شعب لا يغني سلوى زكو*

محاسن الصدف تلعب معي لعبة جميلة هذا موضوع كنت كتبته قبل 11عاما وكأنه كتب من بعد ما حدث في البصرة
شعب لا يغني
نقل عن أحد أباطرة الطغيان في قديم الزمان قوله “عندما يكف الشعب عن الغناء أعرف أنني قد أحكمت قبضتي عليه.”
والغناء هنا يمتد الى كل ضروب الابداع، فالشاعر يصنع أغنيته بالكلمات، والراقص يرسم أغنيته بجسده، والرسام بريشته، وكذا المسرحي والسينمائي والروائي، كل يصنع أغنيته بطريقته.
ما الذي يفعله الابداع في حياة البشر؟
انه يصنع الفرح ويبعث الامل ويدافع عن الجمال ضد القبح ويحرض على الحياة، لذا يبغضه الطغاة في كل زمان ومكان.
إنهم لا يستطيعون أن يحكموا شعبا، الا اذا عاش عيشة الطحالب، حياته لا تعرف الالوان ولا الفرح ولا التفاؤل، قانع وراض ومستسلم.
أزعم ان جانبا من حيوية الشعب المصري التي تدفقت في ثورتين متتاليتين يعود الى ان فنون الموسيقى والغناء والرقص والشعر والسينما أصبحت جزءا من نسيجه المجتمعي، وكلها عناصر تقاوم شيخوخة الشعوب وتحرضها على التمسك بالحياة والتمتع بمباهجها.
والحديث هنا ليس عن المدن وحدها، إنما يمتد الى أبعد القرى في الريف وأكثرها فقرا وأمية، لكنها ظلت على امتداد تاريخ طويل تغني وتصنع الشعر وتصغي الى قصص الحكواتي وترقص بلا إحساس بالحرج. بل ان ظاهرة فريدة تنتشر هناك وهي ما تدعى بالانشاد الديني، وهو غناء مدائحي، لكنه تطريبي بامتياز. وكان من يقود فرق الانشاد (المشايخ)، فترى واحدهم يؤم الصلاة في النهار وينطلق في المساء حاملا عوده ليقيم لأهل القرية حفل إنشاد ديني. وخرج من بين هؤلاء المشايخ أساطين الطرب والتلحين من أمثال زكريا أحمد وسيد درويش وأبو العلا محمد وعشرات غيرهم، كلهم خلعوا الجبة والعمامة ليحترفوا الموسيقى.
نحن أيضا لدينا تراث ممتد من التعلق بالغناء والرقص والتغني بالشعريتغلغل حتى أعماق الريف الممهور بالفقر والامية والعزلة عن أسباب التحضر.
ظل مغني الريف والبادية ينشد أغنيته الحزينة تخاطب النفوس المكلومة بويلات الحروب وشظف العيش، وظلت أسماء، معروفة أو مجهولة، تتغنى بشعر شعبي يحرض على التمرد. وفي المدن نهضت حركة ثقافية ناشطة صنعها مبدعون لا حصر لهم لمعوا في شتى صنوف الابداع.
هل تحولنا اليوم الى شعب لا يغني؟
لا توجد قوة على وجه الارض تستطيع أن توقف المبدع عن الابداع، إذ مازال الشعراء يكتبون الشعر والموسيقيون يصنعون أغنياتهم والتشكيليون يرسمون لوحاتهم والمسرحيون يبذلون المستحيل كي لا يموت المسرح على هذه الارض.
لكن هناك قوى تستطيع أن تصنع مصدات تمنع وصول النتاج الابداعي الى الناس، فتعزله داخل دائرته الضيقة، بعدها يمكن للمغني ان يشدو بأغنية لا يستمع لها غيره.
تلك اللعبة الخبيثة تريد أن تنزع عن الحياة الوانها البهيجة فتنشر في النفوس الكآبة والاحباط واليأس. لقد انطفأ الغناء في أجزاء عديدة من العراق وبات الرسم والنحت محرما ورسمت للشعر حدود لا ينبغي تجاوزها وترك الناس بلا اسلحة يدافعون بها عن هويتهم ونمط حياتهم.
قاوموا بالابداع، فانه من أكثر أدوات التحريض على الحياة فاعلية
* رائدة من رواد الصحافة في العراق