الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

*صبحي حديدي باحث وكاتب سوري مقيم في فرنسا يكتب في جريدة ( القدس العربي)

مقالات سابقة

أمريكا بعد اقتحام الكابيتول:

مَن يجبّ الترامبية؟

صبحي حديدي

قد يصحّ الإقرار، بادئ ذي بدء، أنّ نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية، على علاته ومظانه الكثيرة، أثبت مرونة عالية في الجوانب الإجرائية التي تعود قواعدها إلى ما سنّه «الآباء المؤسسون»؛ وتسري بالتالي على الحزبين الوحيدين، الجمهوري والديمقراطي، ولا تملك مؤسسة ديمقراطية عليا مثل الكونغرس سبيلاً لتعطيله على نحو يغيّر أصول اللعبة جذرياً، حتى إذا تعرّضت إلى مسّ هنا أو هناك، رقيق أو عنيف. ذلك ما تشهد به وقائع ما بعد انتخاب جو بايدن رئيساً وكمالا هاريس نائبة للرئيس، رغم صنوف المقاومة العنيفة التي اعتمدها الرئيس الخاسر دونالد ترامب؛ والتي تطورت على نحو منهجي حتى بلغت ذروتها في العصيان الذي نفّذه أنصاره في قلب العاصمة، واقتحام مبنى الكابيتول أثناء انعقاد اجتماع مشترك لمجلسَيْ النواب والشيوخ للتصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية.
غير أنّ هذه المرونة لا يصحّ لها أن تجبّ مقدار العطب الداخلي العميق الذي أصاب، ويواصل إصابة، الديمقراطية الأمريكية المعاصرة كما تعاقبت فصولها منذ نهايات الحرب العالمية الثانية على أقلّ تقدير؛ بافتراض أنّ سماتها التكوينية الإيجابية، القياسية إذا جاز القول، خرجت من عباءة الليبرالية التنويرية لتدخل تحت عباءة النيو ــ ليبرالية، المتوحشة المناهضة للتنوير إلى درجة الاصطفاف المحافظ واليميني في أمثلة عديدة. وليس مثال العطب الأبرز، والراهن، سوى صعود ترامب والترامبية، ليس في مستويات السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلاقات الدولية والثقافة، فحسب؛ بل كذلك في سيرورات متكاملة من استطالة الترامبية في قلب الحزب الجمهوري، الذي لم يتوقف عند مزيد من الانغلاق المحافظ والعصبوية البيضاء والعنصرية المبطنة أو حتى الصريحة، بل استمرأ حالة من التبعية والخضوع و»التقولب» حول شخص ترامب، تكاد تذكّر بظاهرة عبادة الفرد دون سواها.
وكان الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، لأسباب داخلية وخارجية في آن معاً، قدوة غالبية من أنصار الحزب الجمهوري؛ ومن الإنصاف الافتراض، اليوم، بأنه اهتز في قبره لمرأى مشاهد اقتحام الكابيتول (ولسنا نعرف حتى الساعة ما إذا كان تمثاله داخل المبنى قد صمد أمام غضبة الجموع الترامبية). ففي خطبة الوداع، مطلع كانون الثاني (يناير) 1989، ذكّر ريغان الأمريكيين بأنه لم يكفّ عن التغنّي بـ»»المدينة المضيئة» على التلّ، رمز الديمقراطية الأمريكية المشيدة على «صخور أقوى من المحيطات» التي باركها الربّ رغم عصف الأنواء كي تتآخى مع «شعوب من كلّ نوع تعيش في اتساق وسلام». لم تكن هذه حال التآخي التي خامرت ذهن ريغان حين أفسحت الصخور الدروب الواسعة لاجتياح الرمز المضيء، بأعلام عنصرية وعصبوية ونازية، وبشعارات لم تعد تعترف من الديمقراطية إلا باسم ترامب وإسقاط نتائج الانتخابات الرئاسية؛ في غمرة ذهول أجهزة الأمن والاستخبارات المحلية والفدرالية في عاصمة القوة الكونية الأعظم، على مرأى ومسمع العالم بأسره.
وذلك الباب الشهير، في قاعة الكابيتول الكبرى، الذي يدلف منه رؤساء أمريكا لإلقاء الخطبة السنوية التقليدية حول حال الاتحاد، تجاوزت أحدث صورة له المخيّلة السوريالية: ثلاثة من رجال الأمن يصوبون مسدساتهم نحو نفر من أنصار ترامب يحاولون تحطيم الباب. أمّا مكتب نانسي بيلوسي، رئيسة البرلمان والهيئة التشريعية الأعلى إلى جانب مجلس الشيوخ، فلم يُشبع غليل المقتحمين أنهم عبثوا به، بل توجّب أن يتركوا لها رسالة وعيد: عائدون! «انقلاب» جدير بأنظمة العالم الثالث، اهتدى بعض المعلقين الأمريكيين إلى العبارة الملائمة؛ أو «عصيان» في التعبير المهذب الذي استخدمه الرئيس المنتخب بايدن؛ وقلّة استعادوا العبارة التي تُنسب إلى سنكلير لويس، الكاتب والمسرحي الأمريكي حامل نوبل: «حين تصل الفاشية إلى أمريكا سوف تكون ملفوفة بالعَلَم والصليب»…
وتلك، لا يخفى، سياقات تردّ إشكالية الراهن الأمريكي إلى قيمة عليا دائمة، لا تحول ولا تزول، هي مفهوم «الحلم الأمريكي»؛ ذاك الذي يعلن ترامب أنه يريد إحياء جذوته في النفوس عبر الشعار الأثير حول جعل أمريكا عظيمة مجدداً. المفهوم صوفي بالطبع، وهو سحري سار ويسير على ألسنة الساسة الأمريكيين في كلّ مناسبة تخصّ، أو تمسّ، علاقة الولايات المتحدة بالعالم ما وراء المحيط؛ أو، في التكملة، كلما تعيّن عليهم أن يدغدغوا أنفة الأمريكي أو غطرسته الموروثة بمعنى أدقّ؛ فما بالك إذا اتصل الأمر بالذات، التي تضخمت خلال أربع سنوات من الترامبية البيضاء والعنصرية وشبه الفاشية أو بعض الفاشية كاملة متكاملة. التاريخ الأمريكي من جانبه يروي تفاصيل أخرى عن الحلم، فيسجّل قيامه على الفلسفة الطهورية أوّلاً، ثم انفتاحه ــ سريعاً ودون مقدّمات لاهوتية أو أخلاقية ــ على شهوات لاطهورية، قوامها الفتح والتوسع والهيمنة والأسواق والاستثمار والاحتكار، وما إلى هذه من أخلاقيات رأسمالية.

تكفي متابعة أعمار الجموع التي اقتحمت مبني الكابيتول كي يدرك الناظر أنّ هستيريا الأمريكي السبعيني كانت تكمل سعار الأمريكي العشريني أو الثلاثيني؛ وما بينهما نساء عجائز ونساء صبايا، سواء بسواء

وبالطبع، الحكاية الأشهر في هذا الصدد تقول إنّ المهاجر الإنكليزي جون ونثروب أبحر في عام 1630 على ظهر السفينة أرابيلا، في طريقه إلى «العالم الجديد»؛ وعلى مبعدة فراسخ قليلة من شواطىء أمريكا نطق ذلك البيوريتاني الحالم بالجملة الذهبية: «إنني أحلم بأمريكا على هيئة مدينة في أعلى هضبة خضراء، تحفّ بها البراري والمراعي والكنائس». هكذا بعفوية شاعرية رعوية، ولكن بما يكفي من براغماتية جعلته يردف بالقول: «هدفي هو الحرّية، ولكنّ مخططاتي على المدى البعيد ستكون الاستئثار بأقصى ما يتيحه لي الربّ من عقارات وثروات». وبالفعل، أرسى ونثروب قلوعه عند صخرة ماساشوستس الأشهر، ثم أقام مستعمرة بوسطن، وأسّس شركاته من عرق الزنوج العبيد ودمائهم، وانتُخب حاكماً مدى الحياة.
ومذاك، ما انفكت هذه المشكلة البكر تتفاقم وتتضخّم: أنّ «الأمّة الأمريكية العظيمة» مصابة بتخمة الحديث عن الصخرة البيوريتانية والحلم الأمريكي، في التجريد والإطلاق والضبابية والصوفية؛ ولن يعلو نجم سياسي، جمهوري أم ديمقراطي، ليبرالي يساري أم محافظ يمين، علماني أم متدين… إلا وبعض بضاعته المستعادة هي الحلم الأمريكي؛ وتستوي في هذا التنويعات اللفظية، والكثير منها ركيك كسيح الدلالة. المشكلة الأخرى أنّ صخوراً من نوع مختلف كانت تنتظر خطاب ونثروب الانفتاحي ذاك، وعليها تكسّر الخطاب الأصلي بسرعة قياسية، بمنأى حتى عن صخرة ماساشوستس التي يحرسها طهوريون غلاة يرسمون مبادىء الحلم الأمريكي على غرار تقنيات راعي البقر في جمع القطيع.
هو الحلم ذاته الذي رفع ترامب إلى مصافّ مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2016، رغم النقائض والفضائح والعراقيل؛ ثمّ إلى سدّة البيت الأبيض، وموقع اتخاذ القرارات التي طوت أكثر من صفحة سطّرها رؤساء جمهوريون أعلى منه شأناً ومكانة؛ وصولاً إلى القبض على مقادير الحزب الجمهوري وتحريك كبار ممثليه في مجلس النوّاب والشيوخ كما تُساق النعاج. وإنه، بذلك، الحلم الذي يتوجّب أن يذكّر بمساوئ الديمقراطية الأمريكية، بعد استذكار محاسنها غنيّ عن القول، وفي الطليعة منها أنّ صعود ترامب وأمثاله لم يكن مصادفة أو ضربة عشوائية، وليست اعتبارات الأمن والاقتصاد والشعبوية والعنصرية والبذور الفاشية هي وحدها المسؤولة؛ إذْ ثمة سوابق كثيرة لا تضرب بجذورها إلا في التربة ذاتها التي تختصر أزمات النظام الرأسمالي المعاصر.
هذه هي أمريكا المعاصرة، ما قبل ترامب وما بعده أيضاً؛ وتكفي متابعة أعمار الجموع التي اقتحمت مبني الكابيتول كي يدرك الناظر أنّ هستيريا الأمريكي السبعيني كانت تكمل سعار الأمريكي العشريني أو الثلاثيني؛ وما بينهما نساء عجائز ونساء صبايا، سواء بسواء. والسؤال بذلك بسيط مشروع: أين ينتهي الحلم وتبدأ الديمقراطية، أم العكس؟ وبالأحرى: بعد اقتحام الكابيتول، مَن يجبّ الترامبية؟
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

بايدن والمحافظون الجدد:

عود على بدء؟

صبحي حديدي

 

ثمة فرضية واسعة الانتشار في أوساط اليسار الأمريكي بصفة خاصة، ترافقت مع صعود نجم جو بايدن وتكريسه كمرشح للحزب الديمقراطي؛ مفادها أنه، على نقيض المنطق المألوف للانقسامات الإيديولوجية الأمريكية، الشخصية المفضلة لدى «مؤسسة الأمن القومي» لأطوار ما بعد دونالد ترامب. وهو، استطراداً، الحاضنة الأكثر ملاءمة لما تبقى من شخوص وتنظيرات تيار عريض بالغ التأثير عُرف في زمن جورج بوش الابن وغزو العراق تحت مسمى «المحافظين الجدد».
ويذكّرنا جيمي سكاهيل، صحافي التحقيقات المتميز ورئيس تحرير الموقع الإخباري الهامّ
Intercept، أنّ رحيل ترامب سوف يجرّد تيارات اليمين العنصرية المختلفة من حليف كان يتربع على هرم القرار الأعلى في الولايات المتحدة، وأنّ عدداً غير قليل من سياسات ترامب التي تدغدغ تلك التيارات سوف تتبدّل على نحو أو آخر في عهد بايدن. كلّ هذا صحيح، ولكن ما يتوجب أن يبقى في الذهن هو أنّ انتصار الديمقراطيين تحقق بسبب أرقام الوفيات المرعبة جراء جائحة كوفيد ــ 19 وإدارة ترامب الإجرامية، ولم يتحقق بسبب حماس الناخبين لسياسات بايدن وأفكاره أو سجّله في الوظيفة العامة على مدار نصف قرن: «بالنسبة إلى ملايين الناخبين، لم يكن الخيار بين بايدن وترامب، بل كان تصويتاً على ترامب، واسم بايدن على ورقة الاقتراع كان بمثابة لا رافضة».
لسنا، في المقابل، بحاجة إلى مَنْ يذكّرنا بأن أكثر من 73 مليون ناخب أمريكي صوتوا من أجل إبقاء ترامب أربع سنوات إضافية في البيت الأبيض، رغم معرفتهم بفساد إدارته وعجز سياساتها والتدبير الخطيرة التي اتخذتها، فضلاً عن تشجيع العنف والتيارات العنصرية والكراهية والتفرقة الاجتماعية والإثنية؛ وأنّ الحزب الجمهوري كان، في المقابل، مجرّد صدى يردد أقوال ترامب من دون أيّ وفاء للحدّ الأدنى من القيم التي يرفعها الحزب ويتفاخر بها. الفارق بين بوش الابن وترامب ينحصر، حسب يقين سكاهيل، في أنّ الأوّل سعى إلى جعل الحزب غطاء أو ستاراً أو مرجعية عامة، واكتفى الثاني بتحويل الحزب إلى جمهرة من النوّاب وأعضاء مجلس الشيوخ المصفقين الراضخين الخانعين.

تيار المحافظين الجدد لم يجد في حماقات ترامب ما يشفي غليله، ونفر من مقدار الشعبوية التي اكتنفت التنظير والتبشير قبل السياسة والاقتصاد، والأرجح أنه انتظر عوداً على بدء في شخص بايدن كما يراهن مراقبون كثر

الأسابيع القليلة المقبلة سوف تضع هذه الفرضية، وسواها من آراء تسير على المنوال ذاته، أمام محكّ السياسات الفعلية في ميادين عديدة لعلّ قضايا الشرق الأوسط سوف تكون في طليعتها. ونعرف، سلفاً في الواقع، أنّ رهط المحافظين الجدد، الذين سوف يلتفون حول بايدن من زاوية دفعه إلى إحياء النظرية القديمة بصدد فرض الديمقراطية على شعوب الشرق الأوسط عن طريق القوّة إذا اقتضى الأمر؛ لن يتنازلوا عن قاعدة أخرى مقترنة بهذا الخيار، أي «الغسل الثقافي» لتلك الديمقراطية المصدّرة، على صعيد التراثات والأديان والعقائد، بما يكفل تطهيرها من سلسلة «أدران تاريخية» خلقت نزوعات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموماً. في عبارة أخرى، جرت على لسان كبار المحافظين الجدد: إذا توجّب أن تبلغ بلدانُ الشرق الأوسط مستوى في الديمقراطية متقدّماً ومقبولاً ومعترفاً به في الغرب، فإنّ على صندوق الاقتراع ألا يمثّل قناعات المقترعين الفعلية، بل تلك التي تتناسب مع القناعات التي يقبل بها «العالم الحرّ» و»المجتمع الدولي»، تحديداً وحصراً!
وهكذا فإنهم، من جديد وعلى منوال القديم، سوف يطالبوننا بأن نعيش مرحلة الـ»ما بعد» في كلّ شيء، وعلى طول الخطّ: ما بعد الحداثة، ما بعد المجتمع الصناعي، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الإيديولوجيا، ما بعد الشيوعية، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة، ما بعد «القاعدة» و»داعش» وأسامة بن لادن و»الخليفة البغدادي»… وتلك حال يتوجب أن تبدو أقرب إلى عالم أحادي تماثل وتشابه وتعاقب على ذاته ومن أجل ذاته، حتى بات من المحال ــ وربما من المحرج ــ الحديث عمّا هو سابق لهذا الراهن وذاك اللاحق، عن الـ»ما قبل» أياً كانت الظواهر التي سبقته. كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما يستغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير «دراما الهوية الغربية»: العالم يخلع أرديته واحدة تلو الأخرى، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلى تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية.
ولكن، أليس من المشروع إعادة طرح التساؤل القديم، الذي حرّض عليه أقطاب المحافظين الجدد من أمثال كوندوليزا رايس، ديك شيني، إرفنغ كريستول، ريشارد بيرل، بول ولفوفيتز، دوغلاس فيث، ودافيد ورمستر: ألا يصحّ أنّ هذه الديمقراطية المستجلبة، أو أشباهها من ديمقراطيات مفروضة قسراً بفعل الشرط العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي الخارجي، هي بدورها حاضنة شروخات مجتمعية مستندة إلى انحيازات إثنية ومذهبية وطائفية وعشائرية؟ ألا يجوز الافتراض بأنها، أو كأنها، استعادة/ طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ»ما قبل» في السرديات الكبرى للحضارة الغربية، من اليونان القديم، إلى روما القديمة، إلى رحلة كريستوفر كولومبوس، إلى عصر الأنوار والحداثة؟
ومن جانب آخر، وحين تقترن هذه المشاهد بما يشبه إصرار الغرب على استحالة المطابقة بين ديمقراطية صندوق الاقتراع وحرّية اليقين الشخصي، ألسنا نشهد اهتزازاً عميقاً في الرؤية الراسخة التي اعتنقها وبشّر بها الغرب معظم القرن الماضي، أو قبله بعقود كذلك؟ ألم تنهض تلك الرؤية على ثلاثة أقانيم جوهرية: الرأسمالية واقتصاد السوق، وحقوق الإنسان كما تقترن وجوباً بالشكل الليبرالي (الغربي ــ الأمريكي) من الديمقراطية العلمانية، وإطار الأمّة ــ الدولة كصيغة هوية معتمدة في العلاقات الدولية؟
وهذه الأقانيم بالذات، الم تكن تكتسي بهيئة مختلفة تماماً حين يتعلق الأمر بمجتمعات وثقافات العالم غير الغربي، أو هي كانت تأخذ أكثر من صيغة توتّر وتناقض مع أية مجموعة من القيم غير الغربية، الأمر الذي ظلّ يفتح باب الاجتهاد حول تصارع حضاري ــ ديني، على طريقة صمويل هنتنغتون؛ أو توتّر هيلليني ــ آسيوي، على طريقة برنارد لويس؛ أو ولادة «الأيديولوجية التالية»، على طريقة غراهام فوللر؟ ألم تنجلِ الأقانيم ذاتها عن هيئة مختلفة حتى في قلب أوروبا، على مبعدة أمتار قليلة من قواعد الحلف الأطلسي، في البلقان الدامي دون سواه؟
فوللر، من جانبه/ لا يغفل الإشارة إلى التهديد الذي تتعرض له الثقافات الوطنية بفعل التعميم القسري للقِيَم الغربية، بوسائط تبادل لا قِبَل لتلك المجتمعات بمقاومتها، مثل ذلك التصدير الأخطبوطي الجبّار للسلعة الثقافية (الكتاب والفيلم والأغنية ونوع الطعام واللباس والدواء)؛ وصناعة الرمز الثقافي الأعلى الأشبه بالأسطورة في ذلك كله (بحيث تتحوّل شطيرة الـ»بيغ ماك» إلى رمز للجبروت الأمريكي السياسي والاقتصادي والعسكري، ليس في بلدان مثل الهند وماليزيا ومصر فحسب، بل حتى في بلد مثل فرنسا أيضاً). ونتذكّر في هذا الصدد أنّ صدام الحضارات، كما شخّصه هنتنغتون في البدء، لا يدور بين يسوع ومحمد وكونفوشيوس، بل حول التبادل غير المتكافىء للقوّة والثروة والنفوذ، وتهميش الأطراف لصالح المركز (الغربي بالضرورة) وتحويل الثقافة إلى وسيط للتعبير عن الأزمة بدل أن تكون سبباً فيها.
الثابت، في خلاصة القول، أنّ تيار المحافظين الجدد لم يجد في حماقات ترامب ما يشفي غليله، ونفر من مقدار الشعبوية التي اكتنفت التنظير والتبشير قبل السياسة والاقتصاد، والأرجح أنه انتظر عوداً على بدء؛ في شخص بايدن كما يراهن مراقبون كثر، ولا عزاء للمراهنين في العالم العربي على تحولات ملموسة لخيارات البيت الأبيض المقبلة، فكيف بانعطافات كبرى فارقة.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

عشر سنوات على البوعزيزي:

أية معرفة وأيّ دروس؟

 

صبحي حديدي

 

احتفت الصحافة الغربية يوم أمس، 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، بالذكرى العاشرة لانطلاق «الربيع العربي» حين أقدم المواطن التونسي محمد البوعزيزي بإضرام النار في جسده احتجاجاً على امتهان كرامته من جانب شرطية تونسية منعته من ممارسة عمله. لافت، بادئ ذي بدء، أنّ معظم وسائل الإعلام الغربية التي احتفت بـ»الربيع العربي» انطلقت من ذكرى البوعزيزي هذه، وليس من تاريخ هرب دكتاتور تونس زين العابدين بن علي يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011؛ وقد ينطوي هذا على دلالة مختلفة تخصّ ذلك النسق من الحراك الشعبي الاحتجاجي، أي إضرام النار في الجسد، وليس النسق الآخر الذي يخصّ انهيار النظام ابتداء من رأسه وذروة الهرم في بنيته.
طريف أنّ غالبية الكتّاب المحتفين بالمناسبة في وسائل إعلام فرنسية وبريطانية وأمريكية وقعوا، من دون اتفاق مسبق كما يقول المنطق البسيط، في حيرة لجهة تحديد التسمية اللائقة بتلك الانطلاقة؛ على غرار تساؤل يومية الـ»فيغارو» الفرنسية: أكان الحدث، في نهاية المطاف، خلاصة «ربيع عربي» أم «خريف إسلامي» أم «شتاء جهادي»؟ وما معنى أن تكون تونس هي الاستثناء الوحيد، مقابل ليبيا وسوريا واليمن؟ وما دلالة الوقائع (إذْ يعزّعلى الصحيفة إيجاد تسمية محددة، مثل الانتفاضة أو الثورة) في السودان والعراق والجزائر ولبنان؟ وهل يصحّ القول إنّ «الإسلاموية» (التعبير الرائج في فرنسا هذه الأيام) أسلمت أقدارها إلى «الجهادوية» وما دلالة أنّ شرائح واسعة في الشارع الشعبي العريض ما تزال مستعدة لممارسة الاحتجاج والاعتصام والاعتراض؟

كان أمراً طبيعياً ألا تُطرح الأسئلة بشفافية الحدّ الأدنى، بل يجري تحويرها بما يقوّي حجة القائلين بأنّ الربيع انقلب إلى شتاء أو خريف؛ ولكن، أيضاً، كي تُجرّد انتفاضات العرب من أغراضها الشعبية الكبرى، في الكرامة والحرية والمساواة

أسبوعية الـ«إيكونوميست» البريطانية اختارت مستوى تحليل أكثر رصانة، أو بالأحرى أكثر انسجاماً مع عراقة الخطّ الليبرالي، أو النيو ـ ليبرالي بين حين وآخر، الذي تنتهجه الدورية العريقة. «التاريخ ليس خطياً. الثورات تفشل، ويحدث أحياناً أن ينتصر الأشرار. لا سبب يدعو إلى توقّع أن تسفر الجولة المقبلة من انتفاضات العرب عن نتائج أكثر مدعاة للسعادة. وعلى المنوال ذاته، مع ذلك، لا سبب يدعو إلى تصديق الأوتوقراطيين حين يزعمون أنهم أكثر قدرة على منعها». هكذا يكتب تحرير الـ»إيكونوميست» في التقديم لملفّ بعنوان «قبل عقد من الزمان انتفض العرب. فلماذا لم تتحسن الأمور؟» بين الأمثلة على مناورات مستبدّي «الربيع العربي» تتوقف الأسبوعية البريطانية عند نموذج بشار الأسد: «لقد أقنع الكثير من أنصاره بأنّ الانتفاضة السورية هي من فعل المتطرفين. ولم يكن هذا رجماً بالغيب بل كان نبوءة مخططاً لها ذاتياً: إفراج عن جهاديين كفاية من السجون، وتصفية ما يكفي من المعتدلين، وتجويع الشعب زمناً كافياً ضرورياً، ولن يطول الوقت حتى تصبح الحركة السلمية جذرية متشددة».
فماذا عن سؤال الملفّ الأساس، أي لماذا اتخذت الأمور هذا المنحى في نهاية المطاف؟ لن يفاجئك خطّ التحليل الذي تعتمده الصحيفة الفرنسية اليمينية، لأنه ببساطة يتراوح بين التساؤل عن قابلية العرب (الإسلام ضمناً، غنيّ عن القول) لاعتناق الديمقراطية، شعوباً وأنظمة؛ وبين ردّ الحال إلى مزيج من تحالفات ضمنية بين الاستبداد و»الإسلاموية» و»الجهادوية». الأسبوعية البريطانية لا تركن إلى السطوح هذه، فتساجل بأنه لا إجابة على سؤال مسار الخطأ لدى بلدان دون أخرى: «يمكن إلقاء اللوم على قوى خارجية، من إيران إلى روسيا إلى غرب عاجز غير متسق. يمكن لوم الإسلاميين، الذين زرعوا التفرقة غالباً في سياق جشعهم إلى السلطة. وأكثر من هؤلاء وهؤلاء، يتوجب لوم الرجال الذين حكموا الدول العربية بعد أن نالت استقلالها في القرن العشرين. ورغم أنّ بعضهم فهم شيئاً ما عن الديمقراطية، فإنّ الأمر اقتضى ما هو أبعد من مجرّد الانتخابات».
الـ»فيغارو» و الـ»إيكونوميست» مجرّد نموذجين بالطبع، وثمة عشرات الأمثلة الأخرى خاصة في ميادين أكاديمية وعلى صعيد الدراسات والأبحاث الأكثر التزاماً بمعايير صارمة في القراءة والتحليل والاستنباط. مؤسف، مع ذلك، وفي يقين هذه السطور على الأقلّ، أنّ الحصيلة الإجمالية لا تبدو متقدمة بما يكفي عن الحال التي كان عليها المشهد التحليلي الغربي ساعة احتراق بدن البوعزيزي وانطلاق الحناجر بالهتاف غير المسبوق: «الشعب يريد إسقاط النظام!». يومذاك توفّر العشرات من أهل الكيل بعشرات المكاييل، ممّن كانوا هم أنفسهم نفر المراقبين ـ والمحللين والأخصائيين والمستشارين… أو فقهاء علوم الشرق الأوسط، باختصار ـ الذين رحبوا بـ»هبوب رياح الديمقراطية» على المنطقة؛ واستسهلوا تسمية ربيع (جاء في أواخر الخريف، مطلع الشتاء عملياً!) مستمدّ من بطون رطانة اصطلاحية غربية لا تعبأ باختلاط حابل بنابل.
وكان أمراً طبيعياً، وتلقائياً، ألا تُطرح الأسئلة بشفافية الحدّ الأدنى، بل يجري ليّها وتحويرها بما يقوّي حجة القائلين بأنّ الربيع انقلب إلى شتاء أو خريف (على هدي ما تفعل الـ»فيغارو» اليوم!)؛ ولكن، أيضاً، كي تُجرّد انتفاضات العرب من أغراضها الشعبية الكبرى، في الكرامة والحرية والمساواة، وتُسحب إلى حيثيات أخرى تَرفع، هنا أيضاً، راية حقّ لا يُراد منها إلا الباطل. توماس فريدمان، المعلّق الشهير في «نيويورك تايمز» كتب مقالة بعنوان «الربيع العربي الآخر» بدأها بافتراض أنّ البوعزيزي أحرق نفسه وسط مناخات ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً؛ وأتبعها بأنّ الفلاحين، في محافظة درعا السورية، ثاروا على النظام بسبب منعهم من بيع أراضيهم المحاذية للحدود مع الأردن!
وفي فرنسا، بمزيج من السخرية والاستهجان، هتف أوليفييه روا، أحد كبار الأخصائيين في شؤون الإسلام والشرق الأوسط: «ما الذي دهاكم! هل نبدأ من جديد؟ صدام الحضارات، وسخط المسلمين، والعالم المسلم الذي يلتهب، وعجز الإسلام عن قبول الروح النقدية وحرّية التفكير؟»… والرجل، الذي استهلّ «الربيع العربي» بتوبيخ زاعمي معرفة الإسلام والمسلمين، بمقالة شهيرة لاذعة عنوانها «ليست ثورة إسلامية»؛ ناشد الناس ألا يجرّموا «الربيع العربي» اتكاء على أعمال عنف هنا وهناك ضدّ فيلم أو رسوم كاريكاتورية. صحيح أنها لم تلجأ إلى هذا المستوى من العنف، ولكن ألم تتظاهر جماهير مسيحية في الغرب، وعلى نحو عنيف أحياناً، ضدّ «الإغواء الأخير للمسيح» شريط مارتن سكورسيزي، سنة 1988؟ ألم تضغط الكنيسة الكاثوليكية، وإنْ بطرائق أقلّ صخباً وأكثر فاعلية، ضدّ ملصقات «نزهة الجلجلة» شريط رودريغو غارسيا، سنة 2011، سأل روا؟
فإذا انتقل المرء إلى الساسة، وأهل الصفّ الأوّل بينهم، توفرت تلك الخديعة الكبرى، التي انخرط فيها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، وكبار مساعديه، وبعض رجالات الصفّ الأوّل من «المحافظين الجدد»؛ والتي سُمّيت «نقل فيروس الديمقراطية إلى العرب» من خلال احتلال العراق، وإقامة نظام ديمقراطي غير مسبوق، ثمّ تصديره إلى الجوار بطريق الإغواء أو القسر. خَلَفه، باراك أوباما، تابع نهج السلف مع إضافة «مسحة أسلوبية» شخصية، هي مداهنة المسلمين (في خطبتَيه أمام البرلمان التركي ومن جامعة القاهرة) علانية؛ والإمعان أكثر فأكثر في تخريب العلاقات مع العالم المسلم من خلال سياسات الانحياز المطلق لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ومراقصة الطغاة، وتعليق الأمل على نواياهم «الإصلاحية» حتى ربع الساعة الأخير قبيل سقوطهم (المرء يتذكّر مدائح هيلاري كلنتون، لأمثال زين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح، وحتى بشار الأسد نفسه).
عشر سنوات على البوعزيزي علّمت الشعوب الكثير، أغلب الظنّ، ولكن لا يلوح أنها أضافت إلى معارف النطاسيين في الغرب إلا القليل، وفي مستوى السطوح وحدها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

السيسي الباريسي:

عندما يخجل أحفاد الثورة الفرنسية

صبحي حديدي

 

لم يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيّ حرج في رفض مناشدات عشرات منظمات حقوق الإنسان العالمية، حول بسط السجادة الحمراء لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي؛ كما لم يجد غضاضة في الإعلان عن معارضته الربط بين انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ترتكبها أجهزة الأمن المصرية، وصفقات الأسلحة الفرنسية إلى مصر، رغم أنّ صنوفاً منها لا تُهرّب إلى الماريشال الليبي الانقلابي خليفة حفتر فحسب، بل تُستخدم أيضاً ضدّ أبناء الشعب المصري في المدن والبلدات والقرى خلال الاحتجاجات السلمية.
الذريعة المتوفرة، سواء أعلنتها باريس والقاهرة أم سرّبتها أوساط النظام المصري بصفة حصرية، هي تطابق المصالح حول مواقف البلدين من ملفات ليبيا، أو مواجهة السياسات التركية في شرق المتوسط في مستويات مختلفة لا تقتصر على التنقيب عن النفط والغاز بل تشمل اختراق النفوذ الفرنسي المتوسطي؛ فضلاً عن تناغم عجيب بعض الشيء، اتفقت باريس والقاهرة على تسميته “محاربة الإسلاموية”! وضمن قواعد السياسة الواقعية البراغماتية، أو الـ
Realpolitik حسب التعبير الكلاسيكي الشائع، لا يبدو هذا التناغم عجيباً أو شاذاً أو غير مسبوق؛ بل لعله تطبيق القاعدة على أوضح صورها إفصاحاً عن محتوى التعاطي السياسي أو الدبلوماسي أو الأمني أو العسكري أو التجاري.
طريف، في المقابل، أنّ ماكرون خجل من استقدام العدسات والمراسلين الفرنسيين إلى حفل احتضنه قصر الإليزيه في ختام زيارة السيسي، وشهد منح الأخير أرفع أوسمة الشرف الفرنسية؛ الذي، للمفارقة غير الخافية، كان غازي مصر نابليون بونابرت قد استحدثه قبل 218 سنة. صور الاحتفال تسربت عن طريق الوفد المصري الذي كان من الطبيعي ألا يخجل من نشرها وأن يُحتفى بها أيما احتفاء على موقع الرئاسة المصرية. وهو حياء تسلل أيضاً إلى الفريق الإعلامي لعمدة بلدية باريس، السيدة آن هيدالغو، التي أعربت عن التطلع إلى مشاريع مشتركة في قطاعات الثقافة والخدمات؛ وإن كانت تناست تماماً تظاهرات أكثر من 20 منظمة حقوقية وهتافاتها ضدّ الاحتفاء بجنرال مستبدّ وانقلابي يسرح ويمرح في عاصمة الثورة الفرنسية وبلد حقوق الإنسان.
والحال أنّ أحفاد الثورة الفرنسية الذين استقبلوا السيسي ليسوا أوائل في هذا المضمار، إذْ سبق أن فعلها الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك مع دكتاتور سوريا بشار الأسد، وفعلها رئيس أسبق آخر هو نيكولا ساركوزي مع الأسد والقذافي وحسني مبارك حين وضعهم على منصة الشرف المكرسة للاحتفال بالثورة الفرنسية. وحين تجاوز الأسد كلّ “خطّ أحمر” ممكن، فخجل ماكرون من وسام شرف مماثل كان شيراك قد علّقه على صدر الأسد الابن، وارتأى سحب الوسام؛ سارع الأسد إلى استباق الدراما ونزع الوسام بنفسه فلم يكن بذلك يردّ البضاعة إلى أهلها بل يعلن أنها أصلاً زائدة عن حاجة نظامه وحاجته شخصياً.
وليت الأمر يقتصر على الساسة الأفراد، لأنه في الواقع يمتدّ أيضاً إلى مؤسسات الجمهورية الخامسة وعلى رأسها الجمعية الوطنية، أي البرلمان، الذي سبق أن أقرّ مشروع قانون يحظر على المحاكم الفرنسية قبول دعاوى ضدّ مجرمي الحرب، إلا إذا كانوا يحملون الجنسية الفرنسية، أو كانت الجرائم المنسوبة إليهم قد ارتُكبت على الأراضي الفرنسية. وكان هذا القانون مدعاة خزي صريح وفاضح، وشكّل ارتداداً عن تشريعات فرنسية سابقة، كما تناقض مع القوانين المعمول بها في معظم الدول الأوروبية. ومن المأساوي أن تكون فرنسا، بلد حقوق الإنسان، هي الملاذ الآمن لأصناف شتى من الطغاة والقتلة والجلادين ومصاصي دماء الشعوب.
خجل أحفاد الثورة الفرنسية لا يغطّي، بأية حال، مقادير العار التي تجلل سياسات لا تخون الشعوب وحدها، بل تطعن إرث الثورة ذاتها، وكامل تراث حقوق الإنسان؛ وكلّ هذا رغم أنّ الحصاد هزيل في نهاية المطاف، والحصيلة مخجلة عجفاء.

 

 

الجولان المحتل يقاوم ونظام

الأسد لا عين رأت ولا أذن سمعت

صبحي حديدي

يخوض أبناء الجولان السوري المحتل معركة أخرى جديدة ضدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، مشرّفة وملحمية رغم المقدار الهائل من انعدام التكافؤ أمام قوى الاحتلال العسكرية والأمنية والقضائية، واختلال ميزان الأدوات النضالية التي تتيح الصمود والتصميم وتسجيل انتصار معنوي تارة أو نقلة فارقة في روحية وأسلوب المقاومة تارة أخرى. المعركة الجديدة تحمل اسم «توربينات الرياح» نسبة إلى مشروع شركة الطاقة الإسرائيلية «إنرجكس» المدعوم تماماً من سلطات الاحتلال، بزرع 32 مروحية بارتفاع 200 إلى 220 متراً في قلب الأراضي الزراعية لسكان الجولان، التي تُزرع فيها منذ أزمنة سحيقة أشجار التفاح والكرز واللوز. ورغم وجود مستوطنات إسرائيلية في مرتفعات الجولان، فإنّ شركة «إنرجكس» أبعدت التوربينات عن أراضي تلك المستوطنات وجنّبتها بالتالي الأضرار البيئية والزراعية والطبيعية والصحية كي تحمّلها على قرى الجولانيين السوريين الأربع الكبرى، في مجدل شمس وبقعاثا وعين قنيا ومسعدة.
يقف في وجه هذا المشروع، وعلى أصعدة قانونية وإعلامية وسياسية، عدد من منظمات حقوق الإنسان السورية أو الفلسطينية وبعض الإسرائيلية أيضاً؛ خاصة «المرصد ـ المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان» والذي يواصل خوض معركة قانوية شرسة مع «إنرجكس» وذلك في أعقاب إصدار تقريره «في مهبّ الريح» حول الآثار المدمّرة لمشروع توربينات الرياح على حياة السكّان السوريّين، والتبعات الخطيرة على صحّتهم وسلامتهم. وكان المرصد قد سجّل جملة مخاطر، في طليعتها أنّ المزارعين الذين يقضون معظم أوقاتهم في العمل، وعموم السكّان الذين يمكثون أوقاتاً طويلة في الأراضي الزراعيّة المجاورة، حيث تنتشر عشرات المنازل الصغيرة، سوف يكونون الأكثر عُرضة للأذى. متوقّع، كذلك، أن يتقلّص استخدام المزارعين السوريّين لمئات الدونمات من أراضيهم الزراعيّة التي تنتج محاصيل التفاح والكرز منذ عشرات السنين، والتي تشكّل ما يقارب ربع أراضيهم الزراعيّة. هذا إلى جانب حقيقة أنّ إقامة المشروع سوف تسفر عن تقييد التوسّع العمرانيّ للقرى الواقعة تحت الاحتلال، مما سيُفاقم أزمة السكن الخانقة فيها. كلّ هذا عدا التشوهات البنيوية التي ستصيب الاقتصاد والسياحة الزراعيّة والتقاليد الزراعيّة عموماً، وتعريض الحياة البريّة للخطر، وتحديداً الطيور المحليّة والمهاجرة؛ ما يعني أن هذه الأضرار ستطال السكّان والزراعة والبيئة سواء بسواء.
وقد أصدرت 17 منظمة حقوقية بياناً مشتركاً أدانت فيه خطط زرع التوربينات، وأكدت أنّ «هذا المشروع الخطير يشكل خطراً وجودياً على سكان الجولان السوريين والسوريات، ويهدف إلى ترسيخ الاحتلال الاقتصادي للجولان على نحو مخالف لحقّ الانتفاع المنصوص عليه في المادة 55 من اتفاقيّة لاهاي الرابعة المتعلّقة بقواعد وأعراف الحرب البريّة لعام 1907». كذلك طالب البيان دولة الاحتلال، بصفتها السلطة المحتلة القائمة، بأن تلتزم بالقانون الدولي وتوقف هذا المشروع، وكافة أنشطة التوسع الاستيطاني، وتمتنع عن إحداث أية تغييرات في الجولان المحتل، إلا في الحالات التي تخدم أمن ورفاه السكان السوريين، داعين إلى الامتناع عن استغلال جائحة كوفيد-19 من أجل تمرير هذا المشروع وفرضه كأمر واقع. كما شدّد بيان الجمعيات على ضرورة احترم حقّ السكان السوريين في تقرير المصير والسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، بموجب القانون الدولي، وأن تتوقف سلطات الاحتلال عن إصدار تراخيص لاستغلال الموارد الطبيعية في الجولان السوري المحتل، وأن توقف أنشطة الشركات التجارية الإسرائيلية والمتعددة الجنسيات العاملة فيه، لضمان احترام المعايير الدولية ومعايير حقوق الإنسان، والحصول على موافقة السكان السوريين قبل الانخراط في أية مشاريع تستخرج موارد الجولان الطبيعية.

موقف النظام ليس أضعف الإيمان فقط، بل حال نظام لا عين فيه رأت ولا أذن سمعت بنضالات أبناء الجولان طوال 53 سنة، وهو في واقع الأمر أقصى ما يمكن أن يصدر عن نظام وريث حافظ الأسد، وزير «الدفاع» سنة سقوط الجولان المنيع في يد الاحتلال الإسرائيلي.

ومؤخراً توغل مبعوثو شركة «إنرجكس» في عمق الأراضي الزراعية التابعة لسكّان الجولان، تحت حماية مباشرة تولتها أعداد كبيرة من قوّات شرطة الاحتلال ووحدات القوّات الخاصّة، التي لجأت إلى إغلاق الطرقات المؤدّية إلى أراضي قرابة ألف مزارع سوريّ، لتمكين الشركة من مباشرة أعمالها في التجهيز للبدء بتنفيذ مشروع توربينات الرياح. وهكذا أقدمت شرطة الاحتلال على إغلاق الطرق المؤدّية إلى تلك لأراضي الزراعية، ومنعت الاقتراب من المكان. ولقد احتشد المئات من أبناء الجولان للاحتجاج على هذه الممارسات وللتأكيد مجدداً على أنّ الاعتراض على هذا المشروع التدميري ما زال يحظى بإجماع واسع النطاق في صفوف سوريي الجولان المحتل.
ورأى «المرصد» أنّ قيام شرطة الاحتلال بتأمين الغطاء للشركة، بحجَّة فحص التربة في أربع قطع من الأراضي، وبدون إبراز أمر قضائيّ بذلك، ومنع عشرات المزارعين من الوصول لأراضيهم الذي قد يمتد لعدة أيام، فيما يشبه العقاب الجماعي، واستخدام الكاميرات المحمّلة على طائرات مسيّرة عن بعد، هو «انتهاك صارخ لحقوق سكّان الجولان، وترهيب مُمنهج من خلال استقدام المئات من أفراد الشرطة ووحدات القوات الخاصّة، واستعراض القوّة، ووضعهم قُبالة السكّان المدنيّين الذين يمارسون حقّهم بالاعتراض السلمي على مشاريع الاحتلال».
وإذْ تتضامن مع حقوق الجولانيين السوريين منظمات حقوقية مثل «الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان» و«مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» و«مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان» إلى جانب جامعة بير زيت في فلسطين، وجامعة كورنيل في الولايات المتحدة؛ فإنّ السؤال الذي يُطرح بقوّة، وبحكم منطق الأمور الأبسط، هو التالي: أين النظام السوري، الذي لم يسلّم الجولان على نحو طوعي منذ حرب 1967 فحسب، بل لم يتوقف عن التكاذب بخصوص «الممانعة» و«المقاومة»؟ الإجابة يختصرها بيان وزارة الخارجية والمغتربين الذي أدان «الممارسات العنصرية والانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق السكان العرب السوريين في الجولان السوري المحتل». ولم يفت البيان اقتباس «مشيخة عقل طائفة المسلمين الموحدين في سوريا» لجهة تأكيدها «الوقوف مع أهالي الجولان السوري المحتل، والوقوف خلف القيادة السورية والجيش العربي السوري لاسترجاع كل شبر من أرض الجولان العربي السوري المحتل».
والحال أنّ هذا ليس موقف أضعف الإيمان فقط، بل حال نظام لا عين فيه رأت ولا أذن سمعت بنضالات أبناء الجولان طوال 53 سنة، وهو في واقع الأمر أقصى ما يمكن أن يصدر عن نظام وريث حافظ الأسد، وزير «الدفاع» سنة سقوط الجولان المنيع في يد الاحتلال الإسرائيلي. ولعلّ مراسل صحيفة حزب البعث تناسى، إذْ كيف له أن ينسى حقاً، موقف بشار الأسد الشهير حيال المقاومة الشعبية السورية في الجولان المحتل، خلال حوار شهير مع الإعلامي المصري حمدي قنديل. يطرح الأخير السؤال التالي: «أليس في سوريا غيرة أن حزب الله حقق ما حققه وأن كل السوريين يجب أن تكون لديهم الغيرة أننا لم نستطع أن نحرر الجولان حتى تاريخه بأي وسيلة سواء كان بالجيش أم بالمقاومة؟» ويجيب الأسد: «قلتُ إن تحرير الجولان بأيدينا وبعزيمتنا. لكن هذه العزيمة بالنسبة لنا كدولة تأخذ الاتجاه السياسي وتأخذ الاتجاه العسكري. كما قلت بالعودة لموضوع المقاومة هو قرار شعبي لا تستطيع أن تقول دولة ما. نعم. سنذهب باتجاه المقاومة. هذا كلام غير منطقي. الشعب يتحرك للمقاومة بمعزل عن دولته عندما يقرر هذا الشيء».
وهو تحرّك ويتحرك بالفعل، ليس بمعزل عن «دولته» فقط، بل كذلك لأنّ تلك «الدولة» تخوض حروبها ضدّ الشعب في الداخل السوري، بعد أن أسلمت المقادير لاحتلالات إيرانية وروسية وأمريكية وتركية انضمت إلى الاحتلال الإسرائيلي. فكيف، والحال هذه، لا تقف مشيخية العقل خلف جيش انسحب من الجولان المحتل ليستدير تماماً نحو درعا وحمص وحماة وحلب ودير الزور!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

ترامب التالي: من محفة

كاليغولا إلى قيثار نيرون

صبحي حديدي

 

حوليات التاريخ الغربي، العسكري والسياسي والإمبراطوري على وجوه أخص، وحوليات التاريخ الروماني القديم بصفة خاصة، تحفل بحفنة غير قليلة من أباطرة جمعوا الطموح الشخصي المفرط، إلى هذا المستوى أو ذاك من مظاهر الهستيريا وجنون العظمة وبُغْض الديمقراطية. في طليعة هؤلاء، كما يًجمع المِؤرخ البريطاني الراحل شون لانغ، يعثر المرء على أمثال تايبيريوس (14ـ37 م)، غايوس كاليغولا (37ـ41)، نيرون (45ـ68)، كومودوس (180ـ192)…
وقد تعترض غالبية من أنصار الرئيس الأمريكي المنتهبة ولايته، دونالد ترامب، على تمثيلات يمكن أن تضعه في لائحة عنوان هذا العمود، بالنظر إلى أن أمريكا الراهنة ليست روما القديمة (وهذه مسألة فيها نظر، غنيّ عن القول)؛ أو إلى أنّ الديمقراطية الأمريكية، اليوم، ليست النظام السياسي الذي تسيّده وقاده الأباطرة أولئك؛ أو، ثالثاً، لأنّ ترامب لم يعطّل المنظومة، بدليل أنّ الانتخابات الرئاسية جرت في نهاية الأمر ورغم الشكوك الكثيرة حول احتمال بلوغها برّ الأمان، ويستزيد هؤلاء من واقع أنهم ليسوا محض أنصار للرئيس الأمريكي المنصرف بل هم جمهوره الذين تغذوا على أفكاره: ألم يحصل ترامب على أقلّ قليلاً من 53 مليون ناخب في التصويت الشعبي خلال انتخابات 2016، وها أنه في الانتخابات الأخيرة يحصد ما يقلّ قليلاً عن 74 مليون صوت؟
والحال أن السهولة التي يجدها المؤرخ الغربي لجهة احتساب حفنة الأباطرة المشار إليهم في الفقرة الأولى، ليست البتة ناجمة عن ضعف جماهيريتهم إذْ كان العكس هو الصحيح في الواقع، أو لأنّ هذا أو ذاك بينهم لجأ إلى ممارسات شاذة أو غير منطقية (مثل الصورة السائدة عن غايا في أنه كان يستهوي إهانة مجلس الشيوخ (قال إنّ حصانه، إذا ترشح ذات يوم، سيكون أفضل أعضاء المجلس)، أو خرافة لجوء نيرون إلى العزف على القيثار مستمتعاً بمشاهدة روما تحترق)؛ بل لأسباب أخرى أشدّ تعقيداً وعمقاً وتتصل بحُسن أو سوء تدبير شؤون السلطان الإمبراطوري، وعقلانية بعض القرارات الفاصلة والمفصلية ذات الأثر التخريبي المباشر على حياة الإمبراطورية وشعوبها.
ويخطر لي شخصياً أنّ ترامب ساعة مغادرة البيت الأبيض إلى مستقبل آت، قد يقدّر أنّ أبسط خياراته أن يترشح للرئاسة في انتخابات 2024، ولكن هذا خيار دونه خرط القتاد لأسباب عديدة سوف يبدأ أهمها من حقيقة الموقع الذي سيحتفظ به في صفوف الحزب الجمهوري، ومدى استعداد الجمهوريين، أعضاء عاديين أو ناخبين أو أعضاء نواب وشيوخ، في الاصطفاف المطلق خلفه كما فعلوا طوال أربع سنوات مضت. أسباب ليست أقلّ أهمية ستنبثق من معارك القضاء الأمريكي التي ستحيط بترامب إحاطة السوار بالمعصم، حيث لا حصانة رئاسية هنا أو مناعة قضائية بل استشراس وإلحاح في الترصد وإحقاق قضايا تمّ السكوت عنها أو تأجيلها بسبب سلطة سيد البيت الأبيض طوال الفترة السابقة.
كذلك يخطر لي أن ترامب إذا غادر محفة الإمبراطور غايوس كاليغولا (الذي أدمن إهانة مجلس الشيوخ لسبب أو بلا سبب، وأصدر أمراً إلى جنوده بطعن الأمواج بالسيوف لأنه بذلك يهين الإله البحري نبتون)؛ فسوف يختار قيثار كاليغولا من دون سواه، رغم أنّ الأسطورة كذبت حين نسبت إليه الحريق والقيثار وهو منهما بريء كما يقول التاريخ الفعلي خارج الأسطورة. كان نيرون يتلذذ بالعزف على خرائب روما، وهكذا بات ترامب بعد اتضاح نتائج الانتخابات الأخيرة، إذْ لم يعد عنده هاجس أكثر طغياناً من إلحاق المزيد من الخرائب في بنية الديمقراطية الأمريكية ونظامها الانتخابي الشائخ على وجه التحديد.
ولأنّ “الحقيقة صعبة، والضحالة سهلة”، كما يستخلص الآلاف من أنصار ترامب، فإن”رئيسهم الذي انتخبوه بحماس إنجيلي في سنة 2016، وتشبثوا بنظرية التآمر عليه في صناديق الانتخابات سنة 2020، سوف يثبت خلال سنوات 2021ـ 2024 أنه قادر على العودة، بعزيمة أكثر صلابة وقوّة أكثر رسوخاً: “هل كان رونالد ريغان أو جورج بوش الابن أعلى في المستوى الفكري من رئيسهم؟” يتساءل الغلاة من أنصاره، وفي هذا الصدد تليق بهم إجابة واحدة: نعم، وأيم الله! كانوا، وبما لا يُقاس من الدرجات!.

 آل الأسد في أرض أوباما:

ذلك الشيطان الذي نعرف!

صبحي حديدي

 

فور عرضه في مكتبات الولايات المتحدة وكندا، قبل ثلاثة أيام، بيعت 890 ألف نسخة من كتاب «أرض موعودة»؛ الجزء الأول من مذكرات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في البيت الأبيض، والذي يغطي السنوات الأربع الأولى التي أعقبت صعوده الدراماتيكي كأوّل رئيس أفرو -أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة. في المقابل، لمَن تعنيه المقارنات، كان كتاب زوجته السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما، «وأصبحتُ» حسب ترجمة دار هاشيت أنطوان، قد باع 725 ألف نسخة خلال اليوم الأول لعرضه في مكتبات أمريكا الشمالية؛ وكتاب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون «حياتي» 2005، كان قد باع 400 ألف نسخة؛ وأمّا كتاب زميلهما في الرئاسة جورج بوش الابن، وصدر بعنوان «نقاط القرار» 2011، فقد باع 220 ألف نسخة.
لكنّ أوباما يسبق جميع أسلافه الرؤساء في عدد اللغات التي تُرجم إليها كتاب «أرض موعودة» بالتزامن؛ وهي الألبانية والعربية (هاشيت أنطوان، «الأرض الموعودة») والبلغارية والصينية والتشيكية والدانمركية والهولندية والفنلندية والفرنسية والألمانية واليونانية والعبرية والهنغارية والإيطالية واليابانية والكورية واللثوانية والنروجية والبولندية والبرتغالية والرومانية والإسبانية والسويدية والفييتنامية. صحيح أنّ اللغة الروسية غائبة، حتى الساعة على الأقلّ، غير أنّ المرء يتساءل حقاً: أيّ اللغات الكبرى غابت عنها ترجمة الكتاب! الثابت، خلف هذه المعطيات وسواها (في انتظار أرقام المبيعات العالمية وعشرات الملايين التي سيجنيها أوباما) أنّ الرئيس الأمريكي السابق يتمتع بشعبية أمريكية وعالمية ليست واسعة النطاق وهائلة وغير مسبوقة، فحسب؛ بل لعلها في عداد الجماهيرية العالمية الأكثر استعصاء على التفسير، بالنظر إلى سجلّ إنجازات أوباما على صعيد دولي.
وقد يكون الجزء الثاني المنتظَر، عن رئاسة أوباما الثانية خلال سنوات 2012 حتى 2017، أكثر غنى لجهة تبيان سلسلة من تفاصيل أمريكية ودولية حاسمة، وذات مغزى خاصّ ومختلف في ملفات مثل صعود التيارات الشعبوية من حول شخصية دونالد ترامب، وعودة القطبية الثنائية مع سياسات التدخل الخارجي التي اعتمدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقضايا المناخ، والملف النووي الإيراني، ومواقف البيت الأبيض المتغايرة إزاء الانتفاضات العربية، وسوى ذلك. هذه السطور سوف تعرض، على نحو محدد، موقف أوباما من الانتفاضة الشعبية السورية؛ وما إذا كان قد تبنى منهجية متكاملة من أيّ نوع بصدد خمس سنوات على الأقلّ من عمر تلك الانتفاضة، خاصة وأنها قد شهدت تحولات نوعية جيو ـ سياسية فارقة مثل التدخل العسكري الإيراني والروسي المباشر إلى جانب النظام السوري، وكذلك لجوء الأسد إلى السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية واجتياز «الخطّ الأحمر» الشهير الذي رسمه أوباما.
في الصفحة 364 يأتي ذكر سوريا للمرة الأولى في الكتاب، ولكن ضمن حديث أوباما عن زعماء عرب افتقروا إلى مجاراة جمال عبد الناصر في التواصل مع الجماهير، مثل حافظ الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا. ولسوف ننتظر حتى الصفحة 652، من أصل 768 صفحة، حتى يطلّ أوباما على الانتفاضة السورية؛ فيقول التالي (في ترجمتنا): «اثنان من البلدان التي شهدت العنف الأسوأ كانتا سوريا والبحرين، حيث الانقسامات الطائفية شديدة والأقليات المتنعمة حكمت أكثريات عريضة وساخطة.

جوهر الموقف، كما تلخصه ثلاث صفحات عن سوريا في كتاب أوباما لا يخرج عن مقاربة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لنظام «الحركة التصحيحية» من الأب إلى الابن الوريث

في سوريا، آذار (مارس) 2011 كان اعتقال وتعذيب 15 تلميذاً كتبوا على جدران المدينة شعارات معادية للحكومة قد أطلق احتجاجات رئيسية ضدّ نظام بشار الأسد ذي الهيمنة الشيعية ـ العلوية، امتدت إلى كثير من جماعات البلد ذات الأغلبية السنّية. وبعد أن فشل استخدام الغاز المسيل للدموع، والضرب، والاعتقالات الجماعية في قمع التظاهرات، انتقلت أجهزة أمن الأسد إلى شنّ عمليات عسكرية واسعة النطاق شملت مدناً كثيرة، ترافقت مع استخدام الذخيرة الحية، والدبابات، والتفتيش من بيت إلى بيت».
ومن العجيب، بادئ ذي بدء، أنّ رئيس القوّة الكونية الأعظم، بما تمتلك أجهزة أمريكا ومؤسساتها الأمنية والدبلوماسية المختلفة من معلومات دقيقة وغزيرة وميدانية؛ يمكن أن يختصر انتفاضة شعبية بذلك الحجم، وعلى مبعدة تسع سنوات من الحدث، إلى مجرّد صراع بين جماعات ذات أغلبية سنّية وأقلية «شيعية ـ علوية»! أو قراءة نهج النظام القمعي، العنفي المطلق منذ أبكر التظاهرات، وكذلك على امتداد 40 سنة من تراث «الحركة التصحيحية» الدامي، بوصفه ردّ فعل على شعارات احتجاج كتبها 15 تلميذاً. أو، قبل هذا وذاك، مجرّد عقد المقارنة بين سوريا والبحرين، بصرف النظر عن مقادير العنف التي لجأ إليها نظام آل خليفة في المنامة، على خلفية انقسام المجتمعَين إلى أغلبية وأقلية. الأرجح أنّ أوباما شاء اختصار الملفّ السوري بأسره، متفادياً الغرق في مشهد معقد قد يستغرق أكثر مما يجب من صفحات (في رأيه، أو في نظر محرّرة كتابه الأولى راشيل كلايمان).
يتابع أوباما: «صرفتُ وفريقي ساعات ونحن نصارع القرار حول كيفية تأثير الولايات المتحدة في الأحداث داخل سوريا والبحرين. خياراتنا كانت محدودة على نحو مؤلم. كانت سوريا خصماً للولايات المتحدة منذ أمد طويل، حليفة تاريخياً مع روسيا وإيران، ومساندة كذلك لحزب الله. وفي غياب الروافع الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي كنّا نمتلكها في مصر، فإنّ ما قمنا به من إدانات رسمية لنظام الأسد (ثمّ فرض حصار أمريكي لاحقاً) لم يكن له تأثير فعلي، وكان في وسع الأسد أن يعتمد على روسيا لاستخدام الفيتو ضدّ أي مجهود لفرض عقوبات دولية عبر مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة». والحال أنّ وقائع التاريخ تقول غير ذلك، إذْ أنّ النظام لم يكن البتة بعيداً عن المدارات الأمريكية، وتصريحات أوباما خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت الانتفاضة شددت على مطالبة الأسد بقيادة الإصلاح، حين كانت وحشية أجهزة النظام وجيشه هي القاعدة الوحيدة. كان ذلك مجرّد تراشق لفظي أجوف، حول إصلاح لم يكن أيّ عاقل ينتظره من رأس نظام توجّه سريعاً نحو ارتكاب الانتهاكات الأفظع وجرائم الحرب الأشدّ بشاعة. وقائع التاريخ سوف تقول أكثر حول تكذيب مناقشة أوباما للملف السوري، حين يصدر الجزء الثاني من الكتاب؛ ولعلّ في طليعتها ما رشح عن، أو قيل صراحة بقلم أو بلسان، كلنتون نفسها، ثمّ أمثال زميلها وزير الدفاع روبرت غيتس، ومدير المخابرات المركزية دافيد بترايوس. كذلك سوف تكون ذات قيمة خاصة إفادة أندرو إكسوم، نائب المساعد الأسبق في وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط خلال رئاسة باراك أوباما الثانية، أمام لجنة فرعية في الكونغرس تبحث السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ والتي تناولت مفاوضات أوباما مع بوتين حول طرائق إنقاذ نظام بشار الأسد من سقوط وشيك، صيف 2015. وإذْ يوضح إكسوم أنه كان طرفاً في سلسلة مباحثات مستفيضة مع ضباط جيش واستخبارات روس، بدأت في صيف 2015 واستغرقت العام 2016، حول مصير الأسد؛ يستخلص أنّ إنقاذ نظام الأخير، وشخصه استطراداً، كان هاجساً مشتركاً لدى واشنطن وموسكو وطهران، بالتكافل والتضامن.
جوهر الموقف، كما تلخصه حفنة سطور عن سوريا في كتاب أوباما، لا يخرج عن مقاربة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لنظام «الحركة التصحيحية» من الأب إلى الابن الوريث: النظام خدم أجنداتنا، ومصالح حليفتنا إسرائيل، وغالبية أتباعنا في المنطقة، رغم كلّ الضجيج والعجيج حول «الممانعة» و«المقاومة»؛ وهو في أقصى الحالات ذلك «الشيطان الذي نعرف» ويظلّ استطراداً أفضل، بما لا يُقارن، مع أيّ شيطان آت لا نعرفه تماماً.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

البرلمان الأردني الجديد:

 رصاص الفرسان وخواء البرامج

صبحي حديدي

 

ذات صباح غير بعيد في الزمن، أواخر أيار (مايو) 2016، صوّت البرلمان الأردني بالأغلبية على حظر مساهمة الشركات الإسرائيلية في صندوق الاستثمار الأردني؛ ولكن، في مساء اليوم ذاته، عاد البرلمان وصوّت من جديد، لصالح المشاركة الإسرائيلية هذه المرّة. مثال كلاسيكي، كما يرى الكثيرون، على الدور الفعلي لمجلس النواب في آلية القرارات ذات الصفة الحساسة، سياسية كانت أم اقتصادية أم أمنية.

فإذا جسّد هذا المثال مفاعيله في انتخابات المجلس ذاته لهذا العام، فإنّ جائحة كوفيد-19 وإجراءات الإغلاق وزيادة الإصابات ومعدّل الوفيات، ليست السبب الأبرز وراء نسبة المشاركة المتدنية التي لم تبلغ 30%؛ خاصة إذا رُصفت إزاء هذا الرقم سلسلةُ أرقام أخرى مثيرة للاهتمام: 1674 مرشحاً، بينهم 360 امرأة، في تنافس على 130 مقعداً؛ و4.139 مليون ناخب مسجل؛ و1880 مركز اقتراع، على امتداد 23 دارة انتخابية؛ و47 حزباً سياسياً، من أصل 48!

الحصيلة، في المقابل، لا تؤكد استمرار مفاعيل انتخابات المجالس السابقة لجهة عزوف المواطن، إجمالاً، عن محض الثقة، فحسب؛ بل هي تعيد تثبيت الحصيلة النتائج المعروفة مسبقاً، حول سيطرة العشائر ورجال الأعمال، مع فارق ارتدادي إلى الخلف يمثله هذه المرّة عجز المرأة عن الفوز بأيّ مقعد خارج الحصة النسائية المقرّرة، وكذلك تراجع المعارضة (في مثال “جبهة العمل الإسلامي” واجهة جماعة “الإخوان المسلمين”) والفشل الذريع للأحزاب الليبرالية والقومية واليسارية و”الممانعة”… جمعاء!

وفي ورقة بعنوان “تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين”، كتبها مطلع العام 2013 وينشرها في موقعه الشخصي على الإنترنت، أبدى الملك الأردني عبد الله الثاني حماساً واضحاً لانتقال البلاد إلى “الحكومات البرلمانية الفاعلة”، التي تعتمد على “ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب والحكومة”. وإذْ أكد الحاجة إلى “بروز أحزاب وطنية فاعلة وقادرة على التعبير عن مصالح وأولويات وهموم المجتمعات المحلية ضمن برامج وطنية قابلة للتطبيق”، فإنّ العنصر الثاني في متطلبات التحوّل الديمقراطي الناجح هو تطوير الجهاز الحكومي “على أسس من المهنية والحياد”، والعنصر الثالث هو “تغيير الأعراف البرلمانية من خلال تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب”.

والحال أنّ الانتخابات الأخيرة أعادت إنتاج حصيلة تقريبية مماثلة لتلك التي أنتجتها معظم الانتخابات السابقة منذ عام 1989، من أنّ تمنيات الملك وأداء البرلمان ومجلس الأعيان والحكومات المتعاقبة في واد، والمواطن الأردني وهمومه ومشاغله ومشكلاته ومستوى معيشته وعمله وطالته وخدماته واقتصاده… في واد آخر. ولم تكن مفارقة طارئة أنّ يذكّر الملك بأنّ البلد “دولة قانون”، ليس على خلفية أي انتهاكات دستورية أو قانونية أو برلمانية، بل لأنّ صليات “الرصاص الأحمر” لعلعت في سماءات المحتفلين بفوز هذا النائب أو ذاك، وظهرت بين الأيادي أنواع من الأسلحة التي لا يمكن أن تكون دولة القانون إياها قد رخّصت امتلاكها.

وفي مقابل البلاغة الطنانة في تسميات القوائم (“الإصلاح الوطني”، “الحق”، “فرسان الغد”، “النخبة”، “الشهامة”، “الهمّة”، البيرق”، “النشامى”، الليمونة”…)؛ كان ثمة خواء فاضح في البرامج الاجتماعية والاقتصادية، سواء المحلية منها التي تخصّ المناطق والمحافظات، أو المركزية التي تشمل كامل البلد. وهذا بدوره مؤشر على عزوف المواطن الأردني عن تلمّس المضمون البرنامجي وراء كلّ قائمة، وفيه أيضاً الكثير من معطيات تفسير الفشل الذريع الذي مُنيت به الأحزاب السياسية، دون استثناء في الواقع.

الأرجح أنّ البرلمان الجديد العتيد لن يعدم “نهفات” مماثلة لتلك التي شهدتها برلمانات سابقة (دعاء “الله ينتقم من إللي جاب الكوتا تحت القبة”، أو “كشرتك بتقطع الرزق، إضحك كي لا تكون سبباً في حجب الثقة”، أو نصائح ابتياع الملوخية، أو العراك والسباب وإشهار السلاح داخل البرلمان…). ولعلّ التراجع عن إشراك الاستثمارات الإسرائيلية لم يكن أكثر تلك الوقائع فداحة، فالقادم قد ينجلي عمّا هو أدهى وأعظم!

 

 

خمسون «الحركة التصحيحية»:

زروع الماضي وخرائب الحاضر

صبحي حديدي

 

مسمّى «الحركة التصحيحية» الذي أطلقه الفريق حافظ الأسد (1930- 2000) على انقلابه العسكري ضدّ رفاقه في حزب البعث، يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، تقصّد جرّ اليقين الشعبي العامّ في سوريا آنذاك نحو استيهام حدوث التغيير على مستويات شتى، ذات طابع «انفتاحي»؛ يوحي بمناقضة طابع «الانغلاق» الذي قيل إنه سمة سياسات ما سُمّي بـ«الجناح اليساري» في قيادة انقلاب 23 شباط (فبراير) 1966، أي أمثال صلاح جديد ويوسف زعين ونور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس. وبقدر ما كان توجّه الأسد زائفاً من حيث مبادلة الانغلاق بالانفتاح، إذْ كان النهج الفعلي دكتاتورياً وشمولياً وطائفياً يبني على عدد من الركائز القائمة لتوّها؛ بقدر ما كانت «يسارية» المنقلّب عليهم ليست أقلّ زيفاً من حيث معمار السلطة (ذاتها التي سمحت للأسد بالصعود والتمكّن) والبرامج الاجتماعية (التي سهّلت مرور انقلاب 16 تشرين الثاني من دون مقاومة تُذكر) والعقائدية التي تخصّ الحزب (المأساة هنا اختلطت بالمهزلة في السرعة القياسية التي تبدى عليها استعداد الرفاق لقلب المعاطف).
وقد يكون أكثر جدوى، منهجياً، تقسيم تلك «التصحيحيات» إلى طرازّين، لا يتعارض أحدهما مع الآخر من حيث الجوهر وإنْ كانت الوظيفة تختلف، على نحو حاسم أحياناً: طراز معلّن، سياسي واقتصادي وحزبي وبيروقراطي ومؤسساتي، تقصد الأسد كشف ميادينه لأغراض استيهام التغيير إياه في فضاء الاستقبال الجماهيري العريض؛ وطراز غير معلّن، أمني وعسكري وطائفي، مخفيّ لأنّ ديناميات اشتغاله تتطلب عدم ظهوره في الخطاب الرسمي أو حتى في مستوى المعلومات العامة. وكانت مقاربة الأسد لدور حزب البعث في بنيان السلطة أولى «التصحيحات» ضمن الطراز الأوّل، إذْ وجّه بضرورة تسهيل الانتساب إلى الحزب عن طريق طيّ نهج سابق اشترط توفّر «المنبت الطبقي» وتفضيل الفئات «الكادحة» واستبعاد أبناء الأغنياء من الإقطاعيين والبرجوازيين. والأسد فتح باب الحزب على مصراعيه أمام الجميع، بقصد تمييع التركيب الطبقي، بل جعل الانتساب اليه شرطاً ضمنياً لا غنى عنه من أجل ضمان دخول المعاهد والجامعات، والحصول على الوظيفة. النتيجة التالية، التي سعى إليها الأسد، هي تحويل فروع الحزب إلى مؤسسات انتهازية خاضعة لسلطة الأجهزة الاستخباراتية، بحيث باتت كتابة التقارير الأمنية واجباً تنظيمياً أمام أعضاء الحزب، فدانوا بالطاعة لرئيس فرع المخابرات في المقام الأوّل.
تصحيح ثانٍ، لعله الأكثر دهاء وخبثاً، كان الاقتداء بنموذج كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية، واستحداث منظمة «طلائع البعث» التي تتولى الإشراف على التربية السياسية للأطفال بين سنّ 6 إلى 11 سنة؛ حيث يكون الانتساب إجبارياً، ولا ينفصل عن مناهج التعليم في المرحلة الابتدائية. وهكذا شبّت أجيال، طيلة 50 سنة الآن، على عبارة «بالروح! بالدم! نفديك يا حافظ!» وكان مبدأ عبادة الفرد يُزرع قسراً في نفوس الأطفال كمبدأ وطني وتربوي طبيعي، فيستقرّ الأسد في صورة «الأب القائد» والوحيد القادر على حكم الأهل والمجتمع والوطن. ولأن 49% من سكان سوريا كانوا فتياناً أقل من 15 سنة، فإنّ منظمة «طلائع البعث» لعبت دوراً تخريبياً قاتلاً في تنشئة الأجيال الجديدة على قائد واحد وسياسة واحدة؛ كما زرعت في نفوس الصغار حسّ الطاعة العسكرية والولاء الأعمى للقائد، وجهدت السلطة أن تكون هذه «التربية» بمثابة لقاح مبكر يحول بين الناشئة وبين السياسة حين ينتقلون من مرحلة الى أخرى في الدراسة والعمر والوعي

لم تكن مفارقة أنّ البذور الأسدية كانت فاسدة وخبيثة أصلاً، فخلّفت حزباً شائهاً وجيشاً أقرب إلى ميليشيا طائفية وعشائرية، وسلطة تابعة مرتهنة، وبلداً تحتله خمسة جيوش أجنبية.

ضمن الطراز الثاني، وعلى مستوى الجيش، عمد الأسد إلى إعادة ترتيب الفرق الـ13 التي كان الجيش السوري يتألف منها، فوزّع تسعاً منها على ثلاثة فيالق تتبع لرئاسة الأركان، وأبقى أربعة منها خارج هذا الترتيب، فتشكلت بذلك: 1) سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، وتألفت من ثمانية ألوية مشاة ومظليين، وأسلحة ثقيلة تشمل الدبابات والحوامات والمدفعية الثقيلة، وامتيازات خاصة في الراتب والسكن والترفيع، ولعبت دوراً بارزاً في الدفاع عن النظام أثناء سنوات الصراع مع الإخوان المسلمين، 1979 ـ 1983، كما اشتُهرت بارتكاب العديد من الفظائع وبينها مجزرة سجن تدمر الصحراوي في حزيران (يونيو) 1980؛ 2) الوحدات الخاصة: وكانت إحدى أبرز التشكيلات العسكرية المكلفة بالدفاع عن أمن النظام، خاصة خلال حصار مدينة حماة واقتحامها وتدميرها سنة 1982. ولقد حرص قائدها، اللواء علي حيدر، على أن تكون أغلبية عناصرها من أبناء الطائفة العلوية، مطعمة ببعض الأقليات البدوية من ريف محافظة دير الزور (أو الـ«شوايا» في التعبير الشائع)؛ 3) الحرس الجمهوري: وكان الهدف من تأسيسه هو حماية المقرات والمواكب الرئاسية، وأُسندت قيادته إلى عدنان مخلوف، ابن عمّ زوجة الأسد، ولا تنتمي الغالبية الساحقة من عناصره إلى الطائفة العلوية فقط، بل يتم انتقاؤهم أساساً من داخل أفخاذ عشائرية محددة، شديدة الولاء للبيت الأسدي وليس للنظام وحده.
على مستوى الأجهزة الأمنية، وضمن الطراز الأوّل دائماً، أدخل الأسد الأب تعديلاً حاسماً على منظومة المخابرات السورية، عن طريق تطوير جهازَين من قلب المؤسسة العسكرية، هما «شعبة المخابرات العسكرية» و«إدارة مخابرات القوى الجوية»؛ وتمكينهما، من حيث الصلاحيات، بما جعل منهما قطبين موازين لـ»إدارة المخابرات العامة» و«إدارة الأمن السياسي». كذلك وجّه قادة الأجهزة، في المخابرات العسكرية والجوية على نحو خاص، إلى تعديل التركيب العشائري (وليس الطائفي فقط!) للضباط والعناصر في فروع الجهاز؛ بما يجعل كلّ جهاز أكثر تمثيلاً لعشيرة محددة، خاصة النميلاتية والخياطية والحدادية، وذلك لإبقاء نسق مختلط من التوازن والتنافس معاً.
تعديل آخر، لجهة الترتيب الهرمي وتوزيع الصلاحيات داخل الجهاز ذاته، تمثّل في «تفكيك» الجهاز الواحد إلى فروع اختصاصية، بحيث يتقاسم رؤساء هذه الفروع ما يتيحه لهم الفرع من نفوذ أولاً؛ ثم يتنافسون فيما بينهم، حتى إذا اقتضى الأمر تجاوز الرئيس المباشر في الجهاز الأمّ تالياً. وهكذا، في شعبة المخابرات العسكرية على مستوى مدينة دمشق مثلاً، تتوفر فروع المنطقة، الجبهة، التحقيق العسكري، سرية المداهمة والاقتحام، شؤون الضباط، الحاسب الآلي، الفرع الخارجي، أمن القوات، فرع فلسطين، الدوريات، اللاسلكي… فإذا كان رئيس الفرع مقرباً من السلطة أكثر من سواه (كما حين كان آصف شوكت، صهر النظام، هو رئيس فرع المداهمة) فإنّ صلاحياته وعلاقته بالقصر الرئاسي لا يمكن أن تُقارَن بأيّ من زملائه في الفروع الأخرى.
ولقد سهر الأسد على إقامة ميزان محسوب بين العناصر التي تُنهض الطرازين معاً، كأنْ يكون عضو القيادة القطرية للحزب، أو هذا الوزير السيادي أو ذاك العادي، أو المدير العام لمؤسسة التبغ والتنباك تارة والمدير العام للمصرف العقاري تارة أخرى (نموذج محمد مخلوف)؛ على صلة وثيقة، تكاملية أو اتباعية، مع رئيس هذا الجهاز الأمني أو ذاك، في مستوى الإدارة المركزية كما في الفروع استطراداً (نموذج علي دوبا في المخابرات العسكرية، ومحمد الخولي في مخابرات القوى الجوية، وقادة الفرق والأفواج والتشكيلات الخاصة ضمن معادلات المحاصصة). وهذا مشهد يتضافر مع تعديلات الأسد في تنشئة شبكات الولاء والفساد والنهب، وتحويل السياسة الخارجية إلى مصدر ابتزاز…
تلك كانت زروع الأسد الأب، خلال السنوات الأولى من تدشين «الحركة التصحيحة ـ 1»؛ هذه التي استنبتت الخرائب سنة بعد أخرى، وعقداً بعد آخر، وصولاً إلى سنة 2000 حين جرى توريث بشار الأسد، ليطلق خرائب «الحركة التصحيحة ـ 2». ولم تكن مفارقة أنّ البذور الأسدية كانت فاسدة وخبيثة أصلاً، فخلّفت حزباً شائهاً وجيشاً أقرب إلى ميليشيا طائفية وعشائرية، وسلطة تابعة مرتهنة، وبلداً تحتله خمسة جيوش أجنبية.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

رابين بعد ربع قرن:

الأصابع ذاتها على الزناد إياه

صبحي حديدي

 

 في حلقة أولى من سلسلة مقالات تستعيد إرث رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إسحق رابين، الآن وقد انقضت 25 سنة على اغتياله، تروي صحيفة «هآرتز» أنّ صحافياً اقترب من ليا، زوجة رابين، وسألها إن كان الأخير يرتدي سترة واقية من الرصاص خلال اختلاطه بالجموع الحاشدة في ساحة ملوك إسرائيل؛ فضحكت السيدة، وردّت هكذا: «سترة واقية، حقاً؟ أين نحن، في أفريقيا؟ هذه إسرائيل». هي كذلك، بالفعل، حيث حملت أيد إسرائيلية أخرى صورة رابين يرتدي الكوفية الفلسطينية أو ثياب ضابط استخبارات نازي، وحيث شجّع على هذه التمثيلات بنيامين نتنياهو زعيم المعارضة ذاته، وحيث كمن في قلب الجموع مستوطن شابّ متدين متشدد يدعى إيغال عمير تربصت رصاصاته بـ«الخائن رابين».
اليوم، بعد ربع قرن، تسمع داليا، إبنة رابين، عبارات بأعلى الصوت من فتية إسرائيليين يمجدون عمير بوصفه بطلاً يهودياً بامتياز، كما تقرأ تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تتعهد بمتابعة نهج القاتل. رئيس الكيان، رؤوفيم ريفلين، استذكر واقعة الاغتيال كي يعلن أنّ «الكراهية تفيض تحت أقدامنا» و«الأرض تشتعل» و«الدولة لا تزال منقسمة بشكل مخيف» أعاد تذكيره بانشطار البحر الأحمر في الأمثولة التوراتية. إيتمار رابينوفيتش، الأكاديمي والسفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، كتب مقالة بعنوان «كلا، نتنياهو ليس خليفة إسحق رابين» رافضاً اعتبار اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان تكملة لتراث رئيس الحكومة القتيل.
باختصار، تُجمع التعليقات الإسرائيلية، في وسائل الإعلام المختلفة ولكن على ألسنة الكثير من الساسة أيضاً، أنّ دولة الاحتلال لم تتعلم الكثير من اغتيال رابين، بل يرى البعض أنها لم تتعلم أي شيء، أو تعلمت الدروس الخاطئة على وجه الدقة. بيني غانتس، وزير الدفاع وزعيم ائتلاف «أزرق أبيض» المشارك في الحكومة الحالية، اعتبر أنّ إبرام انفاقيات تطبيع مع أنظمة عربية أمر جيد، ولكن الأجود منه «أن نعقد السلام مع أنفسنا أولاً».
وفي استطلاع رأي مؤّلته «المنظمة الصهيونية العالمية» وثمة دلالة خاصة في هذا، اعتقد 45٪ من الإسرائيليين أنّ مناخات التحريض العامة قد تسفر عن اغتيالات أخرى لأغراض سياسية؛ وحمّل 31٪ اليمين الذي يقوده نتنياهو مسؤولية تسعير تلك المناخات، وفي المقابل وجد 46٪ من جمهور اليمين أنّ وسائل الإعلام هي المسؤولة.
في غضون هذا كلّه، يواصل عمير من داخل زنزانته حلقات مسلسل الدلال والمطالب، ملتمساً السماح له بالخروج للمشاركة في حفل الـ»بار متسفاح» لابنه؛ بعد أن كان قد تزوج في السجن عن طريق تفويضه لأبيه بعقد القران نيابة عنه، وحصل لزوجته على إذن بزيارات زوجية، تقول رواية أولى إنه تمكن خلال إحداها من معاشرة زوجته، وتقول رواية أخرى إنه جرى تهريب سائله المنوي إليها. وهو لا يكفّ عن الشكوى من إبقائه في زنزانة منفردة، بناء على توصية الاستخبارات الإسرائيلية، متسائلاً إنْ كان أكثر خطورة من مروان البرغوثي أو الشيخ رائد صلاح أو… العالِم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو!
ولقد كان في وسعه، ومن حقّه كذلك، أن يضرب قتيله ذاته، رابين الجنرال ورئيس الحكومة، مثالاً على عنف أقصى جنحت إليه دولة الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى، ضمن فلسفة «تكسير عظام» الفلسطيني؛ فلا يفعل عمير ما هو أكثر من اقتداء القتيل.

ما عجز رابين عن رؤيته، مثله في ذلك مثل السواد الأعظم من «مهندسي السلام» الإسرائيليين، هو الثقة الضعيفة أو شبه المنعدمة التي اعتاد الصهيوني على منحها للنوع البشري إجمالاً، وللجيران العرب بصفة خاصة

أو كان مفهوماً لو أنه اقتبس أنساق العنف الأخرى التي اجترحها قادة الاحتلال على الدوام، منذ زرع الكيان في فلسطين بقوّة الحديد والنار، وطوال عقود سياسات التهجير القسري والمجازر والعقاب الجماعي ومسح قرى كاملة عن الخريطة. وهل هي مصادفة أن تحلّ الذكرى الخامسة والعشرون لاغتيال رابين، وحزب القتيل مثخن بالجراح، تلقى ويتلقى ضربات موجعة متتالية من الناخب الإسرائيلي؛ كما يتفكك داخلياً، وذاتياً، في السياسة كما في العقيدة؟ وإذا كان عمير قد أعلن أنه اغتال رابين كي يغتال اتفاقيات أوسلو، فإنّ ما أفصحت عنه خلفيات الفتى الاجتماعية والثقافية والنفسية والإثنية أكدت أنّ تنكيل نُخب حزب العمل باليهود اليمنيين (معسكرات، تمييز عنصري في الدراسة والإقامة والعمل، اختطاف أطفال لإجراء تجارب صحية ونفسية وبيولوجية…) استقرت عميقاً في روح عمير، وأوقدت فيه نوازع الحقد على المؤسسة، وهي التي حرّكت إصبع يده حين ضغط على الزناد.
وحين خرّ صريع طلقات يهودية صرفة، كان رابين صاحب سجلّ حافل زاخر بالمنجزات: قائد فوج في حرب 1948، ورئيس أركان في 1964، وأحد أبطال «تحرير» القدس، وسفير في واشنطن بين 1968 و1973، ورئيس وزراء مرّة أولى بين 1974 و1977، ثمّ مرّة ثانية في 1992 حتى نهار اغتياله. غير أنه، تلك العشية، كان قد وضع جانباً عقيدته الخاصة في استخدام الهراوة وتكسير عظام الفلسطينيين، لا بسبب من صحوة ضمير أو ارتداد أخلاقي عن تقنيات الردع والتأديب، بل لأنه قرّر «إلقاء نظرة تذهب خطوتين إلى الأمام» على حدّ تعبير الروائي الإسرائيلي دافيد غروسمان. تلك كانت نظرة براغماتية رأت أنّ الاستمرار في الاحتلال سوف يعني استمرار انكفاء الدولة على ذاتها، وتفاقم أمراضها التاريخية والوجدانية المزمنة. وما عجز رابين عن رؤيته، مثله في ذلك مثل السواد الأعظم من «مهندسي السلام» الإسرائيليين، هو الثقة الضعيفة أو شبه المنعدمة التي اعتاد الصهيوني على منحها للنوع البشري إجمالاً، وللجيران العرب بصفة خاصة.
يد عمير، أو «اليد اليهودية» كما وصفها بنفسه، تعمدت بدم رابين «ذلك الخائن، واليهودي بالمصادفة» كما أضاف! والقاتل ضحك أكثر فأكثر حين رفض الناخب الإسرائيلي الانصياع إلى الشعار الذي رفعه حزب العمل أثناء الحملة الانتخابية التي أعقبت الاغتيال: «لا تمنحوا إيغال عمير سبباً للضحك». ولقد ضحك، ملء شدقيه في الواقع، بل كان الوحيد الذي صوّت مرتين كما قال روائي إسرائيلي آخر هو عاموس عوز: مرّة باستخدام الرصاصة، ومرّة باستخدام ورقة الاقتراع. ومن سخريات الأقدار أن العبارة البليغة
Ballot Not Bullet (ورقة الأقتراع لا الرصاصة) التي نحتها نتنياهو بعد اغتيال رابين، برهنت أنّ الفارق اللفظي بين المفردتين لا يصنع أي فارق عملي على الأرض؛ وأنّ الرصاصة صوّتت تماماً بالفاعلية التي كانت لورقة الاقتراع، وأكثر بكثير ربما.
وقبل أن يخرّ صريع طلقات يهودي من أصل يمني، متديّن متشدّد وخصم للصهيونية لأنها «أقلّ يهودية ممّا ينبغي» نطق رابين بهذه الكلمات: «العنف يقوّض ركائز الديمقراطية الإسرائيلية ذاتها. من الواجب إدانته، واستنكاره». فهل كان يجهل، حقاً، أنّ إرث العنف الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين يستنسخ الآلاف من نماذج عمير، وقبله باروخ غولدشتين بطل مجزرة الحرم الإبراهيمي؟ وهل يبالغ جيلون إذا اعتبر أنّ ابتسامة «الماركة المسجلة» إياها، تطفح أيضاً على وجوه عشرات الآلاف من مناصري عمير، الناظرين إليه كبطل وقدوة؟
الأرجح أنّ ضحكات عمير تتردد اليوم أيضاً، على نحو خاصّ مختلف، ليس احتفاءً بابنه البالغ فقط، بل أساساً لأنّ أزيز رصاصاته يتعالى في أرجاء كيان يزداد عنصرية وعسكرة وكراهية وانغلاقاً؛ وأنّ ثلاث دورات انتخابية متعاقية أخيرة لم تفلح في لملمة ذات إسرائيلية، متشظية ومنكسرة ورهابية؛ وأنّ أحد محرّضي عمير على اغتيال رابين، نتنياهو نفسه، هو اليوم متهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ولكنه أيضاً… رئيس الحكومة؟
.. في كيان لم تره ليا رابين على شاكلة أفريقيا!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

سكس الجمهورية

ومطابخ العلمانية

صبحي حديدي

 

في ردود الفعل على الإرهاب الذي يضرب فرنسا هذه الأيام، واتكاءً على جريمة ذبح المدرّس الفرنسي صمويل باتي، صدرت عن بعض المسؤولين الفرنسيين الكبار سلسلة تصريحات لا يبيح العقل تصنيفها إلا تحت مزيج عجيب من التسخيف والتغابي والتخابث؛ في آن معاً، وعن سابق قصد وتصميم، وانعدام اكتراث بالحدّ الادنى من تحكيم الصواب البسيط. قصب السبق، في تقديري شخصياً، انفرد به وزير الداخلية جيرار دارمنان، الذي قال التالي على قناة إخبارية رئيسية: «صدمني دائماً أن أدخل إلى مخزن كبير وأرى وجود قسم خاصّ بمطبخ جماعاتي، إذْ هكذا تبدأ النزعة الجماعاتية». وإذْ أدرك الوزير، أو جرى تنبيهه، إلى عواقب تصريح كهذا، فقد سارع إلى التذكير بأنّ ما يقوله هو رأيه الشخصي، و»لحسن الحظ ليست جميع آرائي جزءاً من قوانين الجمهورية». توجّب، كذلك، أن يلطّف تصريحاته أكثر، في لقاء إذاعي لاحق، فيزعم إنّ تعليقه كان بمثابة استنكار لـ»طراز من الرأسمالية الفرنسية، والرأسمالية العالمية أيضاً، التي تلجأ إلى استخدام التسويق الجماعاتي».

