئلة، كانت وحدها الجديرة بالدراسة والتحليل والحلّ.
هي ذات الأسئلة، مع فارق وحشي هائل وهمجي أدخل العمالقة الرقميين إلى بيت مؤونة الإنسانية وكرّس أمثال فيسبوك الزراعة وغوغل المبيدات.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

الذكرى الـ40 لمجزرة حماة:

التواطؤ المستدام

صبحي حديدي

 

«فظائع، مجازر، وجرائم حرب» كتاب أشرف على تحريره ألكسندر ميكابريدزه، المحامي وأستاذ التاريخ في جامعة لويزيانا؛ وصدر سنة 2013 ضمن منشورات ABC-CLIO. والعمل أقرب إلى قاموس، بترتيب أبجدي لوقائع تبدأ من سنة 689 قبل الميلاد، مع مجزرة بابل التي أمر بارتكابها سنحاريب ملك آشور، واسفرت عن مقتل كامل سكان المدينة، وتحويل مياه الأنهار لتغمرها تماماً؛ وتنتهي في سنة 2012، مع مجزرة الحولة التي ارتكبتها قوات النظام السوري في بلدة تلدو ومحيطها، وبلغ عدد ضحاياها 108 بينهم 34 امرأة و49 طفلاً (حسب الأمم المتحدة، التي استند الكتاب إلى أرقامها). تاريخ صدور الكتاب يفسّر غياب مجازر تالية ارتكبها جيش بشار الأسد والميليشيات المناصرة له في مواقع وتواريخ أخرى في سوريا، خاصة تلك اتخذت صفة الهجمات الكيميائية.
لكنّ آل الأسد، الأب حافظ مثل شقيقه رفعت ووريثه بشار وابنه الثاني ماهر والضباط أو زعماء الميليشيات والعصابات من أبناء العمومة والخؤولة، لهم نصيب في مادة ثانية أساسية تضمنها الكتاب؛ هي مجزرة مدينة حماة، 2 شباط (فبراير) 1982، التي تمرّ هذه الأيام الذكرى الـ40 لارتكابها. وصحيح أنّ هذه المادة الثانية تشير، أيضاً، إلى فظائع وقعت في سجن تدمر، لكنها إشارات وجيزة تماماً لا تتجاوز حفنة كلمات، ضمن مادّة قوامها 414 كلمة. وكان في وسع ميكابريدزه أن يتوقف، حتى في إطار الإيجاز ذاته، عند سلسلة من الفظائع التي سبقت مجزرة حماة أو أعقبتها، وارتكبها النظام بالطرائق الوحشية ذاتها، التي بلغت شأو جرائم الحرب بامتياز. تلك كانت حال مجازر جسر الشغور (200 ضحية) في قلب المدينة؛ وسوق الأحد (190ضحية) وحيّ هنانو (83 ضحية) وحي المشارقة (86 ضحية) وبستان القصر (35 ضحية) في مدينة حلب… وليس غيابها عن الكتاب سوى مظهر صريح فاضح لطبائع قصور الرأي العام العالمي، والإعلام الدولي من خلفه، عن الالتفات إلى ما كانت سوريا تشهده من فظائع وشنائع وجرائم حرب.
في مؤلفات غربية أخرى، وباستثناء شبه حصري لأعمال عدد من المؤرخين الإسرائيليين الذين عنوا بالملفّ لأسباب تتصل بمصالح دولة الاحتلال وهواجسها ورهاناتها على البيت الأسدي (موشيه ماعوز وأفنير يانيف، في «سوريا تحت الأسد» 1986، على سبيل المثال)؛ كان نادراً تماماً أن يجد القارئ الغربي مادّة معقولة في الحدود الدنيا، وليس البتة مفصلة أو شاملة، حول تلك المجازر. البريطاني باتريك سيل، مؤلف سيرة عن الأسد الأب شديدة التعاطف والذي ظلّ صديقاً للنظام حتى آخر يوم في حياته، اعتبر معركة حماة «الفصل الأخير في صراع طويل مفتوح» خلف «العداءات القديمة متعددة المستويات بين الإسلام والبعث، والسنّة والعلويين، والريف والمدينة». وهذا تأويل لم يكن قاصراً وضحلاً وتنميطياً فحسب، بل هو كلّ هذه السمات مُضافة إليها نزعة التعمّد إلى التسطيح التضليلي والتبسيط التشويهي.
كان سيل يعرف أنّ المجازر المنظمة التي شهدتها المدينة وقعت من دون سبب ظاهر أو مباشر، مثل اندلاع قتال مع المسلحين الإسلاميين مثلاً؛ وكان الهدف منها إنزال العقاب بالمدينة وأهلها، وتثبيت ما سيتجاسر مراقب غربي آخر هو الأمريكي توماس فردمان على تسميته «درس حماة». لقد شهدت المدينة مجازر في حيّ «حماة الجديدة» حيث تمّ تجميع الأهالي في الملعب البلدي، ونهب بيوتهم، ثمّ العودة إليهم وقتل قرابة 1500، بنيران الرشاشات؛ وفي حي «سوق الشجرة» وأسفر عن مقتل 160 مواطناً، رمياً بالرصاص أو دفناً تحت الأنقاض، وحشر 70 آخرين في متجر لبيع الحبوب وإشعال النار فيه؛ وفي «حي البياض» حيث قُتل 50 وأُلقيت جثثهم في حفرة مخصصة لمخلفات معمل بلاط؛ و«سوق الطويل» حين أُعدم 30 شاباً على سطح السوق، وحُشر 35 آخرون في متجر للأدوات المنزلية؛ و«حي الدباغة» حين حُشر 35 مواطناً في منشرة للأخشاب، وتمّ إشعال النار فيها؛ و«حي الباشورة» الذي شهد إعدام عائلات بأكملها، من آل الكيلاني والدباغ والأمين وموسى والقاسية والعظم والصمام وتركماني؛ وتفاصيل رهيبة مماثلة تكرّرت في مجازر أحياء العصيدة والشرقية والبارودية ومقبرة سريحين والمستشفى الوطني…

خاتمة تلاوين التواطؤ المستدام لن تكون تهافت بعض الأنظمة على إعادة تأهيل النظام السوري؛ فمَنْ يهُن مع دولة الاحتلال كيف لا يسهل عليه الهوان مع البيت الأسدي، أو مع ما تبقى من جدرانه المتداعية

أسبوعية الـ«إيكونوميست» البريطانية، العريقة ومنبر اقتصاد السوق ورجال المال والأعمال، كتبت (ولكن بعد قرابة شهرين على المجزرة!) أنّ «الرواية الحقيقية» لما جرى في مدينة حماة «لم تُعرف بعد، ولعلها لن تُعرف أبداً». وإذْ اعترفت بأنّ المدينة صارت «خرائب» بعد أن قُصفت بالدبابات والمدفعية والطيران على امتداد ثلاثة أسابيع، وأنّ «جزءاً كبيراً من المدينة القديمة قد هُدم تماماً، وسُوّي بالجرافات»؛ فإنّ المجلة تفادت تماماً استخدام مفردة «مجزرة» وفضّلت في المقابل اعتماد توصيف للصراع هو الأشدّ غموضاً وركاكة في آن: متمردون، ضدّ قوّات حكومية! ولم تكن الـ»إيكونوميست» أفضل حالاً من موقف الحكومة البريطانية، وتحديداً مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء آنذاك، رغم الجفاء الظاهر الذي كان يهيمن على العلاقات البريطانية ـ السورية في تلك الحقبة.
الإنصاف يقتضي، خاصة في هذه الذكرى الـ40، إفراد صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية التي شذّت عن القاعدة، بفضيلة الروح الفدائية التي تحلّى بها أحد كبار مراسليها، سورج شالاندون، الذي خاطر بحياته وتسلل إلى حماة تحت اسم مستعار (شارل بوبت) وصفة كاذبة (باحث في الآثار)؛ وهو الذي سوف يكون أوّل صحافيّ أجنبي يدخل المدينة الشهيدة، ويسجّل بأمّ العين الكثير (وليس، البتة، جميع) ما حاق بأهلها وبعمرانها، القديم قبل الحديث، من قتل وتخريب وتدمير. «الأموات أخذوا يُعدّون بالآلاف أوّلاً، ثمّ بالمئات، ثمّ بالآلاف خلال الساعات الأولى فقط. لقد رافقني أحد وجهاء المدينة، فتنقلنا من بيت إلى بيت، ورأينا العائلات الثكلى، والجثث التي تُجرّ من الأقدام، أو تُحمل على الأكتاف» كتب شالاندون؛ متقصداً أن يخنق في داخله روح الروائي، هو المتمرّس في فنّ السرد والحائز على جوائز مرموقة، كي ينتصر لواجب الإخبار الفعلي عن الأهوال التي شهدتها حماة.
وما دام أحد كبار صنّاع المجزرة، رفعت الأسد، قد عاد إلى سوريا على رؤوس الاشهاد، ليس من دون تواطؤ لا يخفى من جانب الأجهزة الأمنية في فرنسا، موئل اليعاقبة والثورة الفرنسية والكومونة؛ فإنّ ابسط حقوق ضحايا مجزرة حماة استذكار ذلك التمهيد الفاشي الذي تولاه الشقيق قائد «سرايا الدفاع» خلال المؤتمر القطري السابع للحزب (كانون الأول/ديسمبر 1979). يومها أعلن الأسد الشقيق، بوصفه عضو القيادة القطرية للحزب، أنّ مَنْ لا يقف مع الثورة يقف في صفوف أعدائها حكماً، ودعا إلى شنّ حملة «تطهير وطني» وطالب بإرسال المعارضين إلى معسكرات عمل وتثقيف في الصحراء. وكان الأسد الشقيق يستبق حركة الاحتجاج الشعبي التي تبلورت في إطار الأحزاب المعارضة غير المنضوية في جبهة السلطة، وفي النقابات المهنية للأطباء وأطباء الأسنان والمهندسين والصيادلة والمحامين، الذين أعلنوا إضراباً ليوم واحد (31/3/1980) احتجاجاً على غياب الحريات وشراسة آلة القمع وانتهاك حقوق المواطن. وكان ردّ السلطة الفوري هو حلّ هذه النقابات، واعتقال عدد من قياداتها، وشنّ حملات اعتقال واسعة ضدّ أبرز أحزاب المعارضة.
والأرجح أنّ خاتمة تلاوين التواطؤ المستدام، في هذه الذكرى الـ40، لن تكون تهافت الأنظمة في الإمارات والبحرين والجزائر ومصر وعُمان على إعادة تأهيل النظام السوري؛ فمَنْ يهُن مع دولة الاحتلال، أو يُمعن في العسكرة والاستبداد والفساد، أو يتكاذب حول امتلاك عصا «الاعتدال» من منتصفها… كيف لا يسهل عليه الهوان مع البيت الأسدي، أو مع ما تبقى من جدرانه المتداعية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

أخلاق العتمة الحريرية:

عَوْد إلى جوزيف سماحة

صبحي حديدي

ذات حقبة، قبل عقد على الأقلّ من انحيازه إلى صفّ «حزب الله» وأطروحات «محور المقاومة»؛ كان الصديق الكاتب اللبناني الراحل جوزيف سماحة (1949-2007) قد ربط، ببراعة جدلية رفيعة، بين ملفات موت مثقف ذهب ليسامح قَتَلة أبيه، ويصنع فيلماً اسمه «ذاكرة للنسيان»، فقتلته عتمة واحدة ذات نظائر شتى، من جهة أولى؛ وملفات «تسامح» أعرض مع ماضٍ سياسي وتاريخي وثقافي، تبدأ أمثلته من ألمانيا واليابان وفرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تنتهي عند مثالين محليين: الحرب الأهلية في لبنان، والسلام العربي – الإسرائيلي، من جهة ثانية.
كتاب سماحة «قضاء لا قدر: في أخلاق الجمهورية الثانية»، 1996، اعتمد واقعة موت السينمائي اللبناني مارون بغدادي (1950-1993)؛ حيث شاعت سردية تقول إنه سقط من دَرَج بيته المعتم، ونزف وحيداً حتى فارق الحياة، فلم يعلم أحد بموته إلا بعد مرور أيام. لكنها، في تقدير سماحة، كانت أكثر من حادثة «قضاء وقدر» على طراز كلاسيكي، إذْ تتكشف طيّ تفاصيلها (غير الغنية مع ذلك، وشبه العبثية)، حكاية «جثة أخرى في بلاد الموت السهل»، وقوّة عتمة سلّم «أضاءت مدى غياب اليسار اللبناني» الذي لم يتعرف على أحد أبنائه؛ ليس لأنه انشق أو ضلّ أو ارتدّ، بل لأنّ «هذا اليسار لم يعد يملك القوّة اللازمة لهذا الحدّ الأدنى من التعبير، ولأنه يخشى النور».
هكذا مضى سماحة ضمن مساجلة وضعت وفاة بغدادي داخل معادلة تختصر أخلاقيات «الحزب الحريري» والجمهورية الثانية، حيث يقود التواطؤ المعلن إلى فرضية تقول، ببساطة، إنّ القضاء والقدر قد تسبّب في تدمير واحتراب و«إسقاط» بلد بأسره؛ فلماذا لا يعتبر مسؤولاً عن إسقاط/ سقوط رجل في عتمة درج؟ التفريع المدهش التالي لاتهام العتمة بالقتل، هو أنّ «سلطة المال وكهربة لبنان» تختصران الحريرية (نسبة إلى رفيق الحريري)، التي ليس في وسعها احتمال عتمة تقتل (إذا كانت «قاتلة» بالفعل، كما تساءل سماحة) وتثقب أساسات «سوليدير». ذلك لأنه توفّرت، ورسخت واستقرت، حريرية شاملة ترث «المغلوب» الواضح، وتبحث عن «الغالب» المحلي في حدود الصلاحيات التي يمنحها الغالب الإقليمي؛ وتوفّرت، في المقابل، معارضة عاجزة، وبيان نقدي شجاع حول المستقبل… «لئلا يموت اليسار خجلاً»!.
لكنّ لبنان ما بعد اغتيال رفيق الحريري، واضطرار النظام السوري إلى الانسحاب العسكري مع البقاء سياسياً وأمنياً ومافيوزياً ما أمكن، استولد سلسلة من المعادلات، لم تُدخل تبديلات جذرية أفقية وشاقولية على محاصصات القوّة والنفوذ والولاء والتبعية، فحسب؛ بل تكفّلت، خلال أمدية قياسية حقاً، في تسليم قرار البلد إلى الوالي الفقيه في طهران، ممثلاً في وكيله المحلي حسن نصر الله وميليشيات «حزب الله». وإذا كان الضرب بالمندل هو الأقرب إلى توصيف رياضة تزعم التنبؤ بما كان سماحة سوف يقوله تعقيباً على انسحاب سعد الحريري من الحياة السياسية، فإنّ مواقف صديقنا الراحل من حكاية المقاومة و«الضباط الأحرار» في قلب النظام السوري والمغزى الجيو – سياسي لولاية الفقيه، وصولاً إلى إطلاق صحيفة «الأخبار»… لا تترك هوامش ارتياب ملموسة حول استئناف قَدَر، هذه المرّة، يتحكم به السيد؛ وليس أيّ قضاء يتولاه أمثال القاضي طارق بيطار.
وليست عودة هذه السطور إلى سماحة، بصدد مسارح آل الحريري الراهنة، أكثر من استعادة لسياقات حقبة لبنانية شهدت عداءً مريراً للحريرية، لكنها انقلبت سريعاً إلى ارتماء في أحضان «المقاومة»، وتسليم بسلطة الأمر الواقع كما يحتكرها «حزب الله»، واختلاط نقد «سوليدير» بالتعامي عن فساد «المال الطاهر» وما يديره من شبكات تهريب ومخدرات ومال قذر. ولم يكن مآلاً مفاجئاً، أو حتى غريباً عن سنّة الحريري الأب نفسه، أن يذهب الحريري الابن إلى دمشق، أو يحذو حذوه وليد جنبلاط، لمصافحة النظام قاتل الأبوين.
أو… أن يتقاعد سعد، ليحلّ محلّه بهاء!

 

 

بوتين في أوكرانيا:

إغواء الروليت وقفزة الضفدع

صبحي حديدي

 

الأرجح أنّ مشاعر شتى، مختلطة ومتضاربة، متكاملة تارة ومتنافرة طوراً، تنتاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يقلّب القرار الأنسب في اختتام الجولة الراهنة من التوتر مع الولايات المتحدة والحلف الأطلسي حول أوكرانيا: الاكتفاء بالانتشار العسكري الروسي الراهن (وليس ذلك بقليل أو ضئيل، مع عشرات الآلاف من الجنود، وصنوف الأسلحة الأكثر تقدماً التي جرى ويجري اختبار طاقاتها التدميرية في سوريا)؛ أو الاكتفاء بعمليات قصف جوي، أقرب إلى مظلة تتيح لأنصار روسيا في أوكرانيا تعكير صفو البلد وعرقلة خطط الضمّ لدى الأطلسي (وفي هذا لا يفعل بوتين أكثر من محاكاة الخيار الأطلسي في صربيا 1999)؛ أو اجتياح أوكرانيا في مساحات واسعة أو غير جزئية (على غرار ما فعلت موسكو في جورجيا سنة 2008)؛ أو، في خيار رابع قد يكون الأقلّ ترجيحاً، إعادة تَمْوضُع القوات الروسية، بما لا يفيد إعادة الانتشار ولا الانسحاب (إذا تمكن وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي من بلوغ تفاهم ما في مباحثات جنيف اليوم، يرضي واشنطن وموسكو وبروكسيل).
الأرجح كذلك، على مستوى المعمار السيكولوجي للرئيس الروسي (خرّيج المخابرات السوفييتية الأشهر، وساكن الكرملين على امتداد آجال شبه أبدية) أنه لا يكفّ، ومشاريع الخيارات هذه جاثمة على مكتبه تنتظر الحسم، عن استذكار باعث كبير أوّل حكم سلوكه الرئاسي منذ البدء تقريباً، أي إعادة وضع روسيا على الخريطة الكونية كقوّة عظمى عائدة ولاعبة وغازية ومحاصِصة، أياً كانت المخاطر والمجازفات. باعث ثانٍ هو ذاكرة مريرة، ليست معافاة من الجرح النرجسي القومي والعسكري والاستخباراتي، تعود إلى تعهّد أمريكي قطعه، في العام 1999، الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر، وصدّقه ميخائيل غورباتشوف، بأنّ انسحاب 380,000 جندي سوفييتي من ألمانيا الشرقية بعد توحيد ألمانيا لن يفضي إلى تقدّم أمريكي أو أطلسي، حتى بمسافة بوصة واحدة، نحو حدود حلف وارسو وجمهوريات السوفييت السابقة، كما أنه لن تكون هناك «قفزة ضفدع» أمريكية أو أطلسية نحو أوروبا الشرقية ودول البلطيق.
التعهد ذهب أدراج الرياح بالطبع، وتكفّل الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون بإطلاق سيرورة توسيع الحلف الأطلسي، أو تضخيمه بالأحرى، لأسباب قد تبدو للوهلة الأولى جيو ـ ستراتيجية وأمنية تعيد تشديد الضمانات في عقود ما بعد إسقاط جدار برلين؛ لولا أنّ حوافز كلنتون الأولى كانت أمريكية داخلية، وانتخابية على وجه التحديد، للمناورة ضدّ محاولة منافسه الجمهوري روبرت دول التشهير بضعف كلنتون على الجبهة الأطلسية. ليس هذا فحسب، لأنّ كلنتون كان السبّاق إلى رفد السياسة الخارجية الأمريكية بأذرع عسكرية ضاربة، بدأت من إلغاء «وكالة مراقبة التسلّح» وإضعاف موقع الولايات المتحدة في محكمة الجنايات الدولية ومعاهدات الألغام، والتلذّذ بمهانة روسيا بوريس يلتسين، وتحويل مضاعفة عدد أعضاء الحلف الأطلسي إلى باعث شعبوي في ناظر بوتين، شاء أم أبى، لاستنهاض الفخار القومي الروسي وحسّ الإمبراطورية آفلة الأمجاد. معطى واحد بليغ تماماً يكفي لاختصار حال روسيا بوتين مع الولايات المتحدة والحلف الأطلسي: بعد أكثر من 30 سنة على انحلال حلف وارسو (والبعض يتابع، محقاً: وبعد 77 سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية)؛ ما يزال نحو 40,000 جندي أمريكي يرابطون في ألمانيا، بذريعة حماية البلد في وجه… الاتحاد السوفييتي!

في مناسبات كهذه يحضر تراث غزو خليج الخنازير ربيع 1961، ومعه تحضر موجبات الدرجة صفر في استنفار السلاح النووي؛ ففي هذه، ونظائرها، ما بدّل الطرفان تبديلا

تلك خيانات «قفزة الضفدع» إذن، وهي كفيلة بحشو سيكولوجية بوتين بخلائط معقدة من المرارة، والثأر للكرامة الجيو- سياسية، واستدراج الشارع الروسي إلى التفاف شعبوي عماده الفخار القومي وعبق الإمبراطورية؛ فضلاً، بالطبع، عن مغانم شتى ذات صلة بالتجارة والأعمال وأنابيب الغاز العابرة للحدود، وصناعة السلاح وعقود التسلّح، ثمّ العقوبات التي تُثقل كاهل الاقتصاد الروسي… كلّ هذه، وسواها مما خفي في الباطن الأعمق من حافز الإمبراطور في نفس بوتين شخصياً، لاح أغلب الظنّ أنها تضع عواقب غزو أوكرانيا في حال من التوازي أو التنافس، أو حتى المغالبة، مع إغواءات لعبة الروليت الروسية الشهيرة. وقد لا يكون بوتين في حاجة إلى استدعاء مشهد اللعبة القاتلة كما التقطه الشاعر والقاصّ والروائي الروسي الكبير ميخائيل ليرمنتوف سنة 1840، في قصة قصيرة بعنوان «المؤمن بالقضاء والقدر»؛ إذْ يُرجّح أنّ ذهنية بوتين سوف تحيله إلى عشرات الأدبيات الأخرى التي تقتبس اللعبة لا لتأكيد سطوة المصادفة (طلقة صائبة من مسدس محشوّ عشوائياً) بل سلطة التصميم والتخطيط وحًسْن التنفيذـ بعد اعتماد مبدأ الرهان والمغامرة والمقامرة بالطبع.
وليس من دون مغزى خاصّ أنّ أحدث ترحيلات المخيال السياسي الأمريكي نحو مكاسب/ عواقب لعبة الروليت، تناولت دور الاستخبارات الروسية، بإيعاز شخصي مباشر من سيد الكرملين، للتدخّل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016، وترجيح كفّة دونالد ترامب. لكنّ بوتين قد لا يعبأ كثيراً بما تتخيّله أمريكا في آدابها السياسية، لأنه خير مَنْ يحفظ السياقات التي جعلته يراهن على شخص ترامب منذ خريف العام 2013، حين حضر الأخير حفل انتخاب ملكة جمال الكون في موسكو وتلقى دعوة مفاجئة من الكرملين، حملها أراس أغالاروف أحد خلصاء الرئيس الروسي، تقول باختصار: «المستر بوتين يرغب في لقاء المستر ترامب».
وسواء صحّ احتمال الروليت، أم استقرّ بوتين على مناورة أكثر عقلانية وبُعداً عن المصادفة، فقد أثمر ذلك الرهان كما أثبتت سنوات ترامب في البيت الأبيض؛ وأتى على الولايات المتحدة حينٌ من الدهر شهد ترجيح الرئيس الأمريكي صدق رواية الرئيس الروسي مقابل تكذيب تقديرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
لكنّ أوكرانيا ليست سوريا، مملكة الصمت والاستبداد والفساد والتوريث وجرائم الحرب، التي تدخل فيها بوتين لانتشال نظام آل الأسد من الحضيض؛ وليست جورجيا التي شهدت حماقة تبليسي في استفزاز الدبّ الروسي الهاجع في إقليم أوسيتيا الجنوبية، تحت ستار «شرعي» هو حفظ السلام؛ كما أنها ليست شبه جزيرة القرم، التي ضمّها بوتين من دون كبير اكتراث بما يربطها بأوكرانيا تاريخياً وجغرافياً. تلك مغامرات خلت، من حيث اعتبارات كثيرة جيو – سياسية وعسكرية وأمنية، من روحية المجازفة؛ ولم يكن مؤكداً أنّ بوتين احتاج فيها إلى المقامرة، أو دغدغته مغانم لعبة الروليت أمام عواقبها. وإذا صحّ، كثيراً في الواقع، أنّ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لن تردّ على أيّ غزو روسي محتمل في أوكرانيا، ولن تجرّ الحلف الأطلسي إلى حرب بالإنابة على أيّ نحو؛ فإنّ ما لا يقلّ صحة، ومنطقاً بالطبع، أنّ «الكارثة» التي لوّح بها بايدن مؤخراً، سوف تكون عقوبات تاريخية لا سابق لها ولا مثيل، لا توجع المواطن الروسي العادي في خبزه ومحفظته فقط بل تمسّ الفئة الأضيق والأعلى من المافيات التي تسهر على تغذية سلطة بوتين نفسه.
فهل ثمة، حقاً، هوامش مناورة يملكها الكرملين في الطور الراهن من الشدّ والجذب؛ وهل، في مستوى آخر يحمل قسطاً غير قليل من المنطق البارد، تستحق أوكرانيا هذا العناء الأقصى؟ الأرجح أنّ أسئلة كهذه سوف يناقشها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن في جنيف اليوم، وقد لا تغيب عن الإجابات حقيقة أنّ الولايات المتحدة لن تتمنّع كثيراً في تهدئة خواطر الكرملين عن طريق استبعاد ضمّ أوكرانيا إلى الحلف، ففي مناسبات كهذه يحضر تراث غزو خليج الخنازير ربيع 1961، ومعه تحضر موجبات الدرجة صفر في استنفار السلاح النووي؛ ففي هذه، ونظائرها، ما بدّل الطرفان تبديلا!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

غوانتانامو في العام 20:

«قِيَم» أمريكا ما وراء البحار

صبحي حديدي

 

السجين الواحد يكلّف دافع الضرائب الأمريكي 12 مليون دولار سنوياً، وأمّا منشأة معتقل غوانتانامو ذاتها فإنها تكلّف 540 مليون سنوياً؛ وعلى صعيد «سمعة» الولايات المتحدة كدولة قانون ورافعة رايات حقوق الإنسان، المعتقل كارثة صريحة فاضحة واضحة، ليس كما تقول المنظمات الحقوقية الدولية وحدها، بل كذلك باعتراف مذكّرة وقّعها في نيسان (أبريل) الماضي 24 من كبار أعضاء الكونغرس الديمقراطيين. إلى هذا وذاك، منذ تحويل القاعدة البحرية إلى معتقل خارج الأراضي الأمريكية، بقرار من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، تناوب على الوعد بإغلاق غوانتانامو ثلاثة رؤساء أمريكيين، باراك أوباما وجو بايدن وبوش الابن نفسه، وكان الرئيس السابق دونالد ترامب هو الوحيد الذي انسجم مع ذاته بوعده فأبقى على المعتقل إلى أجل غير مسمى.
وليست مدعاة عجب أنّ الولايات المتحدة أكملت انسحابها التامّ من أفغانستان بعد 20 سنة، لتعيد تسليم السلطة إلى الطالبان؛ لكنّ أمريكا هذه ذاتها تظلّ عاجزة عن إغلاق المعتقل سيئ الصيت بعد انقضاء أكثر من 20 سنة على إنشائه، وبعد الوعود الرئاسية وتعهدات البنتاغون. مطالبات الكونغرس، ضمن صفّ ممثّلي الحزب الديمقراطي على الأقلّ، تساجل هكذا مثلاً: « على امتداد عقدين واصل سجن الأوفشور هذا إلحاق الضرر بسمعة أمريكا، وغذّى التعصب المعادي للمسلمين، وأضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة الإرهاب والقتال من أجل حقوق الإنسان وحكم القانون على امتداد العالم، وإلى جانب ملايين الدولارات المبذّرة كلّ سنة من جيب دافع الضرائب للإبقاء على المنشأة وإدارتها، فإنّ السجن يأتي أيضاً على حساب ضحايا 11/9 وعائلاتهم، الذين ما يزالون في انتظار بدء المحاكمات».
ليس أقلّ إثارة للعجب، أخيراً وليس آخراً، أنّ السجن الذي غصّ منذ افتتاحه في 11/1/2002 بما مجموعه 780 معتقلاً من 35 جنسية، لا يحتوي اليوم إلا على 39، بينهم 13 معتقلاً ينتظرون الترحيل بعد صدور قرارات بإطلاق سراحهم، و10 لا يُعرف لهم مصير ولا موعد محاكمة. الأرقام الأخرى تشير إلى أنّ 9 من المعتقلين قضوا في السجن، مرضاً أو بسبب التعذيب الوحشي أو الانتحار. المنطق البسيط يدعو، بالتالي، إلى تساؤل لا يقلّ بساطة: علام، إذن، الإبقاء على المعتقل بأكلافه العالية والعدد القليل من «النزلاء» في زنازينه؟ وما الذي يعيق، حقاً، تحويل الوعود والتعهدات إلى قرارت تنفيذ فعلية تتماشى في الحدود الدنيا مع المنطق البسيط إياه؟
بعض الإجابة عن أسئلة كهذه، وسواها، يمكن أن يُردّ إلى واقع أنّ المنطق البسيط شيء، ومنطق الإدارات الأمريكية بسيطاً كان أم معقداً شيء آخر مختلف تماماً. خذوا، في تفكيك قسط من دلالة هذه المعادلة، ما قاله السناتور الديمقراطي جو بايدن في سنة 2005: «أظن أننا يتوجب أن ننتهي إلى إغلاق المعتقل، ونقل السجناء. أولئك الذين لدينا أسباب للإبقاء عليهم، نبقيهم. وأولئك الذين ليسوا في هذه الحال، نطلق سراحهم». واليوم، بعد 17 سنة على ذلك التمنطق، البسيط حقاً، وبعد أن صار رئيساً للولايات المتحدة وليس مجرّد عضو في الكونغرس، ما الذي يعيق بايدن عن تحويل الرأي إلى قرارات فعلية؟

انتهاك الحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتانامو مشروع تماماً في منظار أوّل هو عدم اشتراك المتهم في القِيَم الأمريكية؛ وأنّ تلك القيم تتمتع تالياً بصواب أخلاقي مطلق في المنظار الأمريكي

ثمة، بادئ ذي بدء، تلك العبارة المفتاحية التي أطلقها بوش الابن في تسويغ إنشاء المعتقل العسكري، ضمن حزمة تدابير أخرى خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً، بينها السجون الطائرة والعهدة إلى أنظمة الاستبداد بإجراء بعض التحقيقات، في سياقات ما أسمته الإدارة بـ«الحرب على الإرهاب». قال بوش، في مارس (آذار) 2002: « تذكروا… هؤلاء الأشخاص الموجودون في غوانتنامو قتلة لا يشاركوننا نفس القِيَم». كانت، إذن، حكاية قيم، أخلاقية أو فكرية أو سياسية أو ثقافية، وليست البتة قوانين مرعية وقضاء مستقلّ ومحاكم عادلة تنظّم شؤون الجريمة والعقاب. وبذلك فإنّ أيّ انتهاك للحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتانامو، مشروع تماماً في منظار أوّل هو عدم اشتراك المتهم في القيم الأمريكية؛ وأنّ تلك القيم تتمتع تالياً ـ وفي المنظار الأمريكي فقط! – بصواب أخلاقي مطلق، وبمنعة قانونية راسخة، فضلاً عن مختلف أنماط السطوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية…
وكانت حيثيات أخرى تقول إنّ المعتقلين في غالبيتهم اعتُقلوا في أفغانستان، وبعضهم نُقل إلى المعتقل ضمن تكنيك» الخطف غير الشرعي الذي مارسته وكالة المخابرات المركزية هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها.
جميعهم تعرّضوا ويتعرّضون لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي (ليس أقلّها قسوة الحرمان من مقابلة أهلهم وذويهم، أو كتابة وتلقي الرسائل…) فضلاً عن الإهانة والتحقير والقهر المتعمد، والتقييد بالسلاسل، وإجبار المعتقل على ارتداء نظارات معتمة. وبالرجوع إلى بعض وقائع اليوميات التي دوّنها المعتقل البحريني جمعة الدوسري ونشرتها منظمة العفو الدولية، يؤكد الرجل أنّ القوات الباكستانية كانت قد باعته إلى المخابرات الأمريكية لقاء حفنة دولارات، وأنه خضع للاستجواب 600 مرّة، ووُضع في زنزانة منفردة من دون تهمة، وتعرّض لتهديدات بالقتل. كما مورست عليه سلسلة ضغوط نفسية أثناء جلسات التحقيق، بينها إجباره على الاستماع إلى موسيقى صاخبة، وتركه موثوقاً لساعات طويلة في غرفة باردة جداً من دون ماء أو طعام، وتعريضه للإذلال بواسطة جندية لا ترتدي سوى ملابس داخلية، ثمّ إجباره على مشاهدة مجلات إباحية.
أهذه «قِيَم» أمريكية؟ كلا بالطبع، إذا شاء المرء إنصاف القانون الأمريكي الرسمي أو التعريف الأخلاقي والفلسفي لمفهوم «القِيَم» ولكنها في المقابل تلك القيم ذاتها التي تكاثرت سريعاً من حول تنظيرات «الحرب على الإرهاب» وغزو أفغانستان والعراق وجزء غير يسير من فلسفة صدام الحضارات. فهل يختلف، إلا في التقنيات والأدوات، تعذيب يمارسه ضابط استخبارات في فرع فلسطين، ضمن «قِيَم» نظام آل الأسد في سوريا؛ عن تعذيب مارسته الجندية الأمريكية لندي إنغلاند، في معتقل أبو غريب خلال اجتياح العراق؛ وعن التعذيب عبر إجبار المعتقل على مشاهدة مجلات البورنو، في غوانتانامو؟
الذكرى العشرون لافتتاح المعتقل، وامتناع إغلاقه رغم جميع الملابسات التي تحثّ على قرار كهذا، يتوجب أن تحيل إلى سؤال تقتضيه أية منظومة منطقية صالحة لتفسير السلوك الأمريكي: أهذه وصمة عار منفردة، ينبغي أن يندى لها جبين الديمقراطية الأمريكية لمرّة واحدة محدّدة؟ أم أنّ غوانتانامو، مثلها في ذلك مثل «أبو غريب» وسواه من سلسلة انتهاكات حقوق الإنسان، هي محض أمثلة على ثقافة سياسية ـ حقوقية متكاملة عريقة، تنظّم العدالة الأمريكية ما وراء البحار؛ أو حتى في كوبا، على مرمى حجر من أرض أمريكا؟ سؤال آخر بالمقتضى إياه: إذا كان الإرهاب هو الذي يسفك الدم الأمريكي (الضالع أو البريء، العسكري أو المدني) فما أدوار أمثال غوانتانامو وأبو غريب في تغذية ذلك الإرهاب عاماً بعد عام، وعملية دامية إثر أخرى؟
ثمة اعتبارات كثيرة تؤكد وجود ثقافة أمريكية متكاملة تقف في خلفية هذه الممارسات الخارجة على القانون، وهي ثقافة يمينية متأصلة، وتواصل التأصّل أكثر فأكثر في الوجدان الأمريكي اليومي؛ كما أنها ثقافة سياسية ودستورية لأنّ دعاتها يشغلون مواقع عليا في الجهاز التشريعي، في الكونغرس كما في المحكمة الدستورية العليا، وفي المحاكم كما في مكاتب التحقيق الفيديرالي. وليست تلك الثقافة سوى خلفية أولى، تتضافر مع خلفيات أخرى شتى، تقف وراء استمرار معتقل غوانتانامو؛ أو التنويع عليه، أو استيلاد سواه!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

السودان: مَن يخشى

مبضع عبد الخالق محجوب؟

صبحي حديدي

 

توهّم عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني المُقال/ المستقيل تباعاً، أنه قادر على «حقن دماء» السودانيين عبر التوصّل مع قائد الجيش/ رأس الانقلاب المشير عبد الفتاح البرهان إلى اتفاق من 14 مادّة؛ قيل إنها تعيد تقاسم السلطة على نحو عادل يتكفل بوضع البلد مجدداً على طريق التحوّل السلمي الديمقراطي وتنظيم انتخابات نزيهة شفافة في سنة 2023. ولقد اتضح، بعد ستة أسابيع يتيمة، أنّ دماء السودانيين أريقت مجدداً حتى تجاوز عدد ضحايا التظاهرات 50 شهيداً برصاص الجيش ومفارز «الدعم السريع» وقوات الأمن؛ كما فُجع حمدوك (إذا جاز توصيف مشاعره هكذا) بقرار من البرهان يخوّل أدوات القمع المختلفة ما كانت مخوّلة به زمن الطاغية عمر حسن البشير، بل أسوأ وأشدّ صلاحيات في التنكيل.
صحيح أنه لم يكن خيار العسكر الأمثل لرئيس وزراء/ دمية يحرّكها أمثال البرهان ومحمد حمدان دقلو وشمس الدين كباشي، ولكنّ حمدوك حمل سمة واحدة على الأقلّ أسالت لعابهم وأقنعتهم بإعادته إلى المنصب، بعد تمنّع أبقاه في الإقامة الجبرية فترة ليست طويلة في كلّ حال: أنه خير مظلّة مدنية يمكن أن يتظلل بها الجنرالات تكتيكياً، وانتقالياً، قبيل وأثناء عمليات التطهير والترتيب وإحكام القبضة العسكرية والأمنية أكثر فأكثر. ومن غير الإنصاف لذكاء الرجل، وهو الخبير والتكنوقراطي خرّيج الطراز الأممي من البيروقراطية العابرة للسودان ولأفريقيا جمعاء، الافتراض بأنه لم يكن يدرك حدود اللعبة حين وافق على الانخراط فيها. من غير الإنصاف، على قدم المساواة، منحه فضيلة الشكّ في أنّ حكمة استقالته تنبع من القاعدة العتيقة: خير أنها تأخرت من ألا تكون أتت أبداً؛ فالأرجح أنّ العسكر لم يتركوا له هوامش اختيار ذات معنى، فضاقت حتى استحكمت حلقات تأزّمه معهم، ومع نفسه أغلب الظنّ.
وفي المقابل، لا يصحّ أن تغيب عن منطق حضوره في المشهد السياسي السوداني الراهن، أو ابتعاده عنه، حقيقة أخرى تخصّ أنماط القصور الكبرى في أداء «قوى إعلان الحرية والتغيير»، وإلى أية درجة كانت بدورها خلف حال التذبذب التي عاشها حمدوك منذ فجر الانقلاب وحتى استقالته. في عبارة أخرى، ليست شراهة العسكر إلى السلطة، وهيمنة العقلية الانقلابية والانفرادية على خياراتهم التكتيكية والستراتيجية، هي وحدها مصدر الداء؛ بل ثمة ذلك الدواء المرتجى، أياً كانت فاعليته العلاجية، الذي علّقته بعض الشرائح الشعبية على القوى المدنية، فما ارتقت هذه إلى شرف المسؤولية، ولا وحّدت صفوفها في الحدود الدنيا المطلوبة في كلّ صراع شرس مع عسكر انقلابيين؛ بل تعثرت، إذا لم تكن قد فشلت، في صياغة برنامج موازٍ مناهض يتحلى بوعي سياسي واجتماعي واقتصادي وتاريخي يليق بمشهد معقد متقلب متفجر.
وقد لا يُلام امرؤ يرى ضالّته، إذْ يحاول تلمّس حال السودان الراهنة، في العودة إلى الشهيد عبد الخالق محجوب وتلك الورقة الفريدة التي وقّعها في العام 1963 تحت عنوان «إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير»؛ ليس لأنّ قيادات «الحرّية والتغيير» يمكن أن تستهدي بأيقونة نضالية فريدة مثل محجوب، وقد يفعل بعض منهم بالفعل، ولكنّ لأنّ تلك الرؤى والدروس والخيارات لم يمرّ عليها الزمن تماماً، أو بالأحرى ليست أزمنة أمثال جعفر النميري أو البشير هي القادرة على طمسها أو إبطال أمثولاتها. وإلى جانب التشخيص المعمّق والصائب، لتركيب المجتمع السوداني، طبقياً وإثنياً، شدّد محجوب على «أخلاقية» صارمة في مساعي تنظيم الجماهير، لأنّ التحالفات والائتلافات المتسرعة «سرعان ما تركبها العزلة، ویذهب شأنها، والذي یبقى من تنظیم هو ما ترتضیه الجماهیر، ما ینفعها في نضالها السیاسي وفي حیاتها الیومیة، وما یتناسب مع الظروف الموضوعیة».
ومَن يخشى استخدام مبضع محجوب في تشريح العطب، لن يفلح في أمر آخر أكثر من تمكين حربة الجنرال وإعادة تدوير نماذج حمدوك.

 

العراق:

مفارقات صندوق اقتراع

صبحي حديدي

 

أنزل الناخب العراقي صنوفاً متفاوتة الشدّة من العقاب بحقّ القوى الحزبية والعسكرية والميليشيات الموالية لإيران، هذه التي استحقت اليوم تسمية «الفصائل الولائية» حتى بات المسمّى يتباهى بها وإليها ينتسب بمزيج من الفخار والغطرسة والتنمّر. وهذا العقاب صنع مفارقة صندوق الاقتراع الأولى، لأنه من جانب آخر منح الكتلة الصدرية الفوز بـ 73 نائباً، من أصل 329؛ رغم أنّ الكتلة هي الجناح الآخر أو الأوّل بالأحرى ضمن المجموع الشيعي العراقي، ورغم أنها ليست موالية تماماً لطهران وإنْ كانت لا تعلن أيّ عداء ملموس للنفوذ الإيراني الطاغي في البلد.
فإذا جاز القول، استطراداً، إنّ جذور العقاب اجتماعية ومطلبية، ذات صلة بانتفاضة العراقيين، فإنّ المفارقة التالية تنبثق من هذه الفرضية تحديداً: ألم يكن التيّار الصدري بعيداً عن حراك الشارع الشعبي، بل معادياً له أحياناً إلى درجة كسر الاعتصامات والتستر على عمليات اغتيال الناشطين؟ صحيح، هنا أيضاً، وكما يساجل البعض، أنّ التيّار قد يكون تغيّر بصدد الانتفاضة تحديداً، وتحوّلت مواقفه في قليل أو كثير نحو احتضان بعض المطالب، أو السعي إلى استيعاب بعضها الآخر أو حتى امتصاصه؛ ولكن هل كان نطاق التغيّر واسعاً بما يكفي، جذرياً بما يُرضي الجموع، متأصلاً في منهاج التيّار على نحو يتجاوز خطاب الحملات الانتخابية والتحشيد المؤقت؟
مفارقة ثالثة، تستحقّ أن يُستمدّ منطق نشوئها من اجتماع خلاصات منطقية داخل المفارقتَين السالفتَين، هي أنّ قوى الانتفاضة الشعبية، على شاكلة «امتداد» و«الكتلة الشعبية المستقلة»، حضرت في صندوق الاقتراع وأفلحت في تصعيد عدد من النوّاب الملتزمين بالمطالب الشعبية أو المستقلين المنضوين في ركابها ضمناً. لكنّ حضورها لا يُحتسَب بعدد النوّاب، أو ما يمكن أن يتحالف معهم من نوّاب كرد ضمن مجموعة «الجيل الجديد»، بقدر ما يصحّ أن يُنتظَر منه على صعيد تشكيل معارضة فعلية مختلفة، شعبية التوجهات وأصيلة الأهداف، تواجه التيّار والولائيين على حدّ سواء من خلال اعتناق شعارات الانتفاضة بادئ ذي بدء.
وإذا كانت المفارقة الرابعة كامنة في طابع التقاسم المذهبي أو الإثني الذي انتهى إليه النظام السياسي العراقي، لجهة منح رئاسة الجمهورية إلى الكرد، ورئاسة البرلمان إلى السنّة، ورئاسة الحكومة إلى الشيعة؛ فإنّ العماد التكويني لذلك التقاسم تحديداً لم يبدأ واهياً وهكذا يتواصل فحسب، بل كذلك لأنّ الصراعات داخل كلّ حصّة، ومعظم الفرقاء ضمن الحصّة الواحدة، محتدمة مستعرة مستحكمة من جهة أولى، ولكن ّ الأخطر فيها أنها من جهة ثانية بمنأى عن مصالح سواد الشعب والقسط الأعظم من حاجاته ومطالبه وجوهر انتفاضته في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019.
رئاسة الجمهورية رهن بالحزبَين الكرديين في الشمال الكردستاني، وهي أشبه بالنزاع منها إلى الخصام بين العائلتَين البرزانية والطالبانية؛ ورئاسة البرلمان لن تسهّل حسمها التفاهمات الانتخابية المؤقتة بين محمد الحلبوسي وخميس الخنجر، لأنّ الصفّ السنّي يعاني من حال التبعثر والتشتت، التفتت والذوبان؛ وأمّا رئاسة الحكومة فلم تعد كبرى تناقضاتها الاختلاف على شخص مصطفى الكاظمي، بل على عودة نوري المالكي، صاحب الـ34 نائباً، وزاعم الدفاع عن «دولة القانون»… نفسه، بطل اندحار الجيش العراقي أمام «داعش» في الموصل، و«قائد» الجيش الوهمي المسجّل على الورق وجداول الرواتب الكاذبة! هذه، في الوجه الأعمق منها، مفارقة خامسة تندرج من دون عوائق في البنية الفعلية المختلة للمحاصصات المذهبية والطائفية والمناطقية والإثنية التي تفاقمت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، بسبب منه جزئياً وتبعاً لولاءات القوى وارتهاناتها الخارجية الإقليمية والدولية.
وقد يكون ما خفي خلف هذه المفارقات الستّ أعظم وأدهى: إذا احتكم الفرقاء إلى السلاح، أو إذا عقدوا صفقات ثنائية وثلاثية ورباعية عمادها التواطؤ على مصالح الشعب العراقي؛ وليس هذا عليهم بكثير، والتاريخ شاهد.

 

(تغيير النظام)في المفهوم الأمريكي:

ألعاب الربح والخسارة

صبحي حديدي

 

خلال العام 2021 صدرت أعمال عديدة هامة حول شؤون الشرق الأوسط ضمن معادلات جيو ـ سياسية شتى، داخلية وإقليمية ودولية؛ وبالعلاقة مع القوى العظمى إجمالاً، والولايات المتحدة بصفة خاصة. وقد يكون كتاب الأمريكي فيليب غوردُن «خسران اللعبة الطويلة: الوعد الزائف لتغيير النظام في الشرق الأوسط» بين الأهمّ؛ لأسباب تتصل أوّلاً بمحتوياته واسعة النطاق، من «الخطيئة الأولى» في إيران 1953، نحو كوارث التدخل الخارجي بأشكاله المختلفة في أفغانستان والعراق ومصر وليبيا وسوريا؛ كما تعود ثانياً إلى أنّ الرجل شغل منصب المساعد الخاصّ للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ومنسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، خلال فترة حرجة بين 2013 و2015، شهدت الكثير من أنماط التحوّل والتقلّب في ملفات «الربيع العربي».
وحين تضحّي الولايات المتحدة بأرواح آلاف الأمريكيين وأبناء البلدان التي تشهد التدخل، وتنفق مليارات وتريليونات الدولارات، وتنفّر شركاء محتملين، وتنهك جيش الولايات المتحدة، وتنتهك القانون الدولي، وتُلهب نيران الكراهية القومية، وتدمّر دعم الراي العام لمفهوم الانخراط الدولي، فإنّ استبدال فئة من المشكلات بفئة أخرى ليس جيداً بما يكفي؛ يكتب غوردُن، منتهياً منذ السطور الأولى في المقدمة إلى أنّ «تغيير النظام» ليس مفهوماً صائباً، بدليل أنّ إدارات عديدة اعتمدته رغم اختلاف خياراتها وسياساتها، فكانت العواقب الكارثية هي المآل الصريح في كلّ الحالات. وإذْ يشير المؤلف إلى حالات أخرى خارج الشرق الأوسط، في غواتيمالا وكوبا وتشيلي ونيكاراغوا وغرينادا وبنما، فلكي يشدد على أنّ مناهضته لفلسفة تغيير النظام ليست أخلاقية الطابع بل عملية؛ ومن نافل القول إنّ أمريكا، وشعوب الشرق الأوسط قبلها، سوف تكون في حال أفضل مع وجود زعماء وأنظمة ومؤسسات من طراز مختلف، غير أنّ المسألة ليست في التمنّي ولا في السعي إلى فرض الأماني عن طريق الغزو والتغيير بالقوّة.
والحال أنّ غوردُن، وهو ربيب البيت الأبيض في نهاية المطاف، يتناسى أنّ الإدارات الأمريكية المختلفة ساندت أنظمة الاستبداد والفساد في طول الشرق الأوسط وعرضه، وتبدّلت الذرائع على مرّ العقود والمحطات الفاصلة لكنّ النفط والحفاظ على مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي وخرافة «الاستقرار الداخلي» ظلت قواسم مشتركة حكمت خيارات جميع رؤساء أمريكا، من دون أيّ استثناء فعلي أو ملموس. كما يتجاهل أنّ مفهوم تغيير النظام صعد من زاوية الحاجة إلى معالجة معضلة أمريكية هنا أو هناك، مع هذا النظام أو ذاك؛ وليس من منطلق كراهية مستبدّ في سوريا أو مغامر في ليبيا، وليس البتة من أجل خدمة شعب مضطهد في العراق أو معذّب في أفغانستان. وليس خافياً أنّ تركيز كتابه على الشرق الأوسط، وليس مناطق أخر ملتهبة في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، راجع إلى أنّ التأويل الأمريكي لمفهوم تغيير النظام اعتُمد، واختُبر كذلك، في هذه المنطقة تحديداً، خلال العقود الأخيرة؛ ولأنه أيضاً خضع لسجالات داخل صفوف مستشاري الإدارات المختلفة، بصدد اللجوء إليه أو الامتناع عنه، سواء بسواء.
في ابتداء الفصل الذي يعقده لسوريا، يستعيد غوردُن تصريح أوباما، يوم 18 آب (أغسطس) 2011 قبيل مغادرة واشنطن إلى إجازة صيفية: «قلنا باستمرار إنّ على الرئيس الأسد أن يقود انتقالاً ديمقراطياً أو أن يتنحى جانباً»؛ وكذلك: « لم يَقُدْ، ومن أجل الشعب السوري، آن الأوان كي يتنحى الرئيس الأسد»؛ ولكن كذلك أيضاً: «الولايات المتحدة لا تستطيع، ولن تسعى إلى، فرض هذا الانتقال على سوريا. يعود إلى الشعب السوري اختيار زعمائه، ولقد سمعنا رغبته القوية بألا يكون هناك تدخّل أجنبي في تحرّكهم». في المقابل، الولايات المتحدة «سوف تعمل الآن على إيجاد سوريا ديمقراطية، عادلة، وشاملة لكلّ السوريين. وسندعم هذه النتيجة عن طريق الضغط على الأسد كي يتنحى عن درب هذا الانتقال». ذلك التصريح لم يكن ارتجالياً بل مكتوباً، كما يشير غوردُن من باب التشديد على العناية الفائقة التي بذلها مساعدو أوباما في صياغة أقوال الرئيس الأمريكي.

يتجاهل غوردُن سلسلة المباحثات المستفيضة التي انخرط فيها ضباط أمريكيون وروس؛ وانطلقت في صيف 2015، وامتدت إلى كامل سنة 2016، وكان موضوعها الأكبر أو شبه الوحيد في الواقع، هو… كيف يمكن إنقاذ نظام الأسد

تلك، كما لا يشير غوردُن في الواقع، كانت صرخة بعيدة كلّ البعد عن تصريحات أوباما بصدد احتمال لجوء النظام السوري إلى استخدام الأسلحة الكيميائية، حين ارتجل بعيداً عن النصّ المكتوب فرسم «الخطّ الأحمر» الشهير: «عندما نرى كمية من الأسلحة الكيميائية تتحرك أو يتمّ استخدامها، فبالنسبة لكلّ القوى في المنطقة ولنا نحن هذا خط أحمر ستكون له عواقب هائلة». وحين قصف جيش بشار الأسد الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية، فجر 21 آب (أغسطس) 2013، لم يغب أوباما وحده عن شاشات الإعلام الأمريكي والعالمي، بل حذا حذوه كبار رجال الإدارة من وزراء الدفاع والخارجية والعدل إلى رئاسة الأركان المشتركة والمخابرات المركزية؛ واكتفى الجميع بالنائب الأوّل للسكرتير الصحافي فخرج الأخير للإعراب عن «قلق» الولايات المتحدة بصدد «تقارير» عن هجمات كيميائية.
ومن حيث المنطق الشكلي يتوجب أن يرحّب غوردُن بهذا المشهد، لأنه يطابق مواقفه المناهضة لمفهوم تغيير النظام، ويندرج كذلك في «عقيدة أوباما» الشهيرة التي تنفر من المغامرات العسكرية الخارجية؛ لولا أنه، في المقابل، يتجاهل عن سابق قصد وتصميم، إذْ لا يعقل أنه كان يجهل، سلسلة المباحثات المستفيضة التي انخرط فيها ضباط أمريكيون وروس؛ وانطلقت في صيف 2015، وامتدت إلى كامل سنة 2016، وكان موضوعها الأكبر أو شبه الوحيد في الواقع، هو… كيف يمكن إنقاذ نظام الأسد! هذا ما كشفته إفادة أندرو إكسوم، نائب المساعد الأسبق في وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط خلال رئاسة أوباما الثانية، أمام لجنة فرعية في الكونغرس بحثت السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وقال الرجل: «كان واضحاً لنا أنّ روسيا، رغم إعلانها الانخراط في محاربة الإرهاب، كانت أكثر اهتماماً بتركيز جهودها العسكرية على تدمير ما تبقى من معارضة علمانية وإسلامية معتدلة في وجه نظام الأسد. كنّا جميعاً نعرف أين ينتشر الإسلاميون المتطرفون في مطلع 2016، أي في شرق سوريا وأطراف من شمالها الغربي حيث كانت النصرة قوية بصفة خاصة. روسيا، على العكس، كانت تركز على استرداد تلك المناطق المدينية الكبرى مثل حلب ودمشق، والتي كانت حاضنة مجموعات المعارضة الأكثر اعتدالاً».
وفي ضوء هذا الإغفال الفادح، المتعمد والمقصود، فإنّ أكثر من 12,500 كلمة يدبجها غوردُن في الفصل المكرّس لسوريا لا تفقد الكثير من مصداقيتها ضمن نطاق استعراض ما يبرر خيارات أوباما، سواء في التدخل أو في حجبه، فحسب؛ بل تنزلق أيضاً إلى مجاراة «اللعبة الخاسرة» ذاتها التي يدور الكتاب حولها. فأن ينتقد غوردُن مفهوم تغيير الأنظمة بالقوّة، ويسهب في شرح عواقبه الكارثية، شيء؛ وأن يتغافل، عامداً، عن تدخل اثنتين من القوى العظمى للحفاظ على نظام آل الأسد، بدل تغييره، شيء آخر مختلف ومناقض وفاضح. وكيف تكون الحال إذا كان غوردُن نفسه يشخّص النظام هكذا: «برهن الأسد على أنه مستعدّ للقتل، والتعذيب، وتهجير الملايين من مواطنيه، والمناورة على الطائفية بأشكال خبيثة، وتعميق اعتماد بلده على روسا وإيران».
لكنّ الافتقار إلى المصداقية هو دليل أبرز على أهمية كتاب يحتشد بتفاصيل غير معروفة، ويقدّم شهادة جديدة على كيل الإدارات الأمريكية بعشرات المكاييل إزاء مفهوم تغيير النظام، الغائم القلق الرجراج؛ عن سابق قصد وتصميم، هنا أيضاً.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

تحولات فرنسا الراهنة:

من اليعاقبة إلى (زيمورستان)

صبحي حديدي

كما كان منتظَراً، أعلن الكاتب والصحافي الفرنسي إريك زيمور ترشيحه للانتخابات الرئاسية التي ستشهدها فرنسا في نيسان (أبريل) المقبل، ولم تغب عن نصّ الترشيح سلسلة الآراء والأفكار والمطالب التي جعلت منه أحد أسوأ شخصيات اليمين المتشدد العنصري في فرنسا المعاصرة؛ ومكّنته، استطراداً، من تصدّر الموقع الآخر الأثير: أنه الأشدّ صراحة في إبداء عنصريته، والأوضح تعبيراً عن الرهاب من الآخر وكراهيته واحتقاره وتحقيره، والأمهر في دغدغة مشاعر مماثلة تخشى الإفصاح عنها شرائح متنوعة في صفوف اليمين التقليدي/ الجمهوري/ الديغولي واليمين المتطرف على منوال تياراته الكلاسيكية في فرنسا وأوروبا.
في المقابل، ما لم يكن منتظَراً على نطاق واسع، ولعله باغت البعض من زاعمي «الخبرة» في شخص زيمور، أن يأخذ إعلان الترشيح تلك الصيغة الخاصة: اعتماد ديكورات صارخة الرموز، تحاكي خطبة الجنرال دوغول التي دعت إلى مقاومة الاحتلال النازي، وتبدأ من الميكروفون القديم ولا تنتهي عند رفوف الكتب المجلدة العتيقة في الخلفية؛ ثمّ القراءة من نصّ مكتوب بدل الارتجال (رغم لغة زيمور البلاغية والعالية المميزة)؛ وتفادي النظر المباشر إلى العدسة، وبالتالي ملاقاة الفرنسيين بَصَراً لبصر؛ وحشر الفيديو بمشاهد نساء محجبات وأناس سود في المترو وأجانب منخرطين في شجارات وأعمال عنف؛ وأخيراً، وليس آخراً في الواقع، اختيار سيمفونية بيتهوفن السابعة، البونابارتية التي تُعرف أيضاً باسم «التحرير».
ولن تمرّ إلا حفنة دقائق بعد بثّ شريط الترشيح عبر وسائل التواصل الاجتماعية، حتى تعاقبت الاستنكارات من جميع الجهات التي انتهك زيمور حقوق المؤلف لأعمالها، سواء على صعيد الصور والمشاهد، أو الديكور بصفة عامة؛ على غرار لايتيسيا هوليداي، أرملة المغني الراحل جون هوليداي، التي أعلنت أنها سترفع دعوى ضدّ زيمور لأنه حشر اسم زوجها في نصّ ترشيحه. ولم يكن مدهشاً أنّ صحافياً وكاتباً، ولكنه اليوم مرشح لرئاسة فرنسا أيضاً، لم يجد في تبرير تلك الانتهاكات سوى أنها مجرّد «نسيان»؛ مثلما لم يُدهش كثيرون لأنه لم يجد دفاعاً عن رفعه الإصبع الوسطى في وجه سيدة، خلال زيارة إلى مرسيليا، سوى أنه قوبل هناك بكثير من المضايقات.
هذا، في كلّ حال، مواطن فرنسي يهودي ولد لأبوين من الجزائر، وترعرع في ضواحي العاصمة باريس، ولكنه لا يكره الأجانب وحدهم فقط، بل يستفزّ اليهود لأنه ينزّه الماريشال الفرنسي فيليب بيتان الذي تعاون مع الاحتلال النازي في ترحيل اليهود وحُكم عليه بالخيانة العظمى بعد الحرب؛ بل يضيف إلى التنزيه أنّ الماريشال على العكس: أنقذ اليهود! وهذا كاتب وصحافي اقتيد مراراً إلى المحاكم بتهمة العنصرية ونشر الكراهية، وهو يدعو إلى طرد العرب والمسلمين والسود لأنهم، أجمعين، لصوص ومجرمون وقتلة؛ مثلما يطالب بإعادة عقوبة الإعدام لمحاسبة أمثالهم، وبمنعهم من إطلاق أسماء «أجنبية» أو «غير فرنسية» على مواليدهم. وهو أعلن صراحة، وكتب، أنّ راتب المرأة لا يجوز أن يتساوى مع راتب الرجل بسبب انعكاس الاختلاف الفيزيولوجي بينهما على سوية الأداء في العمل؛ كما حثّ على إعادة تحريم الإجهاض قانونياً، وإلى حظر العلاقات بين مثليي الجنس…

هذه الـ«زيمورستان» ليست من طراز الفطر الشيطاني الذي نبت فجأة بسبب أو من حول زيمور وأفكاره، لأنها عتيقة متأصلة وتمثّل شريحة سوسيولوجية، نظيرة لشريحة إيديولوجية

وحين ألمح زيمور إلى أنه ينوي الترشيح لرئاسة فرنسا، ثمّ قالت أولى استطلاعات الرأي أنه يمكن أن يتقدّم على مرشحة اليمين المتشدد التقليدي مارين لوبين، انقلب الرجل من كاتب سجالي وصحافي عنصري الأهواء ومرشّح محتمل إلى طفرة إعلامية ساحقة ماحقة، كما يصحّ القول عملياً وكما تبرهن المعطيات: لم يتصدر غلاف مجلة «فالور أكتويل» اليمينية خمس مرّات خلال تسعة اشهر من هذا العام فقط، بل ظهر على أغلفة الغالبية الساحقة من الدوريات الأسبوعية والشهرية الفرنسية أياً كانت توجهاتها على اليمين أم اليسار أم الوسط؛ ولم يصبح مادّة يومية في قناة CNews، التي يعتبرها الكثيرون «فوكس نيوز» فرنسا، فحسب؛ بل يسجّل موقع Acrimed المختصّ برصد محتويات وسائل الإعلام أنه صار إدماناً يومياً في جميع الأقنية والإذاعات والمواقع الإلكترونية، وبمعدّل 4167 مرّة خلال شهر أيلول (سبتمبر) وحده؛ حتى أنه كان الموضوع في قناة BFM يوم 9 من الشهر ذاته على المدار الزمني التالي: 6.50، 8.30، 10.30، 11.40، صباحاً؛ و12.00، 18.00، 19.00، 20.00، 21.00، 22.00، ظهراً ومساء وليلاً.
وقد يساجل البعض، محقاً على نحو جزئي فقط، بأنّ هيمنة زيمور على وسائل الإعلام راجعة إلى ما يحظى به من تأييد الملياردير الفرنسي فنسان بولوريه، الذي يملك، أو يشكّل أغلبية متحكمة داخل مجموعة «فيفندي» الإعلامية، في وسائل مرئية أو مسموعة (
Canal+، CNews، إذاعة أوروبا 1…) ومقروءة («جورنال دي ديمانش» «باري ماتش» وقريباً «لو فيغارو» كما يتردد). ولم يعد خافياً أن قناعات بولوريه تصبّ إجمالاً في خانة اليمين المتشدد، لكنّ استقراره على زيمور بدل لوبين وحزب «التجمع الوطني» يعطي إشارة بالغة المعنى لجهة تفضيل المليارات الفرنسية؛ يتوجب أن تتكامل مع المؤشرات الأخرى السوسيولوجية، أو غير المالية والمصرفية والاستثمارية، لجمهور اليمين المتطرف في فرنسا، وفي أوروبا عموماً.
كذلك يحدث أن يكتفي البعض بتصريف زيمور تحت عنوان شبه وحيد، ولكنه أحادي تماماً في الواقع، هو انجذاب الإعلام إلى رجل/ طفرة، صار ظاهرة سريعاً أخذت تهدد الموقع الثاني الذي يحتله اليمين المتطرف في الحياة السياسية الفرنسية؛ وأنّ الأقنية والإذاعات والصحف والدوريات إنما تنجذب إلى ما انجذبت إليه نسبة 17٪ من مؤيدي زيمور. هذا صحيح بالطبع، حتى بعد أن أخذت معدلات تأييد زيمور تتقلص، وعاد إلى موقع رابع بعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولوبين نفسها والمرشح المحتمل لليمين الجمهوري الديغولي؛ إلا أنّ الأصحّ في قلب هذا الصحيح هو أنّ أفكار زيمور لم تهبط من علٍ على حين غرّة، وجذورها تضرب عميقاً في التربة ذاتها التي أنبتت سلسلة من الشخصيات والمواقف والعقائد داخل مختلف تيارات اليميني الديغولي/ الجمهوري.
ويمكن للمرء أن يدع جانباً شخصية مثل إريك سيوتي، القيادي في حزب «الجمهوريين» وأحد ستة تنافسوا على بطاقة الحزب وقد استحق لقب «زيمور الجمهوريين» لأنه سعى إلى مجاراة زيمور الأصلي في الإعراب عن كراهية الأجانب والإسلام والمسلمين، وحلّ أوّلاً في تصويت الجمهوريين يوم أمس؛ إذْ تصحّ العودة إلى نطاق أوسع، وأبعد في المكان والزمان، نحو تلك الجذور في تلك التربة. في عبارة أخرى، هذه الـ»زيمورستان» كما يميل البعض إلى التعبير، ليست من طراز الفطر الشيطاني الذي نبت فجأة بسبب أو من حول زيمور وأفكاره؛ ليس لأنها عتيقة متأصلة وتكررت هنا وهناك لدى هذا أو هذه من رجالات اليمين الفرنسي التقليدي فقط، بل أساساً لأنها تمثّل شريحة سوسيولوجية، نظيرة لشريحة إيديولوجية، قابلة للصعود أو الهبوط طبقاً لسياقات شتى متنوعة.
و»زيمورستان» هذه تستبدل فرنسا بلد اليعاقبة والأنوار والثورة الفرنسية، وبات أحد أشغالها الشاغلة متابعة الصراع بين لوبين وزيمور وسيوتي في ترصّد الأجانب والسود والمهاجرين والعرب والمسلمين، والحملقة في ما يكمن وراء الأكمة من أخطار ناجمة عن عباداتهم ولباسهم وطعامهم ولهجاتهم. الغائب الأكبر في هذه الوقائع هي الأبعاد السياسية والثقافية والتاريخية والاجتماعية لظواهر (لأنّ من السخف اعتبارها محض ظاهرة واحدة متماثلة متطابقة) معقدة شائكة متباينة ليس من الحكمة أبداً ردّها إلى باعث عقائدي أو اقتصادي أو سوسيولوجي أو رهابي واحد.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

الرأسمالية المعاصرة:

خمس أزمات وحفار قبر واحد

صبحي حديدي

 

على سبيل المفارقة، التي لا تخلو من وعيد ساخر أيضاً، يذكّر الكاتب الأمريكي أشلي سميث بأنّ «العهد الجديد» حسب رؤيا يوحنا، يشير إلى أربعة فرسان من المبشرين بالقيامة: الوباء، والحرب، والمجاعة، والموت؛ لكننا اليوم أمام خمس أزمات كونية كبرى، يتابع الرجل، هي بأكملها من صنع النظام السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والتكنولوجي والثقافي… الذي يُختصر في تسمية واحدة: الرأسمالية المعاصرة. صاحب هذا الرأي أحد أنشط الكتّاب الاشتراكيين في الولايات المتحدة، وهؤلاء كما هو معروف كانوا فئة نادرة، أو لاح أنها سائرة إلى ندرة أشدّ وأوسع نطاقاً، خاصة بعد تفكك «المعسكر الاشتراكي» وشيوع نظريات نهاية التاريخ وانتصار اقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد. لكنّ المنتظَر لم يتحقق على أرض الواقع، بسبب اندحار تلك النظريات وعودة التاريخ من الأبواب الأوسع للأزمات القديمة والأخرى المستجدة، فكسب أولئك النادرون أكثر من جولة، وعاد بعضهم إلى الصدارة، وظفرت تشخيصاتهم المضادّة بقبول وانتشار؛ حتى في الأوساط الفكرية والاقتصادية الأشدّ تشبثاً بأطروحات الرأسمالية والإمبريالية والعولمة.
وفي موقع المجلة الإلكترونية الأمريكية
Tempest نشر سميث مقالة مطولة بعنوان «خمس أزمات للرأسمالية: التحديات التي تواجه اليسار اليوم» لم يهدف فيها إلى تبيان ما يعانيه النظام الرأسمالي العالمي اليوم من أزمات جلية، لأنها ببساطة تمسّ مصائر مليارات البشر، فحسب؛ بل يسعى، كذلك، إلى حثّ حركات المقاومة على البحث عن برامج مضادة وصياغة بدائل عملية. الأزمات الخمس لا مجاهيل فيها عملياً، لأنها بالفعل على صلة مباشرة ومأساوية بالحياة اليومية للمعمورة بأسرها: الركود الاقتصادي، المنافسة الإمبريالية، كارثة المناخ، الهجرة الشاملة وأنظمة الحدود، ثمّ حقبة الأوبئة في ظلّ الرأسمالية المعولمة.
وهذه أزمات متجذرة في جوهر النظام الرأسمالي، حسب سميث دائماً، وهي تواصل تشكيل ديناميات إيديولوجية واقتصادية واجتماعية على امتداد العالم؛ ولا تتوقف عند عواقب مباشرة أو آنية فقط، بل هي تخرّب مقداراً غير قليل من الركائز الليبرالية للنظام الرأسمالي ذاته، فتنسف شرعية الأحزاب السياسية التقليدية والمهيمنة لتفسح المجال أمام ولادة أحزاب التشدد على اليمين واليسار معاً، وتُطلق موجات احتجاج شعبية هائلة وغير مسبوقة، كما تعيد إحياء أنظمة الاستقطاب التي لاح أنها اندثرت مع الحرب الباردة وثنائية القطبين الرأسمالي والاشتراكي؛ فلا يتخذ الاستقطاب سمات عقائدية وسياسية واقتصادية فقط، وإنما يتجاوزها إلى أقطاب تكنولوجية ومعلوماتية على غرار الصراع بين ميكروسوفت الأمريكية وهواوي الصينية…
وإلى جانب جائحة كوفيد ـ 19، التي تعصف موجتها الخامسة بالمجتمعات المتقدمة في الغرب، رغم نجاح معظم الدول الرأسمالية في احتكار اللقاح وتطعيم أكثر من 70٪ من السكان؛ لا يكاد يمرّ أسبوع من دون اندلاع أزمة هنا أو هناك، تعكس واحدة أو أكثر من أنساق التأزّم الخمسة التي شخّصها سميث في مقالته. إذا لم تتوتر واشنطن مع بكين حول تايوان أو هونغ كونغ، فإنها تدخل في توتر مع موسكو حول عبور غواصة او تفجير قمر صناعي؛ وإذا لم تتأزم العلاقات بين باريس وكل من واشنطن ولندن وكانبيرا حول عقد الغواصات الفرنسية، فإنّ بولندا تقف على شفير مواجهة حدودية مع بيلاروسيا (وروسيا من خلفها) حول موجات المهاجرين… وفي غمرة هذه البذور التأزيمية، وسواها كثير بالطبع، ثمة استعصاءات شتى متنوعة المضامين بالطبع، لكنها تتلاقى بصفة إجمالية وتكاملية مع هذا أو ذاك من المآزق العضوية التي تصيب النظام الرأسمالي العالمي الراهن.

