الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

 

 

*صبحي حديدي كاتب وناقد سوري مقيم في فرنسا يكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي) لندن

 

غزّة في النورماندي:

ما الذي تبقى من فكرة «الغرب»؟

صبحي حديدي

 

كما هو معروف، يُقصد بـ«يوم الإنزال» 6 حزيران (يونيو) 1944، ذلك النهار الذي شهد هبوط عشرات الآلاف من مقاتلي الحلفاء على شواطئ النورماندي الفرنسية، لتوجيه ضربة قاصمة شبه ختامية للمشروع النازي في أوروبا. وتُنفى، كما بات شائعاً أيضاً، حقيقة أخرى دامية مقترنة بهذا اليوم، تفيد بسقوط 50 إلى 70 ألف مدني جراء قصف الحلفاء للمنطقة؛ الأمر الذي يضطر الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون إلى استذكاره، ليس لأنّ غالبية الضحايا هؤلاء كانوا من مواطنيه فحسب، بل كذلك لأنّ انتخابات البرلمان الأوروبي تحلّ بعد 3 أيام، وتحالف ماكرون في وضع مزرٍ مشين طبقاً لاستطلاعات الرأي.
وفي إحياء الذكرى الـ80 لذلك الإنزال، يتقاطر زعماء «الغرب» (وتلك مفردة لم يسبق أن هزلت أركانها الدلالية كما هي حالها اليوم) وكبيرهم يظلّ الرئيس الأمريكي جو بايدن؛ مع جديد يخالف احتفالات الذكرى الـ70، هو استبعاد روسيا من الحفل، رغم أنّ شعوب الاتحاد السوفييتي سددت نحو 27 مليون ضحية ثمناً لدحر الرايخ الثالث. وليس هذا التفصيل مفاجئاً أو طارئاً على علاقات «الغرب» إياه مع الاتحاد السوفييتي سابقاً، وروسيا اللاحقة والراهنة؛ إذْ أنّ أعراف النفاق الجيو ــ سياسي الأوروــ أمريكي أتاحت ذات يوم مشاركة موسكو في واحدة من قمم الحلف الأطلسي.
ولعلّ التفصيل الأكثر مغزى إنما يكمن في حقيقة أنّ ثمانية عقود انصرمت على وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، من دون أن تتوقف أوروبا عن إشعال الحروب الداخلية، التي تكفلت بإعادة إدخال الوجود العسكري الأمريكي إلى قلب القارة هنا وهناك، كما أعادت إنتاج شروط أكثر تهديداً للسلام العالمي عبر بوابات الحلف الأطلسي المختلفة. وفي عمق هذا التفصيل، وليس البتة على هوامشه كما قد يلوح، ثمة ورطة «الغرب» إياه إزاء حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، من جوانب عسكرية وتسليحية ومالية وأخلاقية؛ ثمّ، أيضاً، من جوانب انتهاك المؤسسات ذاتها التي ابتكرها «الغرب» للإيحاء بسيادة قانون ناظم للعلاقات الدولية، على غرار محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
وبهذا المعنى فإنّ الخطب التي سيلقيها أمثال بايدن وماكرون وريشي سوناك وأولاف شولتس خلال الاحتفال، لن تفلح في حجب ورطة واشنطن وباريس، صحبة لندن وبون والغالبية الساحقة من عواصم ديمقراطيات هذا «الغرب» مع مجرم حرب يدعى بنيامين نتنياهو؛ اضطرّ الرئيس الأمريكي نفسه إلى وضع استمراره في الحرب على غزّة تحت بند خدمة الأجندة السياسية الشخصية. ولن ينفع التهليل بالمحاربين القدماء، «أبطال» الإنزال أو آخر الناجين من مذابح الحلفاء والمحور على حدّ سواء، في التعتيم على دماء الضحايا المدنيين الذي يحرقهم القصف الإسرائيلي أحياء، في خيامهم أو في مدارس اللجوء.

كذلك لن تُطمس الدلالات المختلفة، الجيو ــ سياسية والدبلوماسية والقانونية والحقوقية، ثمّ الأخلاقية، خلف إقرار (وربما اضطرار) جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إلى التصريح مؤخراً بأنّ بعض الدول الأوروبية حاولت «ترهيب» محكمة العدل الدولية بعد قرارها، المستند إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية، بدعوة دولة الاحتلال إلى وقف هجومها على رفح؛ وقال بوريل، بالحرف: «يتوجب علينا أن نختار بين مساندة المؤسسات الدولية وحكم القانون، وبين مساندة إسرائيل». أصداء هذا التصريح لن تتأخر في التبلور على نحو دراماتيكي أوروبي، مع قرار الحكومة الإسبانية الانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا ضدّ دولة الاحتلال في محكمة العدل الدولية؛ وهذه ليست دولة في أمريكا اللاتينية، على غرار نيكاراغوا وكولومبيا وتشيلي، بل هي أوروبية تقتفي أثر إرلندا، كما أنها عضو في الحلف الأطلسي أسوة ببلجيكا.
صحيح، بالطبع، أنّ مفهوم «الغرب» بعد الإنزال الشهير شهد العديد من التبدلات والتحولات التي كانت بمثابة أمر مفروغ منه، مثلما شهد تجاذبات واستقطابات متنافرة أكثر مما هي متكاملة أو متوافقة؛ وقد يُسجّل أنّ مثالها الأقصى، من حيث الدراما والمَسْرَحة على الأقلّ، كان قرار الرئيس الفرنسي الأسبق، الجنرال شارل ديغول الامتناع عن المشاركة في الذكرى الـ20، سنة 1964، معتبراً أنّ القسط المخصص لدور المقاومة الفرنسية في عمليات الإنزال ودحر الاحتلال النازي وتحرير فرنسا يتمّ تهميشه عن سابق قصد، لتلميع المآثر الأنغلو ــ أمريكية.
وكي تبقى هذه السطور عند شواطئ النورماندي حيث الاحتفالات، ولكن دون أن تفارق أطوار انقلابات «الغرب» من نفسه على نفسه أو على الفكرة الأمّ، الغائمة أصلاً؛ لم تكن المفارقة ضئيلة، إيديولوجياً هذه المرّة وليس سياسياً فقط، في أنّ فرنسوا ميتيران (أوّل رئيس اشتراكي في الجمهورية الخامسة) هو الذي استأنف المشاركة الفرنسية؛ إنْ لم يكن بسبب دهاء مخططاته لتفريغ تيارات اليمين الديغولي من احتكارات شتى ذات صلة بالجنرال ديغول نفسه، أو للتشويش على تحالفاتها واستطالاتها، فعلى الأقلّ لأنّ ذلك الرئيس الاشتراكي كان أطلسياً حتى النخاع، وربما منذ أن تولى 11 حقيبة وزارية خلال الجمهورية الرابعة، 1946ــ1958.
وصحيح، كذلك، أنّ ذلك «الغرب» إياه كان مادّة أولى، تجريبية وتطبيقية في آن معاً، لمبادرة أمريكية سوف تدخل التاريخ تحت اسم «خطة مارشال» نسبة إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جورج مارشال؛ وسوف تصبح الهجمة الدبلوماسية الأضخم، والأكثر كلفة، في تاريخ الولايات المتحدة، لأنّ هدفها المعلَن لم يكن يقلّ عن انتشال أوروبا من أوزار الحرب العالمية الثانية. كان المشروع حصيلة معقدة عكفت على هندستها حفنة من أكبر أدمغة الإدارة الأمريكية آنذاك (مارشال نفسه، بمعونة دين أشيسن، جورج كينان، وليام كلايتون، وشارلز بوهلن)؛ وطمحت إلى قلب العالم رأساً على عقب، بكلفة 13 مليار دولار (أكثر من 90 مليار دولار بحسابات هذه الأيام). ذلك لأنها اقترحت عوناً أمريكياً هائلاً لأوروبا أربعينيات القرن الماضي، حين كانت القارّة العجوز مدمرة ومنهارة وممزقة، تتضور جوعاً إلى ما تحمله الشاحنات الأمريكية من موادّ إغاثة تبدأ من الدقيق والحليب، ولا تنتهي عند قلم الرصاص وكيس الإسمنت.
وقبل إخراج المشروع إلى النور، في شباط (فبراير) 1946، كان القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية في موسكو، جورج كينان، قد أرسل «البرقية الطويلة» التي سوف تدخل التاريخ بدورها، تحت توصيف التبشير الإيديولوجي الأبكر بدنوّ فجر الحرب الباردة المقبلة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ولسوف يُكمل كينان برقيته بمقال حمل توقيع
X، في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، أفاد التالي: لا تستطيع الولايات المتحدة الوقوف مكتوفة الأيدي أمام ما سيجرّه خراب أوروبا الاقتصادي من خراب إيديولوجي، سيكون في صالح الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، وسيقلب الانتصارات العسكرية الأمريكية إلى هزائم عقائدية للقِيَم الرأسمالية.
وبين كينان الأمريكي وبوريل الأوروبي ثمة 78 سنة من الاعتمالات والتحولات، من المدّ هنا أو الجزر هناك، ومن عقائد أوروبية شتى مقابل نظائر لها أمريكية متعددة بدورها؛ لخلالها م تتوقف فكرة «الغرب» عن تغذية سيرورة اهتراء ذاتية، منتظمة ومتعاقبة، تهادن واشنطن في معظم الحالات ولكن يحدث أن تتناطح معها في حالات أخرى أقلّ. وليس اجتماع أكثر من 25 رئيس دولة وحكومة، مع تغييب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ ثمّ استمرار تراجع الجيش الأوكراني أمام جحافل الغزو الروسية؛ واستشراس دولة الاحتلال في ارتكاب الجرائم ومجازر الحرب؛ سوى عناصر المشهد الأكثر تعبيراً عن تلك السيرورة، حيث تهترئ الفكرة مثلما تتقزّم مبادئها وتُنسف أركانها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

أمريكا وحروب الإبادة:

سجلّ حافل بالصناعة أو التورط

صبحي حديدي

 

تقاعدَ الأمريكي لورنس دافيدسون عن تدريس التاريخ في جامعة وست شيستر، بنسلفانيا؛ لكنه، لحسن حظّ الباحثين عن أنساق النقد الأعمق للسياسات الخارجية الأمريكية وستراتيجيات الإمبريالية الحديثة والمعاصرة، لم يتوقف عن تسليط الأضواء الكاشفة على ما خفي، أكثر من تلك التي تظهر وتُعلن، من فظائع وكوارث وجرائم حرب وإبادات. وقد يصحّ القول إنّ الأبحاث الأدقّ حول تورّط الديمقراطيات الغربية عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، تدين للرجل بأعمال لامعة مثل «فلسطين أمريكا: المُدركات الشعبية والرسمية منذ بلفور وحتى حال الدولة الإسرائيلية» 2001؛ و«شركة السياسة الخارجية المتحدة: خصخصة المصلحة القومية الأمريكية» 2009؛ و«الإبادة الثقافية» 2012.
ولأنه معنيّ، على نحو أكثر تخصصاً، بشؤون الشرق الأوسط إجمالاً والقضية الفلسطينية تحديداً؛ فإنّ متابعاته لحرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة ضدّ قطاع غزّة تأخذ غالباً منهجية حميدة تماماً، تضع جرائم الاحتلال ضمن سياقات أعرض تحيل إلى الولايات المتحدة بوصفها الرأس والقوة الكونية ضمن التكتل الإمبريالي، والأطلسي، الأعرض. وبين أحدث مساهماته في هذا الميدان مقالة جامعة، نشرها موقع «كاونتربنش» الأمريكي مؤخراً، تناولت سوابق تاريخية لانخراط الولايات المتحدة في جرائم الحرب الجماعية والتطهير العرقي، أو التواطؤ عليها؛ وسلوك الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن ليس إلا أحدث الأمثلة على ملفّ حافل. ولا يبدّل من منطق هذا المثال الأخير أنّ سنة إعادة انتخاب/ أو فشل تنتظر سيد البيت الأبيض، أو أن تشدّقه الخطابي بصدد توفير الحاجات الإنسانية لسكان غزّة ليس سوى أكاذيب، يفضحها إصرار إدارته على رفض وقف إطلاق النار، والامتناع عن ممارسة ضغط جدّي مؤثر على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
في عداد الأمثلة السابقة، ثمة أندرو جاكسون الرئيس الأمريكي السابع، الذي اعتبر أنّ بطء «اندماج» أبناء الأقوام الأصلية («الهنود الحمر» حسب التوصيف اليانكي) في «المجتمع الأبيض» يشكل عائقاً أمام «التقدم»؛ فأشرف، أواخر 1820، على مخطط تطهير شامل شرق نهر المسيسيبي، وأجبر نحو 800.000 من هؤلاء على التهجير غرباً، بقوّة الجيش الأمريكي، الأمر الذي أسفر عن وفاة الكثيرين خلال السيرورة القسرية. وحفظ التاريخ تصريح جاكسون الشهير: «أيّ رجل صالح يمكن أن يفضّل بلداً مغطى بالغابات وحفنة آلاف من المتوحشين، على جمهوريتنا الواسعة العتيدة، الملأى بالمدن والبلدات والمزارع المرفهة، التي يسكنها 120 مليون نسمة سعداء؟».
المثال الثاني بطله وودرو ولسون، الرئيس الـ28 الذي يحلو لأدبيات الليبرالية الأمريكية تسميته بـ«نبيّ» الحريات العامة وحقوق الإنسان؛ وقد جهد لإعادة الولايات المتحدة عقوداً إلى الوراء، عن طريق فرض الفصل العنصري في أجهزة الدولة والبيروقراطية والجيش، وذلك فور توليه المنصب سنة 1913. ورغم أنّ أمريكا خلال رئاسته انخرطت في الحرب العالمية الأولى، وكانت في حاجة إلى الجنود من كلّ عرق ولون، فإنه لم يخفِ مقته الشديد لـ«الملوّنين» على نحو كانت روائحه العنصرية تزكم الأنوف.

وينقل دافيدسون عن الصحافي والناشط الحقوقي (الأبيض) أوزوالد فيلارد أنّ الولايات المتحدة في عهد ولسون تحوّلت إلى جهاز ضخم مسعور، لا همّ لمؤسساته سوى «وصم الملونين بدمغة جذام تعسفية، وتصنيفهم في خانة حاملي العدوى الجسدية والأخلاقية، وانعدام الأهلية للدخول في المجتمع».
المثال الثالث قدّمه لندون جونسون الرئيس الـ36 خلال حرب الأيام الستة، بصدد الهجوم الإسرائيلي على السفينة الأمريكية
USS Liberty، قرب شواطئ غزّة، يوم 8 حزيران (يونيو) ومقتل 34 وجرح 173 بحاراً أمريكياً كانوا على متنها؛ حين اعتبر جونسون أنّ أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي يعلو على سلامة السفينة وطاقمها، فأمر بسحب المقاتلات الأمريكية التي كانت تحمي السفينة. أكثر من ذلك، وإمعاناً في التأكيد على أنّ جريمة الحرب هذه، التي طالت أمريكيين هذه المرّة وليس أبناء جنسيات أخرى أجنبية، لا تمسّ في شيء علاقة واشنطن بدولة الاحتلال؛ سارع الرئيس الأمريكي إلى قبول «اعتذار» من تل أبيب نهض على تبرير الواقعة بخطأ في تحديد هوية الهدف. وكي يذهب أبعد، أمر جونسون الأدميرال إزاك كيد، رئيس لجنة التحقيق في الواقعة، بقبول تبريرات الاحتلال؛ كما أمر أن يُطلب من البحارة الناجين التزام الصمت والامتناع عن توصيف الهجوم، تحت طائلة الإحالة إلى محاكم عسكرية.
الأمثلة الأخرى في العقود الحديثة كثيرة، تشمل جورج بوش الأب وبيل كلنتون وبوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترامب وبايدن الحالي، والأحرى القول إنه يندر أن يُستثنى منها رئيس أمريكي، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، وفي ولاية أولى أم ثانية. خلاصة دافيدسون لا تهمل حقيقة حرص الرؤساء، أجمعين تقريباً، على إبداء الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ومواثيق الحروب، وإطلاق البلاغة اللفظية على عواهنها بصدد إدانة الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي أو جرائم الحرب المختلفة. المفارقة الفاقعة، في كلّ حالة انتهاك ذات صلة بدولة الاحتلال، أنّ الدبلوماسية الأمريكية لا تتحرّج في استغفال العقول بصدد حماية الاحتلال من أيّ مساءلة أو محاسبة؛ بل تلجأ أيضاً إلى تغطية الانتهاكات، الأكثر جلاءً وفظاعة وتوحشاً، في مجلس الأمن الدولي والكونغرس والمحافل الدولية من جهة، كما تواصل تزويد آلة حروب الإبادة الإسرائيلية بالأسلحة والذخائر والأموال…
وفي تلمّس إطار آخر للعلاقات الأمريكية ــ الإسرائيلية، وهي بالطبع عديدة متنوعة بقدر ثباتها على ركائز كبرى منيعة على التبدّل الجوهري؛ قد يكون دالاً، وطريفاً أيضاً، استذكار واقعة تعود إلى ربيع 2010، خلال زيارة إلى دولة الاحتلال قام بها بايدن، نائب الرئيس الأمريكي يومذاك. وسواء تعمد نتنياهو، وكان رئيس حكومة الاحتلال، أم لم يكترث أصلاً بإقامة الصلة؛ فوجئ بايدن بقرار من الحكومة الإسرائيلي يقضي ببناء 1600 مستوطنة جديدة؛ فغضب و(خلال جلسة مع نتنياهو، مغلقة بالطبع) أبلغ الأخير أنّ قرارات كهذه «بدأت تكتسي طابعاً خطيراً بالنسبة إلينا. وما تفعلونه هنا ينسف أمن قوّاتنا المقاتلة في العراق وأفغانستان والباكستان. هذا يُلحق الخطر بنا، وبالسلام في المنطقة» طبقاً لرواية الصحافي الإسرائيلي شيمون شيفر، في «يديعوت أحرونوت».
ضمن قراءة أولى للواقعة، ثمة في «غضب» بايدن ما يوحي بالحرص على أمن قوات الولايات المتحدة المنتشرة هنا وهناك في الشرق الأوسط. قراءة ثانية تعيد الغضب إياه إلى أمثولة الرئيس جونسون، الذي فضّل أمن دولة الاحتلال على دماء الأمريكيين التي أُريقت على ظهر السفينة «ليبرتي» بقذائف إسرائيلية. وأمّا قراءة ثالثة، لعلها الأكثر اتساقاً مع واقع الحال، فيمكن أن تُستمدّ من واقعة رديفة، خلال الشهر إياه من تلك السنة. فقد كان الجنرال دافيد بترايوس، القائد الأسبق للقوّات الأمريكية والأطلسية في أفغانستان، والقيادة الوسطى، يقدّم أمام لجنة القوّات المسلحة في الكونغرس شهادة مكتوبة وقعت في 56 صفحة، يقول في إحدى فقراتها: «المواجهات الدائمة بين إسرائيل وبعض جيرانها تطرح تحديات ملموسة على قدراتنا في رعاية مصالحنا. والنزاع يثير شعور العداء لأمريكا، بسبب إدراك تفضيل الولايات المتحدة لإسرائيل. والغضب العربي الناجم عن القضية الفلسطينية يحدّ من قوّة وعمق الشراكات الأمريكية مع الحكومات والشعوب في المنطقة، ويضعف شرعية الأنظمة المعتدلة في العالم العربي».
لقد أسمع الجنرال لو نادى أحياء، بالطبع، إذْ أنّ ما يجمع أمريكا والاحتلال أكثر من مجرد «علاقة عاطفية» كما أسماها جورج و. بول ذات يوم؛ والإبادات، صناعة أو تورطاً أو مساندة، شواهد راسخات.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

غزّة وصحافة الديمقراطيات الغربية:

الاتضاح والافتضاح

صبحي حديدي

 

في عداد المنافع (القليلة، المعنوية غالباً، الرمزية بمعنى التطبيق والإلزام، البلاغية في الحيثيات القانونية…) لمنظمة الأمم المتحدة؛ ثمة الأيام التي تخصصها لهذا الموضوع المحدد أو ذاك، في ميادين اجتماعية وإنسانية وحقوقية وثقافية وتربوية وصحية، والبعض القليل في شؤون السياسة والاقتصاد ومعمار النظام الدولي والعلاقات/ التوازنات بين الأمم.
اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف 3 أيار (مايو) من كلّ عام، هو واحد من تلك المنافع؛ حتى إذا كان قريب العهد من حيث الإطلاق، 1993، بالقياس إلى تاريخ المنظمة الدولية الرسمي الذي يعود إلى سنة 1945. وهو، كما تقول أدبيات المنظمة، مكرّس للاحتفال بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييم حال تلك الحرية المفترَضة هنا وهناك في أرجاء العالم، والدفاع عن وسائل الإعلام في وجه الاعتداءات على استقلالها، وصولاً إلى إحياء ذكرى الصحافيات والصحافيين الذين فقدوا حياتهم أثناء قيامهم بواجباتهم. وكان لافتاً، حتى إذا عُدّ في حكم النادر، أن يشهد هذا العام تكريم جميع الصحافيين الفلسطينيين داخل قطاع غزّة، خاصة وأنّ العشرات من زملائهم سقطوا ضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية، وثمة آخرون قيد تسمية «الجنود المجهولين».
وإذا صحّ الافتراض بأنّ لا مفاجأة، البتة، في أن يحتل النظام السوري المرتبة 179 من أصل 180 دولة على لائحة حرية الصحافة كما رصدتها منظمة «مراسلون بلا حدود»؛ فهل الأصحّ الانتباه إلى أنّ ألمانيا تأتي في المرتبة 10، وفرنسا 21، والمملكة المتحدة 23، والولايات المتحدة… 55؟ الموقع في ذيل اللائحة يفسره الاستبداد وغياب مفهوم الصحافة المستقلة من أصله، فكيف يمكن للديمقراطية ودولة القانون وشيوع حريات التعبير أن تبرر الترتيب الهابط للديمقراطيات الغربية المشار إليها؟
الإجابة بسيطة في الواقع، بل هي تزداد اتضاحاً وافتضاحاً يوماً بعد يوم، وتكاد في الطور الراهن تقتصر على مفردة واحدة وحيدة: غزّة، وما أدراك ما يتكاثر في تغطيتها من قيود شتى تهيمن على أعرق المؤسسات الإعلامية الغربية وتُفرض إرادياً وذاتياً من جانب هيئات التحرير قبل المساهمين والممولين والرساميل المساندة لحرب الإبادة الإسرائيلية. فأيّ جديد في تفضيح وسائل إعلام تابعة للنظام السوري، مثل وكالة أنباء «سانا» أو صحف «تشرين» و«البعث» و«الثورة»؛ مقابل انكشاف الفضائح المتعاقبة لدى مؤسسات عملاقة مثل «نيويورك تايمز»
CNN  و BBCو»فيغارو» و«برلينر تزايتونغ»، حيث لا تُراقب الواقعةُ وحدها وأياً كان اندراجها في تصنيفات جرائم الحرب والفظائع النكراء (مثل قصف المشافي، مثلاً)، فحسب؛ بل يُصار، أيضاً، إلى خنق دلالات المفردة الواحدة، أو تشويه معانيها المتعارف عليها، أو حظر استخدامها نهائياً (كما حين تتفادى الصحافة الأمريكية مفردة «قصف» وتلجأ إلى «انفجار»، مثلاً فقط).
في الوسع الافتراض، تالياً، أنّ عهوداً صحافية انقضت (رغم أنها لم تنقرض تماماً كما للمرء أن يأمل) شهدت أمثلة لامعة على صحافي يتعب ويغامر ويجازف حتى بحياته، من أجل إماطة اللثام عن الحقائق المكتومة عن سابق قصد: صمويل هوبكنز آدامز في سلسلة تحقيقاته «الدجل الأمريكي الأكبر»، 1905، حول التلاعب بالأدوية؛ راي ستانارد بيكر، في كتابه «اقتفاء اللون»، 1908، حول التمييز العنصري؛ شارلوت بيركنز غيلمان، حول إساءة تشغيل الأطفال؛ أبتون سنكلير، في «الغاب» 1906، حول تعليب اللحوم؛ ثمّ سيمور هيرش الذي كشف مذبحة «ماي لي» في فييتنام، وفظائع سجن «أبو غريب» في العراق، بين قضايا أخرى كثيرة؛ كي يبقى المرء في الولايات المتحدة.
اليوم، مع استثناءات قليلة هنا وهناك لحسن الحظّ، تبدو مخيمات اعتصام الطلاب في الجامعات الغربية على وجه التحديد وكأنها تتولى بعض تلك المهامّ الاستقصائية؛ فلا تسجّل كرامة جديدة للقطاع الشابّ والطلابي فقط، بل تشرّف طرائق إعلان الحقيقة في وجه السلطة، حسب تعبير إدوارد سعيد الشهير.

 

 

 

من غزّة إلى أبو غريب: عَوْد دائم إلى رباط الفظائع

صبحي حديدي

 

لا سبب، مبدئياً، يدعو للتعجب من تزامن حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة، الدائرة طوال 200 يوم حتى الساعة؛ مع واقعة تسجل بدء أوّل محكمة فدرالية أمريكية، في ولاية فرجينيا، النظر في قضية ثلاثة عراقيين تعرضوا للتعذيب في سجن أبو غريب، وذلك بعد انقضاء 20 سنة على تلك الفظائع. بل، في المقابل، ثمة كلّ الأسباب التي تعتبر الارتباط وثيقاً تماماً لجهة علاقة أمريكا الرسمية بالملفّين معاً، أوّلاً؛ ولأنّ أجهزة حكومية أمريكية، مثل الجيش والمخابرات المركزية، هي التي تُسأل عن انتهاكات أبو غريب مثل انتهاكات قطاع غزّة، سواء بسواء، ثانياً.
ذو دلالة خاصة، ثالثاً، أنّ المحكمة الفدرالية الأمريكية ما كانت ستقبل الدعوى القضائية في الأصل لولا أنها تُرفع ضدّ شركة أمنية خاصة (مركز التحليل الموحد
CACI) شاركت في التحقيقات وأعمال التعذيب؛ وليس ضدّ الجيش الأمريكي ذاته أو الحكومة الفدرالية، فهذه تتمتع بحصانة عليا يوفّرها قانون قديم راسخ يعود إلى سنة 1946. وقد يصحّ، كذلك، التشديد على ما ذكّرت به منظمة «هيومان رايتس وتش» من أنّ العراقيين الثلاثة حالفهم حظّ المساندة من «مركز الحقوق الدستورية» الأمريكي؛ وهذا ما لم يتمتع به العشرات من ضحايا السجن المشؤوم، ممّن لم تُفتح ملفاتهم أو تآكلت تحت غبار الإهمال.
أدراج الرياح كان مصير رسالة مفتوحة وقّعها 12 من حَمَلة جائزة نوبل للسلام، انتموا إلى أربع رياح الأرض وليس إلى الولايات المتحدة وحدها، وسنوات فوزهم تمتد من 1976 وحتى 2011؛ وجهوا رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما (زميلهم في الجائزة!) تسأله إطلاع الرأي العام، الأمريكي والعالمي، على محتوى تقرير أعده مجلس الشيوخ حول لجوء أجهزة الاستخبارات إلى تقنيات تعذيب مختلفة أثناء التحقيقات مع معتقلين بتهمة الإرهاب، بعد 11/9/2001. يومها كان البيت الأبيض، المنحاز تلقائياً وتاريخياً إلى صفّ الاستخبارات ضدّ هيئات حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة، وافق على نشر 500 صفحة فقط، من أصل 6000؛ الأمر الذي عنى أنّ الأمريكي، والمواطن العالمي، مخوّل بالاطلاع على 1/12 من الحقائق، ليس أكثر!
ورغم نبرة التهذيب والكياسة التي طبعت الرسالة، فإنّ الموقعين لم يترددوا في تسجيل إحالات قصوى، بصدد مستويات ممارسة التعذيب على الأقلّ، إلى دول وأنظمة مثل اليابان الإمبريالية، وألمانيا النازية، وفرنسا في الجزائر؛ مستذكرين أنّ: «المسائل التي تكتنف استخدام التعذيب ليست على بساطة التفكير في كيفية معاملة مشتبه بالإرهاب، أو الزعم بالغ التضليل بأنّ التعذيب ينتج معلومات ‘أفضل’ من التحقيق النموذجي، بحيث يُبرر استخدامه. التعذيب كان على الدوام، وسوف يظلّ، مبرراً في أذهان الآمرين بممارسته وحدهم». وتابعت الرسالة: «لكنّ التعذيب الواقع على كائن آدمي لا يمكن تبسيطه هكذا. كما لا يمكن أن يكون الأذى أحادي الجانب. نعم، فالضحية يعاني صدمة معنوية وجسدية، تبلغ في بعض الأحيان درجة فقدان الحياة. لكن أولئك الذين يمارسون التعذيب، أسوة بالذين يأمرون به، ينحطون جراء ذلك على نحو لا سبيل لعلاجه».
وكان الحكماء الـ12، موقّعو الرسالة، قد أسمعوا حقاً لو نادوا زميلاً يشاطرهم هذا اليقين، بوصفه الحدّ الأدنى اللائق بحامل نوبل السلام؛ ولكن لم يكن ثمة حياة، بهذا المعنى، لمَن نادوا وناشدوا، وكان خيراً لهم أن يعودوا إلى سلف أوباما، جورج بوش الابن، الذي أعطى الخلفية الأخلاقية الأبعد، إذا جاز الحديث أصلاً عن خلفية كهذه، لفظائع أبو غريب، ثمّ معتقل غوانتانامو، ضمن حزمة إجراءات أخرى خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً. كلّ هذا في سياقات ما أسمته الإدارة بـ «الحرب على الإرهاب» وضمن قاعدة ذهبية استنها بوش، في آذار (مارس) 2002: « تذكروا… هؤلاء الأشخاص في غوانتانامو قتلة لا يشاركوننا نفس القِيَم».

الأرجح أنّ المحاكمة الأولى لفظائع سجن أبو غريب، أياً كانت مآلاتها، لن تشكّل سابقة قانونية نوعية تفتح آفاقا أخرى أمام منظمات حقوق الإنسان في اللجوء إلى القضاء

إنها، إذن، حكاية قيم، أخلاقية، أو فكرية أو سياسية أو ثقافية، وليست مسألة قوانين مرعية وقضاء مستقلّ ومحاكم عادلة تنظّم شؤون الجريمة والعقاب. وأيّ انتهاك للحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في أبو غريب أو غوانتانامو مشروع تماماً في منظار أوّل هو عدم اشتراك المتهم في القيم الأمريكية؛ وأنّ تلك القيم تتمتع ــ في الحكمة الأمريكية فقط! ــ بصواب أخلاقي مطلق، وبمنعة قانونية راسخة، فضلاً عن مختلف أنماط السطوة السياسية والعسكرية والاقتصادية… وهذه، في المجمل، حيثيات عليا تبيح المحظورات لحاملي القيم الأمريكية.
يومذاك توفّر قائل، ولم نعدم زميلاً له عربياً متحذلقاً راقصاً بين العقلانية الصنمية والليبرالية العصبوية، أدلى بدلوه هكذا: ولكن… أليست هذه هي الأمة ذاتها التي صوتت لانتخاب أوّل رجل أسود في تاريخ أمريكا، سار معظم برنامجه الانتخابي على خلاف أجندات سلفه، في مسائل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، في صلبها الموازنة بين خيارات الأمن القومي وقيم أمريكا الأخلاقية؟ صحيح، بالطبع، حتى ضمن فرضية حقّ يُراد به باطل، إذْ تُسجّل باسم أوباما خطوات شجاعة مثل حظر التعذيب رسمياً (على الأراضي الأمريكية فقط، كما يتوجب التذكير دائماً!) وإصدار الأمر بإغلاق معتقل غوانتانامو (مع التلكؤ في التنفيذ). ولكن… أليس أوباما هو، ذاته، الذي ظلّ مصرّاً على عدم الذهاب خطوة أبعد، سواء في رفض تعيين قاض مستقلّ للتحقيق في المسؤولية عن «مذكرات التعذيب» أو نشر تقرير مجلس الشيوخ، والتذرّع دائماً بضرورة الحفاظ على «مبدأ الإجماع» في مسائل الأمن القومي الأمريكي؟
وقبل أن يطلق أوباما وعوده، كانت ثلاثة كتب قد صدرت في هذا الموضوع، على سبيل ارتياد حقائق ذلك الملفّ المشين. كتاب «فريق التعذيب: مذكرات رمسفيلد وخيانة القيم الأمريكية» للمحامي البريطاني وأستاذ القانون فيليب ساندز؛ وكتاب جميل جعفر وأمريت سينغ، بعنوان «إدارة التعذيب: سجلّ موثق من واشنطن إلى أبو غريب»؛ وكتاب مايكل راتنر «محاكمة دونالد رمسفيلد: مقاضاة عن طريق كتاب» بالتعاون مع «مركز الحقوق الدستورية». كلها، إضافة إلى تحقيقات صحافيين أمثال سيمور هيرش ومارك دانر وجين ماير ورون سوزكند وسواهم، لاح أنها نفخت في قِرَب مثقوبة، فلم يسفر النفخ عمّا هو أفضل من 500 صفحة، من أصل… 6000!
ولِمَ يذهب المرء بعيداً؟ ألم يتحدث أوباما، في خطاب استلام جائزة نوبل إياها، عن حرب ضرورية من أجل السلام، وحروب عادلة من الطراز الذي كانت بلاده تخوضها في أفغانستان وفي العراق، وما تزال تخوضها اليوم هنا وهناك، علانية أو سرّاً، مباشرة أو تواطؤاً؟ ألا يبصم نائبه السابق والرئيس الحالي، جو بايدن، على جرائم حرب الاحتلال الإسرائيلي تحت ذرائع واهية شتى، فلا يكتفي بانخراط تامّ مطلق خلف الوحشية الإسرائيلية، بل يضخّ المليارات وشتى الذخائر والأسلحة لتسعير جحيم الإبادة؟ ألا يتقصد أن يهرف بما لا يعرف، رغم سطوة أجهزته واستخباراته، فلا يتبنى سوى روايات الاحتلال حول قصف المشافي أو أعداد الضحايا أو المقابر الجماعية…؟
الأرجح أنّ المحاكمة الأولى لفظائع سجن أبو غريب، أياً كانت مآلاتها، لن تشكّل سابقة قانونية نوعية تفتح آفاقا أخرى أمام منظمات حقوق الإنسان في اللجوء إلى القضاء، ليس لأنّ أجهزة الجيش والاستخبارات محمية ومصانة قانوناً، فحسب؛ بل كذلك لأنّ تزامن أبو غريب مع حرب الإبادة الإسرائيلية، ليس أقلّ من عَوْد دائم إلى رباط الفظائع.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

فلسطين التاريخية:

اسم ومسمّى وتسمية

صبحي حديدي

 

تحت عنوان «ضدّ المحو»، نشرت مجلة The Nation الأمريكية تحقيقاً توثيقياً فوتوغرافياً حول موضوع فلسطين ما قبل النكبة، اعتمد على عدد من الصور الفوتوغرافية الأخاذة؛ المذهلة أيضاً، بسبب ما انطوت عليه من تمثيل رفيع الإقناع حول المستويات الحضارية متعددة الميادين التي كانت عليها مدن فلسطين وبلداتها، وفي ميادين شتى متعددة. النصّ المرافق كتبه الشاعر والتشكيلي والصحافي الفلسطيني محمد الكرد، مؤلف المجموعة الشعرية «رفقة»، التي صدرت بالإنكليزية سنة 2021، والذي ألقى في جامعة برنستون محاضرة إدوارد سعيد لسنة 2023 التي تستعيد سؤال سعيد الحاسم عن الحقّ في سرد الرواية.
وتحقيق المجلة الأمريكية يستعير بضع صور منشورة أصلاً في كتاب «ضدّ المحو: ذاكرة فوتوغرافية عن فلسطين قبل النكبة»، صدر في شباط (فبراير) الماضي ضمن منشورات
Haymarket في شيكاغو، بعد إصدار أوّل باللغة الإسبانية يعود إلى سنة 2016 بإشراف الصحافية تيريزا أرانغورن والمصوّرة ساندرا باريلارو وتقديم الكرد. ثمة 230 صورة، تسجّل الحياة بين 1898 و1946 في قطاعات شخصية عائلية وأخرى لقطات ستوديو ومقتنيات أرشيف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)؛ واللافت الأبرز في المجموعات أنها توثّق أنساق العيش وطرائق العمل وأنماط الأنشطة الاجتماعية، كما تعيد تثبيت مظاهر العمران المختلفة في المدن والبلدات والقرى والشوارع. وإذْ كان الكتاب قد احتلّ مكانة وظيفية مرموقة منذ صدوره للمرة الأولى، فإنه الآن اكتسب أهمية إضافية وراهنة مع حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، وتصاعد تنميطات التعتيم على الوجود الفلسطيني، والتي بلغت مراراً درجة إنكار هذا الشعب أو حتى محوه نهائياً.
مادة المجلة الأمريكية تعيد إلى الذهن مبادرة «دار الناشر» في رام الله التي تولت، قبل سنوات، إصدار الكتاب الموسوعي «العمل والعادات في فلسطين»، الذي وضعه المستشرق واللاهوتي البروتستانتي والباحث الأنثروبولوجي الميداني غوستاف دالمان (1855ـ1941). وعلى امتداد 7 مجلدات، ينخرط دالمان في دراسة مستفيضة معمقة ومتعددة النُظُم، تغطي تاريخ فلسطين الاجتماعي مطلع القرن العشرين، وتجمع بين علوم الأناسة والأديان المقارنة والأسطورة والألسنيات والجغرافيا والموسيقى والفولكلور والتراث السردي والنبات والحيوان والمناخ. وكانت طبعة الكتاب الأولى قد صدرت سنة 1928 بالألمانية، ولكنه تُرجم إلى الإنكليزية بمبادرة من «دار الناشر»، صاحبة السبق؛ وتولت الترجمة السيدة نادية عبد الهادي ــ سختيان، أستاذة العلوم السياسية والأدب الإنكليزي في جامعة بون، ألمانيا.
وعلى سبيل تبيان مباحث الكتاب، أو بالأحرى فصول الجزء الأوّل منه، ثمة دراسات حول معنى السنة الطبيعية (التقويم الشعبي، الشهور، بداية السنة، الفصول، تأثيرات الشمس، أطوار القمر…)؛ ومدار السنة، في الخريف (حياة الشتل، الأشجار المختلفة، الحقول، الطقس والندى، البراعم قبيل المطر، سقوط الأوراق، الريح الشرقية، الغيوم والبروق، انحباس المطر، صلوات الاستسقاء، هجرات الطيور، المراعي، النحل، الماشية…). في مدار الشتاء، مثلاً، يناقش دالمان الأمطار الشتوية من حيث الأصناف وكثافة الهطول، كما يستعرض شروط البرد وأنواعه، وأنماط التدفئة، والخضار وأشجار الفواكه والزراعة إجمالاً؛ ولا يفوته التوقف عند الأعياد الزراعية، والاحتفالات الشعبية، وما يرتبط بها من أغانٍ وطقوس وشعائر (خاصة أعياد البربارة، المواكب، سبت النور، «سليقة» القمح، وعيد الميلاد).
وهذه السطور تتبنى تفسيراً، شخصياً تماماً في الواقع، حول واحد من أبرز أسباب الامتناع عن ترجمة كتاب دالمان إلى اللغة الإنكليزية، قبل أن تبادر السيدة عبد الهادي ــ سختيان و»دار الناشر» إلى أداء هذه المهمة النبيلة؛ وذلك رغم أهمية العمل في جوانبه الموسوعية وكشوفاته الميدانية، ورغم أهمية فلسطين باسمها هذا، أو بمسمياتها كأراضٍ مقدسة، أو تسمياتها كـ»أرض الميعاد». سبب ذاك هو أنّ الكثيرين من الباحثين الغربيين في تاريخ فلسطين وأخصائيي الأبحاث التوراتية عموماً، اعتبروا أنّ دالمان هو المسؤول الأوّل عن رأي، تكرّس بعدئذ بقوّة في الدراسات الغربية؛ قائل بأنّ لغة يسوع الناصري كانت الآرامية وليس العبرية، الأمر الذي أسقط عنه شخصيته «اليهودية» في المنبت الديني قبل المسلك المسيحي. كذلك ساجل هؤلاء بأنّ بواعث دالمان الحقيقية لم تخرج عن نطاق النزوع التبشيري الذي ساد في صفوف اللاهوتيين البروتستانت، بصدد دفع اليهود إلى الاهتداء بالديانة المسيحية. بذلك فإنّ دالمان، عند أولئك الباحثين وضمن مقاربة ميكانيكية عرجاء، التقى مباشرة مع تيارات العداء للسامية!
وليس بمنأى بعيد عن كتاب «ضدّ المحو» أن يُستذكر الروائي والشاعر الأمريكي هرمان مِلفيل (1819ـ1891)، الذي ركب البحر سنة 1857 في رحلة طويلة صوب شرق المتوسط، استمرت خمسة أشهر، قطع خلالها 15 ألف ميل، وزار ثلاث قارّات وتسعة بلدان، بينها تركيا ومصر. في فلسطين بدأ من يافا، ومرّ بالرملة قبل أن يصل القدس، ثمّ البحر الميت، ودير مار سابا؛ والثمرة الأدبية لتلك الرحلة كانت دفتر يوميات وقصيدة ملحمية بعنوان «كلاريل: قصيدة وحجّ إلى الأراضي المقدسة»، تقع في 150 نشيداً، بحثاً عن قرار الروح في تضارب واصطخاب أكثر من عقل واحد أحادي وراء روح استشراقية تائهة.
من جانبها، وكما ذكّر محمود درويش الإنسانية جمعاء، ظلت فلسطين حاملة الاسم والمسمى والتسمية؛ كانت، وصارت، وتبقى…

 

 

ذكاء الهستيريا الفاشية:

أبناء هارون ونيران نتنياهو

صبحي حديدي

 

حسب سفر اللاويين، في العهد القديم: «أخذ ابنا هارون، ناداب وأبيهو، كلّ منهما مجمرته وجعلا فيها ناراً ووضعا عليها بخوراً، وقرّبا أمام الربّ ناراً غريبة لم يأمرهما بها. فخرجت نارٌ من عند الربّ وأكلتهما، فماتا أمام الربّ». وفي الأصل (لغير العارفين بأسفار العهد القديم)، كان موسى قد كلّف هارون وبنيه لخدمة الكهنوت، وخرجت نار واُحرقت على المذبح فاعتُبرت ناراً مقدسة لا تُطفأ أبداً، وخَدَمة المذبح ملزمون باستخدام هذه النار حصرياً. ابنا هارون ارتكبا خطأ استخدام نار أخرى غريبة، فأرسل الربّ عليهما ناراً أحرقتهما، ومُنع هارون من الحداد عليهما.
ما علاقة هذه الحكاية التوراتية بحرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة ضدّ المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ غزّة؟ أبعد من هذا السؤال، ثمة آخر رديف له يقول: ما الصلة بين 1) حكاية النار التي أكلت ناداب وأبيهو، في سفر اللاويين؛ و2) ما شهدته مستوطنات غلاف غزّة، يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023؛ و3) لجوء دولة الاحتلال إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في برمجة عمليات القصف والتدمير والاغتيالات الميدانية العشوائية و«خطأ» استهداف سيارات «المطبخ المركزي العالمي» والإجهاز على 7 منهم؟
الأرجح أنّ العقل، السليم في حدوده الدنيا والخام، لن يعثر بسهولة على صلات، ذات معنى أو صواب أو ارتباط أو منطق، بين عناصر الأسئلة الثلاثة؛ إلا إذا كان حامل العقل من طراز الكاتبة الأمريكية ـ الإسرائيلية راشيل بيك، التي تصف نفسها بـ«الصهيونية الفخورة»، والتي نشرت مؤخراً مقالة بالإنكليزية في موقع «تايم أوف إسرائيل»؛ تساجل في فقراتها بوجود تلك الصلات، عبر قاسم مشترك هو نار العقاب الإلهي الذي حاق بالإسرائيليين، وسيُنزل بهم أنساق عقاب أخرى لاحقة إذا واصلوا الانقسام فيما بينهم. ويستوي، عندها، أن يدور الشقاق الإسرائيلي ـ الإسرائيلي حول الإصلاحات القضائية، أو طرائق إعادة الرهائن الإسرائيليين، أو إعفاء/ تجنيد الحريديم في الجيش، أو الفارق بين رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو وأيّ بديل له محتمل يخرج من صفوف المعارضة….
ثمة عطب في النظام، كما تتابع بيك، سوف يتواصل حتى إذا توقفت الحرب غداً، ولن ينفع معه ذكاء اصطناعي أو محاولات لرأب الصدع لا تأخذ بعين الاعتبار الأمثولة التي تسوقها الكاتبة المشبعة بالفخار الصهيوني: أنّ أورشليم لم تسقط في يد الرومان، ولم يًدمّر الهيكل ويتشتت اليهود في أصقاع الأرض، إلا بسبب «كراهية لا أساس لها» يتبادلها اليهود فيما بينهم. ولأنّ «عودة اليهود إلى أرضنا في أمّة ذات سيادة هي معجزة لا سابقة لها في تاريخ الشعوب»، تكتب بيك؛ فـ»ليس في وسعنا تحمّل نفي آخر. ولا تحمّل فشل أنظمة أخرى في بلدنا».
والحال أنّ الاستيهامات التي تدفع أمثال بيك إلى الخلط بين حكايات العهد القديم ومآزق العهد الصهيوني الجديد (حيث الكيان يسابق الزمن نحو أسوأ منظومات العنصرية والاستيطان والتعصب الديني والفاشية والأبارتيد…)؛ ليست، في ركائزها الدنيا والعليا على حدّ سواء، سوى طراز صارخ من هستيريا جَمْعية تبيح لأبناء هارون القرن الـ21 أن يحترقوا بنيران إسرائيلية، في ميادين القتال تارة، أو قبلها في مستوطنات الغلاف، من دون اضطرار إلى نار مقدسة إذْ لا يحتاج أبناء نتنياهو ويوآف غالانت وإسحق هرتزوغ إلا إلى ذكاء اصطناعي فاشي همجي في معظم الحالات، يحدث في حالات قليلة أن يكون أيضاً: غبياً خاطئاً عشوائياً.
وليس تفصيلاً عابراً أنّ انتهاج هذا الطراز من الاستيهام الهستيري يأتي من كاتبة صهيونية تقيم على شواطئ الباسيفيكي، ولكن يتوجب أنها تبصر بأمّ العين تحوّلات نظرة الرأي العام، في أربع رياح الأرض وفي بلدها أمريكا ذاتها، إلى هذه «المعجزة» التي لم تترك جريمة حرب إلا واقترفتها؛ وتقترفها، صباح مساء.

 

 

قبضة نتنياهو وخَوَر «المعارضة»:

دائرة الاجتماع الإسرائيلي المغلقة

صبحي حديدي

 

الإسرائيلي يائير لبيد، زعيم حزب «هناك مستقبل» وزير خارجية دولة الاحتلال الأسبق، ورئيس وزرائها بين مطلع تموز (يوليو) وأواخر كانون الأوّل (ديسمبر) 2022، وحامل لقب «زعيم المعارضة» غير المتوّج؛ طالب مؤخراً برحيل ائتلاف بنيامين نتنياهو لأنه يدير «حكومة الدمار» وبإجراء انتخابات مبكرة. بيني غانتس، زعيم حزب «أزرق ـ أبيض» وزميل لبيد في المعارضة، مع فارق أنه عضو في مجلس الحرب الإسرائيلي الراهن، طالب بانتخابات مبكرة أيضاً ولكن في أيلول (سبتمبر) المقبل؛ الأمر الذي أثار حفيظة لبيد، فأعلن أنّ الشعب الإسرائيلي لن ينتظر 6 أشهر أخرى.
وكأنهما ينتظران، بأيّ معنى قابل للتصريف العقلي، أن نتنياهو وائتلاف الليكود والأحزاب الدينية المتشددة والفاشية، سوف يصغون إلى هذه المطالب، أو تلك التي ترفعها مظاهرات أهالي الرهائن الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية. أو كأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأكثر ديمومة في الحكم على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني، لن يرضخ وحده، فحسب؛ بل سيذعن معه أمثال إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، أو بتسلئيل سموترش وزير المالية، أو عميحاي إلياهو وزير التراث الذي دعا إلى قصف قطاع غزّة بقنبلة نووية…
وتلك حال غير جديدة على دولة الاحتلال، وغير طارئة في مستوى حيثياتها وحذافيرها، وسبق لها أن تكررت بنُسَخ مختلفة في كثير وليس في قليل فقط؛ وكان نتنياهو، أيضاً، الطرف الأوّل في معظم معادلاتها المتعاقبة، التي شهدت من الأطراف المقابلة بعض أبرز رجالات «اليمين» أمثال أرييل شارون، و«اليسار» أمثال إيهود باراك، كي لا يأتي المرء على ذكر بيادق صراع عابرة في صفوف «الوسط». وذات يوم غير بعيد كان المعلّق الإسرائيلي جدعون ليفي، أحد أفراد قلّة إسرائيلية قليلة من أصحاب الضمير الحيّ، قد اعتبر أنّ صعود نتنياهو إلى الهرم الأعلى في السلطة سوف يكون علامة مشجعة، لأنه «سيحرّر إسرائيل من عبء الخديعة» ونجاحه في تشكيل حكومة يمينية سوف يتكفل بسقوط الحجاب و«يكشف وجه الأمّة الحقيقي أمام مواطنيها وسائر العالم، بما في ذلك العالم العربي. ونحن، ومعنا العالم، سوف نرى إلى أيّ اتجاه نسير، ومَن نحن حقاً. وبذلك فإنّ الحفلة التنكرية، التي تجري منذ سنوات عديدة، سوف تبلغ نهايتها»؛ كما كتب، في صحيفة «هآرتس».
ومضى ليفي أبعد، فأشار إلى سقوط الستارة وانفضاح الزيف الأكبر، أي «أكذوبة» المفاوضات وعملية السلام، حين كانت دولة الاحتلال تقول شيئاً، وتفعل نقائضه على الأرض؛ وهو نهج سيتواصل ويشتدّ إذا فازت زعيمة حزب «كاديما» تسيبي ليفني، أو فاز زعيم حزب «العمل» إيهود باراك، على حساب زعيم حزب «ليكود». نتنياهو سوف يعرض شيئاً مختلفاً، كتب ليفي، لأنه «أوّلاً، ممثّل مخلص لنظرة إسرائيلية أصلية، تنطوي على انعدام مطلق للثقة في العرب وفرصة التوصل إلى سلام معهم، ممتزجة بنزوع إلى الحطّ من قيمتهم وتجريدهم من إنسانيتهم». لكنه، ثانياً، سوف «يثير سخط العالم تجاهنا، بما في ذلك الإدارة الأمريكية الجديدة. ومن المحزن أنّ هذا قد يكون الفرصة الوحيدة لذلك النوع من التغيير الدراماتيكي المطلوب».

غير مستبعد أن يكون ليفي قد اعتقد، يومذاك، أنّ حكومة يشكلها نتنياهو قد تتألف، أساساً، من ائتلاف أحزاب «ليكود» و«شاس» و«إسرائيل بيتنا»؛ وذاك احتمال دفعه إلى انتظار معارضة هزيلة من الخاسرين، ومساندة مستقرة من ذلك الشارع الشعبي الذي يعتنق تلك «النظرة الإسرائيلية الأصلية» ذاتها التي يبشّر بها نتنياهو. وإذا كانت قيادة «شاس» لم تحلم بعودة مظفرة، على غرار المقاعد الـ 17 التي أحرزها الحزب في انتخابات 1999؛ فإنّ زعيم «إسرائيل بيتنا» أفيغادور ليبرمان، تصرّف وكأنه سوف يتكفّل بتحقيق المفاجأة، وانتزاع رقم في المقاعد يداني ما سيحصل عليه حزب «العمل» أو يزيد عنه ربما.
فإذا شاء المرء قراءة مشهد دولة الاحتلال الراهن من حيث الأحزاب والقوى والكتل، فلن يكون التفكيك أو حتى التحليل التركيبي هو المنهج اللازم لاستخلاص دروس شتى مبسطة بدورها، أو لا يعيبها تبسيط غير مخلّ أيضاً؛ أبرزها درس مركزي يقول إنّ القبضة المحكمة على صندوق الاقتراع تعود لصاحبها نتنياهو، بما تضمّ من أصابع يمين متدين وفاشي وعنصري؛ والقبضة الرخوة، حيث الخور والفشل والعجز عن تقديم سياسات موازية ذات مصداقية، تعود لأصحابها في أحزاب باهتة الخطّ ورجراجة المواقف مثل تلوينات «أزرق ـ أبيض» عند غانتس ولابيد وموشيه يعلون، أو أحزاب آيلة إلى اندثار منتظم مثل «العمل» و«ميرتس» و«كولانو».
لافت، بقدر ما هو طريف وحمّال مغزى بين الماضي القريب والراهن والمستقبل، أنّ استطلاعات رأي الإسرائيليين تشير إلى حيرة حول هوية رئيس الحكومة في «اليوم التالي» لحرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة؛ بين غانتس (52٪) ونتنياهو (27٪) رئيس الموساد السابق يوسي كوهين (13٪) ووزير الدفاع يوآف غالانت (12٪). في قراءة أخرى لهذه المعطيات الإحصائية، ثمة ما يستوجب استدعاء المعطى الأهمّ الذي لم يتبدل، فعلياً، منذ استقراره بعد 7 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023: 80٪ من الإسرائيليين يؤيدون رحيل نتنياهو وائتلافه الحاكم، مقابل 80٪ (والأرجح أنّ الرقم الفعلي أعلى) يساندون استمرار الحرب.
وأمّا القراءة الثالثة، المشروعة بدورها، فهي تلك التي تفيد بأنّ تظاهرات الاحتجاج ضدّ حكومة نتنياهو، سواء بصدد مشاريع وضع المحكمة العليا على رفوف التهميش أو التعطيل بالأمس، أو مطلب عقد صفقة مع «حماس» لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين اليوم؛ لا تمسّ، في الجوهر تحديداً وليس في الشكل فقط، حقيقة أنّ هذا المجتمع الإسرائيلي، الذي يزداد عنصرية ويمينية وتشدداً دينياً، ويسير بخطى حثيثة مضطردة صوب منظومات الأبارتيد الأسوأ، هو الذي انتخب هذا الائتلاف الحاكم؛ وهو ذاته المجتمع الذي سبق أن جدّد انتخاب نتنياهو والأحزاب الدائرة في فلكه، أياً كانت الفضائح المالية والأخلاقية والسياسية التي لوّثت زعماء هذا التحالف.
وتلك دائرة مغلقة تحكم خيارات مجتمع إسرائيلي أدمن على حلقات انتخابية متعاقبة أشبه بالباب الدوّار، هي في وجهة أولى بعض قواعد اللعبة «الديمقراطية» في تبادل السلطة؛ لكنها، في وجهة ثانية، تعكس الكثير من ذلك المزاج الخاصّ المركزي الذي يتحكّم بالناخب الإسرائيلي وبصندوق الاقتراع تحديداً: الخوف من السلام، الذي يبلغ درجة الرهاب، والانكفاء إلى الشرنقة الأمنية كلما لاحت تباشير تسوية ملموسة تتضمّن، أوّل ما تتضمّن بالطبع، تفكيك هذه أو تلك من الكتل الاستيطانية، أو هذا أو ذاك من الانسحابات أو إعادة الانتشار العسكرية.
التاريخ، من جانبه، لا يؤسس دروسه انطلاقاً من تلك اللعبة أو ذاك المزاج، بل من حقائق صلبة تمسّ معظم مآلات ما تبقى من «عملية سلام» كي لا يتحدّث المرء عمّا تبقى من سياسة سلام بالمعنى العريض المفتوح للمفردتين معاً. ومنذ سنة 1996 كان هذا الباب الدوار قد أسفر عن صعود نتنياهو، ثمّ اندحاره على يد الجنرال المتقاعد إيهود باراك، الذي هزمه جنرال متقاعد آخر هو أرييل شارون، أعقبه رئيس بلدية القدس المحتلة الأسبق إيهود أولمرت؛ كي يدور الباب مجدداً فيعيد نتنياهو؛ ولم تكن ولايتا نفتالي بينيت ولبيد سوى فاصل، تراجيكوميدي لمَن يشاء، يمهّد لمجيء نتنياهو الثالث و… المستدام.
وأمّا في العمق، وفي قلب صناديق الاقتراع، فقد كانت «النظرة الإسرائيلية الأصلية» ذاتها، لا تتبدّل إلا في مقدار اتكائها على مزيد من مزيج الرهاب والهمجية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

غزّة ومجلة «غرنيكا»

كبوة أم سقطة؟

صبحي حديدي

 

في موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، تعلن مجلة «غرنيكا» Guernica، الإلكترونية الأدبية التي تأسست سنة 2004 بمبادرة شخصية وغير ربحية، أنها تنشر أعمال التشكيل والتصوير الفوتوغرافي والقصة والشعر والرسائل والتحقيقات ومقالات الرأي والمقابلات مع رجال الفنون والآداب والموسيقى والسياسة؛ وأنها تشجع كتّابها على استكشاف «تقاطع الطرق بين الفنّ والسياسة». يميزها، كذلك، أنّ الغالبية الساحقة من العاملين في مطبخ التحرير تتألف من متطوعين لا أجر لهم، سوى المثوبة المعنوية.
وهي، على الموقع الرسمي أيضاً، تفاخر بأنّ في عداد محرّريها شخصيات مثل ناعوم تشومسكي، ومرغريت دوراس، وأميتاف غوش، وجورج ساوندرز، وأمارتيا سين؛ وبين الكتّاب ثمة كاميلا شمسي، ونغوجي واثيونغو، وها جين، ودون دليلو، وهوارد زن. وإذا كان صحيحاً أنّ خطّ المجلة العامّ يراوح بين يسار معتدل وليبرالية تنويرية وحداثة طليعية، فإنّ المجلة فتحت أبوابها أيضاً لترهات مجانية أو رجعية أو حتى عنصرية عند أمثال دجال فرنسي مثل برنار – هنري ليفي، أو ألعوبة في الاستعداء على الإسلام والمسلمين مثل أعيان حرسي علي.
النزوع إلى التوسّط، الزائف حين يتوهم إمكانية التكافؤ بين حقّ وباطل؛ ونهج الإمساك بالعصا من المنتصف، حيث أرجحية الميل يميناً أو يساراً ليست محكومة دائماً بضمانات كافية؛ أوقع المجلة في مطبات سابقة لم تكن كثيرة كما يتوجب التنويه، ومعظمها ترك ندوباً على الصورة العامة للمطبوعة من دون أن يلطّخ جذرياً ما تتمتع به من ثقة عالية نسبياً. حتى جاءت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، فوقع التحرير في خطأ اتضح أنه كان جسيماً، إذا لم يفترض المرء أنه فادح وستكون له عواقب بعيدة الأثر.
ففي تحديثها ليوم 4 آذار (مارس) الجاري، نشرت المجلة مقالة بعنوان «من حوافّ عالم منكسر»، وقّعتها الشاعرة والمترجمة الإسرائيلية جوانا شين، تسرد فيها تفاصيل تجربتها الشخصية في السعي إلى جسر الانقسام مع الفلسطينيين قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وبعده؛ فكان أن أثار قرار النشر غضبة عارمة لدى طاقم التحرير. 10 من هؤلاء سارعوا إلى الاستقالة احتجاجاً على ما اعتبروه «خيانة لخطّ المطبوعة التحريري»، وأمّا الناشر المشارك مادوري ساستري فقد ذهب أبعد ودوّن على موقع
X أنّ مقالة شين «تحاول تلطيف عنف الاستعمار والإبادة». بعد أيام قليلة اختفت المقالة من الموقع، مع عبارة تقول: «تأسف غرنيكا لأنها نشرت هذه المادة، وقد سُحبت الآن».
أبريل زو، إحدى المستقيلات، دوّنت على المنصة ذاتها أنّ المقالة «تفشل في، أو ترفض عامدة، تشخيص هيئة السلطة ــ وهي، في هذه الحالة، سلطة عنفية، إمبريالية، استعمارية ــ تجعل النزع المنهجي والتاريخي لإنسانية الفلسطينيين (وهذا هو السبب المبطّن وراء إحساس الكاتبة بالحاجة إلى تأكيد ‘إنسانية مشتركة’) قضية غير واردة». مايكل آرشر، أحد مؤسسي المجلة، قال إنّ الإدارة تعكف على إعداد ردّ مفصّل، و»سبب تأخرنا في إصداره يعكس إدراكنا لخطورة ما أثارته من مظاهر قلق، وكذلك التزامنا بمعالجة الأمر على نحو ذي معنى».
والحال أنّ مقالة شين نموذج جديد على نسق سائد لدى عدد من كاتبات وكتّاب دولة الاحتلال، ينهض على رؤية الشخصية الفلسطينية عموماً، والفلسطيني تحت الاحتلال خصوصاً، بوصفه ذلك «الآدمي» الذي يمكن الإشفاق عليه من زوايا عديدة؛ وعبر طرائق من الطراز الذي تتفاخر شين بأنها مارسته، أي نقل الأطفال الفلسطينيين المرضى عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية. وهذه عقلية تعترف بوجود احتلال (وإلا فكيف تقنّع عواطفها الإنسانية تجاه الفلسطيني ضحية الاحتلال)، وأمّا في العمق فإنها تشارك فعلياً في تجريد الفلسطيني من إنسانيته عبر إغفال حقائق الاحتلال الأخرى الكبرى؛ مثل الاستيطان والعنصرية والأبارتيد وجرائم الحرب. وكما فعل دافيد غروسمان قبلها، «حماس» هي الإرهاب، مرتكبة «الجرائم المروّعة»؛ وأمّا الجيش الإسرائيلي فهو «قوّة احتلال» في أسوأ توصيفاته، وليس أكثر من الإشفاق شعوراً (لدى شين، تحديداً) إزاء ما يتواتر من أخبار على هاتفها: قصف المشفى المعمداني، والكلاب التي تأكل جثث المرضى/ القتلى في باحات المشفى وخرائبه…
وضمن انطباع شخصي، توقفت هذه السطور عند واحد من أكثر جوانب مقالة شين استفزازاً، ليس في مستويات سياسية وأخلاقية وإنسانية فحسب، بل كذلك جمالية عموماً وشعرية على وجه الخصوص؛ لأنها فصلت أقسام مقالتها بمقاطع شعرية مترجمة عن العبرية للشاعر الإسرائيلي يوناتان بيرغ، ولا غرابة في هذا؛ ومقاطع أخرى مترجمة من العربية للشاعر الفلسطيني الغزاوي ناصر رباح، وهذا إسفاف صارخ خاصة حين تتساءل شين إذا كان الشاعر… معتقلاً لدى «حماس»!
تاريخ الخطّ التحريري لمجلة «غرنيكا» يمكن بالفعل أن يشفع لها أو يمنحها فضيلة الشكّ في أن يكون نشر مقالة الإسرائيلية شين مجرد كبوة، شريطة انتظار بيان الإدارة حول الواقعة المثيرة للجدل. غير أنّ هذا السعار الذي تنتهجه مجموعات الضغط المساندة لدولة لاحتلال الإسرائيلي في قطاعات الثقافة المختلفة على امتداد الديمقراطيات الغربية يمكن، في المقابل، أن يمنح الحقّ في الافتراض بأنّ الواقعة ليست أقلّ من سقطة.
الأمر الذي، في الحالتين، يستوجب المساءلة الصارمة.

 

 

 

واشنطن وحرب الإبادة الإسرائيلية:

عظام ريغان وجثة بايدن

صبحي حديدي

في الـ«غارديان» البريطانية كتب مهدي حسن، الإعلامي الهندي/ البريطاني المعروف، يختصر مقدار التأثير الذي يملكه الرئيس الأمريكي جو بايدن لوقف المجازر الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة؛ على هذا النحو، الدراماتيكي من حيث الشكل، والمسلّح بواقعة فعلية من حيث المضمون: «السيد الرئيس، قُمْ بذلك الاتصال الهاتفي. أوقف هذه المجزرة». وحسن يفترض أنّ سيد البيت الأبيض يمكن أن يقتدي بسَلَف له في الموقع إياه، الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان؛ الذي راعته مشاهد القصف الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية بيروت، فبادر بتاريخ 12 آب (أغسطس) 1982، اليوم الذي سوف يُسمّى «الخميس الأسود» لأنّ القاذفات الإسرائيلية نفذت غارات على مدار 11 ساعة متعاقبة، إلى الاتصال برئيس حكومة الاحتلال في حينه، مناحيم بيغين، وقال بالحرف: «مناحيم، هذا اسمه هولوكوست». بيغين، بالطبع، ردّ هكذا: «أعتقد أنني أعرف معنى الهولوكوست» الأمر الذي لم يردع ريغان فأعاد التشديد على أنّ ما تشهده العاصمة اللبنانية هو «دمار وإراقة دماء لا حاجة لهما» ويتوجب وقف إطلاق النار؛ وهذا ما حدث بالفعل، إذْ غاب بيغين 20 دقيقة قبل أن يعاود الاتصال بالرئيس الأمريكي لإبلاغه أنه أمر أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي يومذاك، بوقف الغارات على بيروت.
حسن ليس ساذجاً بالطبع، فهو أحد أمهر العارفين بطبائع الانحياز الأمريكي الأعمى خلف سياسات دولة الاحتلال، وإلى درجة التواطؤ على جرائم الحرب وتغذية المجازر الإسرائيلية بالسلاح والمال والمساندة الإعلامية والدبلوماسية وتسخير سلاح الفيتو. وهو، إلى هذا، يدرك جيداً أنّ قرّاء مقاله هذا ليسوا بالسذّج من جانبهم، أو على الأقلّ لم يتعودوا منه أن يستغفل عقولهم أو يستخفّ بركائز المنطق الأعلى الذي يحكم العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية. لكنه، في استعادة واقعة ريغان بصدد بيروت، لم يشأ إقلاق عظام الرئيس الأمريكي الأسبق الراحل، بالمقارنة مع الرئيس الحالي الحيّ/ المرشح مجدداً لولاية رئاسية ثانية؛ ولا حتى عقد مقارنة كوارث وحروب إبادة بين بيروت 1982 وقطاع غزّة 2024 (رغم تنويهه إلى أنّ ريغان تأثر حينذاك بمرأى طفل لبناني جريح، بينما أجهز الاحتلال الإسرائيلي على 12.000 طفل فلسطيني في قطاع غزّة حتى ساعة كتابة المقال).
في صياغة أخرى، للمرء أن يفترض وعي حسن التامّ، المسلّح بوقائع شتى خلّفها التاريخ حول العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، بأنّ الركون إلى عظام ريغان يصعب أن يستنهض جثة بايدن، الهامدة أو تكاد في ممارسة أيّ تأثير ملموس لإجبار دولة الاحتلال على وقف إطلاق النار وتعليق حرب الإبادة ضدّ المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة. ما يسوقه حسن، في المقابل، ولعله جوهر النبرة الإجمالية في مقالته تلك، هو دحض المزاعم الرائجة (على ألسنة صحافيين ومعلقين وأعضاء في الكونغرس) التي تقول إنّ البيت الأبيض لا يملك «رافعة ضغط» ملموسة وفعلية وفعالة لإجبار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على القبول بوقف إطلاق النار. ذلك، من جانب آخر، لأنّ تلك المزاعم ليست أقلّ من ذريعة لتبرير المزيد من الاصطفاف الأمريكي خلف دولة الاحتلال، والحثّ على إرسال دفعات أخرى أضخم من السلاح والعتاد والأموال لتغذية حرب الإبادة.

لا يلوح أنّ الرئيس بايدن يقرّ بإنسانية كلّ الأطراف المتأثرة بالنزاع،

 إذْ وصف المعاناة الإسرائيلية بتفصيل واسع، بينما ترك المعاناة الفلسطينية غامضة، إذا كان قد تطرق إليها أصلاً

الحقيقة، يساجل حسن، أنّ «القائد الأعلى لجيش الدولة الأغنى في تاريخ العالم أبعد ما يكون عن العجز» وهو على شاكلة كلّ قائد أعلى قبله «يمتلك الكثير من الروافع»؛ وليس المرء في حاجة إلى تحكيم كبار رجال الدفاع والأمن في الولايات المتحدة للتأكد من هذه الحقيقة، وتدقيق مدى فاعلية هذه الرافعة أو تلك. خذوا بروس ريدل، الذي قضى ثلاثة عقود في المخابرات المركزية ومجلس الأمن القومي ونصح أربعة رؤساء؛ الذي يعتبر بوضوح تامّ أنّ «الولايات المتحدة تمتلك رافعة هائلة. في كلّ يوم نزوّد إسرائيل بالصواريخ، والمسيرات، والذخيرة، وما تحتاجه لإدامة حملة عسكرية كبرى مثل هذه التي تشهدها غزّة». الأمر، مع ذلك، ينحصر في «حياء» الرؤساء الأمريكيين «إزاء استخدام تلك الرافعة، تبعاً لأسباب سياسية داخلية».
وجهة ثانية يسوقها حسن، على لسان كبار المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، كما في مثال وزير دفاع الاحتلال يوآف غالانت الذي رضخ للمطلب الأمريكي بأن يكون إدخال المساعدات رديفاً لصفقة التبادل، وأعلن التالي في خطاب أمام الكنيست: «ألحّ الأمريكيون، ولسنا في موقع يسمح لنا برفض طلبهم. إننا نعتمد عليهم في الطائرات والمعدات العسكرية. فما المتوقع منّا؟ أن نقول لهم: لا؟». بعد أقلّ من شهر كان العميد المتقاعد إسحق بريك قد ذهب أبعد: «جميع صواريخنا، والذخيرة، والقذائف دقيقة التوجيه، وجميع الطائرات والقنابل، كلها من الولايات المتحدة. وفي أي دقيقة تشهد إغلاقهم الصنبور، فلن نستطيع القتال. ولن تتوفر لنا القدرة. الجميع يفهمون أننا لا نستطيع خوض هذه الحرب من دون الولايات المتحدة. نقطة على السطر».
والسؤال الذي يطرحه حسن، استطراداً، هو ما إذا كان بايدن يعبأ بالأرواح العربية أقلّ من ريغان؛ ويحيل الإجابة إلى ما نقلته مجلة «مذر جونز» في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، على لسان مسؤول سابق في إدارة بايدن: «لا يلوح أنّ الرئيس يقرّ بإنسانية كلّ الأطراف المتأثرة بالنزاع، إذْ وصف المعاناة الإسرائيلية بتفصيل واسع، بينما ترك المعاناة الفلسطينية غامضة، إذا كان قد تطرق إليها أصلاً». بالطبع، ليس لأنه صاحب المقولة، الركيكة المكرورة المتكاذبة، بأنّ المرء لا يحتاج أن يكون يهودياً كي يصبح صهيونياً، فحسب؛ أو لأنه القائل، منذ بدايات انتخابه في الكونغرس، بأنّ دولة الاحتلال هي الاستثمار الأمريكي الأهمّ، ولو لم توجد لتوجّب على أمريكا أن تخلقها، فحسب أيضاً؛ بل أساساً لأنّ علائم الخرف الذي تجعله يخلط بين رئيس المكسيك ورئيس مصر هي محاذية لبواعث الانحياز الأعمى التي تجعله يصادق على المزاعم الإسرائيلية حول مشفى المعمداني أو قطع رؤوس الأطفال الإسرائيليين.
بين مهاتفة ريغان مع بيغين، واضطرار بايدن إلى استخدام شتيمة حروف الـ
F الأربعة الشهيرة في وصف نتنياهو داخل حديث المجالس، ثمة 42 سنة من اعتناق رؤساء الولايات المتحدة معدّلات في السياسة الإسرائيلية لا تقلّ عن تسعة أعشار؛ وثمة مئات مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية، والأسلحة عالية التدمير والتخريب والإبادة، وعشرات الحالات في استخدام حقّ النقض لتعطيل أيّ وكلّ مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يمسّ دولة الاحتلال. ولعلّ الأصل، الذي فاتت حسن الإشارة إليه، هو أنّ بايدن كان ضمن أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الذين أيدوا غزو العراق سنة 2003، ولا يبدّل من تبعات موقفه أنه أبدى الندم عليه لاحقاً. ما لا يصحّ أن يُفوّت، كذلك، هو حقيقة أنّ بايدن يظلّ رجل وول ستريت المخلص والمدافع الشرس عن مصالح والشركات الكبرى والرساميل العملاقة الأكثر شراسة ضدّ المجتمع، وسجلّه في هذا حافل ومذهل؛ يتصدره تعاونه مع عتاة الجمهوريين لإقرار قانون إساءة استخدام مبدأ الإفلاس، الذي كفل للشركات الكبرى منافذ تهرّب عديدة ومنعها عن ملايين المواطنين المشتغلين بالأعمال الصغيرة.
وهكذا، إذا كان استدعاء عظام ريغان حول بيروت، لا يساوي بالضرورة التنقيب عن مظاهر حياة في همود جثة بايدن بصدد قطاع غزّة؛ فإنّ ما ارتكبته دولة الاحتلال وتواصل ارتكابه من هولولكوستات متعاقبة لا يتغير جوهرياً، بقدر ما يتعدد ويتكرر وتتضاعف أفانينه الوحشية والهمجية.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

(نيويورك تايمز):

خيانات ما تبقى لهم من ضمائر

 

صبحي حديدي

 

حكاية السينمائية الإسرائيلية أنات شوارتز مع صحيفة «نيويورك تايمز» ليست جديدة أو طارئة، إلا في مستوى شبه وحيد يعكس مقدار الانحطاط الذي يمكن أن تهبط إليه مطبوعة غير عادية؛ لأنها ببساطة جريدة/ مؤسَّسة إعلامية وسياسية أمريكية عملاقة، كما يتوجب التذكير. ولم يبدّل من جوهر الفضيحة، ولا حتى شكلها في الواقع، أنّ إدارة الصحيفة اضطرّت مؤخراً إلى إعلان العزم على التحقيق مع شوارتز بصدد الأكاذيب الفاقعة والملفقة والمزوّرة التي روّجت لها الأخيرة، وفتحت الصحيفة لها صدر صفحاتها.
الحكاية بدأت أواخر العام المنصرم 2023 حين تعاقدت الصحيفة الأمريكية مع شوارتز، التي لم تكن يومذاك تمتلك أية خبرة أو ممارسة صحفية، ومع قريب لها يُدعى آدم سيلا، والكاتب الأمريكي جيفري غيتلمان (الحائز على جائزة بوليتزر!)؛ لكتابة تقرير صحفي سوف يُشتهر عالمياً تحت عنوان «صرخات بلا كلمات»، يزعم أنّ جولات «اغتصاب جماعي» ارتكبها رجال المقاومة الفلسطينية خلال عمليات «طوفان الأقصى». وكلّ ما كلّفت «نيويورك تايمز» خاطرها به عند نشر هذه الحكاية كان مجرد تنويه بعدم وجود «دليل جنائي» على الواقعة.
وكما بات معروفاً لاحقاً، فإنّ التفضيح الأوّل للتلفيق هذا جاء من أحد أقارب الضحايا المزعومين، غال أبدوش، ثمّ من أفراد العائلة المسماة؛ جاء فيه أنه لم يكن هناك أيّ دليل على الاغتصاب، وأنّ «نيويورك تايمز» استجوبتهم ضمن «مزاعم زائفة». شوارتز نفسها أوحت بأنّ مهمة الصحيفة الأمريكية كانت «الترويج لسردية محددة مسبقاً»؛ وأمّا المصوّرة إيدن ويزلي، الذي قيل إنّ صورها وفّرت بعض الدليل على المقالة، فقد أوضحت أنّ شوارتز تواصلت معها بإلحاح لتقديم مادة فوتوغرافية تخدم «مقالة بالغة الأهمية للدعاية الإسرائيلية».
وإذْ كرّت سبحة التشكيك في مصداقية السينمائية الإسرائيلية، المنقلبة إلى مراسلة لواحدة من أعرق الصحف الأمريكية، اتضح أنها كانت قد أيدت علانية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، تعابير مثل «الحيوانات البشرية» أو «تحويل غزّة إلى مسلخ بشري»، أو «خرق أيّ عرف، على طريق الانتصار». ذروة الفضيحة/ المهزلة كانت اضطرار شوارتز، بعد انكشاف المزيد من أنساق التلفيق، إلى الإقرار على شاشة القناة 12 الإسرائيلية بأنها «لم تجد أيّ دليل مباشر على حوادث اغتصاب أو عنف جنسي»، قبل نشر مقالة «نيويورك تايمز» أو بعدها.
جانب آخر في الفضيحة، يدين تحرير الصحيفة مباشرة هذه المرّة ويرقى إلى مستوى التزوير القصدي المخالف للحدود الدنيا في الضمير المهني، كان علم «نيويورك تايمز» المسبق بأنّ كتّاب مقالة الاغتصابات المزعومة استندوا إلى روايات زوّدهم بها عناصر منظمة إسرائيلية تدعى  
ZAKA، لعبت العديد من الأدوار في تلفيق روايات إسرائيلية عن وقائع 7 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 لجهة تجميع جثث القتلى الإسرائيليين والإشراف على دفنهم؛ ولكنّ التحرير وافق، في المقابل، على استخدام تعبير «متطوعون في العمل الصحي»، بدل الإفصاح عن الهوية الفعلية للعاملين في المنظمة الإسرائيلية.
ولم يكن عسيراً على تحرير الصحيفة الأمريكية/ المؤسسة العملاقة أن يتحقق، بيسر وخلال زمن قياسي قصير، من أقاصيص التلفيق التي روّجت لها منظمة  
ZAKA، ونشرتها قبل «نيويورك تايمز» منابرُ مثل CNN وBBC؛ وتولت تفضيحها جهات عديدة، بما في ذلك صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية ذاتها، التي نشرت قائمة مفصلة بأكاذيب المنظمة الإسرائيلية التي رفض مسؤولون في الجيش الإسرائيلي مجرد التعليق عليها، وبينها حكاية بَقْر بطن امرأة إسرائيلية حامل وطعن جنينها.
وهكذا فإنّ حكاية شوارتز مع «نيويورك تايمز» ليست سوى الفصل الأحدث في تاريخ طويل حافل شهد ارتكاب الصحيفة الأمريكية انتهاكات متعاقبة لما تبقى لديها من مصداقية؛ وتلك، في مضمونها الفعلي، خيانات صفيقة معلَنة، لما تبقى للصحيفة من مزاعم ضمير مهني.

 

نانسي بيلوسي حول غزّة:

مكارثية الدرجة 3

صبحي حديدي

 

لعلّ المرء غير مضطر للاحتكام إلى الطبّ النفسي، فكيف بالمعطيات الأبسط لتأويل الخبل والخرف، كي يسائل هذا الحكم الجامع المانع القاطع: أنّ المتظاهرين في أمريكا ضدّ سياسة البيت الأبيض تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي عموماً، وبصدد حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة خصوصاً؛ ومثلهم دعاة وقف إطلاق النار، بذريعة تأمين احتياجات إنسانية قصوى مثل الغذاء والماء والدواء والوقود والمسكن؛ ليسوا سوى… عملاء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين!
ولا يزيد بلّة في طين هذا التفكير المسطح المعوّج سوى حقيقة أنّ قائلته ليست سوى نانسي بيلوسي، عضو مجلس النوّاب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي منذ العام 1987، وأوّل امرأة تتبوأ رئاسة المجلس في تاريخ أمريكا وتبقى فيه سنوات 2007 حتى 2011، ثمّ 2019 حتى 2023. ورغم أنّ المكارثية، تراث السناتور الشهير جون مكارثي الذي ساد الولايات المتحدة ابتداء من 1950 وحتى 1954، عقدت محاكم تفتيش لأولئك الذين اتُهموا بالشيوعية؛ فإنّ لجوء بيلوسي إلى اتهام بوتين بالوقوف خلف تظاهرات الرفض لسياسات بايدن/ نتنياهو، وللمجازر الإسرائيلية استطراداً، لا يستدعي مناخات تلك الحقبة السوداء الفاضحة لأسباب على صلة بالمحتد الروسي/ السوفييتي سابقاُ فحسب. ثمة، في جهاز التفكير الذي يدير عقل بيلوسي وأحكامها، جذور وأصول وربما بعض «جينات» ترتدّ إلى 74 سنة خلت في الحوليات الأمريكية.
هنا ما ذكرته بيلوسي في حوار مع محطة
CNN الأمريكية: «أن يطالب هؤلاء بوقف إطلاق النار أمر يعني نقل رسالة السيد بوتين. لا تخطئوا، هذا مرتبط مباشرة بما يحلو له أن يراه. الشيء ذاته بخصوص أوكرانيا. إنها رسالة بوتين. وأنا أقول هذا بعد أن تفحصت الأمر طويلاً». وحين تسألها المذيعة إنْ كان بعض المحتجين المناهضين للحرب هم من «المزروعين» تجيب بيلوسي: «بذور أم زرع، أعتقد أنه يتوجب التحقيق في بعض التمويل. وأودّ أن أطلب من مكتب التحقيقات الفدرالي أن يتولى ذلك».
وحين اعترضت منظمات سياسية وحقوقية مشاركة في تلك الاحتجاجات، لم يتراجع مكتب بيلوسي عن الاتهام، ووزّع النصّ التالي: «لأنها عليمة عبر ثلاثة عقود من العمل في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النوّاب، فإنّ رئيسة المجلس عالية الإدراك لكيفية تدخل الخصوم الأجانب في السياسة الأمريكية بهدف بذر الشقاق والتأثير على انتخاباتنا، ويهمها أن ترى المزيد من التحقيق على أعتاب انتخابات 2024». والحال أنّ التاريخ لا يسجّل ذهاب مكارثي إلى هذه الدرجة من الحضّ على توريط مكتب التحقيقات الفدرالي، في مزاعم واهية مضحكة مثل تلك التي ساقتها بيلوسي، دون أن تكترث بتقديم أيّ برهان، أو حتى خيط دليل، على ما تقول.
هذه خلاصة تبيح الافتراض بأنّ بيلوسي لم تنتهج مكارثية «أصيلة» بمعنى أن تكون وفيّة في المعايير الدنيا لذلك التراث البغيض؛ بل اختارت الدرجة 3، في أفضل تقدير، من ذلك الهوس المَرَضي بتأثيم العالم الخارجي المتربص دائماً وأبداً بأمن الولايات المتحدة ومصالحها، وتلفيق نظريات المؤامرة على النحو الأشدّ استخداماً للهراء المحض.

