حافات المعاني 19 حين تفلس الأيديولوجيا… تبدأ الشتيمة: (المثقفون) العراقيون بين عقلٍ يفكّر… وقطيعٍ يشتم! سيّار الجميل

(1) على أطلال وطن… يتكاثر المتفلسفون: حين تعجز المعرفة… تتكلم الأيديولوجيا شتيمة
ما كتبته عن مجلس الإعمار لم يكن رأيًا عابرًا، بل قراءة تاريخية موثقة لتجربة حاولت أن تبني دولة حديثة، قبل أن تُجهضها الانقلابات وصخب الشعارات. لكن ما واجهته لم يكن نقدًا، بل انحدارًا صريحًا إلى مستوى السباب والتخوين، وكأننا لم نعد في ساحة فكر، بل في فوضى أصوات تتنازع بلا معنى. السؤال لم يعد: من يملك الحجة؟ بل، من بقي لديه حد أدنى من أخلاق النقاش؟ المثقف الحقيقي لا يخاف الوثيقة، ولا يهرب من التاريخ، ولا يستبدل البرهان بالشتيمة. أما من لا يملك سوى الصراخ، وصنع الافتراءات ، فهو لا يدافع عن فكرة، بل يعلن إفلاسه – فكريًا وأخلاقيًا – على الملأ.
(2) تاريخٌ يُقلقهم… فيشتمون
حين تتحول بعض الأصوات إلى جوقة شتّامين، فاعلم أن الحقيقة التي طُرحت أصابت موضع الألم. لم أجد حجة واحدة تُناقش ما كتبت، بل وجدت انفجارًا من السباب، وكأن العجز حين يكتمل… يتحول إلى ضجيج. هذه ليست صدفة، بل قاعدة، حين يفلس الخطاب، ترتفع الشتائم. المفارقة أن من يصرخون بتعصّب وغلو باسم “الوطنية” و“التقدمية” يعجزون عن أبسط قواعد الفكر: قراءة، فهم، ثم رد. لكنهم اختاروا الطريق الأسهل، الصراخ. والمزايدة في الصراخ ، طوال تاريخنا، لم يكن قوة… بل ستارًا للفشل.
(3) الشتيمة كبديل عن التاريخ والافتراءات الجاهزة
ما يحدث ليس انفلاتًا عابرًا، بل انعكاس لذهنية أيديولوجية مغلقة، لا تعيش إلا على ثلاثية: التلقين، التقديس، والتخوين. لا تقرأ لتفهم، بل لتدافع. ولا تناقش لتصل إلى الحقيقة، بل لتثبت أنها كانت “محقّة” مسبقًا. وحين تصطدم بالوقائع، لا تراجع نفسها… بل تهاجم من يكشفها. وهنا تبدأ المهزلة: شخصنة بدل موضوع، شتيمة بدل حجة، وضجيج بدل تفكير. بالله عليكم ، ماذا تقولون لـ ( مثقفة وكاتبة شيوعية عراقية ) لا اعرفها أبدا تكيل الافتراءات والاتهامات والشتائم ضدي وضد آخرين بمجانية رخيصة وبلا اخلاق ؟ ما هذا الوباء الذي يجتاح مجتمعنا العراقي ؟
(4) حين تتحول العقيدة السياسية إلى عجز: يصنعون الضجيج ضد العقل: لماذا يخافون من الحقيقة؟
الأيديولوجيا حين تتصلّب، تتحول إلى قيد على العقل. عندها لا يرى صاحبها الواقع، بل صورته المتخيلة عنه، وكل ما يخالفها يصبح تهديدًا يجب إسكاتُه. لهذا لا يولد نقاش أو حوار حقيقي:
لأن الحوار يفترض الشك… وهم لا يشكّون. ويفترض المراجعة… وهم لا يراجعون. بل يقدسون ما اعتقدوا به منذ طفولتهم ويفترض الاعتراف بالخطأ… وهم يعدّونه خيانة. ما يحدث ليس دفاعًا عن فكرة، بل دفاع مذعور عن سردية تخشى الانكشاف.
(5) الأيديولوجيا في لحظة انكشاف: لأنني لا أنتمي… هاجموني جميعًا!
منذ عقود، بُني خطاب كامل على وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتم إقصاء كل قراءة مختلفة بوصفها جهلًا أو خيانة. لكن حين تظهر تجربة موثقة – كتجربة مجلس الإعمار – لا تُناقش، بل تُرفض، لأنها لا تنسجم مع الرواية الجاهزة والدعايات السياسية سواء مع او في الضد . فيبدأ التشويه بدل النقد، والإلغاء بدل التحليل. واليوم، بعد كل هذه السنوات، لا يزال المشهد ذاته يتكرر: وثيقة تُقابل بشتيمة، فكرة تُواجه بتخوين، وتاريخ يُعاد تشكيله وفق أهواء الأيديولوجيا. وبقايا أحزاب عفا عليها الزمن وكلها تصارعت مع بعضها وكلها كانت مشبوهة وآثمة .
