تقارير إخبارية

تحليل إخباري لجريدة (القدس) الفلسطينية : “إيباك” تستهدف حلفائها السابقين بذريعة عدم تأييدهم الأعمى لإسرائيل

 

واشنطن – سعيد عريقات

تحليل إخباري جريدة (القدس) الفلسطينية

لم يعد الخلاف مع “لجنة الشؤون العامة الأميركية–الإسرائيلية” (أيباك) محصورًا بالمنتقدين التقليديين لسياسات إسرائيل، بل بات يطال حلفاء الأمس أنفسهم، متى أظهروا ترددًا ولو محدودًا في منح إسرائيل دعمًا غير مشروط. هذا ما كشفه تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، حوّل سباقًا انتخابيًا محليًا مبكرًا في ولاية نيوجيرسي إلى ساحة اختبار صريحة لنفوذ المال السياسي، ولمدى ضيق تعريف “الولاء” داخل السياسة الأميركية.

السباق يدور حول مقعد شاغر في الكونغرس، لكن ما يجري فيه يتجاوز حدوده الجغرافية. فقد أطلقت لجنة عمل سياسي فائقة تُعرف باسم “مشروع الديمقراطية المتحدة”، الذراع الانتخابية لأيباك، حملة إعلانية هجومية ضد توم مالينوفسكي، النائب الديمقراطي السابق الذي طالما صُنّف ضمن المؤيدين التقليديين لإسرائيل في الكونغرس. الاستهداف لم يأتِ من خصومه الأيديولوجيين، بل من الجهة التي دعمته سابقًا، في مشهد يلخص التحوّل العميق في سلوك جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

الإعلان، الذي بدأ بثه قبل أسابيع من انتخابات تمهيدية نادرة تُجرى في شباط، هاجم مالينوفسكي بذريعة تصويته على تشريع يتعلق بتمويل تطبيق قوانين الهجرة الفيدرالية، في محاولة لربطه بسياسات ترحيل قاسية نُسبت إلى إدارة دونالد ترمب. غير أن هذه الذريعة بدت واهية، بل متناقضة، مع سجل الرجل المعروف بمناهضته الشرسة لترمب، ومع سيرته الشخصية كمهاجر سابق من بولندا الشيوعية. وسرعان ما تبيّن أن الهجرة ليست سوى ستار، وأن الدافع الحقيقي أعمق وأكثر صراحة.

فبحسب القائمين على الحملة، فإن “خطيئة” مالينوفسكي الفعلية تكمن في تلميحه إلى إمكانية ربط المساعدات الأميركية لإسرائيل بشروط سياسية أو حقوقية. هذا الموقف، الذي كان يُعدّ حتى وقت قريب جزءًا من نقاش مشروع داخل الحزب الديمقراطي، أصبح في منطق أيباك خروجًا عن الصف، بل سببًا كافيًا لإطلاق حملة إقصاء مكلفة. هكذا، لم يعد التأييد لإسرائيل كافيًا بحد ذاته، ما لم يكن تأييدًا كاملًا، مطلقًا، وغير قابل للنقاش.

بهذا المعنى، لا تعبّر الحملة عن خلاف عابر، بل عن إعادة رسم صارمة لحدود “المقبول والمرفوض” سياسيًا. فوفق تعريف أيباك الجديد، لا مكان للوسط، ولا اعتراف بتعدد أشكال الدعم. إما اصطفاف كامل دون شروط، أو خروج من “نادي المؤيدين”. وهو تحوّل يعكس انتقال المنظمة من بناء تحالفات عريضة داخل الحزبين، إلى فرض اختبار ولاء ضيق لا يحتمل أي تمايز.

وقد أنفقت اللجنة أكثر من 800 ألف دولار في هذا السباق وحده، وهو رقم ضخم في انتخابات تمهيدية محلية يشارك فيها 11 مرشحًا. هذا السخاء المالي لا يمكن فصله عن سياق أوسع، إذ أنفقت أيباك نحو 35 مليون دولار في انتخابات 2024، وأسهمت في إسقاط نواب تقدميين بارزين مثل جمال بومان وكوري بوش. غير أن المفارقة في نيوجيرسي أن هذا الهجوم قد يصب في مصلحة مرشحة تقدمية صريحة، أناليليا ميخيا، المعروفة بانتقادها الحاد للحرب على غزة، ما يفضح أحيانًا الأثر العكسي لسياسات الترهيب الانتخابي.

وردّ مالينوفسكي لم يخلُ من التحذير، إذ اعتبر أن تضييق تعريف «الدعم لإسرائيل» إلى هذا الحد سيؤدي في النهاية إلى تفريغه من مضمونه. وانتقد قادة يهود بارزون هذا النهج، بينهم جيريمي بن عامي من منظمة “جي ستريت”، الذي حذّر من أن تحويل الخلاف السياسي إلى أداة إقصاء قد يولد غضبًا يتجاوز إسرائيل ليطال المجتمع اليهودي الأميركي نفسه. كما وصف السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، دانيال شابيرو، الحملة بأنها مضللة وغير نزيهة.

وفي جوهر هذه المعركة سؤال بسيط في صياغته، عميق في تداعياته: هل الدعم الأميركي لإسرائيل حق مطلق لا يُناقش، أم سياسة تخضع، كغيرها، لمعايير أخلاقية وقانونية؟ إصرار أيباك على الإجابة الأولى، وشيطنة كل من يتبنى الثانية، لا يعكس قوة بقدر ما يكشف هشاشة خطابٍ لا يحتمل الاختلاف.

وتكشف قضية مالينوفسكي تحوّلًا أخطر في دور جماعات الضغط، من التأثير على السياسات إلى محاولة هندسة المشهد الديمقراطي ذاته، عبر رسم حدود النقاش وتحديد من يحق له الترشح ومن يجب إقصاؤه. في هذه المعادلة، لا يُعاقَب الخصوم فقط، بل يُوجَّه إنذار صريح إلى الحلفاء: التفكير بصوت عالٍ قد يكون ثمنه الإعدام السياسي.

وهكذا، تصبح انتخابات محلية محدودة المشاركة مرآة لمستقبل السياسة الأميركية، حيث يتزايد نفوذ المال الخارجي، ويتراجع هامش الاختلاف المشروع. والسؤال لم يعد من يفوز في صندوق الاقتراع، بل من يملك القدرة على تحديد الخيارات المتاحة للناخبين أصلًا، ومن يفرض عليهم تعريفًا أحاديًا للولاء، لا يعترف إلا بالتأييد بنسبة مئة بالمئة.

 المصدر : جريدة (القدس) الفلسطينية

زر الذهاب إلى الأعلى