بغداد الأزل بين الجد والهزل فاروق يوسف *


كلما كتبت شيئا عن بغداد التي ولدت في مركزها (ساحة الطيران) أشعر أني أكتب عن مدينة لم تعد موجودة. صحيح أن المدينة التي أصبحت عاصمة للعراق الحديث كانت عبر تاريخها قد تعرضت لغزوات همجية محت الجزء الأكبر من بنيتها المعمارية والثقافية غير أنها إلى سنوات طفولتي ظلت ممسكة بخيط نجاتها المتمثل بأخلاق سكانها وقيمهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليد العيش المشترك التي أهلتهم أن يكونوا أبناء مدينة تخلصت من منظومة الأفكار القبلية وصارت توثق انتماءها إلى العصر الحديث من خلال المواقع التي تحتلها نساؤها في الدولة كما مشهدهن في الشارع.
بسبب النظام الإقطاعي “نبلاء الريف الجهلة” اضطر الكثير من سكان الجنوب وهم مزارعون إلى الهجرة إلى العاصمة. ولكنهم سكنوا في محيطها. بنوا قرى من الطين صارت تكبر غير أنهم لم يجرأوا على اختراق الحدود. لم يكن في إمكانهم أن يتبغددوا بيسر. في حين أن الأرمن حين هاجروا مضطرين إلى العراق واستقر جزء منهم في بغداد كانوا قد أسسوا حيا راقيا يُسمى كمب الأرمن. كان ذلك الحي مثاليا في استجابته لشروط العيش البغدادي. أما ريفيو الجنوب فإنهم ظلوا منكفئين على ثقافتهم القبلية المهترئة يقيمون في الهامش الجغرافي لمدينة تخيفهم.
حين انتقل العراق من العهد الملكي إلى العهد الجمهوي تم تفعيل الخطاب الشعبوي بقوة العسكر. فقدت بغداد يومها نفوذها الأخلاقي المستلهم من رقي سلوك أهلها. كانت هناك معادلات سياسية لا ترى في التبغدد إلا نوعا السلوك المتعالي. لقد أتاح انقلاب الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1958 لنائب عريف اسمه حسن سريع بإعلان الإنقلاب على الدولة عام 1963. تلك هي الفوضى التي عاشها العراق في خضم تدفق موجات من الريفيين إلى عاصمتها واستيلاء العسكر على السلطة المركزية فيها ولم يكن واحد منهم بغداديا.
كانت لبغداد لغتها. وهي لغة رقيقة عذبة، فيها إيقاع موسيقي مهذب مما أضفى على بنيتها نوعا من الغنج والعذوبة. ومن له خبرة في الإنصات إلى أغاني ناظم الغزالي ورضا علي وعفيفة اسكندر ومائدة نزهت ويوسف عمر لابد أن يدرك أن البغداديين لم يكونوا ميالين إلى البكاء. في أسوأ الأحوال يقول ناظم الغزالي “تصبح على خبر/ تضوي أيامك/ بإمان الله/ اتهنه بأحلامك”. لذلك فإن كل ما يُقال عن بكائيات العراقيين انما هو مستلهم من النواح الريفي الذي ساد في سبعينات القرن الماضي بعد أن أزاح الريفيون أهل بغداد عن مكانهم بقوة السلطة.
مدينة يحكمها الريفيون هي ليست مدينة
قبل أن يتشكل العراق السياسي الحديث في العقد الثالث من القرن العشرين بإرادة بريطانية كانت هناك ثلاث ولايات عثمانية هي الموصل والبصرة وبغداد. تقاسمت تلك المدن الأدوار في إدارة العراق الحديث وقد كان دولة غضة، بُنيت على أساس صحيح ووضعها البريطانيون على الطريق التي من شأنها ألا تنحرف بها إلى الفشل. دولة مؤسسات، يسودها القانون وتتسم علاقاتها بالمحيطين الإقليمي والعالمي بروح الشفافية والتعاون. كان العراق عبارة عن ثلاث مدن كبرى هي التي ترفد الدولة بخبراتها. العسكر من الموصل والسياسيون من بغداد أما البصرة فقد كانت الواجهة البحرية التي تمر من خلالها خطوط التجارة. كانت لتلك القاعدة استثناءات وهو أمر طبيعي في مجتمع أثبت أنه قادر على التحول والانتقال إلى العصر الحديث بخفة وثقة ورؤية تنموية.
غير أن ذلك لم يستمر طويلا إذ أدى انتقال العراق من الملكية إلى الجمهورية إلى تغير جذري في بنية السلطة حين فقدت المدن الثلاث وظائفها ولم يحدث ذلك من وجهة نظري إلا لأن العسكر القادمين من مدن ثانوية وهم ريفيون قد استولوا على السلطة. حكم عبد الكريم قاسم وهو من الصويرة بين عامي 1958 و1963 بعده حكم الأخوان عارف (عبد السلام وعبد الرحمن) ما بين عامي 1963 و1968 وهما من عانة واختتم الرهان على الجمهورية المستقلة بأحمد حسن البكر وصدام حسين اللذين حكما العراق ما بين 1968 و2003 وكانا من تكريت.
عبر أكثر من خمسين سنة تم ترييف بغداد على الرغم من أنها شهدت خلال عقدي السبعينات والثمانيات نهضة معمارية كانت توحي بتحولها إلى واحدة من أكثر عواصم العالم العربي انتماء إلى العصر الحديث. كان هناك خراب داخلي يمكن العثور على علاماته في المزاج الثقافي الذي لم يكن مدينيا وفي الاستخفاف بالتبغدد الذي لم يكن موقع تقدير بالنسبة للحكام. فعلى الرغم من أن صدام حسين كان صادقا في حبه للعراق فإن علاقته ببغداد التي عاش الجزء الأكبر من حياته فيها لم تكن تشي بأي نوع من التبغدد.
هلكت بغداد بسبب سوء الفهم.
بغداد المهزومة من الداخل
بعد عام 2003 اختفى العسكر لتحل محلهم طبقة سياسية ريفية ما كانت تحلم باختراق الفراغ الذي يفصل بين بغداد ومحيطها الهش الذي تشكل بتأثير الهجرات الجماعية من مدن الجنوب التي انهكتها سلطة الإقطاع الزراعي. وكما أرى فإن بغداد حين انحدرت بوجدانها العاطفي يوم ساد فيها الغناء الريفي (أغاني حسين نعمة والياس خضر وسعدون جابر ورياض أحمد وسعدي الحلي) كانت قد مهدت لإنحدارها السياسي الذي لم يقع بالصدفة. لقد اكتسب العراقيون سمعتهم باعتبارهم مصدري بكاء قبل أن تحل نكبة الالحتلال.
“بغداد الأزل بين الجد والهزل” هو عنوان مسرحية ألفها وأخرجها قاسم محمد عام 1974. كانت تلك المسرحية نبؤة بما ستعيشه بغداد استنادا على ما عاشته في أزمنتها الغابرة. قدر مدينة الرشيد أن تعيش كما لو أنها مزحة بين جدها وهزلها. غير أن ما لم يكن يتوقعه قاسم محمد أن يختفي البغداديون فلا يُسمع للغتهم صوت وسط ضجيج لن يكون ريفيا خالصا هذه المرة بل هو خليط من اللهجات الأعجمية. لم تختف بغداد التي أعرفها فجأة. لقد كانت بغداد مهزومة من الداخل يوم احتلها الأميركيون وهو ما يُذكر بحالها يوم احتلها جيش هولاكو عام 1258.
صحيفة النهار
- فاروق يوسف صحفي عراقي من جيل الرواد