أزمات متجذرة في جوهر النظام الرأسمالي تواصل تشكيل ديناميات إيديولوجية واقتصادية واجتماعية على امتداد العالم؛ ولا تتوقف عند عواقب مباشرة أو آنية فقط، بل هي تخرّب مقداراً غير قليل من الركائز الليبرالية للنظام الرأسمالي ذاته

وذات زمن غير بعيد، في عمر رأسمالية «ما بعد انتهاء التاريخ» على الأقلّ، قضى أكثر من 15 ألف فرنسية وفرنسي جرّاء موجة طقس حارّ لم تدم أكثر من أسبوع، ولم تكن الطبيعة مسؤولة وحدها عن إزهاق كلّ هذه الأعداد الهائلة من الضحايا، إذْ تحملت الدولة الرأسمالية المعاصرة مسؤولية مباشرة، لأنها تزعم الحرص على الإنسان/ المواطن أوّلاً، ولأنها تمتلك من أسباب التكنولوجيا ما يكفي لقهر ــ أو في الحدّ الأدني السيطرة على ـ سورات غضب الطبيعة ثانياً. وكان مصرع هذه الأعداد بسبب أيّام معدودات من المناخ الحارّ أشبه بهزّة 11 أيلول/ سبتمبر أخرى، مع فارق أنّ الضحايا الفرنسيين لم يسقطوا على يد الإرهابيين من انتحاريي الطائرات الخارقة للأبراج، وإنما سقطوا ضحية مزيج من تعبيرات الطبيعة العشوائية وإهمال الدولة التي لا يتوجّب أن تكون عشوائية. ومن المدهش أنّ كبش الفداء الوحيد الذي قدّمته الحكومة الفرنسية، يومذاك، كان مدير الصحة العامة في فرنسا، الذي قدّر أنّه يتحمّل بعض المسؤولية المباشرة عمّا حدث. لا وزير الصحة استقال، ولا رئيس الوزراء اكترث بقطع إجازته في الريف الفرنسي، ولا الرئيس جاك شيراك توقف عن زيارة المتاحف والمعالم السياحية حيث كان يقضي عطلته السعيدة في كندا.
وقبل مؤتمر غلاسكو الأخير، الذي انتهى بدموع ذرفها رئيسه على هزال مقررات المحفل وتوصياته، كانت جلسات مؤتمر المناخ والبيئة الذي عقدته الأمم المتحدة في كيوتو باليابان، أواخر 1997، قد دشنت نهج القصور والتقصير فتجردت على الفور من طابعها الكوني العالمي وتركت جانباً هواجس وهموم العالم الأكبر والأفقر والأعرض غير المصنّع؛ وانقلبت إلى تمرين مستعاد مكرر لما كان قد جرى قبل بضعة أشهر في قمّة دنفر للدول السبع المصنعة + روسيا. آنذاك مارست الولايات المتحدة ما يكفي من الخيلاء على حليفاتها الأوروبيات والآسيويات، وطرحت النموذج الأمريكي في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، بوصفه النموذج الكوني الأصلح والأنصع والأكثر شباباً. وبعد يوم واحد فقط، في أروقة الأمم المتحدة ومن منابر مؤتمر الأرض الثاني، مارست الولايات المتحدة الخيلاء ذاتها، مترجمة هذه المرّة إلى ما يشبه السادية البيئية.
الأرقام، من جانبها، كانت تقول إنّ الأمريكي يسمّم البيئة ثلاث مرات أكثر من أيّ أوروبي، وثلاثين مرّة أكثر من المكسيكي، وخمسين مرّة أكثر من أيّ مواطن من مواطني العالم الثالث. والأرقام ذاتها كانت تقول إنّ إسهام الولايات المتحدة في التنمية البيئية الكونية لا يتجاوز 0.1 من الناتج القومي الإجمالي، على العكس من تعهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش بأنّ الولايات المتحدة ستلتزم بمعدل 0.7، والذي اعتُبر سقف الحدّ الأدنى في مؤتمر ريو 1992. والإنسانية سوف تنتظر من البيت الأبيض ما هو أسوأ في الواقع، ففي صيف 2017 أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، لأنه يرفض أي شيء يمكن أن يقف في طريق «إنهاض الاقتصاد الأمريكي» ولأنه حان وقت إعطاء الولايات الأمريكية «أولوية على باريس وفرنسا».
وفي الوسع دائماً، وكلما اقتضت الحاجة بالأحرى، استرجاع ذلك المقال الحزين الذي نشره جيفري ساكس في أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية، وتضمّن اعترافاً مدهشاً بأنّ اعتلال اقتصادات الكون يفرض علينا إعادة قراءة معطيات ما بعد الحرب الباردة بأسرها. والرجل، كما هو معروف، أحد كبار اقتصاديي العالم المعاصر، وأحد آخر أبرز الأدمغة الاقتصادية الليبرالية، وكان أستاذ التجارة الدولية في جامعة هارفارد، ومدير معهد هارفارد للتنمية الدولية. شهادته تلك لا تتكامل، للمفارقة المذهلة، مع توصيف المآزق كما عرضتها هذه السطور هنا، فقط؛ بل يلوح أنّ الليبرالي ساكس يزاحم اليساري الماركسي أشلي سميث على… استعادة نبوءة كارل ماركس وفردريك إنغلز، قبل 173 سنة: «الرأسمالية تنتج قبل كل شيء حفّاري قبرها»!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي ) لندن

 

ني صدر:

التشيّع الليبرالي  واستبداد الولي الفقيه

صبحي حديدي

 

رحل الرئيس الإيراني الأسبق أبو الحسن بني صدر (1933-2021) في منفاه الفرنسي الذي لجأ إليه منذ حزيران (يونيو) 1981 وحتى وفاته مؤخراً؛ وطُويت برحيله صفحة بالغة الخصوصية في الثورة الإسلامية الإيرانية، تخصّ شريحة محدودة العدد من المثقفين التكنوقراط والشباب الذين التفوا حول آية الله الخميني وجهدوا لدفعه نحو صيغة اجتماعية وإصلاحية من الإسلام والتشيّع، وكان بعضهم (بني صدر نفسه، وأمثال صادق قطب زاده) في عداد أبكر ضحايا استشراس الإمام حين استقرّ على نسخة أوتوقراطية استبدادية متشددة من تشيّع ولاية الفقيه.
وتلك كانت صفحة قصيرة الأمد، بالطبع، استمدّ أفرادها القسط الأكبر من حضورهم، في المشهد الداخلي الإيراني بعد انتصار الثورة الإيرانية، من حقيقة الصلات الوثيقة التي جمعتهم مع الخميني خلال سنوات إقامته في ضاحية نوف لوشاتو قرب العاصمة الفرنسية، بحيث أنّ معظمهم عاد معه على الطائرة ذاتها التي أقلته من باريس إلى طهران. ولهذا لم يكن غريباً أن يمحض الإمام بني صدر ثقة عالية، وأن يصغي إلى أفكاره، وأن يكلفه بشغل هذه الحقيبة الوزارية أو تلك، وألا يغضب عليه حين رفض التوزير مراراً. لن تطول هذه الحال، كما هو معروف، خاصة حين شرع بني صدر في إعلان خلافه مع هذا أو ذاك من آيات الله، ومساندة حكومة مهدي بازركان الإصلاحية، ورفض اقتحام السفارة الأمريكية وأخذ الرهائن، والدعوة إلى إسلام عادل قائم على حقوق الإنسان والمواطنة والحريات العامة.
في الانتخابات الرئاسية لشهر شباط (فبراير) 1980، حقق بني صدر نصراً كاسحاً بمعدّل 76٪، فكان بذلك أوّل رئيس يُنتخب ديمقراطياً في عهد الثورة الإسلامية، الأمر الذي لم يرق للخميني، فأمر الفائز بالتنازل لصالح مرشح مجلس الثورة الإسلامية الذي لم يتجاوز 5٪ من الأصوات، فرفض بني صدر واندلعت بذلك معركة مفتوحة مع الإمام، بلغت الأوج مع دعوة بني صدر إلى إجراء استفتاء عام حول صلاحيات الخميني القصوى التي كرّسها مبدأ ولاية الفقيه. ويحفظ التاريخ للإمام عبارته الشهيرة التي أغلق بها الباب أمام فكرة الاستفتاء: حتى لو وافق عليه 35 مليون إيراني، فلن أقبل به! خلال الفترة ذاتها، ورغم أنه كان الرئيس الشرعي المنتخب، فقد أصدر آية الله جيلاني، رئيس المحاكم الثورية في طهران، سلسلة فتاوى تقضي بإعدام بني صدر؛ وفي حزيران (يونيو) 1981 حاك المجلس محاولة انقلابية ضدّ الرئيس، اضطرت بني صدر إلى التسلل من إيران نحو فرنسا.
هذا السجلّ، الحافل بحسّ ثورة إصلاحي ورومانتيكي وإسلامي معتدل وجليّ الميل إلى مأسسة الثورة الإسلامية على أسس تشاورية أو مناهضة على الأقلّ لاستبداد ولاية الفقيه، مكّن العديد من الباحثين في تاريخ الثورة الإسلامية الإيرانية من استسهال إطلاق صفة «اليسار» وبالتالي «الإسلام الإيراني اليساري» أو حتى «التشيّع الليبرالي» على مسارات بني صدر. ليست هذه رياضة آمنة، في تقدير هذه السطور، لأسباب شتى معقدة تتصل أوّلاً بأية حصيلة فعلية وعملية أنجزها جيل بني صدر وقطب زاده، أو ربما بازركان نفسه، ويصحّ فيها توصيف «اليسار» أو «الليبرالية». الأفكار ملفّ آخر، بالطبع، وقارئ مؤلفات بني صدر المبكرة، ثمّ تلك التي أنجزها من منفاه الفرنسي بعد طول اختمار وتأمّل وتحرر؛ ليس في وسعه اعتبارها سلّة واحدة متكاملة متضافرة تمثّل بني صدر طالب المدرسة الثانوية المتحمس لثورة محمد مصدّق في وجه الاحتكارات النفطية، أو الطالب الجامعي المتمرد على متاهة الإيديولوجيات والعقائد في إيران مطالع الخمسينيات، أو مرشح الدكتوراه في الاقتصاد السياسي؛ فكيف بأوّل رئيس يتمّ انتخابه في إيران ما بعد الثورة، بحماس كاسح.

بهذا المعنى يُفهم توجس بني صدر من استبداد الإمام الواحد، الذي سيحمل في الفقه الشيعي السياسي الحديث والمعاصر تسمية الولي الفقيه، حتى إشعار طويل أو ربما مرّة وإلى الأبد

والحال أنّ بني صدر كان سليل حركة أعرق تاريخاً، وأعمق جذوراً، ولعلها أخطر دلالة أيضاً؛ هي «حركة المشروطة» التسمية الثانية لثورة دستورية رائدة انطلقت سنة 1905 ضدّ الشاه مظفر الدين، وقادها الفقيه الشيعي الملا محمد كاظم الخراساني (كان بين أنسب ألقابه أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران) وعاونه نفر من كبار رجال الدين الذين تألفوا من الشيعة غالباً. على رأس هؤلاء وقف آية الله الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1860-1936) الذي لا يتردد بعض الباحثين في اعتباره طبعة شيعية من مارتن لوثر، لم يقتصر تأثيرها على إيران أو المشرق الشيعي.
لافت، في المقابل، أن» الصفّ المناهض للحركة، والذي كان ينتهي إلى خدمة الشاه عملياً، قاده نفر من آيات الله استحقوا بالفعل تسمية «أنصار المستبدّة» ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق «عَبَدة الظالمين» و«علماء السوء» و«لصوص الدين» و«مُضلّي ضعفاء المسلمين». وكان النائيني يستلهم جمال الدين الأفغاني وروحية «طبائع الاستبداد» ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة، ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها، وتشكيل حكومة زمنية عادلة؛ بدل الركون إلى حكومة لازمنية مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من «شعبة الاستبداد الديني» حسب النائيني).
وبهذا المعنى أوّلاً، وضمن توجهات أخرى مركبة، يُفهم توجس بني صدر من استبداد الإمام الواحد، الذي سيحمل في الفقه الشيعي السياسي الحديث والمعاصر تسمية الولي الفقيه، حتى إشعار طويل أو ربما مرّة وإلى الأبد؛ ويُفهم واحد من أكثر مؤلفات بني صدر تعبيراً عن مخاوفه كمتشيّع بدأ ليبرالياً/ خمينياً، وانخرط في الثورة، وترأس الجمهورية الإسلامية، قبل أن يُجهز عليه استبداد الوالي الفقيه وأجهزته وقضاته وفقهائه. ففي «عبادة الفرد» 1976، الكتاب الذي لم يفلح بني صدر في إخفاء صلاته الفعلية والدلالية بالمفهوم الستاليني للتعبير، لا يخطئ القارئ معرفة المقصود بالفرد الذي يُعبد، من جهة أولى؛ ولا بالفقه التنظيري والتطبيقي الذي يسيّج تلك العبادة، من جهة ثانية.
ولعلّ معضلة بني صدر الثانية، الجوهرية والمحورية مع ذاك، أنه لم يتمتع بمقدار كافٍ من الخصال الكارزمية التي مكّنت أمثال علي شريعتي أو محمد حسين طباطبائي أو محمود طالقاني من إحداث تغييرات جلية في طرائق ترسيخ فقه شيعي حيوي ومتحرك، خلال الثورة أو بعدها؛ كما أنه افتقر، كرجل دولة هذه المرّة، إلى العديد من ديناميكية بازركان في التوفيق بين آلة الدولة والحوزة، خاصة في منعطفات حاسمة مثل أزمة الرهائن الأمريكيين. ولعلّ المثال الأبرز هنا هو عجز بني صدر عن فضح التواطؤ الإيراني مع مساعدي المرشح الأمريكي للرئاسة رونالد ريغان، في سياق ما عُرف بـ«مفاجأة أكتوبر» فلم يكشف ما في جعبته من معلومات إلا بعد خروجه إلى المنفى الفرنسي.
ومن نافل القول إنّ نظير بني صدر، ولكن على الجانب الآخر من مثقفي وشباب ورجال الدولة في الثورة الإسلامية، كان محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السادس بين 2005 و2013. هذا رجل دخل تاريخ إيران من بوّابة تفصيل يقول إنه أوّل رئيس إيراني يقبّل علانية يد المرشد الأعلى/ الوالي الفقيه، ليس لأنه مرشّح خامنئي المفضّل، وألعوبة في يده، فحسب؛ بل أساساً لأنه أيضاً صار رأس الحربة في صفّ المحافظين المتشددين. وذاك موقع عجز بني صدر عن شَغْله كقائد، وليس رأس حربة بالضرورة، في صفّ الإصلاحيين أو الليبراليين أو حتى التكنوقراط؛ رغم أنّ رصيده الجماهيري لم يكن أقلّ من الحشود الشعبوية التي اعتاد أحمدي نجاد استنفارها، وفي هذا فارق إضافي غير ضئيل في معادلة متشيّع ليبرالي تراءت له القدرة على مقارعة استبداد الولي الفقيه، انكسرت أحلامه أوّل الدرب.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

خلف العمائم السوداء: ماذا تبقى

من «إسلام يساري» في إيران؟

صبحي حديدي

يُعرف الكثير عن المحطات الأشدّ قتامة في تاريخ الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي؛ سواء في ميادين القضاء وأحكام الإعدام وقمع الحريات والتشدد، أو في التقرّب من السلطات الأعلى والتطبيق الحرفي المفرط لأحكام ولاية الفقيه. وإذْ استلم رئيسي الأمر التنفيذي بالتعيين من يد المرشد علي خامنئي شخصياً، ثم أقسم اليمين رسمياً أمام مجلس الشورى، فإنّ تفصيل القول في ماضي الرجل بات تحصيل حاصل لا يغني مراقبي شؤون إيران وشجونها؛ إلا إذا شاء المراقب أن يربط بين غلوّ رئيسي القاضي والمدّعي العام، وما يُنتظر منه على صعيد المغالاة الأشدّ في منصبه الجديد.
ثمة، إلى هذا، أكثر من ميدان جدير بالمراقبة، أو الترقب على وجه الدقة، في كلّ ما اتصل أو سوف يتصل بموقعه ضمن المعارك العقائدية والفكرية والدستورية التي تُخاض في إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية على وجه التقريب، والتي يحلو للعديد من الباحثين المتعمقين في الملفات الإيرانية أن يطلقوا عليها صفة الصراع بين «يمين إسلامي ثيوقراطي» و«يسار إسلامي جمهوري»؛ وثمة، غنيّ عن القول، مزالق غير قليلة في اللجوء إلى تصنيفات كهذه، رغم أنّ معطياتها المعقدة والمتشابكة تبرر هذا اللجوء إلى عدّة اصطلاحية ميسّرة، كي لا يُقال إنها متخففة من أثقال الدقة والتدقيق. فإذا شاء المرء القبول، المبدئي على الأقلّ، بطبائع صراع كهذا، فإنّ مستقبل رئيسي لن ينحصر في ممارسة مهامّ الرئاسة وصلاحياتها، بل سيمتدّ إلى تشديد ميادين اشتغال أحكام ولاية الفقيه، من جهة أولى؛ ثمّ توظيفها تدريجياً بما يخدم تهيئة رئيسي للمنصب التالي الأعلى والأخطر، أي المرشد الأعلى/ الوالي الفقيه، من جهة ثانية؛ الأمر الذي يعني، من جهة ثالثة، تسخير هذه الديناميات وسواها في صراع الإسلامَين، اليميني الثيوقراطي واليساري الجمهوري، لصالح الإسلام الأوّل بالطبع.
أكثر من هذا، عند بايام محسني مدير «مشروع التشيّع والقضايا العالمية» في جامعة هارفارد، ثمة معطيات كافية تبرر تعريف بنية النظام في الجمهورية الإسلامية طبقاً لأربعة أقسام فرعية: اليمين الثيوقراطي، ونظيره اليسار الثيوقراطي، واليمين الجمهوري، ونظيره اليسار الجمهوري؛ حيث يُبنى انقساما اليمين واليسار على موقف كل فريق من مبدأ «العدالة الاجتماعية مقابل اقتصاد السوق». وهو مقترح يجده الكثيرون مفيداً، خاصة باولا ريفيتي، أستاذة السياسة والعلاقات الدولية في جامعة مدينة دبلن، وصاحبة الكتاب المميّز «المشاركة السياسية في إيران من خاتمي إلى حركة الخضر» الذي صدر بالإنكليزية السنة الماضية. ومن نافل القول إنّ الخضر ليسوا تياراً سياسياً بيئي التوجهات، على غرار حركات الخضر هنا وهناك في العالم، فحسب؛ بل ثمة قسط وافر، ولعله ينطوي على مفاجأة لافتة، من الأطروحات الفكرية والعقائدية والسياسية والثقافية، غير المألوفة في خضمّ السجالات التي عصفت بالبلد منذ قيام الجمهورية الإسلامية.
ومن الجدير بالتأمل أنّ نُخَب «اليمين» و«اليسار» أو «المحافظين» و«الإصلاحيين» للذين يفضّلون التعبير الأكثر رواجاً، اتفقت بدرجات متقدمة على قبول السياسات ذاتها التي تمّ إقرارها منذ أواسط تسعينيات القرن المنصرم، واقتُرحت من حكومات يمينية أو محافظة أو متشددة، ابتدأها هاشمي رفسنجاني.

ليس إجحافاً بحقّ اليسار الإيراني، أياً كانت تسمياته، التسليم بأنه في حال من التراجع والانحسار أو حتى المحاق، وأنّ رموزه وشرائح واسعة من جماهيره تسير خلف عمائم آيات الله السوداء، صاغرة تارة أو راضية طوراً.

وكلا النخب ساندت إدراج إيران في أسواق العولمة، كما صادقت على السياسات الثقافية/ الدينية أو صمتت عن بعضها الذي يجحف بالحقوق المدنية وحرية التعبير، وكذلك سكتت عن ستراتيجيات «تصدير الثورة» ودعم أنظمة الاستبداد والفساد هنا وهناك في الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال، كان رجل مثل الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد لا يدين بالقسط الأعظم من شعبيته لمواقفه «المحافظة» أو «المتشددة» بل لطراز من الشعبوية الفاقعة في مهاجمة الإمبريالية وامتداح الليبرالية الاقتصادية في آن معاً. ومما له دلالة خاصة أنّ «اليسار الثيوقراطي» لم يعترض على خيارات الخصخصة التي اعتمدها نجاد، بترخيص من المرشد الأعلى بالطبع واتكاءً على التعديل الذي أدخله خامنئي في أيار (مايو) 2005 على المادة 44 من الدستور، بحيث أفسح المجال أمام بيع ممتلكات الدولة، فضلاً عن خصخصة قطاع التأمين الصحي.
وتلك حال أثارت أسئلة جدية حول أسباب التفاف استخبارات «الباسيج» و«الحرس الثوري» (فضلاً عن الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله!) حول سياسات أحمدي نجاد؛ ثمّ أسباب سكوت أو تواطؤ أو حياء «اليسار» عموماً، الجمهوري أو الثيوقراطي كيفما شاء المرء؛ وأخيراً، أسباب محاق الرجل، إلى درجة رفض ملفه للترشيح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ليست أقلّ إثارة للأسئلة حقيقة أنّ «اليسار الإسلامي» في إيران بدأ خمينياً في الغالب، بمعنى أنّ رجالاته الأوائل كانوا من أشدّ المخلصين للإمام الخميني، وهيمنوا على الحياة السياسية والعقائدية في البلد طوال الثمانينيات مع صعود نجم رئيس الوزراء مير حسين موسوي، وسيطرة النوّاب الإصلاحيين على البرلمان. ثمّ توجّب أن يعطي خامنئي إشارة البدء بتحجيم، وبالتالي تصفية، ذلك «اليسار» حيث كان رفسنجاني هو الأداة والقبضة والهراوة. وكان لافتاً، ودراماتيكياً أيضاً، أن يُستبدل تعبير «المستضعفون» بسلسلة مفردات بديلة تشير إلى الطبقة الوسطى أو الريف أو المدينة باعتبارها جمهور المرحلة والمعمار الطبقي الذي يستند إليه «اليمين الثيوقراطي»؛ في غمرة المزيج ذاته من مواقف «اليسار الثيوقراطي»: الصمت أو التواطؤ أو القبول.
وهكذا يبدو صعود رئيسي، إلى سدّة الرئاسة ثمّ إلى موقع المرشد الأعلى ساعة وفاة خامنئي، بمثابة تتويج جديد لمحاق اليسارَين الإسلامييَن، الجمهوري والثيوقراطي، في إيران؛ ونذيراً بأنّ تيار «المحافظين الجدد» الذي نشأ وترعرع في عهد أحمدي نجاد، إنما يستعيد زمام المبادرة بعد الفاصل النسبي الذي شهد رئاستَي حسن روحاني. وهو نذير وبال كفيل بردّ البلد سنوات طويلة إلى وراء، وربما إلى ما قبل رئاسة محمد خاتمي الأولى، 1997، حين لاح أنّ التيّارات الإصلاحية توشك على إحراز تقدّم. وليس إجحافاً بحقّ اليسار الإيراني، أياً كانت تسمياته، التسليم بأنه في حال من التراجع والانحسار أو حتى المحاق، وأنّ رموزه وشرائح واسعة من جماهيره تسير خلف عمائم آيات الله السوداء، صاغرة تارة أو راضية طوراً.
وهذا مآل لا يغلق التاريخ الراهن أو يسدّ آفاق المستقبل بالضرورة، فليست بعيدة في الزمان تلك البرهة التي شهدت اندلاع تظاهرات طلابية ضخمة في شوارع طهران، طالبت باستقالة خامنئي وخاتمي معاً، وكان الأخير واجهة الإصلاح؛ كما شهدت إعلان مجموعة مؤلفة من 248 شخصية إصلاحية بأنّ «وضع أشخاص في موضع السلطة المطلقة والألوهية هو هرطقة واضحة تجاه الله وتحدّ واضح لكرامة الإنسان» في إشارة عدائية لمبدأ ولاية الفقيه، لعلها مثّلت النقد الأوضح والأكثر جرأة حتماً منذ انتصار الثورة الاسلامية.
وأمّا في في عام 1911 فإنّ زعيم البلاشفة فلاديمير إيليتش لينين لم يتردد في القول إنّ واحدة من أبرز علائم اليقظة الآسيوية تتبدّى بعمق في «حركة المشروطة»؛ التسمية الثانية للثورة الدستورية الإيرانية التي اندلعت عام 1905 ضدّ الشاه مظفر الدين، وقادها فقهاء ومشايخ شيعة بارزون من أمثال محمد الطباطبائي وعبد الله البهبهاني وكاظم الخراساني وعبد الله المازندراني ومحمد حسين النائيني. ومن الإنصاف الترجيح بأنّ أرحام الإيرانيات لن تعجز عن ولادة نساء ورجال، على غرار قادة «المشروطة» وعلى نقيض خامنئي ورفسنجاني ونجاد ورئيسي…

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

السودان: درس الجفاء المزمن

 بين الجيش والديمقراطية

صبحي حديدي

وحدهم أصحاب النوايا الحسنة، وبعض السذّج بالطبع، انتظروا أن تسير الانتفاضة الشعبية في السودان من حسن إلى أحسن، وأن تتجاوز العقبات والمصاعب والإشكالات والاستعصاءات التي شهدتها انتفاضات عربية سابقة، في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، أو حتى الجزائر. ولقد توفّر طراز، كاذب عن سابق قصد ومخادع، من التغنّي بالسلمية وائتلاف الجيش مع التكوينات المدنية المختلفة، فضلاً وجود «تكنوقراطي» ربيب مؤسسات اقتصادية أممية على رأس الحكومة. غير أنّ الحقائق، الصلبة الصارخة المحتومة أحياناً، تتابعت سريعاً لجهة تأكيد هيمنة الجيش وجاهزية ميليشيات جنجويد الماضي القريب/ «قوات الدعم السريع» الحاضر لاستعادة ألوان البطش القديمة إياها؛ ولجهة استئناف تحالفات الهيمنة والفساد، في مستويات شتى اقتصادية وسياسية واستثمارية؛ ثمّ تنويع شبكات الارتباط والعمالة الإقليمية، من مصر والإمارات إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي وتشاد وخليفة حفتر.
وقد يساجل مساجل، على نحو مشروع لا يغيب عنه بعض الصواب، أنّ هذه حال منتظَرة من انتفاضة على الشاكلة التي اتخذتها، وبالقياس والمقارنة مع شقيقاتها الانتفاضات العربية هنا وهناك؛ ما خلا أنّ سجالاً كهذا يتوجب أن يردّ الكثير من عناصر التأزّم الراهنة إلى معضلة كبرى شرقية (بل تكررت بعض الوقت غربياً، كما في اليونان الحديث) هي علاقة الامتناع الكلاسيكية بين المؤسسة العسكرية ونظيرتها المؤسسة المدنية، أو الجفاء المزمن بين الجيش والديمقراطية على نحو أعرض.
وفي سياق سجالي مثل هذا لا يصحّ، منهجياً على الأقلّ، استبعاد الفرضيات التي تقول إنّ حاكم السودان الأقوى اليوم هو عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، وأنّ الثاني من حيث القوّة هو محمد حمدان دقلو آمر وحدات «الدعم السريع»، وللمرء أن يضع رئيس الحكومة في أية مرتبة بعد ذلك! وليس من كبير فارق، بالنسبة إلى شعب السودان أو مسارات انتفاضته، أن يتوجه هذا إلى القاهرة أو ذاك إلى أبو ظبي أو ثالث إلى أنقرة أو رابع إلى واشنطن أو خامس إلى موسكو… ما دامت النتائج تنتهي، في كثير وليس في قليل، إلى الحصيلة المشتركة: هيمنة الجيش.
وحين يتحدث حمدوك عن «أزمة وطنية شاملة»، يُدرج في تضاعيفها بنود تأزّم كبرى مثل تعدّد مراكز القرار وتفاقم الفساد وتصاعد الخلاف بين شركاء الفترة الانتقالية، فيستخلص أنها تنطوي على أخطار تهدد «وجود السودان نفسه»؛ ألا يبدو وكأنه يرجّع الكثير من أصداء العواقب التي اقترنت بأطوار ما بعد إعادة إنتاج هذا أو ذاك من أشكال الاستبداد، في أطوار ما بعد هذه أو تلك من انتفاضات العرب؟ في عبارة أخرى، هل اختلف السودان كثيراً عن شقيقاته العربيات في مسألة واحدة على الأقل، لكنها مركزية تماماً، هي موقع المؤسسة العسكرية في تشكيلات ما بعد إعادة تدوير الأنظمة؟
وأمّا الاشتباكات القبلية الراهنة، في غرب دارفور بصفة خاصة، والتي أوقعت وتوقع عشرات القتلى؛ فإنّ أسوأ قراءة لها، وأكثرها تخابثاً وتزويراً، هي تلك التي أخذت تعتمدها مؤسسة الجيش السوداني، من حيث اختزالها إلى ميليشيات نهب وسلب «عابرة لدول الجوار الإقليمي». هذا، في أعمق مدلولاته، طراز آخر من إعادة تدوير معضلة سودانية عتيقة، لدولة – أمّة يتكلم مواطنوها أكثر من مائة لغة، وينقسمون إلى عشرات المجموعات الإثنية، وتتناهبهم خطوط ولاء قبلية وجغرافية ليس أقلها انقسام الشمال بثقافته العربية، والجنوب بثقافته الأفريقية أو الوثنية، فضلاً عن الإسلام والمسيحية بالطبع.
وفي كلّ حال، ليس الجيش هو المؤهل لحمل لواء الإصلاح وملاقاة المطالب الشعبية والسير بالانتفاضة الشعبية إلى أهدافها العليا، بل من الأصحّ القول إنّ الصراعات الراهنة التي تحتدم اليوم بين رؤوسه، ثمّ بين هؤلاء والمكوّنات المدنية للحكم؛ إنما تعيد تكرار مآسي انتفاضات عربية أخرى، بل هي تقتدي بأشرس ما أفرزته الثورات المضادة من تقاليد ارتداد ونكوص نحو الاستبداد.

 

طاسة لبنان وسلال «حزب الله»

صبحي حديدي

 

قد لا يبالغ مراقب ملمّ بالشأن اللبناني، ملفات ومنعرجات وتقلبات، إذا رأى أنّ لائحة الاستجواب التي استقر عليها المحقق العدلي طارق بيطار أقرب إلى مضبطة اتهام تشمل معظم «القرطةّ»، بحسب التعبير الشهير لأشقائنا اللبنانيين؛ التي يمكن بالفعل أن تكون متورطة في كارثة انفجار مستودع النترات في مرفأ بيروت. والتي يصحّ، أيضاً، النظر إليها كـ»عصابة» حاكمة متسلطة فاسدة، عالية التفاهم حول نهب البلد وإفقاره؛ بصرف النظر عن مستويات التدني أو التكامل بين أجنداتها السياسية والمالية، وارتهاناتها الإقليمية والدولية.
ورغم احتواء اللائحة على أسماء رئيس حكومة تصريف الأعمال، فضلاً عن وزراء سابقين، وقائد سابق للجيش ومدير أسبق للمخابرات العامة ومدير الأمن العام الحالي ومدير عام أمن الدولة والمدير العام للجمارك، وأنّ اللائحة تصلح مرآة، غير شاملة وغير متكاملة، لاستطالات الأحزاب والطوائف في مختلف مفاصل الدولة العميقة (إذا جاز الحديث هكذا)؛ فإنّ ما تعثر فيه المدعي العام السابق القاضي فادي صوان، قبل تنحيته، هو المآل الذي ينتظر أشغال المحقق الحالي.
لقد أسمعتَ لو ناديت حياً، وذلك رغم أنّ المنادَى ليس حياً يتمتع بكلّ أسباب القوّة والمنعة والحصانة والقدرة على تنظيم هجومات مضادة شتى، فحسب؛ بل كذلك لأنه حيّ يُرزق، ضمن أسوأ ما يعنيه الارتزاق من نهب وفساد وجشع وطمع واستهانة بأبسط مقتضيات الانتماء إلى بلد وشعب، تقول المؤسسات المالية الدولية إنه يعيش واحدة من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية ومالية ومعيشية لم تعرفها شعوب الأرض منذ عام 1850.
ثمة من يساجل، مع ذلك أو بسبب ذلك على وجه التحديد، أنّ القوى الإقليمية والدولية التي أتاحت ولادة لبنان في الأساس، وأرادته على هذه الشاكلة التي تطورت وتبدلت وتقلبت من دون أن تغادر الصيغة الطائفية والسياسية التي بُني عليها؛ لن تسمح بانهيار كامل لهذا الـ»لبنان»، المطلوب والمرغوب والخادم الملبّي لسلسلة اعتبارات لا تخرج البتة عن ضرورات جيو – سياسية عابرة للمحليّ، أو حتى الإقليمي. ومَن يساجل هكذا، يتوجب أن يقرّ أيضاً بأنّ في طليعة المحرّضات على الانهيار عجز رعاة لبنان عن تفكيك عُقَد «حزب الله»، وهي في صيغة الجمع لأنها ليست عقدة واحدة تنبثق من سلّة النفوذ الإقليمي الإيراني، بل تتراكم مجاميعها من سلال الحزب اللبنانية ذاتها. وهذه لا تبدأ من سلطة السلاح والأمر الواقع والدولة فوق ما تبقى من ركام «دولة لبنان الكبير»، وتمرّ بالطبع من حقيقة توزّع السكان على 18 طائفة ومذهبا، ولا تنتهي عند التحالف العجيب الشيعي – المسيحي الذي ينخرط فيه الجنرال الرئيس ميشيل عون.
والراغب في عدم استرجاع مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حتى من باب تشييعها إلى مثواها، لن يعدم مبادرة بابا الفاتيكان في تخصيص «يوم التأمل والصلاة من أجل لبنان»؛ الذي شارك فيه عشرة من قادة الكنائس اللبنانية، وبدا أنّ أية «طاسة» مخلصة مقدسة ليست مرشحة للضياع في الزحمة هذه، وأنّ لبنان الملقّب بابوياً بـ»عطية السلام» لا يدير حروبه من روما، ولم تعد شبكات دمشق أو الرياض أو طهران ضرورية لكي تنقلب الشرارة إلى حرائق؛ لأنّ ما تحت الرماد من اضطرام معيشي يومي كفيل بتصدير اللهيب، وليس الشرارة وحدها.
وبين أحدث العجائب، في مضمار راهن على الأقل، أنّ الثنائي الشيعي منقسم حول مبادرة نبيه بري لتسهيل ولادة حكومة سعد الحريري، وأنّ الأنظار أكثر شخوصاً إلى مفاوضات فيينا منها إلى التراشق اللفظي بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف. وليست لائحة اتهام المحقق العدلي الجديد سوى العجيبة المرادفة للحال المعلّقة إياها، حين تتوجه أصابع الاتهام إلى ممثلي «القرطة» من دون أن يهتز رأس كبير أو يُرمى أحد «الـكلّن يعني كلّن» بوردة؛ أو طاسة لمَن يشاء، من ركام الطاسات الضائعة المتلاطمة وسط سلال «حزب الله».

 

 

رامسفيلد في سلة مهملات التاريخ:

صقر الاجتياح وتجميل الوحشية

صبحي حديدي

 

لا شماتة في الموت، يقول المبدأ الأخلاقي العريق، الذي لا يلغي مع ذلك أياً من حقوق تبيان مساوئ الميت؛ خاصة إذا كان يستحق صفة مجرم الحرب، وفي ذمته مئات أو آلاف أو حتى ملايين الضحايا ضمن مسؤوليات مباشرة أو غير مباشرة. هذه حال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد (1932 ـ 2021)، الذي رحل عن عالمنا وفي سجلّه الوظيفي مناصب شتى بينها وزارة الدفاع مرّتين، وألقاب عديدة حفظ له التاريخ واحدة مزدوجة: بطل اجتياح أفغانستان، واجتياح العراق. وأمّا في الملفات التفصيلية ضمن الألقاب، فإنّ أفانين التعذيب الوحشية ضدّ المعتقلين في سجنَيْ أبو غريب وغوانتانامو هي العلامة المسجلة الأكثر بشاعة وانحطاطاً.
حجب الشماتة في الموت لا يلغي، كذلك، الحق في إحالة الميت إلى سلّة مهملات التاريخ؛ أو تلك الصيغة الموازية التي عدّلها الثوري والمنظّر الروسي ليف دافيدوفيتش تروتسكي إلى «مزبلة التاريخ» وشاءت المفارقة أن يكون هو نفسه بين أوائل ضحايا ذلك التعديل القاسي الرهيب. لقد ربح معركة تنظيم الجيش الأحمر ومعارك إرسال «القطار البلشفي» إلى آخر أصقاع روسيا، أو إلى «عين الشمس» كما كان يحلو له القول؛ لكنه نام على حرير نظرية «الثورة الدائمة» متجاهلاً تلك الحروب الخفية التي كان جوزيف ستالين يضرم أوارها في اللجان الحزبية والمفوّضيات السوفييتية، فكان أن وقع القضاء واختار الثوري الرومانتيكي بقعة نائية في المكسيك، لاختتام دورة التاريخ التي لا ترحم.
وفي ولاية نيو مكسيكو، في أمريكا الراهنة التي أخرجت دونالد ترامب من البيت الأبيض دون أن تخرجه من أفئدة وعقول قرابة 70 مليون أمريكي محافظ أو عنصري أو انعزالي أو شعبوي، أغمض رمسفيلد عينيه للمرة الأخيرة؛ محتفظاً، أغلب الظن، بذاكرة فخارٍ صقرية محاربة عسكرتارية نابعة من اليقين ذاته الذي استخدمه جورج بوش الابن في رثائه: أنه خلّف أمريكا أكثر أماناً. كلّ هذا رغم أنّ المفارقة السوداء شاءت أن يرحل الصقر العجوز وجيوش بلاده تحزم الحقائب لمغادرة أفغانستان، بعد أكثر من 111 ألف قتيل أفغاني في صفوف المدنيين، و64100 ضمن أفراد الجيش الوطني والشرطة، وأكثر من 2300 قتيل أمريكي، حسب تقديرات الأمم المتحدة وجامعة براون. حصيلة خراب دامية، لكنها لا تضمن البتة أن يسقط البلد مجدداً في قبضة الطالبان، وكأنّ 20 سنة من التدخل العسكري الأمريكي لم تُنتج ما هو أوضح من إعادة تمكين الخصم!
وقبيل سطوع نجمه كوزير دفاع الاجتياحات الأمريكية في أفغانستان والعراق، كان رامسفيلد قد دخل إلى وقائع الشرق الأوسط من بوّابة الزيارة التي قام بها إلى العراق أواخر العام 1983 مبعوثاً خاصاً من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان؛ حيث استقبله صدام حسين، ليسمع منه أمنيات البيت الأبيض بتفعيل العلاقات بين واشنطن وبغداد، والاتفاق على صفقات نفط سرّية، وجسّ النبض حول خط أنبوب للنفط عبر الأردن، فضلاً عن تشجيع النظام العراقي على المضيّ أبعد في الحرب مع إيران. وفي مذكراته «معروف وغير معروف» 2011، سوف يروي رامسفيلد تفاصيل ذلك اللقاء من وجهة نظره بالطبع؛ نافياً كلّ ما اقترن به، سابقاً ولاحقاً، من “تقوّلاتّ”، عاجزاً في كلّ حال عن استبعاد رغبة إدارة ريغان في التودد إلى النظام العراقي، ضمن أجندة إقليمية واسعة النطاق.

التاريخ من جانبه فتح سلال مهملاته على وسعها لاستقبال رامسفيلد، بوصفه ذلك الصقر الذي صرف جلّ حياته في تبرير اجتياح الأمم وتجميل قبائح التعذيب

في تبرير اجتياح بغداد سنة 2003، سعى رامسفيلد إلى اختصار المغامرة العسكرية الأمريكية على النحو الغائم والفاضح والمجازي بالمعنى الأردأ للتزييف، هكذا: «إعادة العراق إلى العراقيين»! في الآن ذاته كانت جيوشه على الأرض منهمكة بإنزال أحمد الجلبي في الناصرية من دون سابق إنذار (ونعلم اليوم ـ من خلال كتاب مايكل غوردن وبرنارد تراينر «كوبرا II: القصة المستورة لغزو واحتلال العراق» 2006 ـ أنّ تلك الخطوة جرت من دون علم الساسة المدنيين، بمَن فيهم الرئيس بوش الابن نفسه، ونفّذها الجنرالات كما يليق بأعرق الأنظمة العسكرتارية)؛ وفي فتح شوارع البصرة وبغداد أمام اللصوص وناهبي المتاحف والبيوت والدوائر الرسمية، مع حراسة مبنى واحد وحيد في بغداد كلّها: وزارة النفط العراقية!
كذلك لم يبخل رامسفيلد في تسويق جملة الأفكار الجيو ـ سياسية التي نظّر لها رهط المحافظين الجدد، في غمرة تبشيرهم بـ«مشروع قرن أمريكي جديد»؛ والتي اختُصرت يومذاك في ثلاثة أهداف ستراتيجية على الأقلّ: 1) تحويل العراق إلى قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تزيل عن كاهل أمريكا أعباء بقاء قوّاتها في دول الخليج، والسعودية بصفة خاصة، وما يشكّله هذا الوجود من ذريعة قوية يستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضدّ الولايات المتحدة وتشجيع ولادة نماذج جديدة من أسامة بن لادن ومنظمات علي غرار القاعدة؛ و2) السيطرة على النفط العراقي، التي تشير كلّ التقديرات إلى أنه يقترب من موقع الاحتياطي الأوّل في العالم، أي بما يتفوّق على السعودية ذاتها، خصوصاً في منطقة كركوك؛ و3) توطيد درس أفغانستان على صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُردّ ولا تُقاوم.
في البيت الأبيض كان الرئيس يسبغ على شخص رامسفيلد كلّ ما يحتاجه الأخير من أجل تجميل الوحشية، متمثلة أولاً في معتقل غوانتانامو، ثم سجن أبو غريب في العراق؛ ضمن حزمة إجراءات أخرى خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً، في سياقات ما أسمته الإدارة بـ «الحرب على الإرهاب»: «تذكروا… هؤلاء الأشخاص في غوانتانامو قتلة لا يشاركوننا نفس القِيَم»…، قال بوش الابن منذ مارس (آذار) 2002. وفي غوانتانامو احتُجز نحو 500 رجل من قرابة 35 جنسية مختلفة، لم تُوجه تهم بأية جرائم سوى إلى تسعة منهم فقط. بعضهم اعتُقل في أفغانستان، وبعضهم نُقل إلى المعتقل ضمن «تكنيك» الخطف غير الشرعي الذي مارسته وكالة المخابرات المركزية هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها. جميعهم تعرّضوا لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، فضلاً عن الإهانة والتحقير والقهر المتعمد، والتقييد بالسلاسل، وإجبار المعتقل على ارتداء نظارات معتمة. على منوال لا يقلّ وحشية، تعرّف العالم على صورة المجنّدة الأمريكية لندي إنغلاند وهي تجرّ سجيناً عراقياً عارياً، مقيّداً من عنقه بطوق جلدي.
كانت إنغلاند بمثابة كبش فداء ينوب عن كبار مجرمي الحرب، في وزارة العدل والبنتاغون والبيت الأبيض ذاته، ولهذا فإنّ قطاعاً ملموساً داخل الرأي العام الأمريكي لم يرسل رامسفيلد إلى التقاعد الهانئ، كما فعل بوش الابن أواخر العام 2006 وبعد هزيمة نكراء للحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية، كان ملفّ العراق غير غائب عن أسبابها. ولقد صدرت مؤلفات بارزة تفضح الملفّ الشائن، بينها «فريق التعذيب: مذكرات رامسفيلد وخيانة القيم الأمريكية» للمحامي البريطاني وأستاذ القانون فيليب ساندز، وكتاب جميل جعفر وأمريت سينغ «إدارة التعذيب: سجلّ موثق من واشنطن إلى أبو غريب» وكتاب مايكل راتنر «محاكمة دونالد رامسفيلد: مقاضاة عن طريق كتاب» بالتعاون مع مركز الحقوق الدستورية. وفي فرنسا وألمانيا وإسبانيا جوبه رمسفيلد بدعاوى قضائية تفضح أدواره في ترخيص التعذيب عن سابق قصد وتصميم، وتلذذ أيضاً.
التاريخ من جانبه فتح سلال مهملاته على وسعها لاستقبال رامسفيلد، بوصفه ذلك الصقر الذي صرف جلّ حياته في تبرير اجتياح الأمم وتجميل قبائح التعذيب.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

عراق المليشيات:

ما أشبه اليوم بأمس هنري كيسنجر!

صبحي حديدي

 

إذا كان تاريخ المقاربة بعيداً بعض الشيء بمعيار الزمن (صيف 2005)، فإنه ليس كذلك بمعنى عناصر السياق والدلالة والمشهد التي تخصّ العراق المعاصر؛ هذه الأيام تحديداً، في مشهد «الدولة» التي خلّفها الاحتلال الأمريكي، وتولتها إيران عبر وكلاء محليين تتقاطع عندهم المرجعيات الشيعية والميليشيات المسلحة والأحزاب المذهبية، ليس بعيداً عن شبكات الفساد العابرة للمذاهب والطوائف، وللأقاليم والعوالم.
المقاربة المشار إليها هنا هي مقالة مسهبة بعنوان «دروس من أجل ستراتيجية مخرج»، نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بتوقيع هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، والأشهر حتى إشعار آخر قد يطول كثيراً. امتياز المقالة/ المقاربة أنها أفصحت عن المسكوت عنه في صفوف رجال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، وكذلك على نطاق واسع لدى المراقبين والمحللين وتلك الفئة الأمريكية النخبوية التي تُطلق عليها عادة صفة الـ
Think Tank. وأمّا ما أفصح عنه كيسنجر فهو التماثلات الآخذة في التزايد، يومئذ، بين التورّط العسكري الأمريكي في فييتنام، والاحتلال الأمريكي للعراق، من جهة أولى؛ ومآلات الهزيمة العسكرية هناك، مقابل عواقب استعصاء المخرج الأمريكي هنا، من جهة ثانية؛ فضلاً، من جهة ثالثة، عن ذلك الدرس العتيق الكلاسيكي الصائب أبد الدهر: أنّ كسب أية حرب لا يعني كسب سلامها، أو أيّ سلام ربما!
ثمة فقرة صاعقة جاءت في مقالة كيسنجر، تقول التالي: «من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة
Episode في الصراع ضدّ الإسلام الجذري. لقد فُهم أنّ تحدّي الحرب الباردة هو البقاء السياسي للأمم – الدول المستقلة المتحالفة مع الولايات المتحدة والمحيطة بالاتحاد السوفييتي. لكنّ الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو – سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية».
فهل «أحدوثة» هذه الأيام صراع مع «إسلام جذري»، حقاً؟ أم هو، ببساطة أكثر وحقيقة أوضح، بين ميليشيات شيعية المذهب على وجه التحديد، مقابل قوى سياسية وعسكرية وحزبية يختلط في باطنها رئيس وزراء (شيعي مع ذلك، آت من قلب المؤسسة الاستخباراتية)، وكتلة عسكرية وسياسية شيعية يقودها مقتدى الصدر، وإقليم كردي شبه مستقلّ في الشمال غالبية مواطنيه من السنّة، فضلاً عن وجود عسكري أمريكي يتقلص ببطء السلحفاة منذ العام 2003.
ليس غبناً بحقّ أطروحة كيسنجر الافتراض بأنّ «أحدوثة» المواجهة الراهنة تبدو أقرب إلى ثنائي أمريكي – إيراني، وأنّ مضامينها الراهنة تُترجم في الثأر لاغتيال قاسم سليماني تارة، أو في تسليح الوفد الإيراني في مفاوضات جنيف حول برنامج طهران النووي تارة أخرى، وهذه أو تلك من المغانم الأعمّ في سلال إيران الإقليمية الممتدة من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن والبحرين ومضيق هرمز. وليس غبناً، استطراداً، أن «الأحدوثة» إياها تواصل ما يشبه تفكيكاً منهجياً، أقرب إلى التفضيح والدحر والكسر، للأكذوبة العتيقة حول احتلال أمريكي سوف ينقل «فيروس» الديمقراطية إلى العراق وسائر المنطقة؛ لأنّ الميليشيات لا تقصف المعسكرات الأمريكية وحدها، بل تستهدف اعتصامات الاحتجاج السلمية ولا تتورع عن التصفيات الجسدية للناشطين.
وحين اقترح كيسنجر مقاربته تلك، التي تعمّد ألا تنطوي على تمييز بين إسلام شيعي وآخر سنّي، كان البيت الأبيض قد حسم خياره في إعادة تركيب معادلة العراق السياسية على ركيزتَين، شيعية وكردية، وإبعاد السنّة إلى الهامش بعد تطهير ما سُمّى يومها بـ»المثلث السنّي» وتجريده من كلّ أسباب المقاومة السياسية أو العسكرية. ولم تكن تلك مقامرة الهواة من «المحافظين الجدد»، بتشجيع مباشر من كيسنجر وأمثاله، فحسب؛ بل توجّب أن تسير حثيثاً نحو استكمال ما بدأه اجتياح 2003، أي تمكين إيران أكثر فأكثر.
وإلا، سوى هذه المآلات، ما الذي يقوله المشهد الراهن!

 

القدس العربي - لندن

 

ذاكرة الانتفاضة السورية:

بنية الاستبداد واستعصاء الأكذوبة

صبحي حديدي

 

في مثل هذه الأيام، ولكن قبل عشر سنوات، صادق بشار الأسد على مشاريع قرارات كانت حكومته قد اقترحتها حول رفع حال الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة وتنظيم حقّ التظاهر؛ وقيل يومذاك إنّ الأسد يستجيب لواحد من أبرز المطالب التي رفعتها جماهير الانتفاضة الشعبية. وتلك خلاصة تردّدت يومها في إعلام النظام، وعلى ألسنة مشايعيه خارج سوريا، وكذلك بعض «المعارضين» الذين كانوا أصلاً قد توسموا خيراً في «الرئيس الشاب» منذ مهزلة توريثه وترشيحه للرئاسة؛ وكانت بمثابة الحبكة الابتدائية الأولى في سردية «الإصلاح» التي قيل إنّ الأسد الابن يعكف عليها.
أمّا آخر المعنيين بتلك القوانين، سواء لجهة الالتزام بها أو المشاركة على الأقلّ في قرع طبول التهليل لها، فقد كانوا حفنة من أوائل قيادات الاستبداد الذين لا تتسع مؤسساتهم وفروعهم وشُعَبهم لأيّ مستوى تطبيقي يخصّ تلك القوانين؛ أو يتيح أيّ انفكاك عن روحية الطوارئ والقمع والعنف العاري المفتوح. في طليعة هؤلاء كان يسهل على المرء، يومذاك، العثور على اللواء علي مملوك، واللواء زهير الحمد، والعميد ثائر العمر، والعميد أنيس سلامة، والعميد حافظ مخلوف (من جهاز المخابرات العامة/ أمن الدولة)؛ أو اللواء عبد الفتاح قدسية (المخابرات العسكرية) واللواء جميل حسن (مخابرات القوى الجوية) واللواء محمد ديب زيتون (شعبة الأمن السياسي)؛ وأمّا في الجيش، فثمة أمثال ماهر الأسد، وسائر ضباط الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري بصفة خاصة…
وليس الأمر أنّ هؤلاء كانوا أقلّ استجابة لمشاريع قرارات صدرت عن مجلس وزراء النظام، وصادق عليها رأس النظام، وصوّت عليها مجلس شعب النظام؛ إذْ أنهم كانوا، بدورهم، أهل النظام وحرّاسه والمنتفعين الأوائل في مزرعته وبيوتات سلطاته ومكاسبه ومفاسده. الأمر، في المقابل، كان أنهم على دراية تامة بالطابع المسرحي والزائف لتلك القرارات، وأنها لم تصدر عن الأسد الابن إلا على سبيل ذرّ الرماد في العيون على السطح والمظهر، ومواصلة نهج الأسد الأب و«الحركة التصحيحية» في الباطن والعمق. لهذا، في الآن ذاته، كانت قرية البيضا وقرية بساتين إسلام في ظاهر مدينة بانياس الساحلية، وحيّ رأس النبع في قلب المدينة ذاتها، قد شهدت ارتكاب مجازر بحقّ الشيوح والأطفال والنساء، بعد قصف بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ والهاون.
تقاليد عمل أدوات استبداد ما بعد طيّ الأحكام العرفية لم تختلف في الجوهر عن تقاليد ما قبل قرارات رأس النظام حول الطوارئ والمحاكم والتظاهر؛ وإنْ كانت الأسابيع المتعاقبة في عمر الانتفاضة السورية قد أضافت طُرزاً مختلفة من المهام بدت أكثر تعقيداً في ناظر أولئك الألوية والعمداء والعقداء وسواهم من ضباط أجهزة أمنية تتوزّع على 17 اختصاصاً! صحيح أنّ المهامّ الطارئة لم تكن جديدة عليهم تماماً، إلا أنها اكتسبت صبغة مختلفة، واستدعت تقنيات مستجدة لم يكونوا على دراية كافية بها قبلئذ، أيام مجازر حماة وجسر الشغور والمشارقة. لقد توجّب عليهم إحياء أساليب الماضي كافة، واستخدامها في قمع مظاهرة في درعا أو دوما أو اللاذقية او بانياس أو حمص أو دير الزور، من دون حرج في إراقة الدماء؛ ولكن… بعيداً عن العدسات الصغيرة التي يحملها المواطنون في هواتفهم الجوالة، أو آلات التصوير البسيطة التي صارت في متناول اليد!

ثمة رباط وثيق، متعدد الأوجه والأنساق والوظائف، بين بنية الاستبداد كما ورثها الأسد الابن من أبيه، وصانها وطوّرها وزادها وحشية وعنفاً وهمجية؛ وبين استعصاء وظائف الأكذوبة، وما أُريد منها أن تشيعه حول «الإصلاح» و«الحساب» و«القانون»

وبالطبع، كان وأد الصورة، مثل استعادة أساليب مجازر أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات، خياراً مستحيلاً ينتمي إلى ماضٍ ولّى وانقضى؛ ومعه انهارت جدران الخوف، الرمزية المجازية أو الواقعية الفعلية، إزاء شبح عنصر المخابرات، القاهر القاتل المروّع الذي لا يحاسبه قانون، بل تعطيه القوانين ترخيصاً بالقتل العشوائي، وتمنحه حصانة من أيّ وكلّ حساب. ولقد اتضح أنّ ثقافة الصورة هذه، واندراجها ضمن ثقافة أخرى في التدوين والتوثيق والتواصل الاجتماعي أوسع نطاقاً وأبعد اثراً، باغتت تقنيات الماضي التي اقتاتت عليها الأجهزة طوال عقود، وجبّت ما قبلها من معادلات في التطويع والترويض والقمع.
من هنا كان استمرار بنية الاستبداد التي شيدتها «الحركة التصحيحية» يقتضي ايضاً استيلاد أكاذيب «الإصلاح» على شاكلة إلغاء الأحكام العرفية، و«الحساب» على مقياس مهازل إقالة الرائد أمجد عباس مسؤول الأمن السياسي في بانياس وبطل تلك الجرائم الهمجية، وتمكين «القانون» على غرار تكليف وزير العدل الإمّعة تيسير القلا عواد برئاسة ما سُمّيت «لجنة التحقيق في أحداث درعا واللاذقية» ومحاسبة عاطف نجيب ابن خالة رأس النظام وبطل مجازر درعا…
فإذا افترض امرؤ أنّ إلغاء الأحكام العرفية سوف يجد أيّ مستوى من التطبيق (كما استبشر البعض هنا وهناك، وبينهم نفر من «المعارضين» إياهم) فما الذي كان سيتبقى من «واجبات» أمام اللواء عبد الفتاح قدسية، رئيس إدارة المخابرات العسكرية؟ هل كان سيكفّ عن اعتقال المعارضين المدنيين، ويتفرّغ مثلاً لكشف ألغاز ملفّ اغتيال العميد محمد سليمان، على شواطىء طرطوس، وإماطة اللثام عن الأسئلة الكثيرة التي اكتنفت العملية: مَن، وكيف، ولماذا؟ وزميله في الاستبداد اللواء جميل حسن، رئيس مخابرات القوى الجوية، هل كان سيتنطح لكشف أسرار قصف موقع «الكبر» العسكري السوري، في ظاهر مدينة دير الزور، وسيكاشف السوريين بحقائق ما جرى، فيجيب على أسئلة مماثلة: مَن، وكيف، ولماذا؟ والزميل الثالث، اللواء محمد ديب زيتون، كيف سيفهم وظائف شعبة الأمن السياسي إذا كان إلغاء قوانين الطوارئ سيسمح بحرّية الرأي والمعتقد والتنظيم والتظاهر، وما الذي سيتبقى من علّة وجود هذه «الشعبة» أصلاً؟
ثمة رباط وثيق، متعدد الأوجه والأنساق والوظائف، بين بنية الاستبداد كما ورثها الأسد الابن من أبيه، وصانها وطوّرها وزادها وحشية وعنفاً وهمجية؛ وبين استعصاء وظائف الأكذوبة، وما أُريد منها أن تشيعه حول «الإصلاح» و«الحساب» و«القانون» طوال عشر سنوات من المجازر والتدمير والتهجير والتطهير الديمغرافي والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية والجرثومية، فضلاً عن تسليم سوريا إلى احتلالات إيرانية وروسية وتركية وأمريكية، انضمت إلى الاحتلال الإسرائيلي. وهو رباط وثيق لا يلغي ذلك التطوّر الطبيعي المتمثل في إحالة بعض اولئك الضباط، بقرارات من رأس النظام ذاته، إلى مزابل تاريخ «الحركة التصحيحية»؛ إمّا لأنّ أدوارهم انتهت على طريقة البطاريات التي نفد شحنها ولم تعد تقبل أيّ تجديد فباتت أقرب إلى العبء منها إلى المعونة، أو لأنّ عشر سنوات من اهتلاك آلة القمع ومنظومات الاستبداد تكفلت باهتراء أطقمها أيضاً، أو لأنّ سلطات النظام الأمنية والعسكرية باتت بيد الضباط الروس في قاعدة حميميم وضباط «الحرس الثوري» الإيراني هنا وهناك على أرض سوريا.
وليست المصائر المتغايرة الراهنة لأمثال مجرم حرب مثل حافظ مخلوف، أو شقيقه في السلاح العسكري سهيل الحسن، أو قدوتهم في احتساء دماء السوريين جميل حسن… سوى أمثولة الأسد الابن لمصائر مماثلة سبق أن آل إليها أمثال رفعت الأسد وعلي دوبا وعلي حيدر وشفيق فياض وناجي جميل، في عقود الأسد الأب. وتلك المصائر تنفع، أيضاً، في استقصاء المزيد من خصائص «الحركة التصحيحية» البنيوية التكوينية التي تأصلت أكثر من ذي قبل في ظلّ الشعار المبكّر الذي رفعه الوريث: حافظ الأسد يحكمنا من قبره! ولم يكن عجيباً أنّ عبد الحليم خدام، أكذب «منشقّ» عن النظام، لم يطرب لإلغاء الأحكام العرفية، فأطلق الهرطقة التالية: ليست الأحكام هي التي تعتقل الناس!
وكيف لا، وهو أحد صنّاع البنية ذاتها، وممّن استعصت عليهم شتى الطرائق في تمرير أكاذيبها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

العسكر في الديمقراطيات الغربية:

رهاب جنرالات فرنسا

صبحي حديدي

 

حتى ساعة كتابة هذه السطور، بلغ العدد 10.039 من العسكريين الفرنسيين، العاملين أو المتقاعدين، بينهم 20 جنرالاً وقرابة 100 ضابط كبير، وقعوا نصّاً بعنوان «رسالة مفتوحة إلى حكّامنا»؛ نُشر أوّلاً، وما يزال متوفراً، على موقع Place d’Armes بتاريخ 14 نيسان (أبريل) الجاري، ثمّ أعادت نشره مجلة «فالور أكتويل» ذات الاتجاه المحافظ والقريب من اليمين المتطرف؛ مع فارق أنّ المجلة اختارت للنشر تاريخاً حمّال مغزى، لأنه يتصادف مع الذكرى الستين لمحاولة الانقلاب التي سعى إلى تنفيذها عدد من جنرالات الجيش الفرنسي المتقاعدين والعاملين، لمنع رئيس الجمهورية شارل دوغول من منح الاستقلال للجزائر. وبالأمس أعلن رئيس أركان الجيش، بناء على توصية من وزيرة الدفاع فلورنس بارلي، توقيف العاملين من الموقّعين وإحالتهم إلى لجان تحقيق، في إطار «إجراء استثنائي» يستند إلى تقليد متبّع يحظر على العسكري العامل إبداء آراء سياسية علنية.
الرسالة تتوجه أولاً إلى رئيس الجمهورية، ثمّ إلى «السيدات والسادة في الحكومة» وكذلك في البرلمان؛ وتقول الجملة الأولى فيها: «الساعة خطيرة، وفرنسا في خطر، تتهددها مخاطر عديدة مميتة» قبل أن تذكّر بأنّ الموقّعين ما يزالون جنوداً لفرنسا حتى وهم في التقاعد، ولا يستطيعون «البقاء غير مكترثين بمصير بلدنا الجميل». في فقرة لاحقة تبدو نبرة التهديد بالانقلاب جلية تماماً: «إذا لم يُتخذ اللازم، فإنّ التراخي سوف يواصل الانتشار في المجتمع على نحو متفاقم، ويسفر في النهاية عن انفجار وعن تدخل من رفاقنا الناشطين في مهمة محفوفة بالمخاطر هدفها حماية قيمنا الحضارية وأمان مواطنينا». وفي جملة لا ينقصها الوضوح، البتة، يقول عسكر فرنسا: «كفى مماطلة، الساعة خطيرة، والعمل جسيم، لا تضيعوا الوقت واعلموا أننا على استعداد لدعم الساسة الذين يأخذون في الاعتبار إنقاذ الأمّة».
ليس مدهشاً، في المقام الأوّل، أنّ النصّ يعتنق الكثير من المفردات والصياغات والمفاهيم التي اتسمت بها خطابات اليمين المتشدد، غير بعيدة عن الخطابات الفاشية الأوروبية عموماً. ذلك لأنّ كاتب النصّ، وعدد غير قليل من الجنرالات الموقعين عليه، انتموا ويواصلون الانتماء إلى حركات عنصرية ويمينية متطرفة وفاشية، وبعضهم شارك جسدياً في مظاهرات معادية للمهاجرين واللاجئين، تتذرّع بالدفاع عن «القِيَم الحضارية» و«الهوية الغربية» وكلّ ما يمكن تكديسه اعتباطياً تحت مجمّع «الثقافة المسيحية ـ اليهودية». وليس مفاجئاً، استطراداً، أن يكون الهجوم على الإسلام و«جحافل الضواحي» واضحاً من زاوية ميلودرامية وتحريضية تقوم على استدراج المشاعر العشوائية، وعلى التعاطف العفوي ضدّ جريمة إرهابية نكراء مثل اغتيال أستاذ التاريخ الفرنسي صمويل باتي؛ وكأنها، كما يقول النصّ، «يصعب تخيّلها قبل عشر سنوات» ولا سابق لها في كثير من الوقائع الدامية التي سجّلتها تواريخ العنف الأهلي الأوروبي!
اللافت، حتى إذا لم يكن مدهشاً بدوره، أنّ نصّ العسكر يتطابق مع «النغم» الذي شاع مؤخراً في فرنسا، حول التيارات الفكرية والثقافية النقدية التي تتناول العنصرية والأوضاع ما بعد الاستعمارية والأقوام الأصلية، بوصفها أيضاً مظهراً لحال «التفكك» التي تنخر جسد المجتمع الفرنسي المعاصر. ولا يُراد من هذه النظريات، حسب رسالة عسكر فرنسا، سوى «الحرب العنصرية» لأنّ القائلين بها «يحتقرون بلدنا وتقاليده وثقافته، ويريدون رؤيته منحلاً، وينتزعون منه ماضيه وتاريخه» ولهذا «يهاجمون التماثيل، والأمجاد العسكرية والمدنية القديمة عن طريق تحليل أقوال عتيقة عمرها قرون». ولم يكن ينقص الجنرالات سوى التعريض، تماشياً مع «الموضة» الرائجة، بما بات يُعرف في فرنسا تحت مسمّى «اليساروية/ الإسلامية»؛ مع العلم أنّ النصّ يحتوي الكثير من التلميحات التي تفضي في نهاية المطاف إلى التوصيف ذاك، فيبرهن العسكر المتقاعدون، اليمينيون المتشددون والعنصريون والشعبويون، أنهم خير حلفاء لنظرائهم المدنيين أصحاب التوجهات ذاتها في الصحف والمجلات ومراكز الأبحاث والأحزاب.

