مقالات رأي

الإبداع بأجلى صوره ضرغام الدباغ / برلين

 

كتبت مرة في إحدى أعمالي عن صفات الدبلوماسي المعاصر (قوة العمل الدبلوماسي في السياسة : الفصل الثالث) من أن الدبلوماسيين في مجالسهم الخاصة / الصداقية قلما يتحدثون في السياسة، بل في الشؤون الثقافية العامة، ومنها الشعر والأدب والمسرح والموسيقى، (ربيع عام 1978)كنا في جلسة مع صديق دبلوماسي مقرب (وزير مفوض السفارة السويسرية) وهو شخصية لطيفة جداً ومثقف، يستحق منصبه بالطبع، وجرنا الحديث إلى الادباء الدبلوماسيين ومنهم الشاعر بابلو نبرودا / تشيلي، والشاعر الفرنسي الكبير سان جون بيرس. والشاعر الكبير عمر أبو ريشة سفير الجمهورية العربية السورية في الهند، الذي كتب رئيس الهند خطابا شخصيا للرئيس السوري يرجوه إبقاء السفير / الشاعر لدورة أخرى في العاصمة الهندية نيودلهي.

في تلك السنوات (1978) كنت معجباً بصفة خاصة بالشاعر سان جون بيرس، فبما ذكره صديقي الدبلوماسي السويسري، وكانت جلسة تضم عدداً من الدبلوماسيين العرب والاجانب، قلت له يسرني أن أتلو عليكم القصيدة المذهلة بجماله وعمقها لسان جون بيرس، وكنت قد حفظتها عن ظهر قلب ..قرأتها باللغة العربية وكان صديق دبلوماسي عربي يترجمها فورا للإنكليزية ويسرني اليوم أن أتلوها / أكتبها لقرائي الأعزاء

ضيقة هي المراكب

سانت جون بيرس

 

أواه … لقد عرفت وجوهاً كثيرة

لا تحتفظ بكبريائها المشققة …

لقد طوفت أمام جروحي، وكأنني

سفينة خالية من ربانيها

سنين طويلة أيها القلب، ولا زلت

تفيض بالتأوه

دعني أكون كحقائب السفر ،

تسيل بلا مباشرة بين الأيادي

أن من يمنحني هناء نفسه … أمنحه

كل الوقفات العميقة لخطواتي

تعبت أيها الزمن، فلا باس من أن

نحدد أعمارنا دون ضجيج

ملح على شفتي … وصلابة في أحداقي

ولكن الليالي الآتية ستعرف : أي ليل

يقضيه من يفتح جنباته دون تحفظ للرياح

أواه أيها القلب

لقد رأيتهم يمنحون رقابهم لوحل الضيعات

وأنت أيها الجسد الذي لا تختم استحمامك بماء العروس

وأنت أيها الجلد المتيبس الذي تعرض خشونتك ببهاء أمام اشتعال تموز

العمر ينقضي، والكلمات لا تملك قدرة المرايا

على الاحتفاظ بالحياة

إنما يستطيع هذا القلب المتدفق

وهذا الوجه الخجول … أن يكون جواز سفر

بلا إشارات حدودية يعضد العالم

وهكذا أيها القلب … نحن نحمل الحب

والحب لا يمنح حامليه غير المزيد

من النزف على الشواطئ ….

 ولكني أردت أن أستفيد من هذا الاجتماع الممتاز، وكلمات سان جون بيرس العميقة والشفافة ”  أواه … لقد عرفت وجوهاً كثيرة لا تحتفظ بكبريائها المشققة .. ملح على شفتي … وصلابة في أحداقي ولكن الليالي الآتية ستعرف : أي ليل يقضيه من يفتح جنباته دون تحفظ للرياح العمر ينقضي، والكلمات لا تملك قدرة المرايا على الاحتفاظ بالحياة … إنما يستطيع هذا القلب المتدفق وهذا الوجه الخجول … أن يكون جواز سفر بلا إشارات حدودية يعضد العالم وهكذا أيها القلب … نحن نحمل الحب والحب لا يمنح حامليه غير المزيد من النزف على الشواطئ …. “.

فقلت لهم أن الشعر العربي والكل يعلم مكانة الشعر العربي وعمقة وتأثيرة في الثقافة العربية والعالمية، ويحفظ لنا قصيدة سأتلو لكم بيتاً واحدا منها فقط، وهناك من النقاد يقول أنها من أجمل القصائد في الحب والغزل :

 ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني    وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها      لمعت كبارق ثغرك المتبسم

 وحين ترجمت البيتين إلى اللغة الالمانية، ذهل الحاضرون أجمع .. للروعة والعمق في القصيدة العربية، وذهلو أكثر حين علموا أن الشاعر عنتر العبسي عاش بين أعوام (522/ 608 م) … فاهتم الحاضرون كثيراً بمعرفة كيف حفظ هذا الشعر، فذهلوا مرة أخرى حين اخبرتهم أن العرب كانوا يعلقون أفضل الأشعار لأفضل الشعراء على جدار الكعبة، وفي هذا دلاله إضافية على مكانة الشعر والشعراء.

ابدى الحاضرون إعجابهم التام بهذا المستوى الشعري الجميل للشاعر سان جون بيرس .. والشعر الفائق الروعة لعنتر بن شداد العبسي، ولكن مع تذكير مهم بأن عنتر العبسي عاش نحو 1500 عام قبل سان جون بيرس … وهو ما عبروا عنه بدهشة ومعان كثيرة ………!

 ولقد ذكرتك والرماح نواهِل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها. .. لمعت كبارق ثغرك المتبسم

 فيروز: ولقد ذكرتك والرماح نواهل …في اجمل تسجيل على الاطلاق – YouTube

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى