فكر وفن

(صورة وأيقونة وعهد قديم) رواية سحر خليفة  القدس حين تنسخ صورتها فاطمة المحسن *

في روايتها “صورة وأيقونة وعهد قديم” تقدم الفلسطينية سحر خليفة إلى قارئها منذ الأسطر الأولى رمزين أساسيين: مريم العذراء، ومدينة القدس رحم الديانات التي تلونت كمكان بعبق أساطيرها. تشرع المؤلفة بحكاية إبراهيم الذي انتقل إلى هذه المدينة هرباً من زيجة لا يرغب فيها. ومثل مزحة تحتاج تورية كي تزيح جديتها الثقيلة، تبدأ الرواية برموز من العيار الثقيل تحار أين تضعها، فهي تتبعثر بين إنشاء يمضي على استعجال في تسجيل خبرة الحياة، وبين احتفالية تجعل هذه الحياة مهرجانات وطقوس فرجة.

الجديد في الرواية الذي لم يكتمل على نحو يناسب ما بدأته المؤلفة، هو محاولتها أن تضع بين الصورة المتخيلة والصورة الواقعية مسافة فاصلة، مسافة تبحث عن فعل الكتابة من حيث هو تخيل تُبطله الحقائق. لذا اختارت الشخصية الأساسية روائياً فاشلاً، ولكنه لا يكف عن محاولته محاكاة الوقائع على نحو روائي، أي على نحو غير ما هو عليه، إنها تقطع على البطل حالة الاندماج باستراحات بريختية تؤدي به إلى الانسلاخ عن المدينة التي كادت أن تحتويه، والمرأة التي كادت تقنعه بتكريس عمره لها: «كنت في العشرينات، ما كنت أعرف ما اللعبة، لعبة الفن وخلق الصور. إذ كنت أظن أن القصة، أية قصة، هي قصة تجربة مرت بصاحبها ، أو استقاها من الواقع، أو أن الواقع في القصة صورة لواقع عايشناه. المهم أني في ذلك الجو، وبتلك النفسية والأحلام وذلك الواقع، بتّ متيماً حتى الجنون مع إني لم أرها عن قرب أو أسمع صوتها أو التقي بها في أي مكان بين الناس. لم تكن من الناس، كانت طيفاً. كانت صورة».

قراءة هذه الرواية تجعلنا نزعم أن مقدمة فيصل دراج التي يجد فيها دالة نضالية، بل إنه يتخيلها معبرّة عن مسيرة تاريخية للكفاح الفلسطيني، تبدو وكأنها مسقطة قسراً ، بل متنافرة مع مقاصدها. فهي كما بدت لنا، تحاول تجنب كل ما من شأنه تحويلها مادة نضالية، مثلما تحمل ممكنات دحض فكرة الرمز الذي تستخدمه. إنها بمواربتها القول وتقافزها بين المواقف والمواقع، تعبّر عن حالة الفلسطيني الذي لا تقدمه القصص إلى القراء، الفلسطيني الذي يبيع أحجار القدس إلى الخليج العربي، ويهرب من العبث مع مريم إلى حيث التجارة التي تنتظره. ولكنه يبقى أضعف من أن يوصف بالبلطجي أو الخائن أو الشرير. إنه هو الذي يدفعه زحام الوقت وقلة التدّبر والانفصام عن الواقع إلى أن يسير بما تشتهي الرياح. كانت صورة التظاهرة التي توجت بمذبحة القدس، من بين الصور اللافتة في الرواية، فقد حملت إشارات إلى ما لا تظهره الإخباريات العربية، حيث يتفجر قلب المرأة البسيطة بصرخة بريئة: «وله يا محمود يابو عيالي قم يابن الكلب ما ترملني». وعندما ينهرها المختار ليذكرها بشهادة زوجها من أجل فلسطين، تلتفت كالمجنونة: «لأجل فلسطين؟ ليش فلسطين رح ترحمني؟ مين يطعمني؟ مين يسقيني؟ مين يستر عرضي ويحميني؟ وله يا محمود يا تاج راسي».