رسالة العسكر الفرنسيين تعيد طرح مشكلة متأصلة في الأنظمة الديمقراطية الغربية عموماً، تتصل بإشكالية سيطرة المدني على العسكري، وسلسلة الضوابط التي تحكم العلاقة بينهما. واختلال التوازن، أو انقلاب الإشكالية إلى تعارض وتناقض وتصارع، سيكون مآله الأوّل هو الانقلاب

الطبيعي، والحال هذه، أن يأتي أوّل دعم صريح لرسالة العسكر الفرنسيين المفتوحة من الجهة السياسية الأولى صاحبة المصلحة في استقبالها وإشاعتها: مارين لوبين، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتشدد، التي دعت الموقّعين إلى الالتحاق بصفوف حزبها والمشاركة في «المعركة التي بدأت للتو» و«هي قبل كل شيء معركة فرنسا». الطبيعي، على المنوال ذاته، أن يعرب عن تأييد مماثل رجل مثل إريك زيمور، الكاتب والصحافي والإعلامي الأكثر مثولاً أمام القضاء بتهمة العنصرية، وفي عداد الأشدّ كراهية للعرب والمسلمين والسود المهاجرين عموماً (رغم أنه سليل أسرة يهودية جزائرية): «هذا جزء من حالة اللاوعي الجمعي في فرنسا» قال زيمور، معتبراً أنّ نصّ الجنرالات يعبّر عن مزاج عام سائد في البلد، ولا ينطوي على عواقب انقلابية.
وفي هذا بعض الصواب، على طريقة الحقّ الذي يُراد به الباطل غنيّ عن القول، لأنّ فرنسا الراهنة تعيش مناخات رهابية وعنصرية وشعبوية غير مسبوقة على امتداد كامل التاريخ الذي أعقب سنة 1789 واقتحام سجن الباستيل وإقرار «إعلان حقوق الإنسان والمواطن». ونقطة التزييف الكبرى في رسالة الجنرالات هي تلك التي تتهم رئيس الجمهورية بـ«الصمت» على ما تشهده فرنسا من «تفكك» بسبب صعود النزعات الإسلاموية و«جحافل الضواحي»؛ لأنّ ماكرون ليس صامتاً البتة، بل العكس هو الصحيح، فهو صاحب التنظير لفكرة «الأزمة» التي يعيشها الإسلام، وهو حتى إشعار آخر الرئيس الأكثر عرضة للاتهام بعداء الإسلام على امتداد الجمهورية الخامسة، عدا عن كونه (على رأس حزبه المتمتع بالأغلبية في الجمعية الوطنية) صاحب قانون «الأمن الشامل» الشهير الذي يقيّد الحريات العامة والصحافية لصالح الشرطة وأجهزة الأمن.
صحيح، بالطبع، أنّ العسكري المتقاعد أو غير العامل يملك من حقّ التعبير الحرّ ما يملكه أيّ مواطن مدني، وبالتالي فإنّ هذا الصنف من الموقّعين على الرسالة ليسوا غرباء عن هذا النسق من الحقوق؛ ولكن من الصحيح في المقابل، ويدخل تحت طائلة القانون أيضاً، أنّ العسكري العامل غير مخوّل بانتهاك واجب «التحفظ» الذي يفرضه عليه وضعه المسلكي العسكري، فكيف إذا احتوى تعبيره على إيحاءات بتنظيم انقلاب في نظام ديمقراطي يُخضع العسكر لسيطرة السلطة السياسية المدنية. بهذا المعنى، البسيط تماماً ولكن الواضح كذلك في مدى اقترانه بالأخطار والعواقب، أنّ رسالة العسكر المفتوحة شكّلت لتوّها محاولة انقلاب معلنة على مستوى التعبير السياسي، في فترة زمنية تشهد أولى أطوار التسخين والاستعدادات للانتخابات الرئاسية، التي ستجري جولتها الأولى في 23 نيسان (أبريل) والثانية في 7 أيار(مايو) 2022. ولم يكن تفصيلاً عابراً أنّ أحد الموقّعين على الرسالة هو الجنرال المتقاعد بيار دي فيلييه، الرئيس السابق للأركان، والذي أجبره ماكرون على الاستقالة صيف 2017 لإعلانه آراء خلافية مع قصر الإليزيه حول ميزانية الجيوش، ويتردد اليوم أنه قد يرشح نفسه في الرئاسيات المقبلة.
وفي كلّ حال فإنّ رسالة العسكر الفرنسيين تعيد طرح مشكلة متأصلة في الأنظمة الديمقراطية الغربية عموماً، تتصل بإشكالية سيطرة السياسي المدني على الضابط العسكري، وسلسلة الضوابط التي تحكم العلاقة بينهما. وليس خافياً أنّ اختلال التوازن، أو انقلاب الإشكالية إلى تعارض وتناقض وتصارع، سيكون مآله الأوّل هو الانقلاب (والتجارب كثيرة، على امتداد الماضي القريب أو البعيد) ومآله الرديف أو التالي هو صعود الفاشية واهتزاز النظام الديمقراطي بأسره. فرنسا الدولة بعيدة عن هذا، في المدى المنظور على الأقلّ؛ ولكنّ عسكر الرسالة المفتوحة، المرضى بهذا النمط أو ذاك من الرهاب، ليسوا، في نهاية المطاف، سوى أبناء هذا الاجتماع الفرنسي، السياسي والاقتصادي والثقافي، ذاته.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

صاروخ ديمونة: الطراز الإيراني

في حروب الثأر الصوتية

صبحي حديدي

عديدة هي الخلاصات التي يُتاح استنتاجها من واقعة سقوط صاروخ أرض ـ جو من طراز SA ـ 5 على مقربة من المنشآت النووية التي تقيمها، وتتستر عليها، دولة الاحتلال الإسرائيلي في منطقة ديمونة، جنوب فلسطين المحتلة. وما يُستخلَص هنا لا يقتصر على معادلات الاشتباك وقواعده بين دولة الاحتلال والنظام السوري وإيران فقط، بل يمتدّ استطراداً إلى مناطق نفوذ طهران في لبنان والعراق واليمن، ويتوسع أيضاً إلى ما يصحّ تسميته بـ«البروتوكولات» غير المعلنة بين موسكو وتل أبيب حول اعتداءات جيش الاحتلال المنتظمة ضدّ أهداف إيرانية داخل العمق السوري، ونوعية السلاح الروسي الذي يُؤذن لجيش النظام السوري باستخدامه ضدّ الغارات الإسرائيلية.
الخلاصة الأولى هي أنّ منشآت الاحتلال النووية لم تعد بمنأى عن الأخطار المحدقة، في عصر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة؛ بافتراض أنّ إرادة سياسية لدى خصوم دولة الاحتلال يمكن أن تكسر قاعدة اشتباك كبرى ذات صلة بمفاعل ديمونة، أو أنّ شرارة عابرة يمكن أن تطلق اللهيب حتى بمعزل عن الإرادة والقرار والتصميم. صحيح، بالطبع، أنّ الصاروخ الذي سقط في النقب غير بعيد عن المفاعل كان من طراز سوفييتي قديم يعود إلى أواسط ستينيات القرن الماضي، وليس من أيّ طراز معاصر متقدّم يستخدمه الجيش الروسي ومنح بعض بطارياته إلى جيش بشار الأسد (منظومة
S ـ 300 على سبيل المثال). غير أنّ مسافة الـ300 كم التي قطعها الصاروخ من الأراضي السورية قبل أن يسقط قرب ديمونة كافية، في ذاتها، للبرهنة على الخطورة الكلاسيكية لهذا السلاح، خاصة وأنه يحمل كتلة متفجرات لا تقل عن 217 كغ.
الخلاصة الثانية هي أنّ إطلاق الصاروخ كان، أغلب الظنّ، قراراً إيرانياً أكثر من كونه تحولاً دراماتيكياً في منهجية تعامل النظام السوري مع الغارات الإسرائيلية المتكررة؛ إذْ بات من الثابت، على مدار عقود وليس سنوات في الواقع، أنّ الأسد اعتمد ردّ فعل وحيد له طابع لفظي، يتكئ دائماً على حكاية احتفاظ النظام بحقّه في اختيار الزمان والمكان المناسبين للردّ. فإذا صحّ أن ضابطاً إيرانياً ما، ضمن عشرات «المستشارين» العاملين مع جيش النظام، كان وراء تفعيل منصّة انطلاق صاروخ الـ
SA-5؛ فهذا، استطراداً، يعني أنّ طهران بدورها ما تزال تلتزم بالقاعدة «الانتقامية» ذاتها، حول اختيار الزمان والمكان و… نوعية السلاح أيضاً. ومن اللافت أنّ وسائل إعلام إيرانية أغدقت المديح على صاروخ ديمونة، وأشارت إلى أنه كان يمكن أن يتابع طريقه إلى المفاعل، لولا أنّ «التسبّب في كارثة ليس هو المطلوب»!
في عبارة أخرى، كان في وسع طهران استخدام سلاح صاروخي آخر أكثر ذكاء، وأعقد توجيهاً؛ لو كانت الإرادة الإيرانية تتوخى فعلاً ثأرياً يلاءم الردّ على العملية الإسرائيلية في مفاعل نطنز الإيراني، وليس مجرّد «انتقام» لا يتجاوز تطيير رسالة صوتية مفزعة، محدودة الأثر والجدوى. وفي هذا خلاصة ثالثة تتصل بالبون الشاسع، كما تشير الدلائل على الأقلّ، بين السطوة العالية التي يتمتع بها الضباط الإيرانيون في تسيير أمور جيش النظام وتسخير أسلحته التقليدية، وبين القصور الهائل الأقرب إلى الانعدام في مقدار تحكّمهم بالأسلحة الروسية المتقدمة التي يستخدمها الجيش ذاته والتي تخضع ـ في أوّل الأمر وآخره، كما يلوح ـ لقرار الضباط الروس وسياسة الكرملين في العلاقة مع دولة الاحتلال. ولا تُنسى، في هذا السياق، مسؤولية الصاروخ القديم ذاته عن إسقاط طائرة استطلاع روسية، بطريق الخطأ، في سماء اللاذقية خريف 2018، أسفرت عن مقتل 15 عسكرياً روسياً.

أية كارثة تصيب دولة الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن تقذف إيران في أتون كوارث كبرى لا عدّ لها ولا حصر. خير، إذن، أن يكتفي المرشد الأعلى بالصاروخ الصوتي، ومفردات رسالته، والتوريط هنا وهناك، والزعم بأنّ ثأر نطنز قد تحقق. وكفى الله شرّ القتال

خلاصة رابعة تشير إلى تقارير سبق أن كشفت النقاب عنها أسبوعية «نيوزويك» الأمريكية، تفيد بأنّ طهران نجحت في تهريب عدد من الصواريخ بعيدة المدى إلى داخل اليمن، في إطار تزويد الحوثيين بأسلحة ستراتيجية التأثير قد تتيح تغيير الموازين العسكرية في الحرب الراهنة ضدّ السعودية. لكنّ بعض أنواع هذه الصواريخ يمتلك أمدية كفيلة بإصابة أهداف في العمق الإسرائيلي، وأنّ منطقة ديمونة تحديداً ليست بذلك بعيدة عن قدرات هذه الصواريخ؛ وما دامت طهران ترخّص للحوثيين قصف منشآت سعودية حيوية مثل المصافي والمطارات المدنية، وحروب الشدّ والجذب مع واشنطن حول إعادة إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات قائمة ومحتدمة؛ فما الذي يدفع المرشد الأعلى الإيراني إلى «التعقّل» في دفع الحوثي إلى استهداف دولة الاحتلال، سوى (في طليعة أسباب أخرى متعددة) الإبقاء على قواعد الاشتباك في حدود منضبطة، لا ترقى البتة إلى المواجهة الشاملة؟
ورغم تقارير غير مؤكدة تشير إلى احتمال انطلاق صاروخ ديمونة من العراق، وليس من بطارية في درعا أو مطار الضمير، فالواضح في المقابل أنّ رسالة طهران الصوتية تتفادى توريط لبنان، أي «حزب الله» تحديداً، في أية عمليات واسعة النطاق يمكن أن تتخذها الردود الانتقامية الإسرائيلية. وإذا صحّ هذا الاستنتاج الخامس فإنه يؤكد، من جانب أوّل، أنّ الخيارات الإيرانية في لبنان باتت أضيق من ذي قبل، أو لا قبل لها بحرب مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي؛ وأنّ ذراع إيران في البلد، «حزب الله» ومؤسساته وميليشياته وأسلحته، ليست من جانب ثانٍ في وضع مريح بالنظر إلى ظروف لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن الحكمة تجنيب الحزب المزيد من حرج الخارج إضافة إلى حرج الداخل.
الجانب الثالث، والذي يصلح استنتاجاً سادساً، هو أنّ توريط النظام السوري في عملية إطلاق صاروخ ديمونة قد يتجاوز، من الوجهة الإيرانية، إحراج النظام، سواء بمعنى حدود المواجهة مع دولة الاحتلال، أو بمعنى نطاق الخدمات غير المحدودة التي يقدمها للنفوذ الإيراني العسكري على الأرض السورية. فالنظام، ابتداء من رأسه وانتهاء بأصغر ضابط في جيشه أو أجهزته المختلفة، لا حول له ولا طول أصلاً، حتى قبل أن يبلغ التدخل الإيراني في الشؤون السورية مستويات قصوى غير مسبوقة. ليس مستبعداً، والحال هذه، أن يسعى التوريط إلى إحراج موسكو، إذْ لم تعد خافية أوجه التنافس بين طهران وموسكو على ميادين النفوذ والسيطرة في سوريا. وضباط «الحرس الثوري» الإيراني خير من يقيس، مباشرة وعلى الأرض، سوية الحساسية التي يمكن أن تبديها موسكو إزاء توريطها مع دولة الاحتلال على الأرض السورية؛ بل يصحّ القول إنّ الورطة لن تتوقف عند الضباط الروس في قاعدة حميميم، بل ستصل أصداؤها إلى الكرملين ذاته، وإلى أسماع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً.
وتبقى خلاصة سابعة تعيد الارتباط مع الخلاصة الأولى، وقد أحسن التعبير عنها المعلّق الإسرائيلي سيث فرانتزمان حين كتب، في «جيروزاليم بوست» أنّ صاروخ ديمونة «يمثّل ذلك النوع من اختزال جميع المخاوف التي ترافق الناس وهم يأوون إلى الفراش آملين ألا يستفيقوا عليها». لكنها مخاوف صوتية في نهاية المطاف، على شاكلة الرسالة الإيرانية التي حملها صاروخ ديمونة، ليس لأنّ طهران تمقت التسبب في الكوارث، فما تفعله في سوريا ضدّ الشعب السوري أفظع بكثير من صفة الكارثة؛ وإنما لأنّ أية كارثة تصيب دولة الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن تقذف إيران في أتون كوارث كبرى لا عدّ لها ولا حصر. خير، إذن، أن يكتفي المرشد الأعلى بالصاروخ الصوتي، ومفردات رسالته، والتوريط هنا وهناك، والزعم بأنّ ثأر نطنز قد تحقق.
وكفى الله شرّ القتال!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

البرامج النووية بين حقوق

الشعوب وسمسرة الأنظمة

صبحي حديدي

 

لن تسمح دولة الاحتلال الإسرائيلي لأيّ برنامج نووي، تعتمده أية دولة شرق ـ أوسطية، أن يبلغ مستوىً تكنولوجياً متقدماً؛ حتى في ميادين الطاقة الصناعية الصرفة، فكيف بأن يرتقي إلى أيّ مستوى قريب من إنتاج أسلحة ذرية. وهذا قرار ستراتيجي متفق عليه، تماماً وبلا أدنى خلاف أو تباين، مع الولايات المتحدة أياً كان الحزب أو الشخص القائد في البيت الأبيض؛ ومع القوى الكبرى الأخرى، سواء انتمت إلى تراث استعماري حافل أو متوسط أو عابر، أو تشارك في هذا النسق أو ذاك من الهيمنة الكونية، السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية؛ أم تقف على هوامش تحالفية وتكتلات وائتلافات، على غرار الحلف الأطلسي.
لكن البرنامج النووي الإيراني، بصفة محددة، ينطوي على دلالات خاصة وهامة لأنه ابتدأ بموافقة أمريكية، وبالتالي بمباركة إسرائيلية، لأنه ببساطة كان يشغل مساحة حيوية داخل هندسة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، وكان الحاكم في إيران هو الشاه رضا بهلوي حليف الولايات المتحدة والحلف الأطلسي والغرب عموماً. وكانت الصناعة الأمريكية، منذ العام 1975، هي صاحبة السبق إلى تزويد إيران بمفاعل نووي لا تقلّ طاقته عن 5 ميغاواط، وكان البيت الأبيض هو مانح الإذن بتوفير اليورانيوم المخصّب اللازم للتشغيل وتمكين إيران من شراء منشأة تتيح فصل البلوتونيوم (وتلك، للعلم، هي المرحلة الأعلى في برنامج تصنيع القنبلة النووية).
غير بعيد عن الشرق الأوسط، ولكن ضمن سياقات جيو ـ سياسية متقاربة ومتقاطعة، كان التمييز الأمريكي بين برنامج نووي هندي مقابل برنامج نووي باكستاني قد تجاوز، بكثير في الواقع، اعتبارات التبعية العالية التي اتصف بها ضباط الجيش والاستخبارات الباكستانيون في علاقاتهم مع نظرائهم الأمريكيين؛ فرجحت كفة الهند، الأقلّ في مقادير التبعية، لأنّ المعادلة في واشنطن اتخذت صفة الموازنة بين «قنبلة إسلامية» باكستانية مقابل «قنبلة هندوسية» هندية! ولم يكن مستغرباً أن يلجأ بعض المعلقين إلى تصنيف قنابل العالم الذرية إلى واحدة مسيحية في الولايات المتحدة وأوروبا، وثانية بوذية في الصين، وثالثة يهودية في إسرائيل، ورابعة سيخية في الهند، وخامسة مسلمة في الباكستان، وسادسة ملحدة في الإتحاد السوفييتي! كذلك كان طبيعياً أن يتذكر ذو الفقار علي بوتو، رئيس وزراء الباكستان، سنة 1974، أنّ الولايات المتحدة هي ذاتها أوّل مَن زوّد الباكستان، منذ العام 1961، بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاواط.
التكنولوجيا النووية سياسة إذن، في المقام الأمني والعسكري الأوّل الذي يسبق كل اعتبار آخر صناعي أو تكنولوجي أو علمي أو اقتصادي أو تنموي؛ وليس البرنامج النووي الإسرائيلي سوى الدليل الظاهر الذي يفقأ الأعين حول الكيل بمكاييل شتى عند مناقشة الملفات النووية، ولن يكون مكيال تفضيل المخافر المتقدمة للإمبريالية العالمية سوى أبرزها، أو بالأحرى أكثرها افتضاحاً. وإذْ لا تجادل هذه السطور في حقّ الشعوب بامتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض صناعية وتنموية وعلمية، فإنّ الفارق كبير بين هذا المطلب المشروع، وبين طموح أنظمة استبدادية أو تسلطية إلى امتلاك السلاح النووي لأغراض تثبيت سلطة النظام أو تحسين التفاوض حول البقاء أو مقايضة القنبلة برضا القوى العظمى؛ على حساب الشعوب دائماً، وحقوقها في الغذاء والدواء والتعليم والكرامة الإنسانية.
وليس إنتاج المزيد من المياه الثقيلة في مفاعل أراك، مثلاً، أكثر أهمية من رفع الحظر على دراسة الطلبة الجامعيين الإيرانيين في الأقسام والفروع المرتبطة بالطاقة النووية، أو شراء الطائرات المدنية، أو السماح بعمليات المصرف المركزي الإيراني، أو تشغيل الشركة الوطنية للنفط، أو تفعيل نحو 800 من المؤسسات والمصارف الإيرانية الأخرى. هذه حقوق الشعب الإيراني، ولا يصحّ أن تنقلب إلى بنود سمسرة في يد آيات الله ونظام ولاية الفقيه، وهي أقرب إلى تشويه معنى التقدّم التكنولوجي بعد تزييف مضمونه وقيمته وجدواه.

 

أمريكا وأفغانستان:

رموز الغزو ومخيّلة الإمبريالية

صبحي حديدي

 

الآن وقد استقرّ الرئيس الأمريكي على سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، بحلول 11 ايلول (سبتمبر) المقبل، لا مناص من استدراج الجانب الرمزي وراء اختيار هذا التاريخ تحديداً، ليس لأنه يتصادف مع الذكرى العشرين للهجمات الإرهابية الشهيرة على البرجَين، فحسب؛ بل كذلك لأنّ وقائع التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان اقترنت أيضاً بإرث معقد من التخييل الإمبريالي حول البلد، لا يكتفي بالاعتبارات الجيو ـ سياسية المحلية والإقليمية والعالمية، بل يذهب أبعد نحو التاريخ والديانة والثقافة، على هدي كلّ غزو أمريكي وإمبريالي في واقع الأمر.
وإذْ يعود المرء إلى بعض كشوفات «أوراق فييتنام» التي خاضت صحيفة «واشنطن بوست» معركتَين في مستوى القضاء الفدرالي واحتاجت إلى ثلاث سنوات قبل أن تمتلك الحقّ القانوني في نشرها؛ لن يعدم الكثير، المفاجئ حقاً في حالات عديدة، من هيمنة الرمز والمخيّلة على مستويات مختلفة من تفكير رجال الجيش الأمريكي الذين عملوا في أفغانستان، أسوة بوكلائهم وعملائهم المحليين. ولم يكن الاعتراض على نشر تلك الأوراق وبلوغ الأمر قاعة المحكمة سوى مستوى السطح من شروخ سياسية ونفسية وعسكرية شتى صارت قرينة حرب «عبثية» و«لانهائية» كما باتت تُوصف، غابت عنها الانتصارات مثلما أضحت هزائمها المتعاقبة بمثابة بوّابات مفتوحة على ذاكرة فييتنام الماضية، أو ذاكرة العراق الحاضرة.
محمد إحسان ضيا، الوزير الأفغاني للتنمية وإعمار الريف، اعتبر أنّ «الأجانب» وقصد أفراد الجيش الأمريكي والحلف الأطلسي الآتين إلى أفغانستان، يقرأون رواية «عدّاء الطائرة الورقية» للأمريكي من أصل أفغاني خالد حسيني، وهم في الطائرة؛ فيساورهم اليقين بأنهم باتوا «خبراء» حول أفغانستان، ويكفّون بعدئذ عن الإصغاء إلى أي رأي آخر. دوغ لوتن، الجنرال الأمريكي الذي لُقّب بـ«قيصر أفغانستان» لأنه قضى هناك ستّ سنوات، وأصبح سفير الولايات المتحدة لدى الناتو، أقرّ بالتالي: «كنّا خالين من أيّ فهم جوهري لأفغانستان، ولم نكن أصلاً نعرف ما نفعل». ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي الأسبق خلال سنوات 2005 ـ 2009، قال: «بعد 2005 بات لدي انطباع بأنّ أمراء الحرب قد عادوا لأنّ كرزاي أرادهم أن يعودوا ولم يكن يفهم إلا نظام الزبائنية. وكرزاي لم يكن صلباً أبداً حول الديمقراطية، ولم يعتمد على المؤسسات الديمقراطية»؛ وهذا لأنّ مخيّلة هادلي كانت مرتاحة تماماً إلى ذلك النهج الاستشراقي الأحمق الذي هيمن على نساء ورجال إدارتَي جورج بوش الابن، وسوّل لهم أنّ الغزو الأمريكي لأفغانستان أرسى مؤسسات ديمقراطية قبل أن يقيم القواعد العسكرية!
وثمة، بين «أوراق فييتنام» هذه الشهادة النبوئية التي نطق بها روبرت فن، السفير الأمريكي الأسبق في كابول: «هذه مشكلة منهجية عند حكومتنا. ليس في وسعنا التفكير أبعد من الانتخابات التالية. حين ذهبنا إلى أفغانستان كان الجميع يتحدثون عن سنة أو سنتين، وقلت لهم إننا سوف نكون محظوظين إذا خرجنا من هنا بعد 20 سنة». ليس مؤكداً، بالطبع، أنّ نبوءته سوف تتحقق عملياً يوم 11 أيلول (سبتمبر) المقبل، وأنّ الرئيس الأمريكي الحالي سوف يفي بالتزامه؛ ففي شباط (فبراير) 2020 وقّعت الولايات المتحدة اتفاقاً مع الطالبان يقضي بالانسحاب الأمريكي خلال شهر أيار (مايو) المقبل، وذهب الوعد أدراج الرياح ليس لأنّ ترامب غادر البيت الأبيض فقط، بل أساساً لأنّ الموعد لم يكن مدروساً بما يكفي، على غرار الكثير من قرارات الإدارة السابقة.

كيف لكلّ ما تراكم، خلال عقود سبقت 11/9/2011، بل استبقت الغزو السوفييتي ذاته، أن يتفكك إلى معطيات ملموسة واضحة، طبقاً لمعايير علمية في القراءة والتحليل؛ فتتبخر شهوة التزييف والتخييل وإقحام الخلاصات الجوهرانية على كلّ ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو تاريخية؟

ليس مؤكداً، في المقابل، أنّ انسحاب القوات الأمريكية (2500 عنصر) وما سيترافق معه تلقائياً من انسحاب قوات الحلف الأطلسي (9600 جندي ينتمون إلى جنسيات مختلفة)؛ سوف يسفر عن خاتمة، أو حتى يضع حدّاً، لفيوض الرموز والتخييلات الإمبريالية حول أفغانستان: الصناعة الرمزية والإنشاء الزائف والدوغما المعرفية، وليس البتة أفغانستان البشر والأرض والتاريخ. فأين، بافتراض حدوث العكس، سوف يذهب التخييل حول الشرق، وآسيا، والمرأة، والإرث الشيوعي/ السوفييتي، والقبائل والعشائر والأفخاذ، وأسامة بن لادن، والملا عمر، والصراع الإسلامي ـ البوذي، والطالبان، والكثير الكثير سوى هذا وذاك من معطيات «البحث» و«الاستنباط» و… الاستشراق؟ وكيف لكلّ ما تراكم، خلال عقود سبقت 11/9/2011، بل استبقت الغزو السوفييتي ذاته، أن يتفكك إلى معطيات ملموسة واضحة، طبقاً لمعايير علمية في القراءة والتحليل؛ فتتبخر، في إطار سيرورة مثل هذه، شهوة التزييف والتخييل وإقحام الخلاصات الجوهرانية على كلّ ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو تاريخية؟
ولعل أوضح الأمثلة الصارخة على هذه السيرورات المعرفية، التخييلية/ الاستيهامية بامتياز كما يتوجب التشديد دائماً، هو تشبيه حميد كرزاي بشخص نلسون مانديلا حين يكون الأوّل صديقاً/ تابعاً وعميلاً للولايات المتحدة والحلف الأطلسي والغرب عموماً؛ وأمّا حين يسقط عنه وشاح التبعية، فإنه ذاك الكاره للديمقراطية والمروّج للزبائنية، كما وصفه هادلي في السطور أعلاه. لكنّ تهمة الزبائنية سوف تهون كثيراً أمام أخرى أشدّ مضاضة تنسب إليه اللواط بالأطفال، ولكنها لا تكتفي بهذا إذْ توجّب أن تكون أكثر قرباً من التنميط الاستشراقي الكلاسيكي، فتعتبر سلوكه جزءاً من تقاليد قبائل البشتون التي ينتمي إليها! كرزاي هذا هو ذاته الذي وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس هكذا: «لستُ أعرف أحداً يحظى بالإعجاب والاحترام في المجتمع الدولي مثل الرئيس كرزاي، بسبب قوّته، وحكمته، وشجاعته. أقول هذا وأنا أجالس وزراء خارجية ورؤساء حكومات على امتداد العالم، وأحضر اجتماعات مجلس الحلف الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، والناس في مختلف أرجاء العالم».
وقد يكون من حقّ المرء أن يحار في التكهن حول مجريات مؤتمر مقبل حول أفغانستان، تعتزم تركيا استضافته قريباً ويدوم عشرة أيام، بمعزل عن ركام المعرفة الزائفة التي تخيّم على البلد في ناظر القوى الغربية التي سوف تشارك في المؤتمر، أو تعلّق عليه أيّ آمال ملموسة. عسير أيضاً انتظار نتائج مبشرة بالخير إذا كانت طالبان تعتزم مقاطعته، بعد إعلانها أنّ الحركة لن تشارك في أي جهد تفاوضي دولي قبل انسحاب القوات الأجنبية؛ حتى إذا كان المؤتمر يخدم الرئيس التركي أكثر مما يسهم في إطلاق سيرورة سلام فعلية في أفغانستان. وما تسرّب مؤخراً عن رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة في استبدال الرئيس الأفغاني أشرف غني بحكومة مؤقتة تضمّ الطالبان، هل يتكامل أم يتناقض مع الحوارات التي استضافتها العاصمة القطرية وأثمرت عن اتفاق ملموس بين الولايات المتحدة والطالبان والحكومة الأفغانية؟ وأين يقع مغزى العنف الأخير الذي تصاعد بين الطالبان والجيش الأفغاني، رغم أنّ المفاوضات كانت تجري على قدم وساق، وأنّ المبعوث الأمريكي زلماي خليلزاد يواصل جولاته المكوكية؟
شتان، كما قد يصحّ القول، بين عزم الرئيس الأمريكي الحالي على الانسحاب من أفغانستان، وبين إعلان سَلَفه بوش الابن، يوم 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 أنّ نهاية العملية العسكرية الأمريكية في أفغانستان «قد تحدث غداً، وقد تحدث بعد شهر من الآن، وقد تستغرق سنة أو سنتين، ولكننا سوف ننتصر». صعب للغاية وضع خواتيم الغزو الأمريكي/ الأطلسي لهذا البلد تحت أيّ توصيف يتصل بالنصر، وليس شاقاً استذكار العبارة الأخرى التي جاءت في خطاب بوش الابن يومذاك («لقد تعلمنا بعض الدروس الهامة من فييتنام»)؛ ولكن بمعنى برهنتها على العكس، أيّ عجز الإدارات المتعاقبة عن وضع أفغانستان على خلفية غزو فييتنام.
فكيف بوضعها على أيّ محكّ يخفف من حماقات رموز الغزو وغلواء المخيّلة الإمبريالية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

نفور اليسار الغربي

من الانتفاضة السورية:

نموذج شومسكي

صبحي حديدي

 

على مدار السنوات العشر من عمرها شهدت الانتفاضة الشعبية السورية سلسلة أنماط من المواقف السلبية التي صدرت عن مختلف تيارات اليسار الأوروبي والأمريكي والغربي عموماً، خاصة تلك التي تلتقي غالباً حول شعارات عريضة مثل مناهضة الإمبريالية والتدخل العسكري والعقوبات وما إليها. ورغم أنّ الكثير من القوى الشعبية، خاصة التقدمية واليسارية والديمقراطية، التي انخرطت في الانتفاضة تشترك مع تلك التيارات في الشعارات إياها، فإنّ افتراقاً بيّناً، مذهلاً وعجيباً ومحزناً، دفع باليسار الغربي المشار إليه ليس بعيداً عن مساندة الانتفاضة، فحسب؛ بل قريباً من بعض مواقف النظام وحلفائه الروس والإيرانيين غزاة سوريا، وكذلك ـ وهنا ذروة المفارقة ـ على توافق مع مواقف الإمبريالية ذاتها، ممثلة في الولايات المتحدة تحديداً.
التيارات كثيرة ومتعددة ومتباينة وليس من أغراض هذه السطور أن تأتي على إحصاء الحدّ الأدنى في تنويعاتها؛ خاصة، كما يتوجب القول، أنّ مرور السنوات العشر تكفّل بتعديل بعضها من دون أن يأتي بتحوّل جذري أو مراجعة نقدية. يكفي مثال واحد هو انقلاب كاتب يساري مثل الباكستاني ـ البريطاني طارق علي من اتهام المعارضة السورية المسلحة (وكان يتحدث من شاشة الفضائية الروسية!) بتنفيذ مجزرة الحولة، أيار/ مايو 2012، التي ذهب ضحيتها 108 أشخاص، بينهم 34 امرأة و49 طفلاً؛ إلى الإقرار، ولكن بعد خمسة أشهر، بأنّ النظام هو الذي يقف وراءها، وأنّ سبب تسرّعه في الاتهام الأوّل كان زمن المقابلة القصير الذي لم يتجاوز ستّ دقائق! سيمور هيرش وباتريك كوبرن وروبرت فيسك كانوا في عداد الصحافيين الأكثر تلقفاً لسرديات النظام، والاجتهاد فيها ولصالحها، حتى أنّ الأخير لم يتردد في امتداح سجون النظام ومعتقلاته التي أفسح له ضباط النظام الفرصة لزيارتها ورصدها والتدقيق في أحوالها من دون أيّ تدخل.
هذه السطور تسعى، في المقابل، إلى التركيز على نوام شومسكي الغنيّ عن التعريف بسبب مواقفه المناهضة للإمبريالية الأمريكية ومناصرة قضايا الشعوب بصفة عامة، إلى جانب مكانته العلمية العالية في اللسانيات بالطبع. ولعلّ من الخير البدء من المقدّمة التي وضعها لكتاب الصحافي الأمريكي ريز إرليك المعنون «داخل سوريا: القصة الخلفية لحربهم الأهلية وما يمكن للعالم أن يتوقعه» الذي صدر في نيويورك سنة 2014؛ وهو النصّ الأبكر الذي يكشف عن الخطل الكبير في تفكير شومسكي بصدد الانتفاضة السورية: أنها حرب بين العلويين والشيعة في مواجهة السنّة، وهي استطراداً أقرب إلى حرب أهلية منها إلى انتفاضة شعبية؛ وهذا استقراء (إذا جاز وصفه كذلك) قاد شومسكي إلى استنتاجات أكثر انزلاقاً نحو الخطل في مناسبات لاحقة، ستأتي هذه السطور على ذكرها.
يكتب شومسكي في المقدمة المشار إليها: «في الفصل الخامس يبيّن ريز إرليك أنّ النزاع يبقى بين نظام الأسد وقطاعات رئيسية من الشعب السوري. لكن الحرب أصبحت أكثر تعقيداً بسبب القتال المتزايد بين السنّة، والعلويين، والشيعة، وسواهم، من المجموعات الدينية والإثنية، ودخول مجموعات جهادية ذات أجندات متنوعة على النزاع». وبذلك فإنّ شومسكي لا يختزل تشخيص إرليك فقط (إذْ أنّ الصحافي الأمريكي، في الفصل الخامس المشار إليه، لا يقول البتة إنّ جوهر الصراع يدور حول الأديان والطوائف!)؛ بل ينوس، على غير عادته في التزام الدقّة، بين مصطلحَيْ «النزاع» و«الحرب» متجنباً تماماً أية إشارة توحي بانتفاض الشعب، أو قطاعات واسعة منه، ضدّ نظام استبداد وفساد لا يخفى طابعه على عقل تحليلي بارع مثل شومسكي.

قد يكون شومسكي النموذج الأبرز في صفوف اليسار الغربي النافر من الانتفاضة السورية، لكنه بالطبع قد يفسح المجال قريباً لآخرين أكثر بروزاً؛ ليس على صعيد مكانتهم وتمكّنهم ربما، بل في مستوى التجاسر على الحقّ والحقيقة

لافت، إلى هذا، أنّ الفصل الخامس الذي يشير إليه شومسكي يشرح الكثير من العناصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي دفعت السوريين إلى الانتفاض في آذار (مارس) 2011؛ لم يكن في عدادها «قتال» من أيّ نوع بين السنّة والشيعة؛ وأنّ بشار الأسد كان على يقين من أنّ السوريين، على نقيض ما جرى في تونس ومصر واليمن، «لن يثوروا أبداً ضدّ نظام عروبي، معاد لإسرائيل، معاد للإمبريالية». إرليك من جانبه يوضح من دون لبس أنّ «السوريين عاشوا تحت نظام دكتاتوري حيث نقد الحكومة يعني السجن والتعذيب» وأنّ الأسد «لم يسمح بأي أحزاب معارضة فعلية، وأنه عاش في شرنقة سياسية مقتنعاً كلّ الاقتناع بأنه محصّن ضدّ الانتفاضات العربية». في المقابل، يكتفي شومسكي بإطلاق صفة «الوحشي» على النظام، في سنة 2014 للتذكير، أي بعد «حادثة الكيميائي» كما يسميها؛ منتقلاً إلى ما يحلو له انتقاده عادة، أي أكاذيب التدخل الإنساني وسياسات الولايات المتحدة عموماً.
في مناسبة لاحقة، خلال محاضرة هارفارد 2015، طرح طالب سوري السؤال التالي على شومسكي: هل تعتبر التدخل الروسي في سوريا إمبريالياً؟ كان جواب أحد نقاد الإمبريالية الأبرز أنّ ذلك التدخل ليس إمبريالياً، رغم أنه من الخطأ في نظره أن تقف روسيا إلى جانب «نظام وحشي» مثل نظام الأسد؛ وزاد، أو الأحرى القول إنه استزاد: «إذا هاجمت الأسد فإنك بذلك تقوّي النصرة، فهل هذا ما تريده في سوريا؟»× ثمّ: «سواء رغبت في ذلك أم كرهته، فإنّ نظام الأسد يجب أن يكون جزءاً من التسوية السياسية، وإلا فإنه سيقاتل حتى الموت». ولعلّ الأخطر في تلك الآراء التي تناولت الوضع السوري أنّ شومسكي كدّس كامل مجموعات المعارضة السورية للنظام في سلّة واحدة هي «الجهاد» متمثلاً في «النصرة» المتفرعة عن «القاعدة» ومنذراً بأنها تتلقى الدعم الكامل من السعودية على سبيل جرّ المجتمع السورية نحو الوهابية.
هل توفرت في داخل سوريا قوى أخرى غير إسلامية أو غير جهادية، ضعيفة كانت أم متوسطة الحضور مثلاً؟ وهل توفرت، على مظانها الكثيرة وأخطائها الفادحة، مؤسسات تخصّ «المعارضة» الخارجية، مثل «الائتلاف الوطني» وقبله «المجلس الوطني» وبعدهما «لجنة التفاوض» وفي الغضون «الجيش السوري الحر» و«الحكومة المؤقتة»…؟ لا يلوح أنّ شومسكي معنيّ بتوظيف هذه المسميات في سياقات ملائمة تليق بعدّته الأثيرة في التحليل والتركيب والاستنباط؛ وكان تنزيه التدخل العسكري الروسي في سوريا عن أيّ بُعد إمبريالي، مقابل قدح أيّ جهد للتدخل الإنساني في الشأن السوري بوصفه مصطلحاً غير موجود أصلاً؛ بمثابة كاشف صريح تماماً حول الأفق الذي يراه شومسكي مناسباً للحلّ في سوريا: فليدع الشعب انتفاضته جانباً، لأنها تأسلمت وانقضى الأمر، وليدخل في تسوية مع النظام ذاته الذي انتفض عليه، ولكلّ مقام مقال!
وفي مقابلة مع إمانويل ستوكس، على موقع
Jacobin، عنوانها «شومسكي ونقّاده» لا يرفض الأخير فكرة «الممرّ الإنساني» أو حتى منطقة حظر الطيران، ولكن هل تنفع في إنهاء النزاع؟ شومسكي يرحّل تساؤله هذا إلى «عارفين» بالشأن السوري (مثل باتريك كوبرن، دون سواه!) مستخلصاً مثلهم أنّ حلولاً مثل هذه يمكن أن تفيد في منطقة واحدة داخل سوريا، هي تلك التي يسيطر عليها الأكراد. وفي بلد تحتلّ أراضيه خمس قوى خارجية (روسيا، إيران، تركيا، الولايات المتحدة، دولة الاحتلال الإسرائيلي) يساجل شومسكي بأنّ خيارات التدخل الخارجي لم تثبت فعالية، ولا توحي بأي معونة في التوصل إلى حلول سلمية. ولكن… كيف يمكن لها أن تفعل أصلاً، حتى إذا شاءت؟
وقد يكون شومسكي النموذج الأبرز في صفوف اليسار الغربي النافر من الانتفاضة السورية، لكنه بالطبع قد يفسح المجال قريباً لآخرين أكثر بروزاً؛ ليس على صعيد مكانتهم وتمكّنهم ربما، بل في مستوى التجاسر على الحقّ والحقيقة، من دون رادع في سجلات الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

انتفاضة القامشلي 2004:

كرامة الجوهر

صبحي حديدي

 

لا تحضرني، كما هي الحال في كلّ عام، ذكرى الانتفاضة الشعبية العارمة التي انطلقت من مدينة القامشلي يوم 12 آذار (مارس) 2004، إلا وأستعيد معها بلدة عامودا، ذات الأغلبية السكانية الكردية؛ لاثنين من أسباب أخرى كثيرة: 1) أنها شهدت مأساة حريق صالة السينما أثناء عرض فيلم لتلامذة المدارس، خريف 1960، حيث قضى حرقاً 283 طفلاً لا تزيد أعمارهم عن 12 سنة؛ و2) أنها البلدة السورية الوحيدة التي انفردت بتحطيم تمثال حافظ الأسد مرّتين، ربيع 2004 بعد انتفاضة القامشلي، وخريف 2011 مع تصاعد الانتفاضة الشعبية السورية الشاملة وفي مناسبة اغتيال الناشط الكردي البارز مشعل التمو.
انتفاضة 2004 بدأت، كما هو معروف، على خلفية مشاحنات أعقبت مباراة في كرة القدم بين نادي «الجهاد» المحلي، ومعظم جمهوره من الأكراد المبتهجين لسقوط صدّام حسين، وفي النفوس مجزرة حلبجا وسواها؛ وجمهور نادٍ ضيف «الفتوة» القادم من مدينة دير الزور، حيث بعض الجمهور ساخط لسبب مضادّ جوهره التعاطف مع العراق أو مع صدّام حسين شخصياً لدى شريحة منهم. وكان يمكن للواقعة تلك أن تمرّ مثل سواها من مئات حوادث الشغب في ملاعب كرة القدم، لولا أنّ النظام سارع فوراً إلى استخدام الرصاص الحيّ، ولم يتردد في استيحاء مجزرة حماة 1982 لتلقين أكراد سوريا، وليس منطقة الجزيرة وحدها، درساً في الفاشية يمارسه الوريث من باب استئناف تراث أبيه: في القامشلي والحسكة وعامودا وديريك والدرباسية وعين العرب وعفرين، هذه المرّة.

كانت حقيقة انطلاق الانتفاضة من قلب وسط كردي غالباً، ومن مناطق ومحافظات الشمال الشرقي بادئ ذي بدء، لا تخفف من خشية النظام بقدر ما تضاعفها عملياً، وتجعل دقات جرس الإنذار أكثر دفعاً نحو العنف المفتوح واستئناف دروس مجزرة حماة الفاشية

الأرجح أنّ انتفاضة القامشلي قرعت جرس الإنذار الأبكر في عهد الوريث، وكانت الأخطر أيضاً لأنها ابتدأت من جمهور كردي كان النظام يتخوّف من إمكانية استثماره من جانب الاحتلال الأمريكي في العراق وتحويله إلى «حصان طروادة» إذا توجّب الضغط أكثر على نظام آل الأسد، واتخاذ إجراءات قصوى لوقف لعبة النظام في تمرير الجهاديين إلى الداخل العراقي عبر الحدود السورية. يومذاك كان نظام الأسد يقوم على «صقور» تتيح تلاقي أمثال ماهر الأسد وأمّه أنيسة مخلوف وخاله محمد مخلوف وصهره آصف شوكت، مع نماذج عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس وغازي كنعان ومحمد ناصيف، لجهة تأثيم المواطنين الكرد والتوافق على إخضاعهم لشتى أشكال القهر والقمع والتضييق والتمييز.
أكثر من هذا، وقبلئذ في الواقع، كان الأسد الأب نفسه يبغض المحافظات الشرقية ويعتبرها معادية لنظامه وله شخصياً؛ وكان الدليل الأوضح على مشاعره هذه أنه، بعد أسابيع أعقبت انقلابه عام 1970، قام بسلسلة جولات استعراضية شملت جميع المحافظات السورية ما عدا دير الزور والحسكة والرقة. هذه كانت، في رأيه، إما متعاطفة تاريخياً مع العراق لأسباب اجتماعية وتاريخية وجغرافية ولسانية وثقافية (كما هي حال الرقة ودير الزور) أو متعاطفة مع كردستان العراق (على غرار غالبية الكرد في الحسكة).
وفي المقابل كانت حقيقة انطلاق الانتفاضة من قلب وسط كردي غالباً، ومن مناطق ومحافظات الشمال الشرقي بادئ ذي بدء، لا تخفف من خشية النظام بقدر ما تضاعفها عملياً، وتجعل دقات جرس الإنذار أكثر دفعاً نحو العنف المفتوح واستئناف دروس مجزرة حماة الفاشية. فهذه المناطق تعرضت على الدوام للإهمال والحرمان ومعاملة الدرجة الثالثة، رغم أنها «أهراء سوريا» على نحو أو آخر؛ وهي حاضنة ثروات البلاد ومواردها الأساسية: في النفط، وزراعة الحبوب، والأقطان، التي تعدّ محاصيل ستراتيجية؛ وفي الكهرباء وسدّ الفرات.
محطة أولى في تاريخ التمييز الرسمي الذي حاق بالمواطنين الأكراد في سوريا سجّلها إحصاء العام 1962، الذي أسفر عن تجريد نحو 200 ألف مواطن كردي من الجنسية، وتسجيلهم في القيود بصفة «أجنبي»؛ كما جرّد 80 ألفاً آخرين ولكن من دون تسجيلهم في القيود هذه المرّة، ممّا أستولد حالة القيد المدني العجيبة: «المكتوم». المحطة الثانية كانت «الدراسة» الشهيرة، العنصرية بكلّ معنى ومقياس، التي وضعها الملازم محمد طلب هلال ورفعها إلى قيادة حزب البعث، وشرح فيها طرائق «تذويب» الأكراد في «البوتقة» العربية. النتيجة الأولى كانت تعريب أسماء عشرات القرى والبلدات الكردية، وحظر تسجيل الولادات بأسماء كردية، ومنع الطباعة باللغة الكردية، وسوى ذلك من الإجراءات التمييزية الفاضحة. المحطة الثالثة كانت الأكثر فاشية، وجرت في مطلع السبعينيات حين فرضت السلطات إقامة «حزام عربي» بطول 375 كم وعمق يترواح بين 10 – 15 كلم، على امتداد الحدود السورية التركية؛ اقتضى ترحيل 120 ألف مواطن كردي من 332 قرية، وإحلال سكان «عرب» محلّهم بعد بناء قرى نموذجية لهم.
وإذْ أستعيد، اليوم، الذكرى الـ17 لانتفاضة القامشلي، أقرأ أنّ تظاهرات جابت شوارع المدينة، أو زارت مقابر الشهداء، أو أقامت فعاليات احتفائية شعبية مختلفة؛ فضلاً عن حدث خاصّ، لعله الأبرز في يقيني، تمثّل في إقامة مباراة كرة قدم «كرنفالية» جمعت بين فريق محلي وآخر من دير الزور، وذلك «للتأكيد على قيم العيش المشترك والأخوّة التي تجمع بين المكونات السورية، التي حاول النظام البعثي إثارة الفتنة بينها» كما قالت الجهة المنظمة للفعالية.
هنا الدرس، بالطبع، وهنا الكثير من جوهر الدلالة وكرامة الذكرى.

 

 

استفتاء سويسرا:

«صدام حضارات»

من أجل 30 منقّبة؟

صبحي حديدي

إذا صحّ ما تردد في وسائل الإعلام السويسرية من أنّ عدد النساء اللواتي يرتدين النقاب في سويسرا لا يتجاوز الـ30، في بلد يبلغ عدد سكانه 8.6 مليون نسمة وتشكل النساء فيه نسبة 50.4؛ فإنّ الاستفتاء الأخير حول حظر تغطية الوجه يبدو أقرب إلى الانطباق على الرجال (مثيري الشغب في ملاعب كرة القدم مثلاً، ممّن اعتادوا إخفاء الوجوه تفادياً لانكشاف الهوية) أكثر من النساء. ليست هذه مزحة بالطبع، لأنّ التعديل الدستوري الذي صوّت لصالحه 51.2٪ من الناخبين في سويسرا، لا يسمّي المرأة بصفة محددة أوّلاً؛ كما أنه، ثانياً، لا ينصّ بالتسمية الصريحة على حظر النقاب أو البرقع أو الحجاب؛ عدا عن حقيقة إحصائية تقول إنّ نسبة المسلمين في سويسرا لا تتجاز 5.5٪.
ليست مزحة، في المقابل، مواقف الحكومة السويسرية المناوئة صراحة لتمرير الاستفتاء، لأنه «يُلحق الضرر بالسياحة» ولأنّ غالبية المنقبات هنّ «سائحات يقضين فترات وجيزة في البلاد» و«قلة قليلة في سويسرا ترتدي ما يغطي الوجه بالكامل، و«الحظر على مستوى البلاد سيقوض سيادة المحليات ولن يكون نافعا لفئات معينة من النساء». ولهذا بادرت الحكومة إلى طرح مشروع بديل يُلزم بكشف الوجه كاملاً أمام السلطات عند تدقيق الهوية. أخيراً، ليست مزحة ما يقوله بعض ممثلي وممثلات مجموعة «إيغركنغر» المقربة من «حزب الشعب» اليميني، والتي قادت حملة الدعوة إلى الاستفتاء وجمعت من أجل إجرائه أكثر من
105 آلاف توقيع تحت لافتة «نعم لفرض حظر على إخفاء الوجه». هذا من حيث توصيف التعديل الدستوري، وأمّا الشعارات فقد بدأت من «أوقفوا الإسلام الراديكالي» و«أوقفوا التطرف» ولم تنته عند ملصق الحملة الأبرز الذي يلتقط صورة امرأة منقبة، عاقدة الحاجبين غاضبة متطيرة شرّاً، تنذر بالويل والثبور.
لم يكن من الممكن، والحال هذه، أن تغيب أسطوانة «القيم الحضارية» عن مسوغات الحملة، وسارت مسوغات «حزب الشعب» على منوال «المسألة الحضارية» التي تميّز سويسرا وتاريخها عن أولئك الذين يحجبون الوجه لممارسة التمييز ورفض المساواة. التصويت بالموافقة على مشروع التعديل ضربة موجعة لـ«الإسلاموية الراديكالية» في نظر الحزب، وكذلك لأطروحات اليسار «الاجتماعية الرومانتيكية وغير الواقعية والعبثية». ولم يكن ممكناً، استطراداً، إلا أن تُعاد المعزوفات ذاتها التي ابتدعتها أحزاب اليمين المتطرف والشعبوي في بلدان أوروبية أخرى، على رأسها فرنسا غنيّ عن القول، عندما طغت هستيريا الحجاب وقوانين حظره والتيه في تنويعاته النقابية والبرقعية؛ وأن تُستعاد، في سويسرا تحديداً، تجربة استفتاء حظر تشييد المآذن لسنة 2009، التي وافق عليها الناخبون بنسبة أعلى حينذاك: 57.5.
يومها انتقلت، كالنار في الهشيم، أصناف السجالات الزائفة والسطحية والضحلة حول موقع المئذنة ودلالاتها ورموزها؛ فقال استطلاع رأي أجرته على استعجال مؤسسة «إيفوب» إنّ 46٪ من الفرنسيين يؤيدون حظر المآذن، وقبلت بها نسبة 40٪، ورفضت نسبة 14٪ الإفصاح عن الرأي. لكنّ الخلاصة الأكثر مغزى كانت أنّ نسبة 19٪ فقط هي المؤيدة لبناء المساجد، فكانت النسبة الأدنى منذ ثلاثة عقود، بل كانت أضعف حتى من نسبة ما بعد تفجيرات 11/9 سنة 2001 التي بلغت 22٪. كذلك لم تعدم فرنسا وزيرة سابقة تنتمي إلى اليمين المسيحي، كريستين بوتان، تشرح لمواطنيها أنّ «المئذنة ترمز إلى الديانة الإسلامية، ونحن لسنا في دار الإسلام» وكأنهم غافلون عن حقيقة بديهية مثل هذه؛ أو كأنّ الأمر تناظر بين الإسلام والمسيحية، وليس واحداً من حقوق الإنسان الجوهرية، أي حقّ المعتقد وممارسته والتعبير عنه بالوسائل التي يكفلها القانون.

لم يكن غريباً أنّ أولى الاعتراضات على تنظيم الاستفتاء السويسري الأخير أتت من منظمة العفو الدولية مثلاً، ثمّ من مكتب حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة، وأن يعتمد منطق الاعتراض في الحالتين على نصوص «الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية»

يومها، أيضاً، لم يتبرع أحد، أو لم يعبأ عابئ ربما، بوضع بوتان أمام مقارنة جائزة منطقياً: ماذا يمكن أن تقول، وسواها من الرهط المشايع لها، لو أنّ استفتاء نظيراً جرى في القاهرة أو بغداد أو دمشق أو الرباط، وهي عواصم مسلمة بامتياز، فأفضت نتيجته (بنسبة 57.5٪، كما في المثال السويسري) ليس إلى منع تشييد كنائس جديدة، بل حظر تزويدها بالأجراس، وحظر قرع تلك الأجراس أيام الآحاد والمناسبات الدينية؟ ألا يشكل استفتاء كهذا اعتداءً على حرّية المعتقد المسيحي، في ديار الإسلام؟ وهل سيتجاسر أحد من أمثال بوتان، في أيّ من دول الغرب التي استفتت حول المساجد والمآذن، فيقول إنّ استفتاء هذه «العاصمة المسلمة» أو تلك خطوة ديمقراطية مشروعة، اتفق المرء معها أو اختلف؛ أم سيعتبره ممارسة أصولية متشددة، منتظَرة تماماً من ديانة لا تحترم عقائد الآخرين؟
وفي العودة إلى واحد من جذور الأمر، يصحّ التذكير بأنّ سويسرا ديار مسيحية، ومن المفهوم أن السويسري المسيحيّ ـ ذاك المتديّن البسيط، التقليدي أو العصري، سواء بسواء في الواقع ـ يمكن أن يلمس هذا المقدار أو ذاك من أخطار تتهدد ديانته من ديانة أخرى لا يكفّ أهل النخبة، في المذياع والتلفاز والصحيفة والكتاب، عن وصفها بالمتشددة والمتطرفة والمنغلقة، فضلاً عن كونها صانعة الإرهاب. بيد أنّ هذه أيضاً، ولا ريب، ديار ديمقراطية تعددية أياً كانت المظانّ حول نظامها، وهي موطن أكثر من شرعة كونية واحدة تعزّز حقوق الرأي والتعبير والمعتقد،؛ بالإضافة إلى ما اشتهرت به من حياد في الحرب، كما في السلام. هل ثمة تناقض موروث ومتأصل ومستعصٍ، إذن؟ وكيف، ومن أين ينبثق؟ وإذا كان طراز الديمقراطية السويسري، أي الاعتماد الدائم على استفتاء الشعب، قد أماط اللثام عن حقائق ذلك التناقض؛ فكيف يمكن أن تتكشف حقائق مماثلة في طراز آخر من الديمقراطية، في فرنسا مثلاً؟
لم يكن غريباً، والحال هذه، أنّ أولى الاعتراضات على تنظيم الاستفتاء السويسري الأخير أتت من منظمة العفو الدولية مثلاً، ثمّ من مكتب حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة، وأن يعتمد منطق الاعتراض في الحالتين على نصوص «الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية» الذي يُعدّ واحداً من المحطات الكبرى التي أنجزتها الإنسانية على طريق تفصيل الحقوق والواجبات في ميادين الحريات العامة والنظام والسلوك. فكيف إذا كان النصّ التشريعي المقترح لا يكاد يميّز بين وجه امرأة ووجه رجل، ولكنه في الآن ذاته يزعم استصدار التشريع في سبيل الدفاع عن حرّية المرأة؟ وكيف إذا كانت أسطوانة «القيم الحضارية» لا تُدار هنا إلا لكي تستعيد تلك الأنغام العتيقة النشاز التي أبطلتها حركة التاريخ، على غرار نظرية صمويل هنتنغتون في «صدام الحضارات»؟
وفي التعليق على حكاية المآذن، ومواقع أديان الأقلية مقابل الأكثرية، كان الأكاديمي الفرنسي جان ـ بول ولايم، الأخصائي البارز في علم اجتماع الأديان، قد اعتبر أنّ «الصروح الدينية صيغة تعبير عن تحدّيات حيازة السلطة، إذْ كان الكاثوليك في القرن التاسع عشر مخوّلين ببناء الكنائس في الشوارع الرئيسية، وتُرك للبروتستانت أن يبنوا معابدهم في الشوارع الخلفية والجانبية فقط». شيء من هذه المطارحة تردد لدى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، التي ساجلت بأنّ من الممكن بناء المآذن، شرط ألا ترتفع أعلى من برج الكنيسة، حيث يُقرع الجرس. هذا ما أطلق عليه ولايم تسمية «الكاثو ـ علمانية» نسبة إلى كَثْلَكة حياة يومية علمانية في المظهر ولكنها في الباطن تواصل بعض تديّنها القديم.
وإلا، بمعزل عن المزاح مجدداً، كيف استنهضت الديمقراطية السويسرية أكثر من ثمانية ملايين مواطن، في وجه 30 منقبة؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

دانييل بايبس: رثاء المحافظين

على سبيل كراهية العرب

صبحي حديدي

التيارات المحافظة في الولايات المتحدة ليست اليوم على حال تسرّ خاطر ممثليها وأنصارها، حتى قبل هزيمة الجمهوري دونالد ترامب وفوز الديمقراطي جو بايدن، وقبل لجوء خليط من حشود محافظة وعنصرية وانعزالية إلى اقتحام مبنى الكابيتول. فالعقود الأخيرة، وليس السنوات أو التطورات الأحدث عهداً، سجّلت تراجعاً ملحوظاً، لعلّ ذروة انحنائه نحو حافة المحاق الوشيك كان اندحار التنظيرات التي اقترنت مع غزو العراق سنة 2003 والتبشير بنقل «فيروس الديمقراطية» إلى بلدان الشرق الأوسط والمجتمعات الإسلامية/ الشرقية/ الآسيوية كافة. ومَن آخر المتباكين على انقلاب المحافظين إلى «ضبع كريه» بعد عزّ وسؤدد خلال القرن العشرين، سوى دانييل بايبس، دون سواه: الكاتب الأمريكي اليهودي، المحافظ واليميني، المتباكي على رحيل ترامب؟
وكيف لا يكون حزن بايبس على انحسار التيارات المحافظة تتمة تلقائية، ومنطقية منهجية، لرجل أدمن كراهية العرب، وقبلهم المسلمين، ليس من منطلقات خوافية استيهامية عنصرية من الطراز الرائج على نطاق واسع في الغرب، فحسب؛ بل كذلك، وأوّلاً، لأنّ الرجل صهيوني العقيدة، إسرائيلي الانحياز (الأعمى، المطلق، الأقصى…) ليكودي الهوى (في زمن يشهد ندرة «أصلاء» الليكود بمعزل عن قارعي الطبول خلف بنيامين نتنياهو في مسيره نحو محاكم الفساد)؟ وكيف، في مزيد من التباكي، لا يربط محاق التيارات المحافظة بتبدلات كبرى طرأت على «المؤسسة الأمريكية» القياسية والمثالية والتاريخية، ذاتها: جامعة هارفارد (تأسست سنة 1636) وصحيفة «نيويورك تايمز» (1851) ومعهد بروكنغز (1916) ومجلس العلاقات الخارجية (1921) و«مؤسسة فورد» (1936)؟
هذه، ومنذ 40 سنة في تقدير بايبس ضمن مقالة نشرتها «واشنطن تايمز» مؤخراً، هي اليوم مؤسسات ديمقراطية من حيث التوجه الحزبي، ذات نزعة تقدمية، تميل إلى التجريب الاجتماعي، والضرائب العالية، والتغيير. لكنّ هارفارد اعتادت، في الماضي، توظيف أساتذة محافظين، كانت «نيويورك تايمز» تنشر مقالاتهم، وتستضيفهم «بروكنغز» ويدعوهم مجلس العلاقات الخارجية إلى ترؤس اجتماعاتها، وتموّلهم مؤسسة فورد. وهكذا، يتابع بايبس، لا تتورع مجلة
Psychology Today عن القول بأنّ «النزعة المحافظة شكل من الجنون» أو يرى بعض اليساريين أنّ المحافظين غلاة متسلطون و«ناكرو تغيّر المناخ» في ما يحيل إلى ناكري الهولوكوست.
وقائع أخرى، لا يعفّ بايبس عن ضربها كأمثلة لا تصوّر انحسار التفكير المحافظ بقدر خضوعه للاضطهاد والتنكيل: المعلّق كيفن وليامسون انتهى عمله في مجلة
The Atlantic قبل أن يبدأ، لأنّ تحرير المجلة لم يهضم آراءه حول الإجهاض؛ وجامعة ماساشوستس طردت الطالب لويس شنكر، لأنه تجرأ على مناصرة ترامب ودولة الاحتلال الإسرائيلي. جامعة نورثوسترن أنكرت جوزيف إبستين، الذي درّس فيها 28 سنة، وأسقطته من موقعها الإلكتروني لأنه نصح السيدة الأولى جيل بايدن ألا تطلق على نفسها صفة دكتورة… والناظر إلى أمثلة بايبس لا يصدّق أنه يتحدث عن أمريكا التي يعرفها القاصي والداني: هذه التي تطرد طالباً لأنه إسرائيلي الهوى؟ نعرف أنّ العكس هو الصحيح، إذْ أنّ عدم نصرة دولة الاحتلال، أو التعاطف مع القضية الفلسطينية، هو الذي يعرّض للمساءلة!
وعلى مستويات أخرى، يشير بايبس إلى أنّ «المؤسسة الليبرالية» أي تلك الموازية للمؤسسة المحافظة طبقاً لتشخيصاته، تنامت وانتعشت بقوّة: نسبة القبول في كلية هارفارد تناقصت من 82٪ في سنة 1933 إلى 20٪ في سنة 1965 وإلى 5٪ اليوم؛ و«مؤسسات أمريكا الجديدة» مثل أمازون وفيسبوك وغوغل، تخلّت عن مبادئها التحررية وصارت أكثر اقتراباً من اليسار. ليس هذا فحسب، وهنا أعجوبة رأسمالية لا يتجاسر عليها سوى أمثال بايبس: تفوّق اليسار على المحافظين في حجم التبرعات، وبالتالي الاستئثار بصناعة السياسة العامة، بنسبة 3.7 إلى 1٪؛ وهذا ينسحب، أيضاً، على ميادين التعليم والفنون وسواها. هذا الانعدام في تكافؤ المصادر قابل للتفاقم أكثر، لأنّ الأثرياء، يا للعجب هنا أيضاً، أكثر ميلاً إلى اليسار، في حين أنّ «المحافظين يفضّلون رعاية حدائقهم الخاصة»!

خطاب بايبس لم يتغيّر، ولا يلوح أنه سوف يتغيّر، إلا نحو الأكثر ضحالة وسطحية وسوء طوية. رثاء النزعات المحافظة الأمريكية لا يصحّ أن ينفصل اليوم عن تنظيراته السابقة حول مديح توجهات «المحافظين الجدد» في رئاسة جورج بوش الابن وقبل غزو العراق

وما دمنا في الذكرى العاشرة لانطلاقة انتفاضات العرب، جديرة بالاستعادة تأويلات بايبس لحراك الشارع العربي وحصره في ما اسماه «الحرب الباردة الشرق ـ أوسطية» تارة، أو «الشطرنج الإقليمي» طوراً؛ ولكن ليس، البتة، إلى إرادة الشعوب، والتعطش إلى الحرّية والكرامة والديمقراطية، إزاء قبائح أنظمة الاستبداد والفساد. وبين «التمرّد» و«العصيان» وليس الانتفاضة أو الثورة، اقترح بايبس ثلاثة مستويات من «التأمل»:
الأوّل هو أنها ثمرة تصارع فريقَيْ الحرب الباردة الإقليمية: معسكر إيران و«المقاومة» الذي يضمّ سوريا وتركيا وغزّة ولبنان، ويسعى إلى «هزّ أركان النظام القائم، واستبداله بآخر إسلامي أكثر تقوى، وأشدّ عداء للغرب»؛ ومعسكر السعودية، وهو صفّ «الأمر الواقع» الذي يضمّ معظم ما تبقى من دول المنطقة، بما في ذلك دولة الاحتلال، و«يفضّل الحفاظ على الأمور كما هي، في قليل أو كثير». المعسكر الثاني «يتمتع بخاصية تقديم رؤية» والمعسكر الأوّل يتميز بـ«القدرة على نشر المدافع، والكثير منها».
المستوى الثاني هو أنّ «التطورات» في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين ذات مغزى كبير، ولكن المغزى الأكبر هو في ما ينتظر «العملاقين» قائدَي المعسكرين، إيران والسعودية. صحيح أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمكنت من احتواء الاحتجاجات الشعبية في حزيران (يونيو) 2009 على خلفية الانتخابات الرئاسية؛ إلا أنّ النار ما تزال تحت الرماد، وانهيار «نظام الخميني» ليس بعيد الاحتمال، وعواقب حدث كهذا تشمل أمن دولة الاحتلال، والأمن النووي في المنطقة، ومستقبل العراق، وسوق الطاقة الدولي، و«معسكر المقاومة» ذاته في المقام الأوّل. ورغم أنّ السعودية تتباهي بنظام مستقرّ، تقوم ركائزه على «مزيج فريد من العقيدة الوهابية، والسيطرة على مكة والمدينة، واحتياطي النفط والغاز» إلا أنّ «الفوارق الجغرافية والإيديولوجية والشخصية بين السعوديين يمكن أن تتسبب في انهيار النظام».
مستوى التأمل الثالث، والأهم في نظر المتأمل بايبس، هو أنّ «حركات التمرّد» العربية الأخيرة بدت «بنّاءة» و«وطنية» و«ذات روح مفتوحة»؛ فغاب عنها «التشدد السياسي في كلّ أنواعه، اليساري منه أو الإسلامي» وكذلك غابت الشعارات المناهضة للولايات المتحدة، وبريطانيا، ودولة الاحتلال! فما الذي يقرأه بايبس في ما يزعم من خصائص، يراها جديدة على الشارع العربي؟ أنها، ببساطة، انفكت تماماً عن «تشدد القرن الماضي» كما صنعه رجال من أمثال المفتي أمين الحسيني، جمال عبد الناصر، آية الله الخميني، ياسر عرفات، وصدّام حسين.
والحال أنّ خطاب بايبس لم يتغيّر، ولا يلوح أنه سوف يتغيّر، إلا نحو الأكثر ضحالة وسطحية وسوء طوية. رثاء النزعات المحافظة الأمريكية لا يصحّ أن ينفصل اليوم عن تنظيراته السابقة حول مديح توجهات «المحافظين الجدد» في رئاسة جورج بوش الابن وقبل غزو العراق، بصدد إيقاظ العرب والمسلمين من رقاد خارج التاريخ، في حاضنات «الإرهاب الإسلامي» وحدها. واليوم، كما في كلّ «رثاء» يمارسه بايبس، فإنّ أطروحته المركزية هي هذه: «المسلمون دخلوا في غيبوبة خلال القرنين الماضيين، وهي محنة أهل الله الذين وجدوا أنفسهم في أسفل الركام. ولا غرو أنّ بلاد الإسلام تضمّ معظم الإرهابيين والحجم الأقلّ من الديمقراطيات في العالم».
ولا عجب، في استكمال المعادلة المتلازمة، أنّ بايبس لا يتباكى على ترامب وحده، بل يحثّ الشارع الإسرائيلي على النظر بعين العطف إلى «صديقي نتنياهو» في محنته أمام القضاء: «لا تريدونه رئيس حكومة، حسناً، ضعوه في موقع الرئيس!»؛ يكتب بايبس، في استباق تسطير المرثاة التالية!

