مقالات رأي

تاريخ بروسيا الشرقية ترجمة/ ضرغام الدباغ

 

 

مقدمة

لماذا هذا المقال …

بروسيا الشرقية قطعة حيوية من الكيان السكاني، السياسي، الاقتصادي الثقافي الألماني. لكنها فقدت هذا الجزء المهم من التاريخ الألماني، على مرحلتين:

الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، حين أراد المنتصرون في فرساي / باريس ــ 1919، وأرادوا معاقبة ألمانيا، وروسيا التي أصبحت الاتحاد السوفيتي الاشتراكي، فأقتتطعوا شريطاً يحادد ألمانيا شرقاً، وأبقوا بامتداد نهري الأودر والنايسة، بما في ذلك مدن مهمة ك ستيتين، وبوزنان، وأبقوا على مدينة / مبناء دانزنغ على بحر البلطيق، وككيان تابع ألمانيا، والوصول براً إليه عن طريق ممر بري ، ووضعوا كياناً (بولونيا) لم يكن موجوداً، بل كانت مقاطعات متفرقة تابعة لألمانيا وروسيا القيصرية، وربما بشيئ من التشيك. وفي الحرب العالمية الثانية خسرت ما تبقى من بروسيا الشرقية وعاصمتها كونيكسبيرغ للأتحاد السوفيتي، وأجزاء منها لبولونيا، بالإضافة لمدينة / ميناء دانسنغ. وبذلك خسرت ألمانيا كامل بروسيا الشرقية، بما تضم من قدرات بشرية واقتصادية وموقعها الاستراتيجي الهام.

مؤتمر فرساي ومقرراته، كان عبارة عن وليمة افتراس المنتصرين للدول المهزومة (ألمانيا، النمسا، الإمبراطورية العثمانية) ومعظم المؤرخين يعتبرونها السبب الأول لأندلاع الحرب العالمية الثانية، أخطاء كلفت عشرات الملايين من القتلى (
تسببت الحرب العالمية الأولى في خسائر بشرية كبيرة حيث لقي أكثر من 8.5 ملايين جندي مصرعهم و20 مليون جريح، وقتل أكثر من 13 مليون مدني، وأسر أكثر من 29 مليون شخص منهم مدنيون)، وتسببت الحرب العالمية الثانية (يتراوح اجمالي الضحايا حول العالم في اثناء الحرب العالمية الثانية بين الـ60 مليون, ضحية و الـ85 مليون ضحية، مدنيين وعسكريين  في العمليات العسكرية، وخارجها  وهي مصنفة كجرائم إبادة جماعية مثل التطهير العرقي  أو جرائم ضد الإنسانية، وما بين 19 مليون ضحية إلى 25 مليون ضحية مدنية قضوا بسبب الأمراض والكوارث التي سببتها الحرب.(1)

ضرغام الدباغ

المصدر : الموسوعة الألمانية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ بروسيا الشرقية

كتابة    ) Carsten Günther, Eva Mommsen 

  

كانت بروسيا الشرقية، اقليما وولاية من الولايات الألمانية، ومقر الملوك والقياصرة اللمان، وبذلك تكونت صلاتها الوثيقة بالثقافة الألمانية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، نزح حوالي 2 مليون من بروسيا الشرقية من مدنهم التي توزعت بين روسيا وبولونيا.

بروسيا الشرقية، صومعة حبوب الإمبراطورية

هكذا مثلت بروسيا الشرقية منذ عام 1871 حتى عام 1945 في أقصى جزء شرقي من الإمبراطورية الألمانية. حيث كانت تسيطر عليها مجموعة من أرستقراطية الأرض النبلاء مثل أمراء دوهنا، وكونتات فينكشتاين، أو كونتات دونهوف. الذين كانوا يمتلكون أراضٍ شاسعة، تزرع فيها الحبوب والبطاطس، وغالبًا ما كانوا يمارسون أيضاً تربية الخيول. وبفضل جامعتها الشهيرة أصبحت العاصمة كونيجسبرغ (Königsberg) مركزًا روحيًا وثقافيًا.

 

وفي عام 1900، كانت بروسيا الشرقية تضم حوالي مليوني نسمة، حيث كان يعيش حوالي ثلاثة أرباع السكان من الزراعة. وخلال تلك الفترة، تم تطوير وتطبيق تقنيات زراعية حديثة في بروسيا الشرقية. إذ كان هناك نظام تصريف معقد يحتوي على مضخات وقنوات، لسحب المياه من الأراضي المستنقعية الواسعة، وجعلها صالحة للاستخدام الزراعي.

وأدت وفرة المحاصيل إلى إطلاق تسمية بروسيا أسمها ” صومعة حبوب الإمبراطورية الألمانية “. ومع ذلك، كانت بروسيا الشرقية مرارًا وتكرارًا في خضم الحروب. على سبيل المثال، خلال الحرب العالمية الأولى، احتلت القوات الروسية المقاطعة لفترة من الزمن.ب روسيا الشرقية قبل التقسيم كانت مفصولة عن الرايخ عندما انتهت الحرب العالمية الأولى، جعلت القوى المنتصرة الرايخ الألماني كخاسر وملوم وحيد. قررت القوى المنتصرة في معاهدة فرساي لعام 1918 فصل أجزاء كبيرة من بروسيا الغربية والمدينة الشرقية سالدوا من الرايخ الألماني ونقلها إلى الدولة البولندية. أصبحت منطقة ميملاند في شمال بروسيا الشرقية جزءًا من ليتوانيا اعتبارًا من عام 1923.تم فصل بروسيا الشرقية عن الرايخ الألماني بواسطة “الممر البولندي” – وهو شريط من الأرض يتراوح عرضه بين 30 و90 كيلومترًا، مما أتاح لبولندا الوصول إلى بحر البلطيق – وبالتالي أصبحت بروسيا الشرقيا جيباً داخل الكيان البولوني / الروسي..

اعتبارًا من أكتوبر 1944وكنتيجة لنشوء ما سمي بالممر (Korridor) أصبحت بروسيا الشرقية في عزلة اقتصادية نتيجة الممر، والتي تطورت خلال جمهورية فايمار إلى حالة من الطوارئ في أزمة الزراعة العالمية عام 1928. الحرب العالمية الثانية والفرار بعد تعيين أدولف هتلر مستشارًا لألمانيا في عام 1933، استولى النازيون أيضًا على السلطة في بروسيا الشرقية. خلال الحرب العالمية الثانية، كانت المقاطعة لفترة طويلة مركز القيادة لحملة هتلر شرقًا. من “القيادة الرئيسية للجيش الهتلري وكر الذئاب”” في بولندا الحالية، كان الديكتاتور الألماني يوجه قواته من ذلك المكان حتى نهاية عام 1944.

تقدم الجيش الأحمر، وهو الاسم الذي أطلق على القوات السوفيتية، تقدم في نهاية صيف عام 1944 حتى بلغت الحدود الشرقية الألمانية. واعتبارًا من أكتوبر 1944 بدأ السكان في النزوح نحو غرب ألمانيا.

لكن إخلاء المناطق الشرقية من بروسيا بدأته السلطات متأخراً، لأن القيادة النازية كانت لا تزال تدعي أن النصر الألماني على الأبواب. في أوائل عام 1945، اجتاحت فرق الجيش الأحمر بروسيا الشرقية. من بين حوالي 2.5 مليون نسمة (من سكان الولاية)، فر أكثر من 1.4 مليون شخص، وفي شهر كانون الثاني/ 1945 فر من حوالي مليوني شخص من بروسيا الشرقية في ظروف مروعة. إذ كان الشتاء بالغ القسوة مع درجات حرارة تصل إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر، وتكرر كثيرا وقوع النازحون بين جبهات القتال. لذلك أدت الاشتباكات، والهجمات الجوية، والألغام، وأخيرًا وليس آخراً،  أدى البرد القارص إلى وفاة أكثر من 300,000 شخص. وبعد نهاية الحرب، تم رسمياً إقرار نهاية ولاية بروسيا الشرقية، وتم تقسيم المقاطعة في مؤتمر بوتسدام من قبل القوى المنتصرة. تم إلحاق المنطقة الشمالية بالاتحاد السوفيتي، فيما أصبح الجزء الجنوبي تابعاً لبولونيا.

الحياة في منطقة كالنينغراد السوفيتية

بعد أن فر الألمان من الجزء الشمالي من بروسيا الشرقية التي تغير أسمها إلى ” كالنينغراد “،  جرى توطين مواطنين سوفييت فيها،  في عام 1946 في المنطقة التي أصبحت الآن تحت الإدارة السوفيتية. كان الاتحاد السوفيتي يرغب في إنشاء دولة نموذجية شيوعية هناك. تم تغيير اسم عاصمة الولاية كونيغسبيرغ إلى كالنينغراد. كما جرى تغير أسماء الأماكن الأخرى إلى أسماء روسية، والهدف من ذلك هو تغير ملامح الولاية، ونسيان الإرث الألماني في المنطقة.

في روسيا وروسيا البيضاء، تم تحديد حوالي 20 محافظة تم فيها  تحديد المواطنين الذين ينبغي عليهم الأنتقال إلى يروسيا الشرقية المحتلة، توطين النازحين. تم أجتذابهم بالمال، وبالمستوى المعاشي وظروف الحياة الأفضل، (حسب المقايس الألمانية)  ومنحهم الملكيات، لكن الحرب والنهب اللاحق كان خلف القليل من القرى وكانت الضيعات والمنازل. والعديد من الأماكن مدمرة. لذلك وجد السكان الجدد منازل فارغة، بعضها متهدم، بدون نوافذ ولا أبواب. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مشاكل في البنية التحتية: إذ كانت سكك الحديد البروسية الشرقية (تختلف مقاييس السكك في روسا عن تلك المعتمدة في ألمانيا) لا تتوافق مع المعايير السوفيتية.

