الرمز الذي يلتهم الدولة رشا عمران

في واحدة من أشهر حلقات المسلسل السوري الاستثنائي بقعة ضوء (تأليف وإخراج مجموعة من الكتاب والمخرجين) يسأل معلم صف ابتدائي تلامذته عن طموح كل منهم وماذا يرغب في أن يكون حين يصبح كبيرا، تنوعت إجابات التلاميذ بين مختلف المهن: طبيب، ومهندس، ومدرس، ورياضي، وعالم، وشاعر، وشرطي، وضابط جيش، ونجار، وطيار، وعالم فضاء، إلى آخر هذه المهن التي يجتمع حولها الجميع بوصفها مهن تعطي مكانة اجتماعية من جهة وتمنح مكانة اقتصادية من جهة أخرى، وحده تلميذ بين كل هؤلاء قال إنه يرغب بأن يكون رئيس الجمهورية. لم يصدق المعلم ما سمعه، طلب من التلميذ إعادة جوابه فأعاد نفس الجواب: (بدي صير رئيس جمهورية)، استدعى المعلم مدير المدرسة الذي سأل التلميذ بدوره وهو غير مصدق ما يسمع، المدير استدعى وزير التربية حتى وصلت القصة إلى أعلي قيادة أمنية في البلد، والتي بدورها استدعت والد التلميذ وعاقبته عقابا شديدا على سوء تربيته لابنه، إذ كيف يمكن لمواطن سوري أن يغرس في ولده طموحا بأن يكون رئيسا للجمهورية ذات يوم؟! هذا منصب ليس لأبناء الشعب، هذا منصب لخاصة نادرة اصطفاها الله واختارها لتستلم قيادة هذه البلاد، البلاد التي سوف تتوه وتنهار وتسقط إذا ما أزيحت النخبة المختارة عن قيادتها، فأن يفكر مواطن عادي بأن يكون مكان تلك النخبة يعني أن هذا المواطن خائن وداخل في مؤامرة لهدم البلد.
لم تكن حلقة بقعة ضوء مجرد خيال جامح لكاتب، بل كانت من قلب الواقع السوري، كانت سوريا تبدو كما لو أنها مكتوبة باسم بيت الأسد، كما لو أنهم حكامها الأبديون الذين اختارهم الله لها، أي تفكير بتغيير هذه البديهية هو إهانة وطنية كبرى ووقاحة ورغبة في الفوضى. هذه الرؤية هي التي أحدثت الانقسام بين السوريين في عام 2011، والذي، بالمناسبة، لم يكن وقتها انقساما طائفيا، كما يحلو لكثر اليوم القول، ذلك أن أصحاب تلك الرؤية انتموا لمختلف طوائف سوريا، وكان للأكثرية نصيب كبير منهم مثلما كان لها نصيب كبير في الثورة، وهذا أمر يفترض أنه بديهي، فلو أن كل الأكثرية كانت مع الثورة لما حصل انقسام في المجتمع السوري، ولما استمر النظام أربعة عشر عاما، هذا أيضا يتم تجاهله في أدبيات الحاضر لصالح الرغبة في تطييف المجتمع وتفتيته والتعامل مع البشر فيه بوصفهم أبناء طوائف ومذاهب لا أبناء وطن بهوية وطنية واحدة.
تغير الرئيس أخيرا، واستلم مكانه سوري آخر، بغض النظر عن الاختلاف حوله، لكنه سوري ربما كان يحلم في طفولته بأن يكون ذات يوم رئيسا للجمهورية، وربما هو مجرد رجل ساعدته الظروف الداخلية والخارجية لاستلام هذا المنصب، هو بكل حال لم يستلم المنصب ضمن إطار ديمقراطي، فلا سلفه كان ليسمح بديمقراطية حقيقية، ولا الظرف السوري كان مهيأ وقتها لهذا النوع من استلام الحكم. لكنه الآن في الحكم ، لم ينفع سلفه كل محاولات قطع الطريق على أي سوري آخر بأن يكون رئيسا، ولم تنفع كل أساليب القمع السلطوية والشعبية بأن تبقى سلالة الأسد إلى الأبد كما أرادت السلالة ومؤيدوها الكثر ممن انتقل أغلبهم اليوم ليكونوا مؤيدين للرئيس الجديد، وبنفس آلية تأييدهم للسابق: هذا الرئيس هو المختار والمصطفى وهو الوحيد الذي يحق له أن يكون رئيسا، من يطالب برحيله هو مجرد خائن (هناك صفات عديدة: فلول وهجري وقسدي وانفصالي وعميل)، وهو عنصر في مؤامرة تستهدف هذه المرة الإسلام، تخيلوا أن ثمة سوريين كثر جدا يعتقدون فعلا أن إسقاط الرئيس سوف يؤدي إلى انهيار دين يؤمن به مليارا إنسان حول العالم! هذه المرة لم يعد الوطن فقط هو المختزل في شخص الرئيس السوري، بل أصبح الدين كاملا، هذه مبالغة شعبية تقف خلفها مظلومية محقة حتما، لكنها أيضا كانت تغذى يوميا من خزان الطائفية، كانت تبنى بوصفها مظلومية سنية لا مظلومية شعبية ووطنية.
لم يكن منصب الرئيس في سوريا، منذ استلام حافظ الأسد، منصبا سياسيا، بمعنى أن الرئيس موظف في أعلى منصب في الجمهورية وعليه واجبات كبرى ويحق للشعب مساءلته أو عزله من منصبه، وعليه أن يغادر منصبه ضمنن الآليات السياسية المعتمدة، لم يكن في سوريا أصلا حياة سياسية ولا عمل سياسي. منصب الرئيس تحول سريعا إلى مقام رمزي غير قابل للنقاش أو للسؤال، وبطبيعة الحال هو غير قابل للرفض.
قرأت خلال الأيام الماضية مقالات نشرت في صحف ومواقع وطنية معظمها يدور حول فكرة واحدة: لا يوجد من ينافس هذا الرئيس مهما حاول أفراد الشعب ذلك، أفراد الشعب الذين يحول كل منهم نفسه، حسب هذه المقالات، إلى رئيس، ويضع نفسه مكان الرئيس في القرارات. حين نقول مقالات فنحن نتحدث عن كتاب ومثقفين، عن نخبة يفترض بها تشجيع فكرة تغيير النمط السائد، وتكريس أحقية كل مواطن سوري بهذا المنصب لا العكس، لكن حتى النخب السورية يبدو أنها لم تستع النجاة من سيطرة السياق السوري السابق، السياق الذي حول السياسة من فعل مجتمعي طبيعي إلى مجال خطر ومكلف وعديم الجدوى، والذي يحول الرئيس من موظف سياسي إلي رمز ثابت يحتمل ما هو فوق طاقته وينزه عن الخطأ والفشل ويعصم عن النقد، ويحتمل، بطيبة قلب، أمزجة أفراد الشعب الذين يتجرأ بعضهم ويضه نفسه مكان الرئيس أو يحلم بهذا المنصب.