(القدس العربي) لندن

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

أمريكا بعد اقتحام الكابيتول:

مَن يجبّ الترامبية؟

صبحي حديدي

قد يصحّ الإقرار، بادئ ذي بدء، أنّ نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية، على علاته ومظانه الكثيرة، أثبت مرونة عالية في الجوانب الإجرائية التي تعود قواعدها إلى ما سنّه «الآباء المؤسسون»؛ وتسري بالتالي على الحزبين الوحيدين، الجمهوري والديمقراطي، ولا تملك مؤسسة ديمقراطية عليا مثل الكونغرس سبيلاً لتعطيله على نحو يغيّر أصول اللعبة جذرياً، حتى إذا تعرّضت إلى مسّ هنا أو هناك، رقيق أو عنيف. ذلك ما تشهد به وقائع ما بعد انتخاب جو بايدن رئيساً وكمالا هاريس نائبة للرئيس، رغم صنوف المقاومة العنيفة التي اعتمدها الرئيس الخاسر دونالد ترامب؛ والتي تطورت على نحو منهجي حتى بلغت ذروتها في العصيان الذي نفّذه أنصاره في قلب العاصمة، واقتحام مبنى الكابيتول أثناء انعقاد اجتماع مشترك لمجلسَيْ النواب والشيوخ للتصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية.
غير أنّ هذه المرونة لا يصحّ لها أن تجبّ مقدار العطب الداخلي العميق الذي أصاب، ويواصل إصابة، الديمقراطية الأمريكية المعاصرة كما تعاقبت فصولها منذ نهايات الحرب العالمية الثانية على أقلّ تقدير؛ بافتراض أنّ سماتها التكوينية الإيجابية، القياسية إذا جاز القول، خرجت من عباءة الليبرالية التنويرية لتدخل تحت عباءة النيو ــ ليبرالية، المتوحشة المناهضة للتنوير إلى درجة الاصطفاف المحافظ واليميني في أمثلة عديدة. وليس مثال العطب الأبرز، والراهن، سوى صعود ترامب والترامبية، ليس في مستويات السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلاقات الدولية والثقافة، فحسب؛ بل كذلك في سيرورات متكاملة من استطالة الترامبية في قلب الحزب الجمهوري، الذي لم يتوقف عند مزيد من الانغلاق المحافظ والعصبوية البيضاء والعنصرية المبطنة أو حتى الصريحة، بل استمرأ حالة من التبعية والخضوع و»التقولب» حول شخص ترامب، تكاد تذكّر بظاهرة عبادة الفرد دون سواها.
وكان الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، لأسباب داخلية وخارجية في آن معاً، قدوة غالبية من أنصار الحزب الجمهوري؛ ومن الإنصاف الافتراض، اليوم، بأنه اهتز في قبره لمرأى مشاهد اقتحام الكابيتول (ولسنا نعرف حتى الساعة ما إذا كان تمثاله داخل المبنى قد صمد أمام غضبة الجموع الترامبية). ففي خطبة الوداع، مطلع كانون الثاني (يناير) 1989، ذكّر ريغان الأمريكيين بأنه لم يكفّ عن التغنّي بـ»»المدينة المضيئة» على التلّ، رمز الديمقراطية الأمريكية المشيدة على «صخور أقوى من المحيطات» التي باركها الربّ رغم عصف الأنواء كي تتآخى مع «شعوب من كلّ نوع تعيش في اتساق وسلام». لم تكن هذه حال التآخي التي خامرت ذهن ريغان حين أفسحت الصخور الدروب الواسعة لاجتياح الرمز المضيء، بأعلام عنصرية وعصبوية ونازية، وبشعارات لم تعد تعترف من الديمقراطية إلا باسم ترامب وإسقاط نتائج الانتخابات الرئاسية؛ في غمرة ذهول أجهزة الأمن والاستخبارات المحلية والفدرالية في عاصمة القوة الكونية الأعظم، على مرأى ومسمع العالم بأسره.
وذلك الباب الشهير، في قاعة الكابيتول الكبرى، الذي يدلف منه رؤساء أمريكا لإلقاء الخطبة السنوية التقليدية حول حال الاتحاد، تجاوزت أحدث صورة له المخيّلة السوريالية: ثلاثة من رجال الأمن يصوبون مسدساتهم نحو نفر من أنصار ترامب يحاولون تحطيم الباب. أمّا مكتب نانسي بيلوسي، رئيسة البرلمان والهيئة التشريعية الأعلى إلى جانب مجلس الشيوخ، فلم يُشبع غليل المقتحمين أنهم عبثوا به، بل توجّب أن يتركوا لها رسالة وعيد: عائدون! «انقلاب» جدير بأنظمة العالم الثالث، اهتدى بعض المعلقين الأمريكيين إلى العبارة الملائمة؛ أو «عصيان» في التعبير المهذب الذي استخدمه الرئيس المنتخب بايدن؛ وقلّة استعادوا العبارة التي تُنسب إلى سنكلير لويس، الكاتب والمسرحي الأمريكي حامل نوبل: «حين تصل الفاشية إلى أمريكا سوف تكون ملفوفة بالعَلَم والصليب»…
وتلك، لا يخفى، سياقات تردّ إشكالية الراهن الأمريكي إلى قيمة عليا دائمة، لا تحول ولا تزول، هي مفهوم «الحلم الأمريكي»؛ ذاك الذي يعلن ترامب أنه يريد إحياء جذوته في النفوس عبر الشعار الأثير حول جعل أمريكا عظيمة مجدداً. المفهوم صوفي بالطبع، وهو سحري سار ويسير على ألسنة الساسة الأمريكيين في كلّ مناسبة تخصّ، أو تمسّ، علاقة الولايات المتحدة بالعالم ما وراء المحيط؛ أو، في التكملة، كلما تعيّن عليهم أن يدغدغوا أنفة الأمريكي أو غطرسته الموروثة بمعنى أدقّ؛ فما بالك إذا اتصل الأمر بالذات، التي تضخمت خلال أربع سنوات من الترامبية البيضاء والعنصرية وشبه الفاشية أو بعض الفاشية كاملة متكاملة. التاريخ الأمريكي من جانبه يروي تفاصيل أخرى عن الحلم، فيسجّل قيامه على الفلسفة الطهورية أوّلاً، ثم انفتاحه ــ سريعاً ودون مقدّمات لاهوتية أو أخلاقية ــ على شهوات لاطهورية، قوامها الفتح والتوسع والهيمنة والأسواق والاستثمار والاحتكار، وما إلى هذه من أخلاقيات رأسمالية.

تكفي متابعة أعمار الجموع التي اقتحمت مبني الكابيتول كي يدرك الناظر أنّ هستيريا الأمريكي السبعيني كانت تكمل سعار الأمريكي العشريني أو الثلاثيني؛ وما بينهما نساء عجائز ونساء صبايا، سواء بسواء

وبالطبع، الحكاية الأشهر في هذا الصدد تقول إنّ المهاجر الإنكليزي جون ونثروب أبحر في عام 1630 على ظهر السفينة أرابيلا، في طريقه إلى «العالم الجديد»؛ وعلى مبعدة فراسخ قليلة من شواطىء أمريكا نطق ذلك البيوريتاني الحالم بالجملة الذهبية: «إنني أحلم بأمريكا على هيئة مدينة في أعلى هضبة خضراء، تحفّ بها البراري والمراعي والكنائس». هكذا بعفوية شاعرية رعوية، ولكن بما يكفي من براغماتية جعلته يردف بالقول: «هدفي هو الحرّية، ولكنّ مخططاتي على المدى البعيد ستكون الاستئثار بأقصى ما يتيحه لي الربّ من عقارات وثروات». وبالفعل، أرسى ونثروب قلوعه عند صخرة ماساشوستس الأشهر، ثم أقام مستعمرة بوسطن، وأسّس شركاته من عرق الزنوج العبيد ودمائهم، وانتُخب حاكماً مدى الحياة.
ومذاك، ما انفكت هذه المشكلة البكر تتفاقم وتتضخّم: أنّ «الأمّة الأمريكية العظيمة» مصابة بتخمة الحديث عن الصخرة البيوريتانية والحلم الأمريكي، في التجريد والإطلاق والضبابية والصوفية؛ ولن يعلو نجم سياسي، جمهوري أم ديمقراطي، ليبرالي يساري أم محافظ يمين، علماني أم متدين… إلا وبعض بضاعته المستعادة هي الحلم الأمريكي؛ وتستوي في هذا التنويعات اللفظية، والكثير منها ركيك كسيح الدلالة. المشكلة الأخرى أنّ صخوراً من نوع مختلف كانت تنتظر خطاب ونثروب الانفتاحي ذاك، وعليها تكسّر الخطاب الأصلي بسرعة قياسية، بمنأى حتى عن صخرة ماساشوستس التي يحرسها طهوريون غلاة يرسمون مبادىء الحلم الأمريكي على غرار تقنيات راعي البقر في جمع القطيع.
هو الحلم ذاته الذي رفع ترامب إلى مصافّ مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2016، رغم النقائض والفضائح والعراقيل؛ ثمّ إلى سدّة البيت الأبيض، وموقع اتخاذ القرارات التي طوت أكثر من صفحة سطّرها رؤساء جمهوريون أعلى منه شأناً ومكانة؛ وصولاً إلى القبض على مقادير الحزب الجمهوري وتحريك كبار ممثليه في مجلس النوّاب والشيوخ كما تُساق النعاج. وإنه، بذلك، الحلم الذي يتوجّب أن يذكّر بمساوئ الديمقراطية الأمريكية، بعد استذكار محاسنها غنيّ عن القول، وفي الطليعة منها أنّ صعود ترامب وأمثاله لم يكن مصادفة أو ضربة عشوائية، وليست اعتبارات الأمن والاقتصاد والشعبوية والعنصرية والبذور الفاشية هي وحدها المسؤولة؛ إذْ ثمة سوابق كثيرة لا تضرب بجذورها إلا في التربة ذاتها التي تختصر أزمات النظام الرأسمالي المعاصر.
هذه هي أمريكا المعاصرة، ما قبل ترامب وما بعده أيضاً؛ وتكفي متابعة أعمار الجموع التي اقتحمت مبني الكابيتول كي يدرك الناظر أنّ هستيريا الأمريكي السبعيني كانت تكمل سعار الأمريكي العشريني أو الثلاثيني؛ وما بينهما نساء عجائز ونساء صبايا، سواء بسواء. والسؤال بذلك بسيط مشروع: أين ينتهي الحلم وتبدأ الديمقراطية، أم العكس؟ وبالأحرى: بعد اقتحام الكابيتول، مَن يجبّ الترامبية؟
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

بايدن والمحافظون الجدد:

عود على بدء؟

صبحي حديدي

 

ثمة فرضية واسعة الانتشار في أوساط اليسار الأمريكي بصفة خاصة، ترافقت مع صعود نجم جو بايدن وتكريسه كمرشح للحزب الديمقراطي؛ مفادها أنه، على نقيض المنطق المألوف للانقسامات الإيديولوجية الأمريكية، الشخصية المفضلة لدى «مؤسسة الأمن القومي» لأطوار ما بعد دونالد ترامب. وهو، استطراداً، الحاضنة الأكثر ملاءمة لما تبقى من شخوص وتنظيرات تيار عريض بالغ التأثير عُرف في زمن جورج بوش الابن وغزو العراق تحت مسمى «المحافظين الجدد».
ويذكّرنا جيمي سكاهيل، صحافي التحقيقات المتميز ورئيس تحرير الموقع الإخباري الهامّ
Intercept، أنّ رحيل ترامب سوف يجرّد تيارات اليمين العنصرية المختلفة من حليف كان يتربع على هرم القرار الأعلى في الولايات المتحدة، وأنّ عدداً غير قليل من سياسات ترامب التي تدغدغ تلك التيارات سوف تتبدّل على نحو أو آخر في عهد بايدن. كلّ هذا صحيح، ولكن ما يتوجب أن يبقى في الذهن هو أنّ انتصار الديمقراطيين تحقق بسبب أرقام الوفيات المرعبة جراء جائحة كوفيد ــ 19 وإدارة ترامب الإجرامية، ولم يتحقق بسبب حماس الناخبين لسياسات بايدن وأفكاره أو سجّله في الوظيفة العامة على مدار نصف قرن: «بالنسبة إلى ملايين الناخبين، لم يكن الخيار بين بايدن وترامب، بل كان تصويتاً على ترامب، واسم بايدن على ورقة الاقتراع كان بمثابة لا رافضة».
لسنا، في المقابل، بحاجة إلى مَنْ يذكّرنا بأن أكثر من 73 مليون ناخب أمريكي صوتوا من أجل إبقاء ترامب أربع سنوات إضافية في البيت الأبيض، رغم معرفتهم بفساد إدارته وعجز سياساتها والتدبير الخطيرة التي اتخذتها، فضلاً عن تشجيع العنف والتيارات العنصرية والكراهية والتفرقة الاجتماعية والإثنية؛ وأنّ الحزب الجمهوري كان، في المقابل، مجرّد صدى يردد أقوال ترامب من دون أيّ وفاء للحدّ الأدنى من القيم التي يرفعها الحزب ويتفاخر بها. الفارق بين بوش الابن وترامب ينحصر، حسب يقين سكاهيل، في أنّ الأوّل سعى إلى جعل الحزب غطاء أو ستاراً أو مرجعية عامة، واكتفى الثاني بتحويل الحزب إلى جمهرة من النوّاب وأعضاء مجلس الشيوخ المصفقين الراضخين الخانعين.

تيار المحافظين الجدد لم يجد في حماقات ترامب ما يشفي غليله، ونفر من مقدار الشعبوية التي اكتنفت التنظير والتبشير قبل السياسة والاقتصاد، والأرجح أنه انتظر عوداً على بدء في شخص بايدن كما يراهن مراقبون كثر

الأسابيع القليلة المقبلة سوف تضع هذه الفرضية، وسواها من آراء تسير على المنوال ذاته، أمام محكّ السياسات الفعلية في ميادين عديدة لعلّ قضايا الشرق الأوسط سوف تكون في طليعتها. ونعرف، سلفاً في الواقع، أنّ رهط المحافظين الجدد، الذين سوف يلتفون حول بايدن من زاوية دفعه إلى إحياء النظرية القديمة بصدد فرض الديمقراطية على شعوب الشرق الأوسط عن طريق القوّة إذا اقتضى الأمر؛ لن يتنازلوا عن قاعدة أخرى مقترنة بهذا الخيار، أي «الغسل الثقافي» لتلك الديمقراطية المصدّرة، على صعيد التراثات والأديان والعقائد، بما يكفل تطهيرها من سلسلة «أدران تاريخية» خلقت نزوعات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموماً. في عبارة أخرى، جرت على لسان كبار المحافظين الجدد: إذا توجّب أن تبلغ بلدانُ الشرق الأوسط مستوى في الديمقراطية متقدّماً ومقبولاً ومعترفاً به في الغرب، فإنّ على صندوق الاقتراع ألا يمثّل قناعات المقترعين الفعلية، بل تلك التي تتناسب مع القناعات التي يقبل بها «العالم الحرّ» و»المجتمع الدولي»، تحديداً وحصراً!
وهكذا فإنهم، من جديد وعلى منوال القديم، سوف يطالبوننا بأن نعيش مرحلة الـ»ما بعد» في كلّ شيء، وعلى طول الخطّ: ما بعد الحداثة، ما بعد المجتمع الصناعي، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الإيديولوجيا، ما بعد الشيوعية، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة، ما بعد «القاعدة» و»داعش» وأسامة بن لادن و»الخليفة البغدادي»… وتلك حال يتوجب أن تبدو أقرب إلى عالم أحادي تماثل وتشابه وتعاقب على ذاته ومن أجل ذاته، حتى بات من المحال ــ وربما من المحرج ــ الحديث عمّا هو سابق لهذا الراهن وذاك اللاحق، عن الـ»ما قبل» أياً كانت الظواهر التي سبقته. كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما يستغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير «دراما الهوية الغربية»: العالم يخلع أرديته واحدة تلو الأخرى، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلى تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية.
ولكن، أليس من المشروع إعادة طرح التساؤل القديم، الذي حرّض عليه أقطاب المحافظين الجدد من أمثال كوندوليزا رايس، ديك شيني، إرفنغ كريستول، ريشارد بيرل، بول ولفوفيتز، دوغلاس فيث، ودافيد ورمستر: ألا يصحّ أنّ هذه الديمقراطية المستجلبة، أو أشباهها من ديمقراطيات مفروضة قسراً بفعل الشرط العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي الخارجي، هي بدورها حاضنة شروخات مجتمعية مستندة إلى انحيازات إثنية ومذهبية وطائفية وعشائرية؟ ألا يجوز الافتراض بأنها، أو كأنها، استعادة/ طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ»ما قبل» في السرديات الكبرى للحضارة الغربية، من اليونان القديم، إلى روما القديمة، إلى رحلة كريستوفر كولومبوس، إلى عصر الأنوار والحداثة؟
ومن جانب آخر، وحين تقترن هذه المشاهد بما يشبه إصرار الغرب على استحالة المطابقة بين ديمقراطية صندوق الاقتراع وحرّية اليقين الشخصي، ألسنا نشهد اهتزازاً عميقاً في الرؤية الراسخة التي اعتنقها وبشّر بها الغرب معظم القرن الماضي، أو قبله بعقود كذلك؟ ألم تنهض تلك الرؤية على ثلاثة أقانيم جوهرية: الرأسمالية واقتصاد السوق، وحقوق الإنسان كما تقترن وجوباً بالشكل الليبرالي (الغربي ــ الأمريكي) من الديمقراطية العلمانية، وإطار الأمّة ــ الدولة كصيغة هوية معتمدة في العلاقات الدولية؟
وهذه الأقانيم بالذات، الم تكن تكتسي بهيئة مختلفة تماماً حين يتعلق الأمر بمجتمعات وثقافات العالم غير الغربي، أو هي كانت تأخذ أكثر من صيغة توتّر وتناقض مع أية مجموعة من القيم غير الغربية، الأمر الذي ظلّ يفتح باب الاجتهاد حول تصارع حضاري ــ ديني، على طريقة صمويل هنتنغتون؛ أو توتّر هيلليني ــ آسيوي، على طريقة برنارد لويس؛ أو ولادة «الأيديولوجية التالية»، على طريقة غراهام فوللر؟ ألم تنجلِ الأقانيم ذاتها عن هيئة مختلفة حتى في قلب أوروبا، على مبعدة أمتار قليلة من قواعد الحلف الأطلسي، في البلقان الدامي دون سواه؟
فوللر، من جانبه/ لا يغفل الإشارة إلى التهديد الذي تتعرض له الثقافات الوطنية بفعل التعميم القسري للقِيَم الغربية، بوسائط تبادل لا قِبَل لتلك المجتمعات بمقاومتها، مثل ذلك التصدير الأخطبوطي الجبّار للسلعة الثقافية (الكتاب والفيلم والأغنية ونوع الطعام واللباس والدواء)؛ وصناعة الرمز الثقافي الأعلى الأشبه بالأسطورة في ذلك كله (بحيث تتحوّل شطيرة الـ»بيغ ماك» إلى رمز للجبروت الأمريكي السياسي والاقتصادي والعسكري، ليس في بلدان مثل الهند وماليزيا ومصر فحسب، بل حتى في بلد مثل فرنسا أيضاً). ونتذكّر في هذا الصدد أنّ صدام الحضارات، كما شخّصه هنتنغتون في البدء، لا يدور بين يسوع ومحمد وكونفوشيوس، بل حول التبادل غير المتكافىء للقوّة والثروة والنفوذ، وتهميش الأطراف لصالح المركز (الغربي بالضرورة) وتحويل الثقافة إلى وسيط للتعبير عن الأزمة بدل أن تكون سبباً فيها.
الثابت، في خلاصة القول، أنّ تيار المحافظين الجدد لم يجد في حماقات ترامب ما يشفي غليله، ونفر من مقدار الشعبوية التي اكتنفت التنظير والتبشير قبل السياسة والاقتصاد، والأرجح أنه انتظر عوداً على بدء؛ في شخص بايدن كما يراهن مراقبون كثر، ولا عزاء للمراهنين في العالم العربي على تحولات ملموسة لخيارات البيت الأبيض المقبلة، فكيف بانعطافات كبرى فارقة.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

عشر سنوات على البوعزيزي:

أية معرفة وأيّ دروس؟

 

صبحي حديدي

 

احتفت الصحافة الغربية يوم أمس، 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، بالذكرى العاشرة لانطلاق «الربيع العربي» حين أقدم المواطن التونسي محمد البوعزيزي بإضرام النار في جسده احتجاجاً على امتهان كرامته من جانب شرطية تونسية منعته من ممارسة عمله. لافت، بادئ ذي بدء، أنّ معظم وسائل الإعلام الغربية التي احتفت بـ»الربيع العربي» انطلقت من ذكرى البوعزيزي هذه، وليس من تاريخ هرب دكتاتور تونس زين العابدين بن علي يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011؛ وقد ينطوي هذا على دلالة مختلفة تخصّ ذلك النسق من الحراك الشعبي الاحتجاجي، أي إضرام النار في الجسد، وليس النسق الآخر الذي يخصّ انهيار النظام ابتداء من رأسه وذروة الهرم في بنيته.
طريف أنّ غالبية الكتّاب المحتفين بالمناسبة في وسائل إعلام فرنسية وبريطانية وأمريكية وقعوا، من دون اتفاق مسبق كما يقول المنطق البسيط، في حيرة لجهة تحديد التسمية اللائقة بتلك الانطلاقة؛ على غرار تساؤل يومية الـ»فيغارو» الفرنسية: أكان الحدث، في نهاية المطاف، خلاصة «ربيع عربي» أم «خريف إسلامي» أم «شتاء جهادي»؟ وما معنى أن تكون تونس هي الاستثناء الوحيد، مقابل ليبيا وسوريا واليمن؟ وما دلالة الوقائع (إذْ يعزّعلى الصحيفة إيجاد تسمية محددة، مثل الانتفاضة أو الثورة) في السودان والعراق والجزائر ولبنان؟ وهل يصحّ القول إنّ «الإسلاموية» (التعبير الرائج في فرنسا هذه الأيام) أسلمت أقدارها إلى «الجهادوية» وما دلالة أنّ شرائح واسعة في الشارع الشعبي العريض ما تزال مستعدة لممارسة الاحتجاج والاعتصام والاعتراض؟

كان أمراً طبيعياً ألا تُطرح الأسئلة بشفافية الحدّ الأدنى، بل يجري تحويرها بما يقوّي حجة القائلين بأنّ الربيع انقلب إلى شتاء أو خريف؛ ولكن، أيضاً، كي تُجرّد انتفاضات العرب من أغراضها الشعبية الكبرى، في الكرامة والحرية والمساواة

أسبوعية الـ«إيكونوميست» البريطانية اختارت مستوى تحليل أكثر رصانة، أو بالأحرى أكثر انسجاماً مع عراقة الخطّ الليبرالي، أو النيو ـ ليبرالي بين حين وآخر، الذي تنتهجه الدورية العريقة. «التاريخ ليس خطياً. الثورات تفشل، ويحدث أحياناً أن ينتصر الأشرار. لا سبب يدعو إلى توقّع أن تسفر الجولة المقبلة من انتفاضات العرب عن نتائج أكثر مدعاة للسعادة. وعلى المنوال ذاته، مع ذلك، لا سبب يدعو إلى تصديق الأوتوقراطيين حين يزعمون أنهم أكثر قدرة على منعها». هكذا يكتب تحرير الـ»إيكونوميست» في التقديم لملفّ بعنوان «قبل عقد من الزمان انتفض العرب. فلماذا لم تتحسن الأمور؟» بين الأمثلة على مناورات مستبدّي «الربيع العربي» تتوقف الأسبوعية البريطانية عند نموذج بشار الأسد: «لقد أقنع الكثير من أنصاره بأنّ الانتفاضة السورية هي من فعل المتطرفين. ولم يكن هذا رجماً بالغيب بل كان نبوءة مخططاً لها ذاتياً: إفراج عن جهاديين كفاية من السجون، وتصفية ما يكفي من المعتدلين، وتجويع الشعب زمناً كافياً ضرورياً، ولن يطول الوقت حتى تصبح الحركة السلمية جذرية متشددة».
فماذا عن سؤال الملفّ الأساس، أي لماذا اتخذت الأمور هذا المنحى في نهاية المطاف؟ لن يفاجئك خطّ التحليل الذي تعتمده الصحيفة الفرنسية اليمينية، لأنه ببساطة يتراوح بين التساؤل عن قابلية العرب (الإسلام ضمناً، غنيّ عن القول) لاعتناق الديمقراطية، شعوباً وأنظمة؛ وبين ردّ الحال إلى مزيج من تحالفات ضمنية بين الاستبداد و»الإسلاموية» و»الجهادوية». الأسبوعية البريطانية لا تركن إلى السطوح هذه، فتساجل بأنه لا إجابة على سؤال مسار الخطأ لدى بلدان دون أخرى: «يمكن إلقاء اللوم على قوى خارجية، من إيران إلى روسيا إلى غرب عاجز غير متسق. يمكن لوم الإسلاميين، الذين زرعوا التفرقة غالباً في سياق جشعهم إلى السلطة. وأكثر من هؤلاء وهؤلاء، يتوجب لوم الرجال الذين حكموا الدول العربية بعد أن نالت استقلالها في القرن العشرين. ورغم أنّ بعضهم فهم شيئاً ما عن الديمقراطية، فإنّ الأمر اقتضى ما هو أبعد من مجرّد الانتخابات».
الـ»فيغارو» و الـ»إيكونوميست» مجرّد نموذجين بالطبع، وثمة عشرات الأمثلة الأخرى خاصة في ميادين أكاديمية وعلى صعيد الدراسات والأبحاث الأكثر التزاماً بمعايير صارمة في القراءة والتحليل والاستنباط. مؤسف، مع ذلك، وفي يقين هذه السطور على الأقلّ، أنّ الحصيلة الإجمالية لا تبدو متقدمة بما يكفي عن الحال التي كان عليها المشهد التحليلي الغربي ساعة احتراق بدن البوعزيزي وانطلاق الحناجر بالهتاف غير المسبوق: «الشعب يريد إسقاط النظام!». يومذاك توفّر العشرات من أهل الكيل بعشرات المكاييل، ممّن كانوا هم أنفسهم نفر المراقبين ـ والمحللين والأخصائيين والمستشارين… أو فقهاء علوم الشرق الأوسط، باختصار ـ الذين رحبوا بـ»هبوب رياح الديمقراطية» على المنطقة؛ واستسهلوا تسمية ربيع (جاء في أواخر الخريف، مطلع الشتاء عملياً!) مستمدّ من بطون رطانة اصطلاحية غربية لا تعبأ باختلاط حابل بنابل.
وكان أمراً طبيعياً، وتلقائياً، ألا تُطرح الأسئلة بشفافية الحدّ الأدنى، بل يجري ليّها وتحويرها بما يقوّي حجة القائلين بأنّ الربيع انقلب إلى شتاء أو خريف (على هدي ما تفعل الـ»فيغارو» اليوم!)؛ ولكن، أيضاً، كي تُجرّد انتفاضات العرب من أغراضها الشعبية الكبرى، في الكرامة والحرية والمساواة، وتُسحب إلى حيثيات أخرى تَرفع، هنا أيضاً، راية حقّ لا يُراد منها إلا الباطل. توماس فريدمان، المعلّق الشهير في «نيويورك تايمز» كتب مقالة بعنوان «الربيع العربي الآخر» بدأها بافتراض أنّ البوعزيزي أحرق نفسه وسط مناخات ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً؛ وأتبعها بأنّ الفلاحين، في محافظة درعا السورية، ثاروا على النظام بسبب منعهم من بيع أراضيهم المحاذية للحدود مع الأردن!
وفي فرنسا، بمزيج من السخرية والاستهجان، هتف أوليفييه روا، أحد كبار الأخصائيين في شؤون الإسلام والشرق الأوسط: «ما الذي دهاكم! هل نبدأ من جديد؟ صدام الحضارات، وسخط المسلمين، والعالم المسلم الذي يلتهب، وعجز الإسلام عن قبول الروح النقدية وحرّية التفكير؟»… والرجل، الذي استهلّ «الربيع العربي» بتوبيخ زاعمي معرفة الإسلام والمسلمين، بمقالة شهيرة لاذعة عنوانها «ليست ثورة إسلامية»؛ ناشد الناس ألا يجرّموا «الربيع العربي» اتكاء على أعمال عنف هنا وهناك ضدّ فيلم أو رسوم كاريكاتورية. صحيح أنها لم تلجأ إلى هذا المستوى من العنف، ولكن ألم تتظاهر جماهير مسيحية في الغرب، وعلى نحو عنيف أحياناً، ضدّ «الإغواء الأخير للمسيح» شريط مارتن سكورسيزي، سنة 1988؟ ألم تضغط الكنيسة الكاثوليكية، وإنْ بطرائق أقلّ صخباً وأكثر فاعلية، ضدّ ملصقات «نزهة الجلجلة» شريط رودريغو غارسيا، سنة 2011، سأل روا؟
فإذا انتقل المرء إلى الساسة، وأهل الصفّ الأوّل بينهم، توفرت تلك الخديعة الكبرى، التي انخرط فيها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، وكبار مساعديه، وبعض رجالات الصفّ الأوّل من «المحافظين الجدد»؛ والتي سُمّيت «نقل فيروس الديمقراطية إلى العرب» من خلال احتلال العراق، وإقامة نظام ديمقراطي غير مسبوق، ثمّ تصديره إلى الجوار بطريق الإغواء أو القسر. خَلَفه، باراك أوباما، تابع نهج السلف مع إضافة «مسحة أسلوبية» شخصية، هي مداهنة المسلمين (في خطبتَيه أمام البرلمان التركي ومن جامعة القاهرة) علانية؛ والإمعان أكثر فأكثر في تخريب العلاقات مع العالم المسلم من خلال سياسات الانحياز المطلق لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ومراقصة الطغاة، وتعليق الأمل على نواياهم «الإصلاحية» حتى ربع الساعة الأخير قبيل سقوطهم (المرء يتذكّر مدائح هيلاري كلنتون، لأمثال زين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح، وحتى بشار الأسد نفسه).
عشر سنوات على البوعزيزي علّمت الشعوب الكثير، أغلب الظنّ، ولكن لا يلوح أنها أضافت إلى معارف النطاسيين في الغرب إلا القليل، وفي مستوى السطوح وحدها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

السيسي الباريسي:

عندما يخجل أحفاد الثورة الفرنسية

صبحي حديدي

 

لم يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيّ حرج في رفض مناشدات عشرات منظمات حقوق الإنسان العالمية، حول بسط السجادة الحمراء لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي؛ كما لم يجد غضاضة في الإعلان عن معارضته الربط بين انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ترتكبها أجهزة الأمن المصرية، وصفقات الأسلحة الفرنسية إلى مصر، رغم أنّ صنوفاً منها لا تُهرّب إلى الماريشال الليبي الانقلابي خليفة حفتر فحسب، بل تُستخدم أيضاً ضدّ أبناء الشعب المصري في المدن والبلدات والقرى خلال الاحتجاجات السلمية.
الذريعة المتوفرة، سواء أعلنتها باريس والقاهرة أم سرّبتها أوساط النظام المصري بصفة حصرية، هي تطابق المصالح حول مواقف البلدين من ملفات ليبيا، أو مواجهة السياسات التركية في شرق المتوسط في مستويات مختلفة لا تقتصر على التنقيب عن النفط والغاز بل تشمل اختراق النفوذ الفرنسي المتوسطي؛ فضلاً عن تناغم عجيب بعض الشيء، اتفقت باريس والقاهرة على تسميته “محاربة الإسلاموية”! وضمن قواعد السياسة الواقعية البراغماتية، أو الـ
Realpolitik حسب التعبير الكلاسيكي الشائع، لا يبدو هذا التناغم عجيباً أو شاذاً أو غير مسبوق؛ بل لعله تطبيق القاعدة على أوضح صورها إفصاحاً عن محتوى التعاطي السياسي أو الدبلوماسي أو الأمني أو العسكري أو التجاري.
طريف، في المقابل، أنّ ماكرون خجل من استقدام العدسات والمراسلين الفرنسيين إلى حفل احتضنه قصر الإليزيه في ختام زيارة السيسي، وشهد منح الأخير أرفع أوسمة الشرف الفرنسية؛ الذي، للمفارقة غير الخافية، كان غازي مصر نابليون بونابرت قد استحدثه قبل 218 سنة. صور الاحتفال تسربت عن طريق الوفد المصري الذي كان من الطبيعي ألا يخجل من نشرها وأن يُحتفى بها أيما احتفاء على موقع الرئاسة المصرية. وهو حياء تسلل أيضاً إلى الفريق الإعلامي لعمدة بلدية باريس، السيدة آن هيدالغو، التي أعربت عن التطلع إلى مشاريع مشتركة في قطاعات الثقافة والخدمات؛ وإن كانت تناست تماماً تظاهرات أكثر من 20 منظمة حقوقية وهتافاتها ضدّ الاحتفاء بجنرال مستبدّ وانقلابي يسرح ويمرح في عاصمة الثورة الفرنسية وبلد حقوق الإنسان.
والحال أنّ أحفاد الثورة الفرنسية الذين استقبلوا السيسي ليسوا أوائل في هذا المضمار، إذْ سبق أن فعلها الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك مع دكتاتور سوريا بشار الأسد، وفعلها رئيس أسبق آخر هو نيكولا ساركوزي مع الأسد والقذافي وحسني مبارك حين وضعهم على منصة الشرف المكرسة للاحتفال بالثورة الفرنسية. وحين تجاوز الأسد كلّ “خطّ أحمر” ممكن، فخجل ماكرون من وسام شرف مماثل كان شيراك قد علّقه على صدر الأسد الابن، وارتأى سحب الوسام؛ سارع الأسد إلى استباق الدراما ونزع الوسام بنفسه فلم يكن بذلك يردّ البضاعة إلى أهلها بل يعلن أنها أصلاً زائدة عن حاجة نظامه وحاجته شخصياً.
وليت الأمر يقتصر على الساسة الأفراد، لأنه في الواقع يمتدّ أيضاً إلى مؤسسات الجمهورية الخامسة وعلى رأسها الجمعية الوطنية، أي البرلمان، الذي سبق أن أقرّ مشروع قانون يحظر على المحاكم الفرنسية قبول دعاوى ضدّ مجرمي الحرب، إلا إذا كانوا يحملون الجنسية الفرنسية، أو كانت الجرائم المنسوبة إليهم قد ارتُكبت على الأراضي الفرنسية. وكان هذا القانون مدعاة خزي صريح وفاضح، وشكّل ارتداداً عن تشريعات فرنسية سابقة، كما تناقض مع القوانين المعمول بها في معظم الدول الأوروبية. ومن المأساوي أن تكون فرنسا، بلد حقوق الإنسان، هي الملاذ الآمن لأصناف شتى من الطغاة والقتلة والجلادين ومصاصي دماء الشعوب.
خجل أحفاد الثورة الفرنسية لا يغطّي، بأية حال، مقادير العار التي تجلل سياسات لا تخون الشعوب وحدها، بل تطعن إرث الثورة ذاتها، وكامل تراث حقوق الإنسان؛ وكلّ هذا رغم أنّ الحصاد هزيل في نهاية المطاف، والحصيلة مخجلة عجفاء.

 

 

الجولان المحتل يقاوم ونظام

الأسد لا عين رأت ولا أذن سمعت

صبحي حديدي

يخوض أبناء الجولان السوري المحتل معركة أخرى جديدة ضدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، مشرّفة وملحمية رغم المقدار الهائل من انعدام التكافؤ أمام قوى الاحتلال العسكرية والأمنية والقضائية، واختلال ميزان الأدوات النضالية التي تتيح الصمود والتصميم وتسجيل انتصار معنوي تارة أو نقلة فارقة في روحية وأسلوب المقاومة تارة أخرى. المعركة الجديدة تحمل اسم «توربينات الرياح» نسبة إلى مشروع شركة الطاقة الإسرائيلية «إنرجكس» المدعوم تماماً من سلطات الاحتلال، بزرع 32 مروحية بارتفاع 200 إلى 220 متراً في قلب الأراضي الزراعية لسكان الجولان، التي تُزرع فيها منذ أزمنة سحيقة أشجار التفاح والكرز واللوز. ورغم وجود مستوطنات إسرائيلية في مرتفعات الجولان، فإنّ شركة «إنرجكس» أبعدت التوربينات عن أراضي تلك المستوطنات وجنّبتها بالتالي الأضرار البيئية والزراعية والطبيعية والصحية كي تحمّلها على قرى الجولانيين السوريين الأربع الكبرى، في مجدل شمس وبقعاثا وعين قنيا ومسعدة.
يقف في وجه هذا المشروع، وعلى أصعدة قانونية وإعلامية وسياسية، عدد من منظمات حقوق الإنسان السورية أو الفلسطينية وبعض الإسرائيلية أيضاً؛ خاصة «المرصد ـ المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان» والذي يواصل خوض معركة قانوية شرسة مع «إنرجكس» وذلك في أعقاب إصدار تقريره «في مهبّ الريح» حول الآثار المدمّرة لمشروع توربينات الرياح على حياة السكّان السوريّين، والتبعات الخطيرة على صحّتهم وسلامتهم. وكان المرصد قد سجّل جملة مخاطر، في طليعتها أنّ المزارعين الذين يقضون معظم أوقاتهم في العمل، وعموم السكّان الذين يمكثون أوقاتاً طويلة في الأراضي الزراعيّة المجاورة، حيث تنتشر عشرات المنازل الصغيرة، سوف يكونون الأكثر عُرضة للأذى. متوقّع، كذلك، أن يتقلّص استخدام المزارعين السوريّين لمئات الدونمات من أراضيهم الزراعيّة التي تنتج محاصيل التفاح والكرز منذ عشرات السنين، والتي تشكّل ما يقارب ربع أراضيهم الزراعيّة. هذا إلى جانب حقيقة أنّ إقامة المشروع سوف تسفر عن تقييد التوسّع العمرانيّ للقرى الواقعة تحت الاحتلال، مما سيُفاقم أزمة السكن الخانقة فيها. كلّ هذا عدا التشوهات البنيوية التي ستصيب الاقتصاد والسياحة الزراعيّة والتقاليد الزراعيّة عموماً، وتعريض الحياة البريّة للخطر، وتحديداً الطيور المحليّة والمهاجرة؛ ما يعني أن هذه الأضرار ستطال السكّان والزراعة والبيئة سواء بسواء.
وقد أصدرت 17 منظمة حقوقية بياناً مشتركاً أدانت فيه خطط زرع التوربينات، وأكدت أنّ «هذا المشروع الخطير يشكل خطراً وجودياً على سكان الجولان السوريين والسوريات، ويهدف إلى ترسيخ الاحتلال الاقتصادي للجولان على نحو مخالف لحقّ الانتفاع المنصوص عليه في المادة 55 من اتفاقيّة لاهاي الرابعة المتعلّقة بقواعد وأعراف الحرب البريّة لعام 1907». كذلك طالب البيان دولة الاحتلال، بصفتها السلطة المحتلة القائمة، بأن تلتزم بالقانون الدولي وتوقف هذا المشروع، وكافة أنشطة التوسع الاستيطاني، وتمتنع عن إحداث أية تغييرات في الجولان المحتل، إلا في الحالات التي تخدم أمن ورفاه السكان السوريين، داعين إلى الامتناع عن استغلال جائحة كوفيد-19 من أجل تمرير هذا المشروع وفرضه كأمر واقع. كما شدّد بيان الجمعيات على ضرورة احترم حقّ السكان السوريين في تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، بموجب القانون الدولي، وأن تتوقف سلطات الاحتلال عن إصدار تراخيص لاستغلال الموارد الطبيعية في الجولان السوري المحتل، وأن توقف أنشطة الشركات التجارية الإسرائيلية والمتعددة الجنسيات العاملة فيه، لضمان احترام المعايير الدولية ومعايير حقوق الإنسان، والحصول على موافقة السكان السوريين قبل الانخراط في أية مشاريع تستخرج موارد الجولان الطبيعية.

موقف النظام ليس أضعف الإيمان فقط، بل حال نظام لا عين فيه رأت ولا أذن سمعت بنضالات أبناء الجولان طوال 53 سنة، وهو في واقع الأمر أقصى ما يمكن أن يصدر عن نظام وريث حافظ الأسد، وزير «الدفاع» سنة سقوط الجولان المنيع في يد الاحتلال الإسرائيلي.

ومؤخراً توغل مبعوثو شركة «إنرجكس» في عمق الأراضي الزراعية التابعة لسكّان الجولان، تحت حماية مباشرة تولتها أعداد كبيرة من قوّات شرطة الاحتلال ووحدات القوّات الخاصّة، التي لجأت إلى إغلاق الطرقات المؤدّية إلى أراضي قرابة ألف مزارع سوريّ، لتمكين الشركة من مباشرة أعمالها في التجهيز للبدء بتنفيذ مشروع توربينات الرياح. وهكذا أقدمت شرطة الاحتلال على إغلاق الطرق المؤدّية إلى تلك لأراضي الزراعية، ومنعت الاقتراب من المكان. ولقد احتشد المئات من أبناء الجولان للاحتجاج على هذه الممارسات وللتأكيد مجدداً على أنّ الاعتراض على هذا المشروع التدميري ما زال يحظى بإجماع واسع النطاق في صفوف سوريي الجولان المحتل.
ورأى «المرصد» أنّ قيام شرطة الاحتلال بتأمين الغطاء للشركة، بحجَّة فحص التربة في أربع قطع من الأراضي، وبدون إبراز أمر قضائيّ بذلك، ومنع عشرات المزارعين من الوصول لأراضيهم الذي قد يمتد لعدة أيام، فيما يشبه العقاب الجماعي، واستخدام الكاميرات المحمّلة على طائرات مسيّرة عن بعد، هو «انتهاك صارخ لحقوق سكّان الجولان، وترهيب مُمنهج من خلال استقدام المئات من أفراد الشرطة ووحدات القوات الخاصّة، واستعراض القوّة، ووضعهم قُبالة السكّان المدنيّين الذين يمارسون حقّهم بالاعتراض السلمي على مشاريع الاحتلال».
وإذْ تتضامن مع حقوق الجولانيين السوريين منظمات حقوقية مثل «الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان» و«مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» و«مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان» إلى جانب جامعة بير زيت في فلسطين، وجامعة كورنيل في الولايات المتحدة؛ فإنّ السؤال الذي يُطرح بقوّة، وبحكم منطق الأمور الأبسط، هو التالي: أين النظام السوري، الذي لم يسلّم الجولان على نحو طوعي منذ حرب 1967 فحسب، بل لم يتوقف عن التكاذب بخصوص «الممانعة» و«المقاومة»؟ الإجابة يختصرها بيان وزارة الخارجية والمغتربين الذي أدان «الممارسات العنصرية والانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق السكان العرب السوريين في الجولان السوري المحتل». ولم يفت البيان اقتباس «مشيخة عقل طائفة المسلمين الموحدين في سوريا» لجهة تأكيدها «الوقوف مع أهالي الجولان السوري المحتل، والوقوف خلف القيادة السورية والجيش العربي السوري لاسترجاع كل شبر من أرض الجولان العربي السوري المحتل».
والحال أنّ هذا ليس موقف أضعف الإيمان فقط، بل حال نظام لا عين فيه رأت ولا أذن سمعت بنضالات أبناء الجولان طوال 53 سنة، وهو في واقع الأمر أقصى ما يمكن أن يصدر عن نظام وريث حافظ الأسد، وزير «الدفاع» سنة سقوط الجولان المنيع في يد الاحتلال الإسرائيلي. ولعلّ مراسل صحيفة حزب البعث تناسى، إذْ كيف له أن ينسى حقاً، موقف بشار الأسد الشهير حيال المقاومة الشعبية السورية في الجولان المحتل، خلال حوار شهير مع الإعلامي المصري حمدي قنديل. يطرح الأخير السؤال التالي: «أليس في سوريا غيرة أن حزب الله حقق ما حققه وأن كل السوريين يجب أن تكون لديهم الغيرة أننا لم نستطع أن نحرر الجولان حتى تاريخه بأي وسيلة سواء كان بالجيش أم بالمقاومة؟» ويجيب الأسد: «قلتُ إن تحرير الجولان بأيدينا وبعزيمتنا. لكن هذه العزيمة بالنسبة لنا كدولة تأخذ الاتجاه السياسي وتأخذ الاتجاه العسكري. كما قلت بالعودة لموضوع المقاومة هو قرار شعبي لا تستطيع أن تقول دولة ما. نعم. سنذهب باتجاه المقاومة. هذا كلام غير منطقي. الشعب يتحرك للمقاومة بمعزل عن دولته عندما يقرر هذا الشيء».
وهو تحرّك ويتحرك بالفعل، ليس بمعزل عن «دولته» فقط، بل كذلك لأنّ تلك «الدولة» تخوض حروبها ضدّ الشعب في الداخل السوري، بعد أن أسلمت المقادير لاحتلالات إيرانية وروسية وأمريكية وتركية انضمت إلى الاحتلال الإسرائيلي. فكيف، والحال هذه، لا تقف مشيخية العقل خلف جيش انسحب من الجولان المحتل ليستدير تماماً نحو درعا وحمص وحماة وحلب ودير الزور!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

ترامب التالي: من محفة

كاليغولا إلى قيثار نيرون

صبحي حديدي

 

حوليات التاريخ الغربي، العسكري والسياسي والإمبراطوري على وجوه أخص، وحوليات التاريخ الروماني القديم بصفة خاصة، تحفل بحفنة غير قليلة من أباطرة جمعوا الطموح الشخصي المفرط، إلى هذا المستوى أو ذاك من مظاهر الهستيريا وجنون العظمة وبُغْض الديمقراطية. في طليعة هؤلاء، كما يًجمع المِؤرخ البريطاني الراحل شون لانغ، يعثر المرء على أمثال تايبيريوس (14ـ37 م)، غايوس كاليغولا (37ـ41)، نيرون (45ـ68)، كومودوس (180ـ192)…
وقد تعترض غالبية من أنصار الرئيس الأمريكي المنتهبة ولايته، دونالد ترامب، على تمثيلات يمكن أن تضعه في لائحة عنوان هذا العمود، بالنظر إلى أن أمريكا الراهنة ليست روما القديمة (وهذه مسألة فيها نظر، غنيّ عن القول)؛ أو إلى أنّ الديمقراطية الأمريكية، اليوم، ليست النظام السياسي الذي تسيّده وقاده الأباطرة أولئك؛ أو، ثالثاً، لأنّ ترامب لم يعطّل المنظومة، بدليل أنّ الانتخابات الرئاسية جرت في نهاية الأمر ورغم الشكوك الكثيرة حول احتمال بلوغها برّ الأمان، ويستزيد هؤلاء من واقع أنهم ليسوا محض أنصار للرئيس الأمريكي المنصرف بل هم جمهوره الذين تغذوا على أفكاره: ألم يحصل ترامب على أقلّ قليلاً من 53 مليون ناخب في التصويت الشعبي خلال انتخابات 2016، وها أنه في الانتخابات الأخيرة يحصد ما يقلّ قليلاً عن 74 مليون صوت؟
والحال أن السهولة التي يجدها المؤرخ الغربي لجهة احتساب حفنة الأباطرة المشار إليهم في الفقرة الأولى، ليست البتة ناجمة عن ضعف جماهيريتهم إذْ كان العكس هو الصحيح في الواقع، أو لأنّ هذا أو ذاك بينهم لجأ إلى ممارسات شاذة أو غير منطقية (مثل الصورة السائدة عن غايا في أنه كان يستهوي إهانة مجلس الشيوخ (قال إنّ حصانه، إذا ترشح ذات يوم، سيكون أفضل أعضاء المجلس)، أو خرافة لجوء نيرون إلى العزف على القيثار مستمتعاً بمشاهدة روما تحترق)؛ بل لأسباب أخرى أشدّ تعقيداً وعمقاً وتتصل بحُسن أو سوء تدبير شؤون السلطان الإمبراطوري، وعقلانية بعض القرارات الفاصلة والمفصلية ذات الأثر التخريبي المباشر على حياة الإمبراطورية وشعوبها.
ويخطر لي شخصياً أنّ ترامب ساعة مغادرة البيت الأبيض إلى مستقبل آت، قد يقدّر أنّ أبسط خياراته أن يترشح للرئاسة في انتخابات 2024، ولكن هذا خيار دونه خرط القتاد لأسباب عديدة سوف يبدأ أهمها من حقيقة الموقع الذي سيحتفظ به في صفوف الحزب الجمهوري، ومدى استعداد الجمهوريين، أعضاء عاديين أو ناخبين أو أعضاء نواب وشيوخ، في الاصطفاف المطلق خلفه كما فعلوا طوال أربع سنوات مضت. أسباب ليست أقلّ أهمية ستنبثق من معارك القضاء الأمريكي التي ستحيط بترامب إحاطة السوار بالمعصم، حيث لا حصانة رئاسية هنا أو مناعة قضائية بل استشراس وإلحاح في الترصد وإحقاق قضايا تمّ السكوت عنها أو تأجيلها بسبب سلطة سيد البيت الأبيض طوال الفترة السابقة.
كذلك يخطر لي أن ترامب إذا غادر محفة الإمبراطور غايوس كاليغولا (الذي أدمن إهانة مجلس الشيوخ لسبب أو بلا سبب، وأصدر أمراً إلى جنوده بطعن الأمواج بالسيوف لأنه بذلك يهين الإله البحري نبتون)؛ فسوف يختار قيثار كاليغولا من دون سواه، رغم أنّ الأسطورة كذبت حين نسبت إليه الحريق والقيثار وهو منهما بريء كما يقول التاريخ الفعلي خارج الأسطورة. كان نيرون يتلذذ بالعزف على خرائب روما، وهكذا بات ترامب بعد اتضاح نتائج الانتخابات الأخيرة، إذْ لم يعد عنده هاجس أكثر طغياناً من إلحاق المزيد من الخرائب في بنية الديمقراطية الأمريكية ونظامها الانتخابي الشائخ على وجه التحديد.
ولأنّ “الحقيقة صعبة، والضحالة سهلة”، كما يستخلص الآلاف من أنصار ترامب، فإن”رئيسهم الذي انتخبوه بحماس إنجيلي في سنة 2016، وتشبثوا بنظرية التآمر عليه في صناديق الانتخابات سنة 2020، سوف يثبت خلال سنوات 2021ـ 2024 أنه قادر على العودة، بعزيمة أكثر صلابة وقوّة أكثر رسوخاً: “هل كان رونالد ريغان أو جورج بوش الابن أعلى في المستوى الفكري من رئيسهم؟” يتساءل الغلاة من أنصاره، وفي هذا الصدد تليق بهم إجابة واحدة: نعم، وأيم الله! كانوا، وبما لا يُقاس من الدرجات!.

 آل الأسد في أرض أوباما:

ذلك الشيطان الذي نعرف!

صبحي حديدي

 

فور عرضه في مكتبات الولايات المتحدة وكندا، قبل ثلاثة أيام، بيعت 890 ألف نسخة من كتاب «أرض موعودة»؛ الجزء الأول من مذكرات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في البيت الأبيض، والذي يغطي السنوات الأربع الأولى التي أعقبت صعوده الدراماتيكي كأوّل رئيس أفرو -أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة. في المقابل، لمَن تعنيه المقارنات، كان كتاب زوجته السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما، «وأصبحتُ» حسب ترجمة دار هاشيت أنطوان، قد باع 725 ألف نسخة خلال اليوم الأول لعرضه في مكتبات أمريكا الشمالية؛ وكتاب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون «حياتي» 2005، كان قد باع 400 ألف نسخة؛ وأمّا كتاب زميلهما في الرئاسة جورج بوش الابن، وصدر بعنوان «نقاط القرار» 2011، فقد باع 220 ألف نسخة.
لكنّ أوباما يسبق جميع أسلافه الرؤساء في عدد اللغات التي تُرجم إليها كتاب «أرض موعودة» بالتزامن؛ وهي الألبانية والعربية (هاشيت أنطوان، «الأرض الموعودة») والبلغارية والصينية والتشيكية والدانمركية والهولندية والفنلندية والفرنسية والألمانية واليونانية والعبرية والهنغارية والإيطالية واليابانية والكورية واللثوانية والنروجية والبولندية والبرتغالية والرومانية والإسبانية والسويدية والفييتنامية. صحيح أنّ اللغة الروسية غائبة، حتى الساعة على الأقلّ، غير أنّ المرء يتساءل حقاً: أيّ اللغات الكبرى غابت عنها ترجمة الكتاب! الثابت، خلف هذه المعطيات وسواها (في انتظار أرقام المبيعات العالمية وعشرات الملايين التي سيجنيها أوباما) أنّ الرئيس الأمريكي السابق يتمتع بشعبية أمريكية وعالمية ليست واسعة النطاق وهائلة وغير مسبوقة، فحسب؛ بل لعلها في عداد الجماهيرية العالمية الأكثر استعصاء على التفسير، بالنظر إلى سجلّ إنجازات أوباما على صعيد دولي.
وقد يكون الجزء الثاني المنتظَر، عن رئاسة أوباما الثانية خلال سنوات 2012 حتى 2017، أكثر غنى لجهة تبيان سلسلة من تفاصيل أمريكية ودولية حاسمة، وذات مغزى خاصّ ومختلف في ملفات مثل صعود التيارات الشعبوية من حول شخصية دونالد ترامب، وعودة القطبية الثنائية مع سياسات التدخل الخارجي التي اعتمدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقضايا المناخ، والملف النووي الإيراني، ومواقف البيت الأبيض المتغايرة إزاء الانتفاضات العربية، وسوى ذلك. هذه السطور سوف تعرض، على نحو محدد، موقف أوباما من الانتفاضة الشعبية السورية؛ وما إذا كان قد تبنى منهجية متكاملة من أيّ نوع بصدد خمس سنوات على الأقلّ من عمر تلك الانتفاضة، خاصة وأنها قد شهدت تحولات نوعية جيو ـ سياسية فارقة مثل التدخل العسكري الإيراني والروسي المباشر إلى جانب النظام السوري، وكذلك لجوء الأسد إلى السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية واجتياز «الخطّ الأحمر» الشهير الذي رسمه أوباما.
في الصفحة 364 يأتي ذكر سوريا للمرة الأولى في الكتاب، ولكن ضمن حديث أوباما عن زعماء عرب افتقروا إلى مجاراة جمال عبد الناصر في التواصل مع الجماهير، مثل حافظ الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا. ولسوف ننتظر حتى الصفحة 652، من أصل 768 صفحة، حتى يطلّ أوباما على الانتفاضة السورية؛ فيقول التالي (في ترجمتنا): «اثنان من البلدان التي شهدت العنف الأسوأ كانتا سوريا والبحرين، حيث الانقسامات الطائفية شديدة والأقليات المتنعمة حكمت أكثريات عريضة وساخطة.

جوهر الموقف، كما تلخصه ثلاث صفحات عن سوريا في كتاب أوباما لا يخرج عن مقاربة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لنظام «الحركة التصحيحية» من الأب إلى الابن الوريث

في سوريا، آذار (مارس) 2011 كان اعتقال وتعذيب 15 تلميذاً كتبوا على جدران المدينة شعارات معادية للحكومة قد أطلق احتجاجات رئيسية ضدّ نظام بشار الأسد ذي الهيمنة الشيعية ـ العلوية، امتدت إلى كثير من جماعات البلد ذات الأغلبية السنّية. وبعد أن فشل استخدام الغاز المسيل للدموع، والضرب، والاعتقالات الجماعية في قمع التظاهرات، انتقلت أجهزة أمن الأسد إلى شنّ عمليات عسكرية واسعة النطاق شملت مدناً كثيرة، ترافقت مع استخدام الذخيرة الحية، والدبابات، والتفتيش من بيت إلى بيت».
ومن العجيب، بادئ ذي بدء، أنّ رئيس القوّة الكونية الأعظم، بما تمتلك أجهزة أمريكا ومؤسساتها الأمنية والدبلوماسية المختلفة من معلومات دقيقة وغزيرة وميدانية؛ يمكن أن يختصر انتفاضة شعبية بذلك الحجم، وعلى مبعدة تسع سنوات من الحدث، إلى مجرّد صراع بين جماعات ذات أغلبية سنّية وأقلية «شيعية ـ علوية»! أو قراءة نهج النظام القمعي، العنفي المطلق منذ أبكر التظاهرات، وكذلك على امتداد 40 سنة من تراث «الحركة التصحيحية» الدامي، بوصفه ردّ فعل على شعارات احتجاج كتبها 15 تلميذاً. أو، قبل هذا وذاك، مجرّد عقد المقارنة بين سوريا والبحرين، بصرف النظر عن مقادير العنف التي لجأ إليها نظام آل خليفة في المنامة، على خلفية انقسام المجتمعَين إلى أغلبية وأقلية. الأرجح أنّ أوباما شاء اختصار الملفّ السوري بأسره، متفادياً الغرق في مشهد معقد قد يستغرق أكثر مما يجب من صفحات (في رأيه، أو في نظر محرّرة كتابه الأولى راشيل كلايمان).
يتابع أوباما: «صرفتُ وفريقي ساعات ونحن نصارع القرار حول كيفية تأثير الولايات المتحدة في الأحداث داخل سوريا والبحرين. خياراتنا كانت محدودة على نحو مؤلم. كانت سوريا خصماً للولايات المتحدة منذ أمد طويل، حليفة تاريخياً مع روسيا وإيران، ومساندة كذلك لحزب الله. وفي غياب الروافع الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي كنّا نمتلكها في مصر، فإنّ ما قمنا به من إدانات رسمية لنظام الأسد (ثمّ فرض حصار أمريكي لاحقاً) لم يكن له تأثير فعلي، وكان في وسع الأسد أن يعتمد على روسيا لاستخدام الفيتو ضدّ أي مجهود لفرض عقوبات دولية عبر مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة». والحال أنّ وقائع التاريخ تقول غير ذلك، إذْ أنّ النظام لم يكن البتة بعيداً عن المدارات الأمريكية، وتصريحات أوباما خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت الانتفاضة شددت على مطالبة الأسد بقيادة الإصلاح، حين كانت وحشية أجهزة النظام وجيشه هي القاعدة الوحيدة. كان ذلك مجرّد تراشق لفظي أجوف، حول إصلاح لم يكن أيّ عاقل ينتظره من رأس نظام توجّه سريعاً نحو ارتكاب الانتهاكات الأفظع وجرائم الحرب الأشدّ بشاعة. وقائع التاريخ سوف تقول أكثر حول تكذيب مناقشة أوباما للملف السوري، حين يصدر الجزء الثاني من الكتاب؛ ولعلّ في طليعتها ما رشح عن، أو قيل صراحة بقلم أو بلسان، كلنتون نفسها، ثمّ أمثال زميلها وزير الدفاع روبرت غيتس، ومدير المخابرات المركزية دافيد بترايوس. كذلك سوف تكون ذات قيمة خاصة إفادة أندرو إكسوم، نائب المساعد الأسبق في وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط خلال رئاسة باراك أوباما الثانية، أمام لجنة فرعية في الكونغرس تبحث السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ والتي تناولت مفاوضات أوباما مع بوتين حول طرائق إنقاذ نظام بشار الأسد من سقوط وشيك، صيف 2015. وإذْ يوضح إكسوم أنه كان طرفاً في سلسلة مباحثات مستفيضة مع ضباط جيش واستخبارات روس، بدأت في صيف 2015 واستغرقت العام 2016، حول مصير الأسد؛ يستخلص أنّ إنقاذ نظام الأخير، وشخصه استطراداً، كان هاجساً مشتركاً لدى واشنطن وموسكو وطهران، بالتكافل والتضامن.
جوهر الموقف، كما تلخصه حفنة سطور عن سوريا في كتاب أوباما، لا يخرج عن مقاربة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لنظام «الحركة التصحيحية» من الأب إلى الابن الوريث: النظام خدم أجنداتنا، ومصالح حليفتنا إسرائيل، وغالبية أتباعنا في المنطقة، رغم كلّ الضجيج والعجيج حول «الممانعة» و«المقاومة»؛ وهو في أقصى الحالات ذلك «الشيطان الذي نعرف» ويظلّ استطراداً أفضل، بما لا يُقارن، مع أيّ شيطان آت لا نعرفه تماماً.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

البرلمان الأردني الجديد:

 رصاص الفرسان وخواء البرامج

صبحي حديدي

 

ذات صباح غير بعيد في الزمن، أواخر أيار (مايو) 2016، صوّت البرلمان الأردني بالأغلبية على حظر مساهمة الشركات الإسرائيلية في صندوق الاستثمار الأردني؛ ولكن، في مساء اليوم ذاته، عاد البرلمان وصوّت من جديد، لصالح المشاركة الإسرائيلية هذه المرّة. مثال كلاسيكي، كما يرى الكثيرون، على الدور الفعلي لمجلس النواب في آلية القرارات ذات الصفة الحساسة، سياسية كانت أم اقتصادية أم أمنية.

فإذا جسّد هذا المثال مفاعيله في انتخابات المجلس ذاته لهذا العام، فإنّ جائحة كوفيد-19 وإجراءات الإغلاق وزيادة الإصابات ومعدّل الوفيات، ليست السبب الأبرز وراء نسبة المشاركة المتدنية التي لم تبلغ 30%؛ خاصة إذا رُصفت إزاء هذا الرقم سلسلةُ أرقام أخرى مثيرة للاهتمام: 1674 مرشحاً، بينهم 360 امرأة، في تنافس على 130 مقعداً؛ و4.139 مليون ناخب مسجل؛ و1880 مركز اقتراع، على امتداد 23 دارة انتخابية؛ و47 حزباً سياسياً، من أصل 48!

الحصيلة، في المقابل، لا تؤكد استمرار مفاعيل انتخابات المجالس السابقة لجهة عزوف المواطن، إجمالاً، عن محض الثقة، فحسب؛ بل هي تعيد تثبيت الحصيلة النتائج المعروفة مسبقاً، حول سيطرة العشائر ورجال الأعمال، مع فارق ارتدادي إلى الخلف يمثله هذه المرّة عجز المرأة عن الفوز بأيّ مقعد خارج الحصة النسائية المقرّرة، وكذلك تراجع المعارضة (في مثال “جبهة العمل الإسلامي” واجهة جماعة “الإخوان المسلمين”) والفشل الذريع للأحزاب الليبرالية والقومية واليسارية و”الممانعة”… جمعاء!

وفي ورقة بعنوان “تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين”، كتبها مطلع العام 2013 وينشرها في موقعه الشخصي على الإنترنت، أبدى الملك الأردني عبد الله الثاني حماساً واضحاً لانتقال البلاد إلى “الحكومات البرلمانية الفاعلة”، التي تعتمد على “ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب والحكومة”. وإذْ أكد الحاجة إلى “بروز أحزاب وطنية فاعلة وقادرة على التعبير عن مصالح وأولويات وهموم المجتمعات المحلية ضمن برامج وطنية قابلة للتطبيق”، فإنّ العنصر الثاني في متطلبات التحوّل الديمقراطي الناجح هو تطوير الجهاز الحكومي “على أسس من المهنية والحياد”، والعنصر الثالث هو “تغيير الأعراف البرلمانية من خلال تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب”.

والحال أنّ الانتخابات الأخيرة أعادت إنتاج حصيلة تقريبية مماثلة لتلك التي أنتجتها معظم الانتخابات السابقة منذ عام 1989، من أنّ تمنيات الملك وأداء البرلمان ومجلس الأعيان والحكومات المتعاقبة في واد، والمواطن الأردني وهمومه ومشاغله ومشكلاته ومستوى معيشته وعمله وطالته وخدماته واقتصاده… في واد آخر. ولم تكن مفارقة طارئة أنّ يذكّر الملك بأنّ البلد “دولة قانون”، ليس على خلفية أي انتهاكات دستورية أو قانونية أو برلمانية، بل لأنّ صليات “الرصاص الأحمر” لعلعت في سماءات المحتفلين بفوز هذا النائب أو ذاك، وظهرت بين الأيادي أنواع من الأسلحة التي لا يمكن أن تكون دولة القانون إياها قد رخّصت امتلاكها.

وفي مقابل البلاغة الطنانة في تسميات القوائم (“الإصلاح الوطني”، “الحق”، “فرسان الغد”، “النخبة”، “الشهامة”، “الهمّة”، البيرق”، “النشامى”، الليمونة”…)؛ كان ثمة خواء فاضح في البرامج الاجتماعية والاقتصادية، سواء المحلية منها التي تخصّ المناطق والمحافظات، أو المركزية التي تشمل كامل البلد. وهذا بدوره مؤشر على عزوف المواطن الأردني عن تلمّس المضمون البرنامجي وراء كلّ قائمة، وفيه أيضاً الكثير من معطيات تفسير الفشل الذريع الذي مُنيت به الأحزاب السياسية، دون استثناء في الواقع.

الأرجح أنّ البرلمان الجديد العتيد لن يعدم “نهفات” مماثلة لتلك التي شهدتها برلمانات سابقة (دعاء “الله ينتقم من إللي جاب الكوتا تحت القبة”، أو “كشرتك بتقطع الرزق، إضحك كي لا تكون سبباً في حجب الثقة”، أو نصائح ابتياع الملوخية، أو العراك والسباب وإشهار السلاح داخل البرلمان…). ولعلّ التراجع عن إشراك الاستثمارات الإسرائيلية لم يكن أكثر تلك الوقائع فداحة، فالقادم قد ينجلي عمّا هو أدهى وأعظم!

