آلام على ورق بانة القاسم *

حلمت أنى رايتهم يقفون صفا طويلا لإقامتهم حفلا خطابيا بمناسبة انتهاء مدة إقامتهم على الأرض.
فهناك إلى جوار الله، ليس على إل “ف16” أن تقصف بيوتهم وأعمارهم، بينما يتسلى طيارها ببعض الألعاب البهلوانية في سماء غزة.
وقف الأطفال بعيون بيضاء نشفت منها الحياة فجأة، وابتدأ المهرجان. قالت رهف محمد المصري، أمسكت بيد أخواتي الأربع، ودون وداع تقاسمت معهن حصتي من الموت في عز الليل، وحيث كان يطيب الحلم، لم احلم تلك الليلة إلا بالخلاص من ارض لا رائحة لفرح فيها. ضممت أخواتي الأربع ورحلنا في غفلة عن الحياة الهانئة وفي صحوة لموت مباغت، شددنا رحالنا لعالم لا أثر للقتل فيه … هل نندم على حياة قصيرة كان الخوف يتربص بأقل الأماني فيها؟ لا.. نحن نحزن عليكم أيها الغافلون عن حقيقة منطق الموت …. أنا الطفلة التي لم أتجاوز السبع سنوات. فهمت أن الموت حرر جسدي وإخوتي من مخالب القاتل، وحرر مستقبلي من فجيعة الانتساب إلى عالمكم الظالم… فهنيئا لنا قدرنا.
تذكرت وانا احلم بهذا الحفل الخطابي المهيب كيف تنبأ محمود درويش لأطفال غزة بالنضوج المبكر، حينما قال قبل رحيله ببضعة أسابيع عنهم “لأن الزمن في غزة شيء أخر.. لأن الزمن في غزة ليس عنصرا محايدا. انه لا يدفع الناس إلى برودة التأمل، إنما يدفعهم إلى الانفجار والارتطام بالحقيقة. الزمن من الطفولة إلى الشيخوخة، ولكنه هناك لا يأخذ الأطفال، ولكنه يجعلهم رجالا في أول لقاء مع العدو”.
أما الشاب الجميل احمد معين العالول فقد تقدم يخبر قصة هجرته وأهله إلى سماء الحق هربا من جور أهل الأرض قائلا:
لم يقبل أبي بالخروج من المنزل، لكنه احتضن إخوتي جميعا في صدره الواسع وطالبهم بالتزام الصمود. ولأنهم أبناء الدكتور البطل الذي كانت إسرائيل تكره هيبته، وعلمه وتفانيه في نجدة أبناء غزة.. لأنهم أبناء البطل استبسلوا بالصمود، حتى فاجأه الموت والتهمهم لقمة واحدة. عائلة مؤلفة من سبعة قلوب وملايين الشرايين المتصلة ببعضها، ونهرا من الدماء، هكذا تحتسب قيمة الشهداء في غزة اليوم… رحلوا في غفلة عن ملاك الموت المقدس وإنما بوعي كامل لشيطان الجريمة المروع.
تقدم (زين أشكنتنا) الصبي الصغير إبن التسع سنوات ليدلي بشهادته قائلا: في منزلنا المتواضع اجتمعت العائلة كلها وكان أبي يحرسنا بجسده وأمي تضمنا جميعا إلى صدرها، شهقة واحدة فقط اختطفت أرواحنا الخمسة ونجا أبي من تحت الأنقاض، ثم علمت أن أختي سوزي نجت من الموت ولم تنج من صدمة فقدنا … أبي مازال ينادينا، إني أكاد اسمعه وهو يغمرنا بصدره ونحن في الأكفان بعد أن حطم الركام ذراعيه … أبي لا تحزن نحن هنا في أمان … إعتنِ بأختنا سوزي.
تقدم بعده الطفل احمد السمودي الذي احتضن عائلته المكونة من خمسة أفراد والأم والأب ورحلوا كلهم بكبسة زر مجرمة. تقدم الآن ليقرأ قصيدة كتبها ذات مرة مستوحيا فكرة القتل الجبان، قائلا:
وأنت في دبابة الميركافا…
أيها الجبان
تكبس زرا وتقتل ألف ألف إنسان
يرحلون بأسطورة الأبطال
وتظل ترتجف خوفا
أن يصحوَ أحدُهم
ليقفَ على روحِك
المحتميةِ بالأسلاكِ والحديدِ والقضبان
صفق الجميع للطفل الذكي وتنبؤا له بماض باهر، كان يمكن أن يكون فيه شاعرٌ مهم … لكنه قال: لا شيء يهم هنا، وحدها فكرة الموت أصبحت تضحكنا، لأننا لم نعد نخاف منه. هناك من يعيش مع الموت رعبا أن يطاله قبل إتمام صفقة سحقنا، وهناك من نسي أن الموت بشرف لن يطاله بعد أن لوث يده بدمنا.
وهناك من يستقبل الموت القادم من كل الاتجاهات بقفزة إلى قلبه، كما فعل سامي صبح الذي قفز إلى الدبابة كعفريت من لهب، قتلهم في عقر أمانهم.
أيها الناس الذين مازلتم أحياء على الأرض، غزة مازالت تملك مقومات المستقبل، برجالها الشجعان، بأبطالها، بإيمانها بالنصر، حتى لو كان الطريق إلى النصر عبر كل هذه الجثث التي صنعناها. نحن هنا بأمان أما أنتم فدافعوا عن مستقبل يليق بأطفالكم.
- كاتبة وصحفية من اسرة جريدة (البلاد) لندن اونتاريو
- من مقالات الطبعة الورقية