مقالات رأي

طهران إذ تروّج للفتنة المذهبية في لبنان ساطع نورالدين *

 حتى الآن ما زال هناك من يعتقد ان إعتراض “حزب الله” على قرار السلطة اللبنانية تجريده من السلاح، هو خيار فكري وأكاديمي ليس إلا، يُعبر عن نفسه بموقف سياسي يستفيد من “عبقرية” الديموقراطية اللبنانية، التي تتيح له الاعتراض في مجلس الوزراء والانسحاب من الجلسات، من دون الاستقالة من الحكومة، ومن دون السير مع الدراجات النارية في الشوارع.. ومن دون ركوب دراجة مستشار المرشد الإيراني علي ولايتي، الذي وضع خطاً أحمر على السلاح، ولوّح صراحة، بالفتنة المذهبية في لبنان. هؤلاء الذين يتوهمون ان الحزب والثنائي الشيعي والطائفة بمجملها، يمكن ان تتخلى عن السلاح، يبنون تقديرهم على فرضية الهزيمة التي ألحقها العدو الإسرائيلي بالشيعة، وهي فرضية ليس لها أساس في العقل الشيعي اللبناني، وليس لها سند على أرض الواقع الذي يشهد على العكس تماماً، ويعكس موقفاً شيعياً عاماً يخالف المنطق والعقل، والحساب الدقيق لموازين القوى وما أفرزته من استباحة إسرائيلية لوجود الطائفة، يجري الرد عليها بكلام من الغيب، أقل ما يزعمه ان الحزب منع العدو من الاحتلال ومن التقدم خلال الحرب الأخيرة حتى بيروت على غرار ما فعل في العام 1982، عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية واليسار اللبناني يتصديان للغزو الإسرائيلي الأكبر والأخطر للبنان.. مع أن العدو الذي لم يكن لديه هذه المرة خطة إجتياح تتعدى بلدة الخيام وقرى الشريط الحدودي، وصل بالفعل الى العاصمة، وما زال يسيطر عليها بمسيراته التي لا تغيب عن السماء.

ولعل ما يثير الحيرة هو أن هذا التقدير الذي يقيس قوة الشيعة في لبنان بمعايير طوباوية، يضمر في جوهره إيماناً عميقاً، بل ثقة غريبة، بضعف العدو الإسرائيلي وقرب تفككه وزوال دولته ، وبعدم قدرته، وعدم رغبته أيضا، في ان يفعل بشيعة لبنان ما يفعله اليوم بفلسطينيي غزة الذين تتناقص أعدادهم بسرعة هائلة، نتيجة حملة الإبادة التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإنساني، والتي تهدد بفنائهم من الوجود فعلاً، خلال فترة زمنية تتراوح بين سنتين او ثلاث سنوات، إذا استمرت الحرب الإسرائيلية على وتيرتها الحالية.. ومن دون اعتراض سوى في بعض شوارع العواصم الغربية.

لكن هذه الحيرة سرعان ما تزول عندما تتصرف الطائفة بكامل وعيها المستجد، كأقلية يحرّكها خوفٌ دفينٌ من محيطها كله، الإسرائيلي واللبناني والعربي عموماً، وتقرر، نعم تقرر بوضوح أن سلاحها ليس فقط هويتها، بل هو سبب وجودها وبقائها على هذه الأرض المعادية التي تهددها من كل الجهات، وتراكم في ذاكرتها صور ما يتعرض له الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني، وما يواجهه العلويون والدروز والمسيحيون في سوريا.

 وهي صور تجعل من قرار الحكومة اللبنانية سحب السلاح بمثابة إعلان حرب، لا يواجه إلا بالمثل..إذا ما أصرت الطوائف اللبنانية الأخرى على ضرورة إمتثال الشيعة لسلطة الدولة الشرعية التي كانوا عبر التاريخ من خوارجها ومناهضيها. ويتفاقم خوف الشيعة ويزداد خطورة، عندما يأتيهم من طهران بشكل علني ومباشر، إعتراض متكرر على تسليم السلاح، ورفض صريح للانخراط في مشروع الدولة في لبنان، بإعتباره رجساً من عمل الشيطان الأكبر الأميركي، وإستسلاماً أمام الشيطان الإسرائيلي..وعندما يصل من العاصمة الإيرانية موقف لا يحتمل سوى تفسير وحيد، أطلقه مستشار المرشد علي ولايتي، الذي نادى صراحة بالاحتفاظ بالسلاح لمواجهة خطر ظهور “جولاني” سني لبناني ، يشبه الجولاني الذي يحكم سوريا اليوم.

وهو ما يعني بأن المستشار (وطبيب الأطفال الايرانيين) لا يحرض فقط مسيرات أطفال الدراجات النارية في شوارع العاصمة بيروت، بقدر ما يرسم أهدافها، المستندة كما هو ظاهر، على تحليل إيراني، يروج لدى بعض شيعة لبنان، أن الطائفة السنية اللبنانية ستنتج زعامة إسلامية متطرفة تستوحي التجربة السورية وتستمد قوتها منها. وهو تحليل خيالي مبني فقط على الحقد الفارسي التاريخي على كل ما هو عربي، يحدد للسلاح الشيعي اللبناني وظيفة مذهبية لا يمكن أن تخطر حتى في بال العدو. علّ هذا التحليل الإيراني، الشرير، يكون سنداً لدفع خطة نزع سلاح حزب الله الى الامام .

بيروت في 10 / 8 / 2025

 *صفحة الكاتب على منصة x

https://x.com/NSateh/status/1954287616083566933?s=19

 

زر الذهاب إلى الأعلى