استحقاقات الصعود، واستحقاقات السقوط ضرغام الدباغ / برلين

كتبت بعد فترة قصيرة من اندلاع الثورة السورية 2011، أن مصير النظام السوري بات محتوماً، وهذه رؤية مبكرة. ودعوني أسوق هذا مثالاً للروية والتحليل التاريخي، هو غير الرؤية وتحليلات التقارير اليومية التي يقدمها رجال الصحافة والاعلام. فماذا كنا نفصد أن سقوط النظام السوري بات محتوما.
النظام كان قد خسر الكثير من مقومات وجوده، منذ زمن الرئيس الأسد الوالد، رغم لياقته في إدارته السياسية للحكم، إلا أن جنوح النظام للطائفية، سيحرمه وقوف الشعب لمساندته، ولا أرمي هنا إلى اعتبارات النسب والتوازنات فهذه شكلية ومؤقتة، والنظام، أي نظام يفقد شرعيته إذا دخل دهاليز اللعب على العرقيات والطائفيات، فنظام الحكم يمثل كل الشعب بنسبة واحدة، ومضت الارهاصات تتراكم دون أن تجد لها حلاً منطقياً، إلى وصل الموقف، أن النظام لم يبق لوجوده دواع، سوى ألعاب المخابرات الدولية.
النظام لم يكن له أي برقع من الشرعية مهما كان بسيطاً مهلهلاً، فهو لا ديمقراطي، ولا شعبي ولا اشتراكي ولا رأسمالي، لا مدني ولا عسكري، نظام حكم ليست له أية قيم البتة … هو نظام أبن أبوه .. الحدث اليومي في البلاد هو : من أنتحر، ومن اختفى، ومن صفي، ومن فر هاربا بجلده، ومن استولى على الشركة الفلانية، واقتصاد يتدهور وبلد يفقد الأهلية للمواصلة، لا يحكم إلا بفضل القبضة الأمنية والقمع بلا رحمة. بلد فقد رسمياً قدرته على التطور. بلد منحط أكثر بكثير من جمهوريات الموز في أميركا اللاتينية.
لماذا يجب على هذا النظام أن يتواصل ..؟ لا يوجد أي سبب مهما كان صغيراً … إذن فالنظام ساقط تأريخياً .. هذه هي الرؤية التاريخية العلمية، أما في أي يوم من أيام الأسبوع أو الشهر سيسقط، وفي أي عام ،..هذا ليس مهماً البتة، نحن نقرأ المبررات التاريخية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي الأهم.
بوسعنا أن نقرأ على هذا المنوال أي الأنظمة السياسية التي تلعب خارج السياقات التأريخية، وبقاءها تتواصل هو ضرب من حظ، أو اجتماع تصادفي لظروف مؤقتة، ولا أريد هنا أن أزيد في الرؤية الاستطلاعية، ليزداد ثقل هضم الموضوع، ولكني أريد القول بعبارات وجمل سريعة كأمثلة على الرؤية التاريخية.
قال لي أحدهم، أن شقيق الرئيس الأسد ومعه إيران ولملوم من فاقدي البوصلة، يعدون العدة للنزول في سوريا، ويتفنن محدثي بوضع الأسهم الخضراء والحمراء وبالألوان من هنا ومن هناك .. وطلب مني الإجابة، فقلت له: هناك مثل عربي بسيط، ولكنه عبقري ” حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له ” والغباء هنا ليس بالعمل والمعارضة، بل ماذا تريد أن تقول للناس .. للجمهور … دعوني أحكمكم وأبني من بعدي، أقتل المزيد منكم ..دعوني أواصل صنع الكبتاغون بطرق عبقرية، دعوني أدخل 6 دول أخرى للبلد. يتناسون أن هذا البطل المقدام وأخوه كان عندهم عشرات الألوية المدرعة وألاف الدبابات، الصواريخ ومئات الطائرات وأسلحة نوعية مهمة، تركتوها بالعراء وأطلقتم سيقانكم للريح .. فلماذا تعودون ..؟
فقدان الرشد والبوصلة أمر شائع تقريباً، ولكن بعضهم يشاهد نهاية المسار، فبصاب بالهلع، كالصهاينة، الذين متأكدين من نهاية المطاف .. سيهربون ويتركون البلاد لجهة يهودية قادرة أن تتفاهم، لا تلوح بالقوة ولا تستخدمه، فالأسلحة لا تخاطب المنطق، ولا تحقق حقوقا وهمية، قائمة على الخرافات، هيكل سليمان، والوطن الموعود، ومع ذلك هم يحاولون مخاطبة بعض المرتدين من عرب فلسطين، ونجحوا مع بعضهم، ولكنهم في الأفق العام فاشلون لا تساعدهم سوى الدبابة والطائرة، وهذه نادرا ما تحقق شيئاً مقنعاً، وإن حققت بعض المنجزات، فهي وقتية لا أمل لها.
من يعيش على الأوهام، سيحصد الأحلام، وهناك عدة جهات تقتات على مضغ الوهم، والمصيبة حين يوهمون شعوبهم بالضلالات، وبعضهم يرسم حدوداً في خياله ويضعها على الورق، في عملية جلد للذات لا معنى لها … ثم يبدأ بارتكاب الموبقات السياسية .. ويسف وينحدر ويهبط للمياه الآسنة، وتمر عليه السنون فلا يجد نفسه إلا وقد أصبح وكيلاً لخمس أجهزة مخابراتية، وهويته الأصلية تشوبها الشكوك وتحلق فوقها الأوهام.