(6) المثقف الحقيقي… حيث يسقط الزيف: أقفاص (المثقفين): كيف يأكل بعضهم بعضًا ؟
المثقف الحقيقي لا يتنطّع، ولا يتعالى، ولا يحتمي بالصوت العالي ليُخفي خواءه. ولا يحتكر الثقافة باسمه وهو لا يشتم، لأن اللغة عنده أداة معرفة لا وسيلة انحطاط. ولا يدين الا باسانيد .. لا يُقدّس أشخاصًا،ولا احزابا ولا شعارات .. لأن التقديس اغتيال للعقل. ولا يُجرّح بالآخرين أو بالأحداث، لأن النقد عنده تفكيك واعٍ لا تشهير رخيص. المثقف الحقيقي لا يحتكر وطنًا، ولا يمنح نفسه حق الوصاية، ولا يوزّع صكوك الانتماء. الوطن أكبر من الجميع… ومن يحاول مصادرته، يكشف ضيق أفقه قبل أن يثبت أي حق. هو لا يميّز نفسه بالصراخ، بل بالرصانة. ولا ينتصر لنفسه، بل للحقيقة. فإذا فقد الأخلاق… فقد الثقافة. وإذا غابت الحكمة… تحوّل الكلام إلى ضجيج. وإذا سقط القول الرصين… لم يبقَ إلا ادعاء يتهاوى عند أول اختبار.
(7) حين يُهان العلماء… يُهان المجتمع والمثقف الذي لا يشتم… خطر على الجميع
ما نشهده اليوم من تجريح سافر بالعلماء أمام الناس ليس رأيًا، بل سقوط أخلاقي علني. العالم لا يُناقش بالسباب، ولا يُرد عليه بالتخوين، ولا تُواجه أفكاره باغتيال سمعته. هذا ليس نقاشًا… بل اعتداء على المعرفة نفسها. وحين يصبح التطاول على أهل العلم أمرًا مألوفًا، فاعلم أن المجتمع بدأ يفقد معاييره، وأن الجهل لم يعد حالة عابرة، بل صار سلوكًا يتباهى به أصحابه. المثقف الحقيقي لا يحرّض العامة، ولا يختبئ خلفهم، ولا يستخدمهم أداةً للإساءة. أما من يعجز عن مواجهة الفكرة، فيلجأ إلى تشويه صاحبها… فهذا لا يمارس نقدًا، بل يعلن ضعفه. ولهذا يجب أن تُقال بوضوح: التجريح بالعلماء ليس حرية… بل فوضى. وليس نقدًا… بل إساءة. وليس شجاعة… بل جبن فكري.
( تهمة الاستقلال… وشهادة الزيف: من لا يملك حجة… يرفع صوته
لأنني مستقل الإرادة، غير مؤدلج، وأرفض أن أنتمي إلى أي قطيع سياسي، أصبحت هدفًا للجميع.
هذا ملكي حتى النخاع يتهمني بأنني شيوعي، وذاك شيوعي عتيق يصرخ بأنني ملكي. الناصري يراني رجعيًا، والبعثي يصفني بالعميل. الإسلامي يتهمني بالعلماني، والقومي يراني ليبراليًا، والليبرالي يتهمني بالقومي… والقائمة لا تنتهي. أي عقل هذا الذي لا يستطيع أن يتصور إنسانًا خارج قفصه؟ الحقيقة التي لا يريدون الاعتراف بها: أنهم لا يهاجمونني لأنني أنتمي… بل لأنني لا أنتمي. وجود الإنسان الحر يربكهم، لأنه يفضح هشاشة الاصطفاف الذي يعيشون داخله. ولهذا يتهمون… لا لأن لديهم دليلًا، بل لأنهم يفتقرون إليه.
(9) لا يهمني الضجيج: حين يصبح (المثقف) شتّامًا
لا تعنيني الشتائم، ولا تزعجني الافتراءات، ولا تهمني حملات التشويه، مهما ارتفعت ومهما تكررت.
لأن ما يصدر عن عجزٍ فكري لا يستحق أن يُؤخذ بجدية. أنا لا أبحث عن رضا أحد، ولا أطلب شهادة من تيار، ولا أنتظر اعترافًا من جماعة. لكن اعرف من هو الصديق ومن هو الخصم ما أبحث عنه هو الحقيقة… وما ألتزم به هو ضميري. قولوا ما شئتم… فكل تهمة ليست إدانة لي، بل مرآة لكم. وكل هذا الضجيج، مهما علا، لن يغيّر حقيقة واحدة: أن الفكر يُواجَه بالفكر… وأن من لا يملك إلا الشتيمة، فقد خسر المعركة قبل أن تبدأ.
(10) خاتمة: خارج الأقفاص… حيث لا تصلون
لستُ في خانة أحد، ولا أنتمي إلى قطيع، ولا تجمعني بكم إلا مواطنتي التي لا تحتاج إذنًا من أحد. أنا خارج اصطفافاتكم، خارج خرائطكم الضيقة، خارج هذا الضجيج الذي تظنون أنه فكر. كونوا ما شئتم: أقفاصًا من “مثقفية” زائفة، يأكل بعضكم بعضًا، وتتناحرون على أوهام صنعتموها ثم صدّقتموها. أو تقدّسون حدثا أو زعيما أو حزبا ولا تدركون تداعياته أو تأثيراته أو فجائعه أما أنا، فلستُ طرفًا في هذا الانحدار. وصفتموني بالطائفية، وبالنرجسية، وبكل ما خفّ على ألسنتكم من أوصاف مخزية… لا أعرفها في نفسي، ولا تعنيني في شيء. لأن من يوزّع التهم بلا معيار، لا يكشف إلا عن فوضاه الداخلية. أنا لا أحتاج إلى أسمائكم لأُعرّف نفسي، ولا إلى رضاكم لأثبت موقفي، ولا إلى انتماءاتكم لأحتمي بها. يكفيني أنني خارج هذا الضجيج، وخارج هذه الأقفاص، وخارج هذا العجز الذي يتكلم شتيمة حين تعجز المعرفة.
ابقوا حيث أنتم…
أما أنا، فسأبقى متواضعاً حيث يجب أن يكون العقل، حرًا.
نشرت يوم السبت 30 مايس / ايار 2026 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل .