أهوار قاسم حول ومفاتيحه في “قصر النهاية” نصير النهر *


مَن يعرف الفنان الرائع “قاسم حول”، كما عرفته، وتحدثت عنه… ولن اكفّ عن ذكره في أي وقت ومكان مناسب للحديث عن هذه القامة الفنية والإنسانية العراقية، دائمة التألق.
سعادتي لا توصف وأنا قرأ هذا الخبر “تعرض ولاية فرجينيا الأمريكية يوم الأحد، الموافق 28 أيلول سبتمبر الحالي، الفيلم العراقي “الأهوار” للمخرج والكاتب قاسم حول، في أمسية خاصة تتخللها جلسة حوارية، عبر برنامج “زووم”، مع المخرج المقيم في هولندا، إضافة إلى توزيع نسخ من الفيلم على شرائح USB مع كتاب “الأهوار– سيناريو الفيلم والتجربة“.
وفي موازاة أهوار قاسم حول، أتذكر دائما مواقفه الإنسانية، الى حد “المجازفة”، فقد كانت صداقتنا ومحبتنا لبعضنا عميقة جداً، وكنت اهتم كثيرا “كصحفي”، بنشاطات قاسم وفرقته المسرحية “مسرح اليوم”، كما اوصيت زملائي بمواكبة نشاطات الفنان الشاب، ولاسيما بعد فوز مسرحيته “الحارس” بالجائزة الفضية في مهرجان “كان” الدولي، عام 1968، إضافة الى نجاحاته في العراق والاقطار العربية.
وفي ذات العام “استضافتني” بعض السجون والمعتقلات في بغداد وكركوك والموصل.
عند إطلاق سراحي المتأخر عام 1969، راودني هاجس “العودة سريعا” الى السجن، كما حصل في مرات سابقة، لذلك أحسبني كنت سريعاً في انجاز بعض الأشغال… حيث التقيت بعد أيام قليلة مع “عزيزالحاج” أمين عام القيادة المركزية للحزب الشيوعي، الذي بدا لي أضعف فكرياً مما عرفته، وأضعف تنظيمياً الى درجة كبيرة، كما أعرب عن قلقه من الوضع الذي هو فيه، ما دفعني الى نصحه بترك بغداد… وفي نفس الوقت اعطاني رسالة مختصرة ملفوفة على شكل كبسولة، وعليها اسم “معاهد”، تتعلق بالتحاقي ضمن قيادة تنظيمات الكوت والفرات الأوسط.
ما علاقة قاسم والأهوار؟
ولأنني كنت أتوقع الاعتقال في أي وقت، كما كان عزيز يتوقع ذلك، وبقي ينتظر اقتياده، قررت مغادرة بغداد بأسرع وقت… وأن لا أذهب الى البيت، على الأقل في تلك الليلة، ولكن مشكلة غيابي عن بغداد لمدة طويلة، جعلتني في وضع حرج، ولا اعرف أماكن المقربين الثقة، ومَن منهم على قيد الحياة!!.
توجهت الى بيت صديقي المقرّب الاديب محمد الجزائري، وقد فاتني انه من رفاق “اللجنة المركزية”، ومن المروجين للفنان يوسف العاني، فيما كان مثقفو وشباب “القيادة المركزية” أكثر المهتمين بالفنان الشاب قاسم حول، ولم أكن استوعب ملاحقة خلافات الرأي للتقاليد المتعارف عليها والعلاقات الشخصية…
اخبرت الجزائري بأنني بحاجة الى المبيت لليلة واحدة، واسافر الى خارج بغداد صباحاَ، فاعتذر لأنه يتوقع قدوم ضيوف اليه من البصرة.
وعلى ذكر البصرة، قفز الى ذهني اسم قاسم حول، وان لدي رقم هاتفه، فاتصلت به، وطلبت مقابلته… رحّب بي، وقال “أين أنت؟ سأقدم اليك حالا… وعندما أوضحت له وضعي، أخذني الى شقته، وطلب مني ان لا اخرج مبكراَ، لأنه يريد اخباري بشيء مهم.
في الصباح طلب مني الذهاب معه الى مكتبه، وهناك اعطاني “مفتاحين”، الأول للشقة، والثاني مفتاح المكتب، وقال لي “الغرفة التي بتًّ بها أمس صارت غرفتك، وهذه الغرفة في المكتب غرفتك، وفي أي وقت تأتي الى بغداد فهما لك حتى لو لم أكن موجودا، ولك حرية التصرف بالشقة والمكتب.
المسؤولية الثقيلة
في معرض الحديث مع قاسم حول، واهتمامه بالأهوار، التي كانت في ذلك الوقت بيئة الحركات اليسارية المسلحة وغير المسلحة، يبدو ان الفنان الخبير، كان يخمن وجهتي، وبيّن لي ان لقب “الجزائري” وألقاباً أخرى، تعود الى عائلات نزحت الى البصرة وغيرها من المدن، وان لقب الجزائري يعود الى قضاء “الجبايش” الذي تغيرت تسميته الى “الجزائر”، وتعني فينيسا الاهوار “الجبايش” بيوت القصب العائمة على مياه الاهوار، وتشكل مجمعات سكنية يتم التنقل فيما بينها بالزوارق الصغيرة “المشاحيف“.
كانت رحلتي المحفوفة بالغموض والمخاطر، سريعة الى درجة لا تصدق، فـ” معاهد” الذي أصبح فيما بعد المطلوب رقم 1 للسلطات، لم يكن أحد يصدق، حتى أنا، الوصول اليه، بسرعة البرق، في احدى القرى القريبة من هور “السِنيّة”، وفي جلسة استمرت حتى الصباح، تم الاتفاق على بذل الجهود لتوحيد كافة الفصائل، وكان معاهد قد بدأ العمل في هذا الاتجاه، الذي اوصلني اليه بالسرعة القصوى، كما تم الاتفاق على ان عزيز الحاج غير مؤهل للقيادة في هذه المرحلة، وان من الأفضل توفير مكان له في الكوت، وتفرغه للكتابة، بعيدا عن الأمور التنظيمية الميدانية، إضافة الى تشخيص الجهات الأقرب للتوحد معها، وكذلك بعض الأمور العملية.
وفي طريق عودتي الى بغداد، عرفت بإلقاء القبض على عزيز الحاج، او بالأحرى “تسليمه”، وفي هذه المرة بقيت مفاتيح قاسم حول في جيبي، الا أنني لم اذهب الى المكتب او الشقة، وبقيت اتحرى عن احتمالية وجود من يعترف علي، فلم أجد، بسبب خروجي القريب من السجن، مستبعدا وصول خيانة عزيز الحاج لي، وهو نسيبي “زوج اختي“.
عندما ألقى القبض علي من قبل ناظم كزار وسالم الشكرة، كان همّي الأول هو كيفية التخلص من مفاتيح قاسم حول، فحتى لو لم يكن هناك شيء ضدي، سيسألون عن “المفاتيح”… الى أي بيت او مكتب تعود؟، وهذا ما يعرضني الى التعذيب الرهيب، وإذا قلت انها تعود الى قاسم حول… فكيف ترضى إنسانيتي تعريض من أحسن لي الى الأذى!!؟… كانت المفاتيح أقسى تعذيب بالنسبة لي.
عند وصولنا الى بوابة قصر النهاية وانشغال الشكرة بالحديث مع الحراس، كانت في الجانب سلة مهملات، فسارعت الى مد يدي في جيبي واخراج المفاتيح والقائها فيها، وكأنما ألقيت قلبي.
خطأ إرهابي
في الطريق الى قصر النهاية، أقدم سالم الشكرة على غلق عيوني بواسطة قطعة قماش، كأنما لا اعرف اين وجهتهم، وقال لي لإخافتي “اسمك الحزبي احمد” فقلت له “أعرف”…. ولكنه لم يعرف أهمية الخطأ الذي ارتكبه… حيث لا يعرفني بهذا الاسم سوى شخصين، هما عزيز الحاج والرفيق معاهد، ولما كان عزيز لديهم ومعاهد المطلوب رقم1 لهم طليقاً، فان من اعترف عليّ هو عزيز، فهيّأت نفسي لكبحه، حيث تم وضعي معه في نفس الحجرة ثلاث ليالٍ، بذل خلالها كل جهده في التحقيق معي، وهم “ينصتون للتحقيق”، الذي تركز على معاهد وأوضاع الكوت، فيما ازددت إصرارا على انني لا امتلك قدرة صاروخية، ولم اغادر العاصمة، بدليل القاء القبض علي في بغداد.
أسرار الطرق
خلال جولتي السريعة، كشف لي أصدقاء بأن هناك طرقاً شبه مهجورة، تربط بين غربي العراق ووسطه واهواره، ومنها ما كان يسمى الدرب الطويل، وهو يتجنب طريق بغداد ـ الكوت العابر لنهر دجلة، باتجاه الغرب وصولا الى طريق بغداد ـ الحلة، وتقع غربي هذا الطريق دروب تصل الى الفلوجة والرمادي، وقد شمل التبليط أحد هذه الدروب، اما شرقا فيتم استخدام الطرق الجانبية باتجاه النعمانية والزبيدية، ومنها تتفرع دروب الى قضاء الحي، وذنائب هور السِنيّة، المرتبط بشبكة الاهوار.
والجدير بالذكر، ان قوات الغزو الأمريكي للعراق عندما وصلت الى اليوسفية، توجهت قطعات منها الى “الدرب الطويل، ومنه الى النعمانية، حيث انتقلت عبر جسرها الى طريق بغداد ـ الكوت، ضمن المخطط المرسوم لتطويق العاصمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- شاعر و صحفي عراقي من جيل الرواد

فلم الاهوار
يُعد فلم “الاهوار” من أبرز المحطات السينمائية في تاريخ العراق، فقد حصد ست جوائز دفعة واحدة بمنح لجنة تحكيم برئاسة جبرا إبراهيم جبرا، ولكني حين قدمت الفيلم لمهرجان لايبزغ في ألمانيا الديمقراطية، وعرف الراحل فيصل الياسري، وكان ضمن الوفد الرسمي الذي حضر مهرجان لايبزغ لعام 1977، بأن فيلم الأهوار مرشح للجائزة الذهبية بسبب ما كتب عن أفلام المهرجان في الصحف الألمانية وبسبب الندوات التي تجري مع النقاد بعد عروض أفلام المسابقة، لذا سارع الياسري، بإقناع وفد وزارة الثقافة بسحب فيلمي من المسابقة ووضع فيلمه عن المنظمات العمالية بديلا تافها، والذي لم يحض بالموافقة على إدخاله المسابقة لرداءته الفنية والجمالية والتقنية، فحرمني من جائزة ذهبية في تاريخ أعمالي السينمائية“.