ثمة في جهاز التفكير الذي يدير عقل بيلوسي وأحكامها، جذور وأصول وربما بعض «جينات» ترتدّ إلى 74 سنة خلت في الحوليات الأمريكية

لكنها تتجاهل، عامدة بالطبع إذْ لا يعقل أنها تجهل، حقيقة أولى أشارت إلى أنّ 10 فقط في مجلس النوّاب الأمريكي المؤلف من 435 عضواً؛ وافقوا على أيّ تحقيق بصدد انتهاكات دولة الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة. حقيقة أخرى تتقصد بيلوسي إغماض العقل عنها، هي أنّ 61٪ من عموم الأمريكيين، و76٪ من أنصار الحزب الديمقراطي؛ يؤيدون وقف إطلاق النار.
فإذا وضع المرء جانباً أعراض الخبل والخرف، في اتهام المحتجين على الحرب بالعمالة للرئيس الروسي، فإنّ موازين بيلوسي بصدد الانحياز الأعمى لدولة الاحتلال ليست ثقيلة ومثقلة فقط، بل هي بدورها تقترب في كثير أو قليل من التفكير التخبّلي، إذا جاز اشتقاق كهذا. ففي سنة 2019، ومن سدّة رئاسة مجلس النوّاب تحديداً، خرجت بيلوسي بهذه المعادلة: «قلت لبعض الناس حين سألوني، لو أنّ مبنى الكابيتول هذا صار ركاماً على الأرض، فالأمر الوحيد الذي سوف يبقى هو التزامنا بالمساعدة إسرائيل، وإنني أيضاً لا أطلق عليها صفة المساعدة، بل التعاون. هذا أمر جوهري يخصّ هويتنا ومَن نكون». ولأنّ هذه السطور أتت على ذكر الجينات في هوس بيلوسي الإسرائيلي، هنا ما قالته أواخر تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، خلال خطبة تصويتها لصالح قرار مجلس النواب 771 المؤيد لدولة الاحتلال: «قبل 80 سنة، من منصة هذا المجلس، كان والدي عضو الكونغرس توماس دأليساندرو من ماريلاند قد دعا إدارة روزفلت لدعم تأسيس دولة إسرائيل في ما كان آنذاك يُعرف باسم فلسطين. كانت دعوته تلك مبكرة، ولهذا فإنّ حماية دولة إسرائيل كامنة في جيناتي».
ثمة، إلى هذا، مورّثات من طراز آخر يقود سلوكيات بيلوسي، وإنْ كان يفضي في نهاية المطاف إلى مراقصة أنظمة الطغيان والاستبداد والفساد، بعد نظام الاستيطان والتمييز العنصري والأبارتيد؛ ثمّ الجمع بينهما في سلّة واحدة، لا يكون التناقض مادّة تشكيلها. ففي نيسان (أبريل) 2007، قامت بيلوسي بزيارة دمشق والاجتماع مع رأس النظام السوري بشار الأسد؛ وأعلنت من هناك أهداف مبادرتها تلك: «جئنا من موقع الصداقة، والأمل، والتصميم على أنّ الطريق إلى دمشق هو طريق إلى السلام» و«ليست لدينا أوهام، بل أمل كبير» لمحادثات سوف تتركز على «محاربة الإرهاب». رئيس حكومة الاحتلال يومذاك، إيهود أولمرت، لم يتأخر في فضح الأكذوبة؛ ودافعه في ذلك كان اعتبارات إسرائيلية ـ إسرائيلية أساساً، فأعلن أنه لم يحمّل بيلوسي أية رسالة إلى الأسد، لأنّ النظام السوري يظلّ في تقدير الحكومة الإسرائيلية ضمن «محور الشرّ» الشهير، ذاته الذي سبق أن شخّصه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن.
أكذوبة أخرى، وتالية، فضحها البيان الرسمي ذاته الذي أصدره وفد مجلس النواب الأمريكي الزائر (وتألف من توم لانتوس، هنري واكسمان، نك رحال، لويز سلوتر، وكيث إليسون) حين أوحى بأنه التقى مع «قادة المعارضة وممثلي عوائل المنشقين» ونقل لهم «اهتمامنا القوي بحالات الناشطين الديمقراطيين العراقيين أنور البني، عارف دليلة، محمود عيسى»…؛ فافتُضح عجز النوّاب الاشاوس عن التمييز بين معارضين عراقيين (كما قال البيان) وسوريين (كما أشارت الأسماء)؛ فضلاً عن عدم اكتراث مساعدي بيلوسي وصحبها حتى بتصحيح الخطأ، في سجلات المجلس لاحقاً.
ولعلّ المظهر الإضافي من هذا الولع بدولة الاحتلال، الأقرب إلى المسّ والهوس، يقتضي أن تكون بيلوسي إسرائيلية أكثر من كونها أمريكية، أو إسرائيلية أكثر من غالبية الإسرائيليين أيضاً؛ كما في الحكاية التالية التي يستطيب سردها سام لوتر، صديق بيلوسي وأحد كبار النشطاء في دعم الاحتلال: ذات يوم، خلال أحد اجتماعات «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية»
AIPAC، خلال فترة هجمات 11/9، كانت بيلوسي تلقي خطبة حين دوّت صفارات الإنذار، فساد القلق والاضطراب في القاعة، فما كان منها إلا أن أنشدت الـ»هاتيكفا» النشيد الوطني الإسرائيلي، فهدأ روع الحاضرين وانخرطوا في التصفيق.
وبالفعل، إذْ من دون مسرح مبتذل مثل هذا، أو مراقصة طاغية مثل الأسد، أو مجرم حرب مثل بنيامين نتنياهو، أو تلفيق اتهامات مثل عمالة لرافضي الحرب… كيف للدرجة الثالثة من مكارثية الزمن 2024، أن تتأصل في قرارة نفس بيلوسي!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

 

ورقة كنفاني الغزاوية

صبحي حديدي

 

ضمن المنشورات التي تُحدّث دورياً على موقعها الإلكتروني، استعادت «احتفالية فلسطين للأدب» PalFest مؤخراً شريط فيديو بصوت الروائي والتشكيلي والناقد الإنكليزي المرموق الراحل جون بيرغر (1926-2017)؛ يقرأ فيه نصّ غسان كنفاني «ورقة من غزّة»، وكان مشاركة بيرغر في الدورة الأولى للاحتفالية، 2008، وأشرف على تسجيله المصوّر والسينمائي بيري أوغدن.
وكما هو معروف، النصّ في اللغة العربية هو الجزء الأخير من قصة قصيرة بعنوان «ثلاث أوراق من فلسطين»: أ، من الرملة؛ وب، من الطيرة (كلتاهما كُتبتا في دمشق، 1956 و1957)؛ وج، من غزّة (الكويت، 1956)؛ وقد نُشرت في مجموعة «أرض البرتقال الحزين»، مجموعة كنفاني القصصية الثانية، 1962. ومبادرة الاحتفالية حميدة في كلّ السياقات بالطبع، لكنها تكتسب فضيلة خاصة في هذه الأزمنة تحديداً، حين يتعرّض قطاع غزّة لحرب إبادة إسرائيلية وتوحّش همجي، ويخاطب النصّ العالم عبر لغة كونية مثل الإنكليزية، وبصوت شخصية رفيعة التأثير مثل بيرغر.
لعلّ جانباً ثانياً، فنياً هذه المرّة، يضيف المزيد إلى الفضيلة الأمّ المتمثلة في استعادة هذا النصّ بالذات، من هذا الكاتب تحديداً: أنّ كنفاني يذهب هنا إلى خيار الرسالة في صياغة القصة القصيرة، من جهة أولى؛ ويبدو من جهة ثانية أكثر مغالبة في تطويع اللغة بعيداً عن مناخات الأسى والتفجّع ومرارة النزوح واللجوء، التي كان من الطبيعي أن تهيمن على الكتابات الفلسطينية بعد 8 سنوات أعقبت كارثة النكبة. ليس أقلّ أهمية أنّ كنفاني يغالب الموازنة بين الضمائر الساردة، فيُفرد أكثر من وجهة واحدة للجدل التفاعلي بين ضميرَي المتكلم والمخاطب؛ ويقترب، ربما أكثر من أيّ نموذج قصصي سالف عنده، نحو إبدالات تيار الشعور التي سوف تستهويه طويلاً.
ثمة، إلى هذا، نزوع مفاجئ نحو تحميل هذا الجزء الثالث الذي لا يتجاوز 1370 كلمة، تقنيات سردية متغايرة؛ مثل التقديم والتأخير في عرض الحكاية (وثمة ما يُحكى حقاً!)، والتشويق عن طريق الإرجاء، والنقلات المباغتة في التغطية الشعورية لهذه أو تلك من تقلبات الحكي… وكلّ هذا تحت ضغوطات سقف دلالي مركزي يُصنع تباعاً عبر نفور أوّل تمهيدي من مدينة غزّة، وهيام تالٍ بها بعد انكشاف واقعة منفردة قد لا تكون استثنائية الحدوث رغم مأساويتها: أنّ ابنة أخيه الجميلة نادية بُترت ساقها حين «ضرب اليهود مركز الصبحة، وقذفوا غزة، غزتنا، بالقنابل واللهب».
هذا تفصيل لا يتكشف إلا في الثلث الأخير من النصّ، وأما الثلث الأوّل فيخصصه كنفاني للتعريف بشخصية السارد: إنه فلسطيني غزاوي، يعمل لدى مدارس وكالة الغوث الدولية براتب ضئيل لم يكن يكفي لإعالة أمه وزوجة أخيه الأرملة وأولادها الأربعة، وأنّ صديقاً له سافر إلى ساكرمنتو في أمريكا يقنعه بالهجرة إلى الكويت والتعاقد مع وزارة المعارف وتوفير بعض المال، تمهيداً للالتحاق به إلى كاليفورنيا. حياته، كما يصفها: «دبقة، فارغة، كمحارة صغيرة. ضياع في الوحدة الثقيلة، وتنازع بطيء مع مستقبل غامض كأوّل الليل، وروتين عفن، ونضال ممزوج مع الزمن، كل شيء كان لزجاً حاراً، كانت حياتي كلها زلقة، كلها توق إلى آخر الشهر». أمّا مدينة غزّة فقد كانت عنده «كما تعهدها تماماً، انغلاقاً كأنه غلاف داخلي، ملتفّ على نفسه، لقوقعة صدئة قذفها الموج إلى الشاطئ الرملي اللزج قرب المسلخ»؛ وهي: «أضيق من نفس نائم أصابه كابوس مريع، بأزقتها الضيقة ذات الرائحة الخاصة، رائحة الهزيمة والفقر، وبيوتها ذوات المشارف الناتئة».
بعد اكتشاف الساق المبتورة، واصطدام السارد بأكذوبة روّجها لنفسه ولابنة أخيه مفادها أنه اشترى لها من الكويت البنطال الأحمر الذي أرسلت تطلبه، لم يعد مشروع السفر ممكناً، ولم تعد غزّة كما كان يراها؛ بل هي الآن «جديدة كل الجدة، لم نرها هكذا أنا وأنت: الحجارة المركومة على أول حي الشجاعية، حيث كنا نسكن، كان لها معنى كأنما وضعت هناك لتشرحه فقط، غزّة هذه التي عشنا فيها ومع رجالها الطيبين سبع سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً، كانت تلوح لي أنها… بداية فقط، لا أدري لماذا كنت أشعر أنها بداية فقط»؛ و»كل شيء كان في غزّة هذه ينتفض حزناً على ساق نادية المبتورة من أعلى الفخذ، حزناً لا يقف على حدود البكاء، إنه التحدي، بل أكثر من ذلك، إنه شيء يشبه استرداد الساق المبتورة».
هذه خاتمة قد تُتهم، في ضوء تطورات القصة القصيرة الراهنة، بتقصّد النهايات السعيدة أو حتى الميلودرامية؛ غير أنّ إنصافها يقتضي أن تُقرأ في زمن كتابتها الفنّي، أوسط خمسينيات القرن المنصرم، حين كان أمثال يحيى حقي ونجيب محفوظ وتوفيق يوسف عواد ويوسف إدريس وشاكر خصباك يشتغلون على مقترحات مكينة لهذا الفنّ الفريد، لم يكن في وسعها النأي بعيداً عن محاسن اختتام جذوة الحكاية.
عدا بالطبع عن حقيقة سِيَرية تخصّ انسياق كنفاني الطبيعي، في تلك الحقبة من سنّه (20 سنة) ومنافيه (سوريا والكويت)، نحو تكريم المكان الفلسطيني؛ ليس عند عائد إلى حيفا فقط، بل كذلك عند غزاوي يستعيد روح المدينة بعد تيه واغتراب.

 

 

 

)عقيدة بايدن(:

رجيع من قديم أمريكي مكرور

صبحي حديدي

 

في 2 شباط (فبراير) الحالي أبلغنا توماس ل. فردمان، على صفحات الرأي في «نيويورك تايمز» أنه لم يعد يفضّل متابعة أخبار الشرق الأوسط عبر محطة الـ CNN، وانقلب إلى المحطات التي تبثّ الأفلام عن عالم الحيوان. إيران دبور طفيلي يضع بيوضه في يرقات حية، تسارع يرقاته الوليدة إلى التهامها؛ كما يفعل «الحرس الثوري» الإيراني في لبنان واليمن وسوريا والعراق. «حماس» عنكبوت رابض على باب مصيدة، ماهر في تمويه شبكاته، وسريع في اصطياد فرائسه. بنيامين نتنياهو (ولكن ليس دولة الاحتلال، لاحظوا جيداً!) يشبه قرود السيفاكا، التي تستخدم القفز الجانبي في المشي، والتلويح بالذراعين أعلى وأسفل.
قبل يومين فقط من هذا التحوّل الحيواني، نسبة إلى عوالم فردمان المفضّلة حديثاً وليس إلى شخصه المترفع المهيب، أتتنا منه «بشرى» ثانية، لا تنظر إلى الشرق الأوسط من شاشات برامج الحيوان، بل من بدعة آخذة تدريجياً في التشكل، تُدعى «عقيدة بايدن»؛ نسبة، بالطبع، إلى الرئيس الأمريكي. ثلاثة أركان تقوم عليها تلك العقيدة: 1) موقف حازم وقوي تجاه إيران، بما في ذلك الردّ الانتقامي النشط على وكلائها ونوّابها في المنطقة؛ و2) مبادرة من الولايات المتحدة غير مسبوقة تروّج لدولة فلسطينية، تتضمن «شكلاً ما» من الاعتراف الأمريكي بدولة فلسطينية منزوعة السلاح في الضفة الغربية وقطاع غزّة، ترى النور شريطة نجاح الفلسطينيين بتطوير سلسلة من المؤسسات ذات المصداقية، والقدرة على «ضمان عدم تهديد تلك الدولة لأمن إسرائيل»؛ و3) إنشاء تحالف أمني أمريكي موسّع وعريض يشمل التطبيع السعودي مع دولة الاحتلال.
وفردمان يزعم (ومراقبون يصادقون على زعمه هذا) بأنه قريب من أفكار سيد البيت الأبيض ومشاريعه، أو هو على صلة وثيقة بكبار مساعديه، وكان قبل أيام قليلة قد حاور وزير خارجيته أنتوني بلينكن في منتدى دافوس. لهذا فثمة، استطراداً، احتمال أوّل أن تكون «العقيدة» تلك قد سُرّبت إليه، مختصَرة مبتسَرة تبسيطية، كي يتولى الترويج لها على نحو أكثر اختصاراً وابتساراً وتبسيطاً؛ واحتمال ثانٍ، مفاده أنها من بنات أفكاره، على شاكلة تفكير رغبوي أو تهيّؤ استيهامي، أو مزيج منهما معاً. ليس، في كلّ حال، من دون إدراج معيار حاسم لا ينتظم الاحتمالين معاً، فحسب، بل يحكم تسعة أعشار تقديرات فردمان في الماضي والحاضر والمستقبل: أنّ انحيازه إلى دولة الاحتلال مطلق وأعمى وعشوائي.
لا يصحّ، في ضوء ذلك المعيار، استبعاد جملة من الحوافز التي دفعت فردمان إلى ترويج، و/أو اختلاق، حكاية عقيدة بايدن المنتظَرة هذه، وفي رأسها بالطبع الانحياز الإسرائيلي إياه؛ كما لا يصحّ، إذْ لا يستقيم عقلياً، إغفال السياقات الزمنية الراهنة التي تحيط بتلك الحوافز، أو تسيّج حدودها وتقيم سقوفها أيضاً، لجهة استعصاء الفعل العسكري الإسرائيلي في القطاع بعد 3 أشهر من حرب إبادة شعواء وحشية ضارية، لم تنجز أياً من الأهداف التي أعلنها نتنياهو ساعة الصعود إلى أعلى شجرة التعهدات: لا دحر «حماس» ولا إعادة الرهائن الإسرائيليين، ولا تهجير سكان غزّة، ولا حتى… إغراق الأنفاق بمياه البحر أو الغازات الفتاكة.

صحيح أنّ انحياز فردمان إلى دولة الاحتلال ينطوي، في طياته الكثيرة المتنوعة، على رهبة خاصة تمتزج فيها مستويات الخوف والإشفاق والاصطفاف السياسي والانتماء الديني؛ الأمر الذي منعه من حَيْوَنة الكيان الصهيوني (كما فعل مع بلدان المنطقة، ومع بلده أمريكا ذاتها) واكتفى بإلقاء الصفة القِرْدية على نتنياهو وحده. ولكن من الصحيح، كذلك، أنّ حسّ الإشفاق على مآلات التدمير الذاتي التي ينزلق إليها «موطن اليهود» كان قد تملّك فردمان منذ تشكيل الائتلاف الأكثر يمينية وتطرفاً ونصرية وفاشية وأبارتيدية، ومنذ عزم نتنياهو وحلفاؤه أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترش على إحالة المحكمة العليا وخرافة «دولة القانون» إلى مزابل تاريخ الكيان.
اللهفة على الكيان الصهيوني، بوصفه «الواحة الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط، دفعته إلى التغنّي بخرافة أخرى ليست أقلّ إحالة إلى مزابل التاريخ الإسرائيلي عند نتنياهو وائتلافه: «الليبرالية الإسرائيلية» قشّة النجاة من غرق حثيث، والقربة التي يمكن النفخ فيها حتى إذا كانت ثقوبها لا تُعدّ ولا تُحصى. وهكذا لم يتورع فردمان عن مناشدة الرئيس الأمريكي بايدن كي يتدخل لإيقاف «تحوّل تاريخي» تشهده دولة الاحتلال: «من ديمقراطية تامّة إلى شيء أقلّ، ومن قوّة توازن في المنطقة إلى قوّة مزعزعة له»؛ حيث بايدن قد يكون «الوحيد القادر على منع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتحالفه المتطرف من تحويل إسرائيل إلى معقل غلوّ غير ليبرالي». وهذه عيّنة واحدة من مسوّدة «مذكّرة» افتراضية كان فردمان يعتزم رفعها إلى بايدن لو قُيّض له هذا، وكان سيقول أيضاً إنّ دولة الاحتلال التي عرفها الرئيس الأمريكي «تضمحلّ» وتنبثق بدلاً عنها أخرى «جديدة» حيث العديد من الوزراء في حكومتها «معادون للقِيَم الأمريكية، وجميعهم تقريباً معادون للحزب الديمقراطي».
وكما في معظم «جديد» الإدارات الأمريكية المتعاقبة بصدد الشرق الأوسط، ثمة قسط أعلى طاغِ من قديم مستعاد، ليس سوى رجيع مكرور جُرّب مراراً، ولقي الفشل الذريع تلو الاندحار المريع؛ لأنه، ببساطة، كان في كلّ مرّة يتكسر على الحوافّ ذاتها التي تشحذ مصالح دولة الاحتلال، وسياسات الاستعمار والاستيطان والبطش والعنصرية والاستهتار بالقانون الدولي وشرعة «المجتمع الدولي» دون سواه. والمرء، عند خلاصة كهذه، لا يكاد يأتي بجديد خارج تلك الدائرة المغلقة التي صنعتها، وتصنعها، جدلية رسوخ القديم، العتيق المتآكل المستهلَك، في كلّ تفكير أمريكي حول الشرق الأوسط يُزعم أنه «عقيدة» جديدة!
فما الفارق، حقاً، بين أركان «عقيدة بايدن» الثلاثية، وأركان سالفة كانت حجر الأساس في «النظام الدولي الجديد» الذي سبق أن اقترحه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، عشية عمليات «درع الصحراء» و«عاصفة الصحراء» ومؤتمر مدريد حول السلام العربي ـ الإسرائيلي؟ وفي صياغة أخرى للسؤال، وربما التساؤل على نحو أصحّ: هل طُوي ذلك النظام؟ وإذا صحّ أنه طوي، فهل لأنّ النظام استنفد أغراضه جمعاء، ام لأنه لم يستنفد منها قسط الحدّ الأدنى، فكان محتماً أن يتآكل ويهترأ ويتفكك ذاتياً؟
ليست هذه الأسئلة ميكانيكية إلا عند الذين يعتقدون أنّ السياسات الأمريكية الكبرى، بصدد الشرق الأوسط تحديداً، يمكن أن تشهد طفرات حاسمة تدشن منعطفات جوهرية، أو تبدّلات تكوينية، أو ما أشبها وكان منها مدانياً. وهؤلاء كانوا أوّل خائبي الرجاء من ذلك اللغط الأمريكي الذي تعالى عشية غزو أفغانستان والإعداد لغزو العراق، حين أشاع البيت الأبيض أنه بصدد الانتقال من سياسة عقد صفقات التسوية مع أنظمة الاستبداد بذريعة ترجيح مبدأ الاستقرار حتى على حساب الشعوب؛ إلى سياسة الانفتاح على الشعوب البائسة ذاتها وتزويدها بمختلف الصادرات الديمقراطية، شاءت الشعوب استهلاك تلك الصادرات أم أبت!
وحسب مثل إنكليزي حصيف، يُرجَّج أنّ فردمان تعايش مع حكمته مراراً، فإنّ أكذوبة واحدة تُروّج في مكان يمكن أن تنقلب إلى 100 حقيقة مصنّعة في مكان آخر؛ خاصة حين تكون أدوات الترويج صحيفة واسعة النفوذ والسطوة مثل «نيويورك تايمز» بصدد «عقيدة» تُنسب إلى رئيس دولة يحدث أنها القوّة الكونية الأعظم. الأمر الذي لا يلغي عندنا، نحن أبناء اللغة العربية، حكمة كعب بن زهير، عن رَجيع من القول مُعاد ومكرور!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

خان يونس

وحاخامات أوبئة الإبادة

صبحي حديدي

 

ملايين، أغلب الظنّ، تابعوا شريط الفيديو الذي سجّله الحاخام الضابط الإسرائيلي أفراهام زيربيف، من لواء غفعاتي؛ متقلداً رشاش العوزي، وخلفه مشهد بانورامي لبلدة خان يونس الفلسطينية. وخلال الأيام الـ 115 من حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ المدنيين الفلسطينيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ في مختلف مناطق قطاع غزّة، توفرت أشرطة فيديو عديدة صوّرها رجال ونساء في جيش الاحتلال، عكست مظاهر شتى من السعار الفاشي والوحشية والهمجية، ومقداراً غير قليل من الهستيريا والجنون والاعتلال؛ غير أنّ الحاخام هذا قد يكون استأثر بالقسط الأوسع من اهتمام المشاهدين، بالنظر إلى خلائط الخبل والهذيان والهلوسة التي طبعت أقواله.
هنا، بصفة حرفية أو تكاد، ما هجس به الحاخام الضابط: «كما ترون، خان يونس بأسرها أمامنا. سُئلت في عيد الشابات: لماذا الربّ لم يخلّص إسرائيل فوراً؟ لماذا شاء أن يفعل ذلك عبر الأوبئة العشرة؟ ثمّ المزيد من الأوبئة؟ البعض يقول: إذا شئتَ معاقبتنا، فافعل. ولكن نجّنا من المصريين. ولهذا قلتُ لهم التالي: شرحت لهم أنّ الأوبئة لم تكن بحقّ المصريين وحدهم. نحن بالطبع لا نستمتع بآلامهم، ولكن من المؤكد أنهم تحملوا الأوبئة. غير أن الهدف الرئيسي للأوبئة كان لشعب إسرائيل. بعد أن قادنا الربّ إلى مصر، وقعت أحياناً بعض الانقسامات بين أسلافنا، فحالت دون عودة أبنائهم. وكي يعيد وصل هذا الرباط، تدخل الربّ وأرسل الوباء بعد الوباء، ومن خلالها أدرك شعب إسرائيل مقدار حبّ الربّ لهم. وهذا الإدراك وحّدهم ووثّق الرباط مع الربّ. وهنا نقف قبالة خان يونس، ننتظر الأوبئة التي سيرسلها الربّ، خدمة لهذه السيرورة من الرباط مع الربّ، وهذا أمر جوهري، وهذه الحرب تبرهن على عهد جديد، وثمة أشياء كانت خافية تحت السطح وهي ترى النور الآن، ولسوف تواصل الانبثاق، وبمعونة الربّ سوف نشهد خلاص العالم، الخلاص الختامي. شالوم، وأطيب الأمنيات من خان يونس».
الحاخام ليس مصاباً بمسّ من الجنون، بالطبع، أو على الأقلّ ليس إلى درجة مَرَضية سريرية؛ وإلا لاتخذت قيادة أركان اللواء غفعاتي إجراءً يبعده عن جبهات القتال والالتحام المباشر، وأسندت إليه مهامّ أخرى خلفية، إدارية الطابع أو منحصرة في وظائفه الدينية. لكنه في المقابل، ليس آدمياً معافى التفكير من حيث المدارك العقلية والتشخيص المنطقي للظواهر، وهو مشوّه الطوية الإنسانية وأقرب إلى التوحّش الأعمى بصدد المكوّن البشري الجَمْعي المقابل له، وقراءته للواقعة التوراتية تمزج ممارسة الاستغباء الأقصى على الذات بالحقد المطلق على الآخر. وإذا لم يكن مؤكداً أنّ تفسيره للأوبئة العشرة سوف يلقى القبول لدى التيارات الحاخامية الكبرى داخل دولة الاحتلال، أو في المراكز الدينية اليهودية على امتداد العالم؛ فالأقرب إلى الترجيح أنّ هذا الطراز من الهلوسة الهذيانية لقي لتوّه، أو سوف يلقى المزيد من التهليل والترحيب والترويج.
هذا عدا عن حقيقة أخرى مكمّلة تشير إلى تأويلات حاخامية ذات منحى مماثل، بل يذهب بعضها إلى درجات أعلى من الهذيان، كما في مقولة الحاخام شاي طحان الذي رأى أنّ التلمود تنبأ بوصول البوارج الأمريكية إلى شواطئ قطاع غزّة دعماً للشعب اليهودي ضدّ الفلسطينيين؛ أو رؤيا الحاخام يوشيا بينتو، حول ضرورة اقتران عملية «السيوف الحديدية» بسفك الكثير من دماء الفلسطينيين. وكان بنيامين نتنياهو قد تنطح لأدوار حاخامية جعلته الأسبق بينهم، أو كبيرهم في الواقع، حين لجأ إلى التوراة ليربط بين حرب الإبادة الإسرائيلية واستئصال العماليق، فاقتبس من سفر صموئيل الأول: «اذهبْ واضرب العماليق، وحرّمْ كل ما لهم ولا تعفُ عنهم. بل اقتلْ على السواء الرجل والمرأة، الطفل والرضيع، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً».
وفي كتابه الموسوعي الفريد «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان»، كان المفكر المصري الكبير الراحل جمال حمدان (1928 ـ 1993) قد توقف عند الأوبئة العشرة؛ كما يلي: صحيح أنّ العلم البسيط يمكن أن يفسّر الأسباب الطبيعية والفيزيائية وراء تلك الأوبئة ـ الأعاجيب، ويستقرئ موقعها في المخيّلة التوراتية أو الميثولوجية للمنطقة؛ ولكن من الصحيح أيضاً أنها لا تُفسّر ولا تُستقرأ بمنأى عن عبقرية المكان الاستثنائي الذي كان مسرحاً لها. وفي مفردات تلك العبقرية ثمة نهر النيل، بادئ ذي بدء، الشريان المائي الفذّ الذي يضخّ الأرض بالطمي والغموض والرهبة والأعجوبة؛ وثمة عبقرية المصري، الذي كان دائماً الضحية الكبرى لتلك الأوبئة التوراتية، في مختلف المواقع والأشغال: من الصيادين والعبيد والرعاة، إلى الواقفين خلف التنانير والمعاجن وأحجار الرحى، في الشوارع والدساكر والسهوب، على سقالات الأهرامات وأدراج المعابد، في بيوت الطين والطوب، دون إغفال الأبكار في القماط.
وليس عجيباً أنّ ما تُلحقه حرب الإبادة الإسرائيلية بقطاع غزّة، البشر مثل الشجر والحجر، ليس أقلّ مما أتى سفر الخروج على تفصيله بصدد الأوبئة التي حاقت بمصر: من تحويل «مياه المصريين وأنهارهم وسواقيهم وآجامهم وكل مجتمعات مياههم لتصير دماً»، مروراً بـ «ذرّ رماد الأتون في السماء»، وصولاً إلى «إسدال ظلام دامس، فلا يبصر أحد أخاه».
وأمّا المكان الغزاوي، فإنه ليس أقلّ عبقريةً واستثناءً وبقاءً…

 

 

 

 

غزة في سؤال الغرب:

ديمقراطية الأغلبية أم طغيان الأقلية؟

صبحي حديدي

 

إذا سار قرار محكمة العدل الدولية صوب إدانة دولة الاحتلال، فالعالم سيشهد فصلا جديدا

من دَوْس الديمقراطيات الغربية على القانون الدولي ذاته الذي تتغنى به، كاذبة منافقة

 

السؤال قديم بالطبع، وسبق أن تكرر طرحه على الديمقراطيات الغربية، في أوروبا والولايات المتحدة، خلال مناسبات شتى تضمنت مسائل حارقة بصدد الحرب والسلام، التوسع العسكري والاجتياح وإمبراطوريات المراحل الأحدث من الإمبريالية، الهجرة واللجوء والعلاقات بين الأمم عموما و«الشمال» و«الجنوب» خصوصا، الاقتصاد وسوء توزيع الثروات الكونية، والجوع مقابل التخمة؛ وسوى هذا وذاك من ملفات واسعة النطاق وهائلة العواقب وبعيدة الأثر.
وحرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة ضد الفلسطينيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ في قطاع غزة خصوصا، ولكن في سائر فلسطين عموما وبمشاركة جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية وقطعان المستوطنين؛ هي المنصة الأحدث لطرح السؤال القديم إياه، على نحو أشد دموية وهمجية وفاشية، وبمعدلات انخراط من جانب الجهات الحاكمة في الديمقراطيات الغربية لم يسبق لها مثيل من حيث التواطؤ والتورط والتغطية والتزييف. غالبية ملموسة وعالية من تمثيلات الرأي العام الشعبي في واد؛ والحكومات، خاصة الأمريكية والبريطانية والألمانية والفرنسية، في واد آخر تماما؛ ولا صلة واضحة، ملموسة أو ذات معنى، بين ملايين المتظاهرين في الشوارع ضد حرب الإبادة الإسرائيلية، وبين حفنة ضئيلة تقف على هرم القرار السياسي والعسكري والاقتصادي والأمني.
قد يجادل البعض بأن هذه القيادات الحاكمة قد انتُخبت ديمقراطيا، أيا كانت المظان والطعون التي تكتنف النُظُم الديمقراطية في البلدان التي يتولون حكمها؛ وهذا أمر مفروغ منه بالطبع، مع حق امرئ هنا أو هناك في الطعن جوهريا بالمستوى التمثيلي الفعلي الذي يسفر عنه هذا النظام الديمقراطي أو ذاك من حيث مراكز الهيمنة والتحكم والتوجيه، المالية والإعلامية بصفة خاصة. ما يشتمل عليه سؤال ديمقراطية الأغلبية إزاء طغيان الأقلية يتصل بالطرائق الأكثر تعبيرا عن إرادات الشعوب في مراحل مفصلية محددة، وعلى رأسها مبدأ الاستفتاء العام بصدد قضية حارقة وملحة، أو الإصغاء إلى نبض الشارع الشعبي من خلال تظاهرات الاحتجاج والاعتصام، أو حتى اعتمادا على استطلاعات رأي ذات منهجيات مكينة ورصينة ونزيهة.
والمعادلة هنا بالغة الوضوح، حتى حين يتم أحيانا اللجوء إلى تبسيطها بهدف تسليحها بمنطق أعلى سطوة وجدوى: بافتراض أن الحكومة البريطانية أجرت استفتاء، شاملا أو حتى عينيا، حول الموقف من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة؛ أو فعلته الحكومة الألمانية، بصدد رغبتها المنافقة للدفاع عن دولة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية؛ أو اختارته الحكومة الفرنسية، واستفت الفرنسيين حول الفارق الجلي بين العداء للسامية والعداء للصهيونية والعداء لسياسات الاحتلال الإسرائيلية… ولن يعدم المرء أيضا مَنْ يساجل بأن هذه الأشكال من «الديمقراطية المباشرة» ليست عملية، وأنه لا يُحتكم إليها إلا بصدد قضايا شائكة أو طارئة تقتضي إدخال تعديلات دستورية صريحة؛ وهذا، هنا أيضا، صحيح من حيث الشكل فقط، ولكنه أصح من حيث المحتوى الملموس للعلاقة التعاقدية بين الحاكم والمحكوم، والتي لا يفلح صندوق الاقتراع في تصويب اشتراطاتها، فما بالك بأخلاقياتها، بين دورة انتخابية وأخرى.

شبكات الانحياز إلى أحد أطراف هذه المعادلة لن تقتصر على الساسة ورجال المال والأعمال والصناعات العسكرية والاستثمار الرأسمالي وما إليها، وهي بالطبع كثيرة ومتنوعة؛ بل تشمل نمطا من صناع الرأي العام، كتابا ومعلقين ومفكرين، وبعضهم من عيار ثقيل يتجاوز بكثير صفة «المثقف» في أوسع تعريفاتها. هي، إلى ذلك، انحيازات سوف تنطوي غالبا على خيارات تراجع أو ارتداد أو تحريف أو تنازل جوهري، بالقياس إلى حصيلة في الماضي القريب لم تكن نقيض الحاضر فقط، بل تشكل صياغات تزييف للحصيلة السالفة وقَلْب منطقها رأسا على عقب.
خذوا موقف الفرنسي جاك أتالي من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وما ينطوي عليه من إعادة تأويل معكوسة لخلاصات دراماتيكية سبق أن توصل إليها قبل سنوات قليلة فقط، بصدد علاقة الديمقراطيات الغربية ورأسمالية اقتصاد السوق بالتمثيل الشعبي الفعلي. ففي مقالة بعنوان «تفادي دوائر الجحيم الثلاث» اعتبر أتالي أن مشكلة «حماس» مع دولة الاحتلال تنحصر في البغضاء الموروثة بين أنظمة الاستبداد (و«حماس» في عدادها بالطبع، حسب تصنيفه) والديمقراطية؛ تماما كما هي البغضاء بين روسيا فلاديمير بوتين وأوكرانيا. غني عن القول إن أتالي لا ينطق بكلمة حول هذه «الديمقراطية» الإسرائيلية التي تحكمها الحكومة الأشد يمينية وتدينا وفاشية وعنصرية في تاريخ الكيان الصهيوني، وأن «البغضاء» في جنين ونابلس والخليل وطولكرم ليست بين الاستبداد والديمقراطية بل مع عنصرية استيطانية إجرامية يحرسها جيش هذه «الديمقراطية» إياها.
ولكن أليس هذا هو أتالي سنوات قليلة خلت، شهدت تبشيره بأن السمة الجوهرية السائدة اليوم هي انهيار
Crash الحضارة الغربية وليس صراع Clash هذه الحضارة مع سواها من الحضارات، غامزا بذلك من قناة نظرية صمويل هنتنغتون الشهيرة؟ ألم يكن أتالي هذا، كما يعلم الجميع، مراقبا غير عادي لمشهد العولمة الراهن، إذْ عمل مستشارا وكاتم أسرار في حاشية الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران، وعرف الكثير من خفايا السياسة الدولية خصوصا في طور انهيار المعسكر الاشتراكي وحرب الخليج الثانية؟ ألم يشغل، في أطوار حاسمة، منصب المدير العام لأول بنك أوروبي موحد وُضع تحت تصرف وإدارة الاتحاد الأوروبي؟ أخيرا، وليس آخرا، هل من فارق في كونه يهوديا، سليل أسرة هاجرت من الجزائر إلى فرنسا، يراقب العالم بذلك النوع «الحصيف» الحساس من حس الكارثة وذاكرة الهولوكوست؟
وإذْ جادل أتالي بأن الحضارة الغربية موشكة على الانهيار، فإنه كتب بالحرف: «بالرغم من القناعة السائدة القائلة بأن اقتصاد السوق اتحد مع الديمقراطية لتشكيل آلة جبارة تساند وتُطور التقدم الإنساني، فإن هاتين القيمتين عاجزتان عن ضمان بقاء أية حضارة إنسانية. إنهما حافلتان بالتناقضات ونقاط الضعف. وإذا لم يسارع الغرب، ثم الولايات المتحدة بوصفها قائدة الغرب المعينة بقرار ذاتي، إلى الاعتراف بنقائص وأزمات اقتصاد السوق والديمقراطية، فإن الحضارة الغربية سوف تأخذ في الانحلال التدريجي، ولسوف تدمر نفسها بنفسها». نعم، ليس أقل.
كذلك جادل أتالي بأن الشقوق والصدوع أخذت تظهر هنا وهناك على سطح الحضارة الغربية، وأن تنفيذ أبسط صورة بأشعة
X سوف يكشف مظاهر الاعتلال العميق في الجسد ذاته وليس على جلده وقشرته الخارجية فقط، وسوف يحدد بوضوح صارخ «خطر الفناء» الوشيك الذي تراكمه مظاهر الاعتلال تلك. ولقد بدأ بتحديد ثلاثة تناقضات مستعصية، غير قابلة للتصالح، تمنع حدوث الزواج الناجح بين اقتصاد السوق والديمقراطية: الأول هو أن المبادئ الناظمة لاقتصاد السوق والديمقراطية، لا يمكن تطبيقها في معظم مجتمعات الغرب؛ والتناقض الثاني هو أن هاتين القيمتين، السوق والديمقراطية، تدخلان غالبا في حال تصارع بدل حال التحالف، وتسيران وجها لوجه بدل السير بدا بيد؛ والتناقض الثالث هو أنهما حملتا على الدوام بذور تدمير الذات، لا لشيء إلا لأن ديمقراطية السوق كفيلة بخلق «دكتاتورية السوق» بوصفها عنوان حروب التبادل بين ديمقراطية صناعية كبيرة وأخرى أكبر وثالثة تعد نفسها الأكبر.
واليوم، إذا سار قرار محكمة العدل الدولية صوب إدانة دولة الاحتلال، فالعالم سيشهد فصلا جديدا من دَوْس الديمقراطيات الغربية على القانون الدولي ذاته الذي تتغنى به، كاذبة منافقة؛ وسيسجل برهة أخرى إضافية من اتساع الهوة الفاغرة بين إرادات الشعوب وحكامها… طغاة الأقلية المهيمنة باسم الأغلبية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

الأصولية المسيحية الأمريكية

وتجميل حرب الإبادة الإسرائيلية

صبحي حديدي

 

الأمريكي ماريون غوردون (بات) روبرتسون (1930 ـ 2023) مؤسس وأبرز زعماء «التحالف المسيحي» أكثر الحركات القاعدية نفوذاً وسطوة في السياسة الأمريكية المعاصرة؛ رحل عن عالمنا قبل أسابيع قليلة من عملية طوفان الأقصى» وانخراط دولة الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، في قطاع غزة أولاً وفي سائر الضفة الغربية تالياً. وهكذا خسر متابعوه الأمريكيون الكثر، وهم أيضاً أنصار دولة الاحتلال لأسباب شتى دينية وسياسية، ما كان سيلقيه من مواعظ وأدعية وصلوات على شاشة التلفزة الناطقة باسم منظمته؛ خاصة تلك التي اعتاد أن يجمع فيها بين الهبل والاستهبال، من طراز موقفه إزاء قرار رئيس وزراء الاحتلال الأسبق، أرييل شارون، الانسحاب من مناطق في قطاع غزة.
ففي سنة 2006، حين أُصيب شارون بجلطة في الدماغ، خرج روبرتسون على شاشة الـ
CNN ليعلن أن السبب «قصاص إلهي جزاء الانسحاب من غزة (…) والويل ثم الويل لكل رئيس وزراء إسرائيلي يتخذ المسار ذاته» ذلك لأن قطاع غزة، في ناظر روبرتسون، هي «أرض اعتبرها الله ملكه» وسوف يقول الله لكل مسؤول إسرائيلي يقرر التخلي عنها: «كلا، هذه الأرض أرضي». بعد أيام قليلة، ولأنه خضع لضغوطات هائلة من مجموعات يهودية وأخرى داخل منظمته، واستنكار من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، وعدد من ساسة دولة الاحتلال؛ بعث روبرتسون رسالة اعتذار إلى ابن شارون، وصف فيها الأخير بأنه «رجل طيب، ونبيل، ورؤوف» وكان «يحمل عبئاً هائلاً في اتخاذ القرارات لخدمة أمته». ولهذا: «أطلب الصفح منكم ومن شعب إسرائيل».
غير أن غياب روبرتسون عن المشهد، داخل «التحالف المسيحي» أو بعيداً عن شاشة التلفزة، لم يبدل الكثير في نهج المنظمة وخطابها الديني والسياسي تجاه دولة الاحتلال عموماً؛ وبصدد المساندة المطلقة لجرائم الحرب التي تواصل ارتكابها منذ 100 يوم ونيف خصوصاً. وبسبب النفوذ الهائل الذي يمتلكه التحالف، على أصعدة مالية وتنظيمية وإعلامية، وداخل الكونغرس بصفة خاصة، تقود روبرتا كومبز الرئيسة الحالية للمنظمة معارك ضارية تماماً على الطرق ذاتها التي اختطها روبرتسون؛ مع فارق قد لا يكون طارئاً تماماً إلا في مقادير شراسته: جبهة السعار المحافظ واليميني والعنصري ضد الجامعات الأمريكية الكبرى، وحراك الطلبة داخل الحرم الجامعي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وإدانة حرب الإبادة الإسرائيلية.
والحال أن خيارات «التحالف المسيحي» في مساندة دولة الاحتلال تنعكس مباشرة وعلانية، والقليل منها فقط يتسلل على استحياء، في مواقف الغالبية الساحقة من مكونات وقوى ومنظمات بات علم الاجتماع الأمريكي المعاصر يتوافق على توصيفها تحت خانة «الأصولية المسيحية». وهنا، ليس البتة على سبيل الحصر، نماذج عن تلك التيارات:
1 ـ المجموعات اليمينية التقليدية، المدافعة عن حقوق امتلاك مختلف الأسلحة، والمعترضة على النظام الضريبي، والداعية إلى أن ينص الدستور على المزيد من الحريات الفردية.
2 ـ المجموعات العنصرية، والنازية الجديدة.
3 ـ دعاة «المواطن المطلق» ممن يتكئون على تفسير متطرف للتعديلين الرابع عشر والخامس عشر حول الحريات الدستورية. (لافت أن هذه المجموعة تضع السود والإسبان والآسيويين في صف مواطنين من الدرجة الثانية).

إن محوراً مركزياً في إيديولوجية «التحالف المسيحي» يُستمد من كتاب روبرتسون «الألفية الجديدة» 1990، الذي يؤكد أن دولة الاحتلال سوف تفنى في الأيام الأخيرة قبل الدينونة

4 ـ الأجنحة المعادية لقانون حرية الإجهاض.
5 ـ الجماعات المسيحية «الألفية» و«القيامية» من المؤمنين بأن العالم دخل الآن في طور ما قبل قيام الساعة ومجيء يسوع المخلص.
6 ـ القطاع اللاهوتي الاستقلالي من الشرائح اليمينية في الكنيسة الإنجيلية.
7 ـ الجناح اليميني المتشدد من حركة العداء للنظرية البيئية وحماية الطبيعة.
8 ـ حركة الاستقلال الإداري للمقاطعات الريفية (المناهضة لصيغة الولاية) ممن يطرحون تفسيراً متشدداً للتعديل الدستوري العاشر حول صلاحيات الحكومة المركزية.
وهؤلاء، غني عن القول، أخلص حلفاء حركة الـ
Maga، المتماهية أساساً مع شعار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول جعل أمريكا عظيمة مجدداً؛ رغم وجود تناقض تكويني في قلب هذه المجموعة بصدد الموقف من اليهود تبعاً لـ«نظرية الاستبدال» الشهيرة. ففي مسيرة الفاشيين الجدد التي شهدتها شارلوتسفيل، فرجينيا، صيف 2017؛ رُفعت لافتات تقول: «اليهود لن يحلوا محلنا» فاقتدى غلاة اليمين القومي الجمهوري برئيسهم ترامب، وسكتوا تماماً عن المحتوى المعادي للسامية في هذه النبرة.
ومن المعروف أن في طليعة الركائز التي تستند عليها الأصولية المسيحية الأمريكية، خاصة فرعها المسيحي الصهيوني، تلك النظرية التي بدأ التبشير بها في القرن الثامن عشر، وتقول بعودة يسوع إلى عالمنا هذا لتخليصه من الشرور، وذلك حين تكتمل جملة شروط: قيام دولة إسرائيل؛ نجاح إسرائيل في احتلال كامل أرض التوراة، أي معظم الشرق الأوسط؛ إعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلى أنقاض، قبة الصخرة والمسجد الأقصى؛ وأخيراً، اصطفاف الكفرة أجمعين ضد إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون، حيث سيكون أمام اليهود واحد من خيارين: إما الاحتراق والفناء، أو الاهتداء إلى المسيحية، الأمر الذي سيمهد لعودة المسيح المخلص!
ولأن حرب الإبادة الإسرائيلية الراهنة ضد الشعب الفلسطيني تقودها حكومة هي الأكثر تشدداً وتديناً وعنصرية وفاشية في تاريخ الكيان الصهيوني، وهي بالتالي تدعو جهاراً وتشتغل منهجياً على صنوف شتى من استهداف الأقصى؛ فإن غالبية التيارات الأصولية المسيحية والصهيونية الأمريكية لا ترى في جرائم الحرب الراهنة ضد الشعب الفلسطيني مجرد «دفاع عن النفس» كما يتشدق الكثيرون من أنصار وأصدقاء دولة الاحتلال، فحسب؛ بل هي خطوات ملموسة على الطرق المفضية إلى أرماغيدون.
وإذا كانت هتافات طلاب هارفارد أو كولومبيا أو ييل المطالبة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة تُصنف، باستسهال فاضح وابتذال غير مسبوق، في سياق العداء للسامية؛ فإن الكثير من الخطوط العقائدية التأسيسية التي تحكم معظم المنظمات المسيحية الأصولية، وحتى تلك المسيحية الصهيونية منها، لا تُذكر نهائياً رغم محتواها الصريح المعادي لليهود، من دون مواربة وتحت لافتات لاهوتية. ما الذي قيل مثلاً، على سبيل الاحتجاج، بصدد مقولة «التحالف المسيحي» المعتمَدة حرفياً على لسان روبرتسون نفسه منذ العام 2014، من أن اليهود «يفضلون صقل الألماس على صناعة السيارات»؟ وكيف انقلبت عند أنصار التحالف، كما عند عدد من كبار أصدقاء دولة الاحتلال في أمريكا، إلى صيغة مديح لليهود واستئناس بالتوراة.
ليس هذا فقط، بل يُشار أيضاً إلى أن محوراً مركزياً في إيديولوجية «التحالف المسيحي» يُستمد من كتاب روبرتسون «الألفية الجديدة» 1990، الذي يؤكد أن دولة الاحتلال سوف تفنى في الأيام الأخيرة قبل الدينونة؛ ولكن السيناريو الذي يقترحه أشد إثارة من أي سيناريو آخر في التراث المعمداني الأمريكي بصدد العلاقة الإسرائيلية بمجيء المخلص: «هذه الأمة الصغيرة قليلة العدد ستجد نفسها معزولة عن العالم. وعندها، كما جاء في التوراة، سوف يضرع اليهود إلى ذاك الذي انتبذوه على الدوام». وأما الأمريكي المسيحي، فإنه سوف «يثور يوماً ما ضد اليهود الكوزموبوليتيين الليبراليين والعلمانيين الذين يطالبون بحرية قصوى للبذاءة والبورنوغرافيا وقتل الجنين» يكتب روبرتسون؛ ويكمل: «اليهود الليبراليون يتابعون جهودهم لتدمير القوة المسيحية لدى عامة الشعب»…
ومع ذلك، لا أحد يتهم روبرتسون أو منظمته بالعداء للسامية؛ فلا ضير من «خزعبلات» كهذه، حسب عتاة الصهاينة المعاصرين، ما دام قائلها يجمل حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة: قلباً ولساناً وساسة وتلفزة و… دولارات بالملايين!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

غزة بين شبكة «سي إن إن»

والرقيب الإسرائيلي:

الخضوع طواعية

صبحي حديدي

 

موقع The Intercept، الإخباري والصحافي الأمريكي الذي يفرد مساحة واسعة للاستقصاء والتحليل السياسي، نشر مؤخراً تحقيقاً موثقاً عن واقع تغطية شبكة CNN الأمريكية للحرب التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزّة؛ كتبه دانييل بوغاسلو المحرر المتخصص في تغطية البيت الأبيض والسياسة الخارجية للولايات المتحدة وأدوار وسائل الإعلام المختلفة في هذه الميادين. وقد تضمن التحقيق سلسلة تفاصيل، مثيرة تماماً والكثير منها جديد يُكشف النقاب عنه للمرة الأولى، حول هيمنة مكتب الشبكة في القدس المحتلة على كلّ، وأيّ، مادة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية تخصّ دولة الاحتلال؛ حيث يتوجب إخضاع جميع هذه المواد لمراجعة المكتب، بمعنى التدقيق والتصويب والحذف والتعديل قبيل إجازة البثّ أو النشر.
وهذا الكيان الصهيوني، الذي يتفاخر أنصاره وأصدقاؤه وحماته في الغالبية الساحقة من الديمقراطيات الغربية بأنه «الواحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، يُخضع جميع مؤسسات الأنباء الأجنبية العاملة لديه لقواعد صارمة يضعها رقيب معيّن من الجيش الإسرائيلي، هو الذي يقرر المواضيع التي يعتبرها «خارج نطاق الإخبار» كما يراقب المقالات التي يرى أنها مؤذية أو غير ملائمة للنشر. وإلى هذا، وفي سبيل تعزيز السلطة الرقابية أكثر، يتوجب على كلّ صحافي أجنبي بطلب بطاقة اعتماد لدى دولة الاحتلال أن يوقّع على تعهد يُلزمه بالخضوع لاشتراطات الرقيب.
من جانبها لم تتأخر شبكة
CNN في المبادرة إلى إجراءات ذاتية لا تجعلها أكثر طواعية تجاه الرقابة الإسرائيلية، فحسب، بل تضيف مقداراً إضافياً من انحيازها الطبيعي إلى دولة الاحتلال ومحاباة بياناتها الرسمية وغير الرسمية بصدد حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة؛ إذْ لجأت الشبكة إلى تعيين عسكرية إسرائيلية سابقة في وحدة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، لتكون مراسلتها المعتمدة في تغطية وقائع الحرب في القطاع. وفي تفسير هذا السلوك، ورداً على استفسار مكتوب من بوغاسلو، أوضح ناطق باسم الشبكة أنّ إخضاع الموادّ لمراجعة مكتب القدس «يستند إلى حقيقة وجود العديد من الفوارق المحلية النوعية والمعقدة التي تستوجب التدقيق الإضافي للتأكد من أنّ التغطية دقيقة ومحددة ما أمكن».
هذا هراء بالطبع، يتغافل ببساطة عن حقيقة أنّ الرقيب الإسرائيلي يفرض حظراً مسبقاً، وقاطعاً لا استثناءات فيه، على ثمانٍ من موضوعات الحرب في قطاع غزّة خصوصاً، ولكن بالجيش والأجهزة الأمنية المختلفة في دولة الاحتلال عموماً. وكان إيميل داخلي مؤرخ في 26 تشرين الأول (أكتوبر) العام المنصرم، حول «المعايير والممارسات الجديدة» موجّه إلى جميع مراسلي ومحرري الشبكة؛ قد نصّ على وجوب وصف وزارة الصحة الفلسطينية بأنها «خاضعة لـ حماس» خاصة حين تتضمن الإشارة إحصائيات حول الضحايا؛ حتى إذا كانت صادرة في الضفة الغربية أو في أي مكان آخر. كما حثّ الإيميل على أن أية تغطية للكلفة الإنسانية الناجمة عن الحرب يتوجب أن «تغطي أيضاً السياق الراهن الجيوسياسي والتاريخي الأعرض للقصة»؛ بغرض واضح هو تجريدها من أيّ بعد يتصل بجرائم الحرب الصريحة، ويحيلها إلى «أضرار مجاورة» تشهدها كلّ الحروب.

هذا الكيان الصهيوني، الذي يتفاخر أنصاره وأصدقاؤه وحماته في الغالبية الساحقة من الديمقراطيات الغربية بأنه «الواحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، يُخضع جميع مؤسسات الأنباء الأجنبية العاملة لديه لقواعد صارمة يضعها رقيب معيّن من الجيش الإسرائيلي

وضمن توجيه مستقل، صادر عن المدير الأعلى لإدارة «المعايير والممارسات الجديدة» في الشبكة، كتب دافيد لندسي: «بينما تتواصل حرب إسرائيل ـ غزّة، ينخرط ممثلو حماس في خطاب تحريضي ودعاوة عدائية. معظم هذا سبق أن قيل مراراً، فلا قيمة له. يتوجب أن نحاذر في منحهم منصة للتعبير». وهذه لغة توجيهية تحيل إلى أوامر مماثلة صدرت عن إدارة الشبكة عند ابتداء الحرب الأمريكية ضدّ أفغانستان، يشير بوغاسلو، وتمثلت في مطالبة المراسلين بأن يخفّضوا أرقام الوفيات المدنية مقابل تذكير المشاهدين بأنّ ما يشهدونه من عنف كان نتيجة مباشرة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر).
وأمّا المحظورات الثمانية فهي تبدأ من كيفية تغطية اجتماعات مجلس الحرب الإسرائيلي، وتمرّ بأخبار الرهائن الإسرائيليين، ولا تنتهي عند أنباء الأسلحة والمعدات التي يحدث أن تغنمها المقاومة الفلسطينية خلال المواجهات العسكرية. ولهذا فإنّ القصف الإسرائيلي ضدّ أيّ هدف في قطاع غزة، بما في ذلك المشافي والمدارس والمخابز والملاجئ، يجب أن يوصف بـ«انفجار» ولا يُنسب إلى الجيش الإسرائيلي إلا إذا صدر بيان رسمي إسرائيلي بذلك؛ ولا مكان في اللغة لمفردات وتعابير مثل «إبادة» أو «جريمة حرب» أو «تطهير عرقي» أو «تهجير قسري»؛ والمعلومات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي يتوجب أن تُبثّ بسرعة، على نقيض المعلومات الفلسطينية حيث من الضروري التروي والإبطاء في إذاعتها. وهذه، وسواها من تعليمات وتوجيهات صادرة عن إدارة الشبكة، تتطابق بمقادير مدهشة مع «الأمر» الذي أصدره الرقيب الإسرائيلي العسكري الأول، الجنرال كوبي ماندلبليت، الذي لم يكترث مكتبه بالردّ على الاستفسارات.
ورغم أنّ انحياز وسائل الإعلام الأمريكية إلى السردية الإسرائيلية ليس جديداً ولا طارئاً، كما قد يقول قائل، محقاً بالطبع؛ إلا أنّ ذلك القديم المترسخ لا يلغي، ولا يجوز له أن يطمس، التفاصيل الصارخة التي تتكدس كلّ يوم، وربما كلّ ساعة، حول مستويات الانحطاط المهني خلف ذلك الانحياز. ولعلّ ما يصحّ أن يكون جديداً على المشهد المستعاد هو ذاك الذي بات يتضح أكثر فأكثر لدى شرائح شتى من مكوّنات الرأي العام العالمي، بصدد جرائم حرب نكراء وفظائع ليس لأيّ بصر أن يغمض عنها؛ حتى في قلب الحكومات والقوى والأحزاب والجماعات التي لم تكن تبصر أيّ شرّ في سلوك «واحة الديمقراطية» الإسرائيلية هذه.
وحين تقول الأرقام إنّ الرقيب العسكري الإسرائيلي مارس رقابته، بمعنى أنه راجع أو عدّل أو حظر، ما مجموعه 6,500 مادة صحافية (طبقاً لإحصائية إسرائيلية هذه المرّة، أنجزها «معهد الديمقراطية» في القدس المحتلة) فإنّ أضعاف هذا الرقم يتوجب أن تكون أيضاً نتاج الرقابة الذاتية الطوعية، التي يمارسها الصحافي نفسه على نفسه، لاعتبارات شخصية أو مهنية أو سياسية. هذا عدا عن حقيقة أنّ أولئك الذين يراقبون أنفسهم بأنفسهم، يمكن أيضاً أن ينتقلوا إلى التلفيق الطوعي والتطوعي، ضمن سياق السعي إلى التقرّب من الرئيس في العمل، أو إرضاء الشبكة، أو حتى الرقيب الإسرائيلي ذاته.
وذات يوم غير بعيد شنّ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حملة ضدّ الصحافة الأمريكية، فاتهمها على نحو خاص بنشر «الأخبار الزائفة» مما يجعلها «عدوة للشعب الأمريكي بأسره». ومعروف أنّ صحيفة «بوسطن غلوب» قادت الهجوم المضاد في وجه ترامب، فذكّرته بأنّ «عظمة أمريكا تعتمد على دور الصحافة الحرّة في الجهر بالحقيقة أمام القويّ» وبالتالي فإنّ وصم الصحافة بالعداء للشعب أمر «لا ـ أمريكي، بقدر ما هو خطير على اللحمة المدنية التي تشاركنا فيها على امتداد قرنين ونيف». والأرجح أنّ سلوك الإعلام الأمريكي عموماً، وشبكة
CNN خصوصاً، في التعمية على جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزّة وعموم فلسطين؛ سوف تجعل تلك الواقعة أضحوكة مشتركة، متبادلة تماماً بين ترامب وثقاة «اللحمة المدنية»!
ذلك لأنّ الخضوع طواعية، وليس الإخضاع قسراً؛ والتلفيق ذاتياً، وليس الرضوخ رقابياً؛ هي بعض الصياغات ما بعد الحداثية لعلاقة شبكة
CNN مع الرقيب الإسرائيلي خصوصاً، ودولة الاحتلال الإسرائيلي عموماً؛ من دون إغفال البرهة السياقية الراهنة، الحاسمة والقاطعة والفارقة، لانفلات التوحش الإسرائيلي من كلّ رادع أو عقال، على مرأى ومسمع مليارات البشر، في مشارق الأرض ومغاربها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

سوريا 2023: شظف الاستبداد،

زلزال الطبيعة، وتطبيع الكبتاغون

صبحي حديدي

 

مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2022 شاء رئيس النظام السوري بشار الأسد استباق العام الجديد بإصدار قانون «تحديد اعتمادات الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2023» بمبلغ إجمالي قدره 16,550 مليار ليرة سورية؛ تعادل 4,5 مليار دولار، طبقاً لسعر الصرف الرسمي. تلك كانت أولى نُذُر عذابات السوريين في استقبال سنة جديدة، ابتداء من حقيقة أنّ سعر صرف العملة الوطنية كان يسجّل نحو 6600 ليرة للدولار الواحد، ولن ينطوي العام 2023 قبل أن يتضاعف بنسبة 100% تقريباً، ليسجّل 12600 ليرة. وليس انتهاء، في المقابل، بما تقوله إحصائيات الأمم المتحدة (الخجولة عادة، والبروتوكولية غالباً) من أنّ 90% من سكان سوريا باتوا اليوم تحت خطّ الفقر؛ وثمة 12,4 مليون نسمة تعاني من انعدام الأمن الغذائي، أي ما يزيد عن نصف عدد السكان.
الطبيعة سوف تستكمل مآسي السوريين بالزلزال المدمر الذي ضرب مناطق شتى، شمالاً وغرباً خاصة، في شباط (فبراير)؛ ومنح النظام ومؤسسات الاستبداد والفساد التي يديرها فرصة أخرى ثمينة لاستغلال موجات الإشفاق العالمية وتحويلها إلى مصادر نهب علنية جيّرت ملايين الدولارات لصالح خزائن الحلقة الضيّقة التابعة للنظام وآل بيته. في الآن ذاته، وإذْ تولى الزلزال الإجهاز على أكثر من 5900 سوري وإصابة وتشريد عشرات الآلاف، كانت معطيات الشقاء السوري تشير إلى أنّ 70% من سكان سوريا كانوا بحاجة فعلية إلى مختلف أشكال العون، غذائياً وصحياً وإنسانياً؛ وأكمل «برنامج الغذاء العالمي» مشهد البؤس المعمم بالتحذير من أنّ الجوع بلغ معدلات قصوى لا أمثلة عليها في تاريخ سوريا، مع 2,9 مليون نسمة يقتربون من حافة المجاعة، و12 مليونا لا يعرفون متى سيحصل أيّ منهم على وجبة طعام مقبلة؛ فضلاً عن عواقب الأوبئة والأمراض المتفشية ونقص الأدوية أو انعدامها.

في نيسان (أبريل) توفرت للسوريين فرصة جديدة، بين عشرات سابقات وأخرى لاحقات، للتعرّف على فصل دراماتيكي ومضحك في آن معاً، هو قرار الأسد إقالة عمرو سالم وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك؛ في غمرة شائعات (كانت أجهزة استخبارات النظام وراء الترويج لها، أغلب الظنّ) أفادت بأنّ سبب الإقالة كان ارتباط سالم بالمخابرات المركزية الأمريكية، وأنّ الأسد كلّف اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي بالتحقيق شخصياً في الاتهامات. طراز آخر من الشائعات أشار إلى أنّ مفرزة أمنية داهمت مزرعة الوزير المقال في الصبورة على تخوم دمشق، ورشح أنها عثرت على مبالغ بالدولارات والليرة السورية فلكية تماماً، بمئات الملايين، فضلاً عن كيلوغرامات من الذهب عيار 21…
والحال أنّ الوعي الشعبي السوري كان قد تدرّب طويلاً، اعتماداً على فصول النظام أوّلاً، على مزيج من وقائع نهب فعلية وألعاب استخبارات متعددة الأغراض تتقصد الإلهاء تارة أو تجميل صورة النظام كمحارب للفساد تارة أخرى، إضافة إلى إخراس صوت فاضح أو إغلاق «صندوق أسود» هنا وهناك وكلما اقتضت الضرورة. وبذلك فإن حكاية الوزير المقال، أياً كانت مقادير الصحة والتلفيق في عناصرها، لم تكن طارئة على «مآثر» نهب وفساد وسطو رسّخ آل الأسد تقاليدها ابتداء من انقلاب الأسد الأب، خريف 1970؛ وكان أبطالها أعضاء في الهرم الأعلى للنظام، عند مستوى الأشقاء والأعمام والأخوال وأبناء العمومة والخؤولة والزوجات، أمثال رفعت الأسد وماهر الأسد ومحمد مخلوف ورامي مخلوف وأسماء الأسد.
في أيار (مايو) سوف يقوم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بزيارة إلى دمشق كانت الأولى لرئيس إيراني منذ 13 سنة، وهذا تفصيل لافت لم تخفَ دلالاته على مراقبي العلاقة بين آل الأسد وآيات الله؛ كذلك لم تغبْ ضرورة استذكار حقيقة رديفة كانت تشير إلى أنّ الأسد سبق أن زار طهران مرّتين، على نحو معلن، في شباط (فبراير) 2019 وكان حسن روحاني رئيساً لإيران، وفي أيار (مايو) 2022 وكان رئيسي قد تولّى الرئاسة؛ كما استقبله، خلال الزيارتَين، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وإذا صحّ أنّ زيارات الأسد إلى طهران كانت أقرب إلى هرولة التابع نحو الراعي، فإنّ زيارة رئيسي ارتدت صفة تحصيل الإيرادات الإيرانية عن عقود من الإنفاق المادي على النظام، في ميادين النفط والتسليح والصيرفة والميليشيات المذهبية؛ إذْ لم يغفل الرئيس الإيراني التشديد على ضرورة حضور بلاده في صفقات إعادة إعمار سوريا التي قد تكون على وشك الإبرام، في ضوء مقايضات محتملة مع أنظمة مثل الإمارات والسعودية. وهذا عدا عن توقيع «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الشامل الستراتيجي طويل الأمد» وسلسلة اتفاقيات في ميادين الطاقة والزراعة والنقل والاتصالات والثقافة (والمقصود هنا: تسهيلات الحجّ الإيراني إلى الأماكن الشيعية المقدسة في سوريا)…
في أيار (مايو) أيضاً، سوف يشارك الأسد في القمة العربية التي انعقدت في جدّة، المملكة العربية السعودية؛ وكانت تلك المشاركة هي الأولى منذ آذار (مارس) 2011 حين جرى تعليق عضوية النظام في الجامعة العربية. وإذا كان الأسد لم يُمنح فرصة التفلسف على الجلسة الافتتاحية، فإنه مع ذلك لم يشأ تمرير المنبر دون المحاضرة على أخوته حكام العرب حول تحويل القمة إلى «فرصة تاريخية لإعادة ترتيب شؤوننا بأقل قدر من التدخل الأجنبي»؛ هو نفسه رأس نظام أزهق أرواح مئات الآلاف وشرّد الملايين من السوريين، واعتمد خيارات الأرض المحروقة والتدمير الشامل والتطهير المناطقي، واستخدم أسلحة التدمير الشامل التي لا تبدأ من الضربات الكيميائية ولا تنتهي عند البراميل المتفجرة، وسلّم البلد إلى خمسة احتلالات أجنبية، فضلاً عن عشرات الميليشيات المذهبية ومفارز المرتزقة.
ولا يخفى أنّ تسهيل إعادة نظام آل الأسد إلى حظيرة الجامعة العربية كان نتاج جهود متقاطعة بذلتها دول مثل الإمارات ومصر والجزائر والعراق والأردن، إلا أنّ الجهد الأكبر تولته السعودية؛ واتخذ أجندة محددة عبّرت عنها قمّة جدّة ذاتها، في التالي: «تعزيز التعاون العربي المشترك؛ لمعالجة الآثار والتداعيات المرتبطة باللجوء والإرهاب وتهريب المخدرات» و»تأكيد ضرورة اتخاذ خطوات عملية وفاعلة للتدرج نحو حل الأزمة السورية». ولن يطول الوقت حتى أدرك الوسطاء أنفسهم أنّ مطالب النظام (خاصة في ملفات مثل إنتاج الكبتاغون وتهريبه إلى الأردن وبلدان الخليج خصوصاً، أو توفير حلول آمنة وملموسة لإعادة اللاجئين السوريين…) أعلى، ثمناً وطمعاً ومناورة ومخادعة، من أن تتوافق مع النوايا العربية؛ فكان أن تعثر ملفّ «التطبيع» مع النظام، أو كاد أن يُطوى نهائياً.
وهذا ملفّ يرتدّ في كثير من عناصره إلى طبائع العلاقات بين آل الأسد والسعودية، والتي شهدت سيرورات مدّ وجزر، أو دفء وبرودة، أو اتفاق واختلاف؛ بصدد ثلاثة ملفات إقليمية كبرى تقليدية، هي لبنان وفلسطين والعراق؛ أُضيفت إليها ملفات ترتبط بتعاظم المدّ الإيراني في المنطقة، في العراق ولبنان واليمن، دون إغفال مفاعيل النفوذ الإيراني في المناطق السعودية التي تقطنها أغلبية شيعية.
وأمّا في آب (أغسطس) فإنّ بارقة الأمل لم تحتجب عن سوريا والسوريين، وتمثلت في انتفاضة محافظة السويداء أوّلاً، ثمّ اتساع رقعة الاحتجاجات المدنية السلمية إلى مناطق في حوران وأرياف دير الزور وحلب وإدلب، وفي بعض مناطق سيطرة النظام مثل العاصمة دمشق وطرطوس. لكنّ حراك السويداء تميّز بمضامين جذرية شملت رحيل النظام وإطلاق سراح المعتقلين وتطبيق اقرار الأمم المتحدة 2254، وبذلك فإنها تجاوزت الاحتجاج على الأوضاع المعيشية والشعارات المطلبية.

كاتب سوري

 

 

أركيولوجيا فلسطين:

ناصرة يسوع وقدس أللنبي

صبحي حديدي

 

قبل أن ينصرم العام الحالي 2023، ثمة حيثيات كثيرة قد يكون واجباً تناولها بصدد حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضدّ المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة؛ في عدادها، وتماشياً مع نهج هذه السطور في هذا العمود، وقفة مع إصدارات العام من مؤلفات تخصّ فلسطين، وربما قطاع غزّة تحديداً. ولأنها متعددة الميادين والاختصاصات، أو المناهج والنُظُم الدراسية، فقد يكون مفيداً التشديد على حقل بحثي واحد محدد؛ مثل أعمال الأركيولوجيا وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج تخصّ تصويب التاريخ، أو حتى تعديل بعض مسلّمات كبرى رُسّخت في حولياته لأسباب بريئة تارة أو خبيثة تارة أخرى.

كتاب أوّل تحت عنوان “مريم المجدلية: تاريخ بصري”، من ديان أبوستولوس – كابادونا أستاذة الفنون الدينية والتاريخ الثقافي في جامعة جورجتاون؛ ويحتوي، كما يشير عنوانه، على 65 من اللوحات المختلفة التي ترسم ملامح امرأة خضعت على الدوام لمزيج من التبريك والتشكيك، من “امرأة خرج منها سبعة شياطين” حسب إنجيل لوقا، إلى قديسة ظهر لها المسيح بعد صلبه حسب إنجيل يوحنا. ولعلّ أبرز الجديد في هذا العمل المتميز أنه يقيم تقاطعات تمحيصية معمقة بين معطيات النصوص الدينية وإرث الآباء الكنسيين على مرّ العصور، وما تقوله خلاصات آثارية ملموسة؛ وأنه، أيضاً، يختار منهجية صارمة تضع السرديات حول المجدلية، الشرقية منها والغربية، على محكّ أدوات النقد الثقافي المعاصرة.

كتاب ثانٍ هو طبعة أخرى جديدة من كتاب “الأرض المقدسة وسوريا”، للرحالة والجغرافي الأمريكي فرانك جورج كاربنتر (1855-1924)، الذي صدر للمرّة الأولى سنة 1922؛ وليس للمرء أن يتخيّل اعتباراً خاصاً، ملّحاً، لإعادة إصداره بعد 100 سنة ونيف، سوى أنه يخدم طائفة من الأغراض الاستشراقية والاستعمارية و… الصهيونية، أوّلاً ربما. ذلك لأنّ ترحال كاربنتر لم يستهدف سوى تثبيت “المهمة التمدينية” للانتداب البريطاني في فلسطين، من جهة أولى؛ وامتداح المشروع الصهيوني، وتثبيت اخضرار “صحارى الأرض الموعودة” (!) على أيدي الهجرات اليهودية المتعاقبة، من جهة ثانية. ولا عجب أنّ كاربنتر يفتتح كتابه بهذه العبارة: “700 سنة من هيمنة المسلمين على الأرض المقدسة انتهت مع الدخول المتواضع للجنرال أللنبي إلى القدس. وهناك دوّت الصرخة: ها قد حلّ يوم الخلاص!”.

كتاب ثالث، وغير بعيد عن أن يكون الأهمّ ضمن هذه المجموعة، يحمل عنوان “أركيولوجيا ناصرة يسوع”، وفيه يقطع الآثاري البريطاني كين دارك خطوة أخرى حاسمة في مسار حافل غاص عميقاً، وعلى غير المألوف الشائع، في حفريات الناصرة الفلسطينية. وكما في كتابه الأوّل “راهبات دير الناصرة”، 2016؛ وكتابه الثاني “المرحلة الرومانية والناصرة البيزنطية وسياجها الخلفي”، 2020؛ يتجاوز دارك سرديات الأناجيل حول سكنى يسوع وعيشه في المدينة مطلع القرن الأوّل الميلادي، إلى مسعى أكثر منفعة ودلالة في يقينه: الإجابة عن جمهرة من الأسئلة التي يطرحها الناس العاديون، وليس علماء الآثار أو أهل الاختصاص وباحثي الدراسات التوراتية. وهو، منذ مقدّمة كتابه، يعلن التالي: “لستُ في الناصرة تحت صفة ‘باحث توراتي’، يدرس ما يمكن لعلم الآثار أن يقوله عن التوراة. هذا نظام دراسي لم يعد بالكاد حاضراً في بريطانيا القرن الحادي والعشرين. في المقابل، جئت إلى الناصرة للتدقيق في الدليل الأركيولوجي على الناصرة بوصفها مركزّ حجّ بيزنطياً”.

واختيار الموضوع الأركيولوجي في هذه السطور، على سبيل اختتام الـ2023، إنما يُستمدّ أيضاً من حقيقة أنّ المؤسسة الصهيونية، قبل زمن طويل يسبق إعلان تأسيس الكيان الإسرائيلي، انفردت عن العالم بأسره في تحويل علم الآثار إلى ما يقترب من الديانة؛ وبما يتجاوز بكثير علم الحفريات في التاريخ الغابر، وتذهب وظائفه أبعد من إضاءة الماضي أو استكشاف حلقات غامضة في السجلّ الإنساني. وكان نيل سيبرمان، مؤلف كتاب “نبيّ من بين ظهرانينا”، الذي يروي سيرة إيغال يادين “المحارب وعالم الآثار وصانع أسطورة اسرائيل الحديثة”؛ قد اقترح المقولة اللافتة التالية: التنقيب عن الآثار اليهودية في أرض فلسطين التاريخية كان بمثابة “ترخيص شعري للاستيطان الاسرائيلي المعاصر”؛ بحيث تنقلب الرقيمات والألواح المكتشفة إلى ما يشبه عقود ملكية العقارات المعاصرة في شتى أرجاء فلسطين، مع فارق أنها عقود مقدّسة مكتوبة بمداد الآلهة.

وقد انحصرت مهمة علم الآثار الصهيوني في إثبات هذا الزعم أو ذاك حول تاريخ اليهود في فلسطين التاريخية، وليس التنقيب عن الموادّ الناقصة في تاريخ يحتمل درجة علمية نسبية من الإجماع أو الاختلاف. وذات يوم كان المدير العام للآثار والمتاحف في دولة الاحتلال قد قطع ذلك الشوط، القصير الأخير، بين الحلم الأقصى والهستيريا المفتوحة؛ حين اقترح إعادة تحقيب التاريخ الإنساني على النحو (اليهودي، الحصري!) التالي: عصر الحديد نسمّيه “عصر بني إسرائيل”، والهيلليني هو “الحشموني”، والروماني يصبح “عصر الميشنا”، والبيزنطي ينقلب إلى “التلمودي”…

ولا عجب أنّ أركيولوجيا فلسطين، هذا العام فقط، فكيف بـ75 سنة سابقة؛ ضمّت ناصرة يسوع إلى قدس الجنرال أللنبي؛ وبينهما ما هو أبعد من باب العمود، والأقصى، وتلّة المغاربة و… غزّة العزّة!

 

غزّة وبكائيات

دافيد غروسمان

صبحي حديدي

 

حتى تاريخه، في حدود ما تعلم هذه السطور؛ أو حتى إشعار آخر كما سارت العادة واستقرّ المنطق الناظم؛ فإنّ ردّ الفعل الأقصى من دافيد غروسمان، الروائي والكاتب الإسرائيلي الشهير رفيع الجوائز وعالميّ الصيت، على حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ المدنيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة، تمثّل في مقالة (مسهبة، كما يتوجب القول) نشرها بالعبرية في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. ولأنها تُرجمت إلى لغات عديدة، فقد تنوّعت عناوينها طبقاً لـ»مزاج» التحرير في المنبر أو الموقع ناشر الترجمة: «إسرائيل في كابوس. مَن الذي سيكون بعد أن ننهض من الرماد»، حسب صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية؛ أو «كابوس لا نظير له»، حسب أسبوعية «لوبز» الفرنسية.
وأياً كانت مقادير النقد الذي اعتاد غروسمان توجيهه إلى اليمين الإسرائيلي عموماً، وإلى ائتلاف بنيامين نتنياهو خصوصاً؛ فإنّ رثاء «روح إسرائيل»، حسب تعبيره المتكرر الذي لا يتقادم، يهيمن على نبرة المقالة، بما يسمح أيضاً بتسلل فزع الكابوس تارة أو خشية اهتزاز الوجود تارة أخرى. لا جديد، أيضاً، ولعلّه العنصر الأهمّ، أنّ ميزان غروسمان المعتمَد يضع «إرهاب حماس» في كفة، و»الاحتلال الإسرائيلي» في كفة مقابلة؛ متجاهلاً أنّ إرهاب الدولة الإسرائيلي لا يقتصر على مفردة «احتلال» غائمة، بل يشمل جرائم حرب موصوفة شتى، وسياسات عنصرية واستيطانية واستعمارية لا تكفّ عن التوحّش، ومنظومات أبارتيد أين منها الأصل الجنوب أفريقي.
ولا عجب أن تَجتذب المقالة إغراء الترجمة إلى لغات تشهد وسائل إعلامها، أسوة بساستها في الحكم والمعارضة، عجائب أنماط انحياز إلى دولة الاحتلال وسكوت عن جرائم الحرب والفظائع والمجازر؛ فالفقرة الأولى تجمع الندب بالدراما، بخصوص كيان اشتُهر بالشدّة والبطش والهيمنة والدلال والغطرسة معاً. يكتب غروسمان: «أنظر إلى وجوه الناس فأرى الصدمة، الوجوم، قلوبنا تتهدّل تحت ثقل دائم. مرّة بعد أخرى يقول بعضنا للبعض الآخر: إنه كابوس أبعد من المقارنة، لا كلمات تصفه، لا كلمات تحتويه».
ثمة أيضاً، في الفقرة التالية مباشرة، تلك الدغدغة (الأثيرة، بدورها، عند غروسمان) للصياغات المطلقة، الهلامية وشبه الميتافيزيقية والتلفيقية، لما اعتاد غروسمان أن يتغنى به من عناصر يعتبرها مثلى في «روح» الكيان؛ وما تتعرض له اليوم من «خيانة» لها على أيدي هذا أو ذاك من ساسة الاحتلال: «أرى أيضاً إحساساً عميقاً بالخيانة. خيانة المواطنين من جانب حكومتهم ــ من رئيس الوزراء وتحالفه التدميري. خيانة لكلّ ما نعتبره ثميناً عندنا كمواطنين، وخصوصاً كمواطنين في هذه الدولة. خيانة لفكرتها التكوينية، والمُلزمة. وللوديعة الأثمن على الإطلاق ــ بيت الشعب اليهودي الوطني ــ الذي سُلّم لزعمائه ليحفظوه، وتوجّب عليهم أن يعاملوه بتبجيل».
بكائيات غروسمان تتوالى على أنساق متماثلة، بل لعلّ الكثير منها ليس أكثر من رَجْع أصداء لبكائيات سابقة دبجها في مناسبات كانت عنده كابوسية، وإنْ تفاوتت شدّتها بين اغتيال إسحق رابين مثلاً، والاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان حين قُتل ولده أوري قائد دبابة الميركافا. ولقد عاتب ليا رابين، أرملة الجنرال القتيل، لأنها اعتزمت مغادرة «هذا البلد المجنون» صبيحة تقدّم نتنياهو على شمعون بيريس في انتخابات 1996؛ وجزم يومذاك: «ليس لنا من وطن آخر». كذلك لم يبدّل موقفه من الاجتياح ولم يطالب بإنهاء الحرب، واكتفى بهذا التصريح: «لن أقول الآن أيّ شيء عن هذه الحرب التي قتلت ولدي. نحن، في عائلتنا، خسرنا هذه الحرب لتوّنا».
غير أنّ المفارقة الكبرى تجلت في أنّ غروسمان لم ير في ابنه أوري صفة الغازي الذي يقود دبابة غازية، بل «الفتى الإسرائيلي تماماً، الذي كان إسرائيلياً جداً وعبرانياً جدّاً حتى في اسمه»! وفي كلمة الرثاء التي ألقاها على قبر ولده، أضاف: «لقد كان أوري يمثّل جوهر الصفة الإسرائيلية كما أودّ لها أن تكون. صفة إسرائيلية يكاد يطويها النسيان، حتى صارت أمراً مثيراً للفضول. وكان إسرائيلياً طافحاً بالقِيَم، وهي كلمة تآكلت فباتت مضحكة في السنوات الأخيرة. ففي عالمنا المجنون العابث القاسي، ليس رائجاً أن تكون حامل قِيَم، أو إنسانيّ النزعة».
وكي يمزج السخط الساخن بالإشفاق البارد، فلا يبدو أقلّ شراسة من مواطنيه الذين يتوجه إليهم، يعلن غروسمان أنه لا يعرف ما إذا كان مقاتلو «حماس» من صنف الحيوانات (ويعفّ عن ذكر القائل، مجرم الحرب وزير جيش الاحتلال)، ولكنه واثق أنهم «لا ريب فقدوا إنسانيتهم». مَنْ هم، إذن، بعد فقدان اللصاقة «الإنسانية» كما يبدو أنه يمتلكها أو يحتكرها؟ بل السؤال الآخر الجدير بالطرح هو هذا: مَن هم أولئك الذين ينوب عنه بضمير الجماعة: «نتحرّك خلال هذه الليالي والنهارات مثل سائرين في نومنا؟ مَن سنكون وأيّ نوع من الكائنات الإنسانية بعد أن رأينا ما رأينا؟».
الفضول، المشروع تماماً، يقتضي ردّ أسئلته هذه، وتسعة أعشار الفقرات في مقالته العصماء البكائية، إلى واقعة مقتل ثلاثة محتجزين إسرائيليين بنيران أخوتهم في سلاح هذه الـ «إسرائيل» ذاتها التي يتغنى بها غروسمان؛ فالمنطق السليم يرجّح أنّ القتلة هنا لم يكونوا سائرين في نومهم، بل كانوا على شاكلة أوري… جدّ إسرائيليين!

 

 

وأد حرية التعبير: قواسم الديمقراطيات

الغربية والكيان الصهيوني

صبحي حديدي

 

تنظيم حرّية التعبير في الغرب المعاصر يخضع غالباً لمعايير الكيل بمكيالين؛

بمعنى أنّ عملاً يطال الإسلام (إحراق المصاحف مثلاً) قد يلقى معاملة مختلفة عن عمل آخر يطال المسيحية أو اليهودية

 

 

 

في فرنسا، التي يزعم معظم ساستها أنها بلد الجمهورية وأرض حقوق الإنسان ومهد الثورة الفرنسية والكومونة، لم يتأخر وزير الداخلية بالتضامن مع زميله وزير العدل في إصدار قرارات عاجلة معلنة، وأخرى اتخذت صيغة تعميمات داخلية، تمنع أي تظاهرة مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني؛ بعد ساعات أعقبت ذيوع أخبار «طوفان الأقصى» وابتداء حرب الإبادة الإسرائيلية ضد» المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزة. وحين أفتى مجلس الدولة، بوصفه سلطة التحكيم الرسمية الأعلى في البلاد، بأنّ المنع لا يمكن أن يكون عاماً معمماً هكذا، ويتوجب النظر إلى طلبات التظاهر طبقاً لكلّ حالة على حدة؛ شهدت فرنسا حالات عجائبية (لأنها، أيضاً، مهد السوريالية) من حظر مظاهرة تأييد للفلسطينيين في العاصمة باريس، والسماح بأخرى للغرض ذاته في مرسيليا.
بريطانيا، بلد أوليفر كرومويل والـ«ماغنا كارتا» والدستور الأقدم منذ العصور الوسطى والحديثة، احتاجت إلى إقالة وزيرة الداخلية في حكومتها؛ كي تُرفع عن تظاهرات تأييد الفلسطينيين صفات «الكراهية» و«الشغب» و«الدهماء»، الأمر الذي لم يكبح جماح التأثيم وكمّ الأفواه وخنق حريات التعبير. زميلتها وزيرة الدولة للعلوم والابتكار والتكنولوجيا اتهمت اثنتين من أعضاء «معهد البحث والابتكار»، كيت سانغ من جامعة إدنبره وكامنا باتيل من جامعة لندن، بالإعراب عن «آراء متطرفة» بصدد الحرب في غزة؛ وأمهلت الهيئة يوماً واحداً لـ»تعديل» خططها، بما في ذلك «توقيف هذه المجموعة»؛ الأمر الذي تمّ بالفعل، واستتبع استقالة 7 من أعضاء المجموعة، والدخول في صدام مفتوح مع اتحاد الجامعات.

في ألمانيا للمرء أن يحدّث بلا حرج، فالحال هناك ليست جديدة ولا تدور حول الحرب على غزّة لأنها إنما تبدأ من عقدة الذنب تجاه الهولوكوست، ولا تنتهي عند اليقظات المتعاقبة للتيارات النازية المتجددة. وأمّا في الولايات المتحدة فإنّ الحال أشدّ ابتذالاً من أن تُختصر على أيّ نحو توصيفي أو تمثيلي، خاصة حين يختلط وأد حريات التعبير بصدد القضية الفلسطينية، مع انفلات من كلّ عقال لخطابات العنصرية والتفوّق الأبيض والفاشية والشعبوبة. والحصيلة، على امتداد تسعة أعشار الديمقراطيات الغربية، قد تجعل المرء يترحم على انتهاك الحقوق المدنية وحريات التعبير داخل أنظمة الاستبداد والقمع، الأشرس والأقدم.
وكي لا تغيب دولة الاحتلال الإسرائيلي عن مشهد خنق الحريات هذا، بوصفها أيضاً «واحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط كما يتشدق أصدقاؤها هنا وهناك؛ لم ينقضِ زمن طويل على واقعة تأثيم رسام الكاريكاتير الإسرائيلي أفي كاتز، والذهاب إلى درجة اتهامه (وهو يهودي الديانة، كابراً عن كابر) بـ… العداء للسامية! الرسم نشرته مجلة «جيروزاليم ريبورت»، وكان يحاكي صورة فوتوغرافية التقطها مصوّر الأسوشيتد برس أوليفييه فيتوسي، تُظهر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وقد تحلّق حوله عدد من نوّاب الليكود، الذين تلهفوا على أخذ صورة «سيلفي» احتفاء بتمرير قانون «قومية الدولة» في الكنيست. كانت روح الكاريكاتور مكتملة العناصر في اللقطة»، كتب كاتز، و»كلّ ما فعلتُه هو تحويلها إلى رسم»… وأيّ رسم، والحقّ يُقال: مجموعة خنازير مجتمعة، مع عبارة مقتبسة حرفياً من «مزرعة الحيوان»، رواية جورج أورويل الشهيرة، تقول: «كلّ الحيوانات متساوية، لكنّ بعضها أكثر مساواة من آخرين».
إدارة المجلة خضعت للضغوط، وفصلت كاتز من عمله رغم أنه كان في عداد الأعلى شعبية بين كتّابها ومحرريها. كذلك التزمت الصمت حول أسباب الفصل، ثمّ ــ بعد انتقال الحكاية إلى وسائل الإعلام الدولية وانطلاق حملات متعددة للتضامن مع كاتز، واستقالة اثنين من كبار محرّري المجلة ــ خرجت أخيراً بالتبرير التالي: «الرسم تجاوز خطوط الخطاب المشروع. ذلك لأنّ صورة الخنزير تعيد إلى الأذهان تذكارات معادية للسامية استُخدمت ضدّ اليهود على مدار التاريخ. وقبل وقت قصير كان باحث مرتبط بحركة حماس قد أعلن أنّ الله حوّل اليهود إلى خنازير وقرود، ونحن كصحيفة صهيونية لا نستطيع قبول هذا التناظر التحقيري».
وإزاء وقائع كهذه، وسواها أخرى كثيرة ومتنوعة بالطبع، يتوجب على المرء أن يبدأ من التمسك التامّ بالحقّ في حرّية التعبير، خصوصاً حين يتصل الأمر بالأعمال الإبداعية، وأياً كانت المظانّ والطعون ضدّ العمل. وبالطبع، هذا يشمل أيضاً حقّ المرء في ممارسة مختلف أشكال الاحتجاج القانوني على هذا أو ذاك من الأعمال الفنّية، كأن يخرج المرء في تظاهرة سلمية أو حتى أن يرفع دعوى أمام القضاء… طبعاً في البلدان التي يكون القضاء فيها سيّداً ومستقلاً!
الجانب الثاني، والجدليّ، من المسألة هو أنّ تنظيم حرّية التعبير في الغرب المعاصر يخضع غالباً لمعايير الكيل بمكيالين؛ بمعنى أنّ عملاً يطال الإسلام (إحراق المصاحف مثلاً) قد يلقى معاملة مختلفة عن عمل آخر يطال المسيحية أو اليهودية، سواء من حيث حجم ونطاق الضجة الإعلامية، أو الإجراءات القانونية التي تتخذها الدولة. وعلى سبيل المثال، السابقة الأبرز لقمع الأعمال الفنية في التاريخ البريطاني المعاصر كانت توقيف مسرحية «الهلاك»، للمسرحي وكاتب السيناريو البريطاني المعروف جيم ألن، الذي يعدّ الشريك الإبداعي الأوّل للمخرج السينمائي الكبير كين لوش. والتوقيف جرى في لندن، ثمّ في دبلن، سنة 1987 لأنّ المسرحية تتناول التواطؤ بين الشخصية الصهيونية البارزة رودولف كاشتنر والضابط النازي الأشهر أدولف إيخمان. وكانت الصفقة تنطوي على تسهيل النازيين هجرة 2000 من اليهود الهنغار إلى فلسطين، مقابل سكوت المؤسسة الصهيونية عن سوق قرابة نصف مليون يهودي إلى معسكرات الاعتقال!
كذلك يصحّ الاستدراك بأنّ القوانين المعمول بها في بريطانيا اليوم حول قضايا التشهير ضدّ العقائد والأديان، وهي إجمالاً التشريع المعروف باسم قانون التجديف، تؤمّن الحماية للديانة المسيحية، وبالأحرى للمذهب الأنغليكاني وحده تقريباً. ولأنّ بريطانيا توجهت إلى تعديل ذلك القانون وسنّ تشريعات جديدة تتيح للأقليات الدينية الأخرى ضمانات أفضل أمام القانون، فقد شهد البلد ما يشبه «حروب تحسين المواقع»، إذا جاز القول؛ خاضتها وتخوضها بعض الأقليات الدينية النافذة لإسماع صوتها والتشديد على حقوقها، كي يخرج القانون ملبيّاً على نحو أفضل لهواجسها.
ولا بدّ أيضاً من وضع مختلف وقائع انحطاط حرّية التعبير في سياق تراجع الحرّيات العامّة في الغرب جرّاء القوانين التي صدرت بعد 11/9، والتي تتذرّع بمكافحة الإرهاب وحماية أمن الأوطان والمواطنين؛ ولكنها في الواقع تنتهك حرّية التعبير على نحو صارخ ومباشر، وتعيد إنتاج مكارثية جديدة في صلب الهيكلية القانونية في معظم الديمقراطيات الغربية. وليس عجيباً أن يلجأ كثيرون إلى مقارنة 7/11/2023 بـ11/9/2001، لأكثر من غاية؛ بينها العثور على ذرائع لتبرير وأد الحرّية في التفكير حول حرب الإبادة الإسرائيلية.
وهذا يردّ الملفّ إلى الإسرائيلي كاتز، الذي ساجل بأنّ معايير حرّية التعبير في دولة الاحتلال هي التي تغيّرت، أو بالأحرى انحطت، لأنّ ياكوف فركاش (زئيف)، أحد مخضرمي الكاريكاتور الإسرائيليين، كان ــ في سنة 1980، وفي صحيفة «هآرتس» ــ قد استخدم صورة الخنزير لتمثيل جميع وزراء حكومة مناحيم بيغين، وعلى رأسهم أرييل شارون، فلم يُفصل من العمل، ولم يُتهم بالعداء للسامية. فلا عجب، والحال هذه، أن تنحطّ حرّيات مماثلة في بلدان لا تسير خلف جيش الاحتلال في ارتكاب جريمة حرب تلو أخرى، فحسب؛ بل تمتدح همجيتها أيضاً، وتغسل ما يُراق فيها من دماء الأبرياء.