ربْط دارمنان بين رفوف المنتجات والأغذية والثياب المنتمية إلى ثقافات أخرى، وشيوع «النزعة الجماعاتية»؛ ليس جديداً على السجالات الفرنسية الأسخف حول إقحام علاقة مفتعلة بين القيم الجمهورية والعلمانية، والامتناع عن أكل لحم الخنزير مثلاً، أو هذا أو ذاك من خيارات اللباس

ريشار فيران، رئيس مجلس النواب والمنتمي أصلاً إلى حزب رئيس الجمهورية، قال بوضوح إنه لا يشعر بأية صدمة لمرأى رفوف المطابخ تلك، مضيفاً أنه حين يدخل إلى مخزن كبير فإنه يتوجه على الفور إلى «المنتجات البروتونية» لأنه بروتوني الولادة. لورانس روسينيول، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الاشتراكي والوزيرة السابقة، ذكّرت دارمنان بأنّ المطابخ التي يقصدها ليست الحلال وحده، بل هناك أيضاً الكاشير والتاي والهندي والآسيوي، «من دون أن ننسى البيو، هذا الآتي من مطبخ الـ’آميش’ الجماعاتي»، في إشارة إلى الفرقة المسيحية المعروفة. ردّ الفعل الأبرع والأذكى جاء، في تقديري الشخصي، من رسام الكاريكاتيــر فرنسوا ـ هنري مونييه (أو «بابوز» حسب اسمه الفني)، في العدد الأسبوعي لصحيفة «الأومانيتيه» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الفرنسي؛ في رسم بعنوان «كسكس جمهوري، من إعداد الشيف دارمنان». بابوز استبدل مكوّنات الطبق المغاربي الشهير بأخرى فرنسية وطنية، إذا جاز التعبير: النقانق المغاربية (المرغيز) بنقانق تولوز، وسميد الكسكس بالفاصولياء البيضاء، والخضار بشحم الخنزير المدخن، والدجاج بالبط، والحمّص بالثوم، والماء بالنبيذ الأحمر؛ وأخيراً… الطاجن بالـ«كاسرولة»!
الأرجح أنّ أحداً من معاوني دارمنان ومستشاريه المقرّبين لم ينبهه إلى واقعة تحريم الكسكس خلال عقود محاكم التفتيش الإسبانية، بالنظر إلى أنّ الطبق لم يكن مركزياً في المطبخ العربي والإسلامي الأندلسي، فحسب؛ بل كان، في الجوهر، رمزاً سياسياً وثقافياً وسلوكياً، على شاكلة مطابخ العالم حين تتلاقى حضارياً. ولم يكن غريباً، والحال هذه، أنّ الطبق صمد بقوّة أمام التحريم، وتحايل الناس على الرقيب فطوّروا الكسكس ذاته إلى طبخات بدّلت المسمّيات واحتفظت بالمكوّنات إلى حدّ كبير؛ وهذا ما يلمسه المرء في تنويعات كسكسية شعبية قائمة حتى الساعة، ليس في إسبانيا وحدها بل في المكسيك والبرتغال والبرازيل، وهذا البلد الأخير نجح في الحفاظ على التسمية ذاتها:
Cuzcuz. وفي صقلية، حيث التأثير العربي ضارب الجذور ومتصل ومتواصل، وثمة مطبخ متكامل تتفاعل فيه العناصر العربية والصقلية؛ تحتضن الجزيرة مهرجاناً سنوياً يدعى «احتفالية الكسكس»، يجتذب 100 ألف زائر، حسب الموسوعات المتخصصة بالتاريخ الثقافي للطبخ.
كذلك فإنّ ربط دارمنان بين رفوف المنتجات والأغذية والثياب المنتمية إلى ثقافات أخرى، وشيوع «النزعة الجماعاتية»؛ ليس جديداً على السجالات الفرنسية الأسخف حول إقحام علاقة مفتعلة بين القيم الجمهورية والعلمانية، والامتناع عن أكل لحم الخنزير مثلاً، أو هذا أو ذاك من خيارات اللباس (وليس ارتداء الحجاب بالضرورة). ولعلّ ما استجدّ في تسخيفات وزير الداخلية الفرنسي أنها تستعيد تراث الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي وتُدخله في قلب الفلسفة النيو ـ ليبرالية التي يزعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتناقها. فمن المعروف أن دارمنان ينتمي تاريخياً إلى اليمين، وتربى في كنف الطبعة الساركوزية من هذا اليمين، أكثر من تأثره بنسخة الجنرال ديغول أو نسخة جاك شيراك، وقد اختاره ماكرون لوزارة الداخلية استجابة لرغبة دارمنان الشخصية وتلبية لمطالب ذلك اليمين تحديداً، وضمن مطمع لدى الرئيس الفرنسي في دغدغة اليمين المتشدد أيضاً. ولغير العارفين بمفاصل الإدارة الفرنسية الراهنة، يُشار إلى أنّ دارمنان عُرف بإساءة استخدام الوظيفة لقاء خدمة جنسية في عام 2015 حين كان عمدة، وهو اليوم متهم بالاغتصاب (بريء حتى تثبت إدانته طبعاً).
والحال أنّ الكسكس يمكن أن يكون جمهورياً طبقاً لوصفة «الشيف دارمنان» ذاتها، في رسم بابوز، وهذا جزء من حرّية الطبخ وحرّية التعبير أيضاً؛ إذْ أنّ مكوّنات الكسكس المغاربي لم تكن في أيّ يوم «متزمتة» لا تقبل إلا الدجاج، ولا تُدخل لحم الخروف أو العجل أو السمك، فهذه أصناف مذاقية وثقافية في نهاية المطاف. ولم يكن ممكناً تحويل الوصفة الدارمنانية إلى ما يشبه «قيمة» جمهورية مطلقة، حتى من زاوية التخييل الساخر والناقد، إلا في أعقاب تصريحات الوزير حول رفوف المنتجات «الجماعاتية» وأثرها على الاندماج الاجتماعي الجمهوري. والثابت أنّ هذه المناخات الجمهورية/ المطبخية ليست سوى مظهر واحد من لهاث ساسة فرنسيين كثر، للحاق بالخطاب اليميني العنصري المتطرف، دون سواه.

( القدس العربي)

العلمانية الفرنسية:

سجال الدين والدولة

أم عبادة عجل ذهبي؟

صبحي حديدي

  في كتابه "العلمانية إزاء الإسلام"، ولعله ضمن الأعمال المعاصرة الأبرز في هذا الميدان، يذكّرنا المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا بالفارق، الجوهري في الواقع، بين العلمانية الفرنسية "Laicité"؛ والعلمانية في مفهومها الأوسع، والكوني ربما، الذي يحمله مصطلح "Secularism".

الثانية، حسب روا، هي حال تحرّر المجتمع من معنى المقدّس، من دون نكرانه بالضرورة؛ والأولى هي لجوء الدولة إلى "طرد" الحياة الدينية إلى حدود عرّفتها الدولة بقانون. 

والفارق يمكن أن يتبدى صريحا أو حتى صارخا في إطار سلسلة من المواقف، تلخصها مسائل من النوع التالي: فصل الدين عن الدولة (نعم أم لا) وموقع الدين من المجتمع (قوي أم ضعيف) واحتمال أن تكون دولة علمانية بالمصطلح الثاني وليس الأوّل، لأنها تقرّ دينا رسميا (بريطانيا، الدانمرك) أو أن تفصل الدين عن الدولة وتعترف في الآن ذاته بدور الدين في المضمار العام (الولايات المتحدة، حيث أقرّت المحكمة العليا استخدام مفردة "الله" في أداء القسم داخل المدارس).

 أو أن تعلن العلمانية ولا تشير إلى الإسلام في دستورها، لكنها لا تفصل الدين عن الدولة (تركيا).
والحال أنّ العلمانية الفرنسية وجدت تعبيراتها الأولى في قانون 1905 حول فصل الدين عن الدولة، ويومذاك كان "العدو" هو الكنيسة الكاثوليكية، أمّا اليوم فإنّ الإسلام حلّ محلّ الكاثوليكية؛ الأمر الذي يثير السؤال الحاسم: أهذا واقع استمرار، أم انقطاع؟ يتساءل روا: "في نهاية المطاف، هل يدور نقاش الإسلام حول مكانة الدين في المجتمع الفرنسي، أم ـ على نقيض الاستمرارية البادية ـ يُنظر إلى الإسلام اليوم كدين مختلف، حامل تهديد محدد؟ وفي هذه الحالة، أيعود الأمر إلى سمة محددة في الفقه المسلم، أم في أنّ الإسلام دين المهاجرين بما يُلقي على فرنسا ظلّ صراعات الشرق الأوسط؟". 

وليس خافيا أنّ إشكاليات كهذه، وسواها بالطبع، جثمت بقوّة في خلفيات طرازَين من السجالات حول الإسلام في فرنسا؛ الأوّل يخصّ العلمانية، في نسختها الفرنسية حصريا، وارتباطها بالقِيَم الجمهورية والهوية الوطنية؛ والثاني يخصّ الإرهاب الإسلاموي، الذي استسهل الكثيرون ربطه مباشرة بالدين الإسلامي عموما، وليس بعقائد متشددة أو تيارات جهادية. الحصيلة، في عقود الجمهورية الخامسة أو فرنسا المعاصرة بالأحرى، كانت سلسلة متعاقبة من السجالات، السطحية غالبا والعميقة نادرا، حول "قضايا" مثل الحجاب أو اللحم الحلال أو إضافة لحم الخنزير إلى الوجبات المدرسية، في الطراز الأوّل؛ وما إذا كانت الديانة الإسلامية، بوصفها ثقافة وشريعة أيضا، حاضنة محرّضة في ذاتها على الإرهاب، ضمن الطراز الثاني.


ويندر أن يشهد بلد مثل بريطانيا أو ألمانيا أو الدانمرك انشقاقات كبرى في صفوف الأحزاب السياسية والرأي العام والصحافة اليومية وأروقة الجامعات، شبيهة بما شهدته فرنسا في سنوات 1989 و1994 و2003 و2004 و2010 و2016 و2017 حول الحجاب مثلا؛ فاقتضت اللجوء إلى "مجلس الدولة" الذي أفتى بأنّ غطاء الرأس ليس في ذاته متناقضا مع مبادئ العلمانية؛ أو تشكيل "هيئة ستاسي" وما أعقبها من إصدار قانون يحرّم في المدارس ارتداء العلامات أو الثياب التي توحي بالصفة الدينية؛ أو الدخول في جدل عقيم، مضحك أيضا، حول الفارق بين البرقع والنقاب؛ وصولا إلى الجامعات ونقاش منع الطالبات من ارتداء الحجاب فيها، أو شواطئ البحر والحقّ في ارتداء لباس السباحة الذي اشتُهر باسم "البوركيني".

في نطاق الطراز الثاني، تسابق اليمين الجمهوري مع اليمين المتطرف، ولم يتأخر الليبراليون طويلا عن اللحاق بالركب، في تأثيم الإسلام كدين وثقافة تحت لافتة تجريم الإرهاب الذي يُرتكب باسم الدين الإسلامي؛ وبات مصطلح "الإرهاب الإسلامي" منفلتا من كلّ ضابط مفهومي أو عقلاني أو منطقي أو تاريخي.

ولعلّ هذه الهستيريا بلغت الذروة في تفكير رئيس اشتراكي مثل فرنسوا هولاند بسنّ قانون يجرّد ذوي الجنسية المزدوجة من الجنسية الفرنسية، على خلفية الاتهام بأعمال إرهابية.

قد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب أنها انطوت، في الجانب الصحّي منها، على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية؛ وأسفرت، في الجانب العليل، عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي.


وكما هو معروف، اندلعت الجولة الأحدث من هذه الهستيريا على خلفية الجريمة الإرهابية البشعة التي ارتكبها مراهق شيشاني بحقّ المدرّس الفرنسي صمويل باتي، الذي شاء تدريس مبدأ حرّية التعبير عن طريق عرض رسوم كاريكاتورية نشرتها "شارلي إيبدو"، واعتبر القاتل ومشايخه المحرّضون، أنها تسيء إلى النبي محمد وتستوجب ذبح المدرّس.

وحتى يثبت العكس (لأنّ الحبل على الجرار كما يُقال) انفرد وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمنان بالسبق في التهافت والضحالة، فاتهم المخازن الكبرى في فرنسا بأنها تغذّي النزعات الانفصالية والجهوية حين تعرض على رفوفها أغذية أو ألبسة تدلّ على دين أو محتد! رئيس وزراء فرنسي أسبق مثل مانويل فالس، كان اشتراكيا ثمّ انقلب إلى يميني متسابق مع أقصى اليمين، نفض الغبار عن شخصه (هو الذي عاد إلى أصوله الإسبانية، وفشل في الفوز برئاسة بلدية برشلونة)، فلم يكتفِ بالمطالبة باقتلاع "الإسلامية" من جذورها، فحسب؛ بل فتح النار على ساسة وكتّاب فرنسيين طالبوا بالفصل بين الإسلام وإرهاب أفراد مسلمين.

وبهذا، فإنّ الإدانة الصريحة، بلا تردد أو تحفظ أو تسويغ أو تلاعب، لجريمة اغتيال المدرّس الفرنسي لا يصحّ أن تحجب الحقّ في فتح ملفات الاختلاف، أو حتى التناقض أحيانا، بين علمانية وعلمانية؛ على صعيد المجتمعات التي تحتضن جاليات مسلمة لا خلاف في أنها تعاني الكثير من المصاعب في بلوغ الدرجة المطلوبة من الاندماج الاجتماعي والثقافي والقانوني.


كما لا يجوز للإدانة ذاتها أن تطمس حقوق المساءلة المشروعة لازدواج الخطاب الفرنسي، والأوروبي بصفة عامة، حول قضايا العلمانية وفصل الدين عن الدولة والمواطنة والقِيَم الجمهورية؛ وكيف أنّ قسطا غير قليل من مسائل الحجاب والنقاب واللحم الحلال و"الإرهاب الإسلامي" تبدأ بواعثها من السياسة والساسة، في سياقات إلهاء الرأي العام عن الهموم الاجتماعية الكبرى، كالبطالة وانخفاض القدرة الشرائية ومشكلات التقاعد، من جهة أولى؛ وعلى سبيل استغلال هذه الهموم، أيضا، بهدف تضخيم إحساس المواطن بأنّ الجزء الأكبر من المتاعب مصدره وجود "الأجانب" وانقلاب ذلك الوجود إلى عبء على الاقتصاد، من جهة أخرى.

هذه الخلاصة لا تلغي، مع ذلك، حقيقة أنّ المواطن إياه، ذلك النموذج المتوسط الممثّل للشرائح الأعرض في المجتمعات الغربية، أخذ يتأثر أكثر فأكثر بأجواء الخوف من الإسلام والمسلمين، بحيث صار التوجس من مؤشرات المستقبل الاقتصادي، مقترنا بتوجّس من فقدان الهوية الثقافية (في التعبير الملطّف) والهوية الدينية المسيحية (في المحتوى الواقعي الصريح، الذي يطابق الواقع). كما أنها خلاصة لا تمسّ تلك الحقيقة الأخرى الرديفة، التي تشير بوضوح إلى أنّ مسائل العلمانية وحرّية المعتقد وفصل الدين عن الدولة… بريئة من حزمة البواعث التي تحرّك سلوك الساسة واتجاهات السياسة.

وقد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب، في المؤسسات التعليمية بصفة خاصة، أنها انطوت في الجانب الصحّي منها على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية؛ وأسفرت، في الجانب العليل، عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي. الأمر الذي يعيد هذه السطور إلى الأسئلة الأبسط: عن أي إسلام تتحدث فرنسا، في نهاية الأمر؟ ألا تتراوح آراء المسلمين أنفسهم بين إسلام مستنير يرفض الحجاب، وإسلام أصولي يذبح باسم المقدّس؟ وفي المقابل، ألا تتفاوت آراء الفرنسيين أنفسهم في معنى النسخة الفرنسية من مفهوم العلمانية، بحيث تتعايش تحت راياتها مبادئ الحرية والمساواة والأخوّة، مع عنصرية مارين لوبين وليبرالية إيمانويل ماكرون و… بلاهة دارمنان؟

 

 

«نبع السلام»: احتلال يمهد

للضمّ بموجب الأمر الواقع

صبحي حديدي

 

عملية «نبع السلام» التي أطلقتها تركيا مؤخراً في شمال سوريا، وعلى مساحات شاسعة تغطي غالبية الشريط الحدودي، ليست بعيدة عن أن تكون التتويج الأقصى، والتجسيد الأوضح كذلك، لخيار مبكّر اعتمده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ أربع سنوات على الأقلّ. وبمعزل عن رطانة الأهداف المعلنة للعملية، وأنها تتوخى إقامة ملاذات آمنة تتيح للاجئين السوريين العودة إلى بلدهم، وليس بالضرورة إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم التي هاجروا أو هُجّروا منها؛ فإنّ الهدف الحقيقي الأوّل القريب هو محاربة «حزب العمال الكردستاني» PKK، عبر فروعه السورية المختلفة وفي طليعتها «وحدات حماية الشعب»؛ وأمّا الهدف التالي، الحقيقي والستراتيجي البعيد، فهو تثبيت احتلال تركي جدير بأن يتحوّل إلى أمر واقع على الأرض، حتى أمد بعيد مرتبط بالحلول المختلفة للمسألة السورية.
خيار أردوغان، الذي اتخذ وجهة معلنة وصريحة منذ العام 2015، انطوى على الدمج بين: 1) ضرورة تقليم أظافر الـ
PKK عسكرياً، في مختلف مناطق انتشار أنصاره داخل سوريا، مع إمكانية تحويل التقليم إلى عمليات بتر جراحية ما أمكن ذلك؛ و2) اعتماد مطلب المناطق الآمنة، بعد ترقيته إلى مستوى الهاجس الجيو ـ ستراتيجي عند تركيا، والشكوى من أعداد اللاجئين السوريين الهائلة والمتزايدة؛ و3) نقل الهاجس إلى أوروبا، ولكن تحت صيغة كابوسية مفادها فتح الحدود التركية مع أوروبا أمام مئات آلاف اللاجئين السوريين. وذلك الخيار، مثلّث الأبعاد، كان في الواقع لا يقطع مع سنوات من تقلّب المواقف التركية من الملفّ السوري، فحسب؛ بل كان أقرب إلى المقامرة الإقليمية والدولية، بالنظر إلى اشتباك عناصر الخيار مع الوجودين الروسي والأمريكي، ثمّ مع سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في تسليح المجموعات الكردية لمحاربة «داعش».
ذلك كله، وسواه من معطيات أخرى أقلّ إشكالية، يعيد التذكير بسلسلة الاعتبارات التي صنعت تاريخ العلاقة بين تركيا المعاصرة والملفّ السوري إجمالاً، ثمّ هذا الملفّ بعد أن أدخلت عليه الانتفاضة الشعبية السورية معطيات جديدة بالغة الحساسية. قبيل 2011 كانت العلاقات التركية مع النظام السوري في أبهى أزمنتها، ثمّ أخذت تتدهور يوماً بعد آخر، وكلما حنث بشار الأسد بما قطعه من وعود لأردوغان شخصياً (حين كان الأخير رئيس الوزراء)، وتوجّب أن تنقلب اعتبارات الجوار المزدهرة من مزايا إلى تحدّيات، ومن مغانم إلى مخاطر.
فعلى الصعيد الجيو ـ سياسي، كان على تركيا أن تتخلى عن ركائز كبرى في فلسفة وزير خارجيتها يومذاك، أحمد داود أوغلو، التي ظلت ناظمة للسياسة الخارجية التركية منذ نجاح «حزب العدالة والتنمية» في حيازة أغلبية برلمانية مريحة. بين تلك الركائز مبدأ تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط؛ وليس الاقتصار على علاقات أنقرة التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، أو البقاء في أسر التلهف على عضوية الإتحاد الأوروبي. ركيزة ثانية هي خيار «الدرجة صفر في النزاع» مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية.
وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة»، واليوم «نعرف أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها’، كما ساجل داود أوغلو في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي».

كذلك، على الصعيد الاقتصادي، ظلّت تركيا حريصة على إدامة ميزان تجاري رابح تماماً بالنسبة إلى أنقرة، وخاسر على نحو فاضح من الجانب السوري، بلغ 2,5 مليار دولار في سنة 2010، بزيادة تقارب 43 بالمئة، وكان يُنتظر له أن يتجاوز خمسة مليارات في السنتين اللاحقتين.
الصادرات التركية كانت تشمل المعدّات الكهربائية، والوقود المعدني، والزيوت النباتية والحيوانية، والبلاستيك، ومنتجات الصناعات التحويلية والمؤتمتة، ومشتقات البترول المصنعة، والمنتجات الكيماوية، والإسمنت، ومنتجات الحديد والصلب، وصناعة القرميد والبلاط، والمنتجات الجلدية، والأخشاب، والقمح، والدقيق، والسمن النباتي، والملابس الجاهزة… الاستثمارات التركية في سوريا بلغت أكثر من 260 مليون دولار، واحتلّت الشركات التركية المرتبة الأولى من حيث عدد المشاريع التابعة لجهات أجنبية… ولقد اتضح، طيلة أسابيع الانتفاضة، أنّ كبار التجار الأتراك تكاتفوا مع كبار التجّار السوريين، في حلب ودمشق بصفة خاصة، لإبقاء العاملين في مؤسساتهم بمنأى عن الحراك الشعبي، حتى إذا كلّفهم ذلك سداد تعويضات إضافية ومغريات مادية مجزية.
ومن جانب آخر، تغاضى النظام السوري عن شحّ مياه نهر الفرات بسبب تغذية السدود التركية المتزايدة، وتعاونت الأجهزة الأمنية السورية مع الأجهزة الأمنية التركية في تعقّب أنصار «حزب العمال الكردستاني»، الـ
PKK؛ الذين كان النظام السوري يزوّدهم بالسلاح ومعسكرات التدريب حتى عام 1998، بل وحدث مراراً أنّ أجهزة النظام سهّلت قيام الأتراك بعمليات إغارة على القرى السورية المحاذية للحدود مع تركيا، بهدف اعتقال أولئك الأنصار. الأهمّ من هذه الاعتبارات الاقتصادية، الجيو ـ سياسية بامتياز ايضاً، أنّ النظام السوري أقرّ، ضمنياً، بالسيادة التركية التامة على لواء الإسكندرون، وهو منطقة سورية واسعة قامت تركيا بغزوها سنة 1938، قبل أن تسلخها سلطات الانتداب الفرنسية عن الجسم السوري، وتضمّها إلى تركيا.
في المستوى الإيديولوجي، لم يكن «حزب العدالة والتنمية» يملك الكثير من هوامش المناورة في ضبط مشاعر جماهيره وناخبيه، وغالبيتهم الساحقة من المسلمين السنّة، إزاء ما يرتكبه النظام السوري من مجازر وأعمال وحشية، وخاصة في مواقع ذات قيمة عاطفية ورمزية عالية مثل مدينة حماة، فضلاً عن دمشق التي تظلّ «الشام الشريفة» في ناظر الجمهور التركي العريض. وكيف للفريق التركي الحاكم أن يسكت عن جرائم النظام السوري، فيضحّي بما اكتسبته تركيا من شعبية واسعة في الضمير العربي العريض، بسبب الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزّة، وانسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس، ومأثرة «أسطول الحرية»، وسواها؟
وهكذا، لم تكن مصادفة أنّ تركيا استضافت غالبية المؤتمرات التي عقدتها بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج، من جهة أولى؛ وأنّ مقرّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين السورية قد انتقل من عمّان ولندن إلى اسطنبول، من جهة ثانية؛ وأنّ رجال أعمال سوريين معارضين للنظام لأنهم تضرّروا من سياساته، من أمثال آل سنقر، صاروا يجدون راحة أكبر في إطلاق المبادرات من أنقرة، بدل القاهرة أو طرابلس (لبنان)، من جهة ثالثة. وهكذا، لم يكن صحيحاً أنّ المنابر التركية (وهي، في نهاية المطاف، ليست حكومية أو رسمية البتة) لا تشرع أبوابها إلا للإسلاميين، كما تردّد مراراً؛ إذْ شهدت المؤتمرات واللقاءات ولجان العمل حضور سوريين من مشارب شتى، من أهل اليمين واليسار والوسط، المتديّن فيهم مثل العلماني، والماركسي مثل الليبرالي، فضلاً عن التنويعات الإثنية والدينية والمذهبية كافة. هنا ولد «المجلس الوطني»، ومثله ولد «الائتلاف»…
تتوغل تركيا اليوم في الأراضي السورية ليس اعتماداً على جيشها الجرار وحده، بل عن طريق زجّ مجموعات عسكرية سورية أشرفت وزارة الدفاع التركية على إنشائها وتدريبها وتسليحها، ضمن مساحات شاسعة تمتد من جرابلس إلى ديريك (المالكية)، على مبعدة أمتار من حقول النفط السورية في رميلان.
وهكذا فإنّ عملية «نبع السلام» تعيد تظهير خيارات أردوغان القديمة، ولكن تحت صفة الاحتلال العسكري المباشر، الذي يمهّد للضمّ بموجب الأمر الواقع… أياً كانت التسميات الوردية والشاعرية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

هل يغرد جيش السودان

خارج سرب العسكرتاريا العربية؟

صبحي حديدي

 

ثمة الكثير الذي يغري، وينفع الناس أغلب الظنّ، في إجراء دراسة موثقة محكّمة تقارن بين سلوكيات جيوش الأنظمة العربية إزاء انتفاضات الشعوب، منذ 2011 وحتى الساعة؛ ابتداءً من تونس وليبيا ومصر واليمن، وانتهاءً بالبحرين وسوريا والجزائر والسودان. بعض خلاصات دراسة كهذه سوف تسرد قواسم مشتركة عديدة بين عسكرتاريا الأنظمة هذه، في رأسها التشبث بالسلطة وكراهية تسليمها أو تناقلها، ورفض مغادرة القصور الرئاسية مع احتلال الثكنات في آن معاً، وتكريس عبادة السلاح وتقديس “جيش الوطن”. كما ستسرد فوارق، بعضها ملموس وبعضها صارخ، في مدى استعداد كلّ جيش لإراقة الدماء وتخريب البلاد واستخدام أيّ وكلّ سلاح فتاك ضدّ الشعب.

من جانبي، شخصياً، لا أتردد في منح جيش النظام السوري، وتحديداً خلال49 سنة من حكم آل الأسد، بشراكة عوائل الاستبداد والنهب والفساد المعروفة؛ قصب السبق في الوحشية والبربرية والعنف العاري، وفي فقدان حسّ الانتماء إلى الوطن، والانحياز في المقابل إلى العائلة والعشيرة والطائفة أوّلاً وأخيراً. ما من جيش لأيّ من الأنظمة السالفة، بما في ذلك جيش العقيد الملتاث معمر القذافي، اقتلع أظافر الأطفال وأطلق النار على المتظاهرين العزّل منذ الساعات الأولى لاندلاع التظاهرات السلمية؛ وبالتالي للمرء أن يتخيّل، محقاً بالطبع، مآلات جميع الانتفاضات العربية لو أنها جوبهت بجيوش على غرار جيش حافظ وبشار وماهر الأسد.

وتلك دراسة تنفع، راهناً، في قراءة مشهد السودان بعد أن أعلن وسيط أثيوبيا ومنظمة الوحدة الأفريقية التوصّل إلى مسودة لوثيقة اتفاق نهائي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرّية والتغيير، يتوجب أن تشمل الإعلانين السياسي والدستوري، كما يتوجب أن تنظّم مسارات الحكم في مستوياتها السيادية والتنفيذية والتشريعية. ومن الخير، هنا، التشديد على مدلولات الفعل “يتوجب”، إذْ أنّ التوقيع على الوثيقة تأجل من الخميس إلى مساء أمس السبت، وليس من المؤكد أن سلسلة القضايا العالقة (مهلة إرجاء تشكيل المجلس التشريعي، النسبة المئوية لقوى “الحرّية والتغيير” بالقياس إلى نسبة العسكر في عضوية المجلس، شخصية رئيس الوزراء، مرجعيات السلطة التنفيذية، مواقف الأحزاب خارج الكتل الستّ التي تشكّل مجموعة “الحرّية والتغيير”، التحقيق في مجزرة فضّ الاعتصام…)؛ سوف تجعل التوقيع سلساً وميسّراً وآمناً.

وحتى لو تمّت مراسم التوقيع، بالأحرف الأولى كما يتردد، وشهد عليها مندوبو دول عربية وأفريقية ودولية، وأقيمت الاحتفالات بانتصار تمهيدي لانتفاضة شعبية سلمية تجاوز عمرها الفعلي الأشهر الستة؛ فإنّ الأسئلة الأخرى، المنبثقة من الباطن العميق لإرث العسكرتاريا العربية وتقاليدها، سوف تظلّ قائمة ومطروحة وملقاة مثل حجر ثقيل على منضدة المستقبل: هل يمكن للجيش السوداني أن يفعلها، فيغرّد خارج سرب الجيوش العربية، وينحني أمام الإرادة الشعبية؟ وهل يفعل ذلك، حقاً، وهو وريث دكتاتوريات عسكرية وانقلابية متعاقبة لم تكن ثلاثة عقود من سلطة عمر حسن البشير سوى أحد فصولها؟ ومَن الذي سيفعلها: أمثال عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو وسواهما من الضباط الأعلى إخلاصاً لشخص البشير حتى عهد قريب، والأشدّ انتماءً اليوم أيضاً إلى الإرث الانقلابي إياه؟ وما معنى الإعلان عن إحباط محاولة انقلاب عسكرية في هذا الظرف الراهن تحديداً، قبيل ساعات على توقيع مسودة الوثيقة؟

نعرف، في كلّ حال، أنّ المجلس السيادي المزمع تشكيله سوف يحكم لمدّة تزيد قليلاً عن ثلاث سنوات، وفي عضويته سوف يحضر العسكر بعديد ملحوظ، والأهمّ من هذا أنهم سوف يحافظون خارج المجلس على سطوة الجيش دون أيّ مساس بحجمه أو قوّته أو صلاحياته؛ يستوي في هذا أن تبقى بعض الكتائب في صيغتها النظامية، أم يواصل بعضها الآخر صفة الميليشيا الجنجويدية على شاكلة “قوات الدعم السريع”.

ونعرف، استطراداً، أنّ جنرالاً شبّ على الانقلاب، سوف يحلو له المشيب عليه خلال المرحلة الانتقالية!

 

 

أبعد من ترامب:

الشعبوية ومآزق

الديمقراطيات الغربية

صبحي حديدي

 

منذ السطور الأولى يعلن محررو كتاب «الشعبوية وأزمة الديمقراطية»، غريغور فيتزي ويورغن ماكيرت وبريان ترنر، وجميعهم أساتذة علوم اجتماع وسياسة في جامعة بوتسدام؛ أنه «ما من خطر يهدد الديمقراطيات الغربية بالمقارنة مع صعود شعبوية اليمين»، وأنه إذا كانت الشعبوية قد لعبت دوراً متزايداً منذ تسعينيات القرن الماضي، فإنّ العواقب الاجتماعية للأزمة المالية العالمية سنة 2008 هي التي منحت التيارات الشعبوية نقلة أسفرت عن «بريكست» في بريطانيا، وانتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة.
وهذا الكتاب، الذي صدر مؤخراً عن منشورات روتلدج في لندن ونيويورك، يقتصر في جزئه الأوّل على تحديد المفاهيم وتصويب مدلولاتها، على نحو بالغ الصرامة في الواقع؛ إذْ أنّ أولى الأسئلة في هذا المضمار ذاك الذي يتساءل ببساطة: هل ثمة شيء اسمه الشعبوية بالفعل، وما كنهه على وجه التحديد. أسئلة أخرى، يتناولها باحثون متخصصون، تستكشف إشكاليات تعريف الشعبوية، وصلاتها المباشرة وغير المباشرة بالسياسة، والمقاربات النظرية في موازاة الاستقصاءات العملية والتطبيقية، والبُعد الانتخابي في نشوء أو ثبات أو صعود الشعبوية، والروابط الإيديولوجية التي تجمع، وأحياناً تفرّق، مختلف التيارات الشعبوية، ثمّ أقنية الاتفاق والاختلاف مع مدارس اليمين التقليدية في قلب الديمقراطيات الغربية.
والحال أنه ما كان للكتاب أن يصدر في توقيت أكثر ملاءمة من هذه الأيام، الآن إذْ أطلق الرئيس الأمريكي حملة ترشيحه لولاية رئاسية ثانية؛ وانتهت مآزق الـ»بريكست» بالمحافظين البريطانيين إلى خشبة إنقاذ بائسة اسمها بوريس جونسون، الكاذب والمخادع وشبه المهرّج. كذلك فإنّ نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة أتت بنتائج للتيارات الشعبوية، وضمنها فئات اليمين المتطرف والعنصري، ليست مسبوقة بهذه المعدّلات في التصويت واتساع الرقعة الجغرافية. غير أنّ هذه كلها ليست سوى علائم السطح وحده، لأنّ السويّة الأخطر للظاهرة الشعبوية/ اليمينية المتطرفة إنما تكمن في مكوّنات الباطن العميق الاجتماعي ــ الاقتصادي والسياسي، غير المنفصل عن قرائنه التاريخية والثقافية أيضاً.
يتوجب، بادئ ذي بدء، تسجيل نقطة خلاف مبدئية مع خلاصة الكتاب التي تعزو انتخاب ترامب والـ»بريكست» إلى صعود الشعبوية؛ إذْ أنّ ترامب، حتى إذا لاح بالفعل أنه نموذج صارخ وفاضح للشعبوية المعاصرة، ليس أوّل الشعبويين في لائحة رؤساء أمريكا، والمنطق البسيط يتيح القول بأنه قد لا يكون الأخير. ألم يكن انتخاب جورج بوش الابن، في دورتين رئاسيتين وليس واحدة فقط، بمثابة تجسيد صريح لطراز من الشعبوية الأمريكية، عنوانه فقدان الاقتراع الشعبي في الرئاسة الأولى، وحيازتها بالضربة القاضية وبفارق أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت في الرئاسة الثانية؟ ألم يُدخل أمريكا في حرب خارجية بذرائع كاذبة، فاحتلّ العراق تحت لواء «حملة صليبية» وبهدي من محافظين جدد عتاة وصقور زرعوا بذور الشعبوية وأتاحوا حصادها في سجن «أبو غريب» ومعتقل غوانتانامو؛ كلّ هذا قبل أن تُفتضح أكذوبة أسلحة الدمار الشامل؟

السؤال يضرب بجذوره في أعماق التأزّم الرأسمالي الراهن بين أقطاب اقتصاد السوق أنفسهم، وعلى صعيد مؤسسات مالية كبرى مثل صندوق النقد أو البنك الدولي، أسوة بمؤسسات عسكرية عليا مثل الحلف الأطلسي

وعلى الضفة الأخرى من المحيط، في بريطانيا، ألم يكن رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، شريك بوش في الحملة الصليبية إياها، وفي صناعة الأكاذيب والنفاق الشعبوي؛ هو السابق الذي كان من الطبيعي أن يعبّد الطريق أمام اللاحق، بوريس جونسون، رغم انتمائهما إلى قطبَيْ التنافس التقليديين في الحياة السياسية والحزبية البريطانية؟ في عبارة أخرى، أيّ فارق جوهري بين اشتغال أمثال جونسون، اليوم، على الرهاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ودغدغة المشاعر القوموية، وتغذية حسّ الانغلاق خلف المانش والمحيط؛ وبين انضمام بلير إلى فريق الحرب الأمريكي، بصفة تابع عملياً، وتأجيج الأحقاد الإمبراطورية القديمة، واستنهاض «القِيَم» الأنغلو ــ سكسونية ضدّ شعب لم تكن مصادفة محضة أنه مستعمرة بريطانية سابقة، وليس البتة ضدّ نظام أياً كانت خطاياه؟
طريف مع هذا، ولافت جدير بالتأمل، أنّ السجالات النظرية والأكاديمية حول المعضلات التي تجابهها الديمقراطيات الغربية اليوم، لم تعد تستسهل الاستناد على «الثوابت» التي قيل إنها ولدت مع انهيار جدار برلين؛ سواء تلك التي جزمت بانتهاء التاريخ، على غرار ما فعل فرنسيس فوكوياما؛ أو تلك التي تحيل سرديات الصراع الكوني الكبرى إلى صدام الحضارات، كما بشّر صمويل هنتنغتون؛ أو مدارس اختزال الصراعات الاجتماعية، على مستويات محلية أو كونية، إلى ثنائيات بائسة وكسيحة بين ليبرالية كلاسيكية وأخرى جديدة، أو اقتصاد سوق واقتصاد دولة. السجالات اليوم، وتشخيص الأخطار الكبرى ضدّ الديمقراطيات الغربية، يدور حول أمثال ترامب في أمريكا، ونايجل فراج في بريطانيا، ومارين لوبين في فرنسا، وفكتور أوربان في هنغاريا، وماتيو سالفيني في إيطاليا.
نحن، إذن، على مبعدة من تلك الأحقاب التي شهدت التبجيل الغنائي للنظام الرأسمالي بعد تفكيك نظام القطبين وانتصار المزيج السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تكاتف في صنعه رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر، ثمّ حيازة الرمز الأيقوني الأعظم بسقوط جدار برلين وقَرْع أجراس انتصار الرأسمالية الختامي.
يومذاك قيل لنا، بل فُرض علينا، التسليم بأنّ الاختراع الغربي للرأسمالية ـ وكذلك للعلم والأنوار والديمقراطية الليبرالية… ـ يتقدّم حثيثاً لاجتياح العالم القديم والعالم الحديث في آن معاً، ما قبل الحرب الباردة وما بعدها، ما قبل الحداثة وما بعدها، ما قبل التاريخ وما بعده؛ خالياً تماماً، ومعافى، من أمراض القومية والانعزال والقيود، بعد أوبئة الشيوعية والنازية والفاشية. فماذا عن الشعبوية؟ السؤال ذاته لم يُطرح بصيغة الحذر أو التخوّف، فما بالك بالإنذار والخطر، كما يحدث اليوم؛ في أربع رياح الديمقراطيات الغربية.
غير أنّ الاعتلال الشعبوي، كي لا يتحدث المرء عن وباء يستشري وينتشر ويستوطن، لا يقتصر على تيار شعبوي بالقياس إلى خصومه على الضفاف الأخرى، يمينية كانت أم يسارية أم في الوسط؛ بل هو يتصارع داخلياً أيضاً، ويتفكك في سيرورة الصراع ذاتها، ويفرز بالضرورة شعبوية أقلّ أو أكثر، وتطرفاً «معتدلاً» أو أقصى، وتكاملاً في هذا كلّه أو تنافراً. خذوا «الجبهة الوطنية» في فرنسا على سبيل المثال، التي أنشأها جان ــ ماري لوبين في سنة 1972، ثمّ انقسمت على يد برونو ميغريه في سنة 1998، وأطاحت بالمؤسس على يد ابنته مارين في سنة 2011 وهي التي تقود الحركة اليوم تحت اسم «التجمع الوطني»؛ ليس من دون انشقاق آخر يتزعمه فلوريان فيليبو الناطق باسم الحزب، و«حرد» أشبه بالانشقاق تقوده ماريون ماريشال حفيدة المؤسس وأوّل نائبة للحزب. كلّ هذا التاريخ الانقسامي دار حول أفضل التكتيكات، وليس الستراتيجيات، لاكتساب شعبوية أكثر ضمن سقوف الثوابت التي لا تنازل عنها.
وهكذا فإنّ سؤال الشعبوية يضرب بجذوره في أعماق التأزّم الرأسمالي الراهن، بين أقطاب اقتصاد السوق أنفسهم، وعلى صعيد مؤسسات مالية كبرى مثل صندوق النقد أو البنك الدولي، أسوة بمؤسسات عسكرية عليا مثل الحلف الأطلسي، بحيث يبدو المشهد وكأنه ينسف تماماً صورة الظفر التي شاعت مطلع تسعينيات القرن المنصرم. على العكس، تبدو المشاهد أقرب إلى استعادة طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ «ما قبل» في السرديات الكبرى للحضارة الغربية؛ ابتداءً من اليونان القديم، ومنافستها روما القديمة، مروراً برحلة كريستوفر كولومبوس وعصر الأنوار والحداثة، وصولاً إلى أورلاندو ـ فلوريا: حيث تُبّح الحناجر في الهتاف بحياة كبير الشعبويين: دونالد ترامب.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

كلينتون وترامب

على مسارح الكونغرس

صبحي حديدي

 

في منتصف الأسبوع الماضي نشرت الـ«الغارديان» البريطانية مراجعة دايڤيد جون تايلور لكتاب جديد وقّعه دوريان لينسكي وصدر مؤخراً تحت عنوان «وزارة الحقيقة: سيرة رواية جورج أرويل ‘1984’». وفي تصدير مراجعته هذه، أشار تايلور إلى أنّ مبيعات الرواية قفزت بنسبة 9,500٪ (على ما يحتويه هذا المعدّل من شطط منطقي في قياس آلاف على مئة!)؛ وذلك في مناسبة تسلّم دونالد ترامب مهامّ رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد لا يكون الأمر جديداً، أو مفاجئاً تماماً، إذا استعاد المرء التاريخ «العريق» الذي يجمع بين أمريكا وهذه الرواية تحديداً، ابتداء من أنساق استغلالها الكثيرة، المبتذلة في معظمها، خلال عقود الحرب الباردة؛ مروراُ بانقلابها إلى مادّة دائمة على جداول أعمال المكارثية، في لجان الكونغرس بصفة خاصة؛ وليس انتهاءً بلجوء المخابرات المركزية إلى توظيفها، في ميادين شتى. كذلك لن يكون جديداً التذكير بقفزات أخرى دراماتيكية حققتها مبيعات الرواية خلال مراحل إحالة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى اللجنة القضائية في الكونغرس، على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي.
يومذاك، كانت المناخات حافلة بكلّ ما يوفّره المسرح من دراما سياسية وبوليسية وقضائية، فبات المواطن الأمريكي، المتوسط والقياسي، يصل الليل بالنهار وهو يكدّس معرفة كاملة الشفافية (نقيض تلك الأرويلية التي تسردها «1984»)؛ حول تفاصيل الحياة الجنسية لرئيسه الحبيب، الذي انتخبه مرّتين. كل شيء، تقريباً: أيّة فانتازيا جنسية تستهويه أكثر، أيّ شعر إيروسي يلهب مخيّلته، أيّ الأماكن هي الأنسب للغرام، أيّ الأوقات، أيّ الثياب… وآنذاك تحدّث البعض عن الأبعاد النفسية الأعمق وراء هذا السعار الجماعي المحموم لهتك الأستار الحميمة، وأتيح لنا أن نقرأ بعض كبار المنظّرين الليبراليين وهم يذكّرون الدهماء بأن تفاصيل الحياة الشخصية مكوّن أساسي في صناعة الوجود الإنساني المتمدّن (كما ينبغي أن يُقارن بالوجود الإنساني البربري، في الأدغال على سبيل المثال!).
فإذا صحّ أنّ مراسم تسلّم ترامب مهامّ رئيس القوّة الكونية الأعظم قد عادت برواية أرويل إلى واجهة المكاتب، فتسللت مجدداً إلى سويداء هواجس ذلك الأمريكي إياه، القياسي المتوسط؛ فإنّ الصحيح الرديف هو أنها تؤوب اليوم إلى صدارة القراءات، ليس بصدد الجدل حول نشر تقرير المحقق الخاص روبرت موللر، منقحاً أم كاملاً؛ بل في ضوء ما يتردد من مشاريع حول إمكانية محاكمة ترامب بتُهَم عديدة، على رأسها عرقلة العدالة. الزمن بين كلينتون وترامب تغيّر كثيراً، بالطبع، وحجم استهانة الأخير بالقوانين المرعية والتحايل عليها لا يقبل المقارنة في الحدود الدنيا؛ إقراراً لحقيقة واقعة، وليس إنصافاً لشخص كلينتون. فهل تغيّر هوس ذلك المواطن الأمريكي، أو تبدّل شغفه؟

لن يكون جديداً التذكير بقفزات أخرى دراماتيكية حققتها مبيعات الرواية خلال مراحل إحالة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى اللجنة القضائية في الكونغرس، على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي.

رئيس اللجنة القضائية في الكونغرس الحالي، جيرولد نادلر، ديمقراطي هذه المرّة؛ وليس جمهورياً، كما كانت الحال مع هنري هايد، كبير «المدراء» الذين أداروا الاتهام حول فضيحة لوينسكي. لكنّ سلسلة خصال شخصية تبدو وكأنها تساوي بين الرجلين، لجهة وطأة العمر والشيخوخة، وحسّ البلاغة الكلاسيكية، وتعب الذاكرة، والنسيانات المتكررة، والانضباط بالروتين القضائي والتمسّك برطانته… بيد أنّ ترامب، بالمقارنة مع كلينتون، محظوظ والحقّ يُقال، على صعيد أي مقارنة بين نادلر الراهن وهايد الراحل؛ وشتان بين عضوَيْ الكونغرس هذين، من حيث الشطارة والمهارة و… الأداء المسرحي!
كان هايد ذرب اللسان، تراجيديّ المحيّا، دائم التهدّج، تكاد العبرات تفيض من عينيه كلما اعتلى المنبر ليشرح هذه أو تلك من حيثيات إدانة كلينتون. وكان لا يكفّ عن الاستعانة بعبارة من الروائي الأمريكي وليم فوكنر تارة، ومن قصائد وليام شكسبير أو ديلان توماس طوراً («أعطونا الحقيقة، وسنمضي لطفاء، في الليل اللطيف»، كان يردّد)؛ من نصوص «العهد القديم» حيناً (والوصايا العشر بصفة خاصة)، وخُطَب عظماء أمريكا الأسلاف حيناً آخر.
غير أنّ هذا كلّه أمر مختلف عن سمة أخرى كبرى في شخصية هايد: أنه كان الدكتور جيكل أيضاً، تماماً كما في رواية ر. ل. ستيفنسون الشهيرة، حيث ينشطر الآدميّ إلى كائنين متناقضين، خيّر وشرير. ذلك لأنّ هايد كان رجل فضائح مالية وسياسية وقانونية، وسبق للكونغرس أن أوصى بتغريمه مبلغ 850 ألف دولار، عقاباً له ولعدد من زملائه على إهمالهم الشديد في متابعة مسؤوليات إحدى اللجان، الأمر الذي كلّف دافع الضرائب الأمريكي خسارة 68 مليون دولار! وفي عام 1983 هبّ للدفاع عن زميله وابن حزبه دانييل كرين، الذي ثبتت عليه إقامة علاقة جنسية مع وصيفة في الكونغرس عمرها 17 سنة: «التراث اليهودي ــ المسيحي يقول: أمقتوا الخطيئة، وأحبّوا الخاطىء»، هتف هايد… متهدج الصوت، كالعادة!
وفي مقالة مسهبة، نشرتها مجلة «نيويوركر» تحت عنوان «1984 أرويل وأمريكا ترامب»، شرح آدم غوبنك طرائق ترامب في ممارسة الكذب: «إنه يكذب، ثمّ يكرّر الكذبة، ومستمعوه إمّا أن يجبنوا فزعاً، أو يتلعثموا غير مصدّقين، أو يحاول بعضهم معرفة إمكانية تحويل الكذبة لصالحهم». وعلى نحو أو آخر، يذكّر ترامب بما كان أرويل قد أصاب في تشخيصه: محاربة الكذبة لا تصبح أكثر خطورة فقط، بل ببساطة أكثر إرهاقاً من تكرارها!
ولا مناص من مسرح، إذن، وبلاغة جوفاء، وجعجعة بلا طحن!

(القدس العربي) لندن

 

لم تَسْخُن بين واشنطن

 وطهران إلا لتبترد؟

 

صبحي حديدي

 

يتصفح المرء القسم الدولي في موقع صحيفة “نيويورك تايمز” ليوم أمس، السبت 18/5/2019؛ فيجد خبر الصدارة مخصصاً للانتخابات في أستراليا، ثمّ مادة عن احتمالات الإرهاب داخل مجموعة “المهاجرون” في بريطانيا، وثالثة عن خيبة أمل الصينيين في أمريكا كطرف تجاري، ثمّ انهيار فنزويلا من وجهة نظر أهل الاقتصاد… الخبر الإيراني (أنّ أوروبا تُبلغ واشنطن ألا يُحسب حسابها في أية مواجهة أمريكية مع طهران)، يأتي في الترتيب السابع، وبعد تقرير عن صفقة السلام في كولومبيا، وآخر عن الاقتصاد التركي.

ذلك مؤشر جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار، حتى إذا أصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيف أخبار هذه الصحيفة؛ إذْ كانت، وتبقى في الواقع، حاضنة أبرز التسريبات وأبكرها حول التسخين العسكري الراهن في الخليج العربي، وأسباب انتقال البيت الأبيض إلى مستوى دراماتيكي في حشد الحاملات والفرقاطات والقاذفات الستراتيجية. فهل يعني تراجع أنباء التوتر العسكري بين واشنطن وطهران أنّ السخونة أخذت تبترد تدريجياً، لتبقى في حدود التراشق الكلامي والمناوشات اللفظية، خاصة من جانب ضباط “الحرس الثوري” الإيراني؟

إنه في كلّ حال لا يعني أنّ أيام التوتير، القصيرة نسبياً في الواقع، انقضت من دون أن تسدي خدمات ملموسة لأولئك الذين تقصدوا ضبط إيقاعها على هذا النحو، تحديداً ربما، وفي واشنطن أكثر بكثير من طهران عملياً. ففي المقام الأوّل، ليس مبالغة الافتراض بأنّ أمثال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، خرجوا من الاختبار بحصيلة ملموسة حول الحدود القصوى لردود الأفعال الإيرانية، عسكرياً أوّلاً وفي مياه الخليج تحديداً، ثمّ ستراتيجياً على مستوى تصعيد التهديد بالإنابة (عن طريق الميليشيات التابعة) ضدّ القوات الأمريكية في العراق، وضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان. وكانت الحصيلة، ببساطة واختصار: جعجعة بلا طحن!

كذلك اختُبرت جيوب إيران المختلفة في المنطقة، وكيف يمكن أن تدخل على خطّ التوتير بين واشنطن وطهران، على نحو غير لفظي، هذه المرّة؛ وما إذا كانت قمينة بتولّي مواجهات عسكرية فعلية بالإنابة، تربك انتشار القطعات العسكرية الأمريكية في المنطقة من دون أن تستدعي تورطاً إيرانياً عسكرياً مباشراً. هنا أيضاً، اقتصر الاختبار على “تخريب” ناقلات النفط الراسية في الفجيرة، واستهداف بعض المنشآت النفطية السعودية بطائرات مسيّرة؛ وتلك حصيلة رمزية، رغم ما انطوت عليه من اختراقات أمنية غير مسبوقة.

وقد يكون الاختبار الأبرز لخيارات الإنابة هو ذاك الذي شهده العراق، ليس بوصفه سلّة النفوذ الإيراني الإقليمية الأولى في المنطقة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الميليشيات التابعة هناك تخضع لإدارة “الحرس الثوري” مباشرة، في نماذج كثيرة؛ ولأنّ بعضها، ثانياً، مندمج قانونياً في تركيب الجيش العراقي النظامي؛ ولأنّ الكثير منها لا يعمل على نطاق العراق وحده، ثالثاً، بل هو منتشر خارجه كذلك. ولقد اتضح، بأسرع مما كان يُظنّ في الواقع، أنّ الاجتماع السياسي العراقي غير مهيأ لفتح البلد ساحة اصطراع إيرانية ــ أمريكية، في ضوء إلى الاشتباك المعقد لتواجد البلدين على أرض العراق؛ وأنّ أحد أبرز عناصر ذلك الاجتماع كان موقف حوزات شيعية كبرى، شاءت النأي بنفسها عن التصعيد العسكري رغم بقائها في حال جلية من التعاطف مع طهران ومناوءة واشنطن.

ويبقى أنّ مبتدأ التسخين كان الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية ضدّ طهران، وأنّ أحد أهدافها غير المعلَنة كان استدراج القيادة الإيرانية إلى فخّ التراجع عن بعض بنود الاتفاق النووي، الأمر الذي يدقّ إسفيناً في علاقات طهران مع رعاة ذلك الاتفاق. من نافل القول، إذن، أنّ تراجع أخبار الاحتقان العسكري إلى مراتب خلفية ليس سوى علامة، بين أخرى مقبلة أغلب الظنّ، على أن جرعات الابتراد أو التبريد باتت سيدة اللعبة.

 

 

القوتلي وعبد الناصر

والآلهة السورية

صبحي حديدي

 

في سنة 1961، ضمن واحد من مقالات «بصراحة» التي اعتاد نشرها في «الأهرام» المصرية، روى محمد حسنين هيكل أنّ شكري القوتلي (1891 ــ 1967)، الرئيس السوري يومذاك، وجّه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر العبارة التالية، تعليقاً على توقيع اتفاقية الوحدة بين البلدين في شباط (فبراير) 1958: «أنت لا تعرف ماذا أخذت ياسيادة الرئيس! أنت أخذت شعباً يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد خمسون فى المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 فى المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة فى المائة على الأقل أنهم آلهة».
للتذكير، بادئ ذي بدء، كتب هيكل مقالته تلك بعد وقوع الانفصال، في أيلول (سبتمبر) 1961، وكان استطراداً يبرئ ساحة عبد الناصر وزعماء مصر الآخرين إزاء صعوبات حكم الشعب السوري؛ إذْ كيف يمكن، حقاً، حكم شعب له هذه المواصفات الخارقة، والخرقاء! العبارة، ثانياً، وعلى جري عادة هيكل في سرد أقاصيص جرت بين أموات ولم يعد يشهد على صدقها سواه، لم تجرِ على لسان القوتلي أغلب الظنّ؛ فلا سند يثبت صحتها أوّلاً، كما أنها لا تشبه شخصية الرجل سلوكاً وخطاباً ثانياً، ولا تقترب البتة من أيّ من آرائه النقدية في أبناء بلده.
الطريف، مع ذلك، أنها عادت إلى أذهان بعض المتابعين الغربيين للملفات السورية المعاصرة، خاصة بعد انطلاقة الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011؛ وباتت أقرب إلى «مسطرة» تُقاس على معطياتها معضلات قراءة المشهد السوري الراهن، سياسة واجتماعاً وعلم نفس وتربية وثقافة ومزاجاً… توماس هيغهامر، الباحث المخضرم في «مؤسسة أبحاث الدفاع» النرويجية، يصف العبارة بأنها «اقتباس خالد»، متناسياً (أم لعلّه لم يدرك البتة) مقدار التنميط السطحي والغبي في تصنيفات كهذه؛ خاصة إذْ تأتي من هذا الرجل تحديداً. نيكولاس فان دام، مؤلف «الصراع على السلطة في سوريا: السياسية والمجتمع تحت حكم الأسد والبعث» ومؤخراً «تدمير أمّة: الحرب الأهلية في سوريا»، يتواضع قليلاً فيرتاب في أنّ العبارة منتحلة، لكنه يحيل المعجبين بها إلى كتّاب سيرة القوتلي!

ثمة نزوع استشراقي مبطّن، يسعى إلى ترسيخ «حقيقة» أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً.

وسوى الطرافة، ثمة نزوع استشراقي مبطّن، أو هو صريح مكشوف لدى الكثيرين في الواقع، يسعى إلى ترسيخ «حقيقة» أخرى نمطية خالدة، حول واحد من أكثر شعوب الشرق الأوسط انغماساً في السياسة؛ شاءت أقداره أن تستبدّ به عائلة طغيان وفساد واستئثار عائلي وطائفي، اشتغلت منهجياً على قتل السياسة في النفوس، طوال نصف قرن تقريباً. وهذه، إذن، خلاصة تبيح القول إنّ حافظ الأسد، وبعده وريثه بشار، ورهط مجرمي الحرب والقتلة واللصوص والأزلام الذين شاركوهما السلطة على نحو أو آخر، بلغوا المرحلة الراهنة من تدمير سوريا لأنّ البلد استعصى قبلهم على القوتلي، ثمّ على عبد الناصر، فكيف لا يستعصي على آل الأسد أيضاً!
ولعلّ هذه مناسبة لاستعادة واحدة من أنصع الصور الفوتوغرافية وأندرها، ليس في تاريخ سوريا الحديث وحده، بل في تاريخ العرب أيضاً كما أجيز لنفسي القول. الصورة تعود إلى عام 1955، وتحديداً يوم 6 أيلول (سبتمبر)، وتُظهر رجلين يتبادلان التوقيع على وثيقة من نسختين: الأوّل هو هاشم الأتاسي (1875 ــ 1960) رئيس الجمهورية آنذاك، والثاني هو القوتلي رئيس الجمهورية المنتخب، وأمّا الورقة التي تبادلا التوقيع عليها فهي وثيقة انتقال السلطات الدستورية. ألا يصحّ الافتراض بأنّ هذه الممارسة، الديمقراطية والحضارية والراقية، باتت اليوم غريبة على أبصار العرب وأسماعهم في مشارق أرضهم ومغاربها؛ وافتقدتها ــ إذْ لم يحدث أنها تكرّرت مراراً في حياة ــ الأجيال العربية بعد ذلك التاريخ؛ حين استولى أصحاب العروش والتيجان والقبعات العسكرية على مقاليد الأمور، وتراجعت السياسة إلى الباحة الخلفية، أو قبعت في الزنازين، أو تلقفتها المنافي هنا وهناك؟
للصورة فتنة أخرى زاهية الألوان غير جمالياتها بالأبيض والأسود، يصنعها نصّ تلك الوثيقة التي جاء في سطورها: «جرى انتقال السلطات التي خوّلها الدستور لحضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي إلى حضرة صاحب الفخامة السيد شكري القوتلي الذي انتخبه مجلس النوّاب رئيساً للجمهورية (…)، وقد شهد ذلك صاحب الدولة الدكتور ناظم القدسي رئيس مجلس النواب والأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء والسيد وجيه الأسطواني رئيس المحكمة العليا…». وبالطبع، لا يفوتكم ملاحظة ترتيب السلطات الثلاث الشاهدة على التوقيع: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية!
وللتذكير بسجايا الرجل الذي اختزل قامته أمثال هيكل ونفر المستشرقين الهواة، يُشار إلى قول آخر مأثور أطلقه في وجه ونستون تشرشل حين اجتمع به في السعودية، فخاطبه بعد أن التفت إلى البحر القريب: «شعبنا لن يكبّل وطنه بقيد العبودية والذلّ والاستعمار حتي لو أصبحت مياه هذا البحر الزرقاء حمراء قانية». هذا إلى جانب أنه تخلى طواعية عن منصبه كرئيس للجمهورية السورية، منتخب ديمقراطياً ومحبوب من شعبه وصاحب حظوة واحترام في العالم، مقابل تحقيق الوحدة السورية ــ المصرية.
لكنّ أطرف ما في حكاية هيكل أنّ عبد الناصر، الألمعي اللماح، لم يتملكه الفضول فيسأل عن الفئة التي يضع القوتلي نفسه فيها: الزعماء أم الأنبياء أم الآلهة!

(القدس العربي) لندن

 

سؤال القرن أم حلم طوباوي:

هل تعود الاشتراكية حقاً؟

صبحي حديدي

في كتابه الجديد «هل خسر الغرب»، الذي يضيف مفردة «استفزاز» كعنوان فرعي للكتاب، يساجل السنغافوري كيشور محبوباني، الأكاديمي والدبلوماسي السابق، بأنّ الرهانات التي خسرها الغرب منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ليست كثيرة ومتعددة فقط؛ بل هي حمّالة تبعات جسيمة عابرة للعقود، وعابرة للمفاهيم والتصورات التي يصنفها الغرب اليوم في باب المسلّمات والبديهيات. المتغيّر الأكبر في تباشير القرن الراهن كان التالي، من وجهة نظره: منذ السنة 1 وحتى 1820 ميلادية، كانت الأمّتان الأبرز على صعيد الاقتصاد العالمي هما الصين والهند. بعد ذلك فقط تمكنت أوروبا، لتلتحق بها أمريكا بعدئذ، من الهيمنة؛ إلا أنّ تفوّق هذين القطبين في الأداء أمام الحضارات الأخرى ظلّ نسبياً، وهو اليوم يشهد تراجعاً أقرب إلى النكوص، ومقادير متفاوتة من الركود كذلك.
والكاتب الألماني يوخن بيتنر، المحرر السياسي لصحيفة «دي تسايت»، يقتبس محبوباني في التعليق على ظاهرة الحنين إلى الاشتراكية، التي أخذت تزحف بتؤدة منهجية إلى قلب الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، وخاصة منظمات الشبيبة فيه. وقبل أيام استضافته صفحة الرأي في «نيويورك تايمز» حول هذا الموضوع، فكتب مقالة بعنوان «لماذا تعود الاشتراكية إلى ألمانيا؟»؛ تناول فيه بصفة خاصة تصريحات كيفن كوهنيرت زعيم منظمة الشباب في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني حول طراز «النيو ــ اشتراكية» كما يرى الأخير أنها باتت ضرورة تاريخية في ألمانيا المعاصرة. فلننسَ الاشتراكيات الأمريكية كما يدعو إليها أمثال بيرني ساندرز أو ألكساندرا أوكازيو كورتيز، ينصحنا بيتنر، فاشتراكية كوهنيرت، ابن الـ29 سنة، تذهب نحو الصميم: السيطرة الديمقراطية على الاقتصاد، واستبدال النظام الرأسمالي وليس إعادة ضبطه أو تعديل معاييره.
ولا يتردد كوهنيرت في الحديث عن إجراءات أقرب إلى التأميم بخصوص شركات مثل
BMW، حيث يتوجب على العمال أن يمتلكوا فيها حصصاً حقيقية وفعلية وفاعلة، فمن دون حلول مثل هذه «لا يمكن التغلب على الرأسمالية»، يقول الرجل. وأمّا بخصوص الأنظمة العقارية، فإنّ كوهنيرت لا يستوعب شرعية «نموذج في البزنس ينطوي على كسب العيش عن طريق مساحة معيش أناس آخرين. لكلّ امرئ الحقّ في امتلاك مساحة معيش خاصة به يسكن فيها». لا شرعية، كذلك، لفحوى نظام رأسمالي قائم على المعادلة التالية: «سباق يشرع فيه ملايين الناس، فلا يصل إلى خطّ النهاية سوى قلائل، يصرخون على اللاهثين في الخلف أنه كان في وسعهم بلوغ نهاية السباق!».
أسباب المعلّق السياسي الألماني في تفسير هذا التطلّع إلى الاشتراكية، داخل الشرائح الشبابية في بلده ألمانيا، تبدأ من حيث يشاء إفراغ الظاهرة من مضامينها الاجتماعية، رغم أنّ هذه المضامين تحديداً هي جوهر أيّ تجسيدات فعلية على الأرض لما يحلم به القيادي الشابّ في الحزب الاشتراكي الديمقراطي. بيتنر يتحدث، مثلاً، عن إغواء مواجهة ردّ فعل ما، على شاكلة الزعم بانتصار الرأسمالية ونهاية التاريخ وسيادة السوق؛ بردّ فعل معاكس، هو الحنين إلى اشتراكية ديمقراطية مختلفة عن أنظمة المعسكر الاشتراكي البائد، واستعادة نبض التاريخ. بل هو يعود إلى الآباء المؤسسين للنظام الاقتصادي في ألمانيا الغربية، في الحزب الديمقراطي المسيحي سنة 1947 مثلاً، ممّن اعتبروا أنّ «النظام الاقتصادي الرأسمالي لا يخدم مصالح الشعب الألماني». لهذا فقد بُنيت ألمانيا الغربية على فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث يجري تثمين التنافس الفردي، وفي الآن ذاته يُجبر الأثرياء على معاضدة الأقلّ حظاً.

واليوم، في عيد العمّال العالمي، وفي قلب اعتمالات اجتماعية ــ سياسية صاخبة ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية

بمعزل عن هذا، وسواء اتخذت حكاية عودة الاشتراكية إلى ألمانيا صفة الحلم الطوباوي (نقيض «الحلم الأمريكي» البغيض، كما يساجل كوهنيرت)، أو باتت سؤال القرن بامتياز؛ فإنّ ظواهر الخلل في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة لا تخفي على ذي بصيرة، ولا ينكرها أو يتنكّر لمفاعيلها كبار أساطين التفكير الرأسمالي الاقتصادي والاجتماعي الراهن. وفي الوسع العودة إلى عقدين سابقين في عمر الرأسمالية المعاصرة، ثمّ ضرب المثال من اقتصاديات الشطر الآسيوي في النظام الرأسمالي، وليس الغربي وحده (الذي سوف تكفيه الأزمة الكبرى لأصول المصارف والرهون العقارية لسنة 2007).
ففي عام 1997 كانت شركة «يامايشي» للسندات والأسهم والمضاربات قد أعلنت إفلاسها (وعلى نحو دراماتيكي جدير بأكثر تراجيديات وليام شكسبير توتراً ومأساة، إذْ ظهر المدير التنفيذي للشركة في نقل حيّ على الهواء، وانخرط في بكاء مرير، معلناً الإفلاس). تلك كانت الشركة التي احتلّت المرتبة الرابعة في لائحة كبرى بيوتات السندات المالية الخاصة في اليابان، وعراقتها تعود إلى عام 1897، ولها فروع في 31 عاصمة رأسمالية، بكادر من المستخدمين يتجاوز 7000 موظف. ذلك كله لم يحصّنها ضدّ سلسلة من الفضائح المالية، وسلسلة ثانية من تقلبات أسعار الأسهم، وسلسلة ثالثة من صعوبات تأمين التمويل؛ الأمر الذي أفضى إلى خسارة صافية مقدارها 25 مليار دولار أمريكي، وإلى إعلان الإفلاس والإغلاق.
وفي معظم أطراف المعسكر الرأسمالي المعاصر (إذْ لا يزال يستحقّ صفة «المعسكر»، حتى مع غياب المعسكر الاشتراكي النقيض)، في فرنسا كما في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان؛ تتابع أخلاقيات السوق العيش وفق قواعد «ثقافة الرضى» حسب تعبير المفكر الاقتصادي الكبير جون كينيث غالبرايث. إنها جسم إيديولوجي اجتماعي ـ اقتصادي يلبس لبوس الديمقراطية (حين لا تكون هذه خيار مجموع المواطنين، بل أداة أولئك الذين يقصدون صناديق الاقتراع دفاعاً عن امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية)؛ وتفرز أجهزة حكم لا تنطلق في تطبيقاتها السياسية من مبدأ التلاؤم مع الواقع والحاجة العامة، بل من طمأنة الخلايا الدقيقة المنعمة والراضية، التي تصنع الأغلبية الناخبة. والفكر الاجتماعي الرسمي من حول هذه الثقافة لا يلحّ على قضية أخرى قدر إلحاحه على الطبقة، أو بالأحرى على غياب مفهوم الطبقات. وبدلاً من هذا التوصيف الكابوسي الذي يرجّع أصداء الماضي، يلجأ ذلك الفكر إلى البلاغة؛ فيتحدث في أمريكا عن «الطبقة السفلى»
Underclass، وفي فرنسا عن الذين «بلا عنوان دائم» SDF، وفي بريطانيا عن «المشردين» Homeles. لكنّ المحتوى في جميع الأحوال يصف ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، ويصف طبقات جديدة، وأخرى عتيقة.
لكنّ الموقف من الزمن التاريخي (أي ذاك الذي يرتد إلى الماضي من المستقبل، مروراً بالحاضر) هو إحدى السمات المكوّنة في لاهوت ثقافة الرضى التي تحدث عنها غالبرايث. إنها لا تنكر التأزّم (حيث يتعذر الإنكار)، لكنها تسعى إلى تأجيل الفعل اللازم لحلّه، وتنحّي جانباً كلّ ما يثير الاضطراب: مظاهرات، إضرابات، نتائج انتخابية تقلب المعادلات الراسخة رأساً على عقب… واليوم، في عيد العمّال العالمي، وفي قلب اعتمالات اجتماعية ــ سياسية صاخبة مثل «السترات الصفراء» في فرنسا، وبعد مرور أكثر من عقد ونصف على النظريات التي تبشّر ببزوغ فجر الرأسمالية واقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد؛ ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي تبدو المساحة الدلالية بين الحلم الطوباوي وسؤال القرن وكأنها تعيد إحياء، أو لعلها تعيد التحريض على التفكير في، نبوءة ماركس الرهيبة: حول برجوازية لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

مجزرة سريلانكا وأسئلة

الإرهاب غير الكلاسيكية

صبحي حديدي

 

ما الذي يدفع اثنين من أبناء محمد يوسف إبراهيم، أحد مليارديرات سريلانكا وتاجر البهار والتوابل الأبرز في البلد، إلى حمل عبوة ناسفة وتفجيرها في كنيسة اجتمع رعاياها للاحتفال بعيد الفصح؟ وأية سلسلة معقدة من الحوافز، إذْ لا يعقل أنها أحادية الطابع، دينية متطرفة أو تستمدّ عناصرها من مظلومية إثنية وتاريخية، شاءت لهذَين المنعمَين برغد العيش وأرفع الدراسة وأهنأ البال وأدفأ الحياة العائلية، أن يختارا صيغة انتحار «جهادي» أو «استشهادي» تودي بحياة عشرات الأرواح البريئة؟ وهل تكفي الخلاصة المعتادة، الصائبة مع ذلك، التي تشير إلى أنّ الإرهابي أعمى، وأنّ الانتحاري لا يُبصر إلا ما يُزيّن له من مثوبات وغنائم في الحياة الآخرة التي تعقب إزهاق روحه بيديه؟
هي أسئلة كلاسيكية أثارتها «مجزرة الفصح» الأخيرة في كنائس وفنادق على امتداد الجزيرة، وستظلّ تثيرها مجازر الإرهاب المماثلة هنا وهناك في العالم؛ حيث يبقى البحث عن إجابات ملموسة مسقوفاً بالاعتبارات الكلاسيكية ذاتها، التي يحدث مراراً أنها تحجب فرصة الذهاب أبعد نحو الجذور، واستقصاء الظاهرة من زاوية التعليلات الخارجة عن التقليدي والمستعاد والمتكرر. على سبيل المثال الأوّل، لماذا ضرب الإرهاب الكنائس المسيحية وليس المعابد البوذية، رغم أنّ تاريخ المظالم بحقّ المسلمين يشير بالاتهام إلى أتباع الديانة الثانية، وليس الأولى؟ سؤال آخر يمكن أن يتوقف عند التوقيت، وما الذي يمكن أن تخدمه هذه الرسالة الوحشية الدامية، في هذه المرحلة من حياة سريلانكا، أو ربما في هذا الطور من واقع الإسلام والمسلمين في شرق وجنوبي شرق آسيا إجمالاً؟ وأخيراً، هل ثمة بالفعل مقدار من حسّ الضحية لدى إنصاف وإلهام، نجلَيْ ملياردير البهار والتوابل، على وجه التحديد؛ يكفي لاقتيادهما إلى هذه الدرجة القصوى من إراقة الدماء؟
للمرء أن يبدأ من حقيقة تاريخية، أو بالأحرى اجتماعية ــ تاريخية، مفادها أنّ عمر الجالية المسلمة في سريلانكا يعود إلى 1000 عام على الأقلّ؛ أياً كانت تصنيفات هذا الإسلام: أصول تعود إلى التجار العرب، أو تنويعات على إسلام شبه القارّة الهندية، أو مجرّد ديانة منفصلة إثنياً عن الغالبية السنهالية ومختلطة من جانب آخر مع أقلية التاميل. التفصيل الأهمّ في هذا أنّ العلاقات بين البوذية والإسلام، وبين السنهالية والإسلام التاميلي استطراداً، ظلت قائمة على وئام وسلام حتى أواخر القرن التاسع عشر، مع دخول عاملَين حاسمين على الواقع السريلانكي: الاستعمار البريطاني، ثمّ صعود النظام الإقطاعي على خلفية ما أقامته السلطات الاستعمارية من شبكات ولاء وامتيازات. في أيار (مايو) سنة 1915 سوف تقع أولى أعمال العنف الإثنية بين البوذيين السنهاليين والمسلمين، ولسوف تتكرر في سبعينيات القرن المنصرم، وكان انتهاء الحرب الأهلية (1983 ــ 2009) بانتصار الجيش السريلانكي واستسلام «نمور التاميل» فرصة سانحة لنهوض تيارات بوذية متطرفة وضعت استهداف المسلمين ضمن سلّة مطالب قومية ومذهبية وهوياتية.

ما الذي يمكن أن تخدمه هذه الرسالة الوحشية الدامية، في هذه المرحلة من حياة سريلانكا، أو ربما في هذا الطور من واقع الإسلام والمسلمين في شرق وجنوبي شرق آسيا إجمالاً؟

غير أنّ تاريخ سريلانكا الحديثة الذي يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر هو أيضاً، كما يشير م. أ. نعمان أستاذ دراسات التاميل في جامعة بيرادينيا، تاريخ تطوّر الوعي الإثني وصراعات الأقليات: بين السنهال، والتاميل، والمسلمين. ولعب الدين، إلى جانب اللغة، أدواراً رئيسية في التشكيلات الإثنية خلال مراحل الاستعمار وما بعد الاستعمار؛ حيث كان لكلّ من الناطقين باللغة السنهالية أو التاميلية أقليات فرعية في صفوف البروتستانت والكاثوليك والبوذيين والمسلمين، وتشكلت على أساس ذلك مجموعة لغوية سنهالية تضمّ البوذيين والمسحيين معاً، ومجموعة لغوية تاميلية تضمّ الهندوس والمسيحيين. هذا فضلاً عن لجوء النًخب السياسية والاقتصادية، الإقطاعية على وجه الخصوص، إلى توظيف العوامل الدينية واللغوية في استقطاب الجماعات الإثنية وممارسة مختلف أنساق الهيمنة والاستغلال. هذه الفسيفساء الغنية، والمتزاحمة المتنافسة في آن معاً، خضعت لاعتبارات شتى في عقود ما بعد الاستقلال، وأسفرت عن انحيازات أعلى توتراً واحتقاناً بعد انتهاء الحرب الأهلية، وشيوع الفساد وحكم العائلات.
كذلك يصحّ وضع حال المسلمين في سريلانكا ضمن خريطة أوسع، تشمل مظالم أشدّ وطأة في الواقع، تبدأ من الروهينغا في ميانمار، ولا تنتهي عند مسلمي المالاوي في تايلاند. وهنا أيضاً يُثار تساؤل منطقي: ألم يكن حرّياً بحاضنة الإرهاب أن تترعرع في أوساط مسلمي هاتين الفئتين، بدل ما شهدناه من نماذج التشدد الجهادي والتطرّف العقائدي لدى زهران هاشم و«جماعة التوحيد الوطنية» في سريلانكا؟ الإجابة تصبح نافلة، في واقع الأمر، لأنّ خريطة هذا الطراز من الإرهاب الجهادي لا تبدأ من السؤال المنطقي، ولهذا فإنها لا توفّر إجابة منطقية من أيّ نوع؛ وفي هذا الإطار من البحث عن جذور الظاهرة، وخلفياتها السياسية والاجتماعية العابرة للمؤثر العقائدي والآصرة الإثنية. بهذا المعنى فإنّ استهداف الكنائس، والفنادق التي استقبلت «المحتفلين بعيدهم الكفري» حسب بيان «داعش» الذي أعلن تبنّي المذبحة، ليس له من معاني المظلومية أو ثأر الضحية إلا النزر القليل والصلة الواهية.
وهكذا يتوجب أن تعيدنا هذه الحال إلى ما يشبه «كتلة منطق» مبسطة تحكم كلّ واقعة إرهابية، ربما مع استثناءات جدّ محدودة وقليلة ونادرة: 1) أنّ الضربة الإرهابية لا تميّز، قبل التنفيذ وخلاله وبعده، بين «بريء» و«مذنب»، أياً كانت الدلالة التي يقرنها التنظيم الإرهابي بهاتين المفردتين؛ ولكنها 2) لا توحّد بالضرورة، ولا تقيم موازنات انسجام أو حتى تنافر، بين هذا أو ذاك من الأيدي المنفذة، ممّن يلتقون حول الوسيلة والغاية من دون تباين أو تلاقٍ في عناصر الاجتماع والثقافة والتجنيد العقائدي. لهذا فإنّ السؤال الكلاسيكي، حول دافع نجلَيْ ملياردير التوابل والبهار في الانتحار وإزهاق الأرواح، يصبح غير ذي معنى في مستوى تشخيص الجريمة؛ لكنه يحمل الكثير من المعنى، والإلحاح والضرورة، في مستوى الذهاب نحو الجذور. قبل مظالم مسلمي آسيا، وقبل تسيّد أسامة بن لادن و«القاعدة» و«داعش»، ضرب الإرهاب في عشرات الأماكن، واختلطت ــ في قراءة نوازعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية… ــ تفاصيل التربية العائلية والحياة اليومية والسلوك العام والأمزجة النفسية والنزوعات الفكرية والثقافية، وما إليها.
وبالطبع، في وسع المرء أن يعدّ، فلا يستنفد مهما أحصى، سلسلة الجرائم التي ارتكبتها «داعش» في العراق، أوّلاً، ثمّ في سوريا بعدئذ؛ وأن يسرد مجلدات في جرائم هذه المنظمة الإرهابية، وفظائعها ومباذلها؛ وأن يختار من سجلّها الحافل أية واقعة شنيعة، مهما خفّت بشاعتها، لكي يستخلص أنّ «داعش» ليست من الإسلام في شيء، وأنها ـ على نقيض تامّ ممّا تعلن ـ ظهيرة الطغاة وأنظمة الاستبداد والفساد. ليس هذا هو المطلوب الملحّ، مع ذلك، على أهمية ممارسته دائماً، ودون كلل أو ملل. ما يُطلب على نحو أهمّ، وأشدّ إلحاحاً، هو التيقّظ على العوامل المختلفة، السياسية والاجتماعية والثقافية، التي أتاحت صعود «داعش»، وتتيح وضعها في القلب من معظم سيناريوهات التخريب والتفكيك والتقسيم، فضلاً عن التجهيل والاستغلال والتحريف، التي يتعرّض لها الاجتماع الوطني في كلّ من العراق وسوريا على حدّ سواء.
وليس أسهل من إدانة الإرهاب الأعمى، والتضامن مع الضحايا، وتأثيم «داعش» وسواها بأشنع الألفاظ. الأجدى، في المقابل، والأصعب بالطبع، هو محاولة اختراق دماغ إنصاف وإلهام محمد يوسف إبراهيم، السريلانكيَين اللذين انتبذا عن المليارات مسافة دامية قصوى، وذهبا إلى سفك الدماء البريئة دون أن يرفّ لهما جفن. هنا مكمن الأسئلة غير الكلاسيكية، التي تضرب عميقاً في الجذور، ولا تكتفي بخدش السطوح وحدها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

أفي شلايم

ومراثي تشييع الصهيونية

صبحي حديدي

 

تحت عنوان «بنيامين نتنياهو وموت الحلم الصهيوني» احتلت مقالة أفي شلايم، المؤرّخ الإسرائيلي البريطاني من أصول عراقية، صدارة الصفحة الأولى في صحيفة «نيويورك تايمز»، أمس؛ وشاء التحرير استكمال الطابع الدرامي، الذي انطوى عليه العنوان أصلاً، فأضاف الاقتباس الاستهلالي التالي: «آباء إسرائيل المؤسسون يتقلبون في قبورهم». ورغم أنّ هذه النبرة النقدية والاتهامية الحادّة ضدّ نتنياهو، واليمين الإسرائيلي القوموي والديني إجمالاً، ليست جديدة على شلايم (مؤلف «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي» كما تشير الصحيفة، وقبله «تواطؤ عبر نهر الأردن» و»سياسة التقسيم» و»الحرب والسلام في الشرق الأوسط» كما تجدر الإضافة)؛ فإنّ خلاصات المقالة، المستمدة جوهرياً من فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ليست جديدة تماماً: لا بمعنى جديد شلايم نفسه، أوّلاً؛ ولا جديد دولة الاحتلال، ثانياً وأساساً.
منذ عشرينيات القرن الماضي، يساجل شلايم، انقسمت الحركة الصهيونية إلى مجموعتين طرحت كلّ منهما أفكاراً متنافسة حول الدولة اليهودية: الأولى ليبرالية، جسّدها دافيد بن غوريون، الأب المؤسس، قائد حزب العمل، ورئيس الوزراء الأطول عهداً في المنصب؛ والثانية يمينية، قادها زئيف جابوتنسكي، مؤسس «الصهيونية التنقيحية». الأوّل، حسب شلايم دائماً، جسّد «الحلم الصهيوني الليبرالي بدولة يهودية حرّة، مستقلة متساوية»؛ والثاني طالب بـ»دولة يهودية قوموية تفرض سيادتها على كامل الأراضي بين ضفتي نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط». وأمّا نتنياهو، الذي يوشك على تجريد بنغوريون من لقب رئيس الوزراء الأطول ولاية، فإنه يدشن انتصار «الصهونية التنقيحية» بعد 100 عام على ولادتها، لكنه في واقع الأمر أكثر محافظة وتطرفاً من المؤسس جابوتنسكي؛ لأنّ الأخير آمن، على الأقلّ، بطراز من «عدم الاكتراث المهذّب» تجاه المطامح الوطنية للفلسطينيين، وأمّا الأوّل فإنه يعتمد تجاههم مبدأ «العداء النشط المتعنت».
وبمعزل عن واقعة ولاية نتنياهو الخامسة، التي أسقطت بن غوريون عن عرش الديمومة الأطول، فهل نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة هي المناسبة الأولى، أو حتى الأبرز، لتشييع ما يُسمّى «الحلم الصهيوني» إلى مدافن التاريخ؟ وما ذاك الحلم، في المقام الأوّل؟ وهل تجاوز حقاً صياغاته الفلسفية، أو حتى تنظيراته السياسية، على أيدي «يسار» الصهيونية أو «اليمين» فيها، أو حتى ما يُشاع أنه «الوسط»؟ يحقّ للمرء أن يستذكر، هنا، وبصدد «الآباء» المؤسسين، مكانة أحدهم، أو آخر ممثليهم في الواقع، شمعون بيريس: صانع البرنامج النووي الإسرائيلي، والآمر بقصف ملجأ قانا (في جنوب لبنان، ربيع 1996)، ومفوّض جهاز الـ»شاباك» باغتيال النشطاء الفلسطينيين («المهندس» يحيى عياش، مثلاً)، والشريك في حكومة أرييل شارون… من جانب أوّل؛ وصاحب نظرية «الشرق الأوسط الجديد»، و»شيخ» ما يُسمّى «معسكر السلام»، وحامل نوبل للسلام، من جانب آخر. بِمَ اختلف، في ذلك النزوع المتأصل إلى ممارسة الإرهاب العاري، عن جميع «ملوك إسرائيل الجدد»، ابتداءً من دافيد بن غوريون وغولدا مائير وموشيه دايان ومناحيم بيغن، وليس انتهاء بأمثال إسحق رابين ونتنياهو وإيهود باراك وشارون…؟
أم نعود أبعد في تاريخ دولة الاحتلال، فنذهب (مع شلايم أيضاً، وليس مع مؤرّخ إسرائيلي آخر أكثر نزاهة مثل إيلان بابيه) نحو بن غوريون نفسه، مؤسس «الحلم» دون سواه؛ لجهة أوهام «فريق الاستشراق» الذي هيمن على تفكيره وصاغ معه أبكر حلقات التعنت الإسرائيلي تجاه التوسع والاستيطان والسلام ومنظور «الدولة اليهودية» (في دراسة بعنوان «مقاربات متصارعة في علاقة إسرائيل مع العرب، بن غوريون وشاريت، 1953 ــ 1956»، نُشرت سنة 1983). بعد ثلاث سنوات، سوف ينشر شلايم بحثاً متميزاً بعنوان «حسني الزعيم وخطة إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا»، تؤكد أن الزعيم وفّر للحكومة الإسرائيلية فرصاً عديدة للتوصل إلى تعايش سلمي بعيد المدى؛ رُفضت جميعها انطلاقاً من قناعة بن غوريون أنّ انقلاب الزعيم كان لعبة بريطانية (واتضح لاحقاً، عند مايلز كوبلان في «لعبة الأمم»، أنّ اللعبة كانت من صنع المخابرات المركزية الأمريكية).
أم نستذكر غولدا مائير، ابنة حزب العمل، ورابع رؤساء الحكومة الإسرائيلية، وأوّل امرأة تتولى المنصب؛ التي اعتادت الشكوى من أنّ المحاور العربي غير موجود، وأنها مستعدة دائماً للقاء أيّ زعيم عربي لبحث السلام؛ حتى شاعت، حينذاك، نكتة تقول إنّ مغسلة مائير مفتوحة أمام المفاوضات 24 ساعة يومياً. لكنها كانت صاحبة العبارة الشهيرة «يمكننا أن نسامح العرب على قتلهم أطفالنا، ولكن لا يمكننا أن نصفح عنهم لإجبارهم إيانا على قتل أطفالهم»؛ والتي وقفت ذات يوم قبالة شاطئ العقبة، وقالت: «إنى أشمّ رائحة أجدادى في خيبر».

