فكر وفن

حميد العقابي شاعر لم يعُرف كثيرا بين الناس فاطمة المحسن *

حميد العقابي شاعر لم يعُرف كثيرا بين الناس، وتوفي في منفاه الدنماركي العام ٢٠١٧ ولكن بمقدور سيرة ذاتية يصدرها أن تعرّفه وتعرف عبره سيرة جيل عراقي بأكمله. كتابه أصغي إلى رمادي ” تتصدره عبارة تقول أنه فصول من سيرة ذاتية. يراود القارئ سؤال عن أهمية أن يكتب شاعر شاب سيرته، والسيرة الذاتية تُنشر في العادة بعد أن تكتمل تجربة أدبية أو اجتماعية أو سياسية. ولكن قراءة هذا النص تحقق شرطاً مهما للتواصل، فهذا النوع من النصوص فضلاً عن أدبيته، بمعنى توفره على مستوى من الإسلوب واللغة الأدبية الجاذبة، يشكّل جانبا من سيرة عراق الحاضر، ويؤرخ الأماكن والبيئات والهجرات والحروب. لعله كتاب عن وطن كاد مآزق العيش فيه يشبه مشقة الرحيل عنه إلى مخيمات اللجوء والتشرد في المدن الغريبة. هذا الوطن الذي تحول سجناً، لابد أن يصبح الهرب منه مثل اجتياز مفازة الجحيم. وهكذا هرب العقابي من الجيش ثم من بيته ثم من العراق، ليضطر العيش سنوات في معسكرات اللجوء الايراني، لحين ما استطاع الوصول إلى الجنة الصقيعية الجديدة : الدنمارك.

يقيم الكاتب علاقة مباشرة مع قارئة من دون تكلفة، بعد أن يختبر ذاته في حوادث مشتتة تلتقطها ذاكرته من الحي والبيت الصغير، وأولها الاعتراف به شاعراً بين الفتيات، قبل الصبيان. ثم يدخل إلى الأهم حين يضطر الهجرة وصدمة العيش في الأماكن البعيدة وهو ابن مدينة الكوت الجنوبية.

هي رواية تتطابق فيها هوية الراوي مع هوية بطل القصة، وتلك وسيلة لرفع درجة الامتاع في قصص الحياة العادية، ولكن خيالها يمضي بها خارج حدود التسجيل ليضع الناس الذين يعرفهم في حلة الشخصيات الروائية: أمه ،أباه ، الجدة شمعة قابلة الحي، وغيرهم من الابطال. كل واحد فيهم صدى لحياة مرت في موشور الذاكرة فاتخذت هيئات ربما تكون غير ما هي عليه في الواقع، ولكن المؤكد أن كاتب السيرة نجح في اقناعنا بصدق التعامل مع تاريخه الشخصي، وبتخطي عامل الخجل من كشف الحجاب عن بعض ما يخفيه.

يستخدم الكاتب الدراما في حوارية مدهشة مع أمه التي ترفض الذهاب لتوديع خاله وهو على فراش الموت. صورة الأم الحنون يهملها الكاتب ليصور لنا وجهاً آخر هو مزيج من المكابرة والإباء والغضب، مقابل شخصية الأب الضعيفة الطفيلية. وشخصية المرأة بهذا المعنى ليست غريبة في أعراف الذاكرة العراقية، فالمرأة القوية واحدة من معالم البيت العراقي، وخاصة بين اللواتي اكتسبن موقعاً اقتصاديا في العائلة. من هنا يحدث الاختلاف، فيمسك الكاتب جانبا من مفارقة الضعف والقوة في الولاءات العائلية، إلى الدرجة التي بدا تعلقه بأمه أشبه بمحبة أوديبية، وتلك مبالغة خيالية ولكنها بين الإضافات التي تفرّط بصدق الحكاية في وقت تعزز جانبها الروائي .

الترجمة الذاتية دائما معرّضة إلى الانزلاق من الواقعة إلى الصورة الخيالية أو المتوهمة،وشغل الذاكرة يخضع إلى تدخلات الحاضر ووجهات نظره، غير أن من المهم قدرة الكاتب على اقناع قارئه بصحة قوله، وتلك الثقة تتولد من خلال التخلي عن رغبة أن يكون صاحب الرواية بطلاً، بمعنى البطولة الواقعية لا المجازية . وذاك ما سعى إليه العقابي، فهو لم يكن بطل حكايته، لأنه باستمرار صحبة شخصيات أخرى يحكي عنها، وحوادث يقدم فيها صورة انطباعية عن الناس والبيئات.

شخصية (شمعة)قابلة الحي المأذونة، العجوز كارهة الرجال والمتصدية للسلطة، ينشط الجانب المتخيل في سرد قصتها، وهذا لا يقلل من قيمة الذكريات، ولكنه يغرّبها بعض الشيء عن جو الحميمية والصدق التي ينقلنا اليه عبر رحلة عمره. في وقت ترجح حكاية أبيه شجاعة الاعتراف عنده، وهي شجاعة يبوح فيها بكراهية دفينة لما هو مقدس في حياة العوائل العربية. كراهية الأب نادرة بين من يستذكر حياته، ولكن ذلك الاختراق لا يتحقق كما هو متعارف سايكولوجيا، بسبب خصلة معروفة عند الأب العربي، أي أن يكون من المتسلطين أو الطغاة، بل هو يرى في ضعف أبيه وتخاذله وقلة تسلطه سبباً للكراهية.

