زمن التفاهة (1) بانة القاسم *

أم خالد تقدم أطباقا شعبية في مطبخ يفتقر إلى كل مقومات النظافة، ولكنها تشغل آلاف المتابعين وتطالب بتكبيس الأزرار كي تحصد اللايكات (الاعجاب)، وبالتالي المال الكثير الذي يغير مجرى حياتها ويحولها من امرأة فقيرة بسيطة تربّي ولدين صغيرين إلى (بلوغر) ومؤثرة يقبل عليها التجار كي تقوم بالدعاية لمنتجاتهم المشبوهة هي الأخرى. ولكي تظل وتيرة اللايكات قائمة لكل فيديوهاتها (ستوريات)، كان عليها أن تزيد البهارات قليلا فتخرج طفلها خالد كي يشاركها في بعض الستوريات التي لا تقدم أي محتوى ذا ربع فائدة. أو تزيد البهارات والشطة فتقدم على الطلاق من زوجها ( تمثيلية أو حقيقة) لا ندري، ولكن كل ما نعلمه أن الجمهور العريض كان يعيش معها حياتها دقيقة بدقيقة ويقدم النصائح ويهاجمها أو يهاجم زوجها. وهكذا تظل صفحتها على وسائل التواصل الاجتماعي قائمة وحارة ويظل حسابها البنكي يزيد ويتطور … وبعدين.
قصص أخرى كثيرة جدا، نماذج من كل الأشكال والأعمار والمذاهب تخرج علينا طارحة كل ما يخطر ولا يخطر عالبال من مواضيع لكي تفتح مجالا للنقاش والإعجاب بل وحتى المشاركة وهكذا تعم التفاهة بشكل أوسع وأكثر لمصلحة الجهل والسطحية، بل وحتى البلاهة. لا أستطيع أن أنكر أن فنانين كبار قد أجبروا على الدخول في هذا المستنقع الكبير لينالوا شرف الترند أو ليعيدوا لمجدهم الغابر بعض الألق المزيف.
نحن وعائلاتنا الهدف، أولادنا أمل المستقبل باتوا يركضون وراء مغن اشتهر بأغنية جارحة الكلمات، أوممثل أدى دورا سفيها وصار نجما بين ليلة وضحاها، أو أحد أصحاب المحتويات التافهة عن فضائح المشاهير.
عندما يصبح الجهل هو القاعدة، نجد أنفسنا في مواجهة ظاهرة غريبة ومقلقة في الوقت نفسه. ظاهرة التفاهة، التي أصبحت سمة مميزة للمجتمعات الحديثة. لقد أصبح الجهل هو القاعدة، وأصبح التفكير النقدي والتحليلي هو الاستثناء. وأنا لا أستطيع أن أبرئ من يقوم على صناعة هذه المنصات المشبوهة من نظرية المؤامرة.
أما وسائل الإعلام فقد أصبحت تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز السخافة كي لا نعي الحقيقة. فبينما بلادنا تنتهك وشعوبنا تواجه حروب إبادة جماعية تقوم وسائل الإعلام (والمؤسف إعلام عربي) بإغراق شاشاتنا بالحفلات الفنية المكرورة وإقامة المهرجانات التي تستقطب حتى مشاهير الغرب لإقناع المشاهد العربي بحقه في الترفيه، حتى ينسى ما يراه على شاشات الحقيقة .
التفاهة مرض هذا الزمان، يريد لها أعداء الحقيقة أن تتفشى وتنتشر لكي نظل قطيعًا يلهث خلف جزرة السطحية والسخافة كي نفقد إرادتنا. مرة نحارب بلقمة عيشنا ومرة بقدرتنا على التمييز بين الخطأ والصواب والحفاظ على علمنا وديننا …. ومستقبل أولادنا.
*كاتبة وصحفية من اسرة جريدة (البلاد) لندن اونتاريو
(من مقالات الطبعة الورقية)