إنّ نتائج الانتخابات الأخيرة لا تمنح نتنياهو رقماً قياسياً في الحكم، ولا تشكّل استفتاءً إسرائيلياً على شعبية أفكاره وسياساته، فحسب؛ بل هي أيضاً النعوة الأحدث عهداً لحزب العمل، الحاضنة التاريخية للخطّ «العلماني» في الفلسفة الصهيونية

كانت مائير واجهة جيل من يهود أوكرانيا تقاطروا على «موطن الحلم»، لكي ينقلبوا إلى صنّاع كابوس سوف يهيمن سريعاً، وحتى الساعة، على وجدان غالبية ساحقة من مهاجرين شذّاذ آفاق؛ اغتصبوا أرض فلسطين وأقاموا المستوطنات وفقدوا تدريجياً آخر الأوهام حول الـ»كيبوتز» بوصفه تجسيد الفردوس الصهيوني في أرض الميعاد. ولم تكن مراسلاتها مع أنور السادات، على طريق إبرام اتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974، سوى طبعة ما بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 من ذلك المزيج الدائم بين بن غوريون وجابوتنسكي.
رئيس الوزراء القتيل إسحق رابين كان جنرالاً أقطع الصهاينة من أرض فلسطين ما لم يتوفر حتى للملك داود والملك سليمان، وبفضله تمكن الحاخامات من التجوال في بطاح اعتبر أنبياء إسرائيل أنّ الربّ منحها لهم إلى الأبد. وإلى جانب تعاليمه في سحق عظام» الفلسطينيين أثناء الانتفاضة الأولى، فإنّ قارىء مذكرات رابين يدرك أنه، مثل السواد الأعظم من الإسرائيليين يميناً ويساراً، كان يبغض الانفكاك عن حدود 1967 وما تستثيره في الوجدان اليهودي من غبطة ومشاعر قيامية. وقد استخدم تعبير «نهار العمر كله» في وصف تلك البرهة الأكثر قداسة ورهبة وغبطة في السنوات الـ45 التي انصرمت من عمره، حين توجّه في 7 حزيران (يونيو) 1967 برفقة وزير الدفاع موشيه دايان لزيارة الحائط الغربي في القدس: «يسهل عليّ أن أسترجع المشاعر التي انتابتني ساعتئذ، ولكن يصعب كثيراً أن أترجم تلك المشاعر إلى كلمات. الحائط كان وما يزال واحداً من معالم أمجاد الاستقلال اليهودي في غابر الأزمان. حجارته تمتلك قوّة مخاطبة قلوب اليهود في العالم بأسره، وكأنّ الذاكرة التاريخية للشعب اليهودي استقرّت في في شقوق مكعباته».
هؤلاء نماذج أربعة من حزب العمل، أو الرهط الذي يوحي شلايم أنه رفع راية «الحلم الصهيوني»، ثمّ جاء أبناء جابوتنسكي وأحفاده لكي يشيعوا إلى المدافن الإسرائيلية كلّ ما روّج له ذلك الحلم من «ليبرالية» و»مساواة»؛ فلا تبرهن سجلاتهم، على امتداد تاريخ دولة الاحتلال، بما هو أكثر سوءاً من سجلات أقرانهم في صفوف اليمين والأحزاب المتدينة. لهذا فإنّ نتائج الانتخابات الأخيرة لا تمنح نتنياهو رقماً قياسياً في الحكم، ولا تشكّل استفتاءً إسرائيلياً على شعبية أفكاره وسياساته، فحسب؛ بل هي أيضاً النعوة الأحدث عهداً لحزب العمل، الحاضنة التاريخية للخطّ «العلماني» في الفلسفة الصهيونية. لقد واصل هذا الخطّ هزائمه المتعاقبة، وانتقل من مأزق إلى آخر، منذ أيار (مايو) عام 1977، حين مُني بهزيمة تاريخية ماحقة جاءت بحزب الليكود واليمين القومي والديني المتطرف إلى السلطة، للمرّة الأولى في تاريخ دولة الاحتلال.
فعلام، إذن، يفترض شلايم أنّ «الآباء المؤسسين» يتقلبون في مقابر تلك الصهيونية العتيقة، التي سادت… وعلى أيدي أنبيائها بادت!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

نتنياهو الولاية الخامسة:

بين سرطان وخدش في القدم

صبحي حديدي

 

ليس من المبكر التثبّت من قيمة هدايا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتننياهو، في فوز الأخير بولاية خامسة على التوالي خلال انتخابات الكنيست الأخيرة؛ إذْ أنّ هذا التأثير لم يكن هو الفارق، أصلاً، في ترجيح كفّة التحالف اليميني/ الديني الذي سوف يقوده نتنياهو، من موقع تحكّم أفضل وليس أسوأ. وعلى المنوال ذاته يجوز أن تُقرأ هدية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل، القتيل في معركة السلطان يعقوب في لبنان، 1982: تساعد قليلاً في تلميع صورة نتنياهو، لكنها ليست ــ مثل هدايا ترامب أيضاً ــ «بيضة القبان» التي رجحت كفة الولاية الخامسة.
في المقابل، كانت هدايا نتنياهو إلى نفسه، وإلى الأحزاب التي سوف تتحالف معه (من قبيل إعلان العزم على فرض السيادة الإسرائيلية في مناطق من الضفة الغربية لا تشمل أراضي المستوطنات وحدها، بل تذهب أبعد وأوسع)؛ أرجح كثيراً في نفس الناخب الإسرائيلي القياسي، وأعمق تأثيراً وسطوة. وهذه حال تعيد إلى الذاكرة تأويلات المؤرّخ الإسرائيلي ميرون بنفنستي، على سبيل المثال فقط، لما أطلق عليه صفة «كارثة إسرائيلية» تجسدها سيرورات ضخّ النزوعات الإيديولوجية في كلّ مناحي الحياة الإسرائيلية، السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية: «حين سيكتب المؤرّخ وقائع الكارثة ذات يوم، سوف يُتاح له على الأقلّ أن يضع هامشاً أسفل الصفحة يقتبس فيه مراثي أنبياء القيامة ممّن ساروا على درب الكارثة».
وفي وسع المرء أن يذهب إلى ليكودي، أمريكي هذه المرّة، هو دانييل بايبس الذي رأى «فلسفة» الهدايا من زاوية خاصة تماماً، شديدة الارتباط بجدليات العلاقات الأمريكية ــ الإسرائيلية؛ أي الصهيونية المسيحية، ليس في عهد ترامب وحده، للإيضاح المفيد، بل طوال عهود سابقة وإدارات متعاقبة. ومنذ مطالع رئاسة باراك أوباما، ورغم أنه أشبعه شتماً وقدحاً، اعتبر بايبس أنّ هذا الطراز من الصهيونية هو «أفضل أسلحة إسرائيل»، بالنظر إلى أهمية مواقف اليمين الأمريكي المسيحي المتعاطف مع دولة الاحتلال، وكيف يتبنى هذا الصفّ مواقف متشددة تبدو خيارات بعض الساسة الإسرائيليين «حمائمية» تماماً إلى جانبها.
تفسيره البسيط، أو التبسيطي تماماً في الواقع، يقول إنّ هذا النسق السياسي ــ الفلسفي، الذي عبّر ويعبّر عنه أمثال غاري باور وجيري فالويل وريشارد لاند، يعود بجذوره إلى العصر الفكتوري في بريطانيا، وإلى العام 1840 حين أوصى وزير الخارجية اللورد بالمرستون بأن تبذل السلطات العثمانية كلّ جهد ممكن من أجل تشجيع وتسهيل عودة يهود أوروبا إلى فلسطين. كذلك كان اللورد شافتزبري هو الذي، في العام 1853، نحت العبارة الشهيرة في وصف فلسطين: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض». غير أن ما يتحاشى بايبس الوقوف عنده هو السؤال التالي: لماذا لا يكون حماس هؤلاء هو الوجه الآخر لفتور معظم الحماس الصهيوني عند الصهاينة، وميلهم إلى اعتناق فكر بديل، نازي أو عنصري؟ ولماذا لا يكون رجال من أمثال شمعون بيريس وإيهود باراك وأرييل شارون وإيهود أولمرت ونتنياهو… أكثر راحة وهم يتمترسون خلف «عقلية نازية مضمرة»، من راحتهم وهو يتصرفون كصهاينة؟

الارتباط العاطفي بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بلغ درجة فاقعة صارخة فاضحة، تستدعي وضع كتاب كامل يرصد محطاتها منذ العام 1947

وذات يوم غير بعيد واجه نتنياهو تهمة الخيانة من هاجي بن ــ أرتزي، شقيق زوجته، والقيادي البارز في «الحزب الديني القومي»، أو (المفدال)، الذي حلّ نفسه وانضمّ أعضاؤه إلى حزب ديني متطرف آخر، هو «البيت اليهودي». «حين يكون المرء مصاباً بالسرطان، فإنه لا يكترث بخدش في القدم»، كتب بن ــ أرتزي؛ قاصداً بالسرطان الخطر النووي الإيراني، وبالخدش فكرة الحلّ القائم على دولتين، إسرائيلية وفلسطينية. وهذا اليهودي اليميني المتدين المتشدد، الذي يقيم في مستوطنة بيت إيل عن سابق قصد وتصميم، يرفض خيار الخدش، ويعلن أنّ إقدام صهره نتيناهو على القبول به سوف يجعل من الأخير خائناً بحقّ التوراة، ليس أقلّ!
خلال الحقبة ذاتها، وفي تعليقه على زيارة نتنياهو الأولى إلى الولايات المتحدة خلال رئاسة أوباما، شاء الكاتب الإسرائيلي اليساري جدعون ليفي أن يتمنى على الرئيس الأمريكي الاقتداء بسلفه الأسبق ريشارد نكسون في إنقاذ دولة الاحتلال؛ مع فارق حاسم بالطبع: الأخير أنقذها من الجيوش العربية سنة 1973، والأوّل ينبغي أن ينقذها من… نفسها! والحال أنّ سلسلة التطوّرات السياسية الإسرائيلية الداخلية التي أعقبت توقيع اتفاقيات أوسلو (اغتيال رابين، انتخاب نتنياهو في غمرة تحقير شمعون بيريس، انتخاب إيهود باراك وتحقير نتنياهو، انتخاب شارون وتحقير باراك، ثمّ انتخاب نتنياهو وتحقير «كاديما» وباراك معاً…)؛ لم تكن إلا سبيل الإسرائيليين في التأكيد على أنّ نسبة ساحقة منهم لم تخرج من شرنقة الانعزال العتيقة.
ومن محاسن أقدار الصهر والنسيب معاً، وسوء طالع ليفي، أنّ أوباما لم يحرج ضيفه نتنياهو إلى أيّ مستوى قريب من ارتكاب الخيانة، أو الخدش في القدم، يومذاك؛ فاكتفى بالعموميات والتأتأة الدبلوماسية في كلّ ما يخصّ الحقوق الفلسطينية، وصال وجال في البلاغة والخطابة، مشدداً على التزامه المطلق بأمن «إسرائيل، الدولة اليهودية». ولقد بدا أنّ أوباما ونتنياهو قد اتفقا، ضمن صيغة مكتومة من التواطؤ المكشوف، على تناسي ما دار بينهما من حديث أثناء زيارة أوباما إلى إسرائيل؛ حين كان الأخير محض مرشّح للرئاسة، وكان نتنياهو زعيم حزب «ليكود» الطامح إلى هزيمة «كاديما». آنذاك، كما روى نتنياهو للصحافة، انزوى الرجلان بعيداً عن الحشد، فقال الأوّل للثاني: «أنت وأنا نشترك في الكثير. لقد بدأتُ على اليسار وانتقلتُ إلى الوسط. وأنت بدأتَ على اليمين وانتقلتَ إلى الوسط. كلانا براغماتي يرغب في إنجاز الأمور».
الهدايا، إذن، ليست «عينية» بالضرورة بين دولة الاحتلال وأصدقائها الخلّص، في البيت الأبيض كما في الكرملين؛ إذ سبق لها أن اتخذت صفات رمزية «فلسفية»، أو توراتية/ مسيحية/ صهيونية، أو سلوكية وذاتية لها صفة «الهوى» الشخصي المحض كما هي عليه اليوم حال ترامب. وفي قلب السجلّ الكوني لعربدة الولايات المتحدة على صعيد العلاقات الدولية، تظلّ الروابط الأمريكية ــ الإسرائيلية حجر زاوية، حيث يجري التضامن على مبدأ نصرة الحليف ظالماً أو مظلوماً. وذات يوم بعيد هذه المرّة ــ في سنة 1796! ــ حذّر الرئيس الأمريكي جورج واشنطن الأمّة الأمريكية من الانخراط في «ارتباط عاطفي» مع أية أمّة أخرى؛ لأنّ «ذلك سوف يخلق وهماً عامّاً بوجود مصلحة مشتركة، والحال أنه لا توجد مصلحة مشتركة بين الأمم». بعد أكثر من قرنين ارتأى جورج بول (الدبلوماسي المخضرم، وأحد أبرز مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي) أنّ هذا الارتباط العاطفي بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بلغ درجة فاقعة صارخة فاضحة، تستدعي وضع كتاب كامل يرصد محطاتها منذ العام 1947.
ولقد نصح الساسة الأمريكيين باعتماد مبدأ المثلّث في تمحيص العلاقة، بحيث يكون ضلع أوّل هو المصلحة القومية الأمريكية، وضلع ثان هو المصلحة القومية الإسرائيلية، وضلع ثالث هو المصلحة القومية العربية. الأيّام أثبتت، وما تزال، أن أضلاع المثلث الراهنة تسير على نحو مختلف تماماً: ضلع أوّل هو المصلحة القومية الأمريكية، وضلع ثان هو المصلحة القومية الإسرائيلية، وضلع ثالث هو المصلحة القومية… لليهود الأمريكيين! ولا حاجة للتثبّت من مقادير خسائر وأرباح هذا المثلث عند رجل مثل نتنياهو، في عهد رجل مثل ترامب؛ أو ما شاء المرء من زعماء على الطرفين، فالفوارق ليست قاطعة.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

مناهضة الصهيونية

وانحطاط التشريع الفرنسي

صبحي حديدي

 

مكتب رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي سرق الـ»سكوب» من قصر الإليزيه، ومن غالبية وسائل الإعلام الفرنسية، حين استبق الجميع فأعلن أنّ بنيامين نتنياهو اتصل هاتفياً بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهنأه على… ما سيعلنه، الليلة، من مفاجأة سارّة، خلال خطبته في العشاء السنوي لـ«المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا»، الـCRIF. فعلى امتداد 34 سنة من عشاءات مماثلة، تردد عليها كبار مسؤولي فرنسا وقادة أحزابها السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية والنقابية، ابتداءً من رؤساء الجمهورية وليس انتهاءً بالصحافيين؛ حلم رجال الـCRIF ونساؤه بهذه البرهة الإعجازية: أن يعلن رئيس الجمهورية اعتناقه مبدأ التطابق بين العداء للسامية والعداء للصهيونية، أوّلاً؛ ثمّ، ثانياً وليس أقلّ أهمية، الوعد بتشريع قانوني يجرّم أولئك الذين يرتكبون «الإثم» الثاني، وكأنهم ارتكبوا الجرم الأوّل.
«العداء للصهيونية هو واحد من الأشكال الحديثة للعداء للسامية»، قال ماكرون وصوته ليس أقلّ تهدجاً منه في تلك الفقرات التي حرص خلالها على تعداد أسماء ضحايا العداء للسامية في فرنسا؛ مشدداً، حتى من باب انتهاج الدراما، على أنّ الشرور واحدة في كلّ الأشكال، والتشريع المقترح سوف يضيف العداء لدولة الاحتلال (من باب افتراض أنها روح الصهيونية ورمزها ومؤسستها ودولتها…) إلى كلّ الأشكال الأخرى، قديمها وحديثها. ثمّ توجّب أن ينافق قليلاً، من موقعه النيو ــ ليبرالي قبل ذاك الذي يخصّ رئاسة جمهورية اليعاقبة، فيميّز هكذا: «الأمر لا يدور حول تعديل قانون العقوبات، ولا أيضاً على منع أولئك الراغبين في نقد السياسة الإسرائيلية من القيام بهذا». فعمّ يدور، إذن؟ «السماح بإقرار توصيات تتيح التدريب الأفضل للموظفين العموميين من أجل مكافحة العداء للسامية»، أردف ماكرون، الذي تفادى النطق بالعبارة الأصدق توصيفاً للفارق بين العداء للسامية والعداء للصهيونية: أنّ الأوّل سلوك عنصري وتمييزي ينطوي على خطاب الكراهية، والثاني حقّ مشروع في التعبير عن رأي بصدد فلسفة سياسية ومؤسسة استيطانية وعنصرية.
وجهة النفاق الأولى كانت تنبثق من حقيقة أنّ ماكرون أعلن مرجعية كبرى للتشريع الفرنسي الوشيك، تتمثل في الالتزام الرسمي بتعريف العداء للسامية كما أقرته منظمة «التحالف الدولي لاستذكار الهولوكوست»، أو الـ
IHRA، في مؤتمر بوخارست، صيف 2016. وهذا قرار ينصّ، بين حيثيات أخرى، على أنّ العداء للسامية يمكن أن يتخذ المظاهر التالية: 1)»اتهام اليهود كشعب، أو إسرائيل كدولة، باختراع الهولوكوست أو المبالغة فيه»؛ و2) «اتهام المواطنين اليهود بأنهم أكثر ولاءً لإسرائيل، أو الأولويات المزعومة لليهود على نطاق عالمي، من ولائهم لمصالح الأمم التي يتحدرون منها»؛ و3) «إنكار حقّ اليهود في تقرير المصير، أي الزعم بأنّ وجود دولة إسرئيل مشروع عنصري»؛ و4) «استخدام رموز وصور مرتبطة بالشكل الكلاسيكي من العداء للسامية (مثل الزعم بأنّ اليهود قتلوا المسيح) لتوصيف إسرائيل أو الإسرائيليين»؛ و5) «عقد مقارنات بين السياسة الإسرائيلية المعاصرة وسياسة النازيين…

الفارق بين العداء للسامية والعداء للصهيونية: أنّ الأوّل سلوك عنصري وتمييزي ينطوي على خطاب الكراهية، والثاني حقّ مشروع في التعبير عن رأي بصدد فلسفة سياسية ومؤسسة استيطانية وعنصرية

فما الذي يتبقى، والحال هذه، من هوامش في نقد السياسات الإسرائيلية، على غرار الاستيطان (غير الشرعي في القانون الدولي)، أو مصادرة البيوت والأراضي، أو تهديم المنازل السكنية، أو التصفيات الجسدية، أو اقتلاع الأشجار، أو التمييز العنصري الصريح وفق قانون «هوية الدولة اليهودية»…؟ وكيف للقانون أن يعامل آلاف اليهود الذين يعلنون، قولاً وفعلاً، مناهضتهم للصهيونية، فلسفة ومؤسسات وكياناً وجيشاً؛ هل يُعاملون معاملة أبناء الديانات الأخرى من حيث جناية العداء للسامية، أم يتوجب اختراع تعريف آخر لهم، يتيح إمكانية استصدار تشريعات تكفل تجريمهم؟ وكيف سيردّ مشرّعو حزب الرئيس الفرنسي على المؤرّخ الفرنسي اليهودي دومنيك فيدال، حين يكتب: «إذا اعتبرنا معارضة نظرية تيودور هرتزال عداءً للسامية، فإننا عندها نقول إنّ ملايين اليهود الذين لا يرغبون بالعيش في فلسطين والأراضي المحتلة، معادون للسامية»؟
وهذه حال تعيد التذكير بسجال يهودي ــ يهودي جمع روجيه كوكيرمان، وكان يومها يترأس الـ
CRIF، وتيو كلاين الذي سبقه إلى رئاسة المجلس التمثيلي ذاته. الأوّل كان يُسائل حقّ أيّ يهودي في انتقاد الحكومة الإسرائيلية، بل حقّ أيّ متراخِ في الدفاع عن الكيان الصهيوني، وقد نشر في صحيفة «لوموند» مقالاً شنّ فيه الهجوم على «قادة هذا البلد ممّن يقللون من أثر الأفعال المعادية لليهود»؛ وعلى «السلطات التي يحلو لها أن ترى في الهجوم على كنيس مجرّد عمل من أعمال العنف وليس فعلاً معادياً للسامية»؛ وعلى «بعض اليهود الذين فقدوا الصلة بالواقع اليهودي»؛ وعلى «وسائل الإعلام التي يطيب لها إعطاء أكبر صدى ممكن للأصوات التي تنتقد إسرائيل واليهود، خصوصاً حين تكون تلك الأصوات يهودية.»… القضاء الفرنسي لم يسلم من المضبطة الاتهامية، رغم أنّ الفرنسيين لا يحبّون مَن يشكك في نزاهة قضائهم، فكيف إذا ذهب الإتهام إلى درجة الحديث عن غضّ نظر وتساهل وتسامح مع «أعداء إسرائيل»؟
وكيف ستحكم محكمة فرنسية، في ضوء التشريع الجديد، على دعوى قضائية قد يرفعها مواطن فرنسي (يهودي) ضدّ مواطن فرنسي آخر (مسيحي أو مسلم أو بوذي، أو حتى يهودي…) نشر بحثاً تاريخياً حول «قضية كاستنر»، مثلاً؛ وهل سيجد القاضي فقرة في القانون تدين الباحث، على خلفية العداء لليهود، أو العداؤ للكيان الصهيوني؟ معروف أنّ هذه القضية بدأت سنة 1945 حين بادر اليهودي الهنغاري مالكئيل غرينفالد (أحد الناجين من الهولوكوست) إلى نشر كرّاس صغير يتهم فيه اليهودي الهنغاري رودولف كاستنر (القيادي الصهوني البارز وأحد أقطاب الـ»ماباي»، حزب دافيد بن غوريون) بالتعاون مع النازيين خلال سنتَي 1944 و1945. وفي الوقائع أنّ كاستنر وافق، بعد تنسيق مباشر مع الضابط النازي المعروف أدولف إيخمان قائد الـ»غستابو»، على شحن نصف مليون يهودي هنغاري إلى معسكرات الإبادة؛ بعد أن طمأنهم كاستنر وبعض معاونيه إلى أنّهم سوف يُنقلون إلى مساكن جديدة، حتى أنّ البعض منهم تسابقوا إلى صعود القطارات بغية الوصول أبكر! وكان الثمن، في المقابل، هو إنقاذ حياة كاستنر وبعض أقربائه، وغضّ النظر عن هجرة 1600 يهودي إلى فلسطين.
ماكرون اعتبر أنّ «العداء للسامية ليس مشكلة لليهود، بل هو مشكلة للجمهورية»، وهذا صحيح بالطبع، مثله في ذلك مثل العداء لأية فئة إثنية أو دينية على ركائز عنصرية او تمييزية، وليس على أسس الاختلاف في الفكر أو السياسة أو الثقافة أو الاجتماع. وبهذا المعنى فإنّ جميع المعطيات الإحصائية المتوفرة تشير إلى أنّ العداء للسامية بدأ، ويتواصل، كمشكلة غربية (وليست البتة شرقية، في الأصول والعناصر والوقائع والنطاقات)، تتجاوز أنظمة الحكم في الجمهوريات والملكيات والإمارات. «وكالة الحقوق الأساسية»، التابعة للاتحاد الأوروبي، استفتت أكثر من 16 ألف مواطن يهودي، في 12 بلداً أوروبياً؛ فاستخلصت أنّ 90٪ منهم شعروا بأنّ العداء للسامية يتنامى في بلدانهم، وأنّ 30٪ منهم تعرّضوا بالفعل للمضايقة على أساس الانتماء للديانة اليهودية. الأمر لا يقتصر على الجمهورية الفرنسية، إذن، ولكنه من جانب آخر لا يتخذ بُعداً متماثلاً: يقول استطلاع رأي آخر قام به الاتحاد الاوروبي في 28 بلداً، إنّ 98٪ من اليهود أكدوا ازدياد العداء للسامية في بلدانهم، مقابل 36٪ من غير اليهود قالوا إنهم لم يشعروا بذلك الازدياد.
صحيح أنّ الجمعية الوطنية الفرنسية لن تمرر القانون، الذي يزمع حزب الرئاسة طرحه، دون تمحيص وتدقيق؛ إلا أنّ إقرار أية صيغة للمطابقة بين العداء للسامية والعداء للصهيونية سوف يشكّل نقلة انحطاط كبرى في تاريخ التشريع الفرنسي عموماً، والجمهورية الخامسة خصوصاً، وشطرها الذي يخصّ ماكرون على وجه أخصّ.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

بوتفليقة وجنرالات الجزائر:

تعاقد التمديد المفتوح

صبحي حديدي

 

تقول النكتة إن أحد أطباء الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة فارق الحياة، بعد صراع طويل مع أمراض الرئيس! احترام المرض، بوصفه ظاهرة طبيعية تصيب الآدمي فتُقعده إلى كرسيّ نقّال، أو تعطّل وظائف جسمه الحيوية أو تشلّ ملكاته العقلية، لا يُبطل المغزى السياسي والأخلاقي الذي تثيره النكتة؛ عن حاكم يتربّع على رأس السلطة منذ 20 سنة، ويعتزم اليوم الترشح لولاية خامسة، في انتخابات 18 نيسان (أبريل) المقبلة. الأدقّ، بالطبع، هو القول بأنه لم يعلن هذا الترشيح الخامس بنفسه، لأسباب شتى بينها أغلب الظنّ أنه لم يعد قادراً على النطق السليم؛ بل أعلنت ترشيحه أحزاب التحالف الرئاسي: جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، تجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية الجزائرية.
صحيفة «الوطن» الجزائرية، التي تصدر بالفرنسية، كتبت تخاطب المواطن الجزائري هكذا: «تخال نفسك في سنة 2019، ونقول لك كلا. إنما أنت ما تزال في سنة… 2014»؛ لأنّ الزمن، عند «البطانة الرئاسية»، ما يزال متوقفاً عند الدورة الرابعة للانتخابات الرئاسية! فمن الواضح، تتابع الصحيفة، أنّ مظاهر الجمود والتلفيق والعنف الاستبدادي تظلّ هي ذاتها خصائص السلطة الراهنة، رغم كلّ الضغوط الأخلاقية والسياسية والاقتصادية التي مورست من أجل الانفتاح على حقائق الجزائر في العالم المعاصر. وهكذا، لا حرج على الجزائري، الذي يصغي اليوم إلى أسباب التحالف الرئاسي في إعادة ترشيح بوتفليقة، إذا تراءى له أنه إنما يصغي إلى الأسباب ذاتها التي سيقت في امتداح «المجاهد» بوتفليقة سنة 2014: «تقديراً لحكمة وسداد خياراته وتثميناً للإنجازات الهامة التي حققتها الجزائر تحت قيادته».
لا جديد على مستوى الطرافة، أيضاً، إذْ بلغ عدد المتنطحين للمنصب 172 مرشحاً، أغلبهم دمى في أيدي الأجهزة الأمنية لإسباغ مقدار أدنى من روح المسرح على الانتخابات؛ والقليل منهم يتزعمون أحزاباً وحركات سياسية، لا تخفى مساهماتهم الحميدة في تصنيع الدراما ذاتها؛ وثمة مَنْ سبق له أن ترأس الحكومة، أو حتى نافس بوتفليقة إلى آخر الشوط؛ ولا يعدم المشهد جنرالات متقاعدين، وضباط أمن أفلت نجومهم… وفي قلب الكواليس، ثمة شقيق الرئيس الذي يدير الكثير من الخيوط، ولا يحتاج المرء إلى كبير اتفاق مع الصحافي الجزائري الإشكالي محمد سيفاوي لكي يصادق على توصيفه التالي: «سعيد بوتفليقة في الجزائر هو ما كانت عليه ليلى طرابلسي في تونس»!
الأرجح، في المقابل، أنّ المرء يخطئ إذا ساجل بانّ بوتفليقة لا يحكم في الجزائر، ليس خلال الدورات الثلاث الأولى وحدها، بل كذلك على امتداد السنوات الخمس الماضية؛ التي صرف معظمها مقعداً، صامتاً، نزيل المشافي العسكرية الفرنسية، مستبدلاً شخصه الفيزيائي بصورة فوتوغرافية. لقد حكم بالفعل، ويواصل الحكم اليوم، ولعله سوف يواصله خلال الولاية الخامسة، بعيداً عن أيّ لغز أو سرّ أو خفاء خارج المبدأ الأوّل والأخير: أنه رأس البطانة الحاكمة والواجهة لها، في آن معاً؛ ومصدر توافقها وتصالحها وتفاهماتها، في السراء كما الضراء؛ والقيّم على الفساد، والمافيات، واقتسام ثروات البلاد؛ وأخيراً، ولس آخراً البتة: الخيار الأفضل للقوى الخارجية، الجبارة، ذات الصلة بالجزائر وصاحبة المصلحة في الحفاظ على «استقرار» النظام.

بلغ عدد المتنطحين للمنصب 172 مرشحاً أغلبهم دمى في أيدي الأجهزة الأمنية لإسباغ مقدار أدنى من روح المسرح على الانتخابات

هل في وسع رجل مريض، قعيد الفراش والكرسي النقال أن يتولى كلّ هذا؟ نعم، غنيّ عن القول، ما دامت معادلة حضوره في هذه العناصر كافة لا تتطلب إلا احتلال مقدّمة المسرح، الذي في كواليسه يتوافق أعضاء البطانة؛ بل حدث أحياناً أنهم إلى الواجهة احتكموا، ومن خلاله صدّروا الانطباعات للجزائريين بإسقاط هذا الرأس أو الإطاحة بذاك، طبقاً لقرارات الرئيس القعيد إياه. وفي بلد ترتعش الأفئدة فيه لدى استرجاع سنوات الحرب مع الإرهاب الداخلي، وذاكرة 250 ألف قتيل سقط الكثيرون منهم جراء مجازر ممسرحة دبرتها الأجهزة الأمنية والعسكرية ذاتها؛ كيف لا يبدو هذا الرئيس القعيد، أو حتى الرئيس/ الكفن، بمثابة أفضل خيارات السوء؛ أو، على وجه الدقة، بديل خيارات الدم؟
الوقائع أشارت إلى أنّ الجزائر، خلال الأسابيع القليلة التي أعقبت اندلاع انتفاضات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، في 2010 تحديداً، شهدت أكثر من 112,000 حالة تظاهر أو اعتصام أو احتجاج؛ لأسباب تتصل أولاً بلقمة العيش والغلاء واشتراطات صندوق النقد الدولي، وليس إسقاط النظام على وجه التحديد. لكنّ البطانة الحاكمة، في توظيف مناخات ترهيب الجزائريين من عودة الإرهاب والمجازر تحديداً، تمكنت من إسكات الشارع الشعبي، وإخماد موجات السخط المتعاظمة؛ بل أفلحت، كذلك، في جعل المواطن رهينة البحث عن أسباب العيش اليومي البسيطة، الأمر الذي أتاح تمرير برامج التعديل الاقتصادية والاجتماعية البغيضة. ولقد بدا أنّ التخوّف من عودة عمليات «الجماعة الإسلامية المسلحة» و«الحركة الإسلامية المسلحة» و«الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح» و«الجيش الإسلامي للإنقاذ»، وسواها… أمّن للسلطة خير ساتر إزاء دائرة النقد الاجتماعي، وبالتالي أتاح قبول بطانة بوتفليقة كجهة إنقاذ بديلة وحيدة، أياً كانت موبقاتها.
وليست بعيدة عن المشهد تدخلات الولايات المتحدة في الجزائر، لصالح الإبقاء على الوضع القائم عن طريق محاباة البطانة الرئاسية، في جانب أوّل؛ والإشراف، في جانب ثانٍ، على ضمان ولاء الأجيال الشابة من ضباط الجيش الجزائري، ممّن يتمّ تأهيلهم في الكليات العسكرية الأمريكية. وليست بعيدة تلك المرحلة التي شهدت صمت البيت الأبيض عن حمامات الدم التي وقفت وراءها أجهزة أمنية وعسكرية جزائرية، كانت الاستخبارات المركزية الأمريكية على علم تامّ بها، وتجاهلها تماماً أمثال ريشارد بيرل وبول ولفوفيتز ودونالد رمسفيلد وكوندوليزا رايس. ومن هنا كان حسين آيت أحمد محقاً في إقامة الصلة بين مشروع بوتفليقة حول المصالحة الوطنية (والهدف الفعلي هو تبييض ساحة الجنرالات بما يتيح استمرار تحالفهم مع بوتفليقة، تمهيداً لتعديل الدستور)؛ وبين ما حظيت به رئاسة بوتفليقة من تأييد فرنسي وأمريكي صريح، بدا فاضحاً أحياناً.
كذلك فإنّ ما حدث يوم 11 كانون الثاني (يناير) 1992 لم يكن أقلّ من انقلاب عسكري صريح نفّذه جنرالات الجيش ومؤسسات الحكم المدنية المتحالفة مع مختلف أجهزة السلطة. وباسم الدولة وحفاظاً عليها، بذرائع صيانة السلم الأهلي ودرء الأخطار المحدقة بالوطن، انقضّ الجيش على المؤسسات ابتداءً من رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد، وانتهاء بأصغر مجلس بلدي. كما فرض قانون الطوارئ، وألغى نتائج الانتخابات، فانفتح الباب عريضاً على السيرورة (الطبيعية والمنطقية) للتحوّلات الكبرى في الحياة السياسية عموماً، وتصاعدت خيارات العنف ضمن تيارات الإسلاميين وأجهزة السلطة العسكرية والأمنية على حدّ سواء. من هنا بدأ مشروع التعاقد مع الرجل/ الواجهة، وجرى تمديد آجال العقد حتى يشاء الله!
أخيراً، كان مشروع «الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية»، الذي اقترحه بوتفليقة، ضمن مسعى طيّ العقد الدامي الذي عاشته الجزائر بين 1992 و2003، قد حظي بنسبة «نعم» ساحقة بلغت 97٪، كما كان متوقعاً. لكنّ ذلك المآل لم يطمس الضيق الشعبي الواسع إزاء النقص الفادح الذي اتسم به المشروع، في ملفّين حاسمين وأساسيين: ملفّ المفقودين (إذ لم ينصّ الميثاق على أية صيغة إجرائية ملموسة تضمن الكشف عن مصائرهم)؛ وملفّ محاسبة الجنرالات والمافيات الأمنية، أو أية جهات حكومية سلطوية مارست الخطف والاعتقال التعسفي والتنكيل بالمواطنين، فضلاً عن ممارسة الفساد ونهب البلاد.
لم يطمس، ولكنه أيضاً لم يُطلق حركة معارضة شعبية كافية، منظمة وعابرة للحساسيات المناطقية والثقافية؛ ولهذا فإنّ الدورة الانتخابية الخامسة ليست سوى فقرة التمديد التلقائي في العقد القديم، بين الرئيس القعيد وجنرالاته وبطانته.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

بندر بن سلطان وآل الأسد:

كم يوافق شنّ طبقة!

صبحي حديدي

 

 

في صحيفة «إندبندنت عربية»، أحدث مقتنيات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في ميادين الإعلام، أجرى رئيس التحرير عضوان الأحمري حواراً مستفيضاً مع بندر بن سلطان، «أمين عام مجلس الأمن الوطني السابق ورئيس الاستخبارات في السعودية وسفيرها في واشنطن لأكثر من 22 عاماً»، حسب توصيف المحاور. وفي ختام الجزء الأوّل، أسهب بندر في الحديث عن آل الأسد، حافظ وبشار، خلال زيارات كثيرة قام بها إلى دمشق؛ حيث نقرأ عن لقاءاته مع الأسد الأب، ثمّ وريثه، ثمّ بعض «رجال الرئيس»، أمثال عبد الحليم خدام وفاروق الشرع؛ وبعض رجال الوريث، أمثال مناف طلاس. أقاصيص الأمير تفوح منها، بقوّة في الواقع، روائح الاختلاق والتباهي الكاذب، وادعاء دور في التسوية بين الأسد الأب ودولة الاحتلال الإسرائيلي لا يقرّه العقل البسيط ولا مسرد وقائع تلك السياقات.
هو، مع ذلك، سلوك ليس غرض هذه السطور، التي تحاول تصويب ما يسرده بندر لصالح إحقاق خلاصة كبرى، لعلها الأكثر فائدة في نهاية المطاف: أنّ آل سعود، في شخص بندر تحديداً؛ وآل الأسد، في شخص الأب والوريث؛ يجسدون خير تجسيد ذلك المثل العربي الشهير، عن شنّ الذي وافق طبقة؛ مع فارق انعدام الدهاء والتدبير والذكاء والصدق، لدى الطرفين هنا، غنيّ عن القول. لا بأس، إلى هذا، من اقتباس نموذج واحد على طريقة الأمير في التكاذب؛ إذْ يروي أنّ أوّل مرّة سمع فيها «بشيء اسمه بشار الأسد» كانت حين ناشده صديق سوري أن يتوسط لدى الحكومة البريطانية كي تقبل تخصص طبيب العيون نجل الأسد، وأنه فعل، ووافق البريطانيون، وهكذا جاء بشار إلى لندن.
يستغفل الأمير العقول، على النحو الأكثر ابتذالاً، حين يفترض أنّ قبول أي طبيب أجنبي للتخصص يحتاج إلى موافقة حكومية بريطانية، وليس موافقة الجامعة أو المشفى المعنيّ بالطلب، بمعزل عن إجراءات التأشيرة العامة بالطبع. أو حين يتناسى حقيقة أنّ مجيء طبيب العيون ذاك إلى بريطانيا كان ميدان تسابق محموم بين رجال أعمال سوريين، بعضهم مليارديرات تجارة واستثمارات ونفط؛ ورجال مناصب دبلوماسية، بما في ذلك الجامعة العربية؛ ورجال جامعات عريقة وأكاديميات وبيوتات أبحاث، حتى تلك البريطانية الكولونيالية العتيقة. ذلك لانّ الأسد الأب، ليس في حينه فحسب، بل على امتداد سنوات حكمه منذ انقلابه العسكري في تشرين الثاني (نوفمبر) 1970؛ كان أثيراً لدى الحكومات البريطانية المتعاقبة، بسبب من سياساته التي خدمت مشاريع الغرب في سورية والمنطقة عموماً، وكذلك لأنّ دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت راضية عن نظامه، كلّ الرضا.
ويروي بندر بعض تفاصيل تنصيب الوريث، وكيف (في حضرة الأمير شخصياً!) كان يغلظ في القول لجنرالات الجيش، أو يطرد الشرع من الغرفة، أو يحكي (للأمير دائماً) أنهم، بعد وفاة الأب، «أتوا بـ 10 عمادات مع قادة المناطق ودخلتُ عليهم وقاموا بإلقاء التحية وبعضهم يترحم، وقلت لهم: اششش… أنت ستغادر غداً، وأنت هذه السنة الأخيرة لك، أنت ستبقى، ما سمعته على لسانك عني أعجبني، أنت سأقطع لسانك… أنت أخذت كم مليون دولار حنحاسبك وأنت كذا وكذا… وبدأ بشار بتوزيع الـ «أنت» وبعدها ما سيفعله بكل عماد والعماد هو أعلى رتبة عسكرية». ويسرد، أيضاً، خشية الأمير عبد الله، ولي العهد يومذاك، من أنّ بشار «غليّم ما يعرف يحكي»، وأنّ «سوريا تهمنا، ما نبغاها تسقط»؛ وكأنّ المملكة لم تكن على علم بتفاصيل التوريث كافة، منذ موت باسل الأسد سنة 1994، وكيف تمّ سريعاً استبداله بالوريث الثاني بشار.

سوى إعادة تثبيت المثل العربي، عن انطباق آل سعود وآل الأسد، ما الذي ترمي إليه صحائف محمد بن سلمان من نبش القبور اليوم، أمواتاً وأحياء

النقطة الأهمّ في الحوار هي ما ينقله بندر، على لسان الأسد الأب، عن «الألم» الذي أصابه من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، حين قرر الأخير «أن يغيّر المعادلة، وأعطى خطاباً لوزير الخارجية الأمريكي موجهاً للرئيس الأمريكي يقول فيه أبلغ الأسد أنني موافق على الانسحاب من الجولان، إذا تعهد لكم أنتم لا نحن، بإعادة العلاقات وغيرها، وأحد الطلبات سحب الأسلحة الثقيلة إلى الحدود التركية». ويتابع بندر، على لسان الأسد دائماً، أنه لو استغل تلك الفرصة «لكان الجولان لنا، ولفتحنا سفارة لا نجعل أحد [كذا في أصل «الإندبندنت»] يعمل فيها، لكن الفرصة ضاعت». في عبارة أخرى، الأمر هنا يتصل بما اتخذ بعدئذ تسميةً شهيرة هي «وديعة رابين»، التي حملها وارن كريستوفر، وزير الخارجية الأمريكي يومذاك، في آب (أغسطس) 1993. وهذه حكاية سوف يستعيدها الوريث، كما استعادها الأب مراراً وتكراراً، وكلما دار حديث عن استئناف مسارات التفاوض بين النظام ودولة الاحتلال.
ففي صيف 2007، خلال خطاب تتويجه لـ«رئاسة» ثانية، تحدث الأسد الابن عن الوديعة هكذا (مرتجلاً، وفي الارتجال فضيلة افتضاح مكنون أوسع): «المطلوب بالحدّ الأدنى تقديم وديعة على طريقة وديعة رابين أو شيء مكتوب.. لكى نضمن بأنّ الحديث هو ليس حول الأرض التى ستعود.. لأن الأرض ستعود كاملة. نحن نفاوض على أمور أخرى.. نحن نحدد هذا الخط.. خط الرابع من حزيران/يونيو على الخارطة.. يتم النقاش حول موضوع الترتيبات الأمنية.. العلاقات.. كما حصل فى التسعينيات أيام رابين». وكان الطرح ذاك غريباً، من وجهة أولى مفادها ثقة الأسد في أنّ الأرض ستعود على يديه وفي عصر نظامه، ولم يكن أحد سواه يدري بأيّ الوسائل سينجز هذه المعجزة، وكيف.
غرابة ثانية هي جهل الوريث، أو تجاهله، بأنّ تلك الوديعة اقترنت منذ البدء بخطأ من نوع ما، ارتكبته الأطراف الثلاثة في آن معاً. رابين أخطأ حين حمّل كريستوفر رسالة «غير مدوّنة»، أو «لا ـ رسالة»
Non – Letter كما استطاب البعض وصفها، ليست ملزِمة للإسرائيليين من الناحية القانونية، ولكنها انقلبت إلى «زلّة تفاوض» إسرائيلية تمسّك بها الأسد الأب وحوّلها على الفور إلى وثيقة مدوّنة ملزمة. وكريستوفر أخطأ حين نكث بوعده لرابين (أن يبقي الرسالة في عهدته، وأن يضعها في خلفية التفكير والمناورة ليس أكثر)، فباح بها أو ببعض عناصرها إلى الأسد، ظانّاً أنه بذلك سوف يساعد في دفع الأمور. والأسد أخطأ حين تلكأ في اغتنام الفرصة، ثم عاد ليطالب بها، ولكن بعد فوات الأوان.
الطريف أنّ بندر ينصّب نفسه مندوباً عن الجميع: الملك فهد، وليّ عهده عبد الله، الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، وزير خارجيته كريستوفر، رابين، شمعون بيريس بعد مقتل رابين… كلّ هؤلاء، دفعة واحدة، خلال اجتماع مع الأسد الأب في دمشق: «وقتها كنا أنا وحافظ نضع على الطاولة الخارطة التي يمكن أن يعمل عليها الطرفان السوري والإسرائيلي، حتى ينتهي موضوع الجولان»! وأمّا وجه الطرافة فإنّ المعلومات التي يسردها بندر عن إشكالية الأمتار المتنازع عليها في محيط بحيرة طبرية، كان يعرفها أبسط صحافي دولي مشتغل بالشأن التفاوضي هذا، وكان ضابط الاستخبارات السوري بهجت سليمان يوجّه رجاله في الإعلام السوري لترويجها.
الأطرف، مع ذلك، هو أنّ الأمير بات نجماً ساطعاً في الملفّ السوري بعد انتفاضة 2011، وكان بعض أقطاب «المعارضة» السورية الإسطنبولية يحجون إليه، فرادى وجماعات؛ ثم أفل نجمه هنا، أسوة بنجومه كافة في ما بعد. وسوى إعادة تثبيت المثل العربي، عن انطباق آل سعود وآل الأسد؛ ما الذي ترمي إليه صحائف محمد بن سلمان من نبش القبور اليوم، أمواتاً وأحياء؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

 

قواعد الاشتباك الإسرائيلية:

مقوّمات العربدة

صبحي حديدي

 

أشارت تقارير صحفية إلى أنّ السفارة الأمريكية في بغداد حذّرت السلطات العراقية من احتمال قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بقصف مواقع داخل الأراضي العراقية، تابعة لـ”الحشد الشعبي” ويديرها “الحرس الثوري” الإيراني بالطبع، تأوي مصانع أسلحة صاروخية مخصصة للتصدير إلى “حزب الله” اللبناني. فإذا صدقت هذه الأنباء، ووضع المرء في الاعتبار حقيقة أنّ واشنطن يندر أن تُفشل مسبقاً عمليات أمنية إسرائيلية حساسة، فإنّ المراد هو متابعة الضغط الأمريكي على الحكومة العراقية بصدد نفوذ إيران، عبر منظمات مثل “الحشد”، وميليشيات أخرى تدور في فلك طهران.

وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد ألمح، أثناء اجتماع مع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في بغداد مطلع الشهر، إلى أنّ واشنطن لن تتدخل ضدّ هجمات كهذه. كما نقل تقديراً إسرائيلياً صريحاً يفيد بأنه من غير المجدي قصف فصائل “الحشد” داخل سوريا (على غرار ما فعل الطيران الحربي الإسرائيلي في حزيران/يونيو الماضي، شرق دير الزور)؛ لأنها “تعود كلّ مرة إلى تنظيم صفوفها، والانطلاق من العراق مجدداً”.

وهكذا، بين عربدة، باتت دائمة ومتواصلة، في أجواء سوريا جنوباً وشرقاً وغرباً؛ وتدمير أنفاق “حزب الله” في الجنوب اللبناني، والانطلاق من الأجواء اللبنانية لقصف سوريا والعراق، الأمر الذي يرقى إلى أعمال الحرب الصريحة؛ ثمّ القصف، أيضاً، في العمق العراقي وليس على الحدود السورية ــ العراقية وحدها… تواصل دولة الاحتلال تثبيت قواعد اشتباك مع إيران، هي بمثابة مقوّمات واضحة المعالم، متماسكة العناصر، عالية الفاعلية، لا رادع لها ولا رقيب أو حسيب!

إنها، بادئ ذي بدء، تحظى بمصادقة واشنطن، وسكوت موسكو، وإغضاء أنقرة؛ بالنظر إلى أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يتفادى، بمهارة واحتراف، ارتكاب “الضرر المجاور” حين يقصف هنا وهناك، فلا يصيب التحالف الدولي ولا الروس ولا الأتراك. وحين يقع المحظور (كما في إسقاط طائرة “إيل ـ 20” الروسية في سماء الساحل السوري، أيلول/سبتمبر الماضي)، فإنّ الخطأ وقع من جانب بطاريات النظام السوري، والحادثة ذات “أسباب عارضة” حسب تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهي، تالياً، قواعد اشتباك تخدم غرضاً ستراتيجياً تتفق عليه القوى الكبرى الثلاث المنخرطة في الملفّ السوري راهناً، أمريكا وروسيا وتركيا؛ أي تحجيم النفوذ الإيراني، العسكري بصفة خاصة، على الأرض في سوريا؛ وخفض أوراق طهران عندما يحين أوان المحاصصة الفعلية وتقاسم الراهن والمستقبلي في البلد، وربما على نطاق الـLevant بأسره، وفقاً للتعبير العجيب الذي أحياه مؤخراً الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون.

والقواعد، ثالثاً، لا تتوسل إشعال حرب إيرانية ــ إسرائيلية فعلية، شاملة، أو ساحقة ماحقة كما يقول التوصيف الشهير؛ بل هي نزالات مصغّرة تقصّ، ولا تقلّم فقط، أيّ أظافر إيرانية يمكن أن تستطيل أو تتقوى على امتداد كامل النطاق الجيو ــ سياسي الذي يقرّر الكيان الإسرائيلي أنّ خطوطه حمراء بالنسبة إلى أمنه. وبهذا فإنّ الغرض ليس استهداف قاسم سليماني شخصياً، ومثله حسن نصر الله، أو أبو مهدي المهندس قائد “الحشد” الفعلي؛ ولا حتى المقارّ، على الأراضي السورية، التي تختزن رموزاً “سيادية” إيرانية، مذهبية أو استخباراتية.

والقواعد، رابعاً، تعتمد في العمق السياسي على تبعية أنظمة عربية متهالكة مستبدة، فاسدة وفاشلة، تغدق مئات المليارات على عقود أسلحة لا يلوح أنها سوف تُستخدم في أيّ يوم، إلا ضدّ الشعوب. وتنخرط، سعيدة أو صاغرة، في مشاريع وصفقات تعلن تسوية النزاعات، لكنها تستبطن تصفية القضايا وإهدار الحقوق؛ فضلاً عن تورطها في صراعات عسكرية عربية وإقليمية، غايتها العظمى الأولى هي تهدئة المخاوف الداخلية إزاء آفاق انتفاض الشعوب وثوراتها.

فمنذا الذي يمكن أن يواجه دولة الاحتلال الإسرائيلي اليوم، في سوريا أو في العراق أو في تلك الجثة الهامدة التي سُمّيت ذات يوم بـ”المقاومة اللبنانية”؟ وما الذي ينقص الكيان، أو ينغّص عليه، بعد اعتراف عبد الفتاح السيسي بأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي يعمل في سيناء برخصة من… الرئاسة المصرية؟

 

 

 

أربعون الثورة الإيرانية:

زراعة بني صدر

وحصاد سليماني

 

صبحي حديدي

في سنة 1979، وتحت عنوان «تحية إلى الثورة الإيرانية»، كتب أدونيس (الشاعر السوري، النصيري بالولادة): «أفقٌ، ثورةٌ، والطغاةُ شَتات/ كيف أروي لإيران حبي/ والذي في زفيري/ والذي في شهيقي/ تعجز عن قوله الكلمات/ سأُغنّي لقُمٍّ لكي تتحول في صبواتي/ نارَ عصفٍ، تطوف حول الخليج/ وأقول المدى والنشيج/ شعب إيران يكتب للشرق فاتحةَ الممكنات/ شعب إيران يكتب للغرب وجهُكُ يا غربُ مات/ شعب إيران شرقٌ تأصلَّ في أرضنا ونبيّ/ إنه رفضنا المؤسِسُ، ميثاقنا العربي».
ولكي لا يبقى أدونيس وحده في الميدان، فيُعزى حماسه المشبوب هذا إلى نوازع مذهبية، كتب نزار قباني (الشاعر السوري، السنّي بالولادة)، ممتدحاً الثورة ذاتها: «زهّر اللوز في حدائق شيراز/ وأنهى المعذبون الصياما/ ها هم الفرس قد أطاحوا بكسرى/ بعد قهر، وزلزلوا الأصناما/ شاهُ مصر يبكي على شاه إيران/ فأسوان ملجأ لليتامى/ والخميني يرفع الله سيفاً/ ويغنّي النبيّ والإسلاما».
على الجبهة السياسية السورية، المعارِضة تحديداً، صدرت صحيفة «نضال الشعب»، المطبوعة السرّية الناطقة بلسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي (كما كان يُعرف يومذاك، قبل أن يتبنى الاسم الجديد «حزب الشعب الديمقراطي»، بقرار من المؤتمر السادس، ربيع 2005)؛ وقد حملت على صفحتها الأولى ثلاث موادّ خاصة بانتصار الثورة الإيرانية، ذات نبرة احتفائية عالية. «وجاءت القارعة»، «الثورة الإيرانية المنتصرة تضع إيران على درب الحرية والديمقراطية والتقدم»، و«أصداء أولى للثورة الإيرانية». وإذْ كانت الموادّ تهلل للثورة الإيرانية، من حيث النبرة المعلنة، فإنّ النبرة الضمنية كانت تشير إلى استبداد حافظ الأسد: «الوضع الإيراني مرتب، لا مجال لاختراقه. ومع ذلك تبيّن أنّ هذا البنيان العظيم ضعيف الأساس. لقد تهاوى حجراً إثر حجر، فيا للثورة المظفرة! لقد تفجرت إرادة الملايين من الناس مرّة واحدة ضدّ الظلم والظلام. ملك الملوك أصبح لاجئاً عند أحد الملوك العرب الضالين، ذلك أنّ شبه الشيء منجذب إليه. ينسى الطغاة دائماً وأبداً درس التاريخ البسيط المكرر: العدل أساس الملك»….
اليوم، بعد 40 سنة على ذلك الحماس، حصد نظام آل الأسد، الأب والابن الوريث معاً، ما حصدته غالبية أبناء سوريا من المآلات الراهنة للثورة الإيرانية: التدخل العسكري المباشر لصالح النظام، عبر «الحرس الثوري» وفيالق الجنرال قاسم سليمان، أو عبر عشرات الميليشيات المذهبية التي يتصدرها «حزب الله» اللبناني. واليوم، لأسباب لا صلة لها بموقف إيران من النظام السوري أو انتفاضة آذار (مارس) 2011؛ يصعب أن يتوقف أدونيس عند الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية طبقاً لمنطق العام 1979، وبروحية وجه الغرب الذي مات، أو أنّ شعب إيران هو النبيّ والرفض المؤسِّس والميثاق العربي. وأمّا «حزب الشعب الديمقراطي» فلم يعد يرى في تلك الثورة أقلّ من نظام آيات الله الثيوقراطي المذهبي الاستبدادي، المساند لأنظمة الاستبداد والفساد؛ وهذا شبيه بمواقف معظم اليسار السوري المعارض، حتى حين يرى البعض ذريعة ما، تمرّ من ثقوبها خرافات «الممانعة» و«محور المقاومة».
لكنّ الجوهري أكثر هو ما آلت إليه تلك الثورة في حياضها الإيراني تحديداً، وكيف تسارعت انقلاباتها الداخلية على ذاتها فلم تتوقف ــ منذ شباط (فبراير) 1979، حين عاد آية الله روح الله الخميني من منفاه الفرنسي إلى طهران ــ عن التهام صنّاعها تباعاً، ثمّ الإجهاز على أبنائها المقرّبين، وصولاً إلى خيانة آمال تلك الشرائح الشعبية التي انخرطت فيها وظلت رائدة لها حتى تكفلت بانتصارها. السيرورة ابتدأت من رهط الإصلاحيين الأوائل، رئيس الوزراء الأوّل مهدي بازركان، ورئيس الجمهورية الأول أبو الحسن بني صدر؛ إذْ لم يمض زمن طويل، يُعدّ بالاشهر في الواقع، وليس بالسنوات، حتى كشّر آيات الله عن الأنياب الحقيقية، المحافظة والمتشددة والمستبدة، التي تمقت الحريات العامة وتبغض الحقوق المدنية وتحارب الرأي الآخر وتسعى إلى قتله في المهد.

خامنئي أبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً. الأسباب جلية، لا تخصّ الفقه بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية

الأوّل كان ابن تاجر أذربيجاني مرموق، درس الهندسة الحرارية في باريس، وعاد إلى جامعة طهران ليتولى عمادة كلية التكنولوجيا، ويقود سلسلة احتجاجات ضدّ الشاه ودعماً لحركة محمد مصدّق. ورغم سجنه مراراً لم يتوقف بازركان عن ممارسة الأنشطة المعارضة، فأسس «حركة المقاومة الوطنية» سنة 1953، و«حركة التحرر الوطنية» سنة 1961؛ وبالتالي كان في طليعة قادة التظاهرات المبكرة في طهران، التي آذنت بأفول عهد الشاه. وكان أمراً طبيعياً أن يختاره الخميني لرئاسة أوّل حكومة مؤقتة، ثمّ كان أمراً طبيعياً كذلك أن يناهضه المحافظون المتشددون، هاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي، على خلفية خططه الاقتصادية، ومعارضته لواقعة رهائن السفارة الأمريكية. وهكذا، بعد تسعة أشهر في المنصب، تقدّم بازركان باستقالته فقبلها الخميني؛ وتابع خصومه التنكيل به إلى درجة منعه من الترشيح لانتخابات الرئاسة في دورة 1985، فكان المنفى السويسري هو الخيار الوحيد المتبقي أمامه، حيث قضى في زيورخ سنة 1995.
الثاني كان أحد أبرز قادة المعارضة الطلابية لنظام الشاه، وقد سُجن مرتين، وجُرح خلال انتفاضة 1963 المجهضة، والذي درس الاقتصاد في جامعة السوربون وآمن بتلك الثنائية العصية التي تجمع الاقتصاد القومي بالإسلامي، وكان في عداد قلّة من العائدين مع الخميني على الطائرة ذاتها. ومن موقعه، الشرعي المنتخَب، كرئيس للجمهورية، ورئيس للمجلس الثوري بقرار من الخميني، توجّب على بني صدر أن يجابه المحافظين إياهم، رفسنجاني وخامنئي؛ فكتب إلى الخميني تلك الرسالة الشهيرة التي تقول إنّ عجز الوزراء المحافظين أشدّ خطورة على الثورة من الحرب مع العراق، كما عارض الإبقاء على رهائن السفارة الأمريكية، فلقي من البرلمان المحافظ المصير الطبيعي: الإدانة بتهمة العجز والتقصير، والإقصاء من الرئاسة، و… الفرار مجدداً إلى فرنسا، تحت جنح الظلام، بعد أقلّ من سنتين على انتخابه.
من الإنصاف الافتراض، إذن، أنّ الزراعة الريادية، التي دشنها أمثال بازركان وبني صدر؛ سوف يؤول حصادها إلى المرشد الأعلى الراهن علي خامنئي، وإلى جنرالات «الحرس الثوري» أمثال قاسم سليماني. هذا على مستوى الأمن والسياسة والأدوار الإقليمية، وأمّا على صعيد الاجتماع البشري والعقيدة، فإنّ مبدأ «الوليّ الفقيه» هو الضمانة العليا لاستمرار آيات الله في الاستئثار بالسلطات، كافة في الواقع. هذا المبدأ/ القانون هو الركيزة الكبرى في صرح المدرسة الخمينية، وخلافتها الخامنئية، وليست مبالغة أن يساجل المرء اليوم أنّ الأمل منعدم في السير خطوات أبعد على الطريق الذي وُعدت به إيران في مثل هذه الأيام من سنة 1979، وتحقيق انفراج داخلي إيراني، سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي؛ ما لم يقف الإيرانيون موقف مراجعة راديكالية شاملة لعلاقة هذا المبدأ بالحياة والحقّ والحقوق.
ففي نهاية المطاف، هذا مبدأ في «الحكم الإسلامي» صاغه الإمام الخميني على عجل سنة 1971، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية، وخضع منذ البدء لأخذ وردّ، واختلف فيه وحوله عدد كبير من فقهاء الشيعة. الثابت، مع ذلك، أنّ خامنئي هو اليوم أشدّ المدافعين عنه، وأبرز المتمسكين بالنصّ عليه في الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوليّ الفقيه المنصوص عنها حالياً. الأسباب جلية، لا تخصّ الفقه بقدر ما تُبقي على ميزان القوّة في صفّ السلطة الدينية، على حساب السلطات المدنية؛ الأمر الذي يفسّر الحماس للمبدأ في صفوف «حزب الله»، وحسن نصر الله شخصياً.
ذلك لأنه المبدأ الذي يحيل زراعة الاقتصادي بني صدر، إلى حصاد بمنجل الجنرال سليماني!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

انتفاضة السودان:

مَنْ يتذكر الترابي؟

صبحي حديدي

 

اعتبر محمد مختار الخطيب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، أنّ أطراف المعارضة التي تخرج اليوم من الحكومة لا مكان لها في قلب المعارضة المساندة للاحتجاجات الشعبية؛ ورغم أنّ الشعب “ربما يحفظ لهم صحوة ضميرهم”، إلا أنّ المطلوب هو “أن يلعبوا دوراً فعلياً في الاحتجاجات، ولا بدّ أن نراهم في الشارع مع المحتجين”.

طاغية السودان نفسه، عمر حسن البشير، يبدو غير مستعدّ بدوره لمنح الخارجين فضيلة التحاقهم بصفوف نظامه، وبعضهم انشقّ عن حزبه في هذا السبيل؛ فيسخر منهم (ويخصّ اثنين من حلفائه السابقين، غازي صلاح الدين من “حركة الإصلاح”، ومبارك الفاضل من حزب “الأمة”) هكذا: “إنهم درجوا على القفز من المركب كل مرّة، بحسبان إنها أوشكت على الغرق”.

غير أنّ الجدير بالمراقبة، في المقام الأوّل، هو أفق التحولات التي شهدها وسوف يشهدها حزب “المؤتمر الشعبي”، الذي أنشأه الشيخ حسن الترابي (1932 ــ 2016)؛ إنْ على صعيد العلاقة مع نظام البشير، أو في مستوى الحركات الإسلامية السودانية، وإزاء تطور شعارات الانتفاضة الشعبية ذات الصفة الطبقية والسياسية بصفة خاصة. يقرأ المرء تصريحاً لأحد قادة الحزب، الأمين عبد الرازق، ينصح فيه البشير بـ”مكافحة القطط السمان بدءاً من نفسه ثمّ أهل بيته”؛ مطالباً إياه بالاقتداء بالخليفة عمر بن عبد العزيز عندما بدأ مكافحة الفساد بنفسه فخلع ملابسه الثمينة، ثم أكمل فخلع من زوجته الذهب الذي جاءها هدية من والدها! أو يقرأ المرء خلاصة من قيادي ثان، إبراهيم الكناني، تعلن أنّ “تجربة الإسلاميين في الحكم كانت فاشلة ويا ليتها لم تكن”؛ متهماً شخصيات نافذة داخل حزب “المؤتمر الوطني” الحاكم بوضع “متاريس أمام إنفاذ مخرجات الحوار الوطني”. وأمّا إدريس سليمان، الأمين السياسي للحزب، فقد رفض استخدام القوّة والعنف ضدّ المحتجين (!)، وطالب الحكومة بالتحقيق في حوادث القتل (!!) وحثّ السلطات على محاسبة المسؤولين (!!!).

علامات التعجب آتية من حقيقة أولى راهنة تشير إلى أنّ الحزب مشارك في الحكومة، وتولى أعضاؤه حقائب وزارية عديدة، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الجمهورية؛ ومن حقيقة ثانية، بعيدة الغور في الواقع، تخصّ العلاقة الأمّ بين الترابي وانقلاب البشير في العام 1989. فالشيخ لم يكن حليف، ومهندس الكثير من، سياسات البشير فقط، رغم خلافات لاحقة بينهما بلغت درجة اعتقال الأوّل؛ بل كان المنظّر الأوّل خلف واحدة من كبرى ذرائع الانقلاب، أي مفهوم “الحكم الإسلامي”. وبسبب من هذا، قيل ذات يوم إنّ الدول العربية تنزلق، مرغمة، في حمأة “الأصولية”؛ أما السودان فإنه الدولة الوحيدة التي اختارت ــ طواعية ــ أن يكون الإسلام هو نظام الحكم فيها!

“ما الذي يمكن أن يعنيه الحكم الإسلامي؟” سأل الترابي في واحدة من تنظيراته، وأجاب: “النموذج بالغ الوضوح، أما أفق الحكم فهو محدود، والقانون ليس توكيلاً للرقابة الاجتماعية لأنّ المعايير الأخلاقية والضمير الفردي شديدة الأهمية، وهي مستقلة بذاتها. لن نلجأ إلى ضبط المواقف الفكرية من الإسلام، أو قنونتها، ونحن نثمّن ونضمن حرية البشر والحرية الدينية ليس لغير المسلمين فحسب، بل للمسلمين أنفسهم حين يحملون قناعات مختلفة. إنني شخصياً أعتنق آراءً تسير على النقيض تماماً من المدارس السلفية في التشريع حول مسائل مثل وضع المرأة، وشهادة غير المسلم في المحاكم، وحكم الكافر”.

لكن نبرة الانفتاح والتسامح في فكر الشيخ كانت تعاني من قصور التطبيق الميداني والمواقف العملية، أوّلاً؛ وكانت، ثانياً، قد وُضعت في خدمة نظام استبداد وفساد، هيهات أن ينفع معه اليوم مطلب البدء من بيت الطاغية في تطهير السلطة، أو الاقتداء بالخليفة عمر بن عبد العزيز. “الشعب يريد إسقاط النظام”، يقول الحراك الشعبي الذي انطلق من عطبرة، البلدة العمالية بامتياز، وهيهات أن يتجمل ذلك النظام بأيّ قناع، قديم أو جديد.

(القدس العربي)

 

حكمة الحيوان

في البيت الأبيض

صبحي حديدي

 

تشيلسي كلينتون، ابنة بيل الرئيس الأمريكي الأسبق، وهيلاري المرشحة السابقة للبيت الأبيض؛ غردت هكذا إلى متابعيها على تويتر، ويبلغ عددهم 1.73 مليون متابع: «هل ثمة مَنْ يفكر معي أن الرئيس ترامب قد يستفيد من قراءة خرافات إيسوب؟ القطة والديك والفأر مثلا؟ النسر والسهم؟» الآلاف اتفقوا مع التغريدة، بالطبع، خاصة وأنّ الحكايات التي تشير إليها تحديدا، وسواها الكثير؛ جديرة بتعليم الرئيس الأمريكي الحالي دروسا شتى في الأخلاق، والرأفة، والتآخي، و… التبصر والحكمة، بصفة خاصة!
والحال أنّ «خرافات إيسوب» تظلّ الأكثر شيوعا على النطاق العالمي؛ في عداد الآداب التي تضع فلسفة الحياة والسياسة والحكمة والحكم على ألسنة الحيوان، مصوغة في حكايا طريفة وممتعة، ذات مغزى مبسط وترميز خفيف لكنه غير خافٍ. ثمة، كما هو معروف، «كليلة ودمنة»؛ وكتاب الأقاصيص الهندي الكلاسيكي «بانشاتانترا»، الذي يضمّ خمسة مجلدات من الحكايات، على غرار ما سوف تتخذه مطارحات مكيافيللي في «الأمير».
ولا تكاد تمرّ سنة دون أن يصدر جديد حول حكايات إيسوب، في أكثر من لغة، على صعيد دراسة العمل، أو إعادة تحقيق نصوصه، أو إصدار طبعات مختلفة منه. ولعلّ طبعة «بنغوين» البريطانية، بترجمة جديدة ومقدّمة وافية من روبرت وأوليفيا تيمبل، هي بين أفضل الطبعات المتوفرة، لسبب جوهري هو أنّها تدرج الحكايات كاملة غير منقوصة. وكما هو معروف، كانت معظم الطبعات البريطانية (منذ سنة 1484، حين أنجز وليام كاكستون أولى الترجمات) قد غربلت هذه الحكايات، وراقبت ما يخلّ منها بالآداب العامة، فحذفت عشرات من أصل 350 حكاية. وإلى جانب الحذف، بذل الفكتوريون، خاصة، جهدا خارقا لتجريد الحكايات من دلالاتها السياسية والأخلاقية والفلسفية، وتحويل الأثر إلى محض قصص مسلّية تدور في عالم الحيوان إجمالا، وتُروى للأطفال قبيل الإغفاءة.
ويجمع الباحثون على أن إيسوب عاش في جزيرة ساموس الإغريقية في القرن السادس قبل الميلاد، وكان قد وُلد عبدا، وهكذا مات أيضا. باحثون آخرون يعتبرونه شخصية مختلَقة، أحالت إليه المخيلةُ الإغريقية طائفة من الحكايات اللاذعة التي كان من المستحيل نسبها إلى البشر، بسبب من وطأة رموزها السياسية والأخلاقية. وإلى هذه الحكايات ندين بأمثولات راسخة، مثل حكمة السباق بين الأرنب والسلحفاة، أو الذئب في جلد الحمل، أو حصّة الأسد، أو العنب الحامض…
هنالك حكاية الدبّ الذي تباهى بأنه صديق صدوق للإنسان، يأنف من ملامسة جثة ابن آدم. الثعلب ابتسم وردّ عليه: ليتك أكلتَ الجثة الميتة، وأبقيت على الإنسان الحي! أو حكاية تحالف الصيد المشترك الذي عقده الأسد مع الحمار البري، الأوّل لأنه قويّ وملك، والثاني لأنه سريع الركض وحمّال أثقال. الأسد اعتمد الحسبة التالية في تقسيم الطرائد: حصّة أولى للأسد بوصفه ملك الغابة، وحصّة ثانية للأسد لأنه الأقوى، وحصة ثالثة للحمار… ولكن من الحكمة أن تُترك للأسد أيضا، ثمنا لبقاء الحمار على قيد الحياة!
وهذه حكاية ثانية: وقع نسر في قبضة صياد قاسي القلب، سارع إلى قصّ جناحَيْه، وحبسه في القنّ مع الدجاجات. أشفق رجل على النسر فاشتراه، وأبقاه تحت رعايته حتى نبت ريش جناحيه، فأطلق سراحه. النسر سارع إلى اقتناص أرنب، وأهداه إلى الرجل الثاني من قبيل ردّ الجميل. الثعلب خاطب النسر بسخرية: كان الأحرى بك تقديم الهدية إلى الذي اصطادك وليس إلى الذي ردّ لك كرامتك. الثاني لن يؤذيك في كلّ حال، والأوّل هو الجدير بالرشوة!
حكاية أخيرة: ذات يوم لاحظ القرويون أنّ الجبل يتمخض، إذْ تصاعد الدخان من قمّته، وارتجّ السفح، وتهاوت أشجار، وتدحرجت صخور، وكان محتما أن تشهد الأرض وقوع حدث جلل. ثمّ انشقّ الجبل عن أخدود صغير، فارتعدت فرائص الناظرين خوفا وترقبا، حتى هالهم أنّ فأرا أطلّ برأسه من الشقّ، ليس أكثر؛ فكان أن اجترحوا ذلك القول المأثور: تمخض الجبل فولد فأرا!
وقد لا يكون معروفا على نطاق واسع أنّ سوريا هي الموطن الأصلي لـ«خرافات إيسوب»، وأنّ المواطن السوري الذي تدين له الإنسانية بهذا الفضل الكبير هو بابريوس؛ الذي عاش في القرن الأوّل الميلادي، ولا نعرف عن حياته إلا النزر اليسير، وكان اسمه سيظلّ مغمورا منسيا لولا أبحاث ريتشارد بنتلي (1662 ـ 1742)، العلاّمة الإنكليزي البارز في الآداب اليونانية الكلاسيكية. ففي كتابه «أطروحة حول خرافات إيسوب»، تعمّق بنتلي في تحليل لغة الحكايات المنسوبة إلى إيسوب (الذي يرجح هيرودوت أنه عاش في جزيرة ساموس اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد، مقابل باحثين آخرين يعتبرونه شخصية مختلَقة كما سلف القول)؛ فوقع على عدد كبير من الصياغات والجُمَل والفقرات التي تعود إلى بابريوس وحده. الدليل القاطع جاء سنة 1842، على يد الباحث اليوناني مينويديس ميناس الذي عثر، في أحد أديرة جبل آثوس، على مخطوط بتوقيع بابريوس، يضمّ 123 خرافة مطابقة لتلك التي ذاعت باسم إيسوب.
.. الأمر الذي يعني أنّ عالم الحيوان هذا، تحديدا، قد يكون عالي الفائدة في أروقة البيت الأبيض، وربما في المكتب البيضاوي تحديدا!

 

صبحي حديدي


(القدس العربي)

 

عرسال نصر الله:

ذرّ الرماد الدامي

صبحي حديدي

 

كما بات معتاداً في كلّ «خطبة نصر» يلقيها حسن نصر الله، الأمين العام لـ»حزب الله»، طفحت البلاغة اللفظية التي تزعم التجرّد من المذهب الضيّق، وتتوجه إلى «كل المسيحيين بكل طوائفهم ومذاهبهم وكل المسلمين بطوائفهم ومذاهبهم»؛ وتنأى، في اللفظ وحده، عن مصالح الحزب ومَن يمثّل وبمَنْ يأتمر، لكي تغازل «جميع اللبنانيين وكل شعوب المنطقة التي تعاني من الإرهاب التكفيري»، وتهديهم «النصر» الأخير في عرسال. وبالطبع، كما في كلّ خطاب أيضاً، كانت فلسطين حاضرة (لأنها روح الحزب وجوهر نضالاته، غنيّ عن القولّ)، فتوجّه نصر الله بالتحية إلى «المرابطين في القدس». وإلى «أهل الضفة، وكلّ الفلسطينيين».
هذا ما طفا على السطح، أولاً، لكي يُخلي العمق سريعاً لخطاب آخر؛ مذهبيّ صريح، حزبيّ تعبوي ضيّق، لا تأتأة فيه ولا غمغمة: «أوجّه التحية إلى كلّ المضحين، إلى الشهداء والجرحى المجاهدين وعوائلهم، وأقول إنّ فيكم الحسين والعباس وزينب»، هكذا هتف نصر الله، و»غصّ بدموعه» حسب توصيف صحيفة «الأخبار» اللبنانية. كذلك أهدى نصر الله «نصر» حزبه إلى «ورثة أهل البيت، بكم أخرجَنا الله من ذلّ الاحتلال والهوان والضعف والخوف والهزيمة». وليس ذكر الجيش اللبناني، في خانة فريدة حقاً، هي «شريك وعمدة المعادلة الذهبية»؛ إلا من قبيل ذرّ الرماد في العيون، وإشراك جيش خانع أمام سلاح «حزب الله»، ذليل وتابع وذيلي، لم يعد يملك استقواءً إلا على النازح السوري في مخيماته. 
والحال أنّ نبرة نصر الله تعيدنا إلى خطاب سابق، قبل ثلاث سنوات، كان أشدّ وضوحاً في تحديد الانتماء المذهبي الإقليمي والعالمي للحزب، وليس هويته المحلية وحدها؛ حين هتف نصر الله: «نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم»؛ و»نحن الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري». وبالطبع، كان ذلك الإعلان لا يأتي بجديد لا يعرفه العباد، ولا يعيد تعريف الحزب المعرّف جيداً لتوّه؛ بقدر ما يدخل في خصومة مذهبية علنية مع الآخرين، لجهة التشديد على الركنَيْن، «الإماميّ» و»الإثنا عشري»، تحديداً. وكان القصد، يومها كما في كلّ لجوء إلى هذا التشخيص المذهبي، هو التعبئة العقائدية والتحشيد الشعبي من جهة أولى؛ ثمّ التشديد، أكثر وأوضح، على أنّ الانتماء الإمامي والإثنا عشري لا يقتصر على الدين والمذهب، بل يشمل الدنيا والسياسة، وينتهي إلى طهران، حيث الوليّ الفقيه.
جديرة بالاستعادة، أيضاً، تلك الروحية التي امتاز بها نصر الله الشاب، قبيل صعوده السريع في سلّم قيادة الحزب؛ وحين كان الشحن المذهبي، دائماً وأوّلاً، ركيزة تنظيمة كبرى، قبل أن يكون خياراً في العقيدة. يُسأل الأمين العام عن شكل نظام الحكم الذي يريده الحزب في لبنان، فيقول (وننقل بالحرف): «بالنسبة لنا، ألخّص: في الوقت الحاضر ليس لدينا مشروع نظام في لبنان. نحن نعتقد بأنّ علينا أن نزيل الحالة الاستعمارية والإسرائيلية، وحينئذ يمكن أن يُنفّذ مشروع، ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان، ونائبه بالحقّ الوليّ الفقيه الإمام الخميني».
ثمّ يُسأل عن علاقة الحزب بإيران، فيقول: «هذه العلاقة، أيها الأخوة، بالنسبة لنا أنا واحد من هؤلاء الناس الذين يعملون في مسيرة ‘حزب الله’، وفي أجهزته العاملة، لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لديّ يقين وقطع في أنّ هذه الأجهزة تتصل، عبر مراتب، إلى الولي الفقيه القائد المبرئ للذمة الملزم قراره. بالنسبة لنا هذا أمر مقطوع ومُطْمَأن به (…) وهذه المسيرة إنما ننتمي إليها ونضحي فيها ونعرّض أنفسنا للخطر لأننا واثقون ومطمئنون بأنّ هذا الدم يجري في مجرى ولاية الفقيه». ورغم أنه يعتب، خلال الجلسة ذاتها، على تصريح آية الله كروبي بأنّ الحزب «هنن جماعتنا في لبنان»؛ فإنّ نصر الله لا يجد عيباً في التصريح إلا من حيث المستوى الإعلامي: «هيدا مش صحيح، إعلامياً مش صحيح»!
ثالثاً، يسألونه مَن أعلم بالحالة السياسية ومتطلباتها في لبنان»، فيجيب نصر الله (نبرة جازمة وعصبية، بعد أن يلقي بورقة السائل على الطاولة أمامه، كما يُظهر الفيديو): «الأعلم هو الإمام الخميني! لماذا؟ لأنني سابقاً ذكرت بأنّ الحالة السياسية في لبنان ليست حالة معزولة عن حالة المنطقة. هي جزء من حالة الصراع في الأمّة، هي جزء من وضع الأمّة، فكما أنّ إمام الأمّة يعرف هذا الجزء، يعرف هذا الجزء (…) الإمام الذي يخطط، هو يخطط للأمّة. المجتهدون تأتي أدوارهم في كلّ بلد، مكمّل [كذا] لخطّ الإمام، ولمشروع الأمّة الإسلامية الواحد. فلا يجوز أن نجزئ صراع الأمّة مع أعدائها، ما دام الأعداء يخوضون صراعاً واحداً مع الأمّة، فيجب أن يكون [كذا] إدارة الأمّة في صراعها واحدة، وهي من خلال الإمام». 
الأرجح أنّ أحداً، في أجهزة الحزب ومؤسساته الإعلامية تحديداً، لن يجد جسارة كافية للزعم بأنّ هذه الاطروحات لصيقة بسياقات محددة، وبالتالي لا يجوز إخراجها منها، ولا قراءة مواقف نصر الله وسياسات حزبه على ضوئها. ثمة استمرارية عضوية، أقرب إلى مبادئ كبرى ناظمة، حكمت علاقة الحزب بالمشهد اللبناني الداخلي ثمّ الجوار الفلسطيني والسوري والعراقي، واليمني لاحقاً (للتذكير فقط: في خطبته الأخيرة توجه نصر الله بالتحية إلى «السيد عبد الملك الحوثي، الذي أعلن بوضوح وقوفه مع اليمنيين إلى جانب لبنان في أي معركة مع العدو الإسرائيلي، وهذا تأكيد لمعادلة القوة التي تريد أمتنا أن تكرّسها»؛ رغم أنّ «نصر» نصر الله كان في جرود عرسال وليس في مواجهة أية «إسرائيل»، فعلية كانت أم متخيَّلة). وفي هذا كلّه، ثمة «الإمام الذي يخطط»، وهو الذي «يخطط للأمّة». 
وفي كلّ حال، ليس للغطاء المذهبي العقائدي أن يحجب حقائق حروب «حزب الله» في عرسال، هذه وسواها التي سبقتها؛ وأنها، في أوّل المطاف وآخره، امتداد طبيعي لحروب الحزب إلى جانب نظام بشار الأسد، وضدّ الشعب السوري؛ قبل أن تكون ضدّ «النصرة» أو «داعش»… قبلها، وأقدم منها كثيراً في الواقع. ثمة، في البدء، ستراتيجية ركيكة للإيحاء بأنّ حروب الحزب في عرسال (حتى بذرائع أشدّ ركاكة، تتصل بحروب الجيش اللبناني العتيد) تبرر تدخل الحزب العسكري في دمشق ودرعا وحمص وحلب وحماة ودير الزور. وثمة، بالتوازي التامّ، تعمية خبيثة على جرائم الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية ضدّ النزوح السوري، وعقاب لأهل عرسال اللبنانيين على تعاطفهم المبكر مع الانتفاضة السورية.
وتبقى خلاصة ثالثة، تخصّ التهويل العاطفي الذي تُغطى به مقولة «الالتفاف الوطني» حول الجيش اللبناني، وأنه «خطّ أحمر»… حين يتصل الأمر بالنزوح السوري، حصرياً. أمّا أنّ هذا الجيش منتهَك الكرامة، عسكرياً ومعنوياً، أما سلاح «حزب الله» أوّلاً، والميليشيات كافة ثانياً؛ وأنّ الجوهر الأقصى لوظائفه بات منحصراً في ترقية قائد إلى رتبة رئيس الجمهورية، حيث يسود الوئام الوطني ساعة، وتهيمن الانشطارات الطائفية والمذهبية والطبقية كلّ ساعة… فهذه اعتبارات لا يُسكَت عنها، فحسب؛ بل يُكمّ كلّ فم يتجاسر على تظهير حقائقها الساطعة.
وهكذا فإنّ «نصر» عرسال اليوم، مثل جميع «انتصارات» حزب الله» منذ تدخله العسكري في سوريا: ذرّ لرماد دامٍ في العيون، وهزيمة نكراء لبلد كان يسمى لبنان، وصار محض «جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

ماكرون وأفريقيا:

التفضّل «الحضاري»

على ثلث أرحام العالم

صبحي حديدي

 

في نيسان (أبريل)، هذا العام، كان إيمانويل ماكرون مجرد مرشح للرئاسة في فرنسا. وحين سُئل عن القارة الأفريقية، خلال ندوة مع صحافيي «لوموند»، قال التالي: «حين أنظر إلى أفريقيا، أرى بالفعل قارّة المستقبل. أفريقيا توشك على إنجاز تحوّل لا سابق له، بنموّ متواصل منذ سنة 2000، وعمران وطفرة في الطبقات الوسطى، وتنمية للقطاع الخاص، وشبيبة خلاقة ودينامية. هنالك بالطبع تحديات يتوجب أن تواجهها أفريقيا: الديموغرافيا، الأوبئة، الاختلالات المناخية التي تعاني منها، حالات انعدام التكافؤ، وضعف الحكم. ولكنني مقتنع أنّ أفريقيا سوف تفاجئ العالم بديناميتها. إنّ من مصلحتنا أن نكتب صفحة جديدة في علاقتنا مع أفريقيا».
فماذا عن ماكرون، الرئيس الفرنسي المنتخب؟ بادئ ذي بدء، كانت خطوته «الأفريقية» الأولى هي زيارة القوات الفرنسية المتمركزة في مالي؛ ليس للإعراب عن تضامن الرئاسة مع أبناء فرنسا من العسكريين الذين يتولون مهامّ قتالية حافلة بالمخاطر خارج فرنسا، فحسب؛ بل كذلك لإتمام أولى الرموز ذات الطابع العسكري المحض في رئاسة ماكرون، أي صعود جادة الشانزيليزيه على متن عربة عسكرية، وليس في سيارة مدنية كعادة رؤساء فرنسا. وقد يرى البعض أنّ ماكرون، في اللمسة العسكرية تجاه أفريقيا، يتذكر ـ ولعله كان يذكّر، أيضاً ببعض ـ ماضي فرنسا العسكري التليد مع القارّة؛ منذ الجنرال شارل دوغول، وحتى فرنسوا هولاند (في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتيران، بلغ عدد الجنود الفرنسيين المنتشرين في أفريقيا الفرنكوفونية 60 ألف عسكري).
لكنّ ماكرون الرئيس ذهب أبعد في التبشير بسياسته الأفريقية، خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة العشرين في هامبورغ، رداً على سؤال من صحافي أفريقي حول إمكانية توفير «خطة مارشال» خاصة بالقارة؛ وكانت نُذُر البشرى، تلك، حافلة بالمفاجآت! لقد ابتدأ بالقول إنّ خطة مارشال تدور أولاً حول «إعادة البناء، المادي»، في بلدان تمتلك «توازنها، وحدودها، واستقرارها»؛ وهذا، غنيّ عن القول، تشخيص خاطئ تماماً، في ما يخصّ خطة مارشال بمعناها الكلاسيكي، وفي سياقاتها التاريخية المحددة. ذلك لأنّ تلك الخطة انطوت على عون أمريكي هائل لأوروبا أربعينيات القرن الماضي، حين كانت القارّة العجوز خربة ومنهارة وممزقة (أي نقيض صفات التوازن والحدود والاستقرار التي ساقها ماكرون)؛ تتضور جوعاً إلى ما ستحمله الشاحنات الأمريكية من موادّ إغاثة، كانت تبدأ من الدقيق والحليب، ولا تنتهي عند قلم الرصاص وكيس الإسمنت.
وللتذكير، في يوم الخامس من حزيران (يونيو) 1947، ألقى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جورج مارشال، خطبة قصيرة في حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب جامعة هارفارد؛ ضمّنها إطلاق المبادرة الدبلوماسية الأضخم، والأكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة في حينه: ما سيعرف فيما بعد باسم «خطة مارشال» لانتشال أوروبا من أوزار الحرب العالمية الثانية. 
يومها لم تكترث الصحافة الأمريكية بخطبة من سبع دقائق، ألقاها رجل جافّ الروح وصارم الملامح، لا تنفرج شفتاه عن ابتسامة مجاملة حتى عندما يطلق فرانكلين روزفلت واحدة من النكات الرئاسية المأثورة. ولأنّ أحداً لم ينتبه، كما يتوجب، فإن أحداً لم يناقش خطورة مشروع فريد عكفت على هندسته أكبر أدمغة الإدارة آنذاك (مارشال نفسه، بمعونة دين أشيسن، جورج كينان، وليام كلايتون، وشارلز بوهلن)؛ وسوف يقلب العالم رأساً على عقب، وسيتكلف 13 مليار دولار (أكثر من 90 مليار في حسابات هذه الأيام).
المفاجأة الثانية لم تتأخر، بعد ذلك التوصيف الخاطئ لمفهوم «خطة مارشال» وسياقاتها التاريخية؛ إذْ انتقل ماكرون إلى خلاصة أخرى صاعقة: «تحدّي أفريقيا مختلف تماماً، إنه أعمق بكثير، إنه حضاري اليوم»! فهل ذهبت أدراج الرياح، بين نيسان الماضي وتموز (يوليو) الراهن، تلك الصفات التي خلعها ماكرون على أفريقيا؛ لجهة نموّها، وعمرانها، وطبقاتها الوسطى، وشبيبتها، وأنها «أفريقيا المستقبل»؟ وحين تحدّث ماكرون، المرشح الرئاسي، عن تحديات أفريقيا (الديموغرافيا، الأوبئة، الاختلالات المناخية التي تعاني منها، حالات انعدام التكافؤ، وضعف الحكم)؛ لماذا لم يعتبرها «حضارية» في حينه، كما اعتبرها اليوم ماكرون الرئيس؟ وإذا جاز للمرء أن ينزّه الرئيس الفرنسي عن التفكير العنصري، لأنه في الواقع ليس عنصرياً، فهل يجوز تنزيه مفردة «حضاري» عن المعاني المرذولة التي انطوت عليها تاريخياً، خاصة في إطار «المهمة التمدينية»
Mission civilisatrice، أو «رسالة الحضارة» الفرنسية الأشهر على امتداد التاريخ الاستعماري؟
وكيف تناسى ماكرون أنّ تلك «المهمة التمدينية» اقترنت، حرفياً، بتاريخ استعماري بغيض ودام، صنّفه هو بنفسه في خانة «جريمة حرب ضدّ الإنسانية»؛ حين كان مرشحاً للرئاسة، بالطبع؟ ألم يكن مجرمو الحرب، أولئك، من الإسبان في الأمريكتَيْن، والفرنسيين في الجزائر وأفريقيا الوسطى والغربية، والبريطانيين في الهند، والبلجيكيين في الكونغو، والبرتغاليين في أنغولا، والهولنديين في جنوب أفريقيا؟ الإسبان أبادوا قرابة 70 مليون «هندي أحمر»، كما ستصبح تسمية أبناء الأقوام الأصلية؛ وفي ذمّة الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، وحده، أكثر من عشرة ملايين أفريقي كونغولي، قضوا في سخرة صيد العاج؛ ولائحة أهوال الاستعمار الغربي تنطوي على صفحات من البربرية العارية المفتوحة، تتجاوز بكثير حدود ما يمكن أن تشمله معنى الإجرام بحقّ الإنسانية.
المفاجأة الثالثة أنّ ماكرون، الذي اعتبر أفريقيا قارّة المستقبل، بات ـ في إهاب الرئيس، مجدداً! ـ يرى أنّ المشكلة في أرحام نسائها، التي تلد سبعة أطفال أو ثمانية؛ وأياً كانت المليارات التي تصرفها (باسم المهامّ التمدينية، كافة)، «فإنك لن تحقق أيّ استقرار»! شاقّ، حقاً، على امرئ ينزّه ماكرون عن العنصرية، أن يفلح في تنزيهه عن الاستكبار والتفضّل والتكرّم على «الآخر»، الذي يحدث أنه، أو أنهنّ بالأحرى، ثلث نساء العالم! هنا، أيضاً، تناسى ماكرون أنّ المشكلة الديمغرافية ليست أحادية الجانب، تتصل فقط بإنجاب أطفال أكثر؛ وأنها متعددة الأبعاد، اقتصادياً وتنموياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً. وهي، لعلم سليل دولة مارست جرائم الحرب الاستعمارية، مشكلة سياسية أيضاً، تضرب بجذورها في التاريخ الاستعماري ذاته. ولعله تناسى، إذْ يصعب على مثله نسيان، أنّ بعض أهمّ عناصر «المهمة التمدينية» كان فرض الهداية إلى المسيحية الكاثوليكية، التي تحظر منع الحمل والإجهاض، ويلتزم ملايين الأفارقة المسيحيين بهذا الحظر كواجب ديني لا محيد عنه.
وعلى ذكر المليارات، كان جديراً بالرئيس الفرنسي ـ التكنوقراط، سليل قطاعات الصيرفة والاستثمار ـ أن يتوقف عند بُعد آخر في علاقة فرنسا بالقارة الأفريقية، أو شطرها الفرنكوفوني على الأقلّ: أنّ الشركات الفرنسية تستأثر، على نحو أقرب إلى الاحتكار، بالميادين الأكثر ستراتيجية في الاقتصادات الأفريقية، من قطاعات الكهرباء والاتصالات، إلى الموانئ والمطارات والبنى التحتية، مروراً بالتعدين والنفط والماس والذهب… فهل، سريعاً بعد انتخابه، انقلب ماكرون المرشح، ليبراليّ الوسط المؤمن بالأسواق ومكامن الاستثمار و»أفريقيا المستقبل»؛ إلى ماكرون النيو ـ ليبرالي، المتفضّل اقتصادياً على الأسواق التي يستثمر فيها، العازف عن تطويرها لأنّ عوائقها «حضارية»، المتكبّر على أرحام نسائها، الذي يأنف من مشكلاتها المستعصية في الديمغرافيا وفشل الدولة والإرهاب الإسلامي؟
في كلّ حال، لا يلوح أنّ الأوّل، المرشح، احتاج إلى زمن طويل كي تتكشف في داخله، ثمّ على لسانه وسلوكياته وسياساته، بعض الخصائص النوعية التكوينية، التي كانت خبيئة على نحو أو آخر؛ وكان بلوغ ذروة هرم السلطة كفيلاً بدفعها إلى العلن، حتى حدود الافتضاح، وتكشير الأنياب «الحضارية»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

 

الموصل: طريق

 سليماني إلى اللاذقية!

