النفاق الالكتروني في عصر طوفان التواصل الاجتماعي! د. محمد سعد الدين *

تستطيع الأمة العربية الادعاء وهي صادقة بأنها الأمة الأكثر إنتاجا (لعلماء ورجال دين وناصحين متصدرين). بل إنها تستحق بحق لقب الأمة التي تمتلك من (الخبراء الاستراتيجيين العسكريين والمحلليين السياسيين العباقرة) ما لا تمتلكه الأمم الأخرى مجتمعة! وتستحق معها، الأمة الأكثر تسجيلا للهزائم والخسارة لأراضيها في القرن الأخير!
إنه المجتمع نفسه والأمة نفسها الذي لا يكف عامته ونخبته عن إرسال وإعادة إرسال كل ما يصله من أطيب القول وأحسن الكلام على هاتفه حتى ان الجهاز الصغير المسكين يمتلئ يوميا، بل يكاد ينفجر مما يستلمه من نصائح ذهبية مكررة وأحاديث دينية مفيدة.
الأمة ذاتها والأشخاص أنفسهم ربما يستحقون ايضا لقب الأمة الأكثر نفاقا وحسدا وبغضا بين أفرادها والأقل التزاما بالقيم الأخلاقية التي يتنادون بها بلا ملل ويتناصحون فيما بينها بلا كلل رغم احتفاظها واحتفاظهم (ببركة نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم) بالحد الأدنى من اساسيات الدين العظيم، وتلك قصة أخرى.
في عصر الطوفان الاعلامي الغارق والتشويش الفكري المتعمد ربما يغيب عن البعض الكثير من معاني الموروث الديني الصريح والمفاهيم الأخلاقية المتجذرة، ولعل اهمها التعريف الصحيح لمعنى النفاق وهي الصفة الأكثر سوءا ضمن مسطرة الأديان السماوية والاكثر تنفيرا واثارة المشاكل للمحيط …تعريف النفاق هو ان تنصح الاخرين بشئ ولا تفعله والأسوأ ان تفعل نقيضه.. أن تلوم الاخرين على فعل وتستمر على ممارسته والأسوأ فعل ذلك دون حياء او تانيب ضمير، وان تعيب على الآخرين ما يقومون به ولا تستحي من القيام به سرا والأسوأ جهرا أمام الملأ.
تعريف النفاق في حقبة سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي يمتد ليشمل الإصرار على رسائل النصح واطيب الكلام الى من نحب ومن لا نحب دون ان نلتزم حتى بالحد الأدنى بها.
أما الأسوأ من النفاق ربما هو الإصرار على لعب دور الناصح الصادق.. والاستمرار في إرسال تلك الرسائل دون حتى قراءتها بل الإصرار على فعل نقيضها تماما فيتحول هذا (الناصح غير الأمين) الى مثل الحمار الذي يحمل اسفارا فينقل الخير كله للاخرين دون ان يستفيد منه بل يصبح حجة عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون، وربما تسجل في ميزان سيئاته بدلا من كفة حسناته.
في عصر نفاق وسائل التواصل الاجتماعي ينسى الكثيرون ان اول ما يجب القيام حين يذكّره أحدهم بالاخلاق الحميدة والذكر الطيب فان اول ما يجب القيام به قراءته بتمعن والتدبر بمعناه و الحرص على الالتزام به. وبعدها ربما ارساله الى من نحب وآخرين .. هكذا تصاحبه بركة الإخلاص والصدق والعمل … وتصاحب فاعله أجر العمل به وأجر من سيعمل به دون ان ينقص ذلك من أجره شيئا ويصبح بإذن الله حجة له في يوم يلهث الانسان فيه عن حسنة هنا وهناك لعلها ترجح كفة الخير في ميزانه.
- طبيب أخصائي من كتاب الطبعة الورقية من (البلاد)
- المقالة منشورة في العدد الاخير من الطبعة الورقية