عن عزيز الحاج مواقف وذكريات د. حسن الزيدي


الدكتور عزيز الحاج حيدر
-في 18 كانون الثاني 2022 تم في مقبرة في ضواحي باريس دفن جثمان الدكتور عزيز الحاج حيدر في مراسيم متواضعة حيث لم يحضر اي من الذين ناضل معهم وناضلوا معه وهم قلة جدا لوفاة او استشهاد أغلبهم ولا الذين عملوا معه وبعضهم يعيشون في فرنسا. بل حضرت ابنته قادمة من ايطاليا والزميل المهندس مهدي الحافظ وحرمه اللذان كانا يرافقانه خلال السنوات العشرين من حياته بعد تقاعده كسفير عراقي لليونسكو والزميل الدكتور فراس مصطفى الخفاجي ود. جواد بشارة مرهج وموظفين من السفارة وانا بصفتي بعثي سابق عرفته منذ عام 1992 في باريس
-في عام 1930 ولد في بغداد لأبويين كرديين ينتميان للمذهب الشيعي وحصل في عام 1947 على بكالوريوس لغة إنكليزية من دار المعلمين العالية (كلية التربية)وأنظم في نفس عام 1947 للحزب الشيوعي الذي تأسس سرا عام 1934 وتعرض للاعتقال في عام 1948 عندما تعرض الحزب الى نكسة كبيرة شملت اعتقال معظم كوادره وتم في عام 1949 إعدام سكرتيره العام فهد وثلاثة من رفاقه وبقي عزير وعشرات اخرين بين معتقل ومنفي ومراقب حتى ثورة 14 تموز عام 1958
-في عام 1956 وعندما انتميت لحزب البعث العربي الاشتراكي سمعت باسمه باعتبار حزب البعث كان عضوا في جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست عام 1954 وتضم الحزب الشيوعي كفاعل رئيس فيها لانه أقدمها حيث تأسس سرا عام 1934 وأكثرها قواعد شعبية (عمال وحرفيين ومعلمين) واكثرها تضحية وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي اللذين تأسسا معا في عام 1946 ويضمان كوادرا من الحقوقيين والمعلمين والاداريين وحزب البعث كحزب ناشئ تأسس عام 1951 يضم طلبة كليات وثانويات وموظفين صغار وكانت الجبهة تحظى بتعاطف مئات وربما الاف من المثقفين في كل المجالات الهندسية والطبية والتعليمية والحقوقية ولدى (حركة الضباط الأحرار) التي تأسست سرا عام 1953 وكانت ترى فيها رصيدها السياسي وداعمها الأول عندما تقرر القيام بانقلاب فيما كانت الجبهة ترى في الجيش وسيلتها الوحيدة( كقوة مسلحة) لاستلام الحكم .
-في عام 1957 أصدرت جبهة الاتحاد الوطني بيانا كان من بين مواده الخروج من حلف بغداد واجراء انتخابات برلمانية نزيهة واطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين ومنهم عزيز الحاج واخر-
-في يوم الاثنين 14تموز 1958تهيأت الظروف الموضوعية لحركة الضباط الأحرار التي تأسست عام 1953 وتظم حوالي ثلاثمائة ضابطا بين زعيم ركن وملازم أول للقيام بانقلاب) حيث قررت الحكومة الملكية ارسال قطعات عسكرية مسلحة من معسكر سعد في بعقوبة شرق بغداد للمرابطة على الحدود الأردنية مع سوريا لمحاولة اجبارها على الانسحاب من الوحدة التي اقرتها في الأول من شباط 1958 مع مصر فاستغلت هذه القطعات المناسبة عند مرورها من بغداد بمحاذاة القصر الملكي ووجهت نيرنها نحو القصر الملكي الذي يقع خلف معرض بغداد الحالي حيث قتل الملك فيصل الثاني وخاله عبد الإله. وفي 15 تموز تم مقتل نوري السعيد الذي كان أخطر رموز وأركان النظام الملكي،
-الحكومة الجمهورية الأولى ضمت أعضاء من جبهة الاتحاد الوطني التي أعلنت تأييدها للانقلاب لأنها كانت على تواصل مع بعض قيادات حركة الضباط الاحرار التي استحوذ اثنان من قيادتها العليا على الوزارات الهامة حيث صار الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع فيما صار العقيد الركن عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية ولم يبديا رغبة الإنصاف رفاقهم في القوات المسلحة بمشاركاتهم في الحكم لامن خلال مجلس وطني موسع يضم جميع الأعضاء وتجاهلا لحجج واهية إجراء انتخابات برلمانية وهي إحدى أهم مطالب جبهة الاتحاد الوطني