 

 

خمسون «الحركة التصحيحية»:

زروع الماضي وخرائب الحاضر

صبحي حديدي

 

مسمّى «الحركة التصحيحية» الذي أطلقه الفريق حافظ الأسد (1930- 2000) على انقلابه العسكري ضدّ رفاقه في حزب البعث، يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، تقصّد جرّ اليقين الشعبي العامّ في سوريا آنذاك نحو استيهام حدوث التغيير على مستويات شتى، ذات طابع «انفتاحي»؛ يوحي بمناقضة طابع «الانغلاق» الذي قيل إنه سمة سياسات ما سُمّي بـ«الجناح اليساري» في قيادة انقلاب 23 شباط (فبراير) 1966، أي أمثال صلاح جديد ويوسف زعين ونور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس. وبقدر ما كان توجّه الأسد زائفاً من حيث مبادلة الانغلاق بالانفتاح، إذْ كان النهج الفعلي دكتاتورياً وشمولياً وطائفياً يبني على عدد من الركائز القائمة لتوّها؛ بقدر ما كانت «يسارية» المنقلّب عليهم ليست أقلّ زيفاً من حيث معمار السلطة (ذاتها التي سمحت للأسد بالصعود والتمكّن) والبرامج الاجتماعية (التي سهّلت مرور انقلاب 16 تشرين الثاني من دون مقاومة تُذكر) والعقائدية التي تخصّ الحزب (المأساة هنا اختلطت بالمهزلة في السرعة القياسية التي تبدى عليها استعداد الرفاق لقلب المعاطف).
وقد يكون أكثر جدوى، منهجياً، تقسيم تلك «التصحيحيات» إلى طرازّين، لا يتعارض أحدهما مع الآخر من حيث الجوهر وإنْ كانت الوظيفة تختلف، على نحو حاسم أحياناً: طراز معلّن، سياسي واقتصادي وحزبي وبيروقراطي ومؤسساتي، تقصد الأسد كشف ميادينه لأغراض استيهام التغيير إياه في فضاء الاستقبال الجماهيري العريض؛ وطراز غير معلّن، أمني وعسكري وطائفي، مخفيّ لأنّ ديناميات اشتغاله تتطلب عدم ظهوره في الخطاب الرسمي أو حتى في مستوى المعلومات العامة. وكانت مقاربة الأسد لدور حزب البعث في بنيان السلطة أولى «التصحيحات» ضمن الطراز الأوّل، إذْ وجّه بضرورة تسهيل الانتساب إلى الحزب عن طريق طيّ نهج سابق اشترط توفّر «المنبت الطبقي» وتفضيل الفئات «الكادحة» واستبعاد أبناء الأغنياء من الإقطاعيين والبرجوازيين. والأسد فتح باب الحزب على مصراعيه أمام الجميع، بقصد تمييع التركيب الطبقي، بل جعل الانتساب اليه شرطاً ضمنياً لا غنى عنه من أجل ضمان دخول المعاهد والجامعات، والحصول على الوظيفة. النتيجة التالية، التي سعى إليها الأسد، هي تحويل فروع الحزب إلى مؤسسات انتهازية خاضعة لسلطة الأجهزة الاستخباراتية، بحيث باتت كتابة التقارير الأمنية واجباً تنظيمياً أمام أعضاء الحزب، فدانوا بالطاعة لرئيس فرع المخابرات في المقام الأوّل.
تصحيح ثانٍ، لعله الأكثر دهاء وخبثاً، كان الاقتداء بنموذج كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية، واستحداث منظمة «طلائع البعث» التي تتولى الإشراف على التربية السياسية للأطفال بين سنّ 6 إلى 11 سنة؛ حيث يكون الانتساب إجبارياً، ولا ينفصل عن مناهج التعليم في المرحلة الابتدائية. وهكذا شبّت أجيال، طيلة 50 سنة الآن، على عبارة «بالروح! بالدم! نفديك يا حافظ!» وكان مبدأ عبادة الفرد يُزرع قسراً في نفوس الأطفال كمبدأ وطني وتربوي طبيعي، فيستقرّ الأسد في صورة «الأب القائد» والوحيد القادر على حكم الأهل والمجتمع والوطن. ولأن 49% من سكان سوريا كانوا فتياناً أقل من 15 سنة، فإنّ منظمة «طلائع البعث» لعبت دوراً تخريبياً قاتلاً في تنشئة الأجيال الجديدة على قائد واحد وسياسة واحدة؛ كما زرعت في نفوس الصغار حسّ الطاعة العسكرية والولاء الأعمى للقائد، وجهدت السلطة أن تكون هذه «التربية» بمثابة لقاح مبكر يحول بين الناشئة وبين السياسة حين ينتقلون من مرحلة الى أخرى في الدراسة والعمر والوعي

لم تكن مفارقة أنّ البذور الأسدية كانت فاسدة وخبيثة أصلاً، فخلّفت حزباً شائهاً وجيشاً أقرب إلى ميليشيا طائفية وعشائرية، وسلطة تابعة مرتهنة، وبلداً تحتله خمسة جيوش أجنبية.

ضمن الطراز الثاني، وعلى مستوى الجيش، عمد الأسد إلى إعادة ترتيب الفرق الـ13 التي كان الجيش السوري يتألف منها، فوزّع تسعاً منها على ثلاثة فيالق تتبع لرئاسة الأركان، وأبقى أربعة منها خارج هذا الترتيب، فتشكلت بذلك: 1) سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، وتألفت من ثمانية ألوية مشاة ومظليين، وأسلحة ثقيلة تشمل الدبابات والحوامات والمدفعية الثقيلة، وامتيازات خاصة في الراتب والسكن والترفيع، ولعبت دوراً بارزاً في الدفاع عن النظام أثناء سنوات الصراع مع الإخوان المسلمين، 1979 ـ 1983، كما اشتُهرت بارتكاب العديد من الفظائع وبينها مجزرة سجن تدمر الصحراوي في حزيران (يونيو) 1980؛ 2) الوحدات الخاصة: وكانت إحدى أبرز التشكيلات العسكرية المكلفة بالدفاع عن أمن النظام، خاصة خلال حصار مدينة حماة واقتحامها وتدميرها سنة 1982. ولقد حرص قائدها، اللواء علي حيدر، على أن تكون أغلبية عناصرها من أبناء الطائفة العلوية، مطعمة ببعض الأقليات البدوية من ريف محافظة دير الزور (أو الـ«شوايا» في التعبير الشائع)؛ 3) الحرس الجمهوري: وكان الهدف من تأسيسه هو حماية المقرات والمواكب الرئاسية، وأُسندت قيادته إلى عدنان مخلوف، ابن عمّ زوجة الأسد، ولا تنتمي الغالبية الساحقة من عناصره إلى الطائفة العلوية فقط، بل يتم انتقاؤهم أساساً من داخل أفخاذ عشائرية محددة، شديدة الولاء للبيت الأسدي وليس للنظام وحده.
على مستوى الأجهزة الأمنية، وضمن الطراز الأوّل دائماً، أدخل الأسد الأب تعديلاً حاسماً على منظومة المخابرات السورية، عن طريق تطوير جهازَين من قلب المؤسسة العسكرية، هما «شعبة المخابرات العسكرية» و«إدارة مخابرات القوى الجوية»؛ وتمكينهما، من حيث الصلاحيات، بما جعل منهما قطبين موازين لـ»إدارة المخابرات العامة» و«إدارة الأمن السياسي». كذلك وجّه قادة الأجهزة، في المخابرات العسكرية والجوية على نحو خاص، إلى تعديل التركيب العشائري (وليس الطائفي فقط!) للضباط والعناصر في فروع الجهاز؛ بما يجعل كلّ جهاز أكثر تمثيلاً لعشيرة محددة، خاصة النميلاتية والخياطية والحدادية، وذلك لإبقاء نسق مختلط من التوازن والتنافس معاً.
تعديل آخر، لجهة الترتيب الهرمي وتوزيع الصلاحيات داخل الجهاز ذاته، تمثّل في «تفكيك» الجهاز الواحد إلى فروع اختصاصية، بحيث يتقاسم رؤساء هذه الفروع ما يتيحه لهم الفرع من نفوذ أولاً؛ ثم يتنافسون فيما بينهم، حتى إذا اقتضى الأمر تجاوز الرئيس المباشر في الجهاز الأمّ تالياً. وهكذا، في شعبة المخابرات العسكرية على مستوى مدينة دمشق مثلاً، تتوفر فروع المنطقة، الجبهة، التحقيق العسكري، سرية المداهمة والاقتحام، شؤون الضباط، الحاسب الآلي، الفرع الخارجي، أمن القوات، فرع فلسطين، الدوريات، اللاسلكي… فإذا كان رئيس الفرع مقرباً من السلطة أكثر من سواه (كما حين كان آصف شوكت، صهر النظام، هو رئيس فرع المداهمة) فإنّ صلاحياته وعلاقته بالقصر الرئاسي لا يمكن أن تُقارَن بأيّ من زملائه في الفروع الأخرى.
ولقد سهر الأسد على إقامة ميزان محسوب بين العناصر التي تُنهض الطرازين معاً، كأنْ يكون عضو القيادة القطرية للحزب، أو هذا الوزير السيادي أو ذاك العادي، أو المدير العام لمؤسسة التبغ والتنباك تارة والمدير العام للمصرف العقاري تارة أخرى (نموذج محمد مخلوف)؛ على صلة وثيقة، تكاملية أو اتباعية، مع رئيس هذا الجهاز الأمني أو ذاك، في مستوى الإدارة المركزية كما في الفروع استطراداً (نموذج علي دوبا في المخابرات العسكرية، ومحمد الخولي في مخابرات القوى الجوية، وقادة الفرق والأفواج والتشكيلات الخاصة ضمن معادلات المحاصصة). وهذا مشهد يتضافر مع تعديلات الأسد في تنشئة شبكات الولاء والفساد والنهب، وتحويل السياسة الخارجية إلى مصدر ابتزاز…
تلك كانت زروع الأسد الأب، خلال السنوات الأولى من تدشين «الحركة التصحيحة ـ 1»؛ هذه التي استنبتت الخرائب سنة بعد أخرى، وعقداً بعد آخر، وصولاً إلى سنة 2000 حين جرى توريث بشار الأسد، ليطلق خرائب «الحركة التصحيحة ـ 2». ولم تكن مفارقة أنّ البذور الأسدية كانت فاسدة وخبيثة أصلاً، فخلّفت حزباً شائهاً وجيشاً أقرب إلى ميليشيا طائفية وعشائرية، وسلطة تابعة مرتهنة، وبلداً تحتله خمسة جيوش أجنبية.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

رابين بعد ربع قرن:

الأصابع ذاتها على الزناد إياه

صبحي حديدي

 

 في حلقة أولى من سلسلة مقالات تستعيد إرث رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إسحق رابين، الآن وقد انقضت 25 سنة على اغتياله، تروي صحيفة «هآرتز» أنّ صحافياً اقترب من ليا، زوجة رابين، وسألها إن كان الأخير يرتدي سترة واقية من الرصاص خلال اختلاطه بالجموع الحاشدة في ساحة ملوك إسرائيل؛ فضحكت السيدة، وردّت هكذا: «سترة واقية، حقاً؟ أين نحن، في أفريقيا؟ هذه إسرائيل». هي كذلك، بالفعل، حيث حملت أيد إسرائيلية أخرى صورة رابين يرتدي الكوفية الفلسطينية أو ثياب ضابط استخبارات نازي، وحيث شجّع على هذه التمثيلات بنيامين نتنياهو زعيم المعارضة ذاته، وحيث كمن في قلب الجموع مستوطن شابّ متدين متشدد يدعى إيغال عمير تربصت رصاصاته بـ«الخائن رابين».
اليوم، بعد ربع قرن، تسمع داليا، إبنة رابين، عبارات بأعلى الصوت من فتية إسرائيليين يمجدون عمير بوصفه بطلاً يهودياً بامتياز، كما تقرأ تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تتعهد بمتابعة نهج القاتل. رئيس الكيان، رؤوفيم ريفلين، استذكر واقعة الاغتيال كي يعلن أنّ «الكراهية تفيض تحت أقدامنا» و«الأرض تشتعل» و«الدولة لا تزال منقسمة بشكل مخيف» أعاد تذكيره بانشطار البحر الأحمر في الأمثولة التوراتية. إيتمار رابينوفيتش، الأكاديمي والسفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، كتب مقالة بعنوان «كلا، نتنياهو ليس خليفة إسحق رابين» رافضاً اعتبار اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان تكملة لتراث رئيس الحكومة القتيل.
باختصار، تُجمع التعليقات الإسرائيلية، في وسائل الإعلام المختلفة ولكن على ألسنة الكثير من الساسة أيضاً، أنّ دولة الاحتلال لم تتعلم الكثير من اغتيال رابين، بل يرى البعض أنها لم تتعلم أي شيء، أو تعلمت الدروس الخاطئة على وجه الدقة. بيني غانتس، وزير الدفاع وزعيم ائتلاف «أزرق أبيض» المشارك في الحكومة الحالية، اعتبر أنّ إبرام انفاقيات تطبيع مع أنظمة عربية أمر جيد، ولكن الأجود منه «أن نعقد السلام مع أنفسنا أولاً».
وفي استطلاع رأي مؤّلته «المنظمة الصهيونية العالمية» وثمة دلالة خاصة في هذا، اعتقد 45٪ من الإسرائيليين أنّ مناخات التحريض العامة قد تسفر عن اغتيالات أخرى لأغراض سياسية؛ وحمّل 31٪ اليمين الذي يقوده نتنياهو مسؤولية تسعير تلك المناخات، وفي المقابل وجد 46٪ من جمهور اليمين أنّ وسائل الإعلام هي المسؤولة.
في غضون هذا كلّه، يواصل عمير من داخل زنزانته حلقات مسلسل الدلال والمطالب، ملتمساً السماح له بالخروج للمشاركة في حفل الـ»بار متسفاح» لابنه؛ بعد أن كان قد تزوج في السجن عن طريق تفويضه لأبيه بعقد القران نيابة عنه، وحصل لزوجته على إذن بزيارات زوجية، تقول رواية أولى إنه تمكن خلال إحداها من معاشرة زوجته، وتقول رواية أخرى إنه جرى تهريب سائله المنوي إليها. وهو لا يكفّ عن الشكوى من إبقائه في زنزانة منفردة، بناء على توصية الاستخبارات الإسرائيلية، متسائلاً إنْ كان أكثر خطورة من مروان البرغوثي أو الشيخ رائد صلاح أو… العالِم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو!
ولقد كان في وسعه، ومن حقّه كذلك، أن يضرب قتيله ذاته، رابين الجنرال ورئيس الحكومة، مثالاً على عنف أقصى جنحت إليه دولة الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى، ضمن فلسفة «تكسير عظام» الفلسطيني؛ فلا يفعل عمير ما هو أكثر من اقتداء القتيل.

ما عجز رابين عن رؤيته، مثله في ذلك مثل السواد الأعظم من «مهندسي السلام» الإسرائيليين، هو الثقة الضعيفة أو شبه المنعدمة التي اعتاد الصهيوني على منحها للنوع البشري إجمالاً، وللجيران العرب بصفة خاصة

أو كان مفهوماً لو أنه اقتبس أنساق العنف الأخرى التي اجترحها قادة الاحتلال على الدوام، منذ زرع الكيان في فلسطين بقوّة الحديد والنار، وطوال عقود سياسات التهجير القسري والمجازر والعقاب الجماعي ومسح قرى كاملة عن الخريطة. وهل هي مصادفة أن تحلّ الذكرى الخامسة والعشرون لاغتيال رابين، وحزب القتيل مثخن بالجراح، تلقى ويتلقى ضربات موجعة متتالية من الناخب الإسرائيلي؛ كما يتفكك داخلياً، وذاتياً، في السياسة كما في العقيدة؟ وإذا كان عمير قد أعلن أنه اغتال رابين كي يغتال اتفاقيات أوسلو، فإنّ ما أفصحت عنه خلفيات الفتى الاجتماعية والثقافية والنفسية والإثنية أكدت أنّ تنكيل نُخب حزب العمل باليهود اليمنيين (معسكرات، تمييز عنصري في الدراسة والإقامة والعمل، اختطاف أطفال لإجراء تجارب صحية ونفسية وبيولوجية…) استقرت عميقاً في روح عمير، وأوقدت فيه نوازع الحقد على المؤسسة، وهي التي حرّكت إصبع يده حين ضغط على الزناد.
وحين خرّ صريع طلقات يهودية صرفة، كان رابين صاحب سجلّ حافل زاخر بالمنجزات: قائد فوج في حرب 1948، ورئيس أركان في 1964، وأحد أبطال «تحرير» القدس، وسفير في واشنطن بين 1968 و1973، ورئيس وزراء مرّة أولى بين 1974 و1977، ثمّ مرّة ثانية في 1992 حتى نهار اغتياله. غير أنه، تلك العشية، كان قد وضع جانباً عقيدته الخاصة في استخدام الهراوة وتكسير عظام الفلسطينيين، لا بسبب من صحوة ضمير أو ارتداد أخلاقي عن تقنيات الردع والتأديب، بل لأنه قرّر «إلقاء نظرة تذهب خطوتين إلى الأمام» على حدّ تعبير الروائي الإسرائيلي دافيد غروسمان. تلك كانت نظرة براغماتية رأت أنّ الاستمرار في الاحتلال سوف يعني استمرار انكفاء الدولة على ذاتها، وتفاقم أمراضها التاريخية والوجدانية المزمنة. وما عجز رابين عن رؤيته، مثله في ذلك مثل السواد الأعظم من «مهندسي السلام» الإسرائيليين، هو الثقة الضعيفة أو شبه المنعدمة التي اعتاد الصهيوني على منحها للنوع البشري إجمالاً، وللجيران العرب بصفة خاصة.
يد عمير، أو «اليد اليهودية» كما وصفها بنفسه، تعمدت بدم رابين «ذلك الخائن، واليهودي بالمصادفة» كما أضاف! والقاتل ضحك أكثر فأكثر حين رفض الناخب الإسرائيلي الانصياع إلى الشعار الذي رفعه حزب العمل أثناء الحملة الانتخابية التي أعقبت الاغتيال: «لا تمنحوا إيغال عمير سبباً للضحك». ولقد ضحك، ملء شدقيه في الواقع، بل كان الوحيد الذي صوّت مرتين كما قال روائي إسرائيلي آخر هو عاموس عوز: مرّة باستخدام الرصاصة، ومرّة باستخدام ورقة الاقتراع. ومن سخريات الأقدار أن العبارة البليغة
Ballot Not Bullet (ورقة الأقتراع لا الرصاصة) التي نحتها نتنياهو بعد اغتيال رابين، برهنت أنّ الفارق اللفظي بين المفردتين لا يصنع أي فارق عملي على الأرض؛ وأنّ الرصاصة صوّتت تماماً بالفاعلية التي كانت لورقة الاقتراع، وأكثر بكثير ربما.
وقبل أن يخرّ صريع طلقات يهودي من أصل يمني، متديّن متشدّد وخصم للصهيونية لأنها «أقلّ يهودية ممّا ينبغي» نطق رابين بهذه الكلمات: «العنف يقوّض ركائز الديمقراطية الإسرائيلية ذاتها. من الواجب إدانته، واستنكاره». فهل كان يجهل، حقاً، أنّ إرث العنف الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين يستنسخ الآلاف من نماذج عمير، وقبله باروخ غولدشتين بطل مجزرة الحرم الإبراهيمي؟ وهل يبالغ جيلون إذا اعتبر أنّ ابتسامة «الماركة المسجلة» إياها، تطفح أيضاً على وجوه عشرات الآلاف من مناصري عمير، الناظرين إليه كبطل وقدوة؟
الأرجح أنّ ضحكات عمير تتردد اليوم أيضاً، على نحو خاصّ مختلف، ليس احتفاءً بابنه البالغ فقط، بل أساساً لأنّ أزيز رصاصاته يتعالى في أرجاء كيان يزداد عنصرية وعسكرة وكراهية وانغلاقاً؛ وأنّ ثلاث دورات انتخابية متعاقية أخيرة لم تفلح في لملمة ذات إسرائيلية، متشظية ومنكسرة ورهابية؛ وأنّ أحد محرّضي عمير على اغتيال رابين، نتنياهو نفسه، هو اليوم متهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ولكنه أيضاً… رئيس الحكومة؟
.. في كيان لم تره ليا رابين على شاكلة أفريقيا!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

سكس الجمهورية

ومطابخ العلمانية

صبحي حديدي

 

في ردود الفعل على الإرهاب الذي يضرب فرنسا هذه الأيام، واتكاءً على جريمة ذبح المدرّس الفرنسي صمويل باتي، صدرت عن بعض المسؤولين الفرنسيين الكبار سلسلة تصريحات لا يبيح العقل تصنيفها إلا تحت مزيج عجيب من التسخيف والتغابي والتخابث؛ في آن معاً، وعن سابق قصد وتصميم، وانعدام اكتراث بالحدّ الادنى من تحكيم الصواب البسيط. قصب السبق، في تقديري شخصياً، انفرد به وزير الداخلية جيرار دارمنان، الذي قال التالي على قناة إخبارية رئيسية: «صدمني دائماً أن أدخل إلى مخزن كبير وأرى وجود قسم خاصّ بمطبخ جماعاتي، إذْ هكذا تبدأ النزعة الجماعاتية». وإذْ أدرك الوزير، أو جرى تنبيهه، إلى عواقب تصريح كهذا، فقد سارع إلى التذكير بأنّ ما يقوله هو رأيه الشخصي، و»لحسن الحظ ليست جميع آرائي جزءاً من قوانين الجمهورية». توجّب، كذلك، أن يلطّف تصريحاته أكثر، في لقاء إذاعي لاحق، فيزعم إنّ تعليقه كان بمثابة استنكار لـ»طراز من الرأسمالية الفرنسية، والرأسمالية العالمية أيضاً، التي تلجأ إلى استخدام التسويق الجماعاتي».

ربْط دارمنان بين رفوف المنتجات والأغذية والثياب المنتمية إلى ثقافات أخرى، وشيوع «النزعة الجماعاتية»؛ ليس جديداً على السجالات الفرنسية الأسخف حول إقحام علاقة مفتعلة بين القيم الجمهورية والعلمانية، والامتناع عن أكل لحم الخنزير مثلاً، أو هذا أو ذاك من خيارات اللباس

ريشار فيران، رئيس مجلس النواب والمنتمي أصلاً إلى حزب رئيس الجمهورية، قال بوضوح إنه لا يشعر بأية صدمة لمرأى رفوف المطابخ تلك، مضيفاً أنه حين يدخل إلى مخزن كبير فإنه يتوجه على الفور إلى «المنتجات البروتونية» لأنه بروتوني الولادة. لورانس روسينيول، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الاشتراكي والوزيرة السابقة، ذكّرت دارمنان بأنّ المطابخ التي يقصدها ليست الحلال وحده، بل هناك أيضاً الكاشير والتاي والهندي والآسيوي، «من دون أن ننسى البيو، هذا الآتي من مطبخ الـ’آميش’ الجماعاتي»، في إشارة إلى الفرقة المسيحية المعروفة. ردّ الفعل الأبرع والأذكى جاء، في تقديري الشخصي، من رسام الكاريكاتيــر فرنسوا ـ هنري مونييه (أو «بابوز» حسب اسمه الفني)، في العدد الأسبوعي لصحيفة «الأومانيتيه» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الفرنسي؛ في رسم بعنوان «كسكس جمهوري، من إعداد الشيف دارمنان». بابوز استبدل مكوّنات الطبق المغاربي الشهير بأخرى فرنسية وطنية، إذا جاز التعبير: النقانق المغاربية (المرغيز) بنقانق تولوز، وسميد الكسكس بالفاصولياء البيضاء، والخضار بشحم الخنزير المدخن، والدجاج بالبط، والحمّص بالثوم، والماء بالنبيذ الأحمر؛ وأخيراً… الطاجن بالـ«كاسرولة»!
الأرجح أنّ أحداً من معاوني دارمنان ومستشاريه المقرّبين لم ينبهه إلى واقعة تحريم الكسكس خلال عقود محاكم التفتيش الإسبانية، بالنظر إلى أنّ الطبق لم يكن مركزياً في المطبخ العربي والإسلامي الأندلسي، فحسب؛ بل كان، في الجوهر، رمزاً سياسياً وثقافياً وسلوكياً، على شاكلة مطابخ العالم حين تتلاقى حضارياً. ولم يكن غريباً، والحال هذه، أنّ الطبق صمد بقوّة أمام التحريم، وتحايل الناس على الرقيب فطوّروا الكسكس ذاته إلى طبخات بدّلت المسمّيات واحتفظت بالمكوّنات إلى حدّ كبير؛ وهذا ما يلمسه المرء في تنويعات كسكسية شعبية قائمة حتى الساعة، ليس في إسبانيا وحدها بل في المكسيك والبرتغال والبرازيل، وهذا البلد الأخير نجح في الحفاظ على التسمية ذاتها:
Cuzcuz. وفي صقلية، حيث التأثير العربي ضارب الجذور ومتصل ومتواصل، وثمة مطبخ متكامل تتفاعل فيه العناصر العربية والصقلية؛ تحتضن الجزيرة مهرجاناً سنوياً يدعى «احتفالية الكسكس»، يجتذب 100 ألف زائر، حسب الموسوعات المتخصصة بالتاريخ الثقافي للطبخ.
كذلك فإنّ ربط دارمنان بين رفوف المنتجات والأغذية والثياب المنتمية إلى ثقافات أخرى، وشيوع «النزعة الجماعاتية»؛ ليس جديداً على السجالات الفرنسية الأسخف حول إقحام علاقة مفتعلة بين القيم الجمهورية والعلمانية، والامتناع عن أكل لحم الخنزير مثلاً، أو هذا أو ذاك من خيارات اللباس (وليس ارتداء الحجاب بالضرورة). ولعلّ ما استجدّ في تسخيفات وزير الداخلية الفرنسي أنها تستعيد تراث الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي وتُدخله في قلب الفلسفة النيو ـ ليبرالية التي يزعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتناقها. فمن المعروف أن دارمنان ينتمي تاريخياً إلى اليمين، وتربى في كنف الطبعة الساركوزية من هذا اليمين، أكثر من تأثره بنسخة الجنرال ديغول أو نسخة جاك شيراك، وقد اختاره ماكرون لوزارة الداخلية استجابة لرغبة دارمنان الشخصية وتلبية لمطالب ذلك اليمين تحديداً، وضمن مطمع لدى الرئيس الفرنسي في دغدغة اليمين المتشدد أيضاً. ولغير العارفين بمفاصل الإدارة الفرنسية الراهنة، يُشار إلى أنّ دارمنان عُرف بإساءة استخدام الوظيفة لقاء خدمة جنسية في عام 2015 حين كان عمدة، وهو اليوم متهم بالاغتصاب (بريء حتى تثبت إدانته طبعاً).
والحال أنّ الكسكس يمكن أن يكون جمهورياً طبقاً لوصفة «الشيف دارمنان» ذاتها، في رسم بابوز، وهذا جزء من حرّية الطبخ وحرّية التعبير أيضاً؛ إذْ أنّ مكوّنات الكسكس المغاربي لم تكن في أيّ يوم «متزمتة» لا تقبل إلا الدجاج، ولا تُدخل لحم الخروف أو العجل أو السمك، فهذه أصناف مذاقية وثقافية في نهاية المطاف. ولم يكن ممكناً تحويل الوصفة الدارمنانية إلى ما يشبه «قيمة» جمهورية مطلقة، حتى من زاوية التخييل الساخر والناقد، إلا في أعقاب تصريحات الوزير حول رفوف المنتجات «الجماعاتية» وأثرها على الاندماج الاجتماعي الجمهوري. والثابت أنّ هذه المناخات الجمهورية/ المطبخية ليست سوى مظهر واحد من لهاث ساسة فرنسيين كثر، للحاق بالخطاب اليميني العنصري المتطرف، دون سواه.

( القدس العربي)

العلمانية الفرنسية:

سجال الدين والدولة

أم عبادة عجل ذهبي؟

صبحي حديدي

  في كتابه "العلمانية إزاء الإسلام"، ولعله ضمن الأعمال المعاصرة الأبرز في هذا الميدان، يذكّرنا المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا بالفارق، الجوهري في الواقع، بين العلمانية الفرنسية "Laicité"؛ والعلمانية في مفهومها الأوسع، والكوني ربما، الذي يحمله مصطلح "Secularism".

الثانية، حسب روا، هي حال تحرّر المجتمع من معنى المقدّس، من دون نكرانه بالضرورة؛ والأولى هي لجوء الدولة إلى "طرد" الحياة الدينية إلى حدود عرّفتها الدولة بقانون. 

والفارق يمكن أن يتبدى صريحا أو حتى صارخا في إطار سلسلة من المواقف، تلخصها مسائل من النوع التالي: فصل الدين عن الدولة (نعم أم لا) وموقع الدين من المجتمع (قوي أم ضعيف) واحتمال أن تكون دولة علمانية بالمصطلح الثاني وليس الأوّل، لأنها تقرّ دينا رسميا (بريطانيا، الدانمرك) أو أن تفصل الدين عن الدولة وتعترف في الآن ذاته بدور الدين في المضمار العام (الولايات المتحدة، حيث أقرّت المحكمة العليا استخدام مفردة "الله" في أداء القسم داخل المدارس).

 أو أن تعلن العلمانية ولا تشير إلى الإسلام في دستورها، لكنها لا تفصل الدين عن الدولة (تركيا).
والحال أنّ العلمانية الفرنسية وجدت تعبيراتها الأولى في قانون 1905 حول فصل الدين عن الدولة، ويومذاك كان "العدو" هو الكنيسة الكاثوليكية، أمّا اليوم فإنّ الإسلام حلّ محلّ الكاثوليكية؛ الأمر الذي يثير السؤال الحاسم: أهذا واقع استمرار، أم انقطاع؟ يتساءل روا: "في نهاية المطاف، هل يدور نقاش الإسلام حول مكانة الدين في المجتمع الفرنسي، أم ـ على نقيض الاستمرارية البادية ـ يُنظر إلى الإسلام اليوم كدين مختلف، حامل تهديد محدد؟ وفي هذه الحالة، أيعود الأمر إلى سمة محددة في الفقه المسلم، أم في أنّ الإسلام دين المهاجرين بما يُلقي على فرنسا ظلّ صراعات الشرق الأوسط؟". 

وليس خافيا أنّ إشكاليات كهذه، وسواها بالطبع، جثمت بقوّة في خلفيات طرازَين من السجالات حول الإسلام في فرنسا؛ الأوّل يخصّ العلمانية، في نسختها الفرنسية حصريا، وارتباطها بالقِيَم الجمهورية والهوية الوطنية؛ والثاني يخصّ الإرهاب الإسلاموي، الذي استسهل الكثيرون ربطه مباشرة بالدين الإسلامي عموما، وليس بعقائد متشددة أو تيارات جهادية. الحصيلة، في عقود الجمهورية الخامسة أو فرنسا المعاصرة بالأحرى، كانت سلسلة متعاقبة من السجالات، السطحية غالبا والعميقة نادرا، حول "قضايا" مثل الحجاب أو اللحم الحلال أو إضافة لحم الخنزير إلى الوجبات المدرسية، في الطراز الأوّل؛ وما إذا كانت الديانة الإسلامية، بوصفها ثقافة وشريعة أيضا، حاضنة محرّضة في ذاتها على الإرهاب، ضمن الطراز الثاني.


ويندر أن يشهد بلد مثل بريطانيا أو ألمانيا أو الدانمرك انشقاقات كبرى في صفوف الأحزاب السياسية والرأي العام والصحافة اليومية وأروقة الجامعات، شبيهة بما شهدته فرنسا في سنوات 1989 و1994 و2003 و2004 و2010 و2016 و2017 حول الحجاب مثلا؛ فاقتضت اللجوء إلى "مجلس الدولة" الذي أفتى بأنّ غطاء الرأس ليس في ذاته متناقضا مع مبادئ العلمانية؛ أو تشكيل "هيئة ستاسي" وما أعقبها من إصدار قانون يحرّم في المدارس ارتداء العلامات أو الثياب التي توحي بالصفة الدينية؛ أو الدخول في جدل عقيم، مضحك أيضا، حول الفارق بين البرقع والنقاب؛ وصولا إلى الجامعات ونقاش منع الطالبات من ارتداء الحجاب فيها، أو شواطئ البحر والحقّ في ارتداء لباس السباحة الذي اشتُهر باسم "البوركيني".

في نطاق الطراز الثاني، تسابق اليمين الجمهوري مع اليمين المتطرف، ولم يتأخر الليبراليون طويلا عن اللحاق بالركب، في تأثيم الإسلام كدين وثقافة تحت لافتة تجريم الإرهاب الذي يُرتكب باسم الدين الإسلامي؛ وبات مصطلح "الإرهاب الإسلامي" منفلتا من كلّ ضابط مفهومي أو عقلاني أو منطقي أو تاريخي.

ولعلّ هذه الهستيريا بلغت الذروة في تفكير رئيس اشتراكي مثل فرنسوا هولاند بسنّ قانون يجرّد ذوي الجنسية المزدوجة من الجنسية الفرنسية، على خلفية الاتهام بأعمال إرهابية.

قد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب أنها انطوت، في الجانب الصحّي منها، على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية؛ وأسفرت، في الجانب العليل، عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي.


وكما هو معروف، اندلعت الجولة الأحدث من هذه الهستيريا على خلفية الجريمة الإرهابية البشعة التي ارتكبها مراهق شيشاني بحقّ المدرّس الفرنسي صمويل باتي، الذي شاء تدريس مبدأ حرّية التعبير عن طريق عرض رسوم كاريكاتورية نشرتها "شارلي إيبدو"، واعتبر القاتل ومشايخه المحرّضون، أنها تسيء إلى النبي محمد وتستوجب ذبح المدرّس.

وحتى يثبت العكس (لأنّ الحبل على الجرار كما يُقال) انفرد وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمنان بالسبق في التهافت والضحالة، فاتهم المخازن الكبرى في فرنسا بأنها تغذّي النزعات الانفصالية والجهوية حين تعرض على رفوفها أغذية أو ألبسة تدلّ على دين أو محتد! رئيس وزراء فرنسي أسبق مثل مانويل فالس، كان اشتراكيا ثمّ انقلب إلى يميني متسابق مع أقصى اليمين، نفض الغبار عن شخصه (هو الذي عاد إلى أصوله الإسبانية، وفشل في الفوز برئاسة بلدية برشلونة)، فلم يكتفِ بالمطالبة باقتلاع "الإسلامية" من جذورها، فحسب؛ بل فتح النار على ساسة وكتّاب فرنسيين طالبوا بالفصل بين الإسلام وإرهاب أفراد مسلمين.

وبهذا، فإنّ الإدانة الصريحة، بلا تردد أو تحفظ أو تسويغ أو تلاعب، لجريمة اغتيال المدرّس الفرنسي لا يصحّ أن تحجب الحقّ في فتح ملفات الاختلاف، أو حتى التناقض أحيانا، بين علمانية وعلمانية؛ على صعيد المجتمعات التي تحتضن جاليات مسلمة لا خلاف في أنها تعاني الكثير من المصاعب في بلوغ الدرجة المطلوبة من الاندماج الاجتماعي والثقافي والقانوني.


كما لا يجوز للإدانة ذاتها أن تطمس حقوق المساءلة المشروعة لازدواج الخطاب الفرنسي، والأوروبي بصفة عامة، حول قضايا العلمانية وفصل الدين عن الدولة والمواطنة والقِيَم الجمهورية؛ وكيف أنّ قسطا غير قليل من مسائل الحجاب والنقاب واللحم الحلال و"الإرهاب الإسلامي" تبدأ بواعثها من السياسة والساسة، في سياقات إلهاء الرأي العام عن الهموم الاجتماعية الكبرى، كالبطالة وانخفاض القدرة الشرائية ومشكلات التقاعد، من جهة أولى؛ وعلى سبيل استغلال هذه الهموم، أيضا، بهدف تضخيم إحساس المواطن بأنّ الجزء الأكبر من المتاعب مصدره وجود "الأجانب" وانقلاب ذلك الوجود إلى عبء على الاقتصاد، من جهة أخرى.

هذه الخلاصة لا تلغي، مع ذلك، حقيقة أنّ المواطن إياه، ذلك النموذج المتوسط الممثّل للشرائح الأعرض في المجتمعات الغربية، أخذ يتأثر أكثر فأكثر بأجواء الخوف من الإسلام والمسلمين، بحيث صار التوجس من مؤشرات المستقبل الاقتصادي، مقترنا بتوجّس من فقدان الهوية الثقافية (في التعبير الملطّف) والهوية الدينية المسيحية (في المحتوى الواقعي الصريح، الذي يطابق الواقع). كما أنها خلاصة لا تمسّ تلك الحقيقة الأخرى الرديفة، التي تشير بوضوح إلى أنّ مسائل العلمانية وحرّية المعتقد وفصل الدين عن الدولة… بريئة من حزمة البواعث التي تحرّك سلوك الساسة واتجاهات السياسة.

وقد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب، في المؤسسات التعليمية بصفة خاصة، أنها انطوت في الجانب الصحّي منها على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية؛ وأسفرت، في الجانب العليل، عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي. الأمر الذي يعيد هذه السطور إلى الأسئلة الأبسط: عن أي إسلام تتحدث فرنسا، في نهاية الأمر؟ ألا تتراوح آراء المسلمين أنفسهم بين إسلام مستنير يرفض الحجاب، وإسلام أصولي يذبح باسم المقدّس؟ وفي المقابل، ألا تتفاوت آراء الفرنسيين أنفسهم في معنى النسخة الفرنسية من مفهوم العلمانية، بحيث تتعايش تحت راياتها مبادئ الحرية والمساواة والأخوّة، مع عنصرية مارين لوبين وليبرالية إيمانويل ماكرون و… بلاهة دارمنان؟

 

 

«نبع السلام»: احتلال يمهد

للضمّ بموجب الأمر الواقع

صبحي حديدي

 

عملية «نبع السلام» التي أطلقتها تركيا مؤخراً في شمال سوريا، وعلى مساحات شاسعة تغطي غالبية الشريط الحدودي، ليست بعيدة عن أن تكون التتويج الأقصى، والتجسيد الأوضح كذلك، لخيار مبكّر اعتمده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ أربع سنوات على الأقلّ. وبمعزل عن رطانة الأهداف المعلنة للعملية، وأنها تتوخى إقامة ملاذات آمنة تتيح للاجئين السوريين العودة إلى بلدهم، وليس بالضرورة إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم التي هاجروا أو هُجّروا منها؛ فإنّ الهدف الحقيقي الأوّل القريب هو محاربة «حزب العمال الكردستاني» PKK، عبر فروعه السورية المختلفة وفي طليعتها «وحدات حماية الشعب»؛ وأمّا الهدف التالي، الحقيقي والستراتيجي البعيد، فهو تثبيت احتلال تركي جدير بأن يتحوّل إلى أمر واقع على الأرض، حتى أمد بعيد مرتبط بالحلول المختلفة للمسألة السورية.
خيار أردوغان، الذي اتخذ وجهة معلنة وصريحة منذ العام 2015، انطوى على الدمج بين: 1) ضرورة تقليم أظافر الـ
PKK عسكرياً، في مختلف مناطق انتشار أنصاره داخل سوريا، مع إمكانية تحويل التقليم إلى عمليات بتر جراحية ما أمكن ذلك؛ و2) اعتماد مطلب المناطق الآمنة، بعد ترقيته إلى مستوى الهاجس الجيو ـ ستراتيجي عند تركيا، والشكوى من أعداد اللاجئين السوريين الهائلة والمتزايدة؛ و3) نقل الهاجس إلى أوروبا، ولكن تحت صيغة كابوسية مفادها فتح الحدود التركية مع أوروبا أمام مئات آلاف اللاجئين السوريين. وذلك الخيار، مثلّث الأبعاد، كان في الواقع لا يقطع مع سنوات من تقلّب المواقف التركية من الملفّ السوري، فحسب؛ بل كان أقرب إلى المقامرة الإقليمية والدولية، بالنظر إلى اشتباك عناصر الخيار مع الوجودين الروسي والأمريكي، ثمّ مع سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في تسليح المجموعات الكردية لمحاربة «داعش».
ذلك كله، وسواه من معطيات أخرى أقلّ إشكالية، يعيد التذكير بسلسلة الاعتبارات التي صنعت تاريخ العلاقة بين تركيا المعاصرة والملفّ السوري إجمالاً، ثمّ هذا الملفّ بعد أن أدخلت عليه الانتفاضة الشعبية السورية معطيات جديدة بالغة الحساسية. قبيل 2011 كانت العلاقات التركية مع النظام السوري في أبهى أزمنتها، ثمّ أخذت تتدهور يوماً بعد آخر، وكلما حنث بشار الأسد بما قطعه من وعود لأردوغان شخصياً (حين كان الأخير رئيس الوزراء)، وتوجّب أن تنقلب اعتبارات الجوار المزدهرة من مزايا إلى تحدّيات، ومن مغانم إلى مخاطر.
فعلى الصعيد الجيو ـ سياسي، كان على تركيا أن تتخلى عن ركائز كبرى في فلسفة وزير خارجيتها يومذاك، أحمد داود أوغلو، التي ظلت ناظمة للسياسة الخارجية التركية منذ نجاح «حزب العدالة والتنمية» في حيازة أغلبية برلمانية مريحة. بين تلك الركائز مبدأ تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط؛ وليس الاقتصار على علاقات أنقرة التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، أو البقاء في أسر التلهف على عضوية الإتحاد الأوروبي. ركيزة ثانية هي خيار «الدرجة صفر في النزاع» مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية.
وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة»، واليوم «نعرف أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها’، كما ساجل داود أوغلو في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي».

كذلك، على الصعيد الاقتصادي، ظلّت تركيا حريصة على إدامة ميزان تجاري رابح تماماً بالنسبة إلى أنقرة، وخاسر على نحو فاضح من الجانب السوري، بلغ 2,5 مليار دولار في سنة 2010، بزيادة تقارب 43 بالمئة، وكان يُنتظر له أن يتجاوز خمسة مليارات في السنتين اللاحقتين.
الصادرات التركية كانت تشمل المعدّات الكهربائية، والوقود المعدني، والزيوت النباتية والحيوانية، والبلاستيك، ومنتجات الصناعات التحويلية والمؤتمتة، ومشتقات البترول المصنعة، والمنتجات الكيماوية، والإسمنت، ومنتجات الحديد والصلب، وصناعة القرميد والبلاط، والمنتجات الجلدية، والأخشاب، والقمح، والدقيق، والسمن النباتي، والملابس الجاهزة… الاستثمارات التركية في سوريا بلغت أكثر من 260 مليون دولار، واحتلّت الشركات التركية المرتبة الأولى من حيث عدد المشاريع التابعة لجهات أجنبية… ولقد اتضح، طيلة أسابيع الانتفاضة، أنّ كبار التجار الأتراك تكاتفوا مع كبار التجّار السوريين، في حلب ودمشق بصفة خاصة، لإبقاء العاملين في مؤسساتهم بمنأى عن الحراك الشعبي، حتى إذا كلّفهم ذلك سداد تعويضات إضافية ومغريات مادية مجزية.
ومن جانب آخر، تغاضى النظام السوري عن شحّ مياه نهر الفرات بسبب تغذية السدود التركية المتزايدة، وتعاونت الأجهزة الأمنية السورية مع الأجهزة الأمنية التركية في تعقّب أنصار «حزب العمال الكردستاني»، الـ
PKK؛ الذين كان النظام السوري يزوّدهم بالسلاح ومعسكرات التدريب حتى عام 1998، بل وحدث مراراً أنّ أجهزة النظام سهّلت قيام الأتراك بعمليات إغارة على القرى السورية المحاذية للحدود مع تركيا، بهدف اعتقال أولئك الأنصار. الأهمّ من هذه الاعتبارات الاقتصادية، الجيو ـ سياسية بامتياز ايضاً، أنّ النظام السوري أقرّ، ضمنياً، بالسيادة التركية التامة على لواء الإسكندرون، وهو منطقة سورية واسعة قامت تركيا بغزوها سنة 1938، قبل أن تسلخها سلطات الانتداب الفرنسية عن الجسم السوري، وتضمّها إلى تركيا.
في المستوى الإيديولوجي، لم يكن «حزب العدالة والتنمية» يملك الكثير من هوامش المناورة في ضبط مشاعر جماهيره وناخبيه، وغالبيتهم الساحقة من المسلمين السنّة، إزاء ما يرتكبه النظام السوري من مجازر وأعمال وحشية، وخاصة في مواقع ذات قيمة عاطفية ورمزية عالية مثل مدينة حماة، فضلاً عن دمشق التي تظلّ «الشام الشريفة» في ناظر الجمهور التركي العريض. وكيف للفريق التركي الحاكم أن يسكت عن جرائم النظام السوري، فيضحّي بما اكتسبته تركيا من شعبية واسعة في الضمير العربي العريض، بسبب الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزّة، وانسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس، ومأثرة «أسطول الحرية»، وسواها؟
وهكذا، لم تكن مصادفة أنّ تركيا استضافت غالبية المؤتمرات التي عقدتها بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج، من جهة أولى؛ وأنّ مقرّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين السورية قد انتقل من عمّان ولندن إلى اسطنبول، من جهة ثانية؛ وأنّ رجال أعمال سوريين معارضين للنظام لأنهم تضرّروا من سياساته، من أمثال آل سنقر، صاروا يجدون راحة أكبر في إطلاق المبادرات من أنقرة، بدل القاهرة أو طرابلس (لبنان)، من جهة ثالثة. وهكذا، لم يكن صحيحاً أنّ المنابر التركية (وهي، في نهاية المطاف، ليست حكومية أو رسمية البتة) لا تشرع أبوابها إلا للإسلاميين، كما تردّد مراراً؛ إذْ شهدت المؤتمرات واللقاءات ولجان العمل حضور سوريين من مشارب شتى، من أهل اليمين واليسار والوسط، المتديّن فيهم مثل العلماني، والماركسي مثل الليبرالي، فضلاً عن التنويعات الإثنية والدينية والمذهبية كافة. هنا ولد «المجلس الوطني»، ومثله ولد «الائتلاف»…
تتوغل تركيا اليوم في الأراضي السورية ليس اعتماداً على جيشها الجرار وحده، بل عن طريق زجّ مجموعات عسكرية سورية أشرفت وزارة الدفاع التركية على إنشائها وتدريبها وتسليحها، ضمن مساحات شاسعة تمتد من جرابلس إلى ديريك (المالكية)، على مبعدة أمتار من حقول النفط السورية في رميلان.
وهكذا فإنّ عملية «نبع السلام» تعيد تظهير خيارات أردوغان القديمة، ولكن تحت صفة الاحتلال العسكري المباشر، الذي يمهّد للضمّ بموجب الأمر الواقع… أياً كانت التسميات الوردية والشاعرية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

هل يغرد جيش السودان

خارج سرب العسكرتاريا العربية؟

صبحي حديدي

 

ثمة الكثير الذي يغري، وينفع الناس أغلب الظنّ، في إجراء دراسة موثقة محكّمة تقارن بين سلوكيات جيوش الأنظمة العربية إزاء انتفاضات الشعوب، منذ 2011 وحتى الساعة؛ ابتداءً من تونس وليبيا ومصر واليمن، وانتهاءً بالبحرين وسوريا والجزائر والسودان. بعض خلاصات دراسة كهذه سوف تسرد قواسم مشتركة عديدة بين عسكرتاريا الأنظمة هذه، في رأسها التشبث بالسلطة وكراهية تسليمها أو تناقلها، ورفض مغادرة القصور الرئاسية مع احتلال الثكنات في آن معاً، وتكريس عبادة السلاح وتقديس “جيش الوطن”. كما ستسرد فوارق، بعضها ملموس وبعضها صارخ، في مدى استعداد كلّ جيش لإراقة الدماء وتخريب البلاد واستخدام أيّ وكلّ سلاح فتاك ضدّ الشعب.

من جانبي، شخصياً، لا أتردد في منح جيش النظام السوري، وتحديداً خلال49 سنة من حكم آل الأسد، بشراكة عوائل الاستبداد والنهب والفساد المعروفة؛ قصب السبق في الوحشية والبربرية والعنف العاري، وفي فقدان حسّ الانتماء إلى الوطن، والانحياز في المقابل إلى العائلة والعشيرة والطائفة أوّلاً وأخيراً. ما من جيش لأيّ من الأنظمة السالفة، بما في ذلك جيش العقيد الملتاث معمر القذافي، اقتلع أظافر الأطفال وأطلق النار على المتظاهرين العزّل منذ الساعات الأولى لاندلاع التظاهرات السلمية؛ وبالتالي للمرء أن يتخيّل، محقاً بالطبع، مآلات جميع الانتفاضات العربية لو أنها جوبهت بجيوش على غرار جيش حافظ وبشار وماهر الأسد.

وتلك دراسة تنفع، راهناً، في قراءة مشهد السودان بعد أن أعلن وسيط أثيوبيا ومنظمة الوحدة الأفريقية التوصّل إلى مسودة لوثيقة اتفاق نهائي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرّية والتغيير، يتوجب أن تشمل الإعلانين السياسي والدستوري، كما يتوجب أن تنظّم مسارات الحكم في مستوياتها السيادية والتنفيذية والتشريعية. ومن الخير، هنا، التشديد على مدلولات الفعل “يتوجب”، إذْ أنّ التوقيع على الوثيقة تأجل من الخميس إلى مساء أمس السبت، وليس من المؤكد أن سلسلة القضايا العالقة (مهلة إرجاء تشكيل المجلس التشريعي، النسبة المئوية لقوى “الحرّية والتغيير” بالقياس إلى نسبة العسكر في عضوية المجلس، شخصية رئيس الوزراء، مرجعيات السلطة التنفيذية، مواقف الأحزاب خارج الكتل الستّ التي تشكّل مجموعة “الحرّية والتغيير”، التحقيق في مجزرة فضّ الاعتصام…)؛ سوف تجعل التوقيع سلساً وميسّراً وآمناً.

وحتى لو تمّت مراسم التوقيع، بالأحرف الأولى كما يتردد، وشهد عليها مندوبو دول عربية وأفريقية ودولية، وأقيمت الاحتفالات بانتصار تمهيدي لانتفاضة شعبية سلمية تجاوز عمرها الفعلي الأشهر الستة؛ فإنّ الأسئلة الأخرى، المنبثقة من الباطن العميق لإرث العسكرتاريا العربية وتقاليدها، سوف تظلّ قائمة ومطروحة وملقاة مثل حجر ثقيل على منضدة المستقبل: هل يمكن للجيش السوداني أن يفعلها، فيغرّد خارج سرب الجيوش العربية، وينحني أمام الإرادة الشعبية؟ وهل يفعل ذلك، حقاً، وهو وريث دكتاتوريات عسكرية وانقلابية متعاقبة لم تكن ثلاثة عقود من سلطة عمر حسن البشير سوى أحد فصولها؟ ومَن الذي سيفعلها: أمثال عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو وسواهما من الضباط الأعلى إخلاصاً لشخص البشير حتى عهد قريب، والأشدّ انتماءً اليوم أيضاً إلى الإرث الانقلابي إياه؟ وما معنى الإعلان عن إحباط محاولة انقلاب عسكرية في هذا الظرف الراهن تحديداً، قبيل ساعات على توقيع مسودة الوثيقة؟

نعرف، في كلّ حال، أنّ المجلس السيادي المزمع تشكيله سوف يحكم لمدّة تزيد قليلاً عن ثلاث سنوات، وفي عضويته سوف يحضر العسكر بعديد ملحوظ، والأهمّ من هذا أنهم سوف يحافظون خارج المجلس على سطوة الجيش دون أيّ مساس بحجمه أو قوّته أو صلاحياته؛ يستوي في هذا أن تبقى بعض الكتائب في صيغتها النظامية، أم يواصل بعضها الآخر صفة الميليشيا الجنجويدية على شاكلة “قوات الدعم السريع”.

ونعرف، استطراداً، أنّ جنرالاً شبّ على الانقلاب، سوف يحلو له المشيب عليه خلال المرحلة الانتقالية!

 

 

أبعد من ترامب:

الشعبوية ومآزق

الديمقراطيات الغربية

صبحي حديدي

 

منذ السطور الأولى يعلن محررو كتاب «الشعبوية وأزمة الديمقراطية»، غريغور فيتزي ويورغن ماكيرت وبريان ترنر، وجميعهم أساتذة علوم اجتماع وسياسة في جامعة بوتسدام؛ أنه «ما من خطر يهدد الديمقراطيات الغربية بالمقارنة مع صعود شعبوية اليمين»، وأنه إذا كانت الشعبوية قد لعبت دوراً متزايداً منذ تسعينيات القرن الماضي، فإنّ العواقب الاجتماعية للأزمة المالية العالمية سنة 2008 هي التي منحت التيارات الشعبوية نقلة أسفرت عن «بريكست» في بريطانيا، وانتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة.
وهذا الكتاب، الذي صدر مؤخراً عن منشورات روتلدج في لندن ونيويورك، يقتصر في جزئه الأوّل على تحديد المفاهيم وتصويب مدلولاتها، على نحو بالغ الصرامة في الواقع؛ إذْ أنّ أولى الأسئلة في هذا المضمار ذاك الذي يتساءل ببساطة: هل ثمة شيء اسمه الشعبوية بالفعل، وما كنهه على وجه التحديد. أسئلة أخرى، يتناولها باحثون متخصصون، تستكشف إشكاليات تعريف الشعبوية، وصلاتها المباشرة وغير المباشرة بالسياسة، والمقاربات النظرية في موازاة الاستقصاءات العملية والتطبيقية، والبُعد الانتخابي في نشوء أو ثبات أو صعود الشعبوية، والروابط الإيديولوجية التي تجمع، وأحياناً تفرّق، مختلف التيارات الشعبوية، ثمّ أقنية الاتفاق والاختلاف مع مدارس اليمين التقليدية في قلب الديمقراطيات الغربية.
والحال أنه ما كان للكتاب أن يصدر في توقيت أكثر ملاءمة من هذه الأيام، الآن إذْ أطلق الرئيس الأمريكي حملة ترشيحه لولاية رئاسية ثانية؛ وانتهت مآزق الـ»بريكست» بالمحافظين البريطانيين إلى خشبة إنقاذ بائسة اسمها بوريس جونسون، الكاذب والمخادع وشبه المهرّج. كذلك فإنّ نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة أتت بنتائج للتيارات الشعبوية، وضمنها فئات اليمين المتطرف والعنصري، ليست مسبوقة بهذه المعدّلات في التصويت واتساع الرقعة الجغرافية. غير أنّ هذه كلها ليست سوى علائم السطح وحده، لأنّ السويّة الأخطر للظاهرة الشعبوية/ اليمينية المتطرفة إنما تكمن في مكوّنات الباطن العميق الاجتماعي ــ الاقتصادي والسياسي، غير المنفصل عن قرائنه التاريخية والثقافية أيضاً.
يتوجب، بادئ ذي بدء، تسجيل نقطة خلاف مبدئية مع خلاصة الكتاب التي تعزو انتخاب ترامب والـ»بريكست» إلى صعود الشعبوية؛ إذْ أنّ ترامب، حتى إذا لاح بالفعل أنه نموذج صارخ وفاضح للشعبوية المعاصرة، ليس أوّل الشعبويين في لائحة رؤساء أمريكا، والمنطق البسيط يتيح القول بأنه قد لا يكون الأخير. ألم يكن انتخاب جورج بوش الابن، في دورتين رئاسيتين وليس واحدة فقط، بمثابة تجسيد صريح لطراز من الشعبوية الأمريكية، عنوانه فقدان الاقتراع الشعبي في الرئاسة الأولى، وحيازتها بالضربة القاضية وبفارق أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت في الرئاسة الثانية؟ ألم يُدخل أمريكا في حرب خارجية بذرائع كاذبة، فاحتلّ العراق تحت لواء «حملة صليبية» وبهدي من محافظين جدد عتاة وصقور زرعوا بذور الشعبوية وأتاحوا حصادها في سجن «أبو غريب» ومعتقل غوانتانامو؛ كلّ هذا قبل أن تُفتضح أكذوبة أسلحة الدمار الشامل؟

السؤال يضرب بجذوره في أعماق التأزّم الرأسمالي الراهن بين أقطاب اقتصاد السوق أنفسهم، وعلى صعيد مؤسسات مالية كبرى مثل صندوق النقد أو البنك الدولي، أسوة بمؤسسات عسكرية عليا مثل الحلف الأطلسي

وعلى الضفة الأخرى من المحيط، في بريطانيا، ألم يكن رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، شريك بوش في الحملة الصليبية إياها، وفي صناعة الأكاذيب والنفاق الشعبوي؛ هو السابق الذي كان من الطبيعي أن يعبّد الطريق أمام اللاحق، بوريس جونسون، رغم انتمائهما إلى قطبَيْ التنافس التقليديين في الحياة السياسية والحزبية البريطانية؟ في عبارة أخرى، أيّ فارق جوهري بين اشتغال أمثال جونسون، اليوم، على الرهاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ودغدغة المشاعر القوموية، وتغذية حسّ الانغلاق خلف المانش والمحيط؛ وبين انضمام بلير إلى فريق الحرب الأمريكي، بصفة تابع عملياً، وتأجيج الأحقاد الإمبراطورية القديمة، واستنهاض «القِيَم» الأنغلو ــ سكسونية ضدّ شعب لم تكن مصادفة محضة أنه مستعمرة بريطانية سابقة، وليس البتة ضدّ نظام أياً كانت خطاياه؟
طريف مع هذا، ولافت جدير بالتأمل، أنّ السجالات النظرية والأكاديمية حول المعضلات التي تجابهها الديمقراطيات الغربية اليوم، لم تعد تستسهل الاستناد على «الثوابت» التي قيل إنها ولدت مع انهيار جدار برلين؛ سواء تلك التي جزمت بانتهاء التاريخ، على غرار ما فعل فرنسيس فوكوياما؛ أو تلك التي تحيل سرديات الصراع الكوني الكبرى إلى صدام الحضارات، كما بشّر صمويل هنتنغتون؛ أو مدارس اختزال الصراعات الاجتماعية، على مستويات محلية أو كونية، إلى ثنائيات بائسة وكسيحة بين ليبرالية كلاسيكية وأخرى جديدة، أو اقتصاد سوق واقتصاد دولة. السجالات اليوم، وتشخيص الأخطار الكبرى ضدّ الديمقراطيات الغربية، يدور حول أمثال ترامب في أمريكا، ونايجل فراج في بريطانيا، ومارين لوبين في فرنسا، وفكتور أوربان في هنغاريا، وماتيو سالفيني في إيطاليا.
نحن، إذن، على مبعدة من تلك الأحقاب التي شهدت التبجيل الغنائي للنظام الرأسمالي بعد تفكيك نظام القطبين وانتصار المزيج السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تكاتف في صنعه رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر، ثمّ حيازة الرمز الأيقوني الأعظم بسقوط جدار برلين وقَرْع أجراس انتصار الرأسمالية الختامي.
يومذاك قيل لنا، بل فُرض علينا، التسليم بأنّ الاختراع الغربي للرأسمالية ـ وكذلك للعلم والأنوار والديمقراطية الليبرالية… ـ يتقدّم حثيثاً لاجتياح العالم القديم والعالم الحديث في آن معاً، ما قبل الحرب الباردة وما بعدها، ما قبل الحداثة وما بعدها، ما قبل التاريخ وما بعده؛ خالياً تماماً، ومعافى، من أمراض القومية والانعزال والقيود، بعد أوبئة الشيوعية والنازية والفاشية. فماذا عن الشعبوية؟ السؤال ذاته لم يُطرح بصيغة الحذر أو التخوّف، فما بالك بالإنذار والخطر، كما يحدث اليوم؛ في أربع رياح الديمقراطيات الغربية.
غير أنّ الاعتلال الشعبوي، كي لا يتحدث المرء عن وباء يستشري وينتشر ويستوطن، لا يقتصر على تيار شعبوي بالقياس إلى خصومه على الضفاف الأخرى، يمينية كانت أم يسارية أم في الوسط؛ بل هو يتصارع داخلياً أيضاً، ويتفكك في سيرورة الصراع ذاتها، ويفرز بالضرورة شعبوية أقلّ أو أكثر، وتطرفاً «معتدلاً» أو أقصى، وتكاملاً في هذا كلّه أو تنافراً. خذوا «الجبهة الوطنية» في فرنسا على سبيل المثال، التي أنشأها جان ــ ماري لوبين في سنة 1972، ثمّ انقسمت على يد برونو ميغريه في سنة 1998، وأطاحت بالمؤسس على يد ابنته مارين في سنة 2011 وهي التي تقود الحركة اليوم تحت اسم «التجمع الوطني»؛ ليس من دون انشقاق آخر يتزعمه فلوريان فيليبو الناطق باسم الحزب، و«حرد» أشبه بالانشقاق تقوده ماريون ماريشال حفيدة المؤسس وأوّل نائبة للحزب. كلّ هذا التاريخ الانقسامي دار حول أفضل التكتيكات، وليس الستراتيجيات، لاكتساب شعبوية أكثر ضمن سقوف الثوابت التي لا تنازل عنها.
وهكذا فإنّ سؤال الشعبوية يضرب بجذوره في أعماق التأزّم الرأسمالي الراهن، بين أقطاب اقتصاد السوق أنفسهم، وعلى صعيد مؤسسات مالية كبرى مثل صندوق النقد أو البنك الدولي، أسوة بمؤسسات عسكرية عليا مثل الحلف الأطلسي، بحيث يبدو المشهد وكأنه ينسف تماماً صورة الظفر التي شاعت مطلع تسعينيات القرن المنصرم. على العكس، تبدو المشاهد أقرب إلى استعادة طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ «ما قبل» في السرديات الكبرى للحضارة الغربية؛ ابتداءً من اليونان القديم، ومنافستها روما القديمة، مروراً برحلة كريستوفر كولومبوس وعصر الأنوار والحداثة، وصولاً إلى أورلاندو ـ فلوريا: حيث تُبّح الحناجر في الهتاف بحياة كبير الشعبويين: دونالد ترامب.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

كلينتون وترامب

على مسارح الكونغرس

صبحي حديدي

 

في منتصف الأسبوع الماضي نشرت الـ«الغارديان» البريطانية مراجعة دايڤيد جون تايلور لكتاب جديد وقّعه دوريان لينسكي وصدر مؤخراً تحت عنوان «وزارة الحقيقة: سيرة رواية جورج أرويل ‘1984’». وفي تصدير مراجعته هذه، أشار تايلور إلى أنّ مبيعات الرواية قفزت بنسبة 9,500٪ (على ما يحتويه هذا المعدّل من شطط منطقي في قياس آلاف على مئة!)؛ وذلك في مناسبة تسلّم دونالد ترامب مهامّ رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد لا يكون الأمر جديداً، أو مفاجئاً تماماً، إذا استعاد المرء التاريخ «العريق» الذي يجمع بين أمريكا وهذه الرواية تحديداً، ابتداء من أنساق استغلالها الكثيرة، المبتذلة في معظمها، خلال عقود الحرب الباردة؛ مروراُ بانقلابها إلى مادّة دائمة على جداول أعمال المكارثية، في لجان الكونغرس بصفة خاصة؛ وليس انتهاءً بلجوء المخابرات المركزية إلى توظيفها، في ميادين شتى. كذلك لن يكون جديداً التذكير بقفزات أخرى دراماتيكية حققتها مبيعات الرواية خلال مراحل إحالة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى اللجنة القضائية في الكونغرس، على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي.
يومذاك، كانت المناخات حافلة بكلّ ما يوفّره المسرح من دراما سياسية وبوليسية وقضائية، فبات المواطن الأمريكي، المتوسط والقياسي، يصل الليل بالنهار وهو يكدّس معرفة كاملة الشفافية (نقيض تلك الأرويلية التي تسردها «1984»)؛ حول تفاصيل الحياة الجنسية لرئيسه الحبيب، الذي انتخبه مرّتين. كل شيء، تقريباً: أيّة فانتازيا جنسية تستهويه أكثر، أيّ شعر إيروسي يلهب مخيّلته، أيّ الأماكن هي الأنسب للغرام، أيّ الأوقات، أيّ الثياب… وآنذاك تحدّث البعض عن الأبعاد النفسية الأعمق وراء هذا السعار الجماعي المحموم لهتك الأستار الحميمة، وأتيح لنا أن نقرأ بعض كبار المنظّرين الليبراليين وهم يذكّرون الدهماء بأن تفاصيل الحياة الشخصية مكوّن أساسي في صناعة الوجود الإنساني المتمدّن (كما ينبغي أن يُقارن بالوجود الإنساني البربري، في الأدغال على سبيل المثال!).
فإذا صحّ أنّ مراسم تسلّم ترامب مهامّ رئيس القوّة الكونية الأعظم قد عادت برواية أرويل إلى واجهة المكاتب، فتسللت مجدداً إلى سويداء هواجس ذلك الأمريكي إياه، القياسي المتوسط؛ فإنّ الصحيح الرديف هو أنها تؤوب اليوم إلى صدارة القراءات، ليس بصدد الجدل حول نشر تقرير المحقق الخاص روبرت موللر، منقحاً أم كاملاً؛ بل في ضوء ما يتردد من مشاريع حول إمكانية محاكمة ترامب بتُهَم عديدة، على رأسها عرقلة العدالة. الزمن بين كلينتون وترامب تغيّر كثيراً، بالطبع، وحجم استهانة الأخير بالقوانين المرعية والتحايل عليها لا يقبل المقارنة في الحدود الدنيا؛ إقراراً لحقيقة واقعة، وليس إنصافاً لشخص كلينتون. فهل تغيّر هوس ذلك المواطن الأمريكي، أو تبدّل شغفه؟

لن يكون جديداً التذكير بقفزات أخرى دراماتيكية حققتها مبيعات الرواية خلال مراحل إحالة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى اللجنة القضائية في الكونغرس، على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي.

