في البحث عن حلول وطنية رشا عمران

كان يمكن للحظة هروب بشار الأسد وانهيار النظام الذي فتك بالسوريين لمدة تزيد على خمسين عاما،
أن تكون بداية استعادة السوريين لحياتهم الطبيعية، بداية تخلصهم من أثر القمع والإجرام والحرب الطويلة.
كان يمكن لتلك اللحظة أن تكون أيضا بداية انتهاء المظلومية الطويلة والبدء ببناء سوريا جديدة فعلا وخالية من الظلم والمظالم؛ رغم أن ذلك ما كان ليكون سهلا نتيجة ما عاناه السوريون من العنف والقهر والخوف والفقد والتشرد والموت المتنقل والإذلال والحصار والجوع الخ. لكن سقوط النظام بتلك الطريقة الدراماتيكية، وما ظهر من تلاقي السوريين جميعا وتلاحمهم في الأسابيع الأولى، كان كفيلا بأن يشكل قاعدة يتم البناء عليها للبدء بإعادة صياغة مجتمع جديد ودولة جديدة ووطن جديد خال من كل المساوئ والدكتاتوريات والفساد الذي قامت الثورة ضده.
كان يمكن للحظة هروب الأسد أن تكون أول الطريق نحو تحقيق أهداف الثورة بالحرية والعدالة والمواطنة والديمقراطية. لكن للأسف لم يحدث المرجو من سقوط نظام الأسد والبعث، ولم يستطع السوريون البدء ببناء دولتهم الجديدة، ذلك لأن المجازر المتنقلة عادت لتصبح هي المتن السوري الحالي، مع تغيير الأدوار، واستبدال الضحية بالجلاد، وسقوط مدنيين أبرياء جدد، وانتشار خطاب طائفي يستقوي بالسلطة، ويستدعي خطابا طائفيا مضادا، هكذا خلال أقل من عام عادت سوريا إلى نفس دائرة المجازر والانتهاكات المتواصلة والفاشية الشعبية المتبادلة. وهكذا أيضا تشبث الضحايا القدماء بمظلومية اعتبروها تبريرا كافيا لاستحقاق القوة والظلم والانتهاك، وتبنى الضحايا الجدد مظلومية جديدة سوف تكون بعد حين مبررا كافيا لاستحقاق القوة والظلم والانتهاك. ما يجعل سوريا تعيش في دائرة عنف يبدو أنها لن تنتهي في الأفق القريب إلا بحلول جراحية قاسية ، ذلك أن هذا العنف والغضب المتراكم والمتجدد سوف يمنع السوريين من العيش بسلام معا مجددا، مالم تحدث معجزة ما تنقذ ما تبقى من هذا الوطن البائس.
يفكر السوريون جميعا اليوم (نستثني الذين يعتبرون أن سقوط الأسد هو الغاية). بالسبل والطرق الممكنة التي يمكن من خلالها إنقاذ سوريا من التقسيم أو من حرب أهلية طويلة الأمد، أو من مصير يحيل البلد وأهله إلى البقاء رهينة الحروب الصغيرة الميليشياوية والفصائلية على غرار دول أخرى عانت وما تزال تعاني من انتشار السلاح والفصائل والميليشيات المدعومة من جهات عدة. ولكي نكون واقعيين وعمليين يجب الإقرار أولا أن إنقاذ سوريا من مصائر مشابهة يحتاج رغبة دولية أولا وقناعة كاملة لدى الدول الداعمة للسلطة الجديدة بأن المزيد من الفوضى في سوريا ستكون نتيجته وبالا على كل المنطقة؛ ذلك أن الفوضى الأمنية تعني مزيدا من اللاجئين الباحثين عن الأمان بكل الطرق الممكنة، وهذا سوف يعيد سيرة اللجوء والنزوح السوري إلى الواجهة، كما أن حروبا أهلية سوف تزيد من التطرف والاصطفافات الطائفية التي سوف تصدر إلى دول الجوار. كما أنها، على غرار ما حدث سابقا وعلى عادة التجارب المشابهة، سوف تجعل من إنتاج المخدرات وتهريبها والاتجار بها مهنة لكثير من السوريين، أي إن الدائرة ذاتها سوف تعود لتغلق من جديد على سوريا وسمعتها ومصير شعبها. إذا لا مفر من تضافر الجهود الدولية لمساعدة السوريين على إعادة بناء مجتمعهم، وهذا أيضا يتطلب إلغاء العقوبات التي فرضت على سوريا سابقا، والتي لم تفعل سوى زيادة معاناة السوريين في الداخل، بينما استطاع النظام الإفلات منها بطرق ملتوية لم تكن خافية على المجتمع الدولي.
