“أيام الديموقراطية” فيلم عطيات الابنودي أعراس المرأة المصرية ومرايا الواقع المحدبة فاطمة المحسن *



في لقاء نظمه مهرجان لندن السينمائي مع المخرجين الإيطاليين الأخوين تافياني ، قال أحدهم متحدثاً عن أفلامهما التسجيلية الأولى: «اكتشفنا ونحن نصور عوائل عمال استشهدوا في إضراب نقابي إن الجماهير تغيّر إيقاعها الطبيعي وهي تواجه الكاميرا، أنها تتعلم كيف تمثل، فهي تدرك بالفطرة خطورة الكاميرا، أهمية وقع الحياة المستعاد على الشاشة“.
تلك الكلمات تواردت إلى الذهن بقوة حين كانت أحداث الفيلم المصري «أيام الديموقراطية» تتعاقب على الشاشة، فهو فيلم وثائقي من إخراج عطيات الابنودي وقدم خلال مهرجان لندن السينمائي . يكتسب هذا العمل ـ أهمية استثنائية لأسباب مختلفة من بينها أنه يقدم إشارات إلى مواضيع تخص درجة تطور المرأة في المجتمعات العربية وتحتاج المزيد من البحث النفسي والاجتماعي بل الانثربولوجي ، فمن خلاله أطلعنا على واقع ما كنا تعرف عنه الكثير كما كنا نظن.
يدور الفيلم حول مشاركة المرأة المصرية كمرشحة إلى مجلس الشعب في انتخابات 1995، ولكنه يطوي تاريخاً ممتداً خاضت من خلاله النساء المصريات حركة المطالبة بحقوقهن، وفي سياق وضع ذلك التاريخ ضمن إطاره الحقيقي تعود المخرجة بإشارات سريعة إلى بدايات النشاطات الفاعلة للمرأة كمرشحة إلى مقاعد مجلس الشعب منذ الفترة الناصرية حتى اليوم.
من القاهرة تنطلق عطيات الابنودي لتجوب مصر حاملة عدتها إلى أقصى الصعيد والقرى المتأخمة للصحراء المصرية، باحثة عن النساء المرشحات إلى الانتخابات. وتشتغل المخرجة في ورشة عمل كما يدلل الفيلم لتعود إلى مراحل سابقة مؤشرة إلى حركة المد والجزر في نسبة إشراك النساء في الحياة السياسية ، وهو جهد لا يستهان به في فيلم وثائقي من هكذا نوع. تبدو العملية الانتخابية هنا كالمرآة العاكسة في مسرح كبير للمرايا تؤدي أمامها الجماهير أدوارها كما اعتادت في التظاهرات والأعياد وحفلات الطرب، وتقديم الولاءات للزعماء والقادة، هذه الجماهير لا تختلف في الحماسة عن أية جماهير أخرى سواء كانت في بلد متحضر أو أخر متخلف، والفارق فقط في طريقة الأداء.
ولكننا، من خلال هذا الفيلم، نتعرف على واقع مصري قدر ما فيه من التداخلات السياسية، يطرح حقائق مهمة من بينها أن النسيج الاجتماعي مع كل الارتدادات التي تعرض لها، يحوي بين مكوناته وعياً نسبياً يتقدم على وعي العديد من البلدان العربية ويمكن أن ندركه ليس فقط في حجم اقبال النساء على الانتخابات، بل في قبول المجتمعات الأكثر تخلفاً تمثيل المرأة سواء كانت تلك المجتمعات بدوية أو قروية أو في إطار الحارات الشعبية الفقيرة في العاصمة ، فالمجتمع القبلي الذي يتنازل فيه الرجل إلى المرأة عن حق تمثيل قبيلته في المجلس المحلي، لا بد أن يكون عرضة لمخاض سياسي واجتماعي تتجلى على أثره درجة من القبول بالندية للمرأة. أمامنا هنا حقائق تدل على أن عادات ممارسة السياسية بين الناس ترتبط ليس فقط بشكل الدولة بل بالصيغة التي تريد هذه الدولة فيها إظهار صورتها أمام الناس، والفيلم يذكّرنا بأن المرحلة الناصرية ساندت دخول المرأة في المعترك السياسي بقوة ملحوظة ومع أن النساء لم يفزن في العديد من المراكز الانتخابية، فإن هذا التدخل أنتج ما يمكن تسميته عادات اجتماعية وسياسية مهما خبت لا يمكن أن تندثر.