– شكلا قاسم وعارف اللذان مجلس سيادة ثلاثي شكلي براسة المحامي محمد مهدي كبة أمين عام حزب الاستقلال
كما شكلا حكومة تضم الاقتصادي محمد حديد عضو الحزب الديمقراطي وزيرا للاقتصاد والمهندس فؤاد الركابي امين عام حزب البعث وزيرا للصناعة ووزراء عسكريين من حركة الضباط الأحرار ومن عناصر مدنية وطنية فيما لم يساهم مباشرة الحزب الشيوعي في اول حكومة جمهورية علما بان ممثلة في جبهة الاتحاد الوطني كان المحامي كمال عمر نظمي العضو المرشح لعضوية اللجنة المركزية وحل محله المعلم عزيز الشيخ الذي كان ممن تم إطلاق سراحهم عام 1958 بالرغم من ان الحزب طالب ومن حقه المشاركة في الحكم) حيث رفع شعار ( الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي) ومع ذلك لم يستمر الحزب الشيوعي في لعب دوره الفعال داخل جبهة الاتجار الوطني لتضغط على الضباط لإقامة حياة ديمقراطية برلمانية يتم فيها تداول السلطة بل عجل بعض أعضاء قيادته وخاصة عامر عبد الله بتفككها بعيد أشهر من الانقلاب الجمهوري مكتفيا بوجود بعض الضباط الشيوعيين في بعض المراكز وقرروا السير خلف الزعيم عبد الكريم قاسم ودعمه ورفعوا شعارات (الزعيم الأوحد. ماكو زعيم إلا كريم. ابن الشعب البار الخ من الشعارات) فيما سار البعثيون خلف نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية العقيد الركن عبد السلام عارف ونفخوا فيه على أمل أن يرفع لهم عاليا راية العروبة
-كانت جريدة اتحاد الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي وكان عزيز الحاج العضو المرشح للجنة المركزية والعضو الفعال في رئاسة تحريرها و انحازت كليا إلى عبد الكريم قاسم و كتب الرفيق عزيز مقالة يسارية متطرفة بعيدة عن أهداف جبهة الاتحاد الوطني التي تتمثل بالخروج من حلف بغداد الذي تأسس عام 1955 وتحقيق الديمقراطية والتضامن العربي فيما صار الحزب الشيوعي وجريدته يروجون للتقارب مع الاتحاد السوفييتي وليس مع الجمهورية العربية المتحدة ( السورية المصرية) برئاسة العقيد الركن جمال عبد الناصر
-في عام1961 قررت اللجنة المركزية للحزب التي كان حسن رضوي (سلام عادل) يرأسها بين 1955 وإعدامه عام 1963 ارسال عزيز الحاج الى تشيكوسلوفاكيا كنوع من الابعاد وعمل هناك صحفيا في (مجلة السلم والاشتراكية) وبقي حتى عام 1966 لذلك نجا من بعض جلادي حزب البعث لعام 1963 الذين اجرموا بحق غالبية القيادات الشيوعية.
-في أيلول عام 1966 عاد عزيز الحاج للعراق ولتطرفه ولعدم معرفته الموضوعية بالظروف الاجتماعية في العراق انتقد الحزب الشيوعي واعتبر قياداته جبانة ومهادنة ومنحرفة رغم الضربات المؤلمة التي تعرضت لها وخاصة استشهاد قياداتها الذين منهم حسين رضوي ( سلام عادل) وحاول ان يكون جيفارا العراق فانشق عن ( الحزب الشيوعي )الذي كان بين 1964\1993 امين سره العام عزيز محمد وهو سنيا من أكراد الشمال فيما كان هو شيعيا من أكراد الجنوب الشرقي وشكل ما اسماه ( الحزب الشيوعي -القيادة المركزية ) و(مجموعة الكفاح المسلح) في جنوب العراق مما يدل على عدم فهمه وتقديره لمفهوم الكفاح المسلح الذي يحتاج لحاضنة شعبية ونفس طويل وجغرافية وامكانيات للوقوف بوجه نظام مستبد وبوليسي مثل نظام حزب البعث.
