مقالات رأي

عن فشل المشروع السياسي الشيعي في العراق   عبد اللطيف السعدون

 

 إذا أردنا أن نسمّي الأشياء بمسمّياتها يمكننا أن نقول إن “المشروع السياسي الشيعي” في العراق قد وصل إلى نهايته بعد سلسلةٍ من الخيبات والإخفاقات ومرارات الفشل، ولم يبق سوى إشهار شهادة رحيله، حكمنا هذا تؤكّده اعترافات عديد ممن تبنّوا إسقاطات هذا المشروع، وعملوا على تحقيقه عشرين عاماً اعتماداً على ما روّجوها من مظالم زائفة، زعموا أنها لحقت بطائفتهم في العهود السابقة، لكنهم اكتشفوا، في النهاية، أن كل ما فعلوه كان مجرّد قبض ريح، وأن العراقيين عانوا على أيديهم أكثر وأقسى مما عانوه في أي مرحلة سابقة.

سمعنا مرّة زعيم حزب الدعوة نوري المالكي يعترف بأن “هذه الطبقة السياسية (ولم يستثن نفسه منها)، ينبغي ألا يكون لها دور في رسم خريطة العملية السياسية في العراق لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً (..)، ويجب أن يأتي جيل جديد يقود البلد إلى التطوّر”. وكذلك فعل زعيم ائتلاف الفتح هادي العامري، إذ قال “أخفقنا، وقصّرنا بحق شعبنا، وعجزنا عن أن نقدّم لهم الخدمات المطلوبة والحياة الكريمة، والتهينا في الصراعات الداخلية، وتركنا شعبنا يتضوّر من الجوع والفقر، ولا بد أن نعترف بذلك”، كما شاهدنا أحد منظّري المشروع المذكور وهو يذرف الدموع على الشاشات على ما آل إليه الحال، ولأن “المشروع الشيعي قد فشل”، داعيا القائمين عليه أن يقرّوا بذلك، وآخر منهم رأى “أن الشيعة لا يتقنون فن الحكم“!

إلى ذلك، حصل انفصامٌ على وقع ما حدث بين المرجعية الشيعية والطبقة السياسية التي تبنّت المشروع وعملت عليه، وكان لافتاً في أكثر من مرّة أن يُحجم المرجع الشيعي علي السيستاني عن استقبال السياسيين، كما انتقد وكلاؤه في “خطب الجمعة” تقصير الحكومات المتعاقبة في تقديم الخدمات المطلوبة، وعجزها عن إيجاد الحلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي حاقت بالمواطنين.

ومع أن عديدين اعتبروا هذا النمط من الاعترافات مجرّد مناوراتٍ القصد منها امتصاص غضب الشارع، وبعد ذلك العمل على إعادة إنتاج العملية السياسية مع بعض التشذيب والقصّ إلا أنها، مع ذلك، عكست حالة انهيار المشروع الشيعي وفشله الذريع.

وما أمكن ملاحظته أن المشروع المذكور حمل في تلافيفه خاصّيتين، كل واحدة منهما كافية لإفشاله: الأولى، محاولة متزعميه تجذيره وصولاً إلى ما قبل 1400 عام، مع أن بعض مروياته متخيّلة ومصنوعة. والثانية، ارتباطه، على نحوٍ ما، بمبدأ “ولاية الفقيه” الذي لا يحظى بموالاة الشيعة العرب، والعراقيين على الخصوص، لأسبابٍ ليس هنا مجال بحثها.

المثير أكثر من ذلك أن من تضرّر من هذا المشروع هم جماهير الشيعة أنفسهم الذين لم يحصلوا منه سوى على فرصة ممارسة اللطم على الصدور، وارتياد موائد “القيمة”، وقد جرت التضحية بهم وبغيرهم من العراقيين عندما تم وضعهم في خدمة مخططات إيران ومشاريعها في المنطقة. وبدلاً من أن يتوجّه المشروع إلى الدعوة لوحدة المسلمين كما يفترض فيه مشروعاً يرفع راية الدين، أفرز تفتيتاً طائفياً، وصل إلى المكونات العراقية الأخرى، وبدأنا نواجه انقساماتٍ وتشظّيات طائفية ومذهبية لم تكن معروفة من قبل، أدّت في محصّلتها إلى تدمير النسيج الوطني العراقي على النحو الذي نشاهده اليوم.

يبقى أن نقول إن ما ساعد على بقاء المشروع قيد الاختبار هذه المدّة الطويلة التي تجاوزت الأعوام العشرين ليس بسبب صعوبة ولادة البديل فحسب، وإنما أيضاً لاعتماد متزعميه على “فائض قوة” وضعته “الجمهورية الإسلامية” في أيديهم عندما اعتبرت العراق قاعدتها المتقدّمة في حماية أمنها القومي. ومن خلال “فائض القوة” هذا، استطاعت أن تدير اللعبة من هناك على المكشوف، وأن تتحكّم في القرار العراقي وفق مصالحها الاستراتيجية.

ورغم ذلك كله، استمرّ المشروع السياسي الشيعي في فقدان صلاحيته شيئاً فشيئاً، حتى اقترب اليوم من نهايته، لكن المشكلة تظل في أن البديل لم يولَد بعد، وقد يظل العراقيون ينتظرون زمناً أطول قبل العثور على البديل الذي يستحقونه، والذي سيتكوّن، بالتأكيد، من “قماشة” أخرى، ومن صنفٍ مختلفٍ يحفظ وحدتهم الوطنية، ويتخطّى الهويات الثانوية من دين ومذهب وعرق وعشيرة… إلخ.. ليحقق للجميع خياراتهم في الحرية والكرامة والعيش الرغيد، وخصوصاً أن العراق، أرضاً وبشراً وثرواتٍ، يتمتّع بكل المقومات والخصائص التي يمكنها أن تصنع دولة مدنية، مهابة ومقتدرة، وقادرة على صنع تنمية حقيقية مستدامة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى