عراق ما بعد انتخابات 2025: بين “شرعٍ عراقي” و“ميلوشيفيتشٍ عراقي” هيثم هادي نعمان الهيتي *

بعد انتخابات 11 نوفمبر 2025، لم يعد السؤال من سيشكّل الحكومة فقط، بل: أي “صيغة دولة” ستتكرّس في العراق؟ لأن الإشارات الأميركية والإيرانية—ومعها خطاب بعض مراكز القرار—تلمّح إلى مفترق طريق: إما دولة موحّدة بمركز قرار قادر على ضبط السلاح، أو تآكل تدريجي يقود إلى “بلقنة” واقعية حتى لو بقيت الحدود رسمياً كما هي.
في واشنطن، هناك رسالتان واضحتان: الأولى رمزية/قانونية عبر مسار تشريعي لإلغاء تفويضات الحرب القديمة المرتبطة بالعراق (1991 و2002) أي إغلاق باب “شرعية الحرب” وإعادة ضبط صلاحيات القرار العسكري.
والثانية سياسية/ضغطية: ربط جوانب من التعاون الأمني والتمويل الدفاعي بشروط تتعلق بقدرة الدولة العراقية على تقليص نفوذ الفصائل غير المنضبطة وتقليص التأثير الإيراني داخل المؤسسات. بمعنى آخر: واشنطن تقلّل من لغة الحرب، لكنها ترفع سقف “اشتراط الدولة”.
في المقابل، يبدو أن طهران تتجه إلى تخفيف “البصمة الأمنية” لا إلى التخلي عن النفوذ. قبل الانتخابات ظهرت تقارير عن تحركات قاآني في بغداد لضبط الانقسامات داخل القوى الشيعية. وبعد الانتخابات، يبرز نمط حضور أكثر نعومة وبروتوكولية—مثل ظهور ظريف في فعاليات ثقافية—بما يوحي بأن إيران تُبدّل الواجهة حين يلزم، دون أن تتنازل عن شبكات التأثير.
هنا يظهر تشبيه “توم باراك” وتحذيره من “بلقنة” العراق وسوريا، وهو تحذير لا يُقرأ كتاريخٍ مقارن بقدر ما هو رسالة سياسية: إن فشلت الدولة في تجميع القرار والسلاح، فإن الصراع على المركز قد يحوّل العراق إلى “يوغوسلافيا بطيئة”—تفكك وظيفي تتسع فيه مناطق النفوذ على حساب الدولة.
لذلك، يصبح الحديث عن “شرعٍ عراقي” و“ميلوشيفيتشٍ عراقي” حديثاً عن نمطين لا عن أشخاص. “نموذج الشرع” يعني دولة مركزية تُعيد بناء احتكار العنف تدريجياً وتفتح نافذة شرعية/اقتصاد بدعمٍ خارجي مشروط. أما “نموذج ميلوشيفيتش” فيعني مركزنة صِفْرية تُدار عبر التعبئة الهوياتية والسلاح، فتنتج ردود فعل انفصالية وتسرّع التمزق.
العراق اليوم أمام اختبار بسيط: هل ستتحول المركزية إلى مشروع دولة يضبط السلاح ويمنع كسر الشركاء؟ أم ستتحول إلى مشروع غلبة يفتح باب التفكك؟ الإجابة ستتضح في كيفية إدارة التحالفات، وملف الفصائل، وتوازن العلاقة مع واشنطن وطهران في الأشهر القادمة
هيثم هادي نعمان