كاتب سوري

 

 

من تشرشل إلى ستارمر:

فلسطين ومِذْوَد بريطانيا العنصري

صبحي حديدي

 

تقتضي حقوق اتصال الحاضر بالماضي في عرف دروس التاريخ، ومثلها واجبات شتى سياسية ومعرفية وأخلاقية، أن توضع في سياقات ترابط جدلية مواقفُ الساسة البريطانيين الراهنة من حرب الإبادة الإسرائيلية بحقّ الشعب الفلسطيني عموماً، وأطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة خصوصاً؛ مع سوابق لها أقدم عهداً، ولكن أشدّ تبياناً لمكوّناتها التأسيسية، العابرة لأي نمط من التمايزات بين حزبَيْ “العمال” و”المحافظين”. وذلك لأنها في المقام الأوّل مناهج عليا كولونيالية، جيو – سياسية واجتماعية – اقتصادية، وثقافية أيضاً لا تخلو من أفانين عنصرية صريحة أو مبطنة.
ليس عبثاً، في ضوء هذه المعادلة البسيطة والمشبعة بالحقّ والواجب معاً، أن تُربط المواقف من جرائم الحرب الإسرائيلية الراهنة عند أمثال ريشي سوناك رئيس الحكومة وزعيم “المحافظين”، وأمثال كير ستارمر قائد المعارضة وزعيم “العمال”؛ مع مواقف من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني تعود إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم، عند أمثال دافيد لويد جورج وآرثر جيمس بلفور وهربرت صمويل، وأبرزهم بالطبع كان ونستون تشرشل (1874 ـ 1965).
ومنذ بواكير التورط البريطاني الرسمي مع الصهيونية، مؤسسات ومجموعات ضغط وفلسفة، كان تشرشل وزير المستعمرات البريطانية وصادق، بوقاحة أكثر صلافة، على أطروحة رئيس الحكومة لويد جورج؛ القائلة بأن استدراج الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية يقتضي التعاون مع مجموعات الضغط الصهيونية، ذات التأثير الكبير في أمريكا. وخلال إحدى مداولات مجموعة التحقيق الملكية البريطانية (لجنة وليام بيل) حول تقسيم فلسطين، ضاق تشرشل ذرعاً بأسئلة بعض الحاضرين حول حقوق العرب الفلسطينيين، فكان أنّ التاريخ حفظ لنا واحدة من أكثر تصريحاته بشاعة وانحطاطاً وعنصرية.
قال تشرشل: “أنا لا أقرّ بأنّ الكلب في المذود يمتلك الحقّ الختامي في المذود، رغم أنه قد يكون جثم هناك فترة طويلة للغاية”؛ وأردف بأنه ينفي “وقوع ظلم كبير على هنود أمريكا الحمر، أو على السكان السود في أستراليا”، وذلك خلال عمليات استبدالهم بـ”عرق أرفع درجة”. وبالطبع، كان تشرشل يحيل إلى إحدى حكايات إيسوب، التي تروي رقاد كلب في مذود ثمّ العواء على الثور القادم لأكل العلف؛ من دون أن يعبأ السياسي الذي سيصبح رئيس الحكومة، الذي سيفوز سنة 1953 بجائزة نوبل (للأدب!) بأنّ هذه الإحالة لا تضيف الإهانة على جراح الفلسطينيين فحسب، بل تذهب بالتعبير العنصري إلى التمثيلات الحيوانية الأشدّ ابتذالاً.
ولا يصحّ أن تُغفل أيضاً، هنا تحديداً، مسوّغات تشرشل في استخدام أسلحة الدمار الشامل ضدّ أبناء العراق؛ عرباً (تحالف العشائر) وكرداً (حركة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في لواء السليمانية)، على حدّ سواء. وكان حريصاً، بصفة خاصة، على استخدام الأسلحة الكيماوية “ضدّ العرب العصاة، من باب التجريب” العلمي والتكنولوجي للصناعات الحربية البريطانية، معتبراً أنّ الاعتراضات على استخدام هذه الأسلحة “غير عقلانية”؛ مضيفاً تلك الجملة الأشهر بدورها: “أنا أؤيد بقوّة استخدام الغاز السامّ ضدّ القبائل غير المتمدنة، وذلك كي يدبّ الذعر في نفوسهم”.
كذلك باتت الآن معروفة تلك المذكّرة السرّية، التي تضمنت فقرات مسهبة في تبرير استخدام غاز الخردل، والتهكم على أصحاب المواعظ الأخلاقية المناهضة لتلك الأسلحة. والتاريخ يسجّل تلك المقارنة التي عقدها تشرشل بين سلاح غاز الخردل، وتبدّل أطوال تنوّرة المرأة: “إنه لمن السخف اعتماد المبدأ الأخلاقي في هذا الموضوع، حين نعرف أنّ الكلّ استخدم هذه الأسلحة في الحرب الأخيرة دون كلمة شكوى من وعّاظ الكنيسة. ومن جانب آخر، كان قصف المدن المفتوحة محرّماً في الحرب الأخيرة، ولكنّ الكلّ يمارسه اليوم وكأنه أمر مألوف. إنها ببساطة مسألة موضة تتبدّل، بين القصير والطويل، في تنّورة المرأة”!.
مذود العنصرية البريطانية، من جانبه، لا يتبدّل إلا كي يُلطّخ بقبائح أكثر، وتُراق على جوانبه دماء عشرات الآلاف من الأبرياء.

 

لماذا يصمت

لويس فرقان عن غزّة؟

صبحي حديدي

 

بالنظر إلى ميل طاغٍ لدى الأفرو- أمريكيين إلى التعاطف مع الحقوق الفلسطينية عموماً، والتضامن مع أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة خلال حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي بصفة خاصة؛ يلفت الانتباه غياب صوت لويس فرقان زعيم منظمة «أمّة الإسلام»، وصمته المطبق عن جرائم الحرب والمذابح. والسؤال عن سكوت فرقان لا يصدر عن آلاف من نشطاء الحركات الحقوقية والسياسية والثقافية الأفرو – أمريكية فقط، بل سارعت إلى طرحه أسبوعية «نيوزويك» الأمريكية مؤخراً، تحت عنوان لم يخل من استفزاز: «صمت لويس فرقان الغريب عن حرب إسرائيل – حماس».
البعض، في القيادات الأفرو – أمريكية داخل الحزب الديمقراطي خصوصاً، يتنفسون الصعداء إزاء هذا الغياب، إذْ ليس ينقصهم إسهام إضافي (هائل التأثير وغير عادي) في تحريض الشرائح الشابة على الانصراف عن الحزب والانتقاد العلني الحادّ لمواقف البيت الأبيض المنحازة إلى جرائم الاحتلال الإسرائيلي. البعض، على ضفة أخرى، لا يتورع عن اتهام فرقان بالتخاذل؛ اتقاء لشرّ استئناف مجموعات الضغط اليهودية حملاتها السابقة العنيفة التي ألصقت بزعيم «أمّة الإسلام» تهمة العداء للسامية. وثمة، إلى هذا، أولئك الذين تشككوا أصلاً في كثير من ركائز «أمّة الإسلام» العقائدية والسياسية والأخلاقية، فلم يجدوا في صمته الراهن سوى الدليل الجديد على هواجسهم.
غير أنّ الأسئلة لا تُطرح، ولا تتكاثر وتتعمق، بسبب عزوف فرقان عن الخوض في ملفات قطاع غزّة فحسب؛ بل كذلك لأنّ الصوت الصارخ الذي يتعالى من شخصية أفرو- أمريكية مرموقة مثل كورنل وست، المفكر والأكاديمي والناشط الحقوقي والناقد الاجتماعي، إنما يكشف صمت فرقان أو يفضحه إذا شاء المرء الدقة وحسن قراءة تصريحات وست المتضامنة بقوّة مع أهل غزّة والحقوق الفلسطينية إجمالاً، الناقدة للحزب الديمقراطي وقياداته والأفرو- أمريكيين بينهم على نحو مخصص. وإذْ يعتكف فرقان، أو يظهر على استحياء خلال لقاءات مخملية بروتوكولية، فإنّ وست يبدو هذه الأيام مثل بلدوزر جارف في تظاهرات شعبية تضامنية وعلى وسائل الإعلام الكبرى ومنابر الجامعات والمعاهد.
ولا يُعتب على منتقدي صمت فرقان حين يستعيدون مناسبة شكّلت ما يشبه الانعطافة الفارقة في مسار «أمّة الإسلام»، في خريف 1995 حين انطلقت في واشنطن مسيرة حاشدة استقطبت بين 600 ألف ومليون مشارك أفرو ـ أمريكي، نساء ورجالاً وشيوخاً وأطفالاً، وانطوى برنامجها على دفع السود إلى رصّ صفوفهم وتنظيم قواهم وتحسين أشكال مشاركتهم في الحياة العامة والانتخابات ومختلف مظاهر السياسة. كان في وسع فرقان، يقول هؤلاء، أن يستغلّ مرور ذكرى تلك المسيرة، يوم 16 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أي بعد انقضاء 9 أيام على العدوان الإسرائيلي، للإعراب عن التضامن مع غزّة وفلسطين.
للمرء هنا، على منوال هذه السطور، أن يمضي أبعد في تشخيص أسباب صمت فرقان؛ اعتماداً على أدائه خلال تلك المسيرة المليونية ذاتها، ومن دون حاجة إلى استعراض مسرد مفصّل لخياراته العقائدية والسلوكية منذ أن صعد في الحركة إلى صفّ القيادة العليا. وإحصائية بسيطة مستمدة من خطبته الشهيرة أمام «مسيرة المليون» تلك، قد تكفي لرسم القسمات العقائدية لاستراتيجيته، الماضية والآتية: لقد لجأ إلى اقتباس الحكمة الماسونية، ثم الأسفار التوراتية (30 مرّة)، فالآيات القرآنية (خمس مرات)، وبذلك كان حظّ الإسلام هو الأقلّ في خطبة تبدأ من موسى وداود وسليمان، وتمرّ بنبوخذ نصّر ويسوع ومتّى؛ ذلك لأنّ الراعي الأريب كان يعرف أن نسبة المسلمين السود هي الأقلّ، وصفوف من لبّوا دعوته تضم السود البروتستانت، ربما للمرّة الأولى في تاريخ مسيراته التبشيرية؛ الأمر الذي شكّل اختراقاً نوعياً لأسيجة «العداء للسامية» التي يتهمه بها خصومه، والتي نادراً ما توجّه إلى بروتستانتي طهوري ينتمي إلى الطبعة الأمريكية ـ دون سواها ـ من أفكار مبشّر القرون الوسطى الأشهر مارتن لوثر.
وتلك إحصائية تشير إلى السياسة قبل أن تتجمد في العقيدة، ولهذا فإنّ الخطيب (المفوّه تماماً، للإنصاف) أعاد تركيب خطابه الكلاسيكي بعناية فائقة، لأنه هذه المرّة اعتزم تشكيل التحالف الذي لن تجد فلسفات «البراءة الأمريكية» مناصاً من التعايش معه ومتابعته ووضعه في الحساب الأدقّ لمعادلات الحياة اليومية. وليس بغير معنى خاص أنه ضرب ذات اليمين وذات الشمال؛ فاختلط في روعه رجل الأعمال اليهودي الذي استنزف السود في الأربعينيات والخمسينيات، برجل الأعمال العربي والفلسطيني الذي يستنزفهم اليوم، أسوة برجل الأعمال الفيتنامي أو الكوري.
ولقد توفرت دلالة كبرى في أنّ فرقان خاطب السود قائلاً: «أنتم العبرانيون الحقيقيون، اليهود الحقيقيون! موسى كان أفريقياً، ويسوع كان أفريقياً»! ذاك، للعلم، خطاب طوى صفحة بلال الحبشي والرمز البلالي في إسلام انعتاقي وعتقي مثّله مؤذّن الرسول الأسود، وتمثّله مالكولم إكس ذات يوم؛ وشاركه فيه شاب متحمس مغمور يدعى لويس أوجين ولكوت سليل أسرة كاريبية مهاجرة إلى أمريكا، سوف يهتدي إلى الإسلام ويسمّي نفسه لويس إكس، ثم لويس… عبد الفرقان.
مبهج، والحال هذه، أنّ صمته المتواصل اليوم فضّاحٌ في ذاته، فصيح وبليغ بما لا يقبل التمويه والتأويل.

 

 

)العاطفة( الإسرائيلية:

من أينشتاين ونتنياهو إلى بايدن

صبحي حديدي

 

أياً كانت مقادير التزوير، وطرائق التلفيق، وعكس الحقائق، أو طمس الوقائع؛ ليس مرجحاً أن يفلت الرئيس الأمريكي جو بايدن من سلسلة قبائح سوف يلصقها التاريخ بشخصه في ملفات شتى، لعلّ أبرزها اليوم الحرب الهمجية التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضدّ قطاع غزّة. وهيهات أن تُغسل يمناه، مثل يسراه ولسانه وكامل لغة جسده كلما تطرّق إلى تلك المجزرة المفتوحة، من دماء أطفال ونساء وشيوخ فلسطين، في مدينة غزّة وتخومها وبلداتها ومخيماتها، كما في جنين ونابلس والخليل وحوارة…
صحيح أنه لم يخالف نهج الغالبية الساحقة من رؤساء أمريكا في مساندة الاحتلال وسياساته، خلال منعطفات ذات عواقب قياسية على أصعدة سياسية وعسكرية وأخلاقية، وأطوار شتى شهدت انفلات المشروع الصهيوني في فلسطين من معايير إنسانية وحقوقية زعمت «الحضارة» الغربية ذاتها أنها ثوابت راسخة. إلا أنّ بايدن تفوّق على كثر من أسلافه، بمن فيهم أهوج عصابي مثل دونالد ترامب، في اللحاق بأكاذيب الاحتلال، على النحو الأشدّ ركاكة في التبرير، والخفّة في سَوًق البراهين؛ حتى حين تبلغ الأضاليل الإسرائيلية مستويات قصوى من الانتهاكات والفظائع التي أخجلت وتُخجل كلّ إرث دامٍ إجرامي حفظه التاريخ على امتداد الألفيات والقرون.
هو التاريخ ذاته، في شطره الخاصّ بالعلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، بل وفي تفصيل دالّ منه يتصل بمواقف بعض كبار اليهود في الولايات المتحدة؛ الذي حفظ واقعة كانون الأول (ديسمبر) 1948، حين نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» رسالة مفتوحة غير عادية وقّعها عدد من أبرز الشخصيات اليهودية في أمريكا؛ بينهم ألبرت أينشتاين، سدني هوك، سيمور ميلمان، وحنّة أرندت. النصّ احتجّ، بشدّة في الواقع وباستخدام لغة توبيخ غير مألوفة، على مشروع زيارة كان يعتزم القيام بها مناحيم بيغن، وحذّر اليهود من استقبال ودعم «بطل الصعود الفاشي» الذي يبشّر «بخطّ إرهابي يمزج الغلوّ القومي بالتصوّف الديني والتفوّق العرقي». خاتمة الرسالة سارت هكذا: «هذه علائم صريحة على ولادة حزب فاشي أداته الأولى هي إساءة التمثيل وممارسة الإرهاب (ضدّ اليهود والعرب والبريطانيين على حدّ سواء)، وغايته الكبرى هي دولة عليا فوق المجتمع».
ورغم أنّ البارحة البعيدة ليست اليوم الراهن بالطبع، ولكن ألا يلفت الانتباه أنّ ذلك الخطاب الاعتراضي يبدو وكأنه يصف حزب بنيامين نتنياهو الراهن (وهو الليكود إياه، في نهاية المطاف)؛ ومآلات دولة الاحتلال الراهنة ليس بصدد الهمجية في قطاع غزّة فقط، بل كذلك في تكريس منظومات الأبارتيد والتمييز العنصري والدولة فوق القانون والقضاء؟ وهل عجزت الأرحام الأمريكية عن ولادة أمثال الموقّعين على رسالة 1948، بصدد استنكار «حجيج» بايدن وكبار الإدارة، من وزير الخارجية إلى وزير الدفاع ومدير المخابرات، ليس لمساندة جرائم الحرب الإسرائيلية فقط بل كذلك للتواطؤ فيها وتمرير الأكاذيب التي تغطيها أو تجمّلها؟
لا أحد من هؤلاء، وسواهم كبار المساعدين والمستشارين والخبراء، نصح اللاهثين إلى تل أبيب ومستوطنات غلاف غزّة بقراءة الكتاب الممتاز الذي أصدره، سنة 1992، جورج و. بول، الدبلوماسي المخضرم وأبرز مستشاري الرئيس الأسبق جون كنيدي؛ تحت عنوان «الارتباط العاطفي: تورّط أمريكا مع إسرائيل منذ 1947 وحتى الزمن الحاضر». لا أحد بادر، كما الكتاب، إلى استعادة خطبة جورج واشنطن، سنة 1796، التي تحذّر الأمّة الأمريكية من الانخراط في ارتباط عاطفي مع أمّة أخرى، لأنّ ذلك الارتباط «سوف يخلق وهماً عاماً بوجود مصلحة مشتركة، حيث لا توجد مصلحة مشتركة بين الأمم». فكيف إذا كانت تلك «الأمّة» صاحبة باع طويل، دموي تماماً، في الاحتلال واغتصاب الأرض والاستيطان وتكريس منظومات الأبارتيد؛ ثمّ ارتكاب المجازر، من دير ياسين والطنطورة وكفر قاسم، والأقصى والحرم الإبراهيمي وجنين وقانا وصبرا وشاتيلا… وصولاً، مؤخراً، إلى مخيم جباليا والمستشفى المعمداني ومجمّع الشفاء.

 

 

إدوارد سعيد

في الليلة الظلماء

صبحي حديدي

 

الراحل الكبير إدوارد سعيد (1935 – 2003) يُفتقد كثيراً، كما يليق بمفكّر وناقد أدبي/ ثقافي رفيع الإسهام وعميق الرؤية؛ في ميادين شتى لا تبدأ من القضايا السياسية والإنسانية الكبرى (التي باتت تُحمّل صفة «الخاسرة»)، ولا تنتهي عند المنحنى الراهن في أحقاب ما بعد الاستعمار القديم/ الجديد وفجر الإمبريالية الأحدث، وتمرّ دائماً بالانشغال الأهمّ والأعمق والأكثر إفصاحاً عن شجاعة الرجل وتَميُّز سجالاته وعمق بصيرته: القضية الفلسطينية.
وبين كتاباته الكثيرة الغزيرة عن فلسطين والفلسطينيين، وبالتالي عن دولة الاحتلال الإسرائيلي وماضي وحاضر ومستقبل الحركة الصهيونية، تجد هذه السطور دلالات عديدة في التوقف عند واحد من أهمّ أعماله في هذا الصدد، ولعله بين الأخطر والأجدى والأبكر استشرافاً لمآلات الصراع العربي – الإسرائيلي، ولاصطفافات الغرب الرسمي والشعبي خلف الكيان الصهيوني؛ وهو من جانب آخر مؤسف عمل غير معروف على نطاق واسع، أو بما يكفي ويستوجب، لدى الشرائح الأوسع من قرّاء سعيد العرب على نحو خاص. وأمّا ثالثاً، وليس أخيراً بالطبع، فهو أنّ محتويات العمل تخاطب الراهن على نحو مذهل؛ سواء لجهة انفلات الهمجية الإسرائيلية من كلّ لجام خلال العدوان على قطاع غزّة وسكانه المدنيين الفلسطينيين، أو لجهة انحطاط الغالبية الساحقة من ديمقراطيات الغرب إلى الدرك الأقصى من السكوت عن جرائم الحرب أو التواطؤ معها أو حتى تشجيعها.
الكتاب هو «لَوْم الضحايا: الأبحاث الزائفة والقضية الفلسطينية»، الذي أشرف سعيد على تحريره بمشاركة الكاتب البريطاني الراحل كريستوفر هتشنز، وصدر بالإنكليزية ضمن منشورات
Verso في لندن، سنة 1988؛ وفي حدود ما تعلم هذه السطور، ليست للكتاب سوى ترجمة عربية واحدة أنجزتها «الهيئة العامة للاستعلامات» في القاهرة سنة 1991، وصدرت تحت عنوان «إلقاء اللوم على الضحايا: الدراسات الزائفة والقضية الفلسطينية»، من دون ذكر اسم المترجم. ولائحة المساهمين، إلى جانب المحرّرَين، ضمّت نورمان فنكلستين، بيريتز كيدرون، نوم شومسكي، ج. و. بويرسوك، إبراهيم أبو لغد، رشيد خالدي، جانيت أبو لغد، محمد حلاج، وإيليا زريق. سعيد كتب المقدمة وشارك في مقالة مشتركة حول صورة الشعب الفلسطيني وثلاث مساهمات: «مؤامرة إطراء»، «قراءة كنعانية»، و»الإرهابي الضروري» الجديرة هنا بتفصيل خاصّ.
ذلك لأنّ المقالة كُتبت في أواسط ثمانينيات القرن المنصرم، خلال سياقات أمريكية وأوروبية شهدت شحن مفهوم «الإرهاب» بما هبّ ودبّ من معانٍ وتأويلات مصطنَعة غالباً، أو مصنَّعة وزائفة استهدفت استبدال الشيوعية كـ»عدوّ الشعب الأوّل» بأيّ وكلّ ما يمكن إدراجه من نزاعات وصراعات ومواقف مناوئة للغرب عموماً وللإمبريالية الأمريكية خصوصاً، تحت خانة الإرهاب العامة والمعممة والغائمة. هدف ثانٍ لمقالة سعيد كان مساجلة كتاب صدر خلال الفترة ذاتها، وسرعان ما انقلب إلى «إنجيل» من الأقوال المأثورة، المفخخة والضحلة والمغلوطة، بصدد «قياس» الإرهاب و»تشخيص» الإرهابيين؛ الذين تمّ حصرهم، بأقصى درجات الاستخفاف، في الإسلام أوّلاً، ثمّ في تفريعاته التي يأتي الفلسطينيون على رأسها.
ولم تكن مصادفة، كما أثبتت الوقائع اللاحقة أنّ محرّر الكتاب ذاك الذي صدر بالإنكليزية في نيويورك سنة 1986 بعنوان «الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر»، لم يكن سوى… بنيامين نتنياهو، وكان آنذاك مندوب دولة الاحتلال لدى الأمم المتحدة. ولا عجب كذلك أن يتصدّر المساهمين «خبراء» من أمثال بنصهيون نتنياهو (والد المحرّر الهمام، وكان يومها أبرز الإسرائيليين الأحياء المناصرين علانية لأفكار زئيف جابوتنسكي، خاصة خلال أطوار هيام الأخير بالفاشية الإيطالية)؛ أو إسحق رابين (بطل حثّ الجيش الإسرائيلي على استخدام الصخور في دقّ عظام الفلسطينيين)؛ صحبة جورج شولتز، برنارد لويس، بول جونسون، جين كيرباترك، وموشيه أرنز. ولا غرابة، ثالثاً، أن تتوزع فصول الكتاب على عناوين مثل «تحدّي الديمقراطيات»، «الإرهاب والتوتاليتارية»، «الإرهاب والعالم الإسلامي» بالطبع، و… «الركائز القانونية للحرب ضدّ الإرهاب».
لافت إلى هذا أنّ تعريف الإرهاب الذي يقترحه نتنياهو يبدو، لسخرية التاريخ، منطبقاً كلّ الانطباق على جرائم الحرب التي واصل الجيش الإسرائيلي ارتكابها في سائر فلسطين، على امتداد 75 سنة من عمر الكيان الصهيوني؛ ويواصلها اليوم أيضاً على النحو الأشدّ وحشية وهمجية وفاشية، ضدّ 2,2 مليون آدمي فلسطيني في قطاع غزّة، من دون استثناء المشافي والمخابز والمساجد والمدارس. الإرهاب، كتب نتنياهو في تقديم الكتاب، هو «الإجرام المتعمد والمنهجي، والتشويه، والتهديد، بحق الأبرياء لزرع الخوف لأسباب سياسية»؛ الأمر الذي يعني أنّ التعريف ليس قاصراً عن توصيف إرهاب الدولة الإسرائيلي القديم والمتجدد فقط، بل يبدو ألطف وأرقّ من أن يُقارَن بأيّ من مذابح الكيان، منذ تأسيسه وحتى الساعة. الأرجح، استطراداً أنّ نتنياهو محرّر الكتاب آنف الذكر سوف يكون أوّل المعترضين على التعريف ذاك، المراجعين له بما يغسل أيدي الاحتلال الإسرائيلي من دماء آلاف الفلسطينيين؛ ومن غير المستبعد أن يكون رجل مثل الرئيس الأمريكي جو بايدن ثاني المعترضين على ذلك التعريف… الفقير!
يُفتقد سعيد، إذن، في ليالٍ ظلماء مثل هذه التي ترخي سدولها الدامية على أرض فلسطين؛ ومع افتقاده يزدحم المشهد بخطابات الانحياز الأعمى والانحطاط الأخلاقي وتسطيح المفاهيم وتزييف الحقائق والتهليل لإراقة الدماء…

 

 

حروب الصورة

والوردة الإسرائيلية

صبحي حديدي

 

كما يبدو راهناً، لا حدود لمظاهر الانحياز الفاضح للرواية الإسرائيلية ولجيش الاحتلال الإسرائيلي لدى كبريات وسائل الإعلام الغربية المقروءة والمسموعة والمرئية على حدّ سواء؛ خاصة تلك التي تزعم عراقة في التأسيس والتقاليد والمهنية العالية (مثل الـBBC البريطانية)، والكفاءة التكنولوجية الفائقة في مختلف جوانب التغطية المباشرة أو عن بُعد (مثل الـCNN الأمريكية). وقد لا يُدهش المرء حين تتكشف له جولات متماثلة في ممارسة تلك المظاهر، إياها، وبما يشبه القصّ والنسخ واللصق؛ كلما اتصل الأمر بحروب دولة الاحتلال ضدّ قطاع غزّة وأهله.
خذوا، في المثال الأحدث عهداً، ما تسرّب عن قرار محطة وموقع الـ
MSNBC إبعاد ثلاثة من أبرز مذيعيها، مهدي حسن وأيمن محيي الدين وعلي فلشي، عن سدّة إدارة الأخبار في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”؛ لا لأيّ سبب يتصل بالكفاءة وحُسن الأداء والجماهيرية الوطيدة، بل لسبب واحد ظاهر ومشترك، مفاده أنّ الثلاثة مسلمو الديانة وعُرف كلّ منهم بطرائق متفردة في إطلاق الصوت المختلف الذي يُكتم عادة، والرأي الانشقاقي الذي يخالف السائد أو المسيّد. حسن (الهندي/ البريطاني الأصل)، هو أكثرهم ميلاً إلى السجال الفكري والنقدي والبلاغة في الحجة وطرائق الإفحام والإقناع؛ وعليّ (الكيني الأصل) منشدّ أكثر إلى مسائل الاقتصاد والأشغال والأعمال، ولكن من زوايا إنصاف الفئات الدنيا إزاء رساميل الهيمنة والتسلط؛ ومحي الدين (مصري الأصل) يظلّ أحد أمهر المراسلين على أرض المعارك والوقائع الساخنة، وبين الأشجع في طرح الأسئلة المسكوت عنها دائماً.
وللثلاثة سجلات عمل باهرة ومشرّفة في وسائل الإعلام المرئية الأمريكية والبريطانية الأكبر والأوسع انتشاراً، ولديهم بالتالي ذلك الجمهور العريض، ليس المحلي فحسب، بل الكوني أوّلاً في الواقع؛ وليس المتعدد في الاهتمامات والميول السياسية والإيديولوجية فقط، بل متنوّع الأجيال والأقوام والأجناس كذلك. ولم يكن قرار إبعادهم عن منصّة إدارة الأخبار باليسير على إدارة محطة وموقع الـ
MSNBC، بالطبع، لولا أنّ الحدث يخصّ دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ ولهذا لم يجد الناطقون باسم المحطة والموقع وسيلة التفاف على القرار، ولأنه كان فاضحاً فاقعاً، سوى اعتبار الإبعاد خطوة مؤقتة… وكأنها، بالفعل، يمكن أن تنقلب إلى اجتثاث دائم وساحق وماحق!
وخذوا، على سبيل اختصار المشهد وتبيان تكرار القديم وسيادة النمط المتماثل، نموذج محيي الدين الذي كان خلال العدوان الإسرائيلي على غزّة مطلع 2009، الوحيد الذي راسل محطات عالمية، أمريكية بصفة خاصة، من موقع الموجود على الأرض وفي الميدان؛ كما كان، أواخر العام 2012، قد غطى الغارات الإسرائيلية على القطاع؛ وامتاز سنة 2014 بأنه الشاهد البليغ المؤثر عاطفياً والمحترف مهنياً، على قصف القاذفات الإسرائيلية للأطفال الفلسطينيين الأربعة الذين كانوا يلعبون على رمال الشاطئ. فكيف كافأته محطته على ذلك التقرير الأخير، الانفرادي والاستثنائي؟ كفّ اليد عن العمل، والنقل إلى موقع آخر، ليس خارج القطاع وحده فحسب، بل خارج فلسطين كلها، أو إلى جهة ظلت مجهولة طيلة أيام. زملاؤه، وأوساط صحافية وإعلامية في أمريكا أوّلاً، وعلى نطاق عالمي، تضامنوا معه من دون إبطاء، وبصدق، وبنزاهة بدت مدهشة بالقياس إلى حساسية ملفّ غزّة، وسطوة مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. لا أحد، إلا رهط المتواطئين الشامتين، اشترى الذريعة التي ساقتها المحطة في تفسير نقل محي الدين، أي الحرص على أمنه الشخصي مع دنوّ احتمالات اجتياح برّي إسرائيلي. ولهذا راجعت إدارة المحطة قرارها، مضطرة أغلب الظنّ، فأصدرت بياناً تعلن فيه إعادة الرجل إلى غزّة، مع تنويه خاصّ بـ”مساهمته القيّمة والفريدة في حكاية موت الأطفال الفلسطينيين الأربعة”.
حكاية أخرى، غزّاوية أيضاً، وقعت قبل سنوات وتخصّ المجلة الإلكترونية
MSNBC، التي اعتادت تنظيم مسابقة سنوية لأفضل الصور الفوتوغرافية، يشارك في تحكيمها القرّاء عن طريق التصويت الإلكتروني المباشر. وذات سنة كانت صورة “موت في غزة” عن استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة، قد صعدت إلى المركز السادس، فالرابع، حتى استقرّت أخيراً في المركز الأوّل بأغلبية مليون صوت. وبدا واضحاً أنها سوف تفوز بعيداً عن أية منافسة تُذكر، خصوصاً بعد أن تحوّلت إلى نوع من حرب رسائل إلكترونية بين المتعاطفين معها (ومع الانتفاضة والفلسطينيين إجمالاً)، والمناهضين لها (وللانتفاضة والفلسطينيين إجمالاً، واستطراداً). وفي الحصيلة ارتفع عدد الأصوات المؤيدة للصورة إلى ثلاثة ملايين صوت من مختلف أنحاء العالم، مقابل نحو نصف مليون عند إطلاق المسابقة. لكن “موت في غزة” لم تفز في نهاية المطاف، لأنّ الناطق باسم المجلة أعلن أنّ التحرير قرّر ببساطة إلغاء المسابقة نهائياً، وقال في بيان رسمي: “لدينا أدلة مادية على وجود تزوير في التصويت”.
ولا جديد في التذكير بأنّ الصورة هي أيقونة عصور العولمة بامتياز، وهي تظلّ ساحة حرب شرسة لا تختلف في الشدّة والضراوة، وفي الوحشية والهمجية، عن قتال القاذفات والدبابات والمدفعية في ميادين الحروب الحيّة. غير أنّ المرء يندر أن يعثر على أدلة قاطعة تثبت مقولة كهذه إذا تلفّت بعيداً عن صورة دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي لا يجوز أن تُقذف بوردة من دون أن يُراق على جوانبها الدم!

 

اختزالات «حماس»:

الاجتماع السياسي

 خلف العقيدة الإسلامية

صبحي حديدي

 

في الولايات المتحدة، وعموم الغرب المناصر لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بدأ التوصيف تحت مصطلح «النزاع الإسرائيلي ـ العربي»؛ ثم انتقل، بعد صعود «فتح» وفصائل المقاومة منظمة التحرير الفلسطينية، إلى صيغة «النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني»؛ ومنذ فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة، وقبله نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006، استقرّ الاصطلاح على «النزاع الإسرائيلي مع حماس» خصوصاً لجهة ما تتيحه العبارة من استسهال تامّ في إلصاق صفة «الإرهاب» بالحركة الفلسطينية.
غني عن القول إنّ سلسلة من التحولات السياسية والعسكرية، الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، لم تكن فاعلة في استيلاد هذه المصطلحات، فحسب؛ بل أقحمت عليها، أو على كلّ منها إذا شاء المرء التدقيق أكثر، تبعات متعددة الأنساق والأشكال والوسائل، الجيو ـ سياسية والعسكرية والأمنية، من دون استثناء التفريعات الخطابية التي جرى تدريجياً تعميمها في مفردات الاستخدام اليومي لوسائل الإعلام ومراكز الأبحاث و«خزانات التفكير» هنا وهناك في المناطق إياها، أي الولايات المتحدة على نحو خاصّ ثمّ أوروبا الغربية استطراداً.
وإذا صحّ أنّ مفردة «نزاع» ليست في حدّ ذاتها قاصرة وركيكة ومنفصلة عن واقع الحال الذي تزعم التعبير عنه فقط، لكنها أيضاً تضليلية عن سابق قصد وتصميم؛ وهذا وجه أكثر خطورة في واقع الأمر، لأنّ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزّة ليس نزاعاً بين طرفين متخاصمين، بل هو احتلال في أوّل المطاف ونهايته، استناداً إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وهذا إلى جانب أنه نهج استعمار واستيطان ومصادرة أراض وتمييز عنصري وكيان يُنهض مقومات وجوده كـ»أمّة» على أساس المحتد الديني اليهودي، وليس المواطنة في حدودها الدنيا التي تعترف بها (ولا تكفّ عن التبشير بها) الديمقراطيات الغربية ذاتها، المناصرة لدولة الاحتلال.
عند هذا المستوى من السجال، لا يكون تجريد «حماس» من ركائز معمارها الابتدائي، كمنظمة سياسية واجتماعية وإيديولوجية وعسكرية في آن معاً، سوى اصطفاف أعمى خلف استراتيجية إسرائيلية قديمة ترتد إلى حقبة احتلال القطاع سنة 1967، لكنها دائمة التجدد والتنويع بوسائل شتى لا تبدأ من الحصار الخانق ولا تنتهي عند خمس حروب همجية سقط خلالها آلاف المدنيين الفلسطينيين وسًوّيت بالأرض أحياء كاملة في غزّة المدينة وبلدات ومخيمات دير البلح وخان يونس وجباليا ورفح والشاطئ. وأياً كان اختلاف المرء مع «حماس» الحركة، و«حماس» العقيدة الإيديولوجية، و«حماس» الحكومة في القطاع منذ 2007؛ ثمّ خيارات قياداتها السياسية في التذرّع بمبدأ «التواجد» لاتخاذ مواقف تحالف متقلبة من أطراف مثل نظام آل الأسد في سوريا ذات تاريخ دامٍ وخياني بصدد قضايا الشعب الفلسطيني… فإنّ اختزال «حماس» إلى مجرد تنظيم عسكري يجافي المنطق الأبسط في أية قراءة سياسية ـ اجتماعية تدّعي التبصّر والإحاطة، من جانب أوّل؛ كما أنّ ردّ الاختزال إلى مقارنات تبسيطية بين العلمانية مقابل الأسلمة والمجتمع المدني مقابل الحكم الإسلامي، إنما يُفقد المجتمع الفلسطيني حيوية أي اجتماع بشري من حيث الديناميات الداخلية الفاعلة.

لا يُستغرب اللجوء إلى أيّ من طرائق الاختزال، وسواها، لدى الرهط ذاته المناصر لدولة الاحتلال في الولايات المتحدة والغرب عموماُ، وقد يصحّ هنا اقتباس كتاب ماثيو ليفيت «حماس: السياسة، الإحسان، والإرهاب في خدمة الجهاد» الذي صدر سنة 2006 عن منشورات جامعة ييل الأمريكية؛ ولا تأتي هذه السطور على ذكره إلا لأنّ كاتب المقدمة ليس سوى دنيس روس، دون سواه! ومنذ السطور الأولى في التقديم يعترف روس بأنّ انتصار حماس في الانتخابات التشريعية مطلع 2006 أبعدها عن موقع اللاعب الثانوي في المشهد الفلسطيني، وعزّز جاذبيتها لدى الفلسطينيين، لأسباب يسردها روس هكذا: «أنها ليست فاسدة في بحر الفساد الذي ميّز السلطة الفلسطينية» وهي توفّر «الخدمات، الطبية، ورعاية التلاميذ بعد المدرسة، ومراكز توزيع الأغذية» وهذا ما فشلت فيه السلطة الفلسطينية؛ كما أظهرت أنها «تستطيع إيذاء الإسرائيليين» الذين يواصلون إيذاء الشعب الفلسطيني.
الفقرات اللاحقة من المقدمة تنخرط في تأثيم «حماس» تحت التنميطات ذاتها التي تتكرر وتُستعاد في الأوساط الأمريكية والأوروبية المناصرة لدولة الاحتلال، غير أنّ اضطرار روس إلى البدء من واقعة الانتخابات التشريعية يتنامى في إشارات لاحقة نحو ما هو أشدّ خطورة وتسطيحاً وانحيازاً لصالح الاحتلال، ونحو المزيد من مستويات الاختزال بالطبع. وليس وارداً أن تكون ذاكرة روس، أو أيّ من نافخي الأبواق المماثلة في هذا الصدد، قصيرة حسيرة إلى درجة تتغافل عن حقيقة أنّ الانتخابات التشريعية الفلسطينية كانت «حرّة، ونزيهة، وديمقراطية» باعتراف منظمة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وبمصادقة وفد الاتحاد الأوروبي الذي راقب الانتخابات.
وما يُسمّى بـ «العالم الحرّ» ذاته الذي سكت في الماضي، ويسكت اليوم، عن جرائم الحرب الإسرائيلية ضدّ القطاع وأهله؛ هو الذي أحبط تجربة الانتخابات التشريعية الفلسطينية تلك، من جانب أوّل؛ واعتمد، من جهة ثانية، نهج الإفشال والتعطيل والحصار والمقاطعة، عامداً متعمداً. يومذاك لاح وكأنّ الناخب الفلسطيني قد تلقى الرسالة التالية من ذلك العالم، ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: لم يكن عليكم أن تمنحوا «حماس» هذه الأغلبية في المجلس، وممنوع عليكم في المستقبل أن تنتخبوا أغلبية لا تتفق معنا (أي: مع الإسرائيليين)؛ تحت طائلة تكرار ما جرى من حصار وتجويع وسفك دماء، وعواقب حروب عسكرية إسرائيلية خمس. ضدّ القطاع
جدير بالتذكير، إلى هذا، أنّ حكومة اسماعيل هنية كانت قد انقلبت إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الأمني ـ العسكري الحمساوي، الذي بلغ ذروة قصوى في إبطال القرار الشعبي الفلسطيني، ذاته الذي جاء بـ«حماس» إلى الحكومة؛ ولكن، في المقابل، كانت حكومة سلام فياض قد انقلبت لتوّها إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الرئاسي الذي سكت تماماً، لكي لا يُقال إنه شجّع، الذروة القصوى التي بلغتها أجهزة محمد دحلان، اقتفاء للغرض ذاته في الواقع: أي إبطال الفعل الديمقراطي الذي جاء بـ «حماس».
وليست خالية من المغزى هبّة عشرات الفلسطينيين في الضفة الغربية ضدّ سلطة عباس، بعد ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة المشفى المعمداني في غزّة، حين تعالى شعار «الشعب يريد «إسقاط الرئيس»؛ لأنّ اليوم الدامي هذا كان يذكّر بخطاب ناري ألقاه عباس أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في ذروة احتدام الصراع بين «فتح» و«حماس» حين وصف الأخيرة بأنها «إرهابية» و«انقلابية» و«تكفيرية». وإذا كان رئيس كلّ الفلسطينيين (وليس الزعيم الفتحاوي فقط، أخلاقياً ودستورياً على الأقلّ) أطلق هذه الصفات على أبناء شعبه ناخبي «حماس» فكيف يُستغرب من الخطاب الإسرائيلي أو الأمريكي وضع الفلسطينيين، جميع الفلسطينيين، في خانة الإرهاب؟
صحيح، بالطبع، أنّ عملية «طوفان الأقصى» ذكّرت بحضور «حماس» في قلب معادلات القضية الفلسطينية، ولكنها لم تفعل ذلك على مستوى العمل العسكري الصاعق وحده، ولا على أمدية صواريخ القسّام وحدها، بل على الأصعدة الأعمق للصراع العربي ـ الإسرائيلي في جانب أوّل؛ ولواحد من أوضح ميادين تمكين الحقّ أمام الباطل والقانون الدولي أمام غطرسة الانتهاكات الإسرائيلية، في عمق وعي الشعوب وضمائر الرأي العام العالمي وحركات المقاومة، من جانب ثانٍ.
والاختلاف مع «حماس» أمر لا يتطابق، أو هكذا يقول المنطق السليم، مع إغلاق العقل أمام حقائق الاجتماع السياسي الفلسطيني خلف العقيدة الإسلامية التي تعلنها الحركة؛ ليس في القطاع وحده، للإيضاح الحاسم، بل على امتداد فلسطين بأسرها، من البحر إلى النهر.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

غزّة: الكتابة بنار الحصار

صبحي حديدي

 

باللغتين الإنكليزية والفرنسية، إذا شاءت هذه السطور الاختصار والاقتصار على لغتَين كونيتين واسعتَيْ الانتشار، ثمة عشرات المؤلفات التي تناولت قطاع غزّة؛ من جوانب شتى متنوعة، تبدأ دائماً من حروب دولة الاحتلال الهمجية ضدّ القطاع وأهله، وتمرّ بالحصار الخانق والبربري المستمرّ منذ 16 سنة، وليس لها أن تتفادى إشكاليات الصراع بين منظمتَيْ «فتح» و»حماس»، وبالتالي لن تنتهي عند سلسلة المشكلات الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية الناجمة عن اجتماع هذه العوامل وتفاعلاتها.
يُشار، ضمن العجالة أيضاً، إلى كتاب «تأزّم غزّة: تأملات حول الحرب ضدّ الفلسطينيين»، 2010، الذي وقّعه نعوم شومسكي وإيلان بابيه؛ والمؤرّخ الفرنسي جان – بيير فيليو، في «تاريخ غزّة»، 2012؛ والإسرائيلي جدعون ليفي، «معاقبة غزّة»، 2010؛ والأمريكي نورمان فنكلستين، «غزّة: استقصاء حول استشهادها»، 2018؛ والأمريكية سارة روي، «إنطاق غزّة: تأملات حول المقاومة»، 2021. وفي جوانب أقرب إلى أنثروبولوجيا الحياة اليومية والثقافة والاجتماع البشري، لا يصحّ إغفال أعمال مثل «مذاق غزّة: أطعمة وتقاليد من الوطن»، كتاب ليما الشوا ابنة غزّة، الذي صدر بالإنكليزية واحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية البديعة (بعدسة فلك فايز الشوا خصوصاً، ومن الأرشيف الشخصي للمؤلفة) فضلاً عن مسرد يضبط بالإنكليزية جميع أسماء الأطعمة الغزاوية على اختلافها.
ثمة، إلى هذا، طراز آخر من المؤلفات التي تخصّ القطاع وأهله، على غرار كتاب «نور في غزّة: كتابات ولدت من النار»، بتحرير مشترك من جهاد أبو سالم وجنيفر بنغ ومايكل مريمان – لوتز، وصدر السنة الماضية بالإنكليزية ضمن منشورات
Haymarket في شيكاغو. الموادّ كتبها رفعت العرعير، أسماء أبو مزيد، شهد أبو سلامة، بسمان الديراوي، سالم القدوة، سهيل طه، نور نعيم، مصعب أبو توهة، درغام أبو سالم، يوسف الجمال، وإسراء محمد جمال. وهؤلاء كتّاب وشعراء وفنانون وأكاديميون واقتصاديون، سجّلوا شهادات متنوعة المحتوى ومتعددة الأساليب ومتغايرة الرؤية، لكنها جميعها تلتقي، ربما بالمعنى الحرفي للكلمة، في قاسم مشترك أعظم هو الانبثاق من النار؛ أياً كانت منابعها الكثيرة، المتنوعة والمتعددة والمتغايرة بدورها.
ثمة شعر أيضاً، كما في القصيدة القصيرة «وردة تبزغ»، من الشاعر الفلسطيني أبو توهة: «لا تتفاجأ أبداً/ عندما ترى وردةً تبزغ/ بين ركام البيت/ هكذا نجونا». وهذا، للعلم، شاعر فلسطيني غزاوي يكتب بالعربية والإنكليزية، وهو مؤسس مكتبة إدوارد سعيد العامة في مدينة غزّة، وكانت مجموعته الشعرية «أشياء يمكن أن تعثر عليها مخبأة في أذني» قد صدرت بالإنكليزية السنة الماضية ونالت إحدى «جوائز فلسطين للكتاب» في لندن؛ وتتميز قصيدته بإبراز المفارقة العالية في قلب المشهد المأساوي للحياة اليومية في القطاع، ليس من دون مسحة تهكّم على مساخر التنميطات المغلوطة والتمثيلات الكاذبة للقطاع وأهله. قصائده: «الانتحاب من غير صوت» و»كان جدّي إرهابياً» و»قفزة أولمبية في لعبة الخطّة» أمثلة على هذه الخيارات الأسلوبية. وأبو توهة نموذج معبّر عن كتلة شعرية غزاوية أفلحت، ببراعة مدهشة وأنفة منتظَرة واقتدار فنّي أكثر إدهاشاً، في تفادي التعبير عن الحصار بطرائق مباشرة أو تقريرية أو تقليدية.
ثمة في الكتاب طرافة كذلك، قاسية موجعة ثقيلة الوطأة لكنها ليست سوداء بمعنى التشاؤم والقنوت، بل هي، للمفارقة المفاجئة، فاتحة أمل وتطلّع ومقاومة، كما في مادة أبو مزيد المعنونة: «حول سبب في أننا ما نزال نتمسك بهواتفنا المحمولة ونسجّل»؛ وفيها توضح ضرورة التسجيل حتى في أقسى سياقات القصف والتدمير والموت: «لأننا تعلّمنا بمشقة أنّ توثيق ما نعيشه شديد الأهمية لضمان بقاء سرديتنا حيّة، ولبقائها ملكنا. ولأنّ حكاياتنا، نضالنا وآلامنا، والفظائع التي ارتُكبت بحقّنا طيلة سبعة عقود، يتمّ محوها». طه، في مادته «نور الشعب في ظلام غزّة»، يتناول مأساة اعتماد ثلثَيْ الطاقة الكهربائية في القطاع على الاحتلال الإسرائيلي، عدا عن حقيقة ارتهان المولدات بالوقود اللازم لتشغيلها، والذي تتحكم به سلطات الحصار الإسرائيلية؛ وهو لا يتردد في إحكام المفارقة الصارخة عن طريق اقتباس قول مأثور من توماس إديسون، مخترع المصباح الكهربائي: «سوف نجعل الكهرباء رخيصة إلى درجة أنّ الأغنياء وحدهم سوف يواصلون إشعال الشموع».
وفي تقديمه للكتاب يشدد أبو سالم، أحد المحررين الثلاثة، على أنّ هذه الكتابات تحاول كسر الحصار الفكري والإقصاء السياسي للأصوات الفلسطينية؛ ولذلك فالهدف يذهب أبعد من «طلب الإذن بسرد الرواية»، حسب التعبير الشهير الذي أطلقه إدوارد سعيد. وإذْ يستهدف تأمين منصة لمؤلفين فلسطينيين كي يكتبوا عن غزّة، فإنّ الكتاب يسعى إلى الحثّ على العمل، وتوفير بصيص أمل في زمن اليأس والاستعصاء السياسي، فضلاً عن اقتراح تمرين على تنشيط المخيّلة، وهذا فعل يندر أن يمارسه الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزّة.
والكتاب يعيد التذكير مجدداً بأنّ غزّة، على غرار كلّ مساحة إنسانية وجغرافية محاصَرة، لا تنبض بأنساق من الحياة اليومية الحيّة والحيوية، المذهلة في عمقها وعراقتها وتماسكها، فحسب؛ بل هي، في ذلك كلّه وسواه، أنموذج طرواديّ الطبيعة والطابع، مقاوِم وصامد وإبداعي أياً كانت سُبُل جلاء خصائصه أو خفائها أمام ناظر يحدّق فيرى، أو يتعامى… ولكن لا مناص إلا أن يرى أيضاً!

 

 

 

 

)طوفان الأقصى(: حروب الانحياز

وترجيع أصداء الأكاذيب

صبحي حديدي

 

ليس منطقيا، ولا يصح وقائعيا وتاريخيا في الأساس، أن يُفاجأ امرؤ عاقل بطبائع الانحياز الغربي، الأمريكي أولا والأوروبي عموما وتاليا، لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي في حروب الإبادة والتدمير والعقاب الجماعي التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو، وهي الآن حكومة طوارئ «وطنية» ضد قطاع غزة؛ في سياق الردود على عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها فصائل المقاومة المسلحة ضد مواقع عسكرية إسرائيلية ومستوطنات وكيبوتزات في عمق ما يُسمى بـ«غلاف غزة».
لا جديد، استطرادا، في أن تنطوي تلك الطبائع على تسيير حاملات الطائرات، الأحدث تطورا والأعلى قدرة على التدمير؛ أو إرسال المعدات والذخائر العسكرية، صحبة وزراء الخارجية؛ أو الذهاب إلى درجة منع التظاهرات السلمية التي يكفلها الدستور في بلدان أوروبية ديمقراطية، وعدم التردد في حظر رفع العلم الفلسطيني، مقابل السماح بكل وأي مظهر لتأييد دولة الاحتلال، ورشق نجمة داود على برج إيفل في قلب العاصمة الفرنسية باريس. غير مفاجئ، بل هو متكرر مستعاد، أن تُلصق تهمة العداء للسامية كلما ارتفع صوت منتقد لسياسات دولة الاحتلال وممارسات جنودها ومستوطنيها، حتى حين يشكو البعض من بصاق المستوطنين على حجاج مسيحيين أجانب يحملون صليب يسوع، في شوارع مدينة القدس العتيقة.
ثمة، ضمن هذه الطبائع وسواها، ما يكتسب صفة الطارئ غير المسبوق، الفاقع والسافر والسفيه والفاجر، إذْ يصدر عن جهات يُفترض أنها ليست عليمة وممتازة الاطلاع فقط، بل تقع أقوالها في منزلة بالغة الخطورة من حيث الوقع والتأثير والتصديق ونطاقات الاستقبال؛ كما في تصديق الرئيس الأمريكي جو بايدن على أكذوبة صحافية مراسلة لقناة إسرائيلية، حول قيام مقاتلي «حماس» بقطع رؤوس الأطفال بعد أخذهم رهائن. الفاضح أكثر أن البيت الأبيض تراجع عن اعتناق تلك الرواية الكاذبة، ولكن ليس على مستوى إصدار اعتذار رسمي أو تكذيب أو سحب لتلك الأقوال؛ بل، ببساطة هي ذروة في الوقاحة، عن طريق تسريب معلومة إلى صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية وشبكة «سي إن إن» الإخبارية، تنقل عن «مسؤول في الإدارة» الاعتراف بأن بايدن أو أي من مساعديه «لم يروا هذه الصور».
مستوى آخر من الانحياز، أقل وطأة وإنْ كان لا يقل خطورة كما أنه ليس طارئا تماما، جدير بإشارة خاصة لأنه يشمل مئات من رؤساء الكليات والجامعات الأمريكية، ممن اعتادوا استنكار جهود بعض الأكاديميين البريطانيين لمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، الذين لم ينبسوا ببنت شفة في استنكار القصف الإسرائيلي الهمجي الذي استهدف الجامعة الإسلامية في غزة، وسوّى مبانيها بالأرض تقريبا. ورغم أنها تظل رمزا ثقافيا وتربويا حمساويا (أسستها الحركة سنة 1978، ولكن بموافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلية… للمفارقة) فإنها في نهاية المطاف جامعة محسوبة ضمن جامعات الأرض؛ بل هي مؤسسة التعليم العالي الأهم في غزة؛ سيما حين يستذكر المرء حقيقة أن الحصار الإسرائيلي الخانق المفروض على القطاع منذ 16 سنة يمنع طلاب غزة من الدراسة في الضفة الغربية أو الخارج، ولهذا يدرس فيها أكثر من 20 ألف طالب، تشكل النساء نسبة 60٪ منهم، وتضم كليات متنوعة ليست جميعها في اختصاصات الشريعة والفقه الإسلامي، فثمة كليات للطب والهندسة والعلوم وتكنولوجيا المعلومات والتجارة والتمريض.

غير مفاجئ، بل هو متكرر مستعاد، أن تُلصق تهمة

العداء للسامية كلما ارتفع صوت منتقد لسياسات دولة الاحتلال وممارسات جنودها ومستوطنيها

والمرء، بصدد أكذوبة قطع رؤوس الأطفال الإسرائيليين الرهائن، يستذكر الصحافي الإرلندي اليساري ألكسندر كوبرن (1941 ـ 2012) الذي كان، خلال التحضيرات الأمريكية لاجتياح العراق في إطار عملية «عاصفة الصحراء» أول من امتلك شجاعة التشكيك في صحة حكاية حاضنات الأطفال الرضع الكويتيين، حين كان السواد الأعظم (في الغرب والشرق على حد سواء) يذرف الدموع السخية توجعا من ذلك السلوك «البربري» للقوات العراقية الغازية. ولقد اتضح سريعا أن الحكاية كانت مفبركة تماما، وأن مؤسسة عملاقة مختصة بالعلاقات العامة قبضت مبلغا خياليا لإعداد السيناريو، الكفيل بكم أفواه الذين كانوا ينوون الاعتراض على الحرب. ولقد توفر صحافي إسرائيلي واحد على الأقل، هو أورين زيف، غرد على منصة X بأنه كان في عداد الفريق الصحافي ذاته التي تواجدت فيه الصحافية الإسرائيلية صاحبة المزاعم حول قطع رؤوس الأطفال، وأنه لم يشاهد شيئا من هذا القبيل، وشدد على أن الجنود الذي تحدث معهم شخصيا في المستوطنة المعنية لم يذكروا شيئا عن هذه المزاعم.
مستوى ثالث عكسته تغطيات يومية «ليبيراسيون» الفرنسية، المحسوبة تاريخيا على اليسار، والتي اختارت أن تشغل غلافها صورٌ قديمة ملونة لثلاث فتيات متفاوتات الأعمار من أسرة واحدة، مع مانشيت يقول: «رهائن حماس»؛ حيث الرسالة المبطنة خلف هذا الخيار لا تقتصر على استدرار تعاطف، مشروع بالطبع، مع الفتيات والرهائن المدنيين عموما، بل تتوخى الانخراط في التحشيد الإعلامي الفرنسي لصالح دولة الاحتلال، إذْ أن التغيب عن الركب يستوجب الأثمان الباهظة، متعددة الأصناف والأطراف. وأما في مواد العدد الداخلية، فثمة تقارير متعاقبة عن «الجرائم بحق الإنسانية» التي ارتكبها الفلسطينيون خلال المواجهات؛ وتقرير يتيم عن عمليات القصف الإسرائيلية، يتخذ منحى الإخبار من دون حكم أخلاقي أو إنساني؛ وتغطية للارتباك الذي ساد أروقة الاتحاد الأوروبي بعد إعلان وقف المساعدات للفلسطينيين، ثم التراجع عنه؛ وتحليل (هذه المرة!) لعزلة مجموعة «فرنسا الأبية» داخل الجمعية الوطنية وتحالف اليسار، بسبب رفضها اعتبار «حماس» منظمة إرهابية؛ وهكذا…
في صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية يعثر المرء على رأي من جدعون ليفي، المعروف بنقده لغالبية سياسات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ورأي آخر، له طابع الاختلاف أيضا، من المعلق المخضرم تزفي برعيل؛ أو حتى افتتاحية للصحيفة، تطالب حكومة الطوارئ بطرد إيتمار بن غفير من صفوفها. لكن الأكثر شراسة، والأعلى صوتا في إعلاء الأكاذيب والتحريض من أجل محو قطاع غزة عن الخريطة، هم أمثال إيتان نيشين، الذي يأخذ على «اليساريين» أنهم لا يقيمون مقارنة وثيقة بين «حماس» و«تنظيم الدولة الإسلامية». وهكذا، في الصحيفة ذاتها التي تفاخر بأنها ليبرالية أو تمثل يسار الوسط، يكتب يويل ماركوس: «لن أخفي ابتهاجي لمشاهد اللهيب والدخان يتصاعد من غزة. لقد آن الأوان لكي ترتعش نفوسهم ذعرا فيفهموا أن استفزازاتهم الدموية لها ثمنها».
ولأن حبل الأكاذيب قصير عادة طبقا للحكمة العتيقة، وأنه يمكن أن يتكشف عن قِصَر أشد افتضاحا بأيدي المتورطين في الكذب أنفسهم؛ فقد خرج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على أنصاره بتصريح يقول فيه إن الاستخبارات الإسرائيلية لم تشترك في عملية اغتيال قاسم سليماني، وأن نتنياهو أراد تجيير العملية لرصيده الشخصي وهو أمر يدعو إلى الإحباط. ليس هذا هو الوقت المناسب لتكذيب دولة الاحتلال، يرد عضو الكنيست عن حزب الليكود الذي يشغل أيضا منصب وزير الاتصالات بالنيابة، و«من العار على شخص [مثل ترامب] أن يشارك في بروباغندا الترويج لأشياء تؤذي الروح المعنوية لمقاتلي جيش الدفاع الإسرائيلي وروح سكان إسرائيل». في عبارة أخرى، ممنوع ألا تصادق على أكاذيب دولة الاحتلال، حتى إذا كان المكذب هو ناقل السفارة الأمريكية إلى القدس والضاغط لإلحاق بعض العربان بقاطرات التطبيع.
مستجدات إذن، وطوارئ جديرة بالإشارة، ليس أكثر؛ إذْ أن تاريخ 75 سنة من الانحياز الغربي للكيان الصهيوني، حتى ودولة الاحتلال تحث الخطى نحو نظام الأبارتيد الأشنع عالميا اليوم، ليس سوى تحصيل حاصل وترجيع أصداء.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

حصار غزّة:

17 سنة من الهمجية المستدامة

 

صبحي حديدي

 

حملات التضامن مع قطاع غزّة، الذي يخضع منذ العام 2006 لحصار إسرائيلي خانق وجائر، تتنوّع وتتباين من حيث الأشكال والمضامين؛ وقد تبدأ من تبرعات مطاعم فلافل إسطنبولية، فتمرّ بسفينة مرمرة الشهيرة ضمن «أسطول الحرّية»، والأرجح أنها لن تنتهي عند مبادرات من نوع «السباحة في غزّة» أو «افتحوا موانئ غزّة». بيد أنّ القاسم المشترك بينها، أو سواها أياً كانت الطرائق والجهات المنظمة والجنسيات، هو تسليط المزيد من الأضواء على حرب همجية مستدامة، لا تخوضها دولة الاحتلال وحدها، بل تشارك فيها الولايات المتحدة، وتسعة أعشار الديمقراطيات الغربية، وحفنة أنظمة عربية لاهثة خلف قاطرات التطبيع…
صحيح أنّ البرابرة صنّاع هذا العقاب الجماعي يحملون الجنسية الإسرائيلية، إلا أنّ الأدوات أمريكية بنسبة 90%، والتغطية السياسية للعدوان، فضلاً عن مختلف أشكال التعتيم الإعلامي، أمريكية – غربية بامتياز؛ والحديث هنا يخصّ الحكومات والمؤسسات وليس الشعوب ذاتها، التي عبّرت عن مواقف مختلفة هنا وهناك. وفي وسع المرء أن يبدأ من معزوفة متكررة أولى عنوانها «تفهّم» حاجات إسرائيل الأمنية، وإدانة «صواريخ حماس»؛ أو معزوفة ثانية تردّد حقّ الاحتلال في «اتخاذ كلّ التدابير ضدّ التهديدات»؛ أو معزوفة ثالثة تستكمل أنغام الطنبور…
وحملات التضامن وسيلة للتذكير ــ من جديد… كما في كلّ جديد عتيق! ــ أنّ أوروبا القارّة العجوز، أمّ أنظمة الاستعمار وفلسفات الأنوار، عاجزة تماماً عن اعتماد سياسة خارجية مستقلة قيد أنملة عن تلك السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة، إزاء قضايا الشرق الأوسط بالطبع، وحصار غزّة على وجه أوضح وأخصّ. وهذا حصار ينتهك كلّ عرف أو قانون أو قاعدة، فيعيد تظليل قسمات النظام الدولي الذي استجدّ بعد سقوط جدار برلين وانهيار أنظمة الاستقطاب القديمة.
فهل تحتاج الديمقراطيات الغربية إلى تقرير آخر دامغ غير ذاك المعياري الذي أصدرته خمس منظمات دولية رئيسية مختصة بالإغاثة وحقوق الإنسان، بينها العفو الدولية و»أوكسفام»، حول الأوضاع الإنسانية في غزّة؛ التي بلغت درجة من التدهور والسوء والخطورة لم يعرف القطاع مثيلاً لها منذ 1967؟ وأيّ حافز، لإنهاء الحصار، أو حتى تخفيف تدابيره الهمجية، يمكن أن تحرّكه سلسلة حقائق رهيبة تُطرح في كلّ صباح: ابتداء من ساعات انقطاع الكهرباء التي تزيد عن 12 ساعة، واعتماد 80% من العائلات في غزّة على موادّ الإغاثة؛ مروراً بارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 50%، وتوقف 95% من الأشغال الصناعية؛ وانتهاء بفشل الحصار في إضعاف منظمة «حماس»، وإنجاز العكس وتقوية شوكتها السياسية والعسكرية والعقائدية؟
وليست نكتة ثقيلة الظلّ غضبةُ دولة الاحتلال ضدّ انتقادات «المجتمع الدولي» للعمليات العسكرية البربرية في غزة، أو للحصار؛ إذْ يلجأ القادة الإسرائيليون إلى ردّ مزدوج: أنّ الاحتلال لا يتلقى الدروس الأخلاقية من أحد، حتى من أعرق الديمقراطيات الغربية، ومن أعتق وأقرب الحلفاء (الولايات المتحدة)؛ وأنه، تالياً، يطالب المنتقدين بتذكّر أفعالهم في البلقان والعراق وأفغانستان، قبل الشكوى من قصف غزّة وحصارها.
يبقى، بالطبع، أنّ 17 سنة من الحصار الإسرائيلي المفروض على غزّة عكست، سنة تلو الأخرى، انصهار تيّارات وأحزاب وأطياف وضمائر أبناء دولة الاحتلال، السواد الأعظم منهم عملياً، ما خلا قلّة قليلة محدودة منفردة معزولة، في بوتقة التهليل الصاخب تارة أو الصامت تارة أخرى؛ ليس من دون أصوات تتلذذ بمتابعة الموت الغزاوي على شاشات التلفزة، أو كلما خرّ فلسطيني إضافي وغرق في بركة من دماء.
وهذه، في أوّل المطاف وآخره، هي روح الطور الراهن من الكيان الصهيوني: غوص في الدماء، وتمترس أكثر في عقلية القلعة المحاصَرة (المحاصِرة)، وغرق في مزيد من كوابيس الوجود وصراع البقاء وما تبقى من «الواحة الديمقراطية الوحيدة»، وعنصرية، وجرائم حرب، وانزلاق أسرع فأسرع نحو الأبارتيد.

 

 

فظائع «أبو غريب»:

برّية أمريكا العجفاء الخرساء

صبحي حديدي

 

في الوسع المساجلة بأنه لولا صوت واحد صارخ في برّية الولايات المتحدة، تولّتْ عبء رفعه منظمة «هيومان رايتس ووتش» في واشنطن؛ لما اكترث أحد، في وزارات الدفاع والعدل والخارجية الأمريكية، بمرور 20 سنة على افتضاح فظائع سجن «أبو غريب» العراقي. المنظمة شددت، في بيان رسمي، على أنّ العراقيين الذين تعرضوا للتعذيب بأيدي عناصر حكومية أمريكية لا يزالون «بدون سبيل واضح لرفع دعوى أو الحصول على أي نوع من الإنصاف أو الاعتراف من الحكومة الأمريكية» لأنّ المسؤولين الأمريكيين «يفضّلون وضع التعذيب خلفهم» رغم أنّ «الآثار طويلة الأمد للتعذيب ما تزال واقعا يوميا للعديد من العراقيين وعائلاتهم» كما قال البيان.
معروف أنه خلال الاحتلال الأمريكي للعراق، سنوات 2003 وحتى 2011، احتجزت السلطات آلاف الرجال، والنساء، والأطفال في ذلك السجن، ومنذ مطلع العام 2004 تجاهل الجيش الأمريكي مذكرة وجهتها «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» تفيد بحصول المنظمة الدولية على معلومات موثقة تفيد بأنّ نحو 70 إلى 90٪ من المحتجزين لدى قوات التحالف في العراق في العام 2003، اعتُقلوا عن طريق الخطأ. وفي السنة ذاتها، بعد افتضاح فظائع التعذيب، بادر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى الاعتذار عن «الإذلال الذي عاناه السجناء العراقيون» في «أبو غريب»؛ تبعه تعهد وزير الدفاع رونالد رامسفيلد في استجواب أمام «الكونغرس بإيجاد «طريقة قانونيّة لتعويض المعتقلين العراقيين» الذين عانوا «الانتهاكات والقسوة الأليمة والوحشية على أيدي عدد قليل من أفراد القوات المسلحة الأمريكية. هذا ما يجب فعله، وأنا عازم على أن أراه يتحقق».
وكان كتاب غاري وينكلر «معذَّبة: لندي إنغلاند، أبو غريب، والصور الفوتوغرافية التي هزّت العالم» قد صدر سنة 2009 ليروي سيرة المجنّدة الأمريكية بطلة الصورة الأشهر عن فظائع السجن، حيث تظهر وهي تجرّ سجيناً عراقياً عارياً، مقيّداً من عنقه بطوق جلدي. هي المعذَّبة، وليست المعذِّبة التي تعرّف العالم بأسره على سحنتها، وزملائها، حين افتُضحت جرائم الجيش الأمريكي في ذلك السجن، ربيع سنة 2004؛ ليس لأنها لم تمارس التعذيب في يقين وينكلر، بل لأنها كانت بمثابة كبش فداء لقاء تبرئة كبار مجرمي الحرب، في وزارة العدل والبنتاغون والبيت الأبيض ذاته.
وإذا صحّ أنها، وستة من زملائها فقط، دفعوا الثمن بالنيابة عن المذنبين الكبار، فإنّ هذه العاقبة لا تجعل منهم ضحايا تعذيب في كلّ حال، بل تبرهن على شيوع المهزلة في القضاء العسكري الأمريكي، بعد استفحال المأساة في التغطية الأخلاقية لأفعال الجيوش الأمريكية هنا وهناك في العالم. لقد حُكم على إنغلاند بثلاث سنوات سجن، قضت نصفها وأُعفيت من إكمال النصف الثاني؛ وتلك كانت حال شارلز غرينر (خمس سنوات) إيفان فردريك (أربع سنوات) جيريمي سيفيتس (سنة، مع الطرد من الجيش) سابرينا هارمان (صاحبة الصورة الشهيرة بدورها، حيث تقف ضاحكة خلف هرم من الموقوفين العراقيين العراة: ستة أشهر) جيفال دافيز (ستة أشهر) وميغان أمبول (الطرد من الجيش).

وفي شهر أيار (مايو) سنة 2004، كانت مجلة «نيويوركر» الأمريكية قد نشرت، على موقعها الإلكتروني ثمّ في الطبعة الورقية لاحقاً، تحقيقاً مذهلاً للصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش برهن فيه أنّ انفضاح أخبار الهمجية الأمريكية في ذلك السجن (كما كانت قد ترددت قبل أيام، مدعمة ببعض الصور الأولى على قناة CBS) هي الفصل الأوّل من مجلّد خزي رهيب، أشدّ مقتاً وبشاعة وشناعة. وأمّا في ناظر العالم، المراقب لما فعلته وتفعله أمريكا في أفغانستان قبل العراق، فإنّ تلك الهمجية كانت تتجاوز السياسات الأمنية، لتضرب بجذورها عميقاً في باطن ثقافة العنف، وتحقير الآخر، وامتهان النفس الإنسانية، وشهوة الاستعباد…
تحقيق هيرش أثبت أنّ الإدارة كانت تعرف، في ضوء التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون أواخر شباط (فبراير) ذلك العام، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول إدارة السجون العراقية في ظلّ الاحتلال الأمريكي. وقال تاغوبا إنه في الفترة بين تشرين الأول (أكتوبر) وكانون الأول (ديسمبر) سنة 2003، ارتكب الجيش الأمريكي أعمال تعذيب «إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة» سرد التقرير بعضها، هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين الذكور بالاغتصاب، السماح لأفراد الشرطة العسكرية أن يقطبوا جراح الموقوفين الذين يُصابون بجروح جرّاء التعذيب، اللواط بالموقوفين عن طريق استخدام المصابيح الكيماوية أو عصا المكنسة، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم…
وأثناء صحوة ضمير، أو سعياً إلى تبييض الصفحة، كشف الرقيب فريدريك أنّ تقنيات التعذيب الأخرى كانت تتضمن إجبار الموقوفين الذكور على ارتداء ثياب داخلية نسائية. واللافت، هنا، أنّ الرجل حين استفسر عن هذه الممارسات، قيل له ببساطة: هكذا تريدنا المخابرات العسكرية أن نفعل! تفاصيل من هذا القبيل سردتها أيضاً العميد جانيس كاربينسكي، التي اقترن اسمها بهذه الممارسات لأنها كانت قائد فوج الشرطة العسكرية في العراق، والمسؤولة عن السجون الثلاثة. ففي مقابلة مع «نيويورك تايمز» قالت كاربينسكي إنّ عناصر المخابرات العسكرية وعناصر المخابرات المركزية هم الذين كانوا يتولون مسؤولية الخلية «1
A» وهي الوحدة الأمنية عالية السرّية التي تشرف على التحقيقات في السجن، وأنّ هؤلاء تمنّوا عليها ألا تتدخّل، بل أن تمتنع حتى عن دخول أيّ من الزنزانات التي تجري فيها التحقيقات!
التطورات اللاحقة لم تدع أيّ ظلّ للشكّ في أنّ تقنيات التعذيب، سواء في سجن «أبو غريب» أو في «غوانتانامو» أو في «السجون الطائرة» كانت تٌستخدم بعلم كبار رجال الإدارة: نائب الرئيس ديك شيني، مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، وزير الدفاع دونالد رمسفيلد، مدير المخابرات المركزية جورج تنيت، وزير العدل بيل أشكروفت، والرئيس بوش الابن نفسه الذي كان على اطلاع تامّ بما يجري، وكان موافقاً عليه. وفي تقرير اللجنة العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، جاء أنّ رمسفيلد أجاز 15 «وسيلة تحقيق حادّة» وأنّ نسخة من الوثيقة تلك طُبّقت حرفياً في سجن أبو غريب. لاحقاً سوف يقول جاك غولدسميث، رئيس مكتب الإرشاد القانوني في وزارة العدل: «إذا عذّبتَ فإنّ لديك حجة قانونية للدفاع عن نفسك؛ وإذا تعذّرت تلك الحجة، فإنّ قانون التعذيب لا ينطبق عليك ما دمت تحت راية سلطة الرئيس»!
ولقد بات جلياً اليوم أنّ تراجع الرئيس الأسبق باراك أوباما عن وعود انتخابية بتأمين شفافية المعلومات حول سجن «أبو غريب» إنما تمّ بضغط مباشر من رهط الجنرالات المتشددين في البنتاغون، من جهة أولى؛ والحملة الشعواء المتواصلة التي يشنّها ديك شيني، واحتضنتها مختلف وسائل الإعلام الأمريكية بحماس بالغ، من جهة ثانية. ولا يصحّ، كذلك، تناسي حقيقة اصطفاف الحزب الديمقراطي خلف معظم سياسات بوش الابن، بصدد غزو أفغانستان والعراق وما سُمّي بـ «الحملة على الإرهاب»؛ بما في ذلك التواطؤ على استخدام تقنيات التعذيب، والإبقاء على معتقل غوانتانامو، و«السجون الطائرة» وسواها.
ولا عجب، استطراداً، أن تصمّ الإدارات المتعاقبة الآذان عن حقوق الضحايا في التعويض، وأن تُطمس الملفات تباعاً عن طريق وضعها على رفوف الإهمال والتجاهل؛ حتى إذا ارتفع صوت واحد صارخ، في برّية شاسعة واسعة وعجفاء خرساء.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

كوارث بلا حدود:

سياسات بامتياز

صبحي حديدي

 

المقاربات الأسهل بصدد الكوارث الطبيعية، الزلازل في المغرب والسيول وإعصار دانيال في ليبيا على سبيل الأمثلة الراهنة، هي تلك التي تبدأ من مشاعر التعاضد الإنساني والتضامن الإغاثي، وتنتقل إلى نمط من التسليم القدري بأنّ الطبيعة غاشمة ولا رادّ لتقلباتها العاتية، وتمرّ بتلك العوامل التي تستفزّ الطبيعة أو تُفسد موازينها وقوانينها جراء سوء استغلال الموارد الطبيعية ومضاعفة الاحتباس الحراري؛ وقد تنتهي، وإنْ على استحياء غالباً، عند مسؤولية الأنظمة الحاكمة في صيانة البنى التحتية واتخاذ الإجراءات الضرورية لاستباق وقوع الكوارث.
وأمّا النادر، المطلوب والضروري والأقلّ تكاسلاً، فإنه خيار تصنيف الكوارث الطبيعية ضمن نسق أوسع نطاقاً وأعمق توجهاً نحو الجذور؛ تعتبر الحرائق والزلازل والسيول والفيضانات، وكلّ وأيّ «غضبة» للطبيعة، بمثابة جزء لا يتجزأ من فشل سيرورات التنمية على اختلاف ميادينها وجغرافياتها ومستوياتها، وبمثابة تكديس (عن سابق إهمال وتقصير، أو فساد واستبداد) لعوامل الأخطار المحدقة. وأصحاب هذا الخيار، وهم غالباً منظمات أهلية وغير حكومية، مستقلة بهذه الدرجة أو تلك، يقود أشغالهم مبدأ بسيط ولكنه ثمين المنهج وهائل النتائج: أنّ الكوارث الطبيعية بلا حدود، من جانب أوّل؛ ولكنها، من جانب ثانٍ، لا تُلحق الأذى بالبشر والعمران على نحو متساوٍ متماثل، بل طبقاً لما يتكفل به البشر أنفسهم من طرائق تحسّبٍ واستعداد واستباق، طبقاً لهذا النظام السياسي أو ذاك، في هذه البيئة أو تلك، وعند مستوى الجوع أو التخمة.
في الوسع إذن، ولكن خارج مقاربات الكسل والتكاسل، عقد مقارنة بين المشاهد المريعة في مدينة درنة الليبية مؤخراً، وبين مشاهد تسونامي أندونيسيا سنة 2004؛ والاستنتاج بأنّ الكوارث الطبيعية بلا حدود من حيث باطن الأرض وأعاصير البحار، ولكن حدودها قائمة وفعلية وقاطعة من حيث طرائق التعامل ومقادير الاهتمام وأشكال التضامن. في الحالة الأولى ثمة الكثير من التصريحات والوعود، محلية وإقليمية ودولية؛ وفي الحالة الثانية كانت المشاهد أكثر انطواء على الخير والسخاء والتضامن من أنّ يصدّقها ناظر بعين واقعية. وكان مشروعاً أن يتساءل المرء: أكان العالم إزاء تسونامي هو نفسه الذي شهد كوارث رواندا والكونغو ودارفور؟ فلسطين المحتلّة والعراق المحتلّ وأفغانستان المحتلّة؟ معتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب ومجازر الفلوجة؟ ثمّ، مؤخراً، زلازل الشمال السوري، والمغرب، وسيول ليبيا؟
وبعد ثمانية أيام على وقوع كارثة تسونامي ظهر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في البيت الأبيض، محاطاً بأبيه وبسلفه بيل كلينتون، وأعلن أنّ واشنطن سوف ترفع قيمة تبرعاتها من 35 إلى 350 مليون دولار. أحد الأذكياء، الكاتب البريطاني جورج مونبيوت، أهدى هواة المقارنات الدراماتيكية هذه الإحصائية، الطريفة والسوداء في آن معاً: نهار الكارثة، كان الاحتلال الأمريكي للعراق قد دخل يومه الـ 656، وكانت واشنطن قد أنفقت حتى ذلك التاريخ 148 مليار دولار في تغطية الاحتلال، وهذا يعني أنّ المبلغ الذي تبرّعت به واشنطن لإغاثة منكوبي جنوب شرق آسيا يعادل يوماً ونصف يوم من مصروفات أمريكا… على منكوبي العراق!
وإذا صحّ أنّ الكوارث بلا حدود، فإنّ الأصحّ في المقابل هو أنّ ثورات الطبيعة ليست أقلّ من حوادث سياسية، وربما بامتياز أيضاً، لأنها تتكفل بكشف أنماط القصور والخلل وانعدام المسؤولية ساعة وقوع الكارثة، وتستشرف الكثير من جوانب الجرد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي لأداء النخب الحاكمة والمعارضة على حدّ سواء. وبمعزل عن تشخيص عاتق المسؤولية، أو التحلل منه أو حتى خيانته، للكوارث فضيلة تعريف المواطن المهمّش على تفاصيل ملموسة تشخّص تهميشه، ليس في شروط استثنائية كارثية فقط، بل عموماً على أصعدة الحقوق المضيّعة والوجود المنتقَص.
وتلك دروس يندر أن تكون الذاكرة الشعبية عاجزة عن حفظها، حتى ساعة حساب.

 

 

 

كابلان و«الشرق الأوسط الأكبر»:

مديح الطغيان ورثاء الإمبراطورية

صبحي حديدي

 

مفهوم الشرق الأوسط الراهن، التقليدي أو المتفق عليه أو المكرّس على نحو أو آخر، لم يعد يتسع لتنظيرات الكاتب الجيو ـ سياسي الأمريكي روبرت د. كابلان؛ وبديله اليوم هو «الشرق الأوسط الأكبر» وليس الكبير فقط، كما يقترح كتابه الأخير «حلول الزمن: الإمبراطورية والفوضى، من البحر الأبيض المتوسط وحتى الصين» الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية، في نيويورك ضمن منشورات راندوم. أمّا جغرافية المفهوم الأكبر هذا فلا تبدأ من الدول العربية أو المسلمة في آسيا وشمال أفريقيا، بل تشملها حين تمتدّ من غرب الصين، مروراً بآسيا الوسطى وشرق أوروبا، واشتمالاً على شبه الجزيرة الهندية فالمتوسط وبحرَيْ إيجة والعرب وخليج البنغال، وصولاً إلى المحيط الهندي.
دوافع تسطير الكتاب، وهي أيضاً بعض أبرز موضوعاته: 1) اهتمام كابلان بأبعاد ومآلات الحروب (الأمريكية، أساساً) في أفغانستان والعراق، بين 2001 و2021؛ و2) الفوضى، كما يسميها، التي أعقبت «الربيع العربي» وأعادت تأكيد موقفه المعروف القائل بأنّ الطغيان على علاته خير من الفوضى وانعدام الاستقرار؛ و3) إعادة قراءة الحضارات والإمبراطوريات، ليس على ضوء خلاصات صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات، بل من زوايا ثقافية وأنثروبولوجية لا يجد كابلان حرجاً في تلمّسها اتكاء على منهجيات يمينية أو يسارية أو ليبرالية وسيطة، أو يجتمع في خلائطها أمثال أرنولد توينبي وكليفورد غيرتز وإدوارد غيبون وفرناند بروديل و… إدوارد سعيد!
جدير بإشارة فورية أنّ كابلان في هذا الكتاب يعتذر عن موقفه السابق الذي انطوى على تأييد الغزو الأمريكي للعراق؛ ويعترف بأنّ كراهيته لشخص صدّام حسين أعمته عن رؤية الكثير من المزالق التي كان يتوجب أن تبرز بوضوح أمام عينيه قبيل تسرّعه في الحماس لمشروع جورج بوش الابن ورهط المحافظين الجدد. ولعلّ المبدأ العتيق، القائل بأنّ اعتذاره متأخراً خير من عدم اعتذاره نهائياً، لا ينطبق تماماً أو حتى بما يكفي على تنظير كابلان حول الملفّ ذاك، بالنظر إلى أنّ الحصيلة تجاوزت الحماس إلى شهوة التبشير بسلسلة قوانين راسخة ذات صلة بالتصارع الحضاري بين غرب وشرق، وتنوير وأصولية؛ على نحو لم يبقَ فيه من صدّام حسين واستبداده ونظامه إلا النزر اليسير.
ذلك، أيضاً، سبب وجيه إضافي لوضع أفكار كابلان إجمالاً، وتلك التي تخصّ قضايا الشرق الأوسط تحديداً، على أكثر من محكّ يُخضعها للتدقيق والتمحيص والتشكيك؛ أبعد، بكثير، من مجرد السجال والنقد وتطوير الاختلاف العميق، الذي يمكن أن يبلغ شأو الرفض، شكلاً ومضموناً. وعلى هذا المنوال يتوجب أن تُقرأ الصفحات التي يخصصها للانتفاضة السورية، ضمن فصل لا يلوح أنّ المصادفة العفوية وراء عَنْوَنته بـ«الهلال الخصيب»؛ حيث يتكئ على آراء جوشوا لانديز رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما الأمريكية، الذي لا يُظلم كثيراً حين يُوصف بـ«ناطق باسم النظام السوري». إعجاب كابلان بآراء لانديز ينحصر، أو يكاد، في أنّ الأخير خرج عن إجماع المراقبين الأمريكيين للوضع السوري عند انطلاق الانتفاضة الشعبية سنة 2011، وتكهن بأن بشار الأسد لن يسقط، وأنه لا يوجد «شعب سوري واحد» أساساً، وسوريا «منقسمة على خطوط دينية وإثنية وطبقية»؛ مردداً أصداء فريا ستارك الرحالة البريطانية/ الإيطالية، التي جالت في لبنان وسوريا والعراق أواخر عشرينيات القرن المنصرم.

مديح الإمبراطوريات، أو إبداء الأسف على انحسارها، محور مركزي في غالبية مؤلفات كابلان، وهو هنا يعيد تكرار المعزوفة ذاتها على هذا النحو، الاختزالي بقدر ركونه إلى التبسيط المخلّ: الثورة الفرنسية جلبت الترهيب بدل نظام ملكي فاسد، والثورة الروسية استبدلت طغيان آل رومانوف بحكم البلاشفة الشمولي، والثورة الإيرانية أحلّت استبداد آيات الله محلّ حكم الشاه الأوتوقراطي؛ وهذه مسارات تدفعه إلى الاستنتاج بأنّ واحدة من «مصائب» السياسة الخارجية الأمريكية كانت الإيمان، تبعاً لمخيّلة الرئيس الأسبق وودرو ولسون، بأنّ «التاريخ الإنساني يتدرّج وفق خطوط تقدمية». وجولات كابلان في الشرق الأوسط، تركيا وكردستان وأفغانستان والباكستان وسوريا والسعودية ومصر وليبيا وإثيوبيا، أقنعته بأنّ ما شهده هو «عالم هوبزوي» نسبة إلى الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588 ـ 1679) صاحب الخلاصة الشهيرة القائلة بأنّ الدول والمجتمعات لا يمكن أن تكون مستقرة وآمنة إلا تحت سلطة حاكم مطلق.
ولعلّ كابلان هو الوحيد الذي يتجاسر على تصريح، أخرق وجزافي وأحمق واستفزازي، مثل التالي: «قصارى القول إنّ الشرق الأوسط بعد 100 سنة لم يجد بعدُ حلاً ملائماً لانهيار الإمبراطورية العثمانية»؛ فما بالك بطيّ صفحات الإمبراطوريات الآشورية والرومانية والفارسية والبيزنطية والبريطانية والسوفييتية والأمريكية، والتعداد من عنده بالطبع. ورثاء الإمبراطوريات، بعد مديح أنظمة الطغيان، هو بوّابة أولى تمنح كابلان فرصة القدح بكتاب سعيد «الاستشراق» 1978؛ والتهليل لأعمال برنارد لويس، بطريرك الاستشراق كما تفضّل هذه السطور تسميته. هي، إلى ذلك، نافذة كابلان كي يردّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى جذور استشراقية، تُبعد عن الكيان الصهيوني أيّ عناصر صريحة لاستعمار استيطاني وعنصري، ينزلق اليوم حثيثاً صوب أسوأ منظومات الأبارتيد باعتراف عدد من المراقبين اليهود الإسرائيليين والأمريكيين على حدّ سواء.
وللمرء أن يعود إلى كتابات (يجدر القول: نبوءات) صدرت عن كابلان في الماضي القريب، واعتمدت حتميات مختلفة الطراز، لكنها تخرج من جهاز تفكير واحد، ساكن وسكوني، سطحي وتسطيحي؛ كما في هذا المثال من مقالة بعنوان «تحريك التاريخ»: «البلدان الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد فارس لم تمتلك إلا القليل فقط من المعنى قبل القرن العشرين. فلسطين ولبنان وسوريا والعراق لم تكن سوى تعبيرات جغرافية غامضة، وأمّا الأردن فلم يكن في الوارد أصلاً. وحين نزيل الخطوط الرسمية على الخريطة، فإننا سنجد رسماً عشوائياً بأصابع اليد لتكتلات سكانية سنّية وشيعية تتناقض مع الحدود الوطنية (…) وإذا كان في الشرق الأوسط جزء يتشابه على نحو مبهم مع يوغوسلافيا السابقة، فإنه المنطقة من لبنان حتى إيران، حيث نواجه انحلال نظام الدولة الذي ظلّ، طيلة عقود، الحلّ الكفيل باضمحلال الإمبراطورية العثمانية».
أو تلك الحتمية العجيبة: أنّ أولى انتفاضات العرب بدأت في تونس، من بلدة سيدي بوزيد تحديداً، لأنها تقع ضمن خطّ هزيمة هانيبعل، القائد العسكري القرطاجي، على يد الجنرال الروماني سكيبيو الأفريقي، في موقعة زامة؛ حين حفر الأخير خندقاً حدودياً يمتد من طبرقة إلى صفاقس؟ في عبارة أخرى، ضمن صياغة كابلان للفكرة ذاتها: لولا أنّ تونس هي النقطة الأفريقية، وبالتالي العربية، الأقرب إلى أوروبا، وإلى «المناطق المتمدنة»؛ هل كانت أولى انتفاضات العرب ستقع فيها؟ يكتب كابلان: «بدأ الربيع العربي من تونس، البلد الأكثر تأورباً بين جميع البلدان العربية، والذي يقع على مسافة ثماني ساعات على ظهر ناقلة بطيئة تبحر نحو صقلية. وبالنسبة إلى كثيرين، كانت تونس متكاملة مع السياسة الإيطالية أسوة بتكامل صقلية معها»!
ورغم إقرار كابلان بأنّ النظرة السلبية إلى الإمبراطوريات ناجمة عن التاريخ الدامي للغزوات الأوروبية (بديله عن تعابير مثل الاستعمار والاستيطان والاحتلال) فإنه لا يتورّع عن صياغة الرسالة الأوضح في كتابه: الزمن الذي خيّم ويحوم وسوف يطلع، هو ذاك الذي سيثبت أنّ الإمبراطورية شكل طبيعي في الحكم، ومظهر للتاريخ في كلّ بقعة من العالم. وذاك قدر جيو ـ سياسي محتوم، ولا رادّ له!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

اعتزال كوندوليزا رايس:

قبائح السياسة وملايين البورصة

صبحي حديدي

 

في ذروة تصدّرها، لسنة سادسة على التوالي، موقع المرأة/ السياسية الأكثر تفضيلاً لدى الأمريكيين، حسب استطلاعات رأي أسبوعية «واشنطن ويكلي»؛ ومن سدّة منصبها الحالي كمديرة لمعهد هوفر الشهير، التابع لجامعة ستانفورد؛ نقلت أوساط كوندوليزا رايس أنها، وهي في الـ68 من العمر، تنوي اعتزال السياسة نهائياً: «إذْ نتقدّم في العمر، هنالك في الحياة أطوار ندخلها، وأن أكون سياسية أمر لم يعد ينطوي على متعة» نُسب إليها القول في مجلة «الناس والمال» الاقتصادية الأمريكية.
ليس خارجاً عن هذه السياقات ما أوردته المجلة ذاتها حول إيرادات رايس المالية خلال ما انقضى حتى الآن من أشهر 2023: 75 مليون دولار، الأعلى بالمقارنة مع 10 نساء/ سياسيات في العالم، وثروة شخصية تُقدّر بـ215 مليون دولار؛ لا تأتي فقط من «أتعاب» محاضرات ومشاركات في مؤتمرات دولية رفيعة المستوى، بل كذلك من أسهم في البورصة، واستثمارات عقارية وتعويضات عن الظهور على أغلفة مجلة «كوفر غيرل» المختصة بأدوات التجميل، فضلاً عن امتلاك مطاعم عديدة في واشنطن، وحصص في نادٍ لكرة القدم، وخدمات لشركة عطور…
للأمريكيين في ما يفضّلون من شخصيات، وطرائق ما يجنون من ملايين، شؤون شتى تتجاوز ما يمكن أن يشمل سواهم، على نطاق العالم الرأسمالي المعاصر عموماً؛ وهذا، غنيّ عن القول، تفصيل ليس هنا مقامه. غير أنّ خبر اعتزال رايس لا يصحّ أن يمرّ من دون أن يستدعي هذا أو ذاك من الفصول الأشنع، السياسية والأخلاقية، في سجل وزيرة خارجية الولايات المتحدة الـ66 بين 2005 وحتى 2009، ومستشارة الأمن القومي الأمريكي الـ19 بين 2001 وحتى 2005.
وفي الوسع البدء من صفة «الأولى» التي اقترنت بمواقع عديدة حساسة شغلتها رايس في الإدارات الأمريكية، بينها أنها كانت أوّل امرأة أفرو ـ أمريكية تشغل منصب وزيرة الخارجية، وأوّل امرأة مستشارة لمجلس الأمن القومي، وأوّل مستشارة شخصية لشؤون الشرق الأوسط لدى حاكم ولاية تكساس، جورج بوش الابن (الذي سيُنتخب رئيساً للولايات المتحدة، مرّتين). وكان كتابها «لا يعلو عليه شرف: مذكرات سنواتي في واشنطن» 2011، سعى إلى تبييض صفحة رايس، وترقيتها إلى مصاف الشرف الأعلى الذي يلمّح إليه العنوان؛ فلم تنته معظم فصوله إلا إلى تثبيت النقائض، أو كشف ما تمّ التستّر عليه من وقائع فاضحة.
حول سوريا، على سبيل المثال، تظلّ رايس مبتكرة نظرية «التغيير من داخل النظام» وليس تغيير النظام؛ عبر الإصلاحات التجميلية تارة، أو ممارسة الضغوط اللفظية طوراً، فضلاً عن الغمز بين حين وآخر إلى طراز منتقى من «معارضة» سورية مستهلَكة، متأمركة سرّاً أو علانية، ومنقطعة الصلة عن الشعب السوري والمعارضة الفعلية في الداخل. ولعل الكثير من تدابير تلك النظرية، وهي في كل حال فقيرة محدودة التفاصيل، ما تزال معتمَدة في واشنطن، حتى إذا كان هذا الناطق الرسمي أو ذاك، باسم البيت الأبيض أو الخارجية، يُدخل عليها تعديلات لفظية بدورها.

بيد أنّ محاضرتها الشهيرة، في جامعة القاهرة صيف 2005، كانت واحدة من أوضح «تجليات» تفكير رايس حول الشرق الأوسط عموماً، والعالم العربي خصوصاً. يومذاك بدأت هكذا: «طيلة 60 سنة بحثت بلادي، الولايات المتحدة، عن الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، هنا في الشرق الأوسط، ولم ننجز أيّاً منهما. الآن نحن نتخذ مساراً مختلفاً. نحن ندعم الطموحات الديمقراطية لكلّ الشعوب. وثمة اليوم أنظمة غير ديمقراطية تهدّد الحرّية. البعض يظنّ أنّ هذه واحدة من حقائق التاريخ الثابتة. ولكن هناك مَنْ يعرفون الأفضل. ويمكن العثور على هؤلاء الوطنيين المتعطشين للحرّية في بغداد وبيروت، في الرياض ورام الله، في عمّان وطهران، وهنا في القاهرة تحديداً». ليس في دمشق، طبعاً، رغم أنها جارة بيروت وبغداد وعمّان؛ ورغم أنّ النظام السوري كان نسيج وحده في تدشين الاستبداد الوراثي، وحكم العائلة؛ ورغم أنّ الاجهزة الأمنية السورية أقدمت، في الفترة ذاتها، على إغلاق منتدى الأتاسي واعتقال أبرز قياداته.
أمّا حين غادرت الموقع الرسمي، وصار امتداح «الربيع العربي» مغنماً لكلّ رافع عقيرة في واشنطن؛ فإنّ رايس لم تتردّد في إصدار هذا الحكم الرهيب على النظام السوري: «لقد أتى دوركم. وأياً كان النظام الذي سيخلفكم، فإنه لن يكون أسوأ في نظر شعبكم، وفي نظر العالم، ممّا كنتم عليه أنتم». ثمّ أردفت، خلال واحدة من جولات توقيع كتابها: «الأسد يقود سوريا إلى حافة الحرب الأهلية» وتنكيله بالمعارضين «يخلق وضعاً بالغ الخطورة» وإسقاطه «سوف يكون أمراً عظيماً للشعب السوري، ولمصالح الولايات المتحدة، وكلّ الباحثين عن شرق أوسط أكثر سلاماً»! وقد يصعب أن ينتظر المرء من رايس موقفاً صامتاً إزاء جرائم النظام السوري، إلا أنّ الانقلابات الفاضحة في المواقف، بين ليلة وضحاها، بدت أقرب إلى «الشقلبة» منها إلى التنقّل أو التبدّل.
وفي محاضرة القاهرة مزجت رايس بين الفكر والفلسفة والسياسة والتبشير، وبين نقد الماضي والرجم بالغيب عن المستقبل، وبين الترهيب والترغيب سواء بصدد الحاكم العربي (والحلفاء في القاهرة والرياض تحديداً) أو ما يخصّ شعوب المنطقة إجمالاً. وكانت بعض الفقرات قد انطوت على عبارات من النوع الوردي الزاهي، الباسم المشرق… كهذه مثلاً: «إنّ الخوف من الخيارات الحرّة لا يمكن أن يكون بعد الآن مبرراً لرفض الحرية» أو: «هناك مَن يقولون إنّ الديمقراطية تقود إلى الفوضى والصراع والإرهاب، والحقيقة أنّ العكس هو الصحيح: إنّ الحرية والديمقراطية تشكلان الفكر الوحيد الذي يملك قوّة التغلّب على الكراهية والانقسام والعنف»… كما أوضحت رايس مجموعة معايير محددة للحكم الديمقراطي كما تفهمه الولايات المتحدة، وكما تريد أن تراه في الشرق الأوسط. وإذا كانت قد بدأت بالانتخابات الحرّة النزيهة، فإنها حدّدت شكل الحكومات الديمقراطية المطلوبة: تلك التي «تحمي سلسلة حقوق أساسية لجميع المواطنين، بينها الحق في حرّية الكلام، والاجتماع، والعبادة كما يشاء المرء، وتعليم الأبناء، ذكوراً وإناثاً، والتحرّر من زوّار منتصف الليل التابعين للبوليس السرّي».
حول الملفّ الفلسطيني ذهبت رايس إلى شمعون بيريس في كتابه «الشرق الأوسط الجديد» 1993، وأعادت العزف على أنغام الحلم باتحاد شرق ـ أوسطي على غرار الاتحاد الأوروبي؛ ولكنها، مثله، لم تكترث بالحقائق الدامية على الأرض قدر اكتراثها بالكيمياء التي تقلب الكابوس الأسود إلى حلم وردي. وإذا كان بيريس قد أبدى استعداده للتضحية بأغلى الصور على قلوب الإسرائيليين الأوائل (صورة المقاتل الذي يحتضن رشاش الـ»عوزي» وسط حقل الشعير أو بيارة البرتقال)؛ فإنّ رايس شاءت عكس الصورة تماماً: مشاهد الغارات الإسرائيلية الهمجية على بيروت وصيدا وصور والنبطية.
سلسلة القبائح قد لا توازي ملايين المصارف والبورصات في سجلّ رايس، غير أنّ الكثير منها (منح المخابرات المركزية الأمريكية الإذن باستخدام طرائق التعذيب الوحشية في العراق وأفغانستان وغوانتانامو، مثلاً)؛ يصعب أن ينقذ رايس، معتزلة السياسة، من الاستقرار الأبدي ضمن لوائح الساسة الأمريكيين، رجالاً ونساء، أصحاب المواقع الأشنع والأبشع. والحال أنه لا تنقضي سنة إلا ويرسل التاريخ المزيد من هؤلاء إلى قيعان العار؛ فيتعظ من يحسن إدراك العظة، ويتابع الغيّ كلّ متعامٍ متلهف على القفز إلى «مزبلة التاريخ» حسب تعبير تروتسكي.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

انقلابات أفريقيا وشركاء «فاغنر»:

أبعد من الارتزاق الكلاسيكي

صبحي حديدي

 

في ورقة بحثية محكمة المعطيات حول الانقلابات بين 1950 و2010، صدرت عن كلية العلوم السياسية في جامعة كنتاكي الأمريكية، يتوصل الباحثان جوناثان بأول وكلايتون ثاين إلى الإحصائية التالية: من أصل 486 انقلابا، ناجح أو منحصر في المحاولة، على مستوى عالمي، تنفرد أفريقيا بالرقم الأعلى مع 214، بينها 106 نجحت بالفعل. يضاف إلى هذا أنه، منذ آب (أغسطس) 2020، شهدت القارّة 8 انقلابات في مالي (انقلابان خلال 9 أشهر) وغينيا، والسودان، وبوركينا فاسو (انقلابان خلال 8 أشهر) والنيجر، والغابون حالياً.
موضوع هذه السطور ليس ملفّ الانقلابات، لجهة أسبابها ومنطق وقوعها والقوى المحرّكة خلفها وإشكاليات العسكر والعسكرتاريا في أفريقيا (أو العوالم النامية والجنوب عموماً)؛ بل مناقشة عنصر بارز فاعل خلف ظواهر الانقلابات، يسبقها أو يتزامن معها أو يعقبها، ويحدث غالباً أن تجري السيرورة على هذا النحو الثلاثي. هذا العنصر هو تشكيلات المرتزقة، الأجنبية وغير الأفريقية غالباً، التي يصحّ أن تتسع ديناميات حضورها في القارّة لتكريس التعريف الأكثر دقة واشتمالاً؛ أي ذاك الذي يصفها هكذا: «الشركات العسكرية والأمنية الخاصة» أو الـ
PMSC في اختصارها الإنكليزي. الأشهر بينها، هذه الأيام، هي شركة ّفاغنر» الأوسع انتشاراً في القارّة (مارست أنشطة عسكرية وأمنية مختلفة المهامّ في مالي وليبيا والسودان وزيمبابوي وأنغولا ومدغشقر وغينيا وغينيا بيساو والموزامبيق وبوركينا فاسو وتشاد وأفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو)؛ ولم تكن وحدها في هذه الساحة أو تلك، بل استضافت شركات روسية أخرى مثل «مجموعة RSB» و«مجموعة موران الأمنية» و«مجموعة باتريوت».
لكنّ أنشطة «فاغنر» وشركائها لا تقتصر على المهامّ الأمنية والعسكرية، بل تتولى أيضاً عمليات النهب غير الشرعي لثروات أساسية مثل الذهب والماس، وتسهّل خطوط تهريبها، وتجني بالتالي قسطاً غير محدود من العوائد المالية لقاء هذه الخدمات؛ الأمر الذي لا يقتصر على أنظمة القارّة الأفريقية، ولعلّ مثاله الأوضح هو العلاقات الاستثمارية بين «فاغنر» ونظام بشار الأسد في سوريا. وعبر اثنتين من الشركات النفطية الروسية، «إيفرو بوليس» و«ستروترانس غاز» أمّنت «فاغنر» عقود نفط ومناجم فوسفات في وسط سوريا ومناطق الساحل؛ في غمرة تنافس خفيّ، أو معلن أحياناً، مع شركات إيرانية تطمع في حصص دسمة من احتياطي الفوسفات (سوريا هي الخامسة عالمياً).
الشركات الأمنية الأخرى، غير الروسية، أكثر عدداً من أن تحصى في هذا المقام، ولكن قد تكفي الإشارة إلى أنّ جنسياتها لا تقتصر على القوى الاستعمارية القديمة (ميراث رجال من أمثال «ماد مايك» البريطاني وبوب دونار الفرنسي)؛ بل ثمة شركات أمريكية وصينية وجنوب أفريقية وحتى نروجية؛ وأخرى عناوين إقامتها في الإمارات مثل الـ»بلاك شيلد» أو في تركيا مثل الـ»سادات» أو في بلغاريا مثل الـ»أجيميرا»… وكمثال على سيرورات تطور هذه الشركات، يُشار إلى نموذج الـ
EO، التي أسسها إيبن بارلو في جنوب أفريقيا سنة 1989 وتولت حماية منشآت الطاقة في أنغولا وتدخلت في حرب سيراليون الأهلية، حتى أقدمت حكومة ما بعد الأبارتيد على حلّها؛ لكنّ شركات أخرى سارعت إلى تمويلها مجدداً، فعادت لحيازة حقوق التعدين في سيراليون. ليس هذا فحسب، بل أسهمت الشركة في إخماد انتفاضات شعبية، ودرّبت جيوشاً انقلابية، وحرست/ نهبت مناجم ماس هنا وهناك، ولعبت دوراً في مجازر رواندا سنة 1994؛ بل بلغ الأمر أنها تقدمت إلى الأمم المتحدة باقتراح إيقاف المجازر مقابل 120 مليون دولار!

العلاقات الاستثمارية بين «فاغنر» ونظام بشار الأسد في سوريا، وعبر اثنتين من الشركات النفطية الروسية، «إيفرو بوليس» و«ستروترانس غاز» أمّنت «فاغنر» عقود نفط ومناجم فوسفات في وسط سوريا ومناطق الساحل

أحد أبرز العوامل وراء إحياء أنشطة الارتزاق الأمني والعسكري، وانقلابها إلى شركات خاصة كونية ذات طابع استثماري وربحي يُحتسب بالمليارات وليس بالملايين، كانت وتظلّ «عقود الحرب» التي أبرمتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان: المرء يفترض أنّ الدول الفاشلة، يساجل جوناثان بأول وكلايتون ثاين، هي التي تحتاج إلى كيانات عسكرية ارتزاقية الطابع؛ ولكن أن تلجأ إلى هذا الخيار قوّة كونية عظمى مثل الولايات المتحدة أمر يعني تكريس «صناعة» وتوفير «قدوة صالحة» لانتشارها كيفما اتفق، ويستوي أن تكون الحاجة ماسّة طويلة الأجل أو موسمية عابرة. ومعادلة التناسب بين المقاتل النظامي والمقاتل المرتزق كانت، في عقود البنتاغون والمخابرات المركزية الأمريكية، لافتة حقاً: 1 مقابل 1 في البدء، ثمّ 50٪ نسبة المرتزقة في العراق، و70٪ نسبتهم في أفغانستان؛ مقابل 10٪ فقط من عقود القتال الخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، مع فارق أنّ غالبية المتعاقدين لم يكونوا مسلحين وعُهد إليهم بوظائف مكتبية وغير قتالية.
الأكثر ابتهاجاً بميل أمريكا نحو التعاقد مع المرتزقة هو إريك برنس مؤسس مجموعة «بلاكووتر الدولية»؛ الذي، في سنة 2017، حثّ الإدارة والكونغرس والبنتاغون على استبدال كامل الجيش الأمريكي في أفغانستان بالمرتزقة من مجموعته وشركائها (ويومذاك، للإنصاف فقط، كان يفغيني بريغوجين مجرّد «طبّاخ بوتين» وليس مؤسس أو قائد «فاغنر»). هي دعوة إلى «خصخصة الحرب» في أفغانستان، مثلما سبقتها دعوة إلى «خصخصة السلام» في القارة الأفريقية؛ ولم يكن مستغرباً أن يحظى هذا التنظير الجديد باهتمام هستيري من وسائل الإعلام الأمريكية وخبراء الجيو ـ سياسات. لا أحد جادل في حينه أنّ القوّة الكونية الأعظم في حاجة إلى «بندقية بالإيجار» في ما تملك من ترسانات أسلحة فتاكة متقدمة ستراتيجية وتكتيكية وتقليدية ونووية، ولكنّ خيار الانتقال إلى الخاصّ بدل العام في إدارة الحروب كان يدغدغ طبقة غير هزيلة من أدمغة دعاة نهاية التاريخ وانتصار إنسان رأس المال الأخير!
مجلس الشيوخ الأمريكي، في تقرير مفصل أعقب تحقيقاً ميدانياً، أقرّ بأنّ «الصناعة» العسكرية والأمنية الأمريكية في أفغانستان والعراق استولدت صناعات محلية؛ وبالتالي فإنّ «ما سبق أن وُصفوا بأمراء الحرب وقادة الميليشيا باتوا الآن شركات أمنية خاصة» بفضل سابقيهم من الشركات الأمريكية والبريطانية. على سبيل المثال، تعاقدت الشركة البريطانية «آرمور غروب» مع شركتين أفغانيتين، أطلقت على الأولى اسم «المستر أبيض» وعلى الثانية «المستر وردي»؛ وكلا الشركتين تورطت في جرائم قتل ونهب وسلب واختطاف وأنشطة جنائية شتى. ليس بعيداً عن هذا الجانب، غير الخالي من عنصرية مبدأ «عبء الرجل الأبيض» القديم، اعتمدت أمريكا الرسمية على «أبناء البلد» من أفغان وعراقيين وجنسيات محلية أخرى؛ حيث الكلفة أرخص بكثير من توظيف عناصر أمريكية أو أوروبية، وطبقاً للبنتاغون فإنّ نحو 20 ألف متعاقد مع الجيش الأمريكي في سنة 2018 كانوا من حملة الجنسية الأمريكية، مقابل 30 ألف متعاقد من غير الأمريكيين.
وهكذا، أبعد من ارتزاق «فاغنر» الكلاسيكي، ومن تجنيد الميليشيات المأجورة في أنساقها الحديثة والمعاصرة، أو حتى سوابقها النظيرة في القرون الوسطى؛ ثمة اليوم قواعد تأسيس واشتباك وإدارة، مدماكية الطابع، بادرت الولايات المتحدة إلى إرساء ركائزها وأعرافها وقوانينها، وأسفرت عن صناعة ثقيلة هائلة العواقب ومليارية المغانم: انقلابات أفريقيا المتعاقبة ليست سوى الوجهة المعلَنة من 160 مليار دولار أنفقتها وزارة الدفاع الأمريكية على التعاقدات الخاصة بين أعوام 2007 وحتى 2012، وهذه (لهواة المقارنات الصاعقة) تعادل أربعة أضعاف ميزانية الدفاع في المملكة المتحدة. لا تُحتسب ضمن هذا الرقم، بالطبع، ما سددته أنظمة الانقلابات والاستبداد والفساد والتوريث، سواء في صيغة مبالغ مالية وودائع في مصارف أوروبا لحساب الشركات العسكرية والأمنية، أو في هيئة عقود استثمار ذهب وماس وفوسفات وثروات.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

من «الـ20» إلى الـ«بريكس»:

قمم كونية تتناهب السفوح

صبحي حديدي

 

آلاف الأميال تفصل بين مدينة بتسبرغ الأمريكية (حيث انعقدت قمة مجموعة الـ20 الثالثة، أواخر أيلول/ سبتمبر، 2009)؛ ومدينة جوهانسبرغ الجنوب أفريقية (التي احتضنت مؤخراً القمّة الـ15 لمجموعة الـ«بريكس» المؤلفة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). وبمعزل عن مصادفات الحروف المشتركة في اسم المدينتين، ومشاركة في القمتين لدول أخرى ليست عضواً عاملاً في أيّ من المجموعتين (مثل السعودية والأرجنتين وأندونيسا)؛ ثمة فوارق شاسعة واسعة تخصّ انقسامات النظام الدولي، في الميادين الاقتصادية أوّلاً، وما يتفرّع عنها وبسببها من استطالات جيو ـ سياسية، لعلّ أوضح اختصاراتها مفاعيل عودة الحرب الباردة بأشكال جديدة وأنماط عابرة للانشطار التقليدي القديم بين كتلة غربية وأخرى شرقية.
وهذه سطور تولي أهمية عالية، حتى إذا بقيت محدودة التجسيد على أرض الواقع، لكلّ وأيّ جهد يسعى إلى تنويع الاستقطابات الكونية، أو الحدّ من القطبية الواحدة التي تتزعمها الولايات المتحدة وشركاؤها في الغرب. لكنّ توخّي الأهمية لا يصحّ أن يطمس حقائق الانقسامات العميقة، عمودية كانت أم أفقية، بين الدول الخمس المكوّنة لمجموعة الـ»بريكس» مقابل الوئام والتفاهم والتكامل بين الدول الأبرز والأكثر تقدماً ضمن مجموعة الـ20، من جانب أوّل؛ وأمّا من جانب ثانٍ، لا يقلّ تأثيراً على المنطق العامّ لاصطفافات مجموعات كهذه، فهو شهية هذه الدولة أو تلك ضمن الـ»بريكس» للحلول محلّ الولايات المتحدة في ممارسة الهيمنة والتفرّد والقطبية الأحادية.
ليس مفاجئاً، بالتالي، أن يحاول الرئيس الصيني شي جين بينغ تصدّر قمّة جوهانسبرغ حتى قبل انعقادها، والقيام بزيارة رسمية استباقية لجأ فيها إلى خطاب استنهاض الأمم الأفريقية ضدّ «نير الاستعمار» وتراث الحرب الباردة وتنزيه بلاده عن أيّ مطمع سوى الأخذ بيد الدول النامية نحو التطوّر والتقدّم. مدهش، في مقام أوّل شكلي لكنه ليس متجرداً من المغزى، أنّ تلك الخطبة (الإيديولوجية والتنظيرية، بامتياز) لم يُلْقها بينغ بنفسه، بل عهد بالمهمة إلى وزير التجارة في حكومته؛ لأسباب سوف تظلّ غامضة حتى يشاء الرئيس الصيني إماطة اللثام عنها. أم لعلّ عيار المجاز الثقيل في الخطبة (من طراز مناشدة الأمم «ألا تسير في نومها إلى هاوية حرب باردة جديدة»!) أو تصوير الصين كـ«قوّة استقرار» مضادة لـ«مبادرات محشوّة بالكلام المعسول المبهم» تتوجه نحو الدول النامية؛ هو الذي احتوى من المداهنة مقادير شاء بينغ ألا تُلصق بشخصه؟
من جانبه شاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يلقي كلمته بنفسه، عبر تقنية الفيديو، بسبب عدم حضوره جسدياً إلى جوهانسبرغ تفادياً لحرج مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية؛ غير عابئ بعواقب العيارات المجازية الثقيلة التي اتكأ عليها في تنبيه الأمم إلى أخطار حرب باردة جديدة، كانت وراء الحرب في أوكرانيا كما قال.
والرجل الذي تقصف قاذفاته المخابز والأسواق الشعبية والمشافي والمدارس ومخيمات اللجوء في الشمال السوري، والذي اجتاح أوكرانيا وضمّ جزيرة القرم ويلوّح بقضم المزيد في جورجيا، هو نفسه الذي يقول في خطابه: «نحن نتعاون على أساس مبادئ المساواة ودعم الشراكة واحترام مصالح بعضنا بعضاً، وهذا هو جوهر المسار الستراتيجي لمجموعتنا. وهو المسار الذي يلبي تطلعات القسم الأكبر من المجتمع العالمي، ما يسمى الأغلبية العالمية». بل هو، فوق هذا وذاك، زعيم الدولة التي سوف تحتضن قمة الـ«بريكس» المقبلة في قازان، تشرين الأوّل (أكتوبر) 2024، وتلك مفارقة أخرى إضافية إلى مسرح العبث الذي يكتنف غالبية القمم الكونية من هذا الطراز.

بوتين الذي تقصف قاذفاته المخابز والأسواق الشعبية والمشافي والمدارس ومخيمات اللجوء في الشمال السوري، والذي اجتاح أوكرانيا وضمّ جزيرة القرم ويلوّح بقضم المزيد في جورجيا، هو نفسه الذي يقول في خطابه: «نحن نتعاون على أساس مبادئ المساواة ودعم الشراكة واحترام مصالح بعضنا»

فإذا عاد المرء إلى قمّة «مجموعة الـ20» في بتسبرغ، فإنّ سمة المناخات العامة لم تكن إحياء أيّ رميم للحرب الباردة، بل على العكس كانت شيوع حال من الندب ولعق الجراح في أعقاب الأزمة العاصفة التي شهدت ما يشبه الانهيار التامّ للنظام المالي الكوني؛ وبدا جلياً أنّ الولايات المتحدة آخذة في التراجع المنتظم عن سياسات الحماية المتغطرسة التي سعت إلى فرضها على قمم سابقة في واشنطن ولندن. الأسباب كانت عديدة، على رأسها تناقض المصالح بين النخب الحاكمة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتعزّز مواقع الدول ذات الاقتصادات الناشئة في آسيا وأمريكا اللاتينية، والصين بصفة خاصة.
ولقد توفّر على هذا دليل بليغ تكفلت بتقديمه صحيفة «وول ستريت جورنال» حين أسدت إلى وزير الخزانة الأمريكي النصائح التالية: 1) لسنا في عقود الهيمنة، وتأزّم الاقتصادات الآسيوية، حين كانت الخزانة الأمريكية تسيّر اقتصاد الكون من خلال صندوق النقد الدولي؛ و2) لا مناص، استطراداً، من مراعاة مصالح اقتصادات الصين والهند والبرازيل، على حساب الحلفاء في أوروبا؛ و3) من الضروري منح هذه الدول قوّة تصويتية أعلى في اجتماعات صندوق النقد الدولي، على حساب حلفاء مثل فرنسا وألمانيا، وهذه المرّة عن سابق قصد، وبما يخدم مصالح الولايات المتحدة.
مصالح تطويق الأزمات البنيوية العميقة اقتضت، يومذاك، ما يشبه التلاؤم مع المعمار الوجودي لنشوء مجموعة (اقتصادية، جوهرياً) تضمّ الصين والبرازيل والهند؛ على نحو لا ينافس «مجموعة الـ20» بقدر ما ينتشل مصارفها العملاقة وبورصاتها المنهارة، ولتذهب الاعتبارات الجيو ـ سياسية إلى الجحيم، مؤقتاً على الأقلّ أو مرحلياً وبالتدريج. وثمة من ساجل، ليس من دون وجاهة منطقية في الواقع، أنّ البيت الأبيض أراد تثبيت قيمة رمزية خاصة حين اختار أن تكون مدينة بتسبرغ، عاصمة صناعة الفولاذ الأمريكية، هي التي تحتضن القمّة؛ بحيث يتذكّر الزعماء المشاركون أنّ اليد العليا ما تزال للصناعات الأمريكية، الثقيلة الكونية، والعملاقة العابرة للقارّات والأمم.
لم يكن مدهشاً، في المقابل، أنّ السحر انقلب على الساحر حين اتضح أنّ اضمحلال موقع المدينة على خريطة الاستثمارات الداخلية، ليس سوى التعبير الجلي عن صورة أخرى أعرض وأخطر هي اضمحلال الصناعات الأمريكية ذاتها على الخريطة الدولية. ليس أقلّ إدهاشاً أنّ الصين (التي تنبّه، اليوم، الأمم النامية إلى عدم المسير نائمة نحو الهاوية) حرصت على المساهمة النشطة في انتشال الاقتصاد الأمريكي من مآزقه، لا لأيّ اعتبار آخر يسبق حقيقة أنّ الدولار هو العملة التي تغطّي صادرات صينية بالمليارات.
وفي الخلاصات الجوهرية ذات الصفة النظرية، يُقال في تعريف الـ»بريكس» إنها مجموعة/ كتلة تستهدف تمثيل مصالح أمم ناهضة ونامية، وإطلاق نظام دولي جديد يُفترض أنه ينأى عن منظومات الحرب الباردة والكتلة الغربية الأمريكية مقابل الكتلة الشرقية السوفييتية. بعيداً عن التنظير، وأقرب إلى الواقع الفعلي، كانت هجمة كوفيد ـ 19 بمثابة الاختبار الأكثر جدية، أو بالأحرى التحدّي الملموس الميداني، لمدى قدرة المجموعة على التوحّد العملي والتكتل الإيجابي؛ خاصة وأنّ ثلاثاً من دولها المؤسِّسة (البرازيل والهند وجنوب أفريقيا) تصدّرت الدول الأكثر إصابة بالوباء. فهل اجتازت المحنة يومذاك، لجهة تصنيع اللقاحات وتأمينها لشعوبها أوّلاً، ثمّ للشعوب النامية الفقيرة تالياً؟ الإجابة ليست مخيبة للآمال فقط، بل هي ببساطة وجهة واقعية صارخة لتلمّس الحدود التي تُلزم الـ»بريكس» وتحجّم الأفعال في حقول اشتغالها المختلفة، في البنى التحتية التي تشمل اقتصاد الحياة اليومية وملفات الصحة والتعليم والتنمية…
وإلى حين فجر آخر يدشّن منطق عمل أكثر حيوية ونجاعة واستقلالاً، فإنّ قمم مجموعة الـ»بريكس» سوف تواصل التلاقي، بهذا المقدار أو ذاك، مع قمم «مجموعة الـ20»؛ على حساب غالبية ساحقة من الشعوب الأرض، التي في السفوح.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

واشنطن وموسكو وطهران:

عجائب الزوايا

صبحي حديدي

 

انفردت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية باقتراح حصّة الطرافة ضمن غابة الأخبار المتشابكة المتلاطمة القاتمة بصدد الحرب الروسية- الأوكرانية، فنشرت تقريراً نُسب إلى «مصادر مطلعة» مفاده أنّ الولايات المتحدة تضغط على إيران كي تتوقف الأخيرة عن بيع طائرات مسيّرة إلى روسيا؛ وأنّ الطلب جاء خلال مباحثات «تفاهم غير مكتوب» أوسع نطاقاً بين البلدين، يستهدف «خفض التوتر».
والمرء لا يُكثر من استخدام أهلّة الاقتباس في الفقرة السابقة إلا لأنّ خلائط العجب والارتياب تطفو على سطوح المعاني والمفردات، من زاوية أولى بسيطة يمكن أن يصنعها تساؤل لا يقلّ بساطة: اشمعنى، كما قد يقول أشقاؤنا في مصر، وأيّ علاقات طيبة كريمة سمحة تجمع بين واشنطن وطهران حتى «تمون» الأولى على الثانية في وقف عقود السلاح، ومع مَنْ: قوّة عظمى نووية مثل روسيا؟ الزاوية الثانية قد لا تتوسل البساطة خلف سؤال آخر: لماذا تتوقف إيران، ومقابل ماذا من جانب واشنطن؟
صحيح، بالطبع، أنّ الأجواء الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران تتنقل من خطوة إيجابية في تبادل السجناء، ثمنها رفع التجميد عن 6 مليارات من الأموال الإيرانية في كوريا الجنوبية، وصولاً إلى «أخذ علم» أمريكي بأنّ طهران بصدد تخفيض جداول العمل في برنامجها النووي. ولكن الصحيح الموازي، ولعله الأصحّ هنا تحديداً، أنّ إيران ليست أقلّ من تركيا أو السعودية في مساعي «التنغيص» على واشنطن و/ أو التناغم مع الكرملين في تشكيل استقطابات موازية أو رديفة أو حتى منافسة.
وحين تطلب واشنطن امتناع طهران عن تزويد موسكو بالمسيّرات، التي استُخدمت وسوف تُستخدم في العمليات العسكرية الروسية داخل أوكرانيا؛ فإنّ المُطالِب الأمريكي يتناسى أنه، ذات يوم غير بعيد تماماً، تغافل عن تعاون عسكري روسي – إيراني وثيق في سوريا، بل وتواطأ على تحسين شروطه وقطف ثماره. الزمن كان صيف 2016، بعد أقلّ من سنة على التدخل العسكري الروسي المباشر لصالح نظام بشار الأسد، حين بدأ الطيران الحربي الروسي ينطلق من قاعدة همذان العسكرية الإيرانية، لقصف أهداف في سوريا؛ وأُتيح لقاذفة الـ
Tu-22M الروسية الستراتيجية أن تلقي 20 طناً مترياً من القنابل أو الصواريخ، ولا بأس أن تحمل أيضاً رسائل سياسية متعددة العناوين: إلى واشنطن، والحلف الأطلسي، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، وسوق النفط، وسوق السلاح…
وأمّا بمعزل عن هذا الاعتبار، وفي أسواق الرمزيات السياسية التي تُباع بسهولة لجمهور «الممانعة» في الشرق الأوسط وجمهور إحياء الإمبراطورية القيصرية في روسيا؛ فإنّ التعاون العسكري بين موسكو وطهران يروّج، عند العاصمة الأولى، لأطروحة القوّة الكونية الجديرة بمجابهة أمريكا والأطلسي خارج حدود جورجيا وأوكرانيا، ثمّ استطراداً خارج حروب أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية. في الترويج للأطروحة ذاتها، تذكّر العاصمة الثانية بأنها قوّة إقليمية عظمى، مستعدة للاتجار بالمصالح الكونية الجيو- سياسية مع قوى كونية أخرى غير أمريكا، وأنّ الاتفاق النووي الذي وقعته مع «المجتمع الدولي» ليس منتهى تلك التجارة، أو ليس ذروتها القصوى.
وهكذا، بين استمرار توكيل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بملفات تزويد سلال العالم الغذائية بالحبوب الأوكرانية، وبين مطالبة إيران بالتوقف عن تغذية الجيش الروسي على جبهات أوكرانيا بمسيّرات «شاهد» المتقدمة تكنولوجياً، وبين شحن القنابل العنقودية الأمريكية عالية الفتك والتدمير إلى الجيش الأوكراني؛ ثمة في الولايات المتحدة، ثمّ الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، تلك القواسم المشتركة العظمى لمبدأ «السياسة الواقعية»، الذي استسهل قاموس العلوم السياسية تنزيهه عن انتهاك القوانين ارتكاب الجرائم مقابل وظائفه الجليلة في خدمة المصالح.
والأرجح أنّ «فايننشال تايمز» فضّلت الإمعان في الطرافة وعدم إفسادها عن طريق تذكير القرّاء بأنّ بوتين كان ذات مرّة ضيف قمّة الأطلسي المدلل، وأن صفقة إيران – كونترا انطوت على شحنات أسلحة أمريكية إلى… طهران!

 

 

العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية:

حكاية )ثورة صامتة(

صبحي حديدي

 

في حينه، تشرين الأول (أكتوبر) 2021، شاءت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن تذهب بعيداً في المجاز، وربما في التفكير الرغبوي؛ فأطلقت صفة «الثورة الصامتة» على لقاء جمع وزراء خارجية الهند (سوبرامانيام جايشنكار) ودولة الاحتلال (يائير لابيد) والإمارات (عبد الله بن زايد) والولايات المتحدة (أنتوني بلينكن). والمحرر مبتكر هذا التوصيف لم يكن يبالغ، إلا في حشر مفهوم الثورة، لأنّ النقلات المتعاقبة التي شهدتها العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية (منذ استئنافها في سنة 1992 بقرار من رئيس الوزراء الهندي الأسبق ناراسيما راو، ولكن في سنوات حكم رئيس الوزراء الحالي نارندرا مودي على وجه الخصوص) قفزت من محطة دراماتيكية إلى أخرى؛ ولاح أنّ التعاون في ميادين الصناعات العسكرية والاستخبارات ومشاريع الريّ والطاقة محض واجهة لمطابقات أعمق وأكثر تجذراً في مسائل إيديولوجية أقرب إلى الثوابت في الفلسفة القومية «الهندوتية» من جهة، والصهيونية على اختلاف تياراتها من جهة أخرى.
ولا عجب خلف تفاخر إعلام دولة الاحتلال بما تحقق، ويواصل التحقق، في ميادين تعزيز العلاقات، فهذه هي الهند في نهاية المطاف: أوّل بلد غير عربي يعترف بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية، ويدمغ الصهيونية بالصفة العنصرية، ويتكاتف مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر في استبعاد دولة الاحتلال من حركة عدم الانحياز، ويميّز بصلابة (بصوت المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو) بين معاناة اليهود وزرع وطن لهم على أرض شعب آخر… فكيف بلغت الحال أنّ الهند تستلهم في احتلال منطقة كشمير ومصادرة حقوق سكانها، سياسات استيطانية وقمعية مماثلة لتلك التي يعتمدها الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة؟
الباحث عن إجابات شافية لأسئلة مثل هذه، وسواها أخرى كثيرة، يجد ضالته في كتاب الباحث من جنوب أفريقيا آزاد عيسى، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية ضمن منشورات بلوتو في لندن، تحت عنوان «أوطان معادية: التحالف الجديد بين الهند وإسرائيل»؛ لأنه، كما يطريه المفكر الأمريكي كورنل وست، «كتاب شجاع ولامع بمثابة معالجة حاسمة للتحالف المسكوت عنه بين جناح أقصى اليمين في الحكومة الهندية، وإسرائيل. هذا النصّ قراءة ضرورية حول القوى النيو ـ فاشية المتصاعدة في أزمنتنا العاصفة». فيض زاخر من التفاصيل والمعلومات والوقائع التي قد يكون الكثير منها طيّ الإغفال المتعمد، خاصة جهود «الوكالة اليهودية» عبر أمثال مارتن بوبر وألبرت أينشتاين لاستمالة غاندي بعد وعد بلفور؛ وغزارة أخرى ثمينة في المقارنات بين فلسطين وكشمير، والمجمّع الصناعي ـ العسكري بين تل أبيب ونيو دلهي، وقصة القرابة بين فلسفة «الهندوتفا» والصهيونية، ومجموعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة مقابل الشتات الهندي.

الهند، ما قبل مودي و«حزب الشعب الهندي» ظلت صديقة القضية الفلسطينية على نحو يعزّ العثور عليه عند العديد من الأنظمة العربية الحاكمة

لا يصحّ أن تُنسى هنا حقيقة أنّ العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية تعود، كما يبيّن الباحث المصري مدحت أيوب، إلى عقود بعيدة، وقد شملت ميادين السياسة والاقتصاد والأمن والتسليح، فضلاً عن السياحة والثقافة والتعاون التكنولوجي. ففي عام 1962، غداة اشتعال الحرب الهندية ـ الصينية، طلب نهرو مساعدة دافيد بن غوريون، رئيس وزراء دولة الاحتلال آنذاك، للحصول على أسلحة متطورة؛ وبعد ثلاث سنوات، عند اندلاع الحرب الهندية ـ الباكستانية، وصلت شحنات ضخمة من الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند. وعلى الصعيد الاقتصادي، يكفي التذكير بأنّ الميزان التجاري بين الهند والدولة العبرية بلغ 202 مليون دولار في العام 1992، ثمّ قفز إلى 1085 مليون دولار في العام 2000، وهو اليوم يعدّ 7,86 مليار دولار.
غير أنّ على المرء، والمراقب العربي بصفة خاصة، أن يتذكّر ثلاث حقائق أساسية في سياق مناقشة العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية، ضمن معطيات أخرى أقلّ شأناً. الحقيقة الأولى تقول إنّ الهند، ما قبل مودي و«حزب الشعب الهندي» ظلت صديقة القضية الفلسطينية على نحو يعزّ العثور عليه عند العديد من الأنظمة العربية الحاكمة. وثمة سجّل حافل يقول إنّ الهند صوّتت إلى جانب الفلسطينيين (وبالتالي ضدّ دولة الاحتلال) في عشرات القرارات التي تخصّ حقوق الفلسطينيين بصفة شاملة، ومسائل انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، وحقّ العودة، والسيادة الفلسطينية. الحقيقة الثانية هي أنّ نقلات كبرى في تطوير العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية تمّت خلال فترات حكم «حزب المؤتمر» وحين كان كبار رجالاته في سدّة الحكم (نهرو وأنديرا وراجيف غاندي)؛ وليس فقط في فترات حكم الأحزاب ذات التوجّه القومي الهندوسي. في عبارة أخرى، وعلى النقيض ممّا يزعم بعض المعلّقين العرب، ليس ثمة الكثير من المغزى في التركيز على العداء الهندوسي للإسلام بغية تفسير تطوّر العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية؛ ومن الخير، في هذا المثال كما في سواه بالطبع، التركيز على طبيعة المصالح المشتركة التي تكيّف سياسات الدول وتتحكم بخياراتها في المشهد العريض والتاريخي ـ التقليدي للعلاقات الدولية. وأمّا الحقيقة الثالثة فهي تلك التي تخصّ تشكّل محور أمريكي ـ إسرائيلي ـ هندي، شُرّعت أمامه أبواب أوسع بعد اتفاقيات أبراهام وتوطيد العلاقات الهندية -الإماراتية على وجه الخصوص.
ولا يجوز أن تُنسى، كذلك، تلك الحقيقة المركزية الكبرى التي تقول إنّ الهند ديمقراطية هائلة، بمعنى ضخامة المعطيات الديمغرافية بادئ ذي بدء: قرابة 900 مليون ناخب، ونحو مليون مركز اقتراع، وزمن التصويت سبع مراحل، على امتداد 39 يوماً؛ والإنفاق المالي على الحملات الانتخابية يصل إلى سبعة مليارات دولار، وكانت الهيئة الانتخابية قد صادرت مليار دولار من المصروفات غير الشرعية. في انتخابات سنة 2014، تحدثت الأرقام عن 551 مليون ناخب، صوّتوا في 930 ألف مركز اقتراع، واستهلكوا من حبر التصويت قرابة 15 ألف لتر!
انتصار مودي وحزبه في انتخابات 2019 شكّل انتكاسة نوعية جديرة بالتأمّل وأخذ الدروس، لدى كلّ حريص على ديمقراطية الهند ونظامها وأمثولاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإثنولوجية… فالمنهزم هنا لم يكن «حزب المؤتمر» وتراث السلالة الغاندية العلماني والليبرالي؛ والفائز لم يكن «حزب الشعب الهندي» بتوجهاته القومية والهندوسية، رغم صحّة هذه الخلاصة في صناديق الاقتراع؛ وإنما الخاسر المشترك الأعظم هو تلك الأمثولات الكبرى التي صنعتها الهند في التاريخ الحديث للمجتمعات والدول النامية، أو شعوب ما بعد الاستعمار في التوصيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي الأدقّ، أو حتى البلدان النامية والعالمثالثية حسب تعريفات الماضي وأواسط القرن المنصرم.
والخلاصة المشروعة قد تكون تلك التي تضع «الثورة الصامتة» في العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية الراهنة، على موازين أرباح لحكومة مودي ودولة الاحتلال، مقابل خسائر للديمقراطية الهندية وعلاقتها بالقضية الفلسطينية. وفي تصدير الفصل الأخير من كتابه، المخصص للمقارنة بين احتلالين في فلسطين وكشمير، يحرص آزاد عيسى على اقتباس نوام شومسكي: «إنهما [حكومة مودي ودولة الاحتلال] أشبه بيَدٍ في قفاز»؛ ولم تكن فضيحة الشطر الهندي من استخدام أجهزة تجسس «بيغاسوس» الإسرائيلية (أكثر من 50 ألف هاتف تمّ التجسس عليها، واللائحة تبدأ من زعيم المعارضة راهول غاندي ولا تنتهي عند الروائية أرونداتي روي) سوى فصل واحد إضافي في مسرح التعاون الوثيق. وكما تواصل دولة الاحتلال جهودها المحمومة لتهويد فلسطين، فإن حكومة مودي تسابقها في قسر الهند داخل هوية هندوستانية قومية متشددة.
وفي سنة 2017، خلال زيارة «تاريخية» إلى نيودلهي، توجّه بنيامين نتنياهو بالشكر إلى مضيفه مودي، ليس على تطوير العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية، فقط؛ بل كذلك لأنّ الأخير ساعده، ويساعده، على اختراق أسوار… أفريقيا!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

لبنان القضاء

وشاحنات القدر

 

صبحي حديدي

 

أقدار اللبنانيين أعربت عن بعض عجائبها مؤخراً من خلال واقعة الشاحنة المحمّلة بذخائر «حزب الله»، وتكشفت على نحو دراماتيكي تعجز المصادفات عن اجتراحه: الشاحنة انقلبت في منطقة الكحالة، التي لا تفتقر إلى المخزون الرمزي المسيحي؛ وخلال المناوشات، بين الأهالي ومرافقي الشاحنة، سقط قتيل أوّل مقرّب من «التيار الوطني الحر»، حليف الحزب الوحيد داخل الصفّ المسيحي؛ وسقط قتيل ثانٍ، من أفراد الحزب.
لا حاجة، في صدد كهذا، إلى استعادة أية جزئية رمزية تخصّ الجيش اللبناني أو مخابراته أو مفارز التحقيق الجنائي المرتبطة به، فالسيناريو معروف متكرر كلاسيكي لجهة تجرّد هذا الجيش من أي، وغالباً: كلّ، صلاحية قرينة بأدواره الأمنية والعسكرية؛ ما دام الأمر يتصل بسلاح «حزب الله»، أو حتى بعربدة بعض عناصره في ميادين الاغتيالات الفردية واستهداف النشطاء، والدوس على القانون بالأقدام تارة أو بالأعلام الصفراء/ الخضراء تارة أخرى. وليس هذا لأنّ رمز سيادة لبنان وصلت طلائعه بعد نحو 3 ساعات من وقوع الواقعة، بل أساساً لأنّ مجرّد الركون إلى الرمزية هنا يصبح أقرب إلى اقتراح مشهد لا يُضحك، في مسرح كوميديا السلوك.
طريف إلى هذا أن يجنح كبير كبار التيار، الرئيس السابق ميشيل عون، إلى الحكمة والتهدئة والتعقل، فيُرجع الواقعة إلى قوى عليا فوق إرادة البشر، محذراً من تحويل الشاحنة المنقلبة إلى فتنة: «شاء القضاء والقدر أن تقع حادثة الأمس في الكحالة، وتطوّرت تداعياتها، وكاد التحريض والاستثمار أن يجعلا منها مدخلاً لفتنة نعرف كيف تبدأ ولا نعرف كيف تنتهي». والعاجل المطلوب، في نظره، هو «التهدئة بدل التحريض، ومدّ جسور الثقة بدل بثّ سموم الكراهية». غير أنّ البيان الرسمي الذي أصدره التيار لم يستطع تجاهل احتقان أهالي الكحالة، فاعتبر الواقعة «جرس إنذار للخطر المحدق بدولة تتحلّل ومجتمع يتشنّج»، محملاً حليفه مسؤولية «قصور» تسبب في سقوط ابن الكحالة المسيحي.
ليس أقلّ طرافة أنّ الحزب، عبر بيان أصدرته «كتلة الوفاء للمقاومة» دون سواها، عزف من جانبه الأنغام المعتادة ذاتها بصدد «موتورين ينتمون إلى ميليشيا مسلّحة» ارتكبوا «اعتداء موصوفاً»، هو «نتاج التحريض والتعبئة الغبيّة والحاقدة التي تشكّل مادّة فتنويّة». وهذا نحت جديد نسبياً، يبتعد في كثير أو قليل عن مفردة الفتنة كما استخدمها عون، ولكنه يقترب (كثيراً، هذه المرّة!) من تحميل التيار الحليف مسؤولية ضبط أنصاره بعيداً عن تأثيرات قوى مسيحية أخرى تتقصد الفتنة. وأمّا اللافتة التي احتشد خلفها جمهور الحزب، فإنها قالت «السلاح دفاعاً عن السلاح»؛ وبذلك انتفت الحاجة إلى تبيان سبب توجّه شاحنة السلاح إلى بيروت، وعفّت عن التذكير بغزوة الحزب في العاصمة يوم 7 أيار (مايو) 2008.
«الدولة»، أياً كان المعنى الملموس أو الغائم الذي تبقى من وجودها، تنتقل من شغور إلى آخر، في تعاقب خالٍ حتى من العواقب الإدارية أو البيروقراطية: لا رئيس جمهورية، منذ تسعة أشهر؛ وحكومة تصريف أعمال، عمرها 14 شهراً؛ وحاكم مصرف مركزي يغادر إلى التقاعد، بعد أن أبلى أحسن البلاء في خسران العملة الوطنية أكثر من 90% من قيمتها؛ وقائد للجيش، ينتظر مغادرة مقرّه مطلع السنة المقبلة، وتسمية خَلَفه دونها خرط القتاد. وحين استغرقت «الدولة» ثلاث ساعات قبل الوصول إلى موقع انقلاب الشاحنة، فلأنها لا تصمت عن سلاح «حزب الله» إلا لأنّ الحزب لا يصمت على فساد أركانها فحسب، بل هو شريك مشترك فيه أيضاً.
وتبقى ماثلة سطوةُ البُعد المأساوي في تزامن الأقدار والمصادفات، كأنْ تحلّ ذكرى مرور ثلاث سنوات على جريمة انفجار مرفأ بيروت (أكثر من 220 ضحية وآلاف الجرحى)؛ ولا حياة لمَن تنادي في علاقة «الدولة» العتيدة إياها بأية محاسبة أو قضاء، أو حتى… قدر!

 

عمران خان: أيّ باكستان

في مكاييل واشنطن؟

صبحي حديدي

 

أمر طبيعي، في السياسة على وجه الخصوص، أن يكون ما هو وراء الأكمة أبعد في الدلالات والطبائع والآثار مما هو ظاهر متاح أمامها؛ والحال الراهنة لرئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان ليست نموذجاً كلاسيكياً متكامل العناصر فحسب، بل ثمة في مداخلها ومخارجها ما يشكّل نمطاً أعلى معيارياً لاندماج المحلي بالعالمي ومناهج القوى العظمى الكونية خصوصاً. وكي لا يجهد المرء كثيراً قبل استخلاص تفسير مبدئي للصمت الطبق الذي خيّم على عواصم مثل واشنطن ولندن وباريس وبرلين، إزاء اعتقال خان، الثاني مؤخراً بعد الأوّل في أيار (مايو) الماضي؛ يسير أن تُجرى مقارنة بسيطة مع الثورات الكلامية التي عمّت هذه العواصم، وسواها أخرى عديدة، عند اعتقال المعارض الروسي ألكسي نافالني.
للمرء إياه أن يمنح فضيلة الشك لصالح القضاء، وليس بالضرورة تلك المحكمة التي قضت بسجن خان ثلاث سنوات بتهمة بيع هدايا تلقاها خلال فترة رئاسته للحكومة بين 2018 و2022، وفي ملفات تقارب 150 قضية؛ بل المحكمة العليا التي سوف تنظر في طعن خان ضدّ حكم محكمة أدنى. وللمرء، في الآن ذاته، أن يستذكر عجز القضاء الباكستاني (والبعض لا يستبعد أنساق تواطؤ مبعثها ضغوط الأجهزة الأمنية وكبار الجنرالات) عن البتّ في نحو 10 آلاف حالة اعتقال لأنصار خان وأعضاء «حركة إنصاف» تحديداً؛ مضافة إليها معطيات ملموسة ترجح أن يكون خان السياسي الأقلّ فساداً في تاريخ باكستان المعاصر. وهذا قوس لا يُفتح على سبيل تبييض صفحة الأخير، بقدر ما يعيد التشديد على إشكاليات شتى اكتنفت القضاء في بلد امتهن جنرالاته الانقلاب تلو الآخر، من دون أن يكفوا عن ولاءاتهم المتينة لقوى كبرى خارجية بصفة عامة، والبيت الأبيض عبر البنتاغون والمخابرات المركزية بصفة خاصة.
ثمة، في حياة خان كرئيس حكومة، واقعة ذات مغزى بالغ الخصوصية، مقترنة بخطبة غير مألوفة من مسؤول باكستاني، أُلقيت من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول هوّة العدل والمساواة وحُسن تقاسم الثروات بين أثرياء العالم المصابين بالتخمة وفقرائه أسرى المجاعات. هنا فقرة، على سبيل تمثيل النبرة: «بسبب النهب الذي انخرط فيه العالم المتقدم عبر نُخَبه الحاكمة، تتزايد الهوّة بين البلدان الغنية والفقيرة بمعدلات تنذر بالأخطار. والمنتدى الأعلى الذي أطلقه الأمين العام، حول المحاسبة المالية والشفافية والنزاهة (
FACTI) استخلص 7 تريليونات من الثروات المسروقة المخزنة في مواقع «الملاذ» المالية. هذه السرقة المنظمة والتحويلات غير الشرعية للثروات كانت لها عواقب عميقة على الأمم النامية. لقد أنضبت مواردها الشحيحة أصلاً، وضاعفت مستويات الفقر خاصة حين تمارس الأموال المبيّضة ضغطاً على العملات الوطنية وتفضي إلى تخفيض قيمها».
إلى هذا كان خان معارضاً، صريح الخطاب والسلوك معاً، للحملة الشهيرة المسماة «الحرب على الإرهاب» التي دشنتها الولايات المتحدة وانخرطت فيها الغالبية الساحقة من الديمقراطيات الغربية؛ بمعنى أنه رفض تطبيقاتها في أفغانستان والباكستان، وأدان مختلف العمليات العسكرية المقترنة بها من الاجتياح المباشر إلى القتل عبر الطائرات المسيّرة؛ وصمد في مواقفه المساندة للشعب الفلسطيني وقضاياه (رغم أنّ الضغوطات عليه لمحاباة دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تأت من بعض جنرالات الجيش الباكستاني أو من واشطن وأصدقاء الكيان الصهيوني فقط، بل كذلك من دول خليجية وإسلامية هرولت إلى التطبيع)؛ وكان أوّل مسؤول باكستاني رفيع يطرح قضية كشمير على قاعدة منح الكشميريين حقّ تقرير المصير؛ كذلك نظر إلى علاقات بلده مع كلّ من إيران والصين من زاوية جوهرية مفادها أنّ الباكستان دولة آسيوية أوّلاً، وأنها استطراداً معنية بتوازن العلاقات الدولية على ركائز أخرى غير هيمنة القطب الواحد في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتكنولوجيا.

عجز القضاء الباكستاني (والبعض لا يستبعد أنساق تواطؤ مبعثها ضغوط الأجهزة الأمنية وكبار الجنرالات) عن البتّ في نحو 10 آلاف حالة اعتقال لأنصار خان وأعضاء «حركة إنصاف» تحديداً؛ مضافة إليها معطيات ملموسة ترجح أن يكون خان السياسي الأقلّ فساداً

هذه «آثام» عظمى، لعلها ترقى إلى «الكبائر» في ناظر النُخب التي أشار إليها خان، الحاكمة في الولايات المتحدة وأوروبا؛ وأمر طبيعي، بالتالي، ألا تنظر إلى توقيفه وسجنه من أية زاوية حقوقية أو قانونية تتطلب الموازنة مع أمثال نافالني؛ بل قد يجوز الافتراض بأنها سعيدة، على نحو أو آخر، بأنه سوف يُغيّب عن ساحة الانتخابات المقبلة في الباكستان، وعن الساحات الإقليمية والدولية أيضاً. وأية حصيلة لتاريخ العلاقات الأمريكية ــ الباكستانية سوف تسجّل أنّ انفتاح الإدارات الأمريكية المختلفة على ضباط الأمن في الباكستان اقترن على الدوام بإهمال ضبّاط الجيش النظامي؛ وأسفر، بالتالي، عن تغريب قيادة الجيش، ودفعها أكثر فأكثر إلى الحاضنات الأخرى المؤهلة لاستيعاب هواجس العسكر: الحاضنة القومية (حيث ملفات كثيرة تخصّ النزاع مع الهند حول كشمير)؛ والحاضنة الإسلامية (تحت تأثير الثقافة التقليدية غير العلمانية لمؤسسات الجيش، على نحو خاصّ)؛ والحاضنة السياسية والحزبية، التي كانت تجد مرجعية دائمة في وضعية انعدام الاستقرار ولعبة الكراسي الموسيقية بين «حزب الشعب» و«حزب الرابطة الإسلامية».
وفي أواخر التسعينيات، حين اندلعت أزمة التجارب النووية بين الهند والباكستان، كان رئيس الوزراء الباكستاني يومذاك، نواز شريف، قد رضخ لطلب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، فصرف النظر عن معاملة الهند بالمثل، وأوقف تنفيذ تجارب نووية باكستانية. لكنّ الجنرال جهانجير كرامات، قائد الجيش الباكستاني في حينه، أبلغ شريف امتعاض الجنرالات من هذا القرار وإلحاح الجيش على تنفيذ تجارب نووية؛ بل وأطلق تصريحات ضدّ مؤسسة رئاسة الوزراء اعتبرها شريف كافية لإقالته واستبداله بجنرال «طيّب» و«منضبط» و«غير مسيّس» هو… برويز مشرّف! ولقد استغلّ الأخير الفوضى السياسية، وضيق الشارع من الفساد، وأزمة التجارب النووية مع الهند، كي يستكمل انقلابه العسكري وينقضّ على الدستور.
كذلك يسجّل التاريخ ذاته، المعاصر منه خصوصاً، أنّ إدارات أمريكية سابقة، جورج بوش الابن وباراك أوباما، لم تكن سعيدة بخيارات باكستان في عدم الضرب بقوّة كافية ضدّ جيوب الطالبان، وحلفائهم، داخل الأراضي الباكستانية؛ ولا بصعود حزب «حركة إنصاف» على حساب الحزبَين التقليديين وتصاعد شعبية/ شعبوية خان، نجم لعبة الكريكت الدولي الأسبق. إلا أنّ أياً منهما لم يقطع الشعرة الحاسمة مع إسلام آباد، خاصة تلك التي تربط جنرالات الأمن الباكستاني بجنرالات البنتاغون والمخابرات المركزية حيث الذكريات عطرة طافحة بالتعاون المثمر ضدّ السوفييت في أفغانستان؛ لكنّ دونالد ترامب شذّ عن القاعدة، وغرّد هكذا: «بحماقة قدّمت الولايات المتحدة إلى الباكستان 33 مليار دولار من المساعدات طيلة 15 سنة، ولكنهم لم يعطونا أي شيء سوى الأكاذيب والخداع، ظانين أنّ قادتنا حمقى. إنهم يوفرون الملجأ الآمن للإرهابيين الذين نطاردهم في أفغانستان، مع قليل من العون. كفى!».
وتلك الـ»كفى» تبدو اليوم سياسة رسمية للبيت الأبيض، خالية من التغريدات ولكنّ وضوحها بليغ تماماً من خلال صمت الإدارة الراهن تجاه الباكستان: ليس في ما يخصّ عدم وضع خان على قدم المساواة مع نافالني، ولكن أيضاً إزاء عبث رئيس الوزراء الحالي شهباز شريف بالاستحقاقات الدستورية، وحثّ رئيس الباكستان على حلّ مجلس النوّاب، واستكمال إحصاء إشكالي للسكان قد يؤثر في خرائط الانتخابات التشريعية المقبلة، وصولاً إلى دفع إجراء الانتخابات أبعد من موعدها المقرر الخريف المقبل…
كل هذا لا يجعل من خان ضحية أمريكية/ غربية، بالطبع؛ ولكن لا ينفي عنه صبغة ساسة من أمثال ابن بلده ذو الفقار علي بوتو، أو ابن جيرانه الإيراني محمد مصدق، لجهة كيل واشنطن بمكاييل شتى متضاربة متناقضة.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

أفريقيا والقوى العظمى:

انقلابات وطرائف سوريالية

صبحي حديدي

 

في وسع امرئ أن يبدأ من إحصائيات بسيطة، لكنّ دلالاتها وافرة ومتعددة الجوانب: القمة الروسية – الأفريقية التي احتضنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بطرسبورغ مؤخراً، اجتذبت 21 رئيساً أفريقياً، مقابل 45 في قمةّ مماثلة انعقدت سنة 2019؛ وفي المقابل، نجح الرئيس الأمريكي جو بايدن في جمع 50 من ضيوفه الأفارقة، خلال قمة التأمت أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي. هذه خارطة تعكس تقاسم النفوذ الراهن بين واشنطن وموسكو، على أصعدة سياسية واقتصادية واستثمارية وعسكرية وأمنية؛ تغيب عنها حصص فرنسا، ذات الماضي الكولونيالي العريق في القارّة، وصاحبة العدد الأكبر من أشكال التدخّل في شؤون البلدان الأفريقية. كذلك تتوارى أنساق النفوذ الصيني، وإنْ كانت تحضر فعلياً على الأرض وفي قلب المنافسات الاستثمارية الضارية، رغم الغياب الشكلي عن الحصص الظاهرة على الخارطة.
في جانب آخر، لم يكن من دون مغزى خاصّ أنّ قمة موسكو لم تكد تختتم جلساتها حتى هبّ جنرالات النيجر وأطاحوا برئاسة المدني المنتخب محمد بازوم، وسجلوا بذلك الانقلاب السابع في القارة خلال أقلّ من 3 سنوات؛ فحذوا في النهج الانقلابي حذو رفاقهم في السلاح، جنرالات مالي وبوركينا فاسو وغينيا وتشاد والسودان؛ وكانوا على نحو أو آخر يقتفون أثر الرئيس التونسي قيس سعيّد، أستاذ القانون الذي بزّ غالبية العسكر الانقلابيين في القارّة.
طريف، في مغزى ثالث، أنّ المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الـ»إيكواس») سارعت إلى إطلاق وساطة بين رئيس البلاد والمجلس العسكري الانقلابي في النيجر، ولكن اختيارها وقع على محمد إدريس ديبي، الرئيس الانتقالي التشادي الذي كان هو نفسه قد انتزع السلطة عبر انقلاب؛ ولم يكن عجيباً بالطبع، بقدر ما كان سوريالياً، أن يدعو الانقلابي إلى… إعادة الحياة الديمقراطية والدستورية في النيجر!
طرفة أخرى، لا تغيب عنها خلائط سوريالية من طراز هو الأشدّ ابتذالاً في علاقات القوى العظمى بالقارة الأفريقية، تمثلت في أنّ يفغيني بريغوجين، قائد ميليشيات «فاغنرّ»، كان أحد نجوم قمة بطرسبورغ الروسية – الأفريقية؛ في غمرة تهليل وترحيب من جانب بعض انقلابيي القارّة، ممّن يتطلعون إلى خدمات مرتزقته، طال الزمان أم قصر. وهكذا لم يفوّت بريغوجين فرصة مديح جنرالات النيجر الانقلابيين، وفي الآن ذاته الإعراب عن مزيد من مظاهر الولاء لعرّابه سيّد الكرملين، وكأنه لم يكن الآمر بالزحف نحو موسكو قبل أسابيع معدودات.
أمّا التواجد الأمريكي في القارّة، العسكري منه على وجه التحديد، فإنه بدأ ويتواصل كإرث مستدام لشراكة واشنطن مع الحلف الأطلسي في تشكيل القيادة الأمريكية الأوروبية، أو الـ
EUCOM؛ وشقيقتها القيادة الأمريكية الأفريقية، أو الـAFRICOMP ولا يغيب هنا المعنى الخاصّ خلف اختيار مدينة شتوتغارت الألمانية مقرّاً لرئاسة أركان هذه القيادة الأخيرة، بالنظر إلى اعتذار 54 دولة أفريقية عن استقبالها، فالتنافس بين القوى العظمى محتدم على قدم وساق! ولا عجب أن تجلي فرنسا رعاياها من النيجر، ولا ترى واشنطن أيّ سبب للقيام بالإجراء ذاته، متكئة على قاعدة عسكرية للطائرات المسيّرة، وإلى عديد من 1000 جندي أمريكي، واطمئنان إلى واردات الأورانيوم من النيجر.
وقد يصحّ هنا استذكار مواقف الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إزاء مفهوم أفريقيا، والتي انطوت على إدراك إشكاليات الموقع والانتماء، وظلت تتأرجح بين القطب الآسيوي (ثم العربي والإسلامي، استطراداً) الذي انخرطت فيه مصر والناصرية؛ والقطب الأفريقي، الذي اكتشفه ابن النيل وربيب الفلاحين والغيطان. المفارقة أنه لا العرب ولا الأفارقة كانوا أوّل مَنْ أدرك طبيعة الترابط الجدلي والوثيق بين الشرق الأوسط وأفريقيا، بل كانت القوى الإمبريالية الأوروبية هي السبّاقة إلى ذلك الإدراك الحاسم؛ فاشتغلت على توظيف دينامياته المختلفة، ولم تجد مشكلة في المزاوجة بين الانقلابات و… الطرائف السوريالية!

 

 

غوانتانامو: عار

أمريكا الشنيع المستدام

صبحي حديدي

 

في لندن تشكلت مؤخراً مجموعة برلمانية باسم «إغلاق منشأة اعتقال غوانتانامو» متعددة الأحزاب لأنها تضمّ أعضاء في مجلس العموم من مختلف الأحزاب البريطانية، بما في ذلك حزب المحافظين الحاكم؛ هدفها، الأوحد تقريباً، هو ما يعلنه اسمها بصدد المعتقل الأمريكي الذي قد يكون الأسوأ سمعة في أيّ نظام يزعم الاستناد على منظومات القضاء الحرّ والمستقل. وقبل أيام عقدت المجموعة اجتماعاً دعت إليه عدداً من المشتغلين بالقانون وحقوق الإنسان، فضلاً عن اثنين من معتقلي غوانتانامو السابقين: معظّم بيك، البريطاني من اصل باكستاني ومؤلف الكتاب الشهير «محارب العدو: اعتقالي في غوانتانامو وباغرام وقندهار» 2006؛ ومحمدو ولد صلاحي، الذي كتب «مذكرات غوانتانامو» وألهم الفيلم الهوليودي «الموريتاني» 2016.
قبلئذ، في في نيسان (أبريل) هذه السنة، كان باتريك هاملتون، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الولايات المتحدة وكندا، قد قام بزيارة إلى معتقل غوانتانامو أصدر بعدها بياناً رسمياً يطالب سلطات المعتقل الأمريكية بسلسلة من الإجراءات التي تحسّن ظروف الاحتجاز في الحدود الدنيا داخل المعتقل؛ وكذلك شروط تواصل المعتقلين من أقربائهم في الخارج، خاصة مدد المكالمات الهاتفية بالنظر إلى استمرار منع الزيارات؛ فضلاً عن ضرورة الإسراع في تجاوز الاستعصاء السياسي والإداري بصدد مسؤولية نقل المعتقلين المستحقين وتقرير مصير جميع المعتقلين الآخرين. وكتب هاملتون، بنبرة لا تغيب عنها روحية التهذيب واللباقة بالطبع: «ندعو الإدارة الأمريكية والكونغرس إلى العمل معاً لإيجاد حلول ملائمة وفعالة لمعالجة هذه المسائل. يتوجب اتخاذ الإجراءات العاجلة وذات الأولوية. وإذا كان وارداً الإبقاء فترة أطول حتى لعدد قليل من السجناء، فإنّ التخطيط لأوضاع كبار السنّ بينهم لا يمكن أن يحتمل الانتظار».
قبل اجتماع لندن وزيارة هاملتون، في آذار (مارس) هذه السنة أيضاً، صدر تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حول «تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب»؛ الذي رفعته إلى المجلس فيونوالا ني أولاين، المقررة الخاصة. وإذْ يذكّر التقرير بتوصيات سابقة تعود إلى سنة 2010، بصدد حالات واضحة لارتكاب جرائم حرب وجرائم بحقّ الإنسانية، فإنه يسجّل المزيد من الإخفاق في تكرار الممارسات ذاتها، وتكريس الإفلات من العقاب، والإمعان في تنويع أشكال التعذيب المنهجي، والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية، والتحايل على الحماية القانونية المطلوبة، وتطبيع الاحتجاز الجماعي دون إجراءات قانونية… وكلّ هذه الانتهاكات، وسواها كثير أوسع نطاقاً وتنويعاً، تتمّ تحت ستار مكافحة الإرهاب؛ كما يقول التقرير.
يًذكر هنا أنّ ثلاثة رؤساء أمريكيين، جورج بوش الابن (نفسه مؤسس المعتقل، وسجّانه الأبرز) وباراك أوباما وجو بايدن، تناوبوا على قطع الوعود بإغلاق المعتقل؛ وتذرّع كلّ منهم بهذا المقدار أو ذاك من الأسباب للتملّص من التعهدات، حتى بعد صدور فتوى المحكمة العليا في الولايات المتحدة (بأغلبية 5 إلى 4 فقط، مع ذلك!) حول الحقوق القانونية للمعتقلين بصدد مراجعة المحاكم الفدرالية ونقض قانونية المحاكم العسكرية وإلزام الحكومة الأمريكية بتقديم موجبات التوقيف خارج إطار التذرّع بدواعي الأمن القومي. ولهذا فإنّ المعتقل يواصل البقاء كوصمة عار صريحة وفاضحة، مستدامة ومفتوحة، هي الأشنع حتى إشعار لا يلوح البتة أنّ نهايته وشيكة، من جهة أولى؛ كما لا يتوفر أساس سياسي، مرتكز إلى قانون مُلزم بالتالي، يتيح للكونغرس والبيت الأبيض (مجلس الأمن القومي، وزارة العدل، والبنتاغون…) حلّ سلسلة الاستعصاءات التي تكتنف مشاريع إغلاق غوانتانامو، من جهة ثانية.

معتقل غوانتانامو يواصل البقاء كوصمة عار صريحة وفاضحة، مستدامة ومفتوحة، هي الأشنع حتى إشعار لا يلوح البتة أنّ نهايته وشيكة

ليست أقلّ مدعاة للعجب حقائق العدد الفعلي الراهن للمعتقلين، وتصانيف أوضاعهم «القانونية» وما يترتب على ما تبقى في المعتقل من تدابير ذات صلة بما عُومل به أقرانهم الذين غادروا في السابق. زنازين غوانتانامو تحتجز، اليوم، 30 معتقلاً فقط؛ 16 منهم لم تُوجّه إليهم أيّ تهم بتشكيل أخطار أو تهديدات على الأمن القومي الأمريكي، ومع ذلك يتواصل احتجازهم، وقد يتقرر في أيّ وقت ترحيلهم إلى وجهة ما خارج غوانتانامو والولايات المتحدة، وقد تكون أيّ دولة أخرى بالإضافة إلى الإمارات العربية المتحدة، كازاخستان، سلوفاكيا، صربيا… 3 سجناء في حال معلّقة عند فراغ قانوني مطلق: لا اتُهموا بتهمة من أيّ نوع، ولا تمّت تبرئتهم من أية جناية. 10 سجناء ينتظرون المحاكمة، ولا أحد يعرف متى وأين ولماذا؛ وسجين واحد حُوكم وأُدين، ولكنه يبقى قيد الاعتقال إلى مدّة غير محددة. ومجموعة لندن البرلمانية، مثل دعاة المنطق البسيط السليم والحدود الدنيا لأصول المقاضاة وسيادة القانون، تطرح السؤال البسيط: حتام يبقى الـ16 موقوفاً قيد الاعتقال، وماذا ينتظرون؟
بعض الإجابة يمكن أن يُردّ إلى حقيقة أنّ المنطق البسيط شيء، ومنطق الإدارات الأمريكية شيء آخر مختلف تماماً؛ وخذوا، في تفكيك قسط من دلالة هذه المعادلة، ما صرّح به سناتور ديمقراطي في سنة 2005: «أظن أننا يتوجب أن ننتهي إلى إغلاق المعتقل، ونقل السجناء. أولئك الذين لدينا أسباب للإبقاء عليهم، نبقيهم. وأولئك الذين ليسوا في هذه الحال، نطلق سراحهم»؛ ثم انتبهوا إلى أنّ السناتور القائل ذاك لم يكن سوى جو بايدن، الرئيس الحالي للولايات المتحدة! أمّا بعض الإجابات الأخرى فإنها تردّ الأسئلة إلى حيثيات تأسيسية نهضت عليها فكرة إنشاء المعتقل، وانبثقت اصلاً من ركائز كبرى أسست للإمبراطورية الإمبريالية الأمريكية.
بين هذه، على سبيل الأمثلة، أنّ غالبية المعتقلين احتُجزوا أوّلاً في أفغانستان، وبعضهم نُقل إلى المعتقل ضمن «تكنيك» الخطف غير الشرعي الذي مارسته وكالة المخابرات المركزية هنا وهناك في مشارق الأرض ومغاربها؛ وجميعهم تعرّضوا لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي (ليس أقلّها قسوة الحرمان من كتابة وتلقي الرسائل…) فضلاً عن الإهانة والتحقير والقهر المتعمد، والتقييد بالسلاسل، وإجبار المعتقل على ارتداء نظارات معتمة. وبالرجوع إلى بعض وقائع اليوميات التي دوّنها المعتقل البحريني جمعة الدوسري ونشرتها منظمة العفو الدولية، أكد الرجل أنّ القوات الباكستانية كانت قد باعته إلى المخابرات الأمريكية لقاء حفنة دولارات، وأنه خضع للاستجواب 600 مرّة، ووُضع في زنزانة منفردة من دون تهمة، وتعرّض لتهديدات بالقتل. كما مورست عليه سلسلة ضغوط نفسية أثناء جلسات التحقيق، بينها إجباره على الاستماع إلى موسيقى صاخبة، وتركه موثوقاً لساعات طويلة في غرفة باردة جداً من دون ماء أو طعام، وتعريضه للإذلال بواسطة جندية لا ترتدي سوى ملابس داخلية، ثمّ إجباره على مشاهدة مجلات بورنوغرافية.
والمعتقل، الذي غصّ منذ افتتاحه في 11/1/2002 بما مجموعه 780 معتقلاً من 35 جنسية، شهد وفاة 9 من المعتقلين قضوا مرضاً أو بسبب التعذيب الوحشي أو الانتحار. السجين الواحد يكلّف دافع الضرائب الأمريكي 12 مليون دولار سنوياً، وأمّا منشأة المعتقل ذاتها فإنها تكلّف 540 مليون سنوياً؛ وعلى صعيد «سمعة» الولايات المتحدة كدولة قانون ورافعة رايات حقوق الإنسان، فإنّ المعتقل فضيحة مفتوحة لا تعكف على تناولها المنظمات الحقوقية الدولية وحدها، بل سبق أن اعترفت بعواقبها الفاضحة مذكّرة وقّعها 24 من كبار أعضاء الكونغرس الديمقراطيين. وإذْ أتمت الولايات المتحدة انسحابها من أفغانستان، على النحو المثقل بعلامات الخزي والاندحار والاستفهام، فإنها تظلّ غير راغبة في، لأنها في الواقع ليست عاجزة، عن إغلاق المعتقل سيئ الصيت؛ بعد انقضاء أكثر من 21 سنة على إنشائه.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

حرسي علي:

 رائجة… وتتمدّد!

 صبحي حديدي

 

ليس هنا المقام المناسب لأيّ مقدار من الإسهاب في شرح «نزعة الإيقاظ»، أو «الصحوة»، أو الـWokeism في الأصل الإنكليزي؛ ذلك المصطلح الذي عاد إلى البروز بقوّة في الولايات المتحدة ابتداء من سنة 2010، وتبلور أكثر على خلفية احتجاجات فيرغسون سنة 2014 وما ترافق معها من صعود تيّار «حياة السود مهمة». تكفي إشارة وجيزة هنا، أنّ التسمية صارت توصيفاً متكامل الأركان في قليل أو كثير، يخصّ الحقوق المدنية والجنسية مقابل ممارسات التمييز العنصري والجندري؛ واتخذت، استطراداً، صبغة يسارية وتقدمية فحُوربت سريعاً من أوساط اليمين، المعتدل والمتطرف على حدّ سواء، في أمريكا وأوروبا والغرب عموماً.
لم يكن غريباً، في فرنسا على سبيل المثال، أن يتكاتف في قدح الـ
Wokeism رجل مثل إريك زيمور، يميني متطرف وعنصري وانعزالي وكاره للإسلام والمهاجرين عموماً، ومرشح رئاسي فاشل؛ مع وزيرة التعليم العالي السابقة، فريديريك فيدال؛ ومعهما ينخرط في المعركة وزير التربية السابق جان – ميشيل بلانكير؛ وتنضمّ إلى الحملة إليزابيت مورينو، وزيرة التنوّع؛ والثلاثة تحت ظلّ الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون. وأمّا المتوقّع المنتظَر، ولا غرابة فيه البتة، فهو المعارك الطاحنة ضدّ تنويعات اليقظة والإيقاظ والصحوة، التي باتت الشغل الشاغل للهولندية/ الأمريكية/ الصومالية الأصل أعيان حرسي علي… دون سواها!
فهي، ضمن مقالات أقرب إلى كبسولات تنشرها مع ذلك كبريات الصحف الأمريكية والأوروبية، تذكّر أنها حذّرت مراراً من التنازع التناحري بين «قِيَم الإسلام الراديكالي» وبين الحداثة الغربية والنظم الديمقراطية؛ وليس صعود الـ
Wokeism الراهن سوى الطراز الأحدث ضمن أنساق شتى من تحدّي الحضارة الغربية، سواء تقنّع التيار – في نظرها، وطبقاً لتحليلاتها – بالدفاع عن السود أو المرأة أو الحقوق الجنسية، أو حتى سعى إلى فتح ملفات الصدام الحضاري القديم في إطار دراسات ما بعد الاستعمار. ولا عجب أنّ مطارحات حرسي علي تلقى حشود الآذان المصغية في عدد غير قليل من مراكز الأبحاث الغربية، التي تهجس بأخطار أقرب إلى الكوابيس الاستيهامية منها إلى أيّ تجسيد مادّي فعلي، مثل «اليسار الإسلاموي» و»النزعة الإسلاموية» ومخاطر «الاستبدال الديمغرافي».
مفيدة، ربما، استعادة شذرات قليلة من سيرة حرسي علي، دالّة وتكوينية ليس للوقوف على مفاتيح شخصيتها فقط، بل كذلك لاستبصار طبائع ما دلفت إليه من أبواب في السابق، وما تواصل التسلل إليه في الحاضر أو تنوي اقتحامه في المستقبل؛ لأنّ ما تبيعه من بضاعة، حسب مؤشرات متعاقبة منتظمة، رائج مرغوب، يتيح لها أن تتمدد باضطراد. ففي سنة 1992 وصلت إلى هولندا، وحصلت خلال زمن قياسي على اللجوء السياسي بسبب ما تردّد من تعرّضها لاضطهاد على يد الإسلاميين في الصومال؛ وفي 1997، مُنحت الجنسية الهولندية، دون مشكلات تُذكر، وخلال زمن ماراثوني بالقياس إلى الغالبية الساحقة من الحالات المماثلة؛ وفي 2002 ضمّها الحزب الليبرالي إلى لائحة مرشحيه للبرلمان، فاضطرت عندها إلى الإقرار بأنها قدّمت معلومات مضللة في طلب اللجوء والجنسية؛ وفي 2003، فازت في الانتخابات، وبعد سنة فقط ظهرت شبه عارية في شريط ثيو فان غوغ «خضوع»، الذي زعم تناول اضطهاد المرأة في الإسلام، وأسفر عن اغتيال الأخير واختباء حرسي علي بعد وضعها تحت حراسة أمنية مشددة.
الفصول اللاحقة شهدت معركة برلمانية حول سحب جواز سفرها، ثمّ استقالة النائبة العتيدة من البرلمان وإدارة الظهر للبلد بأسره، والهجرة إلى الولايات المتحدة للالتحاق بالمعهد الأمريكي اليميني المحافظ
The American Enterprise، حيث عُيّنت… خبيرة في شؤون الإسلام! ولن يطول الوقت حتى أنعم عليها أحد الناطقين باسم المعهد بلقب «ابنة الإسلام المتمردة على آيات الله»، غير خَجِل من هذا التخابث الرخيص في حشر تعبير «آيات الله» كيفما اتفق. أيّ مسار «مهني» و»أكاديمي» و»ميداني» أهّلها للعمل خبيرة إسلام ومسلمات ومسلمين، في معهد حصين منيع لا يدخله إلا ثقاة المحافظين والمرضيّ عنهم من أهل اليمين؟ أم لعلّ إدارة المعهد وقعت في غرام الدرّة النفيسة التي صاغتها حرسي علي، كتابها «العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل»، الذي عُدّ أحدّ أشدّ الكتب عن الإسلام ركاكة وغثاثة وتلفيقاً واختلاقاً وتنميطاً؛ وحيث مؤسسة الزواج في الإسلام اغتصاب دائم مرخّص له دينياً واجتماعياً، وعنف الرجل ضدّ المرأة جزء لا يتجزأ من واجبه الشرعي وفق أحكام الدين؟
المرء، بالطبع، لا ينكر حقّ حرسي علي في طلب اللجوء السياسي أو الإنساني على خلفية ما تعرّضت له في بلدها، وما يمكن أن تتعرّض له مثيلاتها هنا وهناك في العالم المسلم، وفي كلّ وأيّ عالم آخر، من تنكيل واضطهاد وقهر. وانتهاك حقوق المرأة في الإسلام، أو في أية ديانة أخرى، مسألة اجتماعية وتاريخية وثقافية خاضعة للسجال المشروع في كلّ زمان ومكان، وينبغي أن تكون حكايات نساء مثل حرسي علي عوامل مساعدة على نقاشها في أفق مفتوح، لا على حجرها في تنميطات مسبقة توظفها صناعة يومية تصنّع تأثيم الإسلام ثقافياً وسياسياً… أو متخصصة في استنساخ «خبيرات» لا يخرجن من القفص إلا للتجنّد ضدّ الـ
Wokeism، ومواظبة التمدّد!

 

 

المحكمة العليا الإسرائيلية:

دساتير «الجمهورية العبرانية»

صبحي حديدي

 

آلاف الإسرائيليين، الذين يواصلون التظاهر في تل أبيب والقدس ومدن أخرى، يدركون أغراض حكومة بنيامين نتنياهو من وراء تفكيك الأنظمة القضائية القائمة، وليسوا غافلين عن المخاطر الجسيمة التي تنتظر دولة الاحتلال إذا أقرّ الكنيست تلك التحوّلات؛ في ظلّ غياب دستور إسرائيلي. لكنّ فئة منهم، قليلة ضئيلة بالطبع، هي وحدها التي تستذكر سلسلة الحقائق الأعلى فاعلية واشتغالاً، حول الموقع القانوني والحقوقي للمحكمة ذاتها ضمن «النظام الديمقراطي» الإسرائيلي المزعوم، من جهة أولى؛ وحول الأسباب الجوهرية التي ساقتها التنظيرات الصهيونية المبكرة بصدد الامتناع عن وضع دستور للكيان منذ خطوات إنشائه الأبكر، قبل 1948 وما بعد، من جهة ثانية.
ليس مدهشاً، استطراداً، أن تتوفر أدبيات إسرائيلية كثيرة، في ميادين علوم الاجتماع والسياسة والقانون العام والحقوق المدنية، تثير تساؤلات جدية حول مقادير التطابق (بافتراض أنها موجودة أصلاً!) بين عناصر مثل تغييب الدستور، وهيمنة ما يُسمى بـ«القوانين الأساسية»، وأدوار المحكمة العليا؛ وهذه، وسواها، في العلاقة مع أيّ مفهوم للنظام الديمقراطي، ضمن فلسفاته الغربية التي تزعم دولة الاحتلال الانضواء في خلاصاتها. ثمة مؤلفات تساجل حول المفهوم العجيب المسمى «جمهورية عبرانية»، حيث المرجعية العليا هي التوراة والتاريخ العبراني القديم وبعض تعاليم التلمود وهذا أو ذاك من كبار ممثّلي شخصية الحاخام/ المحكّم. مؤلفات أخرى تميل إلى مصطلح «الديمقراطية الدفاعية»، حيث تخضع القوانين والتشريعات والأنظمة لاعتبارات عسكرية محضة، قد تقررها السلطتان التشريعية والتنفيذية من حيث الشكل ولكنها من حيث المضمون تتأتى من الاشتراطات العسكرية (والدفاع هنا لا يعني عملياً سوى الهجوم، غنيّ عن التذكير).
وإذا كان هذا النقاش، أو بعضه في كثير أو قليل، يخصّ آلاف المتظاهرين الإسرائيليين المصابين بـ«قلق وجودي» حول هذه الأنساق من «الديمقراطية» الإسرائيلية؛ فإنّ تلك الحفنة الضئيلة القليلة، في صفوفهم أو خارجها، لا تملك رفاه إنكار سمة مركزية كبرى مقترنة بالمحكمة العليا الإسرائيلية، وهي كونها أحد أذرع التكوين الاستعماري والاستيطاني والعنصري لدولة الاحتلال، وهي المكمّلة في السلطة القضائية لما يُسنّ ويُطبّق من جانب السلطتَين التشريعية في الكنيست والتنفيذية في الحكومات المتعاقبة أياً كانت طبائع ائتلافاتها.
للمرء أن يبدأ من المدماك الأكبر خلف هذه المعادلة، أي مصادقة المحكمة العليا على مبدأ الاستيطان، القائم أصلاً على مصادرة أراض واقعة تحت الاحتلال، وتهجير سكانها وملاّكها الفلسطينيين، وإسباغ الصفة الشرعية على البؤر الاستيطانية العشوائية. هذه، إذن، محكمة عليا تتولى قَنْوَنة دولة الاحتلال في غياب دستور ناظم، لكنها تنتهك اثنَين على الأقلّ من أبرز بنود اتفاقية جنيف الرابعة، 1949، التي تنظّم حماية الأشخاص المدنيين في أزمنة الحروب: حظر الترحيل القسري للمدنيين في المناطق المحتلة، وتحريم هدم مساكنهم. والمحكمة العليا الإسرائيلية لم تكتفِ بمنح الترخيص القانوني لسلطات الاحتلال في الترحيل والتهجير والطرد ومصادرة الأراضي وهدم البيوت فحسب؛ بل لقد حدث أنها، في مناسبات عديدة (ملفات تجمّع الخان الأحمر البدوي، شرق القدس، على سبيل المثال) لجأت إلى توبيخ الحكومة لأنها تتلكأ في طرد السكان أصحاب الأرض والممتلكات.
المحكمة العليا ذاتها، خلافاً للمنطق الكوني الأبسط في التقاضي والمساواة أمام القانون، تصادق على وجود قضائَين مختلفين للجناية الواحدة ذاتها؛ بمعنى أنّ الإسرائيلي يُحاكم أمام قضاء مدني بكلّ ما يكفله له القانون من حقوق، والفلسطيني يُحال إلى محكمة عسكرية إسرائيلية حيث القضاة وهيئة الاتهام ضباط عسكريون. وهي، أيضاً، محكمة تواصل منح سلطات الاحتلال الحقّ في ارتكاب جريمة حرب موصوفة وشنيعة وهمجية، هي الاحتفاظ بجثامين الشهداء لأغراض لا تكترث تلك السلطات حتى بتبريرها أمام محكمة مدنية أم عسكرية، سواء بسواء.
ولعلّ الأطرف، بين صفوف المتظاهرين الإسرائيليين، ذاك الذي ينتابه القلق على عضو في المحكمة العليا (نوام سولبيرغ، مثلاً)، لا لأيّ اعتبار آخر سوى أنه جار له في… المستوطنة ذاتها!

