البعثيون رقم صعب في المعادلة العراقية عبد اللطيف السعدون

في ظلّ حمّى الاستعداد للانتخابات البرلمانية التي باتت على الأبواب، تواترت تقارير عن اعتقال عشرات الناشطين المعارضين للسلطة في أنحاء مختلفة من البلاد، بدعوى أنهم “من فلول النظام السابق”، كما ورد أكثر من تحذير على لسان هذا المسؤول أو ذاك من أن البعثيين ينشطون سعياً إلى العودة إلى الحكم، وأن جهات أجنبية تساندهم.
ليس هذا النمط من الكلام المكرّر جديداً إذ اعتاد حكّام بغداد ترويج مثل هذه الادعاءات كلّما حاقت بهم الأزمات، أو واجهوا ما يشكّل تهديداً لوجودهم في السلطة، وقد يعمدون (في مثل هذه الحال)، إلى إلصاق تهمة “البعث” بكلّ مواطن يرفع صوته مطالباً بخدمة، أو شاكياً من مظلمة، أو متذمّراً من قصور.
وفي جديد الأمر الاجتماع الطارئ الذي ضمّ كبار رجال القضاء ومفوضية الانتخابات وهيئة المساءلة والعدالة لغرض اتخاذ الاجراءات اللازمة من أجل “منع وصول المرتبطين بحزب البعث المقبور إلى قبّة البرلمان” (وإذا كان البعث مقبوراً حقّاً كما في التوصيف الرسمي، فلماذا هذا الخوف منه، ولماذا هذا الوسواس الذي يعشّش في الرؤوس؟)، وقد استعاد المجتمعون حيثيات التشريع الصادر سابقاً، والهادف إلى اجتثاث “البعث”، وأعادوا إلى الأذهان ما نصّ عليه التشريع المذكور من العمل على “تطهير مؤسّسات الدولة من قيادات “البعث”، ومحاسبة المتورّطين منهم بانتهاكات، ومنع عودتهم إلى الوظائف“.
وفي الجديد، أيضاً، دعوة برلمانيين إلى تطهير البعثات الدبلوماسية العراقية من العناصر الموالية للنظام السابق. وفي القديم المستعاد الحكم بالسجن على شخصين ألقيا أشعاراً في وقفة احتجاجاً على شحّ المياه في مدينة المشخاب (جنوب غربي العاصمة) اعتبرت “مديحاً لصدّام حسين”، وكذا صدور حكم غيابي من محكمة الجنايات بالسجن سبع سنوات لرغد صدّام حسين بتهمة “الترويج إعلامياً لحزب البعث”، وفي واقعة أخرى مطالبة حكومة بغداد الحكومة الأردنية بمحاسبة أردنيين هتفوا باسم صدّام حسين أثناء مباراة رياضية في عمّان.
المثير أزيد من ذلك، المديح اللافت لتجربة “البعث” الذي أفصح عنه سياسيون كانوا من أشرس معارضي النظام السابق، وقد تكون كلّ هذه الوقائع قد استفزّت الحكّام الحاليين، ودفعتهم إلى تنظيم حملة جديدة لقمع كلّ صوت معارض بذريعة أنه من فلول نظام حسين، والمضحك المبكي أن هذه الحملة تجيء بعد 23 عاماً من رحيل نظام “البعث”، وخلال تلك الفترة المديدة جرت المياه في أكثر من اتجاه، واستجدّت أمور جرفت كثيراً من “البعث” وبنيته التنظيمية، وساحاته التي اعتاد العمل فيها، لكنّه على ما يبدو ظلّ يمثّل هاجساً لدى الحاكمين اليوم، الذين لا يخفون قلقهم من ظهور صدّام حسين جديد يقطع عليهم أحلامهم.
والسرّ في بقاء حكم “البعث” ماثلاً في عقول المواطنين العراقيين، وفي ضمائرهم، إدراكهم أن الحكم السابق رغم مغامراته الحربية وطابعه الديكتاتوري والشمولي، قدّم تجربة ناجحة عصيّة على النسيان في ميادين كثيرة، إذ كانت هناك خدمات متطوّرة، وحركة صناعية وناتج زراعي، وخطط في مكافحة الأمية، والقضاء على آفة المخدّرات، ومكافحة الفساد، وبما يجعل المقارنة مع حصاد السنوات العشرين لحكومات ما بعد الغزو تميل لصالحه، فضلاً عن حقيقة لا يمكن تجاهلها أن وجود دولة فاشلة تقف فوق ركام مشكلات استعصت على الحلّ، ولم تحقّق ما طمح إليه العراقيون، يُزكّى الدولة التي سبقتها، ويجعل منها أمثولة يتمنّاها كثيرون.
قد تكون هذه الحقيقة هي التي قادت الحكّام الحاليين إلى خلاصة مفادها بأن عليهم أن يحتاطوا لما يمكن أن يحدث، وأن يعملوا على قطع كلّ خيط يمكن للبعثيين من خلاله العودة إلى السلطة، وهي أيضاً ما تجعل البعثيين يعتقدون أنهم قادرون على استغلال هذا الظرف، والقفز مرّة أخرى إلى الحكم، خصوصاً أن ثمّة ما يشير إلى تحوّلات عاصفة تنتظر المنطقة.
يُظهر هذا الإيجاز لنا أن البعثيين الذين تعرّضوا (على امتداد العقدَين الأخيرَين) إلى موجات قمع مستمرّة، طاولت الآلاف منهم، بخاصّة القيادات والكوادر الفاعلة، لا يزالون يمثّلون رقماً صعباً في المعادلة السياسية العراقية، وهذا هو ما يقلق حكّام بغداد اليوم، ويدفعهم إلى مزيد من التنكيل والقمع بمن أطلقوا عليهم تسمية “الفلول”، وحتى بآخرين لم يعرفوا “البعث”، ولا يتعاطفون معه.