وحتى المرحلة الناصرية والفترات التي لحقتها كانت رغبات السلطات بصدد إشراك النساء في الانتخابات تتعرض إلى مد وجزر بسبب تأرجح قناعات النظام بقوة مساندة هذا العنصر لدوره، أو إمكانية المعارضة على فرض وجودها في العملية الانتخابية، أو وجود امرأة قوية في مركز القرار كما حدث في عهد جيهان السادات.
علينا أن لا نبتعد عن الفيلم كثيراً، فهو خطاب نسوي صريح تتقدم به المخرجة عطيات الأبنودي من دون أن تدخل إلى محاجة مباشرة عن مظالم تتعرض لها النساء ، بل تبدو المرشحات في هذا الفيلم كبطلات يتقدمن على مسرح الحياة حيث يتبعهن الرجال في عرس انتخابي بهيج . ولكن الأدوار تختلف بين المرأة المدينية اي ممثلات الطبقة الوسطى في المدن وبين النساء الفقيرات والقرويات والبدويات، وهذه المسألة تبدو إشكالية ولكنها جديرة بالمناقشة لأهميتها القصوى، فمعظم النساء المدينيات من المرشحات يخضن انتخابتهن بعدة استعراضية تتضمن إظهار انوثة مسرفة. فهن يذهبن إلى الانتخابات كمن يذهب إلى حفلة ليلية، نساء بدينات يرتدين ملابس بألوان فاقعة ويضعن الأصباغ على وجوههن مكرّسات ما تقدمه السينما العربية والقنوات الفضائية من تشويه وامتهان لصورة المرأة. إنهن يؤدين دور الممثلات والمذيعات ومقدمات البرامج في تساوقهن مع أناقة ترضى ذائقة محدثي النعمة، في حين تبقى المرأة الشعبية والريفية والبدوية بمنأى عن هكذا مصادرة لشخصيتها، والحال أن الفيلم الوثائقي يعكس واقعاً اجتماعياً ونفسياً يدلنا على ما يكون خلف مشهده المرئي من أبعاد، فالمجتمعات العربية على ما يبدو تمضي إلى الوراء بخطى حثيثة، وصورة المرأة فيها أحد تجليات هذا النكوص الأكيد الذي يمكن أن نشهده في مظهرها. فمعظم فتيات الجامعة في البلدان العربية المتطورة، على سبيل المثال، أما محجبات أو متبرجات بإسراف، إنهن لا يقدمن فقط صورة هذه المجتمعات التي تعج بالتناقض، بل يعكس مظهرهن خطورة الدرس الذي تقدمه وسائل الإعلام المرئية في مسخ الذائقة الشعبية.
عطيات الابنودي عرضت الواقع ضمن إطاره المحصور بمرشحات ومحتفين، ومرت كل الأطر التي تحف به بشكل عابر، ومن بينها أشكال رفض الوجود النسوي داخل اللعبة الانتخابية، وهذه لم ترد إلا بين أحاديث المرشحات أنفسهن سواء تلك التي تحدثت عن بيع الأصوات الانتخابية، أو تلك التي عرض عليها المال مقابل الانسحاب. وأهم ما في الفيلم أن الانتخابات كانت فرصة لعرض حاجة الناس الملحة في الخروج من كابوس الفقر والتخلف. وجد الفيلم نفسه داخل دائرة المشكلات المحرقة: البطالة، عدم توفر لقمة الخبز والماء الصافي ومساكن تحمي الفقراء وقوانين تبعدهم عن مافيات المضاربات بأرزاقهم، وكلما توغل الفيلم في القرى البعيدة قلّت التظاهرات الاحتفالية، وحلّ بدلها صوت الناس العاري من رتوش تلك الاستعراضات، وتبدو المرشحات هنا كأمهات وراعيات طبيعيات لهذا المجتمع الذي يعيش على الفطرة.