-في عام 1969 تم القبض عليه وعلى معظم (جماعته) مثلما تمكن المستعمرون البلجيكيون القبض في كانون الثاني 1961 على الكونغولي ( الزائيري) باتريس لوممبا الذي قاد حركة استقلال بلاده واعدموه عن عمر 36 عاما ومثلما تمكن النظام البوليسي في بوليفيا القبض في تشرين اول 1967 عام على الأرجنتيني أرنستو جيفارا واعدموه عن عمر 39 عاما, غير ان عزيز الحاج لم يكن شجاعا مثل شجاعة يوسف سلمان يوسف ( فهد) الذي كان اول سكرتير عام للحزب منذ تأسيسه عام 1934 حتى إلقاء القبض عليه وإعدامه عام 1949 من قبل النظام الملكي ولا مثل حسين رضوي(سلام عادل) الذي كان السكرتير العام للحزب منذ عام 1955 حتى إعدامه عام 1963 من قبل البعثيين الذين رفض ومهادنتهم بل استسلم لهم لقاء اعترافه على رفاقه كما فعل من قبله عام 1948 مالك سيف وآخرون
-في عام 1971 قررت السلطات العراقية البعثية تثمينا اعترافاته تعينه سفيرا للعراق في منظمة اليونسكو في باريس وهناك درس وحصل على دكتوراه عن تاريخ الأكراد وكتب عدة كتب ومقالات أثناء وجوده كسفير حتى استقالته عام 1991 أي بقي سفيرا لمدة عشرين عاما اشترى خلالها شقة في الحي الخامس عشر من باريس وهو من الأحياء الراقية حيث زرته فيها وكان يعتني بقطة جميلة(ريمي). كما حصلت له مشاكل مع دائرة الضرائب الفرنسية لانه لم يصرح كما ينبغي عن رواتبه الكبيرة.
-في عام 1986 قرر السفير العراقي في فرنسا الدكتور محمد المشاط المشاركة فيما يسمى المجهود الحربي بالقيام ودعا العراقيين العاملين في فرنسا لاجتماع في إحدى قاعات المركز الثقافي في باريس وكان الدكتور عزيز الحاج حاضرا فتبرع المشاط براتبه لشهر كامل فيما تبرع هو فقط بمبلغ خمسمائة فرنك وهو العملة الفرنسية حتى عام 2000
-في عام 1987 قرر السفير الدكتور محمد المشاط تشكيل لجنة إعلامية برأسته وعضوية عزيز الحاج والمهندس اللبناني نيقولا الفرزلي والسوري ناصيف عواد والطالب كاظم المقدادي وانا عضو ومقررا بصفتي رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق وعضو المنظمة الحزبية واصدرنا مجلة فصلية بأسم بلاد ما بين النهرين باللغتين العربية والفرنسية.
-في عام 1990 بعد أن غزا العراق الكويت استقال من اليونسكو بقي يكتب مقالات يهاجم فيها كما تعود الامبريالية والرجعية ولم يتبلور في ذهنه ولا في ذهن الغالبية العظمى من السياسيين العراقيين الذين عاصرهم إيجاد او تصور برنامجا وطنيا عن نظام حكم وطني عراقي يتناسب مع ظروف بلادنا التي فيها نسبة العاملين في الزراعة/40 فيما لا تشكل الفئات العاملة في الحرف والمهن/15 ويتوزع الباقون على مؤسسات عسكرية وشرطية وامنية ولذلك قدم الشيوعيون الصينيون الفلاحين على العمال وهؤلاء على الجنود ونجحوا فيما تبنى شيوعيو موسكو العكس و اندحروا بينما بقي هو والشيوعيون
يتبنون شعار (المنجل والمطرقة) وينادون ليس بوحدة الشعوب العالم ولا بوحدة العاملين في العالم بل ب(وحدة عمال العالم) ولربما يعنون بها كل العاملين بمن فيهم أهل الفن والأدب
-في عام 1989 عدت للعراق ثم عدت عام 1992 الى فرنسا حتى عام 1996 وصرت التقي به لأننا كنا نسكن في نفس الحي وزرته في شقته وكانت يعتني ب(قطته الودودة ريمي) ثم دعوته الى شقتنا ومعه ابنته التي أتت من إيطاليا واستضفت معهما الزميل الدكتور شاكر نوري. عندما كنا نلتقي من وقت لأخر كان يقترح على أن نجلس في مقهى صغيرة منزوية لأنها أرخص كما كان يردد فلاحظت طبعه البخيل والعنيف والمدعي.
-منذ عام 2000 كنت التقي به في مناسبات متباينة منها حفلات السفارة العراقية.
-على أية حال لم يلغ موت الدكتور الزميل عزيز على حيدر عنه كونه أحد رموز السياسة الحزبية العراقية المعاصرة بكل ما فيها من تجارب قاسية. وإذا قورن بأزلام الحكم الحالي في العراق فسيكون متميزا عليهم جميعا في النزاهة والوطنية والثقافة حيث كتب عشرات الكتب السياسية. رحمي له.
صورة الدكتور عزيز الحاج