غاب وترك لنا المرآة رشا عمران

كان يمكن لأيّ أحد أن يراه في شارع الحمرا في بيروت ماشياً وحده، برأسه المائل إلى الأسفل قليلاً وبخطواته الهادئة، أو جالساً في أيٍّ من حانات الشارع يأكل شيئاً ما أو يشرب كأس خمر، وحيداً أو بصحبة صديق أو صديقَين، بينما الحانة ممتلئة بالناس من دون أن يخطر لأحد أن يطلب التقاط صورة معه. ليس لأن زياد الرحباني كان مجهولاً للآخرين، بل لأنه كان معروفاً أكثر ممّا ينبغي لفنّان مثله، كان قريباً من الجميع أو صديقهم، هذا الصديق الذي لا يخطر لك أن تلتقط صورة تذكارية معه، ذلك أنك تراه في كلّ لحظة وفي كلّ وقت. هو قريبٌ إلى هذا الحدّ، إلى حدّ أن جلوسه إلى طاولة بقربك لا يثير لديك الدهشة. ليس لأن زياد كان موجوداً دائماً في هذه الأماكن، بل لأنه موجوداً دائماً في الوعيين، الجمعي والفردي، لأكثر من جيل لبناني وعربي، إلى حدّ أننا (نحن أبناء هذه الأجيال) نردّد كلامه ونتقمّص طريقته في السخرية من كلّ شيء، ونغضب مثلما يغضب، ونحفظ ألحانه وأغنياته كما لو أننا نحن من صنعها لا هو.
لم يكن زياد نجماً على طريقة نجوم الفنّ المعتادين، لكنّه كان نجماً على طريقته الخاصّة: حضور متفرّد وقوي وواضح وصادق وعفوي وجارح، لا يسعى إلى أن يحبّه أحد، لكنّ الملايين أحبّوه من دون سطوة الإعلام وسطوة شركات الإنتاج وسطوة الفضائيات، كان لديه هذا الحضور الغامض الذي يملكه عباقرة قليلون، غموض متحرّر من الصورة النمطية للنجم، ويقف على الحافّة، يراقب سقوط الجميع في فخّ الصورة نفسها بينما هو الناجي الوحيد.
لم يأتِ زياد من الهامش نهائياً على طريقة أساطين الفنّ العربي التقليدي، بل جاء من متن هذا الفنّ، لم يكن مقطوعاً من شجرة كما يقال، هو فرعٌ أصيل لشجرة فنّية بالغة الثراء، هو ابن العائلة الرحبانية التي غيّرت في مفهوم الأغنية العربية والموسيقى العربية، وأخذتها نحو تجاربَ مختلفةٍ في الإيقاعات مدمجة بين التقليدي والحديث، وهو ابن العائلة التي جعلت من لبنان حالةً فريدةً ومتميّزةً في المشرق العربي، هو ابن فيروز، الأيقونة التي يتبارك صباحاً بصوتها ملايين من العرب. لكن زياد استطاع ببراعة فريدة تحويل هذا المتن العظيم إلى هامش لا يقلّ عظمة، لكن عظمته ترابية، من بؤرة الواقع الأسود، من كلّ فجاجة هذا الواقع: الطائفية والمذهبية والمناطقية والنخبوية والفقر والحرب الأهلية والانقسام والقتل على الهُويَّة. هذه الفجاجة التي بدت في أعمال الرحابنة وفيروز هامشية كشفتها أعمال زياد على حقيقتها، وأعادتها إلى مكانها الطبيعي: المتن.
هذا الاستبدال لم يكن عفوياً، كان نتيجة فهم زياد الفطري للواقع، وفهمه المعرفي لحقيقة هذا الواقع، نتيجة رؤيته الوجه الآخر للصورة التي أرادت عائلته الفنّية إظهارها: ما يحدث في لبنان هو بسبب الآخرين؛ لكن زياداً رأى الحقيقة الأخرى، وجه الصورة المظلم: ما يحدث في لبنان هو أولاً بسبب أن اللبنانيين ليسوا شعباً، بل مجموعة طوائف متصارعة. هكذا استطاع أن يكسر الرومانسية الرحبانية التي تتناسب مع خيبة أجيال النكبة والنكسة المأخوذة بالبعد القومي للقضايا الوطنية، ليظهر القصّة على حقيقتها الفجّة، لكنّها الحقيقة البسيطة: “نحن سبب هزائمنا، العطب فينا والخراب فينا.
قدّم زياد لأبناء جيله هُويَّةً جديدةً للبنان وللعرب، هُويَّة حقيقية مغمّسة بوسخ الواقع العربي، رافضاً الهُويَّة الرومانسية المتخيّلة التي اقترحتها عائلته الفنّية. لم يقتل زياد أبيه (عائلته) على طريقة فرويد، لكنه كسر الصورة التي أرادتها العائلة للبنان والعالم العربي، ثمّ أعاد تجميعها على طريقته التي وجد فيها الجيل العربي المعاصر لزياد الرحباني صورته الحقيقية، فتبنّاها، وجعل من صاحبها نجماً بمواصفات شديدة الخصوصية. النجم الذي يراه كلّ شخص في ذاته، وكأنّ زياداً استطاع أن يحوّلنا جميعاً (نحن أبناء جيله الذين عاصرناه وسمعناه وحفظناه وتشبّهنا به) زياداً آخر، فجّاً ووقحاً وساخراً وعبقرياً ومبدعاً وحسّاساً وعاشقاً ومخذولاً وخائباً وطيّباً وساذجاً وخبيثاً وشكّاكاً وصافياً وأيديولوجياً ومتناقضاً. نحن جميعاً هذا الزياد الذي غاب قبل أيام قليلة، مغيّباً معه أحلامنا المُجهَضة، وتاركا لنا (نحن نجوم ذواتنا) المرآة التي تعكس خرابنا الكبير.