كما أن المستوطنون الجدد (القادمون من المناطق السوفيتية) لم يكونوا على دراية بنظام الصرف الصحي الحديث أيضًا. لقد دمروا نظام الصرف، حيث قاموا بأنتزاع الأنابيب واستخدامها كأنابيب مياه في بيوتهم. وبنا على هذه الظروف (صعوبة التأقلم) عاد حوالي 64 % من أول وجبة مستوطنين، إذ عاد نحو 52000 لمساكنهم القديمة إلى وطنهم السابق مستائين. أما من بقوا، فقد تم تشغيلهم في عدد قليل من المزارع الكبرى.

في عام 1969، قدر عدد السكان الذين يعيشون بما فيهم العسكريين في المنطقة الجديدة، المسماة ” كالينينغراد/ Kaliningrad  “، بحوالي 1.2 مليون نسمة. وأصبحت العديد من المناطق، مثل الساحل والمناطق المنخفضة المجاورة، المسماة بالشعاب الرملية، مناطق عسكرية محظورة. صومعة الحبوب تتحول إلى أراضٍ بور. و مع انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، بدأت أيضًا فترة جديدة في الجزء الروسي من بروسيا الشرقية. إذ تم حل الشركات الزراعية الكبرى. وحصل العديد من الفلاحين على قطعة صغيرة من الأرض الزراعية كهدية، ولكنهم لم يستطيعوا غالبًا زراعتها واستثمارها بسبب نقص المال ،  القليل من المزارعين فقط تمكنوا من تشييد مؤسسات أنشطة زراعية جديدة.

وعندما تم توسيع الاتحاد الأوروبي في عام 2004 ليشمل دول البلطيق الثلاث (أستونيا، ليتوانيا، لاتيفيا) وبولندا، أصبحت منطقة كالينينغراد منطقة روسية محاطة بالاتحاد الأوروبي. واتخذت إجراءات تشديد مراقبة الحدود، مما جعل استيراد وتصدير السلع أكثر صعوبة بشكل كبير. وغالبا ما يتعين على سائقي الشاحنات الانتظار لأيام عند الحدود. لذلك، لا يزال العديد من رجال الأعمال يترددون في استثمار الأموال في المنطقة السابقة التي كانت تعرف ببروسيا الشرقية.

واليوم، يعيش حوالي مليون شخص في منطقة كالينينغراد، 86 % منهم روس. معظم الألمان الذين يعيشون هناك والذين يبلغ عددهم حوالي 8,000 هم من الروس الألمان الذين جاءوا من مناطق أخرى في روسيا وكازاخستان في التسعينيات (هناك أقليات المانيا منتشرة في مناطق عديدة في روسيا ودول الاتحاد السوفيتي القديم).

وفي الوقت نفسه، تم ترميم العديد من المباني التاريخية، بما في ذلك كاتدرائية كونيغسبرغ، وذلك أيضاً بتمويل من ألمانيا. ومنذ ذلك الحين، اكتشف الكثير من السكان اهتمامهم بماضي المنطقة الألماني.

والحياة اليوم في كالينينغراد / المنطقة البولنديه ( إيرملاند-مازوري / Ermland-Masuren)

في عام 1949، تم تخصيص المنطقة السابقة من شرق بروسيا / إيرملاند-مازوري، مع أولشتين (ألينشتاين) كأكبر مدينة، للدولة البولونية. هنا، استقر حوالي ثلاثة ملايين من المواطنين من وسط بولونيا وحوالي مليوني شخص مهجر من المناطق البولونية السابقة مثل بوزنان وبروسي من غرب بولونيا. وبقي حوالي 45,000 ألماني، سلاسكتس ومازوريين في المنطقة – بشرط التخلي عن أسمائهم الألمانية وعدم التحدث باللغة الألمانية بعد الآن. وبعد أن كانت الزراعة هي المصدر الرئيسي للدخل في إيرملاند-مازوري سابقاً ولعدة قرون. كان على السكان كسب عيشهم من خلال مشروعات كبيرة وصغيرة. لذلك تعتبر هذه  المنطقة تُعتبر بشكل عام فقيرة ومتخلفة في بولونيا.

تغيرت الأوضاع قليلاً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، حيث أصبحت ماسورين وإيرملاش قادرتين الآن على تطوير السياحة. حيث يأتي العديد من المسافرين بسبب البحيرات العديدة والمناظر الطبيعية الجميلة. كما يزورها العديد من السكان الألمان السابقين في شرق بروسيا المنطقة. وهكذا ففي وقت قصير، أصبح السياحة المصدر الرئيسي للإيرادات، على الأقل خلال أشهر الصيف. وفي عام 2004، أصبحت بولندا عضوًا في الاتحاد الأوروبي. منذ ذلك الحين، تتدفق الأموال من الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى المساعدات الحكومية إلى إيرملاش-ماسورين. تم بناء الطرق السريعة وشبكة سكك حديدية، وتم إنشاء قطاعات اقتصادية جديدة مثل تكنولوجيا السيارات الكهربائية ومعالجة الأقمشة.

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

زر الذهاب إلى الأعلى