جدعون ليفي في (هآرتس) : من قال إن طائرات “إف35” وعد إلهي لشعب دون الآخر؟

تسقط علينا البشائر كأنها هبات من السماء. ورغم أن وسائل الإعلام تصور كل شيء على أنه كوارث وهزائم، لم يحدث منذ زمن أي تغيير يبشر بالأمل. هاكم القائمة: يمر الإسرائيليون والفلسطينيون بعملية متسارعة لتدويل الصراع، ويتخذ مجلس الأمن قراراً يشير إلى الاتجاه الصحيح، وتستعيد إسرائيل أبعادها الحقيقية بسرعة مشجعة، ويزداد خروج مصير الفلسطينيين عن سيطرتها الحصرية. يصعب طلب المزيد. فما تم تقديمه في إسرائيل على أنه سلسلة من الهزائم المهينة، هو في الواقع سلسلة من التطورات المشجعة.
التطور الأهم هو استعادة إسرائيل لمكانتها الحقيقية. لقد عادت القوة العظمى إلى هيبتها، وعادت دولة الرعاية إلى مكانتها الطبيعية. لقد انتهى الوضع الذي كان يصعب فيه معرفة من الموجود في جيب من، وانتهى اختلاط الأدوار بين القوة العظمى ودولة الحماية، الذي استمر عقوداً. هذه بشرى سارة لإسرائيل.
لقد انتهى جنون العظمة، جنون عظمة الدولة القادرة على كل شيء. لم يعد موجوداً، وهذا جيد. لم يعد بإمكان إسرائيل فعل ما تشاء. كان لا بد من إنهاء الإبادة الجماعية في قطاع غزة، لا لأن نتنياهو أراد ذلك، بل لأن ترامب أمر بذلك. لولاه لاستمرت المجزرة.
حتى “الهزيمة” التي تتمثل في تزويد السعودية بطائرات إف35 ليست هزيمة بالضرورة. إن توزيع السلاح في المنطقة قد يؤدي إلى احتواء دولة إسرائيل التي تصرفت حتى الآن كقوة متنمرة يخشاها الجميع. تقصف وتدمر من الهند وحتى إفريقيا، منتهكة بذلك كل سيادة ممكنة في المنطقة، حيث كان كل شيء مسموحاً لها، ثم لا أحد يعاقبها على شيء.
انتهى، وهذا أمر جيد لإسرائيل؛ لأن بعض الكوارث التي أصابتها كانت نتيجة مباشرة لغطرستها وعدوانيتها، وكأنه لم تكن هناك دولة أخرى غيرها. الآن انتهى الأمر. لم تعد الطائرة الأكثر تقدماً في العالم في يدها وحدها، وسيتعين عليها الحذر قبل أي قصف قادم في المنطقة. وسيطرة الولايات المتحدة على ما يحدث في قطاع غزة تطور إيجابي. ما تجيد إسرائيل فعله في قطاع غزة أصبح واضحاً منذ عقود، لا سيما في السنتين الأخيرتين. والنتيجة أن قطاع غزة أصبح مقبرة. الآن، جاء فتى جديد إلى الحي، سنشاهد ما الذي يقدر على فعله. لا يمكن أن يحدث أسوأ مما فعلته إسرائيل.
إن انتزاع السيطرة من إسرائيل قد يؤدي إلى خطوة مشابهة في الضفة الغربية. والآن، يتحول الأمر إلى حلم: دخول قوة دولية إلى الضفة الغربية وحده الكفيل بوضع حد للوضع الذي يعيش فيه شعب عاجز، بلا حماية أو حقوق، بينما يتم انتهاكه من قبل شعب آخر بلا هوادة. ما زال حلماً بعيد المنال، لكنه قد يتحقق.
في هذه الأثناء، الولايات المتحدة تعزز علاقاتها مع السعودية: ماذا يضير ذلك إسرائيل؟ إسرائيل تطالب بتعويض على المس بـ “التفوق النوعي”، كما يبدو أن التفوق النوعي أعطي لها كوعد إلهي، مع حقوقها الحصرية في البلاد. علام يستند اعتقاد إسرائيل أنه مسموح لها التسلح من أخمص القدم وحتى الرأس دون غيرها؟
هجمات في كل مكان يحدث فيه شيء ما لا يرضيها، انتهاكات صارخة لوقف إطلاق النار، تصفيات وأعمال إرهابية. إسرائيل لا تؤمن فقط بأن كل شيء مسموح لها، بل هي على قناعة أيضاً بأن ذلك غير مسموح لغيرها.
هذا التوجه أفسدها، ربما ينتهي الآن. عندما تكون إسرائيل أكثر تواضعاً في طموحاتها وأقل تسلحاً، فربما تزداد فرص قبولها في المنطقة. في 1970 نشر شبتاي تيفت كتابه بعنوان “لعنة النعمة”، عن ثمن باهظ للنجاح العسكري المدهش في 1967. والآن، حان وقت “نعمة اللعنة”: ليس لعنة ما يحل علينا، بل ربما بركة تشير إلى نهاية عصر المسيحانية والتعالي على الجميع، بداية العودة إلى الواقع.
جدعون ليفي
هآرتس 20/11/2025
عن (القدس العربي) لندن