صورة الآخر فينا رشا عمران

وأنا أعبر واحداً من أكثر شوارع حيّ الزمالك في القاهرة حيويةً واستقطاباً للسياح، لفتني تجمّع لأفارقة كثيرين مسلمين (النساء كلّهن محجّبات) يقفون في الشارع، ويعرقلون حركة السير. يقع هناك أحد مكاتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتجمّع هؤلاء كان بهدف الحصول على المساعدات والأوراق الثبوتية. أزعجني المشهد وجعلني أعذر ما يظهر أحياناً من الغضب المصري في وسائل التواصل ضدّ اللاجئين، ورغم أنّني مجرّد لاجئة، مثلي مثل هؤلاء، إلّا أنّني ميّزت نفسي عنهم من دون وعي منّي، ثمّ فكّرت بعد قليل: ماذا لو كان التجمّع نفسه، وبالعدد نفسه، وبالانتشار نفسه، لأشخاص بيض أنيقي الملابس ومن دون سيدات يغطين رؤوسهن؟ هل كنت سأرى المشهد قبيحاً أيضاً ومسيئاً لعراقة الحيّ؟
يختصر الدماغ العالم في مجموعة من الصور: لون البشرة، اللباس، اللغة، الأصوات، الروائح، العادات، الثقافة الشعبية، ثمّ يربط هذه الصور بعدّة معانٍ وتنميطاتٍ صُنعت عبر نشاط طويل اجتماعي وإعلامي، ونتيجة للتجارب الفردية والجمعية. هذه المعاني هي الأساس في الاستعلاء الذي تمارسه العنصرية ضدّ “الآخرين” المختلفين في اللون أو في الدين أو في المذهب أو في الطبقة الاجتماعية أو في المنطقة أو في اللغة أو في الجندر أو في السنّ. ثمّة دائماً في التنوّع البشري ما يكشف قابلية الإنسان للتمييز والتصنيف، ولامتلاكه شعور التفوّق والاستعلاء ونظرة الريبة تجاه الآخر. فنحن البشر نميل عموماً إلى تصنيف الآخرين عبر آلية ذهنية تساعدنا في التعامل مع الكمّ الهائل من المعلومات والأحداث التي يتلقاها دماغنا كلّ يوم. لكنّ هذا التصنيف يتحوّل أحياناً كثيرةً إلى حُكم قيمة يضع الآخر المختلف ضمن صفة أخلاقية ما: هذا متخلّف وذاك متحضّر، هذا جاهل وذاك متعلّم، هذا همجي وذاك راقٍ… إلى آخر هذه الصفات التمييزية المرتبطة دائماً بنمطية لا يكاد ينجو منها أحد، وتتعلّق بالاختلافات بين البشر.
“الناس يتعلّمون الكراهية”. لا أحد يولد وهو يكره آخرَ بسبب اختلافه عنه، ولا يولد ولديه فطرة الخوف من المختلف. كراهية المختلّف والحذر (أو الخوف) منه هي صناعة بشرية مجتمعية وإعلامية في أغلب الأحيان، وتحدث ضمن نسق طويل يبدأ بالتصنيف الذي يمارسه الدماغ البشري ضمن آلية ضرورية للبقاء. فالدماغ يضع البشر ضمن ثنائيات: هم/ نحن، مألوف/غريب، لنا/ لهم… إلخ. ثمّ، بعد التصنيف يبدأ التعميم، فيصبح فاسد واحد ممثّلاً لجماعة كاملة. فإن كان أحدهم لصّاً، يصبح جميع أفراد جماعته لصوصاً، بينما يبقى اللص في جماعتنا ممثّلاً لنفسه، وحالةً فرديةً لا تنطبق على الجميع. هكذا تتطوّر العنصرية شيئاً فشيئاً لتصل إلى الصورة النمطية التي نصنعها عن الآخرين، ونكرّرها عنهم دائماً، حتى تصبح مألوفةً، وننسى أنّها مجرّد صورة صنعناها نحن وليست حقيقةً مؤكّدةً.
غير أنّ أخطر ما في الكراهية والخوف من الآخر اللذين قد يصلان إلى درجة العنصرية هو تبريرهما أخلاقياً، فلا يعود التمييز مجرّد شعور، بل يتحوّل إلى قناعة ويقين بأنّه هو الحقيقة. فأنا في مثال شارع الزمالك كدتُ أن أنفي عنّي العنصرية معتبرةً أنّ “هم” (السود) يصنعون مشهداً قبيحاً في تجمّعهم لا يتناسب مع عراقة الحيّ، وهو ما فكّرت به حقيقةً، وأنا أستحضر في ذهني تجمّعاً لذوي البشرة البيضاء والملابس المكشوفة، قبل أن أنتبه إلى مقدار التمايز والتمييز الذي وضعته للتجمّع الأبيض المفترض عن الجمع المُعاين الواقعي. هذه اللحظة التي بدأت فيها بالتمييز هي اللحظة الفاصلة بين إدراك الاختلاف وبين بناء العنصرية. رؤيتي أشخاصاً لاجئين، سود البشرة، نساؤهم محجّبات، أحالتني مباشرة على الفقر والتخلّف والغوغاء، وهي الصورة التي تُرسَّخ عبر أجيال عن لاجئي أفريقيا خصوصاً، في العالم كلّه، وعن اللاجئين من دول العالم الثالث عموماً. أنا أيضاً، في نظر أحدهم، لاجئة مكروهة ومسبّبة للذعر. نحن محكومون بانطباعاتنا الأولى عن الآخرين، وبالصورة النمطية عنهم. نراهم بوصفهم فئة أو جماعة أو كتلة واحدة، لا فروق بين أفرادها ولا اختلافات، هذه أكثر تجلّيات العنصرية وضوحاً، ونادراً ما ينجو منها أحد عند الانطباع الأوّل.