صبحي حديدي

 

رغم أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» لم يعد يسيطر إلا على مساحات ضئيلة في مدينة الموصل وجوارها، فإنّ عناصره أفلحت، منذ أواسط حزيران (يونيو) الماضي، في شنّ سلسلة هجمات مضادة مباغتة؛ أسفرت عن تفكيك خطوط الدفاع الأولى للجيش النظامي العراقي، خاصة الفرقة 16 التي تتولى قتال «داعش» في المدينة القديمة. آخر تلك الهجمات وقعت يوم الجمعة الماضي، حين نجح عشرات من مقاتلي التنظيم في اختراق صفوف الفرقة، وإجبارها على التراجع عشرات الأمتار خلف الأبنية السكنية، وبعيداً عن أحد الطرق الرئيسية. قبل هذا كان مقاتلو «الدولة»، متخفين في ثياب عناصر «الحشد الشعبي»، قد باغتوا الجيش العراقي عند الأطراف الغربية للمدينة، فانهارت القطعات التي تعرضت للهجوم، في مشهد أعاد التذكير بالأيام الأولى لسقوط المدينة السهل في أيدي جحافل «داعش»، قبل ثلاث سنوات.
ذلك يعني أنّ طريق تحرير المدينة ما يزال طويلاَ، من جانب أوّل، بالنظر إلى ما يعدّه تنظيم «الدولة» من تكتيكات مضادة، على أصعدة عسكرية تقليدية وأخرى أقرب إلى حرب العصابات. كما يعني، من جانب آخر، أنّ مفهوم «التحرير» محفوف بإشكاليات شتى، وتعقيدات سياسية وعسكرية ومذهبية وإثنية، من جهة ثانية. أوّل العناصر التي تضع علامات ارتياب كبرى حول مصداقية تحرير المدينة، هو موقع «الحشد الشعبي» في المعادلة: أهو تابع، أولاً، لقيادة العراق السياسية والعسكرية الرسمية (رئيس الوزراء حيدر العبادي، وكبار قادة الجيش النظامي)؛ أم يأتمر، عسكرياً وسياسياً ومذهبياً، بالجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» الإيراني أيضاً؟ وكيف تُفسّر مشاعر البغضاء الفاضحة تجاه سنّة الموصل، والعراق عموماً، التي لا يجد أبو مهدي المهندس، القائد الفعلي الميداني لـ«الحشد»، أيّ حرج في الإعراب عنها؟ وماذا عن حقائق الأرض، وأعمال التصفيات والتعذيب والتطهير المذهبي والمناطقي، التي مارستها وتمارسها قوات «الحشد» أينما انتشرت إجمالاً، وفي الموصل تحديداً؟ وأيّ مهامّ «تحريرية» يتولى «الحشد» تنفيذها داخل الأراضي السورية، ضمن مشروع حلم سليماني بالسفر عبر طريق برّي يقوده من إيران إلى اللاذقية، عبر العراق؟
هذه الأسئلة، التي تخصّ «الحشد» وحده بادئ ذي بدء، سوف تتوالد عنها أسئلة أخرى كثيرة تخصّ تكوينات الموصل المذهبية والإثنية الأخرى؛ إذْ ليس من المنتظَر أن يتقبّل السنّة والكرد والكلدان والتركمان، في الأمثلة الأبرز، طراز الهيمنة التي تبشّر به ممارسات ميليشيات أبو مهدي المهندس، في أطوار ما بعد «التحرير». وليس خافياً، بالطبع، أنّ «الحشد» لم يعد مجرد ميليشيات عسكرية، وليس البتة على غرار ما أفتى به السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الكبير، حول استحقاقات «الجهاد الكفائي»؛ بل صار «الحشد» قوّة كبرى، فاعلة وفعلية، في المستويات السياسية والحزبية، وتحديداً بعد النقلة الحاسمة في اعتزام خوض الانتخابات التشريعية كمجوعة عسكرية (على نقيض ما يقول الدستور العراقي!).
ولعلّ سليماني، وجنرالاته في «الحشد»، سوف ينشغلون بمعارك «تحرير» الطريق البرّي إلى اللاذقية، أكثر بكثير من انشغالهم بما ستعتمده «داعش» من تكتيكات قتال مضادة، وهجمات مضادة أكثر شراسة وعنفاً، في مناطق أخرى من العراق. ذلك لأنّ تنظيم «الدولة» ما يزال ـ للتذكير المفيد مجدداً، ودائماً ـ يمتلك هوامش مناورة قتالية، وجيوباً يسهل التحشيد فيها، وخلايا نائمة يمكن إيقاظها في كلّ حين لتتولى مهامّ التشويش والإرباك ودبّ الاضطراب. صحيح أنّ المواطن العراقي، في الموصل ذاتها كما في كلّ وأية منطقة عراقية أخرى، يظلّ ضحية «داعش» الأولى؛ إلا أنّ قاتله التالي هو سلطة حاكمة بائسة، مطعون في شرفها الوطني والأخلاقي، تنحدر أدنى فأدنى نحو درك الطائفية والتمييز والفساد والقصور والتبعية، وتُسلم قياد البلد إلى جنرالات أغراب، على رأس ميليشيات محلية مذهبية.

(القدس العربي) لندن

 

توريث محمد بن سلمان:

هلام الرمال المتحركة

صبحي حديدي

 

قد يصحّ القول إنّ الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز يدفع اليوم ــ من تحت الثرى بالطبع، وبمفعول رجعي ــ ثمناً باهظاً لقاء مناورة لاح أنها بارعة وحاسمة؛ خاصة بعد تقديمها في صورة خطوة «إصلاحية»، لتنظيم تناقل العرش داخل ذرية عبد العزيز بن سعود. وبالفعل، بدا أنّ إصدار «نظام هيئة البيعة»، خريف 2006، خصوصاً تعديل الفقرة ج من المادة الخامسة لنظام الحكم (والتي تسحب من الملك صلاحية تسمية وليّ العهد، وتسنده إلى هيئة البيعة)؛ خطوة تعديل حاسمة من طراز غير مسبوق في المملكة. لكنها كانت ناقصة، ابتداءً من منطق صلاحياتها ذاته، لأنّ الملك هو الذي يقترح على أعضاء الهيئة اسم، أو أسماء، المرشحين لولاية العهد، حتى إذا كان النظام الجديد يمنح الهيئة حقّ رفض اقتراحات الملك، واختيار مرشح آخر.
ولقد توفّر، مع ذلك، هامش مناورة مزدوج النتيجة، لأنه أتاح إمكانية المزيد من الاتفاق بين الأمراء، أو المزيد من الشقاق والخروج على إرادة الملك؛ وهذه حال لم تكن متوفرة في الماضي، أو كانت تتمّ في الخفاء وخلف جدران القصور السميكة الكاتمة للأسرار. هذا، بالطبع، إذا استبعدنا حقيقة أنّ مرض الملك (وهو تطوّر شبه دائم في حياة ملوك السعودية) قد يعيقه عن القرار عملياً، رغم بقائه على رأس الحكم وفي سدّة القرار؛ كما حدث مع الملك فهد طيلة العقد الأخير من حياته، حين أصيب بجلطة في الدماغ، وعهد بتصريف شؤون المملكة إلى أخيه الأمير عبد الله، وليّ العهد في حينه.
هنالك، إلى هذا، حقيقة عتيقة راسخة انتقصت من الطبيعة «الإصلاحية» لهذه الخطوة؛ وهي أنّ أوالية التوريث والخلافة في المملكة ليست دائماً بالسلاسة التي تبدو عليها في الظاهر، من جهة؛ وهي، من جهة ثانية، يندر أن تأخذ صيغة سيرورة سياسية قائمة على توازنات القوّة ومحاصصة النفوذ وحدها، لأنها أيضاً مسألة اجتماعية تضرب بجذورها عميقاً في نواظم المجتمع السعودي، وهياكله القبائلية والمناطقية. في عبارة أخرى، لم يكن واضحاً ــ على الدوام في الواقع، وحتى بعد تأسيس «هيئة البيعة» ــ ما إذا كانت فلسفة الخلافة في المملكة قد ضربت صفحاً عن معظم، أو حتى بعض، تلك القواعد الصارمة، البسيطة تماماً مع ذلك، التي وضعها ابن سعود في عام 1933؛ حين اندلعت نزاعات الأبناء، وقرّر الملك المؤسس توريث سعود وفيصل في آن معاً، لكي يقرّر ضمناً أن مبدأ الشراكة المعلنة هو القاعدة الناظمة للولاء العائلي.
هذا هو بعض السبب في أنّ مبايعة الأمير عبد الله، صيف 2005، بدت سلسة ويسيرة وخالية من أية عواقب دراماتيكية آنية. صحيح أنه لم يكن عضواً في نادي «السديريين السبعة»، وهو أخ غير شقيق لهم؛ والملك الراحل نفسه، فهد، كان في العام 1992 قد انفرد بتثبيت مبدأ مبايعة العضو «الأقدر» و»الأرشد» بين أبناء عبد العزيز (مما أعطى سقيفة المبايعة صلاحيات الطعن في قدرة، أو رشد، أي عضو مرشح بحكم السنّ، أو أقدمية التسلسل في الخلافة، أو حتى ولاية العهد بموجب إرادات سابقة واضحة). ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ الملك الذي تُوّج كان النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء بقرار من الملك خالد، وكان ولي العهد، والنائب الأوّل، وقائد الحرس الوطني (75 ألف مقاتل، بتدريب أمريكي رفيع)، وأبرز المتحالفين مع عشائر شمّر التي تمتد أفخاذها حتى مثلث الحدود التركية ـ السورية ـ العراقية.
ليس واضحاً، تالياً واستطراداً، ما إذا كانت قواعد الخلافة السابقة، مثل أية قواعد لاحقة، قادرة على إسقاط المبدأ الآخر في تحكيم الوراثة؛ أي إقامة ميزان الذهب بين القبيلة والفتوى والدولة، وبين السلطة القبلية وسلطة الإفتاء والسلطة المركزية، أياً كان المحتوى الفعلي لهذه الأخيرة. وهكذا فإنّ صيغة التعاقد، بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، فرضت على آل سعود اعتماد مزيج من سياسات «إدارة» العقد؛ مثل إضعاف الامتيازات القبلية، وتوطيد القرابات والولاءات، ودعم الأسس الإدارية والبيروقراطية الضرورية، وإتمام الزواج (الناجح، أو حتى ذاك القائم على المصلحة المشتركة) بين هذه الأسس شركات النفط العملاقة، واستيراد التكنولوجيا، والمضيّ قدماً في التحالفات الإقليمية والدولية، وتطبيق استراتيجية أمنية انعزالية وجامدة ووقائية… كل هذا، في آن معاً!
وكانت أربعة عقود من التصارع بين السلطة القبلية وسلطة الفتوى والسلطة المركزية قد أقنعت ابن سعود باستحالة إغفال أيّ منها لصالح أخرى، فأوصى أبناءه بإدامة التوازن الدقيق، وبذل آخر ما تبقى في جعبته من حنكة سياسية في ضمان خطّ تعاقبي آمن في وراثة العرش. لكنّ تحوّل المملكة إلى منتج أساسي للنفط في عهد الملك سعود، وتجاوز سقف المليون برميل يومياً، أسند للعائدات النفطية وظيفة سوسيولوجية جديدة وخطيرة هي تدمير هياكل التوازن التي شيّدها ابن سعود؛ خصوصاً ذلك التشارك القلق بين القِيَم القبلية، وأصول الدين، ونظام الإدارة. والخبرة التي راكمتها الأسرة الحاكمة في تدبير الشأن القبلي لم تستطع تقديم إجابات ملائمة على أسئلة وتحديات العمران والتحديث (التي أضعفت الأواصر القبلية، بالضرورة)؛ وتوزيع عائدات النفط (التي ضاعفت إيقاع الولاءات الشخصية، وعلاقات الاستزلام)؛ والظواهر السياسية الإقليمية والدولية، خاصة في ظل المدّ القومي العربي، واشتداد الحرب الباردة، قبيل الثورة الخمينية وصعود الإسلام السياسي.
ولكن المعادلة كانت مسقوفة، أو محتومة بمعنى ما، ولم يكن في وسع المملكة أن تواصل انشطارها العميق والمؤلم بين حاجات المجتمع والحياة، وبين تركة الزواج القسري الذي جمع المؤسسة والقبيلة. من جانب آخر كانت سيرورة ارتهان المملكة للسياسة الأمريكية (من الإنفاق على الانتخابات البلدية الإيطالية لكي لا ينجح الشيوعيون، إلى تحالف حفر الباطن واستقدام القوّات الأمريكية، إلى غزو العراق 2003، وصولاً إلى عقود التسليح والاستثمار المرّيخية التي حصدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته الأخيرة…)؛ تخلق وقائعها وظواهرها الرديفة أو المكمّلة، التي لم تكن دائماً تأتي برياح تلائم سفائن آل سعود: من استيلاد «الأفغان العرب»، إلى الـ 15 سعودياً من أصل 19 انتحارياً نفّذوا هجمات 9/11، مروراً بالتورط التمويلي مع بعض فصائل المعارضة الإسلامية في سوريا، والتورط العسكري المباشر في اليمن…
تولية محمد بن سلمان تعيد عقارب الساعة إلى ذلك السقف المحتوم، رغم أنها توحي بتقديم الزمن إلى 2030، (ليس أقلّ!)، ورغم ما تنطوي عليه من «دغدغة» لما سُمّيت بـ»القوى الليبرالية» و»التكنوقراط»؛ على نقيض (يُصوّر، هنا أيضاً، على أنه تناغم مع) المؤسسة الدينية الوهابية. وقبل أن تنطلق مشاريع وليّ العهد، الثلاثيني، نحو عقد الثلاثينيات؛ ثمة مشهد آخر رديف، تصعب إزالة عناصره عن المعادلة: اهتزاز شرعية آل سعود الدينية والسياسية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، ومشكلات البطالة وانخفاض الدخل الفردي، ارتفاع المديونية العامة، وعشرات المشكلات الاجتماعية والسياسية الأخرى.
والتولية تعيد آل سعود إلى حصاد ما بعد مناورة «هيئة البيعة»، حين رحل صانعها الملك عبد الله، وأُبطلت ولاية عهد مقرن بن عبد العزيز، ثمّ محمد بن نايف اليوم؛ الأمر الذي لا يشير إلى أنّ هذه الهيئة حبر على ورق، فحسب؛ بل لعلها لم تُكتب بمداد، بل برمال متحركة، رخوة وهلامية، فاتحة كسور وصدوع وهزّات، داخل المملكة وخارجها. ما خلا أنّ الناس ليست دائماً على دين ملوكها، وبالتالي قد يكون الآتي أعظم مما تقدّم، وأبعد أثراً وعاقبة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

بريجنسكي والجهاد الإسلامي:

رحل الصانع وبقيت الصناعة

صبحي حديدي

 

بين الصور الصحفية التي اختارتها صحيفة «نيويورك تايمز»، في مناسبة رحيل زبغنيو بريجنسكي (1928ـ2017) قبل أيام؛ ثمة واحدة تجمع بين الطرافة الفوتوغرافية، والمغزى السياسي والثقافي المزدوج: صورة «زبيغ» يصغي إلى خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، أمام مجلس الشعب المصري، في تشرين الأول (أكتوبر) 1979. وجه الطرافة الأوّل أنّ مستشار الأمن القومي الأمريكي، يومذاك، كان يسبّح بمسبحة؛ قيل إنّ مسؤولاً مصرياً أقنعه بـ«فضائل» استخدامها. وجه الطرافة الثاني أنّ كلام الصورة، من Gettyimages، كان (ويظلّ، على مستوى الأرشيف، حتى اليوم!) يصف بريجنسكي بـ»مستشار الأمن القومي الإسرائيلي»؛ وبالنظر إلى مسرد انحيازات الرجل العمياء إلى إسرائيل، كان التوصيف يجيز اللجوء إلى قول مأثور، مع تعديل ضروري: ربّ خطأ خير من ألف صواب!
وثمة تفصيل آخر، غير فوتوغرافي هذه المرّة، ينبثق من تقليد إسباغ المدائح على الراحلين حديثاً، أو ذكر محاسن الموتى وليس البتة أياً من مساوئهم؛ التي قد تكون مثاقيلها أشدّ استدعاء للتقبيح، بدل المديح. هذا، على سبيل المثال، ما ذكّرنا به الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ الذي كان في عداد رؤساء أمريكا الأكثر نفوراً من التدخل العسكري الخارجي المباشر (الأمر الذي تبدّل جوهرياً، أيضاً، في الأشهر الأخيرة من الولاية الثانية)؛ ولكنه قال التالي، في تأبين بريجنسكي: «مثقف جبار، ومدافع منافح مدافع عن القيادة الأمريكية. تأثيره امتدّ على عقود عديدة، وكنت أحد رؤساء عديدين استفادوا من حكمته ونصحه. أنتَ تعرف دائماً أين يقف زبيغ، وأفكاره وحججه ساعدت في تشكيل عقود من سياسة الأمن القومي».
فلنذهب، على سبيل تلمّس بعض ذلك «النصح»، إلى موقفه من انتفاضة الشعب السوري، وكيف رأى «الناصح الجبار» مشهد البلد عموماً. سوريا، عنده، محض حال من الفوضى الشاملة، تسير من سيئ إلى أسوأ؛ وإنْ كانت تمنح الولايات المتحدة فرصة استمالة إيران إلى اتفاق إقليمي شامل، يتضمن الملفّ النووي أيضاً، وينتهي لصالح إسرائيل في المقام الأوّل. وما يجري في سوريا، منذ آذار (مارس) 2011، ليس سوى «أزمة، شاركت في التخطيط لها السعودية، وقطر، وحلفاؤهما الغربيون»، هكذا بجرّة قلم. كتب بريجنسكي، في الدورية الأمريكية اليمينية ذائعة الصيت
National Interest: «في أواخر العام 2011 حدثت اضطرابات في سوريا، تسبّب بها الجفاف واستغلها نظامان أوتوقراطيان في الشرق الأوسط، هما قطر والسعودية». ولكي تكتمل أركان «المؤامرة» هذه، دخلت المخابرات المركزية الأمريكية على الخطّ، وقررت «زعزعة» الحكم في البلد، قبل أن تفطن إلى أنّ «العصاة» الثائرين على «حكومة بشار الأسد» ليسوا جميعهم من الصنف «الديمقراطي»، فكان أن خضعت السياسة بأسرها للمراجعة… 
أو فلنذهب إلى ملفّ آخر، هو انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر؛ حيث بدأ بريجنسكي من افتراض مركزي عنده، بأنّ الانقلابات العسكرية ليست كلها شريرة بالضرورة (بالطبع، على أمثولة انقلاب الجنرال بينوشيه في تشيلي!)؛ هكذا كانت حال الجيشَيْن البرازيلي والتركي، اللذَيْن استعادا النظام الديمقراطي بعد انقلاب عسكري، وهكذا يمكن أن تكون حال الجيش المصري: فلننتظر، يستحثّ بريجنسكي الإدارة الأمريكية، متسائلاً: هل كنّا نعرف شيئاً عن أنور السادات قبل أن يتولى الحكم بعد جمال عبد الناصر (بمعنى: هل كنّا نتوقع منه فضيلة المشاركة في صنع اتفاقيات كامب دافيد مع إسرائيل)؟ هل نعرف ما يكفي، الآن، عن الفريق السيسي؟ مصر، يختتم بريجنسكي، تعيش ثلاث ثورات معاً، سياسية واجتماعية ودينية، فلننتظر إذاً، ولا نتعجّل الحكم.
وبمعزل عن حقيقة أنّ «الاضطرابات» في سوريا لم تبدأ أواخر العام 2011، بل في الشهر الثالث منه؛ وأنّ مناطق «الجزيرة» السورية شهدت الجفاف، ثمّ الهجرة، قبل أشهر من ابتداء «الربيع العربي» واندلاع الانتفاضة الشعبية في تونس؛ فضلاً عن أنّ انتظار انكشاف طوية السيسي قد اتضح أنّ دونه خرط القتاد، وإراقة المزيد من دماء المصريين، مدنيين وعسكريين على حدّ سواء؛ وأنّ انقلابه، الذي اتكأ على إرادة شعبية واسعة ضدّ الأخونة واستبداد الحكم الإخواني، قد ارتدّ على تلك الإرادة الشعبية فحوّلها إلى تفويض مزوّر يعيد العسكر إلى مؤسسة الرئاسة، كما يعيد إنتاج نظام حسني مبارك الأمني بصفة خاصة، بعد تجميله هنا وهناك… بمعزل عن هذه وسواها من حقائق، فإنّ بريجنسكي اعتمد مقداراً فاضحاً من التقدير السكوني لآمال الشعبين المصري والسوري، والشعوب العربية بأسرها في الواقع، والدوافع العميقة خلف التضحيات الجسيمة والوقائع الدامية التي شهدتها بلدان «الربيع العربي» خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
حول العراق، لم يتردد بريجنسكي في الذهاب أبعد ممّا يُنتظَر من أمثاله، فجزم بأنّ «أخطاء الحرب في ذلك البلد لم تكن تكتيكية واستراتيجية فحسب، بل تاريخية أيضاً. إنها، جوهرياً، حرب استعمارية، خيضت في عصر ما بعد ـ استعماري»! تُضاف إلى هذه الخلاصة، التي بدت صاعقة في الواقع لأنها أتت من بريجنسكي دون سواه، أطروحة تكميلية روّج لها الرجل في كتابه «الاختيار: هيمنة عالمية أم قيادة عالمية»؛ مفادها أنّ الواقع العالمي بعد الحرب الباردة وهزّة 9/11، وضع الولايات المتحدة في موقع فريد لأمّة قادرة على تأمين الاستقرار العالمي من خلال السيطرة العسكرية، وقادرة في الآن ذاته على تهديده من خلال الوسيلة العسكرية إياها.
بيد أنّ بريجنسكي هو، قبل هذه الملفات الانفجارية الثلاثة، المهندس الأبرز وراء توريط السوفييت في أفغانستان، ثمّ إطلاق تلك «الصناعة الجهادية» التي أنتجت الطالبان، والأفغان العرب، وأسامة بن لادن، و«القاعدة»… وتتمة المسمّيات والأسماء التي أقضت، وتقضّ، مضجع أمريكا، وأربع رياح الأرض، اليوم! وفي حوار شهير نشرته أسبوعية «لونوفيل أوبزرفاتور» الفرنسية سنة 1998، اعترف بريجنسكي بأنّ البيت الأبيض هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري، وذلك بعد إحباط مخططات المخابرات المركزية الأمريكية لتنظيم انقلاب عسكري في أفغانستان.
وحول ما إذا كان يندم اليوم على تلك العملية، ردّ الرجل: «أندم على ماذا؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة. وكانت حصيلتها استدراج الروس إلى المصيدة الأفغانية، وتريدني أن أندم عليها؟ يوم عبر السوفييت الحدود رسمياً، كتبت مذكرة للرئيس كارتر أقول فيها ما معناه: الآن لدينا الفرصة لكي نعطي الاتحاد السوفييتي حرب فييتنام الخاصة به». ولكن، يسأله الصحافي الفرنسي فانسان جوفير، ألا يندم أيضاً على دعم الأصولية الإسلامية، وتدريب وتسليح إرهابيي المستقبل؟ يجيب بريجنسكي: «ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم: الطالبان، أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الغلاة الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة»؟
من جانب آخر، ألا يُقال ويُعاد القول إنّ الأصولية الإسلامية تمثّل اليوم خطراً عالمياً؟ يردّ بريجنسكي: «كلام فارغ!»، قبل أن يتابع: «يُقال لنا إنه ينبغي على الغرب اعتماد سياسة متكاملة تجاه النزعة الإسلامية.
 هذا غباء: لا توجد إسلامية عالمية. فلننظر إلى الإسلام بطريقة عقلانية لا ديماغوجية أو عاطفية. إنه الدين الأوّل في العالم، وثمة 1.5 مليار مؤمن. ولكن ما هو الجامع بين أصوليي المملكة العربية السعودية، والمغرب المعتدل، والباكستان العسكرية، ومصر المؤيدة للغرب أو آسيا الوسطى العلمانية؟ لا شيء أكثر ممّا يوحّد بلدان الديانة المسيحية».
مهندس الجهاد الإسلامي رحل، إذن، وقد خلّف صناعة جهادية، أكثر عنفاً وتوحشاً وغلواً، مع فارق أنها لا تنقلب على الصانع وحده، فحسب؛ بل تقلب هندسة الصنع، ذاتها، رأساً على عقب!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

روحاني الثاني:

طيران فوق

عشّ «الإصلاح»؟

صبحي حديدي

 

الآن وقد فاجأ الرئيس الإيراني حسن روحاني أنصاره، قبل خصومه ربما، بانتصار كاسح من الجولة الأولى، لم يكن هو شخصياً ينتظره على هذا النحو، أغلب الظنّ؛ فإنّ الأسئلة الملحّة، والواقعية تماماً، التي تعقب فورة الانتصار، هي التالية: وماذا بعد؟ ما الذي عجز روحاني عن إنجازه في رئاسته الأولى، ويعد اليوم بإتمامه على مدار السنوات الأربع في الرئاسة الثانية؟ وإذا جاز أنّ المرشد الأعلى، علي خامنئي، تقصد ضبط هوامش روحاني الأوّل عند نقطة دقيقة، محسوبة بميزان الذهب، بين «المحافظة» و«الإصلاح»؛ فأيّ تبدلات سوف تطرأ على ذلك التوازن، في ضبط هوامش روحاني الثاني؟
ثمة اتفاق، لدى غالبية مراقبي الشأن الداخلي الإيراني، على حقيقة كبرى ثابتة، واحدة على الأقلّ: أنّ المرشد الأعلى يريد من مؤسسة الرئاسة أن تخدم غرضين، متناقضين ومتعارضين، في آن معاً: تطوير التنمية والاقتصاد والخدمات ودغدغة بعض السخط الشعبي، وتحقيق بعض المطالب الاجتماعية والثقافية (على نحو يواصل اجتذاب شرائح الشباب والمرأة ودعاة الإصلاح)، من جهة أولى؛ وتفعيل حسّ التشكيك والسخط والاعتراض والتعطيل، ضدّ سياسات الرئاسة، لدى فئة آيات الله وحجج الإسلام وجماعة «تشخيص» مصلحة النظام (تماماً كما يشتهي «المحافظون» والمتشددون)، من جهة ثانية.
وثمة أسباب كثيرة تدعو إلى التشكيك في أنّ رئاسة روحاني الثانية سوف تكون أفضل من الأولى، على صعيد اختراق هذا التوازن تحديداً؛ وأنّ نسبة الـ 57٪، التي فاز بها منذ الجولة الأولى، سوف تتيح له أن يتجاوز حقاً إسار التحليق مديداً حول عشّ الإصلاح، دون أن يحطّ فيه، ويستقرّ ويشيد. تجربة السنوات المنصرمة تشكل مادّة أولى، دامغة، للتشكيك في أنّ السنوات المقبلة سوف تشهد نقلة جذرية، أو حتى مختلفة عن السنوات المنصرمة. وأمّا المادّة الثانية، والأهمّ ربما، فإنها التجربة الأبكر للرئيس محمد خاتمي، حيث كان الإصلاح سيّد الرهان، فانتهت سنوات التجربة إلى خسران شبه مبين أمام مؤسسة الولي الفقيه وشبكات المرشد الأعلى.
ففي عام 1997 انتخب الإيرانيون خاتمي، بأغلبية ساحقة أيضاً (بل فاضحة، بالنسبة إلى خصمه علي أكبر ناطق نوري)؛ واختار خاتمي تشكيلة وزارية بدت في حينه الأكثر تعددية و«اعتدالاً» منذ أن وطأ الإمام الخميني أرض مطار طهران عائداً من منافيه الطوال؛ وصوّت البرلمان الإيراني على منح الثقة لهذه الحكومة (ليس دون صعوبات ومقاومة ودسائس). ولقد حفلت سنوات خاتمي بالجهود الإصلاحية، وبما يشبه ثورة ثقافية حداثية؛ ولكنها حفلت أيضاً بالنقيض: تعطيل صحف، محاكمات، تصفية وزراء إصلاحيين، تضييق الخناق على فريق الرئيس، الانتصارات والانتكاسات (التكتيكية إجمالاً) على الجانبين، وصولاً إلى منع الناس من الترشيح للانتخابات.
وعلى نحو ما، يمكن القول إنّ الناخب الإيراني الذي منح روحاني هذه النسبة الساحقة منذ الدورة الأولى، لم يكن يراهن على فرصة ثانية لرجل لم يغتنم الفرصة الأولى؛ بل كان، ببساطة وحكمة عميقة، يقطع الطريق على منافسه إبراهيم رئيسي، تماماً بمعنى اختيار بلوى مجرّبة تظلّ أهون، بكثير في الواقع، من شرّ آت مستطير! وإذا صحّ هذا الافتراض، فإنه يكتسب بعداً سوسيولوجياً عميقاً حين يتذكر المرء أنّ الناخب ـ الذي تفادى رئيسي، عن طريق انتخاب روحاني ـ إنما ينتمي إلى نسبة الـ60٪ من المواطنين الإيرانيين الذين هم تحت سنّ الـ30!
وإذا جاز أنّ بعض مغزى انتصار روحاني هو هزيمة رئيسي، بما يمثله كلّ منهما في السياسة والاجتماع والعقيدة؛ فإنّ الراسخ الأعلى، بين فوز هذا واندحار ذاك، هو بقاء مؤسسة «الولي الفقيه»، بقيادة المرشد الأعلى، راسخة متينة، عليا وطاغية ومهيمنة؛ أياً كان الرئيس الذي يطيل التحليق فوق عشّ «الإصلاح»!

(القدس العربي)

 

إرهاب مانشستر وإعادة

إنتاج التنميطات العمياء

صبحي حديدي

 

مدهش أن يقرأ المرء من معلّق مخضرم في شؤون الشرق الأوسط، مثل باتريك كوبرن، في الـ»إندبندنت» البريطانية أمس؛ اختزالاً مذهلاً للإرهاب الجهادي الذي ضرب مدينة مانشستر مؤخراً، وقبلها لندن وباريس وبروكسيل: أنّ الأصل في هذا الجهاد هو الوهابية، وبالتالي المملكة العربية السعودية، وهذا ما يتعمّد الغرب عدم الإشارة إليه بسبب علاقات المال والأعمال مع آل سعود. «ما صار يُسمّى الجهادية السلفية، جوهر عقائد تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، انبثق من الوهابية، وحمل عقائده إلى المجموعات الإرهابية كنتيجة منطقية وعنيفة. الشيعة واليزيديون لم يكونوا هراطقة في نظر هذه الحركة، التي كانت طرازاً من الخمير الحمر الإسلاميين، بل كائنات بشرية أدنى يتوجب استئـــــصالهم أو استعبادهم»؛ يكتب كوبرن.
بعض هذه الخلاصة، في ما يخصّ علاقة الجهادية السلفية بالوهابية تحديداً، هو كلام حقّ بالطبع؛ ولا جديد فيه أصلاً، بل بات تحصيل حاصل، قبل «داعش» بعقود، وربما قبل صعود منظمة «القاعدة» ذاتها. ما هو باطل، في المقابل، واختزالي على نحو فاجع إذْ يصدر عن كوبرن نفسه، إنما يتمثل في انتقاء جذور شبه وحيدة، لظاهرة باتت كونية ومتعددة النطاقات والعقائد، ومن الجهل والفظيع، والحماقة التي لا تُغتفر، أن يتمّ حصرها في جذور أحادية، وتربة وحيدة، هي الوهابية.
فإذا صحّ أننا لا نسمع عن مجموعات إرهابية يزيدية (وجمع هذه العقيدة مع الشيعة خيار فاضح بدوره، وقاصر وجاهل، أصلاً)؛ فهل يعقل أنّ كوبرن لم يسمع بإرهاب «شيعي»، على غرار ما مارسته وتمارسه مفارز «الحشد» هنا وهناك في العراق، وفي الموصل بصفة خاصة؟ هل كان صعباً عليه أن يخطف نظرة سريعة إلى موقع «غوغل»، فيقرأ ما وثقته مجلة «دير شبيغل» من جرائم عناصر «الحشد»، الذين أطلقت عليهم الأسبوعية الألمانية صفة «الوحوش»، ليس أقلّ؟ الأرجح أنّ كوبرن يعرف، بل لعله أعرف منّا بالنظر إلى صلاته العتيقة بالمنطقة، وليس سكوته عن تلك الانتهاكات إلا بعض أغراض سيرورة الاختزال؛ هذه التي لم تعد ركيزة كبرى في كتاباته، وأمثاله، فحسب؛ بل باتت منهجية راسخة في فرز جماعات المسلمين إلى معسكرين: واحد يفرّخ الإرهاب (من أهل السنّة، عموماً، الذين يعادون المثليين وحقوق المرأة، أيضاً!)؛ ومعسكر آخر يتوجب تصنيفه في الطرف النقيض (من الشيعة واليزيديين، ولا نعرف على وجه الدقة لماذا تجاهل كوبرن الفرق الإسلامية الأخرى!).
وهذه المنهجية تستدعي التذكير، مجدداً، بأنه إذا كانت يد الإرهاب عمياء غالباً تجاه يخصّ الضحايا، لأنّ البطش هنا يظلّ عشوائياً واعتباطياً، لا يكترث بإقامة أية موازنة بين الغاية والوسيلة؛ فإنّ نقطة الاستذكار التالية، المقترنة بالأولى مباشرة، هي حقيقة أنّ المنخرطين في مختلف مستويات الإرهاب ليسوا دائماً قتلة محترفين، تخرّجوا من مدارس الجريمة المنظمة والعنف وسفك الدماء. الثابت، خاصة بين شرائح مجنّدي «داعش» على الأرض الأوروبية، أنّ غالبية كبيرة من هؤلاء ليست مصابة بمسّ من جنون متأصل، تجعلها في حال من البغضاء المطلقة ضدّ الإنسانية جمعاء (كما يوحي هواة التنميطات المسبقة، العنصرية منها تحديداً)؛ أو ضدّ «النموذج الحضاري الغربي»، كما يساجل دعاة صدام الحضارات، ممّن يستهويهم حصر مشكلات الإرهاب في جذور عقائدية ـ دينية تخصّ الإسلام أوّلاً.
ذلك، في خلاصة موازية غير اختزالية، يعني أنّ بعض أسباب الأعمال الإرهابية الداخلية، إذا جاز التعبير، أي تلك التي تشهدها المجتمعات الغربية على أيدي أبنائها وليس بأيادٍ خارجية؛ ليست بعيدة عن سياقات التربية العائلية، ومشكلات الحياة اليومية، وطبائع السلوك العام، والأمزجة النفسية، والنزوعات الفكرية والثقافية. تلك، في مثال أوّل، كانت حال مايكل أديبولاجو، البريطاني من أصل نيجيري، مرتكب الجريمة الإرهابية البشعة التي وقعت في ضاحية وولتش، جنوب شرقي العاصمة البريطانية لندن، قبل سنوات قليلة: لقد ولد في بريطانيا، ودرس في مدارسها، وانتسب إلى إحدى جامعاتها، حتى ساقته الأقدار (في سنّ البلوغ!) إلى اعتناق الإسلام، ثمّ التطرّف في فهم التباس العلاقة بين الغرب والمسلمين، وصولاً إلى اعتبار كلّ جندي بريطاني مسؤولاً عن «قتل المسلمين كلّ يوم»، كما ردد على الملأ، حاملاً ساطور ذبح يقطر دماً.
تلك، أيضاً، كانت حال ياسين حسن عمر ومختار محمد سعيد إبراهيم ورمزي محمد وحسين عثمان، البريطانيين من أصول مسلمة، الذين حوكموا وأُدينوا بالتخطيط لأعمال إرهابية واسعة النطاق شهدتها العاصمة البريطانية، صيف 2005. فهل كان سقوط هؤلاء في حمأة الإرهاب والكراهية والقتل العشوائي وهستيريا الاستشهاد الزائف، بمثابة مآل حتمي لتعاليم الديانة التي اعتنقوها؟ أم جرّاء تفسير متطرّف لمصائر تلك الديانة في الأحقاب المعاصرة، بعد أن تسيّست على أيدي سلطات حاكمة فاسدة ومجموعات متشددة على حدّ سواء؟ أم لأسباب تربوية ذات صلة بهذه الاعتبارات وغير منفصــــــلة عن وضعــية الالتباس ذاتها، بين الغرب والعالم المسلم؟ أم، أخيراً، وكما يستدعي المنطق البسيط، للأسباب هذه كلّها، مجتمعة ومتكاملة ومترابطة؟
وما دامت هذه السطور تتناول واقعة مانشستر الإرهابية، ثمة هنا مثال ثالث تصحّ استعادته لأنه قد يمثّل المستوى الأقصى في توصيف الإشكالية بأسرها؛ أي حال ازدواج الشخصية التي كان يعيشها حسيب صادق وشاهزاد تنويري ومحمد خان، إرهابيو عمليات تفجير أنفاق لندن، صيف ذلك العام أيضاً، والتي أوقعت 52 قتيلاً ومئات الجرحى: بين اندماج كامل، أو شبه مكتمل، في الحياة البريطانية والحضارة الغربية إجمالاً؛ وبين انسلاخ إرادي عن هذه الحياة، استجابة إلى اعتبارات عقائدية صرفة، لا تغيب عنها السياسة دون ريب. وبهذا المعنى تصبح التفسيرات الأحادية لسلوك هؤلاء الإرهابيين مجرّد لغو، لأنهم لم يرتكبوا تلك الفظائع احتجاجاً على هذا أو ذاك من أعراف الحضارة الغربية وأعرافها، أو هذه أو تلك القضايا التي تخصّ واقع الإسلام في بريطانيا؛ أو ـ في استطراد المنطق ذاته ـ لأنّ الوهابية كانت، وحدها، فلسفة التشدد والعنف الطاغية في نفوسهم.
والحال أنه ليس مدهشاً، في الخلاصة، أنّ اختزالات معلّقين من أمثال كوبرن لا تبدي كبير اكتراث بالسياسة، أو بالأسباب الأعمق ـ الجديرة، أولاً، بالصفة الراديكالية ـ التي قادت أمثال سلمان عبيدي، إرهابي مانشستر، إلى «داعش»، في ليبيا أو سوريا أو العراق؛ ثمّ آبت بهم إلى بروكسيل، وقبلها باريس، وأورلاندو، وبعدها لندن، ثمّ مانشستر قبل أيام؛ لكي لا يعود المرء بالذاكرة إلى حقبة أسبق، لم يكن الخليفة البغدادي قد تسيدها بعد، حين أصاب الإرهاب قطارات مدريد وأنفاق لندن وباريس. حتى الاجتماع السياسي، في حدوده الدنيا، وبمعنى روابط الحياة العائلية مع السياسة في الشارع والوجدان والثقافة والديانة، لا يُطرح إلا على نحو انتقاصي واختزالي. تأثيراته ليست هيّنة بالتأكيد، لكنها ليست العوامل الكبرى الحاسمة في تكوين الذهنية الجهادية، ثم الإرهابية الانتحارية.
ليس أسهل من أن يدين كوبرن الوهابية، ويدين تغاضي الغرب عن السعودية (وكان سهلاً عليه، كذلك، لو تذكّر كيف دُشّنت «الصناعة الجهادية» من أفغانستان، ضدّ السوفييت، ليس بوحي من الوهابية بل بهندسة من زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في رئاسة جيمي كارتر، وتنفيذ المخابرات المركزية الأمريكية والبنتاغون). ثمّ، في استكمال المعادلة هذه، ليس أيسر على المعلّق المخضرم من أن يقرأ واقعة إرهاب دامية، مثل تفجير الحفل الغنائي في مانشستر، ليس من منطلق الذهاب إلى جذور الظاهرة، بل بقصد إعادة إنتاج التنميطات العتيقة التي باتت أسطوانة مشروخة.
وليته زاد في الطنبور نغماً، واحداً على الأقلّ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

ترامب والإسلام:

مَن توقف

عن كراهية الآخر؟

صبحي حديدي

 

على غرار القاعدة العتيقة، التي تفيد بأنّ كلام الليل يمكن أن يمحوه النهار التالي؛ فإنّ علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإسلام، والمسلمين والعالم المسلم استطراداً، يمكن أن تكون اتخذت هذا المآل: كلام المرشح ترامب، أخذ يمّحي مع تحوّله إلى رئيس.
وليس في هذا أية عجيبة، إذْ لا ينفرد ترامب عن سواه من رؤساء أمريكا (أو معظم ساسة عالمنا المعاصر، سواء أكانوا من أرباب الديمقراطية أم الاستبداد)؛ لولا أنّ «عيار» الفارق بين خطابَيْ المرشح والرئيس يبدو هائلاً٫ بل أدعى إلى صناعة البون الشاسع. وهذا الرجل، قائد القوّة الكونية الأعظم، الذي هبط أمس في المملكة العربية السعودية للاجتماع بزعماء أكثر من 50 دولة عربية/ مسلمة؛ هو، نفسه، الذي صرّح بالفم الملآن، أثناء حملاته الانتخابية، أنّ «المسلمين يكرهوننا»، ولديهم تجاه أمريكا «كمّ هائل من الكراهية».
فكيف، بافتراض وجود كمّ قليل فقط من الكراهية، يخطر للرئيس الأمريكي أنّ بلده يستطيع إقامة تحالف أمني وطيد مع عالم المسلمين، والإسلام؛ و»بناء شراكات أمنية أكثر فاعلية من أجل مكافحة ومنع التهديدات الدولية المتزايدة للإرهاب والتطرف من خلال تعزيز قيم التسامح والاعتدال»، كما تردد حرفياً، عن الجانب الأمريكي؟ أليسوا هؤلاء أنفسهم، أبناء الإسلام، هم أهل التطرف والتشدد والإرهاب في ناظر ترامب/ المرشح؟ هل تبدلوا حقاً، وجذرياً، بل انقلبوا إلى نقيض يبرر إقامة الأحلاف معهم، في ناظر ترامب/ الرئيس؟
لعلّ من المفيد استذكار بعض الحقائق البسيطة حول تاريخ العلاقات بين أمريكا والعالم المسلم: أنّ الرئيس توماس جيفرسون علّم نفسه اللغة العربية، مستخدماً نسخة من القرآن الكريم (كان يحفظها في مكتبته الشخصية، ثمّ استخدمها كيث إليسون، أوّل نائب مسلم في الكونغرس، لأداء القسم سنة 2006)، وأنه كان أوّل من أقام مأدبة إفطار رمضانية، استضاف فيها السفير التونسي؛ أو الرئيس دوايت أيزنهاور، الذي حضر الاحتفال الرسمي بافتتاح المركز الإسلامي في واشنطن، صيف 1957، أو الرئيس بيل كلنتون، الذي كان أوّل من أصدر تهنئة رسمية بحلول شهر رمضان، كما عيّن أوّل سفير أمريكي مسلم (عثمان صديقي، في فيجي)؛ أو الرئيس جورج بوش الابن، الذي نقل نسخة القرآن الكريم من مكتبة جيفرسون الخاصة، إلى مكتبة البيت الأبيض، سنة 2005.
وفي سنة 2009، أثناء خطبته العصماء في جامعة القاهرة، شدد الرئيس باراك أوباما على الحقيقة التاريخية التالية: أوّل اعتراف رسمي بحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، المستقلة وكاملة السيادة، لم يصدر عن حكومة أوروبية مسيحية، أو شرقية غير مسلمة؛ بل كان السبق فيه قد انعقد لحكومة المغرب، المسلمة! كذلك شاء أوباما المضيّ أبعد، حين اعتبر أنّ ما بين أمريكا والإسلام يظلّ أبعد من مجرد علاقات ثقافية ـ دينية، لغوية أو رمضانية أو بروتوكولية؛ فأقرّ بأنّ الإسلام جزء من أمريكا، بدلالة وجود سبعة ملايين مسلم، وأكثر من 1200 مسجد في مختلف الولايات.
وهكذا، إذا جاز التصديق على كلام ترامب/ المرشح، بصدد ما تحمله الشعوب المسلمة من كراهية للسياسات الأمريكية في المنطقة (وليس للشعب الأمريكي ذاته، كما يقول المنطق البسيط)؛ فهل يجوز، استطراداً، التصديق على نوايا ترامب/ الرئيس، حول استقلاب تلك الكراهية إلى محبّة مع الشعوب، بافتراض أنّ «تحالف» معظم حكام العالم المسلم مع ترامب يختلف، بأيّ معنى، عن التبعية عينها؟
كلا، أغلب الظنّ؛ الأمر الذي يمضي بالسجال إلى سؤال آخر: في العلاقة بين ترامب والإسلام، مَنْ توقف عن كراهية الآخر؟

(القدس العربي)

رئاسيات إيران:

شيكات بلا رصيد

على أعتاب الولي الفقيه

صبحي حديدي

 

كانوا ستة مرشحين، رجالاً، حصرياً (إذْ لم يأذن «مجلس صيانة الدستور» بترشيح أية امرأة)، لانتخابات الرئاسة الإيرانية، التي تجري اليوم. انتهوا إلى ثلاثة أساسيين، بعد سلسلة انسحابات؛ ثمّ كرّت السبحة، بعدئذ، مع استسلام محمد باقر قاليباف: الطيّار، أصغر المرشحين سنّاً، القائد السابق في «الحرس الثوري»، منافس محمود أحمدي نجاد في دورة 2005، والمرشح الذي حلّ ثانياً في دورة 2013 أمام حسن روحاني. وهكذا، استقرت الجولة عند الصراع بين الأخير، الرئيس الحالي وممثل «الاعتدال» و»الإصلاح»؛ وإبراهيم رئيسي، ممثل «التشدد» و»التيار المحافظ».
والحال أنّ توصيفات المرشحَين لا توضع بين أهلّة اقتباس، إلا لأنّ معانيها تنطوي على الكثير من الإبهام والالتباس، ودلالاتها الفعلية لم تستقرّ مرّة واحدة منذ شيوعها للمرة الأولى؛ خلال عهد الرئيس الخامس محمد خاتمي، 1997. فإذا انطلق المرء من سجلّ الرئيس الحالي، فإنّ معظم الوعود التي قطعها على نفسه، أمام الشارع الشعبي، لم يتحقق منها إلا النزر اليسير؛ خاصة الاتفاق النووي مع الغرب، الذي تضمن رفع جزء من العقوبات عن إيران، وسمح بمعدّل نموّ بلغ 6,6 بالمئة، لكنه أبقى معدّل البطالة على حاله، بل تفاقم وتضخم في قطاعات عديدة. كذلك لم يفلح روحاني في تخفيف حدّة القيود الاجتماعية المفروضة على المرأة، وعجز عن ضخّ جرعة بسيطة ملموسة من الحريات السياسية والمدنية.
منافسه رئيسي لا يخفي تاريخه «الحافل»، سواء في سلك القضاء، حيث شارك في إصدار أحكام بالإعدام على المئات، والبعض يتحدث عن الآلاف، أواخر الثمانينيات؛ أو في انضوائه التامّ ضمن مؤسسات الولي الفقيه، و»الحرس الثوري»، حتى أنّ الشائعات ترى فيه خليفة محتملاً للمرشد الأعلى علي خامنئي. ومع ذلك فإنه، خلال خطبه أثناء الحملة الانتخابية ومناظراته مع روحاني، لم يقطع وعوداً «مضادة»، إذا جاز القول، بخصوص إمكانية التراجع عن الاتفاق النووي مثلاً، أو التضييق أكثر على الحريات، أو إلغاء بعض التدابير التي اتخذها روحاني وصُنّفت في خانة «الإصلاحات».
ذلك لأنّ انتخابات الرئاسة في إيران، وهذه التي تجري اليوم هي الثانية عشرة منذ الثورة الإسلامية والإطاحة بنظام الشاه، تبقى مسقوفة بمبدأ عقائدي وفقهي وتشريعي، ثمّ سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني وعسكري… هو ولاية الفقيه. وسنة بعد سنة، في كلّ استحقاق انتخابي تشريعي أو رئاسي، تبقى آفاق التغيير الداخلي في إيران معلقة، أو بالأحرى مغلقة، عند المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ والمجتمع والعصر. وهذا، للتذكير، مبدأ في «الحكم الإسلامي» صاغه الإمام الخميني على عجل، حين كان منفياً في مدينة النجف العراقية عام 1971؛ وخضع على الدوام لأخذ وردّ، حين اختلف حول تأويلاته عدد كبير من فقهاء الشيعة. ونعرف أنّ خامنئي هو، اليوم كما في الأمس، أشدّ المدافعين عن المبدأ، وأبرز المتمسكين بالإبقاء عليه في صلب الدستور، بل وتشديد وتوسيع صلاحيات الوالي الفقيه المنصوص عنها حالياً في الدستور. وليست عسيرة معرفة أسباب هذا الحماس، بالطبع.
فما الذي يتبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية، محافظاً كان أم إصلاحياً، إذا كانت سلطة الوالي الفقيه تتضمن تسمية أعضاء مجلس المرشدين، وتسمية مجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (بما في ذلك تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد «الحرس الثوري»، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة، وإقرار أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية، وتوقيع مرسوم تسمية رئيس الجمهورية بعد الانتخابات، وإدانة الرئيس وعزله بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو؟ ثمّ ألم يحدث، مراراً، أنّ بعض الفقهاء ورجالات الحكم ذهبوا أبعد مما ينبغي في تفسير مبدأ ولاية الفقيه؛ كما حدث حين اعتبر أحمد أزاري ـ قمّي، أحد من كبار شارحي فكر الخميني، أنّ بين صلاحيات الوالي الفقيه إصدار «منع مؤقت» من أداء فرائض دينية مثل الحجّ، أو إصدار أمر بهدم بيت المسلم، أو توجيهه بتطليق زوجته؟
وهكذا، إذا صحّ أنّ المعارك السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تكتنف الرئاسيات الإيرانية، يمكن أن تدور بالفعل بين «المحافظين» و»الإصلاحيين»، حول التنمية والمعيشة والوظائف والخدمات والحريات؛ فإنّ المعركة الأكثر جوهرية، أي التخفيف من وطأة ولاية الفقيه، ليست في عداد الملفات المسكوت عنها، فحسب؛ بل يتنافس المرشحون في مقدار الحثّ على… تحريم النقاش حولها! ذلك، في عبارة أخرى، يعني أنّ المعركة لا تدور حول مسائل الانفتاح على الغرب، وصواب أو خطل سياسة «تصدير الثورة» ومواصلة الكفاح ضدّ الإمبريالية العالمية، والتورط في سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين والكويت. إنها، في الجوهر، ما تزال تدور حول حاضر ومستقبل إيران، وحول مسائل داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، أوّلاً وجوهرياً.
ومن جانب آخر، إذا كان خامنئي قد حرص على إدامة التوازن بين فريقَي المحافظين والإصلاحيين، واعتبرهما «جناحين لا بدّ منهما لكي يحلّق طائر الثورة الإسلامية»؛ فإنه انحاز منذ البدء إلى الفريق الأوّل، بل رجّح كفّة المجموعة الدينية ـ العسكرية المتشددة. وليست بعيدة في الزمن تلك البرهة التي شهدت اندلاع تظاهرات طلابية ضخمة في شوارع طهران، تطالب باستقالة خامنئي وخاتمي معاً؛ وأن تعلن مجموعة مؤلفة من 248 شخصية إصلاحية أنّ «وضع أشخاص في موضع السلطة المطلقة والألوهية هو هرطقة واضحة تجاه الله وتحدّ واضح لكرامة الإنسان»، في إشارة عدائية لمبدأ ولاية الفقيه، كانت النقد الأوضح والأكثر جرأة حتماً منذ انتصار الثورة الإسلامية. ومن الطريف أنّ أبرز انتقادات المرشح رئيسي، ضدّ منافسه المرشح روحاني، تبدأ من اتهام الأوّل للثاني بـ»التفريط» بالسيادة الإيرانية عبر توقيع اتفاق نووي مع الغرب لم يكن، في نظر رئيسي، سوى «شيك بلا رصيد». ومصدر الطرافة أنّ الأخير يعد مواطنيه الإيرانيين بمستندات مالية من طراز آخر، ضمانتها هذه المرّة لا تتوفر في المصارف والمؤسسات والاتفاقيات الدولية، لأنها إنما تُصرف في غياهب الغيب فقط، بضمانة من… المهدي الغائب! الأمر الذي يعيد الذاكرة إلى ذلك «النزاع العقائدي» بين الرئيس السابق أحمدي نجاد، ونفر من آيات الله وحجج الإسلام، حول زعم الأوّل بأنّ «يد الله سوف تظهر وترفع الظلم عن العالم»، وأنّ «أعداء إيران يعلمون أنّ عودة المهدي الغائب حتمية».
وهذا ـ أحمدي نجاد، هو نفسه الذي منعه «مجلس صيانة الدستور» من الترشيح لهذه الدورة، فهدد بكشف النقاب عن لجوء «الحرس الثوري» إلى تزوير الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 ـ كان، ذات يوم غير بعيد، قد استُقبل في العاصمة اللبنانية بيروت على رؤوس الأشهاد، بطبول وزمور وطقوس تفخيم وتلميع وتعظيم، قلّ مثيلها؛ وتولى «حزب الله» تضخيم سجاياه القيادية، ورفع خصاله الشخصية إلى سوية رفيعة (السند العظيم للمقاومين والمجاهدين والمظلومين). الذروة جاءت من حسن نصر الله، الأمين العام لـ»حزب الله»، شخصياً: «نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا».
.. على صعيد الشيكات التي بلا رصيد، في الواقع؛ إذْ أنهم، هنا تحديداً، ما بدّلوا تبديلا!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

شارع الشباب

العربي المعاصر:

نُذُر الأنواء العاصفة

صبحي حديدي

 

«أصداء بيرسون مارستيلر» شركة متخصصة في العلاقات العامة واستطلاع الرأي، تنتمي إلى مجموعة MENACOM التي تنتشر في 107 بلدان، وتستخدم 135 ألف موظف، في أكثر من 2000 مكتب حول العالم. وترفع الشركة شعار «لا أحد يفهم الشرق الأوسط مثلنا»، متكئة في المقام الأوّل على استطلاعها السنوي حول رأي الشباب العربي؛ وتزعم أنها تسعى من خلاله إلى «تقديم صورة واقعية حول مواقف ووجهات نظر الشباب العربي، بما يتيح تزويد مؤسسات القطاعين العام والخاص ببيانات وتحليلات ميدانية تساعدهم في اتخاذ القرارات الصائبة ووضع السياسات السديدة». كذلك تعلن «أصداء بيرسون مارستيلر» أنّ استطلاعها هذا «يوفّر رؤى غير مسبوقة حول الشريحة السكانية الأكبر في المنطقة وهم شبابها الذين يصل عددهم إلى 200 مليون شاب وشابة».
استطلاع 2017 صدر قبل أيام، تحت عنوان «صورة واقعية حول آمال ومخاوف وطموحات الشباب العربي»؛ وتشير معطياته المنهجية إلى 3498 مقابلة، في 16 بلداً عربياً (دول مجلس التعاون الخليجي، مصر، الجزائر، ليبيا، المغرب، تونس، العراق، الأردن، لبنان، «الأراضي الفلسطينية»، اليمن)، لفئات عمرية تتراوح بين 18ـ24 سنة، بمساواة تامة بين الذكور والإناث. هنا أبرز نتائج الاستطلاع، مقتبسة بصفة شبه حرفية:
ـ انقسام الشباب العربي جغرافياً في نظرتهم للمستقبل، إذْ أنّ التفاؤل والتشاؤم تحدده المنطقة التي يعيشون فيها؛ والخلاصة هي أنّ التفاؤل في تراجع مستمر، وشباب منطقة الخليج العربي هم الأكثر تفاؤلاً حول مستقبل بلدانهم.
ـ الشباب العربي يطالبون بلدانهم بالمزيد من الاهتمام، والعديد منهم يشعر بأنهم لا يشكلون أولوية في سياسات حكوماتهم، وبالتالي: غالبية الشباب العربي تعتقد بأنّ على حكومات بلدانهم القيام بالمزيد لتلبية احتياجاتهم.
ـ الشباب العربي يرى بأن البطالة والتطرف هما من أكبر العقبات التي تعيق مسيرة التقدم في منطقة الشرق الأوسط.
ـ غالبية الشباب العربي تعتقد بأنّ نظام التعليم الحالي لا يؤهلهم لشغل وظائف المستقبل، وهذا خارج منطقة دول مجلس التعاون الخليجي بصفة محددة.
ـ الشباب العربي يرى بأن تنظيم «داعش» أصبح أضعف خلال العام الماضي؛ استناداً إلى شرائح تقدير تبدأ من «أقوى بشكل كبير»، وتنتهي إلى «أضعف بشكل كبير»، فضلاً عن خيار «بقي على حاله».
ـ يعتبر الشباب العربي أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادٍ للمسلمين، وينظرون إلى عهده بمزيج من القلق والغضب والتخوف؛ كما يرون، في الخلاصة، أنّ انتخابه أكثر تأثيراً على المنطقة من ارتفاع أسعار النفط وخسارة تنظيم «داعش» لمناطق نفوذه.
ـ استطراداً، يتنامى العداء تجاه الولايات المتحدة؛ كما تعتبر غالبية من الشباب العربي أنّ روسيا، وليس الولايات المتحدة، هي الحليف الدولي الأكبر للمنطقة.
ـ في الأبعاد الثقافية، ورغم اعتزازهم بلغتهم الأمّ، تقول غالبية من الشباب العربي أنها تستخدم اللغة الإنكليزية أكثر من العربية. يُشار، في هذا، أنّ شباب دول مجلس التعاون الخليجي يعتبرون اللغة العربية مكوناً أساسياً لهويتهم الوطنية.
ـ الـ»فيسبوك» هو المصدر الأوّل للأخبار اليومية عند الشباب العربي، وذلك على حساب القنوات الإخبارية التلفزيونية والمواقع الإلكترونية والصحف المطبوعة.
ثمة، بادئ ذي بدء، غياب واضح لرأي الشباب السوري، لا يبرره ـ إلا قليلاً فقط، ربما ـ أنّ ظروف البلد لا تسمح باستطلاع رأي هؤلاء الشباب. الأرجح أنه كان في وسع فرق الاستطلاع أن تستفتي عيّنات من آراء هؤلاء الشباب في دمشق العاصمة مثلاً، أو في مناطق تتمتع باستقرار أمني أعلى، في مدينة مثل اللاذقية على سبيل المثال، رغم المظانّ المنهجية في خيار مناطقي مثل هذا. كذلك كانت النتائج ستنطوي على معطيات دالة، أو بالغة الدلالة في الواقع، لو أنّ أجهزة الاستطلاع وقفت على آراء الشباب السوري في المهاجر، القريبة أو البعيدة، في الأردن ولبنان وتركيا، ثمّ في أوروبا؛ مع تسويغ منهجي لهذا الخيار، كان ممكناً بدوره، وحمّال مغزى أيضاً.
هنالك، تالياً، ذلك النقص (الفادح، في يقيني الشخصي)، المتمثل في تحاشي طرح تلك الأسئلة التي تدخل في باب المسكوت عنه؛ مثل سؤال الطائفية، والمذهبية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والسلطة، والاستبداد، والفساد، وما إليها. ومن الواضح، استطراداً، أنّ «أصداء بيرسون مارستيلر» تفضّل توفير الخدمات الآمنة، «الناعمة» إذا جاز القول، أو تلك التي لا تثير حرج السلطات العربية إجمالاً؛ إلا إذا كانت الشركة توفّر نموذجاً آخر من الاستطلاع، يحمل معطيات محظورة على اطلاع الجمهور العريض، خاصة بالمشتركين، أو بالجهات التي تعتزم شراء تلك المعطيات. ذلك لأنه ليس منطقياً، وليس من المقبول منهجياً في الواقع، أن تُطرح أسئلة التفاؤل والتشاؤم والعمل والبطالة والتطرف واللغة والهوية… دون أن تقترن هذه الملفات بأسئلة الطائفة والمذهب والسلطة؛ التي لم تعد منفصلة، البتة، عن هواجس المواطن العربي المعاصر، خاصة في أوساط الشباب.
ولعلّ من المفيد، هنا، العودة إلى دراسة رائدة بعنوان «الشارع العربي: الرأي العامّ في العالم العربي»، كتبها دافيد بولوك، وصدرت سنة 1992 عن «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط». هنا ثلاث توصيات، بين أخرى عديدة، خلص إليها بولوك:
1 ـ الشارع العربي ليس خرافة قوموية أو ثوروية أو رومانتيكية، بل هو موجود وقابل للقياس؛ فلا تتجاهلوه، ولا تقللوا من قيمته، قياساً على «عطالة» ظاهرية.
2 ـ الرأي العام العربي أبعد ما يكون عن التجانس والوحدة والثبات، حتى في مسائل متفجرة مثل الإسلام والديمقراطية؛ فلا تضعوا كلّ الرأي العامّ العربي في سلّة واحدة.
3 ـ النُخَب العربية جريحة بهذا القدر أو ذاك، في هذه الإشكالية الإيديولوجية أو تلك، هنا أو هناك، ولكن حذار… النخبة شيء (هامّ للغاية، بطبيعة الحال)، والشارع شيء آخر. لا تدعوا كوابيس الأحلام المنكسرة عند المثقف تحجب هدير الشارع في ساعات الصباح الأولى، أو نهايات يوم عمل شاق بحثاً عن اللقمة؛ وافتحوا كلّ العيون على المساجد والأزقة والمقاهي وملاعب كرة القدم.
وقبل سبع سنوات، لم يكن في وسع شبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماريلاند الأمريكية، أن يتكهن البتة بأنّ سنة 2011 سوف تحمل معها بشارة انتفاضة تونس، أو انتفاضات العرب اللاحقة في مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا… وهكذا، كان استطلاع الرأي العام العربي، الذي يشرف على تنفيذه سنوياً لصالح مركز حاييم صبان، معهد بروكنغز، قد تجاهل تماماً مسائل الديمقراطية والتمثيل البرلماني وحقوق الإنسان والحرّيات العامة والدستورية؛ ولم يتطرّق، أبداً، إلى موضوع التحرّكات الجماهيرية وأشكال ومضامين الاحتجاج في الشارع الشعبي العريض.
أخيراً، قبل ثلاث سنوات، كان هوان كول، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وجنوب آسيا في جامعة مشيغان الأمريكية، قد أصدر كتابه «العرب الجدد: كيف يقوم الجيل الألفي بتغيير الشرق الأوسط»؛ فتحدّث بإسهاب عن شرائح الشباب العربي: مواليد الفترة بين أواخر 1970 ومطالع 2000، ثلث العالم العربي أو أكثر قليلاً؛ مدينيون، غالباً، ومتعلمون (وبالتالي ليسوا، بالضرورة، من فئة المثقفين!)، متمرسون في تكنولوجيا الميديا ووسائط التواصل الاجتماعي، والعديد منهم عملوا خارج بلدانهم الأصلية، وفي أوروبا وأمريكا تحديداً؛ كما أنهم، وهذا تفصيل هامّ في الواقع، أقلّ تديّناً من آبائهم، وأكثر انفتاحاً على العالم.
ولأنّ المجتمع العربي بين أكثر المجتمعات المعاصرة شباباً، فإنّ شارع الشباب العربي ليس أشدّ تعقيداً من معظم اختزالاته، السوسيولوجية تحديداً، فحسب؛ بل إنّ نُذُر منعرجاته لا تأتي، أيضاً، إلا على هيئة بروق ورعود و… أنواء عاصفة!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي) لندن

 

الانتخابات الفرنسية:

رميم اليمين ورماد اليسار

صبحي حديدي

 

مضى زمن طويل منذ أن شهدت فرنسا ثورة، أو حتى محاولة إصلاح جذرية؛ تجزم أسبوعية «إيكونوميست» البريطانية، في ما يشبه التكهن بأنّ ثورة ما توشك على الوقوع هنا، في مناسبة الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تبدأ جولتها الأولى يوم 23 نيسان (أبريل) الجاري. ليس التشخيص صحيحاً بالطبع، إلا إذا وُضع في النصاب المعتاد الذي تعتمده أسبوعية محافظة ويمينية لمفهوم «الثورة»، أو حتى «الإصلاح»؛ إذْ في وسع المرء أن يضرب مثالاً واحداً، حديثاً، في احتجاجات 1968 التي أطاحت بالجنرال شارل ديغول (أيقونة فرنسا الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم ربما)، وأرست سلسلة مواضعات سياسية واجتماعية وفكرية ما تزال فاعلة وراسخة.
ليست هنا المسألة التي تعني هذه السطور، بل حقيقة أنّ الانتخابات الرئاسية القادمة تبدو بالفعل حالة فارقة بالقياس إلى جميع سابقاتها، على امتداد عقود الجمهورية الخامسة؛ التي دشنها الجنرال/ الأيقونة نفسه، في سنة 1958، على أنقاض جمهورية رابعة برلمانية وشبه رئاسية، انتهت إلى ما يقارب الشلل الدستوري.
 الأكثر جدوى، في المقابل، هو التأمل في احتمال نوعي كبير، قد يصبح حقيقة صاعقة مساء الأحد القادم: أنّ «اليمين» الديغولي، و»اليسار» الاشتراكي، اللذَين تناوبا على حكم فرنسا منذ إطلاق الجمهورية الخامسة، قد يخرج مرشحاهما ـ فرنسوا فيون وبنوا هامو، على التوالي ـ من الدور الأوّل؛ وأنّ البديل قد ينحصر في ممثلة اليمين المتطرف مارين لوبين، وممثل الليبرالية التكنو ـ مصرفية إمانويل ماكرون.
المفارقة التالية، والتي تجسدت طيلة الأسابيع الماضية ولا تحتاج إلى برهة الحقيقة بعد يومين؛ هي أنّ تسعة على الأقلّ، من أصل أحد عشر مرشحاً، يزعمون مرجعية عليا مشتركة، هي… الجنرال/ الأيقونة، دون سواه! حتى لوبين، مرشحة «الجبهة الوطنية»، تعتبر أنها الوريث الأصدق الناطق بلسان ديغول، في ميادين ثلاثة تشكّل «أقانيم» عقيدتها: الاستقلال، الهوية، والأمن. وأمّا فيون، ممثّل حزب «الجمهوريين» والديغولي «الرسمي» كما يتوجب القول، فقد صنع مفارقة مبكرة حين طلب من أهل اليمين أن يتخيلوا الجنرال محالاً إلى القضاء ومرشحاً رئاسياً في آن (غامزاً من قناة منافسه، يومذاك، نيكولا ساركوزي)؛ فوقع في شرّ مطلبه هذا، إذْ هو اليوم المحال إلى القضاء، و… المرشح! ماكرون، من جانبه، يزعم شرعية ديغولية على اليمين تارة، وشرعية اجتماعية على اليسار تارة؛ كيف لا وقد كان وزيراً في حكومة اشتراكية، قبل أشهر معدودات، ثمّ استقال لأنّ سياساتها لم تكن ليبرالية كما يشتهي ويحبّ! جان ـ لوك ملنشون، مرشح «الإباء» الفرنسي، لا يعود إلى الجنرال بالطبع؛ إذْ يحلو له أن يمتدح هوغو شافيز مرّة، ومرّة أخرى… فلاديمير بوتين!
حال أشبه بالسعي إلى نفخ الحياة في رميم اليمين، أو إحياء اللون القاني في رماد اليسار؛ أو، على صفّ اليمين المتطرف، تجميل وجه جان ـ ماري لوبين، الأب المؤسس لـ»الجبهة الوطنية»، عن طريق إخضاع ابنته لجراحة تجميلية موازية»، ولكن دون القدرة على إرسال الإرث الثقيل، بأفكاره العنصرية والرهابية الأثقل، إلى رفوف التاريخ. ولكي لا يشعر كاتب الـ»إيكونوميست» بافتقاد حسّ الثورة في فرنسا، كان الراحل بيير بورديو، أحد آخر المفكرين المحترمين في فرنسا المعاصرة، بين قلة قليلة ممّن أقلقتهم هذه الحال، مبكراً؛ خاصة في قراءة شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطابات ما بعد الحداثية، دون الوقوع في إغواء الألعاب النظرية التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لاستيعاب الحاضر. 
ولم يكن غريباً، بالتالي، أن يشارك بورديو، ونفر قليل من ممثّلي هذه الأقلية الفكرية، في اجتماع مع القيادات النقابية التي أدارت الإضراب الكبير شبه الشامل الذي شلّ الحياة اليومية الفرنسية طيلة أسابيع، أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أن يضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضى الحال. فكيف إذا اختلط الحابل بالنابل، اليوم، وتناطح أحد عشر مرشحاً على أشبار محدودة من مساحة خبط العشواء هذه!
يومها عفّ بورديو عن التذكير بأنّ المواطن الفرنسي يعيش في نظام ديمقراطي يعطيه الحق في ممارسة الإضراب، الشامل الكامل المفضي إلى شلل شبه تامّ؛ مثلما يعطيه الحقّ في الذهاب إلى صندوق الاقتراع، ووضع الورقة التي يشاء، منتخباً مَن يشاء. بمعنى آخر، في أواخر 1995 ـ كما تكرر، أو سوف يتكرر، في كلّ جولة انتخابية، رئاسية أو تشريعية أو بلدية ـ كان المواطن الفرنسي هو الذي انتخب هذا النفر من ممثليه؛ وكان يعرف ـ أو توجّب عليه أن يعرف ـ جيداً أنّ البرامج القادمة ستكون هكذا. وكما يحدث في كلّ مرّة، يمارس المواطن الفرنسي ما يشبه «فشّة الخلق» ضدّ الجهاز الحاكم، رئيساً أو مجلساً وطنياً أو بلدية؛ ضدّ اليمين تارة، وضدّ اليسار طوراً، في انتظار أن يكون لكلّ من اليمين المتطرف أو اليسار المتمرد حصّة مستقبلية في العقاب!
وذات يوم أطلق جيم هوغلاند، المعلّق الأمريكي اليميني المحافظ، صفة «الجنون» على حركات تظاهرات طلابية واسعة اجتاحت فرنسا سنة 2005، احتجاجاً على ما عُرف باسم «عقد الوظيفة الأولى». ولقد ردّ هوغلاند «جنون» تلك الأيام إلى جنون سنة 1789، أي عام الثورة الفرنسية التي لم تبدّل وجه فرنسا مرّة وإلى الأبد، فحسب؛ بل قلبت أوروبا بأسرها، رأساً على عقب. لكنّ المعلّق الأريب تعامى، عامداً بالطبع، عن الحقائق الجوهرية التي تخصّ سلسلة مآزق الليبرالية الوحشية، والطور الراهن من مآلات اقتصاد السوق وقوانينه. وتجاهل، كذلك، أنّ الظاهرة ليست منقطعة الصلة عن اعتمالات الحاضر الفرنسي، الذي تتضاعف عواقبه كلّ يوم: داخل الجمعية الوطنية، خلف الأعمدة الثقيلة لهذا الصرح التاريخي العريق الذي شهد وقائع كبرى ليس أبرزها «إعلان حقوق الإنسان»؛ وغير بعيد عن ساحة الكونكورد، حيث تذكّر المسلّة المصرية بأمجاد جنرال الثورة الفرنسية نابليون بونابرت، وأمجاد التاريخ الاستعماري الفرنسي في آن معاً.
استطلاعات الرأي، إذا صحّت خلاصاتها حتى بنسبة ضئيلة، تشير إلى حيرة الفرنسي بين يمين متطرف، ووسط ليبرالي ويمين تقليدي؛ ليس دون تلوينات «يسارية» عند الوسط، أو حنين إلى إنزال العقاب عن طريق ترجيح التطرف. وهذا، في حدود دنيا، قلق عميق حول الهوية، وذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض، وحذر من متغيرات عاتية… عناصر قد تأخذ الفرنسي على حين غرّة، وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية، وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بورديو. ومنذ 1968، ثورة المجتمع المدني التي أسقطت الجنرال/ الأيقونة عن عرش مكين، تبحث فرنسا ـ بصمت مخدَّر تارة، وبصخب مؤلم طوراً ـ عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية للخروج من حال تأرجح طويلة بين الماضي والحاضر؛ وبين تراث الجار الألماني على مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي ما وراء المحيط.
وفي نحو اللغة الفرنسية ثمة صيغة فعل خاصة هي «الزمن الماضي الناقص»، وكان عدد من المفكرين قد تتبعوا انتقال هذا الزمن من فقه اللغة إلى فقه الحياة اليومية، ولم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي بالزمن الماضي الناقص. أو، في تشخيص آخر، حال الحيرة بين رميم اليمين، ورماد اليسار!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

)العفو الدولية( ونظام آل الأسد:

لقد أسمعتْ لو نادتْ حياً!

