تذكّر محبة أهل سورية شهد الراوي

في جامعة دمشق عام ٢٠٠٥، لم يكن الكثير من العراقيين قد توافدوا بعد إلى سورية الحبيبة. أتذكر أنني كنت أول طالبة عراقية تدرس هناك، وكنت قد خرجت من حصار طويل إلى مدينة بدت مثل نشيد لم أعتد عليه. كان الطلبة يتحلقون حولي بفضول شفيف، وكأنهم يلمسون قطعة من بغداد لم يروها إلا في الأخبار. فقد عشنا سنواتٍ من العزلة جعلتنا غرباء عن محيطنا وعن أنفسنا أيضًا. شعرت منذ اللحظة الأولى أنني أحمل على كتفيّ مهمة صغيرة تشبه السفيرة السرية لبلد مجروح لم يكشف عن بهائه بعد. جلست على المصطبة في حدائق الجامعة، أضم كتابًا إلى صدري، أرفع ظهري باستقامة، وأترك ملامحي شبه جادة. صبغت شعري أسود لأشبه الصورة التي ظلت في خيالهم عن الفتاة العراقية ذات الشعر الفاحم الطويل والعيون الواسعة ونصف ابتسامة يشوبها كبرياء رقيق. كنت أنظر إليهم بعنفوان دفاعًا عن حزن لم يفهموه بعد، وأشيح بنظري عن كل ما قد يربكني كأنني ابنة بغداد التي تحفظ أسرار ألف ليلة وليلة ووجهة سندباد الأخيرة. بقيت هكذا، قليلة الكلام، كثيرة التكلف، أتظاهر بقوةٍ لا أملكها تمامًا. ومع ذلك، لم ينفر مني أحد، بل احتضنوني بقلوب مفتوحة، وكأنهم شعروا بتلك الغريبة التي اقتُلِعت من بيتها فجأة وفقدت بوصلتها في زحام الغربة. جرّوني برفق نحو عالمهم البهيج، صرت أذهب معهم صباحًا إلى المقصف لتناول الفطور، أحدثهم عن أزقة بغداد وعن رائحة التنور ولهجتنا الثقيلة بالشجن. أتذكر تلك الفتاة التي استنكرت قلادة خريطة العراق على عنقي وقالت لي بحدة إن عليّ ارتداء خريطة الوطن الذي يطعمني، لكن الطلاب من أهل الساحل والدمشقيين هاجموها بقسوة دفاعًا عني حتى اعتذرت باكية. بينهم تعلمت أن الوطن؛ هم أولئك الناس الذين يضمدون حزنك دونَ أن يخافوا من العدوى. وعندما عرفوا بالصدفة أن لي اهتمامات في كتابة الشعر آنذاك؛ أقاموا لي أمسية شعرية في أحد قاعات الجامعة وطبعوا الإعلانات وأتوا بأهلهم ليصفقوا لي رغم تواضع كلماتي. لا أنسى أبناء السويداء عندما وفروا من مصروفهم ليحتفلوا بعيد ميلادي، وبنات درعا كنّ يجدلن شعري حين يشتد الحر. صديقتي من القامشلي كانت تزينني بمساحيق بسيطة قبل أي حفلة، وجوسلين المسيحية تجلب لي كل يوم سندويشًا من يدَي أمها لأني قلت مرة إنه أعجبني. لم يجرحني أحد قط، فما أن تسقط دمعة مني على العراق حتى يأخذونني إلى السينما أو نصعد جبل قاسيون نشرب القهوة أمام أضواء دمشق المبهرة. دخلت بيوتهم الطيبة التي تفوح منها رائحة الصابون والياسمين الدمشقي وضوع النارنج، حيث الستائر يدفعها برقة هواء التراس، والفتيات يضحكن هناك بجانب الأرجيلة وصحون الفاكهة وكاسات المتة. تصدح في غرفة المعيشة سورة التين والزيتون؛ تخرج جارتنا بإسادلها المُندى بالمسك الأبيض؛ تمد صحن يعلوه عناقيد من العنب الأخضر وتهمس لي: “لو أردت أن تعيش عيشة هنية فتذكّر محبة أهل سورية
صفحة الكاتبة على منصة x
https://x.com/ShahedAlrawi/status/1946924557585326128?t=8y4-5APehnBNdlcquIzLPQ&s=03