تحديد بوصلة الأمة ما بين الدين والثقافة والحضارة! د. محمد سعد الدين *

لم يكن مهر مكافأة المؤمن بالجنة رخيصا كما يعتقد البعض بل إن ثمنها كبير جدا. ولعل مثال ذلك يبدو جليا بشروط النصر للطائفة المنصورة. فاذا كان غير المؤمن يكفيه لتحقيق النصر على أعدائه في هذه الدنيا الفانية ان يأخذ بسنن الله في الكون من إعداد وقوة تفوق عدوّه فان المؤمن يحتاج إضافة الى ذلك إلى احترام قواعد النصر الالهي الصارمة، من اتباع شامل لا لبس به لأوامر الله ورسوله وعدم موالاة اعداء الله أو المنافقين مهما بدا الطريق وعرا وطويلا. ولعل هذه الجزئية المهمة هي التي تحدد عمق إيمان الانسان الصحيح بربه ووعوده.
ما حدث منذ قرن ويحدث من ارتماء جل أبناء الأمة في احضان اعدائهم الذين حذرهم الله منهم بوضوح مرات ومرات، وتكرار لا لبس فيه، ربما نتج عن اختلاط الامر لدى البعض بين الدين والثقافة والحضارة. وهي الأركان الثلاثة المسؤولة عن تكوين افكار الإنسان وعقيدته ورؤيته لأمور الدنيا وتصنيفها. كلما ازداد الإنسان تدينا حقيقيا كلما زادت مساحة الدين في تكوين رؤيته حتى يضحى لدى (صفوة الصفوة) هو المصفاة التي تمر من خلالها كل الافكار والاستراتيجيات بل حتى العادات والتقاليد المتوارثة والمكتسبة فينبذ ما يعاكسه ويحتضن ما يتناغم معه.
عندما تطغى الثقافة الاجتماعية والنظرة القطرية (وهي منظومة العادات المكتسبة والتعصب لفئة من الامة دون غيرها) على الدين، يصبح المسلم في الشرق غريبا عن أخيه بالغرب، بل ربما اقرب الى اصحاب الديانات الأخرى من شقيقه المسلم بالدول الأخرى. ربما لهذا حرص أعداء الأمة منذ عقود طويلة على تقسيمها وصبغ شعوبها حسب ثقافتها الاقليمية وتحريض العامة على الاحتفال بالأعياد الوطنية والمناسبات القطرية اكثر بكثير مما يحتفلون بأعيادهم الدينية الجامعة ودفعهم الى المبالغة بتقديس علم كل دولة ورفعه في كل المناسبات المستحقة او حتى التافهة كحفلات الطرب ومباريات الكرة وغيرها.
الثقافة المتوارثة والمكتسبة قد تكون عاملا مضافا الى قوة الامة إلا ما تم تنقيتها من كل ما يعارض قيم المجتمع الدينية واعرافه الاصيلة.
الحضارة (تكون أكثر تأثيرا كلما ازدادت عراقة). قد تشكل رافدا مهما لبناء انسان محترم وأمة راقية اذا تم تهذيبها بما يناسب الدين الصحيح والعصر الحديث. إلا ان المبالغة في الاعتزاز بها ربما يبرر للمسلم تهميش ضوابط الدين بحجة عمق حضارته التي سبقت حتى ظهور الأديان!
عندما تفقد الامة بوصلتها الدينية (كما هي حال أمة غثاء السيل حاليا) تلهث ضائعة تبحث عن ذاتها بين دين لا يحترم جوهره يتمسك العامة ببعضه ويجدون مبررات ثقافية (ومنطقية) لتحييد بعضه الآخر، وبين ثقافة فكرية واجتماعية معقدة تصبح عبئا على المجتمع في اغلب مكوناتها بل عائقا امام تفدمه، وحضارة مشوهة ينتقي الكثيرون منها ما يناسب انانيته. وهنا ربما يشعر جل المجتمع بالنقص وربما بالدونية امام الآخرين وطوفان الثقافات والحضارات الأخرى ويصبح تقليدها والارتماء بأحضانها هو هدف جل العامة وبعض نخبتها، بل يضحى الاقتناع غير القابل للنقاش بأن نصر خير أمة اخرجت للناس مرهون برضى ومعونة اعداء الله!! او بعضهم.
نعم علينا أن نتعلم الجيد من ثقافات المجتمعات الأخرى على اختلاف مشاربهم ونتبادل معهم الخبرات والتجارة دون ان نسير خلفهم وعلى خطاهم ونطور ديننا كما يرغبون!! و بما يناسب ثقافتهم واهواءهم. نحلل حرامنا كي يتناغم مع شروطهم ونحرم حلالنا لنرضيهم بعد أن مزجنا بين الدين والثقافة والحضارة وانتجنا خليطا مربكا اضاع بوصلة الامة وطريقها.
طبيب اخصائي وكاتب من اسرة جريدة (البلاد) لندن اونتاريو
(من مقالات الطبعة الورقية )