 

الشمال السوري: معادلات

المطرقة والسندان والبرميل

صبحي حديدي

 

سبع منظمات سورية حقوقية، «رابطة المحامين السوريين الأحرار» «محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان» «البرنامج السوري للتطوير القانوني» «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» «المجلس السوري البريطاني» «المجلس السوري الأمريكي» و«اليوم التالي»؛ أصدرت مؤخراً بياناً مشتركاً بعنوان «الانتهاكات مستمرة في كافة المناطق السورية بما فيها شمال سوريا» يساجل ضدّ السياسة التركية في ترحيل أفواج متعاقبة من اللاجئين السوريين، وهي إجراءات يعفّ البيان عن توصيفها بما هي عليه فعلياً: اعتباطية وتعسفية وعشوائية وفوضوية، غير خالية من العنصرية وكراهية الآخر والعقاب الجماعي.
وأياً كان اتفاق المرء أو اختلافه مع نصّ البيان، خاصة إذا وُضعت لغته الإجمالية في سياق أعرض يخصّ خلفيات الانتماء السياسي والإيديولوجي لكلّ من هذه المنظمات، والأداء الفعلي لها على الأرض؛ فإنّ قسطاً من التعداد الموضوعي للانتهاكات والمخاطر التي تحيق باللاجئين السوريين في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري (من جانب السلطات التركية والفصائل الجهادية والتكوينات العسكرية المختلفة) يمكن أن يسوّغ الركون إلى تثمين إيجابي لروحية البيان، ومطالبه وخلاصاته. هامّ، كذلك، أنّ البيان يحيل إلى القواعد المنصوص عنها في القانون الدولي الراهن، ضمن إطار اتفاقية اللاجئين سنة 1951 وبروتوكولاتها اللاحقة سنة 1967؛ والمبدأ العرفي (الذي يُلزم الدول غير المصادقة على اتفاقية 1951 أيضاً) الذي يحظر طرد طالبي اللجوء واللاجئين أو إعادتهم أو تسليمهم إلى مناطق قـد تتعرض فيها حياتهم أو حريتهم أو سلامتهم للخطر.
فإذا وضع المرء جانباً مسؤولية النظام السوري، وحليفيه الروسي والإيراني والميليشيات المذهبية المختلفة، عن النسبة الأعظم من الانتهاكات وجرائم الحرب، فهذه جلية في التشريد القسري لنحو 14 مليون سورية وسوري، أطفالاً وشيوخاً ويافعين ونساء ورجالاً؛ فإنّ المسؤوليات الرديفة تقع على عاتق الفصائل والتنظيمات والمجموعات السياسية والعسكرية التي تبسط سيطرتها على مناطق الشمال الغربي من سوريا، خارج سيطرة النظام، أي «هيئة تحرير الشام» وقوات ما يُسمى بـ«الجيش الوطني» أساساً، إلى جانب ما تبقى من «جيوش» جوفاء ومسميات طنانة على غرار «جيش البادية والملاحم» و«غرفة عمليات فاثبتوا» و«جيش الأحرار» و«فيلق الشام» و«حراس الدين» و«جيش العزة»… وحين لا تتقاتل هذه التكوينات فيما بينها، استحواذاً على منطقة نفوذ جديدة أو للحفاظ على أخرى قديمة؛ فإنّ شاغلها الأبرز هو ممارسة التسلط على الناس، ضمن ما أصاب المواطنون هناك في تسميته بـ«السلبطة».
وهكذا فإنّ التشخيص الأوضح والأكثر صواباً للجوء السوري في تلك المناطق هو وقوع اللاجئين بين المطرقة التركية وسندان الفصائل الجهادية والتشكيلات المرتبطة أصلاً مع أجهزة أنقرة العسكرية والاستخباراتية؛ وهذه حال ابتدأت وتواصلت وتحوّلت مراراً، لكنّ جوهرها لم يشهد من التبدلات الملموسة سوى تلك التي تتطلبها مصالح المطرقة التركية، ومقتضيات ما يُبرم في خدمتها من صفقات ومساومات تارة، أو عمليات عسكرية واحتلال المزيد من مساحات النفوذ تارة أخرى. ويستوي هنا، لجهة المنعكسات السلبية على المواطن السوري، أن ينجح توافق روسي ـ تركي مرّة، أو يتعثر مرّة أخرى؛ وأن تتخذ المسارات ذاتها تفاهمات أنقرة مع واشنطن هنا، أو تباعدها في قليل أو كثير هناك؛ ولا تُستثنى من النهج تعاملات أنقرة مع النظام السوري أو الولايات المتحدة أو كردستان العراق، بصدد قضايا الكرد وانضواء تنظيماتهم الحزبية والعسكرية في هذا الصفّ أو ذاك، في الشمال أو في محيط مدينة الرقّة أو شرق الفرات…

الانتهاكات، حسب بيان المنظمات السبع، تستهدف اللاجئين السوريين الذين لم يسعفهم الوقت أو الفرصة لاستخراج الأوراق الرسمية المطلوبة لحيازة الإقامة، أو الذين لم يتمكنوا من تجديد إقاماتهم

وبعد أن هدأت الطواحين الدونكيشوتية التي أثارتها المعارضة التركية في وجه رجب طيب أردوغان خلال الحملات الانتخابية الرئاسية والتشريعية الأخيرة، آن الأوان كي تتفرغ أجهزة أردوغان نفسه لإتمام ما ألزمت ذاتها به حول ملفات اللجوء السوري. الانتهاكات، حسب بيان المنظمات السبع، تستهدف اللاجئين السوريين الذين لم يسعفهم الوقت أو الفرصة لاستخراج الأوراق الرسمية المطلوبة لحيازة الإقامة، أو الذين لم يتمكنوا من تجديد إقاماتهم. ويجري اصطياد اللاجئين عشوائياً من الشوارع والأماكن العامة، ويُحرم المقتنَص من توكيل محامٍ، ويتمّ اقتياده إلى مراكز الترحيل من دون توديع أسرته، أو إتمام معاملات خروجه واستحصال حقوقه وتعويضاته المادية…
أمّا بعد المطرقة التركية، أي على السندان الذي تتولاه المجموعات المشار إليها في سطور سابقة، من خلائط الفصائل الجهادية والتشكيلات العسكرية المرتبطة بأنقرة وترتيباتها في الشمال السوري؛ فإنّ «السلبطة» إياها لا تبدأ من الممارسات «الفقهية» و«الشرعية» الدينية والتعليمية والإدارية، الأشدّ جاهلية من أردأ تمثيلاتها في الماضي السحيق؛ ولا تنتهي عند الممنوعات والمحظورات والسلب والنهب، بذرائع واهية ومضحكة أو من دون الاكتراث بأيّ تذرّع؛ وليس لها إلا أن تمرّ بالمعارك الجانبية بين «تحرير الشام» وكلّ منازع لسلطاتها، أو بين أيّ تنظيم أو جماعة أو زمرة، تنتحل احتكار الدين أو العزّة أو سواء السبيل والرباط والثبات. هنا بعض الانتهاكات التي رصدها بيان المنظمات السبع، والأرجح أنها غيض من فيض وما خفي خلف الرصد قد يكون أدهى وأفظع:
مقتل 7 مدنيين، بينهم امرأتان، بسلاح «تحرير الشام»؛ و9 مدنيين، بينهم طفل وامرأة، بسلاح «الجيش الوطني»؛ وأمّا قاذفات النظام وروسيا فقد واصلت استكمال المحنة المأساوية المفتوحة، فأجهزت على 98 شخصاً. من جانب «تحرير الشام» نحو 128 حالة احتجاز/ اعتقال، بينهم طفلان و3 نساء، تحوّل 101 بينها إلى اختفاء قسري؛ وما لا يقلّ عن 161 حالة اعتقال، بينهم 5 أطفال و14 امرأة، في مراكز الاحتجاز التابعة لفصائل المعارضة المسلحة/ «الجيش الوطني» تحوّل 118 بينهـم إلـى حالـة اختفـاء قسـري. هذا إلى جانب التجنيد الإجباري، وفقدان الأمن، والتدهور الاقتصادي، وشيوع البنى التحتية الهشة؛ إذا وضع المرء جانباً عواقب الزلزال الأخير، حيث المواطن ضحية البيروقراطية الفصائلية المحلية والتركية والأممية، على حدّ سواء.
لا يصحّ، كذلك، إغفال طراز إضافي من العسف والتعسف، مارسته وتمارسه أنماط أخرى تزعم الانتساب إلى «المعارضة» فترفع راية «المحاكم الشرعية» وتزيّف الشريعة الإسلامية أو تكيّفها على أهواء قادتها؛ وهم فقهاء الظلام ليس أقلّ، وليس أكثر أيضاً. ولقد جُلد رجال من أبناء المنطقة بتُهم سخيفة، جاهلية وعمياء ومنحطة، في شروط مقاضاة تمثّل بدورها إهانة وطنية قصوى للسوريين (كما في التعامي عن ملابسات الاستشهاد، وجلد رجل زوّج ابنته وهي في «عدّة الطلاق»)؛ وفي شروط إنسانية فاضحة تماماً، حتى بأي معنى «شرعي» (كأن يقوم بالجلد رجل ملثّم، بعد تلاوة قصاصة كُتب عليها حكم «المحكمة الشرعية»).
وذات يوم غير بعيد، اختير تاريخه عن سابق عمد وتصميم، قامت مروحيات النظام بإلقاء 23 برميلاً متفجراً على مدينة سراقب، جنوب شرق إدلب؛ ونفّذت القاذفات 14 غارة جوية على الأقلّ، وقعت آخرها لحظة أذان المغرب بالضبط، أي عند موعد إفطار الصائمين (وهذا، بدوره، لم يكن توقيتاً عشوائياً). البرميل المتفجر احتوى خلائط من الموادّ الناسفة، وقضبان حديد البناء المقطّعة إلى أجزاء قصيرة أُريد منها أن تتحوّل إلى طلقات خارقة متقدة، أشدّ فتكاً من الذخائر النارية الكلاسيكية. وأمّا ما ألقته القاذفات، فإنه بدأ من القنابل العنقودية، ولم يقتصر على الانشطارية، فضلاً عن هذا أو ذاك من صنوف الأسلحة الكيمائية.
تلك كانت، وتظلّ، مساهمة النظام في إضافة البرميل إلى أدوار المطرقة والسنديان؛ ولائحة المساهمات من خمسة احتلالات في سوريا لا تكفّ عن التراكم، والمنافسة والمزايدة.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

ضمائر الكونغرس الأمريكي:

كاشف العنصرية الإسرائيلية

صبحي حديدي

 

نادرة هي التصريحات التي تصدر عن أعضاء في الكونغرس الأمريكي وتكون مكشوفة واضحة في انتقاد دولة الاحتلال الإسرائيلي، فكيف إذا كانت تذهب إلى صميم قبائح الكيان الصهيوني وتسمه بالعنصرية مثلاً، أو تقتبس توصيفات مماثلة لمنظومات الأبارتيد كما سجلتها منظمات حقوقية دولية ذات شأن؛ مثل «منظمة العفو الدولية» أو «هيومان رايتس ووتش» أو حتى «بتسيليم» الإسرائيلية. إحدى هذه النوادر نطقت بها مؤخراً النائبة عن واشنطن براميلا جايابال، حين قالت في اجتماع عام لتجمّع تقدمي في شيكاغو: «أريدكم أن تعرفوا أننا نقاتل كي نوضح أن إسرائيل دولة عنصرية» وأنّ «الشعب الفلسطيني يستحق تقرير المصير والاستقلال الذاتي» وأنّ «حلم حلّ الدولتين يتلاشى أمامنا».
ولقد توجّب، كما يتوجب عند كلّ نادرة كهذه، أن تقوم قيامة عابرة للحدود بين الحزبَيْن في الكونغرس، فيستغلّ الجمهوريون الواقعة للبناء ضدّ زملائهم أعضاء الحزب الديمقراطي، وتسعى غالبية من الديمقراطيين أنفسهم إلى التنصّل من تبعات تصريح جايابال أو الالتفاف عليها؛ في غمرة هرج ومرج، بالمعنى الحرفي للتعبير وليس المجازي وحده، في أوساط الإعلام الموالي لدولة الاحتلال. وهكذا، في ما يشبه الضربة الاستباقية، سارع 43 من النوّاب الديمقراطيين إلى صياغة مسودة بيان يشير إلى «القلق العميق» من الأقوال «غير المقبولة» التي صدرت عن زميلتهم؛ فسعى زعيم الأقلية، الديمقراطي حكيم جيفريز، إلى إصدار نصّ يقول إنّ «إسرائيل ليست دولة عنصرية» شارك في التوقيع عليه كاثرين كلارك، بيت أغويلار، وتيد ليو. لا عجب، حين يستذكر المرء أنّ مجموعة الضغط «أمريكا المؤيدة لإسرائيل» ساهمت في حملة انتخاب جيفريز بمبلغ 213 ألف دولار، وفي حملة ليو بأكثر من 37 ألف، وتلقى أغويلار 101 ألف من الـ«أيباك» المنظمة الأشهر المؤيدة للاحتلال، وحصلت كلارك على 45 ألف من المنظمة ذاتها.
طريف، إلى هذا، أنّ هؤلاء الأشاوس، في استماتتهم لتنزيه دولة الاحتلال عن العنصرية، اتكأوا على إعلان استقلال الكيان الصهيوني، 1948، الذي يساوي بين جميع «مواطني» الدولة من دون تمييز على أساس العرق أو العقيدة أو الجنس. وهم، عن سابق قصد بالطبع، تناسوا تماماً قانون جنسية الدولة الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي سنة 2018، وأنّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو شخّص الأمر عيانياً في ردّ على الممثلة الإسرائيلية روتيم سيلا، التي اتهمت حكومته بمعاملة الفلسطينيين حملة الجنسية الإسرائيلية كمواطنين من درجة أدنى: «إسرائيل ليست دولة لكلّ مواطنيها» كتب نتنياهو على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، «طبقاً لقانون الجنسية الذي اعتمدناه، إسرائيل هي الدولة الأمّة للشعب اليهودي ــ ولهذا الشعب وحده». تجاهلوا كذلك أنّ إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي في هذه الدولة التي يستبعدون عنها العنصرية، سبق له أن أُدين بالعنصرية والتحريض على الإرهاب، في محكمة إسرائيلية؛ واجهها برفع لافتة كتب عليها: «اطردوا العربيّ العدو».

ضمائر الكونغرس الأمريكي، أو ما تبقى منها بمعنى المصطلح والدلالة على الأقلّ، اشتُريت بأثمان بخسة كما جرت العادة عند صياغة أيّ نصّ لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ فاجتمع الحزبان الديمقراطي والجمهوري على إصدار قرار يعبّر عن دعم الاحتلال، ويستنكر العداء للسامية، في ردّ على نادرة جايابال

ضمائر الكونغرس الأمريكي، أو ما تبقى منها بمعنى المصطلح والدلالة على الأقلّ، اشتُريت بأثمان بخسة كما جرت العادة عند صياغة أيّ نصّ لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ فاجتمع الحزبان الديمقراطي والجمهوري على إصدار قرار يعبّر عن دعم الاحتلال، ويستنكر العداء للسامية، في ردّ على نادرة جايابال، يشدد ضمناً على آلية باتت جامعة مانعة: أيّ انتقاد لدولة الاحتلال هو عداء للسامية، بالتعريف القاطع. القرار صدر بأغلبية 412، مقابل رفض 9 من المجموعة التقدمية تحديداً (ألكساندريا أوكاسيو ـ كورتيز، رشيدة طليب، جمال بومان، سومر لي، إلهان عمر، كوري بوش، أندريه كارسون، ديليا راميريز، وأيان بريسلي)؛ وفي علامة جلية على سطوة مجموعات الضغط المؤيدة للاحتلال، فإنّ بيتي ماكولام (عضوة المجموعة التقدمية) لم تصوّت سلباً أو إيجاباً واكتفت بتسجيل الحضور؛ وأمّا العلامة الأجلى فقد جاءت من جايابال نفسها، التي… دعمت القرار!
مفهوم أنّ جايابال في حاجة ماسة إلى دعم الحزب الديمقراطي على مستوى القيادات صاحبة السلطة في تسمية المرشحين لانتخابات الكونغرس، خاصة وأنها أمريكية من أصول هندية؛ ومفهوم، في المقابل، أنها تترأس المجموعة التقدمية داخل مجلس النوّاب وهي مطالَبة أيضاً بالوفاء لجملة خيارات سياسية، بينها مساندة حقوق الشعب الفلسطيني وفضح ممارسات دولة الاحتلال في انتهاك حقوق الإنسان وإساءة استخدام مليارات المساعدات السنوية التي يصادق عليها الكونغرس. ولم يكن غريباً أن تصدر جايابال توضيحاً مركّب النبرة، سارت الفقرة الأولى فيه هكذا: «لست أؤمن أنها عنصرية فكرةُ إسرائيل كدولة. لكنني مع ذلك أؤمن أنّ حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة انخرطت في سياسات تمييزية وعنصرية صريحة وهنالك عنصريون متطرفون يسيّرون تلك السياسة داخل قيادة الحكومة الراهنة. وأؤمن أنّ من الوجب على كلّ المناضلين لجعل عالمنا مكاناً أكثر عدلاً ومساواة، التصريح بإدانة تلك السياسات ودور حكومة نتنياهو هذه في تطبيقها».
ولأنّ الرئيس في البيت الأبيض اليوم هو جو بايدن، والرئيس في حكومة الاحتلال هو نتنياهو؛ فقد يكون من الأخير ردّ الذاكرة إلى ربيع 2010، حين قام الأدميرال مايكل مولن، رئيس الأركان المشتركة الأمريكية بزيارة إلى فلسطين المحتلة، اجتمع خلالها مع غابي أشكنازي، رئيس أركان جيش الاحتلال، وأبلغه ضرورة وضع النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في «سياق إقليمي أعرض» يخدم أهداف أمريكا. الصدفة ــ يا لمحاسنها أحياناً! ــ شاءت أن يكون بايدن، نائب الرئيس يومذاك، في اجتماع مع نتنياهو؛ حين أبلغ المضيفُ ضيفه أنّ الحكومة لا ترفض تجميد المستوطنات، فحسب؛ ولكنها تستقبل بايدن بالعزم على بناء 1600 مستوطنة جديدة، وفي القدس الشرقية. ولقد تطوّع الصحافي الإسرائيلي شيمون شيفر، في «يديعوت أحرونوت» باطلاع العالم على «قلق» نائب الرئيس الأمريكي، وعلى بعض العتب: «ما تفعلونه هنا ينسف أمن قوّاتنا المقاتلة في العراق وأفغانستان والباكستان. هذا يُلحق الخطر بنا، وبالسلام في المنطقة»؛ وأيضاً: لهذه القرارات «تأثير مباشر على السلامة الشخصية للقوّات الأمريكية التي تكافح الإرهاب الإسلامي». وأمّا في أمريكا فقد سارعت سارة بيلين، المرشحة الرئاسية السابقة عن الحزب الجمهوري، إلى كتابة مقال في صفحتها الشخصية على الفيسبوك؛ توجّه فيه الملامة الشديدة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، ونائبه بايدن، بسبب «اختلاق» مشكلة مع دولة الاحتلال حول المستوطنات، يستفيد منها الإرهابيون!
وإذْ يستعيض الحزب الديمقراطي الأمريكي، في البيت الأبيض كما في الكونغرس، عن حرج استقبال نتنياهو ببديل يمثله الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، ذي الوظائف الشكلية البروتوكولية الاحتفالية؛ فإنّ أيّ تعويض عن ذاك بهذا لا يجبّ ضرورات الوفاء بالتعاقد العضوي التاريخي مع دولة الاحتلال، ولهذا حرص بايدن على إجراء اتصال هاتفي مع نتنياهو لدعوته إلى زيارة أمريكا، حتى من دون المرور على المكتب البيضاوي؛ والكونغرس، قبل خطبة هرتسوغ العصماء تحديداً، تقصد تمرير قرار بتجريم من تسوّل له نفسه انتقاد الكيان الصهوني المدلل. لا جديد، إذن، تحت شمس شهدت المئات من هذه التمارين في التسابق على اكتساب الودّ الإسرائيلي في عمق المشهد الأمريكي، حكومة ومعارضة، في الكونغرس كما في مجموعات الضغط، وفي الصحف الكبرى وأجهزة الإعلام العملاقة.
الأمر الذي لا يلوح أنه يجبّ، في الضفة المقابلة، يقظة ضمير ديمقراطي هنا، أو صحوة صوت صارخ في برّية هناك؛ خاصة حين تهبط قبائح دولة الاحتلال إلى حضيض عنصري كاشف فاضح، يصعب أن يُشترى للدفاع عنه ضمير.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

من سولجنتسين إلى كونديرا:

الزمّار والمزمار

صبحي حديدي

 

الأرجح، والمنطقيّ افتراضاً، أنّ قسطاً غير قليل من الاهتمام برحيل الروائي التشيكي ميلان كونديرا (1929-2023) يرتدّ في أصوله إلى فورة الحماس التي اكتنفت انشقاقه ومغادرة تشيكوسلوفاكيا إلى فرنسا سنة 1975؛ والأدوار التي لعبتها سلطات الحزب الشيوعي التشيكي في تعظيم ذلك الانشقاق بقرارات (حمقاء بلهاء، كالعادة) تضمنت سحب الجنسية والطرد من الحزب. مرجّح، غالباً، أنّ مناخات الالتفاف حول كونديرا الشخص، ثمّ حول رواياته وتنظيراته النقدية، سمحت بمقدار لم يكن بدوره قليلاً لجهة غضّ النظر عن المعلومات التي كُشف النقاب عنها، خريف 2008، حول وشاية كونديرا، سنة 1950، بالمعارض المنشق ميروسلاف دفوراشيك، وكتابة تقرير إلى الشرطة السرية التشيكية يحدد مكان إقامة الأخير، مما أسفر عن اعتقاله والحكم عليه بالسجن 22 سنة مع الأشغال الشاقة؛ الأمر الذي سوف ينفيه كونديرا على نحو قاطع، بالطبع.
للمنشقين عن «المعسكر الاشتراكي»، كما سارت التسمية خلال عقود الحرب الباردة، أقدار متنوعة من حيث المسارات والمواقف التي تخصّ المنشقّ نفسه، لكنها في العموم متطابقة بدرجات مدهشة من حيث الاستقبال الغربي، في أوروبا والولايات المتحدة خصوصاً، وليس على صعيد المؤسسات والمعاهد الثقافية والإعلامية وحدها بل أساساً، وربما جوهرياً أيضاً، على صعيد أجهزة الاستخبارات؛ بالنظر إلى الأدوار الخاصة التي ربطتها تلك الأجهزة بالثقافة. ولعلّ كتاب فرنسيس ستونر سوندرز «من الذي دفع للزمّار: المخابرات المركزية والحرب الباردة الثقافية»، الذي صدر بالإنكليزية سنة 1999، ونقله طلعت الشايب إلى العربية، وصدر في القاهرة سنة 2003؛ هو المرجع الأبرز، والأدسم بالمعلومات والمعطيات الوثائق؛ حتى الساعة، أي حتى إشعار آخر يمكن أن يميط اللثام عن المزيد (خاصة في ملفي الاستخبارات الغربية والثقافة العربية، خمسينيات وستينيات القرن المنصرم).
على سبيل الأمثلة، عالية الدلالة مع ذلك، ثمة الكثير من الفوارق بين «الدون الهادئ»، رواية ميخائيل شولوخوف التي كانت العمل الأبرز خلف منحه جائزة نوبل للأدب سنة 1965؛ وبين «دكتور جيفاغو»، رواية بوريس باسترناك التي جلبت له وللاتحاد السوفييتي أوّل نوبل سنة 1958؛ سواء لجهة المناخات الملحمية الشاسعة والبديعة في الأولى، أو الاختراقات الشعورية والشاعرية البديعة في الثانية. أو، استطراداً، من حيث امتناع الأخير عن استلام الجائزة (رفضاً للتسييس، وربما الخشية من اضطهاد الحزب)؛ وقبول الأوّل لها بوصفها التكريم العالمي الأوّل لتيار الواقعية الاشتراكية في الآداب والفنون، طبقاً لتكريسه الرسمي على يد أمثال مكسيم غوركي وأندريه جدانوف سواء بسواء.
كلاهما، باسترناك وشولوخوف، على مسافة نأي ملموسة وجلية، سياسياً وأخلاقياً، عن ألكسندر إيساييفتش سولجنتسين (1918-2008)، الروائي الروسي (السوفييتي، سابقاً)، حامل نوبل الآداب أيضاً لعام 1970، والمنشقّ بعد 4 سنوات؛ الذي تربّع ذات يوم على عرش «الرمز الأعظم» للنضال من أجل حرية التعبير في الاتحاد السوفييتي وسائر بلدان المعسكر الاشتراكي خاصة، وعلى امتداد العوالم الثانية والثالثة أو كلّ ما هو خارج جغرافية «العالم الحرّ» بصفة عامّة مطلقة. لافت، مع ذلك، أنّ روايته «يوم في حياة إيفان دنيسوفيتش»، التي جذبت انتباه الأكاديمية السويدية، كانت قد صدرت بالروسية أوّلاً، في موسكو، وبقرار من نيكيتا خروتشوف شخصياً؛ ولم يكن الرجل ممنوعاً من الكتابة والنشر، رغم أنه سجين سابق في «أرخبيل الغولاغ» ذاته؛ الذي سيصوّره في عمل لاحق حمل الاسم ذاته.
الفارق الذي توجّب أن يميّز سولجنتسين عن مواطنَيْه باسترناك وشولوخوف لم يكن الانشقاق وحده، ولا هوية الجهة التي واصلت الدفع للزمّار، بل خصائص المزمار الذي استخدمه هذا أو ذاك من أدباء الانشقاق، من جهة أولى تخصّ حقوق التاريخ وصدقية الوقائع؛ وقبلها، أو بالتوازي معها كما قد تساجل تيارات النقد الأدبي السوسيو- سياسية، سمات معزوفات المزمار ذاتها، من جهة ثانية على صلة وثيقة بالسوية الفنية والإبداعية. ولقد تعيّن على رواية سولجنتسين أن تهزل تباعاً، بل قد يصحّ القول إنها تقزّمت باضطراد، بعد عودته المشهودة إلى روسيا سنة 1994، واتخاذه سلسلة مواقف سياسية قوموية، لا تختلف كثيراً عن مفردات الخطاب الذي يردده فلاديمير بوتين اليوم في تبرير غزو أوكرانيا: الولايات المتحدة ودول الحلف الأطلسي تسعى إلى تطويق روسيا وحرمانها من سيادتها، ليس عن طريق الحشد العسكري جنوب البلاد وشرق أوروبا فحسب، بل كذلك بمساندة «الثورات الملوّنة»، في إشارة إلى أوكرانيا البرتقالية وجورجيا الوردية؛ ولم يغفل سولجنتسين التشديد على امتداح بوتين، لأنه يجهد لإحياء «روح روسيا».
وإذْ تمرّ هذه الأيام الذكرى الـ50 لصدور «أرخبيل الغولاغ»، المناسبة التي حرّضت هذه السطور، فإنها تخلو أو تكاد من الضجيج والعجيج الذي اقترن بترجمتها إلى الإنكليزية والفرنسية؛ بل إنّ بعض الذين استذكروا المناسبة من المطبّلين السابقين جنحوا لى صيغة أقرب إلى التباكي والرثاء منها إلى الاحتفاء والتمجيد. صحيح أنّ للنسيان قوانينه المتجبرة، التي قد تكون تكفلت بوضع سولجنتسين على أحد رفوف مهملات التاريخ، إلا أنّ الصحيح المقابل هو أنّ معزوفات المزمار ذاتها بهتت أو انحسرت أو تلاشت؛ وتلك سنّة الحياة، أو بعض المصائر التي يحفظها التاريخ لهذا الطراز تحديداً، من الأدب الزمّار.

 

محكمة الأقواس المعوجّة

صبحي حديدي

 

بمعزل عن مبالغة متعمَدة قد يسوّغها المقام، ثمة ما يشبه المعجزة في أنّ كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وجد أخيراً فسحة من وقته الثمين (المكرّس، بالكامل تقريباً، لملفات أوكرانيا) كي يحيط مجلس الأمن الدولي علماً بـ»الأحداث التي وقعت في إطار الأعمال القتالية الراهنة» في السودان؛ منذ اندلاع المواجهات العسكرية الدامية بين الجنرالين عبد الفتاح البرهان قائد الجيش، والجنرال محمد حمدان دقلو قائد الجيش الموازي المسمى «قوّات الدعم السريع». كذلك زفّ خان البشرى بأنّ مكتبه يحقق في مزاعم ارتكاب جرائم حرب وجرائم جديدة ضد الإنسانية في إقليم دارفور، مستذكراً بأنّ «التاريخ قد يكرر ذاته» بالمقارنة مع أهوال شهدها الإقليم في سنة 2003.
والسرعة القصوى التي طبعت قرار المحكمة إصدار مذكرة توقيف بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بسبب «مسؤوليته عن جرائم حرب» ارتُكبت في أوكرانيا، ليست سوى الفصل الأحدث في مباذل محكمة لم تكن في أيّ يوم جديرة باسمها؛ في ما يخصّ مفهوم الحدود الدنيا للعدالة، أوّلاً؛ ثمّ المساواة بين مجرمي الحرب أياً كانت جنسياتهم، أو ألوان البشرة في وجوههم تالياً. سجلات المحكمة تقول إنها حتى الساعة لم تعمد إلى طلب توقيف، فكيف بإدانة، بشرة بيضاء واحدة؛ مقابل 44 بشرة سمراء أفريقية؛ كما أنّ 10 من أصل 14 تحقيقاً يعكف عليه محققو المحكمة، تخصّ أفريقيا.
لا أحد في أروقة المحكمة يردّد اسم مجرم حرب كيميائي مثل بشار الأسد، وللمتناسين والمتجاهلين ذريعة ّ»قانونية» بالطبع: في عام 2015 أصدرت فاتو بنسودا، المدعية العامة السابقة للمحكمة، توضيحاً رسمياً قالت فيه إنّ الفظائع المزعومة في سوريا تشكل بالفعل «جرائم خطيرة تثير قلق المجتمع الدولي وتهدد السلم والأمن والرفاه في المنطقة وفي العالم»؛ إلا أنّ سوريا ليست طرفاً في نظام روما، وبالتالي لا تتمتع المحكمة بالاختصاص الإقليمي للتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي السورية. العجيب أنّ خان، خَلَفها، لم يكترث بهذا العائق حين سطّر مذكرة التوقيف ضدّ بوتين، وضرب صفحاً عن حقيقة أنّ روسيا كانت قد انسحبت من عضوية المحكمة في سنة 2014، احتجاجاً على قرا الجنائية اعتبار ضمّ القرم «عدواناً متواصلاً».
لا أحد، أيضاً، يتجاسر على استذكار ما ارتكبت ديمقراطيات غربية بيضاء من جرائم حرب ومجازر في أفغانستان والعراق، أو ما يرتكب كيان الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني العنصري من فظائع في فلسطين. وليست مفارقة، ولا هي نكتة ثقيلة الظلّ، أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي حثّ خان وقضاته على التحقيق في انتهاكات الجيش الروسي خلال اجتياح أوكرانيا؛ هو خليفة رئيس أمريكي يدعى دونالد ترامب، عمد في خريف 2018 إلى إبلاغ الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنّ المحكمة لا شرعة لها ولا شرعية ولا سلطة في الولايات المتحدة، كما فرض قيوداً وعوائق تأشيرة على موظفي المحكمة لأنهم تجرأوا على مجرّد التفكير في ممارسات أفراد أمريكيين على أرض أفغانستان.
وذات يوم حُقّ لدكتاتور السودان، الفريق عمر البشير، أن يتباهى باستسلام الجنائية الدولية أمامه، برفع الأيدي كما قال؛ وأسبابه في تلك المباهاة لم تقتصر يومئذ على عودته من جنوب أفريقيا إلى السودان، سالماً آمناً مسلّحاً بعصا المارشالية الشهير؛ بل كذلك لأنّ بنسودا قررت حفظ التحقيقات في جرائم دارفور، وأحالت الملفّ إلى مجلس الأمن الدولي (كما فعلت سابقاً، مراراً في الواقع، لأنّ السودان، قبل كينيا وجيبوتي ومالي والكونغو وتشاد، لم تتعاون مع المحكمة في القبض على البشير).
ولعلّ خان يستعيد بعض تفاصيل جولته السودانية مطلع هذا العام، قبل تناطح الجنرالَين، وكيف غلبت اللباقة الدبلوماسية على تصريحاته، وغابت عنها حكاية التاريخ الذي يتكرر؛ خارج أيّ قوس معوجّ لمحكمة لا تُعنى بالعدالة، ولا تشرّف التسمية.

 

 

الحلف الأطلسي: ظهر إلى

روسيا وعين على آسيا؟

صبحي حديدي

 

لزائر الموقع الرسمي لـ«حلف شمال الأطلسي» الناتو، أن يعثر على وثيقة مؤرخة في 7 تموز (يوليو) الجاري، أي قبل أيام قليلة سبقت انعقاد قمّة العاصمة اللتوانية فلنيوس؛ عنوانها «العلاقات مع الشركاء في المنطقة الهندو ـ باسيفيكية» تبدأ فقرتها الأولى هكذا: «يعزز الناتو الحوار والتعاون مع شركائه في المنطقة الهندو ـ باسيفيكية: أستراليا، اليابان، جمهورية كوريا [الجنوبية]، ونيوزيلندا. ففي البيئة الأمنية المعقدة اليوم، فإنّ العلاقات مع شركاء متشابهين في التفكير على امتداد العالم تزداد أهمية على سبيل معالجة المسائل الأمنية الجامعة والتحديات الكونية. والمنطقة الهندو ـ باسيفيكية هامة للحلف، بالنظر إلى أنّ التطورات في تلك المنطقة يمكن أن تؤثر مباشرة على الأمن الأورو ـ أطلسي».
في فلنيوس سوف يتجسد حضور «الشركاء» الأربعة، كما هو معروف، في تكرار لما شهدته قمة الحلف في مدريد صيف 2022 أيضاً؛ مع فارق قد يكون جوهرياً من جهة نظرية الحلف التأسيسية، عكسه إقرار وثيقة «المفهوم الستراتيجي» للحلف، التي ترسم توجهاته خلال السنوات المقبلة، حيث يشدد النصّ (للمرّة الأولى، كما يصحّ التذكير) على أهمية المنطقة الهندو ـ باسيفيكية، ملاحظاً أنّ تطوراتها يمكن أن تؤثر على الأمن الأورو ـ أطلسي، وينصّ حرفياً على أنّ الناتو سوف «يعزّز الحوار والتعاون مع شركاء جدد أو حاليين» في تلك المنطقة، وذلك «لعلاج التحديات العابرة للإقليم والمصالح المشتركة». قبل ذلك، في نيسان (أبريل) 2022، توافق الحلف مع «الشركاء» على وثيقة بعنوان «أجندة من أجل معالجة التحديات الأمنية» هدفها المعلَن هو «تعميق التعاون في ميادين متعددة، بما في ذلك الدفاع السيبراني، والتكنولوجيا الجديدة، والتهديدات مختلطة الأصل».
الضجيج في فلنيوس تعالى من حول قضايا قيل إنها «عالقة» مثل تمنّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول المصادقة على انضمام السويد إلى الحلف، أو آجال «غرفة الانتظار» التي يتوجب أن يمكث فيها طلب عضوية أوكرانيا قبل إقراره، أو حتى النظر بعين العطف إلى تمنيات دول أخرى في أوروبا الشرقية للالتحاق، فضلاً عن إشكالية العثور على بديل للأمين العام الحالي ينس ستولتنبرغ بعد تمديد رابع لولايته. كذلك كانت نوبات «غنج» الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، والتي باتت أقرب إلى علامة مسجّلة في خطف الأضواء، قد أجبرت مستشار الأمن القومي الأمريكي على مناشدته إبداء بعض الامتنان، واضطرار وزير الدفاع البريطاني إلى تذكيره بأنّ الحلف ليس شركة أمازون بصدد تزويد كييف بأصناف السلاح.
خلف الضجيج، على نيران ليست هادئة بالضرورة، كانت تُطبخ واحدة من أخطر انعطافات الحلف، التي قد تتكفّل عملياً بنسف حفنة من ركائزه التأسيسية الكبرى، في طليعتها الاسم ذاته، «منظمة معاهدة شمال الأطلسي»؛ على صعيد المعاني الملموسة للمفردات الأربع، وما يتبقى فيها من قوام المنظمة (وليس عصبة القوّة الكونية الأوحد) أو الاتفاق (بعد إدخال ما هبّ ودبّ خارج الحدود الدنيا للتوافق) أو التحديد الجغرافي (حين سيختلط الأطلسي بالباسيفيكي، والهندي بالأوروبي).

إذا كان الحلف مشروعاً أمريكياً/ أطلسياً في الأساس، والتشكيلات العسكرية الأوروبية المنخرطة فيه معظمها أشبه بقِطَع ديكورية تستكمل الصورة الخارجية؛ فإنه اليوم الحلف السياسي ـ العسكري الأوحد على نطاق العالم، والأضخم من حيث العدد والعدّة ومساحة الانتشار

وعلى المدى الراهن المنظور، ثمة اعتراض صريح أوّل على هذا «الانفلاش» في المعنى والمهامّ والنطاق، من دولة كبرى مؤسسة مثل فرنسا، لم يتردد رئيسها الحالي في التذكير بأنّ ركيزة الحلف أمنية وعسكرية، وأنّ توتير العلاقات مع الصين (الهدف الأوّل والأبرز من خلف الطبخة الهندو ـ باسيفيكية) يمسّ الاقتصاد في المقام الأوّل. أحد مستشاري قصر الإليزيه لم يتورع، خلال قمة فلنيوس تحديداً، عن تذكير رهط من الصحافيين بمركزية المادتين 5 و6 من المعاهدة الأمّ للحلف، لجهة تعريف مفهوم الاعتداء على أيّ من أعضائه وتحديد نطاقه الجغرافي.
ولقد رددت كواليس قمّة فلنيوس أشكال همز ولمز متنوعة، تغمز جميعها من قناة ستولتنبرغ الذي لا يكفّ عن تكرار ما يقوله الرئيس الأمريكي جو بايدن، أو حتى ما يلمّح إليه مسؤولون أمريكيون؛ حول الأخطار الداهمة التي يمكن أن تتعرّض لها دول هندو ـ باسيفيكية، وكيف أنّ تايوان يمكن أن تكون لقمة الصين السائغة التالية، على غرار لقمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. البعض استذكر حقائق صلبة تخصّ الصين، من طراز أنها البلد الذي يشكّل سكانه 20٪ من البشرية، وأنّ اقتصادها هو اليوم الأضخم عالمياً شاء مَن شاء وأبى من أبى، وأنها ــ حتى الساعة، على الأقلّ ــ لم تعمد إلى غزو بلد آخر أو ضمّه أو إلحاقه. آخرون لم يكترثوا حتى باقتباس هذه الحقائق، بل اكتفوا بالحكم على تصريحات ستولتنبرغ (خاصة مطالبته بعدم تكرار خطأ أوكرانيا في آسيا) بأنها محاكاة ببغائية لما يردده مستشار الأمن القومي الأمريكي!
وإذا كان الحلف مشروعاً أمريكياً/ أطلسياً في الأساس، والتشكيلات العسكرية الأوروبية المنخرطة فيه معظمها أشبه بقِطَع ديكورية تستكمل الصورة الخارجية؛ فإنه اليوم الحلف السياسي ـ العسكري الأوحد على نطاق العالم، والأضخم من حيث العدد والعدّة ومساحة الانتشار، والأكثر دموية من حيث المهامّ (من يوغوسلافيا السابقة إلى أفغانستان إلى ليبيا إلى أوكرانيا). لقد بدأ من 12 دولة مؤسسة، ثمّ توسّع إلى 15 في خمسينيات القرن الماضي، وهو اليوم يعدّ 32 دولة مع التحاق فنلندا وقرب انضمام السويد، وبين أعضائه ثلاث جمهوريات سوفييتية سابقة (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) وسبع دول أعضاء سابقة في حلف وارسو المنقرض (بلغاريا، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، ألبانيا، كرواتيا، بولندا)؛ وأمّا لائحة الطامحين إلى العضوية فلا تبدأ من أوكرانيا، وقد لا تتوقف عند البوسنة والهرسك.
لا يصحّ أن تُغفل، مع ذلك، مضامين عقائدية اقترنت بتأسيس الحلف، وليس من المنتظر أن تنحسر في أيّ زمن وشيك؛ مثل أنّ الأبعاد الحضارية، أو حتى الثقافية، ليست البتة غائبة عن ركائزه السياسية والعسكرية والأمنية والجغرافية، وهذا ما شدّد عليه ذات يوم رجل غير منتظَر في هذا الميدان تحديداً: الكاتب المسرحي، ولكن الرئيس التشيكي أيضاً، فاتسلاف هافيل. ففي قمّة الحلف التي احتضنتها براغ خريف 2002، قال هافيل: «على الحلف ألا يتوسّع خارج مضمار محدّد للغاية من الحضارات، التي عُرفت عموماً باسم الحضارات الأورو ـ أطلسية أو الأورو ـ أمريكية، أو الغرب ببساطة». لم تكن تركيا هي المقصودة بهذا التعريف «المضماري» لأنّ عضويتها ليست مستجدة كما أنّ جيشها هو الثاني الأضخم في الحلف؛ وبالتالي فالأرجح أنّ هافيل ألمح إلى دول ما تزال تعيش فيها جاليات مسلمة. لافت، مع ذلك، أنّ ذلك التحذير توجّه إلى «قمّة التحوّل» التي ناقشت توسيع الحلف شرق أوروبا وجنوبها، وضمّت سبع دول جديدة إلى النادي (إستونيا وبلغاريا وسلوفينيا وسلوفاكيا ورومانيا ولاتفيا وليتوانيا).
ولا عزاء لخلفاء هافيل في أنّ الحلف، بصدد الطبخة الهندو ـ باسيفيكية، لا يميل إلى طيّ بعض تلك الطهارة «المضمارية» كما طوى الكثير قبلها حتى بلغ شأو الإيحاء بإمكان انضمام روسيا بوتين ذاتها إلى الحلف؛ الأمر الذي لا يُبطل مقداراً غير قليل من المخاوف ذات الصلة بالأمن العالمي، إذا تعززت معادلة الحلف الثنائية: ظهر إلى روسيا، في أوكرانيا أو في مسادين اشتباك أخرى مقبلة؛ وعين على آسيا، في الصين أساساً، وعبر أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا. الأرجح، استطراداً، أنّ معمار الحلف الوجودي لا يتآكل بالمعاني الأكثر تحريضاً على مخاطر مواجهات كونية دامية فقط، بل يرتدّ القهقرى إلى ما قبل1949… سنة التأسيس!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

انتفاضات أوروبا:

أبعد من الشرطة وأعمق من الشغب

صبحي حديدي

 

«الانتفاضات الحضرية: تحدّي النيوليبرالية في أوروبا» كتاب بالغ التميّز، وذو صفة مرجعية عالية النفع، صدر سنة 2016 بالإنكليزية، في لندن، ضمن منشورات بالغريف/ مكميلان؛ بتحرير مارغيت ماير وكاثرين ثورن وحقان ثورن. وقد يُفاجأ المرء، هنا، حين يقرأ أنّ الاضطرابات المختلفة، وما تسميه السلطات «أعمال شغب وتخريب» ويصنّفه الكتاب في باب الانتفاضات الاجتماعية بأنساقها المختلفة؛ عمّ، في أزمنة متباعدة ولكنها راهنة، فرنسا وبريطانيا والسويد وألمانيا وبولونيا واليونان وإسبانيا وتركيا؛ أو، في اختصار مشروع: سائر أوروبا المعاصرة، طولاً وعرضاً.
وقد تصحّ العودة إلى هذا الكتاب تحديداً، الآن وقد أخذت شوارع فرنسا (المدينية، وليس الضواحي والأطراف والهوامش وحدها) في الاستقرار على هدوء تدريجي؛ بعد العواصف الهوجاء التي حرّض عليها مقتل المواطن الشاب نائل، برصاص رجل شرطة في ضاحية نانتير، غرب العاصمة الفرنسية باريس. وبمعزل عن التنميطات المعتادة، وهي في غالبيتها أقرب إلى كليشيهات مسبقة الصنع، حول إدانة الشغب والتخريب والنهب وإحراق المنشآت العامة والخاصة (وهذه لا خلاف حول إدانتها من دون تردد، بالطبع)؛ ثمة ما يبدأ من معضلات الاجتماع السياسي والاقتصادي والديمغرافي والحضري، واستطالات هذه في سلوكيات عنصرية أو عصابية أو رهابية؛ وما ينتهي إليها أيضاً، بالنظر إلى أنّ قسطاً غير قليل من مظاهر العصيان المدني لا تغطيه الكليشيهات، وبالتالي لا تفسره بقدر ما تطمس بعض جوهره الأهمّ وتتعامى عن جذوره حين تكتفي بالسطوح الظاهرة وحدها.
قبل شرارة مقتل نائل، ثمة سابقة حظيت بالكثير من الاسترجاع والمقارنة، من دون مقدار مماثل من الاستعبار واستقراء الدروس. ففي تشرين الأوّل (أكتوبر) 2005، اندلعت في ضواحي العاصمة الفرنسية انتفاضة احتجاج عارمة بسبب مطاردة الشرطة مجموعة فتية من أصول مهاجرة، دُفعوا إلى سياج كهربائي فقضى اثنان منهما، وكانت بعض النتائج هكذا: انتشار الاضطرابات إلى 300 مدينة وبلدة، وتخريب مئات الممتلكات العامة والخاصة، وإحراق أكثر من 9000 مركبة، وإعلان الحكومة حالة الطوارئ لثلاثة أشهر. الفارق الأوّل، بالمقارنة مع عام 2023، أنّ أجيال المنخرطين في الانتفاضة، وفي أشكال الشغب المختلفة، تقارب الـ17 سنة، ونسبة غير ضئيلة منها تماثل سنّ نائل حين أجهز عليه الشرطي؛ والفارق الثاني أنّ الهواتف المحمولة الذكية لم تكن في سنة 2005 واسعة الانتشار، وكان جهاز الـ«بلاكبيري» نادر الحيازة وباهظ الثمن، وبالتالي لم يكن تناقل الصورة أو الفيديو أو انتهاج التحشيد والتحريض والتنظيم (عبر الـ«تيك توك» مثلاً) بهذه الكثافة والفاعلية.

فصول كتاب «الانتفاضات الحضرية» تقترح سلسلة قراءات مختلفة، أو بالأحرى مخالفة لـ«الحكمة الشائعة» التي تشترك في الترويج لها الحكومات والدوائر الأوسع في الميديا، بخصوص حركات الاحتجاج والاضطراب في مواقع أخرى من أوروبا؛ كما في انتفاضة العاصمة الدانمركية كوبنهاغن، ربيع 2007، حين انقلب مركز المدينة إلى ساحة معركة بين الشرطة وآلاف المحتجين، على مدار 4 أيام غير مسبوقة في تاريخ البلد الحديث، بعد إقدام وحدات مشتركة من الشرطة والجيش باقتحام «بيت الشباب» الذي لم يكن أكثر من مركز ثقافي مستقل. مظاهر التضامن انتقلت إلى 13 مدينة دانمركية، وإلى 46 مدينة أخرى في الجوار الأوروبي. بعد سنة، أواخر العام 2008، اندلعت انتفاضة في أثينا بعد مقتل طالب برصاص الشرطة، استمرت ثلاثة أسابيع على الأقلّ وانطوت على صدامات عنيفة مع الشرطة وأعمال تخريب وإحراق ممتلكات، فضلاً عن إضراب لنهار واحد في الأسبوع الأوّل من الاضطرابات انخرط فيه 2.5 مليون عامل وكان تدنّي الأجور لافتته الأبرز، ولجوء الطلاب إلى احتلال الجامعات في أثينا وتسالونيكي.
وفي أيار (مايو) 2011 خرجت في إسبانيا تظاهرات واسعة ضدّ سياسات التقشف الحكومية، شملت 57 مدينة في طليعتها برشلونة والعاصمة مدريد؛ وانطوت، كذلك، على أعمال شغب وصدامات مع مفارز شرطة لم يردعها الطابع السلمي الإجمالي للحراك، واستفزّها نصب خيام الاحتجاج في الساحات العامة، وكذلك استلهام أساليب التظاهر والتجمع واحتلال الساحات في إطار ما سيُعرف تحت مسمى «الربيع العربي». ولسوف يكون لافتاً أنّ هذا التوجّه/ التكتيك سيمتدّ إلى 951 مدينة وبلدة، في 82 دولة داخل أوروبا وخارجها! الدور سيأتي على بريطانيا، في آب (أغسطس) ذلك العام أيضاً، رداً على مقتل رجل برصاص الشرطة في توتنهام، فاندلعت أعمال احتجاج لم تشهدها العاصمة لندن منذ 1780، سرعان ما امتدت إلى ليفربول وبريستول ومانشستر وبرمنغهام، وأسفرت عن مقتل 5 أشخاص واعتقال 4.000؛ وليس من دون دلالة أنّ وزيرة الداخلية يومذاك كانت تيريزا ماي، وعمدة لندن كان بوريس جونسون.
الشرطة، في تسعة أعشار الدول الأوروبية، كانت وتظلّ القاسم المشترك الأعظم خلف هذه الانتفاضات، بصرف النظر عن دوافع الاحتجاج وأشكاله، سلمية كانت أم عنيفة، وانزلقت إلى الشغب أم اكتفت بصياغات رمزية لا تعفّ عن الشغب أيضاً (على غرار السترات الصفراء في فرنسا، مثلاً)؛ وأياً كانت الهوية السياسية أو الاقتصادية أو الإيديولوجية للسلطة المدنية في رئاسة الدولة أو الحكومة أو أغلبية البرلمانات. ولا تُغفل، هنا، حقيقة أنّ الشرطي الفرنسي الذي أطلق النار على الفتى نائل كان، في زعمه، يطبق قانون سنة 2017 الذي يوسّع نطاق تمكين الشرطي من استخدام السلاح الناري، والذي سنّته الجمعية الوطنية في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند (وليس اليميني جاك شيرك سنة 2005، أو حتى اليميني الثاني نيكولا ساركوزي المهووس بمفاهيم الأمن). وثمة اليوم علماء سياسة واجتماع وأكاديميون ومنظّرون لا يجدون حرجاً في الحديث عن طراز من الرهبة يعتور الحكومات إزاء مؤسسة الشرطة، بما يكبّل عمل النظام الديمقراطي في كثير أو قليل، ويمسّ مبدأ فصل السلطات ذاته.
وفي العودة إلى فرنسا، وانتفاضة 2005 تحديداً، كان رئيس الوزراء دومنيك دوفيلبان أكثر تواضعاً من حيث الحوار والتفاوض والأخذ والعطاء، شرط أن يتمّ هذا كلّه تحت سقف مشروع القانون، وعلى طريقة حوار الطرشان عملياً، في صيغة مفرغة تحوّلت إلى مادّة تندّر لدى الفرنسيين: إني أسمع أصوات الذين يحتجون، ولكني أيضاً أسمع أصوات الذين لا يحتجون! ذلك لأنّ قواعد اللعبة الديمقراطية صريحة وفصيحة أتاحت له هوامش المناورة تلك، مثلما مكّنت الرئيس الفرنسي الحالي من المناورة مع وزير داخلية مكروه ومتهم بالتحرّش الجنسي. فالأصل أنّ أياً من الثلاثة لم يأتِ إلى السلطة بموجب انقلاب أو ورث الحكم عن أبيه؛ وليس عليه بالتالي أن يذعن للملايين التي انتخبت أغلبيته البرلمانية أو الرئاسية، ثمّ صارت (أو شرائح واسعة منها على الأقل) تعضّ أصابع الندم على التصويت له.
وليست خافية، في انتفاضات فرنسا وأوروبا قاطبة، مسائل القلق حول الهوية، والذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض، والحذر من متغيرات عاتية تضع مواطن أوروبا بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير الراحل بيير بورديو؛ فكيف إذا اقتادته، صاغراً أو حتى راضياً، إلى مستنقعات عنصرية وانعزالية وشعبوية. وفي نحو اللغة الفرنسية ثمة صيغة فعل خاصة هي الزمن الماضي الناقص، وكان عدد من المفكرين قد تتبعوا انتقال هذا الزمن من فقه اللغة إلى فقه الحياة اليومية، ولم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي هكذا: زمنُ ماضٍ ناقص، بات ينسحب على القارّة العجوز أوروبا، تباعاً وحثيثاً!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

بين أوباما والأسد:

أمثولات «أدريانا» و«تيتان»

صبحي حديدي

 

الأرجح أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما سوف يظلّ، حتى إشعار آخر على الأقلّ، هو صاحب التعليق الأكثر «نجومية» في الربط بين سفينة «أدريانا» التي كانت تحمل 750 لاجئاً، وغرقت وأغرقت غالبية ساحقة من هؤلاء، وفي عدادهم 100 طفل؛ وبين انفجار الغواصة السياحية «تيتان» بركابها المليارديرات الخمسة، في قيعان المحيط الأطلسي على مقربة من موقع الفرجة الذي تاقوا إلى مشاهدته، عند حطام سفينة الركاب العملاقة الأشهر «تيتانيك». ففي العاصمة اليونانية أثينا (وليس في أيّ مكان آخر!) استنكر أوباما الفوارق الهائلة بين التغطية المحدودة لأخبار سفينة اللاجئين مقابل التغطية «دقيقة بدقيقة» لأخبار الغواصة السياحية، فاستحقّ التصفيق الحادّ من قاعة حاشدة. ثمّ، في حوار مع شبكة CNN، ذهب إلى درجة الحديث عن مستويات «بذيئة» من انعدام المساواة في أخبار اليوم، الأمر الذي يدلّ على «التباين» الهائل في النظر إلى فُرَص البشر في الحياة.
ولا يصحّ لعاقل، صاحب ضمير يتحلى بالحدود الدنيا من إنصاف حوليات التاريخ، قبل السجلات الأخلاقية والحقوقية والقانونية؛ أن يتناسى مسؤولية رجال من أمثال أوباما، وقبله فرنكلين روزفلت وهاري ترومان ودوايت أيزنهاور وجون كنيدي ولندن جونسون وريشارد نكسون وجيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلنتون وجورج بوش الابن، وبعده دونالد ترامب وجو بايدن؛ عن وجود ملايين البشر على متن قوارب لجوء ونزوح قسري تمخر عباب البحار والمحيطات، حاملة بشراً آملين في النجاة من الحروب والاستبداد والمجاعات والأوبئة. كما لا يجوز للعاقل إياه أن يتناسى أنّ أوباما هذا، هو ذاته صاحب «الخطّ الأحمر» الشهير بصدد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية والجرثومية؛ وأنّ مقادير الزيف والمخادعة خلف ذلك الخطّ، والصفقات التالية مع الكرملين، كانت في عداد أبرز الأسباب خلف موجات النزوح القياسية سنة 2015 و2016.
ليس هذا الطراز من النفاق جديداً على أوباما، أو على نظرائه في مواقع القرار على امتداد القوى الكبرى ذات القبضة المحكمة على مقدرات العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي تتسبب في اندلاع الحروب أو تمدّ نيرانها بأسباب إضافية لاشتعال أشدّ وأدهى؛ الأمر الذي يقف خلف القسط الأعظم من عوامل اليأس والبؤس الكامنة في قلب موجات النزوح أو التهجير أو التطهير العرقي أو اللجوء إلى المجهول، ويقف أيضاً خلف سياسات التضييق وإغلاق الحدود التي تعتمدها تلك القوى في وجه اللاجئ أو النازح أو المهجَّر. ولن يكون جديداً، في المقابل، أيّ طراز آخر من نفاق يأمل في أن تتساوى أخبار قارب الصيد «أدريانا» مع أخبار الغواصة السياحية «تيتان»؛ إذْ أنّ المساواة هنا تتجاوز الفارق بين أجناس البشر وأصناف الاضطرار أو الاضطهاد أو المسغبة، في موازاة الرفاه والتخمة والدعة. فإذا كانت المصادفة، وحدها، وراء وجود جنسيات باكستانية على ظهر القارب وداخل الغواصة؛ فإنّ ذلك التصادف لا ينطوي على أيّ نمط من التوازي يفسّر حقيقة أنّ باكستاني «أدريانا» جائع أو مطارَد أو يائس، وسائح «تيتان» مرفّه متخم مبذّر…

لا يصحّ لصاحب ضمير يتحلى بالحدود الدنيا من إنصاف حوليات التاريخ، قبل السجلات الأخلاقية والحقوقية والقانونية؛ أن يتناسى مسؤولية رجال من أمثال أوباما، عن وجود ملايين البشر على متن قوارب لجوء ونزوح قسري تمخر عباب البحار والمحيطات

لا حاجة، بالطبع، إلى أيّ جهد في البحث عن أسباب وجود مواطنين سوريين بين المئات من ضحايا القارب الغارق، فالأرقام التي تعتمدها الأمم المتحدة ذاتها تشير إلى 6.9 مليون لاجئ خارج سوريا، ونحو 7 ملايين داخل البلد ضمن عشرات المخيمات في الشمال الشرقي أو الشمال أو الشمال الغربي. ولا يساجل كثيرون (ما خلا طبول «الممانعة» وتجميل النظام أو القتال معه لتشريد السوريين وتهجيرهم) حول مسؤولية النظام السوري عن هذه الحال، وبالتالي ليست مفاجأة أن تتجاور الجنسية السورية مع الجنسيات الأفغانية والباكستانية والمصرية والفلسطينية. وبين أكثر المفارقات المأساوية المقترنة بحكاية تعدد الجنسيات هذه، أنّ غالبية الضحايا من الفلسطينيين لم يبحروا إلى المجهول فراراً من الكيان الاستيطاني والعنصري الإسرائيلي، وهو اليوم الاحتلال الأبشع والأشدّ وحشية وفاشية؛ بل غامروا بمغادرة مخيماتهم وأماكن إقامتهم في سوريا ذاتها، هرباً من عنف نظام لا يقلّ وحشية وبشاعة، جعل من التنكيل بمخيّم اليرموك في ظاهر العاصمة دمشق درساً «تربوياً» لكلّ فلسطيني يفكّر بالتضامن مع أبناء الشعب السوري، ومشاطرتهم التطلّع إلى الحرية والديمقراطية والمواطنة.
وكان تعبير «سوريا المفيدة» الذي أطلقه بشار الأسد شخصياً منذ العام 2015 وبعد 4 سنوات على انطلاق الانتفاضة الشعبية، بمثابة تكريس مبكّر لنهج النظام في اقتطاع حصّة جغرافية، ولكن ديمغرافية وطائفية كذلك، إزاء آفاق تقسيم البلد كما لاح آنذاك أنها أخذت ترتسم تباعاً وتدريجياً. ولهذا كان النزوح القسري، المعتمد أوّلاً على استهداف المناطق المدنية بالبراميل والأسلحة الكيميائية، تطبيقاً عملياً للمنهج إياه ولكن من زاوية التهجير و/ أو إفراغ المناطق من سكانها الأصليين غير المطابقين لمواصفات تنقية «سوريا المفيدة». وليس غريباً أن يكون اهتمام إعلام النظام السوري بواقعة غرق «أدريانا» وحقيقة وجود مئات السوريين بين الضحايا والمفقودين، محدوداً تماماً أو منعدماً، يقترب كثيراً من سوية التجاهل عن سابق عمد؛ يقتفي في هذا صمت النظام الرسمي، بما يوحي أنّ الغرقى ليسوا أبناء تلك الـ»سوريا المفيدة» الذي يريدها النظام ويديرها. ولا يُستبعد أنّ بعض دوافع التعمية عن النبأ مردّها أنّ غالبية الضحايا السوريين هم من أبناء محافظة درعا، صاحبة السبق في انتفاضة آذار (مارس) 2011؛ وربما لأنّ بعض وجهاء وناشطي حوران دعوا إلى ثلاثة أيام من الحداد، وإقامة صلاة الغائب على أرواح الغرقى.
وفي العودة إلى الرئيس الأسبق للقوّة الكونية الأعظم على الأرض، لم يكن أوباما يجهل ما فعلت سياساته، وأسلافه ومَن خلفوه، في سوريا وفلسطين ومصر والباكستان وأفغانستان، ولم يكن يُنتظر منه أن يقرّ بأيّ مستوى من الذنب؛ لكنّ انتهاجه النقد المنافق إزاء انعدام المساواة في تغطية مصائب تلك السياسات غابت عنه، مع ذلك، صيغة تسمية الأشياء بمسمياتها، كأنْ يتطرق مثلاً إلى مسؤولية القوى العظمى، وهي الديمقراطيات الغربية ذاتها، في تعطيل جهود المنظمات الإنسانية المستقلة التي تولّت عمليات إنقاذ سفن اللاجئين المهددة. وفي تقريرها الرئيسي السنوي الذي صدر بعنوان «الاتجاهات العالمية حول النزوح القسري» وجدت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أنّ عدد الأشخاص المهجرين بسبب الحروب والاضطهاد والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان وصل في نهاية 2022 إلى الرقم القياسي 108.4 مليون شخص، بزيادة تقارب 19.1 مليون شخص عن العام 2021، هي الأكبر على الإطلاق. ولم يكن السبب راجعاً إلى ازدياد أعداد اللاجئين، بل إلى نقصان أو شبه تغييب جهود الإغاثة المستقلة، بسبب لجوء الحكومات إلى تجريم عناصرها وإحالتهم إلى القضاء وحظر أنشطتهم.
هذه، على نحو أو آخر، سياسات تكريس «حدود مفيدة» ليس في أعالي البحار والمحيطات وحدها، بل داخل المياه الإقليمية ذاتها، وأياً كانت معدّلات افتقارها إلى القانون الدولي، أو قوانين حقوق الإنسان وقداسة الحياة والمواثيق الموقّعة حول اللجوء عموماً، والنزوح القسري خصوصاً. وإذا كان الأسد ينتسب إلى أعراف تلك الحدود من منطلقات غير غريبة عن نظام الاستبداد والفساد والكيميائي والبراميل المتفجرة والكبتاغون الذي يترأسه، فإنّ المنتسبين إليها من دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان وترفيه العباد وتنمية سياحات اليخوت والغواصات الخاصة؛ ليسوا أقلّ انسجاماً مع الأسد في هذا، بقدر ما هم أكثر معاضدة له… وانخراطاً معه!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

الجولان السوري المحتل:

رياح أسيرة ومقاومة مستدامة

صبحي حديدي

 

«المرصد» التسمية المختصرة لـ«المركز العربي لحقوق الإنسان في مرتفعات الجولان» يحرص على توصيف أكثر إحاطة بعدد من الجوانب الاقتصادية والبيئية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي للهضبة، في أعقاب حرب 1967؛ ويفضح، بانتظام، الانتهاكات الصارخة في استغلال ثروات الجولان ومحيطه الطبيعي، التي لا تُسلّط عليها أضواء كافية بقصد التعتيم عليها أوّلاً، ولأنها أساساً بالغة الحساسية والخطورة في آن معاً. وما شهدته وتشهده قرية مسعدة الجولانية من احتجاجات شعبية ضدّ مشروع زرع «مراوح هوائية» في أراض زراعية يملكها سكان الجولان المحتل، في بلدات مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا، تبدو بمثابة الفصل الأحدث من مسار طويل ومفتوح.
وفي الخلفية الأعرض، يشير «المرصد» إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي صادر أكثر من 96٪ من أراضٍ جولانية أخضعها لسيطرته بقوّة الاحتلال، فضلاً عن قرار ضمّ الهضبة سنة 1981؛ كما يرفض إقرار غالبية الملكيات السورية العامة أو الخاصة. أمّا على النحو التفصيلي، فثمة ثلاثة ميادين على الأقلّ لاستغلال ثروات الجولان الطبيعية، هي الرياح والمياه والنفط؛ وأوضحها اليوم هو الميدان الأوّل الذي يتيح للاحتلال تركيب المراوح وإقامة مشاريع طاقة الرياح، وهو الذي يستحثّ التظاهرات والاعتصامات والإضرابات من جانب أبناء الجولان المحتل، ويقابله الاحتلال بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع وإغلاق الطرقات. وحسب «المرصد» فإنّ شركة
Energix Renewable Energies Ltd، وهي حكومية تمّ تأسيسها وإطلاقها في البورصة الإسرائيلية، حصلت مطلع العام 2020 على إذن الاحتلال بنصب 25 توربينة رياح على الأراضي الزراعيّة الخاصّة والمجاورة لثلاث من قرى الجولان؛ بارتفاع يمكن أن يصل إلى 220 متر ويجعلها في عداد أطول التوربينات البريّة عالمياً، وبانتشار على مساحة تبلغ حوالي خُمس ما تبقى لأهالي الجولان السوريين من أراض زراعية. ومن جانب أوّل معلَن يسعى المشروع إلى استغلال أوسع للموارد الطبيعية، بما يضمن تضخيماً أشدّ لاعتماد الجولانيين على الاحتلال في مجال الطاقة، ضمن إطار أعرض لترسيخ طراز أسير من اقتصاد الحياة اليومية. وأمّا من جانب ثانٍ، هو الأخطر والأخبث، فإنّ زرع المراوح يعني في نهاية المطاف مصادرة 4500 دونم من الأراضي الزراعية، والكثير منها يضمّ بساتين فواكه التفاح والكرز الأشهر، وضمنها أيضاً نحو 1000 دونم من حقول الألغام؛ وهذه مساحات سوف تتهوّد فعلياً وتلتحق بالأراضي التي أقام عليها الاحتلال 35 مستوطنة حتى الساعة، يقيم فيها نحو 29,000 مستوطن.
السياسة المباشرة ليست غائبة عن عربدة الاحتلال في سماء الجولان، إذْ شرعت الشركة الإسرائيلية في أعمال تركيب «المراوح الهوائية» بتحريض مباشر من وزير الأمن القومي الإسرائيلي، المتطرف إيتمار بن قفير؛ لم تغبِ عنه نوايا إحراج رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، المنشغل بملفات في شمال الضفة الغربية وقاعات الكنيست أكثر إلحاحاً وتفجراً، والمستعدّ لمرونة أكبر في كسب الوقت وتأجيل متاعب الجولان عبر المقايضة مع الشيخ موفق طريف الزعيم الروحي لطائفة الدروز، و«تجميد» أشغال التركيب إلى ما بعد عيد الأضحى.

مشروع خطط زرع التوربينات، يشكل خطراً وجودياً على سكان الجولان السوريين والسوريات، ويهدف إلى ترسيخ الاحتلال الاقتصادي للجولان

وفي القلب من المناخ السياسي الذي يكتنف هذا الحراك، توفّر من بين ظهراني أهل الجولان من يعزف أنغام الاحتلال، فوقّع صالح طريف، رئيس إحدى شركات التنفيذ، بياناً مع المدير العام لـ Energix؛ يزعم فيه بأنّ المشروع سوف «يساهم كثيراً في خير المجتمع عبر إنشاء أماكن عمل كثيرة، تطوير بنى تحتية (كهرباء، مياه، طرق، وغيرها) دفع مبلغ كبير من الضرائب للمجالس المحلية، تعزيز العلاقة بالتقاليد الدرزية». البيان المضادّ لم يتأخر، وصدر بتوقيع «جماهير الجولان العربي السوري المحتل» فأعرب عن «التصدي لكل من يقف وراء هذا المشروع، غير آبهين بشخصه دفاعاً عن حقنا في أملاكنا وحرصاً منا على مستقبل أطفالنا».
مقاومة مستدامة، إذن، في مقابل انتهاك لثروات الجولان تتجلى اليوم في احتلال الرياح، ولكنها لم تتوقف في أنساق أخرى من الانتهاك والاستثمار والعربدة؛ كما في ملفّ المياه، وفي الجولان تحديداً لأنّ الطبيعة شاءت له أن يتمتع بهطولات أعلى مقارنة مع مناطق احتلال إسرائيلي آخر. هنا، حسب «المرصد» دائماً، أنشأت سلطات الاحتلال 16 مجمّعاً مائياً يستنزف المياه السطحية والجداول وسيولات فصل الشتاء، ويستجمعها في قنوات طبيعية أو حُفرت خصيصاً، بما يبلغ نحو 45 مليون متر مكعب. ليس هذا فحسب، لأنّ الاحتلال يعتمد سياسات تمييزية، عنصرية تماماً، تفرض على السكان السوريين أسعار مياه أعلى وحصصاً أقلّ ممّا هو مسموح للمستوطنين باستهلاكه. أمّا أنشطة الحفر واستخراج المياه التي تمارسها الشركات الإسرائيلية فقد تكفلت بتجفيف عدد كبير من الينابيع المحلية، وما تبقى منها قليل محدود.
في ملفّ النفط والغاز تقول معطيات «المرصد» إنّ شركة «آفيك» الإسرائيلية، المرتبطة بشركة
Genie Energy الأمريكية الضخمة (بين ملاّكها ديك شيني وروبرت مردوخ) حفرت 10 آبار حتى العام 2017، وتعلن عن احتياطيات نفط كبيرة تبلغ «مليارات البراميل» في الجولان؛ غير عابئة بأنّ التنقيب عن النفط لتحقيق مكاسب خاصّة في الأراضي المحتلّة يُعدّ انتهاكاً واضحاً للقانون الدوليّ، وغير مكترثة أيضاً بالعواقب البيئة لعمليات التنقيب وخاصة في احتمالات إحداث زلازل صغيرة وتلويث المياه الجوفية. الأدهى، ربما، أنّ أنشطة الاحتلال في هذا الميدان تخضع لتعتيم هائل وتجهيل متعمد، بل يحدث أنّ البعض من أهل الجولان أنفسهم لا يعرفون الكثير عنها بالنظر إلى أنّ أشغال الحفر تجري في جنوب الهضبة والمناطق النائية وغير المأهولة.
جدير بالإشارة، هنا، بيان مشترك سبق أن أصدرته 17 منظمة حقوقية، أدان خطط زرع التوربينات، وأكد أنّ «هذا المشروع الخطير يشكل خطراً وجودياً على سكان الجولان السوريين والسوريات، ويهدف إلى ترسيخ الاحتلال الاقتصادي للجولان على نحو مخالف لحقّ الانتفاع المنصوص عليه في المادة 55 من اتفاقيّة لاهاي الرابعة المتعلّقة بقواعد وأعراف الحرب البريّة لعام 1907».
وبين اقتصاد أسير واقع تحت الاحتلال ومقاومة مستدامة سجّلت صفحات مشرّفة، تواصل الهضبة خضوعها لاحتلال هو الأشنع على مدار التاريخ، يستولي على مياه نهرَي اليرموك وبانياس، ويعتمد على الجولان في تأمين 50٪ من احتياجات المياه المعدنية، و41٪ من احتياجات اللحوم، و21٪ من كروم العنب المخصصة لصناعة الخمور، وقرابة 50٪ من احتياجات الفاكهة. في غضون ذلك كلّه وسواه، يواصل آل الأسد، الأب في الماضي مثل وريثه اليوم، تحويل أرض الجولان إلى بورصة/ مزاد غير علني بين دولة الاحتلال، من جهة أولى؛ والولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، من جهة ثانية؛ فضلاً عن توظيف المرتفعات المحتلة في الخطاب الديماغوجي الموجّه للاستهلاك، الداخلي السوري وكذلك العربي والإقليمي، حول «الصمود» و«التصدّي» و«الممانعة».
وإذا استثنى المرء جولان المقاومة في مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قينا، فعن أيّ جولان يتحدث النظام السوري، آخر الأمر؟ أهو جولان حوارات واي بلانتيشن وشبردزتاون؟ أم هو جولان «وديعة رابين» الشهيرة، حيث اختلط الوعد المغدور بالجزرة الذاوية الذابلة؟ أم جولان وساطات اللورد ليفي بين الأسد الأب ورئيس وزراء الاحتلال، نتنياهو نفسه، حين اتضحّ أنّ فتح القناة السورية لم يكن إلا تعمية على إغلاق القناة الفلسطينية؟ أم، أخيراً وليس آخراً، جولان إيهود باراك، حين شاء النظام منح الأولوية القصوى إلى ترتيبات توريث بشار، قبل وعلى حساب أيّ ملفّ آخر؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

النشيد الوطني

 بين الجزائر وفرنسا

صبحي حديدي

 

لعلها دوافع متعددة متشعبة، داخلية وخارجية، تلك التي حدت بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى إصدار مرسوم رئاسي يحدّد ظروف وشروط أداء النشيد الوطني الجزائري، ويعدّل بالتالي ما كان يقضي به مرسوم 1986 حول «الأداء الكامل أو الجزئي» للنشيد؛ الأمر الذي بات يُلزم بإدراج الفقرة الثالثة الإشكالية، التي تقول: «يا فرنسا قد مضى وقت العتاب/ وطويناه كما يُطوى الكتاب/ يا فرنسا إن ذا يوم الحساب/ فاستعدّي وخذي منّا الجواب/ إنّ في ثورتنا فصل الخطاب/ وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر/ فاشهدوا».
معروف، إلى هذا، أنّ ثلاثة من رؤساء الجزائر السابقين، الشاذلي بن جديد واليمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة، تناوبوا على حذف هذه الفقرة الثالثة أو الإبقاء عليها أو تضييق المناسبات التي يتوجب أن تؤدّى خلالها، وتبون يصبح اليوم رابعهم؛ في غمرة إصرار من رجالات جبهة التحرير الجزائرية على التمسك بها، ضمن نشيد كتبه الشاعر الجزائري الوطني مفدي زكريا من زنزانته تحت الاستعمار الفرنسي، ولحّنه الموسيقار والمطرب المصري محمد فوزي هدية إلى ثورة الجزائر، واعتُمد رسمياً كنشيد وطني في سنة 1962. ولم يكن غريباً، بل لعله بدا صحياً ومطلوباً، أن يعترض على إدراج الفقرة جزائريون وطنيون لا يُشكّ في إخلاصهم ونضالاتهم، لسبب جوهري أوّل يقول إنّ هذا النشيد هو الأوحد على نطاق العالم الذي يذكر دولة أجنبية في كلماته.
وإذْ يدع المرء دوافع تبون في ذمّة التاريخ، وما سيتكشّف من حقائق وملابسات تخصّ صلات المرسوم الرئاسي بكيمياء الودّ المعلَن/ البغضاء المضمرة التي تجمع الرؤساء الجزائريين بنظرائهم الفرنسيين، والفرنسي الحالي إمانويل ماكرون ليس استثناء بل على رأس اللائحة؛ فإنّ ما يلفت في ردود الأفعال على إعادة إحياء الفقرة الثالثة هو «العتب» الفرنسي الرسمي، والسخط والغضب والإباء والاحتجاج لدى أهل اليمين المتشدد أو حتى بعض ممثّلي ما تبقى من يمين ديغولي في فرنسا. التعليق الألطف، حتى الساعة على الأقلّ، جاء من وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، التي اعتبرت أنّ الفقرة المستعادة تمتّ إلى ماضٍ انقضى، وهي مخالِفة للزمن الذي يشهد تلمّس آفاق أفضل في العلاقات الجزائرية – الفرنسية.
طريف، مع ذلك، أنها أقرّت بما ينطوي عليه النشيد الوطني الفرنسي من معانٍ «حربجية»، وعفّت بالتالي عن إقرارٍ آخر رديف يقول إنّ «المارسييز» الشهير يتضمن عبارات عنيفة ودموية وخشنة تجعل منه أنشودة حرب وتعطّش للدماء والثأر، وليس نشيداً وطنياً لأمّة تزعم أنها بلد الأنوار والتسامح وحقوق الإنسان. تلك، في كلّ حال، كانت دعوة أطلقها الفنان والمغنّي والمؤلف الموسيقي الفرنسي أنطوان كابيلا، الذي حاول انتهاز فرصة حلول الألفية الثالثة لكي يدشّن حملة المطالبة بتعديل تلك الجمل والعبارات التي تخدش حياء الراشدين، ولا يصحّ أن يشدو بها الأطفال في المدارس. وكان الرجل يدرك أنّ اللحن أكثر قداسة (وعراقة، وتجذراً، وجمالاً في الواقع!) من أن يجاهر بتعديله أو اجتثاث بعض أجزائه من ذاكرة الفرنسيين، شيباً وشباباً؛ كما كان يعرف أنّ قلّة قليلة من الفرنسيين هي وحدها التي ما تزال تردّد النشيد كنصّ وقصيدة، وأنّ قوّة «المارسييز» كانت وتظلّ كامنة في اللحن الموسيقي ذاته.
وهكذا طالب كابيلا بتعديل الفقرة التي تحثّ على حمل السلاح ضدّ «الغزاة الأجانب المتوحشين» الساعين إلى «جزّ رقاب أبنائنا ونسائنا»، وتدعو الجنود الفرنسيين الثوريين إلى «إغراق الخنادق» بـ «الدماء النجسة» للغزاة. حجّته أنّ هذه الفقرة لا تحرّض على العنف الأقصى فحسب، بل هي تتضمّن تلميحات عنصرية أيضاً (الأجانب، الدماء النجسة) قد تناسب الحاجات الثورية لعام 1795؛ ولكنها اليوم لم تعد، أو لا يتوجب أن، تتناسب مع القِيَم الجمهورية لفرنسا الحديثة. ولقد أعدّ قرصاً مدمجاً (
CD) يحتوي على كلمات النشيد الوطني البديل، ثمّ وزّعه على أعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) وعلى شخصيات ثقافية وفكرية وسياسية هنا وهناك، آملاً بنقل النقاش إلى مستوى عملي.
دون جدوى، غنيّ عن القول، إذْ ظلّ «المارسييز» عميق التجذّر في الذاكرة الجمعية، فأقرّ 40% من الفرنسيين بـ»دموية» النشيد، ولكن 7% فقط منهم وافقوا على تغيير كلماته! الأرجح أنّ نسبة مماثلة سوف تعكسها استطلاعات رأي الجزائريين حول حذف الفقرة الثالثة من «قسماً» أو الإبقاء عليها؛ وليس في المناسبات الرئاسية التي حددها مرسوم تبون نفسه فقط، بل ربما كلما طلعت شمس على بلد «الدماء الزاكيات الطاهرات». ذلك لأنّ النشيد الوطني لأيّة أمّة هو أشبه بعلامة فارقة تميّزها عن سواها، تماماً مثل العلم الوطني أو أكثر قليلاً ربما؛ ويحدث مراراً أن يجهل الآخرون تصميم علم دولة ما، ولكنهم يحفظون موسيقى نشيدها الوطني بسبب عزفه في المناسبات الرسمية والاحتفالات والمباريات الرياضية بصفة خاصة.
ورغم أنّ الفقرة الثالثة قد تكون الأضعف شعرياً في نصّ النشيد، وثمة بعض الوجاهة في دفاع البعض عنها من زاوية تلميحها إلى فرنسا الاستعمارية وليس فرنسا الراهنة؛ فإنّ أية حكمة خلف الاحتفاظ بها أو استبعادها لا تبدأ من اعتبارات كهذه، وهي أشدّ توغلاً في الوجدان الجزائري من أن تحكم حضورها وغيابها سياسات توافق هنا أو نزاع هناك.

 

 

ما بعد تفجير كاخوفكا:

خيارات بوتين النووية

صبحي حديدي

 

سلسلة الكوارث البيئية الناجمة عن تفجير سدّ كاخوفكا الأوكراني، أسوة بجمهرة من العواقب العسكرية المباشرة القريبة أو غير المباشرة والبعيدة، قد تشير في ذاتها إلى تحوّل نوعي يشمل طبيعة العمليات ومساراتها بعد سنة من الغزو الروسي في أوكرانيا. غير أنّ الواقعة، بصرف النظر عن الجهة الروسية أو الأوكرانية المسؤولة عنها (حكاية تفجير أنبوب غاز «نورد ستريم» تُعلّم المرء الكثير من الحذر قبيل توجيه إصبع الاتهام)، تصنع مؤشراً إضافياً بالغ الدلالة والخطورة حول الذروة القصوى التي يمكن أن تبلغها مسارات اللجوء إلى نوعية خاصة من «الأسلحة»؛ الكفيلة، كما يُراد لها مبدئياً، بكسر الجمود الراهن الملحوظ في ترجيح كفّة الصراع.
المفردة الحاسمة هنا، والتي أخذت تتجاوز مستوى المسكوت عنه إلى المنطوق به، هي السلاح النووي وما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوف ينتقل إلى استخدامه على أيّ نحو. المعطيات على الأرض تقول إنّ ضخّ 300,000 جندي روسي إلى القتال في أوكرانيا، وخلال فصل الشتاء تحديداً، لم يبدّل كثيراً في توازنات القتال ميدانياً. معطى آخر، مدهش ولافت، يقول إنّ دبابات روسية (سوفييتية، في الواقع) من إنتاج خمسينيات القرن الماضي شوهدت في بعض المعارك؛ وهذا يعني أنّ ترسانة السلاح الروسي آخذة في النضوب، ولم تعد بحاجة إلى المسيّرات الإيرانية وحدها.
السلاح النووي، إذن، حتى إذا كان «قُنيبلة» نووية تكتيكية وليس القنبلة النووية الأمّ الستراتيجية؟ الحذر يقتضي تفادي الجزم، غنيّ عن القول، وإنْ كان يقتضي في الآن ذاته الاحتكام إلى مقدار مطلوب من الترجيح. فإذا لم تكن ذريعة بوتين في اللجوء إليها هي «التهديد الوجودي» الذي تواجهه روسيا من جانب الولايات المتحدة والحلف الأطلسي والغرب عموماً، فإنها يمكن اليوم أن تدور حول الحفاظ على حياة مئات الآلاف من الجنود الروس المتمركزين في أوكرانيا للدفاع عن «بقاء روسيا الأمّ والوطن» ومقارعة «القطعان النازية» في كييف، كما يردّد إعلام الكرملين.
لا يصحّ أن تُنسى، في المقابل، عادات بوتين في التفاخر العسكري، الصاروخي والنووي معاً، سواء اقتضت المناسبة ذلك أم كان الحشو اللفظي واستعراض العضلات هو الدافع. ففي أواخر العام 2004 اجتمع بوتين مع أركان القيادة العسكرية الروسية وأنذر العالم بأنّ روسيا سوف تنشر في الأعوام القليلة القادمة أنظمة صواريخ نووية جديدة، متفوّقة على كلّ ما تمتلكه جميع القوى النووية الأخرى. كما بشّر بأنّ بلاده لا تكتفي بالأبحاث النووية والاختبارات الناجحة للأنظمة الجديدة، بل هي ستتسلّح بها فعلياً خلال السنوات القليلة القادمة: «أنا واثق أنّ هذه التطوّرات والأنظمة غير متوفرة لدى الدول النووية الأخرى، ولن تكون متوفرة في المستقبل القريب»….
لا هذه يجوز أن تُنسى اليوم، ولا تلك المعطيات سالفة الذكر حول الحال الميدانية العسكرية لمغامرة بوتين في أوكرانيا؛ خاصة لجهة الأدوار الآخذة في الانحسار للأسلحة التقليدية والقوّات البرّية، وهذه شكّلت الركيزة الأولى لعقيدة الدفاع السوفييتية/ الروسية الكلاسيكية، وكان خيار الردع النووي هو الركيزة الثانية. ولا يصحّ، أيضاً، إغفال قرار بوتين بنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، ليس بقصد تخزينها هناك بل كذلك على سبيل تدريب الجنود البيلاروس على استخدامها. وقبل ذلك بادر بوتين إلى تجميد معاهدة «نيو ستارت» التي تراقب إنتاج الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو.
وعلى نقيض تقديرات الإدارة الأمريكية، من مجلس الأمن القومي إلى الاستخبارات والبنتاغون، يرى كيفن رايان (العميد المتقاعد، والباحث في هارفارد، والملحق العسكري الأمريكي الأسبق في موسكو)، أنّ بوتين سوف يستخدم السلاح النووي في أوكرانيا. وسواء صدقت نبوءته الكارثية أم كذّبتها التطورات المتسارعة، فالأرجح أنّ ما بعد سدّ كاخوفكا لن يشبه ما قبل تفجيره، إذا كان للتشابه هنا أيّ معنى أصلاً.