صبحي حديدي

 

تقرير منظمة «العفو الدولية»، الذي صدر مؤخراً بعنوان «المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا»، أثار ردود أفعال واسعة، بالنظر إلى ما يوثقه من الأهوال والفظائع داخل سجن واحد. وكان جديراً بالانتباه أنّ الاهتمام بهذه الوثيقة اقتصر، عملياً، على وسائل الإعلام المختلفة، ووسائط التواصل الاجتماعي، وبعض التعليقات الدولية غير الرسمية (كان في عدادها موقف نوّاب في الدوما الروسية، أشبعوا التقرير ذمّاً وطعناً في مصداقية المنظمة!). أمّا على أصعدة الحكومات، شرقاً وغرباً في الواقع، فإنّ وقائع «المسلخ البشري» الرهيبة قوبلت بصمت مطبق، أو يكاد؛ ولم يكن العكس ـ أي الشجب والإدانة، في الحدود الدنيا ـ منتظَراً، في كلّ حال.
ذلك لأنّ هذا التقرير ليس الأوّل من نوعه، رغم أنه هذه المرّة يأتي على تفاصيل أشدّ وحشية؛ إذْ سبق للمنظمة ذاتها أن أصدرت تقارير حول سجون النظام السوري ومعتقلاته، طيلة عقود «الحركة التصحيحية»، كما وثّقت تقنيات التعذيب، وسجّلت شهادات شخصية لمعتقلين سابقين، ورسمت خرائط مفصّلة لمواقع التعذيب وأسماء الفروع الأمنية؛ بل ورصدت أسماء بعض الضباط الذين أشرفوا على ارتكاب جرائم حرب موصوفة، أو مارسوها بأنفسهم أيضاً. كذلك أصدرت عشرات البيانات التضامنية مع معتقلي الرأي والضمير، وأطلقت حملات عديدة تميط اللثام عن، وتفضح، أعمال عنف محددة، وتصفيات جسدية، ومجازر جماعية.
منظمة أخرى بارزة، هي «هيومان رايتس ووتش»، أصدرت في سنة 2015 تقريرها الشهير «لو تكلم الموتى: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية»؛ والذي تابع مقتل الآلاف في معتقلات الفروع الأمنية 215، 227، 216، 235، 248، 220، أقبية المخابرات الجوية، وسجن صيدنايا العسكري. كما حلل التقرير مصائر 28707، من أصل 50 ألف صورة قتيل، سرّبها المصوّر المنشق الذي عُرف باسم «قيصر»؛ واستخلص النتيجة التالية: هذه الصور «لا تمثل سجلاً شاملاً للوفيات في المعتقلات في منطقة دمشق في الفترة الزمنية التي التقطت أو جُمعت فيها هذه الصور». ذلك لأنها «ليست عينة عشوائية، لكن تمثل الصور التي توصل إليها قيصر واحتفظ بنسخ منها، حين شعر أنه يستطيع أن يفعل ذلك، بقدر من الأمان النسبي. لذا، فإن عدد الجثث في مراكز الاعتقال، كما ظهر في صور قيصر، لا يمثل إلا جزءاً من عدد من توفوا في مراكز الاعتقال في دمشق، أو حتى في هذه المنشآت بعينها، خلال فترة الـ 27 شهراً التي التقطت فيها الشرطة العسكرية والطب الشرعي هذه الصور».
وما دام سجن صيدنايا هو موضوع تقرير «العفو الدولية» الأخير، فمن المفيد العودة إلى تقرير آخر عن المعتقل ذاته، أصدرته «اللجنة السورية لحقوق الإنسان»، حول المجزرة التي شهدها السجن صباح 5 تموز (يوليو) سنة 2005: وصلت قوة تعزيز إضافية من الشرطة العسكرية تقدر بين 300 إلى 400 شرطي، وبدأت حملة تفتيش بطريقة استفزازية، تخللتها مشادات كلامية مع المعتقلين السياسيين، ثم إلقاء نسخ من القرآن على الأرض والدوس عليها، مما أثار احتجاج المعتقلين الإسلاميين الذين تدافعوا نحو الشرطة، فأطلق هؤلاء النار وقُتل تسعة من المعتقلين على الفور (زكريا عفاش، محمد محاريش، محمود أبو راشد، عبد الباقي خطاب، أحمد شلق، خلاد بلال، مؤيد العلي، مهند العمر، خضر علوش). إثر ذلك عمت الفوضى في السجن، وظنّ المعتقلون أنهم على أعتاب مجزرة تدمر جديدة، فبدأوا بخلع الأبواب لمواجهة الشرطة العسكرية، التي فتحت عليهم النار مجدداً، مما أوصل عدد القتلى إلى نحو 25 قتيلاً.
الجديد الذي اكتنف هذه المجزرة، من نظام عوّد الشعب السوري على ارتكاب المجازر، أنّ رأس النظام، بشار الأسد، اسنُقبل في باريس، عاصمة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»! لكنّ نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي يومذاك، لم يكن أوّل مَنْ يراقص طغاة الشرق الأوسط، سواء في العقود الأخيرة من عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا، أم في عقودها الوسطى (أوّل زيارة للأسد الأب تمّت في عهد فاليري جيسكار ـ ديستان، 1976، بعد أشهر قليلة على دخول القوّات السورية إلى لبنان)؛ هذا إذا اعتبر المرء الأنشطة الدبلوماسية في العقود الأولى بمثابة تمرينات مبكّرة واستطلاعية على ما ستطلق عليه التنظيرات الديغولية صفة «السياسة العربية لفرنسا». وفي وجهة أخرى لنقاش الواقعة تلك، لعلّ المرء لا يبالغ إذا اعتبر خيار ساركوزي في الانفتاح على النظام السوري أقرب إلى السلوك الطبيعي، المنتظَر، غير المستغرب البتة، من ذلك الرجل بالذات.
فمن جانب أوّل، كلّ ما كان ساركوزي يعرفه (كما صرّح، بنبرته المعتادة في السخرية الرواقية الغثة) أنّ سوريا بلد متوسطي، وليس ثمة سبب واحد يبرّر عدم دعوتها إلى القمة المتوسطية؛ غير المكرّسة (في حدود علمه كما قال، وعلم الجميع كما نقول) لمناقشة احترام أو انتهاك حقوق الإنسان على ضفاف المتوسط. وهذا منطق صوري سليم تماماً، وكان استبعاد سوريا من هذه القمة هو الذي سيكون القرار الشاذّ غير الطبيعي. ومن جانب ثانٍ، مَنْ الذي يعيب على ساركوزي دعوة الأسد إلى منصّة الاحتفال بالثورة الفرنسية، يوم العيد الوطني لفرنسا، إذا كان الحابل سوف يختلط بالنابل على تلك المنصة: ديمقراطيات غربية، ودكتاتوريات شرقية أو أفريقية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل… «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط؟
وضمن المنطق الصوري إياه، كيف يستقيم أن يُدعى زعيم من هؤلاء، ويُستثنى آخر؟ لهذا، وبصرف النظر عن قيمته الأخلاقية العالية، فإنّ النداء الذي وجهته إلى ساركوزي ثماني منظمات حقوق إنسان دولية (بينها «العفو الدولية»، و»هيومان رايتس ووتش»، والاتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان، والشبكة الأورو ـ متوسطية، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب…)؛ ظلّ، كما ينبغي له أن يظلّ، حبراً على ورق في ما يخصّ مطلب الفقرة الأولى: «تناشدكم منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذه الرسالة إيلاء اهتمام لوضع حقوق الإنسان في ذلك البلد». 
قبل ساركوزي كان ديغولي آخر هو الرئيس الأسبق جاك شيرك، الأعرق ممارسة للسياسة من ربيبه ساركوزي، قد استقبل الأسد الابن، في خريف 1999، بصفته الوحيدة المتوفرة آنذاك (نجل حافظ الأسد)؛ وذلك تلبية لرغبة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري (الذي كان، في حينه، بين أخلص رجالات حاكم دمشق، الأسد الأب)، على سبيل تدريب الفتى الابن في ما ينتظره من مهامّ رئاسية. غير أنّ الدعوة، بمعزل عن إرضاء الحريري، كانت تعكس المزاج الحقّ للرئيس الفرنسي في ما يخصّ نظام آل الأسد؛ إذْ، للتذكير، كان شيراك هو الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة الأسد، وكان قبلها قد كسر عزلة الأخير الدولية حين دعاه إلى زيارة باريس رسمياً في صيف 1998، كما كان أوّل من أسبغ شرعية سياسية وأمنية على وجود القوّات السورية في لبنان خلال خطبة افتتاح القمّة الفرنكفونية في بيروت 2002.
ولا تُقتبس باريس هنا، في هذه الأسطر، إلا لأنها تُعرّف عادة بمصطلح حقوق الإنسان؛ غير أنّ في وسع المرء اقتباس الغالبية الساحقة من العواصم الغربية، والشرقية أيضاً: من واشنطن وموسكو، إلى لندن وبرلين وروما. كلهم فضّلوا التعامل مع «الشيطان الذي يعرفونه»، خادم مصالحهم الأمين، الطيّع التابع الخنوع؛ ولتذهب، إلى الجحيم، تقارير منظمات حقوق الإنسان، وحشرجات سجناء الرأي. لقد أسمعتْ لو أنها نادت الأحياء من قادة الديمقراطيات، رافعي ألوية حقوق الإنسان!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

أمريكا وحقوق الإنسان:

حتى لا يكون ترامب ضبعاً أعزل

صبحي حديدي

 

في تقريرها الدوري للعام 2017، والذي يصدر سنوياً تحت عنوان «الحرية في العالم»، خلصت مؤسسة «بيت الحرية» Freedom House الأمريكية إلى منح الولايات المتحدة علامة 89؛ مقابل 100 لفنلندا والنروج والسويد، و99 لكندا وهولندا، و98 لأستراليا ولوكسمبورغ، و97 للدانمرك واالبرتغال وإيسلندا وباربادوس. ثمّ قالت المنظمة، بصدد موجز حال الحريات في أمريكا: «يُجادَل بأنّ الولايات المتحدة هي الديمقراطية الأقدم في العالم. شعبها يتمتع بنظام انتخابي حيوي، وتراث قوي لحكم القانون، وحرّيات راسخة للتعبير والاعتقاد الديني، وسلسلة أخرى عريضة من الحريات المدنية الأخرى. والولايات المتحدة تظل مقصداً رئيسياً للمهاجرين، وما تزال ناجحة إلى حدّ بعيد في استيعاب القادمين الجدد من كلّ الخلفيات».
والحال أنّ «بيت الحرّية»، الذي ينفرد عن جميع المؤسسات المماثلة في أنه منظمة غير حكومية لكنها في الآن ذاته مموّلة من الحكومة الأمريكية، أصدر التقرير السنوي وشبح الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب يجوس أجواء أمريكا حاملاً الكثير من نقائض هذه المزاعم. ولم يطل به الوقت، بعد تنصيبه رسمياً، حتى انخرط في الطور التطبيقي من بعض وعوده الانتخابية؛ وأوّلها حظر دخول اللاجئين (والمهاجرين، بالطبع)، وحظر تأشيرة الدخول لرعايا سبع دول مسلمة. ورغم أنّ بسطاء النوايا هم، أغلب الظنّ، في الصفّ الوحيد الذي لا يطعن في مصداقية «بيت الحرية»؛ فإنّ ما شهدته مؤخراً بعض المطارات الأمريكية، والصدام المباشر بين السلطات التنفيذية والقضائية، لا يترك حتى للبسطاء أولئك هامش يقين ضئيلاً في أنّ أمريكا هي «الديمقراطية الأقدم».
يصحّ، في المقابل، التساؤل عما إذا كان ترامب الضبع الوحيد، أو الأعزل، في هذا الاستهتار الجلف بأبسط حقوق الإنسان؛ وعما إذا كان تاريخ الولايات المتحدة، المعاصر والحديث والقديم، حافلاً بسوابق نظيرة، اختلفت جلافتها في قليل أو كثير. والذاكرة الإنسانية تملك مسرداً طويلاً لانتهاكات حقوق الإنسان في أمريكا، وكيف أنها تكرست رسمياً في الدستور الأمريكي ذاته. هنالك، على سبيل المثال، حقيقة الغياب التام لكلمة «مساواة» في ذلك الدستور، الذي لا ينصّ البتة على توفير ضمانات تكفل حقّ المواطن في الغذاء، واللباس، والمسكن، والصحة، والعمل، والراحة، والأجر المعقول إنسانياً، والضمان الاجتماعي في العمل والحياة، وحماية الأسرة والأطفال. أليست هذه في صلب حقوق الإنسان؟ أليس ضمان «الحقّ المتساوي في الطعام واللباس والمسكن»، هو جوهر الشرائع والحقوق؟ أيّ حقوق إنسان هذه حين يكون في مدينة نيويورك وحدها 36 ألف مواطن مليونير، و38 ألف مواطن يقتاتون على النبش في صناديق القمامة؟ وأيّ حقوق إنسان حين تثبت هيئة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنّ المواطن الأمريكي ليس متساوياً أبداً أمام القضاء، وأنّ الأحكام الصادرة بحقّ الأمريكيين السود والآسيويين أقسى بثلاثة، وأحياناً بأربعة، أضعاف من الأحكام الصادرة بحق البيض في قضايا مماثلة؟
ثم ماذا عن مؤسسات الديمقراطية الأمريكية ذاتها؟ ألا تنقلب عمليات انتخابات للكونغرس، مثل انتخابات الرئاسة، إلى صفقات مبيع الذمم وشرائها؟ «تعداد فلوريدا» هو الأشهر، ربما، في التاريخ الأمريكي المعاصر؛ حين اختلط الحابل بالنابل وانتصر جورج بوش الابن على آل غور بفارق أصوات يصحّ القول بأنها أتت من الغامض المجهول. ألا تُجري لجان الكونغرس تحقيقات حول فضائح التبرعات المالية غير القانونية في أعقاب كلّ حملة انتخابية رئاسية تقريباً؟ ألم تُلصق بحملة ترامب اتهامات جدية حول تورّط الأجهزة الروسية في ترجيح كفة المرشح الملياردير، صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟
ومن جانب آخر، أليس من حقّ الشعوب أن تثير مسألة انتهاك الولايات المتحدة لحقوق الإنسان ما وراء المحيط، ضدّ الأمم الأخرى في العالم الشاسع الواسع للإنسانية؟ وكيف تنسى الشعوب أن أمريكا، منذ تأسيسها كدولة وقوّة عظمى، شنّت أكثر من 75 عملية غزو خارجي للشعوب، واستخدمت أول قنبلة ذرية في تاريخ الإنسانية، وتمتلك وتواصل تخزين أضخم ترسانية نووية (25 ألف قنبلة)، وأنفقت أكثر من 274 مليار دولار على تطوير أسلحة الدمار الشامل، وتحتكر تصدير السلاح إلى 146 بلداً، وتهيمن على ثلاثة أرباع سوق السلاح الدولي وأسواق اندلاع الحروب الأهلية والإثنية. وفي كوريا الجنوبية، حيث ترابط القوات الأمريكية للدفاع عن «الحرية» و»حقوق الإنسان»، تشير الإحصاءات إلى 43.900 حالة اغتصاب مارسها الجنود الأمريكيون ضد فتيات ونساء هذا البلد.
ومن المعروف أن التقرير السنوي لهيئة الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في العالم لا يوفّر الولايات المتحدة الأمريكية، بل جرت العادة أن يفرد لها استنتاجات رهيبة تذكّر بأفظع الممارسات التي اعتادت على ارتكابها الدكتاتوريات «الكلاسيكية» في أي نظام استبدادي، شرقاً وغرباً، ماضياً وحاضراً. ولقد حدث أنّ بعض أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد التقرير السنوي قضوا في السجون الأمريكية ثلاثة أسابيع (ومُنعوا من دخول سجون أخرى)، ليخلصوا إلى النتيجة التالية حول عقوبة الإعدام بصفة خاصة: «من الواضح أن اعتبارات مثل الأصل العرقي أو الإثني، والوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي، عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت عقوبة الإعدام ستُفرض أو تُستبدل بعقوبة أخفّ، وما إذا كانت ستُنفّذ أم تُلغى بقرار أعلى صادر عن حاكم الولاية المعنية».
هنالك، أيضاً، موقف الولايات المتحدة من إعلان مؤتمر أوسلو القاضي بحظر الألغام الأرضية المضادة للأشخاص؛ إذْ كان من المدهش أن أمريكا لم تكتف بالرفض وحده، بل سارع رئيسها آنذاك، بيل كلنتون، إلى رفد تصريحاته بهجاء كوميدي لهذه الدول التي تطالب الولايات المتحدة بحظر أسلحة لا تستخدمها الولايات المتحدة أصلاً! آنذاك، رسم كلنتون ابتسامة ساخرة، وشرح للمجتمع الدولي أن الجيش الأمريكي توقف منذ عقود طويلة عن استخدام الألغام الأرضية «الغبية» التي تظلّ قابلة للانفجار حتى بعد قرون من وضع الحروب لأوزارها؛ وهذا الجيش لا يستخدم إلا النوع «الذكيّ» من ألغام أرضية تمتثل للأوامر، وتفجّر نفسها بنفسها بعد أن تنتهي الحاجة إليها. هذه الأجيال الذكية، مثلها كامل الأجيال الجديدة الذكية من الأسلحة الأمريكية، ليست موضوعاً للمساومة!
كذلك تغافل كلنتون عن حقيقة أن المنطقة المنزوعة السلاح، الواقعة على الحدود المشتركة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية (حيث يرابط 37 ألف جندي أمريكي)، ليست مزروعة بأي لغم «ذكي»، بل بملايين الألغام «الغبية» التقليدية دون سواها. وهنا دلالة الشطر الأول من الشروط الأمريكية قبل التوقيع على اتفاقية حظر هذه الألغام: البنتاغون طالب بفترة إعفاء تمتد على تسع سنوات قابلة لتمديد إضافي لا يقل عن عشر سنوات (91 عاماً بالتمام والكمال)، يقوم خلالها خبراء الجيش الأمريكي بدراسة البدائل وترتيب الأرض، وبعدها يقررون الانضمام أو الامتناع. الشرط الثاني كان إضافة بند خاص في الاتفاقية يتيح استثناء الولايات المتحدة من جميع الالتزامات المنصوص عنها، فور اندلاع نزاع عسكري بين واحدة من الدول «المارقة» المعروفة، وبين دولة حليفة للولايات المتحدة. والنصّ الذي حمله المفاوضون الأمريكيون إلى مؤتمر أوسلو أسهب أكثر في شرح الموقع الكوني الخاص الذي تتمتع به الولايات المتحدة، بحيث بدت مصالحها القومية بمثابة مصالح كونية تهمّ الإنسانية بأسرها!
ويبقى أنّ هذا المشهد، إذا كان لا يطمس حقيقة انبثاق حركات احتجاج شعبية أمريكية، مشرّفة تماماً وجديرة بالاحترام، ضدّ سياسات البيت الأبيض؛ فإنه، من جانب آخر، لا يبدّل البتة حقيقة أنّ ترامب ليس، ولم يكن في أيّ يوم، ذلك الضبع الضاري الوحيد، أو الأعزل.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)
 

 

 

من سريبرنيتشا إلى حلب:

ماذا تبقى من متاجر الليبرالية؟

صبحي حديدي

 

«كلّ ما لاح أنه صلب في الليبرالية، يذوب إلى أثير»، هكذا يستخلص جون غراي، المفكر البريطاني البارز، وصاحب مؤلفات إشكالية وسجالية مثل «الفجر الزائف: ضلال رأسمالية العولمة»، و«يقظة الأنوار: السياسة والثقافة عند خاتمة العصر الحديث»، و«هرطقات: ضدّ التقدّم وأوهام أخرى»، و«روح مسرح الدمى: تحقيق موجز حول الحرّية الإنسانية»، فضلاً عن كتابه الأشهر: «كلاب من قشّ: أفكار حول بني البشر وحيوانات أخرى». وإلى جانب هذا الرأي القاسي حول مآلات الليبرالية المعاصرة، لا يتردد غراي في اقتباس عبارة الفيلسوف الأمريكي مارشال بيرمان، «كلّ ما هو صلب يذوب إلى أثير»، عنوان كتابه الشهير في هجاء الحداثة. 
وللمرء أن يبدأ من سلسلة تناقضات، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى، تكتنف جاذبية غراي العالمية؛ ولعلّ مبعث اجتماعها، أو ائتلافها في أذهان المنجذبين إلى أفكاره، أنّ الرجل ليس من أهل التفكير الأحادي، الأبيض أو الأسود؛ ولهذا فإنّ الإجماع على أطروحاته إنما ينبثق عملياً من حقيقة أنّ الفكر السياسي المعاصر، ذاته، صار تعددياً بالضرورة، أكثر من ذي قبل، بل أكثر ممّا شهدته أية حقبة استقطابية حادّة في التاريخ الحديث. وهكذا، يدرّس غراي الفكر الأوروبي في «مدرسة لندن للاقتصاد»، التي لا يشكّ اثنان في أنها واحدة من أكثر قلاع الفكر الرأسمالي الحديث حصانةً ورصانةً وعلوّ شأن. وهو، ثانياً، كاتب شبه دائم في الأسبوعية البريطانية «نيو ستيتسمان»، الرصينة بدورها، اليسارية في الإجمال، والتي لا يُعرف عنها الحماس للرأسمال واقتصاد السوق. وهو، ثالثاً وفي التوصيف الأعرض، أكاديمي وفيلسوف وهجّاء للعولمة المعاصرة، الوحشية منها وغير الوحشية (من منطلقات محافظة غالباً، وليست يسارية مبدئياً).
وكانت فرضية غراي الأساسية، في «كلاب من قشّ»، تبعث على القشعريرة، رغم أنها بالغة البساطة: التراث اليهودي ـ المسيحي، وهو الفلسفة الإجمالية التي يرتكز إليها وجدان الغرب أسوة بعقل الغرب، كان يُفرِد الإنسان عن الحيوان في مواهب كبرى مثل الإيمان والاختيار والعقل واللغة والإبداع؛ الأمر الذي لا يتراجع اليوم أو ينحطّ أو ينعدم عند بني البشر فحسب، بل هو ينقلب إلى حيوانية صريحة صارخة مجانية مدمّرة، أين منها سلوك الحيوان! يكتب غراي: «على الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء أن ينبذوا إلحاحهم على مركزية الإنسان واستقلالية عقله، لأنّ المدينة باتت أشبه بقفير النحل، وصفحة الإنترنت باتت تشبه اسمها تماماً: شبكة العنكبوت»! 
أفكار غراي الأخرى تقول التالي، على سبيل الأمثلة: صحيح أنّ الأنظمة الشيوعية فشلت، وحاول اقتصاد السوق فرض نموذجه الطوباوي الخاصّ على البشرية جمعاء؛ لكنّ ما جرى في أمريكا يوم 11/9/2001 ينبغي أن يؤذن بنهاية تلك الحملة الصليبية. لماذا؟ لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول نهاية التاريخ، وصعود الليبرالية التجارية في سياق مدّ لا تقاومه أمّة أو سوق أو ثقافة أو فلسفة)؛ اهتزّ من جذوره أمام مشهد انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، تماماً كما تنهار قصور الكرتون، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة.
ومؤخراً، في مقالة مستفيضة نُشرت في «نيو ستيتسمان» بعنوان «إغلاق الذهن الليبرالي»؛ يبدأ غراي من استعراض المشهد الكوني الراهن (أوروبا، حروب التبادل، دونالد ترامب، فلاديمير بوتين، أمواج اللجوء، الصين، حلب…)؛ لكي يبلغ خلاصة الفقرة الأولى في مقالته: «النظام الليبرالي الذي لاح أنه ينتشر عالمياً بعد نهاية الحرب الباردة، يتلاشى من الذاكرة». ورغم اتضاح هذا التلاشي، يوماً بعد آخر، فإنّ الليبراليين يجدون صعوبة في مواصلة العيش دون «الإيمان بأنهم في الصفّ الذي يحلو لهم اعتباره الصواب في التاريخ»؛ وبالتالي فإنّ إحدى كبريات مشكلاتهم أنهم لا يستطيعون تخيّل المستقبل إلا إذا كان استمراراً للماضي القريب! وحين يختلف الليبراليون حول كيفية توزيع الثروة والفرص في السوق الحرّة، فالمدهش في المقابل أنّ أياً منهم لا يُسائل نمط السوق المعولمة التي تطورت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وبعد الاستفاضة في مناقشة أزمة الليبرالية المعاصرة كما تتجلى في بريطانيا، في محورَيْ أزمة حزب العمال والتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ يردّ غراي السجال إلى جذور الفكر الليبرالي الحديث، في أنه نتاج متأخر من التوحيدية اليهودية والمسيحية: «من تقاليد هذَيْن الدينَيْن، وليس من أيّ شيء في الفلسفة الإغريقية، نبعت القِيَم الليبرالية حول التسامح والحرية. وإذا ساد اليقين بأنها قيم كونية، فذلك بسبب الاعتقاد بأنها فرائض إلهية. ومعظم الليبراليين علمانيون في النظرة العامة، لكنهم يواصلون الإيمان بأنّ قيمهم إنسانية وكونية». المعضلة، بعد هذا التوصيف، أنّ الذهن الليبرالي الحاضر عاجز عن الاشتغال إلا إذا أغلق الواقع، أو عرضه كبضاعة أحادية، في المتجر الليبرالي الوحيد!
ولن نعدم خطاً في التنظير الليبرالي، على غرار تفكير فرنسيس فوكوياما مثلاً، يجزم بأنّ المجتمعات الليبرالية هي وحدها التي يمكن أن تصبح حديثة؛ ليس دون التشديد، أيضاً، على أنّ العولمة تنتج طبقة متوسطة تتطلب الحرية السياسية، تماماً كما افتُرض أنّ البرجوازية الأوروبية اقتفت ذلك الدرب في القرنين التاسع عشر والعشرين. واقع الحال، في المقابل، يشير إلى مشهد متضارب تماماً في ما يخصّ علاقة الطبقة المتوسطة بالأنظمة، خاصة المستبدة وكارهة الحرّية والتسامح؛ ليس في البلدان «المتخلفة» وحدها، بل في بلد متقدم مثل روسيا، حيث يتوزع ولاء الطبقة المتوسطة على مزيج من النزعة الاستهلاكية والنزعة القومية ونصرة النظام. وأمّا أمريكا، في المقابل، فإنّ العولمة تتكفل بتفكيك الطبقة المتوسطة فيها، وتقف السوق الحرّة مكبلة، عاجزة عن المقاومة!
تبقى مسألة حقوق الإنسان، حيث يرى غراي أنها قد أصبحت «عبادة» ليبرالية خالية من المعنى، لأنها فقدت تعريف أغراضها السامية الأولى، وباتت عاجزة عن أداء أدوارها كعوائق رمزية أمام شرور قصوى مثل المجازر الجماعية والاستعباد والتعذيب. والأمثلة من سريبرنيتشا وحلب وسواهما، يكتب غراي، تبرهن أنّ حقوق الإنسان ليست بعيدة عن تأسيس نظام دولي، فحسب، بل هي استُخدمت وتُستخدم لتشريع الغزو الخارجي، وتنظيم التطهير العرقي، وارتكاب جرائم الحرب… وبهذا المعنى فإنها، مثل كلّ القيم التي تزعم الليبرالية أنها كونية، ليست مصانة حتى في قلب المجتمعات الأوروبية؛ حيث بدت، قبل سنوات قليلة فقط، مقدّسة منيعة لا تُمسّ. ولقد رُوجعت، وعُدّلت، بل أخذت تتآكل بصفة مضطردة، حين ساد افتراض عريض بأنها تتناقض مع أمن المواطن، وأنّ مبدأ «محاربة الإرهاب» لا تعلو عليه قيمة.
ويختم غراي، في ما يشبه نعياً جذرياً لليبرالية في متاجرها كافة: «إن الوثوق المتصلب، الممتزج بتفخيم الذات والارتياع، قد عرّفا الذهن الليبرالي في الماضي، كما في الحاضر. يمكن، مع ذلك، رصد مزاج مختلف في باطن هذه الحال، مفاده أنّ كل ما يتبقى من الليبرالية هو الخوف من المستقبل. وفي مواجهة ما يتلاشى أمامهم من عالم خُيّل إليهم أنهم يعرفونه، قد يُصاب ليبراليون كثر بإغواء الانطواء في عوالم متخيَّلة تصنعها منظمات يسارية الهوى، غير حكومية، أو ينغلقون في أروقة الندوات الأكاديمية. ذلك يرقى إلى التخلي عن النضال السياسي، وقد يصحّ أنّ بعضهم، ممّن جسدوا الليبرالية الحاكمة، أخذوا يدركون أنّ زمنهم قد انطوى إلى غير رجعة».
.. وبالتالي توجّب طرح السؤال، المشروع تماماً: بعد حلب، وقبلها سريبرنيتشا، ما الذي تبقى من بضائع القيم، في متاجر الليبرالية؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

ترامب الرئيس:

كرتون الأباطرة ـ

طبعة الرحم الأمريكي

صبحي حديدي

 

في مناسبة تنصيب دونالد ترامب، اليوم، وتوليه رسمياً وقانونياً مهامّ الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة؛ يذكّرنا موريس بيرمان بأنّ لأمريكا سوابق في هذا المقام: قلّة محدودة من نطاسيي علوم السياسة اليانكية توقعت أن يُنتخب رجل مثل ريشارد نكسون، الذي انتُخب بالفعل وارتكب الفظائع في الداخل كما في ما وراء المحيط؛ وقلّة أخرى، محدودة بدورها، تنبأت بأن رونالد ريغان، ممثل الدرجة الثانية، لن يتربع في البيت الأبيض فحسب، بل سيطلق حرب النجوم أيضاً! وأمّا انتخاب ترامب، يتابع بيرمان، فإنه «اللهاث الأخير» لهذا البلد: السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية الرومانية أنتجت أباطرة كانوا بمثابة «نكات رديئة»، بمن فيهم الحمقى والصبية؛ وهذا ما وصلت إليه أمريكا مع الشخصية الكرتونية، ترامب، الذي سيترأس القوة الكونية الأعظم، بلا تجربة سياسية، ولا مواصفات إنسانية؛ والذي، في المقابل، يتوّج 400 سنة من «التناطح الخشن» بين حزب وآخر، و»عقيدة» جيو ـ سياسية وأخرى، ورئيس وسَلَفه/ خَلَفه؟
وبيرمان، للتذكير، مؤرّخ ثقافي أمريكي مرموق، صاحب الكتابَين الشهيرين «عصور الظلام في أمريكا: الطور الأخير من الإمبراطورية»، 2006؛ و»أفول الثقافة الأمريكية»، 2000؛ وكلا العملين أثار عواصف سجال ساخنة، لم تهدأ حتى اليوم، لأنها ببساطة ظلت تعيد إنتاج عناصرها على نحو أشدّ سخونة. 
وحين صعد جورج بوش الابن، وانتُخب لولاية ثانية؛ اعتبر بيرمان أنّ الحضارة الأمريكية أخذت تحثّ الخطى من طور الأفول (الذي ناقشه في كتابه الأول)، إلى عصر الظلام الفعلي (الذي تكهن به في كتابه الثاني). وما ولعه بالإحالة على مصائر مشابهة واجهتها الإمبراطورية الرومانية، إلا إعادة تشديد على خلاصات المؤرّخ البريطاني البارز شارلز فريمان، في كتابه الرائد «إنغلاق الذهن الغربي». وهكذا، كتب بيرمان: «السيد بوش، يعلم الله، ليس القديس أوغسطين، ولكنّ الأخير كما يشير فريمان هو تجسيد سيرورة أعرض أخذت تتكامل في القرن الرابع، وتمثّلت في إخضاع العقل للإيمان والسلطة. وهذا ما نشهده اليوم في أمريكا، وهي سيرورة لا يمكن أن يعيشها مجتمع ويظلّ حرّاً».
وفي فصل فريد، بعنوان «محور السخط: إيران، العراق، إسرائيل»، دشّنه باقتباس شديد المغزى من السناتور والمؤرّخ الروماني الشهير كورنيليوس تاسيتوس: «يخلقون الأرض اليباب ويطلقون عليها تسمية السلام»؛ ساجل بيرمان بأنّ زلزال 11/9 كان نتيجة حتمية للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصاً في فلسطين والعراق وإيران. منابع السخط هذه تشمل الانقلاب الأمريكي المدبّر في إيران (الذي عُرف باسم «عملية أجاكس» وأسقط رئيس الوزراء الشرعي محمد مصدّق سنة 1953)، والتدخّل الأمريكي في شؤون العراق منذ الستينيات وحتى التعاون العسكري والأمني مع نظام صدّام حسين أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبينهما وقبلهما وبالتزامن معهما الانحياز الأمريكي المطلق لدولة إسرائيل.
والحال أنّ سيرورة انحلال الإمبراطورية الرومانية، وليس نظرية حلقات التصحيح الذاتي، هي التي تصلح لاستشراف مستقبل أمريكا المعاصرة. إنها قوّة عظمى تسير حثيثاً نحو الهاوية بسبب من عجوزات في التجارة لا يمكن ضبطها، وميزانيات مدينة على نحو خرافي لا سابقة له، وعملة آخذة في الاهتراء دولياً، و»هوية سلبية» تتغذى على الحرب ضدّ الأمم الضعيفة، وثقافة بلهاء تعيش على التلفزة والإعلام الضحل، والتعليم الفاشل أو التبسيطي في المدارس والجامعات، وجنون الاستهلاك، والصحافة الأسيرة، والحقوق المدنية الضائعة، ومجموعات الضغط التي تسيّر الكونغرس، ووزارة العدل التي تعيد كتابة القوانين الدستورية على هواها… ويستخلص بيرمان: «نحن مجتمع قدره محتوم لأنّ الجمهور ذاته لم يعد ناشطاً أو واعياً، وهو لا يكفّ عن إعادة انتخاب الأناس أنفسهم الذين يتولّون نسف الحرّيات»! أليس تنصيب رجل مثل ترامب ذروة جديدة في ما استبصره بيرمان قبل 17 سنة؟ أليس التعاقب العجيب، رغم تناقضاته الظاهرة، بين بارك أوباما وترامب، هو طراز من استئناف «قدر محتوم»؟
ولكن ماذا عن ديمقراطية الإمبراطورية ذاتها، بين ظهرانيها، بحقّ أبنائها، وفي قلب ركائز «الاستثناء الأمريكي» الشهير، دون سواه؟ قبل زمن ليس بالبعيد كان فيليب جيمس، أحد أبرز مخضرمي التخطيط الستراتيجي الأمريكي، قد أطلق صفة «الكابوس» على التسجيلات الهاتفية التي وافق جورج بوش الابن على إجرائها بحقّ عدد من المواطنين، ممّن ارتابت الإدارة في أنهم على صلة بمنظمة «القاعدة». «هل تنقلب أمريكا إلى الشاكلة التي تخشاها كلّ الخشية»، تساءل جيمس، قبل أنّ يحدّد الشاكلة تلك: «دولة على غرار الأخ الأكبر»؛ في إشارة إلى النظام البوليسي السوفييتي كما تخيّله الروائي البريطاني جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984»، حيث «الحكم للأوامر العليا، ولا أحد مستثنى من تنصّت البوليس السرّي، وكلّ شيء مسموح به دفاعاً عن الوطن، بما في ذلك التعذيب»؟
هذا ـ في صياغة أخرى تأخذ بعين الإعتبار أننا نتحدّث عن الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة دستور 1789، وليس عن نظام استبداد وفساد وجمهورية وراثية دكتاتورية ـ انقلاب من استثنائية الحلم إلى… استثنائية الكابوس؛ أو، كما في تعبير جيمس نفسه: «عالم أورويلي، حيث المذكّرات الإدارية المدافعة عن التعذيب تُسطّر في وزارة العدل ذاتها، ويصبح القضاء مهنة فائضة عن الحاجة في الشأن العام»! وهل، في المقابل، ثمة حاجة للكثير من العناء كي يدرك المرء عواقب هذه الدولة الأورويلية على نطاق عالمي، أنّى اتجه المرء ما وراء المحيط؟
ألا تواصل الولايات المتحدة احتلال، وأداء، دور روما الإمبراطورية في العالم القديم؟ أفلا تنتهك القوانين داخل حدودها وضدّ مواطنيها بقدر ما تفعل ضدّ العالم (إنشاء سجون أمريكية غير شرعية في بعض البلدان الأوروبية، ونقل المعتقلين المختطفين في رحلات جوية سرّية عبر مطارات الديمقراطيات الغربية…)؛ لكي لا نتذكّر تلك الحقوق الكونية التي يرى قياصرة أمريكا أنّ من حقّ روما القرن الحادي والعشرين أن تتجاهلها تماماً (إعفاء الصناعة الأمريكية من التزامات بروتوكول كيوتو حول تخفيف غازات الاحتباس الحراري، على سبيل المثال)؟
وبالأمس فقط، في تقرير نشرته «أسوشيتد برس» تعليقاً على تنصيب ترامب، كتب دان بيري وبرادلي كلابر أنّ سوريا قد تكون أبكر ميادين تراجع أمريكا عن مبدأ إشاعة الديمقراطية ومساندة دولة القانون؛ بالنظر إلى ما أثاره ترامب من إمكانية الشراكة مع روسيا فلاديمير بوتين، والتلويح أيضاً باحتمال الاصطفاف مع نظام بشار الأسد في مسألة الكفاح ضدّ الإرهاب والعدو المشترك الذي تمثّله «داعش». ما يتغافل عنه كاتبا التقرير، مع ذلك، هو أنّ ذلك المبدأ كان زائفاً في الأصل، هكذا بدأ وهكذا يظلّ اليوم أيضاً؛ وأنّ ترامب لا يقوم بما هو أكثر من إعادة تدوير سياسة أوباما في سوريا، صراحة هذه المرّة، وليس مواربة!
وفي الخلاصة، هذا مشهد أمريكي يرثه اليوم الرئيس الخامس والأربعون، لكي يشارك في متابعة إنتاج أعرافه جمعاء، منطلقاً من قلب هذه الديمقراطية ذاتها التي أتاحت انتخابه على نقيض من مقولاتها التأسيسية تحديداً، وجعلت منه أمثولة الذروة بالقياس إلى سوابق مثل نكسون وريغان وبوش الابن.
 وإذا جاز القول إنّ شاغل البيت الأبيض الجديد هو ـ بدوره، واستئناساً بروحية تشخيص بيرمان ـ كرتون إمبراطوري، في طبعة أمريكية؛ فذلك لأن ترامب، أوّلاً وثانياً وثالثاً وعاشراً، نتاج أمريكي قلباً وقالباً: خرج من رحم أمريكا، ومن باطنها العميق، ولم يهبط البتة من المريخ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

حصيلة أوباما:

وعود كاذبة وحروب مقنّعة

صبحي حديدي

 

حين فرغ الرئيس الأمريكي باراك أوباما من إلقاء خطبة الوداع لشعبه، في شيكاغو، قبل أيام؛ كانت إدارته قد ألقت 26.171 قنبلة، على سبعة بلدان: سوريا، 12.192؛ العراق، 12.095؛ أفغانستان، 1.337؛ ليبيا، 496؛ اليمن، 34؛ الصومال، 14؛ باكستان، 3. لكنه لم يحتسب هذا الرقم ضدّ إنجازاته، ولم يتطرّق إليه نهائياً، بل اعتمد العكس: سَوْقُ كلّ الإشارات، والإيحاءات، بأنه كان رئيس سلام، لا رئيس حرب؛ وأنّ خلق الوظائف، وإصلاح نظام التأمين الصحي، وتصفية أسامة بن لادن، هي الثلاثي الأبرز في منجزه الرئاسي.
والحال أنّ المرء لا ينكر على أوباما أنه، بالفعل، كان رئيس الداخل الأمريكي أكثر بكثير من الخارج العالمي؛ وذاك لم يكن حقّه فحسب، بل لعلّ البعض يساجل، عن صواب، أنه كان واجبه تجاه شعبه. ما لا يجوز نكرانه أيضاً، وفي المقابل، أنّ الرئيس الرابع والأربعين تعامى عن سلسلة وعود كان قد قطعها على نفسه؛ خاصة من موقعه كرجل تغيير رفع شعار «نعم، نستطيع!»، وكذلك لأنه ـ إذْ لا يصحّ إغفال هذا التفصيل، الحاسم ـ أوّل رئيس أفرو ـ أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة. فكيف إذا كان قسط من تلك الوعود ينتهي إلى نقيض الصورة ـ الأخلاقية، على الأقلّ ـ التي ظهر عليها أوباما، وبَشّر بها، وقُدّم فيها.
الوعد الأول يتصل بمعتقل غوانتانامو، إذ كان أوباما ـ ومنذ أن استحق، رسمياً، صفة الرئيس المنتخب ـ قد وصف المعتقل بـ»الفصل الحزين في التاريخ الأمريكي»؛ معتبراً أنّ في وسع النظام القضائي الأمريكي أن يستوعب مختلف ملفات المحتجزين في المعتقل، لأنه أصلاً واقع خارج أراضي الولايات المتحدة. بيد أنّ طيّ صفحة هذا «الفصل الحزين» كان يقتضي إغلاق المعتقل، ليس أقلّ؛ وذاك قرار كان يرقى إلى مستوى واحد من أهمّ الاختبارات المبكّرة حول اقتران أفعال أوباما بأقواله أثناء الحملة الانتخابية. لهذا لجأ مساعدو الرئيس المنتخب إلى تسريب معلومات تفيد بأنّ الإدارة الجديدة تعكف على دراسة سلسلة مقترحات: إطلاق سراح البعض، ومثول البعض الآخر أمام محاكم جنائية أمريكية، وإحالة «حالات الخطر العالي» إلى محكمة أمريكية جديدة تتخصص في القضايا الحساسة التي تمسّ الأمن القومي…
لم يتحقق شيء من هذا، عملياً، أو بصفة ملموسة ذات تبعات قانونية يمكن القياس عليها؛ لسبب جوهري أول هو أنّ المعتقل لم يكن محض «فصل حزين»، رغم كلّ ما تثيره شروط الاحتجاز من حزن وأسى وتعاسة، بل كان، ويظلّ في المقام الأوّل، صيغة فاضحة ومعلَنة من بربرية أمريكية: قانونية، وحقوقية، وسياسية، وأخلاقية. وفي وضع المعتقل ضمن هذه الخلفية الأعرض، ثمة عبارة/ مفتاح، كان قد أطلقها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في تبرير إنشاء هذا المعتقل العسكري، حين أقامته الإدارة في خليج غوانتانامو يوم 11 كانون الثاني (يناير) 2002، إلى جانب حزمة إجراءات أخرى خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً، في سياقات ما أسمته بـ «الحرب على الإرهاب». قال بوش، يومئذ: «تذكروا… هؤلاء الأشخاص الموجودون في غوانتنامو قتلة، ولا يشاركوننا نفس القِيَم»… 
إنها، إذن، حكاية قيم، فكرية أو سياسية أو ثقافية أو حتى دينية؛ وليست مسألة قوانين مرعية وقضاء مستقلّ ومحاكم عادلة تنظّم شؤون الجريمة والعقاب. وأيّ انتهاك للحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتانامو مشروع تماماً، في منظار أوّل هو عدم انتماء المحتجَز إلى القيم الأمريكية؛ وأنّ تلك القيم تتمتع ـ في المنظار الأمريكي فقط! ـ بصواب أخلاقي مطلق، وبمنعة قانونية راسخة، فضلاً عن تسلحها بمختلف أنماط السطوة السياسية والعسكرية والاقتصادية. والثابت أنّ إعلان أوباما العزم على إغلاق المعتقل اكتنفته سلسلة من التصريحات المشوشة والمتناقضة، والتي ألقت بظلال الشكّ حول المدى الزمني لاقتران أقواله بالأفعال، لكي لا يذهب المرء أبعد في الظنون.
وهكذا، كان أوباما قد أبدى موافقته على إحالة بعض معتقلي غوانتانامو إلى القضاء العسكري الأمريكي، وليس إلى المحاكم الفدرالية المدنية؛ الأمر الذي ساجلت ضدّه جميع منظمات حقوق الإنسان، لأسباب جلية. وإذْ تحدّث الرئيس الأمريكي عن احتمال براءة الكثيرين من تهمة الإرهاب المنسوبة إليهم (بل ضرب مثلاً من خارج المعتقل: المواطن السوري ـ الكندي ماهر عرار، الذي اعتقلته السلطات الأمريكية في مطار نيويورك، وسلّمته إلى الأجهزة السورية، بتواطؤ من الشرطة الكندية، حيث تعرّض للتعذيب والاعتقال طيلة سنة ونيف، واضطرت الحكومة الكندية إلى الاعتذار منه وإعادة الاعتبار إليه بعد الإفراج عنه)؛ إلا أنّ المثول أمام قاض عسكري أمريكي لن يساعد كثيراً في إظهار البراءة، تماماً كما برهنت محاكمة حمزة البهلول وعمر خضر، على سبيل المثال.
الوعد الثاني الذي قطعه أوباما على نفسه كان الترخيص بنشر ما ستُسمّى «مذكرات التعذيب»، التي صدرت عن كبار مسؤولي وزارة العدل والبنتاغون في الإدارة السابقة؛ خاصة وأنّ ثلاثة كتب كانت قد تناولت الموضوع، على سبيل ارتياد حقائق ذلك الملفّ المشين: كتاب «فريق التعذيب: مذكرات رمسفيلد وخيانة القيم الأمريكية»، للمحامي البريطاني وأستاذ القانون فيليب ساندز؛ وكتاب جميل جعفر وأمريت سينغ، «إدارة التعذيب: سجلّ موثق من واشنطن إلى أبو غريب»؛ وكتاب مايكل راتنر، «محاكمة دونالد رمسفيلد: مقاضاة عن طريق كتاب»، بالتعاون مع مركز الحقوق الدستورية. وكانت هذه المؤلفات تنضم إلى سلسلة الأعمال والتحقيقات الصحافية التي بدأت من سيمور هيرش، ومرّت بأمثال مارك دانر وجين ماير ورون سوزكند وسواهم.
بيد أنّ فظائع «مذكرات التعذيب» الإدارية تلك لم تأت من ألبرتو غونزاليس، الذي كان وزير العدل في إدارة بوش الابن، أو من جاي بايبي وجانيس كاربنسكي أو دونالد رمسفيلد، فحسب؛ بل جاءت من أمثال جون يو، الأكاديمي المنظّر وأستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا، الذي زوّد الإدارة بالمسوّغات القانونية للتلاعب على اتفاقية جنيف! الإدارة كانت تعرف، إذن، بدليل التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول واقع السجون العراقية في ظلّ الاحتلال الأمريكي. يقول تاغوبا إنّ الجيش الأمريكي ارتكب أعمال تعذيب «إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة»؛ يسرد بعضها، هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين الذكور بالاغتصاب، اللواط بالموقوفين عن طريق استخدام المصابيح الكيماوية أو عصا المكنسة، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم…
لكنّ أوباما ـ نفسه الذي نهض برنامجه الانتخابي الأول على نقيض أجندات سلفه في مسائل عديدة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، في صلبها الموازنة بين خيارات الأمن القومي وقيم أمريكا الأخلاقية ـ أصرّ على عدم الذهاب خطوة أبعد، سواء في رفض تعيين قاض مستقلّ للتحقيق في المسؤولية عن «مذكرات التعذيب» تلك؛ أو التذرّع بضرورة الحفاظ على «مبدأ الإجماع» في مسائل الأمن القومي الأمريكي، الأمر الذي تساوى فيه مع معظم الرؤساء الأمريكيين السابقين، وبوش الابن على رأسهم. وتلك كانت أطوار المراوحة في المكان، التي أعقبتها خطوات إلى الوراء بالطبع، كما اقتضت الحال.
وحين تسلّم أوباما جائزة نوبل للسلام، فإنّ قصارى ما انتهت إليه خطبته، هذه الخلاصة: ثمة حروب عادلة، من الطراز الذي تخوضه بلدي في أفغانستان وفي العراق. أو، في صياغة أخرى: لستُ داعية سلام، ولا جنرال حرب، بل… محض رئيس أمريكي نموذجي، وكفى!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

هدنة ما قبل الأستانة:

الحاضر يُعلم الغائب!

صبحي حديدي

 

 

المبدأ الذرائعي في السياسة، والذي لا يُغفله إلا السذّج وطيّبو النوايا، يفرض على المرء أن يرى عاملَين اثنين، على الأقلّ، خلف التفاهمات الروسية ـ التركية التي انتهت إلى فرض الهدنة بين النظام السوري وبعض فصائل المعارضة.
ولعلّ العامل الأول، الروسي، يتمثل في حاجة موسكو إلى طراز، متقدّم كما تأمل، من الاستثمار السياسي لما بعد «انتصار حلب»؛ لا يتيح إجبار الطرف «المنهزم»، افتراضياً، على الذهاب إلى طاولة المفاوضات في الأستانة، فحسب؛ بل، كذلك، يُلزم النظام السوري، «المنتصر» افتراضياً أيضاً، على ملاقاة الاجتماع في العاصمة الكازاخستانية. وهذه ليست حاجة معنوية، وليست تظهيراً إعلامياً لذلك «الانتصار» في حلب؛ بل هي، أغلب الظن، عتبة أولى من ستراتيجية روسية تستهدف تقليص تورط الكرملين العسكري في سوريا، ما أمكن ذلك؛ دون التفريط في التوظيف السياسي لما أنجزه ذلك التورط حتى الساعة، بل العكس: الذهاب في استثماره خطوات أبعد.
الأرجح، على الجانب التركي، أنّ أنقرة بحاجة إلى استثمار هذه الستراتيجية الروسية، لجهة تطوير عمليات «درع الفرات»، ميدانياً على الأرض، وإتمام مساحة التوغل داخل الأراضي السورية على نحو يكفل إحكام الطوق أمام أي مسعى كردي نحو تطوير «الفدرالية»، أو الوصل بين مناطق سيطرة «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، المتقطعة، على امتداد الحدود التركية ـ السورية، في الشمال. وما دامت موسكو قادرة على إحضار قوى كردية إلى مطار حميميم، تحت علم النظام، بل دفعها إلى إعادة تجزئة مفهوم «روج آفا» ذاته؛ فإنّ موسكو يتوجب أن تكون قادرة، أيضاً، ضمن ستراتيجية الاستثمار إياها، على استبعاد الكرد من المعادلة، وإنْ مؤقتاً، لصالح منح أنقرة الترخيص الضروري للوصول إلى بلدة الباب.
ثمة، إذا صحّ توصيف الحال هكذا، غائبان عن المشهد: واشنطن، وطهران. وغياب العاصمة الأولى ليس مردّه أنها منشغلة بمراسم تسلّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب، بل أساساً لانّ السياسة الأمريكية في سوريا ما تزال تتخبط ضمن المعادلات المتضاربة، ذاتها، التي فرضتها «عقيدة» الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ولقد سبق لبعض تلك المعادلات أن توصلت ـ ضمن تفاهمات مع موسكو، كذلك ـ إلى وقف لإطلاق النار في سوريا تمّ إسباغ الشرعية عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، أواخر 2015؛ لكنه انتهى إلى فشل ذريع، وبقي حبراً على ورق. وهكذا فإنّ أقصى ما تستطيع واشنطن التدخّل فيه، بصدد الهدنة التي رعتها موسكو وأنقرة، هو بعض التشويش، عن طريق الحلفاء الكرد؛ وذاك، في كلّ حال، لن يرقى إلى مستوى التعطيل أو حتى العرقلة.
الغائب الثاني، طهران، لا يغيب إلا لأنه غير معنيّ بأية «هدنة» فعلية على الأرض، بل هو يواصل القتال حيثما تواجدت وحداته، من «الحرس الثوري»، إلى «حزب الله»، فالميليشيات ذات الهوية المذهبية الشيعية على اختلاف جنسياتها. وليس ما يتردد عن «خلاف» روسي ـ إيراني حول الوضع الراهن في سوريا ـ أو بالأحرى حول مشاريع موسكو في الاستثمار السياسي لما بعد «انتصار» حلب، تحديداً ـ سوى مآل طبيعي لتقاطع المصالح والغايات بين موسكو وطهران، وكذلك طبائع التوظيف البعيد أو القريب. وفي الحصيلة، إذا صحّ أن إيران هي عرّاب النظام الأول، مالياً وعقائدياً ولوجستياً؛ فإنّ موسكو هي عرّاب النظام العسكري، الذي بات أقرب إلى «متعهد» وصاية وضبط وحماية في آن، مفوّض من قوّة إقليمية كبرى هي… إسرائيل!
وكما تمخضت جنيف ـ 2 عن مسرح عبث لم يجدِ فتيلاً، ما خلا إراقة المزيد من دماء السوريين، وإطلاق يد النظام نحو حدود أكثر همجية في تدمير البلد؛ فإنّ الهدنة الراهنة، وتباشير الأستانة المقترنة بها، لا تتجاوز الطموح إلى الانطلاق من الصفر؛ بافتراض أنها بلغت ذلك الصفر، أولاً!

(القدس العربي)

 

 

(عقيدة) أوباما و«المعارضة» السورية:

المدفن أم مزبلة التاريخ؟

صبحي حديدي

 

 

 

بعد أشهر أولى قليلة، أعقبت انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، كانت مؤسسات «المعارضة» السورية الخارجية، خاصة تلك التي استقرت في اسطنبول، قد تمأسست، في صيغة مؤتمرات، ومجلس وطني لاحقاً؛ ثمّ استُقطبت، واستَقطبت ذاتها أيضاً، فتشرذمت إلى ولاءات عربية وإقليمية ودولية، وصارت تابعيات صريحة تارة أو مبطنة طوراً ـ «المعارضة» الأخرى، الداخلية، عقدت مؤتمرها الشهير في فندق سميراميس، الذي سوف تتشرذم مكوّناته بدورها إلى ولاءات وتابعيات مماثلة، أو منضوية «تحت سقف الوطن»، أو مكتفية بصيغة «هيئة التنسيق» التي لن يطول بها الزمن حتى تتشرذم أكثر، من داخل حال التشرذم إياها.
لافت، إلى هذا، أنّ المعارضتَين (دون استبعاد مجموعات أخرى مستقلة عن الطرفين، فضلاً عن معارضين أفراد هنا وهناك)، تقاسمتا سلسلة من التشوهات التي أصابت السياسة والتفكير والتنظير، ولم تغب كذلك عن السلوك والممارسة، وشملت موضوعات حساسة ذات بُعد ستراتيجي، وأخرى أقلّ أهمية وأقرب إلى تغذية التكتيكات الصغيرة. وتلك حال أسفرت، تلقائياً، عن ملفات سجال كثيرة، لعلّ أبرزها دار حول مسائل تسليح المعارضة (وليس «الجيش السوري الحرّ» وحده)، وعسكرة الشارع الشعبي؛ واستدراج المال السياسي («حتى من الشيطان الرجيم»، كما قد يقول قائل)؛ وتجميل التدخل العسكري الخارجي (كيفما أتى، وأياً كانت الجهة أو الجهات التي تتولى قيادته)؛ والتطبيع مع الخطاب الطائفي البغيض الذي يدين طوائف بأكملها (ولا يستثني، أيضاً، المعارضين للنظام من أبنائها، المنضوين مباشرة في مختلف أنماط الحراك الشعبي)…
غير أنّ السجال حول «صدقية» و»مصداقية» الموقف الأمريكي من الانتفاضة، سواء ذاك الذي كانت تعلنه الإدارة، أو يعتنقه ساسة أفراد ليسوا في السلطة، أو يعبّر عنه معلّق سياسي هنا، أو باحث مختصّ هناك؛ كان واحداً من الملفات الساخنة، أو الأسخن في الواقع. في ذلك الطور فات المعارضتَين ـ أولئك الذين في الخارج، ممّن أدمنوا اللقاءات بنساء ورجالات البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والكونغرس ومراكز البحث والاستخبار المختلفة؛ وأولئك الذين في الداخل، واعتادوا لقاء السفير الأمريكي في دمشق، روبرت فورد، أو ممثلي الإدارة في هذه العاصمة أو تلك ـ أنّ جوهر الموقف الرسمي الأمريكي لم يقطع الرأي، البتة، في طيّ صفحة «الحركة التصحيحية»، ولم يستقرّ على سياسة ـ ملموسة وعملية وفاعلة، واضحة ـ تنتهي إلى إسقاط النظام.
كانت سلطة آل الأسد نظام استبداد وفساد في يقين هذه الإدارة الأمريكية، وربما جميع الإدارات منذ انقلاب الأسد الأب سنة 1970؛ وكانت جزءاً من كتلة أنظمة شرق ـ أوسطية بغيضة، في ناظر سادة البيت الأبيض، لكنها ظلّت خادمة وفية للمصالح الأمريكية، وضامنة موثوقة لأمن إسرائيل: بالحديد والنار والمجازر في الداخل، وبالمدافع الساكتة على جبهات القتال. كانت مسألة أخرى مختلفة تماماً، في المقابل، أن تتبنى واشنطن شعار «إسقاط» النظام، لأنّ هذا الخيار سوف يُلزمها بالمشاركة في سلسلة العمليات، السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، الكفيلة بالتوصل إلى هدف الإسقاط هذا.
كذلك توجّب ألا تغيب عن لوجستيات ذلك الخيار عمليات محفوفة بمخاطر شتى، مثل إقامة المناطق الآمنة، والممرّات الإنسانية، وتأمين خطوط الإمداد في حال إقرار مشاريع تدخل عسكرية، وزرع الوحدات المكلفة بالعمليات الخاصة الحساسة، والارتباط مع الوحدات العسكرية أو المدنية الحليفة المحلية، في طول البلاد وعرضها وليس على خطوط جبهات منتقاة… وهذا كله، وسواه، كان يتناقض مع ما سُمّي بـ»عقيدة أوباما»؛ خاصة بعد أن تبلورت خلال رئاسته الثانية، وأعلنها مفصلة في خطبة عصماء، خلال حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط «وست بوينت»، الكلية العسكرية الأمريكية الأشهر، ربيع 2014. إنها، كما نظّر لها بنفسه، لا تدعو إلى انعزال أمريكا عن كلّ نزاع لا يمسّ مصالحها، أو أمنها، أو ازدهارها الاقتصادي؛ ولكنها لا تنحاز، كذلك، إلى الرأي بأنّ إهمال تلك النزاعات سوف يشكل خطراً على أمريكا، في نهاية المطاف؛ بل هي في موقع ثالث وسيط، بين الاثنين.
قال أوباما: «لا أعتقد أن أياً من الرأيين يتجاوب تماماً مع مطالب هذه البرهة. من الصحيح تماماً أن نزعة الانعزال الأمريكية ليست خياراً في القرن الحادي والعشرين. ولا نملك خيار تجاهل ما يجري خارج حدودنا. وإذا لم تكن الموادّ النووية مؤمّنة، فإن هذا مصدر خطر على المدن الأمريكية. وإذْ تتوسع الحرب الأهلية السورية عبر الحدود، فإن الجماعات المتطرفة، المدرّبة على القتال، سوف تتزايد قدرتها على الوصول إلينا. وأي عدوان إقليمي يتواصل دون رادع، سواء في جنوب أوكرانيا، أو بحر الصين الجنوبي، أو في أي مكان آخر في العالم، سوف يؤثر في نهاية المطاف على حلفائنا، ويمكن أن يستجرّ جيشنا. لا يمكننا أن نتجاهل ما يحدث خارج حدودنا».
ومن جانب آخر، يتجاوز «هذه الاعتبارات الضيقة»، تابع أوباما: «أؤمن أننا أمام واجب، ومصلحة ذاتية الإلزام، في التأكد من أن أبناءنا وأحفادنا سوف يكبرون في عالم لا تُختطف فيه طالبات المدارس ولا يُذبح فيه الأفراد بسبب قبيلة أو عقيدة أو يقين سياسي. وأؤمن أن عالماً أكثر حرية وتسامحاً ليس واجباً أخلاقياً فقط، بل سوف يساعد في إبقائنا آمنين». حسناً، قد يبدو الكلام جميلاً، بل مبهجاً، يسير على نقيض تعطش أسلاف أوباما إلى حروب الغزو والاجتياح والتدخل؛ ولكن (وثمة «لكن» كبيرة هنا!)… كيف تُرجمت هذه الأقوال ذاتها، على الأرض، أوّلاً؟ وكيف، ثانياً، يودّع أوباما رئاستَيه هذه الأيام، حين يبدو التدخل الأمريكي في سوريا أشبه بأحجية تناقضات، بين ما تخطط له وزارة الدفاع، وما تحيكه المخابرات المركزية؟ بين «معتدلي» الجيش السوري الحرّ، وصقور الكرد؟ وبين تركيا على مشارف بلدة الباب، والقاعدة الأمريكية في الرميلان…؟
وهكذا، في إجمال الإجمال، ظلّ الموقف الأمريكي متصفاً بالتخبط، لكي لا يتخيل المرء حال جمود مفضّلة عن سابق قصد وتصميم، تواصل انتهاج قاعدة الابتداء ذاتها: أي «الهبوط السلس»، التي تفترض أنّ النظام السوري ساقط لا محالة، طال الزمان أم قصر، ولا حاجة لأمريكا بتورّط جديد بعد أفغانستان والعراق. ولا بأس، بين حين وآخر، من تلاوة صلاة تعاطف لراحة الشعب السوري الذي يُقتل بالمئات كلّ يوم، ولراحة سوريا التي يدمّرها نظام يرفع الشعار الفاشي الوحشي والبربري: «الأسد، أو نحرق البلد». وبهذا المعنى فإنّ أوباما لم يتهرّب من مسؤوليات القوّة الكونية الأعظم، أي تلك التي يتفاخر بها هو نفسه، وأسلافه من رؤساء أمريكا، فقط؛ بل سفّه «العقيدة» ذاتها، التي بشّر بها، أيضاً، وألقي بمصداقيتها السياسية والأخلاقية إلى حضيض بائس.
ولا يُلام الرجل، بعد هذا، حين يفضّل مصالح بلاده كما شخصها، على المصالح ذاتها كما فسّرها (وبئس التفسير والمفسّر!) فرسان المعارضتَين، الداخلية والخارجية، وكما خُدعوا بها، وبها خَدعوا شعبهم. وإذا جاز أن تذهب تلك «العقيدة» إلى مدفنها، يوم 20 كانون الثاني (يناير) حين يجري تنصيب الرئيس المنتخب دونالد ترامب؛ أو جاز إرسالها إلى مزبلة التاريخ، على وتيرة سابقاتها من عقائد هذا الرئيس أو ذاك؛ أو حتى جاز احتمال وسيط، كأن يتمّ تدويرها بعد إعادة إنتاجها لتصبح «عقيدة ترامب» المحسّنة مثلاً… فإنّ هذا كله لا يمسح أيّ مقدار من الخزي الذي حاق بفرسان «المجلس الوطني» و»الائتلاف» و»هيئة التنسيق» و»هيئة التفاوض»، رجالاً ونساء، شيباً ومراهقين، ممّن آمنوا بـ»ماما أمريكا»؛ ولعلهم، أو سوادهم الأغلب، على الحال ذاتها… صامدون!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

حلب و«المجتمع الدولي»:

مطاحن الإجرام والتواطؤ والنفاق

صبحي حديدي

 

خضعت حلب في الآونة الأخيرة إلى عدوان همجي منظّم ـ ضدّ البشر والحجر والزرع والضرع، سيان ـ وحرب تدمير شاملة، وتطهير وتهجير؛ اشتركت في إدارته وتنفيذه قوى عظمى دولية (روسيا)، وأخرى إقليمية (إيران)، وميليشيات مذهبية («حزب الله» وعشرات العصائب والألوية)، فضلاً عن بقايا ما تبقى من أجهزة النظام السوري وميليشياته. وهذا العدوان، في واحدة من سماته الكونية على الأقلّ، هو مثال جديد على عدد من الأمثولات العتيقة المتكررة، التي تصنع تاريخ النظام الدولي المعاصر، أو ذاك الحديث والحداثيّ بأسره لمن يشاء؛ وتنتج، وتعيد إنتاج، أخلاقياته ومعاييره وخطاباته وعلاماته.
ويكفي الآمل خيراً في هذا النظام أن يستعرض مظاهر الشدّ والجذب في أروقة الأمم المتحدة، واجهة ذلك النظام الرسمية؛ وفي عواصم عالمية ذات سلطة وقرار في تحريك النظام، مثل واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبرلين. وفي المقابل، توفرت ردود أفعال مختلفة الطبيعة، في شوارع هذه العواصم وعلى مستوى تظاهرات الاحتجاج الشعبية ومنظمات المجتمع المدني؛ لا تذهب على نقيض حال الجمود والشلل التي عاشتها الحكومات، فحسب؛ بل تفضح، كما تكشف عورات، أكذوبة كبرى شاع استخدامها لدى القائلين بوجود، ثمّ إمكانية، إدامة هذا التكاذب المديد المفتوح، حول مسمى «المجتمع الدولي». 
مصيبة هذا المسمى، الذي بدأ غائماً وغامضاً وهكذا يواصل البقاء، لا تقتصر على ارتداده إلى سلوك سابق مكرور أثبتت الوقائع إفلاسه وعواقبه الوخيمة فقط؛ بل، كذلك، في أنّ الارتداد ينطوي على الانحطاط أكثر فأكثر، نحو عواقب أشدّ أذى وأبعد أثراً. وفي الماضي كانت صيغة الـ»كليشيه» المعتادة، عند اندلاع حروب إقليمية، تبدأ من مطلب وقف إطلاق النار فوراً؛ إنْ لم يكن بدافع النفاق ورفع العتب، فعلى الأقلّ بغية إفساح المجال أمام القوى الكبرى المعنية ببعض أو جميع أطراف الاقتتال (وهي، دائماً وأبداً، معنية بالضرورة!) كي تتساوم وتتفاهم وتتفق.
وهذه المرّة، لأنها تشارك في الحرب ضد حلب وفي تدميرها، ترفض موسكو وقف إطلاق النار، وتساندها الصين في الرفض، وتستخدم العاصمتان حقّ النقض لتعطيل قرار، هزيل أصلاً؛ وفي المقابل، لا تُسمع من أمريكا، القوّة الكونية الأولى، سوى تلك الجعجعة الأثيرة، التي بلا طحن. وكان في وسع المندوب الروسي لدى مجلس الأمن أن يذكّر زميلته المندوبة الأمريكية بتاريخ واشنطن الطويل في استخدام الـ»فيتو» إياه، ضدّ وقف إطلاق النار خلال العدوان الإسرائيلي في جنوب لبنان، عام 2006، مثلاً. كان في وسعه، أيضاً، أن يذكّر زميله المندوب البريطاني بما فعلت بلاد الأخير في المثال إياه؛ حين جارى توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا يومذاك، رغبة واشنطن في إسقاط واجب الحدّ الأدنى في الحروب، والمطالبة بوقف إطلاق النار.
من جانب آخر، أثبت الموقف من العدوان البربري على حلب أنّ أوروبا العملاقة الموحدة، القارّة العجوز العريقة وأمّ أنظمة الاستعمار وفلسفات الأنوار وأنظمة لديمقراطية في آن معاً؛ عاجزة تماماً عن اعتماد سياسة خارجية مستقلة قيد أنملة عن تلك السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة، مؤقتاً أو على المدى الستراتيجي، إزاء سلسلة طويلة من الملفات الدولية الشائكة، وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط بالطبع. الردّة، مع ذلك، أكثر فضائحية في مواقف القادة الأوروبيين، الذين أعادوا تذكيرنا بآخر مناسبة مماثلة لإعادة إنتاج المنتج القديم، في هيئة انحطاط أشدّ فضحاً لمسمّى «المجتمع الدولي».
وكيف تُطوى من الذاكرة المعاصرة، أو من أرشيف مسمّى «المجتمع المدني» ذاته، تلك الوقفة «الحربجية»، أي المناهضة لمفهوم وقف إطلاق النار، التي أتحفنا بها رهط من أبرز قيادات الديمقراطيات الأوروبية (سبعة بالتمام والكمال: الإسباني خوزيه ماريا أثنار، البرتغالي خوزيه مانويل باروسو، الإيطالي سيلفيو برلسكوني، البريطاني توني بلير، التشيكي فاكلاف هافل، الهنغاري بيتر ميجيساي، البولوني لاشيك ميللر، والدانمركي أندرس راسموسن)؛ حين اختاروا صحيفة «التايمز» البريطانية لتوقيع بيان مشترك يدعو إلى الحرب ضدّ العراق. وكيف يُنسى أنّ هؤلاء تجردوا، علانية، من الضمير، ومارسوا قلّة احترام الذات، واحتقار الشعوب، وغضّ البصر عن عذابات البشرية؟
ومن جانب ثالث، في وسع المندوب الروسي أن يردّ على الاتهام الموجه إلى بلاده ـ في أنها تستخدم مأساة حلب لإعادة تأكيد جبروتها العسكري وتصفية حساب ملفات أخرى مثل أوكرانيا وأسعار برميل النفط والعقوبات الاقتصادية… ـ عن طريق تنشيط الذاكرة العالمية، والتذكير بـ»فلسفة» الولايات المتحدة في غزو العراق. وكان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رمسفيلد، قد اعتبر الحرب على العراق فرصة «لاستئصال ازدواجية الموقف الأمريكي من استخدام القوّة، والتي خلّفتها فييتنام»؛ فضلاً عن تخليص البنتاغون من عقدة «الضربات الصاروخية» التي طبعت الحقبة الكلنتونية (والتي سخر منها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن نفسه). من جانبه كان ديك شيني، نائب الرئيس الأمريكي يومذاك، قد رأى في الحرب على العراق فرصة أيضاً، ولكن لتخليص الوجدان الأمريكي من «أشباح الستينيات: فقدان السلطة الأخلاقية والإحساس بأنّ أمريكا تضمحلّ أو تسير في الطريق الخطأ».
ومن جانب رابع، يستطيع المندوب الروسي تذكير زميلته الأمريكية بالأرقام التي تقول إن أمريكا تنفق على السلاح والجيوش والقضايا الأخرى الدائرة حول فكرة «الأمن القومي» ما يزيد على مجموع ما ينفقه العالم بأسره. وفي المشهد ذاته، قبل نشر عشرات الآلاف من القوّات الأمريكية في مشروع غزو العراق أو بعده؛ كان أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي يتمركزون في 395 قاعدة عسكرية كبيرة، ومئات القواعد الثانوية الأصغر، في 35 بلداً أجنبياً. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى عشية اندلاع حرب الخليج الثانية، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار لتدريب وإعداد وتسليح جيوش أجنبية في أكثر من 80 بلداً، أسفرت عن أكثر من 75 انقلاباً عسكرياً، وعشرات الحروب الأهلية التي تسببت في مئات الآلاف من الضحايا.
أخيراً، وفي غمرة ذلك كله، كانت تجري عمليات دائمة من «تصنيع» العدو وتأثيمه إلى المدى الأقصى الذي يبرّر التدخل العسكري، والغزو، والانقلاب، والحرب الأهلية. كانت هذه هي الحال مع سوريا المعاصرة، بعد بناما، مصر، البيرو، البرتغال، نيكاراغوا، التشيلي، جامايكا، اليونان، الدومينيكان، كوبا، فييتنام، كوريا الشمالية، لبنان، العراق وليبيا… وليس مهماً هنا أن يكون العدو إصلاحياً، أو ديمقراطياً، أو اشتراكياً، أو شيوعياً، أو إسلامياً. والولايات المتحدة، آنذاك كما اليوم أيضاً، تنفرد وحدها بموقع رائدة «العالم الحرّ» بامتياز، التي تفرض الثقة أو تحجبها، وتوافق أو لا توافق على هذه أو تلك من التعاقدات الدولية، بصرف النظر عمّن يبرمها.
لكن أجهزتها الأمنية ــ وتحت ستار «الأمن القومي» الأمريكي دائماً ــ شاركت في إسقاط أنظمة ديمقراطية أو إصلاحية منتخبة في غواتيمالا، غويانا، الدومينيكان، البرازيل، تشيلي، الأرجنتين، اليونان، أندونيسيا، بوليفيا، وهاييتي. كذلك شاركت الأجهزة ذاتها في مؤامرات خفية، أو عن طريق استخدام المرتزقة، ضدّ حكومات شرعية في كوبا، أنغولا، الموزامبيق، إثيوبيا، كمبوديا، تيمور الشرقية، الصحراء الغربية، سوريا، مصر، لبنان، البيرو، زائير، جنوب اليمن (سابقاً)، وجزر فيجي… وليس الحضور الأمريكي في سوريا، المتضارب بين خيارات وزارة الدفاع والمخابرات المركزية؛ وبين ثلاث مقاربات للمسألة الكردية، في سوريا والعراق وتركيا؛ سوى الوجهة الأحدث لتقلبات ومتغيرات ذلك الستار العتيق: «الأمن القومي».
وهكذا فإنّ حلب اليوم تعيد التذكير بالأمس القريب، مثل البعيد في الواقع، لأنّ سياسات الإجرام والتواطؤ والنفاق تُدار بلا توقف، في إيقاعات جهنمية، داخل مطاحن مسمّى «المجتمع الدولي»؛ حيث الجعجعة بلا طحن، دائماً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

غارات إسرائيل في دمشق:

الأسد أو لا أحد… مع ذلك!

صبحي حديدي

 

في نيسان (أبريل) الماضي أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ، منذ ربيع 2011، «دزينة» من الغارات الجوية ضدّ أهداف لـ»حزب الله»، أو قوافل تنقل أسلحة للحزب، في أرجاء مختلفة من سوريا. وكان واضحاً في التشديد على أهداف تلك الغارات: أنها لم تستهدف قوات النظام السوري ذاتها، لأنّ إسرائيل لا تتدخل في «الحرب الأهلية» السورية. ويوم أمس ـ وعلى دفعتين: مرّة أمام سفراء الاتحاد الأوربي، وأخرى أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست ـ أقرّ وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، بأنّ إسرائيل نفّذت بالفعل غارات في مدينة دمشق، وعلى طريق دمشق ـ بيروت، استهدفت منع وصول «أسلحة دمار شامل» إلى داخل لبنان، وترسانة «حزب الله» تحديداً. وهنا، أيضاً، شدّد ليبرمان على أنّ إسرائيل «ليست لها أية مصلحة» في «الحرب الأهلية السورية».
يسرح طيران إسرائيل الحربي، ويمرح، في الأجواء السورية؛ دون رادع، ليس من طيران النظام أو مضاداته، فحسب؛ وليس، أيضاً، من مختلف صنوف الأسلحة الإيرانية على الأرض السورية، بما في ذلك تلك التي هدد بها، ولا يكفّ عن التهديد، حسن نصر الله شخصياً، فحسب؛ بل أوّلاً، وأساساً، من الرادارات الروسية التي صارت ترصد أي عصفور يحلّق في أجواء سوريا. هذا، كله، ليس جديداً بالطبع، وقد تكرر قبل التورط العسكري الروسي المباشر في سوريا، مطلع خريف العام الماضي، وتكرّر بعد أن صارت موسكو سيّدة السماوات، وبعض الأرض، في سوريا. بل يمكن القول إنّ التواتر الروتيني للغارات الإسرائيلية داخل سوريا جعلتها «طبيعة ثانية»، مسلّماً بها كأمر واقع، مستدام!
لا جديد، كذلك، في الأكذوبة الإسرائيلية القائلة بأنّ لا مصلحة لإسرائيل في ما يجري داخل سوريا من صراع؛ لأنّ مسحاً بسيطاً لسلسلة الوقائع المقترنة بهذا الملفّ تثبت أنّ مصلحة إسرائيل كانت، وتظلّ حتى أمد غير منظور، مرتبطة بالحرص على بقاء آل الأسد في السلطة؛ أو، على نحو أكثر دقة: تفادي أيّ تغيير داخلي، سيما إذا كان ديمقراطي الآفاق وتحرّري الرؤية، يمكن أن يمسّ التعاقدات ـ المعلَنة، أولاَ، ثمّ الخافية ثانياً ـ بين إسرائيل ونظام «الحركة التصحيحية»، الأسد الأب ثمّ وريثه الابن، على حدّ سواء. وليس تصريح بشار الأسد الأخير، في حوار مع صحيفة «الوطن»، من أنّ «إسرائيل تبقى هي العدو»؛ إلا إعادة إنتاج لخطاب زائف عتيق سعى إلى ذرّ الرماد في العيون، حول حال العداء الوهمية هذه.
ومنذ البدء كان خيار إسرائيل هو المساعدة في المدّ بعمر النظام، اتكاءً على ثلاثة مسوّغات، بين أخرى أقلّ إلحاحاً:
ـ أنّ نظام «الحركة التصحيحية» حافظ على حدود الاحتلال الإسرائيلي للجولان، لا كما فعل أيّ نظام سوري سابق، منذ تأسيس الكيان الصهيوني؛ ولم يكن الوضع المسمى «حالة اللاسلم واللاحرب» إلا حال سلام الأمر الواقع، فعلياً، وعلى الأرض.
ـ أنّ أيّ نظام قادم على أنقاض «الحركة التصحيحية»، بصرف النظر عن محتواه والقوى الغالبة فيه، لن يكون أفضل حالاً لإسرائيل؛ بل الأرجح أنه سوف يكون أسوأ لأمنها، القريب والبعيد، بالنظر إلى الروابط التاريخية والجغرافية والشعورية العميقة التي شدّت، وستظلّ تشدّ، الشعب السوري إلى القضية الفلسطينية.
ـ وما دام جيش النظام استخدم ضدّ المعارضة، ويستخدم كلّ يوم، صنوف الأسلحة جميعها، من الدبابة والمدفعية الثقيلة إلى السلاح الصاروخي والجوّي، بما في ذلك البراميل المتفجرة، والقنابل العنقودية، والألغام البحرية والسلاح الكيميائي…؛ وما دامت المعارضة ليست مكتوفة الأيدي، فهي تدمّر الدبابة وتُسقط الطائرة وتقتل، مثلما يُقتل منها…؛ فإنّ إسرائيل رابحة من هذا الاهتلاك المتبادل، على المدى البعيد. الأصل في هذا حقيقة بسيطة تقول إنّ أفواج الجيش السوري النظامي، في سوريا المستقبل، ومختلف فصائل المعارضة، تظلّ في العمق قوّة معادية لإسرائيل، ومكمن خطر مباشر دائم. 
ظلت هذه الأقانيم الثلاثة راسخة ومعتمَدة، ولعب نتنياهو شخصياً دور الحَكَم الأخير في ترسيخ توازناتها، وتخفيف وطأة خلافات الرأي بشأنها، بين جنرالات الجيش وجنرالات الأجهزة الاستخبارية؛ حتى بعد أن طرأت على الوضع الميداني السوري تطورات نوعية «دراماتيكية»، في وصف نتنياهو نفسه، اقتضت الانحناء أمام الرياح العاصفة، وتغيير الدفة. وفي طليعة تلك التطورات أتى وصول بعض فصائل «الجيش السوري الحرّ»، ثمّ «جبهة النصرة» و»داعش» بعدها، إلى بلدات وهضاب الجولان المحتل؛ خاصة وأنّ خطوط الفصل بين القوى العسكرية على الأرض تشكّل طبوغرافية اختلاط معقدة بين قوّات الاحتلال الإسرائيلية وجيش النظام السوري ومراقبي الأمم المتحدة، ممّا يمنح مقاتلي المعارضة السورية أفضلية إرباك عالية للجميع، وللجيش الإسرائيلي أيضاً.
والأرجح أنّ سلسلة من الحقائق، التي اكتنفت تاريخ العلاقة مع النظام احتلّت الصدارة في تفكير نتنياهو وهو يتمسك بخيار الإبقاء على الأسد: المواقف التي اتخذتها «الحركة التصحيحية» منذ أواسط السبعينيات، في ملفات عربية كبرى ذات طابع إقليمي قومي إجمالاً (حرب الخليج الأولى، والثانية)؛ والتدخّل التدميري في الحرب الأهلية اللبنانية (احتلال البلد عسكرياً، وإخضاعه سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وتخريب الحركة الوطنية اللبنانية، والتخاذل أمام الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982)؛ ومحاربة منظمة التحرير الفلسطينية على نحو خاص (حرب المخيمات، وشقّ المنظمة، ومطاردتها إلى سواحل طرابلس)… وكلها سياسات كانت تصبّ الماء في الطاحونة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
ولعلّ نتنياهو استعاد، أيضاً، مفارقة أن يكون السلام الإسرائيلي مع النظام السوري مطلوباً بشروط قائمة على حسابات خارجية باردة تخصّ مستقبل النظام وضمانات أمنه إقليمياً ودولياً؛ في وقت شهد صدور ذلك التصريح/ القنبلة من فم الأسد الأب شخصياً، خلال لقاء مع عضو الكونغرس الأمريكي توم لانتوس: «إنّ مفهومي للسلام واضح، وحين أتحدث عن السلام الكامل فإنني أقصد السلام الطبيعي من النوع القائم اليوم بين 187 دولة في العالم»! الظروف الداخلية السورية، من جانبها، وضعت حكاية السلام تلك على جدول أعمال الحياة اليومية للنظام، التي كانت تقبل الحلول البطيئة والمتباطئة؛ قبل أن تمحوها مسألة ترتيبات توريث الأسد الابن، وهذه لم تكن تقبل إلا الحسابات الساخنة والحلول العاجلة.
ذلك الوضع الجدلي كان يفضي بالنظام إلى راعٍ واحد، عملياً، هو البيت الأبيض؛ حيث بيل كلنتون، الذي يتحرّق لحيازة نوبل السلام من بوّابة التسوية السورية ـ الإسرائيلية، بعد أن أفشل ياسر عرفات مساعيه في إغواء الأكاديمية السويدية! وهكذا، باتت خيارات الأسد الأب، الماهر في المناورة عادة، تمرّ من خرم إبرة؛ وفي السياسة يحدث كثيراً أن تضطر الميكيافيللية الماهرة إلى قدر كبير من التواضع، لكي تمرّ من ذلك الخرم الذي ينصبه التاريخ في البرهة القاتلة. وحين نطق الأسد الأب بـ»كلمة السحر»، على حدّ تعبير المعلق الإسرائيلي زئيف شيف، في لقاءيه مع كلنتون (في جنيف، ودمشق)؛ صار موقف البطء والتباطؤ يُطبخ على نار التوريث، وأمكن لرئيس وزراء إسرائيل يومها، إيهود باراك، أن يفضّل انتظار الوريث الآتي، بشار الفتى، على معاندة الحاكم الشيخ الموشك على الرحيل!
هذه كلها قسمة أولى، استراتيجية وتكتيكية في آن معاً؛ وعربدة الطيران الحربي في سماءات سوريا، قسمة ثانية، أخرى ومختلفة. وأمّا حصيلة القسمتين فهي بالغة البساطة: تسرح إسرائيل وتمرح وتقصف، متى شاءت؛ الأمر الذي لا يمنعها من الإصرار على خيار الأسد، أو… لا أحد!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

مؤتمر «فتح» السابع:

العواصف المقبلة أشدّ عتوّاً!

صبحي حديدي

 

مَنْ يصغي إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن تحت صفة زعيم «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (فتح)، سوف يحار في أمر «قائد» حركة تحرّر وطني لا يرى في الانتفاضات الشعبية العربية إلا صفة ربيع لا هو بالربيع، ولا هو بالعربي، لأنّ «ما يحصل الآن هو سايكس بيكو جديدة». وأمّا أوان الحيرة، فالأرجح أنه سيكون قصيراً، وربما عابراً، حين يتذكر المصغي إياه أنّ التصنيفات هذه قيلت في خطبة افتتاح المؤتمر السابع لـ»فتح»؛ وأنّ الرئيس/ القائد، القائل، خلع منذ سنوات طويلة كوفية مقاوم الاحتلال والمناضل من أجل «التحرير الوطني الفلسطيني»، وألقى عصا الترحال عند انشغالات بروتوكولية، بعضها دامع كئيب، مثل المشاركة في تشييع شمعون بيريس…
بيد أن عقابيل الرئيس/ القائد تهون، والحقّ يُقال، أمام ما تشهده الحركة ذاتها التي أعادت انتخابه خلال مؤتمرها السابع؛ الذي ينعقد بعد مؤتمر 2009 السادس، وهذا الأخير كان قد تأخر بعد استعصاء دام… 20 سنة! وللكاتب والحقوقي الفلسطيني مهدي عبد الهادي تشخيص طريف، صائب وبليغ، لمعضلات «فتح»، ينهض على أربع متتاليات لحرف الفاء: فلتان، فساد، فوضى، فتنة! وفي ضوء واقع الحركة كما تنقلها وقائع مؤتمرها الراهن، ليس من الواضح أنّ أياً من هذه المتتاليات قد فقد زخمه ـ إذا جاز الحديث عن زخم، هنا ـ أو تراجعت مفاعيله على تنظيم الحركة، وربما على بعض عقائدها أيضاً.
وبمعزل عن «فلتان» قيادات المنظمة، بين الداخل والخارج، وبين مجموعة الرئاسة ومجموعة فاروق القدومي ومجموعة أبو ماهر غنيم ومجموعة هاني الحسن (وإقصاء مجموعة محمد دحلان، ورهط «المتجنحين»!)؛ ثمّ بصرف النظر عن ارتطام الفلسفات، بين جيل المؤسسين وأجيال الكوادر الوسيطة والشابة، ما قبل الانتفاضة الأولى وما بعد اتفاقيات أوسلو؛ فإنّ ما جرى حتى الساعة بين أبناء «الشريحة الفتحاوية» الواحدة، ذاتها، لا يلوح أنه تعبير عن عافية من نوع ما، في ثقافة الحوار والخلاف، بل هو أقرب إلى مكوّنات انفجار داخلي لن يسفر عن انشقاق أو انشقاقات، فحسب؛ بل عن قطيعة جذرية، بعد كسور وصدوع. والأرجح أنّ في طليعة الأسباب التنظيمية التي صنعت فجوة السنوات العشرين بين مؤتمر وآخر كان هذا «الفلتان» تحديداً، سواء اتخذ صفة الخلاف حول السياسات الفلسطينية الوطنية العامة في مواجهة إسرائيل، أو في المحيط الإقليمي؛ أو دار جوهره حول نزاعات تنظيمية داخلية، بصدد قضايا متشعبة واسعة، صغيرة عابرة أو خطيرة مزمنة.
وفي ملفّ الفساد، كان فشل الحركة الذريع في الانتخابات التشريعية، مطلع العام 2006، هو الثمن الباهظ الذي توجّب أن يدفعه الفتحاويون لقاء تورّط بعض كبار قياداتهم في استغلال النفوذ والإثراء الفردي، مباشرة أو عبر الأبناء والشركاء والوسطاء والأزلام؛ وبلغ الأمر ذروة درامية قصوى حين شاع أنّ قيادياً من الصفّ الأوّل كان متعهد توريد الإسمنت إلى الشركات الإسرائيلية، التي تولّت بناء جدار العزل العنصري. ولقد أجمع الكثيرون على قبول تلك الخلاصة العجيبة التي تقول إنّ الناخب الفلسطيني لم يمنح حركة «حماس» تلك الأغلبية الساحقة في المجلس التشريعي، إلا لأنه كان يُنزل العقاب الشديد بحركة «فتح». ذلك، بالطبع، لا يلغي حقيقة أنّ اعتبارات أخرى كانت قد تدخلت في تكييف ميول الناخب الفلسطيني، مثل فشل اتفاقيات أوسلو وعجز السلطة الوطنية الفلسطينية ـ والحركة تُعتبر عمودها الفقري، وفصيلها الأبرز والأقوى ـ عن حلّ مشكلات المجتمع الفلسطيني، المعيشية اليومية منها، أو تلك التي تخصّ الإستيطان والإفراج عن السجناء الفلسطينيين وفتح المعابر وسواها.
في الجوهر البسيط كانت الأسئلة تسير هكذا: كيف، ولماذا، تمكنت «حماس» ـ الإسلامية، حديثة العهد، المنكفئة في غزّة أساساً ـ من اجتياح أيقونة الديمقراطية، أي صندوق الاقتراع، على ذلك النحو غير المنتظَر أبداً؟ وكيف، ولماذا، فشلت «فتح» ـ التاريخية، «العلمانية»، العرفاتية… ـ حتى في الحفاظ على حجمها السياسي كما كانت تؤكده الحسابات؟ وهل كان يكفي أن تكون بعض قيادات الحركة فاسدة، لكي يهبط بها الشارع الفلسطيني إلى ذلك الدرك المهين؟ أم أنّ المحاسبة على الفساد هي، أوّلاً، عقاب على فساد السياسات قبل فساد الذمم؟
مشروع الانقلاب الأمني/ العسكري/ السياسي، الذي أراد محمد دحلان تنفيذه في غزّة ضدّ «حماس»، صيف 2007؛ كان ذروة أخرى في الفوضى داخل الحركة، وتبعثُر قراراتها بين أجهزة سياسية وأخرى أمنية وثالثة أقرب إلى الإمارات الشخصية المستقلة. وليس أمراً غريباً، استطراداً، أن تصبح تلك المغامرة، ثمّ شخص دحلان نفسه، بنداً شبه دائم على الأجندات الفتحاوية؛ خاصة بعد تحميله المسؤولية المباشرة عن هزيمة الحركة في غزّة، استناداً إلى معطيات كانت قد توصّلت إليها لجنة التحقيق الثانية، المؤلفة من أعضاء اللجنة المركزية، الطيب عبد الرحيم وحكم بلعاوي وعبد الله الإفرنجي، إضافة إلى عضو المجلس الثوري عثمان أبو غربية. وكان الصحافي البريطاني دافيد روز قد نشر، في مجلة
Vanity Fair لشهر نيسان (أبريل) 2008، تحقيقاً مثيراً عن ذلك الحدث، اعتمد فيه على وثائق أمريكية رسمية عالية السرّية، تبرهن أنّ دحلان ـ في صفته الأمنية الممثّلة للسلطة الوطنية ـ قام بالتنسيق مع جهات أمريكية وإسرائيلية بالتخطيط لانقلاب أرادوا منه أن يتعشّوا بـ»حماس»، فتغدّت بهم!
والفتحاوي الذي وصف حركة «حماس» بأنها «إرهابية» و»انقلابية» و»تكفيرية»، كما فعل الرئيس الفلسطيني في خطاب ناريّ أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية (الذي، للإيضاح المفيد، لم يكن قد اجتمع منذ عام 2003!)؛ فماذا يسمّي ذلك الفتحاوي ناخبي «حماس» الذين صوّتوا لها بالأغلبية الكاسحة الشهيرة؟ هل هم، بدورهم، «إرهابيون» و»انقلابيون» و»تكفيريون» و»خونة»؟ وإذا كان رئيس كلّ الفلسطينيين (وليس الزعيم الفتحاوي فقط، أخلاقياً ودستورياً في الأقلّ) أطلق هذه الصفات على أبناء شعبه ناخبي «حماس»؛ فهل نلوم الخطاب الإسرائيلي أو الأمريكي إذا وضع الفلسطينيين، جميع الفلسطينيين، في خانة الإرهاب؟ وكيف صحا عبّاس، ذلك اليوم فقط، على هذه الحقائق الإرهابية الانقلابية التكفيرية الخيانية لحركة هزمت حركته التاريخية، وكلّفها بتشكيل حكومتين، ووقّع معها اتفاقاً ذهبياً في رحاب مكة المكرّمة، برعاية سعودية، وفي غمرة إغداق متبادل للمديح، وإهراق للنوايا الطيبة؟
ومع ذلك فإنّ الأهمّ أمام مؤتمر «فتح» يبقى حسن استثمار حقيقة كبرى أساسية تقول إنّ المجتمع الفلسطيني المعاصر، الواقع تحت واحد من أبشع الاحتلالات وأكثرها فاشية وبربرية على امتداد الذاكرة الإنسانية، ليس نابضاً بالحياة، فحسب؛ بل هو أكثر حيوية من معظم ـ لكي لا نقول: جميع ـ المجتمعات العربية الأخرى الواقعة تحت هذا الشكل أو ذاك من أنماط الاستبداد والشمولية والاحتلالات الخارجية المقنّعة أو حتى المباشرة. وهو مجتمع برهن على أنّ أنساق مقاومة الاحتلال كانت، وتظلّ، إطاراً تربوياً في ما يخصّ السياسة، وخزيناً فكرياً وأخلاقياً صانعاً للوعيّ العصري المتقدّم في ما يخصّ علاقات المجتمع المدني. والانتخابات، الرئاسية ثمّ التشريعية، التي سبق أن أُجريت تحت مجهر مراقبة غربيّ لصيق وصارم، برهنت أنّ هذا المجتمع علمانيّ الروح، تعدّدي المزاج، ديمقراطي السلوك، يقظ، ذو بصر غير حسير، وبصيرة غير قاصرة.
وأن تنتقل متتاليات الفلتان والفساد والفوضى والفتنة من المؤتمر الفتحاوي السادس إلى نظيره السابع، أمرٌ يصعب أن يهضمه مجتمع من هذا الطراز. وثمة، استطراداً، نُذُر عواصف عتيقة، تستجمع ذاتها في أخرى جديدة، أشدّ عتواً!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

كاسترو: أيقونة صالح في ثمود

صبحي حديدي

 

رحل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو (1926 ـ 2016) عن إرث متناقض متلاطم، شخصي فردي وعامّ وطني، سياسي ونضالي وعقائدي؛ ظلّ، مع ذلك، وفي الحصيلة الإجمالية، مقترناً بهذه الجزيرة العجائبية، كوبا، التي كادت أن تشعل حرباً نووية بين عملاقَيْ القرن العشرين؛ وبقيت، في سياقات لا تقلّ عجباً، بمثابة جار/ خصم للقوّة الكونية العظمى، أقرب إلى «شوكة في الخاصرة، رغم أنها تبقى جزيرة ضئيلة الحجم، ضعيفة القوّة، جائعة ومحاصَرة.
من جانبي أحفظ لهذا الثوري العجوز سلسلة خيارات نبيلة، شاقة تماماً، ركن إليها في أزمنة عاصفة مصطخبة، ومناخات اغتراب عن العصر، وربما عن الأزمنة الحديثة جمعاء؛ سواء بعد انهيار، وتفكك، ما كان يُدعى «المعسكر الإشتراكي»، والعواقب الكونية، السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، التي خلّفتها هذه الهزّة الكونية؛ أو بعد صعود، وترسّخ، العولمة في أنساقها المختلفة، والوحشية الهوجاء منها بصفة خاصة.
وأحفظ له، غنيّ عن القول، سلسلة أخرى من الخيارات النقيضة، المستبدة والطغيانية والفردانية؛ التي لا يلوح أنّ التاريخ قَبِل، أو سيقبل، أياً من العوامل والشروط والظروف التي ساقها كاسترو في تسويغ اتخاذها.
أحفظ، على سبيل المثال الأول، فلسفته بصدد علاقات الشمال والجنوب، والتي عرضها في خطبته الافتتاحية الشهيرة أمام «قمّة الفقراء»، في العاصمة هافانا، مطلع الألفية: «لم يسبق للبشرية أن شهدت مثل هذا الإمكان العلمي والتكنولوجي، وهذه القدرة الفريدة على إنتاج الثروات والرفاه. ولكن لم يسبق أن كانت اللامساواة واللاتكافؤ على هذه الدرجة من العمق في العالم»، قال كاسترو. وإذا كانت الأعاجيب التكنولوجية قد قلّصت الكرة الأرضية على مستوى الاتصالات والمسافات، تابع السجال، فإنّ هذه الأعاجيب «تتعايش اليوم مع الهوّة المتزايدة التي تفصل بين الثروة والفقر، وبين التطوّر والتخلّف».
أمّا العولمة فإنها «حقيقة موضوعية» تضع أبناء البشرية في مركب واحد، ولكنها لا تساوي بينهم في اعتبارات الغذاء السليم والماء النقيّ والرعاية الصحية واستخدام العلوم؛ هذه التي تحتكرها نسبة 15٪ فقط من راكبي المركب الواحد ذاته. ذلك لأنّ المركب إياه «مبنيّ على قدر من المظالم أكبر بكثير من أن يسمح له بالطواف ومواصلة هذا الدرب اللاعقلاني وصولاً إلى مرفأ آمن». هذه العولمة لا تشيع فلسفة أخرى سوى الليبرالية الجديدة في طبعتها الوحشية، ولا تُعَوْلم التنمية بقدر ما تعولم الفقر، ولا تحترم سيادة الأمم بقدر ما تنتهكها يومياً. وليس أدلّ على اختلال التوازن في علاقات أبناء المركب الواحد من حقيقة أنّ النموّ الدولي خلال الربع الأخير من عمر الألفية الثانية لا يرقى إلى نصف ما كان عليه بين أعوام 1945 و1975.
أحفظ، في مثال ثانٍ، تلك المقارنة المفزعة التي عقدها كاسترو، بين مسؤولية النظام النازي عن جثث الهولوكوست، ومسؤولية النظام الاقتصادي العالمي الراهن عن جثث الجائعين في أفريقيا. كم من المرّات لجأت شاشات التلفزيون الغربية إلى تحذير مشاهديها من أنّ المشاهد التالية قد تكون «مؤذية» للمشاعر: أطفال يرضعون من أثداء ضامرة تحوم حولها أسراب ذباب ليست أقلّ جوعاً، وأطفال يُدفنون بعد أن التصقت جلودهم بالعظام ونفقوا جوعاً (والفعل «نفق» يخصّ الماشية عادة، لمن ينسى أو يتناسى)، ورجال ينبشون الرمل بحثاً عن عروق وجذور ودرنات… أيّاً كانت؟
وكاسترو لم يكن يفتقر إلى الأرقام ذات الإيحاءات المأساوية الهولوكوستية: في عام 1973 تأثر بالمجاعة نحو ثلاثة ملايين آدمي، وفي عام 1984 بلغ الرقم 7.8، وفي عام 1991 انخفض قليلاً ليبلغ… 6.2 مليون. مجاعة سنة 2000، حين انعقدت قمة الـ77 في مطلع ألفية جديدة، كانت تهدد 7.8 مليون نسمة في إثيوبيا، و2.7 مليون في كينيا، و1.2 مليون في الصومال، و1.6 مليون في بروندي؛ هذا إذا وضعنا جانباً أعداد المتأثرين في إريتريا ورواندا وأوغندا وجيبوتي والسودان.
ويبقى أن النظام الذي خلّفه كاسترو ليس ديمقراطياً، وفق معايير الحدّ الأدنى من أيّ تعريف سليم متفق عليه لمفهوم الديمقراطية؛ بل هو أقرب إلى ديكتاتورية الحزب الواحد في كلّ ما يخصّ حرّيات أساسية مثل التعبير والصحافة والتظاهر والتعددية الحزبية والقضاء المستقلّ؛ وهذا توصيف لم يسبق لي، شخصياً، أن أغفلته في أيّ تثمين للتجربة الكوبية.
في الآن ذاته لم أخفِ يقيني بأنّ حجم المشكلات الداخلية والخارجية الهائلة التي جابهتها كوبا، داخلياً وخارجياً، يجعل سجلّ إنجازات النظام أرفع من أن يُقارن بالغالبية الساحقة من أنظمة العالم الثالث؛ خاصة تلك التي سُمّيت ذات يوم «ثورية» أو «تحرّرية» أو «تقدّمية».
ولأنه بات غريباً، كصالح في ثمود، أو حتى بمعنى الاغتراب الهيغلي الذي يكرّس انفصال الذات عن روحها الاجتماعية؛ فالأرجح أنّ نموذج كاسترو انطوى نهائياً، في مستواه الأيقوني، ربما قبل سنوات سبقت رحيله الجسدي!

