قردة الحلم الأمريكي صبحي حديدي

لها في اللغة الإنكليزية، ولكن في معظم اللغات الأوروبية ذات الأصول اللاتينية، صيغة فعلية Simianise واشتقاق Simianization؛ أي، في التعريف المعجمي القياسي: المقارنة الازدرائية، أو عقد المشابهة، بين سليل أقلية عرقية أو إثنية وبين القرد أو الشمبانزي أو الغوريلا. تاريخها غير العنصري متعدد النُظُم الفلسفية أو الأنثروبولوجية أو الإثنولوجية، أو عبورها هنا وهناك إلى تأويلات دينية، يمكن أن يرتدّ إلى هيراقليطيس وأفلاطون، ومن الطبيعي أن يتقاطع مع كشوفات شارلز دارون في كتابه الرائد «حول أصل الأنواع».
ومن دون الغوص في تاريخ تطوّر هذه المقارنة وانقلابها عبر العصور والسياقات والثقافات إلى سلوك عنصري شائن وتمييزي بغيض، لا مناص من وقفة خاصة عند اقترانها بمفاهيم الاستعلاء والتفوّق و»عبء الرجل الأبيض»، التي وفّرت تغطيات نظرية للمشاريع الاستعمارية الأوروبية، ثمّ -استطراداً- تجذرها في مختلف أنماط الثقافة الشعبية، وترسيخ شخصية كنغ كونغ التي تمزج الرعب بالتسلية وتوحش الحيوان إذ يعشق امرأة شقراء، أو شخصية طرزان الأدغال ربيب القرود الذي يُرسي ركائز التمدن والشجاعة والبطولة والعائلة والإمبراطورية في مناخات العماء الحيواني. وللقارئ الراغب في المزيد، يُنصح بكتاب «التشبيه بالقردة: الجنس، الطبقة، والعرق»، تحرير ولف د. هوند، بالإنكليزية، 2017.
وأمّا مناسبة العودة إلى هذه الظاهرة، لأنها في الواقع لا تقتصر على مزاج عنصري هنا أو عصاب تفوّق أبيض هناك، فإنها مقطع الفيديو الذي يُظهر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل في هيئة قردة، والتي نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة التواصل الاجتماعي الخاصة به. صحيح أنه سارع إلى إعطاء الأمر بحذف التدوينة، ثمّ التبرؤ منها بذريعة خطأ ارتكبه أحد الموظفين، بعد أن كان الناطقون باسمه قد طالبوا منتقدي المقطع بالتوقف عن «سخط زائف». الأصحّ في المقابل، أنّ جنوح ترامب إلى مواقف وسلوكيات وتعابير عنصرية، صريحة غير مبطنة البتة، ليست جديدة عليه، ولم يُسجّل أنه اعتذر عنها.
لا عجب، والحال هذه، إذا استذكر المرء أنّ أوباما كان على الدوام ضحية هذه المشابهة مع القردة، خاصة بعد فوزه في انتخابات الرئاسة كأوّل أفرو ــ أمريكي يتسيد البيت الأبيض ثمّ إذا ذهب المرء أبعد في وضع المسلسل ضمن سياق أعرض نطاقاً، لا يشمل خصوم أوباما وحدهم، بل أنصاره من كبار قيادات الحزب الديمقراطي، وعلى رأسهم… جو بايدن، دون سواه! ولا يغيّر من جوهر الدلالة أنّ الواقعة تعود إلى سنة 2007، وأنّ سياقها الفعلي كان يندرج في إطار التنافس المحموم بين الرجلين على بطاقة ترشيح الحزب للانتخابات الرئاسية.
بايدن (وكان يومذاك السناتور المخضرم، الأبيض، المرشح)، قال في مديح زميله أوباما (الأسود، المرشح للمنصب ذاته، عن الحزب ذاته): «أوّل أفرو ــ أمريكي من التيّار السائد، جيّد النطق وبرّاق ونظيف وحسن المحيّا». ولأنه لم يكن يتحدّث سرّاً في مجلس خاصّ، بل علانية مع مراسل صحيفة «نيويورك أوبزرفر»، الذي سجّل الكلام بالصوت أيضاً؛ فقد اضطرّ بايدن إلى إبداء «الندم» لاحقاً، على كلام لا يمكن أن يُفهم إلا في مدلولات عنصرية صرفة.
الطريف أنّ أحد كبار الجمهوريين، الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، سارع إلى استغلال أسوأ النعوت في تصريح بايدن، فقال على شاشة «فوكس نيوز» إنّ أوباما «رجل جذاب. إنه جيّد النطق. لقد ترك عندي انطباعاً حسناً حين التقيت به شخصياً». لكنّ بوش كان أكثر فطنة من بايدن، فلم يصف أوباما بـ «أوّل» جيّدي النطق في أوساط الأفرو ــ أمريكيين، لأنه في الواقع كان سيغضب وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس… كبيرة الناطقات والناطقين المجيدين في البيت الأبيض!
وللتشبيه بالقردة مكانة بارزة في حيثيات ما يُسمى «الحلم الأمريكي»، على نحو اعتباطي غالباً؛ لأنّ المنخرطين في هذه الظاهرة، أو المدمنين ممارستها بالأحرى، يفترضون مسبقاً أنّ لهذا الحلم بشرة بيضاء حصرياً؛ إذا لم يذهبوا أبعد في تحصينه باشتراطات مسيحية/ مذهبية، بروتستانتية أو بيوريتانية أو سواها. وكان الفنان الكبير بول روبسون (1898 ــ 1976) بمثابة نموذج قياسي أقصى على عدم الحاجة حتى إلى المشابهة مع القردة، حين صار تأثيمه مهمة كبرى ملحّة على جدول أعمال وكالة المخابرات المركزية. كيف لا وهو أوّل فتى أفرو ــ أمريكي يتخرّج من مدرسة الحقوق في جامعة كولومبيا، وأوّل ممثّل أسود يؤدّي دور عطيل في مسرحية شكسبير (إذْ كان البيض يقومون بالدور، بعد طلاء وجوههم بصباغ أسود!)، وأوّل مغنٍّ أسود يتجرأ على رفض الغناء في صالة يحظر على السود دخولها، وأوّل قدوة نضالية أمريكية يستلهمها زعماء أفارقة شباب من أمثال جومو كينياتا وكوامي نكروما…
وأياً كانت دوافع مصمم فيديو آل أوباما في هيئة قردة، فإنه أغلب الظنّ ابن وفيّ لثقافة متأصلة وغائرة في النفوس، تنهض بعض ركائزها على كراهية الآخر والرهاب من المختلف؛ ولعله غير غريب، استطراداً، عن مخيّلة شاعر إنكليزي ميتافيزيقي مثل جون دون، روى أنّ إحدى بنات آدم وقعت تحت إغواء قرد، ودخلت معه في علاقة غرامية. كُتبت تلك القصيدة في سنة 1633، فكيف والحلم الأمريكي اليوم في قبضة ترامب!