فكر وفن

اشمئزاز توفيق من نفسه: جرح الإنسان حين يكره صورته شهد الراوي

 

كان توفيق، بطل رواية «المسرات والأوجاع» لفؤاد التكرلي، لا يشعر بالغضب من أهله بعد أن سحقوه، بل بالتقزز من نفسه.
وهذا هو الجرح الأكثر عمقاً الذي يمكن أن يحمله إنسان: أن يفقد رغبته في الدفاع عن ذاته، لا لأن الآخرين كسروه، بل لأنه صدقهم.
توفيق ليس مجرد شخصية روائية، إنه مرآة لإنسان عراقي مثقل بعقد الماضي، ابن مدينة حولها القهر إلى غرفة اعتراف طويلة، يسكنها الشعور بالذنب أكثر مما يسكنها الأمل. لم يكن تمرده حقيقياً بقدر ما كان محاولة يائسة ليشعر أنه موجود. وما إن صفعه العالم حتى استدار نحو نفسه، يلعنها ويحتقرها، كما لو أنه أراد أن يسبق الآخرين في إهانته كي يحتفظ بكرامته الأخيرة: كرامة من يعاقب ذاته بنفسه.
هذا الشعور بالاشمئزاز من الذات هو ذروة القسوة الإنسانية، وهو ما تفنن التكرلي في رسمه بحرفية مؤلمة؛ إذ جعلنا نرى توفيق وهو يتحول من ضحية إلى جلاد داخلي.
ذلك الصراع الصامت بين أن تكون إنساناً يرغب في الحياة، وبين أن تكون إنساناً يرفض ذاته لأنها لم تحسن الدفاع عن كرامتها. وفي هذا الرفض تتجلى مأساة الوعي حين يصير أداة طعن لا خلاص.
في الأدب العراقي، كثيراً ما تتجسد البطولة في من يصر على النجاة رغم الخراب، أما التكرلي فاختار أن يكتب عن البطولة العكسية: بطولة الانكسار. لقد جعلنا نرى الإنسان وهو يتآكل ببطء تحت ثقل الشعور بالعار، دون أن يرفع صوته أو يطالب بالإنصاف. كأن الصمت صار طقساً مقدساً، وكأن كل ما فعله العالم به لا يساوي شيئاً أمام ما فعله هو بنفسه.
يقول أحد النقاد إن التكرلي كتب عن «الهزيمة الداخلية» قبل أن تصبح مصطلحاً سياسياً. وهذه الهزيمة هي جوهر الحداثة العراقية في الأدب: وعي لا يستطيع أن يغفر لنفسه. فبين الجيل الذي عاش الحروب، والجيل الذي ورثها دون أن يختار، تسرب الإحساس بالعار إلى أعماق الشخصية العراقية حتى صار جزءاً من تكوينها.
إن توفيق ليس ابن عائلة فقط، بل ابن وطن يتعلم منذ طفولته أن الخضوع فضيلة، وأن الطاعة خلاص، والطموح المبكر جريمة كبرى. حين يحاول هذا الإنسان أن ينهض، لا يجد في داخله سوى أصوات من علموه كيف يطأطئ رأسه.
الاشمئزاز من الذات هو نوع من المرض الحضاري، يولد حين تتكاثر الهزائم دون تفسير. حين لا يجد الفرد معنى مقنعاً لكل ما فُقد، فيبدأ بالبحث عن المجرم في داخله؛ كما هي أغلب شخصيات كافكا التي تدفع ثمن جرائم لم ترتكبها ولا تعرف عنها شيء فتفتش عن سبب تجلد من أجلها ذاتها، كي تتساوى الجريمة مع العقاب.
هكذا يصبح الضحية هو المتهم، والمقهور هو السبب في قهره. ويغدو الأدب ساحة لتصفية الحساب مع النفس، لا مع الواقع.
وهذا ما يجعل رواية التكرلي وثيقة أخلاقية بقدر ما هي عمل فني؛ فهي تظهر لنا كيف يمكن للإنسان أن يغدو سجنه الخاص، وكيف يمكن أن تكون الحرية نفسها عبئاً على من لا يحتمل أن يرى وجهه في المرآة.
لقد كتب التكرلي عن الذات العراقية كما لو أنه يشقها بسكين. شخصياته لا تبكي، لا تصرخ، بل تتعفن ببطء.
ولعل هذا الصمت هو أكثر ما يخيف في أعماله؛ لأنه سكون ما بعد الانفجار، صمت من يعرف أن الكلام لن يغير شيئاً.
من هنا نفهم كيف تحول الاشمئزاز من الآخرين إلى اشمئزاز من الذات؛ لأن الآخر، في النهاية، انعكاس لما فينا.
وحين يفقد الإنسان إيمانه بنقاء نفسه، يفقد حقه في الغضب، ويغدو كائناً محايداً لا يطالب بشيء سوى أن يختفي ببطء.
في كل صفحة من «المسرات والأوجاع» يهمس التكرلي بأن الخلاص لا يأتي من الخارج.
الإنسان الذي يسحق يحتاج إلى أن ينهض لا ليصرخ في وجه العالم، بل ليعيد بناء صورته الداخلية.
لكن توفيق لا يفعل ذلك.
إنه يختار الطريق الأصعب: أن يبقى يكره نفسه حتى النهاية، أن يبقي الجرح مفتوحاً كي لا ينسى أنه كان حياً يوماً ما.
هكذا يتحول الاشمئزاز من النفس إلى شكل من أشكال الوعي. وبدلاً من أن يكون دليلاً على الانكسار، يصبح شاهداً على رفض العيش في الزيف.
ربما كان توفيق، في أعماقه، أكثر صدقاً من الذين تظاهروا بالقوة. وربما أراد التكرلي أن يقول لنا إن الإنسان النقي هو الذي لا يستطيع أن يتصالح مع قبح العالم، لا مع قبحه هو.
وأن كل من جرب هذا الاشمئزاز العميق يعرف أنه ليس سوى الوجه الآخر للمحبة: محبة الذات التي كانت تستحق حياة أجمل.

عن (القدس العربي)

 

زر الذهاب إلى الأعلى