والحال أن الكاتب ومن خلال إعرابه عن هذا الجانب من حياته، زاد رصيده في تعزيز علاقة الثقة والامتاع بينه وبين القارئ، فهو هنا يكشف ألم صبي من مجرد اسم والده الذي يبعث على الضحك بين أنداده. “بزون” وتعني قط بالعربي، وهو اسم غير مألوف،أنه يروي تلك المشكلة التي جابهته منذ الصغر، على نحو يمزج فيها السخرية بالألم، ولعله يتألق في فصله الجميل هذا كقصاص تلقائي، يملك من رشاقة الإسلوب وخفته ما يؤهله التحرك بين الأزمنة وتغاير المواقف . فهو ينهي هذا العذاب الذي أسفر عنه اسم ابيه، بشطبه أو الإشارة إليه بحرف واحد في سجلات التسجيل الاوربية. ولكنه ينتقل عبر الزمان إلى لحظة العبور من ايران إلى سوريا بعد انتظار ثلاث سنوات، وبسبب الخطأ المتكرر في أسم الأب أضطر الانتظار تسعة اشهر أخرى.

((وصلنا أردكاه خرم آباد فجراً بعد رحلة طويلة مملة، وكان في استقبالنا كائنات لا تشبه الكائنات البشرية إلا انها كانت ثم مسخت. أطلت علينا برؤوس شعثاء ولحى كثة ومتسخة، متوجسة خيفة لا أستطيع وصفها، وفرحة لأنها ترى ولأول مرة منذ دهر كائنات بشرية قادمة من الدنيا، هذه الكائنات المنسية سميت ب”المعاودين” حتى هم انفسهم كادوا أن ينسوا أسماءهم مكتفين بهذا الاسم، عائدون الى أين، وقادمون من أين؟. انهم لا يعرفون سوى أنهم عراقيون من أب وجد عراقيين، وجدوا أنفسهم يوما محمولين في شاحنات رمتهم على الحدود العراقية الايرانية بحجة انهم ايرانيون. )).

يلتقط المؤلف من تلك المعسكرات الكثير من القصص، حكايات الجنون وعناد الإنسان ومعاركته الحياة. كيف بمقدوره طرد أشباح اليأس بالقراءة وتبادل الكتب وكيف تضيق به تلك المخيمات لتتحول إلى معارك وجبهات. الهرب أو الانتحار أو الجنون أحد معالم تلك السجون الشرسة التي تسمى معسكرات لجوء.

لعل فصلي الحرب ومعسكرات اللاجئين العراقيين في ايران، من بين أكثر الفصول براعة في نقل “التاريخ” على هيئة سيرة. كل الذين كتبوا عن الحرب وضعوا وقائعها على هيئة قصصية، ولكن التوثيق هنا يجعل منها سجلاً من سجلات حياة جيل سُحق بلا رحمة بين رحى حربين شرستين. الشباب العراقي الذين ولد في ستينيات القرن المنصرم وبينهم العقابي، باغتتهم الحرب العراقية الايرانية، ولم يكن أكثرهم قد مارس بعد وظيفة أو تزوج او رأى الحياة. فسيقوا إلى الجبهات التي اعتمدت في البداية على خطط متخبطة راح ضحيتها أعداد كبيرة من خريجي الجامعة والثانويات الذين يجهلون فن القتال ولكنهم وضعوا على جبهات الحرب الأمامية.

ولكن الحرب تبقى هي الحرب، مثل كل الأوصاف التي يعجز القلم تسطيرها. تتعب الذاكرة في استحضارها ويتعب القارئ معها . إنها تتمثل بمعادلة حديها الموت والاندحار ، اندحار الآمال والهدوء والطمأنينة في عمر من يخوضها. ريحها ريح الشيخوخة والأفول: ((الموت هذه الكلمة المرعبة لم تعد تخيفني مذ نقلت إلى الجبهة في الشهر الثاني من بدء الحرب، لا بسبب شجاعتي بل بسبب يأسي ورغبتي في الموت خلاصاً من حياة لا توصف بالتفاهة، فالتفاهة مديح لا تستحقه حياة الجندي العراقي المدفون في جحر ينتظر رصاصة الرحمة يهديها إليه تافه آخر في حرب لا ناقة لهما فيها ولا جمل. )).

يستيقظ صباحا في معركة ينام فيها داخل الدبابة التي يقودها، وهي استراحة لا ارادية يدافع فيها الجسد عن حياته، فيصف ما تبقى من معركة البارحة. انها فصول دانتي الجحيمية، حيث تصم السماء آذانها من وحشية الحرب وبشاعتها.

هكذا يتجمع الحزن قطرة قطرة، من الحي الذي يعود إليه في روايته المتخيلة ليلتقي بالصبيّة التي كانت تتنقل بفاكهة جسدها في زقاقهم دون خجل، إلى ساعة الشؤم التي يشهد فيها منظر ذبحها، وصورة الأب المصروع بوحشة شرفه . إلى جبهات الحرب ، إلى مذبحة السجن الشهيرة في مدينته، إلى وحشة الإسلاك الشائكة والحارس الفظ والبحث عن الخلاص.

لعلها رحلة الحزن العراقي ومزاميره التي لا تتعب من النواح.

  • كاتبة وصحفية عراقية من جيل الرواد

 

زر الذهاب إلى الأعلى