تقارير إخبارية

العبادي: هناك من يستغلّ ملف اجتثاث البعث في العراق للفساد والإقصاء

رئيس وزراء العراق السابق حيدر العبادي، بغداد، 3 يوليو 2019 (فرانس برس)

 بغداد   محمد عماد    (العربي الجديد)

 وجه رئيس الوزراء العراقي الأسبق والقيادي البارز بالتحالف الحاكم “الإطار التنسيقي” حيدر العبادي انتقادات غير مسبوقة بسبب ما قال إنه استغلال ملف “المساءلة والعدالة” المعروف بـ”اجتثاث البعث” من أجل الإقصاء السياسي وكذلك الفساد المالي، مشدداً على ضرورة إنهاء هذا الملف كونه يمثل “عدالة انتقالية” لفترة زمنية محددة.

تصريحات العبادي جاءت بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية استبعاد (290) مرشحاً عن التنافس في الانتخابات المقرر إجراؤها بعد ثلاثة أشهر من الآن، لشمول أغلبهم بإجراءات المساءلة والعدالة والقيود الجنائية والسيرة والسلوك، وفق ما أعلنته المفوضية في بيان رسمي.

وأثارت حملة استبعاد المرشحين، التي تضمنت أسماء بارزة في الوسط السياسي، جدلاً في الأوساط السياسية والشعبية، ووسط تصاعد الاتهامات بوجود دوافع سياسية تتجاوز الأطر القانونية المعتمدة بقرارات المفوضية، وتعتبر حملة الاستبعاد هذه هي الأكبر منذ أول انتخابات جرت في العراق سنة 2005.

وقال العبادي في لقاء متلفز إن “موضوع ملف المساءلة والعدالة صراع غير شريف، فهذا الملف هو قانون يسمى بـ(العدالة الانتقالية) ويجب ألا يبقى إلى الأبد، وهذا ضمن أصل الدستور العراقي، فإجراءات العدالة الانتقالية تنتهي ضمن فترة محددة، وبقاء هذا الأمر لغاية الآن أدى إلى عمله بشكل غير صحيح”.

وأضاف أن “هناك فساداً في ملف المساءلة والعدالة، فهناك شخصيات بعثية تمر دون أي اجتثاث عبر الأموال، وهناك شخصيات غير بعثية تشمل بإجراءات اجتثاث البعث من أجل ابتزازهم لغرض دفع الأموال بغية رفع أسمائهم من إجراءات الاجتثاث، كما أن هناك استغلال سياسي لهذا الملف من أجل ضرب بعض الخصوم”.

وبين رئيس الوزراء العراقي السابق أن “كل قوى الإطار التنسيقي عانت من ملف اجتثاث البعث (المساءلة والعدالة) وتم اجتثاث عدد من مرشحي الإطار التنسيقي، وأصل هذا الملف إعادة الكفة للناس المظلومين وألا يعود البعث مرة ثانية، لكن من خلال استغلال هذا الملف، نحن نعمل عكس ما تهدف العدالة الانتقالية، فهناك صراع سياسي بحت بهذا الملف يجب إنهاؤه”.

من جانبه، قال رئيس مؤتمر صحوة العراق أحمد أبو ريشة في تدوينة له عبر منصة “اكس”، اليوم الاثنين، إنه “عندما يسعى البعض إلى استبعاد أشخاص أو أحزاب من خوض الانتخابات دون مسوّغ قانوني، فإنهم يرتكبون سابقة خطيرة تُعد انتهاكاً صريحاً لحقوق المواطنين في الاختيار الحر”.

وأضاف أبو ريشة أن “المبادئ الحقيقية للشجاعة تقتضي مواجهة الخصوم في الميدان، لا اللجوء إلى أساليب ملتوية، كتقديم طلبات كيدية أو تزوير كتب تتضمن قرارات استبعاد، ومثل هذه الممارسات لا تعكس إلا خشية من الخسارة، وتشكل في جوهرها اعترافاً صريحاً بعدم القدرة على هزيمتهم عبر صناديق الاقتراع”.

في المقابل، قال الباحث في الشأن السياسي حسين الأسعد، لـ”العربي الجديد”، إن “ملف اجتثاث البعث قد تحول من أداة لتحقيق العدالة الانتقالية إلى ورقة ضغط تستغل في الصراعات السياسية وتصفية الخصوم، بدل أن يكون إطاراً قانونياً يحفظ حقوق الضحايا ويمنع عودة النظام السابق”.

وبين الأسعد أن “الاستمرار في استخدام هذا الملف سلاحاً سياسياً يهدد الاستقرار المجتمعي ويعزز الانقسام بين المكونات، ولهذا يجب أن تكون هناك مراجعة شاملة للسياسات المرتبطة به ووضع آليات عادلة وشفافة تبعده عن التجاذبات الحزبية”.

وأضاف أن “هذا الملف كان من المفترض أن يُدار وفق معايير العدالة الانتقالية، لكن تحويله إلى ورقة ابتزاز سياسي يضعف ثقة المواطن بالمؤسسات ويبقي البلاد رهينة للصراعات الداخلية، وإذا استمر التعامل مع ملف اجتثاث البعث بهذه الطريقة، فإن نتائجه ستكون خطيرة على استقرار الدولة ومستقبل العملية السياسية، ما يستدعي تحركاً عاجلاً لإبعاده عن المزايدات وإدارته بآليات مهنية وعادلة”.

وختم الباحث في الشأن السياسي بقوله إن “العراق بحاجة إلى مصالحة وطنية حقيقية تبني دولة مؤسسات، لا إلى تكرار استغلال الملفات الحساسة لإقصاء هذا الطرف أو ذاك”.

وصعّدت قوى سياسية عراقية، على رأسها زعيم ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي، من تحذيراتها أخيراً بشأن محاولات إعادة حزب البعث أو التساهل مع رموزه، وبأن ذلك يشكل “تهديداً مباشراً لمسار الدولة الديمقراطية، واستخفافاً بتضحيات العراقيين الذين قاوموا الاستبداد”.

يذكر أن رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني سبق أن طلب رسمياً إلى هيئة المساءلة والعدالة نقل ملفاتها إلى القضاء، في خطوة أولى لتنفيذ الاتفاق بحل الهيئة، إلا أن الطلب قوبل بالرفض من قبل رئيس الهيئة، ودعمته قوى من الإطار التنسيقي. وجاءت هذه الخطوة ضمن الاتفاقات والتفاهمات بين القوى الحاكمة في البلاد، ضمن ما يُعرف بائتلاف “إدارة الدولة”، وكان شرطاً من شروط تشكيل حكومة السوداني أن تُحل هيئة المساءلة والعدالة وتحويلها إلى ملف قضائي.

وكانت شخصيات سياسية، منها رئيس كتلة “تحالف السيادة” في البرلمان العراقي النائب سالم العيساوي، قد دعمت حل الهيئة، التي تمارس من خلالها أهدافاً سياسية وإقصاءً غير اعتيادي للسياسيين الذين لا ينسجمون مع بعض المشاريع السياسية الشيعية. وقال العيساوي في تصريح صحافي سابق إن “ملف المساءلة والعدالة يجب أن يوضع له حدّ، وأن يُحسم بعد 20 عاماً مرت عليه”، وهي بعد كل هذه السنين استوفت أعمالها، ويجب أن تنتهي وتسلَّم للسلطات القضائية وللمؤسسات، ولا يمكن أن تستمر الهيئة بالعمل كل هذه الفترة وفي ظل عملية سياسية قائمة، وقد أصبح الملف عائقاً ومشكلة لا بد أن توضع لها الحلول.

عن جريدة (العربي الجديد) لندن

زر الذهاب إلى الأعلى