 

 

مجموعة السبع في هيروشيما:

تأصيل النفاق المستدام

صبحي حديدي

 

لم يكن المشهد سوريالياً تماماً، لأنه أوّلاً سيخون ركيزة كبرى في المذهب السوريالي تحضّ على الذهاب إلى ما وراء الواقع، أو حتى فوقه وأعلى منه إذا شاء المرء التبسيط؛ لكنّ المشهد لم يخلُ تماماً، في جانب آخر هامّ، من درجة انتهاك، معنويّ ثمّ بصري، تشدّ كثيراً نحو تلك الصيغة السوداء من سوريالية العبث بالواقع: رئيس وزراء اليابان، كيشيدا فوميو، ابن مدينة هيروشيما؛ يستقبل رئيس الولايات المتحدة، القائد الأعلى للجيش ذاته الذي ألقى أوّل قنبلة ذرية على المدينة يوم 6 آب (أغسطس) 1945، وألحق الأذى البليغ بمدينة ناغازاكي المجاورة، ولا يعثر التاريخ حتى اليوم على الرقم الفعلي للضحايا وما إذا كان 140.000 ضحية، أم أكثر.
وحتى تتسع دائرة الانتهاك، بما يصفع الضمير الإنساني ويضيف الإهانة إلى الجرح، وقف كيشيدا مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، صحبة أقطاب مجموعة السبع قادة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وكندا، لالتقاط صورة تذكارية أمام نصب السلام في هيروشيما. وكان باراك أوباما أوّل رئيس أمريكي يزور هيروشيما ويتفقد «حديقة السلام» هذه، أواخر أيار (مايو) 2016، وقد أبلغ بعض الناجين من القصف النووي بأنّ زيارته «دليل على أن أكثر الانقسامات إيلاماً يمكن تجاوزها». غير أنّ صورة الـ
G-7 الأخيرة ضمّت أيضاً بريطانيا وفرنسا، اللتَين لم تعتذرا قطّ، بل لم تعترفا أصلاً، بالعواقب النووية الكارثية لسلسلة التجارب النووية التي أجرتها باريس ولندن هنا وهناك في المستعمرات.
ألسنة قادة الـ
G ـ 7، التي ابتُلعت في الأفواه إزاء الجريمة النووية الأمريكية، وليس في أيّ مكان آخر سوى هيروشيما ذاتها؛ انطلقت، بل وصالت وجالت ضدّ الصين، لأنّ تعزيز ترسانة بكين النووية يشكّل «مصدر قلق للاستقرار العالمي والإقليمي». وإلى جانب هذه الصفاقة الفاضحة في الكيل بأكثر من مكيال واحد كلما اتصل الأمر بالتسلّح النووي، أضاف القادة ما أسموه «رؤيا هيروشيما حول نزع السلاح النووي» حيث لم تعد صفة النفاق كافية لتوصيف مقادير جسارته في الخداع والكذب؛ وكلّ هذا مع استمرار الفرسان السبعة في رفض إقرار «اتفاقية حظر الأسلحة النووية».
ليس النفاق النووي لمجموعة الفرسان السبعة جديداً، بالطبع، ولكنه صار يتخذ وجهة منهجية متسارعة في تأصيل حال مستدامة، مكشوفة تماماً؛ تعيد التذكير بما كان الصحافي الأمريكي شارلز ريز قد صاغه على هيئة أحجية متكاملة، تكون مفردة دولة الاحتلال الإسرائيلي هي الإجابة الوحيدة عليها:
ـ من هي الدولة التي تنفرد عن جميع دول الشرق الأوسط في امتلاك الأسلحة النووية؟
ـ من هي الدولة التي ترفض التوقيع على الاتفاقيات الدولية لحظر انتاج الأسلحة النووية، بل وتحظر على المنظمات الدولية القيام بأي تفتيش على منشآتها النووية؟

الاقتصاد الدولي معتلّ من الرأس حتى أخمص القدمين، في دول مجموعة السبع قبل الصومال والإكوادور والأرجنتين ومصر؛ وأنّ الكبار، هنا تحديداً، يريدون من ضحايا كهذه أن تمرّ في قاطرات التاريخ لأداء وظيفة كبرى، حصرية أو تكاد، هي تزويد الكبار بمزيد من… القرابين

ـ من هي الدولة التي احتلت عسكرياً أراضي الدول المجاورة، وتواصل ذلك الاحتلال متحدية بذلك جميع قرارات مجلس الأمن الدولي المطالبة بإزالة آثار ذلك العدوان؟
ـ من هي الدولة التي استخدمت الجاسوس جوناثان بولارد لسرقة وثائق سرّية أمريكية؟ وهل هي الدولة ذاتها التي أنكرت الواقعة في البدء، ثم اعترفت بها ومنحت بولارد الجنسية الفخرية، بل ونظمت حملات ضغط واسعة لإجبار البيت الأبيض على إطلاق سراح الجاسوس، لأنه في نظرها بطل وطني؟
ـ من هي الدولة التي ترفض تنفيذ عشرات وعشرات من قرارات مجلس الأمن الدولي، بل وتستخفّ بهذه القرارات وتلك الهيئة الدولية؟
ولعلّ ريز يضيف سؤالاً، بديهي الإجابة، حول اسم الدولة التي قصفت مفاعل تموز قيد الإنشاء في العراق، سنة 1981؛ ومشروع مفاعل الكبر قيد الإنشاء في سوريا، سنة 2007؛ ولم يحرّك النوويون في الـ
G ـ 7 ساكناً لتبيان أنها اعتداءات تنتهك القانون الدولي وانطوت على مخاطر بيئية جدية؛ بل الأرجح أنهم فركوا الأكفّ ابتهاجاً، بافتراض أنّ البعض منهم لم ينسّق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يزوّدها بمعلومات استخباراتية ولوجستية تجعلها شريكاً مباشراً.
واحدة من ذرى النفاق النووي، وربما إحدى عتبات الطور المستدام منه، كانت قبول دولة الاحتلال (على مضض، وبشروط صارمة) زيارة محمد البرادعي، الذي كان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تموز (يوليو) 2004؛ بعد نداء أطلقته جمهرة من الدول الأعضاء في الوكالة الدولية، ألحّ على ضرورة أن تفتح جميع الدول في الشرق الأوسط منشآتها النووية لتقوم الوكالة بتفتيشها والعمل من أجل منطقة خالية من الأسلحة النووية. الزيارة استغرقت 3 أيام، اجتمع خلالها البرادعي مع أرييل شارون رئيس حكومة الاحتلال يومذاك، لكنه لم يطأ بقدمية سنتمتراً من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي، واكتفى من الغنيمة بالتحليق في سماء النقب على متن حوّامة عسكرية؛ وبتصريح من شارون (عَدّه البرادعي مكسباً، أغلب الظنّ!) جاء فيه أنّ «سياسة إسرائيل هي إقامة سلام في الشرق الأوسط» وعند «إقرار السلام فإنّ إسرائيل ستنظر في إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية».
يًذكر، أيضاً، أنّ اليابان احتضنت قمة للسبعة الكبار، في أيار (مايو) 2016، وكانت حصّة هيروشيما زيارة تنظير وسفسطة حول الذاكرة انخرط فيها الرئيس الأسبق أوباما؛ الذي حرص أيضاً على زراعة شجرة سيدر في إيسي ــ شيما. يومها لم تكن «الرؤيا» نووية تماماً، رغم أنّ كابوس النووي الكوري الشمالي كان مخيماً على الأجواء؛ بل تبنى القادة ما أطلقوا عليه تسمية «تقرير التقدّم» الذي لم يكن البتة أقلّ نفاقاً ومخادعة وتكاذباً. وفي الملخص جاء أنّ «التنمية وتمكين جميع الشعوب» أولوية متطابقة لقمم المجموعة، و«الحساب والشفافية يظلان مبدأين جوهريين للقمة كي تحافظ على مصداقية قراراتها وفعاليتها»؛ وكان اللغو لا يرشح من كلّ حرف في هذه العبارات فحسب، بل لاح أنّ الهراء يتبارى في النصّ مع الاستغفال العلني للعقول.
وفي عداد النفاق المستدام ذاته جاءت سلسلة اجتماعات وزراء مجموعة السبع، الخارجية والمالية والعلوم والتكنولوجيا والبيئة والتربية والطاقة والزراعة… أشدّ الأجندات مخادعةً كانت تلك التي تسعى إلى «نموّ شامل دائم وقوي» عماده إصلاح النظام الاقتصادي العالمي عن طريق التوازن بين السياسات النقدية والضريبية، والإصلاحات الهيكلية؛ وأمّا أوضحها نفاقا فقد كانت تلك التي تطالب بـ«الحفاظ على الإرث الثقافي إزاء الاعتداءات الإرهابية» خاصة آثار تمبكتو في مالي والموصل في العراق وتدمر في سوريا؛ ومع بقاء أكثرها حرجاً، وإلحاحاً، في آن: «الإقرار بوجود أزمة عالمية» تخصّ الهجرة عموماً، وأعباءها المالية على أوروبا بصفة محددة.
أجندات أخرى حضرت، كما كانت تحضر على الدوام في قمم الـ
G ـ 7 خلال العقود الأخيرة، وسيّان أن تظهر فوق الطاولة أو تحتها؛ حول اقتصاد الصين (المصنّعة الثانية عالمياً، ولكن الغائبة عن القمة) وروسيا فلاديمير بوتين (في أوكرانيا أولاً، ولكن ليس في سوريا بالضرورة) ومفاعيل لا تبدو للعيان خلف الكليشيهات المعتادة بصدد اقتصاد النفط مثلاً، وتبدّل التوازنات مع مجموعة الـ»بريكس» التي أخذت تتوسع أبعد من روسيا والبرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا…
وثمة، بالطبع ودائماً، ذلك المسكوت عنه/ المفضوح الذي يشير إلى أنّ الاقتصاد الدولي معتلّ من الرأس حتى أخمص القدمين، في دول مجموعة السبع قبل الصومال والإكوادور والأرجنتين ومصر؛ وأنّ الكبار، هنا تحديداً، يريدون من ضحايا كهذه أن تمرّ في قاطرات التاريخ لأداء وظيفة كبرى، حصرية أو تكاد، هي تزويد الكبار بمزيد من… القرابين!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

قنّاصو أورويل:

الوقائع كما الطلقات

صبحي حديدي

 

كانت الساعة تشير إلى الخامسة من صباح ربيعي مشمس، يوم 20 أيار (مايو) 1937؛ حين تجاهل جورج تنبيهات رفاقه المقاتلين المتطوعين لنصرة الجمهوريين، خلال الحرب الأهلية التي شهدتها إسبانيا أشهر تموز (يوليو) 1936 وحتى نيسان (أبريل) 1939. ولقد خرج بكامل جسمه من المتراس وأشعل لفافة تبغ، فعاجله قنّاص من أنصار الملكيين كان رابضاً في برج الكنيسة المقابلة، واخترقت الطلقة عنقه وتكفلت بإضافة درجة أعلى من البحّة إلى صوته الخشن أصلاً. ولقد نُقل على الفور إلى المستوصف الأقرب، لكنّ طبوغرافية تمركز القوات الفاشية في تخوم برشلونة يومذاك أعاقت علاجه في التوقيت الطبي المطلوب؛ ورغم أنّه لم يلقَ حتفه جرّاء طلقة القناص تلك، فقد لحق بجسده أذى بالغ أفضى إلى وفاته في سنّ مبكرة نسبياً.
ذلك الرجل، المدخّن المغامر الطائش، كان الروائي والكاتب والصحافي والناقد والناشط السياسي البريطاني جورج أورويل (1903-1950)؛ ذائع الصيت القادم من لندن لمؤازرة الجمهوريين ضمن أفواج تجاوزت 40 ألف متطوّع، جاؤوا من 53 بلداً (بينها مصر والمغرب!)، للمشاركة في حرب لاحَ أنها ذات معنى بالنسبة إلى شعوب تدفع عادة أثمان الحروب، وليس إلى قوى حاكمة اعتادت جني ثمار الحروب. واقعة الطلقة والقناص هي واحدة من عشرات يسوقها ج. د. تايلور، بمعنى إعادة استكشاف دلالاتها وليس تكرار سردها، في كتاب جديد بعنوان «أورويل: الحياة الجديدة»؛ صدر بالإنكيزية قبل أيام في لندن، ضمن منشورات كونستابل.
صفة «الجديدة» في العنوان تشير أوّلاً إلى أنّ الكتاب تكملة لعمل آخر سبق أن نشره المؤلف ذاته، سنة 2003، بعنوان «أورويل: الحياة»؛ غير أنها ترسم، منذ الغلاف في الواقع، السمة المنهجية الأكبر في فصول الكتاب الثاني: أنه ليس سيرة لمحاسن أورويل فضائله، بل كذلك لمساوئه وقبائحه… سواء بسواء. وهذا خيار لا يغمط حقّ تايلور في الانفراد بعدد غير قليل من الوقائع التي تُسرد للمرّة الأولى بتفاصيل واسعة، اعتماداً على مقتنيات من الرسائل والمخطوطات والوثائق استجد اكتشافها أو تطوّرت قراءاتها؛ خاصة في أماكن ومواطن وأرشيفات ليست، أو لم تكن حتى الساعة، ضمن الخزين المعتاد المرتبط بشخص أورويل وأعماله.
والمرء يعجب أنّ قسطاً غير قليل من هذه ما يزال طيّ المجهول في المستوى النصّي وإظهار المضمون، وليس من حيث الضياع أو الاختفاء أو التلف. المثال الأبرز، الصاعق في كثير أو قليل، هو أنّ دفتر مذكرات كاملاً صادرته الاستخبارات الإسبانية التابعة للجنرال فرانكو، من أحد فنادق برشلونة حيث كان أورويل يقيم؛ ثمّ انتهى الدفتر إلى محفوظات الاستخبارات السوفييتية التي تكتمت عليه، ويظلّ اليوم حبيس أحد أدراج الأرشيف الروسي من دون سبب يبرّر عدم الإفراج عنه. وقائع من طراز آخر، يحمل مغزى لافتاً، هو أنّ أورويل اختار الإقامة في ستوديو الروائي الأمريكي هنري ميللر في باريس، كانون الأوّل 1936، قبيل سفره إلى برشلونة؛ وذلك رغم أنّ الأخير كان حينذاك غارقاً في العواقب الفضائحية لـ»مدار السرطان»، ولم يكن منخرطاً سياسياً في دوائر اليسار أو الحماس للجمهوريين الإسبان، وهذه أيضاً كانت حال آرائه الفكرية والجمالية.
وقد لا يبالغ المرء إذا ساجل بأنّ تايلور، في كتابه الثاني هذا تحديداً، يمارس طرازاً من «قنص» الحكايات والأقاصيص والوقائع، متسلحاً في ذلك بطرائق تفكيك وتحليل وتركيب تقتنص ما هو خافٍ أو خبيء أو مستتر أو حتى مستور في سيرة أورويل: الكاتب والناشط السياسي، ثمّ الإذاعي والإعلامي في الـ
BBC أيام عزّ المحطة وذرى سطوتها، أو المعتزل في مزرعة متفرّغاً لتربية الدجاج والماعز وبيع البيض! ولا عجب في كلّ حال، إذْ أياً كان الرأي في حصيلة أورويل متعددة الأجناس والجوانب والمواقف، فإنه يظلّ أحد أخطر شخصيات النصف الأوّل من القرن العشرين.
وقبل سنوات نشر الناقد والأكاديمي البريطاني جون سذرلاند كتابه «أنف أورويل: سيرة مَرَضية»، الذي كان خطير الخلاصات فضلاً عن طرائفه، اعتمد على مركزية الروائح خلال المنعطفات الكبرى، الشخصية والعامة، الأدبية والسياسية، في حياة أورويل. علاقته بالتدخين، الذي وضعه أمام سبطانة القناص الملكي، ولكن أيضاً من زاوية ما يخلّفه التبغ من روائح بغيضة؛ ثمّ سردية الرائحة في «ابنة القسّ»، 1935، الرواية التي تحفل بسلسلة من «الانطباعات الروائحية» التي تضخها الصبية دوروثي أينما حلّت وتنقلت في مشهدية السرد؛ والاستكشافات الأَنْفية في كتابه «الطريق إلى رصيف ويغان»، الذي تضمن تحقيقات سوسيولوجية حول الأوضاع المزرية للطبقة العاملة في يوركشير ولانكشير، شمال إنكلترا ما قبل الحرب العالمية الثانية…
ولا يُنسى، ختاماً، مصير «1984»، رواية أورويل الشهيرة التي عادت إلى الصدارة خلال السنوات الأخيرة فتضاعفت مبيعاتها، في الولايات المتحدة مثلاً، بنسبة 6000%؛ ولم يكن الأدب هو السبب، بل تلك البرهة النادرة حين لا تتطابق المخيّلة الإبداعية مع الواقع الراهن، والصاعق، فحسب؛ بل يحدث أن تكون قد تفوّقت عليه، حين استبصرت الكثير من عناصره ونوائبه. ولا عجب، استطراداً، أن يبقى مالئ الناس هذا محطّ القنص، بالرصاص تارة وبالوقائع طوراً!

 

 

كيسنجر في سنّ الـ100:

مجرم حرب يستشرف سلام القرون

صبحي حديدي

في 27 أيار (مايو) الجاري سوف يبلغ هنري كيسنجر سنّ الـ100 سنة، حفلت بما قد لا يكون رجل دولة أمريكي قد شهده أو شارك في صنعه أو اقترفه من سياسات وتحوّلات وجرائم حرب؛ على حدّ غير سواء، كما يشير السجلّ التاريخي، إذْ تطغى السيئات الكثيرة على المحاسن القليلة، ولا تُقارَن عواقب الخيارات الإجرامية النكراء بأيّ من نوادر المبادرات السلمية الحميدة. وقد شاءت أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية، الناطقة الأمثل بلسان الرأسمالية المعاصرة واقتصاد السوق، أن تحتفي على طريقتها بالدنوّ من الـ100 سنة لمستشار الأمن القومي/ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق؛ الأشهر، أغلب الظنّ، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، وربما سائر عقوده.
ذلك لأنه «ما من أحد على قيد الحياة امتلك خبرة أكثر في الشؤون الدولية، أوّلاً كعالِم في دبلوماسية القرن الـ19، ثمّ بعدئذ كمستشار للأمن القومي وزير خارجية، وكمستشار ومبعوث إلى الملوك والرؤساء ورؤساء الحكومات» يقول تحرير المجلة في التمهيد للحوار الاستثنائي الذي أجرته مع كيسنجر؛ الآن تحديداً إذْ يتخوّف من مواجهة وشيكة بين الولايات المتحدة والصين، هو الذي يُنسب إليه (بهتاناً، في قسط غير قليل) فضل إطلاق ما بات يُعرف باسم «دبلوماسية كرة الطاولة» بين واشنطن وبكين، وفتح العلاقات بين البلدين خلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريشارد نيكسون صحبة كيسنجر إلى الصين، في حزيران (يونيو) 1971.
خلاصة أقواله، خلال 8 ساعات من الحوار مع تحرير الـ»إيكونوميست» أنّ اشتداد التنافس على علوّ المكانة التكنولوجية والاقتصادية بين الصين وأمريكا يثير المخاوف، حتى في وقت يشهد «تخبّط روسيا داخل المدار الصيني» والحرب التي تخيّم على الخاصرة الشرقية لأوروبا، والذكاء الاصطناعي يشحن التنافس الصيني ـ الأمريكي أكثر فأكثر. يذهب كيسنجر أبعد، إلى نطاق عالمي يشهد تحوّلاً متسارعاً ومتعدد الأشكال في موازين القوّة والأساس التكنولوجي للحرب، بحيث أنّ دولاً عديدة تفتقر إلى أيّ «مبدأ مستقرّ» يمكّنها من إرساء الاستقرار، وبالتالي تلجأ إلى استخدام الإجبار والعنف. «نحن في الوضع الكلاسيكي لما قبل الحرب العالمية الأولى» يتابع بنبرة أستاذ التاريخ الدبلوماسي، «حيث لا يملك كلا الطرفين هامشاً كافياً للتنازل السياسي، وحيث يمكن لأيّ اضطراب في التوازن أن يقود إلى عواقب كارثية».
كلام ينذر بالويل والثبور، غنيّ عن القول، ما خلا أنه ليس جديداً في مستوى النبوءات على الأقلّ؛ إذْ لم تنقضِ، بعدُ، سنة على أقوال مماثلة صدرت عن كيسنجر، في حوار دراماتيكي بدوره مع صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية هذه المرّة، غير المفترقة كثيراً عن خطوط تحرير الـ»إيكونوميست» في نهاية المطاف. الولايات المتحدة «على حافة حرب مع روسيا والصين حول مسائل أنشأناها نحن جزئياً، خالية من أيّ مفهوم لكيفية الإنهاء أو ما يُفترض أن تسفر عنه» استخلص كيسنجر؛ وبصدد قدرة واشنطن على «التثليث» مع الصين وروسيا، رأى التالي: «يصعب أن تقول الآن أننا سوف نقسم صفوفهم ونقلبها إلى مواجهة فيما بينهم، وكل ما تستطيع القيام به هو وقف تسريع التوترات واستنباط خيارات، ضمن هدف ما واضح ومحدد».

يُنسب إلى كيسنجر فضل إطلاق ما بات يُعرف باسم «دبلوماسية كرة الطاولة» بين واشنطن وبكين، وفتح العلاقات بين البلدين خلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريشارد نيكسون صحبة كيسنجر إلى الصين

طريف، إلى هذا، أنّ كيسنجر يرى «المنظومة الصينية» أقرب إلى الكونفوشية منها إلى الماركسية، الأمر الذي يدفع القادة الصينيين إلى بلوغ القوّة القصوى التي في وسع بلدهم امتلاكها، وأن يُعترف بهم كقضاة أصحاب قرار أعلى في مصالحهم. وإذْ ينفي عن زعماء الصين أية رغبة في الهيمنة العالمية، فإنّ كيسنجر يُبعدهم عن أية مقارنة (لا أحد عتب عليه في عقدها، أصلاً!) مع أدولف هتلر: في ألمانيا النازية كانت الحرب حتمية لأنّ هتلر احتاج إليها، لكنّ الصين مختلفة كما يستنتج الرجل الذي التقى بالعديد من القادة الصينيين، وعلى رأسهم ماو تسي تونغ نفسه. ومع ذلك، لا يجزم كيسنجر حول نزوع الصين إلى فرض ثقافتها على العالم، مفضّلاً إحالة السؤال إلى علاج قوامه «مزيج الدبلوماسية والقوّة».
ما هو بعيد عن الطرافة، بل أكثر تمثيلاً لنقائضها، أنّ تحرير الـ»إيكونوميست» يلحّ على الخبير المئوي أن يستشرف سلام القرون وصراعات الأمم ومنافسات القوى الكبرى، وفي الآن ذاته يتفادى طرح أيّ سؤال عن مآلات/ عواقب أفعال كيسنجر في عشرات الميادين والساحات والحروب؛ كان فيها مجرم حرب بامتياز، ومهندس انقلابات على أنظمة ديمقراطية أو توشك على الانتقال إلى أنظمة حكم منتخَبة، وناصحاً باحتضان الطغاة ومساندة الطغيان، ومستشاراً (شخصياً أو عبر شركاته ووكلائه) لأنظمة الفساد والاستبداد في طول العالم وعرضه، ومحرّضاً على استخدام القوّة المفرطة خارج أية شرعة قانونية أو إنسانية…
الأمثلة الكلاسيكية في بعض هذا «الاختصاص» لائحة طويلة عابرة للقارّات والجغرافيات والثقافات، لعلّ أبرزها النصائح والمشورات والتوصيات التالية:
ـ نصح دولة الاحتلال الإسرائيلي بسحق الانتفاضة «على نحو وحشيّ وشامل وخاطف» وهذه كلمات كيسنجر الحرفية التي سرّبها عامداً جوليوس بيرمان الرئيس الأسبق للمنظمات اليهودية الأمريكية، وتسربت معها نصيحة أخرى مفادها ضرورة إبعاد الصحافة الغربية والمراسلين الأجانب عن مناطق المواجهة مع الفلسطينيين، «مهما بلغت محاذير ذلك الإجراء»؛
ـ توبيخ فريق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، لأنّ ما تعاقدوا عليه مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في أوسلو ثمّ في البيت الأبيض، ليس سوى «إوالية»
Mechanism متحرّكة ستفضي عاجلاً أم آجلاً إلى دولة فلسطينية (هذه التي يرفضها كيفما جاءت وأينما قامت، ويستوي لديه أن تتخلق من محض «إوالية» أو تنقلب الى أقلّ من بلدية)؛
ـ الموقف «التشريحي» المأثور من الاحتلال العراقي للكويت، ودعوة بوش الأب إلى تنفيذ ضربات «جراحية» تصيب العمق الحضاري والاجتماعي والاقتصادي للعراق (البلد والشعب، قبل النظام وآلته العسكرية والسياسية)؛
ـ الدعوة العلنية، المأثورة تماماً بدورها، إلى «نزع أسنان العراق دون تدمير قدرته على مقاومة أي غزو خارجي من جانب جيرانه المتلهفين على ذلك» في مقالة مدوّية بعنوان «جدول أعمال ما بعد الحرب» نشرها كيسنجر مطلع 1991؛
ـ السخرية من بعض الفتية الهواة في البيت الأبيض ممّن يخلطون «البزنس» بالأخلاق، والتجارة بحقوق الإنسان (في مثال الصين)؛ ولا يميّزون في حروب التبادل التجارية بين العصبوية الأورو ـ أمريكية وشرعة التقاسم الكوني لسوق شاسعة بقدر ماهي ضيقة…
هذه لائحة ذات نفع كبير في قراءة الخلفيات الفكرية والجيو ـ سياسية والأخلاقية لما يقوله كيسنجر اليوم عن أيّ ملفّ دولي، شرقاً وغرباً؛ ومثلها في النفع الأعمّ أية إطلالة راهنة على تلك «الوصفة» الفريدة لعلاج الكون كما فصّلها في كتابه الضخم «دبلوماسية» 1994. تلك، على الأرجح، تظلّ عصارة فكر «الحكيم الستراتيجي» الذي لا يغيب ظلّه عن ردهات البيت الأبيض أو البنتاغون أو تلة الكابيتول: مقيم ما أقامت البراغماتية والتعاقد السرّي (المفضوح للغاية، مع ذلك) بين توازنات القوّة وانعدام الحدّ الأدنى من الأخلاق، بين العنف والرطانة الليبرالية، وبين الدم والبترول.
ولعلّ الأبلغ تعبيراً عن شخصية كيسنجر ومزاجه هذا المبدأ الذي جاءت به تلك الوصفة: لا مناص من ترجيح التحالفات القائمة على المصلحة المشتركة، وغضّ النظر عن التحالفات التي تحوّل مقولات «السلام» و«الحرّية» إلى شعارات مطاطة وجوفاء. والأرجح أنّ تحرير الـ»إيكونوميست» غضّ الطرف، اليوم، عن حصيلة كبرى جلية: هذه الـ 100 سنة لم تبدّل رؤى أستاذ التاريخ، الأسوأ تمثّلاً لدروس التاريخ.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

ديون رئيسي في دمشق:

فاقد الشيء كيف يعطيه؟

صبحي حديدي

 

الأرجح أنّ رأس النظام السوري بشار الأسد اشتاق إلى تلك المناسبات السالفة التي أتاحت له أن يتفلسف على هواه، في السياسة والعلاقات الدولية والاقتصاد والثقافة؛ فانتهز فرصة كلمة الترحيب بالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، زائر دمشق هذه الأيام، فخاض في بعض هواياته الكلامية الأثيرة. ولقد بدأ بإطراء مواقف نظامه ونظام الملالي في إيران، معاً، التي حالت دون أن يكونا «كقطعة خشب ملقاة في البحر تأخذها الأمواج حيث تشاء»؛ ثمّ سارع إلى ذمّ «تقديم المزيد من التنازلات تحت عنوان الانحناء للعاصفة» بوصفه «السبب في تعزيز السياسات الاستعمارية عبر العالم».
وهذا الذي يتشدق حول أخشاب تتقاذفها البحار أو انحناء أمام العواصف، هو نفسه الذي يغتصب رئاسة بلد واقع تحت خمسة احتلالات إسرائيلية وروسية وإيرانية وتركية وأمريكية، فضلاً عن كتائب «حزب الله» اللبناني وعشرات الميليشيات المذهبية المأمورة من «الحرس الثوري» الإيراني و«الحشد الشعبي» العراقي، إضافة إلى جهاديين إسلاميين من كلّ حدب وصوب. ولا يجلس على يساره، خلال إلقاء موعظته الخرقاء، سوى مغتصب للرئاسة في إيران، أتى إلى المنصب من حقول إعدام الآلاف من طلبة المدارس والشبان والناشطين الإيرانيين، خلال حقبة 1988 الدامية الوحشية، الذين لم يكن لهم من ذنب سوى المطالبة بإصلاحات بالغة البساطة.
وإذا كانت وسائل الإعلام، على اختلاف انحيازاتها، قد التقطت سمة أولى طبعت الزيارة، هي كونها الأولى لرئيس إيراني إلى دمشق منذ 13 سنة؛ فإنّ سمة أخرى كانت وتظلّ جديرة بالاستذكار، هي أنّ الأسد سبق أن زار طهران مرّتين، على نحو معلن، في شباط (فبراير) 2019 وكان حسن روحاني رئيساً لإيران، وفي أيار (مايو) 2022 وكان رئيسي قد تولّى الرئاسة؛ كما استقبله، خلال الزيارتَين، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. هذا تفصيل أوّل قد يخصّ مؤشر التبعية وأيّ الطرفين يحرص على إرضاء الآخر، بافتراض أنّ نظام آل الأسد «طرف» بأيّ معنى للتناظر مع نظام الملالي؛ لكنّ الشطر الثاني منه، الذي يتصل بزيارة رئيسي إلى دمشق، يكتسب أهمية خاصة من زاوية أولى محددة، لعلها الوحيدة التي تستحق معنى الجديد في ميزان التبعية.
وهذا الشطر هو أنّ رئيسي في مجيئه إلى دمشق، وليس الأسد في هرولته إلى طهران على دفعتين، إنما أتى وجدول أعماله شبه الوحيد هو تحصيل الإيرادات عن سنوات طويلة من الإنفاق المادي على النظام، نفطاً وسلاحاً وعملة صعبة وصيرفة. اللافتة المعلنة، كما نطق بها رئيسي نفسه، هي الحضور الإيراني في صفقات إعادة الإعمار التي قد تكون على وشك الإبرام، على ضوء مقايضات محتملة مع أنظمة مثل الإمارات والسعودية. وأمّا تجسيد ذلك على الأرض فلم يكن خافياً بدوره، ليس على صعيد ما سُمّيت «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الشامل الستراتيجي طويل الأمد» فقط، بل كذلك حول سلسلة اتفاقيات في ميادين الطاقة والزراعة والنقل والاتصالات والثقافة (والمقصود هنا: تسهيلات الحجّ الإيراني إلى الأماكن الشيعية المقدسة في سوريا)…

رئيسي يأتي، اليوم، حاملاً لائحة ديون إلى أجير مفلس وتابع مرتهن؛ ولن يعود، أغلب الظنّ، بما هو أثقل من خفّيْ حنين!

حساب الإيرادات والأرصدة وسداد بعضها ليس، مع ذلك، باليُسر الذي قد يبدو عليه للوهلة الأولى، اتكاء على عوامل عديدة يصحّ الترجيح في أنّ القرار حول الكثير منها ليس في عهدة النظام أصلاً، سوى تلك التي لا يملك بصددها أيّ تخويل. العامل الأوّل، ولعله الحاسم أكثر من سواه، هو ذاك الذي تقول به القاعدة العتيقة الصارمة، في أنّ فاقد الشيء لا يعطيه، وليس في وسعه أن يعطيه أصلاً مهما ادعى وتشدّق. فالمليارات الموعودة في مظاريف إعادة الإعمار رهن قرارات مراكز دولية مثل مؤتمرات الدول المانحة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهذه ليست حتى الساعة على وشك الترخيص بدولار واحد يذهب إلى المصرف المركزي السوري شكلاً؛ ولكنه ينتهي سريعاً إلى خزائن آل الأسد وآل الأخرس، ثمّ الشركاء وصغار الكسبة هنا وهناك في منظومة الفساد المافيوزية.
العامل الثاني هو أنّ أيّ اتفاق بين النظامَين، الملالي في طهران وآل الأسد في دمشق، ليس مضمون الإذن أو القبول أو الترخيص من القوى الأخرى التي تحتل مناطق في سوريا، وتمتلك بالتالي أوراق ضغوط ومساومات واستحقاقات؛ على غرار الوجود الروسي مثلاً، حيث يصعب تخيّل موسكو راضية عن تسليم استثمارات ميناء اللاذقية إلى طهران الراغبة في تحويله إلى منفذ بحري إيراني أوّل على المتوسط، كما يتردد. الحال ذاته يمكن أن تنطبق على استثمارات روسية عديدة في سوريا، أبرزها الفوسفات (ثلاثة مليارات طن من الاحتياطي) الذي تسيطر القوات الروسية على مواقعه، ويسيل لعاب طهران على اقتسام موارده مع موسكو. ثمة درجات أخرى من التنافس حول تطوير مطار دمشق واستثماره، أو إنشاء مطار جديد بطاقة استيعاب أعلى، ومثله مطار حلب والقامشلي وميناء طرطوس؛ وفي أواسط آذار (مارس) الماضي كان الأسد نفسه قد أعلن من موسكو عن أكثر من 40 مشروع استثمار روسي في سوريا.
عامل ثالث يتصل من جانبه بقاعدة قديمة بدورها تخصّ انقلاب السحر على الساحر، إذْ أنّ نظام آل الأسد الذي أقام الحكم والتحكم والتسلط على شبكات الولاء والنهب والتكسّب، لن يفلح بسهولة في تذليل مصاعب (وربما استحالة) عقد شراكات بالتراضي بين كبار أمراء الحرب ضمن العائلتَين الأسدية والمخلوفية، وكبار قادة ميليشيات النظام الطائفية، وكبار المستثمرين والفاسدين من ضباط الأجهزة الأمنية والجيش، من جهة؛ وأيّ، وكلّ، استثمار إيراني يمكن أن يقتسم الكعكة مع هؤلاء، في مناطق الساحل السوري بصفة خاصة، من جهة ثانية. هذه مسألة حياة أو موت على الطرفين، رأس النظام وآل بيته الداخلي واستثماراته، ورؤوس النظام الأدنى مرتبة ولكن ليس الأقلّ استثماراً أو استماتة في الحفاظ على النظام. ولقد مضى زمن كان فيه «حزب الله» يلعب في مناطق الساحل السوري دور المبشّر الطائفي الروحي والميسّر المادي التجنيدي بالنيابة عن ملالي طهران، لكنّ قسطاً غير قليل من تلك الأدوار تذهب اليوم إلى «بو علي بوتين» وضباط الجيش الروسي في قاعدة حميميم.
يبقى عامل رابع يخصّ ما تبقى من قوام دولة في سوريا، على أصعدة البنى التحتية والمؤسسات والمنشآت وكلّ ما يتكفل عادة باحتضان استثمارات لها طابع تحصيل الإيرادات؛ وهذا اعتبار لا يقتصر على مستقبل أموال نظام الملالي في سوريا، بل يشمل أيضاً ما سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى انتزاعه من بشار الأسد خلال زيارة مفاجئة إلى دمشق، مطلع 2020، عاد بعدها خالي الوفاض. لقد تكفلت حروب النظام ضدّ سوريا، الدولة والشعب والمؤسسات والتاريخ، بتحويل البلد إلى حال متفاقمة من العطالة والفشل والشلل، فضلاً عن العوز والندرة والتجويع والغلاء الفاحش وهبوط العملة الوطنية إلى أسفل سافلين. وغير مستبعد، إلى هذا، أن يطوّب الأسد آلاف الهكتارات من أراضي سوريا لصالح سلطات الملالي أو شركات استقبال الحجيج الإيراني أو حتى تشييد الحسينيات، وأن تتعالى أكثر فأكثر الهتافات الطائفية «يا علي! يا علي!» التي استقبلت الرئيس الإيراني على دروب مطار دمشق.
وهذا لن يبدّل حقيقة أنّ رئيسي يأتي، اليوم، حاملاً لائحة ديون إلى أجير مفلس وتابع مرتهن؛ ولن يعود، أغلب الظنّ، بما هو أثقل من خفّيْ حنين!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

نتنياهو وآل الأسد:

طراز الانفتاح الآخر

صبحي حديدي

 

في غمرة الهرولة إلى الانفتاح على النظام السوري، والأحرى الحديث بالطبع عن إعادة إدخاله إلى حظيرة نظام عربي متوحّد متماثل من حيث الاستبداد والفساد والتبعية والفشل، تُنسى جهة مشاركة في السيرورة، سبّاقة إليها كما يتوجب القول، وصاحبة الكثير من المصالح السياسية والأمنية والعسكرية؛ على خلاف غالبية المهرولين العرب، حيث أهداف الهرولة قصيرة النظر أو محدودة أو آنية أو وصولية تتوسل اتقاء الشرّ وليس حتى دفعه.
تلك الجهة الثالثة هي دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي تُنسى عموماً (عن سابق قصد وتصميم، مضمونه الأوّل هو التجاهل لأغراض التجهيل)؛ رغم أنّ المعطيات الشكلية يمكن أن تفضي إلى عكس هذا الافتراض، لأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي لم يتوقف عن قصف الأهداف في عمق الأراضي السورية، وصواريخ الاحتلال تنهمر على الجولان ودمشق كما على مصياف وحلب والبوكمال، جنوب سوريا وغربها وشمالها وشرقها.
ما خلا أنّ هذه المعطيات، ذاتها، تشير إلى أنّ الغالبية الساحقة من «بنك الأهداف» الإسرائيلي تتركز على مواقع إيرانية يديرها «الحرس الثوري» الإيراني، أو ميليشيات تتبع لطهران ابتداء من «حزب الله» وحتى أصغر عصائب عراقية أو آسيوية متشيّعة المذهب؛ ويندر، في المقابل، أن تستهدف الاعتداءات الإسرائيلية ما تبقى من ألوية جيش النظام، أو حتى كتائب الفرقة الرابعة المرتبطة أكثر بالتواجد الإيراني في سوريا.
صحيح أنّ حكومة بنيامين نتنياهو أكثر انشغالاً بالشأن الإسرائيلي الداخلي ومعضلات شروخ المجتمع الإسرائيلي بين مؤيد للائتلاف الحكومي الأكثر يمينية وتطرفاً وفاشية في تاريخ الكيان من جهة، ومناهض لها يتباكى على أطلال «الديمقراطية» الإسرائيلية وأنظمتها القضائية وموقع المحكمة العليا من جهة ثانية. كما أنّ نتنياهو منشغل بآفاق التطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، واحتمالات المستقبل مع ولي العهد السعودي؛ وبالتالي ليس الانخراط في أي طراز من الانفتاح العلني نحو نظام آل الأسد على جداول أعماله، الحافلة المزدحمة.
ولا يصحّ أن يُغفل، هنا، مغزى التصريحات التي نسبتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية إلى رامي مخلوف، ابن خال الرئاسة الذي كان حتى عهد قريب صيرفي آل الأسد/ مخلوف، وتمساح الاستثمار والأعمال الأشرس في سوريا؛ بصدد العلاقة الوثيقة بين استقرار النظام السوري، واستقرار دولة الاحتلال، حيث قال بالحرف: إذا لم يتوفّر استقرار هنا، فلا سبيل إلى استقرار هناك. كان ذلك بعد أشهر قليلة أعقبت انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، ولم يطل الوقت حتى تناغمت مع هذه الأقوال تسريبات على ألسنة جنرالات إسرائيليين في المؤسستين العسكرية والأمنية، تحثّ على الامتناع عن أيّ إسهام في تقويض نظام آل الأسد.
وكان منطق المطالبة الإسرائيلية بالمدّ في عمر النظام يستند على ثلاثة مسوّغات، بين أخرى أقلّ إلحاحاً؛ أوّلها أنّ نظام «الحركة التصحيحية» حافظ على حدود الاحتلال الإسرائيلي للجولان، لا كما فعل أيّ نظام سوري سابق، منذ تأسيس الكيان الصهيوني. الثاني يساجل بأنّ أيّ نظام مقبل في سوريا لن يكون أفضل حالاً لدولة الاحتلال؛ بل الأرجح أنه سوف يكون أسوأ لأمنها القريب والبعيد، بالنظر إلى الروابط العميقة التي شدّت، وستظلّ تشدّ، الشعب السوري إلى القضية الفلسطينية. وأمّا المسوّغ الثالث فإنه انطلق من معادلة ذرائعية لوجستية: ما دام جيش النظام استخدم ضدّ المعارضة صنوف الأسلحة جميعها، من الدبابة والمدفعية الثقيلة إلى السلاح الصاروخي والجوّي، بما في ذلك البراميل المتفجرة، والقنابل العنقودية، والألغام البحرية…؛ وما دامت المعارضة ليست مكتوفة الأيدي، فهي تدمّر الدبابة وتُسقط الطائرة وتقتل، مثلما يُقتل منها…؛ فإنّ دولة الاحتلال رابحة في كلّ الأحوال.
طراز انفتاح آخر، إذن، لم يعكر صفوه أيّ تشدّق أمريكي معترض (علانية فقط) على هرولة بعض الأنظمة العربية إلى أخيهم ساكن الحظيرة السابق، الذي تجري إعادته إلى حيث انتمى وينتمي.

 

الغزو الأمريكي للعراق:

لائحة المطامع ودروس الإخفاق

صبحي حديدي

 

صدرت في هذه السنة، 2023، مؤلفات كثيرة تتناول الذكرى الـ20 للاجتياح الأمريكي في العراق، 20/3/2003؛ وما أعقبه من إسقاط نظام صدّام حسين، وسلسلة الإخفاقات السياسية التي ستقود الولايات المتحدة من عثرة إلى أخرى، وصولاً إلى مواجهات عسكرية شرسة مع فصائل جهادية تتبع «القاعدة» أو تنفرد عنها، كان سقوط مدينة الموصل في قبضة تنظيم «داعش» بمثابة ذروة قصوى فارقة توّجت سيرورة الغزو. غالبية تلك الأعمال، خاصة ما صدر منها باللغة الإنكليزية في بريطانيا والولايات المتحدة، خلصت إلى تسجيل أنساق شتى لفشل إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وحكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير؛ في ضمان حدود دنيا من كسب السلام، بعد حسم الحرب.
وتتوقف هذه السطور عند واحد من أفضل المؤلفات في هذا الصدد، كتاب أستاذ التاريخ في جامعة فرجينيا ملفن بول ليفلر، الذي صدر مؤخراً ضمن منشورات جامعة أكسفورد بعنوان «مجابهة صدّام حسين: جورج و. بوش وغزو العراق». اعتبار أوّل حكم هذا الاختيار هو أنّ حجم أبحاث الكتاب، من وثائق وإفادات ومعلومات، ليس هائلة ومتنوعة وشاملة، فحسب؛ بل هي فريدة لجهة الموازنة بين المعطيات الأمريكية ونظائرها العراقية. الاعتبار الثاني هو أنّ ليفلر يتمتع برصانة تأريخية مشهود لها، في حقل دراسي مزروع بكثير من الألغام والعوائق، فضلاً عن المحظورات والمنازعات.
ويبدأ ليفلر من تبيان الفوارق بين برهة الهجمات الإرهابية يوم 11/9/2001، حين حظيت أمريكا بتعاطف عالمي سهّل على إدارة بوش الذهاب مباشرة نحو الغزو؛ وبين عقد واحد فقط، أعقب اجتياح العراق وشهد الكثير من المتغيرات: أمريكا متورطة في العراق، مكانتها العالمية آخذة في التراجع، وهيمنتها الاقتصادية تواصل الانحسار، ومعنويات الشعب الأمريكي تواصل الهبوط في غمرة انقسامات سياسية وحزبية وعنصرية؛ وعلى صعيد الخارج تتزايد مشاعر العداء لأمريكا، وتصعد في المقابل قوى جبارة مثل الصين، ويسجّل الانسحاب المخزي من أفغانستان نكسة متعددة المستويات، ويطرح الغزو الروسي في أوكرانيا مزيداً من التحديات، ويبحث بعض أبرز حلفاء أمريكا التقليديين (على شاكلة السعودية والإمارات) عن أصدقاء بدلاء…
ومنذ السطور الأولى يعلن ليفلر أنّ الهدف من كتابه هو «تفحّص ما جعل الولايات المتحدة تقرّر غزو العراق، ولماذا انحرفت الحرب سريعاً، وآلت إلى مأساة للعراقيين وللأمريكيين». وأيضاً، يتابع ليفلر: «أحاول تصحيح مفاهيم مغلوطة واسعة الاعتناق، كما أثبّت أيضاً بعض الحكمة المترسخة. أضع الرئيس بوش في قلب سيرورة صناعة السياسة حيث يقتضي موقعه. أشدّد على مخاوفه، وحرصه على أمن الوطن الداخلي. أناقش خططه الحربية وستراتيجية دبلوماسيته القسرية. وأشدّد على التمييز بين دوافعه وأهدافه، وأشرح كيف أنّ حرباً من أجل الأمن انقلبت إلى تمرين في بناء الأمّة والترويج للديمقراطية من دون تحضير ملائم».

كسب السلام، السلام بمعناه الأعرض المركّب الذي يتجاوز وقف إطلاق النار وانتهاء الأعمال العسكرية، والذي لا يعني ما هو أقلّ من استثمار نتائج الحرب لصالح القوّة الظافرة، في المستويات الجيو ـ سياسية والاقتصادية في البدء؛ ثمّ في المستويات الأخرى

وللمرء أن يتفق مع العديد من خلاصات ليفلر، خاصة تلك التي تعيد قراءة المشهد في ضوء الانتكاسات الفعلية المتعاقبة وليس الآمال الأولى الكاذبة؛ وللمرء أن يختلف معه أيضاً، في طائفة غير قليلة من تأويلاته لأسباب الاجتياح الأكثر خفاء، والأبعد خدمة لأغراض جيو -سياسية تتجاوز مآلات 11/9 وحوافزها. وبين الاتفاق والاختلاف ثمة هوامش، عديدة بدورها، تنفع حقوق كتابة التاريخ وإنصاف سلسلة الجوانب المأساوية التي كان الشعب العراقي أوّل دافعي أثمانها الباهظة، وما يزال يسدّد المزيد منها حتى الساعة. وثمة، استطراداً، ملفات لا تنحصر داخل العراق وحده، ولا حتى ضمن الخطوط الأعرض لخيارات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة؛ لأنها ببساطة تكشف قسطاً غير قليل من نهج الولايات المتحدة في إدارة العلاقات الدولية، من موقعها كقوّة كونية سياسية وعسكرية واقتصادية وتكنولوجية عظمى، بمعزل هذه المرّة عن هوية سيّد البيت الأبيض وما إذا كان جمهورياً أم ديمقراطياً، بوش الأب أم الابن، بيل كلنتون أم باراك أوباما.
وبين أبرز عناصر الملفّ السياسي خلف قرار الغزو استقرّ ما حلم به رجالات بوش الابن (وخاصة أصحاب «مشروع قرن أمريكي جديد» أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل) حول تحويل العراق إلى «دولة ـ أمثولة» حاملة للقِيَم الأمريكية (في طبعتها الرجعية أو النيو ـ محافظة تحديداً) إلى أربع رياح الشرق الأوسط. والحال أنّ أسابيع قليلة فقط أعقبت الاجتياح كانت كافية لدفع هذا الهوس إلى الكواليس بعض الشيء، ليس لأنّ أصحابه فقدوا الإيمان به (عن حسن نيّة أو سوء طوية)؛ بل لأنّ الأولوية القصوى في أشغال الإدارة كانت ممنوحة لاعتبارات التمهيد العسكري على الأرض، وإنقاذ ماء وجه الحليف الأبرز، رئيس الوزراء البريطاني بلير.
وفي ستراتيجية السيطرة على النفط العراقي، الاحتياطيّ الأوّل في العالم كما كانت التقديرات تشير عشية الغزو، لم تكتفِ الولايات المتحدة بهدف تأمين حاجاتها إلى الطاقة فحسب؛ بل أرادت أيضاً إكمال طوق السيطرة غير المباشرة على نفط السعودية والكويت، والإمساك تالياً بورقة ضغط اقتصادية ـ سياسية كونية حاسمة أطلق عليها جوستن بودر تسمية «الفيتو النفطي». وفي الترجمة العملية لأبجدية تلك السيطرة، كان يتوجب أن يصبح في وسع الولايات المتحدة الضغط على اقتصاديات منافسة (مثل الاتحاد الأوروبي واليابان) أو أخرى مرشحة للمنافسة مستقبلاً (الصين وروسيا والهند).
كذلك لم يكن قرار الغزو خالياً من هاجس ما أمكن تسميته «الاستيطان العسكري» بمعنى حاجة الولايات المتحدة إلى التواجد العسكري، الدائم والكثيف والمستقرّ، في منطقة الشرق الأوسط عموماً، والخليج خصوصاً. لكن خبراء التخطيط في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ثمّ في وزارة الدفاع، كانوا على يقين بأنّ استمرار التواجد العسكري المكثف في السعودية والكويت يتحوّل تدريجياً إلى عبء سياسي؛ إذْ بات بمثابة حاضنة خصبة لتفريخ مشاعر العداء للولايات المتحدة، واستيلاد المزيد من نماذج أسامة بن لادن، وتعريض أمن النظامين الحاكمين لمخاطر مباشرة. وهكذا فإنّ قرار غزو العراق واحتلاله كان يعني، أيضاً، الاستيطان فيه عسكرياً إلى أمد طويل، وتخفيف العبء عن دول الخليج، وحراسة دولة الاحتلال الإسرائيلي عن بُعد، وإحكام القبضة على المنطقة بأسرها عملياً.
ويبقى أنّ الدرس الختامي، الأشبه بتأمّل واقعي لمجمل سردية الاجتياح وليس لأية حكمة مستقبلية، هو التالي في يقين ليفلر: «قد يكون من باب العزاء التفكير في أنّ الأمر كان سينتهي على ما يرام لو توفّر لنا صانعو سياسة أكثر نزاهة. أمّا الحقيقة فهي أنه من الصعب حيازة معلومات دقيقة وتقييمها موضوعياً. من الصعب قياس التهديد. من الصعب موازنة الوسيلة مع الغاية. من الصعب ترويض الميول والتعصبات. من الصعب وَزْن ردود أفعال أناس لا يعرف عنهم المرء إلا القليل. من الصعب التحكّم بمخاوفنا، وضبط سلطتنا، ولجم غطرستنا».
وقد تصحّ لائحة الصعوبات هذه، في كثير أو قليل، غير أنها لا تجبّ، وهيهات أن تُبطل، حقيقة كبرى تكررت على مدار الحروب جمعاء، وحروب الولايات المتحدة خصوصاً وتحديداً: أنّ كسب الحرب لا يعني البتة كسب السلام، السلام بمعناه الأعرض المركّب الذي يتجاوز وقف إطلاق النار وانتهاء الأعمال العسكرية، والذي لا يعني ما هو أقلّ من استثمار نتائج الحرب لصالح القوّة الظافرة، في المستويات الجيو ـ سياسية والاقتصادية في البدء؛ ثمّ في المستويات الأخرى التالية، المباشرة وغير المباشرة.
وحال الولايات المتحدة في عراق هذه الأيام ليس في حاجة إلى تمحيص، في ضوء تلك الحقيقة الكبرى.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

العلاقات السعودية ـ الإيرانية:

أبعد من عصا الصين السحرية

صبحي حديدي

 

أيّ عصا سحرية تمتلك الصين الرسمية حتى تمكنت، وتتمكن تباعاً، من كسر جليد لاح أنه سميك قديم متقرّن في العلاقات بين السعودية وإيران؛ فما كاد كثيرون يفلحون في التقاط أنفاسهم بعد مفاجأة اختراق صيني أوّل (مبادرة الرئيس الصيني، مطلع آذار/ مارس الماضي، شي جين بينغ للجمع بين الرياض وطهران) حتى جاء التطور المباغت الثاني في لقاء وزيرَي خارجية البلدين في بكين دائماً وإعلانهما الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارتين؟ وهل توفير عصا، من نوع خارق وقادر على اجتراح العجائب، ضروري هنا لتأويل المنقلبات التي يمكن أن تطرأ على سياسات دولية أو إقليمية تتصف، من حيث المظهر الخارجي والمعطيات الظاهرة على الأقلّ، بالتعقيد والتشابك وصعوبة الحلحلة؟
العصا استعارة بالطبع، أو هي في تبسيط أوضح مجاز عن أدوات متعددة الوظائف، جيو ـ سياسة واقتصادية ودبلوماسية، قد تتوفر لدى جهة وازنة في وسعها التوسط بين قضيتَين أو أزمتَين أو عاصمتين، لصالح الأطراف الثلاثة في أوّل الجهد وآخره؛ مقترنة، غالباً، بتراكم سلسلة من العوامل المساعدة على تليين هنا أو تنازل هناك، مثلما هي مشروطة بضرورة انحسار قطب رابع كان في الماضي القريب يمتلك عناصر الضغط والتعكير أو حتى تعطيل جهود المصالحة. في صياغة أوضح:
ـ مع وصول العلاقات السعودية ـ الإيرانية إلى ما يشبه درجة الصفر في التحكّم والتحكّم المضاد (اليمن مثلاً بالنسبة إلى الرياض، وملفّ العقوبات الاقتصادية الخانقة ومأزق الاتفاق حول البرنامج النووي بالنسبة إلى طهران)؛
ـ ومع بحث الرياض عن نظائر بديلة (روسية وصينية، أساساً) يمكن أن تحدّ في قليل أو كثير من قيود التبعية السعودية المتأصلة للولايات المتحدة، مقابل دأب طهران على مقارعة الخصم الأمريكي بما ملكت من وسائل وطرائق وساحات؛
ـ فإنّ من المنطقي أن تتقدّم بكين إلى المشهد، وأن تكون مصالحها مع الرياض وطهران، العالقة في الآن ذاته مع واشنطن، هي الحافز والميزان والمحك، خاصة وأنها القوّة الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية الصاعدة، من جانب أوّل؛ وأنها ليست روسيا، المتورطة في أكثر من جبهة عسكرية خارجية، والأعلى كموناً بما لا يُقاس بصدد استثارة حساسية واشنطن وإغضاب البيت الأبيض والكونغرس معاً، من جانب ثانٍ.
هذه الخلاصة تظلّ حصيلة معطيات حاضرة ومرئية، تحظى أيضاً بمقادير غير قليلة من المنطق السليم الذي يغطي القسط الأعظم من جوانبها؛ الأمر الذي لا ينفي، للوجاهة المنطقية إياها، وعورة الدروب التي يتوجب أن تقتفيها المصالحة، بصرف النظر عن فاعلية الوسيط الصيني أو ما يحمله من أوراق تبدو كفيلة بتعبيد المسير. ثمة، في بُعد أوّل، ما يكتنف الركائز الوجودية ذاتها للبلدَين، في محيط إقليمي مشتعل أو لم يتوقف عن الاحتقان بصدد الاستقطاب العتيق إياه، السنّي الذي تقوده السعودية، والشيعي الذي تتولاه طهران فعلياً وتنغمس فيه منذ انتصار الثورة الإسلامية وعودة الإمام الخميني، سنة 1979.

من المنطقي أن تتقدّم بكين إلى المشهد، وأن تكون مصالحها مع الرياض وطهران، العالقة في الآن ذاته مع واشنطن، هي الحافز والميزان والمحك، خاصة وأنها القوّة الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية الصاعدة، من جانب أوّل؛ وأنها ليست روسيا، المتورطة في أكثر من جبهة عسكرية خارجية

المسائل هنا ليست فقهية، إلا في حدود سطحية أقرب إلى تمويه الجوهر، لأنّ طبيعتها الوجودية تقتضي من طهران تسعير ما تسمّيه «ثورة المستضعَفين» وتصديرها في أنساق ميليشيات صغرى كثيرة متناثرة وأخرى كبرى متمركزة على شاكلة «حزب الله» في لبنان و«الحشد الشعبي» في العراق و«أنصار الله» في اليمن.
ما تقتضيه من الرياض، في المقابل، ينبسط في التاريخ الحديث والمعاصر على فصول عديدة، تضمنت معظمها قطع العلاقات مع طهران على غرار أحداث مكة 1987، كما ذهبت في مناسبات أخرى شأو إعدام الشيخ السعودي الشيعي نمر باقر النمر، وتأخذ صباح مساء شتى أشكال القلق السعودي الأمني من التحريض الإيراني للمواطنين السعوديين الشيعة في المنطقة الشرقية وفي محافظتَي القطيف والأحساء أو في مختلف أراضي المملكة.
العصا السحرية الصينية تذهب، بالتعريف الذي لا يتعارض مع أصول أخلاقيات الاتجار الصيني المعاصر وخاصة التكنولوجي والمعلوماتي منه، إلى ما يشبه إدارة الموقع والمتجر والمختبر؛ أي إلى المراهنة على علاقات بنيوية وبينية بين مؤسسات الدولة في البلدين، التي تؤاخي بين استيراد كميات هائلة وقصوى من النفط السعودي والإيراني، وبين تصدير تطبيق «تيك توك» على سبيل المثال الراهن الأبرز. والأمر هنا لا يدخل في عداد قوانين العولمة، ذات السطوة والعشوائية في آن معاً، وحدها، وعلى أهميتها؛ بل يشتغل على تطورات آنية لم تكن في المشهد قبل سنوات قليلة فقط، مثل التوتر السعود ـ الأمريكي بصدد قرارات منظمة «أوبك» أو اعتماد الولايات المتحدة نهجاً في تفضيل النفط الصخري على نحو يُسقط الكثير من هيمنة النفط السعودي (إدارة الطاقة الأمريكية توقعت أن يرتفع إنتاج الزيت النفطي إلى أكثر من 9 ملايين برميل يومياً) أو… تيه إدارة جو بايدن بين الوعد بتحديد دور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وبين الانتهاء إلى حال معكوسة يكيل فيها بن سلمان طعنات دبلوماسية ونفطية نجلاء إلى الشيخ الأمريكي الرئيس.
ثمة الكثير الذي يتوجب أن يُحتسب أبعد من قدرات العصا السحرية الصينية، وفي الطليعة ما يُنتظر من مفاعيل سلبية داخلية إزاء طيّ عدد من الملفات الحساسة، في السعودية كما في إيران، وعلى مستويات الشوارع الشعبية أو تلك الدينية، العفوية منها أو المنظمة؛ فكيف والتعقيدات الأشدّ سخونة ليست في داخل البلدين بقدر ما هي خارجهما في الإقليم الواسع الشاسع، العراق وسوريا ولبنان مثل اليمن والبحرين والكويت؟ البعض يساجل بأنّ زخم المبادرة الصينية راجع إلى استجابة بن سلمان وحماسه لوضع المزيد من عناصر التكييف السعودي الداخلي على أسرّة العلاج بالصدمة، فضلاً عن شهية شخصية لتصفية حسابات قديمة مع بايدن على صلة بمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. فإذا جاز هذا السجال، فإنّ المشهد الداخلي الإيراني، الموازي في أكثر من اعتبار، ليس بعدُ جاهزاً لطرائق علاج مماثلة مع الدولة ذاتها التي أمطر الحوثيون منشآتها النفطية ومطاراتها بوابل من صواريخ «الحرس الثوري» الإسلامي.
ليس مجرداً من مغزى بالغ الخصوصية، وهو بدوره أبعد من اشتغال العصا السحرية الصينية على التوسط بين الرياض وطهران، أن زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية أواخر العام المنصرم وُضعت (من جانب الصين أوّلاً، في الواقع) ضمن إطار إقليمي، أو عربي محدد بالاسم على الأقلّ. فقد تقصد الناطق باسم الخارجية الصينية التشديد على هذا البُعد حين اعتبر الزيارة «حجر أساس صانع لحقبة في تاريخ العلاقات الصينية ـ العربية» و«شراكة ستراتيجية وشاملة». ليس مستغرباً، بالتالي، أن تكون أعين الصين متوجهة إلى مشهد أوسع نطاقاً وأدسم مكاسباً، يشجع على الأمل في اغتنامه ما يعتمل في المنطقة من اختلاط أوراق واحتشاد تدخلات وصراع مصالح وتوافقات وصفقات… في آن معاً.
وإذا كان صحيحاً أنّ الصين، في انفتاحها المتسارع على الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج خصوصاً، قد قفزت إلى فراغ خلّفته السياسة الأمريكية خلال سنوات الرئيس الأسبق دونالد ترامب وخَلَفه بايدن على نحو متكامل؛ فالصحيح المقابل هو أنّ تاريخ التبعية السعودية للولايات المتحدة، الطويل والمركّب والعضوي تقريباً، لا يسمح بقفزة إلى الفراغ ذاته. ليس بين ليلة وضحاها بادئ ذي بدء، وليس قبل أن يسود الوئام والسلام في ربوع، وعلى خرائب وأطلال، حروب الوكالة بين الرياض وطهران.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

 

صيد السَحَرة:

من المعجم العربي إلى ترامب

صبحي حديدي

 

يشير التقرير الأحدث، الذي أصدرته «رابطة المكتبة الأمريكية» قبل أيام، إلى تزايد هائل في أعداد الشكاوى المطالبة بسحب هذا الكتاب أو ذاك من مكتبات المدارس، على اختلاف صفوفها، والمكتبات العامة، وكذلك دور العجزة والمشافي والسجون؛ ضمن ظاهرة ليست البتة طارئة، بل مألوفة تماماً وترصدها الرابطة منذ تأسيسها رسمياً قبل 20 سنة. الفارق أنّ الأرقام هذه المرّة صاعقة: من 1858 شكوى (وهي أعداد عناوين، بالطبع) في سنة 2021، إلى 2571 في سنة 2022؛ ومحتويات الكتب الرجيمة لا تدور فقط حول الحريات الجسدية أو إدانة التمييز العنصري أو قضايا الدين والسياسة كما للمرء أن يتخيل، بل تشمل أيضاً روايات ومجموعات شعرية ومعاجم.
هنا، على سبيل الأمثلة الأولى، نماذج من لائحة أعمال مُنعت قراءتها في سجون ولاية كارولاينا الشمالية، بقرار إداري من «إدارة الأمن العام»: «معجم عربي ــ إنكليزي»، «أسس تقنيات الكتابة»، «موسوعة الكلاب»، «موسوعة كرة السلة»، «قاموس ألماني موسّع»، «أطلس العالم الجديد»، «النحت بالطين»، «موسوعة أدب الخيال العلمي»، «موسوعة السينما»، «قاموس وبستر الشامل»… فإذا كان المعجم الأوّل مشبوهاً لأنه يحتوي مفردات عربية، فما المشكلة مع قاموس وبستر الإنكليزي، أو… موسوعة الكلاب؟
هنا أمثلة أخرى من الكتب، مع سرد المسوّغات التي دفعت إلى سحبها: مارك توين، «مغامرات هكلبري فين»، 1884، لأنه اعتُبر «نفاية لا تلائم إلا الأحياء الفقيرة»؛ مالكولم إكس وأليكس هيلي، «السيرة الذاتية لـ مالكولم إكس»، 1965، وقد نُظر إليه كـ»دليل يعلّم ارتكاب الجريمة»، ومعاداة البيض؛ توني مويسون، «محبوبة»، 1987، لأنّ الرواية تكرّس العنف وتحرّض السود على البيض؛ دي براون، «ادفنوا قلبي عند الركبة الجريحة»، 1903، لأنه يثير إشكاليات تاريخ الهنود الحمر، ويعيد سرد تاريخ توسّع الولايات المتحدة في الغرب من وجهة نظر الأقوام الأصلية؛ جاك لندن، «نداء البرّية»، 1903، لأنه يقيم الوجود على أساس من العلاقة بين إنسان وكلب (وهذا، للمناسبة، تفسير اعتمدته النازية أيضاً فأحرقت الرواية)…
حملات المطالبة بسحب هذه الكتب، وسواها كثير متنوع، تقودها جمعيات محافظة مثل «أمهات من أجل الحرية» أو «اتحاد أولياء يوتا»، حيث تنصبّ الجهود على استصدار تشريعات بتضييق اقتناء الكتب ومحاسبة أمناء المكتبات أمام القضاء، أو الضغط المباشر على إدارات المدارس والمشافي والسجون عن طريق التظاهر والاعتصام والإعلانات المدفوعة في الصحف. لافت، على نحو خاصّ، أنّ غالبية هذه الجمعيات محافظة بالمعنى الأشدّ تزمتاً في الثقافة السياسية والاجتماعية والأخلاقية الأمريكية، لكنها أيضاً تنتمي إلى المجموعات المؤيدة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، المؤمنة بأنّ الانتخابات الرئاسية الأخيرة سُرقت منه، والمتحمسة لترشحه وعودته مجدداً إلى البيت الأبيض.
طريف إلى هذا أنّ ترامب هو اليوم رافع راية «صيد السَحَرة»، واستهدافه من جانب الديمقراطيين واليسار في القضاء الأمريكي على خلفية شراء سكوت الممثلة الإباحية التي جمعته بها علاقة حميمة قبل أن يقتحم ميدان السياسة ويتصدّر مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات 2016. وأمّا وجه الطرافة فهو أنّ التعبير إنما يحيل إلى الكاتب المسرحي الأمريكي الكبير آرثر ميللر (1915-2005)، الذي كان ضحية الرقابة على مسرحيته الشهيرة «المحنة»، والتي تدور حول المحاكمات الشهيرة لساحرات بلدة سالم الأمريكية، أواخر القرن السابع عشر. إلا أنّ خلفية النصّ كانت تشير إلى أمريكا القرن العشرين، وصيد السحرة الذي مارسته «لجنة النشاطات المعادية لأمريكا»، التي دشّنت فجر الـ»مكارثية» بوصفها أسوأ استبداد ثقافي وفكري عرفته الولايات المتحدة على امتداد تاريخها. ففي عام 1947 أُضيف ميللر إلى لائحة تضمّ 320 من العاملين في مختلف أعمال المسرح والسينما والغناء والأوبرا وسواها من الفنون، مُنعوا من العمل بقرار من اللجنة تلك.
وإلى جانب ميللر توفّرت أسماء عدد كبير من خيرة كتّاب وفنّاني الولايات المتحدة آنذاك: ريشارد رايت، جوزيف لوزي، بول روبسون، داشيل هاميت، كليفورد أوديتس، لويس أنترمير، وسواهم. وذنب هؤلاء كان مزدوجاً: أنهم ينتمون بهذا الشكل أو ذاك إلى تيّارات اليسار، ويُشتبه تالياً بانتمائهم إلى الحزب الشيوعي؛ وأنهم رفضوا ممارسة الدسيسة على زملائهم، والإدلاء بمعلومات عنهم إلى اللجنة. وفي كتاب السيرة الذاتية الذي أصدره سنة 1987 بعنوان «على مرّ الأيام: حياة»، يروي ميللر تفاصيل مثيرة عن تلك الحقبة، لعلّ أشدّها تأثيراً في النفس ليس صموده هو شخصياً أمام اللجنة، بل انهيار صديقه المخرج المسرحي والسينمائي الشهير إيليا كازان.
وقد يعجب امرؤ من أنّ أمريكا هذه، ذاتها التي لا تمارس أيّ طراز ملموس من الرقابة على اقتناء الأسلحة النارية، أو إنتاج مختلف بضائع البورنو المقروءة والمرئية والمصنّعة والترويج لها، تتحفز جمعيات نافذة فيها ضدّ معجم عربي ــ إنكليزي أو آخر إنكليزي – إنكليزي داخل سجن، أو تتجند لسحب روايات إرنست همنغواي، «لمَنْ يقرع الجرس»؛ أو مرغريت ميتشل، «ذهب مع الريح»؛ أو جون شتاينبك، «أعناب الغضب»؛ أو ف. سكوت فتزجيرالد، «غاتسبي العظيم»…
والأرجح أنّ العجب لن يطول، إذا كان المطالِب بمنع هذه الأعمال، هو نفسه المؤمن بأنّ ترامب ضحية صيد السَحَرة؛ سواء بسواء!

 

 

مقالات سابقة

صيد السَحَرة:

من المعجم العربي إلى ترامب

صبحي حديدي

 

يشير التقرير الأحدث، الذي أصدرته «رابطة المكتبة الأمريكية» قبل أيام، إلى تزايد هائل في أعداد الشكاوى المطالبة بسحب هذا الكتاب أو ذاك من مكتبات المدارس، على اختلاف صفوفها، والمكتبات العامة، وكذلك دور العجزة والمشافي والسجون؛ ضمن ظاهرة ليست البتة طارئة، بل مألوفة تماماً وترصدها الرابطة منذ تأسيسها رسمياً قبل 20 سنة. الفارق أنّ الأرقام هذه المرّة صاعقة: من 1858 شكوى (وهي أعداد عناوين، بالطبع) في سنة 2021، إلى 2571 في سنة 2022؛ ومحتويات الكتب الرجيمة لا تدور فقط حول الحريات الجسدية أو إدانة التمييز العنصري أو قضايا الدين والسياسة كما للمرء أن يتخيل، بل تشمل أيضاً روايات ومجموعات شعرية ومعاجم.
هنا، على سبيل الأمثلة الأولى، نماذج من لائحة أعمال مُنعت قراءتها في سجون ولاية كارولاينا الشمالية، بقرار إداري من «إدارة الأمن العام»: «معجم عربي ــ إنكليزي»، «أسس تقنيات الكتابة»، «موسوعة الكلاب»، «موسوعة كرة السلة»، «قاموس ألماني موسّع»، «أطلس العالم الجديد»، «النحت بالطين»، «موسوعة أدب الخيال العلمي»، «موسوعة السينما»، «قاموس وبستر الشامل»… فإذا كان المعجم الأوّل مشبوهاً لأنه يحتوي مفردات عربية، فما المشكلة مع قاموس وبستر الإنكليزي، أو… موسوعة الكلاب؟
هنا أمثلة أخرى من الكتب، مع سرد المسوّغات التي دفعت إلى سحبها: مارك توين، «مغامرات هكلبري فين»، 1884، لأنه اعتُبر «نفاية لا تلائم إلا الأحياء الفقيرة»؛ مالكولم إكس وأليكس هيلي، «السيرة الذاتية لـ مالكولم إكس»، 1965، وقد نُظر إليه كـ»دليل يعلّم ارتكاب الجريمة»، ومعاداة البيض؛ توني مويسون، «محبوبة»، 1987، لأنّ الرواية تكرّس العنف وتحرّض السود على البيض؛ دي براون، «ادفنوا قلبي عند الركبة الجريحة»، 1903، لأنه يثير إشكاليات تاريخ الهنود الحمر، ويعيد سرد تاريخ توسّع الولايات المتحدة في الغرب من وجهة نظر الأقوام الأصلية؛ جاك لندن، «نداء البرّية»، 1903، لأنه يقيم الوجود على أساس من العلاقة بين إنسان وكلب (وهذا، للمناسبة، تفسير اعتمدته النازية أيضاً فأحرقت الرواية)…
حملات المطالبة بسحب هذه الكتب، وسواها كثير متنوع، تقودها جمعيات محافظة مثل «أمهات من أجل الحرية» أو «اتحاد أولياء يوتا»، حيث تنصبّ الجهود على استصدار تشريعات بتضييق اقتناء الكتب ومحاسبة أمناء المكتبات أمام القضاء، أو الضغط المباشر على إدارات المدارس والمشافي والسجون عن طريق التظاهر والاعتصام والإعلانات المدفوعة في الصحف. لافت، على نحو خاصّ، أنّ غالبية هذه الجمعيات محافظة بالمعنى الأشدّ تزمتاً في الثقافة السياسية والاجتماعية والأخلاقية الأمريكية، لكنها أيضاً تنتمي إلى المجموعات المؤيدة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، المؤمنة بأنّ الانتخابات الرئاسية الأخيرة سُرقت منه، والمتحمسة لترشحه وعودته مجدداً إلى البيت الأبيض.
طريف إلى هذا أنّ ترامب هو اليوم رافع راية «صيد السَحَرة»، واستهدافه من جانب الديمقراطيين واليسار في القضاء الأمريكي على خلفية شراء سكوت الممثلة الإباحية التي جمعته بها علاقة حميمة قبل أن يقتحم ميدان السياسة ويتصدّر مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات 2016. وأمّا وجه الطرافة فهو أنّ التعبير إنما يحيل إلى الكاتب المسرحي الأمريكي الكبير آرثر ميللر (1915-2005)، الذي كان ضحية الرقابة على مسرحيته الشهيرة «المحنة»، والتي تدور حول المحاكمات الشهيرة لساحرات بلدة سالم الأمريكية، أواخر القرن السابع عشر. إلا أنّ خلفية النصّ كانت تشير إلى أمريكا القرن العشرين، وصيد السحرة الذي مارسته «لجنة النشاطات المعادية لأمريكا»، التي دشّنت فجر الـ»مكارثية» بوصفها أسوأ استبداد ثقافي وفكري عرفته الولايات المتحدة على امتداد تاريخها. ففي عام 1947 أُضيف ميللر إلى لائحة تضمّ 320 من العاملين في مختلف أعمال المسرح والسينما والغناء والأوبرا وسواها من الفنون، مُنعوا من العمل بقرار من اللجنة تلك.
وإلى جانب ميللر توفّرت أسماء عدد كبير من خيرة كتّاب وفنّاني الولايات المتحدة آنذاك: ريشارد رايت، جوزيف لوزي، بول روبسون، داشيل هاميت، كليفورد أوديتس، لويس أنترمير، وسواهم. وذنب هؤلاء كان مزدوجاً: أنهم ينتمون بهذا الشكل أو ذاك إلى تيّارات اليسار، ويُشتبه تالياً بانتمائهم إلى الحزب الشيوعي؛ وأنهم رفضوا ممارسة الدسيسة على زملائهم، والإدلاء بمعلومات عنهم إلى اللجنة. وفي كتاب السيرة الذاتية الذي أصدره سنة 1987 بعنوان «على مرّ الأيام: حياة»، يروي ميللر تفاصيل مثيرة عن تلك الحقبة، لعلّ أشدّها تأثيراً في النفس ليس صموده هو شخصياً أمام اللجنة، بل انهيار صديقه المخرج المسرحي والسينمائي الشهير إيليا كازان.
وقد يعجب امرؤ من أنّ أمريكا هذه، ذاتها التي لا تمارس أيّ طراز ملموس من الرقابة على اقتناء الأسلحة النارية، أو إنتاج مختلف بضائع البورنو المقروءة والمرئية والمصنّعة والترويج لها، تتحفز جمعيات نافذة فيها ضدّ معجم عربي ــ إنكليزي أو آخر إنكليزي – إنكليزي داخل سجن، أو تتجند لسحب روايات إرنست همنغواي، «لمَنْ يقرع الجرس»؛ أو مرغريت ميتشل، «ذهب مع الريح»؛ أو جون شتاينبك، «أعناب الغضب»؛ أو ف. سكوت فتزجيرالد، «غاتسبي العظيم»…
والأرجح أنّ العجب لن يطول، إذا كان المطالِب بمنع هذه الأعمال، هو نفسه المؤمن بأنّ ترامب ضحية صيد السَحَرة؛ سواء بسواء!

 

 

ديمقراطية الامتناع/ احتلال الشارع:

مأزق فرنسا المعاصرة

صبحي حديدي

 

هنالك الكثير الجوانب المطلبية، المشروعة بقدر ما هي إشكالية في قليل أو كثير، تكتنف حركات الاحتجاج المتواصلة منذ أسابيع ضدّ تشريعات إصلاح أنظمة التقاعد في فرنسا، والتي باتت تُختصر في معادلة تمرير القانون الناظم لتلك الإصلاحات أو سحبه على نحو جذري غير جزئي أو تلطيفي. كذلك بات جلياً أنّ جولات الحراك المتعاقبة تحولت إلى صراع تناطحي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومة إليزابيث بورن من جهة أولى، ونقابات العمال والمستخدمين على اختلاف توجهاتها الإيديولوجية والطبقية من جهة ثانية؛ ضمن منطق أقرب إلى حرب مفتوحة مطوّلة، لن تتكفل معركة واحدة بحسمها، حتى إذا بقيت قواعد الاشتباك في جبهاتها مستقرة ومتفقاً عليه.
ثمة، في المقابل، أسئلة تتجاوز الجوانب المطلبية إلى أخرى ذات طابع مختلف أكثر تعقيداً، وأقلّ جلاء أمام الجمهور العريض من حيث الاشتغال والأثر على الأقلّ، يمكن أن تبدأ من العمارة السوسيولوجية للحركات الاحتجاجية، وقد يصحّ ألا تنتهي عند الثقافة السياسية المعيارية في فرنسا الراهنة، فضلاً عن الجوهري بين هذه الأسئلة أو تلك: أين الديمقراطية الفرنسية، كنظام وبنية ومؤسسات، من هذا الحراك الاجتماعي والسياسي والنقابي والحقوقي والدستوري؟ وإذا كان ماكرون قد نصّ في برنامجه الانتخابي على إقرار هذه الإصلاحات، وقد انتُخب بالفعل استناداً إليها، فكيف يُلام إذا اختار الوفاء بوعوده وذهب إلى التنفيذ؟ وأيضاً، كيف يُقرأ تصريحه الاستفزازي بأنّ «الحشد لا يملك شرعية في وجه الشعب الذي عبّر عن نفسه من خلال ممثّليه المنتخبين».
ولعلّ السؤال الأكثر اشتمالاً على المعضلة، أو تشكيل المأزق في واقع الأمر، تختصره هذه المعادلة البسيطة، هائلة الدلالات في المقابل: 6 من أصل كلّ 10 فرنسيين صاروا من فئة الممتنعين عن التصويت في غالبية الانتخابات البلدية والمناطقية والتشريعية والرئاسية، فبأيّ معنى يمكن الحديث عن تمثيل شعبي في الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) لا يتجاوز ثلث سكان فرنسا؟ واستطراداً، أيّ فارق في أن يصوّت مجلس الشيوخ (غير المنتخَب) على مشاريع إصلاح التقاعد، وتلجأ الحكومة إلى المادة 3ـ49 من الدستور لتمرير المشاريع إياها رغماً عن المجلس المنتخَب، ومن دون تصويته؟
السؤال التالي، المتفرّع منطقياً وسياقياً عن الأسئلة أعلاه، يخصّ شخصية الرئيس الفرنسي ماكرون، صانع تشريعات التقاعد وموضوع سخط الشارع الغاضب؛ الذي لم يكن، مع ذلك، إلا خيار شرائح واسعة من الساخطين اليوم حين توجهوا إلى صناديق الاقتراع لانتخابه رئيساً، مرّتين، لقطع الطريق على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبين. هذه المفارقة، وهي واحدة ضمن سلسلة متماثلة تارة أو متناقضة تارة أخرى، كانت تتوّج بصمة ماكرون الأهمّ في الحياة السياسية الفرنسية المعاصرة خصوصاً، وتقاليد قرابة نصف قرن من الجمهورية الخامسة عموماً: أنّه نجح في تحييد اليسار (التقليدي على الأقلّ، وفي طليعته الحزب الاشتراكي والخضر) أسوة باليمين (التقليدي بدوره، إرث شارل دوغول ثمّ فيليب سيغان/ جاك شيراك، ونيكولا ساركوزي)؛ ولكنه اقتفى، جوهرياً، مسارات يمين ليبرالي سياسي واقتصادي واجتماعي، أتقن لعبة تمويه التوحّش الرأسمالي في فلسفات أخلاقية وإصلاحية غائمة.

6 من أصل كلّ 10 فرنسيين صاروا من فئة الممتنعين عن التصويت في غالبية الانتخابات البلدية والمناطقية والتشريعية والرئاسية، فبأيّ معنى يمكن الحديث عن تمثيل شعبي في الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) لا يتجاوز ثلث سكان فرنسا؟

وقد يجهل الكثيرون أنّ أحد أبرز مشاهير الفلسفة في عالمنا المعاصر، يورغن هابرماس، الألماني مع ذلك، كان أيضاً أحد أبكر المرحبين بانتخاب ماكرون للدورة الرئاسية الأولى سنة 2017؛ حيث سار بعض التهليل هكذا: «يندر أنّ صعوداً غير متوقَّع مثل هذه الشخصية الفاتنة، الاستثنائية في كلّ حال، شهد بهذه الدرجة على حالات التاريخ الطارئة. ماكرون يمتلك ثلاث خصال خارجة عن الإطار المعتاد: شجاعته في صياغة السياسة، ثمّ وعيه الدقيق بالحاجة إلى إصلاح المشروع الأوروبي الذي تولّته النُخب حتى الساعة وينقله ماكرون اليوم إلى المواطنين اتكاءً على الشرعية الديمقراطية الذاتية للمواطنين، وأخيراً حقيقة أنه يؤمن بثقل الكلمات، قوّة الإفصاح عن التأمل، وتدبُّر الإقناع».
إطناب من عيار ثقيل، غنيّ عن القول، سوف يتصادى مع تيار آخر فرنسي هذه المرّة، «اكتشف» أنّ ماكرون تلميذ نجيب لفيلسوف الإنسانيات الفرنسي بول ريكور (1913-2005)؛ صاحب أعمال تأسيسية مثل ثلاثية «فلسفة الإرادة» و«التاريخ والحقيقة» و«الذات بوصفها آخر». ولم نعدم كاتباً فرنسياً، فرنسوا دوس، أصدر في مطلع رئاسة ماكرون الأولى كتاباً بعنوان «الفيلسوف والرئيس: ريكور وماكرون»؛ ساجل فيه بأنّ برامج الأخير تتناغم مع فلسفة الأوّل في جوانب أخلاقية عديدة، وتأويل أشغال التاريخ، واستكمال واجبات الذاكرة، والالتزام بطراز من العلمانية مفتوح على حسن النوايا والاستضافة وتفعيل النظام الديمقراطي، وسوى ذلك. ليس مدهشاً أنّ المؤلف ذاته عاد وأصدر كتاباً ثانياً عنوانه «ماكرون أو الأوهام الضائعة ـ دموع بول ريكور» يستخلص فيه (ولكن دون أن يتراجع عن خلاصات كتابه الأوّل!) أنّ الفيلسوف يدمع حزناً على ما آل إليه الرئيس.
وبين مفاعيل هذَين الاستقطابين، خلف حراك الشارع الشعبي اليوم ضدّ تشريعات التقاعد، يتعاظم مأزق ديمقراطية قوامها حشود تمتنع عن التصويت بمعدّل 6 من كلّ عشرة مواطنين، مقابل سلطة تنفيذية يترأسها ليبرالي عتيد أحال اليسار واليمين إلى الصفوف الخلفية. ثمة استقطاب ثالث يخصّ الحاضر الفرنسي تحديداً، ضمن منظور الخروج إلى الشارع كوسيلة كبرى للاحتجاج والسعي إلى التغيير، وفي إطار نقاش كهذا يصعب على المرء إغفال ظاهرة السترات الصفراء التي عمّت فرنسا قبل خمس سنوات، من زوايا عديدة لعل الأكثر التصاقاً منها بسياقات الراهن هي حكاية التأويل: أهي حركة أنذرت بولادة «ائتلاف الريف والمدينة» أو «صحوة الطبقة العاملة» أو «انتفاضة الطبقة الوسطى»؛ أم هي، على الضفة الموازية، كسر لمعادلة ماكرون في تحييد اليمين واليسار، أو مطالبة بطيّ صفحة الجمهورية الخامسة، أو تسجيل عودة الإيديولوجيا؟ الأوضح مع ذلك، والأشدّ واقعية وصواباً، كان الإقرار بأنّ الحركة وليدة حزمة الضرائب ذاتها التي وعد بها المرشح الرئاسي ماكرون في برنامجه الانتخابي؛ بل كانت أقرب إلى «بصمة» شخصية» تحدّد مسارات رئاسته.
وكان فيلسوف آخر غير هابرماس، هو عالم الاجتماع والمفكر الفرنسي بيير بورديو (1930 ـ 2002) أحد آخر الكبار المحترمين الذين كرّسوا الكثير من الجهد المعمّق المنتظم والمنهجي لدراسة ظواهر السياسة اليومية في فرنسا المعاصرة. ولقد ظلّ بورديو شديد القلق إزاء شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطاب السياسي الشعبوي، أو حتى الشعبوي، وكان بالغ الحصانة ضدّ إغواء الألعاب النظرية ما بعد الحداثية التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لافتتاح اللعب. ولم يكن غريباً بالتالي أن بورديو، صحبة نفر قليل من ممثلي هذه الأقلية، شارك في اجتماع شهير مع القيادات النقابية الفرنسية لاتخاذ قرار الإضراب الشامل الواسع الذي شلّ مختلف قطاعات الحياة اليومية الفرنسية أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أنه آنذاك وضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، بل شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها.
وتلك وجهة أخرى لتشخيص الداء الراهن لديمقراطية فرنسية ترسل إلى الشارع ملايين الرافضين، ولكنها لا تلاقي صندوق الاقتراع إلا بنسبة الثلث التي تسفر عن صعود أمثال ماكرون، وسنّ التشريعات طبقاً للمادة 3ـ49. وللحشود أن تعترض، ما شاء لها السخط…

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

شهر رمضان: من مآزق

العيش إلى بورصة التأجيج

 

صبحي حديدي

 

في لبنان، حيث مآزق العيش اليومي وأزمات الوجود البسيط المستعصية، من ندرة حليب الأطفال إلى التلاعب بأدوية الضرورات الماسة، فانقطاع الماء والكهرباء والوقود؛ لا يُستثنى شهر رمضان من انتهاك سلطات النهب والفساد والتسلط والمحاصصة الطائفية، فيتحوّل الشهر الفضيل إلى مادة إلهاء عن الجوهري، وإشعال لمعارك طائفية ومذهبية.
وهكذا اجتمع رئيس مجلس النواب نبيه البري، مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وتوافقا على تأخير العمل بالتوقيت الصيفي المعتاد، على سبيل التخفيف من أعباء الصائمين كما قيل؛ الأمر الذي سارع بعض أقطاب نهب البلد وإقعاده وتخريبه وتجويعه وتفليسه، ولكن من الجانب الأخر للتقاسم الطائفي، إلى رفع العقيرة احتجاجاً على تدبير «مسلم» يُلحق الضرر بمصالح مواطن «مسيحي»!.
وإلى جانب أقصى الحماقة، عن سابق قصد وتصميم، في قرار لا يمتّ بصلة إلى شروق الشمس ومغيبها (وهو معيار توقيتات الإمساك والإفطار)، فإنّ التسجيل المسرّب للقاء «رأس» السلطة التشريعية بنظيره في السلطة التنفيذية لا يبدو صنيعة الصدفة أو إهمال هذا الهاتف المحمول المسجِّل أو ذاك؛ بقدر ما يثبت السيناريو بأسره، من التسريب إلى الاستنكار، أنّ «بنك» استغفال العقول لدى أمثال برّي وميقاتي، ثمّ جبران باسيل على الضفة الموازية، لا حدود له من جهة أولى، كما أنه في الآن ذاته مصاب بإفلاس فاضح في الطرائق والتقنيات.
طراز آخر من بورصة استغلال شهر الصيام للإيحاء بما قد يبدو في الظاهر نزاعاً مذهبياً بين السنّة والشيعة، ولكنه في العمق أو تحت قشرة السطح مباشرة ليس أكثر من وجهة أخرى مماثلة لإجراء برّي/ ميقاتي؛ هو حكاية الإعلان عن عرض مسلسل «معاوية»، ثمّ تراجع الشركة المنتجة عن بثّه بسبب الجدل حول ما قد يثيره من «نعرات طائفية». وإذْ تبارى ساسة ورجال دين، أو ذلك الطراز المشترك في صفوفهم كما يعكسه الزعيم العراقي الشيعي مقتدى الصدر مثلاً، في إطلاق التصريحات المحذّرة من عواقب عرض المسلسل؛ بادرت قناة «الشعائر» العراقية ذات التوجّه الشيعي إلى اتخاذ ردّ عملي صدامي، فأعلنت إنتاج شريط سينمائي يمتدح شخصية أبي لؤلؤة المجوسي، قاتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
وحتى الساعة، أو إلى أن يثبت العكس عند إشعار آخر، انتهج الفريقان جانب التهدئة (ما دام المرء في قلب خطابات الحرب والاقتتال!)، وكأنّ عشرات المؤلفات، أو المئات منها، لم تفصّل القول في شخصيتَي معاوية أو أبي لؤلؤة، ثمّ الإمام عليّ ومعركة صفين في الخلفية الأعرض والأهمّ والأخطر، أو موقعة الجمل قبلها؛ سواء لجهة التشديد على الرواية السنّية، أو نقضها في قليل أو كثير لصالح إعلاء الرواية الشيعية.
طراز ثالث من استغلال شهر رمضان تولاه رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تناسى أزمات معيش المصريين وحال العملة الوطنية واستجداء صندوق النقد الدولي والتسوّل لدى هذه وتلك من دول الخليج الداعمة لنظامه؛ واختار أن يفتتح مسجداً في أرجاء ما يسمّيه «العاصمة الإدارية الجديدة»، بكلفة تجاوزت 800 مليون جنيه، رغم أنّ المنطقة ذاتها تضمّ مسجداً ثانياً يُعدّ أحد أكبر مساجد العالم. ولم يكن خافياً عن المصريين مغزى الترويج السياسي خلف اختيار شهر الصيام لافتتاح المسجد الثاني، ثمّ دلالة أن تتولى البناء شركة مقاولة تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وكان البعض يبدي الأسف لأنّ شهر العبادة والتضامن والتسامي الروحي والجسدي انقلب إلى موسم للإفراط في الأطعمة والإدمان على المسلسلات؛ وجاءت اليوم أحقاب من انتهاك الشهر الفضيل، على أصعدة شتى من الاستغلال والإلهاء والإفساد. وليست هذه التحولات غريبة عن أساليب اشتغال الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية، حيث تستعين طرائقُ الاستبداد والفساد بكلّ ما يمكن أن يخدّر العقل ويستلب الروح.

 

 

مصرف «سيليكون فالي»

والتاريخ الذي لا ينتهي

صبحي حديدي

 

مَن اعتقد أنّ انهيار مصرف «سيليكون فالي» واقعة منطوية على المفاجأة الأدهى في العصر الراهن من أنظمة الصيرفة الرأسمالية، فقد جانب الصواب في الاعتقاد؛ على غرار ذاك الذي يظنّ أنها معزولة أو منفصلة عن سياقات أعرض، أو حتى عابرة سوف يفلح الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، أو أجهزة إدارة جو بايدن المالية ومؤسسات وول ستريت، في تطويق تبعاتها. هما في ذات الظنّ الخاطئ الذي يدفع أنصار الرأسمالية المعاصرة إلى التأكيد/ الطمأنة بأنّ فصول مسرح الإفلاس هذا («سيلفرغيت» و«سغنيشر» بعد «سيليكون فالي») مقتصرة على الأسواق الأمريكية وبورصاتها.
في المثال، الذي يصحّ أن يتوارد سريعاً إلى الذهن، ذلك المشهد الذي تابعته اليابان ذات يوم غير بعيد؛ حين أطلّ المدير التنفيذي لشركة «يامايشي» للسندات والأسهم والمضاربات على شاشات التلفزة، فانخرط في بكاء متقطع مرير، وانحنى على النحو الشعائري الياباني وهو يعلن الإفلاس الوشيك للشركة. واكتملت الدراما القصوى حين توقفت الكومبيوترات، وتجمدت المعاملات المالية، وأُطفئت الأضواء في ناطحة السحاب حيث مقرّ الشركة. نهاية حزينة لا ريب، وكان المشهد، المسرحي بامتياز، جديراً بأكثر تراجيديات وليام شكسبير توتراً ومأساة؛ مع فارق حاسم هو أنّ المشهد كان واقعياً 100٪.
تلك كانت الشركة التي تحتلّ المرتبة الرابعة في لائحة كبريات بيوتات السندات المالية الخاصة في اليابان، وعراقتها تعود إلى عام 1897، ولها فروع في 31 عاصمة رأسمالية، بكادر من المستخدمين يتجاوز السبعة آلاف موظف. ذلك كله لم يحصّنها ضدّ سلسلة من الفضائح المالية، وسلسلة ثانية من تقلبات أسعار الأسهم، وسلسلة ثالثة من صعوبات تأمين التمويل، الأمر الذي أفضى إلى خسارة صافية مقدارها 52 مليار دولار أمريكي، وإلى إعلان الإفلاس والإغلاق.
أوّل الدروس وراء ذلك الانهيار الدراماتيكي للشركة اليابانية هو أنّ العمالقة قد يجدون أنفسهم بغتة في عراء مطلق، بلا سند أو كفيل أو ضامن، قاب قوس واحد من الهاوية. البنوك المركزية في أوروبا وضعت يدها على قلبها، وأبدت مشاعر «التعاطف» ثم التزمت الصمت. الشركاء الأمريكيون ضنّوا حتى بمشاعر التعاطف. وبنك «فوجي» الذي رعى مصالح الشركة المفلسة منذ عقود وربح على ظهرها ومعها مئات الملايين، نفض يده في نهاية الأمر وأعلن مسؤولوه أنهم لا يستطيعون القيام بأيّ شيء لإنقاذ الموقف.
ثاني الدروس أنّ التشدّق الليبرالي حول ضرورة توطيد الاستقلالية المطلقة للمؤسسة الخاصة مقابل الدولة والإدارة المركزية، تلقى لطمة قاسية، لأنّ الجهة الوحيدة التي كانت قادرة على انتشال «يامايشي» من الهاوية هي وزارة المالية اليابانية؛ تماماً كما اتضح أنها الحال اليوم مع مصرف «سيليكون فالي» وقريناته المنهارات. وهنا أيضاً، في المثالين الياباني والأمريكي، اتضحت محدودية هذا الدور لأنّ الخزينة العامة ليست مضخة مليارات لا تنضب؛ بدليل عجز الحكومة اليابانية عن إنقاذ بنك «تاكوشوكو» وشركة سندات «سانيو» من إفلاس مماثل وقع خلال الفترة ذاتها؛ وتنصّل المصرف المركزي الأمريكي، اليوم، من مهمة إنقاذ المصارف المفلسة لقاء ضرورات رفع أسعار الفوائد ومجابهة التضخم.

