فصل الخطاب في مسيّرات العراق المجهولة المعلومة عبد اللطيف السعدون
ثمّة تعتيم، يبدو أنه متعمّد في تقاريرَ واردةٍ من بغداد، تشبه، في بعض تفصيلاتها، ما حكته لنا الروائية الإنكليزية أغاثا كريستي في روايتها “ثمّ لم يبقَ أحدٌ”، عن الغرباء العشرة الذين التقوا في جزيرة، وماتوا واحداً بعد الآخر من دون أن يعرف أحد كيف ماتوا، ومن هو القاتل، وقد وقفت الشرطة مكتوفةَ الأيدي، فلم تجد حلّاً لهذا اللغز الغامض، إلى أن عُثر على رسالة موضوعة في زجاجة حدّدت هُويَّة القاتل الذي كان واحداً من الرجال العشرة.تقارير بغداد، التي ذكّرتنا برواية أغاثا كريستي تلك، تحدّثت عن مسيّرات مجهولة (معلومة!) قصفت منظومات الرادار في أكثر من موقع عسكري، وكان الهدف كما يبدو الحيلولة دون كشف مواقع انطلاق أيّ هجمات مقبلة (مخطّط لها) يمكن أن تحصل، وهذا ما حصل، إذ عادت المسيّرات في الأيام التالية وهاجمت منشآت نفطية ومواقع عسكرية وحيوية في كردستان وفي مدن عراقية أخرى، وشكّلت هذه الهجمات، التي لم تعلن جهة ما تبنّيها، حالة تعتيم، يبدو من سياق الأحداث أنه متعمّد.
وفي إطار ردّة الفعل، اتهمت سلطات كردستان مليشيات الحشد الشعبي بتدبير الهجمات، التي وصفها القيادي الكردي هوشيار زيباري بأنها “عدوان صارخ من قوى اللادولة”، وطلب الاتحاد الوطني الكردستاني “تدخّل قوات التحالف لحماية حقول النفط والمواقع الحيوية من هجمات المليشيات”، ودخلت على الخطّ الولايات المتحدة، بصفتها الدولة الراعية لحكومة بغداد، ووصفت وزارة خارجيتها الهجمات بأنها “أعمال إرهابية تعرّض استقلال العراق ومستقبله الاقتصادي للخطر”، وطلبت لجم الفصائل المليشياوية التي تقف وراء هذه الأفعال. ورغم ذلك كلّه، ظلّت حكومة بغداد ساكنةً في مكانها تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى، وتردّد في دواوين السياسيين أن هناك من حاول تضليل لجنة تحقيق شكّلها رئيس الحكومة محمّد شيّاع السوداني، بالادّعاء أن المسيّرات جاءت من إسرائيل، وقد رأى السوداني في ذلك مجافاة للحقيقة بعدما وصلت إليه معلومات استخبارية مؤكّدة عمّن يقف وراء الهجمات، وكان أن طلب التوسّع في التحقيق، وبعد لَأيٍ استغرق الشهر كلّه، قالت الحكومة، في بيان لها، إنها تأكّدت من أن المسيّرات الثلاثين “صُنعت خارج البلاد، وانطلقت من داخل الأراضي العراقية (…) وتم التعرّف إلى الجهة المنفّذة”، لكنها لم تسمِّ جهةً محدّدةً أو شخصاً فاعلاً، محاولة إبقاء الغموض قائماً، ومتذرّعة بما وصفته بـ”الضرورات الأمنية”، مع أن “الضرورات الأمنية” نفسها تفرض الإفصاح للمواطنين عن كلّ المعلومات التي توافرت كي يكونوا على بينة، ويساعدوا أجهزة الدولة في متابعة ما يعرّض أمنهم إلى الخطر.
لم تنته الحكاية فصولاً عند هذا الحدّ، إذ زادت محاولة طمس الحقيقة من سعي المواطنين إلى معرفة ما جرى، وظهرت، في مواقع التواصل الاجتماعي بياناتٌ ووجهاتُ نظر من ناشطين سياسيين ومحلّلين، لكنّ معظمها لم يوفّر الجواب الذي يشفي الغليل، حتى وردت معلومات متواترة من خبراء وشاهدي إثبات فضحت المستور، وإذا كان الشيطان يكمن في التفاصيل التي حاول السوداني التعتيم عليها لتفادي إغضاب “وكلاء” إيران، ولا سيّما وهو يخوض سباقاً انتخابياً قد يؤهّله إلى ولاية ثانية، فإن تلك التفاصيل تدمغ طرفاً في “الجمهورية الإسلامية” بأنه من صنع المسيّرات هناك، ونُقلت إلى منطقة جرف الصخر (60 كيلومتراً جنوب غربي بغداد)، التي تسيطر عليها مليشيات ترتبط مباشرةً بالحرس الثوري، وقد جرى إطلاقها من هناك ضمن مخطّطٍ، الهدف منه تطمين طهران، وإظهار موقف مساند لها، والعمل في إطار استعادة فاعلية “محور المقاومة”، الذي تعرّض في الآونة الأخيرة إلى ضربات قاصمة للظهر وضعته خارج الاستخدام. وشذّت عن هذا الموقف فصائلُ صغيرةٌ أطلقت على نفسها “الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية”، حاولت النأي بنفسها عمّا حدث، بعدما أدركت أنها ستكون عرضةً للعقاب من واشنطن.
هنا يمكن القول إن المعطيات الماثلة في حكاية المسيّرات المجهولة – المعلومة، عكست حالة دولة فاقدة للسيادة، وخاضعة لهيمنة قوى أجنبية لها السيطرة شبه المطلقة على القرار، وأن من الوهم توقّع أن تكون لها القدرة على معالجة ما يطرأ أمامها من معضلات، كما من الوهم أيضاً توقّع أيَّ تغيير للحال وللمآل، ما دامت الدولة نفسها عاجزةً عن حماية منشآتها العسكرية، ومواقعها الحيوية، وما دامت أرضها وسماؤها مستباحةً من تلك المليشيات من دون أن يوقفها رادع، وهذا هو فصل الخطاب.