ينتهي الفيلم بلقاء نفيسة من قرية في الصعيد الأقصى، المرأة الشعبية التي تتحدث عن أيام الديموقراطية وتعني بها فترة مبارك تلك التي تعلمت من خلالها ممارسة حق الترشيح، ومع أنها موالية للحزب الحاكم إلا أنها مرشحة في انتخابات 1995 باعتبارها مستقلة، وفي حال فوزها كما تقول ستنسب إلى أصوات الحزب في مجلس الشعب. في لقاء نفيسة الكثير من المفارقات الجميلة، فهي تتحدث ببساطة عن كل الأشياء بما فيها رمزها الانتخابي (المسدس) ولكل مرشح رمزه الخاص، ،طريقة فهمها للسياسة والانتخابات مزيج من البراءة القروية والفهم الحاذق لاحتياجات أبناء جلدتها. نفسية تقول بلغة امرأة فقيرة أنها ستطالب بعد فوزها بالخبز الأبيض، وهذا المطلب يختصر بداهة الخطاب البسيط الذي يمحو الهوة بين المرشحة واناس قريتها في لعبة خطيرة مثل لعبة الانتخابات، يمكن أن تستوعب نفيسة ويمكن أن ترمي بها وبمطاليبها خارج تلك الحلبة.
الفيلم يشير إلى جهد متميز ما كان له أن يتحقق إلا بمواصلة مضنية من المخرجة، وبمساعدة مناخ من الحرية النسبية وإن بدا في جانب منه يحمل ممكنات التوفيق بين المخفي والمضمر في اللعبة الانتخابية على ما بينهما من هوة واضحة. وهو ليس العمل الأول لعطيات الابنودي التي يشير سجلها إلى أفلام تسجيلية عرضت في بريطانيا وعدت من الأفلام ذات المستوى الناجح شكلاً ومضموناً. والابنودي خريجة المعهد الوطني البريطاني للسينما، وفيلمها الأخير كان من تمويل المجلس البريطاني بالإضافة إلى تمويل كندي وبلجيكي. ولكن الذي يبعث على الاستغراب أن تقنية هذا الفيلم تضعه بمستوى الأفلام الضعيفة من حيث الأداء الفني، فموضوعها وبيئتها على درجة كبيرة من الغنى والتنوع في الوقت الذي تبقى المخرجة بمنأى عن التعامل المتمكن مع مادتها. وبصرف النظر عن مستوى أداء الكاميرا الذي كان في الأساس غير قادر على إدارة الفيلم فنياً بصنعة تدل على احتراف، غير أن جوانب الفيلم الأخرى، وفي المقدمة منها المونتاج كانت تعاني من ثغرات ملحوظة، الأمر الذي أضاع فرصة ثمينة لتطوير خطاب الفيلم وتحديد وجهات نظر تمنحه أبعاداً أكثر عمقاً. الكثير من الناس يتجاهل الأهمية الفنية للفيلم التسجيلي باعتباره وثيقة لا تحتاج إلى تصنيع. ويصح هذا الرأي إذا تصورنا الفيلم على أنه نشرة أخبار كما يذكر الاسكتلندي جون كريرسون أحد منظري وصانعي الفيلم التسجيلي الذي وضع أول تعريف للفيلم الوثائقي باعتباره «المعالجة الخلاقة للواقع».
ولكن فيلم «أيام الديموقراطية» للمخرجة عطيات الأبنودي يبقى في كل الأحوال وثيقة مهمة تحتاج إلى استئنافات كثيرة.
- كاتبة وصحفية عراقية من جيل الرواد
- صفحتها على الفيس بوك