وهكذا سحر خليفة تباغت قارئها بما لا يتوقعه منذ الرواية الأولى التي كتبتها عن الانتفاضة الفلسطينية إلى اليوم. ومع بساطة طروحاتها، وتجنبها الاعيب@ الرواية الحديثة، غير أن القارئ يرى في أعمالها ما هو خلف كواليس النضال وما هو خارج النمط المعد سلفاً، وبمقدرونا أن نتلمس في كتابتها النزعة الساخرة المواربة المتجنبة حماس التعبير وهتافيته مع أن مواضيعها سياسية. وهي وإن وضعت سردها ضمن لغة تلقائية لا تقيم كبير وزن للمحسنات البلاغية أو للإنشاء الرومانسي الأنثوي، فهي من جهة أخرى لديها ما تخفيه بين طيات جملها من إشارات ذكية إلى الظلال التي تلون مجتمع بقي طويلاً قيد التبعثر والانشطار. لم تبلغ سحر مثل أميل حبيبي في (المتشائل)، تلك المواجع التي يتلمسها فلسطينيو الداخل، ولكنها كانت دائماً تحوم حولها، في “باب الساحة” وفي “الصبار” و “عباد الشمس”. سحر خليفة مثل الكثيرات من القاصات من جيلها، حريصة على احتفاظها بالخطاب الفامنستي حتى ولو على هيئة إشارات مبثوثة وعابرة، غير أنها أيضاً تحاول أن تنفي فكرة الرموز بممكنات تلبيسها صورة المرأة، أو تلك الثنائية التي يسميها فيصل دراج تجاوزاً ثنائية المرأة ـ الوطن، وخلاف هذه المقولة تقدم خليفة جديدها في بقية الرويات. في “بيت الساحة” اختارت شخصية المرأة التي تُقتل لأنها تعاونت مع إسرائيل، ولكنها تنظر إليها بتعاطف وبشيء من الواقعية، فهي حالة انسلاخ عن الجسم الاجتماعي ولكنها ليست بعيدة عن نموذجها المتكرر بين الرجال والنساء، لذا يبدو مقتلها وحشياً وملتبساً ويخلو من دالته القانونية والأخلاقية. وفي روايتها ” صورة وايقونة” تبطل رمزية البطلة حين تتردد بين صورة مريم الطاهرة المتبتلة والمرأة الشبقة المنطلقة إلى أفق خارج المكان المقدس، لعلها تقف بين مريم العذراء ومريم المجدلية إن جاز لنا تبسّيط محمولات القص إلى درجة الإمعان في البحث عن دلالات دارجة . صحيح أنها تعود بالبطلة إلى الدير في النهاية لتتماهى مع صورة مريم العذراء كأيقونة، ولكنها والحالة هذه تنفي عنها الترميز، إلا في حدود التماهي بين الصورة والصورة، وليس بين الصورة والواقع. موقع مريم لا يشير إلى ما يربطها بما يموج في الشارع الفلسطيني من قهر، فهي بالكاد تلفظ العربية الصحيحة لأنها تربت في البرازيل وأعادها أخوتها بسبب فضيحة أخلاقية.

الرواية لا تضع صوت الراوي في موقع العارف العليم مقدماً، والمالك زمام البداية والنهاية، بل يبحث القص عن تشكّل الشخصيات خارج إرادة التوقع، مع أن الرواية تعد العدة لورطة استخدام الرموز المستهلكة في الشعر الفلسطيني والرسومات: مريم والمسيح وما إليه من رموز، غير أنها لا ترفع سقفاً إلى ما هو فكري أو روحاني، وربما كانت واعية لأمر مهم وهي كيف تخلط الجد بخفة الاستعمال. فالمسيح أو الولد اللقيط الذي يعود أبوه إبراهيم إلى القدس للبحث عنه وعن أمه مريم، يجده يشبه المسيح من حيث لا يدري، غير أن معجزاته أقرب إلى الألعاب السحرية، وهو يرى أن امتناعه عن الاتصال بالمرأة أحد أسباب توحشه وتعقد شخصيته.

من المهم أن نتذكر أن المسيح ومريم وشخصية إبراهيم الملحقة بهما، لا تستخدم على نحو ينسبها إلى الشخصيات العجائبية، وإن كان بإمكان القارئ أن يدرك الجانب الاليغوري في الحكاية فمن الصعوبة أخذ هذه الاليغورة بما لها من معنى وعظي أو عبرة أو حكمة ما. ميشال أو ابن مريم يبرز هنا كجزء من فولكلور القدس التي تحرص الرواية على أن يشارك القارئ في صنعه وفي تخيل المزيد عنه. عبر الكلمات تتمثل الفرجة في الوصف الروائي فالبطلة تدخل سوق القدس، فيكتشف إبراهيم الذي يتبعها أنه لم يكن يعرف شيئاً عن أسرار هذه المدينة، فهو يحفظ معالم المسجد الأقصى، أي بعدها الإسلامي، ولكنه لا يعرف تاريخها الآخر:

دخلنا مع فوج السواح وغرقنا في طوفان الناس. شمع وبخور وأعمدة كثيرة وأدراج رفيعة ملتوية وعتمة وسقوف شاهقة لقباب تعششها عصافير وأسراب حمام. قال راهب لفوج السواح «هذه الطريق إلى الجلجة». فمشوا ومشيت اتبعها، أو هكذا خيل إلي» يكتشف البطل الذي يسيطر على القص منذ البداية حتى النهاية، إنه لم يكن على معرفة بطقوس مدينته وها هو كما تقول الرواية يغوص في جو غريب وقصصي، جو احتفالي تشارك فيه أقوام من مختلف الجنسيات يقصدون هذا المكان للتبرك. «ملابس غريبة لرهبان برؤوس حليقة وراهبات بأغطية رأس كأجنحة الحمام، والأرثوذكس بلحى وشعور في كعكات؟ ما هذا الجو؟! كأني غريب في عالم مسحور».

تضع المؤلفة المحكي على لسان البطل، أي منولوغ الذات، وتعمد إلى تقنية تتكرر فيها الجمل الاسمية والعبارات الواصفة المبتورة المعلقة، جامعة ما توفره ظلال القول الذاتي من رحابة في الانتقال السريع في الحالات الشعورية، وما يدفعه اللاشعور في الحكي من تجليات خارج السياق. وبهذا تستطيع أن تفلت في هذه الرحلة الحكائية المتسارعة من الإفاضة والشرح والتأرخة. مع أنها تبدأ حكايتها في الخمسينات يوم نُهبت الأرض، ولكنها من فرط عدم اهتمامها، تريد أن تضع لهذا التاريخ سراً محاذياً، يتمثل في حكاية الفلسطيني التي بحث عن القدس في كل رحلات الذهاب والإياب ولم يستطع الإمساك بلغزها.

  • كاتبة وصحفية عراقية من جيل الرواد
  • المصدر : (صفحتها على الفيس بوك )
زر الذهاب إلى الأعلى