العلاقات السورية / الروسية ضرغام الدباغ / برلين

أبتداء لا بد من التأكيد على قضية تغرب عن بال الكثيرين من المثقفين رغم أهميتها، ذلك أن العلاقات الدولية الجماعية كالعضوية في المنظمات الدولية، أو العلاقات الثنائية بين الدول، هي علاقات تهتم بالمصالح العميقة للدول، ولا ينبغي أن ننظر إليها كعلاقات بين الأفراد بأي مستوى كانوا، رؤساء أو غير ذلك. وفي الواقع أن العلاقات هي أكبر بكثير من هذه القضايا، فالعلاقات الثنائبة أو الجمعية، تحددها معاهدات وأتفاقيات، تهتم بقضايا الأمن القومي للدول، والمصالح الاقتصادية، وهي قضايا أهم وأخطر بكثير جداً من العلاقة بين رئيسين أو عاهلين. والتاريخ قد لا يذكر أو يتجاهل حتى الاحداث بعضها مهمة للعلاقات الشخصية بين الملوك والرؤساء، في الواقع حسب اهميتها، فالتاريخ يعرف حالات كثيرة من العلاقات الشخصية كتبادل هدايا، أو المصاهرات الملكية. وقد شاهدت شخصياً في متحف / معروضات الكرملين بموسكو، تحفاً وهدايا ثمينة ومصنوعات عربية يعود بعضها لعشرات القرون …! فنحن (العرب) والروس شعوب قديمة، ولطالما كانت هناك مناسبات وفرص كثيرة للصداقة وتبادل المنافع والمصالح والعلاقات العربية / الروسية / السوفيتية / الروسية مرت بمراحل عديدة واكتسبت الخيرة والمتانة.
وفي الواقع أن كتب التاريخ تحفظ لنا في بطونها، إشارات عديدة عن علاقات لبلداننا مع سائر بلدان عالمنا منذ أقدم العصور ترجع حتى للآلاف السنوات قبل الميلاد، وقد وجد آثار لتجار ورحالة ومحاربين في بقاع عديدة من أوربا في البلدان الاسكندنافية، والسوريون تحدبداً كانت سلعتان رئيسيتان موضع اهتمام التجار منذ أقدم العصور : الموسلين القطني، والحرير، والسيوف الدمشقية. والعلاقة الأكثر عمقاً وأهمية عقدت أواصرها بين روسيا والمملكة العربية السعودية إلى أوائل القرن العشرين، والعلاقة الوثيقة بين سورية الحديثة والاتحاد السوفيتي أبتدأ منذ مطلع الخمسينات، في بواكير عهد الاستقلال السوري.
قد لا يعرف البعض، أو أكثرنا، عمق العلاقات السورية / السوفيتية / الروسية، وأنها تعود لفترة لما قبل استقلال سوريا. وللحق انا شخصياً رغم وفرة اطلاعي على تأريخ سوريا السياسي الحديث والوسيط والقديم، لم أكن أعلم أن لروسيا موقف كبير مشرف، ربما بسببه نالت سوريا أستقلالها مبكراً، إذ كان لموقف الزعيم السوفيتي ستالين الأثر المهم خلال محادثات مؤتمر بوتسدام في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، تموز ـــ آب / 1945 هذا الموقف المهم، وجدته بالصدفة حين كنت أترجم كتاباً من اللغة الالمانية للعربية بعنوان ” مؤتمر بوتسدام “.
ومؤتمر بوتسدام تموز / 1945 (مدينة المانية مهمة إلى الغرب من برلين بعشرات الكيلومترات) كانت مقرا لأجتماع قادة الاتحاد السوفيتي (جوزف ستالين)، والولايات المتحدة (هاري ترومان) وبريطانبا (ونستون تشرشل)، وهو المؤتمر الثالث والاخير بين الحلفاء، الأول كان مؤتمر طهران (نوفمبر / 1943)، والثاني مؤتمر يالطا (فبراير / 1945). واكتسب المؤتمر اهميته من حيث كان المؤتمر الأول للحلفاء بعد تحقيقهم النصر على الهتلرية، وتقرير شؤون ما سيكون عليه الوضع العالمي بعد سقوط الهتلرية.
” تقدم تشرشل باقتراح أن يقدم البرنامج المقترح للعمل من قبل تشرشل، ثم من ستالين، ومن قبله شخصياً، أن تُقدم كلها لوزراء الخارجية، وهؤلاء سيقومون بتنظيم جدول أعمال لكل يوم من أيام المؤتمر. تشرشل قدّم مشكلة بولونيا و التي برأيه عاجلة للبحث، وستالين تقدم بهذه النقاط للبحث اليوم : تقسيم الأسطول الألماني، الإصلاح والتعويضات، والمسألة البولونية، ومسألة المحادثات حول المحميات الألمانية، المناطق تحت الحماية الدولية (المناطق التي كانت تحت نظام الانتداب في عهد عصبة الأمم) (Unuted Nation trust territories)، قضية فرانكو إسبانيا، قضية طنجة، وقضية سورية ولبنان. (1)
للمرة الأولى نسمع أن مسألة سوريا ولبنان (وكانتا تحت الانتداب الفرنسي بإدارة حكومة فيشي الموالية لألمانيا الهتلرية) قد أثيرت من طرف وفد الاتحاد السزفيتي برئتسة الزعبم ستالين، في مؤتمر بوتسدام.
المهم ما نريد تثبيته، هو أن العلاقات بين الدول ولاسيما تلك الدول القديمة، لا تقوم على أساس العلاقة بين الشخصيات القيادية : رؤساء أو وزراء خارجية، بل وى حتى بين هذا النظام أو ذاك، العلاقات هي بين سوريا ككيان تاريخي، وروسيا ككيان تاريخي، ومصالخ الدولتان أكبر من أسماء الأشخاص وهي مصالخ ليست وقتية، بل هي مصالح دائمة، تعبر عن أحترام الشعوب وتقاليدها ومستقبلها، وأمنها ووحدتها وكيانها السياسي، وعلى هذا الاساس ينبغي أن نفهم العلاقات الدولية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بروفسور. د. رولف بادشتوبنر: برلين 1985، مؤتمر بوتسدام ، ص 30 / الفصل السادس، ترجمة: د. ضرغام الدباغ برلين 2017