 

 

ترامب بين أصوليتين:

«منقذ» في المسيحية…«مخلّص» في اليهودية

صبحي حديدي

 

أشارت مواقع إسرائيلية، وكتب معلّقون إسرائيليون راسخو العلم في شؤون وشجون المجموعات الإسرائيلية اليمينية المتدينة، والمتشددة تحديداً، أنّ شرائح واسعة من هذه المجموعات ترى أنّ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة يمثّل «معجزة إلهية». كما تنظر إلى شخص الرجل «وكأنه المخلّص المنتظر»، حسب توصيف موزال موعالم، معلّقة الشؤون الحزبية في موقع «يسرائيل بالس»، لأنّ ترامب سوف يسمح بتهويد الضفة الغربية والقدس المحتلة، وسيحقق البرنامج السياسي لليمين الإسرائيلي، خاصة إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية.
تقارير أخرى، وتعليقات مماثلة، يمكن العثور عليها مترجمة إلى العربية في موقع «عربي 21»، بينها ما كتبه بن كاسبيت، أحد أبرز المختصين في سياسات مجموعات اليمين الإسرائيلي المتدين، من أنّ «فورة الفرح» التي اجتاحت هذه المجموعات كانت تشبه ما وقع بعد هزيمة جيوش الأنظمة العربية في حرب 1967.
ونقل كاسبيت عن وزير التعليم المتدين، نفتالي بينيت، الذي يحدث أنه رئيس حزب «البيت اليهودي» أيضاً، قوله إنّ «ترامب يمثّل المسيح المخلّص»، وهذا ما جعله «يطالب بضمّ الضفة الغربية لإسرائيل، إلى جانب إعلانه موت حلّ الدولتين».
فإذا صنّف المرء هذا كلّه في باب هستيريا التشدد الفقهي اليهودي، وثمة هنا فصول أكثر إثارة للعجب، أو في باب خبل التأويل، الناجم عن فورة الفرح الغشيم إياها، فإنّ الأدهى، والأهمّ دلالة، هو مواقف مجموعات الضغط اليهودية، المنحازة إلى إسرائيل على نحو أعمى، إزاء بعض الشخصيات التي رُشحت لاحتلال مناصب رفيعة في فريق إدارة ترامب. على سبيل المثال الأول، عُيّن ستيف بانون مسؤولاً عن ستراتيجيات البيت الأبيض، وكبير مستشاري ترامب، فسكتت عن التعيين أبرز مجموعة ضغط إسرائيلية في أمريكا، الـ«إيباك»، رغم أنّ بانون متهم بمعاداة السامية، وباتخاذ مواقف عدائية من اليهود. كذلك رفض الخوض في الموضوع ـ على غير العادة، بالطبع! ـ غالبية المعلّقين الأمريكيين الذين اعتادوا التطبيل لإسرائيل، والتزمير عند أدنى بارقة خطر تتبدى في واشنطن ضدّ تل أبيب.
ثمّ إذا انتقل المرء إلى أمريكا ذاتها، وإلى المجموعات المسيحية المتشددة، في صفوف البيض تحديداً (وهم أمضى أسلحة الحزب الجمهوري، في مواسم الانتخابات خصوصاً)، فإنّ المؤشرات تقول إن غالبية ساحقة من هؤلاء اختاروا ترامب، بل خاضوا معارك شرسة، «من باب إلى باب» كما يُقال، لدعم حملته، وتسهيل انتخابه. ورغم الارتياب في حقيقة إيمان ترامب، من زاوية دينية مسيحية، فإنّ 80٪ من الناخبين الإنجيليين البيض صوتوا له مقابل 15٪ من الإنجيليين السود والهسبان. وكما هو معروف، انبثقت الحركات الإنجيلية في أواسط القرن العشرين، وبدت غير مكترثة بالسياسة والتحزب، حتى اجتذبتها إلى المعمعة قوانين تشريع الإجهاض، مثلاً، وكانت سنة انتخاب جيمي كارتر، «المتدين» و»الورع» كما صُوّر يومئذ، بمثابة الذروة في التنشيط السياسي للحركات الإنجيلية.
طريف، في المقابل، أنّ هذه الشرائح تتلاقى مع تلك الشرائح اليهودية المتدينة في إسرائيل، حول سلسلة من التفسيرات الفقهية، توراتية المنابع، حتى إذا ظلّت قاصرة في التفسير أو مفرطة في التأويل. ثمة نظرية متكاملة (جرى التبشير بها في القرن الثامن عشر)، تقول بعودة يسوع إلى عالمنا هذا لتخليصه من الشرور، وذلك حين تكتمل جملة شروط: قيام دولة إسرائيل، ثمّ نجاحها في احتلال كامل «أرض التوراة»، أي معظم الشرق الأوسط، وإعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلى أنقاض، قبّة الصخرة والمسجد الأقصى، وأخيراً، اصطفاف الكفرة أجمعين ضدّ إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون (دون سواه!)، حيث سيكون أمام اليهود واحد من خيارين: إمّا الاحتراق والفناء، أو الاهتداء إلى المسيحية، الأمر الذي سيمهّد لعودة المسيح المخلّص!
وكما هو معروف، هنالك سلسلة ولايات تُلقّب بـ «حزام التوراة» نسبة إلى شدّة تديّن أبنائها. وثمة شبح يجوس ليالي، ونهارات، كبار ممثّلي الحزب الجمهوري، خاصة حين تأزف مواعيد انتخابات الكونغرس أو الانتخابات الرئاسية، متخذاً هيئة كابوس يحمل الويل والثبور عند البعض، أو هيئة ملاك حارس يحمل البشرى والسند عند البعض الآخر. وهذا شبح من لحم ودمّ، صاخب، مشاكس، لا يكفّ عن اتخاذ المواقف وإطلاق التصريحات التي تضعه على كلّ شفة ولسان: إنه ماريون غوردون (بات) روبرتسون، المؤسس والزعيم التاريخي لمنظمة «التحالف المسيحي»، أكثر الحركات الدينية القاعدية نفوذاً وسطوة في السياسة الأمريكية المعاصرة.
روبرتسون ذهب إلى حدّ وضع ترامب في مصافّ يسوع، وحكى للمؤمنين هذه «الرؤيا»: «زارني الله في المنام ليلة أمس وأراني المستقبل. أخذني إلى السماء، وهناك رأيت دونالد ترامب جالساً على يمين الربّ مباشرة». أيضاً، استهجن روبرتسون ما تردد حول فضائح ترامب الجنسية، معتبراً أنه «عنقاء سوف تنهض من الرماد»! وليس من الحصافة أن يُنظر باستخفاف إلى موقف كهذا، أو أن يهمله المراقب المعنيّ بالديناميات الداخلية لمشهد الحركات الأصولية المسيحية، من الطراز الذي يقوده روبرتسون على وجه التحديد. الرجل كان مرشّح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية التمهيدية لعام 1988، وحركته تضمّ ما يزيد على 1.2 مليون عضو منتسب، وتُقدّر لائحة بريدها الإلكتروني بنحو 2.8 مليون عنوان، وتدير إمبراطورية هائلة عمادها التبشير الديني المتلفز عبر عشرات الشاشات، التي بينها الشبكة المعروفة
CBN، فضلاً عن «قناة الأسرة» المستقلة، والعديد من الإذاعات، وجامعة معلنة واحدة على الأقل هي جامعة ريجنت، و«المركز الأمريكي للقانون»
فوق هذا وذاك، التفّ ويلتفّ حول المنظمة كبار أفيال الحزب الجمهوري، ممّن يشغلون أرفع المسؤوليات في الكونغرس (حين يكون الحزب خارج السلطة)، وفي البيت الأبيض حين يكون الرئيس جمهورياً، واللائحة أطول من أن يفصّل المرء أسماءها الشهيرة ومواقعهم الحساسة. والمنظمة، إجمالاً، تسيطر على ممثلي الحزب الجمهوري في أكثر من 12 ولاية، بما في ذلك تكساس وفلوريدا، ولوائحها للانتخابات المحلية بمختلف صنوفها تحصد عادة نسبة تتراح بين 40 و60٪. وفي انتخابات 2000 الرئاسية، كان السناتور الجمهوري جون ماكين (المرشّح آنذاك لبطاقة الحزب) قد اضطرّ إلى خوض معركة شرسة ضدّ روبرتسون، المتحالف مع جورج بوش الابن، قبل أن يلعق جراحه، ويطوي جناحيه، وينسحب من معركة الترشيح.
وفي صيف 2006 سارع روبرتسون إلى إسرائيل، لكي يصلّي مع رئيس وزرائها آنذاك، إيهود أولمرت، من أجل انتصار جيشها في عدوانه البربري على لبنان. هنا فقرة ممّا فاضت به روحه من «مشاعر» خلال تلك الصلاة: «أنا هنا لكي أقول إنني أحبّ إسرائيل. أنا هنا لكي أقول إنّ المسيحيين الإنجيليين في أمريكا يقفون مع إسرائيل في كفاحها. ومن أجلنا جميعاً، لا ينبغي لإسرائيل أن تخسر هذا الكفاح. أعتقد أنّ شعب إسرائيل يعرف أصدقاءه، ويعرف أنّ أصدقاء إسرائيل هم المسيحيون الإنجيليون». ختام تلك «المشاعر» كان المزاودة على أعتى صقور الدولة العبرية، حين اعتبر روبرتسون أنّ مرض أرييل شارون هو «عقاب إلهي»، سببه قرار الأخير بالانسحاب من غزّة!
فهل من الغرابة، والحال هذه، أن تتقلّب النظرة إلى ترامب عند الأصوليتَيْن، اليهودية والمسيحية، بين «المعجزة» و«المنقذ»، دون أدنى اكتراث بسجلّ الفضائح والمخازي، أو بأمزجة العداء للسامية، لدى بعض رجالات الإعجاز والإنقاذ؟ أو، بالأحرى، هل من الحكمة أن يتناسى المرء أنّ التقاء المصالح، في غمرة هستيريا التأويل وعماء التشدد، على غرار ملتقى الأصوليتَيْن، هو القاعدة وليس الاستثناء؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس


(القدس العربي)

 

 

طارق علي:سبحان الذي يغيّر!

صبحي حديدي

 

ترعرع طارق علي وسط مظاهر الرفاه التي تلفّ أرجاء بيت الأسرة الضخم في لاهور، رغم أنّ الوالد كان رئيس تحرير الصحيفة الاشتراكية «باكستان تايمز»، وأنّ الوالدة بكت بحرقة حين علمت بوفاة جوزيف ستالين. كان طارق وقتها في العاشرة، يكبر مع الأفكار الاشتراكية التي تمتزج بين الحين والآخر بمسحة ليبرالية غربية، ينقلها صديق الأسرة، ذو الفقار علي بوتو. بعد أربع سنوات، سوف يقود الفتى تظاهرة طلابية ضدّ الحكم بالإعدام على رجل أسود في الجنوب الأقصى من الولايات المتحدة، اتُهم بسرقة دولار واحد.
تلك كانت التظاهرات التي ستقوده إلى سلسلة، متعاقبة مديدة، من التظاهرات؛ في لندن وأكسفورد خاصة، حيث ترأس اتحاد الطلاب، وشكّل رويدا رويدا ما سّمته بريطانيا «ظاهرة طارق علي». إنه الآن تروتسكي مشاغب، ساخط حانق، يحتجّ على أي شيء، وتختلط رطانته الماركسية بطوباوية آسيوية مسلمة، وعبث طفولي؛ فضلا عن «كلاشنيكوف لفظي» هادر أبدا، أفقد حزب العمال البريطاني جناحا يساريا عريضا، ضمّ عددا لا يُستهان به من خيرة الكوادر الشابة.
في أواسط ستينيات القرن الماضي، لفت علي أنظار برتراند راسل، الفيلسوف الشيخ المنهمك في إدارة «حملة التضامن الفيتنامية»، فعهد إليه بأكثر المهامّ حساسية: الندوات المتلفزة. وعلى يديه، مع انصرام العقد، طوّرت الحملة بُعدا بريطانيا خاصا انطوى على تعرية الكثير من العفن المقترن بالمملكة؛ فتنوّعت أساليب الاحتجاج، وتراوحت بين تظاهرات الطلاب، والافتتاحيات اللاهبة في «القزم الأسود»، الصحيفة نصف الشهرية التي أطلقها علي وترأس تحريرها. وبعد توقف حملة فيتنام، قاد علي تيار «المجموعة الماركسية الأممية»، التي انشقت عن الأممية الرابعة، وانتهجت طريق الصدام المتواصل مع معظم التيارات التروتسكية العالمية الأخرى، أو جميعها في الواقع.
في السبعينيات خبا نجمه حين مُني بهزيمة تلو الأخرى على صعيد تكهناته السياسية، حتى قيل إنه أخطأ على طول الخطّ، وفي كلّ القضايا التي تحزّب لها أو نظّر حول مآلاتها، وفي كلّ العواصم التي زارها وبشّر فيها بثورة وشيكة.
وحدها القناة الرابعة في الـ
BBC وفّرت له الغطاء الذي وقاه شرّ الغضب الثاتشري والمدّ المحافظ، فتابع شغبه (الذي بات الآن من طراز «ناعم»!)، عبر برنامجه «ملفّ باندونغ»، ثمّ سيرته الذاتية «سنوات قتال الشوارع»، ومسرحيته «ليال إيرانية» التي تفتح ملفّ سلمان رشدي، و»ذهب موسكو» بالاشتراك مع هوارد برنتون وفرقة شكسبير الملكية.
لكنّ الرجل أخذ يتغيّر، كما هو ديدن البشر أجمعين؛ وإنْ على نحو أشبه بالسير على الرأس، بدل القدمين!
«طارق الأحمر» صار طارق علي فقط؛ والوجه الغاضب أبدا، ارتدّ إلى ملامحه الأرستقراطية الآسيوية؛ وخطابه غادر مفردات السخط إلى هدوء الناظر إلى التاريخ من عين النسر، وعبر انكسارات الحاضر؛ وعنفوان الصبا خمد، كثيرا، فغادر سخونة البيان السياسي إلى سكينة النصّ الروائي، في موضوعات تاريخية غالبا. غير أنّ علي لم يفلح في عبور تلك الهوامش، القاطعة الحادّة أحيانا، التي تفصل سرد الروائي عن حزب الناشط ولافتة الناقد الاجتماعي؛ وذلك لأنّ العمل الفني الذي يسعى إلى نقد حالة اجتماعية ما، أو يعيد كتابة وقائع تاريخ من منظورات حكائية، قد يحقق تسعة أعشار الأغراض المرسومة في ذهن صاحب العمل؛ لكنه لن يبلغ الدرجة الكافية من الصدق الموضوعي، وبمعزل عن ذاك الفنّي بالطبع، ما دام الفنان متحزبا أصلا، وسلفا.
وحين تتعثر المشاريع الكبرى، أو تفشل، فينكسر ما ارتبط بها من أحلام، وينهار ما صعد معها من قِيَم، أو ينقلب رأسا على عقب؛ فإنّ الناقد الاجتماعي، على شاكلة علي تحديدا، يجد نفسه في متاهة الانفكاك عن التحزب أو التحزبات القديمة، وعلى مفترق طرق قسري، أو يكاد: إمّا أن يدافع، بعينين مغلقتين، عن «السلّة» العقائدية التي اعتنقها، وصنعت هويته الفكرية، ثمّ تسللت إلى أسلوبيته الفنية أيضا؛ أو أن ينقلب إلى خليط متشابك، ومتناقض أحيانا، من المواقف والآراء والتأويلات، التي تتحدد أولى وظائفها في التذكير بـ»السلّة»، دون سواها.
وهكذا، كانت روايات مثل «ليلة الفراشة الذهبية»، وقبلها «ظلال شجرة الرمان» و«كتاب صلاح الدين» و«امرأة الحجر»، و«سلطان في باليرمو»؛ ومؤلفات سياسية مثل «صدام الأصوليات: الحملات الصليبية، الجهاديون، والحداثة»، و«بوش في بابل: إعادة استعمار العراق»، و«بروتوكولات حكماء سدوم»، و«قراصنة الكاريبي: محور الأمل»… تسعى، بين أغراض أخرى بالطبع، إلى التذكير بـ«طارق الأحمر»، التروتسكي المشاغب النزق الراديكالي، تحت توقيع طارق علي.
وهكذا أيضا، ولكن في المقابل، تقلّبت مواقفه من الانتفاضة السورية، فبدأ من الترحيب بها بحرارة قصوى، طافحة بالحرارة التروتسكية («الشعب على حقّ دائما»!)؛ ثمّ انتهى إلى تبرئة النظام السوري من ارتكاب المجازر، بما في ذلك الهجمات الكيميائية على الغوطة. ولكي تتطابق مواقفه، أكثر مع نظيره الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، أعلن علي أنه لا يجد كبير فارق بين هيلاري كلنتون ودونالد ترامب، بل كاد أن يردد صدى جيجيك في دعوة أمريكا إلى انتخاب ترامب!
تغيّر طارق علي، إذن، مرارا؛ وسبحان الذي لا يتغيّر!

(القدس العربي)

 

مأساة ترامب وملهاة جيجيك

صبحي حديدي

 

لعلّ سلافوي جيجيك، الفيلسوف والناقد الثقافي السلوفيني الشهير، أكثر الناس تحمساً للبرهنة على جدارته بلقب خاصّ اقترن باسمه منذ سطوع نجمه: أنه إلفيس برسلي الفلسفة، بمعنى يُردّ إلى اشتهار المغنّي الأمريكي الراحل بالرقص القائم على الاهتزاز والنواس والتذبذب. والرجل الذي اعتاد مزج فلسفة هيغل بالنكتة القديمة السلافية أو اليهودية، والتحليل النفسي حسب لاكان بفيديوهات السخرية من الألبان والبوسنيين؛ اهتزّ أخيراً، ثمّ ناسَ وتذبذبَ، ليخرج بـ«أطروحة استفزازية» كما وصفها بنفسه، مفادها أنّ دونالد ترامب، المرشح للرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري، هو «ليبرالي الوسط»، أوّلاً؛ وهو، ثانياً، أقلّ خطراً من هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي؛ الأمر الذي يدفع جيجيك، ثالثاً، إلى حضّ الأمريكيين على انتخابه.
ولكي يُنصف الرجل، الذي يحظى بشعبية واسعة عالمياً (ولدى «يسار الممانعة» العربي، خاصة)؛ هنا اقتباسات شبه حرفية من تصريحاته في تبرير الموقف المؤيد لانتخاب ترامب. ففي حوار نظمته صحيفة الـ«غارديان البريطانية»، وأداره غاري يونغ، أواسط نيسان (أبريل) الماضي؛ قال جيجيك: «إقرأ ترامب جيداً ـ وأعرف أن هذا الأمر صعب ـ فإذا أفلحتَ في استبعاد حماقاته العنصرية والجنسية، سوف ترى أنه هنا وهناك، وحيث يقدّم مقترحات متكاملة، ليس سيئاً أبداً». وأيضاً: «ترامب مفارقة: إنه بالفعل ليبرالي الوسط، ولعله أيضاً أقرب إلى الديمقراطيين في سياساته الاقتصادية، وهو يسعى يائساً لإخفاء الأمر. وهكذا فإنّ وظيفة كلّ هذه النكات القذرة والحماقات هي التغطية على حقيقة أنه سياسي عادي تماماً من خطّ الوسط».
فاضح، دونما حاجة إلى أيّ تفلسف، أنّ النجم الهيغلي ـ اللاكاني يستسهل تصريف سياسات تمييز عنصرية وجنسية جسيمة وخيمة العواقب، إلى محـــــض «حماقات»؛ قبل أن يستسهل، بل يحضّ على، استبعادها من النقاش!
وفي مطلع حزيران (يونيو) الماضي، خلال حوار مع سيرجيو كانتوني على فضائية «يورونيـــــوز»، سُئل جيجيك إنْ كانت أمريكا تشهد ثورة مع ترامب، فأجاب: «بالطبع. ترامب مقزز كشخص، بنكــــاته العنصرية الرديئة، وابتذالاته، وما إلى ذلك. ولكن هل لاحظتَ، في الآن ذاته، كيف قال أشياء صحيحة تماماً عن فلسطين وإسرائيل؟
قال إن علينا أيضاً أن نرى المصالح الفلسطينية ونقارب الموقف بطريقة أكثر حيادية. قال إنه لا يتوجب علينا الاكتفاء بمنازعة روسيا، بل البحث عن حوار معها. حتى أنه طالب برفع الحدّ الأدنى للأجور. وألمح إلى أنه لن يلغي نظام الرعاية الصحية الذي أدخله أوباما». فهل ترامب ليبرالي وسط؟
يجيب جيجيك: «هذه هي أطروحتي الاستفزازية! لأنك إذا مسحتَ السطح المضحك، وأقرُّ بأنه خطير أيضاً، فإنّ ترامب مرشح وصولي ولعلّ سياسته الفعلية ليست سيئة أبداً»! والحال، هنا أيضاً، أنّ ما قاله ترامب عن الفلسطينيين يمكن أن يقوله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، إذْ تظلّ عبارة «مصالح الفلسطينيين» غائمة وغامضة وفضفاضة؛ وفي المقـــــــابل، أعلن ترامب سلسلة مواقف منحازة لإسرائيل، انحيازاً واضحاً أعمـــى، وشبه مطلق، يبدأ من الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ولا ينتهي عند توصيفه لذاته بـ»مؤيد إسرائيل الأكبر». أمّا الموقف من روسيا، فمَن قال أصلاً إنّ واشنطن في نزاع مع موسكو!
أخيراً، وقبل أيام، نقلت «القناة الرابعة» البريطانية تصريحات جديدة للفيلسوف السلوفيني، حين سُئل: إذا كنت أمريكياً، لمن تصوّت؟ «ترامب. إنه يفزعني. ولكني فقط أعتقد أن هيلاري هي الخطر الحقيقي. لماذا؟ لأنها شيّدت تحالفاً شاملاً مستحيلاً»، أجاب جيجيك؛ ثمّ أردف: «في كل مجتمع هنالك شبكة كاملة من القواعد غير المكتوبة، حول كيفية اشتغال السياسة، وكيفية بناء الإجماع. ترامب خلخل هذا، وإذا فاز فإن الحزبين الكبيرين، الجمهوريين والديمقراطيين، سيتوجب عليهما العودة إلى الأسس، وإعادة التفكير في الـــــذات، وقد يحــــدث شيء ما هنا. هذا أملي اليائس، اليائس للغايــــة، في أن يفوز ترامب. أنظر، أمريكا ليست بعد دولة ديكتاتورية، وترامب لن يُدخل الفاشية إليها، ولكن قــد يكون الأمر أشبه باستفاقة. سيرورة سياسية جديدة سوف تتحرك، وسوف تُطلق. ولكني مدرك تماماً أن الأمور بالغة الخطورة هنا، ليس فقط حول مجموعات التفـــــوّق العرقي الأبيض، ولكن إسمعْ: قال ترامب بصراحة، وهنالك تقرير يشــير إلى أنه قد يفعلها، وأنت تعرف أهمية المحكمة العليا في أمريكا. قال بأنه سوف يعيّن فيها أعضاء من اليمين، ولهذا فهناك خطر، ولكني خائف أيضاً من أن هيلاري سوف تساند هذه العطالة، وهي الأخطر بين الاثنين. لأنها من جماعة الحرب الباردة، وما إلى ذلك، مرتبطة بالمصارف، وتزعم أنها تقدمية». 
فأي غرابة في أن يهتزّ برسلي الفلسفة المعاصرة، وأن ينوس ويتذبذب، إزاء ترامب؛ هو الذي، قبل ثلاث سنوات فقط، برّأ بشار الأسد من الهجمات الكيميائية على الغوطة، واعتبر أنّ «سوريا بشار الأسد ادّعت أنها دولة علمانية على الأقلّ، ولهذا فلا عجب أنّ المسيحيين والأقليات الأخرى تميل اليوم إلى الاصطفاف معه ضدّ المتمردين السنة»! وكيف لا يلجأ المرء إلى كارل ماركس، واستطراداً إلى عنوان واحد من مؤلفات جيجيك نفسه، لتوصيف حصيلة آرائه السياسية: «كمأساة أوّلاً، وثانياً كملهاة»!

(القدس العربي)

 

 

متلازمة مونيكا لوينسكي

صبحي حديدي

 

إذا تصفح المرء أي موسوعة شعبية، من طراز «ويكيبيديا» على سبيل المثال، باحثاً عن طرائف الفضائح الجنسية لدى كبار ساسة أمريكا؛ فإنّ الحصيلة ستكون وفيرة دسمة، ولعلها سوف تدهش الكثيرين من حيث اتساع نطاقها، وتنوّع ملابساتها. هذا مع العلم أنّ العقود الراهنة ليست، البتة، أكثر احتشاداً بالفضائح من العقود الأولى التأسيسية في التاريخ السياسي الأمريكي بأسره.
خذوا، بادئ ذي بدء، سنوات 1776ـ1899؛ التي شهدت منعطفات فاصلة مثل الثورة الأمريكية، وإعلان الاستقلال، ومؤتمر مسودة الدستور الأولى، وانتخاب جورج واشنطن رئيساً، ونقل العاصمة من فيلادلفيا إلى واشنطن، وإعلان الحرب على بريطانيا، وقرار الرئيس جاكسون بإجلاء الهنود الحمر عن أراضيهم بالقوة، وانتفاضة العبيد بقيادة نات تيرنر، واكتشاف الذهب في كاليفورنيا، وصدور رواية هارييت بيشر ستو «كوخ العم توم»، واندلاع الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وإعلان تحرير العبيد، واغتيال أبراهام لنكولن، وتدشين نصب تمثال الحرية…
هنا بعض الأسماء، في الفضائح الجنسية خلال تلك العقود، حيث الغالب عليها علاقات غير شرعية مع نساء متزوجات: ألكسندر هاملتون، وزير الخزانة؛ توماس جيفرسون، الرئيس؛ أندرو جاكسون، عضو الكونغرس، ومجلس الشيوخ، ثمّ الرئيس لاحقاً؛ ريتشارد منتور جونسون، عضو مجلس الشــــيوخ، الذي أثار نقمة إضافية في صفوف حزبه الديمقراطي لأنــــه كان على علاقة مع جاريته السوداء؛ جون هنري إيتون، وزير الحرب، الذي تسبب في انتحار زوج السيدة التي كان على علاقة بها؛ جيمس هــــــنري هاموند، عضو مجلس النواب، ثمّ الشيوخ، الذي اتُهم بإقامة علاقة مع جارية عمرها 12 سنة؛ دانييل وبستر، عضو مجلس الشيوخ؛ جيمس بوكانان، عضو مجلس الشيوخ، والرئيس لاحقاً؛ غروفر كليفلاند، الرئيس؛ وليم بركندرج، عضو مجلس النواب…
الأشهر، في العصور الحديثة، هو الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وعلاقته مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي؛ مع فارق قد يكون جوهرياً بعض الشيء: أنّ أواخر القرن العشرين كانت قد أفضت إلى مقدار غير مسبوق من الحريات الجنسية، في الولايات المتحدة تحديداً؛ بحيث ثار نقاش واسع حول مدى ارتباطها بالحريات الشخصية، أو العامة، حتى لدى سيد البيت الأبيض نفسه. ومع ذلك، فإنّ «متلازمة لوينسكي»، إذا جاز القول، كانت قد استقرت في الوجدان الجَمْعي الأمريكي، بالنظر أيضاً إلى انفجار طرائق تبادل المعلومة، وتنويعات إنتاج الخبر؛ فضلاً، بالطبع، عن الشغف الفضولي بالفضيحة، على نحو أقرب إلى الهستيريا.
وشخصياً يحضرني من ذاكرة تلك الأزمنة واحد من أبرز شخوص المسرح، وأعترف انني كنت شديد الإعجاب بأدائه على الخشبة/ منبر الخطابة؛ وأقصد هنري هايد (1924ـ2007)، الذي كان رئيس اللجنة القضائية في الكونغرس، وكبير «المدراء» الجمهوريين الذين أداروا الاتهام ضدّ كلينتون. ثمة ما يشبه هالة ملائكية ظلت ترفرف على وجه هايد، وعلى حركات جسده، ولغة لسانه؛ أمّا صوته فقد كان دائم التهدّج، تكاد العبرات تفيض من عينيه كلما اعتلى المنبر ليشرح هذه أو تلك من حيثيات إدانة كلينتون. وكان لا يكفّ عن الاستعانة بعبارة من الروائي الأمريكي وليم فوكنر تارة، ومن قصائد وليم شكسبير أو ديلان توماس طوراً («أعطونا الحقيقة، وسنمضي لطفاء، في الليل اللطيف»، كان يردّد)؛ ومن نصوص «العهد القديم» حيناً (والوصايا العشر بصفة خاصة)، وخُطَب عظماء أمريكا الأسلاف حيناً آخر.
لكنّ الخصال تلك لم تكن هي وحدها التي شدّتني إليه، بل حقيقة أنّ المستر هايد كان أيضاً الدكتور جيكل، نقيض ذلك كلّه، تماماً كما في رواية ر. ل. ستيفنسون الشهيرة، حيث ينشطر الكائن الواحد إلى كائنين متناقضين: الأوّل نهاريّ أرستقراطي خيّر هو الدكتور جيكل، والثاني ليليّ صعلوك شرير هو المستر هايد. ذلك لأنّ حامل لافتة الأخلاق القويمة هذا، كان رجل فضائح مالية وسياسية وقانونية وجنسية بامتياز؛ وسبق للكونغرس أن أوصى بتغريمه بمبلغ 850 ألف دولار عقاباً له ولعدد من زملائه على إهمالهم الشديد في متابعة مسؤوليات إحدى اللجان، الأمر الذي كلّف دافع الضرائب الأمريكي خسارة مقدارها 68 مليون دولار!
وفي عام 1983 نظر الكونغرس في أمر توجيه تقريع إلى عضو الكونغرس الجمهوري دانييل كرين، بسبب ثبوت علاقته الجنسية بوصيفة في الكونغرس عمرها 17 سنة.، لكنّ هايد هبّ للدفاع عن زميله وابن حزبه، رافضاً فكرة التقريع، ورافضاً أيضاً فكرة التوبيخ، مذكّراً الجميع بأن الشفقة والعدالة ليستا متناقضتين أبداً، وأنّ التراث اليهودي ـ المسيحي يقول: أمقتوا الخطيئة، وأحبّوا الخاطئ! أمّا هو، نفسه، فقد افتُضحت علاقته بامرأة متزوجة، فأقرّ بالفضيحة، لكنه اعتبر أنها من طيش الشباب (رغم أنه، خلال تلك العلاقة، كان قد تجاوز الأربعين!).
وهكذا، ليست مبالغة أنّ يكون المرشح الجمهوري دونالد ترامب قد فقد 3ـ5٪ من ناخبيه المتحمسين، بعد انكشاف سلسلة فضائحه الجنسية؛ على نقيض هيلاري كلينتون، التي لن تخسر كثيراً، كما يلوح، جراء إعادة فتح التحقيق حول رسائلها الإلكترونية. فالأمن القومي شيء، و«متلازمة لوينسكي» شيء آخر!

 (القدس العربي)

صبحي حديدي

 

 

مغامرات ترامب وغارات بوتين:

تكامل الحياء والدماء

صبحي حديدي

 

خلال الأسبوع المنصرم، وحده، الذي شهد كثافة عالية لعمليات الطيران الحربي الروسي ومروحيات النظام السوري ضدّ مناطق في إدلب وريفها؛ ارتفع عدد الشهداء السوريين المدنيين إلى 90، بينهم 22 طفلاً و20 امرأة، فضلاً عن عشرات الجرحى. ذروة هذه الوحشية وقعت قبل يومين، حين قُصف تجمّع للمدارس في بلدة حاس، القريبة من كفرنبل، فبلغ عدد الشهداء ـ حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالطبع ـ 35 مدنياً، بينهم 11 طفلاً و7 نساء. قبل مجزرة حاس، كانت أعمال القصف قد استهدفت مدن وبلدات وقرى جسر الشغور ومعرة النعمان والبارة والشيخ مصطفى والنقير، ومعرشمارين وبابولين…
في وسائل الإعلام الروسية، حتى تلك التي تُلصق صفة «المعارضة»، أو الليبرالية، أو النأي عن سياسات الكرملين، أو تعكس وجهة نظر رجال الأعمال الأقرب إلى الغرب (والمرء يضع جانباً إعلام المافيا الروسية، لأنه مرآة بالغة الإخلاص للنظام)… ثمة تطبيل وتزمير لتصريحات وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، حول توقف المقاتلات الروسية عن قصف حلب خلال الأيام الماضية/ وثمة، في السياقات ذاتها، ولع بحديثه عن «الممرات الآمنة» لتأمين خروج المدنيين من حلب؛ ومباركته لمقترحات المبعوث الأممي، ستافان دي ميستورا، حول ممرات أخرى موازية لانسحاب مقاتلي جبهة النصرة (الإعلام الروسي، في غالبيته، لا يعترف بالتسمية الجديدة: «جبهة فتح الشام»!).
ماذا عن إدلب؟ ماذا عن مدارس حاس؟ ماذا عن تلامذة المدارس؟ لا شيء، تقريباً؛ أو لا وقائع خارج تلك التي يتحدث عنها الوزير شويغو. 
ولا غرابة، أيضاً، في واقع الأمر. هذه قوة عظمى تمارس جرائم الحرب في سوريا، بصفة يومية؛ فلا تستثني مستشفى، أو مدرسة، أو مخبزاً، أو سوقاً شعبية، أو مسجداً. وهي تستخدم كلّ صنوف الأسلحة، خاصة المحرّمة منها دولياً، وبالأخصّ تلك الصنوف التي عفا عليها الزمان، ومن الأجدى إسقاطها على مدن وبلدات وقرى سوريا، بدل تلويث أراضي روسيا الأمّ عن طريق إتلافها أو طمرها (كما يتفاخر فلاديمير جرينوفسكي، زعيم «الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي»!). وهي قوة عظمى لا تجد رادعاً يردعها، ضمن صفوف ما يُسمّى «المجتمع الدولي»؛ وتجد أكثر بكثير مما تحتاج من خنوع وتبعية بشار الأسد، وشهيته لتحليق القاذفات الروسية في أربع رياح سوريا، وإفناء البشر والشجر والحجر…
فماذا، في المقابل، عن القوة العظمى الأولى: الولايات المتحدة الأمريكية؟ وماذا عنها، ليس على صعيد السياسات الرسمية لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فهذه باتت كلاسيكة؛ بل على صعيد الإعلام الأمريكي المستقل، أو الذي يزعم استقلالية أوسع بكثير من تلك التي تُنسب إلى الإعلام الروسي؟ ثمة مقالات الاحتجاج على خيارات البيت الأبيض، التي مكّنت موسكو من هذه الحال في سوريا؛ ولا يخلو المشهد من كتابات الإشفاق على الضحية السورية، وتقارير التعاطف مع الأطفال بصفة خاصة، واستهجان السلوك الروسي، وتقريع سيد الكرملين فلاديمير بوتين نفسه. وبين هذه وتلك، ثمة أولئك الغيارى على انحسار السطوة الأمريكية في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً؛ وأولئك الذين يعلقون الآمال على احتمال استئناف نفوذ واشنطن الكوني، على يد إدارة هيلاري كلنتون إنْ فازت، أو حتى دونالد ترامب!
وإذا كان في الوسع تفهم انشغال أمريكا بالانتخابات الرئاسية الوشيكة، فإنّ مقدار الانهماك بغارات بوتين الدموية يبدو مكمّلاً ـ من حيث معدّل النفاق الأخلاقي، بادئ ذي بدء ـ لانهماك أمريكا بتعقّب افتضاح الأسرار حول مغامرات ترامب الجنسية: غارة لا تجبّ مغامرة، ولكنّ المغامرة تفعل… فلا تجبّ فقط، أو تُلهي وتُنسي وتحرف الانتباه فحسب، بل تحثّ أيضاً على مزيد من النفاق! فإذا جرى ربط ما، وهذا إجراء نادر تماماً، بين الغارة والمغامرة؛ فإنّ الغائب الأكبر ـ أو بالأحرى: المغيّب، عن سابق قصد وتصميم ـ سوف يكون مقدار التنافر بين التباكي على الأخلاق الجنسية للمرشح ترامب، والتباكي على الأخلاق العسكرية للرئيس بوتين! وفي كلّ حال، شائع أيضاً ذلك المقدار من التعامي عن مستويات التورط الأمريكي الفعلي على الأرض السورية، مقابل الزعم بعدم الرغبة في التورط!
والحال أنّ عناصر كثيرة في المشهد الأمريكي الراهن تعيد التذكير بمغامرات جنسية أخرى، لرئيس أمريكي هذه المرة، وليس مجرد مرشح للرئاسة: بيل كلنتون، ومونيكا لوينسكي، وغراميات المكتب البيضاوي، ودراما التحقيقات، ودراما المحاكمة، ودراما التبرئة… وبذلك فإنّ المرء لا يلوم الأمريكيين هذه الأيام، إذا ما استعاد مناخات تلك الأزمنة المشحونة بالمسرح السياسي والجنائي والبوليسي والقضائي. وبعد أكثر من نصف قرن على صدور رواية جورج أورويل «1984»، ولكن على نحو كان سيقشعرّ له بدن «الأخ الكبير» نفسه، كان الأمريكي يصل الليل بالنهار وهو يكدّس معرفة أورويلية كاملة الشفافية، حول تفاصيل الحياة الجنسية لرئيسه الحبيب، الذي انتخبه مرّتين. كل شيء، تقريباً: أيّة فانتازيا جنسية كانت تستهويه أكثر، وأيّ شعر إيروسي ألهب مخيّلته، وأيّ الأماكن كانت الأنسب للغرام، أيّ الأوقات، أيّ الثياب…
آنذاك تحدّث البعض ــ بهمس خافت، سرعان ما تعالى تدريجياً ــ عن الأبعاد النفسية الأعمق وراء هذا السعار الجماعي المحموم لهتك الأستار الشخصية للرجل الأوّل في البلد، الذي يزعم أبناؤه أنه بلد هو العالم بأسره. يومئذ، بالفعل، حلّ زمان أمريكي عجيب أتاح لنا أن نقرأ كبار المنظّرين الليبراليين وهم يذكّرون الدهماء بأن تفاصيل الحياة الشخصية هي مكوّن أساسي في صناعة الوجود الإنساني المتمدّن (كما ينبغي أن يُقارن بالوجود الإنساني البربري، في الأدغال على سبيل المثال!). «لماذا يجد الأمريكيون كلّ هذه المتعة في هتك الأعراض»، سأل أنتوني لويس، قبل أن يجيب بأسى عميق: «ألأننا فقدنا الإحساس بقيمة الحرّية الشخصية في المجتمع الأمريكي»؟ ولكن ماذا عن حرّية ترامب، اليوم؟ وأيّ نفاق يسحب هذه «الحرّية» من تلك؟ وهل هذه المغامرات الجنسية هي، حقاً، أمّ القضايا التي تشغل الناخبين قبل أسابيع قليلة تسبق التصويت؟
في غمرة هذا الاقتران بين المغامرة الجنسية والغارة الدموية، بين أمريكا وروسيا؛ تظلّ على الألسن، وطيّ المقالات والتقارير والتحليلات، عبارة «محاربة الإرهاب»، بوصفها مقتصرة على جهاديي سوريا والعراق، من السنّة حصرياً. الميليشيات ذات التمذهب الشيعي، القادمة من أصقاع شتى؛ و»حزب الله» اللبناني، الذي صار في سوريا جيشاً كامل العديد والعدّة؛ وضباط وعناصر «الحرس الثوري» الإيراني، وغيرهم وسواهم… ليسوا، البتة في عداد الإرهاب. ومثلهم، بل قبلهم، ليس إرهابياً أبداً العدوان العسكري الروسي، الذي أتمّ سنة أولى ونيف؛ وليست إرهابية أعمال القصف الوحشي التي لا تُبقي ولا تذر… 
صحيح أننا نقرأ، في الصحافة الأمريكية، نقداً شديداً للتدخل العسكري الروسي؛ ونقرأ، في الصحافة الروسية، نقداً لا يقلّ شدّة لاحتضان البنتاغون بعض الفصائل العسكرية «المعتدلة» في صفوف المعارضة السورية؛ ولكن هيهات أن نعثر، هنا أو هناك، على ما يوحي بصفة «الإرهاب» لدى أيّ من الفريقين. وبذلك فإنّ انشغال واشنطن وموسكو بالملفّ السوري له حيثيات متنافرة غالباً، أو متناقضة أحياناً؛ ولكنّ المآلات، بصدد توصيف فعل القوتين العظميين، سياسياً وعسكرياً ـ ثمّ أخلاقياً، لمن يشاء! ـ ليست على درجة مماثلة من التنافر أو التناقض. وليست هذه خلاصة جديدة، في أية حال، ما خلا أنها تتجدد تلقائياً؛ كلما أريق ماء الحياء في فضيحة جنسية عند ترامب، أو أريقت دماء سورية، في قصف وحشي يأتمر بأمر بوتين.
تكاملٌ بين الحياء والدماء، ليس أقلّ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

الفاتيكان وخمير الفريسيين:

حلب ليست غروزني

صبحي حديدي

 

زائر الموقع الرسمي لإذاعة الفاتيكان يعثر على موادّ كثيرة تخصّ معاناة السوريين عموماً، وأهل حلب بصفة خاصة. وتنقل الإذاعة، على لسان البابا فرنسيس نفسه، نداءات تعاطف وإشفاق وقلق، في ما يتصل بأعمال القصف تحديداً، والحثّ على إجلاء المدنيين، والأطفال أولاً. وفي واحدة من أحدث مقابلاته العامة مع المؤمنين، قال البابا: «يتجه فكري مرة جديدة إلى سوريا الحبيبة والتي تعاني بشدة»، مضيفاً أنه يتحد مع سكان حلب في معاناتهم، من خلال الصلاة والقرب والروحي. وإذ عبّر عن ألمه العميق وقلقه الشديد إزاء ما يحصل في هذه المدينة، حيث يموت أطفال ومسنون ومرضى وشباب كما نقلت الإذاعة، جدّد البابا دعوة الجميع إلى الالتزام بحماية المدنيين لكونه واجبًا إلزاميًا وملحاً: «أتوجه إلى ضمير المسؤولين عن عمليات القصف الذين سيحاسبون أمام الله!».
وإذا صحّ أنّ المرء، الناظر إلى الحال هذه من زاوية واقعية مبسطة، وبصدد الملف السوري في حصيلته الراهنة، لا ينتظر من الفاتيكان ما هو أبعد، أو أكثر، من مواقف التعاطف الروحي؛ سواء صيغت بلغة إنجيلية مفعمة بالألم، أو ذهبت أبعد فألمحت إلى الحساب يوم الدين، أو التزمت الحدود الدبلوماسية التي لا تخرج بها عن الحياد إلا في مستوى التآخي الإنساني مع العذاب. فهل يتوجب، أخلاقياً أولاً، ثمّ تاريخياً تالياً، أن يكون العكس هو الصحيح: أي أن ينحاز الفاتيكان إلى الضحية والقتيل، ضدّ مجرم الحرب والقاتل، وأن يسمّي الأساء بمسمياتها الفعلية، بوضوح وصراحة، دون تلطيف وتشذيب، ثمّ دون حيادية لا تنتهي إلى المثالية الصرفة بل إلى المواربة كذلك؟
سؤال وجيه، بالطبع، رغم أنّ التاريخ لا يقدّم عليه إجابة شافية، بل لعلّ مواقف الفاتيكان تشير إلى النقيض. هنالك، أولاً، ميل الكنيسة إلى تسويات ما تزال جزئية فقط، أو مجتزأة ناقصة، في الملفّ الأكثر حساسية، والأعلى مسؤولية أخلاقية في الواقع؛ أي مواقف الصمت أو التواطؤ أو حتى المباركة، التي اتخذتها بعض المؤسسات الكاثوليكية إزاء الجرائم النازية. وعلى سبيل المثال، في خريف 1997، أقرّت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، بعد 57 سنة، أنّ صمتها المطبق على ترحيل 75 ألف يهودي إلى المعسكرات النازية (لم يبق منهم على قيد الحياة سوى ثلاثة آلاف) لم يكن سلوكاً مسيحياً لائقاً، وهو بالتالي يستوجب الاعتذار العلني وبأفصح العبارات.
«إننا نسأل الله الغفران، ونريد من الشعب اليهودي أن يستمع إلى كلمات توبتنا هذه»، غصّ الأسقف أوليفييه دوبيرانجيه وهو يتلو نصّ التوبة، محاطاً بما لا يقلّ عن ثلاثين من كبار أساقفة الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية. ولكي يقترن الاعتذار بالدرجة المطلوبة من التفلسف حول الذاكرة وجدل التاريخ، بدأ الأسقف دوبيرانجيه خطبته بهذه العبارة الدالة: «الحدث الرئيسي الأكبر في تاريخ القرن العشرين، أي محاولة النازيين إفناء الشعب اليهودي، يطرح على الضمير أسئلة جلية لا يمكن لأي كائن بشري أن يتجاهلها. ولأنها أبعد ما تكون عن المطالبة بنسيان ذلك الحدث، فإن الكنيسة الكاثوليكية تعرف أن الضمير يتأسس بفعل الاستذكار، وأنه ما من مجتمع، وما من فرد في مقدوره العيش بسلام مع الذات حين يكون الماضي مطموساً أو كاذباً».
كان الكلام جميلاً وسليماً تماماً، خاصة إذا تذكّر المرء الصمت (الرهيب بالفعل!) الذي التزمته الكنيسة الكاثوليكية إزاء ترحيل اليهود، وإخضاعهم لسياسات تمييز جائرة، مثل تعليق نجمة داود على الصدر بصورة إلزامية، والمنع من الوظائف الدبلوماسية والعسكرية والتدريسية، ومصادرة الأملاك. أكثر من ذلك، ثمة تلك العبارة/ المسمار التي رددها، آنذاك، الكاردينال بيير جيرلييه أسقف ليون: «الماريشال بيتان هو فرنسا، وفرنسا هي الماريشال بيتان»، ورددت أصداءها جدران كاتدرائية بوردو العريقة أثناء قيام الماريشال بزيارة الكاتدرائية، بصفته زعيم حكومة فيشي المتعاونة مع النازيين. وثمة ذلك النداء، الرهيب بدوره، الذي أطلقه الكاردينال الفرنسي الكاثوليكي بودريار عام 1941: «لأنني قسّ وفرنسي يمرّ بمرحلة حاسمة، هل في وسعي أن أرفض إقرار المشروع النبيل المشترك الذي تقوده ألمانيا، والذي يسعى إلى تخليص فرنسا وأوروبا والعالم بأسره من الهواجس الأشد خطورة، وإقامة تآخٍ صحي بين الشعوب على خلفية تجديد مسيحية القرون الوسطى؟ ها قد حان الوقت لحملة صليبية جديدة. وأؤكد لكم أن ضريح المسيح سوف يتحرر. ومن خلال أحزان اللحظة سوف ينبلج فجر جديد».
الاعتذار، بالتالي، كان واجباً على الكنيسة، وحقّاً لا يُنازع لآلاف اليهود الفرنسيين الذين أبيدوا أو اضطُهدوا أو خضعوا لهذه أو تلك من ممارسات التمييز على أساس المعتقد الديني. ولكن… ألم تكن المناسبة، أو ما يشابهها من مناسبات، تستثير اعتذاراً مماثلاً عن صمت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية (ذلك الصمت الذي كان مطبقاً أحياناً، نسبياً أحياناً أخرى) إزاء مليون ضحية جزائرية، أثناء حرب التحرير؟ وإذا كانت تعقيدات أرشيفية سياسية وتاريخية، ما تزال تكتنف هذا الملفّ بالذات، فماذا عن المجزرة الرهيبة الشهيرة التي وقعت عام 1961، وذهب ضحيتها 200 من المتظاهرين الجزائريين، الذين قضوا غرقاً حين دفعتهم مفارز الشرطة الفرنسية إلى مياه نهر السين، في قلب باريس، أيام الجنرال دوغول دون سواه؟ وماذا عن المفارقة الرديفة لهذه الجريمة البشعة، والمتمثلة في أنّ قائد الشرطة، الذي أعطى الأمر بقمع المتظاهرين إلى درجة إبادتهم جماعياً، لم يكن سوى موريس بابون… الذي شاءت فرنسا أن تحاكمه علانية بتهمة تسهيل تسليم اليهود إلى النازيين؟
وبمعزل عن مقدار الشكّ أو اليقين حول تنويعات نظرية المؤامرة، التي تقول بتأثير مجموعات الضغط اليهودية في حياة العالم السياسية والاقتصادية والمالية، وكذلك الاجتماعية والثقافية والدينية كما يذهب البعض، فإنّ من الإنصاف القول إنّ هذه المجموعات واصلت إحراز انتصارات مؤزرة في حكاية اعتذار الكنيسة الكاثوليكية. وقد يقول قائل، محقاً بالطبع، إنّ مأساة اليهود لا تشبه مأساة الجزائريين، ولا السوريين في أيامنا هذه؛ فيردّ عليه آخر، محقاً من جانبه أيضاً، أنّ الموقف من المآسي الجماعية لا يجوز أن يخضع لسلّم درجات تفضيلية، أو أولويات. ولكن، في المقابل، وبين هذا القائل وذاك، يعيد التاريخ استذكار ملفات أقدم عهداً تثبت صفة الرعاية الاستثنائية التي صارت الكنيسة تمنحها للهولوكوست، بدليل الاعتذارات المتواصلة بصدد وقائعه المختلفة، بالمقارنة مع صمت الكنيسة إزاء مآس أخرى ليست أقلّ احتشاداً بالأهوال والفظائع. 
على سبيل المثال الأبرز: ما تزال الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية تمارس الصمت المطبق إزاء عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها الفاتحون الإسبان ضدّ الأقوام الأصلية الأمريكية (الهنود الحمر في تسمية كريستوفر كولومبوس)؛ وسط لامبالاة الكنيسة، ولكن… مع مباركتها للمذابح في أمثلة عديدة! والتاريخ يسجّل أنّ المبشّر المسيحي كان العمود الرابع في تنفيذ الفتح، بعد الملاّح، والكاتب المؤرّخ، والفاتح العسكري. يومذاك كان الفقيه الإسباني خوان دي سيبولفيدا قد برّر إبادة أهل الأرض هكذا: «كيف يمكن لأحد أن يعتبر غزوهم، وإبادتهم في حال الضرورة، أمراً غير مبرر وهم في ما هم عليه من همجية وبربرية ووثنية وكفر ودعارة»؟
وقبل أيام ذهب البابا فرنسيس إلى إنجيل لوقا، فاقتبس يسوع: «إحذروا خمير الفريسيين،‏ الذي هو الرياء»؛ ولعلّ الاقتباس لا يخص المرائين المنافقين هنا وهناك في العالم خارج الفاتيكان، فحسب؛ بل ينطبق كذلك على مواقف كنائس كثيرة لا ترى تشابهاً بين حلب ـ أو دير الزور أو دوما أو الزبداني أو قدسيا… ـ وبين أوشفتز؛ أو حتى… غروزني!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)
 

 

قيصرية بوتين:

بربرية سكرى…

يُراق على جوانبها الدم!

 

صبحي حديدي

 

رغم أنّ شرائح واسعة في الشارع الروسي تعتبر فلاديمير جرينوفسكي مجرّد مهرّج يستخدمه الكرملين لتسخين الرأي العام الروسي، أو لجسّ نبض الاحتجاج والرضا، والحراك والركود، في الأوساط الشعبية الفقيرة بصفة خاصة؛ فإنّ حزبه القوموي المتطرف (وأولى العجائب أنّ اسمه «حزب روسيا الليبرالي الديمقراطي»!)، حلّ ثالثاً في الانتخابات التشريعية الروسية الأخيرة. جرينوفسكي، إلى ذلك، حليف موثوق/ تابع أمين لحزب «روسيا الموحدة»، الذي حلّ أوّلاً، ويُعدّ عملياً حزب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومطية «الديمقراطية» الروسية ما بعد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين (1931 ـ 2007)، وانتهاج بوتين مبدأ التناوب على الرئاسة مع ظلّه الطيّع ديمتري مدفيديف.
وجرينوفسكي لا يهدد خصوم «روسيا العظمى» بما هو أقلّ من السلاح النووي: قنبلة ذرية تبيد اسطنبول عن بكرة أبيها (أيام التوتر الروسي ـ التركي، السنة الماضية)؛ قنبلة أخرى تمحو، تماماً، جزيرة دونباس على الجبهة الأوكرانية (200 ألف نسمة)؛ وإذا لم يكن الدرس بليغاً بما يكفي لردع أمريكا وأوروبا، فإنّ برلين على مرمى الرؤوس النووية الروسية…! وهو لا يحثّ أمريكا على انتخاب دونالد ترامب، وليس هيلاري كلنتون، فحسب؛ بل يهدد بالويل والثبور: «فليدرك الأمريكيون الذين سيصوتون في 8 تشرين الثاني (نوفمبر)، أنهم يصوتون من أجل السلام على الكرة الأرضية إذا انتخبوا ترامب. لكنهم إذا انتخبوا هيلاري، فإنها الحرب. سيكون فيلماً قصيراً. ستكون هناك هيروشيما وناغازاكي في كلّ مكان».
ثمة بُعد تهريجي في سلوك، ومواقف وتصريحات، جرينوفسكي، لا ريب في هذا؛ غير أنّ الرجل، بما ينبش من أحقاد قوموية وانحيازات عنصرية، يزرعها في أذهان شرائح غير قليلة من الروس؛ وما يثيره في النفوس من نوستالجيا إمبراطورية (نموذجه الأعلى هو القيصر ألكسندر الثالث)؛ وما يترجم، على نحو فجّ وشعبوي وغوغائي، من سياسات بوتين… كلّ هذا، وسواه، يجعل منه ظاهرة تتجاوز، بكثير، مستوى التهريج والتنفيس وجسّ النبض. إنه ممثّل قطاع غير بسيط من أبناء روسيا المعاصرة، ممّن لا يكفيهم اليقين بحقّ الروس في استعادة أمجادهم السالفة وإحياء الرفعة الإمبراطورية القيصرية؛ بل تتناهبهم رغبات جارفة، متقاطعة ومتناقضة ومتصارعة، في تحقيق هذا الغرض عبر القوة والجبروت والهيمنة والتوسع…
وفي الخلفية الاجتماعية ـ الإيديولوجية، ثمة معركة حامية الوطيس، تحتدم في الخفاء تارة أو في العلن طوراً؛ بين استقطابين عملاقين تتمحور من حولهما وتلتقي فيهما، أو على النقيض منهما، جملة التيارات الشيوعية، والليبرالية، والاشتراكية الإصلاحية، و»اشتراكية السوق»، والنزعات القومية المعتدلة أو تلك المتطرفة. وكانت المعركة تصنع كلّ يوم، وتُبلور أكثر فأكثر، تيّارين مركزيين باتا جزءاً لا يتجزأ من الفسيفساء المعقدة التي رسمت قسمات روسيا ما بعد الحرب الباردة: الاستقطاب الاستغرابي (نسبة إلى الغرب)، والاستقطاب الأورو ـ آسيوي (نسبة إلى موقع روسيا الفريد على التخوم الحاسمة لقارّتين شهدتا وتشهدان أعمق الصراعات الحضارية على مرّ التاريخ).
ولكي لا يخوض المرء على الفور في المستنقعات العكرة لأطوار ما بعد الحرب الباردة (خصوصاً بعد أن تكفّل التاريخ ذاته بإلحاق الهزيمة النكراء بالنهايات التي سارع إلى تلفيقها أمثال فرنسيس فوكوياما)، تجدر الإشارة إلى أن هذين التيارين لم يولدا على حين غرّة. والباحث الروسي فلاديمير بيلينكين رصد الأجنّة الأولى منذ السبعينيات، في الأوساط الإيديولوجية والفكرية القريبة من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي والأجهزة البيروقراطية العليا، فضلاً عن الـ
KGB. وغنيّ عن القول إن هذين الاستقطابين كانا يتناميان في حاضنة مناسبة للغاية، أبرز عناصرها:
ـ قوّة عظمى تملك ثاني ترسانة نووية في العالم، ولكنها تنزلق رويداً رويداً إلى مصافّ المقاييس التقليدية لدولة عالمثالثية، في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، فضلاً عن سمات عديدة على صعيد الثقافة.
ـ إقتصاد نهض على التصنيع الثقيل، ولكنّ أساسه الوطني صار يعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات الغذائية المصنّعة، فتزايد ارتهانه للرأسمال الأجنبي والاستثمارات المتعددة الجنسيات.
ـ تباين صارخ في التوزيع الاجتماعي للثروة القومية، وشروخات حادة بين الأغلبية الأكثر فقراً وبؤساً، والأقلية المنعمة المنشطرة بدورها إلى كومبرادور رأسمالي متحالف مع الشركات الغربية العملاقة، وقطاعات طفيلية متحالفة مع المافيات الداخلية ومجموعات الضغط القوموية.
لكنّ المرتكز العقائدي للاستقطاب الاستغرابي الروسي بدأ من إعادة النظر في الثورة الروسية والطور السوفييتي بوصفهما إجهاضاً للمسار التاريخي الكوني الطبيعي الذي كان سيفضي بروسيا إلى النظام الرأسمالي، كما هي حال أوروبا والغرب إجمالاً. من هنا دعا هؤلاء إلى تصحيح ما أسموه بـ»الخطأ التاريخي» الفادح، والعودة بالاقتصاد السياسي والنظرية الاجتماعية إلى «الينبوع»: إلى آدم سميث ومفهومه للمجتمع المدني المنظّم ذاتياً، وإلى مدرسة شيكاغو الاقتصادية في أقصى تمثيلاتها اليمينية (جورج شولتز، وأضرابه). وبالطبع، لم يكن من هامش عند هؤلاء للتفكير في الديمقراطية بمعزل عن الليبرالية والسوق المنفلت من كل عقال، ولا مجال أيضاً لأية عقلنة في اقتباس الأنساق الثقافية السائدة في النماذج المعاصرة من المجتمعات الرأسمالية. وهكذا كان يتمّ استيراد الليبرالية والثاتشرية والريغانية والتفكيكية وما بعد الحداثة، تماماً كاستيراد سيارات المرسيدس والأوبرا الصابونية والـ»سيكس شوب» وعنف شوارع لوس أنجليس والبغاء المخملي.
ولكن خطّ التدهور الموضوعي الملازم لهذا الانفتاح البربري كان كفيلاً باستيلاد القطب الأخلاقي النقيض له، أي ذاك الذي يدغدغ «روح روسيا» وماضيها الأدبي والفكري والفنّي والعلمي. وهكذا فإنّ دعاة هوية روسيا الأورو ـ آسيوية لم يتورعوا عن وصف الحضارة الغربية بـ»الظاهرة الكولونيالية الإثنو ـ ثقافية»، التي تستخدم الاقتصاد والسياسة والثقافة والجيوش لإخضاع الحضارات الأخرى، وإجهاض مسارات تطورها الطبيعية. أكثر من ذلك، وبدل الذهاب إلى آدم سميث، توقف الأورو ـ آسيويون عند الأنثروبولوجيا الثقافية لكي يشددوا على أن الروس جزء رائد في عائلة الشعوب التي حكمت وجودها، وصنعت حضارتها، قيمٌ أخرى مختلفة عن تلك التي أشاعتها وفرضتها أوروبا «الرومانية ـ الجرمانية».
وفي الحصيلة، كانت أطروحات المستغربين تقرّب بيوتات المال والمافيا، وتنفّر عامة الشعب؛ وكانت أطروحات الأورو ـ آسيويين تفضي إلى العكس: إثارة حفيظة المستثمرين والصيارفة والليبراليين والتكنوقراط، واجتذاب سلسلة التناقضات العقائدية التي تجمع الحزب الشيوعي والحزب الزراعي وحزب جرينوفسكي القوموي العنصري… وفي القياس على الموقف من البربرية الروسية في حلب، على سبيل المثال الراهن الحيّ، ثمة إجماع عريض لدى غالبية واسعة، من أبناء العامة وأبناء الصفوة، الـ»موجيك» مثل الشاعر والسينمائي والتشكيلي، رجل الأعمال أسوة بالأكاديمي العالِم… أنّ القاذفات الروسية تدافع عن مجد روسيا، ولا ضير ـ هكذا حرفياً: نعم! ـ أن يُراق دم السوريين على مخاض تلك القيصرية البوتينية البربرية؛ ولا مشكلة، أخلاقية هذه المرّة، في أن يكون العنوان العريض هو خدمة نظام بدأ من الاستبداد والفساد، ويترنح وينتهي في غمرة جرائم الحرب بحقّ مئات الآلاف، وممارسة التطهير العرقي، وتشريد الملايين، وتسليم مقدرات البلد إلى دول وقوى وميليشيات خارجية. 
هي قيصرية بوتينية تسكرها حال المتفرج مكتوف اليدين، التي تتخذها القوة العظمى الأولى، أمريكا. الأمر الذي لا يُسقط عن الكرملين صفة مخلوق ديناصوري نووي، مغترب عن هويته، رهين توصيف اختصره الجنرال ألكسندر ليبيد هكذا، ذات يوم غير بعيد: «روسيا ضائعة حائرة بين فكرتين: واحدة قديمة أسالت أنهاراً من الدماء، وأخرى جديدة لم تتحقق إلا على نحو رديء». يلزمها، استطراداً، المزيد من الدماء والجثث والأشلاء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

في إنصاف رياض الترك:

مَنْ ساءه سبب أو هاله عجب!

صبحي حديدي

 

 

 

ذات يوم، في نيسان (أبريل) 2011، بعد أسابيع قليلة على انطلاق الانتفاضة الشعبية في سوريا، أعلن أحد أبواق النظام، الدكتور طالب إبراهيم، أنّ رياض الترك، الشخصية المعارضة الأبرز في سوريا المعاصرة (ولكن: «الأمين العام لرابطة العمل الشيوعي»، كما صنّفه إبراهيم!)؛ متواجد داخل المسجد العمري في درعا، ممّا يعني اشتراك الشيخ السلفي أحمد صياصنة، مع الشيوعي العلماني رياض الترك في «التآمر على الدولة». ولقد فات الدكتور، وهو الذي يزعم المعرفة والمعلومات ويتفاخر بالتواصل مع قيادات النظام الأمنية ومكتب وزير الدفاع (رغم أنه ليس بعثياً، كما يردّد دائماً)، أنّ الترك مناضل مخضرم وقيادي بارز في «حزب الشعب الديمقراطي»، وليس في «حزب العمل الشيوعي»؛ وأنّ هذا الحزب الأخير، ذاته، تخلى منذ سنوات طويلة عن اسم «رابطة العمل الشيوعي»!
اليوم لا يُهاجَم الترك من جانب أمثال إبراهيم، إذْ يلوح أنّ الأبواق تنازلت عن هذه المهمة لحفنة من ممثّلي «يسار» سوري لا يجتمع على أمر، أو على سلوك، قدر اجتماعه على شتم الترك، وإعادة إنتاج الشتائم إياها، واجترارها، وتدبيج المطولات فيها… كلما الناقوس رنّا! وهذا رغم أنّ الحجج التي تُثار ضدّ الرجل تعود إلى عام 2003، في أقرب أجل؛ لسبب جوهري بسيط هو أنّ الحياة، وراهن نظام الاستبداد والفساد، أسوة بمآلات الانتفاضة الشعبية، أنصفت آراؤه على نحو لا يلوح أنه يقبل النقض أو الدحض من جانب فرسان اللفظ والخواء، زاعمي خصومته.
وهذه السطور لا تتوخى الدفاع عن الترك، فهو بيت متين لا يهزّه الرجم بحجارة الأحقاد، السياسية أو الإيديولوجية أو الطائفية؛ كما أنه كائن بشري يصيب ويخطئ، خاصة وأنّ عمره النضالي يتجاوز ستة عقود، بينها قرابة ربع قرن في سجون أنظمة مختلفة، ونحو 18 سنة في زنزانة منفردة زمن حافظ الأسد. هي، في المقابل، استعادة لبعض مواقف الرجل، بهدف وضعها، وبالتالي وضعه معها، على محكّ التاريخ، وتمحيصها في ضوء الآدمي الخطّاء، وليس ذاك المعصوم عن الخطأ. ولعلّ الأجدى، استئناساً بمجريات الأمور الساخنة اليوم في سوريا، البدء من استعادة رأي الترك في علاقة الولايات المتحدة بالانتفاضة الشعبية في سوريا.
ففي سنة 2012، خلال حوار مع محمد علي الأتاسي، في هذه الصحيفة، «القدس العربي»، تحديداً؛ قال الترك إنّ الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن سياق تبرير «موقفها المتقاعس تجاه ثورة الحرية والكرامة (…) لا تقبل أبداً بالانتصار الكامل للثورة. فموقفها في المحصلة لا يختلف عن الموقف الروسي، إلا في كون الموقف الأمريكي ذكياً والثاني غبياً أحمق. هم يريدون إنهاك الطرفين لإيصالهم إلى حلّ على الطريقة اللبنانية». وتابع الترك: «في ظلّ هذا السياق يمكن أن تتحول اتفاقية جنيف إلى بازار بين الروس والأمريكيين، ثمنه التوافق على إزاحة بشار الأسد، والاتفاق على حكومة هجينة تحافظ على بعض مؤسسات النظام، مضافاً إليها بعض رموز المعارضة المدجنة (…) بهذا المعنى أيضاً يمكن للروس أن يحققوا بعضاً من طموحاتهم ومطالبهم. كما يحقق الأمريكان من خلال هذا النظام الهجين شيئاً من العودة إلى ‘الاستقرار’ وضمان أمن إسرائيل».
وفي الراهن، أيضاً، سؤال الطائفية في سوريا، وبقاء جزء هام من أبناء الطائفة العلوية خارج الثورة، أجاب الترك: «إ ذا ألقينا نظرة على ثورات العالم، نجد أنّ أياً منها لم ينجح في جذب كل فئات المجتمع للانخراط فيها. مع ذلك أظن أنّ الثورة السورية حققت نسبة عالية من المشاركة الشعبية (…) من هنا ليس علينا إلا الصبر والتفاؤل في أن غالبية إخواننا العلويين سيدخلون الثورة عاجلاَ أو آجلا، رغم محاولات النظام المستميتة لتجنيدهم من حوله، وربطهم به من خلال شبكة من المصالح والولاءات. نحن إلى اليوم لم ندخل في حرب أهلية ولكننا نُدفع اليها دفعاً، وعلينا أن نعي أن خدمة أهداف النظام، وهي أيضاً خيانة للثورة، تكون بتعميم منطق طائفي يرى في الثورة السورية صراعا سنياً ـ علوياً، ويقوم على إلغاء طرف للطرف الآخر. من هنا علينا أن نكون غاية في اليقظة والحذر من الوقوع في مطبات الطائفية، مهما قسا النظام ونكل بالمواطنين، ومهما خرج الناس العاديون عن طورهم وانزلقوا في مهاوي الطائفية».
هل أخطأ الترك في هذا التقدير، بعد أربع سنوات من تسجيله؟ قد يساجل البعض بأنّ غالبية ساحقة من أبناء الطائفة العلوية لم تلتحق بالانتفاضة، بل انكفأت شرائح أوسع في صفوفها بعد صعود النزعة الجهادية واتساع الأسلمة المتشددة. غير أنّ جوهر تقدير الترك، في أنّ مصالح الطائفة العلوية الأساسية تقتضي «العيش بسلام مع باقي الطوائف»، ما يزال صائباً، أو لعله في منزلة مَزْجية بين التحقق والركود والانكفاء. 
هذا إذا لم يذهب المرء إلى رياضة أخرى، مشروعة ومنصفة، مفادها وضع مواقف أبناء الطائفة العلوية على خلفية الشدّ المذهبي الذي يمارسه حضور الميليشيات الشيعية في المعادلة السياسية والعسكرية الراهنة في سوريا؛ وكذلك تحوّل موجات التشيّع من صيغة التبشير بالعقيدة، إلى صيغة التطويع السياسي والتجنيد العسكري، والاشتباك مع الحياة اليومية لأبناء الطائفة العلوية، خاصة الشرائح غير المدينية.
كذلك فإنّ الإنصاف، والسجلّ التاريخي، وحقوق الحقيقة، تقتضي التذكير بأنّ الترك قاد حركة تجديد عميقة خلّصت الحزب الشيوعي السوري، التقليدي والمتمركس سوفييتياً فقط، من جموده العقائدي وانغلاقه الفكري؛ وأعادت له بعض نقائه الوطني، والكثير من أواصر الصلة مع الشارع العريض، الذي كان يفتقد الشيوعيين في الداخل، وفي الموقف من القضايا الوطنية الكبرى (الوحدة العربية، فلسطين، التنمية، الديمقراطية، الاستبداد…)، ولا يُعثر عليهم إلا حين يتّصل الأمر بالتضامن الأممي واللهاث خلف القاطرة السوفييتية.
وفي هذا، ذكّر التركُ الشارع العريض بأنّ الشيوعي يمكن أن يكون معارضاً أيضاً، بل قد يتوجب أن يكون أوّل المعارضين بالتعريف، إزاء نظام حكم يزعم اعتناق الاشتراكية ولا يطبّق سوى رأسمالية الدولة الطفيلية.
وهكذا كان محتّماً أن يدفع الترك ثمناً باهظاً جرّاء صورة نضالية تذهب، أياً كانت مقادير الاختلاف أو الاتفاق مع خياراتها وآرائها وممارساتها، عكس تمثيلات القيادات الشيوعية التقليدية؛ تلك التي ظلّت وفيّة لميراثها في نهاية الأمر، واختارت صفّ السلطة، وتحالفت مع النظام (كما حدث في نموذجَي حزب خالد بكداش وحزب يوسف فيصل). وحين كسر الصمت، وحده تقريباً، وصرّح لصحيفة «لوموند» الفرنسية بأنّ انتخاب بشار الأسد «مهزلة» أو «سخرية من الشعب»، لأنّ سوريا تحوّلت في «نفسية» حافظ الأسد إلى «ملكية شخصية، فتوجّب تناقلها وكأنها تعود إليه، وكأنها ميراث»؛ توجّب أن يعيده النظام إلى الزنزانة، وأن يتهمه إعلام السلطة بـ»التطاول على هيبة الدولة»، و»عرقلة مسار الحرية والديموقراطية»!
هذه الحصيلة تظلّ في ذمة التاريخ، وفي الوجدان السياسي والإنساني السوري المعاصر، وفي حاضر ومستقبل الحزب الذي ينتمي إليه الترك؛ كما أنها تبقى على ارتباط وثيق بمآلات الانتفاضة الشعبية، وما تشهده أو سوف تشهده سوريا في قادم الأيام.
الأمر الذي لا يمنع «يسراوياً»، هنا أو هناك ـ قبل أيّ من أبواق النظام! ـ من اختزالها وابتسارها وتشويهها وإفقارها، بقصد اجترار الشتائم وتأجيج الأحقاد؛ ولعلها حال لا تمنع الترك، بدوره، من اقتباس أبي العلاء المعري: مَنْ ساءه سببٌ أو هاله عجبٌ/ فلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

في ليبيا بعد العراق:

إنه برميل النفط… يا غبي!

صبحي حديدي

 

نقلت وكالة أنباء رويترز عن المؤسسة الوطنية الليبية للنفط أنّ الأخيرة سوف ترفع حالة «القوة القاهرة» عن ثلاثة موانئ سيطرت عليها قوات الجنرال خليفة حفتر، بعد أن أقرّت المؤسسة تسلّم (أم هو تسليم؟) المنشآت النفطية، بهدف الشروع في استئناف تصدير الخام. وبالفعل، اشارت رويترز، نقلاً عن مسؤول في ميناء راس لانوف أن ناقلة ـ هي الأولى، منذ عام 2014 ـ رست في الميناء، كما رست ناقلة ثانية في ميناء البريقة. وصرّح مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة، أن قرار استئناف التصدير من ميناءي الزويتينة وراس لانوف قد اتُخذ بناء على تعليمات من الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس والبرلمان المنعقد في الشرق.
في قراءة أخرى، أبسط وأكثر احتواءً على الدلالة، السلام ممكن دائماً إذا اتصل الأمر بالنفط؛ بل هو ممكن، دائماً أيضاً، حتى عن طريق جنرال إشكالي تكتنف تحركاته أسئلة شائكة، ليس في ما يخصّ تمويلاته وولاءاته الخارجية العربية، فحسب؛ بل كذلك طبيعة ارتباطاته بقوى خارجية غربية (أمريكا وفرنسا…)، وأخرى أفريقية (تشاد إدريس ديبي، وميليشياته متعددة الجنسيات مثلاً). أكثر من هذا، تردد أنّ الملفّ الليبي ينتظر، أسوة بملفات إقليمية وعالمية عديدة، نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، واتضاح هوية شاغل البيت الأبيض وخياراته، الأمر الذي حوّل أنشطة المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، إلى سلسلة ألعاب في الوقت المستقطع قبيل تشرين الثاني (نوفمبر) القادم.
ما خلا الملفّ النفطي… الذي اتضح أنه لا ينتظر أكثر، ويتوجب فيه طرق الحديد عند أول اتقاد!
وإلا كيف للمرء أن يفسّر تلك السهولة التي أتاحت للجنرال السيطرة السريعة على الموانئ، رغم الإشكاليات العديدة المستعصية التي تكتنف حضور حفتر في المعادلات الداخلية الليبية الراهنة عموماً، وفي تلك التي تخصّ النفط خصوصاً؟ وكيف انحنى ـ هكذا، سريعاً، بيُسْر وارتهان وسلاسة…! ـ أمير الحرب النفطي إبراهيم الجضران، بعد مداولات وجيزة مع كوبلر؛ هو الذي ذهب إلى مستوى اعتماد ثقافة القرصنة من أجل استئناف التصدير لحسابه، أو تحت سلطته؟ وكيف، إذا لم يكن برميل النفط مقدساً هكذا، نفسّر المباركة الأمريكية الصامتة لجنرال كان في عبّ الاستخبارات الأمريكية وصار عبئاً على خططها الليبية؛ هو الذي صرّح، قبل أيام قليلة فقط، أنّ الضربات الأمريكية ضدّ مواقع «داعش» في مدينة سرت «لا يوجد لها غطاء قانوني»، وحكومة الوفاق الوطني لا تملك أصلاً شرعية طلب المساعدة من واشنطن؟
إجابة أولى على هذه الأسئلة، صالحة للاستخدام دائماً، حتى في معناها المجازي: إنه برميل النفط، وكفى به تفسيراً وتعليلاً؛ تماماً على غرار العبارة الشهيرة التي تُنسب إلى جيمس كارفيل، مدير الحملة الانتخابية لرئاسة بيل كلنتون سنة 1992، التي قد تكون إحدى أبرع الحملات في تاريخ الولايات المتحدة: إنه الاقتصاد، يا غبي! وإنّ الدور في هذه الحكمة قد حلّ على ليبيا، بعد أن دار وصال وجال في العراق، فور استقرار الغزو العسكري للبلد، ربيع 2003؛ ثم تواصل، وتعاقبت أدواره وصولاته وجولاته حتى هذه الساعة. أساطير «داعش» بأكملها، أسوة بحقائق ممارساتها الفعلية على الأرض، لم تمنع ممثّلي شركات النفط العملاقة من التقاطر إلى العراق، لاغتنام ـ أو بالأحرى: اصطياد، واقتناص، واختلاس… ـ عقود تطوير واستثمار الآبار، قديمها وجديدها. ظلّ الـ»بزنس» هو الـ»بزنس» كالمعتاد بالنسبة إلى هؤلاء، ونقطة على أيّ سطر وكلّ فقرة!
ومن الضروري هنا، أخلاقياً ثمّ سياسياً وحقوقياً، التذكير مجدداً بما كشفه محمد القيسي، في الجزء الثالث من دراسته الممتازة «المخططات الأمريكية لاستنزاف ثروات العراق وسرقة أمواله: أرقام وحقائق»؛ وهو الجزء الذي يفصّل القول في طرائق النهب المباشر عن طريق الإستيلاء أو وضع اليد، والتي تبلغ شأو السطو الصريح، ولا يمكن أن تندرج في الخانة المألوفة للفساد المعتاد فقط. هنا ثلاثة أمثلة: 
ـ تمّ وضع اليد، بقرار مباشر صدر عن البيت الأبيض سنة 2003 أثناء العمليات العسكرية لغزو العراق، على الأموال العراقية المودعة هنا وهناك في مصارف العالم، والتي تقدّر بأكثر من 13 مليار دولار، أضيفت إليها أموال العراق في الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات.
ـ بمصادقة من مجلس الأمن الدولي، استولت سلطات الاحتلال الأمريكية على الرصيد المتراكم من أموال برنامج «النفط مقابل الغذاء»، والتي كانت في حساب العراق حتى آذار (مارس) 2003، بقيمة 21 مليار دولار.
ـ جمعت سلطات الاحتلال سيولات مالية متفرقة، عُثر عليها في القصور الرئاسية والمقرّات الخاصة، لا تقلّ عن ستة مليارات، تُضاف إلى أربعة مليارات من الدولارات كانت في المصرف المركزي العراق.
وغنيّ عن القول إنّ هذه الأموال لم تذهب إلى خزينة إنماء الشعب العراقي أو تطوير الديمقراطية أو بناء المشافي والمدارس ورياض الأطفال والجامعات، بل جرى صرفها لصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وشراء الذمم السياسية، وتوزيع الهبات والأعطيات على الأزلام والموالين، أفراداً وقوى سياسية ومذهبية على حدّ سواء. وكانت هيئة الـ
BBC قد أجرت تحقيقاً مثيراً حول اختفاء مبلغ 11 مليار دولار قبيل ساعات معدودات من مغادرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر العراق نهائياً، كما أشارت تقارير صحافية أخرى إلى أنّ المبلغ «طار» ـ بالمعنى الحرفي للكلمة، وعلى ظهر حوّامة عسكرية! ـ إلى جهة مجهولة في كردستان العراق، قبل أن يسافر من جديد إلى بنك مغمور في سويسرا، كما رجحت صحيفة الـ «فايننشيال تايمز» آنذاك.
للمرء أن يعود، أيضاً، إلى ذلك المؤشر ـ شبه الوحيد، إذا جاز القول! ـ الذي يمكن أن يمثّل انتصاراً أمريكياً من نوع ما في مشروع غزو العراق: قانون النفط والغاز، الذي كانت حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قد اقرته وأحالته إلى مجلس النوّاب (رغم المعارضة المعلنة للكتلة الصدرية والنوّاب السنّة، يومذاك). يومها كان احتياط النفط العراقي يتراوح بين 115 و215 مليار برميل، وإنتاجه يمكن أن يبلغ ستة مليارات برميل يومياً، بعائدات سنوية لا تقلّ عن 130 مليارا؛ وتلك أرقام تكفي بذاتها لكي ينظر المرء بعين الريبة الشديدة إلى قانون يُسقط عن الحكومة العراقية الحقّ في احتكار التنقيب عن النفط، ويمنحه إلى شركات أجنبية؛ كما يترك الباب موارباً، أو مفتوحاً في حالات عديدة، أمام خيار «اتفاقيات تقاسم الإنتاج».
وفي جانب آخر لا يقلّ خطورة، كان إقرار القانون الجديد كفيلاً بإبطال جميع الاتفاقيات السابقة التي وقّعها العراق، في عهد صدّام حسين أو العهود السابقة، مع شركات فرنسية أو روسية أو صينية، وبالتالي لم تحظَ الشركات الأمريكية بحصّة الأسد في التنقيب والاستثمار، فحسب؛ بل استأثرت، أو احتكرت، جميع ميادين صناعة النفط العراقية. فهل كان مستغرباً أن سيّد البيت الأبيض طوى، مؤقتاً، استياءه الشديد من المالكي، وسارع إلى مهاتفته وتهنئته على تمرير قانون النفط والغاز؟ ألم يكن ذاك ثمناً معقولاً، من وجهة نظر البيت الأبيض، لما يُقارب 700 ألف ضحيّة من أبناء الشعب العراقي، و4000 من جنود الاحتلال الأمريكي، وتخريب البلد، ووضعه كلّ يوم أدنى فأدنى من حافة الحرب الأهلية؟ وهل كان هذا المعنى، بالضبط، هو الذي دار في خلد جورج بوش الابن حين ألمح إلى أنّ العراق يواصل معارك روّاد استقلال أمريكا، من أجل استمرار ولادة الأمّة؟
في برميل النفط أساساً؛ قبل، وربما دون الحاجة إلى، رحم التاريخ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 



 

تركيا في جرابلس:

هل تقدّم أردوغان أم تقهقر أوباما؟

 

صبحي حديدي

في غمرة الحديث عن التحوّل العسكري التركي النوعي بصدد الملفّ السوري، ودخول الدبابات التركية إلى بلدة جرابلس السورية، ضمن تعاون وثيق وميداني مباشر مع بعض فصائل «الجيش الحر» لانتزاع البلدة من قبضة «داعش»؛ تناسى الكثيرون، تحت وطأة ما اتسم به الحدث من سخونة، أنّ هذه ليست بالضبط المرّة الأولى التي شهدت دخول الجيش التركي إلى الأراضي السورية. وكما هو معلوم، في أواخر شباط (فبراير) 2015، عبرت قوّات تركية (39 دبابة، 57 عربة مدرعة، 100 عربة، و572 جندياً) إلى محيط ضريح سليمان شاه، جدّ مؤسس الإمبراطورية العثمانية، تبعتها قوّات إضافية انتشرت في قرية أشمة؛ فرفعت العلم التركي، ودمّرت جميع مباني الضريح، بعد أن جمعت ونقلت «الأمانات ذات القيمة المعنوية العلالية» إلى الداخل التركي.
ما يُنسى أيضاً، رغم أنه أعلى دلالة، وأكثر ارتباطاً بواقعة جرابلس الراهنة؛ أنّ تلك القوّات التركية دخلت إلى الأراضي السورية بالتنسيق مع الوحدات الكردية في غرفة عمليات «بركان الفرات»، والتي كانت تضمّ «وحدات الحماية الكردية» (الـ ي ب ك)، و»ثوار جبهة الأكراد»، فضلاً عن «ثوار الرقة»، و»ألوية فجر الحرية». واليوم لا تخفي تركيا، بلسان رئيسها رجب طيب أردوغان شخصياً، أنّ الهدف من عملية «درع الفرات» لا يقتصر على دحر «داعش» في جرابلس، بل ينطوي أيضاً على محاربة «إرهابيي حزب الاتحاد الديمقراطي». وهكذا، إذا كانت الفوارق بين «بركان الفرات» و»درع الفرات» تنبثق من متغيرات عديدة في جيو ـ سياسة المنطقة، والخيارات التركية في الملفّ السوري، وأحوال «داعش» العسكرية ميدانياً (في هذا الجيب السوري، أو في جيوب أخرى سورية وعراقية)؛ فإنّ فوارق أخرى، موازية ومتكاملة ذاتياً، تخصّ واقع القوى الكردية المقاتلة ـ ضمن مجموعات الـ ي ب ك و»قوات سوريا الديمقراطية»، على حدّ سواء ـ تنبثق من التحوّل الأخير الذي طرأ على الموقف الأمريكي تجاه هذه القوى.
أهذا فصل جديد، في مسلسل الخيانات الأمريكية للكرد، والتي تكررت على امتداد قرن ونيف، في إيران كما في تركيا، وفي العراق أسوة بسوريا؟ ليس تماماً في الواقع، لأسباب ثلاثة رئيسية، بين أخرى أقلّ شأناً: 1) لم تكن واشنطن مساندة، البتة، لأي مشروع كردي ذي صفة كانتونية في «روجافا» أو «كردستان السورية»، وبالتالي ليس من الإنصاف اتهام أمريكا بالحنث بأي وعد في هذا الصدد؛ و2) في مناطق الجزيرة السورية عموماً، المالكية (ديريك) ورميلان والقامشلي والحسكة وعامودا والدرباسية، وكذلك في عين العرب (كوباني) وعفرين ومنبج… لم تشجّع واشنطن أيّ تنشيط، من أيّ نوع، لنواة «دويلة» كردية، بل لعلّ العكس كان هو الصحيح؛ و3) السذّج وحدهم (وثمة نماذج منهم، للأسف، في قلب القيادات الكردية، الـ ي ب ك و»قوات سوريا الديمقراطية» و»حزب الاتحاد الديمقراطي» ذاته)، صدّقوا أنّ ما تريده واشنطن من الكرد يتجاوز قتال «داعش»، فقبلوا بصيغة التعاون تحت اشتراطات دقيقة مُحْكمة، بعضها أقرب إلى منطق التبعية منها إلى التحالف.
ليست خيانة، إذن، لأنها لا تخرق اتفاقاً تعاقدياً بين البنتاغون و»حزب الاتحاد الديمقراطي» ومجموعاته العسكرية المختلفة، من جهة؛ ولكنها، من جهة ثانية، ليست مجرّدة تماماً عن استسهال الغدر، والانقلاب على الحليف، وتبديل السياسات في أية برهة ذرائعية، وسوى هذه وتلك من تراث التعامل الأمريكي مع «الحلفاء المحليين» عموماً، وكرد المنطقة خصوصاً. الأمر الذي يطرح السؤال المشروع اللاحق: لماذا تغيّر موقف واشنطن الآن؟ أو بالأحرى: لماذا تغيّر هذا الموقف لصالح الخيار التركي (وضدّ الكرد، منطقياً واستطراداً)، بعد أن كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد تمسك بموقف مغاير، وامتنع عن إطلاق يد أنقرة في الملف السوري إجمالاً، وحول المعادلة الكردية ضمن هذا الملفّ خصوصاً؟ وإذا جاز القول إنّ الأسباب الكلاسيكية واضحة لكلّ ذي بصيرة (تركيا ما بعد إفشال الانقلاب العسكري، العلاقات التركية ـ الأمريكية في ضوء فشل الانقلاب، زيارة أردوغان إلى موسكو وإحياء العلاقات الروسية ـ التركية، انفتاح آفاق جديدة لحوار إيراني ـ تركي…)؛ فإنّ الأسباب غير الكلاسيكية، في المقابل، وغير المنكشفة المعلَنة، كانت بدورها ذات ثقل في تبدّل موقف واشنطن. 
بادىء ذي بدء، اعتبرت واشنطن أنّ «حزب الاتحاد الديمقراطي» أدّى، عبر مجموعاته العسكرية، ما كان مطلوباً منه في قتال «داعش»، في ساحتَيْ عين العرب (كوباني) ومنبج، معاً؛ ولهذا فإنّ أيّ نزوع كردي إلى التمدد خارج هذا النطاق، «غرب الفرات» كما في المصطلح الشائع، وخاصة ربط هاتين البلدتين مع عفرين، هو انخراط في مشروع «دولة» كردية، على الأرض، فعلية بمقدار أوسع، وتتجاوز الصيغة البلاغية واللفظية والمجازية لفكرة «روجافا» أو «كردستان السورية»؛ وهذا خطّ محرّم أمريكياً. ذلك لأنه، أيضاً، خطّ أحمر تركي لا يُلحق الأذى بدولة حليفة، عضو في الأطلسي، حاضنة القاعدة العسكرية الأمريكية/ الأطلسية الأهمّ في المنطقة، فحسب؛ بل أيضاً لأنه يتناقض، حتى بالمعنى الشكلاني، وحسّ المنطق البسيط، مع المعادلة التبسيطية التالية: كيف يمكن لواشنطن أن تدعم كياناً تهيمن عليه مجموعة سياسية ـ عسكرية، يحدث أنها امتداد سياسي وعسكري للـ ب ك ك، المنظمة الأمّ التي تصنّفها واشنطن رسمياً في خانة «الإرهاب»؟ 
لكنّ أنقرة، في احتساب سبب ثانٍ، لم تلبث ساكنة ساكتة، مكتوفة اليدين، تنتظر تبدّل الموقف الأمريكي بعد انتزاع منبج من قبضة «داعش»؛ بل كانت قد لعبت دوراً ـ قابلاً للنقاش، من حيث أحجامه الحقيقية، ميدانياً على الأقلّ ـ في تكييف معارك حلب الأخيرة، ومعمعة سقوط مدارس وكليات النظام السوري في أيدي قوّات المعارضة. كذلك تولّت أنقرة تشجيع «الجيش الحرّ» على طرد «داعش» من بلدة الراعي، ونقل عدد من الفصائل («حركة نور الدين الزنكي»، «فيلق الشام»، «لواء المعتصم»، «فرقة السلطان مراد»… ) إلى معركة جرابلس، تمهيداً لضرب «خلافة البغدادي» في واحد من آخر معاقلها الحلبية: بلدة الباب. وليست مصادفة، أو أعجوبة عسكرية، أنّ «تحرير» جرابلس استغرق تسع ساعات فقط، وأنّ «داعش» لم تقاتل عملياً بل انسحبت بانتظام، وأنّ طيران التحالف الدولي (أي الطيران الحربي الأمريكي أساساً) ساهم في المعركة مباشرة.
أخيراً، في ترجيح سبب ثالث، لم تكن مساندة واشنطن للكرد خالية من إشكالية خاصة، سياسية وسوسيولوجية وإثنية، محرجة ومربكة في الواقع، هي استبعاد العرب من قتال «داعش» في المقام الأوّل (ومن هنا حرص البنتاغون على تضخيم أعداد المقاتلين العرب ضمن صفوف «قوّات سوريا الديمقراطية»)؛ ثمّ، في المقام الثاني، الاستمرار أكثر في منع تركيا، بوصفها قوّة إقليمية مسلمة (وسنّية، كما تجب الإشارة) من قتال «داعش»، على الأقلّ من أجل تأمين حدودها وحماية شعبها من سلسلة العمليات الإرهابية الداعشية. وهكذا توجّب أن تنوّع واشنطن خياراتها، فتكفّ يد الكرد بعد منبج، وتجبرهم على الانسحاب من مناطق توسعهم غرب الفرات، وتطلق يد تركيا في جرابلس، وربما الباب قريباً، حتى إذا انتهى هذا التنويع إلى تكريس منطقة حظر جوي/ أمر واقع؛ خاصة بعد أن فرضت واشنطن ما يشبه منطقة الحظر هذه في الحسكة، ضدّ طيران النظام السوري.
الأرجح، إذن، أنّ طرازاً من تقدّم أردوغان هجومياً، وتقهقر أوباما دفاعياً، صنع المشهد الراهن في جرابلس؛ الأمر الذي لا يلغي احتمال التقاء المتقدّم والمتقهقر في منطقة وسطى، آتية، تمنح أنقرة يداً أطول في الملف السوري، بعد طول انتظار!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

صفقة همذان:

عرب أطاعوا وباعوا…

وفرس وروس اشتروا!

