حين يجلس آخر حراس الذائقة على طرف سرير وحيد كرم نعمة

الصورة الأخيرة للفنان #فاروق_هلال—جالساً على طرف سريرٍ بسيط، في غرفةٍ تبدو كأنها آخر ما تبقّى له من العالم—ليست مجرد لقطة عابرة، بل مرثية بصرية لبلدٍ انهارت فيه الذائقة السمعية قبل أن ينهار كل شيء آخر.
صورة رجلٍ كان يوماً أحد كبار مؤرخي الذائقة العراقية، ينتهي في عزلةٍ لا تليق بتاريخٍ حمله بأصابعه، كأن الموسيقى كلها انكمشت في غرفة واحدة، وكأن العراق فقد آخر شاهدٍ على زمنٍ كان فيه اللحن جزءاً من كرامته.
لم يكن رحيل فاروق هلال اليوم حدثاً فنياً، بل حدثاً وطنياً.
فهذا الرجل لم يكن ملحناً فقط، بل كان أرشيفاً حيّاً لروح العراق السمعية.
كان يعرف أن اللحن العراقي ليس زخرفة، بل شهادة على زمنٍ كان فيه العراقيون يملكون ما يسمعونه وما يشعرون به.
كان يعرف أن الأغنية العراقية ليست مجرد كلمات، بل طريقة في النظر إلى العالم، وأن اللحن يمكن أن يكون وطناً حين يضيع الوطن.
بينما كانت البلاد تنفض عن نفسها غبار الحرب والأناشيد عام 1991، كان فاروق هلال مشغولاً بالقصيدة، يبحث عن لمسة عراقية يضعها على نصٍّ يليق بزمنٍ كان يتداعى. لم يجد بين أصوات أبناء جيله من يعوّل عليه، فانفتح على جيل شاب خرج من تحت يديه. سألته يوماً: لماذا؟ ألم يكن الأجدر أن تعيد المجد لتلك الأصوات التي أرّخت لذائقتنا؟
فقال: عليك يا كرم أن تترقب ما يعيد الأمل للأغنية العراقية. وبالفعل غنّى “بلدي” و“هكذا يلعب المحاصرون” بصوته، بينما توّج صوت جمعة العربي بقصيدة “الهاتف” وجميعها من قصائد رعد بندر. وفي ذروة القتل على الهوية الذي اجتاح #العراق بعد احتلاله، كان عليه أن يعود من جديد إلى شعر رعد بندر وهذه المرة بقصيدة “لاتقل ديني لا تقل مذهبي، قل عراقي” أنشودة وطن أريد له وللأنشودة أن تغيب كي يسود #العراق_المزيف.
كان على الجميع أن يعيدوا اكتشاف موسيقى فاروق هلال، لكن ملحناً عراقياً بارعاً استاء من مقالٍ لي، حين أطلقت عليه لقب “الموسيقار”، بذريعة أن إنتاجه لم يتعدَّ الأغاني العشر. وهذا صحيح وفق مدونة الأرقام، لكنه غير عادل وفق تعبيرية هلال وأثرها على الذائقة السمعية. كان فاروق هلال من كبار مدوّني التعبيرية اللحنية، لأن أثره لم يقتصر على أبناء جيله، بل فتح الطريق أمام أصوات وملحني جيل الثمانينيات في برنامجه التلفزيوني الشهير “أصوات شابة”.
لا يغيب لحنه الباهر لصوت مائدة نزهت “سألت عنك”، ولا “خطار” لحسين نعمة و “أشتاق إلك” لقيس حاضر ولا أثره في “راح ومشى” لياس خضر، ولا ترنيمة “ردت أنساك” لصلاح عبدالغفور، ولا حداثة “أحسب ليالي” لسيتا هاكوبيان، ولا تجربته الفارقة مع عبدالله الرويشد في “علمني عليك” .
هذا الرجل كان يكتب اللحن كما لو أنه يكتب حياةً كاملة.
كان يكتب العراق وهو يتداعى، ويكتب الذائقة وهي تُحتضر، ويكتب ما تبقّى من جمالٍ في بلدٍ يزدحم بالضجيج ولا يسمع شيئاً.
لكن أقسى ما في المرثاة ليس رحيل فاروق هلال، بل الطريقة التي رحل بها. عاد إلى بغداد بعد اغترابٍ مرير، ليجد أن الذائقة التي عاش من أجلها انهارت، وأن الأصوات التي كان يراهن عليها صارت تبحث عن جمهورٍ لا يسمع إلا ما يُصنع على عجل.
عاد ليجد أن الموسيقى التي كانت تُربّي الأجيال أصبحت اليوم تُربّي الخيبة والعويل والمراثي الطائفية.
الصورة الأخيرة له ليست صورة رجلٍ أنهكه المرض، بل صورة موسيقى تُحتضر. صورة بلدٍ فقد القدرة على الاحتفاظ بمبدعيه، وفقد القدرة على حماية ذاكرته، وفقد القدرة على أن يسمع نفسه.
رحل صديقي فاروق هلال الذي اطلق عليّ في مقال منشور له “مؤرخ الاغنية العراقية، فما يكتبه كرم نعمة عن علوم الغناء فيه فلسفة فنية ترقى لتصل إلى أي قارئ سواء كان متخصصاً أو غير متخصص، لأنه يعرف أسرار الرؤية النقدية العميقة إلى جانب الأداء المتميز للفنانين….”.
لكن رحيله ليس نهاية ملحن، بل نهاية فصلٍ من تاريخ العراق الموسيقي. يرحل آخر الذين كانوا يعتقدون أن الأغنية العراقية يمكن أن تكون وطناً صغيراً حين يضيع الوطن الكبير. يرحل الرجل الذي كان يكتب اللحن كما لو أنه يكتب حياةً كاملة، ويترك خلفه سؤالاً واحداً: من سيحرس الذائقة بعده؟
هذه المرثاة ليست لفاروق هلال وحده، بل للعراق أيضاً: لبلدٍ فقد صوته، وفقد ذائقته، وفقد أولئك الذين كانوا يصنعون له معنىً حين يفقد المعنى.
ولعلّ أقسى ما في رحيل فاروق هلال أن صورته الأخيرة تبدو كأنها صورة العراق نفسه: بلدٌ يجلس على طرف سريرٍ وحيد، يحدّق في ما تبقّى من ذاكرته السمعية، ويستعيد أسماء الذين صنعوا له معنىً حين كان المعنى ممكناً.
لم يكن هلال مجرد ملحن، بل كان آخر من يعرف شكل العراق حين كان يسمع، وآخر من يعرف كيف يمكن للّحن أن ينقذ الروح من الخراب.
رحل الرجل، وبقيت الصورة شاهداً على بلدٍ فقد صوته، لكنه ما زال يبحث عن من يعيد إليه القدرة على الإصغاء.