سياسة

جدعون ليفي  في هآرتس :  هالة ومنقذوها والموت.. يخبرون العالم: حتى النفاق لم يعد لائقاً لهؤلاء المجرمين  

 

عين مغلقة وعين مفتوحة، يدها تمسك بالحائط الذي انهار فوقها، هي عالقة بين الأنقاض، رأسها وجسدها عالقان، هي هكذا منذ الليل، مصباح ملقى بجانبها تحاول إمساكه، ربما ينقذها. وهذا المصباح أفلت من يدها، بعد ذلك رفعت كفها وكأنها تشير إلى أنها ما زالت على قيد الحياة، وتصارع على قول “أنقذوني، أنا متعبة، لم أعد أستطيع”. وفيما تبقى لها من قوة قالت: “أرجوكم، أنقذوني”. كانت هذه كلماتها الأخيرة. “تحدثي، يا هالة، تحدثي”، حاول صهرها أنس إقناعها، ولكن دون فائدة. أغمضت عينيها.

ليس واضحاً كم استمرت على قيد الحياة بعد هذا التوثيق. أمس قبل الظهر، كتب نير حسون في شبكة “اكس”: “هذه المرأة اسمها هالة عرفات، ابنة 35 سنة، منذ الساعة الثانية فجراً، هي و14 شخصاً من أبناء عائلتها، معظمهم من الأطفال، موجودون تحت أنقاض البيت في شارع الزرقاء في حي التفاح. تحدثت مع صهرها، وحسب قوله فإن كل من حاول الاقتراب للمساعدة هاجمته المسيرات. إذا كان لدى أحد فكرة عن كيفية المساعدة، فهو الوقت المناسب لتقديمها.

المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي لم يكلف نفسه عناء الرد على حسون مدة 12 ساعة. لماذا الاستعجال؟ بعد ذلك، رد المتحدث بلسان الجيش وقال شيئاً ما، “لا توجد إحداثيات”. توفيت هالة وزوجها وأولادها الأربعة وهم يتألمون بشكل لا يمكن تخيله، 14 من أبناء العائلة، بينهم سبعة أطفال، قتلوا في قصف البيت.

لم تكن هذه العائلة الوحيدة التي قتلت أول أمس ليلاً، هناك عائلة عزام التي أبيدت أيضاً. أمير راتب، وكريم، وأربعة أطفال رضع، صور موت الأطفال الأربعة وهم مستلقون على ظهورهم وملفوفون بالأكفان البيضاء ووجوههم مكشوفة، هي من الصور الأكثر قسوة. وجه أحد الأطفال ممزق. يوجد حسابات في الشبكة تحولت إلى يوميات للمسالخ. كل إسرائيلي ملزم الآن بالنظر إليها مباشرة، ولتمس مشاعره وتصطدم روحه الغضة والحساسة. محظور حذف أي صورة من قطاع غزة. هذا ليس كلاماً فارغاً، بل الحقيقة التي يجب رؤيتها.

كلمات هالة الأخيرة والعجز عن إنقاذها، لا تتوقف. امرأة عالقة تحت أنقاض بيتها ربما تثير الرغبة الشديدة في إنقاذها. لكن هذا الوضع أثار لدى الجيش الإسرائيلي إرسال مسيرات الموت تقضي على رجال الإنقاذ، كما حدث أمس في شارع الزرقاء في مدينة غزة.

حسب التقارير، كل شخص اقترب من المبنى سارع الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار عليه. المجندات الجريئات اللواتي يحملن عصا التحكم جلسن، وبالأحرى الجنود، لعبن لعبة الموت ضد كل من حاول الإنقاذ. هؤلاء هم جنود جيش الدفاع الإسرائيلي أنفسهم الذين تحتضنهم إسرائيل وكأنهم ضحايا وأبطال هذه الحرب. هم ليسوا ضحايا ولا أبطال عندما يطلقون المسيرات على الضعفاء. يطلقون النار أيضاً على مراكز توزيع المساعدات. أمس سحق 20 شخصاً هناك حتى الموت بعد أن رشهم الجنود بغاز الفلفل.

هذا هو نفس جيش الدفاع الإسرائيلي الذي أنقذ في 1999 الطفلة التركية شيرين فرانكو من تحت الأنقاض، ابنة 9 سنوات، أثناء الهزة الأرضية في بلادها. لم ينقذوها فحسب، بل جلبوها للعلاج في إسرائيل. صورتها ويحملها عقيد إسرائيلي أصبحت أيقونة. 

الآن، لم يعد الجيش الإسرائيلي ينقذ أحداً، بل يطلق النار على من يحاول إنقاذ امرأة عالقة بين جدران بيتها. هل هناك وحشية فظيعة أكثر من ذلك.

تنفد الكلمات مرة أخرى. في الزلزال القادم، في تركيا أو في أي دولة أخرى في أرجاء العالم، نأمل بأن وحدات الإنقاذ في الجيش الإسرائيلي التي ستجرؤ على النظر في وجهها في محاولة مصطنعة للإظهار بشكل أفضل وتنقذ الناس، ستُطرد بشكل مهين. هذا الجيش فقد الحق في أن يكون منافقاً حتى. الجيش الذي يطلق النار على رجال الإنقاذ والجائعين يفقد الحق الأخلاقي في تقديم المساعدة.

لا، شكراً، سيقول العالم، لن نقبل أي مساعدة من أيديكم الملطخة بدماء الأشخاص العاجزين.

جدعون ليفي 

هآرتس 17/7/2025

عن (القدس العربي)

زر الذهاب إلى الأعلى