ظنّ خاطئ يمكن أن يدفع أنصار الرأسمالية المعاصرة إلى التأكيد/ الطمأنة بأنّ فصول مسرح الإفلاس هذا («سيلفرغيت» و«سغنيشر» بعد «سيليكون فالي») مقتصرة على الأسواق الأمريكية وبورصاتها

وأما ثالث الدروس فهو مفارقة مزدوجة وخارج حدود اليابان، إذْ كانت فانكوفر الكندية تشهد انعقاد مؤتمر التعاون الاقتصادي لدول آسيا والباسيفيكي (أبيك)؛ وفي الآن ذاته، أصدر صندوق النقد الدولي وثيقة جديدة حول برنامج التعديل الهيكلي، أي «وصفة» الإصلاحات الإلزامية التي يفرضها الصندوق على الدول النامية كشرط مسبق للإقراض والإعانة، والتي تحثّ على منح المزيد من الاستقلال للشركات الخاصة، والمزيد من إقصاء الدولة بعيداً عن الحياة الاقتصادية!
العالم تابع ردود أفعال غريغ بيكر، المدير التنفيذي لشركة «سيليكون فالي» الأمّ، فلم يتضح أنه ذرف دمعة واحدة على انهيار مصرفه، بل فعل ما لم يكن سيخطر على بال المدير الياباني لشركة «يامايشي»: لقد استبق الانهيار، منذ 27 شباط (فبراير) الماضي، فباع من أسهمه الشخصية ما درّ عليه 3,6 مليون دولار أمريكي من الأرباح الصافية. وقبل سنوات، حين أوصى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب برفع قيود التدقيق على المصارف، أنفق بيكر ما يعادل نصف مليون دولار لشراء الذمم في الكونغرس وتسهيل تمرير التشريعات التي تجعل المصارف حرّة طليقة. وإذا كان المعمار الأخلاقي في قلب الثقافة الرأسمالية اليابانية قد أتاح انهمار دموع المدير التنفيذي لشركة «يامايشي» فإنّ المعمار الأخلاقي النظير في الثقافة الرأسمالية الأمريكية لم يُعفِ غريغ من تلك الانحناءة الشكسبيرية فحسب، بل أعطاه الحقّ في أن يدير ظهره ويغادر المسرح وكأنّ شيئاً لم يكن… ولعلّ براءة الأطفال داعبت عينيه أيضاً!
وكان فريدريك إنجلز، شريك كارل ماركس في رصد ملامح الشبح الشيوعي الذي أخذ يحوم في سماء أوروبا وأرضها منذ أواسط القرن التاسع عشر، قد أطلق عبارة نبوئية مدهشة وثمينة في آخر أيام حياته: «ثمة غرابة خاصة في أطوار البرجوازية، تميّزها عن جميع الطبقات الحاكمة السابقة، هي أنها تبلغ منعطفاً حاسماً في صعودها وتطوّرها تصبح فيه كلّ زيادة في وسائل جبروتها، أيّ كلّ زيادة في رأسمالها أساساً، بمثابة عنصر جديد إضافي يساهم في جعلها أشد عجزاً عن الحكم بالمعنى السياسي». وبصرف النظر عن درجة الصلاحية العامة في تشخيص صدر قبل قرن ونيف (توفي الرجل عام 1895) فإنّ المجموعات الحاكمة في المجتمعات الرأسمالية الغربية المعاصرة تبدي الكثير من هذا الميل؛ فكيف الحال في مجتمعات الاهتداء الهستيري العجول إلى فضائل الرأسمالية العتيقة وآلامها وآمالها.
وكان الأمريكي فرنسيس فوكوياما قد أعلن نهاية التاريخ وانتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية في معركة ختامية لن تقوم بعدها قائمة لأية إيديولوجية منافسة. بعد خمس سنوات أصدر كتابه الثاني الذي يبشّر بنهاية الاقتصاد الوطني وولادة التعميم العالمي لاقتصاد كوني واحد عماده «الثقة» تدور من حوله أفلاك اقتصادية أصغر أو هي ليست بالاقتصاد إلا لعدم توفّر مصطلح بديل يصف طبيعتها. ولكنّ فوكوياما، في الكتاب الأوّل كما في الثاني، كان قد أساء قراءة هوية «الرجل الأخير» أو الرأسمالي خاتم البشر، الذي سيرث الأرض بعد طيّ صفحة الحرب الباردة. الأشباح التي أخذت تجوس من جديد ليست بالتأكيد في عداد ذلك الرجل، فكيف إذا تسارعت الانهيارات في قلب الولايات المتحدة، وتعاقب انهيار المصارف التي تستقبل ودائع «الرجل الأخير» إياه!
انقضت، اليوم، 34 سنة على مقالة فوكوياما التي ساجلت بأنّ التاريخ لعبة كراسٍ موسيقية بين الإيديولوجيات (عصر الأنوار، الرأسمالية، الليبرالية، الشيوعية، الإسلام، القِيَم الآسيوية، ما بعد الحداثة…)؛ وقد انتهى التاريخ وانتهت اللعبة، لأنّ الموسيقى توقفت تماماً (سقوط جدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة) أو لأنّ الموسيقى الوحيدة التي تُعزف الآن هي تلك الخاصة بالرأسمالية والليبرالية واقتصاد السوق. ليس في استعارة لعبة الكراسي الموسيقية أيّ إجحاف بحقّ أطروحة فوكوياما، بل لعلها أفضل تلخيص للتمثيلات الكاريكاتورية التي وضعها الرجل لعلاقة البشر بالتواريخ، ولتأثير البنية الفوقية (الإيديولوجيا والنظام الفكري) على البنية التحتية (الاقتصاد والنظام الاجتماعي) وعلى «ولادة إنسان لا حاجة له بالتاريخ لأنه ببساطة خاتم البشر»!
أم لعله في حاجة ماسّة إلى ودائعه المضيّعة في خزائن نهاية التاريخ، خاصة إذا افتقر إلى ما يملكه غريغ بيكر من «بصيرة» تجعله يتنقل بين الكراسي الموسيقية فلا يسحب ودائعه في التوقيت القاتل فحسب؛ بل يتكسب من سحبها، أيضاً وأيضاً!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

من عبيد جيفرسون إلى قصاص ترامب:

أسفار أمريكا المحافظة

صبحي حديدي

 

يزعم أقطاب التيارات المحافظة، في السياسة والاقتصاد كما في الاجتماع والثقافة، أن «مؤتمر العمل السياسي للمحافظين» أو الـ CPAC في مختصراته الإنكليزية، هو ذروة ملتقيات المحافظين على نطاق العالم، ليس لأنه يُعقد في الولايات المتحدة، إحدى أعرق قلاع الفكر المحافظ، وعمره تجاوز الخمسين سنة، فحسب؛ بل كذلك، أو أساساً، لأنه المحفل الذي يخرّج رؤساء الولايات المتحدة الأشدّ تمسكاً بمبادئ الفلسفة المحافظة والأحرص على تحويلها إلى عقائد، على طراز ما خلّف توماس جيفرسون ورونالد ريغان ودونالد ترامب. وعلى امتداد الشطر المحافظ من التاريخ الأمريكي، توفّر رجل مثل جيفرسون ترأس في الفترة بين 1801 إلى 1809، وكان أحد ملاّك العبيد ومبرّري الاستعباد؛ وأمّا أشهرهم، أبرهام لنكولن (لنكن) فهو محرّر العبيد الذي كان، مع ذلك، صاحب التصريح الشهير العاصف: «إذا كنتُ لا أريد لامرأة سوداء أن تكون عبدة، فهل هذا يعني أنني أريدها زوجة».
ورغم أنّ المؤتمر الأخير للـ
CPAC، الذي عُقد قبل أيام في إحدى ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن لم يسجّل إقبالاً ملحوظاً بالمقارنة مع دورات سابقة، فإنّ ظلّ الرئيس الأمريكي السابق ترامب كان هو الأطول، تماماً كما كان لسانه خلال خطبة حفلت بالهجاء على اليسار والوسط واليمين؛ وبالتالي لم يخرج المؤتمر عن سنن سابقة ترسخت في أوساط المحافظين منذ صعود نجم ترامب قبل ثماني سنوات، داخل صفوف الحزب الجمهوري خصوصاً وجماعات المحافظين عموماً. وخلال التصويت المعتاد على مرشح المحافظين الأفضل لرئاسة الولايات المتحدة، وهو إجراء طقسي لكنه لا يخلو من دلالات بعيدة الأثر، حلّ ترامب في المرتبة الأولى بمعدّل 62٪، بينما جاء حاكم فلوريدا رون ديسانتيس (منافس ترامب المرجح) في المرتبة الثانية بنسبة 20٪ رغم غيابه عن المؤتمر؛ أسوة بشخصيات كبرى في الحزب الجمهوري أمثال نائب الرئيس السابق مايك بنس، وزعيم الأقلية الجمهورية في المجلس ميتش ماكونيل، ورئيس لجنة الحزب الجمهوري الوطنية رونان ماكدانيل.
فإذا تمسك محافظو العالم بما اعتادوا عليه من فخار بمؤتمرهم هذا، فلعلّ من حسن السلوك أن يراجعوا خطبة ترامب خلال دورة واشنطن الأخيرة؛ خاصة شتائمه ضدّ حزبه، الحزب الجمهوري ذاته، هذا الذي «يديره وحوش ومحافظون جدد ومدافعون عن العولمة وأنصار متعصبون إلى حدود مفتوحة وأغبياء». وعليهم، كذلك، أن يتنبهوا إلى ما قالته نيكي هيلي، مندوبة واشنطن الدائمة في مجلس الأمن الدولي خلال رئاسة ترامب والمرأة المخلصة المقرّبة منه؛ من أنّ «قضيتنا على حقّ ولكننا فشلنا في كسب ثقة غالبية الأمريكيين» وغمزها من قناة رئيسها السابق نفسه بالقول: «إذا تعبتم من الخسران، ضعوا ثقتكم في جيل جديد». ومن مصلحة المتفاخرين أنفسهم أن يصغوا إلى خطبة مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق في إدارة ترامب وظلّ سيّده التابع، حين يغمز بدوره هكذا: «لا يمكن أن نتبع الزعماء المشاهير بما يشيعونه من سياسات هوية، وما يحملون من أنا ذاتية هشّة ترفض الإقرار بالواقع الفعلي».

هذه الأمّة الأمريكية تحمل التوراة بيد والدستور بيد أخرى، وحين تطبّق حرفياً موادّ القانون الذي وضعه البشر (الدستور) فإنها إنما تفعل ذلك ضمن حال من الخضوع المذهل للنصّ الذي وضعه الربّ (التوراة) وللتأويل الميتافيزيقي لمعظم الظواهر الدنيوية

إحدى الخلاصات الضمنية في خُطَب ترامب وهيلي وبومبيو، وغالبية الخطباء في مؤتمر واشنطن، يمكن بالفعل أن تقود المرء إلى ترجيح الأفول المضطرّد لذلك التيار الذي حمل اسم «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة خلال عهد جورج بوش الابن؛ والذي بنى، أصلاً، على أصحاب «مشروع قرن أمريكي جديد» من أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل خصوصاً. والتيارات المحافظة الراهنة في الولايات المتحدة هي، استطراداً، أشبه بأنفار نافخة لأبواق تفخيم ترامب إلى درجة عبادة الفرد أحياناً، وإلى رفع الشعار الأخرق حول جعل أمريكا عظيمة مجدداً، وكأنها كانت كذلك في أيّ يوم من تاريخها غير المديد في كلّ حال. ذاك، في المقابل، مسار لا يطمس حقيقة تيارات أخرى محافظة، أو «جديدة» هنا وهناك في أوروبا؛ على شاكلة رهط «الفلاسفة الجدد» ألان فنكلكراوت وأندريه غلوكسمان وبرنار ـ هنري ليفي في فرنسا.
والحال أنّ هبوط أسهم «المحافظين الجدد» الذين باتوا قدماء متقادمين في الواقع؛ يتوازى مع علوّ مكانة المحافظين نافخي الأبواق من خلف ترامب، في جلسات الـ
CPAC خصوصاً؛ والوقوف على أسباب كلا الظاهرتين ليس بالأمر العجيب، مثله مثل صعود نظريات التفوّق الأبيض والعقائد المسيحية الأصولية. جملة من الأسئلة تظلّ، مع ذلك، ملحّة وجديرة بالنقاش: كيف يمكن لهذه الأمّة الأمريكية، أو لغالبية غير ضئيلة فيها، أن تكون قوّة كونية عظمى أولى، ديمقراطية دستورية وعصرية مصنّعة ومتقدّمة، وفي الآن ذاته محافظة قَدَرية سلفية متديّنة؟ واستطراداً، أهو تراث جيفرسون وترامب وريغان الذي يسود اليوم، ويوحي بالسيادة في المستقبل أيضاً؛ بما ينطوي عليه، أيضاً، من صياغات لنكولن التي تريد تحرير امرأة سوداء وتأبى عليها أن تكون زوجة لرجل أبيض؟
وهذه السطور خفّفت، في كثير أو قليل، من الاعتماد على علوم النفس أو الاجتماع أو السياسة والاقتصاد والتاريخ بحثاً عن مسوّغات هذا الانشطار بين أقصيَي الحداثة والسلفية في الذهنية المحافظة الأمريكية، على وجه الخصوص. ولعلّ بعض أفضل البدائل، في ناظر هذه السطور دائماً، هو اللجوء إلى أنثروبولوجي أمريكي بارز وبارع وغير تقليدي، هو فنسنت كرابانزانو؛ وتحديداً إلى كتابه الممتاز «خدمة الكلمة: النزعة الحرفية في أمريكا، من منبر الوعظ إلى منصّة القضاء». ومقام كرابانزانو الرفيع في ميدان الدراسات الأنثروبولوجية يجعل المرء يقرأ، بثقة راسخة، خلاصاته عن طرائق ومؤسسات وعواقب التأويل الديني لموادّ الدستور الأمريكي. هذا رجل سبق له أن أثار ضجّة في صفّ الأنثروبولوجيا البنيوية حين أصدر «الحمادشة: دراسة في طبّ النفس الإثني في المغرب» 1973. وضجّة أخري في مناهج التحليل الأنثروبولوجي لنظام الفصل العنصري، الأبارتيد، في كتابه «انتظار: البيض في جنوب أفريقيا» 1985. وضجّة ثالثة في صفّ الأنثروبولوجيا الثقافية، من خلال كتابه الاختراقي «معضلة هرميس ورغبة هاملت: حول إبستمولوجيا التأويل» 1993.
المقولة الأساسية في «خدمة الكلمة» تسير هكذا: هذه الأمّة تحمل التوراة بيد والدستور بيد أخرى، وحين تطبّق حرفياً موادّ القانون الذي وضعه البشر (الدستور) فإنها إنما تفعل ذلك ضمن حال من الخضوع المذهل للنصّ الذي وضعه الربّ (التوراة) من جهة أولى، وللتأويل الميتافيزيقي لمعظم الظواهر الدنيوية، من جهة ثانية. وهكذا فإنّ منبر الوعظ يمكن أن يغادر الكنيسة كي يستقرّ على منصّة القاضي في المحكمة، وليس غريباً أن يقول أحد قضاة المحكمة العليا (أي تلك التي لا يعلو على رأيها رأي قانوني أو تشريعي) إنّ موادّ الدستور الأمريكي هي «إلهام من الربّ». لكنّ الأنثروبولوجيا الميدانية ليست وحدها محطّ اهتمام كرابانزانو في تنقيبه عن الجذور الدينية الأصولية لظواهر ومظاهر نزعة التأويل الحرفي، لأنه أيضاً يلجأ إلى التحليل اللغوي والنصّي الثاقب لعدد من الأعمال التي تفسّر الدنيا بالدين، وتحيل موادّ الدستور الأمريكي إلى إصحاحات وأعداد خارجة مباشرة من أسفار الكتاب المقدّس. وحين نتذكّر الأولويات الكبرى عند أنصار ترامب، فإن هتك كرابانزانو لأستار تلك الميول الكامنة يتجاوز النشاط الأنثربولوجي أو العلمي المحض، ليصبح استكشافات ثقافية وأخلاقية وسياسية بالغة الحساسية.
ولم يكن عجيباً أن تطغى النبرة التبشيرية والوعظية على هذه الجملة من خطاب ترامب أمام مؤتمر الـ
CPAC: «في 2016 قلت: أنا صوتكم، واليوم أضيف أنا محاربكم. أنا عدلكم. وللذين تعرضوا للظلم والخيانة: أنا قصاصكم».

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

تفجير أنبوب «نورد ستريم»:

لماذا لا يُسجن سيمور هيرش؟

صبحي حديدي

 

ليس جديداً أن يفجّر الصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش قنبلة حقائق مذهلة، معاكسة للتيار السائد في وسائل الإعلام الأمريكية، كاشفة عن الوجوه الأقبح في سلوك الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ وسائرة، استطراداً، على نقيض ما هو شائع أو مُشاع في يقين الرأي العام القياسي. ولعلّ الرجل اليوم هو صحافي الاستقصاء الأعلى كعباً في الولايات المتحدة، لأنه ضمن حصيلة عمله أبرع (في يقين هذه السطور) من أمثال بوب وودورد وكارل برنستين، اللذين كشفا فضيحة ووترغيت الشهيرة؛ وكذلك لأنّ أمثال البولندي ريجارد كابوشينسكي والإيطالية أوريانا فالاشي رحلوا عن عالمنا. سجلّه الحافل يبدأ من إماطة اللثام عن مذبحة «ماي لي» التي ارتُكبت في فييتنام بأمر من الضابط الأمريكي وليام كالي (قرابة 347 قتيلاً من المدنيين الفييتناميين)؛ ويمرّ بحقائق مجزرة الرميلة، التي ارتكبها الجنرال الأمريكي باري ماكيفري غرب البصرة في 2/3/1991 بحقّ «هؤلاء العراقيين الأوغاد» المنهارين المهزومين المنسحبين المتراجعين على الأوتوستراد 8؛ ولا ينتهي عند تفاصيل الهمجية الأمريكية في سجن أبو غريب العراقي، ثم فضح «مذكرات التعذيب» الإدارية التي كتبها أكاديميون على سبيل تزويد الإدارة بالمسوّغات القانونية للالتفاف على اتفاقية جنيف حول تحريم التعذيب.
كل هذا لا يعني أنّ هيرش لم ينزلق إلى هذا القدر أو ذاك من التضخيم أو الافتعال أو حتى الاختلاق، إنْ لم يكن على سبيل خدمة آرائه السياسية المخالفة هنا أو هناك، فعلى الأقل عملاً بمبدأ «خالِفْ تُعرف» العتيق الذي يحثّ على تدعيم المكانة والموقع، عن طريق الظهور والتظاهر؛ ولعلّ تحقيق هيرش، سنة 2013، بصدد استبعاد مسؤولية النظام السوري عن المجزرة الكيميائية ضد الغوطة الشرقية، واتهام المعارضة المسلحة بتنفيذها، هو المثال الأبرز على هذا النزوع. وفي كتابه «مذكرات محقق» الذي صدر سنة 2018 وأبان الكثير من نوازعه الذاتية في هذا أو ذاك من تحقيقاته الاختراقية الشهيرة، يشدد هيرش مراراً على تعاون بشار الأسد مع الاستخبارات الأمريكية من زوايا تنتهي إلى إطراء رأس النظام (وملامة إدارة جورج بوش الابن، لأنها كافأت خدمات الأسد بإضافتها إلى «محور الشر» الشهير)؛ كما يمتدح «تحرّق» الأسد إلى الاجتماع مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بما ينطوي عليه اللقاء من «تغيير» في علاقات النظام السوري مع إيران و«حزب الله» وحركة «حماس». لم يكن غريباً، قياساً على خلفيات مزاج هيرش بصدد النظام السوري، أن ينزّه جيش الأسد عن ضربة الغوطة الكيميائية، وألا يحمل تحقيقه ذاك ما اعتاد هيرش على حشده من وقائع وتفاصيل ومعطيات وملابسات.
ولعل تحقيقه الأخير، الذي يرقى كالعادة إلى صيغة القنبلة المدوية، يندرج في منزلة وسيطة بين التفضيح والاختلاق؛ ليس لأن حساسيته عالية، وقد تقود إلى مواجهة عسكرية شعواء لا تُحمد عقباها بين واشنطن وموسكو، فحسب؛ بل كذلك لأنّ هيرش هذه المرة لا يسوق الكثير، أو حتى الحد الأدنى الذي يكفي، من الوقائع والتفاصيل والمعطيات والملابسات التي تدعم فرضياته، وتُنهضها على أرضيات صلبة. التهمة خطيرة، مفادها أنّ الولايات المتحدة بالتعاون مع البحرية النرويجية هي التي خرّبت خط الغاز «نورد ستريم» في حزيران (يونيو) السنة المنصرمة. وضمن مادة مفصلة امتدت على أكثر من 5200 كلمة، نشرها على موقعه الشخصي (ربما لاعتذار منبره المعتاد، مجلة «نيويوركر» عن نشر التحقيق) روى هيرش أنّ زمرة من غوّاصي البحرية الأمريكية، وتحت غطاء مناورات الحلف الأطلسي، زرعوا متفجرات على الخط في عمق مياه البلطيق، تولت وحدات نرويجية خاصة تفجيرها بعد ثلاثة أشهر؛ وتوجه هيرش بأصابع الاتهام إلى ثلاثة مسؤولين في الإدارة: مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومساعدته فكتوريا نولاند.

سؤال «لماذا يبقى هيرش مطلق السراح؟» نافل قضائياً، لأنه بالغ الحرج سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً؛ لكنه قائم، مشروع أو حتى ملحّ، إذا شاء المرء أن يضع مصداقية هيرش على محكّ ملموس، قاطع الأدلة وبيّن الوقائع

وبمعزل عن فيديو، مثير حقاً ولافت ودامغ في قليل أو كثير، يعود إلى مطلع شباط (فبراير) 2022 ويسجّل على الهواء مباشرة تصريحاً للرئيس الأمريكي جو بايدن، أثناء مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني أولاف شولتز، يقول فيه بالحرف إنّ إدارته قادرة على إغلاق أو إيقاف خط «نورد ستريم» إذا قامت روسيا بغزو أوكرانيا؛ ليس ثمة الكثير الذي يُعتدّ به في تقرير هيرش، وتلك خلاصة وقائعية لا تقود هذه السطور إلى نفي أو تأكيد سردية هيرش حول المسؤولية الأمريكية عن التفجير. الاقتصاد من جانبه، وحرص واشنطن على خنق الموارد الروسية من الغاز المصدّر إلى ألمانيا، مقابل ترويج الغاز الأمريكي في حال تعطيل «نورد ستريم» كلياً أو حتى جزئياً؛ يمكن، بسهولة مبررة، أن تُساق لصالح تأكيد تقرير هيرش، فالمليارات من الأرباح هنا تتضافر ببساطة مع المغانم الجيو ـ سياسية غير الضئيلة. يُضاف إلى هذا ما ينقله هيرش، عن «مصدر مباشر وثيق الاطلاع» على الملف، من أنّ خطة التفجير اختُزلت من مستوى العملية السرية التي تستوجب إطلاع الكونغرس، إلى أخرى صُنّفت تحت بند السرّية الاستخباراتية القصوى الخاصة بالقوات المسلحة.
الإدارة تجاهلت التقرير بالطبع، أو علّقت عليه في مستويات دنيا لم تتجاوز المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي، التي اعتبرته «من نسج الخيال»؛ أو ناطق باسم وكالة المخابرات المركزية، رأى أنّ التقرير «كاذب على نحو مطلق». وزارة الخارجية النروجية، من جانبها، لم تتردد في وصم التقرير بـ«المزاعم الكاذبة» خاصة وأنّ هيرش يعيد التعاون الاستخباراتي بين النرويج والولايات المتحدة إلى عقود حرب فييتنام حين تولت أوسلو تزويد المخابرات الأمريكية بقوارب استُخدمت في عمليات سرية ضدّ جيش فييتنام الشمالية؛ وهي القوارب التي حوّلها البنتاغون إلى ذريعة للقصف المكثف والتدخل العسكري المباشر. غير أنّ التجاهل، أو استخدام اللغة الخشبية المعتادة في التكذيب، لا يطمس تفصيلاً حاسماً يكتنف نشر تقرير هيرش؛ يرتدي هذه المرّة طابعاً قضائياً صرفاً، قياساً على سوابق قانونية تخصّ متهماً مثل جوليان أسانج، المدان والمحكوم بـ175 سنة سجناً لمخالفات أقل مما ارتكبه هيرش مراراً، أو في تقريره الأخير حول تخريب أنبوب «نورد ستريم» على وجه التحديد.
«لماذا يبقى هيرش مطلق السراح، إذن؟» هكذا يتساءل مراقبون كثر إذْ يرصدون حقيقة كبرى ساطعة تقول إنّ هيرش يتفوق على أسانج في انتهاك معلومات عالية السرّية، وأنه مطالَب بكشف مصادره الإخبارية التي يتوجب أن تُحاسب قانونياً أيضاً على غرار شيلسي ماننغ التي مرّرت الأسرار إلى أسانج وكان جزاؤها الإدانة والسجن 35 سنة. الإجابة بسيطة، كما يقترحها الكاتب الأمريكي ستيف براون مثلاً: لأنّ إحالة هيرش إلى القضاء تعني، أول ما تعنيه، أنه أماط اللثام عن الحقيقة؛ الأمر الذي لن يضع سوليفان وبلينكن ونولاند وحدهم في قفص الاتهام، بل سيجر رئيسهم بايدن نفسه لأنه بالتعريف كبيرهم الذي يعلم بالسحر أو يعلّمه. الحرج أكبر، على أصعدة دبلوماسية وشعبية، لدى الحليفة ألمانيا بادئ ذي بدء، لأنّ تعطيل أنبوب الغاز يُلحق الكثير من الأذى بالصناعات الألمانية؛ وهذه عاقبة وخيمة لن تقتصر على ألمانيا، بل ستعبر الحدود إلى حليفات مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والنمسا والدول الإسكندنافية، على مستوى الشعوب ذاتها قبل الحكومات التي لا يُستبعد تورّطها في المخطط.
بهذا المعنى فإنّ السؤال، «لماذا يبقى هيرش مطلق السراح؟» نافل قضائياً لأنه بالغ الحرج سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً؛ لكنه قائم، مشروع أو حتى ملحّ، إذا شاء المرء أن يضع مصداقية هيرش على محك ملموس، قاطع الأدلة وبيّن الوقائع.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

مرضى الحنين

إلى النيو – عثمانية

صبحي حديدي

ليس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولا «حزب العدالة والتنمية» وكوادره وقياداته، هم وحدهم دعاة استعادة الإمبراطورية العثمانية كما يسود اعتقاد شائع؛ تبسيطي من حيث المبدأ، ولكنه أيضاً يختزل ظاهرة اجتماعية وثقافية وشعورية تتجاوز بكثير عناصر الحميّة الدينية أو نوستالجيا الخلافة أو تغذية الفخار القومي. ولعلّ أفضل العلائم على تلمّس الجوهر الفعلي لهذه الظاهرة، في تجليات مختلفة وأشدّ عمقاً وإدهاشاً أحياناً، إنما تحيل إلى المخيّلة عبر أنماطها المختلفة، وخاصة بالطبع في ميادين الآداب والفنون من جانب أوّل؛ ثمّ لدى شرائح علمانية أو ليبرالية على وجه التحديد، داخل صفوف الأدباء والفنانين.
هذا هو موضوع كتاب «المتخيَّلات النيو – عثمانية في تركيا المعاصرة»، الذي أشرفت على تحريره كاتارينا رودفير وبيتيك أونور، وصدر مؤخراً بالإنكليزية عن منشورات بالغريف/ ماكميلان في لندن؛ وضمّ 11 مساهمة تستكشف عشرات المظاهر ذات الصلة بحضور العثمانية الجديدة، في العمارة والفضاء العام ووسائل الإعلام والطقوس والأعياد والمناسبات والسياسة والذاكرة والمتاحف والنُصُب وأسماء الشوارع والساحات، فضلاً عن الشعر والرواية والمسرح والتشكيل والسينما والموسيقى… وكلّ هذا بعيداً، كثيراً أحياناً، عن السياسة المباشرة والصراعات الحزبية والانتماءات العقائدية، الأمر الذي لا يثير الدهشة في مستوى أوّل، فحسب؛ بل يحثّ على التأمل الثقافي للظاهرة وعلى الذهاب أبعد من المعطيات الجلية إلى العمق المبطّن أو الخفي من تفاعلاتها وتأثيراتها. وإذا صحّ أنّ «العدالة والتنمية»، والتيارات السياسية والفكرية المحافظة التركية إجمالاً، تأتي في طليعة أنصار الظاهرة النيو – عثمانية، فإنّ خلاصة كهذه لا تطمس إلا النزر اليسير من حقيقة الوجود الطاغي للظاهرة، في الميادين المشار إليها آنفاً؛ كافة، في الواقع.
على سبيل المثال، ليس جديداً (إلا عند المتشبثين باختزال الظاهرة وتبسيط مفاعيلها المتعددة) أنّ روائياً علمانياً وليبرالياً مثل أورهان باموق (نوبل الآداب، 2006) هو في طليعة المصابين بـ»حنين النيو – عثمانية»، رغم مواقفه المناهضة بقوّة لسياسات أردوغان وحزبه، وجسارته في تظهير التاريخ الدامي للإمبراطورية العثمانية والممارسات الأتاتوركية والمذابح بحقّ الأرمن واضطهاد الكرد. ويندر أن تخلو رواياته من ذلك التغنّي، الغنائي أحياناً وعلى خلاف نبرته الأسلوبية العامة، من تلك المشهدية التعددية التي رسخها العثمانيون على أصعدة إثنية ودينية ولغوية وثقافية، في اللباس والمطبخ كما في الموسيقى والعمارة. وسواء ذهب إلى أحياء إسطنبول الأقدم، أو توغل في نفوس متصوفة على تخوم المدينة الزاخرة، أو استبصر كتاباً أسود في أغوار قلعة بيضاء؛ فإنّ القواسم المشتركة عند باموق ترتدّ، دائماً، إلى التاريخ العثماني، أو الانفلات عنه، أو حضوره في تركيا الراهنة/ الشرق أوسطية، أو تمثيلاته في الثورة الثقافية الأتاتوركية.

وفي علم الاجتماع البسيط، فإنّ شيوع هذا المرض على نطاق اسع عابر للحساسيات والعقائد، متغاير في الزمان والمكان، موحِّد في كثير أو قليل بين أمثال باموق وشفق وبديع الزمان… يستوجب الكثير من الرصانة والتعمق والتأمل، واستبعاد الاختزال والقراءة الأحادية

وهل يُدهش المرء، في مثال ثانٍ، أن تكون ابنة بلده الروائية إليف شفق مصابة بمرض الحنين إياه؟ من الأيسر الذهاب في المثال الأول إلى روايتها «تلميذ المعماري»، 2015، التي تُبحر في قرن كامل من التاريخ العثماني، يبدأ من سنة 1540 وتتناوب على سردياته المتشابكة أجيال بعد أجيال من الأتراك، وهذه المفردة الأخيرة ذات دلالة خاصة وكبيرة في الرواية. ولا عجب في أنّ معظم النقّاد الأتراك لا يرون ضلالة، أو زيغاً أو سوأة، في هذا التوجّه الذي دأبت عليه شفق؛ بينما يذهب عدد غير قليل من الباحثين والنقاد الأوروبيين، من أهل الاختصاص في التاريخ العثماني تحديداً، إلى درجة اتهام الروائية التركية بـ»إشاعة يوتوبيا عثمانية»… ليس أقلّ! آخرون من هؤلاء قرأوا رواية «لقيطة إسطنبول»، 2006، بوصفها بحث شفق عن «فضاء نقيّ وآمن» للمجتمعات التي تدين بالولاء للروحية العثمانية؛ رغم أنّ زليخة بطلة الرواية شخصية متمردة ورافضة للتقاليد المحافظة، على خلاف أختها بانو المحجّبة والمتدينة.
وإلى جانب باموق وشفق، هنالك روايات أحمد رفيق ألتيناي (1880-1937)، التي لم تهبط شعبيتها قطّ لدى شرائح متنوعة من القراء الأتراك المصابين بالمرض إياه؛ رغم أنّ المجتمع التركي تجاوز الكثير من المواضعات والأعراف التي تشدد تلك الروايات على تبجيها وامتداحها، كما تحثّ على إحيائها. هنالك، أيضاً، الشاعر واسع الشعبية يحيى كمال بياث (1884-1958)، وزميله أحمد حمدي تانبينار (1901-1962)؛ وكلاهما لم يكتفِ بالحنين إلى الأحقاب العثمانية، بل غمز من قناة الأتاتوركية والجمهوريين والجمهورية. هذا إذا وضع المرء الأدباء والكتّاب جانباً، واستسأنس بمجموعة خاصة من دعاة العثمانية الجديدة، تألفت عموماً من متصوفة أقاموا صلات وثيقة مع طرائق صوفية مشرقية نافذة مثل النقشبندية والرفاعية، ثمّ حركة تجديد التصوّف التي قادها بديع الزمان سعيد نورسي الكردي (1877-1960).
وفي علم الاجتماع البسيط، فإنّ شيوع هذا «المرض»، إذْ تستوجب الأمانة العلمية حصر المفردة ضمن أهلّة، على نطاق اسع عابر للحساسيات والعقائد، متغاير في الزمان والمكان، موحِّد في كثير أو قليل بين أمثال باموق وشفق وبديع الزمان… يستوجب الكثير من الرصانة والتعمق والتأمل، واستبعاد الاختزال والقراءة الأحادية. هذا، الشطر الأوّل من المعادلة الآنفة، هو ما يجهد المشاركون في كتاب «المتخيَّلات النيو – عثمانية في تركيا المعاصرة» لتبيانه ورصده وتحليله؛ بما ينتهي إلى خلاصات لامعة، علمية وملموسة ومهتدية بنُظُم تحليل متقدمة، تتكفل بإحالة الشطر الثاني من المعادلة إلى سلال مهملات التسطيح.

 

 

)عدم الانحياز(:

انعدام الصلة بين التسمية والمسمى

صبحي حديدي

 

قد لا يُلام امرؤ يفرك عينيه تعجباً، أو على سبيل التيقّن، حين يقرأ خبراً عن اجتماعات تخصّ حركة عدم الانحياز؛ تُعقد على مستوى الوفود في باريس، حيث مقرّ منظمة اليونسكو؛ أو على مستوى القمّة في أذربيجان أو أوغندا، وقبلها في فنزويلا وإيران ومصر وكوبا وماليزيا وجنوب أفريقيا. عدم انحياز في هذه الأزمنة؟ للمرء إياه أن يتساءل، الآن حين يمرّ عام على الاجتياح الروسي في أوكرانيا، وتمرّ ساعات على الاحتشاد الأمريكي والأطلسي هنا وهناك، ويعلّق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توقيع موسكو على اتفاقية «ستارت الجديدة»…؟
وبين خداع العالم أو مخادعة الذات أو مزج أكذوبة مفضوحة الأركان بدعابة ثقيلة الدم، ثمة طراز مضحك/ مبكٍ من التشبث بفكرة شبعت انحساراً واحتضاراً، وموتاً بطيئاً في جوانب عديدة؛ لكنّ المتشبثين ليسوا البتة على استعداد لتشييع ما تبقى منها إلى مقابر التاريخ، اتكاءً على مبدأ عتيق يقول إنّ إكرام الميت دفنه. القمم ذاتها لم تعد تُعقد سنوياً، بل على سبيل المناسبات المواتية، كما في قمة أذربيجان الـ18، أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2019، التي خرجت بتوصيات تخاطب مواضعات عالم مضى وانقضى. وحين خاطب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وفود 20 بلداً وممثلي نحو 160 منظمة وكياناً، لم تنحصر المفارقة في أنّ بلده منحاز إلى روسيا من الرأس حتى أخمص القدمين، فحسب؛ بل كذلك في مشاركة كوريا الشمالية، إلى جانب أفغانستان وإيران والبوسنة والهرسك و… سويسرا!
وكي يستقرّ المرء على بلد عربي، كان مفاجئاً أن تستذكر الجزائر وجود حركة عدم الانحياز، في سنة 2014، فتقيم لها أشغال ندوة وزارية حضرها 60 وزير خارجية، وعدد من مسؤولي المنظمات الدولية والإقليمية؛ بعد أن كانت الجزائر، ذاتها، قد احتضنت قمة الحركة الرابعة، سنة 1973. يومها قال البيان الرسمي إنّ تلك الأشغال هدفت إلى «العمل سوياً من أجل الوصول إلى أرضية تفاهم شاملة حول القضايا ذات الاهتمام المشترك بما فيها مسائل التنمية التي تشكل هاجسا لجميع دول العالم النامي، وقضايا الأمن والإرهاب العابر للأوطان». القمة الـ15، في شرم الشيخ 2009، شددت على أنّ الانعقاد في مصر تحديداً يكتسب أهميته «ليس فقط من حجم المشاركة الكبير، ومستوى التمثيل المتميز فيها، أو من طبيعة الظروف الدولية الاستثنائية، والتطورات الراهنة التي يشهدها العالم، وفى مقدمتها الأزمة المالية العالمية» و«إنما أيضاً من مكان انعقادها بما لمصر من دور محوري في مسيرة حركة عدم الانحياز».

انطوى تاريخ الحركة على تجاور عجيب بين زعماء أنظمة دكتاتورية استبدادية (من الأندونيسي سوهارتو، إلى السوري حافظ الأسد، مروراً بأمثال عيدي أمين وجعفر النميري…) مع زعماء من طراز نلسون مانديلا وياسر عرفات

وأن تكون الحركة أقرب إلى جثة هامدة أمر لا يبدّل حقيقة أنها تعدّ في عضويتها 120 دولة، و17 دولة مراقبة، و11 منظمة عالمية، بما يجعلها التكتل الدولي الأكبر بعد منظمة الأمم المتحدة؛ كما لا يلطّف حقيقة موازية تشير إلى أنّ الجوهر لم يعد يخصّ هذه التفاصيل، بل صار يدور حول مصير الحركة ذاتها، وما إذا كان الاسم لايزال ينطبق على المسمّى أساساً، أو يعبّر عن واقع حال فعلي. ففي سنة 1961 كان الزعيم الهندي جواهر لال نهرو قد نحت هذه العبارة العجيبة، «عدم الانحياز» وأراد منها ثلاثة أغراض: التحرّر من ربقة الاستعمار، بمختلف أشكاله القديمة والحديثة؛ وتخفيف حدّة التوتر الدولي بين القطبين ــ المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي؛ وتحقيق التنمية الاقتصادية لبلدان العالم الثالث، بوصفها البلدان التي تمثّل الكتلة الطبيعية لمفهوم عدم الانحياز.
وكان لافتاً أن تتحوّل هذه المبادئ إلى «فلسفة» في العلاقات الدولية، هيمنت على مؤتمر باندونغ (أندونيسيا، 1955) للدول الآسيوية والأفريقية، ولم يعتمدها بعض أبرز زعماء هذه الدول (نهرو، جمال عبد الناصر، كوامي نكروما) فحسب؛ بل انضمّ إليهم اليوغسلافي جوزف بروز تيتو، زعيم دولة كان يصعب اعتبارها غير منحازة، أياً كانت مشكلاتها العقائدية أو السياسية مع المعسكر الاشتراكي. ليس هذا فقط، بل انطوى تاريخ الحركة اللاحق على تجاور عجيب بين زعماء أنظمة دكتاتورية استبدادية (من الأندونيسي سوهارتو، إلى السوري حافظ الأسد، مروراً بأمثال عيدي أمين وجعفر النميري…) مع زعماء من طراز نلسون مانديلا وياسر عرفات.
غير أنّ «الفلسفة» حملت الكثير من مبررات وجودها، في سياقات اشتداد الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، وانقلاب مفهوم الاستقطاب إلى ما يشبه الخيار القسري، في الاقتصاد والأمن أسوة بالسياسة والاجتماع. ثمّ استقرت، وإنْ في المستوى اللفظي وحده طيلة عقود، على سلسلة من «المطالب» العامة التي يظلّ الاتكاء عليها تذكرة نافعة، محدودة الجدوى. بينها احترام حقوق الإنسان، وإقرار المساواة بين الأعراق والأمم، واحترام حقّ الأمم في الدفاع عن النفس عند تعرّضها للعدوان، والامتناع عن التهديد بالعدوان واستخدام القوّة، وحلّ النزاعات الدولية بطرق سلمية… وفي ضوء الانتهاك المتعاقب لهذه المبادئ، كلّها، كلّ يوم تقريباً، بات واضحاً أنّ مفهوم «عدم الانحياز» اغترب عن محتواه الدلالي، وصارت مؤتمرات الحركة محض لقاءات فاقدة للمعنى؛ خاصة حين يتواصل فيها التجاور بين دولة مثل إيران، تنحاز عسكرياً لصالح نظام وراثي استبدادي في سوريا؛ أو أخرى مثل بورما (ميانمار) أو كوريا الشمالية، حيث لا تنحاز الأنظمة إلا ضدّ الشعوب؛ وثالثة مثل أفغانستان، كانت لا تزال تحت احتلال أمريكي وأطلسي، وتُصنّف غير منحازة!
ومن نافل القول إنّ أيّ اجتماع للحركة، حتى على مستوى وزراء الخارجية، لن يخرج عن واقعة شاذة ضمن مشهد عالمي يهيمن عليه طراز واحد من الانحياز، بمعنى المصطلح القديم بين واشنطن وموسكو، وفي مستويات القطبية الأحادية أو القليل من الاستقطابات الفرعية؛ وهذه، كما لا يخفى، ذروة الشكلانية الجوفاء في إدارة مؤسسات دولية انقلبت إلى ما يشبه الميراث التاريخي الصرف، ولم تلفظ أنفاسها بعد لأسباب تتصل جوهرياً بالنفاق السياسي والديكور التجميلي. وذات يوم، سنة 1998، شاءت المفارقة، القاسية تماماً ولكن التعليمية المفيدة بالقدر ذاته، أن تنعقد قمّتان في فترة زمنية واحدة: القمّة الأمريكية ــ الروسية، والقمّة الـ 12 لدول عدم الانحياز؛ فكان الفارق صارخاً بالطبع، ولم تكن اعتبارات الجغرافيا والمسافات الشاسعة هي وحدها التي فصلت بين موسكو ودوربان في جنوب أفريقيا. كان ثمة اعتبارات أخرى جوهرية تخصّ الموقع والدور والوظيفة الذي تشغله القمّتان في نظام العلاقات الدولية، وكان ثمة الكثير الذي يدور حول التاريخ والاقتصاد والسياسة والثقافة والديموغرافيا، أو كلّ ما يُبقي الشمال شمالاً والجنوب جنوباً، باختصار كلاسيكي.
وذاك الذي، في السطور الأولى أعلاه، فرك عينيه تعجباً يحقّ له أن يضيف سلسلة أسئلة ذات وجاهة: عدم انحياز، بين مَنْ ومَنْ؟ لصالح مَنْ بالضبط (إذْ ينبغي أن يكون هنالك ذلك الفريق الثالث الذي يصبّ موقف عدم الانحياز لصالحه) وأين؟ خطوة آمنة أولى هي حصر المصطلح بين مزدوجات، بحيث تكون له مساحة دلالية مفتوحة بعض الشيء، سواء لجهة التأويل أو لجهة الالتباس: إنه مصطلح، مثله مثل سواه من مصطلحات فقدت الكثير من مخزونها الدلالي هذه الأيام، من دون أن تنقرض أو تُسحب تماماً من التداول. خطوة تالية هي وضع الفكرة بأسرها جانباً، ليس لأنها باتت نافلة مُماتة فقط، بل أساساً لأن كتلة الدول الأعضاء منحازة شاءت أم أبَت، ومنحازة بحكم ما يُناط بها من وظائف ضمن التقاسم الدقيق للأدوار الإجمالية في نظام العلاقات الدولية.
تسمياته الأخرى متوفرة بالطبع، على غرار «حوار الشمال والجنوب» من باب الكياسة، و«حوار الأغنياء والفقراء» من باب تسمية الأشياء بمسمّياتها الفعلية.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

)ساعة القيامة( بين الكارثة

النووية وغنائيات البنتاغون

صبحي حديدي

 

«ساعة القيامة» في تعريفها الموسوعي المبسط والشائع دولياً، هي أداة توقيت رمزية ترصد دنوّ الكوارث الكبرى التي من صنع أيدي البشر، على غرار اندلاع حرب نووية لا تُبقي ولا تذر مثلاً؛ وهي، منذ أن ابتدعها في سنة 1947 أعضاء «نشرة العلماء النوويين» جهاز مجازي يحدد عدد الدقائق أو الثواني التي تفصل البشرية عن منتصف ليل الكارثة/ القيامة، وذلك في كانون الثاني (يناير) من كلّ عام. وكما هو معروف، كانت الساعة تلك قد تعدلت 17 مرّة ضمن معدلات زمنية أقلّ أو أكثر، كانت القيمة الأبعد فيها 17 دقيقة سنة 1991، والأدنى (التي أُعلن عنها يوم 24 كانون الثاني/ يناير هذه السنة) كانت 90 ثانية قبل منتصف الليل.
الحكاية ليست لعبة، بالطبع، والمؤكد أنها ليست وسيلة ترهيب وردع على المستوى الشعوري في أقلّ تقدير؛ وزائر موقع «نشرة العلماء النوويين» على الإنترنت سوف يجد الكثير من المعطيات الجادّة، الملموسة الموثقة أوّلاً، والخطيرة المفزعة استطراداً. والسادة العلماء يسوقون عدداً من العوامل الكونية التي دفعتهم إلى تقصير أجل «القيامة النووية» إلى 90 ثانية فقط، على رأسها الحرب في أوكرانيا واحتمالات تصعيد المواجهة العسكرية الروسية ـ الأمريكية، أو الروسية ـ الأطلسية، وكذلك التهديدات المتزايدة الناجمة عن أزمة المناخ، والانكسار التدريجي للنُظم العالمية التي تحتاج إليها الإنسانية من أجل ضبط انفجارات التطور التكنولوجي والأخطار البيولوجية على شاكلة كوفيد ـ 19. راشيل برونسون، الرئيسة والمديرة التنفيذية للمعهد الذي يصدر النشرة، لا تتردد في التصريح هكذا: «نحن نعيش في زمن من الخطر غير المسبوق، وتوقيت ساعة القيامة يعكس الواقع الفعلي. 90 ثانية نحو منتصف ليل القيامة هو الأقصر الذي بلغته الساعة، وهذا قرار لا يحمله علماؤنا على محمل الخفّة».
ربما على محمل الجدّ الأقصى، بالفعل، غير أنّ المرء لن يجد عناء في تلمّس «خفّة» من طراز مختلف لا يعتمد ساعة منبّه من أيّ نوع، بل لعله لا يكترث كثيراً بالرمز أو المجاز في تحذير المعمورة من الانزلاق المضطرد نحو الكارثة؛ وهذا إذا اختار المرء وضع نبوءات «نشرة العلماء النوويين» جانباً، وذهب إلى أرلنغتون، ولاية فرجينيا، حيث مقرّ البنتاغون، وزيارة الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الأمريكية على الإنترنت، وتصفّح بعض تفاصيل التقرير المسمّى «ستراتيجة الدفاع الوطني» لأيّ سنة يشاء، ولكن 2008 على وجه الخصوص. ولسوف يقرأ، في المستهلّ، مقدّمة جيو – سياسية تتغنّى بـ 230 سنة قضتها القوّات العسكرية الأمريكية وهي تلعب دور الحصن المنيع المدافع عن الحرّية والفرصة والرخاء داخلياً، ودور المساند الأقوى للراغبين في حياة أفضل على نطاق العالم بأسره؛ حين كانت أمريكا هي «النبراس المضيء في الأماكن المظلمة». كذلك سوف يجد فصولاً لاحقة، تتحدّث عن البيئة الستراتيجية، والإطار الستراتيجي، والأغراض الستراتيجية، وإمكانات الوزارة ووسائلها، وإدارة الأخطار…

زائر موقع «نشرة العلماء النوويين» على الإنترنت سوف يجد الكثير من المعطيات الجادّة، الملموسة الموثقة أوّلاً، والخطيرة المفزعة استطراداً. والسادة العلماء يسوقون عدداً من العوامل الكونية التي دفعتهم إلى تقصير أجل «القيامة النووية» إلى 90 ثانية فقط

والحال أنّ قارئ التقرير يمكن أن يخرج بانطباع يفيد بأنّ العالم في عقيدة البنتاغون لم يتغيّر كثيراً منذ سقوط جدار برلين وانهيار نظام القطبين وأفول الحرب الباردة، حتى لتبدو الصورة وكأنّ الإنسانية لم تغادر العام 1988 إلا زمنياً فقط، وليس جيو ـ سياسياً أو جيو ـ عسكرياً. عالم واحد ثابت، وإلى الجحيم بأيّ وجميع المتغيرات والهزّات والانقلابات، دولية كانت أم إقليمية، داخلية أمريكية أم خارجية كونية، إيديولوجية أم سياسية أم ثقافية… وبالمعنى العسكري، وهو ميدان البنتاغون وعلّة وجوده، العالم كما هو في اعتبارات شتى مركزية، لأنه ببساطة (أي: بتبسيط عن سابق قصد وتصميم) صورة طبق الأصل عن الحال ذاتها التي اقتضت، قبل أعوام وعقود، إعداد سيناريوهات تعبوية وقتالية ولوجستية لمواجهة… حلف وارسو!
مثير، أيضاً، مقدار التشابه بين التقارير السنوية وتلك التي اعتادت الوزارة رفعها إلى الكونغرس كلّ أربع سنوات، وتأخذ صفة البرنامج العقائدي والعسكري والتكنولوجي والإداري والمالي طيلة السنوات الأربع اللاحقة. ومن المعروف أنّ عقود الحرب الباردة جعلت تحرير مثل هذه التقارير مسألة روتينية للغاية، لأنّ العقيدة لم تكن تتغير في قليل أو كثير ما دام الخصم على حاله، وما من حكمة تبرر تجميد هذا الخطّ أو ذاك في الصناعات العسكرية، بل الحكمة كلّ الحكمة في تطوير أجيال الأسلحة وفق مبدأ هنري كيسنجر الشهير: لا تتوقفوا عن تطوير الأسلحة، وسيضطرّ الشيوعيون إلى اللحاق بنا، حتى يأتي يوم تفتح فيه السيدة الروسية الثلاجة فلا تجد سوى الجليد والرفوف الخاوية. سيدة تلك الأيام، السوفييتية كما يصحّ التذكير، ليست هي ذاتها سيدة روسيا فلاديمير بوتين غنيّ عن القول؛ وهي، أيضاً، ليست ابنة عمّ السيدة الأوكرانية أو الجورجية أو مواطنة روسيا البيضاء وجزيرة القرم…
على مستوى العقيدة العسكرية كانت الرؤية الدفاعية، وتحديداً في عهد رونالد ريغان وطور «حرب النجوم» قد نهضت على مفهومين ستراتيجيين:
– أشكال التعامل مع النزاع الخفيف
Low Intensity Conflict أو LIC، والذي لقي اهتماماً محدوداً في السبعينيات إثر هزيمة فييتنام، لكنه اكتسب حيوية خاصة في مطلع الثمانينيات مع إحياء اهتمام البيت الأبيض بالعالم الثالث. ريغان، من جانبه، ارتقى بالمفهوم ليعطيه أولوية عسكرية في ولايته الثانية، حين انتقل اهتمام الإدارة من سباق التسلح النووي إلى التسابق على اجتذاب أنظمة الجنوب، خصوصاً تلك التي كانت موالية للاتحاد السوفييتي.
– أشكال التعامل مع النزاع المتوسط
Mid-Intensity Conflict أو MIC، وهو القتال الذي تخوضه القوات الأمريكية ضدّ قوى كبرى في العالم الثالث. وإذا كان الـ LIC مخصصاً لمواجهة ضروب حرب العصابات والجيوش الصغيرة المحدودة (كما في مثال باناما) فإن الـ MIC مخصص لحرب واسعة النطاق تشترك فيها قوّات وصنوف وأنظمة قتالية عالية المستوى والتدريب والتسليح (كما في مثال العراق، ذات حقبة سابقة).
في القسم التمهيدي الذي يحمل عنوان «البيئة الأمنية العالمية» ظلت تقارير البنتاغون تقول: «مع اقتراب القرن الحادي والعشرين تواجه الولايات المتحدة مناخاً أمنياً ديناميكياً وغير مضمون، حافلاً بالفرص مثل التحديات. ففي الجانب الإيجابي نحن في طور الفرصة الستراتيجية. لقد تراجع خطر الحرب الكونية، وقيمنا في الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق يتمّ اعتناقها في العديد من أطراف العالم، الأمر الذي يخلق فرصاً جديدة من أجل السلام والرخاء وتوطيد التعاون بين الشعوب. ودينامية الاقتصاد العالمي تتسبب في تبدّل التجارة، والثقافة، والتفاعلات المتبادلة على نطاق عالمي. وإنّ تحالفاتنا، مع الناتو واليابان وكوريا، تتأقلم بنجاح مع التحديات الراهنة، وتؤمّن الأساس لبناء عالم مستقر ورغيد (…) ومع ذلك فإنّ العالم يظلّ مكاناً بالغ الخطورة وغير مضمون، ومن المرجح أن تواجه الولايات المتحدة عدداً من التحديات الهامة لأمنها ومصالحها».
هذه، غنيّ عن القول، غنائيات مستعادة متكررة متماثلة لم يتوقف البنتاغون عن إعادة استنساخها، سواء كان قيصر روسيا المعاصر جالساً على مبعدة بوصة واحدة من أزرار إطلاق القنبلة النووية؛ أو كان يلقي خطاباً في مؤتمر ميونيخ للأمن سنة 2007، ينطوي على هجاء مقذع لأحادية القطب الأمريكية؛ أو في صيغة وسيطة قبلها، سنة 1994، حين انضمت موسكو إلى برنامج «الشراكة من أجل السلام» ووقعت سلسلة اتفاقيات مه الحلف الأطلسي. الأكيد، إلى هذا وذاك، أنّ ثواني ساعة القيامة التي تقف اليوم عند 90 ثانية من منتصف ليل الكارثة، ليست البتة شريكة في توافق من أيّ طراز مع غنائيات البنتاغون.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

حصة سوريا من الزلازل:

تجارة الإشفاق وذرائع الأجندات

صبحي حديدي

 

قبل أن يتكفل الزلزال الأخير بالقضاء على 3162 سورياً وإصابة 5685 حتى ساعة تحرير هذه السطور، في مختلف المناطق المنكوبة من سوريا؛ كانت أرقام أخرى تنطق عن الشقاء السوري غير الناجم عن الكوارث الطبيعية، تحت نير 53 سنة من نظام الاستبداد والفساد الذي أقامه آل الأسد، بينها 12 سنة من إشراف الوريث بشار الأسد على قمع الانتفاضة الشعبية عن طريق إزهاق أرواح مئات الآلاف، وتشريد الملايين، واعتماد خيارات الأرض المحروقة والتدمير الشامل والتطهير المناطقي، وتسليم البلاد إلى خمسة احتلالات، فضلاً عن عشرات الميليشيات المذهبية ومفارز المرتزقة.
إحصائيات الأمم المتحدة كانت تقول إنّ 70٪ من سكان سوريا هم في حاجة فعلية إلى العون بمختلف أشكاله، غذائياً وصحياً وإنسانياً؛ و«برنامج الغذاء العالمي» يكمل مشهد البؤس بالتحذير من أنّ الجوع بلغ معدلات قصوى لا أمثلة عليها في تاريخ سوريا، مع 2.9 مليون نسمة يقتربون من حافة المجاعة، و12 مليون لا يعرفون متى سيحصل أيّ منهم على وجبة طعام مقبلة. مكاتب أخرى أممية تشير إلى أنّ 90٪ من سكان سوريا الـ18 مليون نسمة يعيشون في حال من الفقر، ومعاناة الأوبئة والأمراض المتفشية ونقص الأدوية؛ وأمّا العملة الوطنية، التي كانت قبل 2011 سنة الانتفاضة تُصرف بـ50 ليرة أمام الدولار الأمريكي، فإنها قبيل الزلزال الأخير تُصرف بأكثر من 7.000…
الزلازل لم تفرّق، بالطبع، بين مناطق تحت سيطرة «المعارضة» أياً كانت إفادة هذه المفردة بين ميليشيات جهادية وحكومات إنقاذ كرتونية وائتلافات ومجالس وهيئات ومؤسسات صادقة النوايا أو كاذبة فاسدة ناهبة؛ ومناطق تابعة للنظام، أو تديرها بالشراكة معه جيوش محتلة، وميليشيات محلية أو خارجية تابعة، وعصابات نهب وتهريب وقرصنة وكبتاغون. واكتوى بلهيب الزلازل مواطنون من جنديريس وحارم والقامشلي، مع أبناء بلدهم في شمال حلب وجبلة وريف حماة، وحُرموا استطراداً من موجات الإشفاق العالمية التي تعالت واصطخبت؛ تارة لأنّ النظام مصرّ على تمرير المعونات عبر طرقاته ومعابره السيادية (أي تلك الكفيلة بإتاحة النهب المباشر وتحويل المساعدات إلى خزائن مافيات النظام) وتارة أخرى لأنّ السلطات التركية منشغلة بحصتها من الكارثة ولشعبها ومناطقها أولوية غير قابلة للتجزئة. الإنسانية من جانبها، وهي هنا ذلك الخليط العجيب من «العالم الحرّ» و«المجتمع الدولي» وعشرات المنظمات غير الحكومية، تعلن النوايا الأحسن وتعرب عن الاستعداد التامّ لتقديم العون، مكتوفة الأيدي أو تكاد إزاء وضع «قانوني» عالق في معبر مفتوح مثل باب الهوى، أو في معابر أخرى يُنتظر أن تفتح أبوابها معجزةٌ ما!
وفي المقابل لا يعدم الضحايا السوريون، أينما وقعت مآسيهم في كلّ شبر من سوريا الواحدة، جبهات نفاق وسوء استغلال وتشويه لا تضاعف الآلام والعذابات فحسب، بل تضيف الإهانة المباشرة على الجراح النازفة؛ كما حين تصحو من سبات عميق تلك الحملة الكاذبة الزائفة التي تطالب بـ«رفع الحصار عن سوريا» بينما المقصود الوحيد هو فكّ الخناق عن مافيات النظام وعصابات الكبتاغون. وسواء اتفق المرء مع العقوبات الاقتصادية الدولية عموماً والأمريكية منها خصوصاً، أو كان مناهضاً لها (كما هي حال هذه السطور) بسبب أنها لا تؤذي الأنظمة بمقدار إيذاء الشعوب والشرائح الأكثر فقراً ومعاناة؛ فإنّ جملة الحقائق الصلبة التي تتصل بالعقوبات الراهنة المفروضة على النظام السوري تؤكد أنها لا تحول، البتة، دون إيصال المساعدات الإنسانية، والغذائية والطبية منها على وجه الخصوص.

التعاطف العالمي مع المناطق المنكوبة في سوريا وتركيا ظاهر بالطبع، والكثير منه صادق ربما؛ ما يخفى، في المقابل، هو ذلك النهج الذي يُخضع الاتجار بالشفقة إلى اعتبارات خدمة الأجندات المبطنة، على اختلاف ذرائعها وأغراضها

والضحايا أنفسهم لن يعدموا جوقة عداء صاخبة، لا تتورع عن اللجوء إلى أقصى مستويات البذاءة، في تأثيم متطوّعي «الخوذ البيضاء» الذين ينشغل نحو 3000 منهم في أعمال الإغاثة والإنقاذ وانتشال الأحياء والجثث من تحت الأنقاض؛ وقد أنجزوا في السنوات العشر الأخيرة، ويواصلون اليوم إنجاز، الكثير من المهامّ الصعبة أو شبه المستحيلة في مناطق الشمال الشرقي من سوريا، تحت قصف مدفعية النظام وراجماته وحواماته وبراميله المتفجرة، وبمشاركة مباشرة من القاذفات الروسية. فإمّا أن يتهمهم «علماني» مزيف منافق بتمرير أجندات «إسلاموية» وفي هذا وقاحة صارخة لا حدود للسخافة فيها؛ أو أن يعيّرهم «ممانع» لا يقلّ زيفاً ونفاقاً، بأنهم ليسوا سوى استطالة للاستخبارات التركية.
وإذْ يصغي المرء إلى نيد برايس، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، وهو يشدد بإباء على أنّ الإدارة في ملفّ المعونات لن تتعامل مع النظام السوري الذي ارتكب الفظائع بحقّ الشعب السوري؛ فإنّ المرء ذاته لن يسمع من برايس مفردة واحدة تفيد بأنّ قسطاً من المعدات والمساعدات والأموال سوف يصل إلى أيّ من أولئك الـ3000 الذين يصارعون الزلازل ويسابقون الزمن في المناطق المنكوبة. وبالطبع، يندر لدى لائمي «الخوذ البيضاء» التوقف عند حقيقة أولى كبرى تقول إنهم، حتى إشعار آخر، وحدهم في ميادين الإغاثة تلك؛ وحقيقة أخرى تفيد بأنّ نحو 252 من متطوّعيهم استُشهدوا حتى الساعة، فوق الأنقاض أو تحتها.
وكما يحدث في كلّ مأساة من طراز مماثل لما شهدته مناطق تركية وسورية مؤخراً، يصحّ للمرء أن يتذكر تلك الإحصائية الطريفة السوداء التي اقترحها أحد الأذكياء، الكاتب البريطاني جورج مونبيوت، ذات كارثة غير بعيدة: ساعة وقوع زلزال تسونامي في المحيط الهندي سنة 2004، كان الاحتلال الأمريكي للعراق قد دخل في يومه الـ 656، وكانت واشنطن قد أنفقت حتى ذاك التاريخ قرابة 148 مليار دولار في تغطية نفقاته؛ وهذا عنى أنّ المبلغ الذي تبرّعت به واشنطن لإغاثة منكوبي جنوب شرق آسيا كان يعادل يوماً ونصف يوم فقط من مصروفات أمريكا! فوق هذا، جدير بالاستذكار مؤشر آخر كان يقول إنّ أرقام المساعدات الخارجية الأمريكية لا تُقارن البتة بما تنفقه واشنطن لخلق المزيد من، أو إدامة وتوسيع نطاق، عذابات الشعوب: إنها تقدّم سنوياً قرابة 16 مليار دولار (بينها ثلاثة مليارات لدولة الاحتلال الإسرائيلي وحدها!) تعادل تُسع إنفاق واشنطن في هذه السُبُل.
وذات يوم أيضاً، على سيرة التسابق المحموم لإغاثة مرابع تسونامي، كان لا بدّ لجهة ما أن تغرّد خارج سرب تماثل وتشابه وتوحّد حتى تسبّب في تشويش الآدمي طيّب القلب حسن النيّة، أو لعلّ الأحرى القول إنّ نغمة نشازاً مدروسة وهادفة كانت جديرة بأن تردّ الأمور إلى بعض نصابها. وهكذا صدر عن منظمة «أطباء بلا حدود» الفرنسية الدولية إعلان إلى الرأي العام يخرج عن الإجماع حقاً، لأنه قال ما معناه: لكم جزيل الشكر! لقد وصلتنا منكم تبرّعات سخيّة تكفي بل تزيد عن حاجة برنامجنا المخصص لإغاثة منكوبي تسونامي، وبذلك نرجوكم التوقف عن التبرّع لهذا البرنامج، وتحويل سخائكم إلى برامج مناطق أخرى من العالم ليست نكباتها الإنسانية أقلّ مأساوية وحاجة! كان الإعلان مفاجئاً بالطبع، وبعض الرأي السطحي بصدده سار هكذا: هل يعقل أن تطالب منظمة إنسانية بالتوقف عن التبرّع؟ والحال أنّ ذلك الطلب لم يكن يعقل إلا من منظمة نزيهة وعادلة في نظرتها إلى الكوارث الإنسانية، تقول ببساطة إنها تريد من الجمهور أن يواصل التبرّع، ولكن ليس إلى نكبة تلقّت أكثر ممّا تحتاج، بل إلى برامج إغاثة أخرى في حاجة ماسّة إلى التمويل.
والتعاطف العالمي مع المناطق المنكوبة في سوريا وتركيا ظاهر بالطبع، والكثير منه صادق ربما؛ ما يخفى، في المقابل، هو ذلك النهج الذي يُخضع الاتجار بالشفقة إلى اعتبارات خدمة الأجندات المبطنة، على اختلاف ذرائعها وأغراضها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

غروسمان

ورواية ستالينغراد الكبرى

صبحي حديدي

 

 

الآن وقد مرّت الذكرى الـ80 للانتصار السوفييتي في معركة ستالينغراد (1,5 إلى 2 مليون قتيل، وأكثر معارك الحروب دموية على امتداد التاريخ)؛ للمرء أن يقلّب الرأي في نوعية القراءات الواجبة، على سبيل استذكار واقعة لم تكن عادية، ولم تخلّف في التاريخ الإنساني الحديث خدوشاً عابرة أو قابلة للنسيان. العودة إلى كتابات تمزج التاريخ العسكري بالذاكرة البشرية، على سبيل استقراء «النصّ الدفين» لأبناء المدينة، ما دُوّن قليله أو اندثر كثيره، خلال زهاء ستة أشهر من الحصار والقتال والقصف والأهوال؛ اقتداء بمصائر تلك النصوص التي اقترنت بحصار طروادة مثلاً، وقصائد شعرائها التي كُتبت وضاعت وظلّ محمود درويش ممسوساً بفكرة العثور عليها وقراءتها. في خيار آخر، يمكن للمرء أن يعود إلى مشاهدة بعض أفضل نماذج أفلام الحرب السوفييتية، فلاديمير بيتروف مثلاً، أو يوري أوزيروف، أو حتى شريط ألكساندر إيفانوف الذي يتلمّس عواطف عشاق المدينة من نساء ورجال. خيار ثالث، ليس أقلّ إمتاعاً ومؤانسة وتكريماً أيضاً، قد يتمثل في استقراء عشرات، وربما مئات، اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية والمنحوتات والتماثيل والجداريات، التي خلّدت المعركة ورصدت مصائر البشر والحجر.
أو، كما اختارت هذه السطور، العودة إلى الكاتب والصحافي والروائي السوفييتي فاسيلي سيمينوفتش غروسمان (1905-1964)، الذي كتب المدوّنات الأفضل عن حصار موسكو وكرسك وبرلين، فضلاً عن تقاريره التي غطّت حصار ستالينغراد وانتصارها؛ ثمّ درّة أعماله، الرواية الضخمة التي حملت عنوان «الحياة والمصير» وامتدّت على ثلاثة أجزاء (بلغت 1550 صفحة في الترجمة العربية التي أنجزها ثائر زين الدين وفريد الشحف، وصدرت سنة 2021 عن دار سؤال في بيروت). ومن الجدير بالإشارة، هنا، أنّ قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي وعلى رأسها نيكيتا خروتشوف ذاته، ومن خلفه المخابرات السوفييتية وأجهزة اتحاد الكتّاب ورهط الدوغما العقائدية والجمود الفكري والأدبي، لم يطربها عمل غروسمان وأخضعته مراراً للرقابة والمنع والتنكيل. ومن مفارقات التاريخ، الساخرة والمريرة في آن، أنّ غروسمان أوكراني المحتد؛ والأرجح أنّ مواطنيه يعيدون قراءته اليوم على أضواء الشموع، تحت الحصار، وكأنّ ستالينغراد التي أبدع في تصويرها قفزت مشاهدها من سنة 1952 إلى سنة 2023!

في العودة إلى الذكرى الـ80 لانتصار ستالينغراد على هتلر وموسوليني والرايخ الثالث والنازية والفاشية، معاً، قد تكون أردأ الخيارات تلك التي تستقرّ على قراءة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يستذكر الواقعة عن طريق قرع طبول الحرب الباردة والنووية

هنا فقرة من ختام الرواية، في ترجمة زين الدين والشحف: «ولكن في برد الغابة، كان يحسّ بالربيع متوتراً، أكثر منه في السهل المضاء بالشمس. كان في صمت هذه الغابة حزن أكبر من صمت الخريف. سُمعت في بكمها الأخرس صرخة نواح على الموتى وفرحة الحياة الغاضبة. لا يزال ثمة برد وظلام، لكن قريباً جداً ستُفتح الأبواب على مصراعيها، وسيعود البيت المهجور إلى الحياة، ويمتلئ بضحك الأطفال وبكائهم، وستُسمع خطوات الإناث اللطيفة المستعجلة، وسيتجول في البيت صاحبه الواثق. وقفا وهما يحملان محافظ الخبز، وصمتا». وفي هذه اللغة، وتلك المناخات الطبيعية والشعورية، كانت أساليب تشيخوف وغوغول وليرمنتوف تتقاطع وتتصارع، في خلاصات أقرب إلى مزيج تصنعه مطحنة، منه إلى عصارة يقذفها أتون. وكان لقب «تولستوي السوفييتي» يعتمل في النفوس، ولكن ندر أنه تردد على الألسن بالنظر إلى البغضاء الصريحة التي أعلنها أندريه جدانوف (مفوّض ستالين في الرقابة على الآداب والفنون) ضدّ غروسمان وأقرانه.
لقد ابتدأ جدانوف من الأشهر، الشاعرة الكبيرة أنا أخماتوفا، فاعتبرها مجرد «فضلات من الثقافة الأرستقراطية القديمة»، وعمل على طردها من اتحاد الكتّاب، ولم يتورّع عن توصيفها بـ» نصف عاهرة، نصف راهبة، أو بالأحرى عاهرة/ راهبة»؛ وكان القصد هو التلويح بالهراوة الغليظة في وجوه الآخرين، إذْ كان الإجهاز على أخماتوفا بمثابة محرقة تنتظر سواها. ولم يكن غريباً أنّ ميخائيل سوسلوف شخصياً، وكان في سنة 1947 رئيس «دائرة التحريض والبروباغندا» في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، راجع بنفسه مخطوط عمل غروسمان المعنون «الكتاب الأسود»، ووجّه بعدم صلاحيته للنشر. لا غرابة، كذلك، في أنّ صداقة حميمة نشأت بين غروسمان ومواطنه الأوكراني الكاتب والصحافي فكتور نكراسوف الذي، في المقابل، كان مرضياً عنه نسبياً ولكنه عجز عن تخليص صديقه من أغلال الرقابة الجدانوفية. وفي أزمنتنا الراهنة، التي شهدت وتشهد أفواج اللاجئين والمهجّرين ويقظة العصبيات والعنصريات، لا يَعجب قارئ غروسمان حين تدور الفقرات الأولى من روايته الضخمة في معسكرات لجوء.
وفي العودة إلى الذكرى الـ80 لانتصار ستالينغراد على هتلر وموسوليني والرايخ الثالث والنازية والفاشية، معاً، قد تكون أردأ الخيارات تلك التي تستقرّ على قراءة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يستذكر الواقعة عن طريق قرع طبول الحرب الباردة أو النووية، والتذكير بأنّ دبابات ليوبارد الألمانية التي ستصل إلى أوكرانيا هي ذاتها التي اجتاحت ستالينغراد. لافت، إلى هذا، أنّ بوتين كان قبل سنتين فقط قد تعمّد إغفال اسم ستالين خلال الاحتفالات بالذكرى ذاتها، وأمّا اليوم فإنه لا يبجّله كقائد حرب فقط، بل كزعيم شارك في بناء الإمبراطورية الروسية، ودبلوماسي فاوض خصومه وحلفائه في طهران ويالطا، وقبلهما في التفاهمات مع النازية. غير خارج عن هذه السياقات أنه هذه المرّة يحشد العواطف القوموية الشعبوية، على مبعدة أمتار من تمثال جديد يردّ ستالين إلى ساحات فولغوغراد؛ التي كانت تسمى ستالينغراد، والأرجح أنها هكذا ستبقى في ملازمة اسمها الوضاء.

 

 

من باريس إلى لندن:

فقاعات الرأسمالية التي تتفجر

صبحي حديدي

ملايين في ساحات باريس، ومئات الآلاف في شوارع لندن، هذه الأيام؛ وقبلها، خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، في عواصم ألمانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا والنمسا وكبرى المدن والمراكز الصناعية فيها، وفي سواها؛ والمحتوى المشترك في خلفيات الاحتجاج، الموحّد أيضاً على نحو أو آخر، هو غلاء المعيشة مقابل تدني الأجور، والسياسات الاقتصادية التي تكرّس التضخم والبطالة وانحطاط الخدمات العامة. أما المحتوى المباشر، المعلَن الراهن في فرنسا على الأقلّ، فهو تمويل صناديق التقاعد تحت حزمة أسئلة مثل هذه: كيف نسدّ عجزاً سنوياً بقيمة 33 مليار يورو؟ وإذا استبعدنا فرض ضرائب جديدة لتغذية الصناديق، فهل نرفع سنّ التقاعد إلى 64 (حيث يرتفع إلى 65 في معظم الأنظمة الرأسمالية الأوروبية)؟ أم نكسر بعض محظورات تقاليد التأمين الاجتماعي الفرنسية العريقة، فنلجأ أكثر فأكثر إلى القطاع الخاصّ بأنظمته الاستثمارية الاستغلالية؟ وإذا كان غالبية رؤساء فرنسا خلال الجمهورية الخامسة (1958 -) قد حاولوا إصلاح ملفّ التقاعد، فتملصوا أو تراجعوا؛ فهل يفعلها الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون بوصفه ربيب ليبرالية صيرفية تلعب على حبال اليمين واليسار والوسط، ولم يعد لديه ما يخسره أصلاً لأنه حاز ولاية ثانية ذات طابع تاريخي واختراقي في جوانب عديدة، ولا يجوز له الترشيح للمرّة الثالثة؟
صحيح أنّ الإضراب أحد الأسلحة الماضية التي يمكن للتنظيمات النقابية أن تشهرها في وجه السلطات الرأسمالية الحاكمة، في الديمقراطيات الأوروبية بصفة خاصة، وقد كانت سابقة الإضراب الفرنسي الشهير سنة 1995 قد أجبرت الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس وزرائه آلان جوبيه على التراجع عن مشاريع وتعديلات وقوانين مماثلة؛ إلا أنّ الصحيح، في المقابل، هو أنه سلاح مؤقت محفوف بالمخاطر، وهو أيضاً ذو حدّين في أفضل تطبيقاته الحديثة والمعاصرة. على سبيل المثال، إذا كانت ثماني منظمات نقابية فرنسية قد توافقت على مواجهة تعديلات سنّ التقاعد، التي ينوي ماكرون تمريرها في الجمعية الوطنية وسنّها كقانون، ونجحت في إخراج 1,27 مليون متظاهر في شوارع فرنسا؛ فهل هي على الاتفاق ذاته، بصدد المضيّ أبعد، وأطول، في أشكال الضغط على الحكومة؟ كلا، بالطبع، لأسباب ليست بعيدة كثيراً عن واحدة من معضلات النظم الديمقراطية الأوروبية؛ لأنّ «الكونفدرالية العامة للشغل» الأعرق التي يعود تأسيسها إلى سنة 1895 والأشدّ توجهاً نحو اليسار والفعل الراديكالي، تقترح التصعيد في منشآت تشلّ قطاعات المصافي والطاقة والمواصلات؛ بينما تساجل «الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للشغل» الثانية من حيث أعداد المنتسبين والأكثر اعتدالاً وميلاً إلى المقاربة الإدارية، بأنّ الإضراب في تلك القطاعات سوف يعطّل إيقاع الحياة اليومية لملايين الفرنسيين ويُفقد حركة الإضراب بعض التأييد الشعبي، وربما الكثير منه.
من جانبها، لن تقف إدارة ماكرون مكتوفة الأيدي إزاء استمرار أعمال الاحتجاج والإضرابات، وثمة مستويات تكتيكية عديدة يمكن أن تلجأ إليها؛ من داخل، وفي صميم، القوانين ذاتها التي تحكم الحريات الدستورية للنقابات وهوامش تحرّك السلطات. هنالك خيار أوّل يتمثل في تقديم تنازلات هنا أو هناك، سواء لشرائح عمل معيّنة ودون سواها، أو لقطاعات سوسيولوجية وديمغرافية تخصّ النساء مثلاً؛ وهنالك خيار تحويل هذه التعديلات إلى منصات اختلاف وشقاق داخل كُتل الجمعية الوطنية، بين برلماني يساري متشدد وآخر معتدل، وبين يميني جمهوري وآخر عنصري، بالإضافة إلى شقّ صفوف النقابات استطراداً.

وتلك فقاعات لا تتفجر مجموعة منها حتى تُخلي الساحات والشوارع لفقاعات أخرى، وهكذا؛ على منوال يعيد التذكير بنبوءة كارل ماركس حول رأسمالية لا تكفّ عن مراكمة التفاوت بين رأس المال والعمل، فلا تتوقف تالياً عن… إنتاج حفّار قبرها.

وأمّا في خيار ثالث يوفّره دستور الجمهورية الخامسة ذاته، ففي وسع الحكومة أن تلجأ إلى المادة 49,3 التي تتيح تمرير بعض التشريعات من دون المرور بالتصويت المعتاد، أو إلى المادّة الأخرى 47.1 (التي لا عجب في أنّ لقبها هو «المقصلة»!) نادرة الاستخدام، تختصر مناقشة التشريعات إلى 20 يوماً فقط. وليس خافياً أنّ الرساميل والشركات الصناعية الكبرى وأرباب القطاع الخاص وأصحاب مليارات الاستثمار الراهن أو المحتمل في قطاع التأمين والتقاعد، هم أشرس مساندي خطط ماكرون وحكومته، ونفوذهم في قلب الجمعية الوطنية يتعدى الصداقة مع هذا النائب أو تلك الكتلة البرلمانية.
ولأنّ مشكلات/ أزمات/ استعصاءات، مثل هذه التي تشهدها ساحات الرأسمالية الأوروبية المعاصرة، تتكدس تباعاً وتتفاقم باضطراد، وعلى مبدأ متصاعد؛ فإنها أقرب إلى فقاعات تواصل الانتفاخ حتى تبلغ درجة الانفجار، وتسجيل معدّلات أعلى فأعلى من السخط والاحتجاج، ثمّ الفاقة والإدقاع المريع مقابل التخمة والإثراء الفاحش. وإذْ كان شاهد من أهلها قد شهد ذات يوم، بلسان الملياردير الأمريكي وارن بافيت، الذي اعتبر أنّ هذا الطراز من الانفجارات تليق به تسمية «أسلحة التدمير المالي الشامل»؛ فإنّ شهوداً آخرين تعاقبوا على توصيف الحال من قلب شبكات التسليم بأقداره الكاسحة المدمّرة، والعجز بالتالي عن اقتراح الحلول العلاجية، فكيف أصلاً بتطبيقها على الأرض إذا اعتُمدت حكومياً أصلاً. بعض البريطانيين، الذين صوّتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 51,9٪، حصون اليوم خسائرهم ابتداء من الجيوب والمحافظ، مروراً بالحسابات المصرفية وفواتير الطاقة والرهن العقاري ونفقات البقالية، وليس انتهاء بالتأمين الصحي؛ في مناخ (حسب المصرف المركزي البريطاني) من ركود متسارع ضاغط، بات يدفع غلاة من دعاة «بريكست» السابقين إلى الاستنجاد بما يسمونه «النموذج السويسري» في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي: رضوخ من دون انخراط، وتبعية من دون انضمام !
أكبر الأوهام، وأعلاها زيفاً وخداعاً وباطلاً هو التذرّع بالاجتياح الروسي في أوكرانيا، وانفلات أسعار الطاقة والأغذية، لأنه إذا كانت الحرب على جبهات الاقتصاد مستعرة حقاً، ضارية إلى أقصى السلوك الهمجي، فإنها تدور فعلياً بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جانب أوّل، وبين روسيا والصين على الجانب المقابل. ودلائلها الأوضح، لأنه يصعب تمويهها، بادية في مؤشرات التضخم المذهلة وتخبّط البنوك المركزية لدى الأقطاب الرأسمالية الكبرى في اللجوء إلى علاج التدمير الذاتي عن طريق رفع معدلات الفوائد. وليس من دون دلالة منطقية صاعقة، لأنها أقرب إلى خلاصات رياضية خارجة مباشرة من مخابر الاقتصاد، أنّ عجز حكومة ريشي سوناك عن تعديل الأجور في بريطانيا مرتبط أيضاً بالعلاقة الطردية مع انفلات التضخم إلى مستويات قياسية؛ في غمرة انزلاق ارتدادي هستيري نحو حلول مارغريت ثاتشر وأزمنة أخرى غابرة من المال وراس المال واقتصاد السوق.
على المنوال ذاته، افتُضحت واحدة تلو الأخرى أكاذيب التمويه حول أزمات الرأسمالية المعاصرة خلال الـ 20 سنة الأخيرة فقط: تلك المعروفة باسم
dot.com crisis في ربيع 2000، حين تفجرت فقاعة مؤشر ناسداك بنسبة 400٪ دفعة واحدة؛ وأزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحدة، ثمّ العالم طولاً وعرضاً، سنة 2008؛ وأخيراً، وليس آخراً أغلب الظنّ، أزمة كوفيد ـ 19. ومن المسلّم به أن إمبراطورية الولايات المتحدة، على أصعدة الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والمالية والتكنولوجية المختلفة، أخذت تواجه منافسة مضطردة من الصين، وقليلاً بعض الشيء من كتلة الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يحيل الصراعات إلى ملفات أخرى غير التنافس الجيو ـ سياسي والصناعي؛ أي إلى ملفات الداخل، حيث مشكلات رأس المال تتقاطع أكثر فأكثر مع المعضلات الاجتماعية ومشكلات التعاقد بين الحاكم والمحكوم، والحقوق المدنية، وظواهر التطرف والتشنج القومي والانعزالية والعنصرية…
وتلك، وسواها كثير، فقاعات لا تتفجر مجموعة منها حتى تُخلي الساحات والشوارع لفقاعات أخرى، وهكذا؛ على منوال يعيد التذكير بنبوءة كارل ماركس حول رأسمالية لا تكفّ عن مراكمة التفاوت بين رأس المال والعمل، فلا تتوقف تالياً عن… إنتاج حفّار قبرها.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

فردمان ومراثي دولة الاحتلال:

نفخ في قِرَب مثقوبة

صبحي حديدي

 

توماس فردمان، الصحافي الأمريكي وكاتب العمود البارز في صحيفة «نيويورك تايمز» اعتاد النفخ في أبواق شتى تعزف ترانيم المديح لدولة الاحتلال الإسرائيلي، كما تمزج الإطراء بما يشبه مناشدة «الواحة الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط أن تلازم موقعها الأثير هذا، كلما لاحت بارقة انحراف عنه أو حتى تأخّر في تولّي مسؤولياته. لم يكن الوحيد، بالطبع، وثمة العشرات من نافخي الأبواق إياها بصرف النظر عن تنويعات في «النغمة» تارة، أو في سياقات الدفاع الأعمى والتنزيه الأقصى تارة أخرى؛ ليس من دون التفنّن في التلفيق والاختلاق والخداع، لدى قارئ أو مستقبِل لا تنقصه عشوائية عمياء بدورها، في احتضان أيّ إطناب لتلك «الواحة» الصهيونية.
لكنّ فردمان، في عدد من تعليقاته الأخيرة التي أعقبت فوز بنيامين نتنياهو وتشكيل الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً وعنصرية وتشدداً دينياً في تاريخ الكيان، بدا أشبه لنافخ في قربة مثقوبة اسمها «الليبرالية الإسرائيلية» التي توشك على الاضمحلال؛ حتى أنه لم يتورّع عن مناشدة الرئيس الأمريكي جو بايدن أن يتدخل لإيقاف «تحوّل تاريخي» تشهده دولة الاحتلال: «من ديمقراطية تامّة إلى شيء أقلّ، ومن قوّة توازن في المنطقة إلى قوّة مزعزعة له. وقد تكون الوحيد القادر على منع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتحالفه المتطرف من تحويل إسرائيل إلى معقل غلوّ غير ليبرالي». وهذه فقرة واحدة من مشروع «مذكّرة» افتراضية كان فردمان سيرفعها إلى بايدن لو قُيّض له هذا، وسيقول أيضاً إنّ دولة الاحتلال التي عرفها بايدن «تضمحلّ» وتنبثق بدلاً عنها أخرى «جديدة» حيث العديد من الوزراء في حكومتها «معادون للقِيَم الأمريكية، وجميعهم تقريباً معادون للحزب الديمقراطي».
مضحكة، في المقابل، تلك الذريعة البائسة التي حرص فردمان على استرجاعها (أنّ نسبة محدودة من الإسرائيليين هي التي منحت نتنياهو وتحالفه تفوّقهم العددي في الكنيست) وكأنه تناسى أنّ قواعد هذه «الواحة الديمقراطية» لا تعترف بنسبة ضئيلة أو كاسحة؛ ما دام الرقم السحري لـ 62 مقعداً مؤيداً للحكومة قد تحققت في الكنيست، وما دام الناخب الإسرائيلي، وليس الأرواح غير الليبرالية، هي التي صنعت هامش الفارق. ليس أقلّ إضحاكاً حرص فردمان، في مقالة/ مذكّرة المناشدة إياها، على تذكير بايدن بأنّ نتنياهو «تآمر» مع الجمهوريين لـ«هندسة» خطبته أمام الكونغرس في سنة 2015، على النقيض من إرادة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ونائبه بايدن؛ وأنّ رجال نتنياهو يحبون رؤية جمهوري في البيت الأبيض، ويفضّلون دعم المسيحيين الإنجيليين على اليهود الليبراليين.
أيّ قربة مثقوبة هذه التي يخال فردمان أنّ نفخه فيها كفيل بدفع الرئيس الأمريكي إلى «إنقاذ» دولة الاحتلال، بل الأحرى التساؤل المشروع هكذا: هل يضحك على القارئ أم على نفسه، حين يفترض أنّ بايدن (أو أيّ رئيس أمريكي في الواقع، منذ تأسيس الكيان الصهيوني إلى اليوم وحتى إشعار آخر) يمكن بالفعل أن يتدخل لـ«منع» حكومة، منتخَبة وفق قواعد «الواحة» إياها، من تنفيذ التعهدات التي على أساسها أتى بها الناخب الإسرائيلي إلى سدّة الحكم؟ للمرء، هنا، أن ينصح فردمان بالعودة إلى معلّق آخر، إسرائيلي هذه المرّة، سبق أن ناشد رئيساً أمريكياً إنقاذَ دولة الاحتلال؛ مع فارق جدير بالاستذكار. ففي تعليق على واحدة من زيارات نتنياهو إلى واشنطن، كتب جدعون ليفي متمنياً على أوباما الاقتداء بالرئيس الأمريكي الأسبق ريشارد نكسون في إنقاذ إسرائيل، مع تمييز حاسم: الاخير أنقذها من الجيوش العربية سنة 1973، والأوّل ينبغي أن ينقذها من… نفسها!

كأنّ فردمان تناسى أنّ قواعد هذه «الواحة الديمقراطية» لا تعترف بنسبة ضئيلة أو كاسحة؛ ما دام الرقم السحري لـ 62 مقعداً مؤيداً للحكومة قد تحققت في الكنيست، وما دام الناخب الإسرائيلي، وليس الأرواح غير الليبرالية، هي التي صنعت هامش الفارق

فإذا أبى فردمان الاستئناس برأي ليفي، ربما لأنّ الأخير يساري مناصر للحقوق الفلسطينية، ففي وسعه الذهاب إلى مواطنه الأمريكي دانييل بايبس؛ الليكودي الذي لم يوفّر جهداً في تأثيم أوباما أثناء أطوار الترشيح والحملات الانتخابية، وفي رؤية العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية من زاوية خاصة تماماً هي مآثر الصهيونية المسيحية، ذاتها التي يبغض فردمان ما يجمعها من علاقات حبّ مع متشددي نتنياهو. ولقد اعتبر بايبس أنّ هذا الطراز من الصهيونية هو «أفضل أسلحة» دولة الاحتلال، بالنظر إلى أهمية نهج اليمين الأمريكي المسيحي المتعاطف، وكيف يتبنى مواقف متشددة تبدو خيارات ساسة إسرائيليين «حمائمية» تماماً إلى جانبها. تفسيره البسيط، أو التبسيطي تماماً في الواقع، يقول إنّ هذا النسق السياسي ـ الفلسفي، الذي عبّر ويعبّر عنه أمثال غاري باور وجيري فالويل وريشارد لاند، يعود بجذوره إلى العصر الفكتوري في بريطانيا؛ وتحديداً إلى عام 1840 حين أوصى وزير الخارجية اللورد بالمرستون بأن تبذل السلطات العثمانية كلّ جهد ممكن من أجل تشجيع وتسهيل عودة يهود أوروبا إلى فلسطين؛ هذا فضلاً عن أنّ اللورد شافتزبري (شقيق زوجة بالمرستون وزعيم حزب الإنجيليين) هو الذي كان، في العام 1853، قد نحت العبارة الشهيرة البذيئة في وصف فلسطين: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض».
يتناسى فردمان، إذْ لا يعقل أنه نسي، ما انطوت عليه زيارة نتنياهو إلى واشنطن سنة 2015 من وقائع أخرى ليست أقلّ دراماتيكية من خطبة الأخير أمام الكونغرس؛ بينها، على سبيل المثال، عدم اكتراث ران باراتز، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بأيّ لباقة بروتوكولية أو تهذيب دبلوماسي حين وصف موقف أوباما من الاتفاق النووي مع إيران بأنه «الوجه الحديث للعداء للسامية في الغرب والبلدان الليبرالية». أمّا جون كيري، وزير خارجية الولايات المتحدة يومذاك، فقد خصّه باراتز بهذه الأمنية: أن يفلح في رؤية العالم بعقلية فتى عمره أكثر من 12 سنة! الأهمّ، بالطبع، كانت ملفات تتجاوز بكثير أقوال باراتز، مثل تدعيم «القبّة الفولاذية» التي تستقبل وتدمّر الصواريخ قصيرة المدى؛ و«مقلاع داود» للصواريخ متوسطة وبعيدة المدى؛ وأنظمة «سهم» المضادة للصواريخ بدورها؛ ومقاتلات
F-35A التي تُمنح، للمرّة الأولى، إلى أيّ حليف؛ ومقاتلات V-22، التي تحلّق كطائرة وتهبط كحوّامة، والقادرة على بلوغ إيران؛ فضلاً، بالطبع، عن اتفاقية مساعدة سنوية بقيمة 30 مليار دولار كانت تنتهي في سنة 2017 وتوجّب تجديدها… إلى أجل غير مسمى!
فهل تجاسر فردمان يومئذ على التفكير في أنّ ملفات مثل توسيع الاستيطان الإسرائيلي، أو الإمعان في تهويد القدس، أو مصادرة الأراضي، أو عربدة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في المناطق ذاتها التي تخضع للتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، أو وضع معظم بنود اتفاقيات أوسلو في سلّة المهملات الإسرائيلية… يتوجب أن تُبحث خلال زيارة نتنياهو تلك؟ وهل كانت «الليبرالية الإسرائيلية» في أحسن حال حينذاك، فما استدعت من فردمان تسطير مقالة/ مذكّرة إلى أوباما، أو إلى نائبه بايدن؛ تناشد الإدارة إنقاذ دولة الاحتلال؟ الثابت، الذي يتجاهله فردمان عامداً، هو أنّ سلسلة التطوّرات السياسية الإسرائيلية الداخلية التي أعقبت توقيع اتفاقيات أوسلو (اغتيال رابين، وانتخاب نتنياهو في غمرة تحقير شمعون بيريس، وانتخاب إيهود باراك ضمن تحقير نتنياهو، وانتخاب شارون على قاعدة تحقير باراك، ثمّ انتخاب نتنياهو وتحقير «كاديما» وباراك معاً…)؛ لم تكن إلا سبيل الإسرائيليين في التأكيد على أنّ نسبة ساحقة منهم لم تخرج من الشرنقة العتيقة مرّة واحدة، ولا يبدو أنها بصدد ذلك في أيّ يوم قريب.
عُزفت أبواق مديح «الواحة الديمقراطية» في دولة الاحتلال، أم نُفخ في قِرَب مثقوبة ترثي «ليبرالية» موشكة على اضمحلال؛ سواء بسواء، في هذه أو تلك!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

ليبيا: أية معجزة

تعرّف جنس الملائكة؟

صبحي حديدي

 

ثمة الكثير من الفوارق التي تضع الأمريكي وليام جوزيف بيرنز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على ضفة معاكسة، إنْ لم تكن مناقضة، مع السنغالي عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا منذ أيلول (سبتمبر) 2022؛ والقواسم المشتركة بينهما، إنْ وُجدت، فهي لا تتجاوز المسؤوليات الدبلوماسية التي تولاها الرجلان، مع حفظ البون الشاسع الذي يفصل مهامّ أحدهما عن الآخر. صحيح أن بيرنز لم يترشح لانتخابات رئاسة الولايات المتحدة، كما فعل باتيلي على دفعتين في بلده السنغال؛ غير أنّ موقع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وسفير أمريكا لدى الاتحاد الروسي ووكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية (بعض مناصب بيرنز)، يصعب أن تُقارن بأمين ثالث لرئاسة حزب «العصبة الديمقراطية، أو أمينه العام، أو المرتبة السادسة بمعدّل 2,21% في الانتخابات الرئاسية السنغالية (أبرز محطات سيرة باتيلي).
فما الذي يمكن أن يحدث إذا عكفا، كلّ من موقعه واتكاءً على أولويات وظيفته وخدمة مصالح الجهة التي تنتدبه، على إيجاد الحلول لسلسلة لا حصر لها من تعقيدات المشهد الليبي الراهن؛ حيث السياسة تختلط بالنفط، وعبد الحميد دبيبة رئيس حكومة طرابلس في مقابل فتحي باشاغا رئيس حكومة طبرق الموازية، وبرلمان عقيلة صالح إزاء مجلس دولة خالد المشري، ومجلس رئاسة محمد المنفي أمام جيش المارشال الانقلابي خليفة حفتر…؟ أم أنّ الأحرى هو التساؤل هكذا: ما الذي سيجترحه باتيلي من معجزات عجز عن اجتراحها ستة مبعوثين سابقين أصلاء أو وكلاء أمثال عبد الإله الخطيب، إيان مارتن، طارق متري، برناردينو ليون، مارتن كوبلر، غسان سلامة، يان كوبيتش، وستيفاني وليامز؟
لن يحدث الكثير أغلب الظنّ، من جانب باتيلي على الأقل، في جبهات صراعية مثل تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 24 كانون الأول (ديسمبر) إلى أجل غير معلوم، والتفاهم على قواعد دستورية للترشيح، وتحويل مباحثات دبيبة وصالح والمشري والمنفي وحفتر من التفاوض حول جنس الملائكة إلى أيّ من النقاط الملموسة التي تنفع أبناء ليبيا على الأرض، والحيلولة دون مزيد من انقلاب ثنائية دبيبة/ باشاغا إلى مواجهات عسكرية دامية، و«هندسة» صيغة ما إعجازية للتوفيق بين اشتباك التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية…
بيرنز، من جانبه، سجّل نقلة مشهودة في تعاطي إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع المعضلات الليبية، فلم تعكس زيارته إلى البلد مستوى هو الأرفع منذ تنصيب سيّد جديد في البيت الأبيض فحسب، بل كانت أيضاً بوّابة عبور الجهاز الاستخباري الأمريكي الأعلى إلى دهاليز ليبيا. وحرص بيرنز على الاجتماع مع الفرقاء أتاح له إطراء الدبيبة (لأسباب متعددة، لا يغيب عنها ترحيل المواطن الليبي المتهم بالمسؤولية عن تفجير طائرة لوكربي لمحاكمته في الولايات المتحدة)، والضغط على حفتر لتقليم (بعض، وليس كامل!) أظافر ميليشيات فاغنر الروسية؛ وتنبيه الجميع إلى واجباتهم تجاه حماية النفط.
ولأنّ ما بين بيرنز وباتيلي من فروقات ليس مرشحاً لأيّ طراز وشيك من الالتئام أو التلاؤم، بالنظر أوّلاً إلى موقع واشنطن في مجلس الأمن حيث يرتفع سلاح الفيتو فوق الرؤوس، فإنّ زيارة الأوّل العابرة وإقامة الثاني المديدة (حتى يُعزل أو يستقيل من تلقاء نفسه) ليست أقلّ من حركة على رقعة الشطرنج الليبي، السياسي والعسكري والنفطي والقبائلي والميليشياتي، وبالتالي ليست أكثر كما يُرجّح. فكيف وأحجار الشطرنج الأخرى تشارك في تحريكها أيادٍ من مصر والإمارات والسعودية وروسيا وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا؛ ومجموعات مسلحة أو إرهابية تمرّ من «تنظيم الدولة» المنتعش والمزدهر والمنتشر في الجنوب، ولا تنتهي عند مرتزقة «فاغنر» الروسية ورفاقهم في الارتزاق من المجموعات التشادية والسودانية.
فأيّة معجزة يمكن أن تعين السنغالي على الأمريكي، في أتون هذه المعمعة حول تعريف جنس الملائكة!

 

 

تركيا الـ«صفر مشاكل»:

هل يحوم شبح داود أوغلو؟

صبحي حديدي

لم يعد ثمة الكثير من الارتياب في أنّ تركيا تواصل حصد مكاسب دبلوماسية، لكنها في جوهرها مغانم اقتصادية واعتبارات جيو ـ سياسية لا تخفى، من وراء الحفاظ على ميزان اتصال توافقي دقيق بين روسيا وأوكرانيا؛ أفسحت المجال، الآن، لمستوى من التعاطي مع ملفات الحرب الدائرة يبلغ درجة الوساطة بين موسكو وكييف، يتجاوز نجاحات صادرات الحبوب وتبادل الأسرى إلى ما ترتيبات تفاوضية عنوانها (بالغ الطموح والتمنّي) التوصل إلى اتفاق سلام.
في ملفات أخرى تبدو المصالحة التركية ـ الإسرائيلية، التي تُوّجت بتبادل السفراء بعد زيارات رئيس دولة الاحتلال إسحق هرتزوغ إلى أنقرة، ووزير الخارجية التركي إلى تل أبيب، بمثابة نقلة نوعية تستكمل سيرورات انفتاح متبادل بين تركيا وكلّ من مصر والإمارات والسعودية؛ بعد سنوات من الخصام والقطيعة. الأعلى دراماتيكية في هذا الحراك التركي، وإنْ كان أقلّ قيمة وأدنى مرتبة من حيث التجسيد على الأرض وفي النطاقات الميدانية، هو استجابة أنقرة لوساطة روسية استهدفت إعادة الدفء إلى العلاقات بين تركيا والنظام السوري؛ وقُيّض للعالم أن يستمع إلى تصريح من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخصياً، يقول فيه إنه «ليس هناك خلاف أو استياء أبدي في السياسة»، و«يمكننا إعادة النظر مجدداً في علاقاتنا مع الدول التي لدينا معها مشاكل. ويمكننا القيام بذلك بعد انتخابات حزيران (يونيو)، ونكمل طريقنا وفقا لذلك».
صحيح، بالطبع، ما يسوقه غالبية مراقبي المشهد التركي من أنّ معظم هذه الملفات، وخاصة ما يتصل باستئناف التعاطي مع النظام السوري، ذات صلة بالانتخابات الرئاسية التركية المقبلة؛ حيث يسعى أردوغان إلى تخفيف سلسلة من الأوجاع الداخلية الناجمة، اقتصادياً في المقام الأوّل، عن نزوعات إدارته إلى التسخين مع الجوار والخارج عموماً؛ والسعي، في الآن ذاته، إلى تجيير المعالجات للمشاكل المختلفة لصالح ترقية صورته في ناظر الرأي العام التركي، أبعد من جمهوره وأنصار حزب «العدالة والتنمية»، أو الشرائح الشعبوية التي تتلمس في شخصه ملامح سلطانية عثمانية. غير أنّ هذا العنصر، أي انتخابات حزيران (يونيو) المقبلة، لا تطمس الأبعاد الأخرى خلف مبادرات الانفتاح التركي، وعلى رأسها طبائع أردوغان في التقلّب والتنقّل والتحوّل، وفي قياس الماضي والمستقبل طبقاً لمعطيات الراهن.
وبين أن يُحكم على منهج كهذا من منطلق توصيف انتهازي، مفتقر إلى المبدئية، ذرائعي بالمعنى الهابط للمصطلح؛ أو، على النقيض، من منطلق التثمين العقلاني، والتبصّر، والذرائعية بالمعنى الصوابيّ للمصطلح؛ ثمة مفارقة جلية، دراماتيكية بدورها كما يصحّ القول، تتمثل في أن تركيا أردوغان إنما ترتدّ بذلك إلى تركيا أحمد داود أوغلو، الذي سبق له أن تولى مناصب رفيعة مثل وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء ورئاسة «العدالة والتنمية»؛ الذي لا يتردد كثيرون في اعتباره «كيسنجر تركيا»، واعتاد خصومه في صفوف الأتراك القوميين في الارتياب بأنه يمثّل سياسة «نيو – عثمانية». وأمّا مظهر الافتراق، في هذه العودة (المقنّعة حتى الساعة) إلى أفكار الرجل وتطبيقاته الدبلوماسية، فإنها تبدأ أولاً من حقيقة إقصائه خارج دائرة المقرّبين من أردوغان، وإبعاده عن قيادة الدولة والحزب، ومبادرته إلى تأسيس حزبه الخاصّ الذي يحمل اسم «المستقبل»، و… المشاركة في ائتلاف الأحزاب المناهضة لأردوغان، والمطالبة بدستور جديد ونظام برلماني على أنقاض الرئاسي الحالي.

يبقى أنّ شبحاً يحوم حاملاً معه أطياف مبدأ مركزي في تبريد النزاعات إلى درجة الصفر، أمر مختلف عن الشبح ذاته وقد انقلب إلى خصم سياسي، حليف لتكتل أحزاب لا تروم هدفاً آخر أهمّ من الإطاحة برئاسة أردوغان، وإعادة النظام الرئاسي الحالي إلى سابق عهده البرلماني

وليس من المبالغة الافتراض بأنّ داود أوغلو هو اليوم أقرب إلى شبح يجوس الحياة الحزبية والسياسية الداخلية في تركيا، وهو لا يستقرّ في نواة عميقة من هواجس أردوغان شخصياً فحسب؛ بل يدفع الرئيس التركي إلى مزيد من خطوات الخيار الشهير «صفر مشاكل»، أو النظرية الأمّ الكبرى التي صنعت بصمة داود أوغلو في تاريخ تركيا المعاصرة.
وهذا الرجل من مواليد 1959، وقد وفد إلى السياسة من البوّابة الأكاديمية إذْ كان أستاذاً للعلاقات الدولية في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، وفي جامعتَيْ مرمرة وبيكنت في تركيا، واعتمد مقاربة بسيطة في إدارة السياسة الخارجية التركية، قائمة على مبدئين ليس أكثر. ولقد سبق له أن ناقش الخطوط العريضة للمبدأين في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي»، الذي صار قراءة إلزامية لكلّ دبلوماسي على صلة بالشأن التركي، رغم أنّ الكتاب لم يكن متوفراً في أيّ من اللغات الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية. مؤلفاته الأخرى متوفرة في لغات أوروبية، ولعلّ على رأسها كتابه «الهزّة المنتظمة والنضال من أجل نظام دولي»، 2020؛ و«منظورات بديلة: تأثير رؤية العالم الإسلامية والغربية على النظرية السياسية»، 1994.
المبدأ الأول، إذن، هو أنّ على تركيا إقامة روابط وثيقة ليس مع أوروبا والولايات المتحدة فقط، رغم أهمية هذه العلاقات، بل يتوجب تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط. ذلك لأنّ تركيا ليست مجرّد قوّة إقليمية، في نظر داود أوغلو، بل هي قوّة دولية ويتوجب عليها أن تتصرّف على هذا الأساس؛ فتعمل على خلق منطقة تأثير تركية ستراتيجية، سياسية واقتصادية وثقافية. ولم يكن غريباً أنّ وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق هيلاري كلنتون ثمّنت عالياً هذه المرونة التركية في التعامل مع محاور مسلمة ومسيحية ويهودية، في العالم العربي والإسلامي، وفي أوروبا وإسرائيل؛ فأطلقت على تركيا لقب «القوّة الكونية الصاعدة».
المبدأ الثاني هو اعتماد سياسة «الدرجة صفر في النزاع» مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية. وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة»، «لكننا نعرف اليوم أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام ‘القوة الناعمة’ هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها»، كما ساجل داود أوغلو في كتاباته العديدة. وهو، على أساس من هذا المبدأ، كان واثقاً من أنّ الحاجة متبادلة تماماً بين أوروبا وتركيا: «بقدر ما صارت أوروبا محرّك سيرورة التغيير في تركيا، بقدر ما ستصير تركيا محرّك تحويل للمنطقة بأسرها».
والحال أنّ تلك المقاربات أعطت نتائج دراماتيكة في علاقات تركيا مع جميع جيرانها تقريباً، وعلى حدودها الأوروبية والآسيوية، وخارج تلك الحدود أيضاً، كما في الدور الذي سعت إلى لعبه في لبنان حين شاركت في قوّات الأمم المتحدة التي نُشرت هناك بعد العدوان الإسرائيلي صيف 2006؛ وفي احتضان المفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة، وإقامة علاقة ثلاثية مع إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية وحركة «حماس»، ثمّ القيام بجهود ميدانية مكوكية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار أثناء العدوان الإسرائيلي على غزّة، واكتساب شعبية واسعة في الشارع العربي بسبب انسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس. هذا بالإضافة إلى دور تركيا المتزايد في أفغانستان والباكستان والهند.
يبقى أنّ شبحاً يحوم حاملاً معه أطياف مبدأ مركزي في تبريد النزاعات إلى درجة الصفر، أمر مختلف عن الشبح ذاته وقد انقلب إلى خصم سياسي، حليف لتكتل أحزاب لا تروم هدفاً آخر أهمّ من الإطاحة برئاسة أردوغان، وإعادة النظام الرئاسي الحالي إلى سابق عهده البرلماني؛ فكيف وأنّ داود أوغلو لا يبدأ المعادلة من ركائز علمانية أو أتاتوركية أو قومية، بل من حجر أساس عالي الجاذبية، هو… رؤية العالم إسلامياً!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

اتفاق السودان الإطاري

ومحنة الاطمئنان إلى العسكر

صبحي حديدي

 

منذ انقلابهم في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، رفض عسكر السودان تعيين رئيس وزراء للسودان، يخلف عبد الله حمدوك في منصب يتوجب أن يتولاه مدنيّ طبقاً لتوافقات اقتسام السلطة مع «قوى إعلان الحرية والتغيير» ومجموعات مدنية أخرى، أعقبت انتفاضة شعبية أطاحت بدكتاتورية عمر حسن البشير من دون استبدالها بمنظومة حكم ديمقراطية في الحدود الدنيا المقبولة. لكنّ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وشريكه الأوّل محمد حمدان دقلو ورهط الجنرالات الشركاء في الانقلاب لم يجدوا مشكلة، بل انتظروا غنائم ومكاسب، في السماح لآخر رئيس وزراء في عهد البشير، محمد طاهر إيلا، بالعودة إلى السودان بعد ثلاث سنوات من الفرار إلى مصر؛ ضمن صفقة عقدها البرهان مع الريس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقاء مباشر في القاهرة أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي.
مصلحة النظام المصري لم تقتصر على إحياء وجود «المؤتمر الوطني»، حزب البشير المنحلّ، وإعادة زرع رموزه في السودان عموماً وفي شرق السودان خصوصاً، وتحويل مكوّن البجا إلى معادلة تعكير ضاغطة على مسار التحولات الديمقراطية في البلد؛ بل ثمة حاجة لدى السيسي إلى المناورة عبر شخص إيلا لمساندة «جبهة تيغراي» وتغذية النزاع مع أثيوبيا، ضمن المناورات الوحيدة التي يملكها السيسي للضغط في ملفّ سدّ النهضة. وعند عقد صفقة إعادة إيلا الذي سبق أن رفض نظام السيسي تسليمه إلى السودان، كان البرهان قد تجاهل تماماً حقيقة أنّ رجل البشير السابق مطلوب للقضاء وثمة مذكرات جلب بحقّه وفي وسع أيّ شرطي سوداني أن يعتقله؛ وفضّل تغليب مصالح العسكر في محاولات إغراء أنصار النظام السابق وأعضاء «المؤتمر الوطني» وبعض الشرائح الإسلامية بالانخراط إلى جانب الجيش في المناورة مع المدنيين.
من الإنصاف، وكذلك الصواب العقلي، تعليق قسط غير قليل من تقييم الاتفاق الإطاري على مراحل لاحقة من مآلات التفاوض الراهنة، ريثما تتضح على نحو أفضل حصيلة الأرباح والخسائر على الطرفين المتفاوضين؛ وفي انتظار أن تستقرّ أكثر موازين القوى المنخرطة في الاتفاق، مقابل تلك التي تعارضه اليوم أو سوف تواصل رفضها له إذا بلغ مرحلة التوقيع النهائي ورأى النور. غير أنّ الإنصاف، إياه، يقتضي التوقف (الدقيق والحصيف، أو حتى اليقظ والناقد) عند المسائل الخمس الكبرى التي تشكّل عقبات كأداء على طريق الاتفاق: صياغات العدالة عموماً والانتقالية منها تحديداً، وكيفية فرض الإصلاحات البنيوية على مؤسسات الجيش والأمن، وإعادة وضع اتفاق السلام على محك المراجعة البناءة، وبلورة آليات ملموسة لتفكيك النظام السابق، وإيجاد حلول آنية ودائمة لمشكلات شرق السودان.
ثمة، إلى هذا، معضلة كمونية إذا جاز التعبير، لأنّ افتراض منطق تفاوضي بين العسكر والمدنيين يفترض أيضاً طرازاً ما، أياً كانت حدوده، من التكافؤ المتبادل بينهما؛ ويتحكم، استطراداً، بما يمكن أن يتوصلا إليه، على قاعدة الحقّ أو الباطل، الربح هنا والخسارة هناك، المصداقية والالتزام مقابل النقض والانقلاب؛ وهذه بعض مظاهر محنة معقدة في الاطمئنان إلى العسكر… وإذا كانت صفقات مثل تلميع إيلا غير طارئة ولا غريبة عن الجنرالات في أية سلطة انقلابية عموماً، ولكن في أنظمة الانقلابات العسكرية العربية والأفريقية بصفة خاصة؛ فإنها، في الآن ذاته، يتوجب أن تنفع مجموعة المجلس المركزي في «قوى إعلان الحرية والتغيير»، والأطراف المدنية الموافقة على الاتفاق الإطاري مع العسكر، في تبصّر المخاطر المحتملة والكامنة طيّ أية مقايضة مع الجيش، ذاته الذي قاد انقلاباً قائماً وعواقبه الوخيمة تُقعد البلد اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
فالمنطق يصادق على، وتجارب الماضي القريب والبعيد أثبتت وتواصل إثبات، جشع الجنرالات إلى السلطة، والتسلط والهيمنة؛ وإذا لم تسعفهم المناورات والمساومات والصفقات، فإنّ خيار انقلاب جديد يظلّ قائماً وميسّراً ومغرياً… حتى إشعار آخر لا تلوح له نهاية.

 

 

تنويعات الديمقراطية:

ما تبقى من «سنة العجائب» 1989

 

صبحي حديدي

 

الـ«V-Dem»، أو «تنويعات الديمقراطية» في تسمية أخرى، معهد يزعم أنه مستقلّ وإنْ كان لا يخفي مصادر تمويل متعددة من منظمات حكومية والبنك الدولي ومؤسسات أبحاث مختلفة؛ أسسه في سنة 2014 الأكاديمي السويدي ستافان لندبرغ، ومقرّه في جامعة غوتنبرغ، السويد؛ وهو يصدر تقارير سنوية حول أحوال الديمقراطيات في العالم بأسره، ويعتمد في أشغاله على أبحاث ميدانية ومكتبية يتولاها نحو 3700 باحثة وباحث في أصقاع مختلفة، وتغطي 202 من بلدان المعمورة، وتشمل دراساتها نماذج ديمقراطية وأنساق حكم وسلطة شهدها التاريخ بين سنة 1789 وحتى اليوم، كما هي حال التقرير الأخير لسنة 2022.
وقد تكتنف عمل المعهد مظانّ كثيرة، متغايرة ومتنوّعة ومتقاطعة، إلا أنّ التقارير السنوية ليست بالغة الفائدة لجهة ما توفّره من أرقام ومؤشرات، فحسب؛ بل يبقى المعهد، حتى إشعار آخر وظهور نموذج أفضل، فريداً في اعتبارات شتى تبيح درجة غير ضئيلة من الاطمئنان إلى معطياته. وهكذا، طبقاً للتقرير الأحدث، تتصدّر لائحة النماذج 10 حكومات (من أصل 179 دولة)، هي السويد والدانمرك والنروج وكوستا ريكا ونيوزلندا وإستونيا وسويسرا وفنلندا وألمانيا وإرلندا؛ وأما في المراتب الدنيا فالدول العشر هي طاجكستان والسعودية والصين وتركمانستان وسوريا وبيلاروسيا واليمن وأفغانستان وكوريا الشمالية. جديرة بالملاحظة، أيضاً، أنّ ما يُصطلح على تسميتها «ديمقراطيات مستقرة»، غربية غالباً، تأتي في مراتب حمّالة دلائل عديدة: فرنسا، في المرتبة 16؛ بريطانيا، 19؛ إيطاليا، 20؛ كندا، 24؛ آيسلندا، 25؛ النمسا، 26؛ الولايات المتحدة، 29؛ اليونان، 36؛ دولة الاحتلال الإسرائيلي، 41؛ ورومانيا، 44…
المؤشرات الأخرى تقول إنّ سنة الأساس 2021 سجّلت رقماً قياسياً لعدد الأمم التي خضعت لأنظمة أوتوقراطية (والمصطلح هنا يُعتمد على سبيل التضاد مع الديمقراطية)، بالمقارنة مع 50 سنة خلت: 33 بلداً، تأوي 36٪ من سكان الأرض، نحو 2.8 مليار نسمة؛ والمؤشر الأبرز، في ظنّ هذه السطور، قد يكون حصّة الاتحاد الأوروبي من موجة الأوتوقراطية هذه، إذْ انحدرت إليها نسبة 20٪ من الدول الأعضاء. ولم يسجّل العالم هذا العدد القليل من عمليات الدمقرطة منذ العام 1978، فبلغ العدد في سنة الأساس 15 بلداً، تأوي 3٪ فقط من سكان الأرض. وتزايد قمع المجتمع المدني في 22 بلداً، وفَرْض الرقابة على وسائل الإعلام في 21 بلداً، وتوسّعت نزوعات العداء للتعددية الحزبية في 6 من البلدان الأكثر ميلاً إلى الأوتوقراطية (البرازيل، هنغاريا، الهند، بولندا، صربيا، وتركيا).
يتوقف التقرير أيضاً عند ظاهرة يطلق عليها تسمية «وباء الانقلابات»، إذْ شهدت سنة الأساس إجراءات انقلابية لتوطيد الأوتوقراطية في 40 بلداً، وخمسة انقلابات تحمل الصفة الصريحة في ارتفاع حادّ لهذا القرن بالقياس إلى معدّل 1.2 في القرن الماضي، أسفرت عن تأسيس أوتوقراطيات جديدة منغلقة في تشاد وغينيا ومالي ميانمار؛ وهذا «الوباء» انطوى أيضاً على أشكال مختلفة من تسميم الوعي، وتنظيم حملات تضليل الرأي العام المحلي والعالمي لصالح تجميل الانقلابات. ومستوى الديمقراطية الذي تمتع به المواطن الكوني، كما يصفه التقرير، خلال سنة الأساس هبط إلى مستويات 1989، وبالتالي فإنّ الـ30 سنة الأخيرة من مظاهر التقدّم الديمقراطي تتآكل اليوم؛ فينخفض عدد «الديمقراطيات الليبرالية» إلى 34 في سنة الأساس 2021، وهذا معدّل لم يسبق له مثيل منذ 26 سنة.

تحظى تقارير المعهد بقيمة تفاضلية وعملية عالية، لجهة المؤشرات والمعطيات وما هو ميداني منها بصفة خاصة؛ ولكنها في الآن ذاته لا تمنح رخصة تفويضية لتخليص الديمقراطية الليبرالية من آثام إغلاق الواقع حول ذهن واحد أحادي… لاديمقراطي، في الجوهر والمآل

ويعترف المعهد، ويبني تقاريره على أساس، أنّ مفهوم الديمقراطية تطوّر كثيراً منذ ولادة المصطلح لدى الإغريق، وأنه يستخلص تقديراته اتكاءً على ما يقارب 450 من الجوانب المختلفة التي تكتنف المفهوم وتنويعاته؛ لكنه، من دون تجاهل الأشكال الأخرى للتمثيل والانتخاب، يأنس إلى ما يسمّيه «مؤشر الديمقراطية الليبرالية»، الذي يجمع بين المؤسسات الانتخابية الأمّ، مع الجوانب الليبرالية الأخرى التي تضمّ الضوابط التنفيذية الناجمة عن التشريع والمحاكم العليا، إلى جانب سيادة القانون والحقوق الفردية. في ضوء ذلك، يصنّف المعهد أنظمة العالم في أربعة أنماط متمايزة: نمطان من الديمقراطية (الانتخابية والليبرالية)، ونمطان من الأوتوقراطية (الانتخابية والمغلقة). وكي يُعتبر ديمقراطياً في الحدود الدنيا، ضمن نمط الديمقراطية الانتخابية، فعلى البلد أن يلبّي مستويات عليا كافية من انتخابات حرّة ونزيهة واقتراع عامّ، وحرّية تعبير واجتماع؛ وبالتالي فإنّ تنظيم انتخابات لا يكفي في ذاته لحيازة الصفة الديمقراطية. ففي الأنظمة الأوتوقراطية الانتخابية، تتوفر مؤسسات مختصة بمحاكاة انتخابات لا ترقى إلى العتبة الدنيا للديمقراطية، بمعنى المصداقية والكيفية.
والحال أنّ في رأس المظانّ التي يمكن أن تجابه هذه المنظومة، وربما بعض الركائز الكبرى في منهجية المعهد، ما يقوله عدد غير قليل من كبار المفكّرين الغربيين الذين عكفوا على قراءة، أو بالأحرى إعادة قراءة، دروس عام أساس آخر؛ هو 1989، أو «سنة العجائب» كما شاء البعض توصيفها، لأنها شهدت سقوط جدار برلين وثورة تشيكوسلوفاكيا وإسقاط نظام شاوشيسكو في رومانيا، والتمهيد لانحلال الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي بأسره. بين هؤلاء المفكرين يبرز البريطاني جون غراي، صاحب سلسلة مؤلفات إشكالية وسجالية مثل «الفجر الزائف: ضلال رأسمالية العولمة»، و«يقظة الأنوار: السياسة والثقافة عند خاتمة العصر الحديث»، و«هرطقات: ضدّ التقدّم وأوهام أخرى»، و«روح مسرح الدمى: تحقيق موجز حول الحرّية الإنسانية»، فضلاً عن كتابه الأشهر ربما: «كلاب من قشّ: أفكار حول بني البشر وحيوانات أخرى».
وفي مقالة لامعة بعنوان «إغلاق الذهن الليبرالي»، ذات صلة بمظان» معهد الـ»
V-Dem»، يبدأ غراي من استعراض مشهد كوني عناصره أوروبا وحروب التبادل ودونالد ترامب وفلاديمير بوتين وأمواج اللجوء والصين وحصار حلب السورية…؛ لكي يبلغ خلاصة أولى تقول: «النظام الليبرالي الذي لاح أنه ينتشر عالمياً بعد نهاية الحرب الباردة، يتلاشى من الذاكرة». ورغم اتضاح هذا التلاشي، يوماً بعد آخر، فإنّ الليبراليين يجدون صعوبة في مواصلة العيش من دون «الإيمان بأنهم في الصفّ الذي يحلو لهم اعتباره الصواب في التاريخ»؛ وبالتالي فإنّ إحدى كبريات مشكلاتهم أنهم لا يستطيعون تخيّل المستقبل إلا إذا كان استمراراً للماضي القريب! وحين يختلف الليبراليون حول كيفية توزيع الثروة والفرص في السوق الحرّة، فالمدهش في المقابل أنّ أياً منهم لا يُسائل نمط السوق المعولَمة التي تطورت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وبعد الاستفاضة في مناقشة أزمة الليبرالية المعاصرة كما كانت يومذاك تتجلى في بريطانيا، عبر محورَيْ أزمة حزب العمال والتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ يردّ غراي السجال إلى جذور الفكر الليبرالي الحديث، في أنه نتاج متأخر من التوحيدية اليهودية والمسيحية: «من تقاليد هذَيْن الدينَيْن، وليس من أيّ شيء في الفلسفة الإغريقية، نبعت القِيَم الليبرالية حول التسامح والحرية. وإذا ساد اليقين بأنها قيم كونية، فذلك بسبب الاعتقاد بأنها فرائض إلهية. ومعظم الليبراليين علمانيون في النظرة العامة، لكنهم يواصلون الإيمان بأنّ قيمهم إنسانية وكونية». المعضلة، بعد هذا التوصيف، أنّ الذهن الليبرالي الحاضر عاجز عن الاشتغال إلا إذا أغلق الواقع، أو عرضه كبضاعة أحادية، في المتجر الليبرالي الوحيد!
وبهذا المعنى، في صيغة مظانّ طاعنة، تحظى تقارير المعهد بقيمة تفاضلية وعملية عالية، لجهة المؤشرات والمعطيات وما هو ميداني منها بصفة خاصة؛ ولكنها في الآن ذاته لا تمنح رخصة تفويضية لتخليص الديمقراطية الليبرالية من آثام إغلاق الواقع حول ذهن واحد أحادي… لاديمقراطي، في الجوهر والمآل.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

البكاء على أطلال )برافدا(

صبحي حديدي

 

زائر موقع النسخة الإنكليزية من صحيفة «برافدا» الروسية سوف يجد الموضوعات التالية على صفحة الاستهلال: «أوكرانيا حائرة بسبب قرار بوتين وقف إطلاق النار في عيد الميلاد»، و»زيلنسكي يذهب إلى واشنطن من أجل الجنسية الأمريكية، وحسابات المصارف، والأملاك في فلوريدا»، و»المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو مسألة أسابيع»، و»رجب أردوغان يريد من روسيا أن تجعل أوروبا معتمدة على تركيا»، و»عقيد أمريكي متقاعد: روسيا أقوى من بلدان الناتو مجتمعة»، و»تركيا أردوغان لن تربح الحرب في سوريا، وأمريكا ستفشل أيضاً»… فإذا ذهب المرء إلى صفحات الرأي، فسيجد الموضوعات التالية: «إعادة تعريف أوكرانيا: المعنى الحقيقي لمبدأ السلاح من أجل السلام»، و»حكم الغباء: شكل من الديمقراطية الغربية الحديثة»، و»أعمال الشغب الإيرانية: الذهاب وراء حجاب الدعاية الغربية»، و»كان الغرب يحاول التهام سوريا، لكنه كسر أسنانه»…

هذه، كما يقتضي إيضاح ضروري لا يحتمل التأجيل، ليست «برافدا» الأخرى الناطقة بالروسية، والتي يمتلكها الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي، ولكن كلا الأختَين سبّاقة إلى سوية مماثلة من حيث نهج التحرير وخطوط الولاء لسياسات الكرملين؛ على صعيد مختلف المغامرات العسكرية الخارجية، في جورجيا والقرم وسوريا وليبيا، قبل اجتياح أوكرانيا. والتاريخ الموجز للصحيفة الأمّ يشير إلى أنها كانت ناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفييتي، وتوزّع ملايين النسخ يومياً؛ وعند انحلال الاتحاد السوفييتي، باعها الرئيس الروسي الأسبق يلتسين بوريس يلتسين إلى مجموعة استثمارية يونانية، وهذه أصدرت الطبعة الدولية اعتباراً من عام 1996. في السنة ذاتها، بسبب إصرار الحزب الشيوعي الروسي على إصدار «برافدا» من جانبه، انتهى القضاء الروسي إلى منح الترخيص للجهتَين باستخدام الاسم ذاته.
هل هذه هي «برافدا»، أو ما تبقى من تراثها أياً كانت معادلات التوازن بين الباقي والمندثر؟ كلا، بالطبع، إذْ من العبث أن يبحث المرء في النسختين، الروسية والدولية، عن رسوبات تتواصل من أيام زمان، ليس لأنّ العالم تبدّل في روسيا، وحيثما توزّع هذه الـ «برافدا» الجديدة، فحسب؛ بل لأنّ المعارك المالية والقانونية الشرسة التي توجّب أن تُخاض من أجل بقاء الصحيفة واستمرار الاسم ذاته اقتضت مثل هذه الخيارات في التحرير، وفي الخبر والرأي والتغطية. ومن الإنصاف القول إنّ قلّة قليلة فقط من الروس، أهل الحنين إلى الماضي والبكاء على الأطلال، هم وحدهم الذين يعيبون على هذه الـ»برافدا» أنها، أو أختها التي تحمل الاسم ذاته، لم تعد تمثّل تلك الصفحات الماضية من تاريخ الصحيفة.
المرء، من جانب آخر، لا ينصف هؤلاء أنفسهم إذا لم يتفهم الأسباب العميقة، الوجدانية والتاريخية والعقائدية، التي تدفعهم إلى مقدار هائل من مشاعر النوستالجيا كلما قلّبوا صفحات الجريدة الراهنة، فلم يجدوا فيها ما هو أشدّ جاذبية للقرّاء من طرائف العقيد الأمريكي المتقاعد أو حكاية أسنان الغرب التي تكسرت خلال محاولة التهام سوريا. ذلك لأنّ «برافدا» التاريخية، تلك التي انطلقت سنة 1912 قبل أن تصبح في سنة 1918 ناطقة باسم حزب البلاشفة والثورة الروسية، لم تكن محض مطبوعة سياسية؛ بل كانت أشبه بسجلّ وأرشيف وخزّان ذاكرة، سيّما عند أولئك الذين ما تزال حميّة الماضي تغلي في عروقهم.
ولعلّ الصحيفة عرفت من المصائر المتقلبة مقداراً يكاد يفوق ما عرفه الحزب الشيوعي السوفييتي ذاته، وحين أخذت أرقام توزيعها تتجاوز 11 مليون نسخة يومياً، كانت مصداقية الصحيفة تهبط إلى الحضيض في يقين الرأي العام، وكانت تحكمها علاقة تناسب معاكسة: كلما طبعت المزيد من النسخ، ازدادت الهوة بينها وبين الشارع. والمرء هنا يتذكر أنّ الإعلام الرسمي السوفييتي توزّع على صحيفتين أساسيتين: «البرافدا» (أي: الحقيقة) و»الإزفستيا» (أي: الخبر)؛ ولكنّ النكتة الشعبية، الذكية والصائبة تماماً، تولّت تثمين المطبوعتين هكذا: في «برافدا» لا يوجد «إزفستيا»، وفي «إزفستيا» لا توجد «برافدا». والترجمة: جريدة الحقيقة لا تنطوي على الخبر، وجريدة الخبر لا حقيقة فيها!
يبقى أنّ حكاية «برافدا» الراهنة تتجاوز البكاء على أطلال «برافدا» الأولى الأصلية، أو الأحرى أن تدور دروسها حول علاقة الصحافة ذات النسخ المليونية بالشارع المستقبِل الذي لا يُعدّ بالملايين أيضاً فقط، بل تظلّ صناعة الرأي في صفوفه مسألة بالغة التعقيد، سياساً واجتماعياً وإعلامياً وثقافياً. ولم يكن غريباً، في ضوء مقاربة كهذه، أن يُصدر الصحافي الأمريكي الانشقاقي جيمس أوكيف، في سنة 2018، كتاباً مدويّ التأثير بعنوان «برافدا أمريكية: معركتي من أجل الحقيقة في عصر الأخبار الزائفة»؛ فضح على امتداد فصوله عشرات النماذج لإعلام أمريكي مليونيّ الجمهور وكونيّ الانتشار، مرئيّ ومقروء وإلكتروني، يكذب ويلفّق ويختلق طبقاً لطرائق تجعل سُنن «برافدا» و»إرفستيا» العتيقة أشبه بألاعيب أطفال.
وكما يبدو لافتاً أنّ موضوعات موقع «برافدا» الدولية تستخفّ تماماً بعقول زائر الموقع، الروسي والدولي في واقع الأمر، فإنّ موضوعات وسائل إعلام أمريكية عملاقة لا تتورّع عن ممارسة الاستخفاف ذاته، أو أشدّ منه وأكثر مكراً وحذقاً؛ وفي الحالتَين، وسواهما كثير في طول العالم وعرضه أياً كانت طبائع الأنظمة الحاكمة، ينقلب البكاء على الأطلال إلى سيرورة إدراك لاستغفال الذات، وبعض الإمعان فيها… مع ذلك!

 

 

أمريكا الحزب الجمهوري:

استعصاء (أسلحة الإيهام الشامل)

صبحي حديدي

 

حتى ساعة كتابة هذه السطور، كان النائب الجمهوري كيفن مكارثي قد فشل في حيازة الـ218 صوتاً التي تكفل له رئاسة مجلس النواب الأمريكي، وذلك بعد ستّ جولات متعاقبة من تصويت أظهر تمترس 20 من زملائه النوّاب الجمهوريين؛ «العصاة» كما باتت تسميتهم الشائعة في الإعلام الأمريكي، الصقور بالأحرى ممّن يريدون رئيساً أكثر تشدداً في مواجهة الحزب الديمقراطي والرئيس جو بايدن، وليس البتة أكثر صوناً للقِيَم المحافظة التي يتوافق عليها الحزب الجمهوري وأنصاره. وحتى تتعالى سحابة دخان أبيض من مداخن الكابيتول دلالة على انتخاب مكارثي او سواه (مجازاً بالطبع، ومع الاعتذار من تقاليد الفاتيكان)؛ ثمة مقادير أخرى من مظاهر انحدار هذا الحزب، خاصة وأنّ مهندس الانحطاط الحالي الأبرز، الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لم يهضم هو نفسه هذا الفشل في انتخاب رئيس للمجلس، في استعادة لسابقة لم تتكرر منذ 100 سنة.
بين مظاهر الانحطاط الأخرى حكاية النائب الجمهوري جورج سانتوس، الذي فاز خلال انتخابات الكونغرس التكميلية الأخيرة عن لوغ آيلاند، والذي حشد في سيرته الرسمية سلسلة من الأكاذيب المريعة: عن أماكن عمل في مؤسسات مرموقة، لم يسبق له أن اشتغل فيها؛ عن كليات زعم الدراسة فيها، منتحلاً المعلومة؛ وعن والدته، التي تفاخر بأنها قُتلت في مكتبها في البرج الجنوبي يوم 11/9، واتضح أنها توفيت بمرض السرطان على فراشها… صحيح أنّ نوّاباً آخرين عن الحزب الجمهوري كذبوا في سيرهم الرسمية، على شاكلة هيرشل ووكر المرشح (الفاشل) لمجلس الشيوخ عن جورجيا، الذي اتضح أنه متهم بالعنف المنزلي، وإجبار عشيقاته على الإجهاض، وتلفيق عناوين منزلية غير صحيحة، والتخلي عن أطفال غير شرعيين، وتزييف شهادات أكاديمية لم يحصل عليها. لكنّ مصيبة سانتوس، التي ذهب فيها أبعد من جميع أسلافه الكاذبين، أنه زعم محتداً يهودياً من أمّه؛ واضطرّ فيما بعد (حين فضحت صحيفة «نيويورك تايمز» سلسلة الأكاذيب) إلى الإقرار بأنه كان ويظلّ كاثوليكياً.

خيط طريف في حكاية سانتوس أنّ القضاء الأمريكي وقف حائراً بضعة أيام بعد افتضاح التفاصيل، قبل أن يضطر الادعاء في مقاطعة ناسو إلى التصريح بأنّ من حقّ ناخبي سانتوس أن يكون لديهم في الكونغرس «ممثّل شريف وخاضع للمحاسبة»، ولا أحد «فوق القانون، وإذا ارتُكبت جناية في هذه المقاطعة فلسوف نحقق فيها». ومع ذلك فإنّ التصريح شيء، وإخضاع نائب منتخب للمحاسبة القضائية شيء آخر مختلف، إنْ لم يكن بسبب تعقيدات قانونية أقرب إلى متاهة كافكاوية في هذا المضمار، فعلى الأقلّ لأنّ الجمهوريين في الكونغرس غارقون في هرج ومرج بصدد انتخاب رئيس لأغلبيتهم، أوّلاً؛ ثمّ ثانياً لأنّ سانتوس يدين في انتخابه بالكثير إلى مساندة مكارثي، إياه، الذي يتمرد عليه 20 من غلاة الجمهوريين. وأمّا في الخلفية الأبعد، والأعمق أيضاً، فإنّ قسطاً غير ضئيل من مظاهر الانحطاط سالفة الذكر لا تقتصر على الحزب الجمهوري، بل تشمل نظيره وخصمه الحزب الديمقراطي؛ وفي مسلسل أكاذيب السِيَر ليس المرء مضطراً للذهاب خارج البيت الأبيض الراهن، إذْ أنّ جو بايدن نفسه يتصدر لوائح التزييف والكذب.
وقد لا تكون مصادفة، أو هي واقعة خالية من دلالات تزامنية شتى عميقة الغور، أنّ فشل الجولة السادسة لانتخاب مكارثي رئيساً جمهورياً لمجلس النواب يأتي على أعتاب الذكرى الثانية لاقتحام مبنى الكابيتول، يوم 6 كانون الثاني (يناير) 2021؛ حين لاح أنّ الترامبية إنما تبلغ ذروة الهستيريا الجَمْعية، البيضاء، الانعزالية، العنصرية، المتشددة دينياً والمغالية في الولاء ليمين محافظ متعصب؛ وأنّ الأمريكي السبعيني الذي اهتاج وانتشى وهو يدوس رموز ديمقراطية آبائه وأجداده، كان يكمل سعار الأمريكي العشريني أو الثلاثيني الذي لم يعد يحفظ من «الحلم الأمريكي» إلا أقنعة الكواسر. ذلك لأنّ 12 من النوّاب الـ20 «العصاة» اليوم، كانوا ساعة اقتحام الكابيتول من المصفّقين ضمناً لأنهم أصلاً رفضوا نتيجة الانتخابات الرئاسية واعتبروا أنّ ترامب وليس بايدن هو الفائز، وهو رئيسهم الشرعي؛ و19 منهم أعضاء في «تجمّع الحرّية»، الذي أسسه عدد من نوّاب الحزب الجمهوري سنة 2015 ويُعدّ الأشدّ يمينية وتشدداً في تاريخ محلس النوّاب.
فهل يصحّ القول، بصدد حاضر الحزب الجمهوري قياساً على ماضيه القريب: ما أبعد اليوم عن البارحة؟ ليس تماماً، أو بالأحرى ليس ضمن أيّ معدّلات مقارنة تضع على المحكّ معايير السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإيديولوجي؛ ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق الحقائق الأبعد والأعمق في طبائع المنظومة الحزبية الأمريكية، عند الجمهوريين مثل الديمقراطيين، وبدرجات عالية من التبادل والتكافل. ففي مثل هذه الأيام، ولكن قبل 27 سنة، وقع اختيار أسبوعية «تايم» الأمريكية على البروفيسور نيوتن ليروي ماكفرسن (غنغرش) ليكون رجل العام؛ لأنه يومها كان أبرز وجوه الحزب الجمهوري، رئيساً للكونغرس، وصانع ضجيج منتظم يكفي لإبقائه في سدّة الحدث اليومي وعلى خشبة المسرح الأكثر اجتذاباً للأنظار. إلى هذا وذاك، كان غنغرش أحد أبطال «العقد مع أمريكا»، أو ذلك البيان الانتخابي الذي تبارى على توقيعه مرشحو الحزب الجمهوري في انتخابات تلك السنة، كمَنْ يتناوب على شعائر الإخصاب وإحياء الأرض الموات. وإلى جانب السياسة والكونغرس، كان غنغرش أستاذ التاريخ الحديث، والروائي المولع بقصص الخيال العلمي ـ التاريخي، وأطول المحافظين الجدد لساناً في كلّ ما يتصل بالأخلاق والقيم والأعراف.
وأمّا العنصر الأهمّ وراء صعود نجمه فقد كان احتفاؤه المفرط، إلى درجة الهوس، بثوابت القيم الأمريكية، والموقع الاستثنائي لتلك القيم في السلّم الأخلاقي للإنسانية؛ بحيث أنه أعطى التكنولوجيا المعاصرة فرصة إشاعة وترسيخ وإحياء القيم القديمة، قبل تجديدها كرموز سارية المفعول في الوجدان والانضباط العام. والتاريخ، في ذلك كله، ملزَم بتعليمنا الدروس ذاتها التي تعلّمها بنيامين فرانكلين وألكسيس دو توكفيل، كما ساجل مراراً؛ والجمهوريون مطالبون بتكرار صرخة باتريك هنري (المحامي والمزارع والحاكم الأمريكي ابن القرن الثامن عشر): «أعطني الحرّية، أو فاعطني المنيّة»! وعنده أنّ خمسة أسباب تستوجب دراسة التاريخ الأمريكي: التاريخ ذاكرة جمعية، والتاريخ الأمريكي هو تاريخ الحضارة الأمريكية في الآن ذاته، وذلك كله ينطوي على امتياز استثنائي تنفرد به أمريكا عن التاريخ الإنساني العام، والتاريخ مصدر يعلّمنا بقدر ما يسمح لنا باستخدامه، والتجربة التاريخية تساعدنا في استخراج طرائق جديدة لحل المشكلات الراهنة.
غير أنّ غنغرش وقّع كتاباً بعنوان «إعادة اكتشاف الله في أمريكا»، وانقلب ذاتياً إلى سوط مسلط على رؤوس «خونة» ترامب في صفوف الجمهوريين؛ ولهذا فللمرء حقّ مشروع في تلمّس ظلّه خلف «عصاة» هذه الأيام، ومقدار الارتباط بين صعود ترامب، وانحطاط الحزب، وشيوع الأكاذيب وانتشارها كالنار في الهشيم. والغالبية من رفاقه، منظّري عقائد الحزب الجمهوري الحديث بصفة خاصة، الذين اختار لهم المؤرخ الأمريكي روبرت درابر صفة باعة «أسلحة الإيهام الشامل»، انقلبوا ذاتياً بدورهم إلى سماسرة تبعثرت وظائفهم بين خدمة ترامب والخنوع لاشتراطاته من جهة؛ واضطراب عاصف يضرب جهاز الحزب ونوّابه وأنصاره، في قلب الكونغرس، من جهة ثانية. هي حال استعصاء بالطبع، لكنّ ما يستعصي في بواطنها ليس أعراض اعتلال عضوي يتفشى في الحزب الجمهوري وحده، بل هي سيرورات تتكاثر وتتنامى وتتفاقم في الحزب الديمقراطي أيضاً، أقلّ ربما ولكن على قدم المساواة في ظواهر عديدة.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

حصاد سوريا 2022:

مشاقّ وارتهان وعربدة إسرائيلية

صبحي حديدي

 

أكثر من واجب واحد، أخلاقي أولاً لكنه أيضاً يخصّ السياسة والاجتماع الإنساني، يقتضي بدء حصاد سوريا للعام 2022 من تقارير منظمة «الدفاع المدني السوري»، أو «الخوذ البيضاء» في التسمية الأخرى: استشهاد 165 شخصاً، بينهم 55 طفلاً و14 امرأة، جراء أكثر من 800 هجوم على شمال غربي سوريا، شنته قوات النظام السوري والقاذفات الروسية ومفارز «الحرس الثوري» الإيراني و»حزب الله» والميليشيات العراقية والمذهبية الأخرى الموالية لطهران. وتنوعت الضربات بين 63 غارة جوية جميعها روسية، وأكثر من 550 هجوماً بالقذائف المدفعية، و54 هجوماً صاروخياً بينها 3 هجمات بصواريخ أرض ـ أرض محملةً بقنابل عنقودية، إضافة إلى 28 هجوماً بالصواريخ الموجهة؛ وحسب المنظمة، فقد تركزت الهجمات بشكل خاصّ على المراكز الحيوية والمنشآت المدنية ومقومات الأمن الغذائي. ارتُكبت، إلى هذا، 9 مجازر في أنحاء مختلفة من سوريا، راح ضحيتها 73 شخصاً بينهم 29 طفلاً و8 نساء، وأُصيب 174 آخرون؛ وهنا أيضاً تقصد النظام وحلفاؤه استهداف الأسواق الشعبية والمخابز والمباني العامة وبعض المشافي والمستوصفات، ومخيمات اللجوء.
الأشدّ قبحاً وبشاعة وانحطاطاً في الغالبية العظمى من هذه الهجمات أنها، على صعيد النظام، تسعى إلى شحن ما تبقى من قوّات تابعة لجيشه ببعض أسباب الوجود كوحدات عسكرية، فضلاً عن شحن النفوس التائهة المريضة بمزيد من الأحقاد الانتقامية والمناطقية التي لا يغيب عنها عنصر الشحن الطائفي. على الصعيد الروسي، ثمة استمرار لنهج وضع الأسلحة الروسية الفتاكة في حال من التجريب الميداني المفتوح، خاصة تلك الأصناف التي تستحدثها مصانع الجيش الروسي ولا تجد الساحات الملائمة لاختبارها، سواء في ميادين التدريب الروسية أو في جبهات أوكرانيا المختلفة. ولم يكن استثناء أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طالب جنوده، خلال اجتماع مع القيادات العسكرية الروسية، بأن يطبقوا في أوكرانيا ما تعلموه في سوريا. إيران والميليشيات تستأنف الخيارات ذاتها التي اعتمدتها منذ دخولها طرفاً مباشراً في القتال إلى جانب النظام السوري، وإلى جانب التوسع وإنشاء القواعد العسكرية الميدانية، لا يوفّر أتباع طهران جهداً في تفكيك ما تبقى من تماسك مجتمعي في قرى سوريا وأريافها بصفة خاصة، والسعي إلى التبشير والتشييع والتطويع.
طراز آخر من الهجمات وعمليات القصف تعرضت وتتعرّض له مناطق مختلفة في سوريا، تمثله هذه المرّة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أهداف إيرانية مباشرة أو تابعة لميليشيات موالية لطهران؛ وبات من المعتاد أن تُنفّذ ضمن سياقَين من الصمت المشترك، سواء من جانب الرادارات الروسية، حتى حين تقترب الضربات من الساحل السوري والقواعد الروسية في مطار حميميم وميناء طرطوس؛ أو من جانب الصواريخ والمسيرات الإيرانية، المنتشرة داخل سوريا أو في عهدة «حزب الله». في أواخر كانون الثاني (يناير) أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على محيط العاصمة دمشق، وفي مطلع شباط (فبراير) أغار على مواقع في محيط دمشق وضرب بصواريخ أرض – أرض أهدافاً في الجزء السوري من الجولان المحتل، وبعد أيام قليلة خلال الشهر ذاته قصفت دولة الاحتلال نقاطاً في تخوم مدينة القنيطرة، وفي مطلع آذار (مارس) استهدفت محيط مدينة دمشق مجدداً، وفي 14 و27 نيسان (أبريل) تكررت الضربات قرب العاصمة وفي عمق الجولان.

بين رحيل قَتَلة أمثال علي حيدر وذو الهمة شاليش، ومهازل عودة مجرم الحرب الأشنع رفعت الأسد إلى «حضن الوطن»، ومساخر فيديوهات تمساح الفساد رامي مخلوف؛ حملت سنة 2022 الكثير من العلامات الفارقة على اختتام آل الأسد 52 سنة من الاستبداد والفساد والإجرام والتبعية.

وفي أواسط أيار (مايو) وأواخره كان القصف نصيب القنيطرة ومحيط مصياف في محافظة حماه، وفي 10 حزيران (يونيو) خرج مطار دمشق عن الخدمة نتيجة القصف الإسرائيلي للمهابط والصالة الثانية، وفي أواسط آب (أغسطس) وأواخره استهدفت الصواريخ الإسرائيلية ريف دمشق ونقاطاً في ريف محافظتَيْ حماه طرطوس، وفي مطلع أيلول (سبتمبر) وأواسطه التحق مطار حلب بمطار دمشق فخرج من الخدمة بعد القصف الإسرائيلي لمهابطه، وفي أواخر تشرين الأول (أكتوبر) قُتل 21 عنصراً من الفرقة الرابعة في قصف استهدف حافلة في منطقة الصبورة قرب دمشق، وبتاريخ 25 من الشهر ذاته نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مصادر عسكرية إسرائيلية أنّ دولة الاحتلال دمرت 90% من البنية العسكرية الإيرانية في سوريا. وهذه ليست حصيلة إحصائية تامة، بل هي غيض من فيض ما وقع على الأراضي السورية من اعتداءات إسرائيلية، لعلّ أكثر ما يلفت الانتباه فيها أنها غالباً لم تستهدف جيش النظام مباشرة، أو الوحدات العسكرية المقرّبة من روسيا على شاكلة كتائب سهيل الحسن (النمر) مثلاً، بل اقتصرت على أهداف تابعة لإيران وميليشياتها.
من جانب آخر، اجتماعي – اقتصادي هذه المرّة، إذا كان ارتهان النظام إلى إيران وروسيا قد أعاد بعض المناطق إلى سيطرته، حتى بالمعنى الإسمي؛ فإنّ ذلك الارتهان عجز، ويواصل العجز، عن انتشال النظام من مشكلات اقتصادية بنيوية، ومن مشاقّ هائلة غير مسبوقة يعاني منها المواطن السوري على صعيد غلاء الأسعار، وندرة الموادّ الأساسية أو رفع الدعم عنها، وانحطاط الخدمات العامة على أصعدة الصحة والماء والكهرباء… ولعلّ المؤشر الأوضح جاء في ختام السنة 2022 حين هبط سعر صرف العملة الوطنية إلى 7000 مقابل الدولار الواحد، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ الانهيارات المتعاقبة التي شهدتها الليرة السورية في أسواق العملات. مؤشر آخر هو أنّ معدلات توفير الكهرباء بلغت في بعض المناطق درجة ربع ساعة يتيمة مقابل 10 ساعات انقطاع، هذا عدا حقائق انعدام أصناف الوقود اللازمة لتشغيل المولدات؛ وباعتراف رئيس وزراء النظام، فإنّ سوريا بحاجة إلى 200 ألف برميل من النفط يومياً، بينما إنتاجها لا يتجاوز 20 ألف برميل. وكان النظام يعتمد على توريدات نفطية تؤمنها صهاريج «الحشد الشعبي» تهريباً من العراق، لكنّ عجز النظام عن سداد قيمة المهربات بالعملة الصعبة جعل الميليشيات الحليفة تتوقف عن التوريد، وكانت حال مشابهة قد اكتنفت صادرات إيران من مشتقات النفط إلى النظام.
وفي غمرة مشاقّ طاحنة تخنق حياة السوريين اليومية، وإمعان النظام أكثر فأكثر في الارتهان إلى رعاته الإيرانيين والروس، وعربدة الطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء سوريا طولاً وعرضاً؛ أفلح رأس النظام بشار الأسد في «إنجاز» خطوتَين خارج عنق الزجاجة، تولت أجهزته الإعلامية التهليل لها، متعامية تماماً عما اكتنف الخطوتين من ملابسات فاضحة تضيف الإهانة إلى جراح السوريين. ففي مطلع أيار (مايو) قام الأسد بزيارة خاطفة إلى طهران التقى خلالها المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس إبراهيم رئيسي، وكانت الثانية بعد زيارة أولى في خريف 2019 (أسفرت، يومذاك، عن استقالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بسبب عدم علمه بالزيارة)؛ من دون الإعلان مسبقاً، ومن دون رفع علم النظام لدى استقبال الأسد، وغمز خامنئي من قناة «بعض قادة الدول المجاورة لإيران وسوريا» الذين «يجلسون مع قادة إسرائيل». وليس أدلّ على هزال هذه الزيارة من حقيقة أنّ خامنئي كان يقصد دولة الإمارات التي طبّعت مع الاحتلال الإسرائيلي، ولكن تلك التي كانت «إنجاز» الأسد الثاني؛ لأنّ محمد بن زايد استقبل الأخير في أبو ظبي، لأغراض شتى قد يكون تعكير ارتهان الأسد لإيران في طليعتها!
وبين رحيل قَتَلة أمثال علي حيدر (قائد الوحدات الخاصة الأسبق)، وذو الهمة شاليش (المرافق الشخصي للأسدَين الأب والابن وأحد ضباع الفساد)، ومهازل عودة مجرم الحرب الأشنع رفعت الأسد إلى «حضن الوطن»، ومساخر فيديوهات تمساح الفساد رامي مخلوف؛ حملت سنة 2022 الكثير من العلامات الفارقة على اختتام آل الأسد 52 سنة من الاستبداد والفساد والإجرام والتبعية.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

الجولان وآل الأسد:

موئل المقاومة ومآل الاستبداد

صبحي حديدي

 

سجلت سنة 2022 الذكرى الـ40 للحدث الوطني والسياسي الفارق الأكثر مغزى في التاريخ الحديث للجولان السوري، خلال العقود التي أعقبت وقوعه تحت الاحتلال الإسرائيلي، سواء في سنة 1967 أو 1973؛ أي الإضراب الواسع الكبير الذي تداعى إليه المواطنون السوريون في الغالبية الساحقة من بلدات وقرى هضبة الجولان، والذي انطلق يوم 14/2/1982، وتواصل حتى 19/7 من ذلك العام، ويُعتبر الأطول ليس في حوليات الهضبة وحدها بل على امتداد تاريخ سوريا الحديث. وفي جوانب عديدة، حمالة دلالات استثنائية، كان الإضراب بمثابة حركة الاحتجاج الأوسع نطاقاً، والأرقى تنظيماً، والأرفع التزاماً، ضد قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي المؤرخ في 14/12/1981 القاضي بضم الجولان، والذي صادق عليه الكنيست لاحقاً.
وإذا كانت عشرات التفاصيل التي اقترنت بمسارات ذلك الإضراب مدعاة اعتزاز أهل الجولان، وحرصهم على استذكارها وتناقلها وتعميمها على الأجيال الشابة؛ فإن الفخار المشروع ظل يقترن بغصة كبرى، مفهومة تماماً، أو لعلها أحياناً تذهب إلى ما هو أبعد من مشاعر السخط والغضب، إزاء التخاذل الذي طبع ردود أفعال النظام السوري تجاه خطوة رأى حافظ الأسد أنها ترقى إلى مستوى إعلان الحرب، فلم يكتفِ بإبقاء خطوط الجبهة كافة في الحال المعتادة من صمت القبور، بل أشغل أجهزة النظام الأمنية ومعظم وحداته العسكرية الخاصة الموالية في تنفيذ المجازر الداخلية، ضد مدن وبلدات وقرى سوريا طولاً وعرضاً!
وليس من الإنصاف، كلما ذُكرت هذه المفارقة بين إضراب السوريين في الجولان المحتل وخضوع سوريين آخرين في الداخل لوحشية النظام، ألا تُساق الوقائع أو تلك الأشد دموية في عدادها: حين بدأ إضراب الجولان المحتل، كانت 12 يوماً قد انقضت على شروع النظام السوري في تنفيذ مجزرة حماة (30 إلى 40 ألف قتيل)؛ وقبل، ثم بعد، قرار الاحتلال الإسرائيلي بضم الجولان كان النظام قد ارتكب سلسلة مجازر أخرى (جبل الزاوية، 13ـ15/5/1980: 14 ضحية؛ سرمدا، 25/7/1980: 11 ضحية؛ سوق الأحد، حلب، 13/7/1980: 43 ضحية؛ ساحة العباسيين، دمشق، 18/8/1980: 60 ضحية؛ حي المشارقة، حلب، 11/8/1980، صبيحة عيد الفطر: 100 ضحية…). وإلى جانب هذه المجازر التي شهدتها التجمعات السكانية المختلفة، كانت السجون السورية تشهد تصفيات جماعية مباشرة (مجزرة سجن تدمر، 27/6/1980: 500 ضحية على الأقل)، أو مئات الوفيات جراء التعذيب. وأما ذروة التضاد المرير، في ناظر أهل الجولان وأهل سوريا على حد سواء، فقد تجسدت في مقادير اللاتناسب بين ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلية خلال مساعي كسر الإضراب، وسلوك أجهزة النظام السوري في حصار المدن وقصفها وارتكاب الفظائع هنا وهناك.

ثمة تلك الغصة القديمة عند السوريين في الداخل، إذ لا يملكون سوى التضامن مع أشقائهم في الجولان، فضلاً عن المقارنة بين استبداد فاشية محلية سورية، وأخرى محتلة إسرائيلية؛ وعند الجولانيين، إذْ يواصلون الانتماء إلى وطن ينزف على يد الطغاة، ولكنه موئل أول، ومآل أخير

ولقد توفر إجماع لدى مراقبي تلك الحقبة، سانده المنطق السليم البسيط، بأن مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك؛ وأرييل شارون، وزير الدفاع الصقر؛ ويوسف بورغ، وزير الداخلية الممثل للأحزاب الدينية المتشددة؛ وجدوا أن الفرصة سانحة لضم الهضبة المحتلة، في هذا التوقيت تحديداً. ولم يكن السبب أنهم استغلوا انشغال جيش النظام بمعاركه ضد الشعب السوري، إذ كانت الحكومة الإسرائيلية واثقة تماماً أن الأسد الأب لن يحرك ساكناً في كل حال؛ بل لأن ضم الجولان آنذاك كان سيمر من دون حرج دبلوماسي دولي ملموس، ومن دون تعاطف صريح مع نظام يرتكب المجازر بحق أبناء سوريا وينشغل بالحفاظ على سلطة الاستبداد والفساد أكثر بكثير من أي اكتراث بخسران أرض محتلة هو عاجز أصلاً عن تحريرها، لا بالحرب ولا بالسلام. ونعرف اليوم، من المعطيات التي رُفعت عنها درجات مختلفة من السرية، أن المشاحنة بين «الليكود» و«حزب العمل» لم تتركز على ضم الجولان، فكلاهما اتفق على الخطوة، وإنما على توقيت مع المجازر داخل سوريا رأى فيه «العمل» ضربة بارعة من جانب بيغن وبورغ!
قبل قرار الضم كانت دولة الاحتلال قد عدلت قانون الجنسية الإسرائيلية، وجرى تخويل وزير الداخلية بمنح الجنسية تحت شروط متنوعة طُبق بعضها على أهل الجولان بموجب توصيف غامض فضفاض يشير إلى اعتبار الجنسية «مصلحة خاصة للدولة»؛ الأمر الذي اقترن، سريعاً، بإجراءات إسرائيلية تضغط على سكان الجولان لقبول الجنسية، مع إشاعة أن 400 شخص قبلوا بها (اتضح أن 300 من هؤلاء يحملون الجنسية الإسرائيلية أصلاً لأنهم من دروز مناطق 1948 وهاجروا إلى الجولان لأسباب عائلية أو معيشية). الخطوة الجولانية الرديفة، الوطنية بامتياز وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول أدوار رجال الدين في تنظيمها أو في تسخيرها أو تجييرها، كانت تحويل «الخلوة» الدينية الشهيرة، خاصة حين تنعقد في مجدل شمس، إلى ما يشبه مجلساً وطنياً للتداول حول شؤون الجولان المحتل واتخاذ القرارات والتوصيات بشأن حاضره ومستقبله.
ولعل واحدة من أنصع وثائق تلك الممارسة كانت «الوثيقة الوطنية»، أواخر آذار (مارس) 1981، التي نصت في البند 6 على أن «الأشخاص الرافضين للاحتلال من خلال مواقفهم الملموسة والذين هم من كل قطاعاتنا الاجتماعية، هم الجديرون والمؤهلون للإفصاح عما يختلج في ضمائر ونفوس أبناء مجتمعهم»؛ وفي البند 7: «كل مواطن من هضبة الجولان السورية المحتلة تسول له نفسه استبدال جنسيته بالجنسية الإسرائيلية، يسيء إلى كرامتنا العامة وإلى شرفنا الوطني وإلى انتمائنا القومي وديننا وتقاليدنا ويعتبر خائناً لبلادنا»؛ كما ذهب البند 8 إلى إجراءات ردع قصوى: «قرارنا لا رجعة فيه، وهو كل من يتجنس بالجنسية الإسرائيلية، أو يخرج عن مضمون هذه الوثيقة، يكون منبوذاً ومطروداً من ديننا، ومن نسيجنا الاجتماعي، ويُحرم التعامل معه، أو مشاركته أفراحه وأتراحه، أو التزاوج معه، إلى أن يقر بذنبه ويرجع عن خطئه، ويطلب السماح من مجتمعه ويستعيد اعتباره وجنسيته الحقيقية».
ولم تكن مصادفة عمياء أن الذكرى الثلاثين لإضراب الجولان المحتل ترافقت مع قصف وحشي تعرضت له أحياء حمص، فاستُخدمت ضد أبنائها أسلحة مدمرة تحاكي، أو تفوق أحياناً، تلك التي استخدمها الإسرائيليون ضد رام الله وغزة وقانا وبيروت… حتى إذا كان بلد المنشأ مختلفاً، بين أمريكا وروسيا. قرائن المنطق خلف المصادفتَين كانت تشير إلى أن ذلك النظام الذي دك مدينة حماة سنة 1982، عام الإضراب الجولاني المجيد؛ هو ذاته النظام الذي دك حمص، في الذكرى الثلاثين للإضراب؛ بل لعله أشد همجية أيضاً: بين الأسد الأب، الذي كان يقاتل لاجتثاث مجموعات مسلحة محدودة العدد والعدة، بغية تأديب المجتمع بأسره؛ والأسد الوريث، الذي يقاتل الغالبية الساحقة من الشعب الأعزل، بما ملك نظامه من آلة بطش أمنية وعسكرية ومالية، وبما يستعين من قاذفات روسية ومقاتلي «الحرس الثوري» الإيراني وميليشيات «حزب الله» والمفارز الأخرى المذهبية.
وبين 40 سنة على الإضراب الجولاني الكبير المشرف، وإصرار الغالبية العظمى من أبنائه على المقاومة ورفض الضم والتشبث بالهوية الوطنية؛ و52 سنة على نظام الاستبداد والفساد والتوريث الذي أقامه آل الأسد، وينتهي اليوم إلى تدمير سوريا شعباً وعمراناً وتسليمها إلى خمسة احتلالات وتشريد الملايين من أبنائها في أربع رياح الأرض؛ ثمة تلك الغصة القديمة المتأصلة: عند السوريين، في الداخل، إذ لا يملكون سوى التضامن مع أشقائهم في الجولان، فضلاً عن المقارنة بين استبداد فاشية محلية سورية، وأخرى محتلة إسرائيلية؛ وعند الجولانيين، إذ يواصلون الانتماء إلى وطن ينزف على يد الطغاة، ولكنه موئل أول، ومآل أخير.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

(بزنس) كرة القدم:

الشركة الرأسمالية أشطر وأغنى

صبحي حديدي

 

المؤلف الأول، لوك أرونديل، باحث في «المركز الوطني للبحث العلمي» CNRS، أحد أرفع مراكز الأبحاث الفرنسية؛ وزميله المؤلف الثاني، ريشار دوتوا، باحث في «الكونسرفاتوار الوطني للفنون والمهن» CNAM، في عداد المؤسسات الأهمّ التابعة لوزارة التعليم العالي؛ وكلا المؤلفين مختص بالاقتصاد والمال والأعمال، يديران مختبر أبحاث متعدد النُظُم ومركزاً ثانياً لدراسات العمل والتوظيف؛ ولا علاقة فنية أو نقدية تجمعهما بكرة القدم. لكنهما أصدرا سنة 2020 كتاباً بالفرنسية عنوانه «على غرار الصبيان: اقتصاد كرة القدم النسائية»؛ وكتاباً ثانياً صدر مؤخراً بالفرنسية أيضاً، يطوّر مساهمة سابقة تعود إلى عام 2018 بعنوان «أموال كرة القدم»، في جزء أول تناول أوروبا.
وهذا عمل يتصف بأهمية خاصة لأسباب عديدة، لعل أبرزها في يقين هذه السطور أن مقاربة أرونديل ودوتوا لا تسير على منوال السائد المتفق عليه عموماً، حول كرة القدم بوصفها ميدان «بزنس» من العيار الثقيل؛ بل تساجل بأن تقاليد الشركات الرأسمالية المعاصرة لا تترك لهذه الرياضة هوامش منافسات ربحية عالية كما قد يذهب الظن، وذلك رغم عشرات المليارات التي تجنيها المباريات والمسابقات ودورات المونديال، أو التي تُصرف على شراء اللاعبين خلال مواسم الانتقالات بين الأندية. الكتاب لا ينزّه الرساميل والشركات ومؤسسات المال الكبرى عن الاستثمار، الكثيف والثقيل، في ميادين كرة القدم المختلفة؛ لكنه يسعى إلى وضع هذه الأنشطة في سياقات مقارِنة تتيح تلمّس مؤشرات ملموسة أكثر تبياناً لطبائع «البزنس» الفعلية في عوالم الأطوار الراهنة من هيمنة رأس المال واقتصاد السوق وقوانين العرض والطلب والمنافسة.
على سبيل المثال، من واقع كرة القدم الاحترافية الفرنسية: في سنة 2018 ـ 2019 بلغ حجم معاملاتها المالية أكثر قليلاً من مليارَي يورو (2.117 مليار، لـ40 نادياً)، بينها 1.9 مليار لأندية الدرجة الأولى التي تعدّ 20 نادياً؛ وفي المقابل، كانت أكبر الشركات الفرنسية قيمة في البورصة، تأمين
AXA، قد حققت خلال السنة ذاتها أكثر من 50 ضعفاً بالمقارنة مع اتحاد الكرة الفرنسي؛ وأمّا شركة Uber Eats، منصة توزيع الأطعمة الجاهزة التي تُشرك اسمها في رعاية البطولة الفرنسية، فقد سجلت أرباحاً بقيمة 1.4 مليار يورو خلال سنة 2019. وعلى مستوى أوروبي، خلال سنة القياس ذاتها، كانت الحسابات المجتمعة للبطولات الخمس الأكبر في حدود 17 مليار يورو، أي أقل من حجم الأرباح التي كدستها شركة اليانصيب الفرنسية.
من جانب آخر، إذا كانت أندية كرة القدم بمثابة «أقزام» اقتصادية بالمقارنة مع الشركات الرأسمالية الكبرى، فإنها «عمالقة» على المستويات الإعلامية وفي وسائل الميديا المختلفة، حسب تعبير أرونديل ودوتوا. الأندية الثلاثة الأكثر «شعبية»، والمزدوجات من المؤلفين، أي ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر يونايتد، هي أيضاً الأندية الأغنى حسب تصنيف «رابطة أموال كرة القدم»؛ وها هي أرقام التعاملات المالية: ريال مدريد، 757 مليون يورو؛ برشلونة، 852 يورو؛ مانشستر يونايتد، 627 مليون يورو؛ وهذه الأندية الكبيرة العريقة، ذات الجاذبية العالمية الواسعة، لا تنافس اقتصادياً شركة أثاث وتجهيزات منزلية مثل «كونفوراما»، الراعي السابق لأندية الدرجة الأولى الفرنسية، التي حققت معدلات أرباح أعلى من الأندية الثلاثة مجتمعة.

النادي يمكن أن يمتلك رصيداً جماهيرياً، وسجلاً حافلاً بالانتصارات، واحتشاد المشاهدين في المدرجات، والثبات على مستوى راسخ في المنافسة؛ لكن هذا كله، وسواه أيضاً، لا يوحد بالضرورة ثنائية الفوز على أرضية الملعب والأرباح في شباك التذاكر

وفي عودة إلى الفرضية المركزية لنظرية الشركة الرأسمالية (النيو ـ كلاسيكية، ولكن الحديثة والمعاصرة أيضاً)، يذكّر المؤلفان بأنها كانت وتبقى تضخيم الأرباح قدر الإمكان؛ الأمر الذي يقودهما إلى الاستنتاج بأن كرة القدم ليست من ذلك الطراز، الذي يوفر عناصر الزيادة في المبيعات أو التوسع أو الوثوق بالمنتج، وما إلى ذلك. النادي يمكن أن يمتلك رصيداً جماهيرياً، وسجلاً حافلاً بالانتصارات، واحتشاد المشاهدين في المدرجات، والثبات على مستوى راسخ في المنافسة؛ لكنّ هذا كله، وسواه أيضاً، لا يوحّد بالضرورة ثنائية الفوز على أرضية الملعب والأرباح في شباك التذاكر. وهذه حال يناقشها المؤلفان بتفصيل أوسع، وأمثلة كثيرة مدهشة في دلالاتها، على مدار ملفات ثلاثة: أولئك الذين يملكون، أو «المليارديرات في لباس الشورت»؛ وأولئك الذين يموّلون، أو الأثرياء والمشاهير؛ وأولئك الذين يلعبون، أو جماعة «إبذلْ أكثر لتربح أكثر».
حول الملف الأول، وعلى سبيل المثال من فرنسا أيضاً، كانت الأندية خلال ثلاثينيات القرن المنصرم ملكية للشركات الصناعية بصفة رئيسية، أمثال «بيجو»، التي امتلكت نادي سوشو؛ وشركة المناجم، صاحبة نادي لانس؛ وشركة كازينو، مالكة سانت إتيان. وأما في حقبة 1980 ـ 1990 فإن شركات انتاج المرئي/ السمعي هي التي استثمرت في كرة القدم الفرنسية:
Canal+ في باريس سان جيرمان، وM6 في بوردو. وأما اليوم، في فرنسا كما في أوروبا، فإن غالبية الأندية باتت ملكية أشخاص أفراد، مادياً أو اعتبارياً، وطبقاً لاتحاد الكرة الأوروبي فإن نسبة 50٪ من أندية النخبة تخضع لهذه الحال. وعند النظر في الترسيم السوسيولوجي لمالكي أندية الدرجة الأولى، يتضح أن السيرورة الأعم تعتمد على توظيف رأس المال، وليس تشغيل «شركة» بالمفهوم الاقتصادي سالف الذكر؛ مع إشارة هامة إلى أن بعض مالكي الأندية يديرون، بالفعل، شركات رأسمالية مزدهرة في قطاعات صناعية وتجارية أخرى.
وفي ملفّيْ التمويل واللعب، لا تختلف الخلاصات جوهرياً لجهة تأكيد ما يفترضه أرونديل ودوتوا حول «بزنس» الشركة الرأسمالية المعاصرة الأشطر من أي استثمار في ميادين كرة القدم، وهما يقتبسان عبارة اللاعب الهولندي الشهير يوهان كرويف («لماذا لا نستطيع هزيمة فريق أغنى؟ لم أشهد حقيبة مليئة بالأوراق النقدية تسجّل هدفاً»)، ليطرحا التساؤل المزدوج التالي: أليس المال، على العكس، شرطاً ضرورياً أو حتى كافياً، للفوز؟ أم أن الانتصارات هي التي تسمح بكسب المداخيل؟ وإلى جانب الأموال الناجمة عن مناقلات اللاعبين، تنحصر مداخيل الأندية في أربعة مصادر: حقوق نقل المباريات، بيع التذاكر، تسويق البضائع، والرعاية المشتركة. وإذا كانت هذه قد خضعت، وتخضع منطقياً، لقانون المد والجزر والصعود والهبوط، فإن جوهر اشتغالها يظل مختلفاً عن نظائره في الشركات المعاصرة، خاصة في هذا الطور من عَوْلَمة رأس المال.
وفي قسم رابع ختامي من الكتاب، يُكرّس للجمهور والأنصار ومتابعي كرة القدم عموماً، يسوق المؤلفان عبارة من الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو (الذي كان ذات يوم حارس مرمى لفريق «راسينغ الجامعي» في الجزائر، أثناء الاحتلال الفرنسي): «سوى ملعب كرة قدم، ليس من مكان آخر في العالم يكون المرء فيه أكثر سعادة»؛ الأمر الذي لا يعني أن كتّاباً سواه لم يكونوا أكثر تشكيكاً في اللعبة، على غرار الأرجنتيني خورخيه لويس بورخيس الذي اعتبر أن «كرة القدم شعبية لأن الغباء شعبي»، معتبراً أن «22 فتى في بناطيل قصيرة يركضون خلف كرة واحدة، بينما يكفيهم أن يشتروا 22 كرة».
والحال أن «الصراع» من أجل الفوز في الملعب غير بعيد عن تشكيل مناسبة استثنائية تتيح للأمّة أن توظف طاقات أبنائها في قتال «نظيف» مع أمم أخرى قد تكون أكثر جبروتاً في جميع الاعتبارات، لكنها تخضع بالتساوي لقانون كوني واحد يضع المغرب على قدم المساواة مع فرنسا؛ كما يحيل ملعب كرة القدم إلى ما يشبه البرلمان الأمثل لاتحاد شعوب العالم، حيث تتساوى الشعوب في الخضوع لقوانين احتساب الهدف والخطأ وضربة الجزاء.
وبالطبع، حال كرة القدم أخطر كثيراً من اختزال كامو وبورخيس؛ وإنْ كانت أموالها، التي تُقدّر بعشرات المليارات، أقل قدرة على صناعة الـ»بزنس» من الشركات الرأسمالية المعاصرة، وأدنى شطارة» استطراداً.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

الاتفاق الإطاري في السودان:

المجرَّب والمخرَّب

صبحي حديدي

 

في وسع مراقب محايد أن يتلمس، وربما بسهولة نسبية، حفنة من المعطيات التي تكتنف توقيع الاتفاق الإطاري بين جنرالات الجيش السوداني من جانب أوّل، و«قوى إعلان الحرية والتغيير» – مجموعة المجلس المركزي والفئات السياسية والنقابات المتحالفة معها من جانب ثان. وفي وسع المراقب ذاته، إزاء وضع تلك المعطيات ضمن حال جدلية من تَطابق المصالح أو تناقضها، أن يستخرج ميزاناً مبسطاً يتجاوز الخطاب واللغة الوردية والآمال وإعلانات النوايا الحسنة؛ إلى الحقائق الصلبة ذات الرسوخ والصلاحية، وبالتالي إلى حصيلة المكاسب والخسائر للفريقين.
مراقب آخر، من طراز غير محايد مثلاً، سوف يتوقف أوّلاً وبصفة خاصة عند سؤال كبير مركزي: هل يمكن الوثوق بهؤلاء الجنرالات، أمثال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو على وجه التحديد، في أنهم لن يسارعوا مجدداً إلى تنفيذ انقلاب جديد، يتابع انقلاب 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، أو يستكمل أغراضه المتمحورة أساساً حول إحكام قبضة الجيش على الدولة والمجتمع؟ وهل من التعقّل السياسي تجريب المجرَّب، في مضمار شهوة العسكر إلى السلطة والتسلط، من دون الحكم على المجرِّب بأنّ عقله مخرَّب، كما تقول الحكمة العتيقة الصائبة؟
وهذا المراقب سوف يرحّل أسئلة كهذه إلى منطقة ثالثة، لا تخلو من تحكيم عقلي ذرائعي يشمل الفريقَين الموقعين على الاتفاق الإطاري، من زاوية بسيطة أو حتى تبسيطية تتساءل عن حوافز العسكر في الذهاب إلى التوقيع أصلاً: هل لأنّ الانقلاب فشل، حتى الساعة، في إنجاز أغراضه المرجوة ودخل في حال من الركود أو الجمود أو العطالة، الأمر الذي يستدعي تنازلاً هنا أو انحناءة هناك؟ أم، استطراداً، لأنّ الانقلاب أوقع قوى إقليمية ودولية، صديقة للعسكر عملياً، في حرج بيّن استوجب وقف الدعم المالي وتخفيف المساندة السياسية، والمطالبة بعودة الحكم المدني وإنْ على مستوى اللفظ والبيان فقط؟ وهل، ثالثاً، أخفق العسكر في جرّ أمثال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الإماراتي محمد بن زايد إلى يقين بأنّ فضائل الانقلاب ما تزال سارية المفعول، ويمكن منحها فرصة إضافية؟
وأمّا مراقب من طراز ثالث، يميل أكثر إلى «لجان المقاومة» والحراك الشعبي وتظاهرات الاحتجاج الرافضة للاتفاق الإطاري، فإنّ ذخيرته من أسباب التشكيك والطعن والاعتراض وافرة ومتعددة، بل سوف تكون آخذة في التزايد كلما انقضى يوم شاهد على تخلّف الجنرالات عن الوفاء بما وقّعوا عليه. القضايا الخلافية، وهي التي علّقها الاتفاق الإطاري إلى أجل غير مسمى، ليست قليلة العدد ولا ضئيلة الأهمية، فضلاً عن احتوائها على الكثير من عناصر تفجير الاتفاق:
ــ متى، ومَن يضمن، دمج «قوات الدعم السريع» في الجيش السوداني، ولماذا يُقدم البرهان على خطوة كهذه كفيلة على المدى البعيد بإضعاف حليفه ونائبه دقلو؟
ــ متى، ومَن يضمن، تحريك ملفات العدالة الانتقالية، بما يؤكد محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضدّ أبناء السودان؛ فما بالك بعدم عودة رموز نظام عمر حسن البشير إلى المشهد، أو إلى سدّة السلطة؟
ــ متى، ومَن يضمن، حُسْن تنفيذ اتفاق سلام جوبا، ومشكلات شرق البلاد، وأنشطة الحركات المسلحة، واستتباب الأمن في غرب السودان؟
ليس العسكر في عداد الضامنين، منطقياً، لأنّ قبضة الجنرالات على السلطة والتسلط تتغذى على مشكلات كهذه، والإبقاء عليها معلّقة وعالقة يزوّد الجيش بذرائع إضافية تسوق مخاوف انزلاق البلد إلى «الفوضى» و«الحرب الأهلية» و«التفكك». وليست الأطراف المدنية المتوافقة اليوم مع الجنرالات قادرة اصلاً على فعل الضمان، ومثلها اللجان والقوى المعترضة على الاتفاق.
وأما مفتاح فكّ الاستعصاء فإنه يبدأ أوّلاً من كلمة حقّ نطق بها البرهان (وأراد بها باطلاً، كما اتضح): «العسكر للثكنات والأحزاب للانتخابات»؛ أو الحكم المدني الديمقراطي، باختصار وافٍ وكافٍ.

 

فضيحة بريطانية تسبق العراقية:

اقتصاد المواطن المكبّل

صبحي حديدي

 

إذا ظنّ امرؤ أنّ فضيحة القرن المالية، في ميادين الفساد والاختلاس والسرقة وسواها، عراقية المنشأ (نهب نحو 3.7 ترليون دينار عراقي، ما يعادل 2.5 مليار دولار، من أموال مصلحة الضرائب)؛ فإنّ فضيحة كبرى منافسة، بريطانية قلباً وقالباً هذه المرّة، تحيل زميلتها العراقية إلى مراتب أدنى: إدارة الصحة والرعاية الاجتماعية خسرت 75٪ من الـ12 مليار جنيه إسترليني (أي ما يعادل 4 مليار إسترليني) من تجهيزات دائرة «معدّات الحماية الفردية»، أو الـ PPE، التي تمّ شراؤها خلال العام الأوّل من جائحة كوفيد ـ 19 ولم تعد صالحة، وتوجّب إحراقها على سبيل الاستفادة منها في… قطاع الطاقة!
عضوة البرلمان البريطاني ورئيسة لجنة الحسابات العامة، السيدة ميغ هيليير، قالت في تقريرها إنّ « حكاية