رئيس اللجنة القضائية في الكونغرس الحالي، جيرولد نادلر، ديمقراطي هذه المرّة؛ وليس جمهورياً، كما كانت الحال مع هنري هايد، كبير «المدراء» الذين أداروا الاتهام حول فضيحة لوينسكي. لكنّ سلسلة خصال شخصية تبدو وكأنها تساوي بين الرجلين، لجهة وطأة العمر والشيخوخة، وحسّ البلاغة الكلاسيكية، وتعب الذاكرة، والنسيانات المتكررة، والانضباط بالروتين القضائي والتمسّك برطانته… بيد أنّ ترامب، بالمقارنة مع كلينتون، محظوظ والحقّ يُقال، على صعيد أي مقارنة بين نادلر الراهن وهايد الراحل؛ وشتان بين عضوَيْ الكونغرس هذين، من حيث الشطارة والمهارة و… الأداء المسرحي!
كان هايد ذرب اللسان، تراجيديّ المحيّا، دائم التهدّج، تكاد العبرات تفيض من عينيه كلما اعتلى المنبر ليشرح هذه أو تلك من حيثيات إدانة كلينتون. وكان لا يكفّ عن الاستعانة بعبارة من الروائي الأمريكي وليم فوكنر تارة، ومن قصائد وليام شكسبير أو ديلان توماس طوراً («أعطونا الحقيقة، وسنمضي لطفاء، في الليل اللطيف»، كان يردّد)؛ من نصوص «العهد القديم» حيناً (والوصايا العشر بصفة خاصة)، وخُطَب عظماء أمريكا الأسلاف حيناً آخر.
غير أنّ هذا كلّه أمر مختلف عن سمة أخرى كبرى في شخصية هايد: أنه كان الدكتور جيكل أيضاً، تماماً كما في رواية ر. ل. ستيفنسون الشهيرة، حيث ينشطر الآدميّ إلى كائنين متناقضين، خيّر وشرير. ذلك لأنّ هايد كان رجل فضائح مالية وسياسية وقانونية، وسبق للكونغرس أن أوصى بتغريمه مبلغ 850 ألف دولار، عقاباً له ولعدد من زملائه على إهمالهم الشديد في متابعة مسؤوليات إحدى اللجان، الأمر الذي كلّف دافع الضرائب الأمريكي خسارة 68 مليون دولار! وفي عام 1983 هبّ للدفاع عن زميله وابن حزبه دانييل كرين، الذي ثبتت عليه إقامة علاقة جنسية مع وصيفة في الكونغرس عمرها 17 سنة: «التراث اليهودي ــ المسيحي يقول: أمقتوا الخطيئة، وأحبّوا الخاطىء»، هتف هايد… متهدج الصوت، كالعادة!
وفي مقالة مسهبة، نشرتها مجلة «نيويوركر» تحت عنوان «1984 أرويل وأمريكا ترامب»، شرح آدم غوبنك طرائق ترامب في ممارسة الكذب: «إنه يكذب، ثمّ يكرّر الكذبة، ومستمعوه إمّا أن يجبنوا فزعاً، أو يتلعثموا غير مصدّقين، أو يحاول بعضهم معرفة إمكانية تحويل الكذبة لصالحهم». وعلى نحو أو آخر، يذكّر ترامب بما كان أرويل قد أصاب في تشخيصه: محاربة الكذبة لا تصبح أكثر خطورة فقط، بل ببساطة أكثر إرهاقاً من تكرارها!
ولا مناص من مسرح، إذن، وبلاغة جوفاء، وجعجعة بلا طحن!

(القدس العربي) لندن

 

لم تَسْخُن بين واشنطن

 وطهران إلا لتبترد؟

 

صبحي حديدي

 

يتصفح المرء القسم الدولي في موقع صحيفة “نيويورك تايمز” ليوم أمس، السبت 18/5/2019؛ فيجد خبر الصدارة مخصصاً للانتخابات في أستراليا، ثمّ مادة عن احتمالات الإرهاب داخل مجموعة “المهاجرون” في بريطانيا، وثالثة عن خيبة أمل الصينيين في أمريكا كطرف تجاري، ثمّ انهيار فنزويلا من وجهة نظر أهل الاقتصاد… الخبر الإيراني (أنّ أوروبا تُبلغ واشنطن ألا يُحسب حسابها في أية مواجهة أمريكية مع طهران)، يأتي في الترتيب السابع، وبعد تقرير عن صفقة السلام في كولومبيا، وآخر عن الاقتصاد التركي.

ذلك مؤشر جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار، حتى إذا أصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيف أخبار هذه الصحيفة؛ إذْ كانت، وتبقى في الواقع، حاضنة أبرز التسريبات وأبكرها حول التسخين العسكري الراهن في الخليج العربي، وأسباب انتقال البيت الأبيض إلى مستوى دراماتيكي في حشد الحاملات والفرقاطات والقاذفات الستراتيجية. فهل يعني تراجع أنباء التوتر العسكري بين واشنطن وطهران أنّ السخونة أخذت تبترد تدريجياً، لتبقى في حدود التراشق الكلامي والمناوشات اللفظية، خاصة من جانب ضباط “الحرس الثوري” الإيراني؟

إنه في كلّ حال لا يعني أنّ أيام التوتير، القصيرة نسبياً في الواقع، انقضت من دون أن تسدي خدمات ملموسة لأولئك الذين تقصدوا ضبط إيقاعها على هذا النحو، تحديداً ربما، وفي واشنطن أكثر بكثير من طهران عملياً. ففي المقام الأوّل، ليس مبالغة الافتراض بأنّ أمثال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، خرجوا من الاختبار بحصيلة ملموسة حول الحدود القصوى لردود الأفعال الإيرانية، عسكرياً أوّلاً وفي مياه الخليج تحديداً، ثمّ ستراتيجياً على مستوى تصعيد التهديد بالإنابة (عن طريق الميليشيات التابعة) ضدّ القوات الأمريكية في العراق، وضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان. وكانت الحصيلة، ببساطة واختصار: جعجعة بلا طحن!

كذلك اختُبرت جيوب إيران المختلفة في المنطقة، وكيف يمكن أن تدخل على خطّ التوتير بين واشنطن وطهران، على نحو غير لفظي، هذه المرّة؛ وما إذا كانت قمينة بتولّي مواجهات عسكرية فعلية بالإنابة، تربك انتشار القطعات العسكرية الأمريكية في المنطقة من دون أن تستدعي تورطاً إيرانياً عسكرياً مباشراً. هنا أيضاً، اقتصر الاختبار على “تخريب” ناقلات النفط الراسية في الفجيرة، واستهداف بعض المنشآت النفطية السعودية بطائرات مسيّرة؛ وتلك حصيلة رمزية، رغم ما انطوت عليه من اختراقات أمنية غير مسبوقة.

وقد يكون الاختبار الأبرز لخيارات الإنابة هو ذاك الذي شهده العراق، ليس بوصفه سلّة النفوذ الإيراني الإقليمية الأولى في المنطقة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الميليشيات التابعة هناك تخضع لإدارة “الحرس الثوري” مباشرة، في نماذج كثيرة؛ ولأنّ بعضها، ثانياً، مندمج قانونياً في تركيب الجيش العراقي النظامي؛ ولأنّ الكثير منها لا يعمل على نطاق العراق وحده، ثالثاً، بل هو منتشر خارجه كذلك. ولقد اتضح، بأسرع مما كان يُظنّ في الواقع، أنّ الاجتماع السياسي العراقي غير مهيأ لفتح البلد ساحة اصطراع إيرانية ــ أمريكية، في ضوء إلى الاشتباك المعقد لتواجد البلدين على أرض العراق؛ وأنّ أحد أبرز عناصر ذلك الاجتماع كان موقف حوزات شيعية كبرى، شاءت النأي بنفسها عن التصعيد العسكري رغم بقائها في حال جلية من التعاطف مع طهران ومناوءة واشنطن.

ويبقى أنّ مبتدأ التسخين كان الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية ضدّ طهران، وأنّ أحد أهدافها غير المعلَنة كان استدراج القيادة الإيرانية إلى فخّ التراجع عن بعض بنود الاتفاق النووي، الأمر الذي يدقّ إسفيناً في علاقات طهران مع رعاة ذلك الاتفاق. من نافل القول، إذن، أنّ تراجع أخبار الاحتقان العسكري إلى مراتب خلفية ليس سوى علامة، بين أخرى مقبلة أغلب الظنّ، على أن جرعات الابتراد أو التبريد باتت سيدة اللعبة.

 

 

القوتلي وعبد الناصر

والآلهة السورية

صبحي حديدي

 

في سنة 1961، ضمن واحد من مقالات «بصراحة» التي اعتاد نشرها في «الأهرام» المصرية، روى محمد حسنين هيكل أنّ شكري القوتلي (1891 ــ 1967)، الرئيس السوري يومذاك، وجّه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر العبارة التالية، تعليقاً على توقيع اتفاقية الوحدة بين البلدين في شباط (فبراير) 1958: «أنت لا تعرف ماذا أخذت ياسيادة الرئيس! أنت أخذت شعباً يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد خمسون فى المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 فى المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة فى المائة على الأقل أنهم آلهة».
للتذكير، بادئ ذي بدء، كتب هيكل مقالته تلك بعد وقوع الانفصال، في أيلول (سبتمبر) 1961، وكان استطراداً يبرئ ساحة عبد الناصر وزعماء مصر الآخرين إزاء صعوبات حكم الشعب السوري؛ إذْ كيف يمكن، حقاً، حكم شعب له هذه المواصفات الخارقة، والخرقاء! العبارة، ثانياً، وعلى جري عادة هيكل في سرد أقاصيص جرت بين أموات ولم يعد يشهد على صدقها سواه، لم تجرِ على لسان القوتلي أغلب الظنّ؛ فلا سند يثبت صحتها أوّلاً، كما أنها لا تشبه شخصية الرجل سلوكاً وخطاباً ثانياً، ولا تقترب البتة من أيّ من آرائه النقدية في أبناء بلده.
الطريف، مع ذلك، أنها عادت إلى أذهان بعض المتابعين الغربيين للملفات السورية المعاصرة، خاصة بعد انطلاقة الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011؛ وباتت أقرب إلى «مسطرة» تُقاس على معطياتها معضلات قراءة المشهد السوري الراهن، سياسة واجتماعاً وعلم نفس وتربية وثقافة ومزاجاً… توماس هيغهامر، الباحث المخضرم في «مؤسسة أبحاث الدفاع» النرويجية، يصف العبارة بأنها «اقتباس خالد»، متناسياً (أم لعلّه لم يدرك البتة) مقدار التنميط السطحي والغبي في تصنيفات كهذه؛ خاصة إذْ تأتي من هذا الرجل تحديداً. نيكولاس فان دام، مؤلف «الصراع على السلطة في سوريا: السياسية والمجتمع تحت حكم الأسد والبعث» ومؤخراً «تدمير أمّة: الحرب الأهلية في سوريا»، يتواضع قليلاً فيرتاب في أنّ العبارة منتحلة، لكنه يحيل المعجبين بها إلى كتّاب سيرة القوتلي!

ثمة نزوع استشراقي مبطّن، يسعى إلى ترسيخ «حقيقة» أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً.

وسوى الطرافة، ثمة نزوع استشراقي مبطّن، أو هو صريح مكشوف لدى الكثيرين في الواقع، يسعى إلى ترسيخ «حقيقة» أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً. وهذه، إذن، خلاصة تبيح القول إنّ حافظ الأسد، وبعده وريثه بشار، ورهط مجرمي الحرب والقتلة واللصوص والأزلام الذين شاركوهما السلطة على نحو أو آخر، بلغوا المرحلة الراهنة من تدمير سوريا لأنّ البلد استعصى قبلهم على القوتلي، ثمّ على عبد الناصر، فكيف لا يستعصي على آل الأسد أيضاً!
ولعلّ هذه مناسبة لاستعادة واحدة من أنصع الصور الفوتوغرافية وأندرها، ليس في تاريخ سوريا الحديث وحده، بل في تاريخ العرب أيضاً كما أجيز لنفسي القول. الصورة تعود إلى عام 1955، وتحديداً يوم 6 أيلول (سبتمبر)، وتُظهر رجلين يتبادلان التوقيع على وثيقة من نسختين: الأوّل هو هاشم الأتاسي (1875 ــ 1960) رئيس الجمهورية آنذاك، والثاني هو القوتلي رئيس الجمهورية المنتخب، وأمّا الورقة التي تبادلا التوقيع عليها فهي وثيقة انتقال السلطات الدستورية. ألا يصحّ الافتراض بأنّ هذه الممارسة، الديمقراطية والحضارية والراقية، باتت اليوم غريبة على أبصار العرب وأسماعهم في مشارق أرضهم ومغاربها؛ وافتقدتها ــ إذْ لم يحدث أنها تكرّرت مراراً في حياة ــ الأجيال العربية بعد ذلك التاريخ؛ حين استولى أصحاب العروش والتيجان والقبعات العسكرية على مقاليد الأمور، وتراجعت السياسة إلى الباحة الخلفية، أو قبعت في الزنازين، أو تلقفتها المنافي هنا وهناك؟
للصورة فتنة أخرى زاهية الألوان غير جمالياتها بالأبيض والأسود، يصنعها نصّ تلك الوثيقة التي جاء في سطورها: «جرى انتقال السلطات التي خوّلها الدستور لحضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي إلى حضرة صاحب الفخامة السيد شكري القوتلي الذي انتخبه مجلس النوّاب رئيساً للجمهورية (…)، وقد شهد ذلك صاحب الدولة الدكتور ناظم القدسي رئيس مجلس النواب والأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء والسيد وجيه الأسطواني رئيس المحكمة العليا…». وبالطبع، لا يفوتكم ملاحظة ترتيب السلطات الثلاث الشاهدة على التوقيع: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية!
وللتذكير بسجايا الرجل الذي اختزل قامته أمثال هيكل ونفر المستشرقين الهواة، يُشار إلى قول آخر مأثور أطلقه في وجه ونستون تشرشل حين اجتمع به في السعودية، فخاطبه بعد أن التفت إلى البحر القريب: «شعبنا لن يكبّل وطنه بقيد العبودية والذلّ والاستعمار حتي لو أصبحت مياه هذا البحر الزرقاء حمراء قانية». هذا إلى جانب أنه تخلى طواعية عن منصبه كرئيس للجمهورية السورية، منتخب ديمقراطياً ومحبوب من شعبه وصاحب حظوة واحترام في العالم، مقابل تحقيق الوحدة السورية ــ المصرية.
لكنّ أطرف ما في حكاية هيكل أنّ عبد الناصر، الألمعي اللماح، لم يتملكه الفضول فيسأل عن الفئة التي يضع القوتلي نفسه فيها: الزعماء أم الأنبياء أم الآلهة!

(القدس العربي) لندن

 

سؤال القرن أم حلم طوباوي:

هل تعود الاشتراكية حقاً؟

صبحي حديدي

في كتابه الجديد «هل خسر الغرب»، الذي يضيف مفردة «استفزاز» كعنوان فرعي للكتاب، يساجل السنغافوري كيشور محبوباني، الأكاديمي والدبلوماسي السابق، بأنّ الرهانات التي خسرها الغرب منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ليست كثيرة ومتعددة فقط؛ بل هي حمّالة تبعات جسيمة عابرة للعقود، وعابرة للمفاهيم والتصورات التي يصنفها الغرب اليوم في باب المسلّمات والبديهيات. المتغيّر الأكبر في تباشير القرن الراهن كان التالي، من وجهة نظره: منذ السنة 1 وحتى 1820 ميلادية، كانت الأمّتان الأبرز على صعيد الاقتصاد العالمي هما الصين والهند. بعد ذلك فقط تمكنت أوروبا، لتلتحق بها أمريكا بعدئذ، من الهيمنة؛ إلا أنّ تفوّق هذين القطبين في الأداء أمام الحضارات الأخرى ظلّ نسبياً، وهو اليوم يشهد تراجعاً أقرب إلى النكوص، ومقادير متفاوتة من الركود كذلك.
والكاتب الألماني يوخن بيتنر، المحرر السياسي لصحيفة «دي تسايت»، يقتبس محبوباني في التعليق على ظاهرة الحنين إلى الاشتراكية، التي أخذت تزحف بتؤدة منهجية إلى قلب الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، وخاصة منظمات الشبيبة فيه. وقبل أيام استضافته صفحة الرأي في «نيويورك تايمز» حول هذا الموضوع، فكتب مقالة بعنوان «لماذا تعود الاشتراكية إلى ألمانيا؟»؛ تناول فيه بصفة خاصة تصريحات كيفن كوهنيرت زعيم منظمة الشباب في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني حول طراز «النيو ــ اشتراكية» كما يرى الأخير أنها باتت ضرورة تاريخية في ألمانيا المعاصرة. فلننسَ الاشتراكيات الأمريكية كما يدعو إليها أمثال بيرني ساندرز أو ألكساندرا أوكازيو كورتيز، ينصحنا بيتنر، فاشتراكية كوهنيرت، ابن الـ29 سنة، تذهب نحو الصميم: السيطرة الديمقراطية على الاقتصاد، واستبدال النظام الرأسمالي وليس إعادة ضبطه أو تعديل معاييره.
ولا يتردد كوهنيرت في الحديث عن إجراءات أقرب إلى التأميم بخصوص شركات مثل
BMW، حيث يتوجب على العمال أن يمتلكوا فيها حصصاً حقيقية وفعلية وفاعلة، فمن دون حلول مثل هذه «لا يمكن التغلب على الرأسمالية»، يقول الرجل. وأمّا بخصوص الأنظمة العقارية، فإنّ كوهنيرت لا يستوعب شرعية «نموذج في البزنس ينطوي على كسب العيش عن طريق مساحة معيش أناس آخرين. لكلّ امرئ الحقّ في امتلاك مساحة معيش خاصة به يسكن فيها». لا شرعية، كذلك، لفحوى نظام رأسمالي قائم على المعادلة التالية: «سباق يشرع فيه ملايين الناس، فلا يصل إلى خطّ النهاية سوى قلائل، يصرخون على اللاهثين في الخلف أنه كان في وسعهم بلوغ نهاية السباق!».
أسباب المعلّق السياسي الألماني في تفسير هذا التطلّع إلى الاشتراكية، داخل الشرائح الشبابية في بلده ألمانيا، تبدأ من حيث يشاء إفراغ الظاهرة من مضامينها الاجتماعية، رغم أنّ هذه المضامين تحديداً هي جوهر أيّ تجسيدات فعلية على الأرض لما يحلم به القيادي الشابّ في الحزب الاشتراكي الديمقراطي. بيتنر يتحدث، مثلاً، عن إغواء مواجهة ردّ فعل ما، على شاكلة الزعم بانتصار الرأسمالية ونهاية التاريخ وسيادة السوق؛ بردّ فعل معاكس، هو الحنين إلى اشتراكية ديمقراطية مختلفة عن أنظمة المعسكر الاشتراكي البائد، واستعادة نبض التاريخ. بل هو يعود إلى الآباء المؤسسين للنظام الاقتصادي في ألمانيا الغربية، في الحزب الديمقراطي المسيحي سنة 1947 مثلاً، ممّن اعتبروا أنّ «النظام الاقتصادي الرأسمالي لا يخدم مصالح الشعب الألماني». لهذا فقد بُنيت ألمانيا الغربية على فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث يجري تثمين التنافس الفردي، وفي الآن ذاته يُجبر الأثرياء على معاضدة الأقلّ حظاً.

واليوم، في عيد العمّال العالمي، وفي قلب اعتمالات اجتماعية ــ سياسية صاخبة ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية

بمعزل عن هذا، وسواء اتخذت حكاية عودة الاشتراكية إلى ألمانيا صفة الحلم الطوباوي (نقيض «الحلم الأمريكي» البغيض، كما يساجل كوهنيرت)، أو باتت سؤال القرن بامتياز؛ فإنّ ظواهر الخلل في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة لا تخفي على ذي بصيرة، ولا ينكرها أو يتنكّر لمفاعيلها كبار أساطين التفكير الرأسمالي الاقتصادي والاجتماعي الراهن. وفي الوسع العودة إلى عقدين سابقين في عمر الرأسمالية المعاصرة، ثمّ ضرب المثال من اقتصاديات الشطر الآسيوي في النظام الرأسمالي، وليس الغربي وحده (الذي سوف تكفيه الأزمة الكبرى لأصول المصارف والرهون العقارية لسنة 2007).
ففي عام 1997 كانت شركة «يامايشي» للسندات والأسهم والمضاربات قد أعلنت إفلاسها (وعلى نحو دراماتيكي جدير بأكثر تراجيديات وليام شكسبير توتراً ومأساة، إذْ ظهر المدير التنفيذي للشركة في نقل حيّ على الهواء، وانخرط في بكاء مرير، معلناً الإفلاس). تلك كانت الشركة التي احتلّت المرتبة الرابعة في لائحة كبرى بيوتات السندات المالية الخاصة في اليابان، وعراقتها تعود إلى عام 1897، ولها فروع في 31 عاصمة رأسمالية، بكادر من المستخدمين يتجاوز 7000 موظف. ذلك كله لم يحصّنها ضدّ سلسلة من الفضائح المالية، وسلسلة ثانية من تقلبات أسعار الأسهم، وسلسلة ثالثة من صعوبات تأمين التمويل؛ الأمر الذي أفضى إلى خسارة صافية مقدارها 25 مليار دولار أمريكي، وإلى إعلان الإفلاس والإغلاق.
وفي معظم أطراف المعسكر الرأسمالي المعاصر (إذْ لا يزال يستحقّ صفة «المعسكر»، حتى مع غياب المعسكر الاشتراكي النقيض)، في فرنسا كما في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان؛ تتابع أخلاقيات السوق العيش وفق قواعد «ثقافة الرضى» حسب تعبير المفكر الاقتصادي الكبير جون كينيث غالبرايث. إنها جسم إيديولوجي اجتماعي ـ اقتصادي يلبس لبوس الديمقراطية (حين لا تكون هذه خيار مجموع المواطنين، بل أداة أولئك الذين يقصدون صناديق الاقتراع دفاعاً عن امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية)؛ وتفرز أجهزة حكم لا تنطلق في تطبيقاتها السياسية من مبدأ التلاؤم مع الواقع والحاجة العامة، بل من طمأنة الخلايا الدقيقة المنعمة والراضية، التي تصنع الأغلبية الناخبة. والفكر الاجتماعي الرسمي من حول هذه الثقافة لا يلحّ على قضية أخرى قدر إلحاحه على الطبقة، أو بالأحرى على غياب مفهوم الطبقات. وبدلاً من هذا التوصيف الكابوسي الذي يرجّع أصداء الماضي، يلجأ ذلك الفكر إلى البلاغة؛ فيتحدث في أمريكا عن «الطبقة السفلى»
Underclass، وفي فرنسا عن الذين «بلا عنوان دائم» SDF، وفي بريطانيا عن «المشردين» Homeles. لكنّ المحتوى في جميع الأحوال يصف ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، ويصف طبقات جديدة، وأخرى عتيقة.
لكنّ الموقف من الزمن التاريخي (أي ذاك الذي يرتد إلى الماضي من المستقبل، مروراً بالحاضر) هو إحدى السمات المكوّنة في لاهوت ثقافة الرضى التي تحدث عنها غالبرايث. إنها لا تنكر التأزّم (حيث يتعذر الإنكار)، لكنها تسعى إلى تأجيل الفعل اللازم لحلّه، وتنحّي جانباً كلّ ما يثير الاضطراب: مظاهرات، إضرابات، نتائج انتخابية تقلب المعادلات الراسخة رأساً على عقب… واليوم، في عيد العمّال العالمي، وفي قلب اعتمالات اجتماعية ــ سياسية صاخبة مثل «السترات الصفراء» في فرنسا، وبعد مرور أكثر من عقد ونصف على النظريات التي تبشّر ببزوغ فجر الرأسمالية واقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد؛ ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي تبدو المساحة الدلالية بين الحلم الطوباوي وسؤال القرن وكأنها تعيد إحياء، أو لعلها تعيد التحريض على التفكير في، نبوءة ماركس الرهيبة: حول برجوازية لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

مجزرة سريلانكا وأسئلة

الإرهاب غير الكلاسيكية

صبحي حديدي

 

ما الذي يدفع اثنين من أبناء محمد يوسف إبراهيم، أحد مليارديرات سريلانكا وتاجر البهار والتوابل الأبرز في البلد، إلى حمل عبوة ناسفة وتفجيرها في كنيسة اجتمع رعاياها للاحتفال بعيد الفصح؟ وأية سلسلة معقدة من الحوافز، إذْ لا يعقل أنها أحادية الطابع، دينية متطرفة أو تستمدّ عناصرها من مظلومية إثنية وتاريخية، شاءت لهذَين المنعمَين برغد العيش وأرفع الدراسة وأهنأ البال وأدفأ الحياة العائلية، أن يختارا صيغة انتحار «جهادي» أو «استشهادي» تودي بحياة عشرات الأرواح البريئة؟ وهل تكفي الخلاصة المعتادة، الصائبة مع ذلك، التي تشير إلى أنّ الإرهابي أعمى، وأنّ الانتحاري لا يُبصر إلا ما يُزيّن له من مثوبات وغنائم في الحياة الآخرة التي تعقب إزهاق روحه بيديه؟
هي أسئلة كلاسيكية أثارتها «مجزرة الفصح» الأخيرة في كنائس وفنادق على امتداد الجزيرة، وستظلّ تثيرها مجازر الإرهاب المماثلة هنا وهناك في العالم؛ حيث يبقى البحث عن إجابات ملموسة مسقوفاً بالاعتبارات الكلاسيكية ذاتها، التي يحدث مراراً أنها تحجب فرصة الذهاب أبعد نحو الجذور، واستقصاء الظاهرة من زاوية التعليلات الخارجة عن التقليدي والمستعاد والمتكرر. على سبيل المثال الأوّل، لماذا ضرب الإرهاب الكنائس المسيحية وليس المعابد البوذية، رغم أنّ تاريخ المظالم بحقّ المسلمين يشير بالاتهام إلى أتباع الديانة الثانية، وليس الأولى؟ سؤال آخر يمكن أن يتوقف عند التوقيت، وما الذي يمكن أن تخدمه هذه الرسالة الوحشية الدامية، في هذه المرحلة من حياة سريلانكا، أو ربما في هذا الطور من واقع الإسلام والمسلمين في شرق وجنوبي شرق آسيا إجمالاً؟ وأخيراً، هل ثمة بالفعل مقدار من حسّ الضحية لدى إنصاف وإلهام، نجلَيْ ملياردير البهار والتوابل، على وجه التحديد؛ يكفي لاقتيادهما إلى هذه الدرجة القصوى من إراقة الدماء؟
للمرء أن يبدأ من حقيقة تاريخية، أو بالأحرى اجتماعية ــ تاريخية، مفادها أنّ عمر الجالية المسلمة في سريلانكا يعود إلى 1000 عام على الأقلّ؛ أياً كانت تصنيفات هذا الإسلام: أصول تعود إلى التجار العرب، أو تنويعات على إسلام شبه القارّة الهندية، أو مجرّد ديانة منفصلة إثنياً عن الغالبية السنهالية ومختلطة من جانب آخر مع أقلية التاميل. التفصيل الأهمّ في هذا أنّ العلاقات بين البوذية والإسلام، وبين السنهالية والإسلام التاميلي استطراداً، ظلت قائمة على وئام وسلام حتى أواخر القرن التاسع عشر، مع دخول عاملَين حاسمين على الواقع السريلانكي: الاستعمار البريطاني، ثمّ صعود النظام الإقطاعي على خلفية ما أقامته السلطات الاستعمارية من شبكات ولاء وامتيازات. في أيار (مايو) سنة 1915 سوف تقع أولى أعمال العنف الإثنية بين البوذيين السنهاليين والمسلمين، ولسوف تتكرر في سبعينيات القرن المنصرم، وكان انتهاء الحرب الأهلية (1983 ــ 2009) بانتصار الجيش السريلانكي واستسلام «نمور التاميل» فرصة سانحة لنهوض تيارات بوذية متطرفة وضعت استهداف المسلمين ضمن سلّة مطالب قومية ومذهبية وهوياتية.

ما الذي يمكن أن تخدمه هذه الرسالة الوحشية الدامية، في هذه المرحلة من حياة سريلانكا، أو ربما في هذا الطور من واقع الإسلام والمسلمين في شرق وجنوبي شرق آسيا إجمالاً؟

غير أنّ تاريخ سريلانكا الحديثة الذي يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر هو أيضاً، كما يشير م. أ. نعمان أستاذ دراسات التاميل في جامعة بيرادينيا، تاريخ تطوّر الوعي الإثني وصراعات الأقليات: بين السنهال، والتاميل، والمسلمين. ولعب الدين، إلى جانب اللغة، أدواراً رئيسية في التشكيلات الإثنية خلال مراحل الاستعمار وما بعد الاستعمار؛ حيث كان لكلّ من الناطقين باللغة السنهالية أو التاميلية أقليات فرعية في صفوف البروتستانت والكاثوليك والبوذيين والمسلمين، وتشكلت على أساس ذلك مجموعة لغوية سنهالية تضمّ البوذيين والمسحيين معاً، ومجموعة لغوية تاميلية تضمّ الهندوس والمسيحيين. هذا فضلاً عن لجوء النًخب السياسية والاقتصادية، الإقطاعية على وجه الخصوص، إلى توظيف العوامل الدينية واللغوية في استقطاب الجماعات الإثنية وممارسة مختلف أنساق الهيمنة والاستغلال. هذه الفسيفساء الغنية، والمتزاحمة المتنافسة في آن معاً، خضعت لاعتبارات شتى في عقود ما بعد الاستقلال، وأسفرت عن انحيازات أعلى توتراً واحتقاناً بعد انتهاء الحرب الأهلية، وشيوع الفساد وحكم العائلات.
كذلك يصحّ وضع حال المسلمين في سريلانكا ضمن خريطة أوسع، تشمل مظالم أشدّ وطأة في الواقع، تبدأ من الروهينغا في ميانمار، ولا تنتهي عند مسلمي المالاوي في تايلاند. وهنا أيضاً يُثار تساؤل منطقي: ألم يكن حرّياً بحاضنة الإرهاب أن تترعرع في أوساط مسلمي هاتين الفئتين، بدل ما شهدناه من نماذج التشدد الجهادي والتطرّف العقائدي لدى زهران هاشم و«جماعة التوحيد الوطنية» في سريلانكا؟ الإجابة تصبح نافلة، في واقع الأمر، لأنّ خريطة هذا الطراز من الإرهاب الجهادي لا تبدأ من السؤال المنطقي، ولهذا فإنها لا توفّر إجابة منطقية من أيّ نوع؛ وفي هذا الإطار من البحث عن جذور الظاهرة، وخلفياتها السياسية والاجتماعية العابرة للمؤثر العقائدي والآصرة الإثنية. بهذا المعنى فإنّ استهداف الكنائس، والفنادق التي استقبلت «المحتفلين بعيدهم الكفري» حسب بيان «داعش» الذي أعلن تبنّي المذبحة، ليس له من معاني المظلومية أو ثأر الضحية إلا النزر القليل والصلة الواهية.
وهكذا يتوجب أن تعيدنا هذه الحال إلى ما يشبه «كتلة منطق» مبسطة تحكم كلّ واقعة إرهابية، ربما مع استثناءات جدّ محدودة وقليلة ونادرة: 1) أنّ الضربة الإرهابية لا تميّز، قبل التنفيذ وخلاله وبعده، بين «بريء» و«مذنب»، أياً كانت الدلالة التي يقرنها التنظيم الإرهابي بهاتين المفردتين؛ ولكنها 2) لا توحّد بالضرورة، ولا تقيم موازنات انسجام أو حتى تنافر، بين هذا أو ذاك من الأيدي المنفذة، ممّن يلتقون حول الوسيلة والغاية من دون تباين أو تلاقٍ في عناصر الاجتماع والثقافة والتجنيد العقائدي. لهذا فإنّ السؤال الكلاسيكي، حول دافع نجلَيْ ملياردير التوابل والبهار في الانتحار وإزهاق الأرواح، يصبح غير ذي معنى في مستوى تشخيص الجريمة؛ لكنه يحمل الكثير من المعنى، والإلحاح والضرورة، في مستوى الذهاب نحو الجذور. قبل مظالم مسلمي آسيا، وقبل تسيّد أسامة بن لادن و«القاعدة» و«داعش»، ضرب الإرهاب في عشرات الأماكن، واختلطت ــ في قراءة نوازعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية… ــ تفاصيل التربية العائلية والحياة اليومية والسلوك العام والأمزجة النفسية والنزوعات الفكرية والثقافية، وما إليها.
وبالطبع، في وسع المرء أن يعدّ، فلا يستنفد مهما أحصى، سلسلة الجرائم التي ارتكبتها «داعش» في العراق، أوّلاً، ثمّ في سوريا بعدئذ؛ وأن يسرد مجلدات في جرائم هذه المنظمة الإرهابية، وفظائعها ومباذلها؛ وأن يختار من سجلّها الحافل أية واقعة شنيعة، مهما خفّت بشاعتها، لكي يستخلص أنّ «داعش» ليست من الإسلام في شيء، وأنها ـ على نقيض تامّ ممّا تعلن ـ ظهيرة الطغاة وأنظمة الاستبداد والفساد. ليس هذا هو المطلوب الملحّ، مع ذلك، على أهمية ممارسته دائماً، ودون كلل أو ملل. ما يُطلب على نحو أهمّ، وأشدّ إلحاحاً، هو التيقّظ على العوامل المختلفة، السياسية والاجتماعية والثقافية، التي أتاحت صعود «داعش»، وتتيح وضعها في القلب من معظم سيناريوهات التخريب والتفكيك والتقسيم، فضلاً عن التجهيل والاستغلال والتحريف، التي يتعرّض لها الاجتماع الوطني في كلّ من العراق وسوريا على حدّ سواء.
وليس أسهل من إدانة الإرهاب الأعمى، والتضامن مع الضحايا، وتأثيم «داعش» وسواها بأشنع الألفاظ. الأجدى، في المقابل، والأصعب بالطبع، هو محاولة اختراق دماغ إنصاف وإلهام محمد يوسف إبراهيم، السريلانكيَين اللذين انتبذا عن المليارات مسافة دامية قصوى، وذهبا إلى سفك الدماء البريئة دون أن يرفّ لهما جفن. هنا مكمن الأسئلة غير الكلاسيكية، التي تضرب عميقاً في الجذور، ولا تكتفي بخدش السطوح وحدها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

أفي شلايم

ومراثي تشييع الصهيونية

صبحي حديدي

 

تحت عنوان «بنيامين نتنياهو وموت الحلم الصهيوني» احتلت مقالة أفي شلايم، المؤرّخ الإسرائيلي البريطاني من أصول عراقية، صدارة الصفحة الأولى في صحيفة «نيويورك تايمز»، أمس؛ وشاء التحرير استكمال الطابع الدرامي، الذي انطوى عليه العنوان أصلاً، فأضاف الاقتباس الاستهلالي التالي: «آباء إسرائيل المؤسسون يتقلبون في قبورهم». ورغم أنّ هذه النبرة النقدية والاتهامية الحادّة ضدّ نتنياهو، واليمين الإسرائيلي القوموي والديني إجمالاً، ليست جديدة على شلايم (مؤلف «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي» كما تشير الصحيفة، وقبله «تواطؤ عبر نهر الأردن» و»سياسة التقسيم» و»الحرب والسلام في الشرق الأوسط» كما تجدر الإضافة)؛ فإنّ خلاصات المقالة، المستمدة جوهرياً من فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ليست جديدة تماماً: لا بمعنى جديد شلايم نفسه، أوّلاً؛ ولا جديد دولة الاحتلال، ثانياً وأساساً.
منذ عشرينيات القرن الماضي، يساجل شلايم، انقسمت الحركة الصهيونية إلى مجموعتين طرحت كلّ منهما أفكاراً متنافسة حول الدولة اليهودية: الأولى ليبرالية، جسّدها دافيد بن غوريون، الأب المؤسس، قائد حزب العمل، ورئيس الوزراء الأطول عهداً في المنصب؛ والثانية يمينية، قادها زئيف جابوتنسكي، مؤسس «الصهيونية التنقيحية». الأوّل، حسب شلايم دائماً، جسّد «الحلم الصهيوني الليبرالي بدولة يهودية حرّة، مستقلة متساوية»؛ والثاني طالب بـ»دولة يهودية قوموية تفرض سيادتها على كامل الأراضي بين ضفتي نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط». وأمّا نتنياهو، الذي يوشك على تجريد بنغوريون من لقب رئيس الوزراء الأطول ولاية، فإنه يدشن انتصار «الصهونية التنقيحية» بعد 100 عام على ولادتها، لكنه في واقع الأمر أكثر محافظة وتطرفاً من المؤسس جابوتنسكي؛ لأنّ الأخير آمن، على الأقلّ، بطراز من «عدم الاكتراث المهذّب» تجاه المطامح الوطنية للفلسطينيين، وأمّا الأوّل فإنه يعتمد تجاههم مبدأ «العداء النشط المتعنت».
وبمعزل عن واقعة ولاية نتنياهو الخامسة، التي أسقطت بن غوريون عن عرش الديمومة الأطول، فهل نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة هي المناسبة الأولى، أو حتى الأبرز، لتشييع ما يُسمّى «الحلم الصهيوني» إلى مدافن التاريخ؟ وما ذاك الحلم، في المقام الأوّل؟ وهل تجاوز حقاً صياغاته الفلسفية، أو حتى تنظيراته السياسية، على أيدي «يسار» الصهيونية أو «اليمين» فيها، أو حتى ما يُشاع أنه «الوسط»؟ يحقّ للمرء أن يستذكر، هنا، وبصدد «الآباء» المؤسسين، مكانة أحدهم، أو آخر ممثليهم في الواقع، شمعون بيريس: صانع البرنامج النووي الإسرائيلي، والآمر بقصف ملجأ قانا (في جنوب لبنان، ربيع 1996)، ومفوّض جهاز الـ»شاباك» باغتيال النشطاء الفلسطينيين («المهندس» يحيى عياش، مثلاً)، والشريك في حكومة أرييل شارون… من جانب أوّل؛ وصاحب نظرية «الشرق الأوسط الجديد»، و»شيخ» ما يُسمّى «معسكر السلام»، وحامل نوبل للسلام، من جانب آخر. بِمَ اختلف، في ذلك النزوع المتأصل إلى ممارسة الإرهاب العاري، عن جميع «ملوك إسرائيل الجدد»، ابتداءً من دافيد بن غوريون وغولدا مائير وموشيه دايان ومناحيم بيغن، وليس انتهاء بأمثال إسحق رابين ونتنياهو وإيهود باراك وشارون…؟
أم نعود أبعد في تاريخ دولة الاحتلال، فنذهب (مع شلايم أيضاً، وليس مع مؤرّخ إسرائيلي آخر أكثر نزاهة مثل إيلان بابيه) نحو بن غوريون نفسه، مؤسس «الحلم» دون سواه؛ لجهة أوهام «فريق الاستشراق» الذي هيمن على تفكيره وصاغ معه أبكر حلقات التعنت الإسرائيلي تجاه التوسع والاستيطان والسلام ومنظور «الدولة اليهودية» (في دراسة بعنوان «مقاربات متصارعة في علاقة إسرائيل مع العرب، بن غوريون وشاريت، 1953 ــ 1956»، نُشرت سنة 1983). بعد ثلاث سنوات، سوف ينشر شلايم بحثاً متميزاً بعنوان «حسني الزعيم وخطة إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا»، تؤكد أن الزعيم وفّر للحكومة الإسرائيلية فرصاً عديدة للتوصل إلى تعايش سلمي بعيد المدى؛ رُفضت جميعها انطلاقاً من قناعة بن غوريون أنّ انقلاب الزعيم كان لعبة بريطانية (واتضح لاحقاً، عند مايلز كوبلان في «لعبة الأمم»، أنّ اللعبة كانت من صنع المخابرات المركزية الأمريكية).
أم نستذكر غولدا مائير، ابنة حزب العمل، ورابع رؤساء الحكومة الإسرائيلية، وأوّل امرأة تتولى المنصب؛ التي اعتادت الشكوى من أنّ المحاور العربي غير موجود، وأنها مستعدة دائماً للقاء أيّ زعيم عربي لبحث السلام؛ حتى شاعت، حينذاك، نكتة تقول إنّ مغسلة مائير مفتوحة أمام المفاوضات 24 ساعة يومياً. لكنها كانت صاحبة العبارة الشهيرة «يمكننا أن نسامح العرب على قتلهم أطفالنا، ولكن لا يمكننا أن نصفح عنهم لإجبارهم إيانا على قتل أطفالهم»؛ والتي وقفت ذات يوم قبالة شاطئ العقبة، وقالت: «إنى أشمّ رائحة أجدادى في خيبر».

إنّ نتائج الانتخابات الأخيرة لا تمنح نتنياهو رقماً قياسياً في الحكم، ولا تشكّل استفتاءً إسرائيلياً على شعبية أفكاره وسياساته، فحسب؛ بل هي أيضاً النعوة الأحدث عهداً لحزب العمل، الحاضنة التاريخية للخطّ «العلماني» في الفلسفة الصهيونية

كانت مائير واجهة جيل من يهود أوكرانيا تقاطروا على «موطن الحلم»، لكي ينقلبوا إلى صنّاع كابوس سوف يهيمن سريعاً، وحتى الساعة، على وجدان غالبية ساحقة من مهاجرين شذّاذ آفاق؛ اغتصبوا أرض فلسطين وأقاموا المستوطنات وفقدوا تدريجياً آخر الأوهام حول الـ»كيبوتز» بوصفه تجسيد الفردوس الصهيوني في أرض الميعاد. ولم تكن مراسلاتها مع أنور السادات، على طريق إبرام اتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974، سوى طبعة ما بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 من ذلك المزيج الدائم بين بن غوريون وجابوتنسكي.
رئيس الوزراء القتيل إسحق رابين كان جنرالاً أقطع الصهاينة من أرض فلسطين ما لم يتوفر حتى للملك داود والملك سليمان، وبفضله تمكن الحاخامات من التجوال في بطاح اعتبر أنبياء إسرائيل أنّ الربّ منحها لهم إلى الأبد. وإلى جانب تعاليمه في سحق عظام» الفلسطينيين أثناء الانتفاضة الأولى، فإنّ قارىء مذكرات رابين يدرك أنه، مثل السواد الأعظم من الإسرائيليين يميناً ويساراً، كان يبغض الانفكاك عن حدود 1967 وما تستثيره في الوجدان اليهودي من غبطة ومشاعر قيامية. وقد استخدم تعبير «نهار العمر كله» في وصف تلك البرهة الأكثر قداسة ورهبة وغبطة في السنوات الـ45 التي انصرمت من عمره، حين توجّه في 7 حزيران (يونيو) 1967 برفقة وزير الدفاع موشيه دايان لزيارة الحائط الغربي في القدس: «يسهل عليّ أن أسترجع المشاعر التي انتابتني ساعتئذ، ولكن يصعب كثيراً أن أترجم تلك المشاعر إلى كلمات. الحائط كان وما يزال واحداً من معالم أمجاد الاستقلال اليهودي في غابر الأزمان. حجارته تمتلك قوّة مخاطبة قلوب اليهود في العالم بأسره، وكأنّ الذاكرة التاريخية للشعب اليهودي استقرّت في في شقوق مكعباته».
هؤلاء نماذج أربعة من حزب العمل، أو الرهط الذي يوحي شلايم أنه رفع راية «الحلم الصهيوني»، ثمّ جاء أبناء جابوتنسكي وأحفاده لكي يشيعوا إلى المدافن الإسرائيلية كلّ ما روّج له ذلك الحلم من «ليبرالية» و»مساواة»؛ فلا تبرهن سجلاتهم، على امتداد تاريخ دولة الاحتلال، بما هو أكثر سوءاً من سجلات أقرانهم في صفوف اليمين والأحزاب المتدينة. لهذا فإنّ نتائج الانتخابات الأخيرة لا تمنح نتنياهو رقماً قياسياً في الحكم، ولا تشكّل استفتاءً إسرائيلياً على شعبية أفكاره وسياساته، فحسب؛ بل هي أيضاً النعوة الأحدث عهداً لحزب العمل، الحاضنة التاريخية للخطّ «العلماني» في الفلسفة الصهيونية. لقد واصل هذا الخطّ هزائمه المتعاقبة، وانتقل من مأزق إلى آخر، منذ أيار (مايو) عام 1977، حين مُني بهزيمة تاريخية ماحقة جاءت بحزب الليكود واليمين القومي والديني المتطرف إلى السلطة، للمرّة الأولى في تاريخ دولة الاحتلال.
فعلام، إذن، يفترض شلايم أنّ «الآباء المؤسسين» يتقلبون في مقابر تلك الصهيونية العتيقة، التي سادت… وعلى أيدي أنبيائها بادت!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

نتنياهو الولاية الخامسة:

بين سرطان وخدش في القدم

صبحي حديدي

 

ليس من المبكر التثبّت من قيمة هدايا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتننياهو، في فوز الأخير بولاية خامسة على التوالي خلال انتخابات الكنيست الأخيرة؛ إذْ أنّ هذا التأثير لم يكن هو الفارق، أصلاً، في ترجيح كفّة التحالف اليميني/ الديني الذي سوف يقوده نتنياهو، من موقع تحكّم أفضل وليس أسوأ. وعلى المنوال ذاته يجوز أن تُقرأ هدية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل، القتيل في معركة السلطان يعقوب في لبنان، 1982: تساعد قليلاً في تلميع صورة نتنياهو، لكنها ليست ــ مثل هدايا ترامب أيضاً ــ «بيضة القبان» التي رجحت كفة الولاية الخامسة.
في المقابل، كانت هدايا نتنياهو إلى نفسه، وإلى الأحزاب التي سوف تتحالف معه (من قبيل إعلان العزم على فرض السيادة الإسرائيلية في مناطق من الضفة الغربية لا تشمل أراضي المستوطنات وحدها، بل تذهب أبعد وأوسع)؛ أرجح كثيراً في نفس الناخب الإسرائيلي القياسي، وأعمق تأثيراً وسطوة. وهذه حال تعيد إلى الذاكرة تأويلات المؤرّخ الإسرائيلي ميرون بنفنستي، على سبيل المثال فقط، لما أطلق عليه صفة «كارثة إسرائيلية» تجسدها سيرورات ضخّ النزوعات الإيديولوجية في كلّ مناحي الحياة الإسرائيلية، السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية: «حين سيكتب المؤرّخ وقائع الكارثة ذات يوم، سوف يُتاح له على الأقلّ أن يضع هامشاً أسفل الصفحة يقتبس فيه مراثي أنبياء القيامة ممّن ساروا على درب الكارثة».
وفي وسع المرء أن يذهب إلى ليكودي، أمريكي هذه المرّة، هو دانييل بايبس الذي رأى «فلسفة» الهدايا من زاوية خاصة تماماً، شديدة الارتباط بجدليات العلاقات الأمريكية ــ الإسرائيلية؛ أي الصهيونية المسيحية، ليس في عهد ترامب وحده، للإيضاح المفيد، بل طوال عهود سابقة وإدارات متعاقبة. ومنذ مطالع رئاسة باراك أوباما، ورغم أنه أشبعه شتماً وقدحاً، اعتبر بايبس أنّ هذا الطراز من الصهيونية هو «أفضل أسلحة إسرائيل»، بالنظر إلى أهمية مواقف اليمين الأمريكي المسيحي المتعاطف مع دولة الاحتلال، وكيف يتبنى هذا الصفّ مواقف متشددة تبدو خيارات بعض الساسة الإسرائيليين «حمائمية» تماماً إلى جانبها.
تفسيره البسيط، أو التبسيطي تماماً في الواقع، يقول إنّ هذا النسق السياسي ــ الفلسفي، الذي عبّر ويعبّر عنه أمثال غاري باور وجيري فالويل وريشارد لاند، يعود بجذوره إلى العصر الفكتوري في بريطانيا، وإلى العام 1840 حين أوصى وزير الخارجية اللورد بالمرستون بأن تبذل السلطات العثمانية كلّ جهد ممكن من أجل تشجيع وتسهيل عودة يهود أوروبا إلى فلسطين. كذلك كان اللورد شافتزبري هو الذي، في العام 1853، نحت العبارة الشهيرة في وصف فلسطين: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض». غير أن ما يتحاشى بايبس الوقوف عنده هو السؤال التالي: لماذا لا يكون حماس هؤلاء هو الوجه الآخر لفتور معظم الحماس الصهيوني عند الصهاينة، وميلهم إلى اعتناق فكر بديل، نازي أو عنصري؟ ولماذا لا يكون رجال من أمثال شمعون بيريس وإيهود باراك وأرييل شارون وإيهود أولمرت ونتنياهو… أكثر راحة وهم يتمترسون خلف «عقلية نازية مضمرة»، من راحتهم وهو يتصرفون كصهاينة؟

الارتباط العاطفي بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بلغ درجة فاقعة صارخة فاضحة، تستدعي وضع كتاب كامل يرصد محطاتها منذ العام 1947

وذات يوم غير بعيد واجه نتنياهو تهمة الخيانة من هاجي بن ــ أرتزي، شقيق زوجته، والقيادي البارز في «الحزب الديني القومي»، أو (المفدال)، الذي حلّ نفسه وانضمّ أعضاؤه إلى حزب ديني متطرف آخر، هو «البيت اليهودي». «حين يكون المرء مصاباً بالسرطان، فإنه لا يكترث بخدش في القدم»، كتب بن ــ أرتزي؛ قاصداً بالسرطان الخطر النووي الإيراني، وبالخدش فكرة الحلّ القائم على دولتين، إسرائيلية وفلسطينية. وهذا اليهودي اليميني المتدين المتشدد، الذي يقيم في مستوطنة بيت إيل عن سابق قصد وتصميم، يرفض خيار الخدش، ويعلن أنّ إقدام صهره نتيناهو على القبول به سوف يجعل من الأخير خائناً بحقّ التوراة، ليس أقلّ!
خلال الحقبة ذاتها، وفي تعليقه على زيارة نتنياهو الأولى إلى الولايات المتحدة خلال رئاسة أوباما، شاء الكاتب الإسرائيلي اليساري جدعون ليفي أن يتمنى على الرئيس الأمريكي الاقتداء بسلفه الأسبق ريشارد نكسون في إنقاذ دولة الاحتلال؛ مع فارق حاسم بالطبع: الأخير أنقذها من الجيوش العربية سنة 1973، والأوّل ينبغي أن ينقذها من… نفسها! والحال أنّ سلسلة التطوّرات السياسية الإسرائيلية الداخلية التي أعقبت توقيع اتفاقيات أوسلو (اغتيال رابين، انتخاب نتنياهو في غمرة تحقير شمعون بيريس، انتخاب إيهود باراك وتحقير نتنياهو، انتخاب شارون وتحقير باراك، ثمّ انتخاب نتنياهو وتحقير «كاديما» وباراك معاً…)؛ لم تكن إلا سبيل الإسرائيليين في التأكيد على أنّ نسبة ساحقة منهم لم تخرج من شرنقة الانعزال العتيقة.
ومن محاسن أقدار الصهر والنسيب معاً، وسوء طالع ليفي، أنّ أوباما لم يحرج ضيفه نتنياهو إلى أيّ مستوى قريب من ارتكاب الخيانة، أو الخدش في القدم، يومذاك؛ فاكتفى بالعموميات والتأتأة الدبلوماسية في كلّ ما يخصّ الحقوق الفلسطينية، وصال وجال في البلاغة والخطابة، مشدداً على التزامه المطلق بأمن «إسرائيل، الدولة اليهودية». ولقد بدا أنّ أوباما ونتنياهو قد اتفقا، ضمن صيغة مكتومة من التواطؤ المكشوف، على تناسي ما دار بينهما من حديث أثناء زيارة أوباما إلى إسرائيل؛ حين كان الأخير محض مرشّح للرئاسة، وكان نتنياهو زعيم حزب «ليكود» الطامح إلى هزيمة «كاديما». آنذاك، كما روى نتنياهو للصحافة، انزوى الرجلان بعيداً عن الحشد، فقال الأوّل للثاني: «أنت وأنا نشترك في الكثير. لقد بدأتُ على اليسار وانتقلتُ إلى الوسط. وأنت بدأتَ على اليمين وانتقلتَ إلى الوسط. كلانا براغماتي يرغب في إنجاز الأمور».
الهدايا، إذن، ليست «عينية» بالضرورة بين دولة الاحتلال وأصدقائها الخلّص، في البيت الأبيض كما في الكرملين؛ إذ سبق لها أن اتخذت صفات رمزية «فلسفية»، أو توراتية/ مسيحية/ صهيونية، أو سلوكية وذاتية لها صفة «الهوى» الشخصي المحض كما هي عليه اليوم حال ترامب. وفي قلب السجلّ الكوني لعربدة الولايات المتحدة على صعيد العلاقات الدولية، تظلّ الروابط الأمريكية ــ الإسرائيلية حجر زاوية، حيث يجري التضامن على مبدأ نصرة الحليف ظالماً أو مظلوماً. وذات يوم بعيد هذه المرّة ــ في سنة 1796! ــ حذّر الرئيس الأمريكي جورج واشنطن الأمّة الأمريكية من الانخراط في «ارتباط عاطفي» مع أية أمّة أخرى؛ لأنّ «ذلك سوف يخلق وهماً عامّاً بوجود مصلحة مشتركة، والحال أنه لا توجد مصلحة مشتركة بين الأمم». بعد أكثر من قرنين ارتأى جورج بول (الدبلوماسي المخضرم، وأحد أبرز مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي) أنّ هذا الارتباط العاطفي بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بلغ درجة فاقعة صارخة فاضحة، تستدعي وضع كتاب كامل يرصد محطاتها منذ العام 1947.
ولقد نصح الساسة الأمريكيين باعتماد مبدأ المثلّث في تمحيص العلاقة، بحيث يكون ضلع أوّل هو المصلحة القومية الأمريكية، وضلع ثان هو المصلحة القومية الإسرائيلية، وضلع ثالث هو المصلحة القومية العربية. الأيّام أثبتت، وما تزال، أن أضلاع المثلث الراهنة تسير على نحو مختلف تماماً: ضلع أوّل هو المصلحة القومية الأمريكية، وضلع ثان هو المصلحة القومية الإسرائيلية، وضلع ثالث هو المصلحة القومية… لليهود الأمريكيين! ولا حاجة للتثبّت من مقادير خسائر وأرباح هذا المثلث عند رجل مثل نتنياهو، في عهد رجل مثل ترامب؛ أو ما شاء المرء من زعماء على الطرفين، فالفوارق ليست قاطعة.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

مناهضة الصهيونية

وانحطاط التشريع الفرنسي

صبحي حديدي

 

مكتب رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي سرق الـ»سكوب» من قصر الإليزيه، ومن غالبية وسائل الإعلام الفرنسية، حين استبق الجميع فأعلن أنّ بنيامين نتنياهو اتصل هاتفياً بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهنأه على… ما سيعلنه، الليلة، من مفاجأة سارّة، خلال خطبته في العشاء السنوي لـ«المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا»، الـCRIF. فعلى امتداد 34 سنة من عشاءات مماثلة، تردد عليها كبار مسؤولي فرنسا وقادة أحزابها السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية والنقابية، ابتداءً من رؤساء الجمهورية وليس انتهاءً بالصحافيين؛ حلم رجال الـCRIF ونساؤه بهذه البرهة الإعجازية: أن يعلن رئيس الجمهورية اعتناقه مبدأ التطابق بين العداء للسامية والعداء للصهيونية، أوّلاً؛ ثمّ، ثانياً وليس أقلّ أهمية، الوعد بتشريع قانوني يجرّم أولئك الذين يرتكبون «الإثم» الثاني، وكأنهم ارتكبوا الجرم الأوّل.
«العداء للصهيونية هو واحد من الأشكال الحديثة للعداء للسامية»، قال ماكرون وصوته ليس أقلّ تهدجاً منه في تلك الفقرات التي حرص خلالها على تعداد أسماء ضحايا العداء للسامية في فرنسا؛ مشدداً، حتى من باب انتهاج الدراما، على أنّ الشرور واحدة في كلّ الأشكال، والتشريع المقترح سوف يضيف العداء لدولة الاحتلال (من باب افتراض أنها روح الصهيونية ورمزها ومؤسستها ودولتها…) إلى كلّ الأشكال الأخرى، قديمها وحديثها. ثمّ توجّب أن ينافق قليلاً، من موقعه النيو ــ ليبرالي قبل ذاك الذي يخصّ رئاسة جمهورية اليعاقبة، فيميّز هكذا: «الأمر لا يدور حول تعديل قانون العقوبات، ولا أيضاً على منع أولئك الراغبين في نقد السياسة الإسرائيلية من القيام بهذا». فعمّ يدور، إذن؟ «السماح بإقرار توصيات تتيح التدريب الأفضل للموظفين العموميين من أجل مكافحة العداء للسامية»، أردف ماكرون، الذي تفادى النطق بالعبارة الأصدق توصيفاً للفارق بين العداء للسامية والعداء للصهيونية: أنّ الأوّل سلوك عنصري وتمييزي ينطوي على خطاب الكراهية، والثاني حقّ مشروع في التعبير عن رأي بصدد فلسفة سياسية ومؤسسة استيطانية وعنصرية.
وجهة النفاق الأولى كانت تنبثق من حقيقة أنّ ماكرون أعلن مرجعية كبرى للتشريع الفرنسي الوشيك، تتمثل في الالتزام الرسمي بتعريف العداء للسامية كما أقرته منظمة «التحالف الدولي لاستذكار الهولوكوست»، أو الـ
IHRA، في مؤتمر بوخارست، صيف 2016. وهذا قرار ينصّ، بين حيثيات أخرى، على أنّ العداء للسامية يمكن أن يتخذ المظاهر التالية: 1)»اتهام اليهود كشعب، أو إسرائيل كدولة، باختراع الهولوكوست أو المبالغة فيه»؛ و2) «اتهام المواطنين اليهود بأنهم أكثر ولاءً لإسرائيل، أو الأولويات المزعومة لليهود على نطاق عالمي، من ولائهم لمصالح الأمم التي يتحدرون منها»؛ و3) «إنكار حقّ اليهود في تقرير المصير، أي الزعم بأنّ وجود دولة إسرئيل مشروع عنصري»؛ و4) «استخدام رموز وصور مرتبطة بالشكل الكلاسيكي من العداء للسامية (مثل الزعم بأنّ اليهود قتلوا المسيح) لتوصيف إسرائيل أو الإسرائيليين»؛ و5) «عقد مقارنات بين السياسة الإسرائيلية المعاصرة وسياسة النازيين…

الفارق بين العداء للسامية والعداء للصهيونية: أنّ الأوّل سلوك عنصري وتمييزي ينطوي على خطاب الكراهية، والثاني حقّ مشروع في التعبير عن رأي بصدد فلسفة سياسية ومؤسسة استيطانية وعنصرية

فما الذي يتبقى، والحال هذه، من هوامش في نقد السياسات الإسرائيلية، على غرار الاستيطان (غير الشرعي في القانون الدولي)، أو مصادرة البيوت والأراضي، أو تهديم المنازل السكنية، أو التصفيات الجسدية، أو اقتلاع الأشجار، أو التمييز العنصري الصريح وفق قانون «هوية الدولة اليهودية»…؟ وكيف للقانون أن يعامل آلاف اليهود الذين يعلنون، قولاً وفعلاً، مناهضتهم للصهيونية، فلسفة ومؤسسات وكياناً وجيشاً؛ هل يُعاملون معاملة أبناء الديانات الأخرى من حيث جناية العداء للسامية، أم يتوجب اختراع تعريف آخر لهم، يتيح إمكانية استصدار تشريعات تكفل تجريمهم؟ وكيف سيردّ مشرّعو حزب الرئيس الفرنسي على المؤرّخ الفرنسي اليهودي دومنيك فيدال، حين يكتب: «إذا اعتبرنا معارضة نظرية تيودور هرتزال عداءً للسامية، فإننا عندها نقول إنّ ملايين اليهود الذين لا يرغبون بالعيش في فلسطين والأراضي المحتلة، معادون للسامية»؟
وهذه حال تعيد التذكير بسجال يهودي ــ يهودي جمع روجيه كوكيرمان، وكان يومها يترأس الـ
CRIF، وتيو كلاين الذي سبقه إلى رئاسة المجلس التمثيلي ذاته. الأوّل كان يُسائل حقّ أيّ يهودي في انتقاد الحكومة الإسرائيلية، بل حقّ أيّ متراخِ في الدفاع عن الكيان الصهيوني، وقد نشر في صحيفة «لوموند» مقالاً شنّ فيه الهجوم على «قادة هذا البلد ممّن يقللون من أثر الأفعال المعادية لليهود»؛ وعلى «السلطات التي يحلو لها أن ترى في الهجوم على كنيس مجرّد عمل من أعمال العنف وليس فعلاً معادياً للسامية»؛ وعلى «بعض اليهود الذين فقدوا الصلة بالواقع اليهودي»؛ وعلى «وسائل الإعلام التي يطيب لها إعطاء أكبر صدى ممكن للأصوات التي تنتقد إسرائيل واليهود، خصوصاً حين تكون تلك الأصوات يهودية.»… القضاء الفرنسي لم يسلم من المضبطة الاتهامية، رغم أنّ الفرنسيين لا يحبّون مَن يشكك في نزاهة قضائهم، فكيف إذا ذهب الإتهام إلى درجة الحديث عن غضّ نظر وتساهل وتسامح مع «أعداء إسرائيل»؟
وكيف ستحكم محكمة فرنسية، في ضوء التشريع الجديد، على دعوى قضائية قد يرفعها مواطن فرنسي (يهودي) ضدّ مواطن فرنسي آخر (مسيحي أو مسلم أو بوذي، أو حتى يهودي…) نشر بحثاً تاريخياً حول «قضية كاستنر»، مثلاً؛ وهل سيجد القاضي فقرة في القانون تدين الباحث، على خلفية العداء لليهود، أو العداؤ للكيان الصهيوني؟ معروف أنّ هذه القضية بدأت سنة 1945 حين بادر اليهودي الهنغاري مالكئيل غرينفالد (أحد الناجين من الهولوكوست) إلى نشر كرّاس صغير يتهم فيه اليهودي الهنغاري رودولف كاستنر (القيادي الصهوني البارز وأحد أقطاب الـ»ماباي»، حزب دافيد بن غوريون) بالتعاون مع النازيين خلال سنتَي 1944 و1945. وفي الوقائع أنّ كاستنر وافق، بعد تنسيق مباشر مع الضابط النازي المعروف أدولف إيخمان قائد الـ»غستابو»، على شحن نصف مليون يهودي هنغاري إلى معسكرات الإبادة؛ بعد أن طمأنهم كاستنر وبعض معاونيه إلى أنّهم سوف يُنقلون إلى مساكن جديدة، حتى أنّ البعض منهم تسابقوا إلى صعود القطارات بغية الوصول أبكر! وكان الثمن، في المقابل، هو إنقاذ حياة كاستنر وبعض أقربائه، وغضّ النظر عن هجرة 1600 يهودي إلى فلسطين.
ماكرون اعتبر أنّ «العداء للسامية ليس مشكلة لليهود، بل هو مشكلة للجمهورية»، وهذا صحيح بالطبع، مثله في ذلك مثل العداء لأية فئة إثنية أو دينية على ركائز عنصرية او تمييزية، وليس على أسس الاختلاف في الفكر أو السياسة أو الثقافة أو الاجتماع. وبهذا المعنى فإنّ جميع المعطيات الإحصائية المتوفرة تشير إلى أنّ العداء للسامية بدأ، ويتواصل، كمشكلة غربية (وليست البتة شرقية، في الأصول والعناصر والوقائع والنطاقات)، تتجاوز أنظمة الحكم في الجمهوريات والملكيات والإمارات. «وكالة الحقوق الأساسية»، التابعة للاتحاد الأوروبي، استفتت أكثر من 16 ألف مواطن يهودي، في 12 بلداً أوروبياً؛ فاستخلصت أنّ 90٪ منهم شعروا بأنّ العداء للسامية يتنامى في بلدانهم، وأنّ 30٪ منهم تعرّضوا بالفعل للمضايقة على أساس الانتماء للديانة اليهودية. الأمر لا يقتصر على الجمهورية الفرنسية، إذن، ولكنه من جانب آخر لا يتخذ بُعداً متماثلاً: يقول استطلاع رأي آخر قام به الاتحاد الاوروبي في 28 بلداً، إنّ 98٪ من اليهود أكدوا ازدياد العداء للسامية في بلدانهم، مقابل 36٪ من غير اليهود قالوا إنهم لم يشعروا بذلك الازدياد.
صحيح أنّ الجمعية الوطنية الفرنسية لن تمرر القانون، الذي يزمع حزب الرئاسة طرحه، دون تمحيص وتدقيق؛ إلا أنّ إقرار أية صيغة للمطابقة بين العداء للسامية والعداء للصهيونية سوف يشكّل نقلة انحطاط كبرى في تاريخ التشريع الفرنسي عموماً، والجمهورية الخامسة خصوصاً، وشطرها الذي يخصّ ماكرون على وجه أخصّ.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

بوتفليقة وجنرالات الجزائر:

تعاقد التمديد المفتوح

صبحي حديدي

 

تقول النكتة إن أحد أطباء الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة فارق الحياة، بعد صراع طويل مع أمراض الرئيس! احترام المرض، بوصفه ظاهرة طبيعية تصيب الآدمي فتُقعده إلى كرسيّ نقّال، أو تعطّل وظائف جسمه الحيوية أو تشلّ ملكاته العقلية، لا يُبطل المغزى السياسي والأخلاقي الذي تثيره النكتة؛ عن حاكم يتربّع على رأس السلطة منذ 20 سنة، ويعتزم اليوم الترشح لولاية خامسة، في انتخابات 18 نيسان (أبريل) المقبلة. الأدقّ، بالطبع، هو القول بأنه لم يعلن هذا الترشيح الخامس بنفسه، لأسباب شتى بينها أغلب الظنّ أنه لم يعد قادراً على النطق السليم؛ بل أعلنت ترشيحه أحزاب التحالف الرئاسي: جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، تجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية الجزائرية.
صحيفة «الوطن» الجزائرية، التي تصدر بالفرنسية، كتبت تخاطب المواطن الجزائري هكذا: «تخال نفسك في سنة 2019، ونقول لك كلا. إنما أنت ما تزال في سنة… 2014»؛ لأنّ الزمن، عند «البطانة الرئاسية»، ما يزال متوقفاً عند الدورة الرابعة للانتخابات الرئاسية! فمن الواضح، تتابع الصحيفة، أنّ مظاهر الجمود والتلفيق والعنف الاستبدادي تظلّ هي ذاتها خصائص السلطة الراهنة، رغم كلّ الضغوط الأخلاقية والسياسية والاقتصادية التي مورست من أجل الانفتاح على حقائق الجزائر في العالم المعاصر. وهكذا، لا حرج على الجزائري، الذي يصغي اليوم إلى أسباب التحالف الرئاسي في إعادة ترشيح بوتفليقة، إذا تراءى له أنه إنما يصغي إلى الأسباب ذاتها التي سيقت في امتداح «المجاهد» بوتفليقة سنة 2014: «تقديراً لحكمة وسداد خياراته وتثميناً للإنجازات الهامة التي حققتها الجزائر تحت قيادته».
لا جديد على مستوى الطرافة، أيضاً، إذْ بلغ عدد المتنطحين للمنصب 172 مرشحاً، أغلبهم دمى في أيدي الأجهزة الأمنية لإسباغ مقدار أدنى من روح المسرح على الانتخابات؛ والقليل منهم يتزعمون أحزاباً وحركات سياسية، لا تخفى مساهماتهم الحميدة في تصنيع الدراما ذاتها؛ وثمة مَنْ سبق له أن ترأس الحكومة، أو حتى نافس بوتفليقة إلى آخر الشوط؛ ولا يعدم المشهد جنرالات متقاعدين، وضباط أمن أفلت نجومهم… وفي قلب الكواليس، ثمة شقيق الرئيس الذي يدير الكثير من الخيوط، ولا يحتاج المرء إلى كبير اتفاق مع الصحافي الجزائري الإشكالي محمد سيفاوي لكي يصادق على توصيفه التالي: «سعيد بوتفليقة في الجزائر هو ما كانت عليه ليلى طرابلسي في تونس»!
الأرجح، في المقابل، أنّ المرء يخطئ إذا ساجل بانّ بوتفليقة لا يحكم في الجزائر، ليس خلال الدورات الثلاث الأولى وحدها، بل كذلك على امتداد السنوات الخمس الماضية؛ التي صرف معظمها مقعداً، صامتاً، نزيل المشافي العسكرية الفرنسية، مستبدلاً شخصه الفيزيائي بصورة فوتوغرافية. لقد حكم بالفعل، ويواصل الحكم اليوم، ولعله سوف يواصله خلال الولاية الخامسة، بعيداً عن أيّ لغز أو سرّ أو خفاء خارج المبدأ الأوّل والأخير: أنه رأس البطانة الحاكمة والواجهة لها، في آن معاً؛ ومصدر توافقها وتصالحها وتفاهماتها، في السراء كما الضراء؛ والقيّم على الفساد، والمافيات، واقتسام ثروات البلاد؛ وأخيراً، ولس آخراً البتة: الخيار الأفضل للقوى الخارجية، الجبارة، ذات الصلة بالجزائر وصاحبة المصلحة في الحفاظ على «استقرار» النظام.

