تحت أقدام الجهل رشا عمران

التهيؤ المعرفي أو التحيّز الإدراكي حالة ذهنية تحدُث نتيجة تأثير التكرار أو التطبيع مع شيءٍ ما، يصبح معها العقل البشري متحفّزاً لتفسير أيّ شيء حسب ما اعتاد عليه نتيجة التكرار. مثلاً، لكثرة ما تردّد مصطلح الطائفية في كتاباتنا خلال السنوات الماضية، صرنا نقرأ أيّ مفردة قريبة من مفردة طائفية بوصفها طائفية، مثل طافي أو يطوف. تحيل عقولنا هذه المفردات مباشرة إلى المصدر المتكرّر دائماً في أذهاننا، وهو الطائفية. واجهتني شخصياً هذه القصّة مراراً مع مفردات ومصطلحات عادية كثيرة كُنت أحيلها مباشرةً إلى ما تكرّر في لغتي اليومية أو كتاباتي.
يمكنّنا من خلال هذه الرؤية أن نفسّر الخلط الذي وقع به العنصر القادم إلى السويداء في الأيّام القليلة الماضية، حين قرأ على مدخل المدينة جملة “السويداء بلا أمّية”، بوصفها “السويداء بلا بني أميّة”، الأمر الذي استفزّه وجعله يصوّر نفسه وهو يهدّد أهل السويداء كارهي بني أميّة وأعدائهم، ومتوعّداً إياهم بالويل والثبور، ونشر الدين الحنيف في مضارب الكفرة، على طريقة المسلسلات التاريخية والدينية التي برع فيها الإنتاج السوري الدرامي. ذلك أن مصطلح “بني أميّة” بات من المصطلحات المرافقة لمسيرة الحكومة الجديدة ومؤيّديها، فهذا مراسل بني أميّة، وذاك كبير صحافيّي بني أميّة، والآخر خادم بني أميّة… وهكذا تمتلئ صفحات وسائل التواصل ووسائط الإعلام السورية بهذا المصطلح الرثّ، حتى بات يذكر في كلّ حوار ونقاش وشتيمة واتهام، في سياق الحديث السوري اليومي.
ليس مستغرباً إذاً أن لا يميّز هذا العنصر بين “أمّية” و”أميّة”، خصوصاً أنه قادم إلى مدينة السويداء وهو مشحون بحقد طائفي يشكّل مصطلح “بني أميّة” شيفرته المُبطَّنة، التي تريد بسط هيمنة مذهبية تحاول إعادة صياغة البلاد على أساس هُويَّاتي ديني ومذهبي، وعقاب المعترضين على هذه الصياغة هو القتل، كما فعل بنو أميّة الأوائل مع أعدائهم، لكن هذه الشيفرة التي تأخذ قميصاً تاريخياً عظيماً لترتديه، لديها جسد هزيل لا تليق به القمصان من هذا النوع، جسد بهيكل عظمي هشّ يكاد يكون مصنوعاً من القشّ فقط، ذلك أنه يستند إلى الجهل بكل الإرث الأموي الحقيقي بالغ التعقيد، فلا هؤلاء العناصر ولا رؤساؤهم يعرفون شيئاً عن فقه الخليفة عمر بن عبد العزيز، ولا يعرفون شيئاً عن النهضة الفنّية في العصر الأموي (أحد العناصر أيضاً طالب بأن يؤخذ “الإصبع” الموجود عند مدخل السويداء إلى مدينة الرقّة، و”الإصبع” هذا هو نصب نحتي منقوش بالخطّ العربي دلالةً على أهمية الكلمة)، وهم أقلّ الناس معرفة بشعرة معاوية (لو أنهم يعرفونها لما قطعوها نهائياً في الساحل سابقاً، وفي السويداء أخيراً). هم يريدون من استعارة قميص الأمويّين إرهاب خصومهم، وتبرير الإقصاء، وتكريس السلطة عبر مشاركة مؤيّديهم هذا الوهم التاريخي لإشغالهم بنشوة غرائزية تلهيهم “مؤقّتاً” عن الاحتجاج على الفشل في الملفّ الخدمي والمعيشي والأمني والجنائي والمجتمعي.
قد يكون هذا العنصر أو ذاك مجرّد ضحايا لما حصل في سورية في الـ14 عاماً، عاشوا في أسوأ الظروف في شروط معدومة الإنسانية، حرموا من معظم حقوقهم البشرية، وتركوا للفقر والتجهيل، لا يتلقّون من العلم سوى الديني المتطرّف، عُبِّئوا بكراهية المختلف دينياً ومذهبياً (هذا خطابٌ يستخدمه تجّار الدين والحروب ويستقطبون به ضحايا مثل هؤلاء ليكونوا في خدمة أجنداتهم). هؤلاء ضحايا نظام الأسد أولاً، وضحايا المجتمع الدولي الذي استثمر طويلاً في الكارثة السورية، ولا يزال، وضحايا الدين السياسي وأسياده ممّن تصدّروا الثورة السورية وقبضوا ثمن تحويلها ثورةً مضادّة تناسب أجندات دول معنية بمصالحها وأمنها القومي، ولو على حساب شعوب أخرى. لكنّهم اليوم ضحايا السلطة السياسية المؤقّتة التي تريد تركيع المعترضين على أدائها عبر العنف المنفلت من عقاله، الذي تمارسه فصائل معبّأة بعقيدة الكراهية ضدّ آخر مجهول لها، وجاهلة حتى بتاريخ العقيدة التي تحملها، وجاهلة أولاً ببلادها وثقافتها، وبتاريخ هذه البلاد الذي يتحوّل صورةً تدوسها أقدام مجموعة متطرّفين قتلة، لا تربطهم بهذه البلاد سوى أفكار دينية لا يعرفون شيئاً عن جذرها.