غير أن جهود المجتمع الدولي، إن توفرت لديه النية بالمساعدة، لن تكفي لذلك، فثمة مسارات داخلية وطنية يجب أن يسلكها السوريون جميعا، وعلى رأسهم السلطة المؤقتة التي ضيعت وحدها، الفرصة على سوريا ببناء مجتمع جديد، وحين نقول: وحدها، فهو من باب أنها هي التي تسيطر على كل مفاصل سوريا اليوم. وهي التي استلمت إدارة سوريا اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وعلميا وتربويا وثقافيا وإعلاميا وعسكريا وقضائيا وسلمتها لمقربين لها من دون أي اعتبار للكفاءة أو للخبرة، ما يجعل من الوضع السوري مرشحا لمزيد من الانهيار علي كل المستويات، وهي التي تغذي مناصريها ديكتاتورية رمزية توهمهم بامتلاك القوة التي تمنحهم استحقاق استباحة كل من يري عكس ما يرونه، وكل من يختلف معهم بالعقيدة الدينية والسياسية والمجتمعية. لهذا فإن السلطة المؤقتة (تتصرف كما لو أنها ستكون أبدية)، تتحمل مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع السورية من تفتيت وتشرذم واصطفاف غير وطني، ومن تدويل أو تقسيم مناطق نفوذ أو تقسيم حقيقي، يضيع كل ما يمت للوطن وهويته الجامعة بصلة.
يحتاج السوريون اليوم إلى مشروع وطني كبير، وإلى وطنيين مترفعين عن كل انتماء خارج الانتماء السوري، وطنيون يمكنهم كسب ثقة جميع السوريين من دون استثناء، هل خلت سوريا يا ترى من هؤلاء الوطنيين؟ وتحتاج إلى خطط استراتيجية تشمل جميع مناحي الحياة وتنقلها من ضفة الفوضى والانهيار إلى ضفة جديدة يمكنها معها البدء بعملية البناء.
تحتاج سوريا أولا إلى إعادة الثقة بين أفراد المجتمع ومجموعاته البشرية، وهذا ليس بالأمر اليسير بعد كل الذي حصل، لكنه أيضا ليس مستحيلا، ينبغي أن يدخل في مسارات تبدأ من تحقيق العدالة الانتقالية وتقديم مجرمي الإبادة سابقا ولاحقا إلى المحاكم، ثم اعتراف شعبي جمعي بما حصل وإقرار الجميع بمسؤوليتهم عن الخراب، وهذا يحتاج، كما قال كثيرون، إلى عقد مؤتمر وطني ممتد بحوارات صريحة ومكاشفة ومواجهة بدون خوف. لن تتحقق الثقة بين أفراد المجتمع من دون هذه المكاشفة والمصارحة والاعتراف بالخطأ، وهذا بدوره يجب أن يكون على رأسه مجموعة من السوريين الوطنيين من كافة أفراد المجتمع وفئاته. تحتاج سوريا أيضا إلى وضع دستور حقيقي يضع المواطنة كعنوان رئيسي تتفرع منه العناوين الأخرى، المواطنة التي تكفل حقوق الجميع وتحدد واجبات الجميع من أعلى الهرم حتى أدناه، لكن كل ذلك لن يتحقق قبل أن تنجز السلطة المؤقتة ما يجب أن يحدث: استقرار أمني وسحب السلاح من جميع السوريين من دون تمييز، ودمج فعلي للفصائل وبناء جيش وطني حقيقي بعقيدة وطنية فقط ومؤلف من جميع السوريين لا من فئة واحدة ووحيدة. هذا هو المسار الأول لإنقاذ سوريا، بدونه سوف ندخل في مجاهل حرب أهلية لن تتوقف قريبا خصوصا مع عجز السلطة عن تحسين الدخل والأوضاع المعيشية والخدمية، ما يزيد في الفلتان الأمني الجنائي والسياسي والطائفي. ويجعل من الجميع عرضة لكل أنواع الانتهاكات الأمنية.
مرة أخرى وأخيرة، سوريا تحتاج إلى وطنييها، رجالا ونساء، لا إلى شيوخ ولا طائفيين ولا موالين لغير الوطن، كانت إحدى أكبر المعضلات السورية زمن نظام الأسد هي الولاء للنظام وليس للوطن، للأسف نحن اليوم ندخل في دائرة الولاءات ما دون الوطنية، وهذه وصفة جاهزة لمزيد من الخراب. ومرة أخرى وأخيرة تتحمل السلطة المؤقتة الحاكمة المسؤولية عن كل ما سيحدث لسوريا لكونها تمنع التشاركية وتحتكر السلطة والحكم وتستخدم المدنيين في معاركها الأمنية. ولكونها ترفض حضور الوطنيين السوريين وترفض أن يكون لهم حضور في المشهد السوري السياسي والاقتصادي والأمني وتحاول تعويم من لا يمتلكون أية خبرات ليكونوا بديلا عن الوطنيين، وهذه أيضا وصفة جاهزة لخراب مضاف وممتد. لا أعرف في الحقيقة إن كان في هذه السلطة من يشعر بالكارثة الوطنية فينبه إلى الخطر القادم، الكارثة الأكبر هي أن يكونوا جميعا مأخوذين بما يسمونه انتصارا متجاهلين الأخطار الكبيرة التي تواجه سوريا، ويعملون على حلها بالطرق التي استُخدمت في الساحل والسويداء.
تلفزيون سوريا