مقالات رأي

الشعبوية أداة للهيمنة رشا عمران

سوف يُطلق لاحقاً على العقدية العشرينية من القرن الحالي لقب المرحلة الترامبية، نسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ذلك أن الأخير يشكل اليوم نمطاً استثنائياً من الحكم في تاريخ البشرية، ينسف به تاريخاً كاملاً من السياسة الأميركية التي لطالما كانت قائمة على سياسات معلنة مغايرة تماماً للسياسات غير المعلنة، والتي كانت هي الحقيقية والأصيلة لسياسة الولايات المتحدة منذ تأسيسها، فبينما كانت السياسات المعلنة تبني صورة الولايات المتحدة التي يُراد لها أن تظهر مثالية وملتزمة بالقوانين الدولية وضامنة للديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحامية لاستقلال الدول، وراعية لسيادتها وقادرة على إدارة الرأي العام (أخلاقيا) داخل الولايات المتحدة وخارجها. كانت السياسات غير المعلنة تشتغل على حماية المصالح الاستراتيجية الأميركية بعيداً عن رقابة الرأي العام الداخلي والخارجي، وتحقق أهدافاً شديدة الحساسية، تتعلق بالأمن والموارد والنفوذين، السياسي والاقتصادي، عبر عمليات تجسّس ورقابة على أنظمة دول العالم الثالث منه تحديداً، ودعم المجموعات المسلحة هنا وهناك، بما يترك بؤراً متوترة في كل العالم، تمكّن الولايات المتحدة من إحكام سيطرتها الاقتصادية عبر تجارة السلاح والعسكرية السياسية، عبر شراء الحلفاء بمن بين هذه المجموعات، والضغط الاقتصادي على حكومات الدول الأجنبية للحصول على مزيد من المكاسب، والأهم عبر تغيير موازين القوِى الدولية، وهو أمر لطالما كان ناجحا في السياسة الأميركية غير المعلنة.

تقوم المرحلة الترامبية الحالية على مبدآ السياسة الواحدة، وعلى نقل غير المعلن ليصبح معلناً وواضحاً وحاسماً: “نحن هكذا، نريد حكم العالم بما يتناسب مع مصالحنا. فقط، نحن الأقوى والأقدر، لا نرى في الآخرين، بمن فيهم الأوروبيون وحلفاء تاريخيون، سوى مجموعة من الجبناء والضعفاء الذين سوف يركعون لنا لنحمي بلادهم من التفتّت”. هذا هو حاليا المبدأ السياسي الأميركي على لسان رئيس الولايات المتحدة الذي يؤمن حقا أنه رئيس لعالمٍ كاملٍ لا يراه أكثر من شركة كبيرة من ضمن شركاته، فالعلاقات الدولية ليست سوى صفقة مقابل صفقة، وغالباً صفقات لصالح الولايات المتحدة مقابل لا شيء أحيانا كثيرة. والتحالفات الدولية لا تُبنِى بناء على قيم أو التزامات دولية، بل بناء على ما تريد الولايات المتحدة أخذه أو منحه، والمؤسّسات الدولية قابلة للنسف والتجاهل إذا كانت عائقاً أمام مصالح بلاده، وكل حدث في العالم يجب أن يمرّ عبر بلاده أولاً لتوضع عليه لمساتها المناسبة لمصالحها. لطالما كانت هذه هي سياسات الولايات المتحدة الخارجية، والتي لم تكن تختلف سواءٌ أحكم الديمقراطيون أم الجمهوريون الخلافات بينهم عادة ما تكون في السياسات الداخلية، وفي غير المؤثر في العلاقات الدولية.

يشكّل ترامب اليوم نموذجاً مثالياً للاستبداديين في العالم، فهو يستغل الخطاب الشفهي المباشر، ويستغل وسائل التواصل الاجتماعي لتكريس صورة قوة لانهائية تخلق جمهوراً متكيّفاً لا يحتاج لإقناع بالأدلة والمنطق كي يثبت إخلاصه. كما أظهر ترامب قدرته على الاعتماد على رأي عام أو جمهور محلي متعاطف لتبرير سياساته وأفعاله، عبر بث خطابٍ شديد الشعبوية يعزّز عقدة التفوق العنصرية لدى هذا الجمهور، بما يمكّنه من التحكم به، لتثبيت استقرار نظامه؛ يقدّم ترامب أيضاً نسخة مغايرة للدكتاتور العسكري أو الأمني، فهو يثبت أن النفوذ والشعبية الشخصية يمكنهما أن يكونا إحدى أهم أدوات القمع، وهذه صورة حداثية للهيمنة والاستبداد تختلف كلياً عن الصورة الكلاسيكية التي اعتدنا عليها، فهو يقدّم نموذجاً عصرياً للطرق التي يتم فيها دمج الشخصية الذاتية بالسلطة والإعلام لإيجاد جمهور واسع من المؤيدين الجاهزين مباشرة لتبرير كل سلوكاته واعتبارها نموذجاً فريداً ومطلوباً في الحكم والسياسة، وهذا أكثر ما تسعى إليه أية سلطةٍ تحاول بناء ديكتاتوريتها الخاصة.

تثبت المرحلة الترامبية أن الاستبداد ليس شرطاً أن يكون عسكرياً أو أمنياً يعتمد على القوة الصلبة، إذ من السهل جداً لشخصية براغماتية لا تملك مواصفات الزعيم أو القائد على طريقة هتلر أو ستالين أو بينوشيه أو صدّام حسين أو حافظ الأسد، أن تشكل نظاماً قمعياً عصرياً، طالما هنالك جماهير مستعدّة للتعايش مع القمع أو إيجاد الذرائع المناسبة له.

 

زر الذهاب إلى الأعلى