صبحي حديدي

 

انطلاق القاذفات الاستراتيجية الروسية من قاعدة همذان العسكرية الإيرانية، لقصف أهداف في سوريا، ليس قراراً سياسياً في المقام الأوّل، كما سارت بعض التحليلات الغربية؛ يستهدف إرسال إشارات (أوضح مما تبدّى حتى الآن؟)، حول طبيعة التنسيق العسكري الروسي ـ الإيراني، في الملف السوري على الأقل.
صحيح، إلى هذا، أنّ الرمزية السياسية عالية، كما أنها غير مسبوقة أيضاً، في هذا الإجراء العسكري؛ وأنّ تشغيل رموز من هذا الطراز يخدم موسكو وطهران على قدم المساواة، في الساحات الجيو ـ سياسية التي تتهدد فيها، أو تتوطد، مصالح البلدين. العاصمة الأولى تقول، أو بالأحرى تشدد على، ما اعتادت تسويقه منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، حين كرّست تدخلها العسكري المباشر في سوريا؛ من أنها قوة كونية عظمى جديرة بمجابهة أمريكا والأطلسي خارج حدود جورجيا وأوكرانيا، ثمّ استطراداً خارج حروب أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية.
والعاصمة الثانية، طهران، تذكّر بأنها قوّة إقليمية عظمى، مستعدة للاتجار بالمصالح الكونية الجيو ـ سياسية مع قوى كونية أخرى غير أمريكا؛ وأنّ الاتفاق النووي الذي وقعته مع «المجتمع الدولي» ليس منتهى تلك التجارة، أو حتى ذروتها القصوى.
من الصحيح، في المقابل، بل لعله الأصحّ في الواقع، أنّ الغاية العسكرية الصرفة هي عماد ذلك الإجراء، وأنّ حال النظام السوري القتالية الميدانية لا تسرّ خاطر رعاته ومسانديه وحلفائه، في موسكو أسوة بطهران وبيروت/ الضاحية الجنوبية.
ما جرى عسكرياً في حلب مؤخراً، وما يجري ببطء أكثر وبضجيج إعلامي أقلّ في ريف دمشق، يستوجب نقلة نوعية في إسناد النظام على الأرض؛ حيث يُتاح لقاذفة الـ
Tu-22M الروسية الاستراتيجية أن تلقي 20 طناً مترياً من القنابل أو الصواريخ، ولا بأس أن تحمل أيضاً رسائل سياسية متعددة العناوين: إلى واشنطن، والحلف الأطلسي، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، وسوق النفط، وسوق السلاح… هذا بافتراض أنّ مقاتلات الـ Su-34 الروسية، التي أخذت الآن تنطلق كذلك من قاعدة همذان، لا تحمل الرسائل ذاتها؛ مضاعفة، إذا جاز القول، لأنّ هذا الصنف من الطيران الحربي الروسي يعمل لتوّه، من مطار حميميم في اللاذقية. ولا بأس، في المقابل، من جرعة علاج بالصدمة، تصنعها حقيقة مرور القاذفات الروسية من إيران إلى سوريا عبر الأجواء العراقية (عراق حيدر العبادي، بعد عراق نوري المالكي، للإيضاح!)؛ الأمر الذي يعيد التأكيد على إجراء عراقي سابق (عبور الطائرات الإيرانية التي تشحن العتاد والمقاتلين عبر الأجواء ذاتها نحو سوريا): وأمّا العلاج فهو تعويد العرب على متغيرات التحالف بين العرب، مع غير العرب، ضد العرب أنفسهم (صيغة «فرس وروس» لمن يشاء!)؛ وأمّا الصدمة فهي، بين مقاصد أخرى، فهي تسخيف بعض أساطير العرب، عن التضامن الأخوي العروبي!
طريف، أولاً، متابعة التراشق اللفظي بين واشنطن وموسكو، حول استخدام قاعدة همذان في انطلاق القاذفات الروسية نحو سوريا؛ إذْ بدأت الجولة من تصريح مارك تونر، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، من أن الإجراء الروسي هذا قد (نعم: قد!) يكون انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2231، القاضي بحظر تزويد أو بيع أو نقل الطيران الحربي إلى إيران؛ وأنّ القاذفات الروسية، التي تقول موسكو إنها سوف تستهدف «الدولة الإسلامية، سوف «تستهدف عملياً قوات المعارضة السورية المعتدلة». ردّ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، كان كالعادة دبلوماسياً وساخراً في آن: «هذه الطائرات تستخدمها قوات سلاح الجو الروسية، بموافقة إيران، ضمن عملية محاربة الإرهاب في سوريا، بناء على طلب الحكومة السورية الشرعية». أقلّ دبلوماسية، كما يُنتظر منه، كان ردّ إيغور كوناشينكوف، رئيس الدائرة الإعلامية في وزارة الدفاع الروسية: ليس من عادتنا أن نلقّن مسؤولي الخارجية الأمريكية دروساً في حُسن قراءة القانون الدولي!
والحال أنّ السذّج، فضلاً عن رهط «الممانعين» مكمّمي العقول عن سابق قصد، هم وحدهم الذين يمكن أن يعتقدوا بأنّ الصفقة الروسية ـ الإيرانية، في استخدام قاعدة همذان؛ قد تمّت دون علم، ثمّ موافقة وترخيص، البيت الأبيض والبنتاغون؛ أو دون علم، ثمّ موافقة وترخيص، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً، صديق بوتين وحليفه، والحائز من سيّد الكرملين على هدية ثمينة لا ككل هدايا العباد: دبابة سورية! في تفاصيل مثل هذه، تعبر النطاق الجيو ـ سياسي إلى ذاك العسكري الستراتيجي، المحلي والإقليمي والدولي؛ لا مجال للعبث أو المناورة أو المغافلة، لأنّ العواقب سوف تكون وخيمة لا ريب، ولأنها قد تنقلب على أصحاب الشأن قبل سواهم. وفي كل حال، ليس استنتاجاً خارقاً للعادة ذاك الذي يقول إنّ المصلحة مشتركة، بين واشنطن وموسكو وطهران وتل أبيب؛ ليس في قصف «داعش» أو «جبهة فتح الشام» أو «أحرار الشام»، فحسب؛ بل كذلك فصائل الجيش الحر «المعتدلة»، أينما وحيثما توجّب الحفاظ على المقدار المطلوب من التوازن العسكري بين المعارضة والنظام.
وبصدد تقاطع (بمعنى تطابق وتناغم…) السياسات الإيرانية والإسرائيلية حول الملفّ السوري، ليست جديدة تلك المواقف التي تصدر عن كتّاب ومعلّقين وساسة يهود، وتعلن ـ على نحو صريح تارة، ومبطّن خافٍ طوراً ـ مناصرة نظام بشار الأسد، ومعاداة الانتفاضة الشعبية؛ خشية على دولة إسرائيل إذا سقط النظام الذي كفل صمت السلاح في هضاب وبطاح الجولان طيلة 46 سنة، وقدّم خدمات ثمينة لأمن إسرائيل في لبنان وفلسطين والأردن، ولأمن راعيتها الكبرى الولايات المتحدة، لا سيما في تحالف «حفر الباطن». للمرء أن يستذكر مواقف ألكسندر آدلر، المؤرّخ والصحافي الفرنسي اليهودي المعروف، والكاتب في صحيفة الـ»فيغارو»، والمساهم في مطبوعات ومواقع أخرى يمينية غالباً، محافظة، وشديدة الانحياز لإسرائيل.
بصدد العلاقات الإسرائيلية ـ الإيرانية، والبرنامج النووي الإيراني، يقول آدلر: «لا أعتقد أنّ الإيرانيين أرادوا في أي يوم امتلاك القنبلة النووية لتهديدنا، نحن اليهود؛ وأنّ الهدف في الحقيقة كان بلوغ التفوّق على العالم العربي، والعالم العربي السنّي، في موازاة تجربة الباكستان النووية التي تمّ تمويلها بالكامل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج». ثمّ يربط هذا التقدير بواقع انتفاضات العرب، ومصر تحديداً، فيقول: «إذا سألتني عن جوهر موقفي، أرى أنّ الشعب الإيراني هو الأقرب إلى الشعب اليهودي، وإذا كان ثمة بلد محصّن ضدّ العداء للسامية، فهو إيران (…) واليوم أعتقد أنّ العدو الرئيسي هو تجمّع المتشددين المسلمين السنّة، العرب، القائم على خليط من الناصرية وعقيدة الإخوان المسلمين، والذين ـ انطلاقاً من مصر، التي كانت على الدوام البلد الجدّي الوحيد في المنطقة ـ يوشك على ترتيب محاصرة إسرائيل، والتحضير للهجوم عليها بين يوم وآخر». 
وليست نادرة، بل لعلها الشائعة أكثر، مواقف أمثال آدلر في إسرائيل وأمريكا؛ وكذلك أمثاله في روسيا، مختلطة بنزوعات الفخار القومي والحنين الإمبراطوري القيصري؛ وأمثاله في إيران، ممّن أتقنوا المزج، النفعي، بين المشروع الخميني/ الخامنئي في «تصدير الثورة»، ومشروع التوسع الإقليمي الذي يستلهم جذوراً فارسية صرفة. ومن سماءات إيران، إلى سماءات سوريا، تحت سمع وبصر ـ وبالطبع: ترخيص ـ أمريكا وإسرائيل؛ ثمة هذه الصفقة التي تدفع إلى استذكار محمود درويش: «سقط القناعُ/ عربٌ أطاعوا رومهم/ عربٌ وباعوا روحهم»؛ فكان مآلاً طبيعياً أن يشتري الروس، بعد أن اشترى الفرس، سقط متاع أنظمة الفساد والاستبداد والمزارع العائلية، وتُبّع المذاهب والطوائف والميليشيات، ومجرمي الحرب وقتلة الأطفال!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

كريستال فيديل كاسترو

صبحي حديدي

 

في أيلول (سبتمبر) 1960 وصل إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ممثلاً لبلد حرّ مستقلّ، عضو في الهيئة الأممية. لكنّ أياً من فنادق نيويورك لم يقبل بإيوائه، والوفد المرافق له، بضغط خفيّ من المخابرات المركزية الأمريكية، وضغوطات علنية وهستيرية من وسائل الإعلام. وحين هدد بنصب معسكر خيام قبالة مبنى الأمم المتحدة، والإقامة فيه وكأنه ورفاقه يستأنفون حرب الغوار في الأدغال، رضخت واشنطن وسمحت لفندق «تيريزا» باستقباله.
تلك واحدة من عشرات الأقاصيص المثيرة التي اكتنفت حياة الثائر الكوبي فيديل كاسترو، وتُستعاد اليوم بمناسبة بلوغه سنّ التسعين، يوم 13 آب (أغسطس) الجاري. وحين تقاعد عن العمل السياسي، سنة 2008، كان عملياً ينحني أمام أثقال 82 سنة؛ بينها نصف قرن كامل في قيادة الثورة الكوبية، ومساندة حركات التحرّر في أمريكا اللاتينية، ومقارعة عشرة من رؤساء أمريكا (أيزنهاور، كنيدي، جونسون، نيكسون، فورد، كارتر، ريغان، بوش الأب، كلينتون، وبوش الابن)، إذا استُثني أوباما؛ فضلاً عن موقعة ملحمية أسفرت عن هزيمة نكراء للولايات المتحدة في «خليج الخنازير»، وأزمة بين الجبّارين كادت تشعل أوار الحرب العالمية الثالثة… النووية.
والحال أنّ نظام كاسترو ليس ديمقراطياً، وفق معايير الحدّ الأدنى من أيّ تعريف سليم متفق عليه لمفهوم الديمقراطية، وهو أقرب إلى دبكتاتورية الحزب الواحد والحاكم الأوحد في كلّ ما يخصّ حرّيات كبرى مثل التعبير والصحافة والتظاهر والتعددية الحزبية والقضاء المستقلّ. ولكن إذا أخذ المرء بعين الاعتبار حجم المشكلات الداخلية والخارجية التي جابهتها كوبا، فإن سجلّ النظام يترك انطباعات طيبة، ومدهشة، تحسده عليها الغالبية الساحقة من أنظمة العالم الثالث، خاصة تلك التي سُمّيت ذات يوم «ثورية» أو «تحرّرية» أو «تقدّمية».
وعلى الصعيد الإيديولوجي لم يتضح أبداً أنّ كاسترو خسر الكثير من جرّاء سقوط النظام السوفييتي أو المعسكر الاشتراكي بأسره؛ لأنّ الكاستروية، إذا صحّ هذا التعبير، كانت أصلاً حالة وسيطة بين اللينينية الرومانسية، والماوية الثقافية، والبلانكية المعقلنة، والغيفارية الثورية.
وطيلة عقود من الحصار الأمريكي الذي فرضته واشنطن، وبعض حلفائها، على الجزيرة الصغيرة؛ ظلّ الزعيم الكوبي يضحك في عبّه على مشهدين متناقضين ـ متكاملين: الرأسماليات الغربية، تتسابق على خطب ودّ الصين واختطاف ما يمكن توقيعه من عقود مع اقتصادها، الذي يتنامى مثل تنّين خرافي؛ والرأسماليات ذاتها وهي تتملص من أعباء العلاقة مع روسيا بوريس يلتسين واقتصادها، الذي يترنح مثل «موجيك» خائر القوى، ذهبت الفودكا الرديئة بعقله وجسده!
كذلك لم يكن كاسترو بحاجة إلى كثير من المهارات التكتيكية لكي ينفذ من ثغور المصالح المتضاربة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ولقد استرخى مراراً وهو يتابع فصول الشدّ والجذب بين قرارات الكونغرس الأمريكي المتعنتة في استمرار الحصار، من جهة؛ وعقود الشركات الأوروبية الطامحة إلى الاستثمار في كوبا، من جهة ثانية. في الآن ذاته، كانت إنجازات الثورة الكوبية (محو الأمية، الإصلاح الزراعي، تطوير صناعة السكر، الثورة الثقافية…)؛ قد أعطت الكثير من أُكلها، بمعدّلات لم يكن ينتظرها أعتى خبراء البيت الأبيض والمخابرات المركزية والكونغرس. كذلك كان حجم المبادلات الكوبية مع أوروبا الغربية قد برهن على حيوية عالية، خصوصاً إذا ما قيس بما آلت إليه الاقتصادات الأخرى للدول الاشتراكية سابقاً؛ حيث جرى فرض اقتصاد السوق قسراً، بوحي العقيدة، وليس استناداً إلى أيّ منطق اقتصادي سليم.
وقبل 18 سنة قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة «تاريخية» إلى كوبا، دفعت جيم هوغلاند، أحد ثقاة المعلّقين الأمريكيين، إلى مراهنات قصوى على ذلك الحدث المشهود، بلغت درجة التنبؤ بأنّ البابا سوف يعجّل بسقوط كاسترو. أكثر من ذلك، اختار هوغلاند ذلك التفاؤل الذي لا يمكن أن توفّره إلا أبراج التنجيم، فاعتبر أنّ الحدث أفضل ما يمكن أن تقدمه كرة الكريستال السحرية إلى أولئك الحالمين بسنة جديدة معطاءة! البعض، من خصوم كوبا وأصدقائها على حدّ سواء، رأوا أنّ العكس قد يكون الصحيح، لأنّ الزيارة يمكن أن تنقلب إلى مسمار جديد يُدقّ في نعش الحصار الأمريكي المفروض على الجزيرة الصغيرة منذ نحو أربعة عقود. ولقد جادل هؤلاء بأنّ هذا البابا تحديداً يعرف أنّ المجيء إلى الجزيرة على رأس جيش إيماني لن يصطدم بالجيوش الماركسية ـ اللينينية وحدها؛ بل بجيوش عشرات العقائد الإيمانية الأخرى التي تتعايش في الجزيرة، وتبدأ من الوثنية والتقمّص والشامانية والـ «فودو» الأسود، ولا تنتهي عند تنويعات البروتستانتية واليسوعية و»اللاهوت الثوري» الذي اشتهرت به أمريكا اللاتينية.
وبصرف النظر عن اختلاف المرء، في الجوهر أيضاً، مع النظام السياسي الذي خلّفه كاسترو؛ وحقيقة أنّ العلاقات الأمريكية ـ الكوبية تبدّلت جذرياً، ومعها كُسر الحصار؛ فإنّ من المبهج للمرء ذاته أن يقول: لا عزاء لأمثال هوغلاند وسائر الشاخصين إلى كرات الكريستال، وعيد ميلاد سعيد لهذا الشيخ الثوري المتقاعد.

صبحي حديدي

(القدس العربي)
 

 

 

عصر اللايقين:

كلاب من قش

ومقامرات مفتوحة

صبحي حديدي

 

«مرحباً بكم في عصر اللايقين»، يقول عنوان مقال مسهب نشرته صحيفة الـ»غارديان» البريطانية لأحد كتّابها المخضرمين، ستوارت جيفريز؛ المختصّ بوسائل الإعلام الجماهيرية والتلفزة والثقافة الشعبية، إلى جانب مساهماته في أعمدة الرأي. وهذا العصر، الذي نُرحّب بالعيش فيه، يتيح للارتياب أن يجبّ الثقة، ليس بمعنى الشكّ الفلسفي الديكارتي، بل قياساً على أسئلة حائرة لا تجد لها إجابات شافية. مثل هذه، على سبيل النماذج التي اختارها جيفريز نفسه: هل سيقع الـBrexit حقاً، فتغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي؟ هل يمكن أن يفوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية؟ هل وظيفتي مضمونة البقاء؟ ألا يبدو المستقبل غامضاً بعيداً عن التكهن؟ هل هنالك وسيلة لتفادي هذا الخوف، والقلق، والشلل؟ 
وإذْ يقتبس جيفريز أفكار مواطنه الفيلسوف جون غراي، وتحديداً كتابه الأشهر ربما، «كلاب من قشّ: أفكار حول بني البشر وحيوانات أخرى»؛ فإنه، للغرابة، يسوق أفكار الكتاب على سبيل ثقة غراي بالمستقبل، حتى إذا كان ذلك المستقبل يمكن أن يقلب حسابات توفير المواطنين إلى ما يشبه المقامرة المفتوحة. لكنّ الكتاب كان قد أثار الكثير من اللغط بالطبع (وهذا لم يكن جديداً على كتابات غراي)، ولكنه هذه المرة خلّف مزيجاً من الذعر والذهول والاستغراب والاستنكار في آن معاً. وكيف لا يفعل، والكتاب يقول إنّ الإنسان، كما يفيد العنوان، لم يعد مختلفاً كثيراً عن الحيوان، أو بات يشبهه في جانب مركزي واحد على الأقل: أنه لم يعد يحتلّ مركز الصدارة في ترتيب عناصر الكون! محاججة غراي الأساسية، خلف هذه الفرضية التي تبعث على القشعريرة، بالغة البساطة مع ذلك: التراث اليهودي ـ المسيحي، وهو الفلسفة الإجمالية التي يرتكز إليها وجدان الغرب أسوة بعقل الغرب، كان يُفرِد الإنسان عن الحيوان في مواهب كبرى، مثل الإيمان والاختيار والعقل واللغة والإبداع؛ الأمر الذي لا يتراجع اليوم، أو ينحطّ أو ينعدم، عند بني البشر، فحسب؛ بل هو ينقلب إلى «حيوانية» صريحة صارخة، مجانية مدمّرة، أين منها سلوك الحيوان!
يكتب غراي: «على الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء أن ينبذوا إلحاحهم على مركزية الإنسان واستقلالية عقله، لأنّ المدينة باتت أشبه بقفير النحل، والإنترنت باتت تشبه اسمها تماماً: شبكة العنكبوت!». وأمّا أفكاره الأخرى فتقول التالي، على سبيل الأمثلة: صحيح أنّ الأنظمة الشيوعية فشلت، وحاول اقتصاد السوق فرض نموذجه الطوباوي الخاصّ على البشرية جمعاء؛ لكنّ ما جرى في أمريكا يوم 11/9/2001 ينبغي أن يؤذن بنهاية تلك الحملة الصليبية. لماذا؟ لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول نهاية التاريخ، وصعود الليبرالية التجارية في سياق مدّ لا تقاومه أمّة، أو سوق، أو ثقافة، أو فلسفة…)؛ اهتزّ من جذوره أمام مشهد انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، تماماً كما تنهار قصور الكرتون، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة.
لكن جيفريز يذهب إلى شخصية غربية أخرى مارست تأثيراً بالغاً في الحياة السياسية ـ الاقتصادية الأوروبية المعاصرة: جون كنيث غالبريث، الاقتصادي الكبير والشهير، الذي كان ـ إلى جانب مؤلفاته الكثيرة اللامعة ـ قد أنتج، في عام 1977 لصالح الـ
BBC، مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «عصر اللايقين»، ذاع صيته في أربع رياح الأرض. وفي موازاة «اليقينيات الكبرى في الفكر الاقتصادي خلال القرن الماضي»، أقام غالبريث تضاداً مباشراً مع «اللايقين الكبير الذي تُواجَه به المشكلات في عصرنا». هنا أيضاً، وكما فعل في مثال غراي، يغضّ جيفريز النظر عن سلسلة من «اليقينيات» التي ارتبطت بالاقتصاد الرأسمالي، وبالفلسفة الليبرالية ذاتها التي يدافع عنها غالبريث.
ففي معظم أطراف المعسكر الرأسمالي المعاصر (إذْ لا يزال يستحقّ صفة «المعسكر»، حتى بعد غياب المعسكر الاشتراكي النقيض)، في فرنسا كما في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان؛ تتابع أخلاقيات السوق العيش وفق قواعد «ثقافة الرضا»، حسب تعبير غالبريث. إنها جسم إيديولوجي اجتماعي ـ اقتصادي يلبس لبوس الديمقراطية (حين لا تكون هذه خيار مجموع المواطنين، بل أداة أولئك الذين يقصدون صناديق الاقتراع دفاعاً عن امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية)؛ وتفرز أجهزة حكم لا تنطلق في تطبيقاتها السياسية من مبدأ التلاؤم مع الواقع والحاجة العامة، بل من طمأنة الخلايا الدقيقة المنعَمة والراضية، التي تصنع الأغلبية الناخبة. والفكر الاجتماعي الرسمي، من حول هذه الثقافة، لا يلحّ على قضية أخرى قدر إلحاحه على الطبقة، أو بالأحرى على غياب مفهوم الطبقات. وبدلاً من هذا التوصيف الكابوسي الذي يرجّع أصداء الماضي، يلجأ ذلك الفكر إلى البلاغة فيتحدث في أمريكا عن «الطبقة السفلى
Underclass، وفي فرنسا عن الذين «بلا عنوان دائم» SDF، وفي بريطانيا عن «المشردين» Homeless. لكن المحتوى في جميع الأحوال يصف ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، ويصف طبقات جديدة، وأخرى عتيقة.
الموقف من الزمن التاريخي (أي ذاك الذي يرتد إلى الماضي من المستقبل، مروراً بالحاضر) هو إحدى السمات المكوّنة في لاهوت ثقافة الرضا، كما وصّفها غالبريث. إنها لا تنكر التأزّم (حيث يتعذر الإنكار)، لكنها تسعى إلى تأجيل الفعل اللازم لحله، وتنحي جانباً كل ما يثير الاضطراب: مظاهرات، إضرابات، نتائج انتخابية تقلب المعادلات الراسخة رأساً على عقب… واليوم، بعد مرور عقود على النظريات التي تبشّر ببزوغ فجر الرأسمالية واقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد، ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية؛ الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي يتذكّر المرء نبوءة كارل ماركس الرهيبة حول برجوازية لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!
في المقابل، يتحاشى جيفريز تناول موضوع ذي صلة مباشرة بحال اللايقين، خاصة في تلك الهوامش المتقاطعة بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتكنولوجيا والعولمة والثقافة؛ أي فلسفة «السبيل الثالث»، الذي تتغنى به بعض القوى والأحزاب الاشتراكية التقليدية في أوروبا، من طراز حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي، وبعض تيارات الخضر. والحال أنّ السبيل الثالث هذا هو خطّ الوسط القديم ـ الجديد، دون سواه: خطّ الوقوف عند نقطة متساوية بين أقصَيَين، وخطّ التوسّط بين اليسار واليمين في عبارة أوضح. ومنذ أن دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى «سبيل ثالث» بين الاشتراكية والرأسمالية في نهاية القرن التاسع عشر، كان المصطلح يصعد هنا وهناك في الثقافة السياسية الغربية، وكلما اقتضى الأمر هذا أو ذاك من أشكال التصالح أو التحالف أو المساومة. وكان غالبريث، نفسه أيضاً، قد رفض هذا السبيل، وأعلن صراحة عجزه عن فهم طبيعته الملموسة: «هل يُراد منه احتلال موقع وسيط بين الصحيح والخاطئ؟ وفي الأساس، ما السبيل الأوّل والسبيل الثاني اللذان يُفترض في السبيل الثالث أن يتجاوزهما أو يتخلص منهما»؟
«نشرب لكي نخمد أسباب قلقنا، ولكي نُخرس ـ لساعات قليلة ـ الشكوك الملحاحة التي تتملكنا باستمرار»، يختم جيفريز مقالته المسهبة؛ التي ـ وإنْ تقصدت غضّ النظر عن عوالمنا، نحن، حيث تتحالف تكنولوجيا القوى العظمى مع رثاثة البراميل المتفجرة، في الفتك بمواطنينا ـ تظلّ، مع ذلك، راهنة مرتبطة بما يجري عندنا. مأساة اليقين هنا تفجّر مقامرة اللايقين هناك، سواء بسواء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

نتنياهو ملك أفريقيا:

حطام إرث عبد الناصر

صبحي حديدي

 

حتى الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لم يُمنح نعمة ـ وامتياز، في نهاية المطاف ـ الإطلال على حيوانات حديقة القصر الرئاسي الأثيوبي، في أديس أبابا؛ على نقيض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي أطلّ على الحديقة، صحبة الرئيس الأثيوبي مولاتو تيشومي، ومتّع ناظريه بالمشهد، فتذكّر التوراة وأنشد، من سفر صموئيل الثاني: «أخفّ من النسور وأشدّ من الأسود». لم يكن يوناثان التوراتي هو وحده الذي في ذهن نتنياهو، بل لقد استرجع، أيضاً، يوناثان؛ شقيقه الذي قُتل في عملية عنتيبي الشهيرة، قبل 40 سنة. «نعود إلى أفريقيا، وأفريقيا تعود إلينا»، هتف «بيبي الملك/ الأسد» كما لقبه بعض منافقي أفريقيا وإسرائيل.
والحال أنّ هذه «العودة» ليست متبادَلة تماماً، أو هي ليست متكافئة من حيث انفتاح فريق على فريق، أو على الأقلّ مئات الملايين من الدولارات التي تنوي إسرائيل استثمارها في أفريقيا. وعلى سبيل المثال، شتان بين مجيء الرئيس الأثيوبي إلى المملكة العربية السعودية للعلاج، قبل أسابيع؛ ووقوفه، قبل أيام، مع نتنياهو لتوقيع اتفاقيات تعاون دسمة، على بساط أحمر عتيق، يحمل نجمة داود السداسية، وعليه يربض الأسد الأثيوبي العتيق بدوره. وبهذا المعنى فإنّ مسار «العودة» هذا انطوى على ثلاث محطات: إسرائيل الوليدة، بعد 1948، كمثال يُحتذى في دول أفريقيا الساعية إلى التحرر من الاستعمار؛ ثمّ إسرائيل 1967، كقوّة استعمارية واستيطانية، ومخفر متقدّم للإمبريالية العالمية؛ وأخيراً، إسرائيل ما بعد اتفاقيات كامب دافيد، ومؤتمر مدريد، واتفاقيات أوسلو، حيث لا يجوز للعرب أن يحرموا الأصدقاء الأفارقة مما يمارسونه هم أنفسهم من تطبيع مع إسرائيل.
ولعلّ من المفيد العودة إلى برهتَين سابقتين في العلاقات العربية ـ الأفريقية: الأولى كاريكاتورية، مثّلها دكتاتور ليبيا القتيل معمر القذافي؛ والثانية مجيدة، كان صانعها الزعيم المصري ـ العربي، ولكن الأفريقي أيضاَ، جمال عبد الناصر. وفي وقفة ـ وجيزة فقط، لاعتبارات عديدة ـ عند الأول؛ يستعيد المرء خطبة العقيد العتيد في افتتاح أعمال القمة العاشرة لمجموعة دول الساحل والصحراء، أو «سين صاد» كما أجاز لنفسه القول، في كوتونو عاصمة بينين، 2008: «آسيا هذه قارة أخرى مطلة على البحر المتوسط من ناحية الغرب، لكن فيها صراعات ومشاكل بين الأكراد والأتراك، وبين الفلسطينيين وإسرائيل، واللبنانيين والسوريين والأردنيين، وهذه المنطقة شائكة، ولا تتفاهم إلا بالصواريخ وبالقصف وبالقتل، وهذه منطقة غير مؤهلة أن نجلس معها في البحر المتوسط». وأضاف، وكأنّه صديق صدوق ناصح للأوروبيين: «هذه آسيا، وإذا أنتم الأوروبيين تحبون أن تتعاملوا مع هذا الجانب، أنتم أحرار تعاملوا معهم وحدكم، لكننا لا ندخل معكم بهذه ‘الطبيخة’ في آسيا»!
ورغم تغنّي القذافي بخرائط أخرى لإمبراطورية الأغالبة والإمبراطورية القرطاجية والعثمانية والفاطمية، حسب ترتيبه، ورأى أنها أفريقية نظيرة للخرائط الاستعمارية الغربية، وجعلت صقلية ورودس ومالطا ومرسيليا وكورسيكا وسردينا ولامبيدوزا وفنتالاريا وإسبانيا تابعيات عربية (أو «تبعنا» كما عبّر العقيد)؛ فإنّ «الطبيخة» الأفضل في نظره هي صيغة «سين صاد»، أي اتحاد الساحل والصحراء بوصفه الوحيد الذي يتيح للدول الأفريقية أن تكون «جزءاً من فضاء كبير، يضم سوقاً استهلاكية كبيرة، وسوقاً إنتاجية كبيرة، وعملة واحدة، وتأشيرة واحدة، ونظماً أمنية واحدة، وأخرى دفاعية واحدة، فضلاً عن موقف تفاوضي واحد».
في المقابل كان ملهِم العقيد،، جمال عبد الناصر، مصرياً أوّلاً، ثمّ عربياً، ومسلماً، وأفريقياً؛ وذاك ترتيب برهنت السنوات، والوقائع/ العواصف العاتية، أنه كان مربّع تفكير الرجل وسلوكه وخياراته، وطنياً وإقليمياً وعالمياً. وفي كتابه «فلسفة الثورة» اعتبر أنّ مصر هي المركز في ثلاث حلقات: العالم العربي، والعالم المسلم، والقارّة الأفريقية، وقال ما معناه: لا نستطيع، بأية طريقة وحتى لو رغبنا، أن نقف جانباً وبعيداً عن الصراع الدامي والرهيب الذي يندلع الآن في قلب القارّة، بين خمسة ملايين أبيض ومائتي مليون أسود. ولا نستطيع القيام بذلك استناداً إلى مبدأ واحد ولسبب واضح: أننا، نحن أنفسنا، في قلب أفريقيا. ذلك الإعراب عن الانتماء إلى أفريقيا كان نقلة جديدة بعيداً عن قول الخديوي إسماعيل، في عام 1870، إن مصر «لا تقع في أفريقيا، بل في أوروبا». واليوم، في غمرة ما تشهده القارّة من مخاضات وتحوّلات وحروب ومجاعات (وكذلك في ضوء جولة نتنياهو الأخيرة)؛ من الإنصاف البسيط أن يسجّل المرء لعبد الناصر أنه أدخل مصر، والشطر العربي الشمالي من أفريقيا إلى القارّة، و»اكتشف» الطاقة السياسية الكامنة في هذا الانتماء.
ذلك لأنّ مسألة الانتماء هذه ليست بالبساطة التي تبدو عليها، ولقد مضى، دون أن تنطوي فصوله تماماً، نقاش عميق حول طبيعة الهوية الأفريقية لمصر بالذات، ولبلدان شمال أفريقيا إجمالاً. وليس خافياً أنّ هذا النقاش اتخذ أحياناً صيغة متوترة حين شارك فيه منظّرون أفارقة من أمثال النيجيري أوبافيمي أوولو، الذي طوّر نقداً شديداً لمفاهيم عبد الناصر حول الشطر الأفريقي من الهوية المصرية، وكتب يقول: «إن الجمهورية العربية المتحدة، المخلوق الأثير عند عبد الناصر، والتي تضع قدماً في أفريقيا وأخرى في الشرق الأوسط الآسيوي، هي النقيض الصريح لفكرة الوحدة الأفريقية». وفي كتابه الممتاز «نحو سلام أفريقي»، الذي يبحث آفاق تحالف أفريقي حضاري وستراتيجي على طراز السلام الروماني والسلام البريطاني، ناقش الباحث الكيني المرموق علي مزروعي إشكالات هذا الانتماء، وكيف يبدو عميقاً وملموساً في غرب وجنوب الصحراء الكبرى أكثر منه في شمالها، حيث الميول العربية ترجّح الانتماء إلى آسيا والمشرق العربي والإسلامي.
خلاصات النقاش كانت تنبثق من اعتراف ضمني بأنّ مصر هي الأقلّ «أفريقيةً» بين بلدان شمال أفريقيا، بسبب التاريخ الفرعوني، والفتح الإسلامي، والتأثيرات الغربية والانخراط في مشكلات المشرق العربي أكثر من مشكلات القارّة. ولكنّ مصر في عهد عبد الناصر تحوّلت، في الآن ذاته، إلى أكثر دول شمال أفريقيا دفاعاً عن مفهوم الجامعة الأفريقية، ومن هنا جانب البراعة والعمق في تحليل عبد الناصر للمعطيات الجيو ـ سياسية والثقافية والتاريخية لموقع مصر على حدود التقاء آسيا بأفريقيا. وكان الراحل، وهو أوّل زعيم مصري يحكم مصر منذ عهود الفراعنة، قد ألزم بلاده بمبدأ «نحن في أفريقيا»، تماماً كما التزم به زعيم بارز مثل الغاني كوامي نكروما، رغم ملابسات هذه المقارنة.
وانحياز عبد الناصر إلى الهوية الأفريقية كان قد اتخذ أشكالاً إجرائية مباشرة وملموسة، مثل إعطاء المُنَح الدراسية للطلاب الأفارقة، وجعل العاصمة المصرية ملاذاً دائماً لنشاطاتهم، وتحويل إذاعة القاهرة إلى منبر مناهض للاستعمار والقوى الرجعية في القارّة والعالم العربي، والمشاركة النشطة في المداولات والمؤتمرات والمفاوضات حول مستقبل الدول الأفريقية، وفي تعميق الصلة مع المراكز والتجمعات المسلمة في مختلف أرجاء أفريقيا. ومن المفارقة أنه لا العرب ولا الأفارقة كانوا أوّل مَنْ أدرك طبيعة الترابط الجدلي والوثيق بين الشرق الأوسط وأفريقيا، بل كانت القوى الإمبريالية الأوروبية هي السبّاقة إلى ذلك الإدراك الحاسم؛ وعلى منوالها سارت أبكر السياسات الإسرائيلية.
وليست جولة نتنياهو في سبع دول أفريقية سوى الواقعة الأحدث، في سجلّ إسرائيلي حافل، لم يستهدف ربط القارّة مع إسرائيل بوصفها أفضل البوّابات إلى أمريكا، والغرب عموماً، فحسب؛ بل كذلك لتقويض ذلك التراث الفريد، والمجيد، الذي صنعه عبد الناصر.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

 

هل تملك داعش

«سياسة خارجية»؟

صبحي حديدي

رغم أن داعش اختارت لنفسها تسمية تقصر الانتشار الجغرافي لـ«الدولة الإسلامية» على العراق والشام، واستقرّ مقدار كبير من وجودها العسكري، ضمن صيغة «التمدد» الشهيرة، على هذين البلدين بالفعل؛ إلا أنّ مفهوم «الخلافة»، أياً كانت عناصر الزيف والتزييف التي تكتنفه، لم يكن لينحصر في أية بقعة أو بلد أو حدود أو جغرافيا. في المنطوق الجهادي البسيط أو التبسيطي، إذا وضع المرء اعتبارات المنطوق السياسي الدنيوي أو الذرائعي جانباً، فإنّ أرض الخلافة هي امتداد المعمورة بأسرها، في أربع رياح الأرض!
وبهذا المعنى فإنّ فرضية وجود «سياسة خارجية» للتنظيم أخذت تترسخ شيئاً فشيئاً، وباتت ملامحها العامة تتضح أكثر فأكثر، منذ أن غادرت داعش النطاقَين الابتدائيين، في العراق وسوريا؛ أو بالأحرى منذ أن انتقل التنظيم من ساحته الأولى، العراقية، ومن نواته التأسيسية هناك، إلى بنية تنظيمية وعقائدية مكّنته من احتلال موقع المحور الفاعل والرئيسي في التنظيمات الجهادية المشرقية. وعلى نحو أشدّ مغزى: منذ أن تحوّل التنظيم إلى منافس للحاضنة الأمّ، منظمة «القاعدة»، أعلى جاذبية منها لجهة التجنيد والتنسيب، وأفضل استثماراً لمشاعر السخط والاحتجاج والرفض، ومزيج الهستيريا والاستيهام، لدى الشباب المسلم على مستويات كونية.
ولعلّ من المتفق عليه، أو هكذا تبدو الحال اليوم عملياً، أنّ تلك «السياسة الخارجية» تنهض على ثلاث ركائز؛ تضم، في الآن ذاته، بعض عناصر «السياسية الداخلية»، إذا جاز القول هكذا. الركيزة الأولى هي زرع الخلايا في دول الجوار، خارج العراق والشام، كما في لبنان والأردن والسعودية واليمن وتركيا؛ والبعض لا يتورع عن الإشارة إلى الضفة الغربية وغزّة وسائر فلسطين! وهذا خيار لا يقتصر على الصفة الكلاسيكية لتلك الخلايا، في أنها تظل «نائمة» حتى ساعة استفاقة، لتنفيذ عملية ما مباغتة؛ وإنما يتسع ويتشعب ليشمل وظائف الدعوة والتبشير والتجنيد والتعبئة، فضلاً عن الأنشطة الاستثمارية التي تسند «بيت مال» التنظيم (ثمة تقارير جادّة عن قرابة 20 مليون دولار تكسبها «الدولة»، شهرياً، من عمليات المضاربة بالعملات والأسهم).
الركيزة الثانية هي التمدد، حتى دون الاضطرار إلى الإعلان، أبعد من جغرافية التسمية الأصلية، العراقية/ الشامية؛ ليس إلى دول الجوار بالضرورة، لأنّ مبدأ الخلايا يتكفل بهذا، بل إلى ميادين مثل ليبيا وصحراء سيناء، الأمر الذي يوفّر ساحة انتشار وحشد، من جهة أولى؛ كما يؤمّن قاعدة تمركز احتياطية إذا اضطرّ التنظيم إلى تقليص وجوده العسكري في العراق والشام، من جهة ثانية. وليس خافياً أنّ هذه الميادين تتكفل بتخفيف الضغط العسكري عن «الدولة»، في الجبهات التي تشهد قتالاً عسكرياً نظامياً، وتخضع لعمليات قصف جوي مكثفة؛ لكنها أيضاً تمنح التنظيم، في المقابل، فرصة إضافية لاستقطاب المزيد من المتطوعين، وإشعال أنماط أخرى من الاحتجاج ضمن سردية الاستهداف العالمي لـ»الخلافة».
الركيزة الثالثة هي تنويع على مبدأ زرع الخلايا، ولكن في النطاق العالمي هذه المرّة، خاصة في الغرب، حيث الآلاف من المتطوعين المنتسبين إلى «الدولة»، والذين يمكن أن يعودوا من ساحاتها الجهادية الخارجية، في العراق والشام تحديداً، لتنفيذ أعمال إرهابية في بلدانهم الأصلية. وليس خافياً حجم التأثير المعنوي، ثمّ السياسي والأمني، الذي تسفر عنه مثل تلك الأعمال الإرهابية؛ وكيف تُحسن «الدولة» استثمار ما تخلّفه من مناخات، سواء لجهة ترهيب الناس أم اجتذاب الأنصار.
ويبقى أنّ عماد هذه «السياسة الخارجية» لا يعتمد على أية سياسة، بأي معنى مألوف للمفردة؛ بقدر ما ينتهج إراقة الدماء والإرهاب المحض والترهيب العشوائي الأعمى، بصرف النظر عن الهدف: الكرادة في بغداد، مثل مطار في اسطنبول؛ ومطعم في دكا، مثل مسجد في المدينة المنورة!

(القدس العربي)

 

بعيداً عن باريس وإسطنبول:

إرهاب واشنطن في كولومبيا

صبحي حديدي

 

قد يكون مفيداً فتح ملفات أخرى حول الإرهاب، تتجاوز المألوف «الإسلامي ـ الجهادي» عموماً، و«القاعدي» و«الداعشي» خصوصاً… وذلك لأسباب عديدة؛ بينها تحريض العقول الراكدة على النظر أبعد من أرنبة الأنف، والتفكير أقرب إلى الحال المركبة للواقع الفعلي ـ وهكذا، إذْ يضرب الإرهاب في اسطنبول، بعد أن ضرب في باريس وبروكسيل؛ يصبح مشروعاً الانتقال إلى إرهاب الدول، وليس الجماعات والمنظمات وحدها، كما في استخدام القاذفات الروسية أسلحة محرّمة دولياً، ضدّ الإنسان والعمران، والمشافي والأسواق والمخابز. أو إرهاب الولايات المتحدة، في أنماطه الكثيرة والمتغايرة؛ من القصف العشوائي، إلى الاغتيال بالطائرات الذكية…
ثمة، إلى هذا، تطوّر وقع مؤخراً، في بلد بعيد عن الشرق الأوسط وحواضن الإرهاب «الإسلامي ـ الجهادي»؛ سمته المميزة الأخرى أنه يلملم الجراح ولا ينكأها، ويدشن ميدان مصالحة وطنية بدل إشعال ساحة نزاع واحتراب، بعد خمسة عقود ونيف من الحرب الأهلية الدامية، سقط خلالها ربع مليون ضحية، وشُرّد الملايين. هذا البلد هو كولومبيا، الذي شهد ـ في العاصمة الكوبية هافانا، برعاية إضافية من فنزويلا وتشيلي، فضلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة ـ توقيع اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال القتالية، بين الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، ورودريغو لوندونو زعيم «جبهة القوات المسلحة الثورية الكولومبية» اليسارية، الـ»فارك». والاتفاق يتضمن تفاصيل إلقاء السلاح بالنسبة إلى قرابة سبعة آلاف مقاتل في صفوف الـ»فارك»، والضمانات الأمنية التي ستوفّر لهم عند بلوغ المصالحة الوطنية النهائية.
تطور بهيج بالطبع، لا يخلو مع ذلك من طرافة سوداء: مشاركة برنارد أرونسون، الدبلوماسي المخضرم ومبعوث البيت الأبيض، في مراسم التوقيع؛ وكأنّ إدارة باراك أوباما تريد التأكيد على أنّ سياسات واشنطن بخصوص كولومبيا لم تكن سليمة وحصيفة فقط، بل هي جديرة بالتكريم في هذا اليوم الكولومبي الأغرّ أيضاً! وما دام أرونسون يختزل في شخصه، عبر عقود من التخصص في شؤون أمريكا اللاتينية منذ 1977، روح سياسات جيمي كارتر وجورج بوش الأب وبيل كلنتون، معاً، في علاج الحرب الأهلية الكولومبية؛ فإنّ إرساله اليوم إلى كوبا هو أقرب إلى بصمة أوباما على وثائق الاتفاق!
وفي الماضي لم يكن أي تقرير عن كولومبيا، يصدره معهد «راند» الأمريكي المختصّ بأبحاث «الدفاع الوطني»، يخلو من تفاصيل مذهلة حول تهريب السلاح والاتجار به استيراداً وتصديراً؛ في بلد تقول أكثر الإحصائيات تفاؤلاً إنّ نسبة الجريمة فيه هي الأعلى في العالم. غير أنّ هذه الحقيقة، أي العلاقة بين تجارة السلاح وارتفاع معدّل الجريمة، لم تكن مدعاة ذهول أكثر من الحقيقة الأخرى التالية: أنّ معظم هذا السلاح يأتي من مصدر واحد هو ما يُسمّى «مستودعات الحرب الباردة»، أي تلك الكميات الهائلة من الأسلحة التي سبق أن خزّنتها الولايات المتحدة في بلدان أمريكية ـ لاتينية، مثل الهوندوراس والسلفادور ونيكاراغوا.
ليس هذا فحسب، بل إنّ الوجود العسكري الأمريكي الثابت في كولومبيا يُراد منه، كما يُقال لأهل البلد وللعالم بأسره، محاربة هذه الظواهر الباعثة على العنف تحديداً. ولقد تكفلت معونات أمريكية بقيمة 3.5 مليار دولار، فضلاً عن مئات العسكريين الأمريكيين، بنقل كولومبيا إلى المرتبة الثالثة في ترتيب الدول التي تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية على نطاق العالم! وبالطبع، ليس من جديد في القول إنّ الهدف الرئيسي للوجود العسكري الأمريكي هناك إنما ينحصر في حماية خطّ أنابيب البترول التابع لشركة «أوكسدنتال بتروليوم»، في قلب منطقة أروكا النفطية.
في الآن ذاته، ظلت إدارات البيت الأبيض المتعاقبة تغفل الإشارة، حتى على استحياء، إلى «أعمال القتل غير المشروعة» وحالات «الاختفاء القسري»، التي تُعزى إلى قوّات الأمن الكولومبية، وتعجّ بها تقارير منظمات حقوق الإنسان. وهذه الانتهاكات لا تُعدّ بالعشرات أو بالمئات، بل بالآلاف وعشرات الآلاف؛ وهي تشمل وجوه المعارضة الديمقراطية السلمية، وليست تلك المسلحة التي تخوض حرب عصابات، فضلاً عن ممثّلي النقابات في ميدان أشغال النفط تحديداً، وبعض أبرز وجوه المجتمع المدني الكولومبي. وإذْ ظلّ البلد يشهد حرباً أهلية طاحنة، ينخرط فيها عشرات الآلاف من أعضاء الميليشيات يميناً ويساراً؛ فإنّ البيت الأبيض، وبصرف النظر عن هوية شاغله الأوّل، وما إذا كان جمهورياً أم ديمقراطياً، ظلّ يختزل هذا كلّه إلى مجرّد حرب أمريكية ضدّ المخدرات.
والاختزال ينطوي، بالطبع، على طمس الحقائق السياسية والاجتماعية وراء هذه الحرب الأهلية؛ وكيف أنّ بعض الجوهريّ الأهمّ فيها كان مصادرة أراضي مئات الآلاف من الفلاحين، وطردهم من مئات القرى على امتداد ثلاثة عقود، الأمر الذي أطلق شرارة العصيان الشعبي الذي تتزعمه اليوم الـ»فارك». ورغم أنّ هذه الجبهة سيطرت على مساحات شاسعة واسعة من الأراضي الوطنية، فإنّ الولايات المتحدة تصرّ على اختزالها إلى «عصابة مخدّرات»، وتضع أمر تصفيتها على قدم المساواة مع محاربة عصابات المخدرات الحقيقية.
الحقيقة، رغم ذلك، تشير إلى أنّ الزمرة العسكرية المهيمنة على المؤسسات الديمقراطية الشكلية هي التي تسهّل زراعة المخدرات، وتصنيعها وتجارتها؛ لأنها شريكة مباشرة في الـ»بزنس»، بل هي الشريك الأوّل الذي لا غنى عنه. وفي عام 1998، لتقديم مثال مضحكٍ ـ مبكٍ، هبطت طائرة رئيس أركان سلاح الجوّ الكولومبي في مطار ميامي، وشاءت الصدفة وحدها أن تُكتشف على متن الطائرة الرسمية كمية من الكوكايين لا تقلّ عن… نصف طن!
المدهش أكثر أنّ الرئيس الكولومبي الأسبق أندريس باسترانا سارع، فور انتخابه، إلى فتح حوار مع الـ»فارك»، رافضاً التصنيف الأمريكي الذي يضعها في خانة عصابة مخدرات، ومعتبراً أنها حركة ثورية ذات مطالب سياسية واجتماعية. ومَن الذي فرمل حوار الرئيس؟ الولايات المتحدة وحدها، سواء عن طريق الضغط المباشر على الرئيس، أو عن طريق تحريض الطغــمة العسكرية على تصعيد العمليات العسكرية ضد الـ»فارك» بالتزامن مع إطلاق مفاوضات السلام بين السلطة والجبهة؛ أو ــ أخيراً ــ عن طريق الزيادة الدراماتيكية في حجم ونوعية المساعدات العسكرية الأمريكية، ورفع تلك المساعدات إلى مستوى التدخل العسكري.
وفي الآن ذاك، حين كانت الدوائر الأمنية الأمريكية تسعى إلى تفخيخ حوار باسترانا مع المعارضة الثورية، كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون يزور البلاد بهدف دعم الرئيس الكولومبي في «المعركة التي يخوضها من أجل تثبيت دعائم الحكم الديمقراطي»! الزيارة، مع ذلك، اقترنت بتقديم مساعدات أمريكية بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي (الرقم الثالث لأعلى مساعدات أمريكية خارجية، بعد إسرائيل ومصر)؛ تأخذ في الجوهر شكل معدّات عسكرية، ولا علاقة لها بالتنمية أو التطوير الاقتصادي والاجتماعي.
أليس إعلان الولايات المتحدة الحرب على الـ»فارك» يعني «اصطفاف البيت الأبيض مع الطغمة العسكرية، المتورطة تماماً في تجارة السموم، والمتحالفة مع ــ والساكتة عن ــ ميليشيات اليمين التي تمارس الإرهاب والمذابح البربرية كلّ يوم؟»؛ تساءل روبرت وايت، السفير الأمريكي المتقاعد الذي عمل في السلفادور والباراغواي.
بالطبع، وهكذا ستبقى الحال في كلّ ملفّ تباشره واشنطن بروحية الاختزال، ولا يراه البعض إلا عبر أرنبة أنف تبصر باريس وبروكسيل واسطنبول، وتنحسر عن إرهاب القوى العظمى؛ في حلب، كما في بوغوتا!

 

 

خصوم «داعش»:

كلّ يغنّي على ليلاه!

صبحي حديدي

 

ما خلا أنصار «الخليفة» البغدادي، لن يحزن الكثيرون إذا انتُزعت بلدة منبج من سيطرة «داعش»؛ وهذه خلاصة قد تسري، وإنْ بدرجات متفاوتة من الحماس الشعبي والإشكالية السياسية ـ العسكرية، على كلّ المناطق التي يحتلها تنظيم «الدولة». فإلى جانب ممارسات «التوحش» التي باتت سمة كبرى لصيقة في علاقة التنظيم مع الأهالي، مقترنة كذلك بفرض طراز غليظ شائه مشوّه من تأويل أحكام «الشريعة»؛ فإنّ سكان مناطق «داعش» باتوا ضحايا تقاطع النيران من كلّ حدب وصوب، وصار تحريرهم من احتلال التنظيم يرقى إلى سمة أولى جوهرية، هي الخلاص من أحد مصادر النار ومسببات الدمار، أياً كانت هوية «المحرر».
بيد أن هذه الخلاصة، الصحيحة من حيث المبدأ، لا تكفي في ذاتها لتغطية واقع الحال على الأرض، بمعنى ذرائعي أوّل يقول بأن إسقاط «داعش» في مناطق سيطرتها غاية جديرة بتبرير كلّ التعقيدات الأخرى، اللاحقة، التي لن تكون أقلّ من عواقب سياسية واجتماعية، والبعض يتحدث عن عوامل اقتصادية أيضاً، تصيب حياة السكان أكثر من إصابة «داعش» ومقاتليها وأنصارها. في صدر تلك العواقب تأتي حقيقة الاشتباك المحلي، السياسي والإثني والأخلاقي بادئ ذي بدء، بين القوى التي تقاتل «داعش»: «قوات سوريا الديمقراطية»، بتركيبها الديمغرافي الغائم بين الكرد والعرب، والذي يعبّر عن التنافر والتنافس أكثر من الانسجام والوئام؛ ثمّ وحدات «الجيش السوري الحرّ»، التي تُركت في العراء شهوراً طويلة حتى استفاقت واشنطن على ضرورة مدّها، جوّاً، ببعض الذخائر؛ ثمّ ما تبقى من جيش النظام السوري في محيط الرقة وحلب، ومقــاتلي «حزب الله» والميليشيات المختلفة ذات الانتماء المذهبي.
وليس أقلّ عاقبة ذلك الاشتباك الآخر، الجيو ـ سياسي، الإقليمي والدولي هذه المرّة؛ الذي يزجّ بالولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، فضلاً عن عمليات التحالف الدولي الجوية، والعمليات البرية التي تقوم بها وحدات خاصة بريطانية؛ في أتون سلسلة من معارك الكرّ والفرّ مع «داعش»، لا يلوح البتة أنّ مقوّمات حسمها قد اكتملت أصلاً. هذا إذا وضع المرء جانباً حقيقة أنّ ثلاث قوى على الأقلّ، من أطراف هذا الاشتباك، تخوض معارك مماثلة مع تنظيم «الدولة» في العراق؛ حيث يكون امتداد الجغرافيا العراقية ـ السورية عاملاً حاسماً في وصل خطوط قتال، وإمداد، «داعش»، إلى جانب ما ينطوي عليه من اعتبارات التكتيك العسكري الميداني الصرف.
الأهمّ، مع ذلك، هو أنّ خصوم «داعش» متفقون على خصومتها، بالطبع، وهذه هي الغاية المعلَنة؛ أمّا ما يختصمون فيه، بين بعضهم البعض، فهو ليس كثيراً أصلاً، ويتزايد مع الأيام، فحسب؛ بل هو خزّان تطورات ميدانية مرشحة لتفريق الصفوف، أو حتى وضع صفّ في مواجهة صفّ آخر، أو كتلة صفوف متحالفة. لا نعرف، على سبيل المثال، متى ستدخل تركيا بقوّة أشدّ ضدّ الكرد، و«قوات سوريا الديمقراطية» ذاتها، سواء عن طريق الارتقاء بتسليح حلفائها في فصائل «الجيش الحرّ»، أو حتى بتنفيذ عمليات توغل ميدانية غرب نهر الفرات. وإذا كنّا نعرف مقدار حساسية العرب، ولا تُستثنى منهم شرائح واسعة من البدو وأبناء العشائر في محيط الرقة؛ فليس جلياً، بعد، آفاق انقلاب تلك الحساسية إلى حروب مناطقية شعواء. كذلك الأمر بالنسبة إلى واشنطن وموسكو، ما دام التعاقد بينهما على عمل مشترك في سوريا لم يكتمل بعد، وما دامت احتمالات النجاح الراهنة واهنة وبطيئة.
 وبذلك فإنّ الخلاصة الأخرى تشير إلى أنّ خصوم «داعش» كُثُر، ولكن كلّ منهم يغنّي على ليلاه، وكلهم يدّعي وصلاً بالشعب السوري، ضحية الاشتباك الأولى.

(القدس العربي)

 

محور بوتين ـ نتنياهو:

رميم (الممانعة) وغرام (المبادرة)

صبحي حديدي

 

إذا كانت دبابة، فقدتها إسرائيل خلال اجتياح لبنان سنة 1982، هي هدية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المادية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمناسبة زيارته إلى موسكو مؤخراً؛ فإنّ هدية الأخير إلى بوتين معنوية، ثمّ سياسية بامتياز: إدخال الكرملين على خطّ التسويات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، والإسرائيلية ـ العربية عموماً، في موازاة السلّة التي كان البيت الأبيض يحتكرها، وفيها يضع العرب كلّ البيض. ليس دون مقابل إضافي (إذْ أنّ الدبابة الهدية ليست كافية في حدّ ذاتها!)، يتمثل في سعي بوتين إلى إدخال تل أبيب على خطّ التنسيق العسكري الأمريكي ـ الروسي في سوريا؛ كما سرّبت وسائل إعلام إسرائيلية على صلة وثيقة بصنّاع القرار في إسرائيل.
وتلك خطوة تستوجب، من موسكو دائماً، استدراج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وضمان بعض الرضا ـ أو، على الأقلّ، الصمت ـ من الجانب السعودي. وفي أوّل برهان عملي على انخراط موسكو في تجريب الفكرة، قررت موسكو تخفيض مشاركتها في المؤتمر الوزاري الذي شهدته باريس مطلع الشهر، حول التسوية العربية ـ الإسرائيلية، فاكتفت بإرسال ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية سيرغي لافروف. ليس هذا فحسب، بل حرص بوغدانوف على تقديم اقتراح بصدد المستوطنات الإسرائيلية، أقرب إلى صورة طبق الأصل من مقترح أفيغادور ليبرمان القديم: منح السلطة الفلسطينية أراض «إسرائيلية» ذات أغلبية سكانية عربية، مقابل تخلّي السلطة عن أراض داخل الضفة الغربية تتكدس عليها المستوطنات.
ولكي يتخذ مشروع هذا المحور الروسي ـ الإسرائيلي الجديد صيغة تطبيقية ميدانية، لها أيضاً صفة اختبار النوايا والجاهزيات، فقد شاء نتنياهو منح بوتين امتياز تنظيم مؤتمر دولي، فلسطيني ـ إسرائيلي في الجوهر، لا يسحب البساط من تحت المبادرة الفرنسية، والشريك الأمريكي فيها، فحسب؛ بل يفرغها من محتواها أيضاً، ضمن تكتيك إسرائيلي مزدوج: رفض ما يُعرف باسم «المبادرة العربية»، في قمة باريس؛ وقبولها، ولكن ضمن إعادة تصنيع روسية، في مؤتمر موسكو الذي يُخطط له. لهذا كان لافروف هو الذي تولى قصب السبق في إعلان موافقة نتنياهو على المبادرة، مؤكداً أنه لم يسمع من رئيس الوزراء الإسرائيلي أي شرط مسبق، أو تعديل، لها؛ الأمر الذي «يجعل من الممكن النظر في تفاصيل الخطوات التالية لتطوير تسويات سلمية إسرائيلية ـ فلسطينية وإسرائيلية ـ عربية». في السياق ذاته، ولكن من باريس هذه المرّة، أكد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أنّ المبادرة العربية تضم «جميع العناصر التي تتيح التوصل إلى السلام»؛ نافياً أي تعديل لأيّ من بنودها، ومؤكداً أنّ المملكة تعتبرها «الفرصة الأفضل»، وآملاً أن «تسود الحكمة في إسرائيل وأن يوافق عليها الإسرائيليون».
والمرء، بادىء ذي بدء، يحقّ له أن يتساءل عن معنى إعادة تفعيل مبادرة أُقرّت في قمّة بيروت سنة 2002، وعُرفت باسم آخر أوضح مغزى في الواقع، أي «مبادرة الأمير عبد الله» وليّ العهد السعودي يومذاك: أهذا نبش من باطن الأرض، لما بات من عاديات الزمن، بعد 14 سنة حفلت بعواصف هوجاء وهزّات عاتية؟ وبأيّ رميم عظام سوف يُبنى كيان تلك المبادرة، ومَن سيفعّل ماذا، مع مَن؟ وما رُفض في الماضي، من جانب إسرائيل أولاً، ومحور «الممانعة» تالياً؛ كيف يُقبل اليوم من إسرائيل، ولماذا؟ وهل يكون رميم تلك «الممانعة»، المشغولة بقتال الشعب السوري، جنباً إلى جنب مع نظام الاستبداد وجرائم الحرب والإبادة، هو الملاط وحجر الأساس؟
للمرء، مع ذلك، أن يستذكر تفصيلاً طريفاً وذا دلالة في آن معاً: أنّ «المبادرة» اتخذت، في الأصل، شكل مقترح تبسيطي، تكشّف في سياق دردشة (غير بريئة على الأرجح) بين الأمير عبد الله والصحافي الأمريكي الشهير توماس فريدمان؛ قبل أن ينقلب المقترح سريعاً إلى «مبادرة سلام» هلّلت لها الأمم شرقاً وغرباً. الجديد الخطير لم يكن يكمن في صدور المقترح عن المملكة العربية السعودية (بما كان يعنيه ذلك من شحنة سياسية ورمزية دالّة)، وعن الأمير عبد الله بالذات، وليّ العهد والحاكم الفعلي والرجل الذي عُرف عنه التشدّد في القضية الفلسطينية ومسألة القدس (الأمر الذي كان لا يستبعد غياب الإجماع حول المقترح في صفوف الأمراء السديريين، أو عدم اتضاح أيّ نوع من التوافق بين آل سعود والمشايخ الوهابيين، في أمر يمسّ ثوابت المملكة وجوهر موقعها السياسي والديني في المحيط العربي والعالم الإسلامي).
الجديد الخطير كان يكمن في تلك المقايضة، الجديدة بالفعل على الأجندة الرسمية العربية: الأرض مقابل التطبيع، والتطبيع الشامل كما لاح آنذاك (وكما توجّب أن نفهم من كلام فريدمان، وليس من التعليقات السعودية)؛ من النوع الذي تريده الدولة العبرية، وكانت وما زالت تسعى إليه. التطبيع الذي يُدخلها في عَقْد الشرق الأوسط كدولة مشارِكة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وكعامل «منشّط» و»محرّض» وضامن لولادة «الشرق الأوسط الجديد». هذا ما حلم به الصهاينة الأوائل، وهذا ــ وليس «السلام» التعاقدي، أيّاً كان محتواه ومفرداته ــ هو ما يسعى إليه الصهيوني ـ السياسي، والصهيوني ـ العسكري، والصهيوني ـ رجل الأعمال، والصهيوني ـ المبشّر الثقافي…
والحال أنّ قرارات الأمم المتحدة ذاتها، و242 بصفة خاصة، لا تشترط كلّ هذا «الغرام» بين الدول العربية وإسرائيل، مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. كذلك فإنّ مبدأ «الأرض مقابل السلام»، الذي استند إليه مؤتمر مدريد وبات حجر الأساس في إطلاق «العملية السلمية» العربية ـ الإسرائيلية؛ لا يقول بما قالت به المبادرة، أي: التطبيع التامّ بين إسرائيل والدول العربية كافّة. وفي هذا تكون «دردشة» الأمير عبد الله قد ذهبت أبعد ممّا ذهبت إليه مبادرات وجهود ومؤتمرات أخرى حول السلام في الشرق الأوسط، من مشروع الملك فهد في العام 1981 (الذي عُرف بعدئذ باسم «خطة فهد») إلى مفاوضات كامب دافيد بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، مروراً بمؤتمر مدريد دون سواه.
وفي الأساس، ما الذي كانت الرياض تريده من طرح المبادرة؟ بل ما الذي أراده الأمير عبد الله بالذات، استطراداً؟ لماذا ـ إذا صدّقنا رواية فريدمان، كما نقلها عنه ناحوم برنياع في «يديعوت أحرونوت» آنذاك ـ كان مكتب الأمير عبد الله متلهفاً على نشر مقال فريدمان حول المبادرة، أكثر بكثير من لهفة الصحافي الأمريكي نفسه؟ ولعلّ أولى مفاتيح الإجابة على هذه الأسئلة كانت تلك الريبة الغريزية التي تقود إلى القول بأنّ المبادرة موجهة إلى البيت الأبيض أكثر من أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل في حينه؛ وأنّ حاجة المملكة إلى ترميم علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، وتحسين صورتها أمام الرأي العام الأمريكي بعد هجمات 11/9، كانت أشدّ إلحاحاً من رغبة الأمير عبد الله في إطلاق مبادرة سلام لا يمكن أن تحظى بشعبية داخلية، في أوساط مشايخ الوهابية بصفة خاصة.
وفي الخلاصة فإنّ ما يقترحه محور بوتين ـ نتنياهو، اليوم، لا يتجاوز ذرّ الرماد في العيون واللعب في الوقت الضائع، ومن الإنصاف الترجيح بأنّ رميم «الممانعة» العربية، الذي يخلّفه أمثال خامنئي وحسن نصر الله وبشار الأسد، مروراً بأمثال قاسم سليماني وهادي العامري وقيس الخزعلي؛ هو مادة الترميم الأولى، التي لن تزيد العظام إلا تسوّساً ونخراً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 



ماذا تبقى من

«إسلام» إخوان الأردن؟

صبحي حديدي

 

كما سبقت الحال في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، توجّب على جماعة الإخوان المسلمين في الأردن أن تنحني ـ أو، بالأحرى، تُجبر على الانحناء ـ أمام عواصف الأزمنة المتغيرة، فتفكّ عرى العلاقة التاريخية، القديمة والطيبة والقائمة على تفاهمات صامتة أو معلَنة، مع السلطة. وليس هذا التطور مفاجئاً في الواقع، بل يمكن القول إنه تأخر أيضاً، على نحو ما، لأنّ منطق العلاقة الذي استمر طيلة أكثر من سبعة عقود؛ أخذ يتآكل تدريجياً وعلى أكثر من صعيد، ابتداءً من انقسامات الجماعة ذاتها داخلياً، أو في علاقتها مع المركز المصري الأمّ، وليس انتهاءً بمفاعيل «الربيع العربي» وتذبذبات «حماس» وتحالفات قياداتها مع أنظمة الاستبداد والفساد العربية.
فكيف تُلام السلطة الأردنية إذا اختارت هذه البرهة بالذات لكي تشرع في تفكيك تلك العلاقة، الآن وقد أخذت شعبية الجماعة في الانحسار على مستوى معياري هامّ هو الانتخابات النقابية مثلاً (والإشارة أتت، قوية، من انتخابات المعلمين قبل أسابيع قليلة، حين خسر الإخوان نفوذهم في نقابة هيمنوا عليها في سنة 2014 و2012)؛ وصار البيت الإخواني الواحد متشرذماً بين أربع جماعات على الأقل، ليس لأسباب تتصل بصراعات هرم القيادة فقط، بل في قلب القواعد أولاً، حول مسائل سياسية وعقائدية وأجيالية، تخصّ الداخل الأردني أسوة بالخارج العربي في فلسطين وسوريا ومصر واليمن.
وإذا كانت السلطات الأردنية لم تذهب مذهب مصر والسعودية والإمارات في وصم الجماعة بصفة الإرهاب، وتحريمها على هذا الأساس استطراداً؛ فإنّ الخيار المغربي، أي استيعاب الجماعة وتحييدها عن طريق وضعها أمام تحديات انحسار الشعبية، لا يبدو مطروحاً أيضاً، لسبب بسيط أوّل، قائم في المدى الراهن على الأقلّ، يفيد بأنّ السلطة ليست البتة محتاجة إلى اعتماد خيار مثل هذا. يكفي أن يلجأ أمين العاصمة عمّان، أو حتى رؤساء بلديات الطفيلة والمفرق وإربد والكرك والرمثا… إلى نصوص القانون التي تنظّم عمل الأحزاب؛ لكي يصبح إغلاق هذا المقرّ أو ذاك، في هذه المدينة أو تلك، إجراء مشروعاً تماماً، بل ومطلوباً أيضاَ من باب احترام القانون!
من جانب آخر، يقول المنطق إن مصير جماعة الإخوان المسلمين في الأردن غير منفصل عن مصائر ذلك الإسلام السياسي الشعبي، أو الشعبوي في أمثلة كثيرة؛ الذي أحسن استغلال موجات التديّن العامّ، وامتطى سخط الشعوب من الأنظمة المستبدة، وسعى إلى توظيف احتجاج الشارع، فاكتسب مقادير متفاوتة من الشعبية، كانت في كلّ حال أكبر مما استطاعت اكتسابه تيارات علمانية يسارية أو ليبرالية زعمت تمثيل آمال الناس ومطامحهم. غير أنّ خلوّ برامج ذلك الإسلام السياسي من المعالجات الملموسة للهموم الشعبية، والوطنية، فضلاً عن تقلّب المواقف السياسية ومهادنة الأنظمة وخيانة العهود والمواثيق، أتاح لـ»إسلام» آخر أن يصعد بقوّة، وأن يجمّد نفوذ جماعات الإخوان المسلمين التقليدية، ثمّ ينتقل من التجميد إلى التجنيد من داخل قواعد الإخوان، قبل أن يشقّ الصفوف ويشرذم التنظيمات. ذاك كان إسلام أسامة بن لادن، والزرقاوي، والبغدادي، والجولاني.
ثمة صراع حول السياسات هنا، بالطبع، وارتطام في العقائد والبرامج، وتناقضات كبرى في الأهداف القريبة والبعيدة؛ ولكن ثمة علم اجتماع أيضاً، وربما أساساً، يفيد بأنّ «إسلام» الجماعة قد فقد الكثير من مدلولاته الاجتماعية، وجاذبيته الإيديولوجية، وقابليته لاستثمار نقمة الجموع. وبذلك فإنّ انقسامات الجماعة ليست مؤشرات على بلوغ التأزم الداخلي ذروة غير مسبوقة، فحسب؛ بل هي علائم على تحوّلات عميقة، وخسارات جسيمة، إذا لم يتجاسر المرء فيرى نذير المحاق!

(القدس العربي)

فتنة كنعان مكية

صبحي حديدي

 

■ لا تهدف هـــذه الســطور إلى أيّ طــــراز من التـــــناول النقدي، أو المراجعة، لرواية العراقي كنعان مكية The Rope، التي نًشرت مؤخراً عن بانثيون، في نيويورك، كما صدرت لاحقاً بالعربية تحت عنوان «الفتنة»، عن منشورات الجمل. ولكنها تهدف، في المقابل، إلى وضع العمل ضمن سلّة كتابات ومواقف متناقضة متضاربة اقترنت بمكية، وحفلت بالانتهاز والنفاق وخيانة الضمير والتلفيق، وغطّت مساراً طويلاً كان قد بدأ قبل «جمهورية الخوف»، 1989، الكتاب الذي وقّعه مكية باسم مستعار هو سمير الخليل.
«الفتنة» في الإصدار العربي يخلو، بادىء ذي بدء، من أي إشارة إلى أنّ النصّ مترجم عن الإنكليزية، الأمر الذي يوحي، ضمناً، بأنّ مكية هو الذي كتبه أيضاً بالعربية. ورغم أنني سألت الناشر شخصياً، خلال محادثة عابرة في معرض أبو ظبي للكتاب، فأكد لي أن مكية هو الذي كتب النسخة العربية، فإنّ الأمر مدعاة ارتياب كبير، لأننا لا نعرف لمكية كتابات بالعربية، في هذه السوية اللغوية على الأقلّ. فإذا صحّ التزييف هنا، عن سابق قصد، فهذه نقطة نزاهة أخلاقية أيضاً، خاصة وأنّ الفروق بين النصَّيْن الإنكليزي والعربي لا تقتصر على العنوان، بل تشمل ما هو أدهى.
في النسخة العربية، يختتم مكية الكتاب بـ>كلمة شكر واعتذار»، جاء في الفقرات الأخيرة منها ما يلي: «أعتذر أولاً من الشعب العراقي، وثانياً من الطائفة الشيعية، لأنني لعبت دوراً قبل حرب 2003 لإضفاء الشرعية الدولية والعالمية على أولئك الذين كنا نسميهم طيلة التسعينيات المعارضة العراقية، وهم الذين حكموا العراق بعد 2003. هؤلاء لا يستحقون وصفهم بمعارضين لنظام البعث، ولا يستحقون أن يحكموا أحداً. التاريخ سيسجل أنه ليس هناك تجربة سياسية فاشلة بحجم فشلهم، وخاصة المتشيعين منهم، فشل ستُضرب به الأمثال لأجيال. فشل لا مثيل له لا في القرن العشرين ولا هذا الذي نعيش مآسيه الآن، ولا حتى في أي بقعة من القارات الآسيوية والأفريقية والجنوب أمريكية».
إلى هنا قد يبدو هذا الإقرار بمثابة نقد ذاتي، وله فضيلة الاعتراف بالخطأ ربما، لولا أنّ الفقرة بأكملها لم تظهر في ختام النصّ الأصلي الإنكليزي، بالرغم من «هامش شخصي» يضعه المؤلف، ويمتدّ على أكثر من 30 صفحة، وفيه اعترافات أشدّ جسارة (كالقول بأنّ «اجتثاث البعث» انتهى إلى «اجتثاث السُنّة»!). هذه ليست حكاية انعدام نزاهة، أو قلّة أمانة بين نصّ عربي وآخر إنكليزي، بل هي، ببساطة، أحد مظاهر التلفيق التي اعتاش عليها مكية منذ أن أخذ يظهر على الفضائيات الأجنبية، بعد اجتياح صدّام حسين للكويت، متخفياً داخل بقعة سوداء تغطي وجهه، أو مديراً ظهره للعدسات.
ذاكرة العراق المعاصرة تسجّل، في المقابل، أنّ مكية ـ في مطلع 1991، بعد إعلان وقف إطلاق النار في حرب الخليج الثانية ـ كتب، بتوقيع سمير الخليل: 1) الفكرة القائلة بأنّ نموذجاً منهكاً من صدّام حسين يمكن أن يحافظ على العراق موحداً، هي فكرة أقرب إلى أضغاث الأحلام، 2) لا شيء سيعكس مسار تفتت العراق إلا التدخل الخارجي، ويتوجب على الحلفاء الاعتراف أولاً بالثائرين على صدّام والتعاون معهم، ثمّ يتحلى الجنرال شوارزكوف بالرؤية التي امتلكها الجنرال ماك آرثر [أواخر الحرب العالمية الثانية، حين احتلّ اليابان]، فيزحف على بغداد، 3) الحفاظ على النصر أكثر أهمية من النصر ذاته. ماذا كان سيحدث لو أنّ الولايات المتحدة انسحبت من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية دونما التزام بالديمقراطية وإعادة البناء الاقتصادي؟ 4) بمشيئة الحلفاء، يبــــدو محتملاً تماماً أن تقوم في العراق ديمقراطية علمانية تضمن الحقوق القومية للأكراد، وتحمي جيران العراق من مخاوف عدوان جديد في المستقبل، 5) الشعب العراقي بحاجة إلى عون الجيوش ذاتها التي دمّرت قدراته، والشعب العراقي سوف يستقبل الجنرال شوارزكوف وجيشه بأذرع مفتوحة.
وفي مطلع كانون الثاني (يناير) 2003، قبل أسابيع قليلة سبقت الغزو الأمريكي للعراق، حين استقبله الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في المكتب البيضاوي، بحضور مستشارته للأمن القومي آنذاك، كوندوليزا رايس، قال مكية إنّ الشعب العراقي سوف يستقبل القوّات الأمريكية بالحلوى والزهور، وعلى الرئيس أن يتأكد من هذا تماماً. وحين أخذت القاذفات الأمريكية تدكّ بغداد، كتب في مجلة
New Republic، يمتدح القصف: «هذه القنابل لها وقع الموسيقى في أذني. إنها أشبه بأجراس تُقرع للتحرير في بلد تحوّل إلى معسكر اعتقال هائل».
أن يصل مكية متأخراً، في «الحبل»/ «الفتنة» مثلاً، خير من ألا يصل أبداً، كما قد يساجل البعض؟ ليس تماماً، ومجدداً، لأنّ هذا الإقرار بالوضع الكارثي في العراق لا يتعدى الاعتراف البسيط بتحصيل حاصل صار الملايين يرونه على نحو أشدّ وضوحاً ممّا يفعل مكية اليوم، وأشدّ نقداً بالطبع، وأرقى سلوكاً.
وكما يقول ت. س. إليوت، من جديد ودائماً: «بعد كلّ هذه المعرفة، أيّ غفران»؟، خاصة حين يسير العراق من خراب إلى يباب…

(القدس العربي)

 

 

طبخة ضابط إسلامي

الهوى يدعى… السيسي!

 

صبحي حديدي

 

لعلّ من الخير، وفي باب إنصاف التاريخ المعاصر أيضاً، أن يعود مراقب الشأن المصري الراهن ـ وفي ملفّ الحقوق والحريات العامة، تحديداً ـ إلى إحدى الركائز الكبرى التي كانت وراء انقلاب المشير عبد الفتاح السيسي، ثمّ صعود نجمه إلى ما هو عليه اليوم. تلك الركيزة انبثقت من جدل الأسابيع الأولى بعد انتفاضة ميدان التحرير، حين بات من المشروع أن يطُرح سؤال الخيار الختامي الذي سوف يستقرّ عليه الجيش المصري: أن يقف مع الشعب، فعلاً، في وجه مؤسسة رئاسية بدأت عسكرية منذ سنة 1952، مع محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، وهكذا ظلت؟ أم يلجأ إلى تكتيكات الالتفاف على الشارع الشعبي، والمناورة المؤقتة ما أمكن ذلك، لإنضاج «طبخة» ما، على نار ليست هادئة بالضرورة، تعيد إنتاج ماضي المؤسسة الرئاسية، مع تصحيحات هنا وهناك تشمل الخطاب والوجوه وبعض الأجهزة، وتجمّل الصورة القبيحة في هذا التفصيل أو ذاك؟
ولقد اتضح، سريعاً في الواقع، أن المؤسسة العسكرية المصرية لا تنوي قطع حلقة الرئاسات العسكرية، من جهة أولى؛ وهي بالتالي لم تكن راضية عن برنامج التوريث الذي انخرط فيه آل مبارك، بالتعاون مع حيتان النهب والفساد. وهكذا كانت المؤسسة، التي تشرف أيضاً على جهاز المخابرات العامة، قد استذكرت تلك الحكمة العسكرية التي ترى في الدفاع خير وسائل الهجوم؛ فبادرت إلى استثمار احتجاج الشارع الشعبي، وأعادت حشر الجيش كرقم صعب في المعادلة السياسية الداخلية. والخطأ الحسابي القاتل، والغبيّ تماماً في الواقع، الذي وقع فيه محمد مرسي، الرئيس الوحيد المدني في تاريخ مصر الحديث؛ كان اليقين بأنّ تحييد المؤسسة العسكرية (ممثّلة، يومذاك، بمجموعة المشير حسين الطنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان)، يمكن أن يتمّ بيسر وسهولة، عبر ترقية ضابط مغمور، إسلامي الهوى (كما لاح لجماعة الإخوان المسلمين، يومئذ) يدعى… السيسي!
بدوره، كان هذا الضابط، القادم من الصفوف الخلفية، قد تنبّه جيداً إلى أنّ الشرعية الحقوقية والدستورية التي امتلكها مرسي أخذت تتصادم، تدريجياً، ولكن على نحو منهجي منتظم، مع إرادة شعبية واسعة النطاق أخذت تسائل الكثير من أهداف انتفاضة 25 يناير 2011، وتلحظ خسوفها وانقلابها إلى النقائض. كذلك راقب السيسي، بعين ضابط الاستخبارات هذه المرّة، أنّ زخم ميدان التحرير الديمقراطي والمطلبي والوطني صار يُختصر في تجاذبات أقرب إلى دائرة مفرغة، بين جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة المستفرِدة، وجماعات المعارضة المتشرذمة والعاجزة عن بلورة مشروع معارِض مضادّ ذي مصداقية كافية. وبذلك بدت الإنجازات الديمقراطية (الانتخاب، والتصويت، والحرّيات السياسية والنقابية والإعلامية…) وكأنها السطح الساخن الظاهر، الذي يخفي غليان الأعماق كما جرى التعبير عنه في ثقافة «ملء الميادين»، على الطرفين في الواقع، ولكن بمعدّلات أعلى وأشدّ فاعلية في صفوف القوى الشعبية المناهضة لسياسات مرسي والإخوان.
والحال أنّ فئات المعارضة المصرية التي أبهجها انقلاب العسكر على مرسي، وضدّ الإخوان عموماً، كانت قد ارتكبت خطأ جسيماً حين ظنّت أنّ قهر الرأي وقمع حرّية التعبير وحظر النشاط السياسي هي الوسائل المثلى لمحاربة الإخوان. التجارب أثبتت سطحية هذا التقدير وخطورته، كما برهنت على أنه ينتج نقيضه في نهاية المطاف. وهذه مآلات يترجمها المشهد الراهن لانتهاك الحقوق والحريات العامة، وابتذال الخطاب السياسي لرأس النظام نفسه، والتفريط بالمياه والأرض والثروات، وإعادة تأهيل الفساد والنهب بوتائر أخبث مما كانت عليه خلال عهد مبارك؛ فضلاً، بالطبع، عن تدني الإعلام المصري، الرسمي والخاص، على نحو مريع.
طبخة مسمومة، إذاً، على غرار ما طبخت عسكرتاريا العالم العربي طيلة عقود؛ ولا عزاء لمَن ابتلعها، وهو عارف مدرك!

(القدس العربي)

 

 

بوتين وحلب: حلم نبوخذ نصّر

صبحي حديدي

 

في مثل هذه الأيام، ولكن قبل ثلاث سنوات، كان بشار الأسد يعيش نشوة انتصار عسكري نادرة، بل لعلها كانت الأولى منذ أن لجأ إلى استخدام أقصى أنماط العنف، وأشدّ النيران فتكاً، في محاولة قمع الانتفاضة الشعبية. كانت ميليشيات حليفه حسن نصر الله قد اجتاحت بلدة القصير، في ريف حمص، وسط تهليل واحتفاء، والكثير من التضليل والتزييف حول الأسباب التي تجعل القصير بوّابة لحماية مقام السيدة زينب، في ظاهر دمشق.
وتلك نشوة دغدغت أوهام الأسد في استخدام الحليف إياه ـ ولكن بأعداد تُحتسب بالآلاف وليس بالعشرات أو المئات؛ وبإسناد مباشر من وحدات الجنرال الإيراني قاسم سليماني؛ والميليشيات الشيعية العراقية، ومرتزقة أفغان وحوثيين وسواهم؛ ثم… بتواطؤ ميداني مباشر مع «داعش» ـ لمحاصرة مدينة حلب، وتوجيه ضربة قاصمة إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وإلى جانب أحياء المدينة ذاتها، كان ثلاثي الأسد/ نصر الله/ سليماني يتطلع إلى استكمال مشهد ستراتيجي كاسح على الأرض، يتضمن توليف العناصر التالية، وزجها في المعركة: كسر الحصار عن قاعدة وادي الضيف، وتنشيطها؛ والقيام بخطوة مماثلة، في مطار منغ؛ وتحريك الميليشيات الموالية، في نبل والزاهرة؛ وإقامة تنسيق عملياتي مع «وحدات الحماية الكردية»، في حيّ الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية؛ وصولاً إلى شنّ الهجوم الأرضي، بعد حملات قصف جوي ومدفعي مكثفة.
وذاك خيار فشل سريعاً، بل أسفر عن نتائج معاكسة تماماً، فخسر النظام الكثير، خاصة في ريف حلب الشمالي وإدلب والغاب، وبات سقوطه العسكري أقرب من أية برهة سابقة؛ الأمر الذي استوجب تدخلا روسياً مباشراً، اُضيف إلى المشهد الستراتيجي السابق إياه. ورغم آلاف طلعات القصف الروسية، واستقدام المزيد من مقاتلي «حزب الله» و»الحرس الثوري» الإيراني والميليشيات المذهبية والمرتزقة، فإنّ عناصر الميزان العسكري مع المعارضة، بما في ذلك خطوط الاشتباك مع «جبهة النصرة» و»أحرار الشام»، وخطوط التواطؤ مع «داعش»، ظلت على حالها تقريباً، دون تغيير جوهري.
وإذا كانت أغراض التدخل الروسي في سوريا عديدة ومتشابكة، بعضها جلي قريب وبعضها الآخر خفيّ بعيد المدى؛ فإنّ أحد الأغراض العسكرية الواضحة كان تمكين جيش النظام، وحلفائه، من إعادة استجماع القوى على نحو يتيح تحقيق مكاسب مادية صريحة، واسترداد مناطق ذات قيمة ستراتيجية، أو ذات صفة رمزية؛ لا تعيد زمام المبادرة إلى النظام فقط، بل تتحوّل إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات: في يد موسكو، مع واشنطن والغرب حول ملفات أوكرانيا وسعر برميل النفط والقبّة الصاروخية في أوروبا؛ ثمّ، استتباعاً، في يد موسكو أيضاً، حين يتوجب أن تقترح الحلّ السياسي الذي يرضيها في سوريا.
وما دامت جميع المؤشرات تؤكد أن عمليات القصف الجوي الوحشية التي نفّذها طيران النظام استهدفت تهجير المدنيين من حلب، نحو الحدود التركية، بوصفها الوحيدة المتاحة، ولكن المغلقة، في آن معاً؛ فإنّ معركة حلب الراهنة هي، أيضاً، فصل جديد في حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضدّ نظيره التركي رجب طيب أردوغان. وهنا، لا يحتاج المرء إلى ذكاء إضافي كي يدرك أبعاد قيام طيران النظام بقصف مخيم كمونة للاجئين، الذي يقع داخل الأراضي السورية، ولكن على الحدود التركية.
ومنذ حزيران (يونيو) 2013، لا يلوح أنّ المشهد العسكري في حلب قد تغيّر كثيراً، ما خلا أنّ الكفة مالت لصالح المعارضة في الواقع؛ الأمر الذي لا يعني أنّ استيهامات الأسد لن تصيب بوتين بالعدوى؛ فيحلم، مثلاً، بأن يقود صديقه فاليري جيرجيف أوركسترا  مارينسكي حين تعزف أوبرا «نبوخذ نصّر»، على سلالم قلعة حلب!


(القدس العربي)

 

انحطاط التأويل السياسي للفقه الشيعي:

القدس… عبر حرستا وحلب!

صبحي حديدي

 

«بإيعاز من قائدي، أنا مستعد للتضحية بحياتي/ الهدف ليس تحرير العراق وسوريا فحسب/ دربي يمرّ بالمقام الشريف/ ولكن هدفي هو إلى القدس/ عن طريق حلب»؛ هكذا تقول الأهزوجة، التي يؤديها أطفال إيرانيون يرتدون الثياب العسكرية المرقطة، استعداداً للتطوع بالقتال في العراق وسوريا. وهذا شريط سينمائي دعائي وتعبوي، بل أنتجته وحدات الـ»باسيج»، أي «قوات التعبئة الشعبية» التي أنشأها آية الله روح الله الخميني في سنة 1979، وهي جزء من «الحرس الثوري»، الذي يتبع مباشرة للمرشد الأعلى.
قبل حلب، كانت بلدة حرستا موضوع «لطمية» هستيرية انتشرت كالنار في الهشيم، خاصة في صفوف ميليشيات المتطوعين العراقيين الشيعة، الوافدين للقتال إلى جانب النظام السوري في دمشق وأريافها؛ يقول مطلعها: «قدح من درعا الشرر/ وخصم مهدينا ظهر/ ومن حرستا ننتظر/ أوّل علامة/ زينب اليوم بخطر/ وسكنى بمرقدها انتثر/ يا أم رقية/ بكرا تقوم القيامة/ بكرا الجيش المنتظر/ يهتف يا حيدر.»… وهذه «اللطمية» ليست تخريفاً هذيانياً، أو شعبوياً دعائياً صرفاً، لأنها في الواقع تزعم الاتكاء على حديث للإمام علي بن أبي طالب، ينسبه إليه ابن أبي زينب النعماني، في كتابه «الغيبة»: «إذا اختلف الرمحان بالشام، لم تنجل إلا عن آية من آيات الله. قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين. فإذا كان ذلك، فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر، تقبل من المغرب حتى تحلّ بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر. فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا. فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستوي على منبر دمشق. فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي».
والتخاريف حول ظهور المهدي لم تقتصر على منشد لطميات مثل حيدر العطار، بل اقترنت ذات يوم بالعدّة السياسية والعقائدية لرأس السلطة المدنية (إذا جاز التعبير) في إيران، أي الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد؛ الذي اعتبر أنّ «الإمام المهدي» هو الذي «يدير العالم ونرى يده المدبّرة في شؤون البلاد كافة»، بما في ذلك نصر إيران على العراق، وتقدّم البرنامج النووي الإيراني. كذلك جزم بأنّ المهدي هو «هالة النور»، التي تحيط به، أي نجاد، كلما ألقى خطاباً؛ وهو «يد الله»، التي سوف «ترفع جذور الظلم عن العالم»… وتلك هلوسات أثارت حفيظة بعض خصوم نجاد، من ممثّلي التيّار المحافظ أنفسهم، كما في تعليق حجة الإسلام غلام رضا مصباحي: «مؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلاء المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء».
ومع ذلك، فإنّ ما أغدقه حسن نصر الله، الأمين العام لـ«حزب الله»، من سجايا فائقة على شخص نجاد، كفيل بمنح الأخير فضيلة تمثيل شرائح واسعة من صانعي التشوّه والتشويه في الفقه السياسي الشيعي المعاصر: «نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدّس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا». لافت، في هذا، أنّ ملايين الإيرانيين الذين لم يصوّتوا لنجاد، في الانتخابات الرئاسية التي أعقبت هذه المدائح، لم يشاطروا نصر الله في شمّ المقدّس أو إبصار الحكمة؛ بل الأرجح أنهم هم الذين ينطبق عليهم تصنيف الشرفاء والصادقين.
وما دمنا في سيرة نصر الله، لعلّ من الواجب استذكار التحوّل النوعي، المذهبي الصريح، في خطابه السياسي ابتداءً من العام 2013؛ حين أعلن، ليس دون فورة غضب أشدّ من المعتاد: «نريد أن نقول لكلّ عدو ولكلّ صديق، نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم»؛ «ونحن حزب الله. الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، لن نتخلى عن فلسطين»؛ وأيضاً: «قولوا رافضة. قولوا إرهابيين. قولوا مجرمين. اقتلونا تحت كل حجر ومدر، وفي كل جبهة، وعلى باب كلّ حسينية ومسجد، نحن شيعة علي بن أبي طالب!».
صحيح أنه لم يستبق أهزوجة أطفال الـ»باسيج» الإيرانيين، في الربط بين حلب والقدس؛ إلا أنّ نصر الله لم يتلكأ عن استئناف لازمة كبرى في خطاباته، منذ أن أقرّ علانية باشتراك حزبه في القتال إلى جانب النظام: «إنّ وجود مقاتلينا ومجاهدينا على الأرض السورية، هو بهدف الدفاع عن لبنان والدفاع عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية»!
والوشائج، الإشكالية منها بصفة خاصة، بين الفقه الشيعي المذهبي والفقه الشيعي السياسي، ليست موضوع هذه السطور، ولا يسمح بها المقام أصلاً؛ ما خلا التشديد على التئام البون بين التبشير والتفكير من جهة أولى، والفعل والممارسة على الأرض من جهة ثانية. وهنا تُتاح هوامش واسعة لتلمّس مقدار الانحطاط في تفكير يحثّ الأطفال على التطوّع للقتال من أجل القدس، ولكن عبر حلب؛ وممارسة ميدانية، في أصقاع مختلفة من سوريا، لا تخلص في نهاية المطاف إلا إلى مساندة نظام الاستبداد والفساد وحكم العائلة والوراثة وجرائم الحرب. وهكذا فإنّ مشهد «الثورة الإسلامية» في إيران يبدو اليوم بعيداً كلّ البعد، ولعلّه بات منفصلاً تماماً، عن ذلك المشروع الذي شاع سنة 1979، وانطوى على ما سُمّي بـ»بديل اجتماعي وقومي، في إطار ديني ثوري»، يسند إلى رجال الدين أدواراً اجتماعية وسياسية وإيديولوجية عابرة للطبقات والأديان والعقائد. 
وسيبقى أنّ حال الانحطاط هذه ليست منفصلة، على أيّ نحو، عن مبدأ ولاية الفقيه؛ بل من المشروع للمرء أن يقول اليوم، كما في الماضي وعلى امتداد 37 سنة من عمر «الثورة الإسلامية»، أنّ الأمل لن يكون كبيراً في تعديل مسيرة الانحدار ـ الفقهي/ السياسي المشترك، هذه المرّة ـ ما لم يقف الإيرانيون موقف المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ والحقوق، وبالسياسة في الداخل والجوار والعالم.
وذات يوم غير بعيد، كان آية الله أحمد أزاري ـ قمّي، أحد كبار شارحي فكر الخميني ومنظّري ولاية الفقيه، قد اشتكى ـ في رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وقعت في 34 صفحة، تمّ تداولها على نطاق واسع ـ من أنّ الأجهزة الأمنية المرتبطة مباشرة بمكتب خامنئي أخذت تضيّق الخناق عليه، بعد تنكيلها بالشخصية البارزة المعارضة آية الله منتظري، بسبب معارضته العلنية لمبدأ ولاية الفقيه. وانطوت الرسالة على هذه المناشدة، بعد تذكير الرئيس أنّ 23 مليون إيرانية وإيراني صوّتوا له: «بهذا التصويت وضع شعبنا الشجاع قيادتنا الراهنة بأسرها تحت المساءلة، وأنا فخور بهذا. ولكن حذار، سيدي الرئيس، من أن تكون آخر رؤساء الجمهورية الإسلامية، لأنّ هذا قد يكون مصيرك إذا لم تتحرّك الآن من أجل الوقف الفوري للمظالم التي تلحق بالناس تحت اسم الإسلام».
هل كان أزاري ـ قمي ينفخ في قربة مقطوعة؟ أغلب الظنّ، إذا استعرض المرء مسارات الانحطاط اللاحقة: من نبوءات أحمدي نجاد، حول «المهدي يد الله»؛ وصولاً إلى نصر الله وقاسم سليماني، حيثما اختارا جغرافية تزييف المسير نحو القدس؛ وصولاً إلى أطفال خامنئي، المتطوعين للجهاد في حلب.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

لصّ بغداد الأمريكي!

صبحي حديدي

 

ذات يوم غير بعيد كان زلماي خليلزاد، السفير الأمريكي الأسبق في العراق (و»المسلم الأرفع وظيفة» في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، كما يحلو للبعض تعريفه)؛ قد مازح الإيرانيين بالقول: لقد خلّصتكم أمريكا من ألدّ خصومكم في الجوار: الطالبان في أفغانستان، ثمّ نظرائهم في العراق. وتلك مزحة أغفلت، طيّ فكاهة ملطخة بدماء مئات الآلاف من الأبرياء في البلدين، أنّ هذه الهدية إلى إيران لم تكن وبالاً على الشعب العراقي ومستقبل البلد بعد الاجتياح الأمريكي لعام 2003، فحسب؛ بل رسخّت محاصصة في الحكم، طائفية أولاً وفاسدة ثانياً وعاشراً، هي محض نتيجة مباشرة للسياسات الأمريكية.
وبهذا المعنى فإنّ الأزمة السياسية الراهنة، بين الشارع الشعبي العريض من جهة أولى، والتيار الصدري كأحد مكوّناته الفاعلة؛ وساسة الفساد ووزرائه وبرلمانييه، من مختلف الكتل والأحزاب والتجمعات، من جهة ثانية؛ ليست سوى الفصل الأحدث في تراث متعاقب من المآزق، لعلّ أكثر تعبيراته إفصاحاً وصدقاً تلك الأغنية التي صدحت بها ملايين الحناجر: «جينا على الدخل نحسب الخرجية/ صفر ناقص صفر فارغة البسطية/ باسم الدين باكَونا (سرقونا) الحرامية»! ومن جانب آخر، إذا كان نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، يتحمل مسؤولية مباشرة عن تمدّد تنظيم «الدولة الإسلامية» في مناطق واسعة من العراق، أسوة ببطانته الحكومية والعسكرية الفاسدة؛ فإنّ الولايات المتحدة، بهدي من نصائح أمثال خليلزاد، هي المسؤولة عن صعود التنظيم، ابتداءً من جذوره العقائدية التي تضرب في أرض خلّفها الاجتياح الأمريكي للعراق، وحتى تغلغل تلك الجذور إلى أراض أخرى في سوريا، وأبعد وأوسع نطاقاً في جغرافية المنطقة.
وهذا مأزق ينقل المياه، دافقة جارفة أحياناً، إلى الطواحين ذاتها التي تحرّك صعود «داعش»، أو نجاحها في صدّ هجمات الجيش العراقي؛ لسبب أوّل جوهري، هو أنّ هذا الجيش مرتبط، عضوياً، بمؤسسة الحكم، يتأثر تلقائياً بما تشهده من مدّ وجذر، فضلاً عن أنه امتداد طبيعي لكثير من مفاسدها ومباذلها ومحاصصاتها. السبب الثاني، وهو لوجستي وعسكري محض، يشير إلى سحب عدد من الوحدات المشاركة في الحملة على «داعش»، وإعادة نشرها في العاصمة بغداد ومحيطها؛ تحسباً لاحتمالات تطوّر الموقف إلى مواجهات عنيفة، مع شارع الاحتجاج الشعبي المتعاظم.
وهذا، استطراداً، مأزق كفيل بإعادة الزمن إلى ما قبل العام 2011، حين تابع الرئيس الأمريكي باراك أوباما قرار سحب القوات الأمريكية من العراق؛ وحين كان خيار «الصحوات»، وستراتيجية الجنرال الأمريكي دافيد بترايوس بعد العام 2007، قد أثمرت عن نجاحات ملموسة ضدّ «القاعدة» بصفة خاصة. الدليل على هذا أنّ أعداد القوات الأمريكية، المشاركة في الحملة العسكرية الراهنة ضدّ «داعش»، آخذة في الازدياد، وقبل أيام قليلة فقط أعلن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر عن إرسال 200 جندي إضافي، والمزيد من حوامات الأباشي. طريف هنا، ولكنه مفيد أيضاً، أن يستعيد المرء تصريحات كارتر السابقة، حول انحدار  كفاءة الجيش العراقي، وإقراره بأن «القوات العراقية أبدت عدم رغبتها في القتال»، وأنّ عددهم أكبر من مهاجميهم بكثير، في الحقيقة، ومع ذلك فقد فشلوا في القتال وانسحبوا من الموقع»، و»لدينا مشكلة في إرادة العراقيين بالقتال ضد داعش، والدفاع عن أنفسهم».
وفي كلّ حال، ليس سياقاً منقطعاً عن الشرط الراهن أن يضع المرء تصريح بترايوس الشهير، أنّ الجنرال الإيراني قاسم سليماني «شرير»، و»العقل المدبر للفوضى في العراق»، وذلك على خلفية أدوار ميليشيات «الحشد الشعبي» في تغذية المأزق الراهن؛ في موازاة مزحة خليلزاد، عن الهدايا الأمريكية لطهران؛ وبينهما الأهزوجة العراقية، عن لصوص سرقوا الشعب باسم الدين. ولا يُنسى، بالطبع، لصّ بغداد الأمريكي، في صفّ «الحرامية»!

صبحي حديدي

 

 

لورانس العرب و… يهوذا!

صبحي حديدي

 

في «لورانس العرب»، 1962، شريط ديفيد لين الشهير؛ ولكن، أيضاً وأصلاً، في كتاب ت. إ. لورانس «أعمدة الحكمة السبعة» الذي اعتمد عليه سيناريو الفيلم؛ ثمة ذلك المشهد الهوليودي المثير، حين ينصب الضابط البريطاني كميناً لقطار يحمل جنوداً عثمانيين، ثم يقفز من كثيب الرمل كالفهد، فيصعد فوق سطح إحدى العربات، بثوبه البدوي الأبيض وعقاله الذهبي.
بعد 100 عام على تلك الواقعة، التي شهدتها محطة حالة عمار على الحدود السعودية ـ الأردنية، أتانا نبأ العثور على فارغ الطلقة التي أطلقها لورانس العرب، يومذاك، من مسدس الـ«كولت 1911» الأوتوماتيكي، وكان الوحيد الذي يحمل هذا السلاح الفردي/ الدرّة. وأمّا المبشّر بالنبأ فهو فريق «مشروع الثورة العربية الكبرى» الأركيولوجي، التابع لجامعة بريستول البريطانية؛ والذي ينقّب، منذ 16 سنة، في مواقع مختلفة شهدت وقائع تلك الثورة.
إلى هنا والحكاية لا تتجاوز ما تنطوي عليه الكشوف الآثارية من طرافة وإثارة، غالباً، وتصحيح لهذه أو تلك من مسلّمات التاريخ؛ كأنْ يراجع البعض، خاصة كتّاب سيرة لورانس العرب، خطّ التفكير الذي يرجّح أنّ المشهد ذاك كان مثالاً صارخاً على نزوع الرجل إلى تفخيم ذاته وتضخيم دوره في تلك الثورة. ليس هذا كافياً، يساجل فيليب بوستروم في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية؛ لأنّ التثبّت من مصداقية الضابط البريطاني في هذه الواقعة، ينبغي أن ينقلب أيضاً إلى عنصر تثبيت، قاطع، لمسألة إشكالية أخرى، هي انحياز لورانس العرب إلى… المشروع الصهيوني في فلسطين!
وهكذا، تنقلب مهمة لورانس، صحبة الآثاري سير ليونارد وولي، في فلسطين وشبه جزيرة سيناء، من مهمة مسح عسكرية تجسسية صرفة، تستهدف استكشاف صحراء النقب لصالح وزارة الدفاع البريطانية، تحسباً لإمكانية توغل العثمانيين عبرها لاجتياح مصر؛ إلى بعثة توراتية تفتش عن تخوم «برّية صين»، الواردة في مستهل سفر يشوع ـ 15، الأمر الذي سيسبغ شرعية معاصرة على «حصة يهوذا» في تلك الأصقاع! أيضاً، يتابع بوستروم، ألم تكن دعوة لورانس إلى «زراعة» فلسطين بأقصى سرعة، بمثابة ترخيص للاستيطان الصهيوني؟
هذا الإفراط في التأويل، الأقرب إلى الهذيان، يعيد التذكير بذلك التحالف الوثيق بين العقيدة الصهيونية وعلم الآثار؛ أو تلك المؤسسة المتكاملة التي سعت، وتسعى، إلى البرهنة على أسبقية الحقّ اليهودي في فلسـطين التاريخية، من جانب أوّل؛ وإنكار حقّ الفلسطينيين فيها، من جانب ثانٍ مرتبط بالأوّل أيضاً. وليس دون مغزى خاصّ أنّ التنقيب عن الآثار هو الهواية التي اشــــترك فيها معــــظم جنرالات الـــــدولة العبرية (إيغال يادين وموشـــــيه دايان أبرز الأمثلة)؛ وأنّ عالِم الآثار يؤدّي، في باطن الأرض، الواجب ذاته الذي يؤدّيه المحارب على سطحها.
ذلك لا يطمس حقيقة وجود حركة أخرى مضادة، إذا جازت صفة كهذه؛ قوامها تنفيذ مراجعة عميقة وجذرية في مختلف فروع ما يُسمّى «علم الآثار التوراتي»؛ يتولاها علماء آثار إسرائيليون لا تختلف مناهجهم ومقارباتهم عن تلك التي اعتمدها «المؤرّخون الجدد» الإسرائيليون عند مراجعتهم للرواية الصهيونية (الزائفة والمزيّفة إجمالاً) عن تاريخ تأسيس الدولة العبرية. وهذه المراجعة، الآثارية، ليست بالغة التعقيد في الواقع، لأنها تنهض ببساطة على مبادئ العمل التالية: البحث هو البحث؛ والدليل المادي شيء، والأسطورة شيء آخر؛ والأمم التي لا تدقّق في حقائق تاريخها ليست جديرة بحياة راسخة، ولا طويلة. والآثاريون هؤلاء سئموا طمس، وردم وهدم وتشويه واستبعاد، الدليل المادّي (المستند إلى الحجر والرُقيم والمحفور) لصالح إعلاء الحكاية التاريخية كما يسردها النصّ التوراتي وحده. وهم يقولون ما يبعث القشعريرة في أوصال ملايين اليهود، المؤمنين بالوثوق التامّ والنهائي والمطلق للرواية التوراتية حول مسائل ليست في عداد الثوابت التاريخية، فحسب؛ بل هي، أيضاً، في رأس مبررات وجود الدولة العبرية ذاتها.
فماذا لو تبيّن، بالدليل العلمي القاطع، أنّ حكاية «الخروج» محض أسطورة مختلَقة، أو متخيَّلة في أفضل الأحوال؟ وأي ضربة قاصمة للوجدان الجَمْعي الإسرائيلي، وما يُسمّى بـ «الهويّة الإسرائيلية»، إذا اتضح أنّ ملحمة البطولة والصمود والفداء والمقاومة هذه لم تكن أكثر من حكاية خرافية ليست أعمق أثراً، في دلالاتها التاريخية والشعورية والنَصّية والرمزية، من حكايات الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة؟
وماذا إذا كشف باطن الأرض، مثل سطحها، عن حقيقة أنّ الإسرائيليين لم يتيهوا في الصحراء، ولم يغزوا أرض كنعان، ولم يشكّلوا في أيّ يوم تلك المملـــكة المتحدة ــ والقوّة الإقليمية الجبّارة ــ التي تنسبها أسفار العهد القديم إلى داود وابنه سليمان؟
وماذا لو كانت تلك المملكة مجرّد كيان قَبَلي صغير، لم يشهد تهديم «الهيكل الأوّل»، ولا تهديم أسوار أريحا، ولا معركة أرماغيدون الشهيرة؟
وهكذا فإنّ التأويل الصهيوني لطلقة لورانس العرب يبدو، اليوم، تأكيداً جديداً على اختبار بسيط عتيق: ما دام الآثاري الإسرائيلي يحمل المعول باليد اليمنى، والتوراة باليد اليسرى؛ فليس أقلّ من أن تبرهن أفعال اليد الأولى، على مصداقية أقوال الكتاب في اليد الأخرى!

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

)

 

(أوراق بنما) :

فضح المعلوم وكتم المستور

صبحي حديدي

 

إذا كان المرء لا يبصر ـ حتى الساعة، أي حتى إشعار آخر ـ أي اسم أمريكي في لوائح «أوراق بنما»؛ فالأمر لا يرجع إلى نظرية مؤامرة أمريكية من أيّ نوع، لأربعة أسباب على الأقلّ:

1)      أنّ النظام الضريبي الأمريكي يحابي كبار الأثرياء، وفي وسعهم العثور على جُزُر ضريبية آمنة، وطنية تماماً، في وايومنغ أو ديلاوير أو نيفادا؛

2)      أنّ كُتَل الأموال الأمريكية الفلكية، ومؤسساتها العملاقة، معولَمة أصلاً وعابرة للقارّات والمحيطات، وهي استطراداً جزء لا يتجزأ من البنية الكونية للفساد والإفساد؛

3)      أن يُكشف النقاب عن تورّط عدد كبير من المؤسسات المالية والجهات الإسرائيلية، أمر غير مألوف في سيناريوهات التآمر الأمريكية؛

4)      لو كان الأمر مؤامرة ما (من جورج سوروس شخصياً، كما يصرخ المدافعون عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، لاقتضت الحبكة استغفالاً أقلّ لعقول الناس، وانطوت اللائحة على كبش فداء أمريكي هنا أو هناك.
الأمر الذي لا ينفي، كما يتوجب الإيضاح دون إبطاء، أنّ «اتحاد الصحافيين الاستقصائيين»، الذي تولى التحقيقات في أكثر من 11,5 مليون وثيقة، ليس مموّلاً ـ جزئياً فقط، للإنصاف ـ من شركات ومؤسسات مالية ومنظمات أمريكية كبرى مثل صناديق «فورد»، و»المجتمع المفتوح» و»كيللوغ» و»عائلة روكفلر». غير أنّ استعراض تاريخ الاشتغال على الوثائق (طيلة عام كامل تقريباً، في أكثر من مكان، وأكثر من 100 مؤسسة إعلامية)، وعدد الصحافيين المشاركين (قرابة 400 صحافي، ينتمون إلى 70 جنسية)، دققوا معاملات 214 ألف شركة، فعلية أو وهمية؛ إنما يؤشر، في معطياته هذه أولاً، على مقدار ما احتوته «أوراق بنما» من معطيات وحقائق.
وإذا كان آخر ما يُستغرب من الطغاة، على امتداد العالم بأسره، ولكن في العالم العربي تحديداً، أن يلجأوا إلى كلّ ما يتوفّر من أساليب ملتوية ومخادعة وجنائية وإجرامية، لحُسن تخزين أموالهم ـ التي نُهبت من كدّ الشعوب وإملاقها وثرواتها الوطنية، في نهاية المطاف ـ وحمايتها وتوظيفها، بعد التعتيم على وجودها أصلاً؛ فإنّ تورّط رجال ونساء، مواطني ديمقراطيات غربية تسود فيها دولة القانون، على غرار بريطانيا وإسبانيا والنمسا واليونان ونيوزيلندا وأستراليا وآيسلندا… هو الذي يضيف قيمة خاصة إلى «أوراق بنما»، حتى إذا كان لا يأتي بجديد في الواقع. وإذا غابت ألمانيا عن اللائحة ـ حتى الساعة، للتذكير مجدداً ـ فإنّ مكتب المحاماة «موساك فونسيكا»، حاضنة الشبكات موضوع الفضائح، تأسس سنة 1977، على أيدي البنمي رامون فونسيكا، وشريكه… الألماني يورغن موساك!
وليت أساليب التحايل اقتصرت على إنشاء شركات وهمية تتيح التهرّب من الضرائب، أو تمويل صفقات سرّية لتبييض أموال شتى أصناف الاتجار غير المشروع، أو إدارة أنشطة مالية محظورة، أو تكديس ثروات خارج أية رقابة مالية… الأدهى هو تورّط شركات عالمية كبرى، في مساعدة عدد من مجرمي الحرب على التملّص من عقوبات مفروضة عليهم من جانب مؤسسات عالمية ودول عظمى؛ والعمل على تأمين الوقود لقاذفات النظام السوري، التي تحصد أرواح الأطفال والشيوخ والنساء والأبرياء المدنيين كافة، لكي يسوق المرء مثالاً واحداً، دامياً وهمجياً. والأشدّ وقاحة أن يقول المحامي فونسيكا إنّ مكتبه لم يخالف القانون، وكلّ ما فعله هو «تنفيذ صفقات اندماج أو حيازات عابرة للحدود، أو إجراء معاملات إعادة الهيكلة واجتذاب الرساميل من مستثمرين ينتمون إلى أنظمة قضائية متباينة، ويبحثون عن نظام قانوني وضريبي محايد».
والحال أن فونسيكا، على وقاحته، لا يجانب الصواب تماماً، من حيث الأبعاد القانونية لتأسيس الشركات الوهمية وتوظيف الأموال الفلكية، أو حتى تبييض بعضها على نحو لا مساءلة فيه (تماماً كما فعل رجل أعمال سوري، اشترى عقارات في لندن نيابة عن آل الأسد وشركائهم!). ثمة هنا سرّ معلوم، ولكنه مفتضَح لتوّه ومنذ عقود، أو بالأحرى منذ ترسيخ النظام المالي الكوني الراهن؛ اسمه الجُزُر الضريبية الآمنة، ولا يبذل طغاة الكون وأثرياؤه أية مشقة في العثور على الجزيرة الملائمة: بنما، جُزُر سيشل، جُزُر كايمان، جُزُر فرجينيا البريطانية، أو حتى دولة مثل لوكسمبورغ أو أختها سويسرا. وحين يجد أثرياء الأنظمة الديمقراطية مشكلة من أيّ نوع تعيق قدرتهم على صناعة القوانين وصناعة السياسة والاقتصاد في بلدانهم؛ أو حين يضطر الطغاة والفاسدون في الأنظمة الدكتاتورية إلى تهريب الأموال نتيجة ضغط خارجي ما، أو رغبة دفينة في الاستئناس بحماية صيرفي أجنبي؛ فإنّ هذه الجُزُر بانتظارهم، تفتح لهم مصارفها وقوانينها، على الرحب والسعة.
والمرء لا يملك إلا تصديق «موساك فونسيكا» حين تعلن أنها لا تعرف، من الأسماء الحقيقية لعملائها مالكي الشركات، إلا 204 من أصل 14.086 شركة؛ وذلك ضمن ما سجّلته من شركات في جُزُر سيشل، في المحيط الهندي. في المقابل، نعرف اليوم أن في عداد زبائنها 58، على أقلّ تقدير، من أقرباء أو أصدقاء أو زبانية رؤساء دول، وملوك، ورؤساء حكومات… ولقد حدث، ذات مرّة، أنّ الحكومة البريطانية غرّمت «موساك فونسيكا» مبلغ 37,500 جنيه استرليني لأنها خرقت قانون حظر تبييض الأموال، في جُزُر فرجينيا؛ حين سجّلت شركة باسم علاء مبارك، نجل الرئيس المصري المطاح به، وذلك رغم إحالة الأب والابن على القضاء بتهمة الفساد. لا نعرف واقعة أخرى من هذا الطراز، وبالتالي فإنّ «موساك فونسيكا»، الابنة الشرعية لقوانين السوق والعولمة والأخلاقيات الرأسمالية المعاصرة، ذات سجلّ عدلي نظيف تماماً، أو يكاد!
يبقى، بالطبع، أنّ ما افتُضح حتى الساعة، وما سيُفتضح في قادم الأيام، ليس سوى أسرار السطح التي كانت مفتضَحة في الأساس، وتلهج بها الألسن، خاصة في ظلّ أنظمة الاستبداد والفساد. ولقد مضى زمن غير بعيد (أواسط الثمانينيات في الواقع)، كانت فيه دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل «هارفارد بزنس ريفيو» تعتمد ما يشبه الفلسفة «الثقافية»، المستندة إلى مقاربة «أنثروبولوجية» أيضاً، في تفسير شيوع الرشوة والفساد في بلدان العالم الثالث: هذه «مكوس» لا تُدفع للفرد وحده، بل للقبيلة بأسرها، تساجل المجلة؛ وثمة شبكة من المصالح المشتركة بين الأفراد والقبائل تستدعي تحصيل نصيب غير مباشر من الثروات، يُوزّع على أفراد القبيلة، أو يُصرف في تحسين سُبل عيشها داخل المؤسسة الأكبر للدولة.
وأسرار الفساد (مثل خفايا الإفساد) ليست شارعاً وحيد الاتجاه: ثمة الفاسد والمرتشي وقابض العمولات، وثمة المفسد والراشي ودافع العمولات. وتقارير منظمة «الشفافية الدولية» تسجّل هذه الحقيقة، بل هي تتكىء عليها بصفة أساسية حين تتحدّث عن العواقب البنيوية الوخيمة التي تلحق بالاقتصادات النامية جرّاء شيوع الفساد في أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالتنمية. والتقرير الرائد في هذا الصدد، الذي وضعه باولو ماورو في سنة 1995، أشار إلى أنّ الدول الأكثر فساداً تشهد القليل فالأقلّ من توجّه ناتجها القومي الإجمالي إلى الاستثمار، والقليل فالأقلّ من معدّلات النموّ.
ولقد بدأ الأمر قبل نحو عام، من مجهول اتصل، على نحو مشفّر، بصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية، وقدّم معطيات عن مكتب محاماة مغمور في بنما، واليوم يتضح أنّ المغمور كان أكثر أخطبوطية من أيّ معلوم راهن في شارع الفساد. ولأنه متعدد الاتجاهات، وكان وسيبقى متعدد الأسرار كذلك؛ فإنّ ما خفي في الشارع إياه، هو ذاك الذي عجزت عن كشفه 11,5 مليون وثيقة، وهو الذي كان ويظلّ الأعظم!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

اليمين الفرنسي والنظام السوري:

تحالف البرابرة

صبحي حديدي

 

قبل نحو عام، أعلن النائب الفرنسي جاك ميار أنه، خلال زيارة إلى دمشق قام بها مع وفد من برلمانيي اليمين الفرنسيين، تشرّف بلقاء البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، وتباحث معه حول أوضاع مسيحيي سوريا. كان ميار يحاول استمالة مسيحيي فرنسا، بالطبع، لكنّ غباءه قاده إلى الخلط بين هزيم (الذي رحل عن عالمنا قبل سنتين من وصول النائب الفرنسي الهمام إلى دمشق)، ورجل دين مسيحي يُدعى جون إكس دانتيوش! ذاك كان وفد «حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية»، الذي كان يتزعمه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي؛ وأما الوفد الثاني الذي زار النظام السوري مؤخراً والتقى مع بشار الأسد، فهو وفد الحزب ذاته بعد أن تغيّر اسمه إلى «الجمهوريون»، وما زال ساركوزي رئيسه أيضاً.
وإلى جانب حماقات ميار، كان في وسع الأسد أن يشنّف أذنيه لسماع تصريحات النائبة فاليري بوييه، التي رفعت عقيرتها من مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية لتتهم اللاجئين السوريين بالتخلي عن بلدهم: «بدل البقاء فيه والكفاح من أجل الحرية، في حين أن أجدادنا مكثوا في فرنسا للقتال ضد النازيين»؛ وأنهم، أيضاً، جبناء توافدوا إلى أوروبا لاغتصاب النساء. وإذا كان خطابها هذا يقتبس أفكار مارين لوبين، زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا؛ فإنّ الطريف، من جانب آخر، أنها تقارن بين النظام السوري والنازية، ثمّ تذهب إلى دمشق للتضامن مع هذا النظام إياه! أمّا رئيس الوفد، تييري مارياني (وهو ليس برلمانياً عادياً لأنه، إلى جانب كتلته اليمينية المتشددة داخل حزب ساركوزي، يشغل عضوية لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية)؛ فقد بشّر الفرنسيين بأنه وجد الأسد «أكثر استرخاءً» مما كان عليه قبل أشهر. ولأنه معجب بشخص فلاديمير بوتين، أكثر بكثير من إعجابه بشخوص الثورة الفرنسية من أمثال روبسبيير أو لافاييت أو ميرابو؛ فإنه نقل إلى أقرانه من الفرنسيين تطمينات الأسد بأنّ روسيا باقية في سوريا… وتتمدد!
والحال أنه لا جديد في هذه الخطوة، إلا بمعنى أنها استجدت زمنياً فقط بالقياس إلى خطوات سابقة في سجلّ انحطاط اليمين الفرنسي المعاصر، وربما على امتداد كامل العقود التي أعقبت انطواء المدرسة الديغولية. فهؤلاء النوّاب (لكي لا يشير المرء إلى مرافقيهم من عتاة قيادات «الجبهة الوطنية» المتطرفة) هم، بادىء ذي بدء، في عداد العناصر الأشدّ هوساً بالدعوة إلى التناغم، والتماهي، مع خطاب اليمين الفرنسي المتطرّف والعنصري والشوفيني. والخطوة، من جهة ثانية، ليست أقلّ من إنتاج، وإعادة إنتاج، نمط فرنسي مبتذل من فلسفة «المحافظين الجدد» في أمريكا، كما بشّر بها ساركوزي نفسه، على مسار سنواته في قصر الإليزيه، وكذلك في كتابه الأحدث «فرنسا إلى الأبد». وكانت زيارته إلى سوريا، سنة 2008، بمثابة كاشف لهذا الخيار، حين انتهى إلى التعاطي مع النظام وفق قاعدة «حوار على أسس واضحة، بشأن القضايا المشتركة»؛ فاكتفى بقصاصة ورق دسّها برنار كوشنر، وزير الخارجية الفرنسي يومذاك، في جيب وليد المعلّم، تضمنت لائحة بأسماء حفنة من المعتقلين السياسيين السوريين الذين ستبتهج فرنسا بإطلاق سراحهم!
وهؤلاء، في الجانب السوسيولوجي والسيكولوجي الأبعد غوراً، نوّاب يمثلون شرائح فعلية في الاجتماع الشعبي الفرنسي؛ وليس ذاك الشعبوي المحض، الذي تتقاذفه الهواجس والمخاطر والكوابيس والعقائد، والتي لم تبدأ من شرور الإرهاب المقترن بالإسلام الجهادي المتطرف، بل انطلقت من رهاب الحجاب والنقاب والبرقع، ووجدت بعض ترجماتها في اعتبار لحم الخنزير جزءاً لا يتجزأ من «القِيَم الحضارية» للمجتمع الفرنسي، بل ولليعاقبة والثورة الفرنسية الأمّ ذاتها! وهؤلاء نوّاب يستغلون، لأنهم في الواقع يقتاتون سياسياً وأخلاقياً على، سلسلة المفاهيم التي تضخّم خواف الفرنسيّ مثلما تدغدغ نزوعاته القوموية، وكلّ ما يتصل بالقلق حول الهوية، وبالذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض؛ ثمّ ما يتصل بالحذر من متغيرات عاتية تأخذ الفرنسي على حين غرّة وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بيير بورديو، عالم الاجتماع والمفكّر الفرنسي البارز (1930 ـ 2002).
ومنذ أحداث 1968 (التي طوت صفحة الديغولية، ولم يكن غريباً أن يدعو ساركوزي إلى «تصفيتها»، دون حياء من المحتوى الجلف غير الديمقرطي لفكرة التصفية)؛ وفرنسا في حال من البحث المضني: إنها تبحث، بصمت مخدَّر تارة، وبصخب مؤلم طوراً، عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية تكفل الخروج ـ أو بعض الانفلات، بعض النقاهة، بعض التحرّر… ـ من حال تأرجح طويل بين الماضي والحاضر، وبين تراث الجار الألماني على مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي وراء المحيط. وفي علم النحو الفرنسي ثمة صيغة فعلية تُدعى «الزمن الماضي الناقص»، أتاحت لعدد من المفكرين أن ينقلوا صيغة الفعل من فقه اللغة إلى فقه الحياة اليومية، فلم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي بأنه… زمن ماضٍ ناقص.
وكان بورديو أحد آخر الكبار المحترمين، أفراد قلّة قليلة حقاً، ممّن كرّسوا الكثير من الجهد المعمّق المنتظم والمنهجي لدراسة ظواهر السياسة اليومية في فرنسا المعاصرة، ولم يكتفوا بالتأمّل المحض بل انخرطوا في الفعل أيضاً، وفي المشاركة المباشرة. وهذا الرجل كان شديد القلق إزاء شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطاب السياسي الشعبي، أو حتى الشعبوي؛ وكان بالغ الحصانة ضدّ إغواء الألعاب النظرية ما بعد الحداثية (على الطراز الذي أشاعه جان بودريار مثلاً، حين اعتبر أنّ حرب الخليج الثانية، 1990، لم تقع!)، التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لافتتاح اللعب. ولم يكن غريباً بالتالي أن بورديو، صحبة نفر قليل من ممثلي هذه الأقلية، شارك في اجتماع شهير مع القيادات النقابية الفرنسية لاتخاذ قرار الإضراب الشامل الواسع الذي شلّ مختلف قطاعات الحياة اليومية الفرنسية أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أنه آنذاك وضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، بل شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضى الحال.
وآخر تجليات هذا التحالف البربري، بين أمثال النائب الفرنسي والنظام السوري، ما قاله مارياني عن الأسد: «كان واضحاً: إنه مستعد للقيام بانفتاح واسع، واستقبال جزء من المعارضين، والعفو عن مقاتلين ضدّه وإدخالهم في الجيش، شريطة أن يحترموا سلطته. لكنه غير مستعدّ أبداً للتنازل عن الحكم»! تخيّلوا هذا النائب، الذي انتُخب ديمقراطياً في بلده فرنسا، كيف يدافع عن رأس نظام لا يقبل، «أبداً»، بالتنازل عن سلطة استبداد وفساد ومجازر وجرائم حرب، تسلمها أصلاً بالوراثة من أبيه، وهو اليوم أباد نصف مليون مواطن، وهجّر الملايين داخل البلد وخارجها، واستخدم صنوف النيران كافة، ويدمّر سوريا بأسرها… دفاعاً عن عرش الدمّ؛ ذاته الذي ذهب أمثال مارياني وبوييه وميار لمصافحته!
وكيف، للأسف، يمكن لهذا التحالف البربري ألا يدفع العشرات من الشبان الفرنسيين، العرب أو المسلمين، إلى اختيار التشدد والتطرف، والركون إلى أشدّ عناصر الهوية جموداً وقتامة وانعزالاً وحقداً؟ وكيف لا يهجرون هذه الديمقراطية، ويهاجرون نحو «داعش» بوصفها بديل استنهاض الذات الجريحة المهانة، ومخرج الثأر وردّ الصاع إلى «ديمقراطيي» هذا الزمان، حلفاء البرابرة؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

انسحاب بوتين:

الظاهر أصدق إنباءً من الخافي

صبحي حديدي

 

في وسع امرىء، متعقل عند الحدود الدنيا فقط، أن يطمئن إلى نفسه إذْ يضرب صفحاً عن تسعة أعشار ذلك النمط من التحليلات التي تُعنَون على هذا المنوال وتنويعاته: الأسباب الخفية (ثلاثة، أربعة، خمسة…) وراء قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالانسحاب من سوريا. أسهل، بكثير في الواقع، وأشدّ احتراماً للعقل، أن يتمعن المرء في الظاهر من القرار، وليس في ما خفي داخل الكواليس ويظلّ طيّ الترجيح والرجم بالغيب؛ خاصة وأنّ في الخيار الأول مادّة وفيرة، بيّنة لتوّها، بل ساطعة، أقرب إلى تحصيل حاصل لا يستدعي مشقة الاستنتاج والاستنباط والتكهن.
ففي الواضح الجلي إعلان بوتين أنّ الهدف من التدخل العسكري في سوريا هو محاربة «الإرهاب» في عقر دياره، وقبل أن يتفشى فينتقل إلى الديار الروسية؛ وهذا هدف باء بفشل ذريع، رغم آلاف الطلعات، لأنّ «داعش»، المحور الأوّل المعلَن خلف مجيء موسكو، ما تزال حيّة تتمدد وتسعى وتتسع. ولم يكن مراقبو الشأن السوري على الصعيد العالمي، وربما في ما تبقى من أطلال إعلام روسي موضوعي، بحاجة إلى تطبيق قواعد منطقية تفضي إلى هذه الخلاصة؛ لا لشيء إلا لأنّ طلعات القصف الجوي الروسية طالت المشافي التي تديرها منظمات دولية محايدة مثل «أطباء بلا حدود»، بعد أن استهدفت المستوصفات المدنية ورياض الأطفال والمدارس والمساجد والأسواق الشعبية، وأودت بحياة قرابة 2000 مدني سوري أعزل. 
وكذلك، على قدم المساواة، كان الهدف الحقيقي غير المعلن هو انتشال ركام جيش النظام من حافة الهاوية، ثمّ إصلاح التوازنات على الأرض عبر معادلة تقول بإمكانية ترجمة القصف الجوي (ضدّ المعارضة وفصائل الجيش الحرّ، تحديداً) إلى مكاسب ميدانية: سواء عن طريق استعادة ما تمّ خسرانه من مناطق، أو وقف خسران مناطق أخرى ذات أهمية فائقة للنظام (الساحل وشمال حلب وسهل الغاب، أساساً)؛ إنْ لم يكن عن طريق ركام الوحدات النظامية والميليشيات الموالية، فعلى الأقلّ عن طريق مقاتلي «حزب الله» ومرتزقة الميليشيات المذهبية الإيرانية والعراقية والأفغانية وسواها. هنا، أيضاً، لا تبدو الحصيلة هزيلة تماماً ـ بالقياس، دائماً، إلى الحجم الهائل من القوّة التدميرية التي استخدمتها موسكو، بالأسلحة الأرقى ـ فحسب؛ بل ثمة ما هو فاضح بالمعنى العسكري الصرف، لأنه كشف الكثير من عيوب الجيش الروسي، والكثير من نقاط ضعفه (ليس أبرزها سقوط الصواريخ، عابرة القارات إلى سوريا، في الباحة الإيرانية!). 
وفي الظاهر، ثالثاً، أن بوتين شاء افتتاح ساحة قتال إضافية في سوريا، تستكمل حروبه مع الغرب والولايات المتحدة، التي تُخاض منذ سنوات على ثلاث جبهات: العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو، وخفض أسعار النفط، والمسألة الأوكرانية. ليست أقلّ ضراوة تلك المواجهات الشرسة، الدامية أيضاً، التي تستنزف من موسكو خسائر بقيمة 600 مليار دولار أمريكي، خلال الفترة بين 2014 و2017؛ وليس في وسع الـ»سوخوي 25» أن تكون فيها فيصلاً حاسماً، سواء خيض الصراع مباشرة في كييف عاصمة أوكرانيا، أو بالإنابة في سوريا عبر مطار حميميم! لكن هذه الساحة القتالية (التي قدّر لها الكرملين ثلاثة شهور لكي تأتي أكلها)، أسفرت عن مآل أقرب إلى نقيض: تآكل مضطرد لديناميكيات التدخل الجوهرية، بل والبسيطة أحياناً، حتى بعد أن استطالت الأشهر الثلاثة إلى سبعة، وتكثفت أوحال «المستنقع السوري»، وأخذت شباك الورطة تلتف حول عنق الدبّ الروسي أكثر فأكثر، واتضح أنه يوشك على استئناف سجيته التاريخية المأثورة: التخبط في مخزن خزف!
وفي الظاهر، رابعاً، أنّ نطاسي السياسة الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، أقنع سيد الكرملين بأنّ «عقيدة أوباما» ـ الذي جاء لانتشال أمريكا من حروب سلفه جورج بوش الابن، لا للانخراط في أي مستوى من الاحتراب ـ هي الفرصة الثمينة لكسر أحادية القطب، والعودة إلى المنطقة، بل للانقضاض على ما لأمريكا فيها: عبر مياه المتوسط الدافئة، وبالتراضي مع إسرائيل بنيامين نتنياهو، ليس دون إغفال إيران وبوابتها العراقية. فات لافروف، مع ذلك، خاصة وأن ثقافته في تاريخ المنطقة ضحلة وسطحية واستشراقية (خشي ذات يوم من «دولة سنّية» في سوريا لا يكون فيها مستقبل لـ»ديانات» أخرى مثل العلويين والمسيحيين و… الكرد!)؛ أنّ الفخّ الأمريكي لم يكن يتشوّف إلى تطوّر آخر مثل تشوّفه إلى تورّط موسكو في «المستنقع السوري» إياه: كانت واشنطن سعيدة بحربَيْ استنزاف مجانية يخوضها خصمان، إيران و»حزب الله»، في صالح إسرائيل أولاً؛ فباتت أسعد بانضمام موسكو إلى النادي، بثمن بخس دائماً في إنفاق واشنطن، وباهظ تماماً في مديونية الكرملين…
هذه، مع اختلاف ضروري في التفاصيل، ليست حال جديدة على بوتين، وفي وسع المرء أن يعود بالذاكرة عقداً من الزمن إلى الوراء، ليكتشف بوتين المتمرد على نظام القطب الواحد، «اللاديمقراطي» في توصيفه. آنذاك لاح أنّ الرئيس الروسي أشبه بنافخ في قربة مثقوبة. فما الذي، في سؤال واحد كافٍ، منع موسكو من استخدام حقّ النقض (الـ»فيتو») في مجلس الأمن الدولي، لتجريد واشنطن من غطاء «الشرعية الدولية» في غزو أفغانستان والعراق، وذاك كان أضعف الإيمان على درب اختراق نظام القطب الواحد؟ 
أيضاً، حين كانت أنظار العالم منشدّة إلى أمريكا على أكثر من صعيد (مجازر جيش الاحتلال الأمريكي في مدينة الفلوجة العراقية، وذبح مئات الأبرياء من أبنائها بذريعة محاربة الإرهاب، واستقالة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، وتوطيد صفوف «الصقور» في الإدارة ذاتها بعد ترشيح كوندوليزا رايس لقيادة الدبلوماسية الأمريكية…)؛ مَن الذي دخل على الخطّ بغتة، ودونما دعوة؟ بوتين، بالطبع، حين عقد اجتماعاً دراماتيكياً مع أركان القيادة العسكرية الروسية، وباغت العالم بأنّ روسيا سوف تنشر في الأعوام القليلة القادمة أنظمة صواريخ نووية جديدة متفوّقة على كلّ ما تمتلكه القوى النووية الأخرى في العالم أجمع.
الصواريخ تلك لم تُنشر، بالطبع، ولكن قبل أيام معدودات سبقت رياضة التصريحات الملتهبة كان رودريغو راتو، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، يقوم بزيارة خاطفة إلى روسيا للبحث في ضرورة سداد موسكو ديون الصندوق (بوصفه الدائن الأكبر) اعتماداً على الوفر الخاصّ الذي نجم مؤخراً عن ارتفاع أسعار برميل النفط. آنذاك توجّب على موسكو أن تسدّد مبلغ 2.7 مليار دولار أمريكي، وكان واضحاً أنّ بوتين يتخاطب مع راتو بصدد تأجيل تلك الديون، عن طريق التلويح بأنّ الصبر على المدين أفضل كثيراً من حشره خلف منصّة صاروخ نووي! المدهش، رغم هذا، أنّ إدارة بوش لم تأخذ تلك التصريحات على محمل الجدّ، وأعلن الناطق باسم البيت الأبيض آنذاك، سكوت ماكليلان، أنّ أخبار موسكو ليست جديدة على الإدارة: «نحن على اطلاع تامّ حول جهودهم الثابتة لتحديث آلتهم العسكرية».
وهكذا فإنّ خلاصة الحال سبق أن اختصرها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت غيتس، في أنّ حرباً باردة واحدة تكفي، وأمريكا لا تنوي استئناف أيّ من تلك المعارك الافتراضية العتيقة مع موسكو. وأمّا اليوم فإنّ إدارة بوتين هي التي تختصر حالها، بذاتها، دبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفي أُطُر وأخلاقيات أحادية القطب دون سواها: رحم الله قوّة عظمى عرفت حدّها، فوقفت عنده؛ أو ارتدت إليه، اضطراراً أو رضوخاً أو تعقلاً، إثر مغامرة قاصرة الحسابات، عاثرة!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

البيت الشيعي العراقي ومصنع الألغام

صبحي حديدي

 

ذات يوم، حين كانت معزوفة «تحرير» العراق هي الأسطوانة المفضّلة لدى جنرالات الجيش الأمريكي، أسوة بمرتزقة «مجلس الحكم» العراقي؛ كانت قاذفات الـ»ف ـ 16» ومروحيات الـ»آباشي» تحصد أرواح العراقيين المدنيين بالعشرات، في صفوف النساء والأطفال والشيوخ أولاً. ويومئذ، كان الجنرال ريشارد مايرز، رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي، يستخدم توصيفات مثل «المتمردين» و»العصاة» في تصنيف عناصر «جيش المهدي» التابع للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر؛ وأما بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي في العراق، فقد كان يردد أنّ كابوس حياته سوف يكون مواجهة بين الشيعة وقوّات الاحتلال.
هذه الخلفية ليست عتبة صالحة للولوج إلى حجرات البيت الشيعي العراقي، الذي تعصف به الأنواء اليوم، فحسب؛ بل هي مفتاح، أيضاً، لفهم خلافات ذلك البيت بالقياس إلى أقطاب صراعاته الأخرى: العسكري مع «داعش» بادئ ذي بدء، ثمّ السياسي مع شرائح عريضة من الشارع السنّي تالياً، وصولاً إلى إرث الاحتلال الأمريكي في مجمله. فكيف إذا كانت عناصر هذه المعادلة خاضعة، من جانب آخر ليس أقلّ أهمية، لمعطيات وضع إقليمي متفجر، بالغ التعقيد، تنقلب فيه «سلّة المصالح القومية» الإيرانية إلى مصنع ألغام، وليس في وسع البيت الشيعي العراقي إلا أن يكون على التخوم الأولى المحاذية لذلك المصنع!
وفي العودة إلى إرث الاحتلال الأمريكي ـ قبل أن تنشأ منظمات مثل «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، أو «دولة العراق الإسلامية» أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام»؛ وقبل أن يصعد قادة جهاديون غلاة من أمثال أبو مصعب الزرقاوي وأبو محمد العدناني وأبو بكر البغدادي… ـ عهدت واشنطن بمهمة مجابهة معضلات ما بعد الاحتلال إلى أتباع من أمثال محمد محسن الزبيدي (الذي سارع إلى تنصيب نفسه في موقع «رئيس حكومة بغداد»!) أو جودت العبيدي (في منصب «رئيس بلدية العاصمة») أو مشعان الجبوري («حاكم الموصل»). وكان طبيعياً أن يكون «امتياز» هؤلاء هو إغماض الأعين وصمّ الآذان تماماً عن السلب والنهب والتخريب (كما تردّد مراراً، وبحقّ: هذه القوّة الغازية، أمريكا، القادمة من تاريخ حضاري لا يزيد عن مائتي سنة، أنّى لها أن تحترم بلداً مستباحاً حضارته تُعدّ بآلاف السنين؟)؛ أو عقد اجتماعات لكلّ مَن هبّ ودبّ من أطراف معارضة مفلسة عاجزة، منعزلة وانتهازية، مرفوضة من الشارع العراقي العريض.
فما الذي تغيّر حقاً، وجوهرياً، في لجوء طهران إلى تعهيد شؤون العراق («ما بعد الاحتلال» أو «ما بعد التحرير»، كما يُقال لنا، زيفاً ودجلاً)؛ إلى رجال من أمثال حيدر العبادي، أو نوري المالكي قبله، أو إبراهيم الأشيقر الجعفري قبلهما؟ وأيّ عراقيين هؤلاء، قادة «الحشد الشعبي»، أمثال أبو مهدي المهندس وهادي العامري وقيس الخزعلي؛ الذين يبدأون قتال «داعش» عن طريق ارتكاب الفظائع بحقّ أبناء جلدتهم من المدنيين العراقيين السنّة، أو عن طريق التهجير القسري أو التطهير المذهبي للمناطق؛ كما أقرّ التيار الصدري ذاته، وليس أيّ فريق آخر سنّي التكوين؟
ليس عجيباً والحال هذه، بل هو المآل المنطقي الطبيعي، أنّ جماهير شيعة العراق، التي هتفت، مطلع الاحتلال، بحياة مقتدى الصدر وعلي السيستاني والحوزة العلمية، بدل أحمد الجلبي أو إياد علاوي أو موفق الربيعي أو عدنان الباجه جي أو حتى عبد العزيز الحكيم؛ تهتف اليوم ضدّ «البوّاقين»، لصوص الشعب الفاسدين المفسدين، الطائفيين اللاوطنيين، عملاء مصنع الألغام دون سواه…
ذلك لأن قاطرات التاريخ لا تسير في خطّ وحيد مستقيم، نحو اتجاهين لا ثالث لهما: إمّا الحوزة الحسينية، أو قاذفة الـ «ف ـ 16»!.

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

 

«الإحياء» الإسلامي ومنتصف العصا:

رحل الترابي وتسلّم الغنوشي!

صبحي حديدي

 

في وسع أنصار الشيخ راشد الغنوشي، رئيس «حركة النهضة» التونسية، أن يسارعوا إلى تنصيبه خليفة مستحقاً للشيخ حسن الترابي (1932ـ2016)؛ إنْ لم يكن على الصعيد التنظيري. وللأول باع طويل وعتيق في هذه الرياضة الفكرية، فعلى الآقل، بل على الفور، في ميدان الحذلقة السياسية والتكتيك العتيق في إمساك العصا من المنتصف، وادعاء العدل على طرفيها، والإنصاف التام. وسبحان المصادفات، حقاً، بين رحيل الشيخ السوداني وتصريحات الشيخ التونسي حول «حزب الله»: لا نصنفه كتنظيم إرهابي، لأنه لا أحد يستطيع أن يزايد على الحزب في دوره الوطني (هذا منتصف العصا الأول)؛ لكن دور الحزب في سوريا هو إشكالي، وهو محل أخذ ورد لأنه دعم الثورة المضادة (منتصف العصا الثاني)…
أن ترسل آلاف المقاتلين (أنفسهم، حَمَلة راية «الدور الوطني») إلى سوريا، ليس للقتال دفاعاً عن نظام مجرمي الحرب ومصاصي دماء الشعب السوري، فحسب؛ بل، أيضاً، لارتكاب المجازر ومحاصرة المدن والبلدات والقرى وتجويع النساء والأطفال والشيوخ؛ أمر «محل أخذ ورد»، ليس أكثر، في تنظير الشيخ الغنوشي. لكنه ـ لا عجب البتة، في الواقع، ولا جديد في التكتيك ـ تنظير قابل للقلب والاستقلاب؛ لأن أجهزة الشيخ سارعت إلى تخفيف أضرار هذه الأقوال، التي لا تروق لكبار رعاة الغنوشي خارج «النهضة» وخارج تونس كلها، بالقول إن تصريحات الشيخ «فُهمت بطريق الخطأ»: من جانب العباد الخطائين بالطبع، لأن لغة الشيخ لا يأتيها خطأ من داخلها!
من جانبه كان الترابي ـ سواء كان الشيخ في واحدة من الإشراقات المعدّة للاستهلاك الداخلي، أو تلك الخاصة بالتصدير إلى الخارج – كما تقول النكتة الشعبية السودانية ـ المنظّر الأبرز لما سُمّي بـ»حركة الإحياء الإسلامي»؛ وكان «القدوة الحسنة» لجيل (أوّل وثانٍ ربما) انخرط في تسييس معقّد، تنظيمي وفكري، لستراتيجيات وتكتيكات جماعات «الإخوان المسلمين» وعقائدهم. صحيح أنه لم يكن حسن البنّا، وكان محالاً أن يعيد إنتاج شخصية أبو الأعلى المودودي؛ لكنه ظل شديد الولع بطراز من الهوس البلشفي بالتنظيم والتعبئة. ذلك، والكثير سواه، يتيح استبعاد النظرة الأحادية إلى شخصية الترابي على الضفتين: التقيّ النقيّ (كما يردّد الحالمون من أتباعه)، أو المنافق ومنظّر الإرهاب (كما يردد العصابيون من خصومه).
«ما الذي يمكن أن يعنيه الحكم الإسلامي؟» سأل الترابي ذات يوم. «النموذج بالغ الوضوح، أما أفق الحكم فهو محدود، والقانون ليس توكيلاً للرقابة الاجتماعية لأنّ المعايير الأخلاقية والضمير الفردي شديدة الأهمية، وهي مستقلة بذاتها. لن نلجأ إلى ضبط المواقف الفكرية من الإسلام، أو قنونتها، ونحن نثمّن ونضمن حرية البشر والحرية الدينية ليس لغير المسلمين فحسب، بل للمسلمين أنفسهم حين يحملون قناعات مختلفة. إنني شخصياً أعتنق آراء تسير على النقيض تماماً من المدارس السلفية في التشريع حول مسائل مثل وضع المرأة، وشهادة غير المسلم في المحاكم، وحكم الكافر. البعض يردد أنني متأثر بالغرب إلى حدّ اقتراف الكفر. ولكني لا أقبل الحكم على سلمان رشدي بالموت، ولو استفاق مسلم ذات صباح وقال إنه كفّ عن الإيمان، فهذا شأنه وحده».
ويمضي الشيخ في شرح تفسيره لعلاقة الدين بالدنيا فيقول: «الحكم الإسلامي ليس شاملاً لأن الإسلام وحده هو الرؤية الشاملة للحياة، وإذا اختُزل في الحكم وحده فإن الحكومة ستكون عاجزة مشلولة، وهذا ليس من الإسلام في شيء. الحكم لا مصلحة له في التدخل في عبادة الفرد أو صلاته أو صيامه إلا في ما يتصّل بالتحدّي العلني للصيام. نحن لا نخلط بين ما هو أخلاقي وما هو شرعي. الرسول نفسه أغلظ في القول ضدّ الممتنعين عن الصلاة، ولكنه لم يتخذ أي إجراء بحقهم. وتوجد فروض اجتماعية حول كيفية اختيار الرجال والنساء للباسهم، ولكن المسألة ليست جزءاً من القانون». ولا يكتمل المعمار التنظيري للشيخ الترابي من دون التوقف عند الإسلام الراهن، في العالم الراهن: «قد تكون النزعة القومية هي البديل عن الإسلام في بلدان أخرى. لكن الإسلام هو النزعة القومية الوحيدة المتوفرة أمامنا إذا شئنا تأكيد قيمنا الوطنية الأصلية، وأصالتنا، واستقلالنا عن الغرب. الإسلام هو حداثتنا الوحيدة. إنه العقيدة الوحيدة التي يمكن أن تقوم مقام العقيدة الوطنية في أيامنا هذه».
هذا منتصف العصا، في افتراض مشروع، فما الذي احتواه المنتصف الثاني؟ ذات يوم، بسبب تصريحات اعتبر فيها أنّ الرئيس السوداني عمر البشير «مدان سياسياً بجرائم ارتكبت في دارفور، وعليه المثول طوعاً أمام المحكمة الجنائية الدولية»، لجأت السلطات السودانية إلى اعتقال الشيخ الترابي. بعد احتجاز دام شهرين، تمّ الإفراج عنه، ليس بدون مفارقة صارخة: كان الاعتقال يستهدف التنكيل به، وكان الإفراج يسعى إلى… استرضائه، والإيحاء بتوفّر إجماع شعبي سوداني حول رفض المذكّرة. لكن إيمان الترابي بـ «العدالة الدولية» ـ كما مثّلها، يومذاك، القاضي لويس مورينو أوكامبو ـ بدا موضع مساءلة فورية؛ بالنظر إلى لائحة مواقف الترابي السابقة من قرارات «المجتمع الدولي» حول السودان، لكي لا يتحدّث المرء عن كامل فلسفة الترابي في صدد المعادلات ما بعد الكولونيالية بين المستعمِر والمستعمَر، والشرق والغرب إجمالاً.
«عرب الحدود»، في جانب آخر من تنظير الشيخ، هو التعبير الذي اعتاد استخدامه لوصف عواقب الفاصل الزمني الطويل الذي جعل ولادة الهوية العربية في السودان قيصرية، بالمعاني السيكولوجية والسياسية والجغرافية؛ وسهّل لجوء الإدارة الاستعمارية البريطانية إلى سياسة الباب المغلق، المعاكسة تماماً للسياسة التي اعتمدها الروّاد العرب. وفي معجم مفردات التاج الإمبراطوري، كان إغلاق الباب على عرب الشمال المسلمين يعني فتحه على مصراعيه أمام قبائل الجنوب عبر تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم، وتأسيس وضع خاص بها، وإسناد الخدمات التربوية والاجتماعية إلى البعثات التبشيرية، وتكليف زعماء القبائل بالشؤون الإدارية المحلية، وإحياء اللغات الإثنية والثقافة القبلية على حساب الإسلام واللغة العربية. وحين أحرز السودان استقلاله عام 1956، كان الجنوب يسترجع، لتوّه، ذاكرة الرقّ وإرث الطريقتين الصوفيتين ـ السياسيتين (الأنصار والختمية)، ويستعد للأسوأ عن حقّ أو عن باطل.
ومن المفارقات ذات الدلالة أنّ «الاستبداد العلماني»، كما يصف الكاتب الأمريكي ملتون فيورست أسلوب حكم جعفر النميري بعد انقلاب 1969، حظي بدعم مبدئي من الشيوعيين، وبمعارضة من الشيخ الترابي الذي بقي رهن الإعتقال طيلة سبع سنوات. ثم انقلبت الأقدار سريعاً، فأعدم النميري عشرات القادة الشيوعيين، قبل أن يهتدي إلى فضائل الشريعة وتطبيق الحدود في قوانين أيلول (سبتمبر) 1983، فلا يكتفي بالإفراج عن الترابي بل ويعيّنه وزيراً للعدل! المفارقة الأخرى أنّ اكتشاف النفط كان المعيار الحاسم لاختبار سلسلة القوانين الاستبدادية (غير العلمانية هذه المرة!)، وطرح ورقة الإنفصال بعنف حصد أكثر من مليون ضحية، في أقلّ التقديرات تشاؤماً. الترابي كان المهندس الحقيقي وراء هذا الطور من نقل «عرب الحدود» إلى «عرب الإسلام»؛ أو الحكم الإسلامي، أو الشريعة في تطبيقها الدنيوي المعتدل، أو ما يشاء المرء من تسميات تدخل في النطاق الدلالي ذاته.
وذات يوم، أخيراً، كان منتصف عصا الشيخ يشير إلى سهره شخصياً على طيب إقامة أسامة بن لادن في السودان؛ وكان المنتصف الثاني ينقل وقائع جلسة الكونغرس الأمريكي المخصصة للاستماع إلى الشيخ، ينظّر وينظّر وينظّر. العصا آلت اليوم إلى الغنوشي، أغلب الظن، وتنظيرات الوريث عن «حزب الله» ليست سوى أول الغيث!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

تركيا والكرد:

ليس جنس الملائكة!

صبحي حديدي

 

لا جديد في القول إنّ العنصر الأبرز في ستراتيجية الأمن القومي التركي إزاء الجارتَين، العراق وسوريا، كان ويبقى الحيلولة دون إقامة كيان كردي مستقلّ على أيّ نحو؛ خاصة إذا نشأ بمبادرة من حزب العمال الكردستاني، الـPKK، أو وقع تحت سيطرته حزبياً وعسكرياً. الجديد، في المقابل، كثير ودائم من حيث حال الشدّ والجذب التي تعتري هذا العنصر، وصعود أو هبوط معدّلات نفوذ الـPKK، أو تبدّل خياراته ميدانياً؛ سواء على صعيد الداخل التركي أولاً، أو استطالاته نحو شمال العراق، وبعض إيران، وسوريا، تالياً.
ولا سرّ، إلا عند السذّج ودافني الرؤوس في الرمال، أنّ الجناح العسكري الضارب لحزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي»، وكذلك «وحدات الحماية الشعبية»، لا يتلقى أوامر التحرّك الكبرى من قياداته الكردية في سوريا، صالح مسلم أو سواه؛ بل من جبال قنديل، في كردستان العراق، حيث تقيم القيادة العسكرية الفعلية للـ
PKK. وهنا مستوى التناقض الفاضح الأول بين قيادة تزعم الانتساب إلى الماركسية ـ اللينينية، وقواعد تؤمر باستقبال مندوبي البيت الأبيض، والتنسيق مع ضباط البنتاغون والاستخبارات الأمريكية، وفتح مهبط رميلان أمام حوامات اليانكي!
ولا سرّ، أيضاً، في أنّ تركيا ما تزال عضواً في الحلف الأطلسي؛ بل هي عضو مدلل على نحو ما، لأنها الوحيدة المسلمة في عداد الدول الـ 28، أعضاء الحلف؛ وهي الأقرب إلى قوس الأزمات الشرق ـ أوسطي التاريخي، في العراق وإيران والخليج العربي، ثمّ سوريا ولبنان وإسرائيل. وإذا كانت امتيازات هذه العضوية لا تمنح أنقرة حقّ النقض على سياسات واشنطن في التنسيق مع الجناح العسكري، السوري، من الـ
PKK، وتلميعه، وإعادة إنتاجه كأداة «معتدلة» في محاربة «داعش»؛ فإنّ تركيا، من جانبها، تمتلك حقّ التشويش على الخطط الأمريكية، أو حتى تعطيلها مباشرة، عبر اعتبار العنصر الأبرز في ستراتيجية أمنها القومي هو، بالتعريف والتضامن الأطلسي، عنصر بارز أمريكي أيضاً.
هذه هو وجه التناقض من الجانب الآخر، الموازي للتناقض الخاصّ بالـ
PKK؛ الأمر الذي يفسّر بارومتر المواقف الأمريكية تجاه احتمالات التوغل العسكري البرّي التركي في العمق السوري، أو على خطوط المواجهة مع وحدات الـYPG. تارة ترسل واشنطن إشارات تنمّ عن عدم الرضا، وهو الموقف الأعمّ أغلب الظنّ؛ وطوراً يتدخل الرئيس الأمريكي باراك أوباما شخصياً، لتأكيد «تفهم» الولايات المتحدة لهواجس تركيا حول التحركات الكردية قرب الحدود التركية ـ السورية. وهكذا، بعد تصريح أردوغان بأن هذه الوحدات تستخدم أسلحة أمريكية، جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي والأمريكي استغرق 80 دقيقة (حسب وكالة أنباء رويترز)، لم يكن موضوعه جنس الملائكة بالتأكيد!
وفي تراث العلاقات السورية ـ التركية، لا تُنسى تلك الواقعة المفصلية التي شهدها صيف العام 1998، حين بادرت تركيا إلى إبلاغ حافظ الأسد هذه الرسالة الوجيزة القاطعة التالية: إمّا أن يرفع الغطاء عن عبد الله أوجلان، زعيم الـ
PKK، فيُطرد من سورية ومن البقاع اللبناني، وتُغلق معسكراته، ويُوقف أيّ دعم لوجستي وعسكري واستخباراتي كان النظام يقدّمه له؛ وإمّا… الحرب العسكرية المباشرة الشاملة. ولقد انحنى الأسد، بالطبع، وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، غادر أوجلان الأراضي السورية واللبنانية إلى غير رجعة، أو بالأحرى إلى حيث يقيم اليوم: في المعتقل التركي!
والحال أنّ جنرالات أردوغان ليسوا أقلّ تعطشاً من أسلافهم، حينما يتصل الأمر بالحرب ضدّ الـ
PKK؛ ويُخشى أنّ قيادات قنديل، اليوم، ليست أقلّ استعداداً لتكرار أخطاء أسلافها في إقامة تحالفات خاطئة، مع الولايات المتحدة أو مع النظام السوري، دفع الكرد أثمانها باهظةً ودامية، مراراً وتكراراً.

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

الواجب الكفائي… في طهران

صبحي حديدي

 

في أواسط حزيران (يونيو)، أعلن الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ناطقاً باسم المرجعية الشيعية وآية الله علي الحسيني السيستاني، أنّ «العراق وشعبه يواجه تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً» من «الإرهابيين «؛ ولهذا فإنّ «مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع ولا تختص بطائفة دون أخرى أو طرف دون آخر»، وهذا واجب كفائي.
بعد 16 شهراً، ومن منبر الأمم المتحدة في نيويورك، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أنّ «الحشد الشعبي»، الوليد الأحدث عهداً لنداء الواجب الكفائي، هو «أحد تشكيلات الدولة الرسمية التي تدافع عن البلاد صفا واحداً مع باقي القوات الأمنية الباسلة التي تحارب الإرهاب والعصابات الإجرامية التي تحاول العبث بالسلم الاجتماعي». وقبل أسابيع قليلة، خلال خطبة عصماء أمام مؤتمر برلمانات الدول الإسلامية، شدد العبادي على أنّ «الحشد الشعبي الذي يقاتل اليوم ضد عصابات داعش، يمثل صورة للتلاحم العراقي». وأمّا قبل ساعات، خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن، فقد أقرّ الرجل بأنّ «الحشد الشعبي أفرز جماعات خارج إطار الدولة»، معتبراً أن وجود هذه العصابات يتطلب تدخلا لمكافحتها، ويجب القيام بإصلاحات تمكن الدولة من السيطرة على العصابات المنفلتة».
والحال أنّ قوّات «الحشد الشعبي» لا تتبع الدولة العراقية، بما في ذلك وزير الداخلية محمد سالم الغبان، الذي تربى في كنف «منظمة بدر»، الحاضنة الأمّ لـ»لحشد»؛ كما أنها لا تأتمر مباشرة بما يصدر عن المرجعية، خاصة وأنّ المرجع الأعلى يدرك ذلك، ويحرص على عدم طلب ما لا يُطاع! وأمّا تابعية هذه القوّات ـ في مكوناتها الثلاثة الأبرز: «بدر»، و»عصائب الحق»، و»حزب الله» اللبناني ـ فإنها قد عُقدت لمركز واحد وحيد، هو طهران. وبمعزل عن تعقيدات المشهد الشيعي الداخلي في العراق، وصلاته بمركزية المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي؛ فإنّ جذور «الحشد الشعبي» لا تضرب في تربة راهنة، ذات صلة بسقوط الموصل في براثن «داعش» وزحف التنظيم نحو العمق العراقي، بل هي بين أولى الثمار الشائهة، والسامة الدامية، التي استنبتها الاحتلال الأمريكي للعراق، قبل 13 سنة.
وبهذا المعنى فإنّ الاعتراض الأمريكي على استدخال «الحشد الشعبي» ضمن صفوف الجيش والشرطة والأمن التابعة للدولة العراقية، ليس مردّه ما افتُضح ـ والبعض يقول: جرى تسريبه علانية عن سابق قصد ـ من فظائع وحشية ارتكبها «الحشد» ضدّ مواطنين مدنيين أبرياء من أبناء الطائفة السنية، فحسب؛ بل كذلك ما يعتبره مراقبون بنداً مكمّلاً في أجندة «ستراتيجية الخروج» الأمريكي من العراق… مرّة وإلى الأبد، كما يساجل البعض!  وليس غريباً، بعد انكشاف الاعتراض الأمريكي على استمرار عمل «الحشد» ضمن صفوف الوحدات العسكرية والأمنية العراقية الرسمية؛ أن ينقضّ عمار الحكيم، باسم المجلس الإسلامي الأعلى، على هذا التفصيل، ليحفر حفرة للعبادي، بقصد الإطاحة به.
لكنّ الساسة العراقيين الشيعة، من العبادي والحكيم إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وزميله إبراهيم الجعفري، يتصارعون في واد؛ وقادة «الحشد» الميدانيين، من هادي العامري إلى أبو مهدي المهندس (جمال جعفر علي)، دون استثناء قاسم سليماني، جنرال «الحرس الثوري» الإيراني، يتناغمون في واد آخر… شاسع البون، واسع الشقة! هذا إذا استبعد المرء، مؤقتاً على الأقلّ، احتمالات الصراع، وربما الصدام العسكري المباشر، بين «الحشد» وقوات «البيشمركة» الكردية في الشمال، إذا حانت ساعة التناقض.
فإذا أقرّ المرء بوجود «معادلة إيرانية» كبرى في قلب المسألة العراقية، فإنّ الواجب الكفائي لـ»الحشد»، وسواه من التكوينات السياسية والميليشياتية الشيعية العراقية، ذو مرجعية عابرة للحدود العراقية، نحو طهران، وحدها.

صبحي حديدي

 

 

قرآن الأسد وتوراة أوباما

 

صبحي حديدي

 

 لعلّ بشار الجعفري، مندوب النظام السوري وممثله في مباحثات جنيف الأخيرة، هو الاختزال الأصدق لهذه الجولة؛ قبل أن تبدأ، وبعد أن فشلت، سواء بسواء. لقد أعلن ـ ساحباً البساط من تحت أقدام الرعاة الثلاثة، واشنطن وموسكو والأمم المتحدة ـ أنّ «الفاتحة» في «القرآن تبعنا»، أي قرآن سيّده بشار الأسد، هي هذه: «لن يكون هناك تفاوض، نحن هنا لإجراء محادثات غير مباشرة على شكل حوار سوري ـ سوري، دون شروط مسبقة، ودون تدخل خارجي». ورغم أن «محادثات» من أيّ نوع لم تجرِ، في نهاية المطاف، ما خلا تلك التي عقدها المندوب الأممي ستافان دي ميستورا؛ فإنّ كامل الضجيج والعجيج الذي اكتنف ما سُمّي جنيف 3، انتهى إلى «الفاتحة» إياها.
وليس الأمر أنّ النظام الذي يمثّله الجعفري على قدر من البأس يمكّنه من سحب البساط هكذا، مخاطراً بانقلاب أقدام الرعاة عليه؛ بل الحال أبسط بكثير، وأشدّ وضوحاً من أن تخفي حقائقه تجاسر الجعفري على «الفاتحة» و»القرآن» و»صدق الله العظيم». ذلك لأنّ الأخير ـ بعد تسميته ممثلاً للنظام، ثمّ استبداله بوزير الخارجية وليد المعلّم، ثمّ إعادته ثانية إلى الواجهة ـ جاء محمّلاً بوصية واحدة من مولاه الأسد: هذا لعب في الوقت الضائع، فالعبْ ولاعبْ! ومن جانبه، لم تكن فراسة الأسد وعبقريته وحُسْن قراءته للمشهد السياسي، هي العناصر التي أتاحت له بلوغ هذه النتيجة، بل كانت موسكو قد باحت له بالسرّ، وأنّ التفاهمات الأمريكية ـ الروسية لا تريد من جنيف 3 هذا، أكثر من هذا: اللعب في الوقت الضائع.
ذلك لأنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد باشر في حزم الحقائب التي سترافقه عند مغادرة البيت الأبيض، وهو لتوّه «بطة عرجاء» كما يقول التعبير الأمريكي الشهير في توصيف رئيس يختتم ولايته الثانية. وما دام قد صرف سبع سنوات تحت لواء عقيدته الشهيرة ـ التي قالت بإغلاق حروب أمريكا الخارجية، والامتناع عن فتح أية معركة في أية حرب جديدة ـ فإنه لن يخرق القاعدة الذهبية الآن، إذْ يودّع. وعلى نحو ملموس أكثر، إذا كان قد رأى المغنم كلّ المغنم في توريط خصمَين ستراتيجيين، إيران وروسيا، في حرب استنزاف مفتوحة على ساحة الصراع في سوريا؛ ورأى الحماقة كلّ الحماقة في كسر هذه المعادلة، ما دامت مخاطر المغانم الأمريكية المجانية قابلة لـ»احتواء» محسوب؛ فما الذي سيدفعه، اليوم، إلى مجافاة ما يلتزم به منذ انطلاق الانتفاضة السورية، في آذار (مارس) 2011؟
وفي مقابل هذه الـ»توراة» الأوبامية، لكي يتابع المرء غمزة الجعفري من القرآن؛ ثمة حاجة روسية ماسة إلى كسب الوقت، أو ملاقاة واشنطن عند نقطة اللعب في الوقت الضائع، لتحقيق سلسلة «انتصارات» عسكرية على الأرض، تنجزها الميليشيات الإيرانية بدعم من الطائرات الحربية الروسية، التي تمارس قصفاً كثيفاً شاملاً، وعشوائياً أعمى، في آن معاً. هذا مآل في وسع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن يتفاخر به على الملأ، كحصيلة روسية صرفة، دونما إشارة إلى أي دور يُنسب إلى ما تبقى من جيش النظام. وله، أيضاً، أن يلبّي رغبة زميله الأمريكي، جون كيري، في الضغط على، وتليين عريكة، معارضة سورية قررت ـ أخيراً! ـ الذهاب إلى محفل مفاوضات دولي، حاملة مطالب مشروعة لا تروق للرعاة الثلاثة معاً.
ولكنّ ما أخطأت، وتخطيء، فيه قاعدة أوباما ـ حول حدود الانفجار التي بلغها الملف السوري أصلاً، فكيف بـ»احتواء» مخاطره ـ تقتفي أثره أخطاء تكتيكات موسكو، التي غرقت بالفعل في المستنقع؛، وتبحث لتوها عن مخارج الأمر الذي يجعل تخرصات الجعفري تحصيل حاصل، ومحض أصداء جوفاء.

صبحي حديدي

 

 

ذكرى مجزرة حماة:

قبائح (المجتمع الدولي)

صبحي حديدي

 

الذكرى الرابعة والثلاثون لمجزرة حماة (شباط/ فبراير، 1982) تكتسب صفة خاصة هذه الأيام تحديداً، لأنها تعيد التذكير بمقدار صمت ما يُسمى «المجتمع الدولي» عن أهوال النظام السوري، وما يُصنّف منها في باب جرائم الحرب تحديداً. وذلك الصمت، الذي بلغ شأو التواطؤ المباشر وغير المباشر أحياناً، انتقل بدرجات متفاوتة إلى الإعلام، الرسمي الحكومي أو الخاص المستقل؛ وكانت الذريعة عجز التكنولوجيا الإعلامية، يومذاك، عن تغطية ما شهدته المدينة من أهوال. اليوم تعيد الولايات المتحدة الكرّة، على نحو أو آخر، مع تنويعين: أنّ وسائط تناقل المعلومة شهدت تطورات هائلة، من حيث الانتشار والتغطية والتوقيت؛ وأنّ الصمت على الجرائم بحقّ الشعب السوري تتمّ تغطيته تحت شعار خدمة «العملية السياسية»، وتسيير مباحثات جنيف، والتفرّغ لـ»داعش». وفي المقابل، تواصل روسيا تشديد عمليات قصف المدارس والمشافي والأسواق الشعبية، وتعيد إنتاج نماذج مصغّرة من مجزرة حماة، كلّ ساعة وكلّ يوم، تحت ذريعة «محاربة الإرهاب».
ويُذكر أنّ الموقف الأمريكي الرسمي من مجزرة حماة 1982، بعد شيوع أخبارها تحديداً، وليس خلال تنفيذ الفظائع داخل المدينة؛ اقتصر على حركة خجولة محدودة، هي تصريح من الخارجية الأمريكية يقول بأنّ «السلطات السورية عزلت مدينة حماة عن العالم الخارجي»، بسبب «وقوع اضطرابات خطيرة». من جانبه كان جون كيفنر، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، قد نقل تصريحاً لوزير إعلام النظام، أحمد اسكندر أحمد، يفيد بأنّ المدينة تشهد «حملة تفتيش» ينفذها بعثيون وبعض عناصر الأمن «بحثاً عن أسلحة وعصابات إرهابية». وهكذا فإنّ خارجية ألكسندر هيغ أدّت واجب الحدّ الأدنى الذي أتاحته سياسة الرئيس رونالد ريغان يومذاك، في الموقف من أنظمة الاستبداد العربية عموماً، ونظامَيْ حافظ الأسد وحسني مبارك بصفة خاصة؛ واقتدى بهما الصحافي مراسل الصحيفة العريقة، فلم ينبس ببنت شفة!
أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية، وهي ليست البتة أقلّ عراقة من اليومية الأمريكية، انتظرت شهرين على مرور المجزرة، ثمّ طلعت بالتالي: «الرواية الحقيقية» لما جرى في مدينة حماة «لم تُعرف بعد، ولعلها لن تُعرف أبداً». وإذْ اعترفت بأنّ المدينة صارت «خرائب» بعد أن قُصفت بالدبابات والمدفعية والطيران طيلة ثلاثة أسابيع، وأنّ «جزءاً كبيراً من المدينة القديمة قد هُدم تماماً، وسُوّي بالجرافات»؛ فإنّ المجلة لم تتحدث البتة عن مجزرة، وأسهبت في توصيف الصراع على النحو الأكثر غموضاً وركاكة في آن: متمردون، ضدّ قوّات حكومية! ولم تكن الـ»إيكونوميست» أفضل حالاً من الموقف الرسمي للحكومة البريطانية، وتحديداً مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء آنذاك، رغم الجفاء الظاهر الذي كان يهيمن على العلاقات البريطانية ـ السورية في تلك الحقبة.
وحدها صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية صنعت الفارق المميز، والفريد في الواقع، بفضيلة الروح الفدائية التي تحلّى بها أحد كبار مراسليها، سورج شالاندون. لقد خاطر الرجل بحياته، فتدبّر أمر التسلل إلى قلب مدينة حماة، منتحلاً اسم شارل بوبت، ومتخذاً لنفسه مهنة كاذبة هي التنقيب عن الآثار؛ فكان أوّل صحافي أجنبي يدخل المدينة الشهيدة، ويسجّل بأمّ العين الكثير (إذْ كان محالاً أن يلمّ بكامل) ما حاق بأهلها وبعمرانها، القديم قبل الحديث، من قتل وتخريب وتدمير. «الأموات أخذوا يُعدّون بالعشرات أوّلاً، ثمّ بالمئات، ثمّ بالآلاف خلال الساعات الأولى فقط. لقد رافقني أحد وجهاء المدينة، فتنقلنا من بيت إلى بيت، ورأينا العائلات الثكلى، والجثث التي تُجرّ من الأقدام، أو تُحمل على الأكتاف»، كتب شالاندون، متقصداً أن يخنق في داخله روح الروائي، هو المتمرّس في فنّ السرد والحائز على جوائز مرموقة، لكي ينتصر لواجب الإخبار الحقيقي الصرف، الأشدّ تأثيراً من أي مراس في التخييل.
ذاك هو درس حماة الأوّل في مضمار مواقف «المجتمع الدولي»، أسوة بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية في أوروبا وأمريكا خاصة؛ وهي مواقف يمكن، ويحدث بالفعل، أن تنحني أمام سطوة الصورة وما تخلقه من مضمار أخلاقي عام؛ ولكنها لا تنفّذ الانحناءة الكبرى، في نهاية المطاف، إلا أمام ميزان الربح والخسارة في احتساب المصالح. أما عند السوريين، فإنّ درس حماة 1982 هو سلسلة المجازر التي ارتكبتها كتائب مختارة من «سرايا الدفاع»، الخاضعة لقيادة العقيد رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد؛ أسوة بكتائب مختارة من «الوحدات الخاصة»، التي كان يقودها اللواء علي حيدر. تلك الألوية، وكانت تضمّ وحدات مدرّعة ومدفعية وقوّا