“الخطيئة التي لم يرتكبها الذئب” د. بلقيس الكبسي *

منذ أن بدأ الإنسان في تفسير العالم وكتابة التاريخ من حوله، أخذ يرسم الرموز، ويضع التشبيهات، ويزيف الأحداث والحقائق، يرفع هذا، ويحط من ذاك، يصنع بطولات وهمية للجبناء، ويخفي بطولات الشجعان الأقوياء، ويُحمّل المخلوقات صفات ليست فيها. يضع تفسيرات زائفة يدين بها الجيد ويُمجَّد السيء. ينصر الباطل ويزهق الحق، ويلبس الزيف ثوب الحقيقة ويخفي الحقيقة بأسمال الزيف. هي الخديعة نفسها التي تمارسها علينا سطوع الأجساد المبهرة، التي تعمي أبصارنا عن رؤية حقيقة أفعالها ومدى نقاء أرواحها ونواياها، فكم من هيئةٍ تألقَت في خديعتنا، حتى كشف زيفها أول امتحان أخلاقي…! لتعلمنا درساً باهظاً بأن الجمال الحقيقي ليس في الملامح، بل في الأفعال والنوايا. والعظمة الحقيقية لا تُقاس بهيبة الشكل، بل تكمن في صدق الفعل ونُبل الخُلق.
الزيف الذي مارسه الإنسان على بني جنسه؛ ظلم به نفسه وغيره وبقية المخلوقات من حوله. فكم من أحداث وشخصيات خُدعنا بها، وكم من روايات وأخبار كاذبة صدّقناها. فعلى سبيل التأمل ليس إلا هل تساءلنا يومًا عن مصداقية تفسيرات البشر حول حقيقة “الأسد” و”الذئب” هل هي حقيقة أم أنها محض زيف؟ زرعتها فينا حكايات مزيفة صدقناها دون تمحيص. فكثيرًا ما يُشبَّه الإنسان الشجاع بالأسد، ويوصم المخادع الغدار بالذئب. فصار “الأسد” رمزاً للقوة والقيادة، وصار “الذئب” مرادفًا للخيانة والغدر والخديعة.
فهل هذه هي الحقيقة؟ أم أنها مجرد أوهام الحكايات المتوارثة، أما الحقيقة العلمية فتقول بأن ذلك الذي نطلق عليه “ملك الغابة”، ونمجّده في أقوالنا، ونرسمه على الشعارات والرايات، ونحكي بطولاته لأطفالنا في القصص والحكايات لم تكن سوى محض أوهام، فالأسد لا يتحمل المسؤولية – كما كنا نظن – لا يعتني بعائلته لا يصطاد ليطعم لبوته وأشباله، بل ليشبع جوعه وسيطرته، وفي الأغلب يعتمد على اللبوة الأنثى القوية التي تقوم بمعظم مهام الصيد والحماية ورعاية الأشبال.
الأسد – يشبه بعض البشر- يحب الظهور والسطوع في لحظات السيطرة، لكنه لا يحمل عبء الجماعة، ومع ذلك لا أحد يصفه بالاتكالي، بل نظل نشبّه البطل القوي الفتي الشجاع بـ “الأسد”! وماذا عن الذئب؟ ذاك المخلوق الذي لطالما لُطِّخ اسمه بالشر، واتُّهِمَ بالغدر والخيانة. أهو كذلك أم أنه من أكثر المخلوقات وفاءً وشجاعة لرفيقته وقطيعه، فهو يعيش ضمن نظام اجتماعي دقيق، يحترم قطيعَه ويحميه، يتقاسم معهم الصيد ويعيش على التضامن والانضباط. لا يهاجم دون سبب، لا يفترس إلا ليشبع جوعه، لا يقتل بسبب الكره أو الحقد أو الغيرة ولا يمثلُ بضحاياه، لا يخون شريكته فالذئب وفيّ لرفيقته لا يتخلى عنها، ولا يختار أخرى غيرها حتى بعد وفاتها يظل وفياً لذكراها، وقد يضحي بنفسه لأجلها إن تطلّب الأمر، كما أنه لا يترك قطيعه، وهو يحزن على فقدان أحد أفراده، ويظهر مشاعرَ حقيقية من الولاء والارتباط – الذئاب لا تقتل بعضها كما يفعل بني البشر- وهو بكل تلك الصفات يتفوق على الأسد، بل وعلى كثير من البشر!
هو الذئب نفسه الذي كان شاهداً على فتك البشر ببعضهم، وهو يرى إخوةَ يوسف يُلقون بأخيهم في بئرٍ عميقة. لم يستوعب الذئب لمَ يحدث هذا، لكنه عرف أن الأمر فيه خيانة وغدر وحقد وشر بشر، لم يندهش لأنه يعرف أنها من طبائعهم، لكن صدمته كانت عندما تحوّل من شاهد على جريمة البشر إلى متهم بقتلهم، ريثما شاع الخبر “لقد أكلهُ الذئب…!” هكذا هي بشاعة وقبح بني البشر – وإن حملوا على أعناقهم وجوهًا جميلة – يخونون من أحبّهم، ويغدرون بمن وثق بهم، ويطعنون خاصرة من شاركوهم تفاصيل الحياة بثقة ووفاء…! وهنا تكمن المفارقة المؤلمة عندما نُشبّه الشجاع بمن لا يتحمل المسؤولية، ونَصِمُ الوفيّ رمزَ الالتزام بما ليس فيه، الأسد الذي اعتدنا تمجيده ما هو إلا كسول مسيطر اتكاليّ، والذئب الذي اعتدنا شيطنته منظّم، وفيّ وملتزم.
والإنسان وحده الذي صنع كل تلك المقارنات، هو نفسه لا يحمل نبل تلك الصفات! فالكثير من البشر يرتدون أقنعة لا تشبه حقيقتهم، فمنهم من يُظهر الشجاعة وهو هشّ، جبان ومنهم من يدّعي الوفاء وهو خائن، ومنهم من يصنع لنفسه هالة أسطورية وأضواء ساطعة، لكن حقيقته مظلمة معتمة. ليست كل التشبيهات صادقة، وليست كل الرموز عادلة. وليس كل الإرث التاريخي حقيقة.
فلنُعِد التفكير فيما حشر في عقولنا وصدقته ادمغتنا وأيقنت به معتقداتنا ومارستهُ عاداتنا، فربما كان الذئب أنبل من كثيرٍ منّا، وربما كانت اللبوة أشجع من ملكها، وربما كان الإنسان في لحظات ضعفه ونفاقه وبطشه وتجبره هو المخلوق الوحيد الذي يحتاج إلى تقويم وتقييم…!
- كاتبة وشاعرة يمنية (لندن اونتاريو) كندا