بلغ عدد المتنطحين للمنصب 172 مرشحاً أغلبهم دمى في أيدي الأجهزة الأمنية لإسباغ مقدار أدنى من روح المسرح على الانتخابات

هل في وسع رجل مريض، قعيد الفراش والكرسي النقال أن يتولى كلّ هذا؟ نعم، غنيّ عن القول، ما دامت معادلة حضوره في هذه العناصر كافة لا تتطلب إلا احتلال مقدّمة المسرح، الذي في كواليسه يتوافق أعضاء البطانة؛ بل حدث أحياناً أنهم إلى الواجهة احتكموا، ومن خلاله صدّروا الانطباعات للجزائريين بإسقاط هذا الرأس أو الإطاحة بذاك، طبقاً لقرارات الرئيس القعيد إياه. وفي بلد ترتعش الأفئدة فيه لدى استرجاع سنوات الحرب مع الإرهاب الداخلي، وذاكرة 250 ألف قتيل سقط الكثيرون منهم جراء مجازر ممسرحة دبرتها الأجهزة الأمنية والعسكرية ذاتها؛ كيف لا يبدو هذا الرئيس القعيد، أو حتى الرئيس/ الكفن، بمثابة أفضل خيارات السوء؛ أو، على وجه الدقة، بديل خيارات الدم؟
الوقائع أشارت إلى أنّ الجزائر، خلال الأسابيع القليلة التي أعقبت اندلاع انتفاضات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، في 2010 تحديداً، شهدت أكثر من 112,000 حالة تظاهر أو اعتصام أو احتجاج؛ لأسباب تتصل أولاً بلقمة العيش والغلاء واشتراطات صندوق النقد الدولي، وليس إسقاط النظام على وجه التحديد. لكنّ البطانة الحاكمة، في توظيف مناخات ترهيب الجزائريين من عودة الإرهاب والمجازر تحديداً، تمكنت من إسكات الشارع الشعبي، وإخماد موجات السخط المتعاظمة؛ بل أفلحت، كذلك، في جعل المواطن رهينة البحث عن أسباب العيش اليومي البسيطة، الأمر الذي أتاح تمرير برامج التعديل الاقتصادية والاجتماعية البغيضة. ولقد بدا أنّ التخوّف من عودة عمليات «الجماعة الإسلامية المسلحة» و«الحركة الإسلامية المسلحة» و«الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح» و«الجيش الإسلامي للإنقاذ»، وسواها… أمّن للسلطة خير ساتر إزاء دائرة النقد الاجتماعي، وبالتالي أتاح قبول بطانة بوتفليقة كجهة إنقاذ بديلة وحيدة، أياً كانت موبقاتها.
وليست بعيدة عن المشهد تدخلات الولايات المتحدة في الجزائر، لصالح الإبقاء على الوضع القائم عن طريق محاباة البطانة الرئاسية، في جانب أوّل؛ والإشراف، في جانب ثانٍ، على ضمان ولاء الأجيال الشابة من ضباط الجيش الجزائري، ممّن يتمّ تأهيلهم في الكليات العسكرية الأمريكية. وليست بعيدة تلك المرحلة التي شهدت صمت البيت الأبيض عن حمامات الدم التي وقفت وراءها أجهزة أمنية وعسكرية جزائرية، كانت الاستخبارات المركزية الأمريكية على علم تامّ بها، وتجاهلها تماماً أمثال ريشارد بيرل وبول ولفوفيتز ودونالد رمسفيلد وكوندوليزا رايس. ومن هنا كان حسين آيت أحمد محقاً في إقامة الصلة بين مشروع بوتفليقة حول المصالحة الوطنية (والهدف الفعلي هو تبييض ساحة الجنرالات بما يتيح استمرار تحالفهم مع بوتفليقة، تمهيداً لتعديل الدستور)؛ وبين ما حظيت به رئاسة بوتفليقة من تأييد فرنسي وأمريكي صريح، بدا فاضحاً أحياناً.
كذلك فإنّ ما حدث يوم 11 كانون الثاني (يناير) 1992 لم يكن أقلّ من انقلاب عسكري صريح نفّذه جنرالات الجيش ومؤسسات الحكم المدنية المتحالفة مع مختلف أجهزة السلطة. وباسم الدولة وحفاظاً عليها، بذرائع صيانة السلم الأهلي ودرء الأخطار المحدقة بالوطن، انقضّ الجيش على المؤسسات ابتداءً من رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد، وانتهاء بأصغر مجلس بلدي. كما فرض قانون الطوارئ، وألغى نتائج الانتخابات، فانفتح الباب عريضاً على السيرورة (الطبيعية والمنطقية) للتحوّلات الكبرى في الحياة السياسية عموماً، وتصاعدت خيارات العنف ضمن تيارات الإسلاميين وأجهزة السلطة العسكرية والأمنية على حدّ سواء. من هنا بدأ مشروع التعاقد مع الرجل/ الواجهة، وجرى تمديد آجال العقد حتى يشاء الله!
أخيراً، كان مشروع «الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية»، الذي اقترحه بوتفليقة، ضمن مسعى طيّ العقد الدامي الذي عاشته الجزائر بين 1992 و2003، قد حظي بنسبة «نعم» ساحقة بلغت 97٪، كما كان متوقعاً. لكنّ ذلك المآل لم يطمس الضيق الشعبي الواسع إزاء النقص الفادح الذي اتسم به المشروع، في ملفّين حاسمين وأساسيين: ملفّ المفقودين (إذ لم ينصّ الميثاق على أية صيغة إجرائية ملموسة تضمن الكشف عن مصائرهم)؛ وملفّ محاسبة الجنرالات والمافيات الأمنية، أو أية جهات حكومية سلطوية مارست الخطف والاعتقال التعسفي والتنكيل بالمواطنين، فضلاً عن ممارسة الفساد ونهب البلاد.
لم يطمس، ولكنه أيضاً لم يُطلق حركة معارضة شعبية كافية، منظمة وعابرة للحساسيات المناطقية والثقافية؛ ولهذا فإنّ الدورة الانتخابية الخامسة ليست سوى فقرة التمديد التلقائي في العقد القديم، بين الرئيس القعيد وجنرالاته وبطانته.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

بندر بن سلطان وآل الأسد:

كم يوافق شنّ طبقة!

صبحي حديدي

 

 

في صحيفة «إندبندنت عربية»، أحدث مقتنيات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في ميادين الإعلام، أجرى رئيس التحرير عضوان الأحمري حواراً مستفيضاً مع بندر بن سلطان، «أمين عام مجلس الأمن الوطني السابق ورئيس الاستخبارات في السعودية وسفيرها في واشنطن لأكثر من 22 عاماً»، حسب توصيف المحاور. وفي ختام الجزء الأوّل، أسهب بندر في الحديث عن آل الأسد، حافظ وبشار، خلال زيارات كثيرة قام بها إلى دمشق؛ حيث نقرأ عن لقاءاته مع الأسد الأب، ثمّ وريثه، ثمّ بعض «رجال الرئيس»، أمثال عبد الحليم خدام وفاروق الشرع؛ وبعض رجال الوريث، أمثال مناف طلاس. أقاصيص الأمير تفوح منها، بقوّة في الواقع، روائح الاختلاق والتباهي الكاذب، وادعاء دور في التسوية بين الأسد الأب ودولة الاحتلال الإسرائيلي لا يقرّه العقل البسيط ولا مسرد وقائع تلك السياقات.
هو، مع ذلك، سلوك ليس غرض هذه السطور، التي تحاول تصويب ما يسرده بندر لصالح إحقاق خلاصة كبرى، لعلها الأكثر فائدة في نهاية المطاف: أنّ آل سعود، في شخص بندر تحديداً؛ وآل الأسد، في شخص الأب والوريث؛ يجسدون خير تجسيد ذلك المثل العربي الشهير، عن شنّ الذي وافق طبقة؛ مع فارق انعدام الدهاء والتدبير والذكاء والصدق، لدى الطرفين هنا، غنيّ عن القول. لا بأس، إلى هذا، من اقتباس نموذج واحد على طريقة الأمير في التكاذب؛ إذْ يروي أنّ أوّل مرّة سمع فيها «بشيء اسمه بشار الأسد» كانت حين ناشده صديق سوري أن يتوسط لدى الحكومة البريطانية كي تقبل تخصص طبيب العيون نجل الأسد، وأنه فعل، ووافق البريطانيون، وهكذا جاء بشار إلى لندن.
يستغفل الأمير العقول، على النحو الأكثر ابتذالاً، حين يفترض أنّ قبول أي طبيب أجنبي للتخصص يحتاج إلى موافقة حكومية بريطانية، وليس موافقة الجامعة أو المشفى المعنيّ بالطلب، بمعزل عن إجراءات التأشيرة العامة بالطبع. أو حين يتناسى حقيقة أنّ مجيء طبيب العيون ذاك إلى بريطانيا كان ميدان تسابق محموم بين رجال أعمال سوريين، بعضهم مليارديرات تجارة واستثمارات ونفط؛ ورجال مناصب دبلوماسية، بما في ذلك الجامعة العربية؛ ورجال جامعات عريقة وأكاديميات وبيوتات أبحاث، حتى تلك البريطانية الكولونيالية العتيقة. ذلك لانّ الأسد الأب، ليس في حينه فحسب، بل على امتداد سنوات حكمه منذ انقلابه العسكري في تشرين الثاني (نوفمبر) 1970؛ كان أثيراً لدى الحكومات البريطانية المتعاقبة، بسبب من سياساته التي خدمت مشاريع الغرب في سورية والمنطقة عموماً، وكذلك لأنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت راضية عن نظامه، كلّ الرضا.
ويروي بندر بعض تفاصيل تنصيب الوريث، وكيف (في حضرة الأمير شخصياً!) كان يغلظ في القول لجنرالات الجيش، أو يطرد الشرع من الغرفة، أو يحكي (للأمير دائماً) أنهم، بعد وفاة الأب، «أتوا بـ 10 عمادات مع قادة المناطق ودخلتُ عليهم وقاموا بإلقاء التحية وبعضهم يترحم، وقلت لهم: اششش… أنت ستغادر غداً، وأنت هذه السنة الأخيرة لك، أنت ستبقى، ما سمعته على لسانك عني أعجبني، أنت سأقطع لسانك… أنت أخذت كم مليون دولار حنحاسبك وأنت كذا وكذا… وبدأ بشار بتوزيع الـ «أنت» وبعدها ما سيفعله بكل عماد والعماد هو أعلى رتبة عسكرية». ويسرد، أيضاً، خشية الأمير عبد الله، ولي العهد يومذاك، من أنّ بشار «غليّم ما يعرف يحكي»، وأنّ «سوريا تهمنا، ما نبغاها تسقط»؛ وكأنّ المملكة لم تكن على علم بتفاصيل التوريث كافة، منذ موت باسل الأسد سنة 1994، وكيف تمّ سريعاً استبداله بالوريث الثاني بشار.

سوى إعادة تثبيت المثل العربي، عن انطباق آل سعود وآل الأسد، ما الذي ترمي إليه صحائف محمد بن سلمان من نبش القبور اليوم، أمواتاً وأحياء

النقطة الأهمّ في الحوار هي ما ينقله بندر، على لسان الأسد الأب، عن «الألم» الذي أصابه من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، حين قرر الأخير «أن يغيّر المعادلة، وأعطى خطاباً لوزير الخارجية الأمريكي موجهاً للرئيس الأمريكي يقول فيه أبلغ الأسد أنني موافق على الانسحاب من الجولان، إذا تعهد لكم أنتم لا نحن، بإعادة العلاقات وغيرها، وأحد الطلبات سحب الأسلحة الثقيلة إلى الحدود التركية». ويتابع بندر، على لسان الأسد دائماً، أنه لو استغل تلك الفرصة «لكان الجولان لنا، ولفتحنا سفارة لا نجعل أحد [كذا في أصل «الإندبندنت»] يعمل فيها، لكن الفرصة ضاعت». في عبارة أخرى، الأمر هنا يتصل بما اتخذ بعدئذ تسميةً شهيرة هي «وديعة رابين»، التي حملها وارن كريستوفر، وزير الخارجية الأمريكي يومذاك، في آب (أغسطس) 1993. وهذه حكاية سوف يستعيدها الوريث، كما استعادها الأب مراراً وتكراراً، وكلما دار حديث عن استئناف مسارات التفاوض بين النظام ودولة الاحتلال.
ففي صيف 2007، خلال خطاب تتويجه لـ«رئاسة» ثانية، تحدث الأسد الابن عن الوديعة هكذا (مرتجلاً، وفي الارتجال فضيلة افتضاح مكنون أوسع): «المطلوب بالحدّ الأدنى تقديم وديعة على طريقة وديعة رابين أو شيء مكتوب.. لكى نضمن بأنّ الحديث هو ليس حول الأرض التى ستعود.. لأن الأرض ستعود كاملة. نحن نفاوض على أمور أخرى.. نحن نحدد هذا الخط.. خط الرابع من حزيران/يونيو على الخارطة.. يتم النقاش حول موضوع الترتيبات الأمنية.. العلاقات.. كما حصل فى التسعينيات أيام رابين». وكان الطرح ذاك غريباً، من وجهة أولى مفادها ثقة الأسد في أنّ الأرض ستعود على يديه وفي عصر نظامه، ولم يكن أحد سواه يدري بأيّ الوسائل سينجز هذه المعجزة، وكيف.
غرابة ثانية هي جهل الوريث، أو تجاهله، بأنّ تلك الوديعة اقترنت منذ البدء بخطأ من نوع ما، ارتكبته الأطراف الثلاثة في آن معاً. رابين أخطأ حين حمّل كريستوفر رسالة «غير مدوّنة»، أو «لا ـ رسالة»
Non – Letter كما استطاب البعض وصفها، ليست ملزِمة للإسرائيليين من الناحية القانونية، ولكنها انقلبت إلى «زلّة تفاوض» إسرائيلية تمسّك بها الأسد الأب وحوّلها على الفور إلى وثيقة مدوّنة ملزمة. وكريستوفر أخطأ حين نكث بوعده لرابين (أن يبقي الرسالة في عهدته، وأن يضعها في خلفية التفكير والمناورة ليس أكثر)، فباح بها أو ببعض عناصرها إلى الأسد، ظانّاً أنه بذلك سوف يساعد في دفع الأمور. والأسد أخطأ حين تلكأ في اغتنام الفرصة، ثم عاد ليطالب بها، ولكن بعد فوات الأوان.
الطريف أنّ بندر ينصّب نفسه مندوباً عن الجميع: الملك فهد، وليّ عهده عبد الله، الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، وزير خارجيته كريستوفر، رابين، شمعون بيريس بعد مقتل رابين… كلّ هؤلاء، دفعة واحدة، خلال اجتماع مع الأسد الأب في دمشق: «وقتها كنا أنا وحافظ نضع على الطاولة الخارطة التي يمكن أن يعمل عليها الطرفان السوري والإسرائيلي، حتى ينتهي موضوع الجولان»! وأمّا وجه الطرافة فإنّ المعلومات التي يسردها بندر عن إشكالية الأمتار المتنازع عليها في محيط بحيرة طبرية، كان يعرفها أبسط صحافي دولي مشتغل بالشأن التفاوضي هذا، وكان ضابط الاستخبارات السوري بهجت سليمان يوجّه رجاله في الإعلام السوري لترويجها.
الأطرف، مع ذلك، هو أنّ الأمير بات نجماً ساطعاً في الملفّ السوري بعد انتفاضة 2011، وكان بعض أقطاب «المعارضة» السورية الإسطنبولية يحجون إليه، فرادى وجماعات؛ ثم أفل نجمه هنا، أسوة بنجومه كافة في ما بعد. وسوى إعادة تثبيت المثل العربي، عن انطباق آل سعود وآل الأسد؛ ما الذي ترمي إليه صحائف محمد بن سلمان من نبش القبور اليوم، أمواتاً وأحياء؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

 

قواعد الاشتباك الإسرائيلية:

مقوّمات العربدة

صبحي حديدي

 

أشارت تقارير صحفية إلى أنّ السفارة الأمريكية في بغداد حذّرت السلطات العراقية من احتمال قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بقصف مواقع داخل الأراضي العراقية، تابعة لـ”الحشد الشعبي” ويديرها “الحرس الثوري” الإيراني بالطبع، تأوي مصانع أسلحة صاروخية مخصصة للتصدير إلى “حزب الله” اللبناني. فإذا صدقت هذه الأنباء، ووضع المرء في الاعتبار حقيقة أنّ واشنطن يندر أن تُفشل مسبقاً عمليات أمنية إسرائيلية حساسة، فإنّ المراد هو متابعة الضغط الأمريكي على الحكومة العراقية بصدد نفوذ إيران، عبر منظمات مثل “الحشد”، وميليشيات أخرى تدور في فلك طهران.

وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد ألمح، أثناء اجتماع مع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في بغداد مطلع الشهر، إلى أنّ واشنطن لن تتدخل ضدّ هجمات كهذه. كما نقل تقديراً إسرائيلياً صريحاً يفيد بأنه من غير المجدي قصف فصائل “الحشد” داخل سوريا (على غرار ما فعل الطيران الحربي الإسرائيلي في حزيران/يونيو الماضي، شرق دير الزور)؛ لأنها “تعود كلّ مرة إلى تنظيم صفوفها، والانطلاق من العراق مجدداً”.

وهكذا، بين عربدة، باتت دائمة ومتواصلة، في أجواء سوريا جنوباً وشرقاً وغرباً؛ وتدمير أنفاق “حزب الله” في الجنوب اللبناني، والانطلاق من الأجواء اللبنانية لقصف سوريا والعراق، الأمر الذي يرقى إلى أعمال الحرب الصريحة؛ ثمّ القصف، أيضاً، في العمق العراقي وليس على الحدود السورية ــ العراقية وحدها… تواصل دولة الاحتلال تثبيت قواعد اشتباك مع إيران، هي بمثابة مقوّمات واضحة المعالم، متماسكة العناصر، عالية الفاعلية، لا رادع لها ولا رقيب أو حسيب!

إنها، بادئ ذي بدء، تحظى بمصادقة واشنطن، وسكوت موسكو، وإغضاء أنقرة؛ بالنظر إلى أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يتفادى، بمهارة واحتراف، ارتكاب “الضرر المجاور” حين يقصف هنا وهناك، فلا يصيب التحالف الدولي ولا الروس ولا الأتراك. وحين يقع المحظور (كما في إسقاط طائرة “إيل ـ 20” الروسية في سماء الساحل السوري، أيلول/سبتمبر الماضي)، فإنّ الخطأ وقع من جانب بطاريات النظام السوري، والحادثة ذات “أسباب عارضة” حسب تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهي، تالياً، قواعد اشتباك تخدم غرضاً ستراتيجياً تتفق عليه القوى الكبرى الثلاث المنخرطة في الملفّ السوري راهناً، أمريكا وروسيا وتركيا؛ أي تحجيم النفوذ الإيراني، العسكري بصفة خاصة، على الأرض في سوريا؛ وخفض أوراق طهران عندما يحين أوان المحاصصة الفعلية وتقاسم الراهن والمستقبلي في البلد، وربما على نطاق الـLevant بأسره، وفقاً للتعبير العجيب الذي أحياه مؤخراً الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون.

والقواعد، ثالثاً، لا تتوسل إشعال حرب إيرانية ــ إسرائيلية فعلية، شاملة، أو ساحقة ماحقة كما يقول التوصيف الشهير؛ بل هي نزالات مصغّرة تقصّ، ولا تقلّم فقط، أيّ أظافر إيرانية يمكن أن تستطيل أو تتقوى على امتداد كامل النطاق الجيو ــ سياسي الذي يقرّر الكيان الإسرائيلي أنّ خطوطه حمراء بالنسبة إلى أمنه. وبهذا فإنّ الغرض ليس استهداف قاسم سليماني شخصياً، ومثله حسن نصر الله، أو أبو مهدي المهندس قائد “الحشد” الفعلي؛ ولا حتى المقارّ، على الأراضي السورية، التي تختزن رموزاً “سيادية” إيرانية، مذهبية أو استخباراتية.

والقواعد، رابعاً، تعتمد في العمق السياسي على تبعية أنظمة عربية متهالكة مستبدة، فاسدة وفاشلة، تغدق مئات المليارات على عقود أسلحة لا يلوح أنها سوف تُستخدم في أيّ يوم، إلا ضدّ الشعوب. وتنخرط، سعيدة أو صاغرة، في مشاريع وصفقات تعلن تسوية النزاعات، لكنها تستبطن تصفية القضايا وإهدار الحقوق؛ فضلاً عن تورطها في صراعات عسكرية عربية وإقليمية، غايتها العظمى الأولى هي تهدئة المخاوف الداخلية إزاء آفاق انتفاض الشعوب وثوراتها.

فمنذا الذي يمكن أن يواجه دولة الاحتلال الإسرائيلي اليوم، في سوريا أو في العراق أو في تلك الجثة الهامدة التي سُمّيت ذات يوم بـ”المقاومة اللبنانية”؟ وما الذي ينقص الكيان، أو ينغّص عليه، بعد اعتراف عبد الفتاح السيسي بأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يعمل في سيناء برخصة من… الرئاسة المصرية؟

 

 

 

أربعون الثورة الإيرانية:

زراعة بني صدر

وحصاد سليماني

 

صبحي حديدي

في سنة 1979، وتحت عنوان «تحية إلى الثورة الإيرانية»، كتب أدونيس (الشاعر السوري، النصيري بالولادة): «أفقٌ، ثورةٌ، والطغاةُ شَتات/ كيف أروي لإيران حبي/ والذي في زفيري/ والذي في شهيقي/ تعجز عن قوله الكلمات/ سأُغنّي لقُمٍّ لكي تتحول في صبواتي/ نارَ عصفٍ، تطوف حول الخليج/ وأقول المدى والنشيج/ شعب إيران يكتب للشرق فاتحةَ الممكنات/ شعب إيران يكتب للغرب وجهُكُ يا غربُ مات/ شعب إيران شرقٌ تأصلَّ في أرضنا ونبيّ/ إنه رفضنا المؤسِسُ، ميثاقنا العربي».
ولكي لا يبقى أدونيس وحده في الميدان، فيُعزى حماسه المشبوب هذا إلى نوازع مذهبية، كتب نزار قباني (الشاعر السوري، السنّي بالولادة)، ممتدحاً الثورة ذاتها: «زهّر اللوز في حدائق شيراز/ وأنهى المعذبون الصياما/ ها هم الفرس قد أطاحوا بكسرى/ بعد قهر، وزلزلوا الأصناما/ شاهُ مصر يبكي على شاه إيران/ فأسوان ملجأ لليتامى/ والخميني يرفع الله سيفاً/ ويغنّي النبيّ والإسلاما».
على الجبهة السياسية السورية، المعارِضة تحديداً، صدرت صحيفة «نضال الشعب»، المطبوعة السرّية الناطقة بلسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي (كما كان يُعرف يومذاك، قبل أن يتبنى الاسم الجديد «حزب الشعب الديمقراطي»، بقرار من المؤتمر السادس، ربيع 2005)؛ وقد حملت على صفحتها الأولى ثلاث موادّ خاصة بانتصار الثورة الإيرانية، ذات نبرة احتفائية عالية. «وجاءت القارعة»، «الثورة الإيرانية المنتصرة تضع إيران على درب الحرية والديمقراطية والتقدم»، و«أصداء أولى للثورة الإيرانية». وإذْ كانت الموادّ تهلل للثورة الإيرانية، من حيث النبرة المعلنة، فإنّ النبرة الضمنية كانت تشير إلى استبداد حافظ الأسد: «الوضع الإيراني مرتب، لا مجال لاختراقه. ومع ذلك تبيّن أنّ هذا البنيان العظيم ضعيف الأساس. لقد تهاوى حجراً إثر حجر، فيا للثورة المظفرة! لقد تفجرت إرادة الملايين من الناس مرّة واحدة ضدّ الظلم والظلام. ملك الملوك أصبح لاجئاً عند أحد الملوك العرب الضالين، ذلك أنّ شبه الشيء منجذب إليه. ينسى الطغاة دائماً وأبداً درس التاريخ البسيط المكرر: العدل أساس الملك»….
اليوم، بعد 40 سنة على ذلك الحماس، حصد نظام آل الأسد، الأب والابن الوريث معاً، ما حصدته غالبية أبناء سوريا من المآلات الراهنة للثورة الإيرانية: التدخل العسكري المباشر لصالح النظام، عبر «الحرس الثوري» وفيالق الجنرال قاسم سليمان، أو عبر عشرات الميليشيات المذهبية التي يتصدرها «حزب الله» اللبناني. واليوم، لأسباب لا صلة لها بموقف إيران من النظام السوري أو انتفاضة آذار (مارس) 2011؛ يصعب أن يتوقف أدونيس عند الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية طبقاً لمنطق العام 1979، وبروحية وجه الغرب الذي مات، أو أنّ شعب إيران هو النبيّ والرفض المؤسِّس والميثاق العربي. وأمّا «حزب الشعب الديمقراطي» فلم يعد يرى في تلك الثورة أقلّ من نظام آيات الله الثيوقراطي المذهبي الاستبدادي، المساند لأنظمة الاستبداد والفساد؛ وهذا شبيه بمواقف معظم اليسار السوري المعارض، حتى حين يرى البعض ذريعة ما، تمرّ من ثقوبها خرافات «الممانعة» و«محور المقاومة».
لكنّ الجوهري أكثر هو ما آلت إليه تلك الثورة في حياضها الإيراني تحديداً، وكيف تسارعت انقلاباتها الداخلية على ذاتها فلم تتوقف ــ منذ شباط (فبراير) 1979، حين عاد آية الله روح الله الخميني من منفاه الفرنسي إلى طهران ــ عن التهام صنّاعها تباعاً، ثمّ الإجهاز على أبنائها المقرّبين، وصولاً إلى خيانة آمال تلك الشرائح الشعبية التي انخرطت فيها وظلت رائدة لها حتى تكفلت بانتصارها. السيرورة ابتدأت من رهط الإصلاحيين الأوائل، رئيس الوزراء الأوّل مهدي بازركان، ورئيس الجمهورية الأول أبو الحسن بني صدر؛ إذْ لم يمض زمن طويل، يُعدّ بالاشهر في الواقع، وليس بالسنوات، حتى كشّر آيات الله عن الأنياب الحقيقية، المحافظة والمتشددة والمستبدة، التي تمقت الحريات العامة وتبغض الحقوق المدنية وتحارب الرأي الآخر وتسعى إلى قتله في المهد.

خامنئي أبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً. الأسباب جلية، لا تخصّ الفقه بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية

الأوّل كان ابن تاجر أذربيجاني مرموق، درس الهندسة الحرارية في باريس، وعاد إلى جامعة طهران ليتولى عمادة كلية التكنولوجيا، ويقود سلسلة احتجاجات ضدّ الشاه ودعماً لحركة محمد مصدّق. ورغم سجنه مراراً لم يتوقف بازركان عن ممارسة الأنشطة المعارضة، فأسس «حركة المقاومة الوطنية» سنة 1953، و«حركة التحرر الوطنية» سنة 1961؛ وبالتالي كان في طليعة قادة التظاهرات المبكرة في طهران، التي آذنت بأفول عهد الشاه. وكان أمراً طبيعياً أن يختاره الخميني لرئاسة أوّل حكومة مؤقتة، ثمّ كان أمراً طبيعياً كذلك أن يناهضه المحافظون المتشددون، هاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي، على خلفية خططه الاقتصادية، ومعارضته لواقعة رهائن السفارة الأمريكية. وهكذا، بعد تسعة أشهر في المنصب، تقدّم بازركان باستقالته فقبلها الخميني؛ وتابع خصومه التنكيل به إلى درجة منعه من الترشيح لانتخابات الرئاسة في دورة 1985، فكان المنفى السويسري هو الخيار الوحيد المتبقي أمامه، حيث قضى في زيورخ سنة 1995.
الثاني كان أحد أبرز قادة المعارضة الطلابية لنظام الشاه، وقد سُجن مرتين، وجُرح خلال انتفاضة 1963 المجهضة، والذي درس الاقتصاد في جامعة السوربون وآمن بتلك الثنائية العصية التي تجمع الاقتصاد القومي بالإسلامي، وكان في عداد قلّة من العائدين مع الخميني على الطائرة ذاتها. ومن موقعه، الشرعي المنتخَب، كرئيس للجمهورية، ورئيس للمجلس الثوري بقرار من الخميني، توجّب على بني صدر أن يجابه المحافظين إياهم، رفسنجاني وخامنئي؛ فكتب إلى الخميني تلك الرسالة الشهيرة التي تقول إنّ عجز الوزراء المحافظين أشدّ خطورة على الثورة من الحرب مع العراق، كما عارض الإبقاء على رهائن السفارة الأمريكية، فلقي من البرلمان المحافظ المصير الطبيعي: الإدانة بتهمة العجز والتقصير، والإقصاء من الرئاسة، و… الفرار مجدداً إلى فرنسا، تحت جنح الظلام، بعد أقلّ من سنتين على انتخابه.
من الإنصاف الافتراض، إذن، أنّ الزراعة الريادية، التي دشنها أمثال بازركان وبني صدر؛ سوف يؤول حصادها إلى المرشد الأعلى الراهن علي خامنئي، وإلى جنرالات «الحرس الثوري» أمثال قاسم سليماني. هذا على مستوى الأمن والسياسة والأدوار الإقليمية، وأمّا على صعيد الاجتماع البشري والعقيدة، فإنّ مبدأ «الوليّ الفقيه» هو الضمانة العليا لاستمرار آيات الله في الاستئثار بالسلطات، كافة في الواقع. هذا المبدأ/ القانون هو الركيزة الكبرى في صرح المدرسة الخمينية، وخلافتها الخامنئية، وليست مبالغة أن يساجل المرء اليوم أنّ الأمل منعدم في السير خطوات أبعد على الطريق الذي وُعدت به إيران في مثل هذه الأيام من سنة 1979، وتحقيق انفراج داخلي إيراني، سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي؛ ما لم يقف الإيرانيون موقف مراجعة راديكالية شاملة لعلاقة هذا المبدأ بالحياة والحقّ والحقوق.
ففي نهاية المطاف، هذا مبدأ في «الحكم الإسلامي» صاغه الإمام الخميني على عجل سنة 1971، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية، وخضع منذ البدء لأخذ وردّ، واختلف فيه وحوله عدد كبير من فقهاء الشيعة. الثابت، مع ذلك، أنّ خامنئي هو اليوم أشدّ المدافعين عنه، وأبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً. الأسباب جلية، لا تخصّ الفقه بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية؛ الأمر الذي يفسّر الحماس للمبدأ في صفوف «حزب الله»، وحسن نصر الله شخصياً.
ذلك لأنه المبدأ الذي يحيل زراعة الاقتصادي بني صدر، إلى حصاد بمنجل الجنرال سليماني!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

انتفاضة السودان:

مَنْ يتذكر الترابي؟

صبحي حديدي

 

اعتبر محمد مختار الخطيب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، أنّ أطراف المعارضة التي تخرج اليوم من الحكومة لا مكان لها في قلب المعارضة المساندة للاحتجاجات الشعبية؛ ورغم أنّ الشعب “ربما يحفظ لهم صحوة ضميرهم”، إلا أنّ المطلوب هو “أن يلعبوا دوراً فعلياً في الاحتجاجات، ولا بدّ أن نراهم في الشارع مع المحتجين”.

طاغية السودان نفسه، عمر حسن البشير، يبدو غير مستعدّ بدوره لمنح الخارجين فضيلة التحاقهم بصفوف نظامه، وبعضهم انشقّ عن حزبه في هذا السبيل؛ فيسخر منهم (ويخصّ اثنين من حلفائه السابقين، غازي صلاح الدين من “حركة الإصلاح”، ومبارك الفاضل من حزب “الأمة”) هكذا: “إنهم درجوا على القفز من المركب كل مرّة، بحسبان إنها أوشكت على الغرق”.

غير أنّ الجدير بالمراقبة، في المقام الأوّل، هو أفق التحولات التي شهدها وسوف يشهدها حزب “المؤتمر الشعبي”، الذي أنشأه الشيخ حسن الترابي (1932 ــ 2016)؛ إنْ على صعيد العلاقة مع نظام البشير، أو في مستوى الحركات الإسلامية السودانية، وإزاء تطور شعارات الانتفاضة الشعبية ذات الصفة الطبقية والسياسية بصفة خاصة. يقرأ المرء تصريحاً لأحد قادة الحزب، الأمين عبد الرازق، ينصح فيه البشير بـ”مكافحة القطط السمان بدءاً من نفسه ثمّ أهل بيته”؛ مطالباً إياه بالاقتداء بالخليفة عمر بن عبد العزيز عندما بدأ مكافحة الفساد بنفسه فخلع ملابسه الثمينة، ثم أكمل فخلع من زوجته الذهب الذي جاءها هدية من والدها! أو يقرأ المرء خلاصة من قيادي ثان، إبراهيم الكناني، تعلن أنّ “تجربة الإسلاميين في الحكم كانت فاشلة ويا ليتها لم تكن”؛ متهماً شخصيات نافذة داخل حزب “المؤتمر الوطني” الحاكم بوضع “متاريس أمام إنفاذ مخرجات الحوار الوطني”. وأمّا إدريس سليمان، الأمين السياسي للحزب، فقد رفض استخدام القوّة والعنف ضدّ المحتجين (!)، وطالب الحكومة بالتحقيق في حوادث القتل (!!) وحثّ السلطات على محاسبة المسؤولين (!!!).

علامات التعجب آتية من حقيقة أولى راهنة تشير إلى أنّ الحزب مشارك في الحكومة، وتولى أعضاؤه حقائب وزارية عديدة، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الجمهورية؛ ومن حقيقة ثانية، بعيدة الغور في الواقع، تخصّ العلاقة الأمّ بين الترابي وانقلاب البشير في العام 1989. فالشيخ لم يكن حليف، ومهندس الكثير من، سياسات البشير فقط، رغم خلافات لاحقة بينهما بلغت درجة اعتقال الأوّل؛ بل كان المنظّر الأوّل خلف واحدة من كبرى ذرائع الانقلاب، أي مفهوم “الحكم الإسلامي”. وبسبب من هذا، قيل ذات يوم إنّ الدول العربية تنزلق، مرغمة، في حمأة “الأصولية”؛ أما السودان فإنه الدولة الوحيدة التي اختارت ــ طواعية ــ أن يكون الإسلام هو نظام الحكم فيها!

“ما الذي يمكن أن يعنيه الحكم الإسلامي؟” سأل الترابي في واحدة من تنظيراته، وأجاب: “النموذج بالغ الوضوح، أما أفق الحكم فهو محدود، والقانون ليس توكيلاً للرقابة الاجتماعية لأنّ المعايير الأخلاقية والضمير الفردي شديدة الأهمية، وهي مستقلة بذاتها. لن نلجأ إلى ضبط المواقف الفكرية من الإسلام، أو قنونتها، ونحن نثمّن ونضمن حرية البشر والحرية الدينية ليس لغير المسلمين فحسب، بل للمسلمين أنفسهم حين يحملون قناعات مختلفة. إنني شخصياً أعتنق آراءً تسير على النقيض تماماً من المدارس السلفية في التشريع حول مسائل مثل وضع المرأة، وشهادة غير المسلم في المحاكم، وحكم الكافر”.

لكن نبرة الانفتاح والتسامح في فكر الشيخ كانت تعاني من قصور التطبيق الميداني والمواقف العملية، أوّلاً؛ وكانت، ثانياً، قد وُضعت في خدمة نظام استبداد وفساد، هيهات أن ينفع معه اليوم مطلب البدء من بيت الطاغية في تطهير السلطة، أو الاقتداء بالخليفة عمر بن عبد العزيز. “الشعب يريد إسقاط النظام”، يقول الحراك الشعبي الذي انطلق من عطبرة، البلدة العمالية بامتياز، وهيهات أن يتجمل ذلك النظام بأيّ قناع، قديم أو جديد.

(القدس العربي)

 

حكمة الحيوان

في البيت الأبيض

صبحي حديدي

 

تشيلسي كلينتون، ابنة بيل الرئيس الأمريكي الأسبق، وهيلاري المرشحة السابقة للبيت الأبيض؛ غردت هكذا إلى متابعيها على تويتر، ويبلغ عددهم 1.73 مليون متابع: «هل ثمة مَنْ يفكر معي أن الرئيس ترامب قد يستفيد من قراءة خرافات إيسوب؟ القطة والديك والفأر مثلا؟ النسر والسهم؟» الآلاف اتفقوا مع التغريدة، بالطبع، خاصة وأنّ الحكايات التي تشير إليها تحديدا، وسواها الكثير؛ جديرة بتعليم الرئيس الأمريكي الحالي دروسا شتى في الأخلاق، والرأفة، والتآخي، و… التبصر والحكمة، بصفة خاصة!
والحال أنّ «خرافات إيسوب» تظلّ الأكثر شيوعا على النطاق العالمي؛ في عداد الآداب التي تضع فلسفة الحياة والسياسة والحكمة والحكم على ألسنة الحيوان، مصوغة في حكايا طريفة وممتعة، ذات مغزى مبسط وترميز خفيف لكنه غير خافٍ. ثمة، كما هو معروف، «كليلة ودمنة»؛ وكتاب الأقاصيص الهندي الكلاسيكي «بانشاتانترا»، الذي يضمّ خمسة مجلدات من الحكايات، على غرار ما سوف تتخذه مطارحات مكيافيللي في «الأمير».
ولا تكاد تمرّ سنة دون أن يصدر جديد حول حكايات إيسوب، في أكثر من لغة، على صعيد دراسة العمل، أو إعادة تحقيق نصوصه، أو إصدار طبعات مختلفة منه. ولعلّ طبعة «بنغوين» البريطانية، بترجمة جديدة ومقدّمة وافية من روبرت وأوليفيا تيمبل، هي بين أفضل الطبعات المتوفرة، لسبب جوهري هو أنّها تدرج الحكايات كاملة غير منقوصة. وكما هو معروف، كانت معظم الطبعات البريطانية (منذ سنة 1484، حين أنجز وليام كاكستون أولى الترجمات) قد غربلت هذه الحكايات، وراقبت ما يخلّ منها بالآداب العامة، فحذفت عشرات من أصل 350 حكاية. وإلى جانب الحذف، بذل الفكتوريون، خاصة، جهدا خارقا لتجريد الحكايات من دلالاتها السياسية والأخلاقية والفلسفية، وتحويل الأثر إلى محض قصص مسلّية تدور في عالم الحيوان إجمالا، وتُروى للأطفال قبيل الإغفاءة.
ويجمع الباحثون على أن إيسوب عاش في جزيرة ساموس الإغريقية في القرن السادس قبل الميلاد، وكان قد وُلد عبدا، وهكذا مات أيضا. باحثون آخرون يعتبرونه شخصية مختلَقة، أحالت إليه المخيلةُ الإغريقية طائفة من الحكايات اللاذعة التي كان من المستحيل نسبها إلى البشر، بسبب من وطأة رموزها السياسية والأخلاقية. وإلى هذه الحكايات ندين بأمثولات راسخة، مثل حكمة السباق بين الأرنب والسلحفاة، أو الذئب في جلد الحمل، أو حصّة الأسد، أو العنب الحامض…
هنالك حكاية الدبّ الذي تباهى بأنه صديق صدوق للإنسان، يأنف من ملامسة جثة ابن آدم. الثعلب ابتسم وردّ عليه: ليتك أكلتَ الجثة الميتة، وأبقيت على الإنسان الحي! أو حكاية تحالف الصيد المشترك الذي عقده الأسد مع الحمار البري، الأوّل لأنه قويّ وملك، والثاني لأنه سريع الركض وحمّال أثقال. الأسد اعتمد الحسبة التالية في تقسيم الطرائد: حصّة أولى للأسد بوصفه ملك الغابة، وحصّة ثانية للأسد لأنه الأقوى، وحصة ثالثة للحمار… ولكن من الحكمة أن تُترك للأسد أيضا، ثمنا لبقاء الحمار على قيد الحياة!
وهذه حكاية ثانية: وقع نسر في قبضة صياد قاسي القلب، سارع إلى قصّ جناحَيْه، وحبسه في القنّ مع الدجاجات. أشفق رجل على النسر فاشتراه، وأبقاه تحت رعايته حتى نبت ريش جناحيه، فأطلق سراحه. النسر سارع إلى اقتناص أرنب، وأهداه إلى الرجل الثاني من قبيل ردّ الجميل. الثعلب خاطب النسر بسخرية: كان الأحرى بك تقديم الهدية إلى الذي اصطادك وليس إلى الذي ردّ لك كرامتك. الثاني لن يؤذيك في كلّ حال، والأوّل هو الجدير بالرشوة!
حكاية أخيرة: ذات يوم لاحظ القرويون أنّ الجبل يتمخض، إذْ تصاعد الدخان من قمّته، وارتجّ السفح، وتهاوت أشجار، وتدحرجت صخور، وكان محتما أن تشهد الأرض وقوع حدث جلل. ثمّ انشقّ الجبل عن أخدود صغير، فارتعدت فرائص الناظرين خوفا وترقبا، حتى هالهم أنّ فأرا أطلّ برأسه من الشقّ، ليس أكثر؛ فكان أن اجترحوا ذلك القول المأثور: تمخض الجبل فولد فأرا!
وقد لا يكون معروفا على نطاق واسع أنّ سوريا هي الموطن الأصلي لـ«خرافات إيسوب»، وأنّ المواطن السوري الذي تدين له الإنسانية بهذا الفضل الكبير هو بابريوس؛ الذي عاش في القرن الأوّل الميلادي، ولا نعرف عن حياته إلا النزر اليسير، وكان اسمه سيظلّ مغمورا منسيا لولا أبحاث ريتشارد بنتلي (1662 ـ 1742)، العلاّمة الإنكليزي البارز في الآداب اليونانية الكلاسيكية. ففي كتابه «أطروحة حول خرافات إيسوب»، تعمّق بنتلي في تحليل لغة الحكايات المنسوبة إلى إيسوب (الذي يرجح هيرودوت أنه عاش في جزيرة ساموس اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد، مقابل باحثين آخرين يعتبرونه شخصية مختلَقة كما سلف القول)؛ فوقع على عدد كبير من الصياغات والجُمَل والفقرات التي تعود إلى بابريوس وحده. الدليل القاطع جاء سنة 1842، على يد الباحث اليوناني مينويديس ميناس الذي عثر، في أحد أديرة جبل آثوس، على مخطوط بتوقيع بابريوس، يضمّ 123 خرافة مطابقة لتلك التي ذاعت باسم إيسوب.
.. الأمر الذي يعني أنّ عالم الحيوان هذا، تحديدا، قد يكون عالي الفائدة في أروقة البيت الأبيض، وربما في المكتب البيضاوي تحديدا!

 

صبحي حديدي


(القدس العربي)

 

عرسال نصر الله:

ذرّ الرماد الدامي

صبحي حديدي

 

كما بات معتاداً في كلّ «خطبة نصر» يلقيها حسن نصر الله، الأمين العام لـ»حزب الله»، طفحت البلاغة اللفظية التي تزعم التجرّد من المذهب الضيّق، وتتوجه إلى «كل المسيحيين بكل طوائفهم ومذاهبهم وكل المسلمين بطوائفهم ومذاهبهم»؛ وتنأى، في اللفظ وحده، عن مصالح الحزب ومَن يمثّل وبمَنْ يأتمر، لكي تغازل «جميع اللبنانيين وكل شعوب المنطقة التي تعاني من الإرهاب التكفيري»، وتهديهم «النصر» الأخير في عرسال. وبالطبع، كما في كلّ خطاب أيضاً، كانت فلسطين حاضرة (لأنها روح الحزب وجوهر نضالاته، غنيّ عن القولّ)، فتوجّه نصر الله بالتحية إلى «المرابطين في القدس». وإلى «أهل الضفة، وكلّ الفلسطينيين».
هذا ما طفا على السطح، أولاً، لكي يُخلي العمق سريعاً لخطاب آخر؛ مذهبيّ صريح، حزبيّ تعبوي ضيّق، لا تأتأة فيه ولا غمغمة: «أوجّه التحية إلى كلّ المضحين، إلى الشهداء والجرحى المجاهدين وعوائلهم، وأقول إنّ فيكم الحسين والعباس وزينب»، هكذا هتف نصر الله، و»غصّ بدموعه» حسب توصيف صحيفة «الأخبار» اللبنانية. كذلك أهدى نصر الله «نصر» حزبه إلى «ورثة أهل البيت، بكم أخرجَنا الله من ذلّ الاحتلال والهوان والضعف والخوف والهزيمة». وليس ذكر الجيش اللبناني، في خانة فريدة حقاً، هي «شريك وعمدة المعادلة الذهبية»؛ إلا من قبيل ذرّ الرماد في العيون، وإشراك جيش خانع أمام سلاح «حزب الله»، ذليل وتابع وذيلي، لم يعد يملك استقواءً إلا على النازح السوري في مخيماته. 
والحال أنّ نبرة نصر الله تعيدنا إلى خطاب سابق، قبل ثلاث سنوات، كان أشدّ وضوحاً في تحديد الانتماء المذهبي الإقليمي والعالمي للحزب، وليس هويته المحلية وحدها؛ حين هتف نصر الله: «نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم»؛ و»نحن الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري». وبالطبع، كان ذلك الإعلان لا يأتي بجديد لا يعرفه العباد، ولا يعيد تعريف الحزب المعرّف جيداً لتوّه؛ بقدر ما يدخل في خصومة مذهبية علنية مع الآخرين، لجهة التشديد على الركنَيْن، «الإماميّ» و»الإثنا عشري»، تحديداً. وكان القصد، يومها كما في كلّ لجوء إلى هذا التشخيص المذهبي، هو التعبئة العقائدية والتحشيد الشعبي من جهة أولى؛ ثمّ التشديد، أكثر وأوضح، على أنّ الانتماء الإمامي والإثنا عشري لا يقتصر على الدين والمذهب، بل يشمل الدنيا والسياسة، وينتهي إلى طهران، حيث الوليّ الفقيه.
جديرة بالاستعادة، أيضاً، تلك الروحية التي امتاز بها نصر الله الشاب، قبيل صعوده السريع في سلّم قيادة الحزب؛ وحين كان الشحن المذهبي، دائماً وأوّلاً، ركيزة تنظيمة كبرى، قبل أن يكون خياراً في العقيدة. يُسأل الأمين العام عن شكل نظام الحكم الذي يريده الحزب في لبنان، فيقول (وننقل بالحرف): «بالنسبة لنا، ألخّص: في الوقت الحاضر ليس لدينا مشروع نظام في لبنان. نحن نعتقد بأنّ علينا أن نزيل الحالة الاستعمارية والإسرائيلية، وحينئذ يمكن أن يُنفّذ مشروع، ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان، ونائبه بالحقّ الوليّ الفقيه الإمام الخميني».
ثمّ يُسأل عن علاقة الحزب بإيران، فيقول: «هذه العلاقة، أيها الأخوة، بالنسبة لنا أنا واحد من هؤلاء الناس الذين يعملون في مسيرة ‘حزب الله’، وفي أجهزته العاملة، لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لديّ يقين وقطع في أنّ هذه الأجهزة تتصل، عبر مراتب، إلى الولي الفقيه القائد المبرئ للذمة الملزم قراره. بالنسبة لنا هذا أمر مقطوع ومُطْمَأن به (…) وهذه المسيرة إنما ننتمي إليها ونضحي فيها ونعرّض أنفسنا للخطر لأننا واثقون ومطمئنون بأنّ هذا الدم يجري في مجرى ولاية الفقيه». ورغم أنه يعتب، خلال الجلسة ذاتها، على تصريح آية الله كروبي بأنّ الحزب «هنن جماعتنا في لبنان»؛ فإنّ نصر الله لا يجد عيباً في التصريح إلا من حيث المستوى الإعلامي: «هيدا مش صحيح، إعلامياً مش صحيح»!
ثالثاً، يسألونه مَن أعلم بالحالة السياسية ومتطلباتها في لبنان»، فيجيب نصر الله (نبرة جازمة وعصبية، بعد أن يلقي بورقة السائل على الطاولة أمامه، كما يُظهر الفيديو): «الأعلم هو الإمام الخميني! لماذا؟ لأنني سابقاً ذكرت بأنّ الحالة السياسية في لبنان ليست حالة معزولة عن حالة المنطقة. هي جزء من حالة الصراع في الأمّة، هي جزء من وضع الأمّة، فكما أنّ إمام الأمّة يعرف هذا الجزء، يعرف هذا الجزء (…) الإمام الذي يخطط، هو يخطط للأمّة. المجتهدون تأتي أدوارهم في كلّ بلد، مكمّل [كذا] لخطّ الإمام، ولمشروع الأمّة الإسلامية الواحد. فلا يجوز أن نجزئ صراع الأمّة مع أعدائها، ما دام الأعداء يخوضون صراعاً واحداً مع الأمّة، فيجب أن يكون [كذا] إدارة الأمّة في صراعها واحدة، وهي من خلال الإمام». 
الأرجح أنّ أحداً، في أجهزة الحزب ومؤسساته الإعلامية تحديداً، لن يجد جسارة كافية للزعم بأنّ هذه الاطروحات لصيقة بسياقات محددة، وبالتالي لا يجوز إخراجها منها، ولا قراءة مواقف نصر الله وسياسات حزبه على ضوئها. ثمة استمرارية عضوية، أقرب إلى مبادئ كبرى ناظمة، حكمت علاقة الحزب بالمشهد اللبناني الداخلي ثمّ الجوار الفلسطيني والسوري والعراقي، واليمني لاحقاً (للتذكير فقط: في خطبته الأخيرة توجه نصر الله بالتحية إلى «السيد عبد الملك الحوثي، الذي أعلن بوضوح وقوفه مع اليمنيين إلى جانب لبنان في أي معركة مع العدو الإسرائيلي، وهذا تأكيد لمعادلة القوة التي تريد أمتنا أن تكرّسها»؛ رغم أنّ «نصر» نصر الله كان في جرود عرسال وليس في مواجهة أية «إسرائيل»، فعلية كانت أم متخيَّلة). وفي هذا كلّه، ثمة «الإمام الذي يخطط»، وهو الذي «يخطط للأمّة». 
وفي كلّ حال، ليس للغطاء المذهبي العقائدي أن يحجب حقائق حروب «حزب الله» في عرسال، هذه وسواها التي سبقتها؛ وأنها، في أوّل المطاف وآخره، امتداد طبيعي لحروب الحزب إلى جانب نظام بشار الأسد، وضدّ الشعب السوري؛ قبل أن تكون ضدّ «النصرة» أو «داعش»… قبلها، وأقدم منها كثيراً في الواقع. ثمة، في البدء، ستراتيجية ركيكة للإيحاء بأنّ حروب الحزب في عرسال (حتى بذرائع أشدّ ركاكة، تتصل بحروب الجيش اللبناني العتيد) تبرر تدخل الحزب العسكري في دمشق ودرعا وحمص وحلب وحماة ودير الزور. وثمة، بالتوازي التامّ، تعمية خبيثة على جرائم الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية ضدّ النزوح السوري، وعقاب لأهل عرسال اللبنانيين على تعاطفهم المبكر مع الانتفاضة السورية.
وتبقى خلاصة ثالثة، تخصّ التهويل العاطفي الذي تُغطى به مقولة «الالتفاف الوطني» حول الجيش اللبناني، وأنه «خطّ أحمر»… حين يتصل الأمر بالنزوح السوري، حصرياً. أمّا أنّ هذا الجيش منتهَك الكرامة، عسكرياً ومعنوياً، أما سلاح «حزب الله» أوّلاً، والميليشيات كافة ثانياً؛ وأنّ الجوهر الأقصى لوظائفه بات منحصراً في ترقية قائد إلى رتبة رئيس الجمهورية، حيث يسود الوئام الوطني ساعة، وتهيمن الانشطارات الطائفية والمذهبية والطبقية كلّ ساعة… فهذه اعتبارات لا يُسكَت عنها، فحسب؛ بل يُكمّ كلّ فم يتجاسر على تظهير حقائقها الساطعة.
وهكذا فإنّ «نصر» عرسال اليوم، مثل جميع «انتصارات» حزب الله» منذ تدخله العسكري في سوريا: ذرّ لرماد دامٍ في العيون، وهزيمة نكراء لبلد كان يسمى لبنان، وصار محض «جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

ماكرون وأفريقيا:

التفضّل «الحضاري»

على ثلث أرحام العالم

صبحي حديدي

 

في نيسان (أبريل)، هذا العام، كان إيمانويل ماكرون مجرد مرشح للرئاسة في فرنسا. وحين سُئل عن القارة الأفريقية، خلال ندوة مع صحافيي «لوموند»، قال التالي: «حين أنظر إلى أفريقيا، أرى بالفعل قارّة المستقبل. أفريقيا توشك على إنجاز تحوّل لا سابق له، بنموّ متواصل منذ سنة 2000، وعمران وطفرة في الطبقات الوسطى، وتنمية للقطاع الخاص، وشبيبة خلاقة ودينامية. هنالك بالطبع تحديات يتوجب أن تواجهها أفريقيا: الديموغرافيا، الأوبئة، الاختلالات المناخية التي تعاني منها، حالات انعدام التكافؤ، وضعف الحكم. ولكنني مقتنع أنّ أفريقيا سوف تفاجئ العالم بديناميتها. إنّ من مصلحتنا أن نكتب صفحة جديدة في علاقتنا مع أفريقيا».
فماذا عن ماكرون، الرئيس الفرنسي المنتخب؟ بادئ ذي بدء، كانت خطوته «الأفريقية» الأولى هي زيارة القوات الفرنسية المتمركزة في مالي؛ ليس للإعراب عن تضامن الرئاسة مع أبناء فرنسا من العسكريين الذين يتولون مهامّ قتالية حافلة بالمخاطر خارج فرنسا، فحسب؛ بل كذلك لإتمام أولى الرموز ذات الطابع العسكري المحض في رئاسة ماكرون، أي صعود جادة الشانزيليزيه على متن عربة عسكرية، وليس في سيارة مدنية كعادة رؤساء فرنسا. وقد يرى البعض أنّ ماكرون، في اللمسة العسكرية تجاه أفريقيا، يتذكر ـ ولعله كان يذكّر، أيضاً ببعض ـ ماضي فرنسا العسكري التليد مع القارّة؛ منذ الجنرال شارل دوغول، وحتى فرنسوا هولاند (في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتيران، بلغ عدد الجنود الفرنسيين المنتشرين في أفريقيا الفرنكوفونية 60 ألف عسكري).
لكنّ ماكرون الرئيس ذهب أبعد في التبشير بسياسته الأفريقية، خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة العشرين في هامبورغ، رداً على سؤال من صحافي أفريقي حول إمكانية توفير «خطة مارشال» خاصة بالقارة؛ وكانت نُذُر البشرى، تلك، حافلة بالمفاجآت! لقد ابتدأ بالقول إنّ خطة مارشال تدور أولاً حول «إعادة البناء، المادي»، في بلدان تمتلك «توازنها، وحدودها، واستقرارها»؛ وهذا، غنيّ عن القول، تشخيص خاطئ تماماً، في ما يخصّ خطة مارشال بمعناها الكلاسيكي، وفي سياقاتها التاريخية المحددة. ذلك لأنّ تلك الخطة انطوت على عون أمريكي هائل لأوروبا أربعينيات القرن الماضي، حين كانت القارّة العجوز خربة ومنهارة وممزقة (أي نقيض صفات التوازن والحدود والاستقرار التي ساقها ماكرون)؛ تتضور جوعاً إلى ما ستحمله الشاحنات الأمريكية من موادّ إغاثة، كانت تبدأ من الدقيق والحليب، ولا تنتهي عند قلم الرصاص وكيس الإسمنت.
وللتذكير، في يوم الخامس من حزيران (يونيو) 1947، ألقى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جورج مارشال، خطبة قصيرة في حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب جامعة هارفارد؛ ضمّنها إطلاق المبادرة الدبلوماسية الأضخم، والأكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة في حينه: ما سيعرف فيما بعد باسم «خطة مارشال» لانتشال أوروبا من أوزار الحرب العالمية الثانية. 
يومها لم تكترث الصحافة الأمريكية بخطبة من سبع دقائق، ألقاها رجل جافّ الروح وصارم الملامح، لا تنفرج شفتاه عن ابتسامة مجاملة حتى عندما يطلق فرانكلين روزفلت واحدة من النكات الرئاسية المأثورة. ولأنّ أحداً لم ينتبه، كما يتوجب، فإن أحداً لم يناقش خطورة مشروع فريد عكفت على هندسته أكبر أدمغة الإدارة آنذاك (مارشال نفسه، بمعونة دين أشيسن، جورج كينان، وليام كلايتون، وشارلز بوهلن)؛ وسوف يقلب العالم رأساً على عقب، وسيتكلف 13 مليار دولار (أكثر من 90 مليار في حسابات هذه الأيام).
المفاجأة الثانية لم تتأخر، بعد ذلك التوصيف الخاطئ لمفهوم «خطة مارشال» وسياقاتها التاريخية؛ إذْ انتقل ماكرون إلى خلاصة أخرى صاعقة: «تحدّي أفريقيا مختلف تماماً، إنه أعمق بكثير، إنه حضاري اليوم»! فهل ذهبت أدراج الرياح، بين نيسان الماضي وتموز (يوليو) الراهن، تلك الصفات التي خلعها ماكرون على أفريقيا؛ لجهة نموّها، وعمرانها، وطبقاتها الوسطى، وشبيبتها، وأنها «أفريقيا المستقبل»؟ وحين تحدّث ماكرون، المرشح الرئاسي، عن تحديات أفريقيا (الديموغرافيا، الأوبئة، الاختلالات المناخية التي تعاني منها، حالات انعدام التكافؤ، وضعف الحكم)؛ لماذا لم يعتبرها «حضارية» في حينه، كما اعتبرها اليوم ماكرون الرئيس؟ وإذا جاز للمرء أن ينزّه الرئيس الفرنسي عن التفكير العنصري، لأنه في الواقع ليس عنصرياً، فهل يجوز تنزيه مفردة «حضاري» عن المعاني المرذولة التي انطوت عليها تاريخياً، خاصة في إطار «المهمة التمدينية»
Mission civilisatrice، أو «رسالة الحضارة» الفرنسية الأشهر على امتداد التاريخ الاستعماري؟
وكيف تناسى ماكرون أنّ تلك «المهمة التمدينية» اقترنت، حرفياً، بتاريخ استعماري بغيض ودام، صنّفه هو بنفسه في خانة «جريمة حرب ضدّ الإنسانية»؛ حين كان مرشحاً للرئاسة، بالطبع؟ ألم يكن مجرمو الحرب، أولئك، من الإسبان في الأمريكتَيْن، والفرنسيين في الجزائر وأفريقيا الوسطى والغربية، والبريطانيين في الهند، والبلجيكيين في الكونغو، والبرتغاليين في أنغولا، والهولنديين في جنوب أفريقيا؟ الإسبان أبادوا قرابة 70 مليون «هندي أحمر»، كما ستصبح تسمية أبناء الأقوام الأصلية؛ وفي ذمّة الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، وحده، أكثر من عشرة ملايين أفريقي كونغولي، قضوا في سخرة صيد العاج؛ ولائحة أهوال الاستعمار الغربي تنطوي على صفحات من البربرية العارية المفتوحة، تتجاوز بكثير حدود ما يمكن أن تشمله معنى الإجرام بحقّ الإنسانية.
المفاجأة الثالثة أنّ ماكرون، الذي اعتبر أفريقيا قارّة المستقبل، بات ـ في إهاب الرئيس، مجدداً! ـ يرى أنّ المشكلة في أرحام نسائها، التي تلد سبعة أطفال أو ثمانية؛ وأياً كانت المليارات التي تصرفها (باسم المهامّ التمدينية، كافة)، «فإنك لن تحقق أيّ استقرار»! شاقّ، حقاً، على امرئ ينزّه ماكرون عن العنصرية، أن يفلح في تنزيهه عن الاستكبار والتفضّل والتكرّم على «الآخر»، الذي يحدث أنه، أو أنهنّ بالأحرى، ثلث نساء العالم! هنا، أيضاً، تناسى ماكرون أنّ المشكلة الديمغرافية ليست أحادية الجانب، تتصل فقط بإنجاب أطفال أكثر؛ وأنها متعددة الأبعاد، اقتصادياً وتنموياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً. وهي، لعلم سليل دولة مارست جرائم الحرب الاستعمارية، مشكلة سياسية أيضاً، تضرب بجذورها في التاريخ الاستعماري ذاته. ولعله تناسى، إذْ يصعب على مثله نسيان، أنّ بعض أهمّ عناصر «المهمة التمدينية» كان فرض الهداية إلى المسيحية الكاثوليكية، التي تحظر منع الحمل والإجهاض، ويلتزم ملايين الأفارقة المسيحيين بهذا الحظر كواجب ديني لا محيد عنه.
وعلى ذكر المليارات، كان جديراً بالرئيس الفرنسي ـ التكنوقراط، سليل قطاعات الصيرفة والاستثمار ـ أن يتوقف عند بُعد آخر في علاقة فرنسا بالقارة الأفريقية، أو شطرها الفرنكوفوني على الأقلّ: أنّ الشركات الفرنسية تستأثر، على نحو أقرب إلى الاحتكار، بالميادين الأكثر ستراتيجية في الاقتصادات الأفريقية، من قطاعات الكهرباء والاتصالات، إلى الموانئ والمطارات والبنى التحتية، مروراً بالتعدين والنفط والماس والذهب… فهل، سريعاً بعد انتخابه، انقلب ماكرون المرشح، ليبراليّ الوسط المؤمن بالأسواق ومكامن الاستثمار و»أفريقيا المستقبل»؛ إلى ماكرون النيو ـ ليبرالي، المتفضّل اقتصادياً على الأسواق التي يستثمر فيها، العازف عن تطويرها لأنّ عوائقها «حضارية»، المتكبّر على أرحام نسائها، الذي يأنف من مشكلاتها المستعصية في الديمغرافيا وفشل الدولة والإرهاب الإسلامي؟
في كلّ حال، لا يلوح أنّ الأوّل، المرشح، احتاج إلى زمن طويل كي تتكشف في داخله، ثمّ على لسانه وسلوكياته وسياساته، بعض الخصائص النوعية التكوينية، التي كانت خبيئة على نحو أو آخر؛ وكان بلوغ ذروة هرم السلطة كفيلاً بدفعها إلى العلن، حتى حدود الافتضاح، وتكشير الأنياب «الحضارية»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

 

الموصل: طريق

 سليماني إلى اللاذقية!

صبحي حديدي

 

رغم أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» لم يعد يسيطر إلا على مساحات ضئيلة في مدينة الموصل وجوارها، فإنّ عناصره أفلحت، منذ أواسط حزيران (يونيو) الماضي، في شنّ سلسلة هجمات مضادة مباغتة؛ أسفرت عن تفكيك خطوط الدفاع الأولى للجيش النظامي العراقي، خاصة الفرقة 16 التي تتولى قتال «داعش» في المدينة القديمة. آخر تلك الهجمات وقعت يوم الجمعة الماضي، حين نجح عشرات من مقاتلي التنظيم في اختراق صفوف الفرقة، وإجبارها على التراجع عشرات الأمتار خلف الأبنية السكنية، وبعيداً عن أحد الطرق الرئيسية. قبل هذا كان مقاتلو «الدولة»، متخفين في ثياب عناصر «الحشد الشعبي»، قد باغتوا الجيش العراقي عند الأطراف الغربية للمدينة، فانهارت القطعات التي تعرضت للهجوم، في مشهد أعاد التذكير بالأيام الأولى لسقوط المدينة السهل في أيدي جحافل «داعش»، قبل ثلاث سنوات.
ذلك يعني أنّ طريق تحرير المدينة ما يزال طويلاَ، من جانب أوّل، بالنظر إلى ما يعدّه تنظيم «الدولة» من تكتيكات مضادة، على أصعدة عسكرية تقليدية وأخرى أقرب إلى حرب العصابات. كما يعني، من جانب آخر، أنّ مفهوم «التحرير» محفوف بإشكاليات شتى، وتعقيدات سياسية وعسكرية ومذهبية وإثنية، من جهة ثانية. أوّل العناصر التي تضع علامات ارتياب كبرى حول مصداقية تحرير المدينة، هو موقع «الحشد الشعبي» في المعادلة: أهو تابع، أولاً، لقيادة العراق السياسية والعسكرية الرسمية (رئيس الوزراء حيدر العبادي، وكبار قادة الجيش النظامي)؛ أم يأتمر، عسكرياً وسياسياً ومذهبياً، بالجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» الإيراني أيضاً؟ وكيف تُفسّر مشاعر البغضاء الفاضحة تجاه سنّة الموصل، والعراق عموماً، التي لا يجد أبو مهدي المهندس، القائد الفعلي الميداني لـ«الحشد»، أيّ حرج في الإعراب عنها؟ وماذا عن حقائق الأرض، وأعمال التصفيات والتعذيب والتطهير المذهبي والمناطقي، التي مارستها وتمارسها قوات «الحشد» أينما انتشرت إجمالاً، وفي الموصل تحديداً؟ وأيّ مهامّ «تحريرية» يتولى «الحشد» تنفيذها داخل الأراضي السورية، ضمن مشروع حلم سليماني بالسفر عبر طريق برّي يقوده من إيران إلى اللاذقية، عبر العراق؟
هذه الأسئلة، التي تخصّ «الحشد» وحده بادئ ذي بدء، سوف تتوالد عنها أسئلة أخرى كثيرة تخصّ تكوينات الموصل المذهبية والإثنية الأخرى؛ إذْ ليس من المنتظَر أن يتقبّل السنّة والكرد والكلدان والتركمان، في الأمثلة الأبرز، طراز الهيمنة التي تبشّر به ممارسات ميليشيات أبو مهدي المهندس، في أطوار ما بعد «التحرير». وليس خافياً، بالطبع، أنّ «الحشد» لم يعد مجرد ميليشيات عسكرية، وليس البتة على غرار ما أفتى به السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الكبير، حول استحقاقات «الجهاد الكفائي»؛ بل صار «الحشد» قوّة كبرى، فاعلة وفعلية، في المستويات السياسية والحزبية، وتحديداً بعد النقلة الحاسمة في اعتزام خوض الانتخابات التشريعية كمجوعة عسكرية (على نقيض ما يقول الدستور العراقي!).
ولعلّ سليماني، وجنرالاته في «الحشد»، سوف ينشغلون بمعارك «تحرير» الطريق البرّي إلى اللاذقية، أكثر بكثير من انشغالهم بما ستعتمده «داعش» من تكتيكات قتال مضادة، وهجمات مضادة أكثر شراسة وعنفاً، في مناطق أخرى من العراق. ذلك لأنّ تنظيم «الدولة» ما يزال ـ للتذكير المفيد مجدداً، ودائماً ـ يمتلك هوامش مناورة قتالية، وجيوباً يسهل التحشيد فيها، وخلايا نائمة يمكن إيقاظها في كلّ حين لتتولى مهامّ التشويش والإرباك ودبّ الاضطراب. صحيح أنّ المواطن العراقي، في الموصل ذاتها كما في كلّ وأية منطقة عراقية أخرى، يظلّ ضحية «داعش» الأولى؛ إلا أنّ قاتله التالي هو سلطة حاكمة بائسة، مطعون في شرفها الوطني والأخلاقي، تنحدر أدنى فأدنى نحو درك الطائفية والتمييز والفساد والقصور والتبعية، وتُسلم قياد البلد إلى جنرالات أغراب، على رأس ميليشيات محلية مذهبية.

(القدس العربي) لندن

 

توريث محمد بن سلمان:

هلام الرمال المتحركة

صبحي حديدي

 

قد يصحّ القول إنّ الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز يدفع اليوم ــ من تحت الثرى بالطبع، وبمفعول رجعي ــ ثمناً باهظاً لقاء مناورة لاح أنها بارعة وحاسمة؛ خاصة بعد تقديمها في صورة خطوة «إصلاحية»، لتنظيم تناقل العرش داخل ذرية عبد العزيز بن سعود. وبالفعل، بدا أنّ إصدار «نظام هيئة البيعة»، خريف 2006، خصوصاً تعديل الفقرة ج من المادة الخامسة لنظام الحكم (والتي تسحب من الملك صلاحية تسمية وليّ العهد، وتسنده إلى هيئة البيعة)؛ خطوة تعديل حاسمة من طراز غير مسبوق في المملكة. لكنها كانت ناقصة، ابتداءً من منطق صلاحياتها ذاته، لأنّ الملك هو الذي يقترح على أعضاء الهيئة اسم، أو أسماء، المرشحين لولاية العهد، حتى إذا كان النظام الجديد يمنح الهيئة حقّ رفض اقتراحات الملك، واختيار مرشح آخر.
ولقد توفّر، مع ذلك، هامش مناورة مزدوج النتيجة، لأنه أتاح إمكانية المزيد من الاتفاق بين الأمراء، أو المزيد من الشقاق والخروج على إرادة الملك؛ وهذه حال لم تكن متوفرة في الماضي، أو كانت تتمّ في الخفاء وخلف جدران القصور السميكة الكاتمة للأسرار. هذا، بالطبع، إذا استبعدنا حقيقة أنّ مرض الملك (وهو تطوّر شبه دائم في حياة ملوك السعودية) قد يعيقه عن القرار عملياً، رغم بقائه على رأس الحكم وفي سدّة القرار؛ كما حدث مع الملك فهد طيلة العقد الأخير من حياته، حين أصيب بجلطة في الدماغ، وعهد بتصريف شؤون المملكة إلى أخيه الأمير عبد الله، وليّ العهد في حينه.
هنالك، إلى هذا، حقيقة عتيقة راسخة انتقصت من الطبيعة «الإصلاحية» لهذه الخطوة؛ وهي أنّ أوالية التوريث والخلافة في المملكة ليست دائماً بالسلاسة التي تبدو عليها في الظاهر، من جهة؛ وهي، من جهة ثانية، يندر أن تأخذ صيغة سيرورة سياسية قائمة على توازنات القوّة ومحاصصة النفوذ وحدها، لأنها أيضاً مسألة اجتماعية تضرب بجذورها عميقاً في نواظم المجتمع السعودي، وهياكله القبائلية والمناطقية. في عبارة أخرى، لم يكن واضحاً ــ على الدوام في الواقع، وحتى بعد تأسيس «هيئة البيعة» ــ ما إذا كانت فلسفة الخلافة في المملكة قد ضربت صفحاً عن معظم، أو حتى بعض، تلك القواعد الصارمة، البسيطة تماماً مع ذلك، التي وضعها ابن سعود في عام 1933؛ حين اندلعت نزاعات الأبناء، وقرّر الملك المؤسس توريث سعود وفيصل في آن معاً، لكي يقرّر ضمناً أن مبدأ الشراكة المعلنة هو القاعدة الناظمة للولاء العائلي.
هذا هو بعض السبب في أنّ مبايعة الأمير عبد الله، صيف 2005، بدت سلسة ويسيرة وخالية من أية عواقب دراماتيكية آنية. صحيح أنه لم يكن عضواً في نادي «السديريين السبعة»، وهو أخ غير شقيق لهم؛ والملك الراحل نفسه، فهد، كان في العام 1992 قد انفرد بتثبيت مبدأ مبايعة العضو «الأقدر» و»الأرشد» بين أبناء عبد العزيز (مما أعطى سقيفة المبايعة صلاحيات الطعن في قدرة، أو رشد، أي عضو مرشح بحكم السنّ، أو أقدمية التسلسل في الخلافة، أو حتى ولاية العهد بموجب إرادات سابقة واضحة). ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ الملك الذي تُوّج كان النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء بقرار من الملك خالد، وكان ولي العهد، والنائب الأوّل، وقائد الحرس الوطني (75 ألف مقاتل، بتدريب أمريكي رفيع)، وأبرز المتحالفين مع عشائر شمّر التي تمتد أفخاذها حتى مثلث الحدود التركية ـ السورية ـ العراقية.
ليس واضحاً، تالياً واستطراداً، ما إذا كانت قواعد الخلافة السابقة، مثل أية قواعد لاحقة، قادرة على إسقاط المبدأ الآخر في تحكيم الوراثة؛ أي إقامة ميزان الذهب بين القبيلة والفتوى والدولة، وبين السلطة القبلية وسلطة الإفتاء والسلطة المركزية، أياً كان المحتوى الفعلي لهذه الأخيرة. وهكذا فإنّ صيغة التعاقد، بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، فرضت على آل سعود اعتماد مزيج من سياسات «إدارة» العقد؛ مثل إضعاف الامتيازات القبلية، وتوطيد القرابات والولاءات، ودعم الأسس الإدارية والبيروقراطية الضرورية، وإتمام الزواج (الناجح، أو حتى ذاك القائم على المصلحة المشتركة) بين هذه الأسس شركات النفط العملاقة، واستيراد التكنولوجيا، والمضيّ قدماً في التحالفات الإقليمية والدولية، وتطبيق استراتيجية أمنية انعزالية وجامدة ووقائية… كل هذا، في آن معاً!
وكانت أربعة عقود من التصارع بين السلطة القبلية وسلطة الفتوى والسلطة المركزية قد أقنعت ابن سعود باستحالة إغفال أيّ منها لصالح أخرى، فأوصى أبناءه بإدامة التوازن الدقيق، وبذل آخر ما تبقى في جعبته من حنكة سياسية في ضمان خطّ تعاقبي آمن في وراثة العرش. لكنّ تحوّل المملكة إلى منتج أساسي للنفط في عهد الملك سعود، وتجاوز سقف المليون برميل يومياً، أسند للعائدات النفطية وظيفة سوسيولوجية جديدة وخطيرة هي تدمير هياكل التوازن التي شيّدها ابن سعود؛ خصوصاً ذلك التشارك القلق بين القِيَم القبلية، وأصول الدين، ونظام الإدارة. والخبرة التي راكمتها الأسرة الحاكمة في تدبير الشأن القبلي لم تستطع تقديم إجابات ملائمة على أسئلة وتحديات العمران والتحديث (التي أضعفت الأواصر القبلية، بالضرورة)؛ وتوزيع عائدات النفط (التي ضاعفت إيقاع الولاءات الشخصية، وعلاقات الاستزلام)؛ والظواهر السياسية الإقليمية والدولية، خاصة في ظل المدّ القومي العربي، واشتداد الحرب الباردة، قبيل الثورة الخمينية وصعود الإسلام السياسي.
ولكن المعادلة كانت مسقوفة، أو محتومة بمعنى ما، ولم يكن في وسع المملكة أن تواصل انشطارها العميق والمؤلم بين حاجات المجتمع والحياة، وبين تركة الزواج القسري الذي جمع المؤسسة والقبيلة. من جانب آخر كانت سيرورة ارتهان المملكة للسياسة الأمريكية (من الإنفاق على الانتخابات البلدية الإيطالية لكي لا ينجح الشيوعيون، إلى تحالف حفر الباطن واستقدام القوّات الأمريكية، إلى غزو العراق 2003، وصولاً إلى عقود التسليح والاستثمار المرّيخية التي حصدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته الأخيرة…)؛ تخلق وقائعها وظواهرها الرديفة أو المكمّلة، التي لم تكن دائماً تأتي برياح تلائم سفائن آل سعود: من استيلاد «الأفغان العرب»، إلى الـ 15 سعودياً من أصل 19 انتحارياً نفّذوا هجمات 9/11، مروراً بالتورط التمويلي مع بعض فصائل المعارضة الإسلامية في سوريا، والتورط العسكري المباشر في اليمن…
تولية محمد بن سلمان تعيد عقارب الساعة إلى ذلك السقف المحتوم، رغم أنها توحي بتقديم الزمن إلى 2030، (ليس أقلّ!)، ورغم ما تنطوي عليه من «دغدغة» لما سُمّيت بـ»القوى الليبرالية» و»التكنوقراط»؛ على نقيض (يُصوّر، هنا أيضاً، على أنه تناغم مع) المؤسسة الدينية الوهابية. وقبل أن تنطلق مشاريع وليّ العهد، الثلاثيني، نحو عقد الثلاثينيات؛ ثمة مشهد آخر رديف، تصعب إزالة عناصره عن المعادلة: اهتزاز شرعية آل سعود الدينية والسياسية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، ومشكلات البطالة وانخفاض الدخل الفردي، ارتفاع المديونية العامة، وعشرات المشكلات الاجتماعية والسياسية الأخرى.
والتولية تعيد آل سعود إلى حصاد ما بعد مناورة «هيئة البيعة»، حين رحل صانعها الملك عبد الله، وأُبطلت ولاية عهد مقرن بن عبد العزيز، ثمّ محمد بن نايف اليوم؛ الأمر الذي لا يشير إلى أنّ هذه الهيئة حبر على ورق، فحسب؛ بل لعلها لم تُكتب بمداد، بل برمال متحركة، رخوة وهلامية، فاتحة كسور وصدوع وهزّات، داخل المملكة وخارجها. ما خلا أنّ الناس ليست دائماً على دين ملوكها، وبالتالي قد يكون الآتي أعظم مما تقدّم، وأبعد أثراً وعاقبة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

بريجنسكي والجهاد الإسلامي:

رحل الصانع وبقيت الصناعة

صبحي حديدي

 

بين الصور الصحفية التي اختارتها صحيفة «نيويورك تايمز»، في مناسبة رحيل زبغنيو بريجنسكي (1928ـ2017) قبل أيام؛ ثمة واحدة تجمع بين الطرافة الفوتوغرافية، والمغزى السياسي والثقافي المزدوج: صورة «زبيغ» يصغي إلى خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، أمام مجلس الشعب المصري، في تشرين الأول (أكتوبر) 1979. وجه الطرافة الأوّل أنّ مستشار الأمن القومي الأمريكي، يومذاك، كان يسبّح بمسبحة؛ قيل إنّ مسؤولاً مصرياً أقنعه بـ«فضائل» استخدامها. وجه الطرافة الثاني أنّ كلام الصورة، من Gettyimages، كان (ويظلّ، على مستوى الأرشيف، حتى اليوم!) يصف بريجنسكي بـ»مستشار الأمن القومي الإسرائيلي»؛ وبالنظر إلى مسرد انحيازات الرجل العمياء إلى إسرائيل، كان التوصيف يجيز اللجوء إلى قول مأثور، مع تعديل ضروري: ربّ خطأ خير من ألف صواب!
وثمة تفصيل آخر، غير فوتوغرافي هذه المرّة، ينبثق من تقليد إسباغ المدائح على الراحلين حديثاً، أو ذكر محاسن الموتى وليس البتة أياً من مساوئهم؛ التي قد تكون مثاقيلها أشدّ استدعاء للتقبيح، بدل المديح. هذا، على سبيل المثال، ما ذكّرنا به الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ الذي كان في عداد رؤساء أمريكا الأكثر نفوراً من التدخل العسكري الخارجي المباشر (الأمر الذي تبدّل جوهرياً، أيضاً، في الأشهر الأخيرة من الولاية الثانية)؛ ولكنه قال التالي، في تأبين بريجنسكي: «مثقف جبار، ومدافع منافح مدافع عن القيادة الأمريكية. تأثيره امتدّ على عقود عديدة، وكنت أحد رؤساء عديدين استفادوا من حكمته ونصحه. أنتَ تعرف دائماً أين يقف زبيغ، وأفكاره وحججه ساعدت في تشكيل عقود من سياسة الأمن القومي».
فلنذهب، على سبيل تلمّس بعض ذلك «النصح»، إلى موقفه من انتفاضة الشعب السوري، وكيف رأى «الناصح الجبار» مشهد البلد عموماً. سوريا، عنده، محض حال من الفوضى الشاملة، تسير من سيئ إلى أسوأ؛ وإنْ كانت تمنح الولايات المتحدة فرصة استمالة إيران إلى اتفاق إقليمي شامل، يتضمن الملفّ النووي أيضاً، وينتهي لصالح إسرائيل في المقام الأوّل. وما يجري في سوريا، منذ آذار (مارس) 2011، ليس سوى «أزمة، شاركت في التخطيط لها السعودية، وقطر، وحلفاؤهما الغربيون»، هكذا بجرّة قلم. كتب بريجنسكي، في الدورية الأمريكية اليمينية ذائعة الصيت
National Interest: «في أواخر العام 2011 حدثت اضطرابات في سوريا، تسبّب بها الجفاف واستغلها نظامان أوتوقراطيان في الشرق الأوسط، هما قطر والسعودية». ولكي تكتمل أركان «المؤامرة» هذه، دخلت المخابرات المركزية الأمريكية على الخطّ، وقررت «زعزعة» الحكم في البلد، قبل أن تفطن إلى أنّ «العصاة» الثائرين على «حكومة بشار الأسد» ليسوا جميعهم من الصنف «الديمقراطي»، فكان أن خضعت السياسة بأسرها للمراجعة… 
أو فلنذهب إلى ملفّ آخر، هو انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر؛ حيث بدأ بريجنسكي من افتراض مركزي عنده، بأنّ الانقلابات العسكرية ليست كلها شريرة بالضرورة (بالطبع، على أمثولة انقلاب الجنرال بينوشيه في تشيلي!)؛ هكذا كانت حال الجيشَيْن البرازيلي والتركي، اللذَيْن استعادا النظام الديمقراطي بعد انقلاب عسكري، وهكذا يمكن أن تكون حال الجيش المصري: فلننتظر، يستحثّ بريجنسكي الإدارة الأمريكية، متسائلاً: هل كنّا نعرف شيئاً عن أنور السادات قبل أن يتولى الحكم بعد جمال عبد الناصر (بمعنى: هل كنّا نتوقع منه فضيلة المشاركة في صنع اتفاقيات كامب دافيد مع إسرائيل)؟ هل نعرف ما يكفي، الآن، عن الفريق السيسي؟ مصر، يختتم بريجنسكي، تعيش ثلاث ثورات معاً، سياسية واجتماعية ودينية، فلننتظر إذاً، ولا نتعجّل الحكم.
وبمعزل عن حقيقة أنّ «الاضطرابات» في سوريا لم تبدأ أواخر العام 2011، بل في الشهر الثالث منه؛ وأنّ مناطق «الجزيرة» السورية شهدت الجفاف، ثمّ الهجرة، قبل أشهر من ابتداء «الربيع العربي» واندلاع الانتفاضة الشعبية في تونس؛ فضلاً عن أنّ انتظار انكشاف طوية السيسي قد اتضح أنّ دونه خرط القتاد، وإراقة المزيد من دماء المصريين، مدنيين وعسكريين على حدّ سواء؛ وأنّ انقلابه، الذي اتكأ على إرادة شعبية واسعة ضدّ الأخونة واستبداد الحكم الإخواني، قد ارتدّ على تلك الإرادة الشعبية فحوّلها إلى تفويض مزوّر يعيد العسكر إلى مؤسسة الرئاسة، كما يعيد إنتاج نظام حسني مبارك الأمني بصفة خاصة، بعد تجميله هنا وهناك… بمعزل عن هذه وسواها من حقائق، فإنّ بريجنسكي اعتمد مقداراً فاضحاً من التقدير السكوني لآمال الشعبين المصري والسوري، والشعوب العربية بأسرها في الواقع، والدوافع العميقة خلف التضحيات الجسيمة والوقائع الدامية التي شهدتها بلدان «الربيع العربي» خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
حول العراق، لم يتردد بريجنسكي في الذهاب أبعد ممّا يُنتظَر من أمثاله، فجزم بأنّ «أخطاء الحرب في ذلك البلد لم تكن تكتيكية واستراتيجية فحسب، بل تاريخية أيضاً. إنها، جوهرياً، حرب استعمارية، خيضت في عصر ما بعد ـ استعماري»! تُضاف إلى هذه الخلاصة، التي بدت صاعقة في الواقع لأنها أتت من بريجنسكي دون سواه، أطروحة تكميلية روّج لها الرجل في كتابه «الاختيار: هيمنة عالمية أم قيادة عالمية»؛ مفادها أنّ الواقع العالمي بعد الحرب الباردة وهزّة 9/11، وضع الولايات المتحدة في موقع فريد لأمّة قادرة على تأمين الاستقرار العالمي من خلال السيطرة العسكرية، وقادرة في الآن ذاته على تهديده من خلال الوسيلة العسكرية إياها.
بيد أنّ بريجنسكي هو، قبل هذه الملفات الانفجارية الثلاثة، المهندس الأبرز وراء توريط السوفييت في أفغانستان، ثمّ إطلاق تلك «الصناعة الجهادية» التي أنتجت الطالبان، والأفغان العرب، وأسامة بن لادن، و«القاعدة»… وتتمة المسمّيات والأسماء التي أقضت، وتقضّ، مضجع أمريكا، وأربع رياح الأرض، اليوم! وفي حوار شهير نشرته أسبوعية «لونوفيل أوبزرفاتور» الفرنسية سنة 1998، اعترف بريجنسكي بأنّ البيت الأبيض هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري، وذلك بعد إحباط مخططات المخابرات المركزية الأمريكية لتنظيم انقلاب عسكري في أفغانستان.
وحول ما إذا كان يندم اليوم على تلك العملية، ردّ الرجل: «أندم على ماذا؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة. وكانت حصيلتها استدراج الروس إلى المصيدة الأفغانية، وتريدني أن أندم عليها؟ يوم عبر السوفييت الحدود رسمياً، كتبت مذكرة للرئيس كارتر أقول فيها ما معناه: الآن لدينا الفرصة لكي نعطي الاتحاد السوفييتي حرب فييتنام الخاصة به». ولكن، يسأله الصحافي الفرنسي فانسان جوفير، ألا يندم أيضاً على دعم الأصولية الإسلامية، وتدريب وتسليح إرهابيي المستقبل؟ يجيب بريجنسكي: «ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم: الطالبان، أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الغلاة الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة»؟
من جانب آخر، ألا يُقال ويُعاد القول إنّ الأصولية الإسلامية تمثّل اليوم خطراً عالمياً؟ يردّ بريجنسكي: «كلام فارغ!»، قبل أن يتابع: «يُقال لنا إنه ينبغي على الغرب اعتماد سياسة متكاملة تجاه النزعة الإسلامية.
 هذا غباء: لا توجد إسلامية عالمية. فلننظر إلى الإسلام بطريقة عقلانية لا ديماغوجية أو عاطفية. إنه الدين الأوّل في العالم، وثمة 1.5 مليار مؤمن. ولكن ما هو الجامع بين أصوليي المملكة العربية السعودية، والمغرب المعتدل، والباكستان العسكرية، ومصر المؤيدة للغرب أو آسيا الوسطى العلمانية؟ لا شيء أكثر ممّا يوحّد بلدان الديانة المسيحية».
مهندس الجهاد الإسلامي رحل، إذن، وقد خلّف صناعة جهادية، أكثر عنفاً وتوحشاً وغلواً، مع فارق أنها لا تنقلب على الصانع وحده، فحسب؛ بل تقلب هندسة الصنع، ذاتها، رأساً على عقب!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

روحاني الثاني:

طيران فوق

عشّ «الإصلاح»؟

صبحي حديدي

 

الآن وقد فاجأ الرئيس الإيراني حسن روحاني أنصاره، قبل خصومه ربما، بانتصار كاسح من الجولة الأولى، لم يكن هو شخصياً ينتظره على هذا النحو، أغلب الظنّ؛ فإنّ الأسئلة الملحّة، والواقعية تماماً، التي تعقب فورة الانتصار، هي التالية: وماذا بعد؟ ما الذي عجز روحاني عن إنجازه في رئاسته الأولى، ويعد اليوم بإتمامه على مدار السنوات الأربع في الرئاسة الثانية؟ وإذا جاز أنّ المرشد الأعلى، علي خامنئي، تقصد ضبط هوامش روحاني الأوّل عند نقطة دقيقة، محسوبة بميزان الذهب، بين «المحافظة» و«الإصلاح»؛ فأيّ تبدلات سوف تطرأ على ذلك التوازن، في ضبط هوامش روحاني الثاني؟
ثمة اتفاق، لدى غالبية مراقبي الشأن الداخلي الإيراني، على حقيقة كبرى ثابتة، واحدة على الأقلّ: أنّ المرشد الأعلى يريد من مؤسسة الرئاسة أن تخدم غرضين، متناقضين ومتعارضين، في آن معاً: تطوير التنمية والاقتصاد والخدمات ودغدغة بعض السخط الشعبي، وتحقيق بعض المطالب الاجتماعية والثقافية (على نحو يواصل اجتذاب شرائح الشباب والمرأة ودعاة الإصلاح)، من جهة أولى؛ وتفعيل حسّ التشكيك والسخط والاعتراض والتعطيل، ضدّ سياسات الرئاسة، لدى فئة آيات الله وحجج الإسلام وجماعة «تشخيص» مصلحة النظام (تماماً كما يشتهي «المحافظون» والمتشددون)، من جهة ثانية.
وثمة أسباب كثيرة تدعو إلى التشكيك في أنّ رئاسة روحاني الثانية سوف تكون أفضل من الأولى، على صعيد اختراق هذا التوازن تحديداً؛ وأنّ نسبة الـ 57٪، التي فاز بها منذ الجولة الأولى، سوف تتيح له أن يتجاوز حقاً إسار التحليق مديداً حول عشّ الإصلاح، دون أن يحطّ فيه، ويستقرّ ويشيد. تجربة السنوات المنصرمة تشكل مادّة أولى، دامغة، للتشكيك في أنّ السنوات المقبلة سوف تشهد نقلة جذرية، أو حتى مختلفة عن السنوات المنصرمة. وأمّا المادّة الثانية، والأهمّ ربما، فإنها التجربة الأبكر للرئيس محمد خاتمي، حيث كان الإصلاح سيّد الرهان، فانتهت سنوات التجربة إلى خسران شبه مبين أمام مؤسسة الولي الفقيه وشبكات المرشد الأعلى.
ففي عام 1997 انتخب الإيرانيون خاتمي، بأغلبية ساحقة أيضاً (بل فاضحة، بالنسبة إلى خصمه علي أكبر ناطق نوري)؛ واختار خاتمي تشكيلة وزارية بدت في حينه الأكثر تعددية و«اعتدالاً» منذ أن وطأ الإمام الخميني أرض مطار طهران عائداً من منافيه الطوال؛ وصوّت البرلمان الإيراني على منح الثقة لهذه الحكومة (ليس دون صعوبات ومقاومة ودسائس). ولقد حفلت سنوات خاتمي بالجهود الإصلاحية، وبما يشبه ثورة ثقافية حداثية؛ ولكنها حفلت أيضاً بالنقيض: تعطيل صحف، محاكمات، تصفية وزراء إصلاحيين، تضييق الخناق على فريق الرئيس، الانتصارات والانتكاسات (التكتيكية إجمالاً) على الجانبين، وصولاً إلى منع الناس من الترشيح للانتخابات.
وعلى نحو ما، يمكن القول إنّ الناخب الإيراني الذي منح روحاني هذه النسبة الساحقة منذ الدورة الأولى، لم يكن يراهن على فرصة ثانية لرجل لم يغتنم الفرصة الأولى؛ بل كان، ببساطة وحكمة عميقة، يقطع الطريق على منافسه إبراهيم رئيسي، تماماً بمعنى اختيار بلوى مجرّبة تظلّ أهون، بكثير في الواقع، من شرّ آت مستطير! وإذا صحّ هذا الافتراض، فإنه يكتسب بعداً سوسيولوجياً عميقاً حين يتذكر المرء أنّ الناخب ـ الذي تفادى رئيسي، عن طريق انتخاب روحاني ـ إنما ينتمي إلى نسبة الـ60٪ من المواطنين الإيرانيين الذين هم تحت سنّ الـ30!
وإذا جاز أنّ بعض مغزى انتصار روحاني هو هزيمة رئيسي، بما يمثله كلّ منهما في السياسة والاجتماع والعقيدة؛ فإنّ الراسخ الأعلى، بين فوز هذا واندحار ذاك، هو بقاء مؤسسة «الولي الفقيه»، بقيادة المرشد الأعلى، راسخة متينة، عليا وطاغية ومهيمنة؛ أياً كان الرئيس الذي يطيل التحليق فوق عشّ «الإصلاح»!

(القدس العربي)

 

إرهاب مانشستر وإعادة

إنتاج التنميطات العمياء

صبحي حديدي

 

مدهش أن يقرأ المرء من معلّق مخضرم في شؤون الشرق الأوسط، مثل باتريك كوبرن، في الـ»إندبندنت» البريطانية أمس؛ اختزالاً مذهلاً للإرهاب الجهادي الذي ضرب مدينة مانشستر مؤخراً، وقبلها لندن وباريس وبروكسيل: أنّ الأصل في هذا الجهاد هو الوهابية، وبالتالي المملكة العربية السعودية، وهذا ما يتعمّد الغرب عدم الإشارة إليه بسبب علاقات المال والأعمال مع آل سعود. «ما صار يُسمّى الجهادية السلفية، جوهر عقائد تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، انبثق من الوهابية، وحمل عقائده إلى المجموعات الإرهابية كنتيجة منطقية وعنيفة. الشيعة واليزيديون لم يكونوا هراطقة في نظر هذه الحركة، التي كانت طرازاً من الخمير الحمر الإسلاميين، بل كائنات بشرية أدنى يتوجب استئـــــصالهم أو استعبادهم»؛ يكتب كوبرن.
بعض هذه الخلاصة، في ما يخصّ علاقة الجهادية السلفية بالوهابية تحديداً، هو كلام حقّ بالطبع؛ ولا جديد فيه أصلاً، بل بات تحصيل حاصل، قبل «داعش» بعقود، وربما قبل صعود منظمة «القاعدة» ذاتها. ما هو باطل، في المقابل، واختزالي على نحو فاجع إذْ يصدر عن كوبرن نفسه، إنما يتمثل في انتقاء جذور شبه وحيدة، لظاهرة باتت كونية ومتعددة النطاقات والعقائد، ومن الجهل والفظيع، والحماقة التي لا تُغتفر، أن يتمّ حصرها في جذور أحادية، وتربة وحيدة، هي الوهابية.
فإذا صحّ أننا لا نسمع عن مجموعات إرهابية يزيدية (وجمع هذه العقيدة مع الشيعة خيار فاضح بدوره، وقاصر وجاهل، أصلاً)؛ فهل يعقل أنّ كوبرن لم يسمع بإرهاب «شيعي»، على غرار ما مارسته وتمارسه مفارز «الحشد» هنا وهناك في العراق، وفي الموصل بصفة خاصة؟ هل كان صعباً عليه أن يخطف نظرة سريعة إلى موقع «غوغل»، فيقرأ ما وثقته مجلة «دير شبيغل» من جرائم عناصر «الحشد»، الذين أطلقت عليهم الأسبوعية الألمانية صفة «الوحوش»، ليس أقلّ؟ الأرجح أنّ كوبرن يعرف، بل لعله أعرف منّا بالنظر إلى صلاته العتيقة بالمنطقة، وليس سكوته عن تلك الانتهاكات إلا بعض أغراض سيرورة الاختزال؛ هذه التي لم تعد ركيزة كبرى في كتاباته، وأمثاله، فحسب؛ بل باتت منهجية راسخة في فرز جماعات المسلمين إلى معسكرين: واحد يفرّخ الإرهاب (من أهل السنّة، عموماً، الذين يعادون المثليين وحقوق المرأة، أيضاً!)؛ ومعسكر آخر يتوجب تصنيفه في الطرف النقيض (من الشيعة واليزيديين، ولا نعرف على وجه الدقة لماذا تجاهل كوبرن الفرق الإسلامية الأخرى!).
وهذه المنهجية تستدعي التذكير، مجدداً، بأنه إذا كانت يد الإرهاب عمياء غالباً تجاه يخصّ الضحايا، لأنّ البطش هنا يظلّ عشوائياً واعتباطياً، لا يكترث بإقامة أية موازنة بين الغاية والوسيلة؛ فإنّ نقطة الاستذكار التالية، المقترنة بالأولى مباشرة، هي حقيقة أنّ المنخرطين في مختلف مستويات الإرهاب ليسوا دائماً قتلة محترفين، تخرّجوا من مدارس الجريمة المنظمة والعنف وسفك الدماء. الثابت، خاصة بين شرائح مجنّدي «داعش» على الأرض الأوروبية، أنّ غالبية كبيرة من هؤلاء ليست مصابة بمسّ من جنون متأصل، تجعلها في حال من البغضاء المطلقة ضدّ الإنسانية جمعاء (كما يوحي هواة التنميطات المسبقة، العنصرية منها تحديداً)؛ أو ضدّ «النموذج الحضاري الغربي»، كما يساجل دعاة صدام الحضارات، ممّن يستهويهم حصر مشكلات الإرهاب في جذور عقائدية ـ دينية تخصّ الإسلام أوّلاً.
ذلك، في خلاصة موازية غير اختزالية، يعني أنّ بعض أسباب الأعمال الإرهابية الداخلية، إذا جاز التعبير، أي تلك التي تشهدها المجتمعات الغربية على أيدي أبنائها وليس بأيادٍ خارجية؛ ليست بعيدة عن سياقات التربية العائلية، ومشكلات الحياة اليومية، وطبائع السلوك العام، والأمزجة النفسية، والنزوعات الفكرية والثقافية. تلك، في مثال أوّل، كانت حال مايكل أديبولاجو، البريطاني من أصل نيجيري، مرتكب الجريمة الإرهابية البشعة التي وقعت في ضاحية وولتش، جنوب شرقي العاصمة البريطانية لندن، قبل سنوات قليلة: لقد ولد في بريطانيا، ودرس في مدارسها، وانتسب إلى إحدى جامعاتها، حتى ساقته الأقدار (في سنّ البلوغ!) إلى اعتناق الإسلام، ثمّ التطرّف في فهم التباس العلاقة بين الغرب والمسلمين، وصولاً إلى اعتبار كلّ جندي بريطاني مسؤولاً عن «قتل المسلمين كلّ يوم»، كما ردد على الملأ، حاملاً ساطور ذبح يقطر دماً.
تلك، أيضاً، كانت حال ياسين حسن عمر ومختار محمد سعيد إبراهيم ورمزي محمد وحسين عثمان، البريطانيين من أصول مسلمة، الذين حوكموا وأُدينوا بالتخطيط لأعمال إرهابية واسعة النطاق شهدتها العاصمة البريطانية، صيف 2005. فهل كان سقوط هؤلاء في حمأة الإرهاب والكراهية والقتل العشوائي وهستيريا الاستشهاد الزائف، بمثابة مآل حتمي لتعاليم الديانة التي اعتنقوها؟ أم جرّاء تفسير متطرّف لمصائر تلك الديانة في الأحقاب المعاصرة، بعد أن تسيّست على أيدي سلطات حاكمة فاسدة ومجموعات متشددة على حدّ سواء؟ أم لأسباب تربوية ذات صلة بهذه الاعتبارات وغير منفصــــــلة عن وضعــية الالتباس ذاتها، بين الغرب والعالم المسلم؟ أم، أخيراً، وكما يستدعي المنطق البسيط، للأسباب هذه كلّها، مجتمعة ومتكاملة ومترابطة؟
وما دامت هذه السطور تتناول واقعة مانشستر الإرهابية، ثمة هنا مثال ثالث تصحّ استعادته لأنه قد يمثّل المستوى الأقصى في توصيف الإشكالية بأسرها؛ أي حال ازدواج الشخصية التي كان يعيشها حسيب صادق وشاهزاد تنويري ومحمد خان، إرهابيو عمليات تفجير أنفاق لندن، صيف ذلك العام أيضاً، والتي أوقعت 52 قتيلاً ومئات الجرحى: بين اندماج كامل، أو شبه مكتمل، في الحياة البريطانية والحضارة الغربية إجمالاً؛ وبين انسلاخ إرادي عن هذه الحياة، استجابة إلى اعتبارات عقائدية صرفة، لا تغيب عنها السياسة دون ريب. وبهذا المعنى تصبح التفسيرات الأحادية لسلوك هؤلاء الإرهابيين مجرّد لغو، لأنهم لم يرتكبوا تلك الفظائع احتجاجاً على هذا أو ذاك من أعراف الحضارة الغربية وأعرافها، أو هذه أو تلك القضايا التي تخصّ واقع الإسلام في بريطانيا؛ أو ـ في استطراد المنطق ذاته ـ لأنّ الوهابية كانت، وحدها، فلسفة التشدد والعنف الطاغية في نفوسهم.
والحال أنه ليس مدهشاً، في الخلاصة، أنّ اختزالات معلّقين من أمثال كوبرن لا تبدي كبير اكتراث بالسياسة، أو بالأسباب الأعمق ـ الجديرة، أولاً، بالصفة الراديكالية ـ التي قادت أمثال سلمان عبيدي، إرهابي مانشستر، إلى «داعش»، في ليبيا أو سوريا أو العراق؛ ثمّ آبت بهم إلى بروكسيل، وقبلها باريس، وأورلاندو، وبعدها لندن، ثمّ مانشستر قبل أيام؛ لكي لا يعود المرء بالذاكرة إلى حقبة أسبق، لم يكن الخليفة البغدادي قد تسيدها بعد، حين أصاب الإرهاب قطارات مدريد وأنفاق لندن وباريس. حتى الاجتماع السياسي، في حدوده الدنيا، وبمعنى روابط الحياة العائلية مع السياسة في الشارع والوجدان والثقافة والديانة، لا يُطرح إلا على نحو انتقاصي واختزالي. تأثيراته ليست هيّنة بالتأكيد، لكنها ليست العوامل الكبرى الحاسمة في تكوين الذهنية الجهادية، ثم الإرهابية الانتحارية.
ليس أسهل من أن يدين كوبرن الوهابية، ويدين تغاضي الغرب عن السعودية (وكان سهلاً عليه، كذلك، لو تذكّر كيف دُشّنت «الصناعة الجهادية» من أفغانستان، ضدّ السوفييت، ليس بوحي من الوهابية بل بهندسة من زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في رئاسة جيمي كارتر، وتنفيذ المخابرات المركزية الأمريكية والبنتاغون). ثمّ، في استكمال المعادلة هذه، ليس أيسر على المعلّق المخضرم من أن يقرأ واقعة إرهاب دامية، مثل تفجير الحفل الغنائي في مانشستر، ليس من منطلق الذهاب إلى جذور الظاهرة، بل بقصد إعادة إنتاج التنميطات العتيقة التي باتت أسطوانة مشروخة.
وليته زاد في الطنبور نغماً، واحداً على الأقلّ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

ترامب والإسلام:

مَن توقف

عن كراهية الآخر؟

صبحي حديدي

 

على غرار القاعدة العتيقة، التي تفيد بأنّ كلام الليل يمكن أن يمحوه النهار التالي؛ فإنّ علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإسلام، والمسلمين والعالم المسلم استطراداً، يمكن أن تكون اتخذت هذا المآل: كلام المرشح ترامب، أخذ يمّحي مع تحوّله إلى رئيس.
وليس في هذا أية عجيبة، إذْ لا ينفرد ترامب عن سواه من رؤساء أمريكا (أو معظم ساسة عالمنا المعاصر، سواء أكانوا من أرباب الديمقراطية أم الاستبداد)؛ لولا أنّ «عيار» الفارق بين خطابَيْ المرشح والرئيس يبدو هائلاً٫ بل أدعى إلى صناعة البون الشاسع. وهذا الرجل، قائد القوّة الكونية الأعظم، الذي هبط أمس في المملكة العربية السعودية للاجتماع بزعماء أكثر من 50 دولة عربية/ مسلمة؛ هو، نفسه، الذي صرّح بالفم الملآن، أثناء حملاته الانتخابية، أنّ «المسلمين يكرهوننا»، ولديهم تجاه أمريكا «كمّ هائل من الكراهية».
فكيف، بافتراض وجود كمّ قليل فقط من الكراهية، يخطر للرئيس الأمريكي أنّ بلده يستطيع إقامة تحالف أمني وطيد مع عالم المسلمين، والإسلام؛ و»بناء شراكات أمنية أكثر فاعلية من أجل مكافحة ومنع التهديدات الدولية المتزايدة للإرهاب والتطرف من خلال تعزيز قيم التسامح والاعتدال»، كما تردد حرفياً، عن الجانب الأمريكي؟ أليسوا هؤلاء أنفسهم، أبناء الإسلام، هم أهل التطرف والتشدد والإرهاب في ناظر ترامب/ المرشح؟ هل تبدلوا حقاً، وجذرياً، بل انقلبوا إلى نقيض يبرر إقامة الأحلاف معهم، في ناظر ترامب/ الرئيس؟
لعلّ من المفيد استذكار بعض الحقائق البسيطة حول تاريخ العلاقات بين أمريكا والعالم المسلم: أنّ الرئيس توماس جيفرسون علّم نفسه اللغة العربية، مستخدماً نسخة من القرآن الكريم (كان يحفظها في مكتبته الشخصية، ثمّ استخدمها كيث إليسون، أوّل نائب مسلم في الكونغرس، لأداء القسم سنة 2006)، وأنه كان أوّل من أقام مأدبة إفطار رمضانية، استضاف فيها السفير التونسي؛ أو الرئيس دوايت أيزنهاور، الذي حضر الاحتفال الرسمي بافتتاح المركز الإسلامي في واشنطن، صيف 1957، أو الرئيس بيل كلنتون، الذي كان أوّل من أصدر تهنئة رسمية بحلول شهر رمضان، كما عيّن أوّل سفير أمريكي مسلم (عثمان صديقي، في فيجي)؛ أو الرئيس جورج بوش الابن، الذي نقل نسخة القرآن الكريم من مكتبة جيفرسون الخاصة، إلى مكتبة البيت الأبيض، سنة 2005.
وفي سنة 2009، أثناء خطبته العصماء في جامعة القاهرة، شدد الرئيس باراك أوباما على الحقيقة التاريخية التالية: أوّل اعتراف رسمي بحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، المستقلة وكاملة السيادة، لم يصدر عن حكومة أوروبية مسيحية، أو شرقية غير مسلمة؛ بل كان السبق فيه قد انعقد لحكومة المغرب، المسلمة! كذلك شاء أوباما المضيّ أبعد، حين اعتبر أنّ ما بين أمريكا والإسلام يظلّ أبعد من مجرد علاقات ثقافية ـ دينية، لغوية أو رمضانية أو بروتوكولية؛ فأقرّ بأنّ الإسلام جزء من أمريكا، بدلالة وجود سبعة ملايين مسلم، وأكثر من 1200 مسجد في مختلف الولايات.
وهكذا، إذا جاز التصديق على كلام ترامب/ المرشح، بصدد ما تحمله الشعوب المسلمة من كراهية للسياسات الأمريكية في المنطقة (وليس للشعب الأمريكي ذاته، كما يقول المنطق البسيط)؛ فهل يجوز، استطراداً، التصديق على نوايا ترامب/ الرئيس، حول استقلاب تلك الكراهية إلى محبّة مع الشعوب، بافتراض أنّ «تحالف» معظم حكام العالم المسلم مع ترامب يختلف، بأيّ معنى، عن التبعية عينها؟
كلا، أغلب الظنّ؛ الأمر الذي يمضي بالسجال إلى سؤال آخر: في العلاقة بين ترامب والإسلام، مَنْ توقف عن كراهية الآخر؟

(القدس العربي)

رئاسيات إيران:

شيكات بلا رصيد

على أعتاب الولي الفقيه

صبحي حديدي

 

كانوا ستة مرشحين، رجالاً، حصرياً (إذْ لم يأذن «مجلس صيانة الدستور» بترشيح أية امرأة)، لانتخابات الرئاسة الإيرانية، التي تجري اليوم. انتهوا إلى ثلاثة أساسيين، بعد سلسلة انسحابات؛ ثمّ كرّت السبحة، بعدئذ، مع استسلام محمد باقر قاليباف: الطيّار، أصغر المرشحين سنّاً، القائد السابق في «الحرس الثوري»، منافس محمود أحمدي نجاد في دورة 2005، والمرشح الذي حلّ ثانياً في دورة 2013 أمام حسن روحاني. وهكذا، استقرت الجولة عند الصراع بين الأخير، الرئيس الحالي وممثل «الاعتدال» و»الإصلاح»؛ وإبراهيم رئيسي، ممثل «التشدد» و»التيار المحافظ».
والحال أنّ توصيفات المرشحَين لا توضع بين أهلّة اقتباس، إلا لأنّ معانيها تنطوي على الكثير من الإبهام والالتباس، ودلالاتها الفعلية لم تستقرّ مرّة واحدة منذ شيوعها للمرة الأولى؛ خلال عهد الرئيس الخامس محمد خاتمي، 1997. فإذا انطلق المرء من سجلّ الرئيس الحالي، فإنّ معظم الوعود التي قطعها على نفسه، أمام الشارع الشعبي، لم يتحقق منها إلا النزر اليسير؛ خاصة الاتفاق النووي مع الغرب، الذي تضمن رفع جزء من العقوبات عن إيران، وسمح بمعدّل نموّ بلغ 6,6 بالمئة، لكنه أبقى معدّل البطالة على حاله، بل تفاقم وتضخم في قطاعات عديدة. كذلك لم يفلح روحاني في تخفيف حدّة القيود الاجتماعية المفروضة على المرأة، وعجز عن ضخّ جرعة بسيطة ملموسة من الحريات السياسية والمدنية.
منافسه رئيسي لا يخفي تاريخه «الحافل»، سواء في سلك القضاء، حيث شارك في إصدار أحكام بالإعدام على المئات، والبعض يتحدث عن الآلاف، أواخر الثمانينيات؛ أو في انضوائه التامّ ضمن مؤسسات الولي الفقيه، و»الحرس الثوري»، حتى أنّ الشائعات ترى فيه خليفة محتملاً للمرشد الأعلى علي خامنئي. ومع ذلك فإنه، خلال خطبه أثناء الحملة الانتخابية ومناظراته مع روحاني، لم يقطع وعوداً «مضادة»، إذا جاز القول، بخصوص إمكانية التراجع عن الاتفاق النووي مثلاً، أو التضييق أكثر على الحريات، أو إلغاء بعض التدابير التي اتخذها روحاني وصُنّفت في خانة «الإصلاحات».
ذلك لأنّ انتخابات الرئاسة في إيران، وهذه التي تجري اليوم هي الثانية عشرة منذ الثورة الإسلامية والإطاحة بنظام الشاه، تبقى مسقوفة بمبدأ عقائدي وفقهي وتشريعي، ثمّ سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني وعسكري… هو ولاية الفقيه. وسنة بعد سنة، في كلّ استحقاق انتخابي تشريعي أو رئاسي، تبقى آفاق التغيير الداخلي في إيران معلقة، أو بالأحرى مغلقة، عند المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ والمجتمع والعصر. وهذا، للتذكير، مبدأ في «الحكم الإسلامي» صاغه الإمام الخميني على عجل، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية عام 1971؛ وخضع على الدوام لأخذ وردّ، حين اختلف حول تأويلاته عدد كبير من فقهاء الشيعة. ونعرف أنّ خامنئي هو، اليوم كما في الأمس، أشدّ المدافعين عن المبدأ، وأبرز المتمسكين بالإبقاء عليه في صلب الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوالي الفقيه المنصوص عنها حالياً في الدستور. وليست عسيرة معرفة أسباب هذا الحماس، بالطبع.
فما الذي يتبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية، محافظاً كان أم إصلاحياً، إذا كانت سلطة الوالي الفقيه تتضمن تسمية أعضاء مجلس المرشدين، وتسمية مجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (بما في ذلك تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد «الحرس الثوري»، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة، وإقرار أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية، وتوقيع مرسوم تسمية رئيس الجمهورية بعد الانتخابات، وإدانة الرئيس وعزله بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو؟ ثمّ ألم يحدث، مراراً، أنّ بعض الفقهاء ورجالات الحكم ذهبوا أبعد مما ينبغي في تفسير مبدأ ولاية الفقيه؛ كما حدث حين اعتبر أحمد أزاري ـ قمّي، أحد من كبار شارحي فكر الخميني، أنّ بين صلاحيات الوالي الفقيه إصدار «منع مؤقت» من أداء فرائض دينية مثل الحجّ، أو إصدار أمر بهدم بيت المسلم، أو توجيهه بتطليق زوجته؟
وهكذا، إذا صحّ أنّ المعارك السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تكتنف الرئاسيات الإيرانية، يمكن أن تدور بالفعل بين «المحافظين» و»الإصلاحيين»، حول التنمية والمعيشة والوظائف والخدمات والحريات؛ فإنّ المعركة الأكثر جوهرية، أي التخفيف من وطأة ولاية الفقيه، ليست في عداد الملفات المسكوت عنها، فحسب؛ بل يتنافس المرشحون في مقدار الحثّ على… تحريم النقاش حولها! ذلك، في عبارة أخرى، يعني أنّ المعركة لا تدور حول مسائل الانفتاح على الغرب، وصواب أو خطل سياسة «تصدير الثورة» ومواصلة الكفاح ضدّ الإمبريالية العالمية، والتورط في سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين والكويت. إنها، في الجوهر، ما تزال تدور حول حاضر ومستقبل إيران، وحول مسائل داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، أوّلاً وجوهرياً.
ومن جانب آخر، إذا كان خامنئي قد حرص على إدامة التوازن بين فريقَي المحافظين والإصلاحيين، واعتبرهما «جناحين لا بدّ منهما لكي يحلّق طائر الثورة الإسلامية»؛ فإنه انحاز منذ البدء إلى الفريق الأوّل، بل رجّح كفّة المجموعة الدينية ـ العسكرية المتشددة. وليست بعيدة في الزمن تلك البرهة التي شهدت اندلاع تظاهرات طلابية ضخمة في شوارع طهران، تطالب باستقالة خامنئي وخاتمي معاً؛ وأن تعلن مجموعة مؤلفة من 248 شخصية إصلاحية أنّ «وضع أشخاص في موضع السلطة المطلقة والألوهية هو هرطقة واضحة تجاه الله وتحدّ واضح لكرامة الإنسان»، في إشارة عدائية لمبدأ ولاية الفقيه، كانت النقد الأوضح والأكثر جرأة حتماً منذ انتصار الثورة الإسلامية. ومن الطريف أنّ أبرز انتقادات المرشح رئيسي، ضدّ منافسه المرشح روحاني، تبدأ من اتهام الأوّل للثاني بـ»التفريط» بالسيادة الإيرانية عبر توقيع اتفاق نووي مع الغرب لم يكن، في نظر رئيسي، سوى «شيك بلا رصيد». ومصدر الطرافة أنّ الأخير يعد مواطنيه الإيرانيين بمستندات مالية من طراز آخر، ضمانتها هذه المرّة لا تتوفر في المصارف والمؤسسات والاتفاقيات الدولية، لأنها إنما تُصرف في غياهب الغيب فقط، بضمانة من… المهدي الغائب! الأمر الذي يعيد الذاكرة إلى ذلك «النزاع العقائدي» بين الرئيس السابق أحمدي نجاد، ونفر من آيات الله وحجج الإسلام، حول زعم الأوّل بأنّ «يد الله سوف تظهر وترفع الظلم عن العالم»، وأنّ «أعداء إيران يعلمون أنّ عودة المهدي الغائب حتمية».
وهذا ـ أحمدي نجاد، هو نفسه الذي منعه «مجلس صيانة الدستور» من الترشيح لهذه الدورة، فهدد بكشف النقاب عن لجوء «الحرس الثوري» إلى تزوير الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 ـ كان، ذات يوم غير بعيد، قد استُقبل في العاصمة اللبنانية بيروت على رؤوس الأشهاد، بطبول وزمور وطقوس تفخيم وتلميع وتعظيم، قلّ مثيلها؛ وتولى «حزب الله» تضخيم سجاياه القيادية، ورفع خصاله الشخصية إلى سوية رفيعة (السند العظيم للمقاومين والمجاهدين والمظلومين). الذروة جاءت من حسن نصر الله، الأمين العام لـ»حزب الله»، شخصياً: «نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا».
.. على صعيد الشيكات التي بلا رصيد، في الواقع؛ إذْ أنهم، هنا تحديداً، ما بدّلوا تبديلا!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

شارع الشباب

العربي المعاصر:

نُذُر الأنواء العاصفة

صبحي حديدي

 

«أصداء بيرسون مارستيلر» شركة متخصصة في العلاقات العامة واستطلاع الرأي، تنتمي إلى مجموعة MENACOM التي تنتشر في 107 بلدان، وتستخدم 135 ألف موظف، في أكثر من 2000 مكتب حول العالم. وترفع الشركة شعار «لا أحد يفهم الشرق الأوسط مثلنا»، متكئة في المقام الأوّل على استطلاعها السنوي حول رأي الشباب العربي؛ وتزعم أنها تسعى من خلاله إلى «تقديم صورة واقعية حول مواقف ووجهات نظر الشباب العربي، بما يتيح تزويد مؤسسات القطاعين العام والخاص ببيانات وتحليلات ميدانية تساعدهم في اتخاذ القرارات الصائبة ووضع السياسات السديدة». كذلك تعلن «أصداء بيرسون مارستيلر» أنّ استطلاعها هذا «يوفّر رؤى غير مسبوقة حول الشريحة السكانية الأكبر في المنطقة وهم شبابها الذين يصل عددهم إلى 200 مليون شاب وشابة».
استطلاع 2017 صدر قبل أيام، تحت عنوان «صورة واقعية حول آمال ومخاوف وطموحات الشباب العربي»؛ وتشير معطياته المنهجية إلى 3498 مقابلة، في 16 بلداً عربياً (دول مجلس التعاون الخليجي، مصر، الجزائر، ليبيا، المغرب، تونس، العراق، الأردن، لبنان، «الأراضي الفلسطينية»، اليمن)، لفئات عمرية تتراوح بين 18ـ24 سنة، بمساواة تامة بين الذكور والإناث. هنا أبرز نتائج الاستطلاع، مقتبسة بصفة شبه حرفية:
ـ انقسام الشباب العربي جغرافياً في نظرتهم للمستقبل، إذْ أنّ التفاؤل والتشاؤم تحدده المنطقة التي يعيشون فيها؛ والخلاصة هي أنّ التفاؤل في تراجع مستمر، وشباب منطقة الخليج العربي هم الأكثر تفاؤلاً حول مستقبل بلدانهم.
ـ الشباب العربي يطالبون بلدانهم بالمزيد من الاهتمام، والعديد منهم يشعر بأنهم لا يشكلون أولوية في سياسات حكوماتهم، وبالتالي: غالبية الشباب العربي تعتقد بأنّ على حكومات بلدانهم القيام بالمزيد لتلبية احتياجاتهم.
ـ الشباب العربي يرى بأن البطالة والتطرف هما من أكبر العقبات التي تعيق مسيرة التقدم في منطقة الشرق الأوسط.
ـ غالبية الشباب العربي تعتقد بأنّ نظام التعليم الحالي لا يؤهلهم لشغل وظائف المستقبل، وهذا خارج منطقة دول مجلس التعاون الخليجي بصفة محددة.
ـ الشباب العربي يرى بأن تنظيم «داعش» أصبح أضعف خلال العام الماضي؛ استناداً إلى شرائح تقدير تبدأ من «أقوى بشكل كبير»، وتنتهي إلى «أضعف بشكل كبير»، فضلاً عن خيار «بقي على حاله».
ـ يعتبر الشباب العربي أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادٍ للمسلمين، وينظرون إلى عهده بمزيج من القلق والغضب والتخوف؛ كما يرون، في الخلاصة، أنّ انتخابه أكثر تأثيراً على المنطقة من ارتفاع أسعار النفط وخسارة تنظيم «داعش» لمناطق نفوذه.
ـ استطراداً، يتنامى العداء تجاه الولايات المتحدة؛ كما تعتبر غالبية من الشباب العربي أنّ روسيا، وليس الولايات المتحدة، هي الحليف الدولي الأكبر للمنطقة.
ـ في الأبعاد الثقافية، ورغم اعتزازهم بلغتهم الأمّ، تقول غالبية من الشباب العربي أنها تستخدم اللغة الإنكليزية أكثر من العربية. يُشار، في هذا، أنّ شباب دول مجلس التعاون الخليجي يعتبرون اللغة العربية مكوناً أساسياً لهويتهم الوطنية.
ـ الـ»فيسبوك» هو المصدر الأوّل للأخبار اليومية عند الشباب العربي، وذلك على حساب القنوات الإخبارية التلفزيونية والمواقع الإلكترونية والصحف المطبوعة.
ثمة، بادئ ذي بدء، غياب واضح لرأي الشباب السوري، لا يبرره ـ إلا قليلاً فقط، ربما ـ أنّ ظروف البلد لا تسمح باستطلاع رأي هؤلاء الشباب. الأرجح أنه كان في وسع فرق الاستطلاع أن تستفتي عيّنات من آراء هؤلاء الشباب في دمشق العاصمة مثلاً، أو في مناطق تتمتع باستقرار أمني أعلى، في مدينة مثل اللاذقية على سبيل المثال، رغم المظانّ المنهجية في خيار مناطقي مثل هذا. كذلك كانت النتائج ستنطوي على معطيات دالة، أو بالغة الدلالة في الواقع، لو أنّ أجهزة الاستطلاع وقفت على آراء الشباب السوري في المهاجر، القريبة أو البعيدة، في الأردن ولبنان وتركيا، ثمّ في أوروبا؛ مع تسويغ منهجي لهذا الخيار، كان ممكناً بدوره، وحمّال مغزى أيضاً.
هنالك، تالياً، ذلك النقص (الفادح، في يقيني الشخصي)، المتمثل في تحاشي طرح تلك الأسئلة التي تدخل في باب المسكوت عنه؛ مثل سؤال الطائفية، والمذهبية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والسلطة، والاستبداد، والفساد، وما إليها. ومن الواضح، استطراداً، أنّ «أصداء بيرسون مارستيلر» تفضّل توفير الخدمات الآمنة، «الناعمة» إذا جاز القول، أو تلك التي لا تثير حرج السلطات العربية إجمالاً؛ إلا إذا كانت الشركة توفّر نموذجاً آخر من الاستطلاع، يحمل معطيات محظورة على اطلاع الجمهور العريض، خاصة بالمشتركين، أو بالجهات التي تعتزم شراء تلك المعطيات. ذلك لأنه ليس منطقياً، وليس من المقبول منهجياً في الواقع، أن تُطرح أسئلة التفاؤل والتشاؤم والعمل والبطالة والتطرف واللغة والهوية… دون أن تقترن هذه الملفات بأسئلة الطائفة والمذهب والسلطة؛ التي لم تعد منفصلة، البتة، عن هواجس المواطن العربي المعاصر، خاصة في أوساط الشباب.
ولعلّ من المفيد، هنا، العودة إلى دراسة رائدة بعنوان «الشارع العربي: الرأي العامّ في العالم العربي»، كتبها دافيد بولوك، وصدرت سنة 1992 عن «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط». هنا ثلاث توصيات، بين أخرى عديدة، خلص إليها بولوك:
1 ـ الشارع العربي ليس خرافة قوموية أو ثوروية أو رومانتيكية، بل هو موجود وقابل للقياس؛ فلا تتجاهلوه، ولا تقللوا من قيمته، قياساً على «عطالة» ظاهرية.
2 ـ الرأي العام العربي أبعد ما يكون عن التجانس والوحدة والثبات، حتى في مسائل متفجرة مثل الإسلام والديمقراطية؛ فلا تضعوا كلّ الرأي العامّ العربي في سلّة واحدة.
3 ـ النُخَب العربية جريحة بهذا القدر أو ذاك، في هذه الإشكالية الإيديولوجية أو تلك، هنا أو هناك، ولكن حذار… النخبة شيء (هامّ للغاية، بطبيعة الحال)، والشارع شيء آخر. لا تدعوا كوابيس الأحلام المنكسرة عند المثقف تحجب هدير الشارع في ساعات الصباح الأولى، أو نهايات يوم عمل شاق بحثاً عن اللقمة؛ وافتحوا كلّ العيون على المساجد والأزقة والمقاهي وملاعب كرة القدم.
وقبل سبع سنوات، لم يكن في وسع شبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماريلاند الأمريكية، أن يتكهن البتة بأنّ سنة 2011 سوف تحمل معها بشارة انتفاضة تونس، أو انتفاضات العرب اللاحقة في مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا… وهكذا، كان استطلاع الرأي العام العربي، الذي يشرف على تنفيذه سنوياً لصالح مركز حاييم صبان، معهد بروكنغز، قد تجاهل تماماً مسائل الديمقراطية والتمثيل البرلماني وحقوق الإنسان والحرّيات العامة والدستورية؛ ولم يتطرّق، أبداً، إلى موضوع التحرّكات الجماهيرية وأشكال ومضامين الاحتجاج في الشارع الشعبي العريض.
أخيراً، قبل ثلاث سنوات، كان هوان كول، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وجنوب آسيا في جامعة مشيغان الأمريكية، قد أصدر كتابه «العرب الجدد: كيف يقوم الجيل الألفي بتغيير الشرق الأوسط»؛ فتحدّث بإسهاب عن شرائح الشباب العربي: مواليد الفترة بين أواخر 1970 ومطالع 2000، ثلث العالم العربي أو أكثر قليلاً؛ مدينيون، غالباً، ومتعلمون (وبالتالي ليسوا، بالضرورة، من فئة المثقفين!)، متمرسون في تكنولوجيا الميديا ووسائط التواصل الاجتماعي، والعديد منهم عملوا خارج بلدانهم الأصلية، وفي أوروبا وأمريكا تحديداً؛ كما أنهم، وهذا تفصيل هامّ في الواقع، أقلّ تديّناً من آبائهم، وأكثر انفتاحاً على العالم.
ولأنّ المجتمع العربي بين أكثر المجتمعات المعاصرة شباباً، فإنّ شارع الشباب العربي ليس أشدّ تعقيداً من معظم اختزالاته، السوسيولوجية تحديداً، فحسب؛ بل إنّ نُذُر منعرجاته لا تأتي، أيضاً، إلا على هيئة بروق ورعود و… أنواء عاصفة!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي) لندن

 

الانتخابات الفرنسية:

رميم اليمين ورماد اليسار

صبحي حديدي

 

مضى زمن طويل منذ أن شهدت فرنسا ثورة، أو حتى محاولة إصلاح جذرية؛ تجزم أسبوعية «إيكونوميست» البريطانية، في ما يشبه التكهن بأنّ ثورة ما توشك على الوقوع هنا، في مناسبة الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تبدأ جولتها الأولى يوم 23 نيسان (أبريل) الجاري. ليس التشخيص صحيحاً بالطبع، إلا إذا وُضع في النصاب المعتاد الذي تعتمده أسبوعية محافظة ويمينية لمفهوم «الثورة»، أو حتى «الإصلاح»؛ إذْ في وسع المرء أن يضرب مثالاً واحداً، حديثاً، في احتجاجات 1968 التي أطاحت بالجنرال شارل ديغول (أيقونة فرنسا الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم ربما)، وأرست سلسلة مواضعات سياسية واجتماعية وفكرية ما تزال فاعلة وراسخة.
ليست هنا المسألة التي تعني هذه السطور، بل حقيقة أنّ الانتخابات الرئاسية القادمة تبدو بالفعل حالة فارقة بالقياس إلى جميع سابقاتها، على امتداد عقود الجمهورية الخامسة؛ التي دشنها الجنرال/ الأيقونة نفسه، في سنة 1958، على أنقاض جمهورية رابعة برلمانية وشبه رئاسية، انتهت إلى ما يقارب الشلل الدستوري.
 الأكثر جدوى، في المقابل، هو التأمل في احتمال نوعي كبير، قد يصبح حقيقة صاعقة مساء الأحد القادم: أنّ «اليمين» الديغولي، و»اليسار» الاشتراكي، اللذَين تناوبا على حكم فرنسا منذ إطلاق الجمهورية الخامسة، قد يخرج مرشحاهما ـ فرنسوا فيون وبنوا هامو، على التوالي ـ من الدور الأوّل؛ وأنّ البديل قد ينحصر في ممثلة اليمين المتطرف مارين لوبين، وممثل الليبرالية التكنو ـ مصرفية إمانويل ماكرون.
المفارقة التالية، والتي تجسدت طيلة الأسابيع الماضية ولا تحتاج إلى برهة الحقيقة بعد يومين؛ هي أنّ تسعة على الأقلّ، من أصل أحد عشر مرشحاً، يزعمون مرجعية عليا مشتركة، هي… الجنرال/ الأيقونة، دون سواه! حتى لوبين، مرشحة «الجبهة الوطنية»، تعتبر أنها الوريث الأصدق الناطق بلسان ديغول، في ميادين ثلاثة تشكّل «أقانيم» عقيدتها: الاستقلال، الهوية، والأمن. وأمّا فيون، ممثّل حزب «الجمهوريين» والديغولي «الرسمي» كما يتوجب القول، فقد صنع مفارقة مبكرة حين طلب من أهل اليمين أن يتخيلوا الجنرال محالاً إلى القضاء ومرشحاً رئاسياً في آن (غامزاً من قناة منافسه، يومذاك، نيكولا ساركوزي)؛ فوقع في شرّ مطلبه هذا، إذْ هو اليوم المحال إلى القضاء، و… المرشح! ماكرون، من جانبه، يزعم شرعية ديغولية على اليمين تارة، وشرعية اجتماعية على اليسار تارة؛ كيف لا وقد كان وزيراً في حكومة اشتراكية، قبل أشهر معدودات، ثمّ استقال لأنّ سياساتها لم تكن ليبرالية كما يشتهي ويحبّ! جان ـ لوك ملنشون، مرشح «الإباء» الفرنسي، لا يعود إلى الجنرال بالطبع؛ إذْ يحلو له أن يمتدح هوغو شافيز مرّة، ومرّة أخرى… فلاديمير بوتين!
حال أشبه بالسعي إلى نفخ الحياة في رميم اليمين، أو إحياء اللون القاني في رماد اليسار؛ أو، على صفّ اليمين المتطرف، تجميل وجه جان ـ ماري لوبين، الأب المؤسس لـ»الجبهة الوطنية»، عن طريق إخضاع ابنته لجراحة تجميلية موازية»، ولكن دون القدرة على إرسال الإرث الثقيل، بأفكاره العنصرية والرهابية الأثقل، إلى رفوف التاريخ. ولكي لا يشعر كاتب الـ»إيكونوميست» بافتقاد حسّ الثورة في فرنسا، كان الراحل بيير بورديو، أحد آخر المفكرين المحترمين في فرنسا المعاصرة، بين قلة قليلة ممّن أقلقتهم هذه الحال، مبكراً؛ خاصة في قراءة شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطابات ما بعد الحداثية، دون الوقوع في إغواء الألعاب النظرية التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لاستيعاب الحاضر. 
ولم يكن غريباً، بالتالي، أن يشارك بورديو، ونفر قليل من ممثّلي هذه الأقلية الفكرية، في اجتماع مع القيادات النقابية التي أدارت الإضراب الكبير شبه الشامل الذي شلّ الحياة اليومية الفرنسية طيلة أسابيع، أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أن يضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضى الحال. فكيف إذا اختلط الحابل بالنابل، اليوم، وتناطح أحد عشر مرشحاً على أشبار محدودة من مساحة خبط العشواء هذه!
يومها عفّ بورديو عن التذكير بأنّ المواطن الفرنسي يعيش في نظام ديمقراطي يعطيه الحق في ممارسة الإضراب، الشامل الكامل المفضي إلى شلل شبه تامّ؛ مثلما يعطيه الحقّ في الذهاب إلى صندوق الاقتراع، ووضع الورقة التي يشاء، منتخباً مَن يشاء. بمعنى آخر، في أواخر 1995 ـ كما تكرر، أو سوف يتكرر، في كلّ جولة انتخابية، رئاسية أو تشريعية أو بلدية ـ كان المواطن الفرنسي هو الذي انتخب هذا النفر من ممثليه؛ وكان يعرف ـ أو توجّب عليه أن يعرف ـ جيداً أنّ البرامج القادمة ستكون هكذا. وكما يحدث في كلّ مرّة، يمارس المواطن الفرنسي ما يشبه «فشّة الخلق» ضدّ الجهاز الحاكم، رئيساً أو مجلساً وطنياً أو بلدية؛ ضدّ اليمين تارة، وضدّ اليسار طوراً، في انتظار أن يكون لكلّ من اليمين المتطرف أو اليسار المتمرد حصّة مستقبلية في العقاب!
وذات يوم أطلق جيم هوغلاند، المعلّق الأمريكي اليميني المحافظ، صفة «الجنون» على حركات تظاهرات طلابية واسعة اجتاحت فرنسا سنة 2005، احتجاجاً على ما عُرف باسم «عقد الوظيفة الأولى». ولقد ردّ هوغلاند «جنون» تلك الأيام إلى جنون سنة 1789، أي عام الثورة الفرنسية التي لم تبدّل وجه فرنسا مرّة وإلى الأبد، فحسب؛ بل قلبت أوروبا بأسرها، رأساً على عقب. لكنّ المعلّق الأريب تعامى، عامداً بالطبع، عن الحقائق الجوهرية التي تخصّ سلسلة مآزق الليبرالية الوحشية، والطور الراهن من مآلات اقتصاد السوق وقوانينه. وتجاهل، كذلك، أنّ الظاهرة ليست منقطعة الصلة عن اعتمالات الحاضر الفرنسي، الذي تتضاعف عواقبه كلّ يوم: داخل الجمعية الو